إن من أجل العلوم وأعظمها نفعًا وأكثرها فائدة معرفة القواعد والأصول، والضوابط الكلية الجامعة، وذلك لأن «الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان، والأصول للأشجار، لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماءً مطردًا، وبها تعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرا، كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها، غير ذلك من الفوائد العظيمة والمنافع الجليلة» (^٢).
وعليه فإذا ضُبطت هذه القواعد وفهمت الأصول، أمكن الإلمام بكثير من المسائل التي هي بمثابة الفروع لها، وأمن الخلط بين المسائل التي قد تشتبه، وكان فيها تسهيل لفهم العلم وحفظه وضبطه، وبها يكون الكلام مبنيًا على علم متين وعدل وإنصاف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: «لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرد إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات،
_________________
(١) المرجع الأساسي: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، ابن عثيمين، بتصرف يسير، وما تم نقله بالنص أضفته بين قوسي تنصيص، وأحلت على رقم الصفحة من الكتاب في الهامش.
(٢) طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول، السعدي، (ص: ٦).
[ ١ / ٢٩ ]
وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم» (^١).
وفيما يلي جملة من القواعد الأساسية، والضوابط المهمة في فقه أسماء الله الحسنى، مستمدة من الشريعة الإسلامية، معلومة بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وفي فهمها إعانة لفهم أسماء الله تَعَالَى وصفاته وفق منهج أهل السنة والجماعة، بعيدًا عن أراء أهل البدع والضلال.
_________________
(١) الفتاوى، ابن تيمية، (١٩/ ٢٠٣)
[ ١ / ٣٠ ]
أولا: أبرز القواعد في أسماء الله تعالى:
القاعدة الأولى: أسماء الله تَعَالَى كلها حسنى:
أي: بالغة في الحسن غايته، وقد وصف الله سُبْحَانَهُ أسماءه بالحسنى في أربع آيات من القرآن الكريم، وهي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
قوله تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠].
قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
وسميت بالحسنى؛ لأنها متضمنة للصفات الكاملة، التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالًا ولا تقديرًا، فمثلًا اسم الله (العليم) متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، يقول تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥١ - ٥٢]، ويقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]، والحسن في أسماء الله تَعَالَى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل
[ ١ / ٣١ ]
بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال.
ويشترط في الاسم ليكون من أسماء الله الحسنى اجتماع ثلاثة شروط، وهي:
أن يكون قد جاء في الكتاب والسنة، يعني نُص عليه في الكتاب والسنة، نُص عليه بالاسم لا بالفعل، ولا بالمصدر.
أن يكون مما يدعى الله -﷿- به.
أن يكون متضمنًا لمدح كامل مطلق غير مخصوص.
القاعدة الثانية: أسماء الله تَعَالَى أعلام وأوصاف:
فهي أعلام باعتبار: دلالتها على الذات، وبهذا الاعتبار تعد مترادفة؛ لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله -﷿-، أما اعتبارها أوصافًا فبما دلت عليه من المعاني، وبهذا الاعتبار تعد متباينة، لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص.
فمثلا: «الحي، العليم، القدير، السميع، البصير»، كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله -﷾-، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.
القاعدة الثالثة: أسماء الله تَعَالَى إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله -﷿-.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله -﷿-.
[ ١ / ٣٢ ]
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
مثال ذلك: «السميع» يتضمن إثبات السميع اسما لله تَعَالَى وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، كما قال تَعَالَى «والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير».
وإن دلت على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله -﷿-.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله -﷿-.
مثال ذلك: «الحي» يتضمن إثبات الحي اسما لله -﷿- وإثبات الحياة صفة له.
القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تَعَالَى على ذاته وصفاته تكون: بالمطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام.
مثال ذلك: «الخالق» يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها، وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.
ولهذا لما ذكر الله خلق السماوات والأرض قال: «لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما».
ودلالة الالتزام مفيدة جدًا لطالب العلم إذا تدبر المعنى، ووفقه الله تَعَالَى فهمًا للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة.
[ ١ / ٣٣ ]
القاعدة الخامسة: أسماء الله تَعَالَى توقيفية لا مجال للعقل فيها.
وعليه فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تَعَالَى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]؛ ولأن تسميته تَعَالَى بما لم يسم به نفسه أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تَعَالَى، ويدخل في الإلحاد في أسمائه تَعَالَى، وقد يقع صاحبه في التشبيه؛ لأن المشبهة وصفوا الله بما لم يأذن به الله تَعَالَى.
يقول الخطابي في ذلك: «ومن علم هذا الباب، أعني: الأسماء والصفات، ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط، أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس؛ فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارف الكلام …، فقد جاء في الأسماء: «القوي»، ولكن لا يقاس عليه الجلد، وإن كانا يتقاربان في نعوت الآدميين؛ لأن باب التجلد يدخله التكلف والاجتهاد، ولا يقاس على «القادر» المطيق ولا المستطيع؛ لأن الطاقة والاستطاعة إنما تطلقان على معنى قوة البنية، وتركيب الخلقة، ولا يقاس على «الرحيم» الرقيق، وإن كانت الرحمة في نعوت الآدميين نوعًا من رقة القلب، وفي صفات الله سُبْحَانَهُ: «الحليم» و«الصبور» فلا يجوز أن يقاس عليها الوقور والرزين» (^١).
_________________
(١) شأن الدعاء، (١/ ١١١)
[ ١ / ٣٤ ]
القاعدة السادسة: أسماء الله تَعَالَى غير محصورة بعدد معين:
لقوله -ﷺ- في دعائه: «أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك أوْ علَّمْتَه أحدًا مِنْ خلقِك أو أنزلته في كتابِك أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ» (^١)، وما استأثر الله تَعَالَى به في علم الغيب لا يمكن أحدا حصره ولا الإحاطة به.
وفي الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٢)
يقول ابن حجر: «وقد اختلف في هذا العدد -يقصد: حديث «إن لله تسعة وتسعين اسما» - هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذه العدة؟ أو أنها أكثر من ذلك، ولكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة؟ فذهب الجمهور إلى الثاني ونقل النووي اتفاق العلماء عليه، فقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تَعَالَى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين وإنما مقصود الحديث أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، ويؤيده قوله -ﷺ- في حديث بن مسعود: «أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك أوْ علَّمْتَه أحدًا مِنْ خلقِك أو أنزلته في كتابِك أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ» (^٣)
«فأما قوله -ﷺ-: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٦٣٠٦)
(٢) أخرجه البخاري، رقم الحديث: (٧٣٩٢)، ومسلم، رقم الحديث: (٢٦٧٧).
(٣) فتح الباري في شرح صحيح البخاري، (١١/ ٢٢٠)
[ ١ / ٣٥ ]
الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسما، من أحصاها دخل الجنة، أو نحو ذلك.
القاعدة السابعة: الإلحاد في أسماء الله تَعَالَى هو الميل بها عما يجب فيها
والإلحاد في أسماء الله -﷾- أنواع، وهي:
الأول: أن ينكر شيئًا منها، أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم.
الثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه.
الثالث: أن يسمى الله تَعَالَى بما لم يسم به نفسه، كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة).
الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله على أحد القولين، فسموا بها أصنامهم.
والإلحاد بجميع أنواعه محرم؛ لأن الله تَعَالَى هدد الملحدين بقوله:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ومنه ما يكون شركا أو كفرا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية.
«وقد برأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم
[ ١ / ٣٦ ]
يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريئًا من التشبيه، وتنزيههم خليًا من التعطيل، لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنمًا، أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا» (^١)
ثانيا: أبرز القواعد في صفات الله تعالى:
القاعدة الأولى: صفات الله تَعَالَى كلها صفات كمال لا نقص فيها أو ضعف.
فلصفاته سُبْحَانَهُ الكمال المطلق، يقول تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل: ٦٠]، والمثل الأعلى: هو الوصف الأعلى، وبالمقابل نزه الله نفسه سُبْحَانَهُ عن كل النقائص، يقول تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠]
وعليه فكل صفة لا كمال فيها تمتنع في حق الله تَعَالَى، كالموت، والجهل، والنسيان، والعجز، والعمى، ونحوها، وفي هذا آيات وشواهد كثيرة منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله تَعَالَى على لسان موسى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى
وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]، ويقول النبي -ﷺ- عن الدجال: «إنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ ربَّكُمْ عَزَّوجلَّ لَيْسَ بأعْورَ» (^٢)، وقال: «أَيُّهَا
_________________
(١) بدائع الفوائد، ابن القيم، (١/ ١٨٠)
(٢) أخرجه البخاري واللفظ له، رقم الحديث (٧١٢٧)، ومسلم، رقم الحديث (٢٩٣٣).
[ ١ / ٣٧ ]
النَّاسُ ارْبَعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، إنَّكُمْ ليسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» (^١).
وإذا كانت الصفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال لم تكن جائزة في حق الله تَعَالَى، ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تثبت له إثباتًا مطلقًا، ولا تنفى عنه نفيًا مطلقًا، بل لا بد من التفصيل، فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا، وذلك كالمكر، والكيد، والخداع، ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها؛ لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله، أو أشد، وتكون نقصًا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله تَعَالَى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]
ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه، فقال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [الأنفال: ٧١]، فقال:
_________________
(١) أخرجه مسلم، واللفظ له، رقم الحديث: (٢٧٠٤).
[ ١ / ٣٨ ]
فأمكن منهم، ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهى صفة ذم مطلقا، وبذا عرف أن قول بعض العوام: خان الله من يخون. منكر فاحش يجب النهي عنه.
القاعدة الثانية: باب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الإخبار أوسع من باب الصفات.
وذلك لأن كل اسم متضمن لصفة؛ ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تَعَالَى، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧]، ومن أمثلة ذلك: أن من صفات الله تَعَالَى: المجيء، والإتيان، والأخذ، إلى غير ذلك من الصفات التي لا تحصى، كما قال تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾ [آل عمران: ١١]، فيوصف الله تَعَالَى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا يسمى بها، فلا يقال: إن من أسمائه الجائي، والآتي، والآخذ، ونحو ذلك، وإن كنا نخبر بذلك عنه
ونصفه به.
أما ما يتعلق بباب الإخبار عنه تَعَالَى فهو أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالموجود، والقائم بنفسه، فإنه يخبر به عنه، ولا يدخل في أسمائه الحسنى، وصفاته العليا.
[ ١ / ٣٩ ]
القاعدة الثالثة: صفات الله تَعَالَى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية.
فالثبوتية: ما أثبت الله تَعَالَى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك، فيجب إثباتها لله تَعَالَى، حقيقة على الوجه اللائق به، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]، فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بصفاته، والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله -ﷺ- يتضمن: الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله، وكون محمد -ﷺ- رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما أخبر به عن مرسله، وهو الله -﷿-.
والصفات السلبية: ما نفاها الله سُبْحَانَهُ عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله -ﷺ-، وكلها صفات نقص في حقه، كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب، فيجب نفيها عن الله تَعَالَى مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تَعَالَى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه، لأن النفي ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلا عن أن يكون كمالا، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالا، كما لو قلت: الجدار لا يظلم. وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصا،
مثال ذلك: قوله تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]،
[ ١ / ٤٠ ]
فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته، مثال آخر قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، فنفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
القاعدة الرابعة: الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر:
ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية، التي لاتذكر غالبا إلا في الأحوال التالية:
الأولى: بيان عموم كماله، كما في قوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]
الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون، كما في قوله: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩١ - ٩٢]
الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين، كما في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ [الأنبياء: ١٦]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨]
القاعدة الخامسة: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية، وفعلية.
فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفا بها، كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة والعلو والعظمة، ومنها الصفات الخبرية: كالوجه واليدين والعينين.
[ ١ / ٤١ ]
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.
وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله تَعَالَى لم يزل ولا يزال متكلما، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء، كما في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، وكل صفة تعلقت بمشيئته تَعَالَى فإنها تابعة لحكمته.
وقد تكون الحكمة معلومة عند البشر، وقد يعجزون عن إدراكها، رغم يقينهم بأن الله سُبْحَانَهُ لا يشاء شيئا إلا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]
القاعدة السادسة: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين:
أحدهما: التمثيل، والثاني: التكييف.
فأما التمثيل: فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تَعَالَى مماثل لصفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل، يقول تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]
ومن أدلة العقل في ذلك:
أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلًا غير قوة
[ ١ / ٤٢ ]
الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى.
أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله؟ وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
والتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، ولكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: «ليس كمثله شيء».
أما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تَعَالَى كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل، وهذا اعتقاد باطل، يقول تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠]، ويقول أيضا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا، لأنه تَعَالَى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا وقوفًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله عزوجل، فوجب بطلان تكييفها.
وأيضا فإننا نقول: أي كيفية تُقدرها لصفات الله تَعَالَى؟ إن أي كيفية تُقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجل من ذلك، وأي كيفية تُقدرها لصفات الله تَعَالَى فإنك ستكون كاذبًا فيها؛ لأنه لا علم لك بذلك.
[ ١ / ٤٣ ]
القاعدة السابعة: صفات الله تَعَالَى توقيفية لا مجال للعقل فيها:
فلا نثبت لله تَعَالَى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته (^١)، قال الإمام أحمد -﵀- تَعَالَى: «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله -ﷺ-، لا يتجاوز القرآن والحديث».
ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:
الأول: التصريح بالصفة، كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين، ونحوها.
الثاني: تضمن الاسم لها، مثل: الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع، ونحو ذلك. انظر: القاعدة الثالثة في الأسماء.
الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها، كالاستواء على العرش، كما في قوله تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، في قول الله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، والانتقام من المجرمين، في قوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
_________________
(١) تراجع القاعدة الخامسة من قواعد الأسماء الحسنى
[ ١ / ٤٤ ]