تمهيد:
الفصل الأول: عرضه لجوانبهم الإيجابية، واعترافه بما عندهم من حق.
الفصل الثاني: منهجه العام في الرد على الأشاعرة.
الفصل الثالث: موقفه في الرد عليهم تفصيلًا.
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في توحيد الألوهية والربوبية.
المبحث الثاني: في الأسماء والصفات.
المبحث الثالث: في القضاء والقدر.
المبحث الرابع: في الإيمان.
المبحث الخامس: في بقية أمور العقيدة التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
الفصل الأول: عرضه لجوانبهم الإيجابية واعترافه بما عندهم من حق
مقدمة:
أولًا: وصفهم بأنهم من أهل السنة في مقابل المعتزلة والرافضة.
ثانيًا: تفضيله أقوالهم على أقوال غيرهم من المعتزلة والجهمية والفلاسفة.
ثالثًا: ذكره لإيجابيتهم وردودهم على الباطنية والملاحدة وغيرهم.
رابعًا: الأشاعرة يحمدون لما لهم من مساع وجهود مشكورة.
خامسًا: إنصافه لأعلام الأشاعرة.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
تمهيد
سبق في الباب الأول عرض موسع وشامل عن ابن تيمية وحياته ومنهجه وعن الأشاعرة ونشأتهم وتطور مذهبهم، وهذا الباب لبيان موقف ابن تيمية منهم سلبًا وإيجابًا.
وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية قد أنصف خصومه - من غير الأشاعرة - وهم أشد بعدًا وانحرافًا منهم عن مذهب السلف، وقد سبق ذكر أمثلة لذلك في منهجه في الرد على الخصوم (١) - فلا شك أنه سيكون من أصول منهجه وموقفه من الأشاعرة إنصافهم وبيان مواقفهم الإيجابية، مع رده عليهم ومناقشته لهم في الأمور التي خالفوا فيها مذهب ومنهج السلف.
لذلك كان من مقتضيات تكامل المنهج - في هذا الباب - أن يأتي على فصلين:
أحدهما: بيان مواقفهم الإيجابية والاعتراف بما معهم من الحق.
والثاني: بيان مواقفهم السلبية، وذلك بالرد على الانحرافات التي وقعوا فيها ومناقشتها بالتفصيل.
وشيخ الإسلام من خلال هذا المنهج المتكامل سار على طريقة متوازنة، فالأشاعرة الذين رد عليهم طويلًا لم تمنعه هذه الملاحظات من أن يقول عنهم: إنهم من أهل السنة، وإنهم ليسوا كفارًا باتفاق المسلمين، كما لم تمنعه من التنويه بجهودهم العظيمة في الدفاع عن الإسلام، والرد على خصومه الحاقدين عليه من الفلاسفة والباطنية والرافضة والمعتزلة وغيرهم، وبالمقابل فاعتراقه بهذه الجهود لم ينسه أن هؤلاء بشر يصيبون ويخطئون، وأن ما وقعوا فيه من مخالفة لعقيدة السلف لا يجوز السكوت عنها، بل يجب بيان الحق للناس والرد على من خالفه ولو كان من أهل الفضل والعمل الصالح.
_________________
(١) انظر: ما سبق (ص: ٣٠٣) وما بعدها.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
مقدمة
يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية من علماء السلف الذين انتقدوا مذهب الأشاعرة وقد ألف في ذلك كتبًا مطولة، وكان معنيًا ببيان تناقضاتهم ومخالفتهم لمذهب السلف، كما كان معنيًا ببيان الأصول الفاسدة - وهي أصول فلسفية واعتزالية - التي أدت بهم إلى هذا الانحراف، ولذلك صار في عرف كثير من الباحثين تصنيفه على أنه خصم لدود للأِشاعرة، وفات هؤلاء أنه مع خصومته لهم وردوده القاسية عليهم لم ينسَ إنصافهم، كما لم ينسَ ما قاموا به من جهود عظيمة في كبح جماح كثير من الملاحدة والرافضة والمعتزلة وغيرهم.
والعجيب أن شيخ الإسلام لما أنصف خصومه لم ينصفوه بل رموه بعظائم الأمور، ولفقوا عليه كثيرًا من التهم الباطلة، فكم من محنة جرت له في حياته بسببهم حتى لقي ربه وهو في السجن، أما بعد وفاته فليست حاله وحال كتبه أحسن منها في حياته، والكل سيقفون بين يدي حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة.
وقبل أن نذكر نماذج من مواقفه الإيجابية من الأشاعرة لابد من بيان الملاحظات التالية:
١- أن شيخ الإسلام بنى ذلك على أصل ثابت عنده، وهو تفاوت الطوائف في القرب والبعد من الحق، فيسلك مع الأشاعرة هذا المسلك، يقول شيخ الإسلام معلقًا على مسألة تأثر الأشاعرة بالمعتزلة: " مع أنه يمكن بيان أن قول الأشعري أقرب إلى صريح المعقول من قول المعتزلة، كما يمكن أن يبين أن قول المعتزلة أقرب إلى صريح المعقول من قول الفلاسفة، لكن هذا يفيد أن هذا القول أقرب إلى المعقول وإلى الحق، ولا يفيد أنه هو الحق في نفس الأمر، فهذا ينتفع به من ناظر الطاعن على الأشعرية من المعتزلة، والطاعن على المعتزلة من الفلاسفة، فتبين له أن قول هؤلاء خير من قول أصحابك، فإنه كما أن كل من كان أقرب إلى السنة فقوله أقرب إلى الأدلة الشرعية، فكذلك قوله أقرب إلى الأدلة العقلية، ولا ريب أن هذا مما ينبغي سلوكه، فكل قول - أو قائل -
[ ٢ / ٧٠١ ]
كان إلى الحق أقرب فإنه يبين رجحانه على ما كان عن الحق أبعد، ألا ترى أن الله تعالى لما نصر الروم على الفرس - وكان هؤلاء أهل الكتاب، وهؤلاء أهل أوثان - فرح المؤمنون بنصر الله لمن كان إلى الحق أقرب على من كان عنه أبعد. وأيضًا فيمكن القريب إلى الحق أن ينازع البعيد عنه في الأصل الذي احتج به عليه البعيد، وأن يوافق القريب إلى الحق للسلف الأول الذين كانوا على الحق مطلقًا" (١) .
ولذلك أنصف خصومه كلهم من الأشاعرة وغيرهم بناءً على هذه القاعدة.
٢- أن ذكره لجوانبهم الإيجابية لم يأتِ مستقلًا، وإنما جاء على أثر، أو في أثناء مناقشاته لهم، ولذلك تجده عندما يرد عليهم يقرن ذلك بذكر ما عندهم من حق، وكذلك إذا ذكر إيجابيتهم أو مدحهم يقرن ذلك بذكر ما عليهم من ملاحظات عامة.
٣- لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية يكيل المدح أو الذم جزافًا، بل يقرن ذلك بكثير من التحفظ، والسبب في ذلك أنه بنى منهجه على مقياس الاتباع لمنهج أهل السنة وليس على الأشخاص، إذ كل إنسان - مهمًا كان - يؤخذ من قوله ويترك سوى رسول الله - ﷺ -.
٤- قال كلمة الحق في معاصريه، ومدح بعضهم، ولم تأخذه سورة الغضب والمحن التي مر بها بسببهم إلى أن يقول فيهم غير الحق، أو أن يغمط ما هم عليه من أتباع للسنة.
وعلى ضوء ما سبق يمكن توضيح هذا الجانب - أي ما ذكره ابن تيمية من إيجابية عند الأشاعرة واعترافه بما عندهم من حق - كما يلي:
أولًا: وصفهم بأنهم من أهل السنة في مقابل المعتزلة والرافضة:
١- يقول شيخ الإسلام في معرض ذكره لذم السلف لأهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم: " وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٢٣٨-٢٣٩) .
[ ٢ / ٧٠٢ ]
ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم " (١)، ويلاحظ وصفه لهم بأنهم هم أهل السنة في البلاد التي يغلب فيها أهل البدعة من الرافضة والمعتزلة، وهذا منتهى الإنصاف والاعتراف.
٢- يقول عنهم شيخ الإسلام: إنه أقرب الطوائف إلى أهل السنة، بل دافع عنهم لما ذكر عن أبي إسماعيل الأنصاري صاحب ذم الكلام أنه من المبالغين في ذم الجهمية قال: " ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة" (٢)، وقال في مناسبة أخرى: " وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث " (٣) . ويذكر عنهم أنهم من المتكلمين " المنتسبين إلى السنة " (٤) . ويصنفهم مع بقية أهل السنة ويقول عنهم أنهم " ليسوا كفارًا باتفاق المسلمين " (٥)، وكثيرًا ما ينعى على المعتزلة تشنيعهم عليهم ويقول: إن مذهب الأشاعرة ليس بهذه الشناعة (٦) .
ثانيًا: تفضيله أقوالهم على أقوال غيرهم من المعتزلة والجهمية والفلاسفة:
١- فهو يذكر أنهم أقرب إلى السنة من غيرهم، يقول: إن الكلابية والكرامية والأشعرية أقرب إلى السنة والحق من جهمية الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم باتفاق جماهير المسلمين " (٧)، ويقول عن الأشعرية بعد ذكر مجمل عقائدهم: " فكان هؤلاء بينهم وبين أهل الوراثة النبوية قدر مشترك بما سلكوه من الطرق
_________________
(١) نقض تأسيس المطبوع (٢/٨٧) .
(٢) مجموع الفتاوي (٨/٢٣٠) .
(٣) المصدر السابق (٦/٥٥) .
(٤) الجواب الصحيح (١/٢٥٢) .
(٥) مجموع الفتاوي (٣٥/١٠١) .
(٦) انظر: درء التعارض (٥/٣٦،٤٠)، ويقول عن أبي الحسن البصري (٥/٤٢)، وأيضًا فجمعك بين هؤلاء الصفاتية وبين المجوس والنصارى فيه من التحامل مالا يخفى على منصف.
(٧) انظر: درء التعارض (٦/٢٩٢) .
[ ٢ / ٧٠٣ ]
الصابئة في أمر الخالق وأسمائه وصفاته، فصار في مذهبهم في الرسالة تركيب من الوارثتين، لبسوا حق ورقة الأنبياء بباطل ورثة أتباع الصائبة، كما كان في مذهب أهل الكلام المحض المبتدع - كالمعتزلة - تركيب ولبس (١) بين الإثارة النبوية وبين الإثارة الصابئة، لكن أولئك أشد أتباعًا للإثارة النبوية وأقرب إلى مذهب أهل السنة من المعتزلة ونحوهم من وجوه كثيرة " (٢)، ويذكر أن الأشاعرة أصلح من المعتزلة وأقرب إلى السنة (٣) .
٢- يثني عليهم ويمدحهم بالمقارنة مع المعتزلة، ويرى " أن أهل الإثبات من المتكلمين - مثل الكلابية والكرامية والأشعرية - أكثر اتفاقًا وائتلافًا من المعتزلة " وأنهم خير منهم (٤) .
٣- وعند ذكره للجهمية والنجارية والضرارية في مسائل الصفات والقدر يقول: " الكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات، فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة " (٥) .
٤- ويرى أنهم أقرب إلى السنة من المعتزلة في مسائل إثبات الرؤية، وكلام الله (٦) .
وهذا كله بناء على قاعدة أن كل من كان إلى السنة أقرب كان إلى الحق أقرب، ولاشك أن الأشاعرة أقرب إلى الحق والسنة من هؤلاء، فكيف بغيرهم ممن هو أشد انحرافًا كالفلاسفة وغيرهم (٧) .
_________________
(١) في مطبوعة الفتاوي: وليس، ولعله خطأ مطبعي.
(٢) مجموع الفتاوي (١٢/٣٢-٣٣) .
(٣) انظر: التسعينية (ص: ٢٥٦-٢٥٧) .
(٤) انظر: درء التعارض (٤/١٠١-١٠٢)، وانظر أيضًا: (٢/١٦) .
(٥) التدمرية (ص: ١٩٠-١٩١) المحققة.
(٦) انظر: منهاج السنة (٢/٢٥٢-٢٦٨)، المحققة، وأيضًا (٢/٩٤-٩٦-٩٧-٩٨)، مكتبة الرياض الحديثة.
(٧) انظر: الصفدية (١/٥٨-٥٩)، ودرء التعارض (١٠-٢٤٢) .
[ ٢ / ٧٠٤ ]
ثالثا: ذكره لإيجابيتهم وردودهم على الباطنية والملاحدة
ثالثًا: ذكره لإيجابيتهم وردودهم على الباطنية والملاحدة وغيرهم، ولاشك أن علماء الأشاعرة لهم دور عظيم في ذلك.
١- فالباطنية لما استفحل أمرهم كان لهم علماء أهل السنة بالمرصاد ومن أبرز علماء السنة الذين فضحوهم علماء الأشاعرة، ولذلك يقول شيخ الإسلام: " وكانت الرافضة والقرامطة- علماؤها وأمراؤها - قد استظهرت في أوائل الدولة السلجوقية، حتى غلبت على الشام والعراق، وأخرجت الخليفة القائم ببغداد إلى تكريت وحبسوه بها في فتنة البساسيري المشهورة، فجاءت بعد ذلك السلجوقية حتى هزموهم وفتحوا الشام والعراق، وقهروهم بخراسان وحجروهم بمصر، وكان في وقتهم من الوزراء مثل " نظام الملك"، ومن العلماء مثل أبي المعالي الجويني، فصاروا بما يقيمونه من السنة ويردونه من بدعة هؤلاء ونحوهم لهم من المكانة عند الأمة بحسب ذلك، وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك الذين وافقهوه كأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي ونحوهما، لا يعظمون إلا بموافقة السنة والحديث.." (١)، والوزير نظام الملك الذي ذكره شيخ الإسلام يعتبر من أبرز من نصر المذهب الأشعري من خلال المدارس النظامية التي أنشأها في أنحاء متفرقة من العراق وخراسان، وهو يذكر فضله فيما قام به من دعم للسلاجقة السنة في مقابل البويهيين الشيعة، ولذلك مدح صلاح الدين الأيوبي - وقد كان يتبنى عقيدة الأشاعرة - فقال عن مصر: " ثم.. فتحها ملوك السنة مثل صلاح الدين، وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للرافضة " (٢) .
٢- كذلك أيضًا يشيد شيخ الإسلام بجهود العلماء - ومنهم علماء الأشاعرة - في فضحهم للباطنية وكشف أسرارهم، يقول عن ابن سينا وكونه من الإسماعيلية الباطنية: " وقد صنف المسلمون في كشف أسرارهم، وهتك أستارهم كتبًا كبارًا وصغارًا، وجاهدوهم باللسان واليد، إذ كانوا أحق بذلك من اليهود والنصارى، ولو لم يكن إلا كتاب " كيف الأسرار وهتك الأستار"
_________________
(١) مجموع الفتاوي (٤/١٨) .
(٢) المصدر السابق (٣/٢٨١) .
[ ٢ / ٧٠٥ ]
للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب، وكتاب عبد الجبار بن أحمد، وكتاب أبي حامد الغزالي، وكلام أبي إسحاق، وكلام ابن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، والشهرستاني، وغير هؤلاء مما يطول وصفه " (١)، وقد أشاد بدورهم وفضحهم لشتى أصناف الباطنية من القرامطة، والإسماعيلية والنصيرية (٢) .
٣- وفي رده على ابن المطهر الحلي الرافضي، يرد عليه تشنيعه على الأشاعرة، ويعتذر لهم فيقول: " إن غالب شناعته على الأشعرية ومن وافقهم، والأشعرية خير من المعتزلة والرافضة عند كل من يدري ما يقول، ويتقي الله فيما يقول.. وإذا قيل: إن في كلامهم وكلام من قد يوافقهم أحيانًا من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ما هو ضعيف، فكثير من ذلك الضعيف إنما تلقوه عن المعتزلة فهم أصل الخطأ في هذا الباب، وبعض ذلك أخطأوا فيه لإفراط المعتزلة في الخطأ، فقابلوهم مقابلة انحرفوا فيها، كالجيش الذي يقاتل الكفار فربما حصل منه إفراط وعدوان " (٣) .
٤- ويمتدح جهود العلماء - من الأشاعرة وغيرهم - في ردودهم على الفلاسفة (٤)، ويرى أن أقوال الأشاعرة وأدلتهم في حدوث العالم مبطلة لحجة الفلاسفة على قدم العالم (٥)، ويمتدح ردود الأشاعرة وغيرهم على ملاحدة الصوفية فيقول: " ومعلوم باتفاق المسلمين أن من هو دون الأشعرية كالمعتزلة والشيعة الذين يوجبون الإسلام ويحرمون ما وراءه، فهم خير من الفلاسفة الذين يسوغون التدين بدين المسلمين واليهود والنصارى، فكيف بالطوائف المنتسبين إلى مذهب أهل السنة والجماعة كالأشعرية والكرامية والسالمية وغيرهم؟
_________________
(١) الرد على المنطقيين (ص: ١٤٢-١٤٣) .
(٢) انظر: درء التعارض (٥/٨)، والسبعينية (ص: ١١) .
(٣) منهاج السنة (١/٣١٣) -المحققة -.
(٤) انظر: درء التعارض (٤/٢٧٩-٢٨١) .
(٥) انظر: منهاج السنة (١/١٢٥-١٢٦)، - المحققة-.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
فإن هؤلاء مع إيجابهم دين الإسلام وتحريمهم ما خالفه يردون على أهل البدع المشهورين بمخالفة السنة والجماعة كالخوارج والشيعة والقدرية والجهمية، ولهم في تكفير هؤلاء نزاع وتفصيل " (١)، ويذكر شيخ الإسلام أن ملاحدة الصوفية يتظاهرون عند أهل السنة بأنهم أشعرية (٢) .
رابعًا: الأشاعرة يحمدون لما لهم من مساع وجهود مشكورة:
وقد مر في الفقرة السابقة جزء من هذه الجهود في ردودهم وفضحهم للباطنية وغيرهم، أما هنا فنزيد الأمر إيضاحًا ببيان جهودهم المختلفة في الرد على أهل البدعة والدفاع عن أهل السنة، وهذه نماذج من أقوال شيخ الإسلام فيهم:
١- يقول بعد كلام طويل عن الأشاعرة، وتحذير العلماء منهم: " ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء من المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخير الأمور أوسطها، وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين. والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) (الحشر:١٠) ".
_________________
(١) الصفدية (١/٢٧٠-٢٧١) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١/٢٨٥-٢٨٦) .
(٣) انظر: درء التعارض (٢/١٠٢-١٠٣)
[ ٢ / ٧٠٧ ]
٢- ويقول عن مجموعة من الأشاعرة وغيرهم: " الواحد من هؤلاء لم يعظمه من يعظمه من المسلمين إلا لما قام به من دين الإسلام، الذي كان فيه موافقا لما جاء به محمد -ﷺ-، فإن الواحد من هؤلاء له مساع مشكورة في نصر ما نصره من الإسلام والرد على طوائف من المخالفين لما جاء به الرسول. فحمدهم والثناء عليهم بما لهم من السعي الداخل في طاعة الله ورسوله، وإظهار العلم الصحيح الموافق لما جاء به الرسول -ﷺ-، والمظهر لباطل من خالف الرسول، وما من أحد من هؤلاء ومن هو أفضل منه إلا وله غلط في مواضع" (١) .
٣- وفي موضع آخر يذكر ما لهؤلاء من حسنات فإنها إما موافقة لأهل السنة، أو رد على أهل البدعة، فيقول في نص طويل: " وكذلك متكلمة أهل الإثبات مثل الكلابية، والكرامية، والأشعرية، إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة بما أثبتوه من أصول الإيمان الصانع وصفاته، وإثبات النبوة، والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وبيان تناقض حججهم وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، والقدرية من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة".
"فحسناتهم نوعان: إما موافقة أهل السنة والحديث، وإما الرد على من خالف السنة والحديث ببيان تناقض حججهم".
"ولم يتبع أحد مذهب الأشعري ونحوه إلا لأحد هذين الوصفين أو كليهما (٢)، وكل من أحبه وانتصر له من المسلمين وعلمائهم فإنه يحبه وينتصر له بذلك، فالمصنف في مناقبه، الدافع للطعن واللعن عنه - كالبيهقي والقشيري أبي القاسم، وابن عساكر الدمشقي - إنما يحتجون لذلك بما يقوله من أقوال أهل السنة والحديث، أو بما رد من أقوال مخالفيهم. لا يحتجون له عند الأمة وعلمائها وأمرائها إلا بهذين الوصفين، ولولا أنه كان من أقرب بني جنسه إلى
_________________
(١) درء التعارض: (٨/٢٧٥)
(٢) في مجموع الفتاوى: كلاهما.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
ذلك لألحقوه بطبقته الذين لم يكونوا كذلك كشيخه الأول أبي علي، وولده أبي الهاشم، لكن كان له من موافقة مذهب السنة والحديث في الصفات، والقدر، والإمامة، والفضائل، والشفاعة، والحوض، والصراط، والميزان، وله من الردود على المعتزلة، والقدرية، والرافضة، والجهمية، وبيان تناقضهم ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك، ويعرف له حقه وقدره ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، وبما وافق فيه السنة والحديث صار من القبول والاتباع ما صار، لكن الموافقة التي فيها قهر المخالف وإظهار فساد قوله هي من جنس المجاهد المنتصر، فالراد على أهل البدع مجاهد " (١) .
٤- وللأشاعرة جهود في كسر سورة المعتزلة والجهمية، يقول ابن تيمية عن أعلامهم كابن مجاهد والباقلاني والأسفراييني وابن فورك: "وصار هؤلاء يردون على المعتزلة ما رده عليهم ابن كلاب والقلانسي والأشعري وغيرهم من مثبتة الصفات، فيبينون فساد قولهم بأن القرآن مخلوق وغير ذلك، وكان في هذا من كسر سورة المعتزلة والجهمية ما فيه ظهور شعار السنة، وهو القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة، وإثبات الصفات والقدر وغير ذلك من أصول السنة " (٢) . وفي موضع آخر يذكر ما رده الأشعرية " من بدع المعتزلة والرافضة والجهمية وغيرهم، وبينوا من تناقضهم، وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة، فحصل بما قالوه من بيان تناقض أصحاب البدع الكبار وردهم ما انتفع به خلق كثير " (٣) .
٥- ويرى أن لهم حسنات وفضائل وسعيا مشكورا "وخطؤهم بع الاجتهاد مغفور " (٤) .
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/١٢-١٣) .
(٢) شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٥٥٧-٥٥٨) .
(٣) الفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى (١٣/٩٩) .
(٤) النبوات (ص ٢٢٠) .
[ ٢ / ٧٠٩ ]
وهذه النقول لا تحتاج إلى تعليق، فهي تبين كيف أنه -﵀- وهو يرد عليهم ويناقشهم لم ينسَ فضائلهم وجهودهم، بل نوه بها في مواطن كثيرة تكون لنفس البشرية فيها محبة للتقليل من شأن الخصم وتنقيصه.
خامسًا: إنصافه لأعلام الأشاعرة.
أنصف شيخ الإسلام أعلام الأشاعرة، وعلى الرغم من مناقشاته الشديدة لهم إلا أنه ذكر ما عندهم من إيجابية وما لهم من جهود عظيمة في خدمة الإسلام والدفاع عنه، وما سبق في الفقرات الماضية يدل على هذا ونزيد الأمر أيضًا بذكر أقواله في بعض أعلامهم.
ويعتمد منهج ابن تيمية في ذلك على أمرين:
أحدهما: أن القاعدة عنده التي يطبقها على الأشاعرة وغيرهم هي التفريق بين العقيدة المسطرة في الكتب وبين أصحابها، فهو يحكم على ما هو مدون أو منقول من عقائد هؤلاء وأدلتهم ومناقشاتهم، ويبين ما في ذلك من خطأ أو صواب، فإذا ما وصل في الحديث إلى الشخص نفسه، صاحب العقيدة فإنه ينظر إليه نظرة أخرى مبنية على:
أ - أنه قد يكون صادقًا في خدمته للإسلام، ولا يحمل غشًا لأهله، ولذلك فهو لا يتعمد الكذب والافتراء.
ب - أنه مجتهد، وأن هذا الذي قاله هو مبلغ علمه، أو أنه كان مقلدًا لغيره في هذه المسائل.
جـ - ما مات عليه هذا العم، فقد يكون ممن رجع وتاب، وصرح بذلك أو أنه في آخر عمره رضي مسلك أهل الحديث.
والثاني: أن لهؤلاء الأعلام - على أخطائهم - جهودًا لا تنكر في الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن العقيدة، والرد على أعدائها من الملاحدة والمتفلسفة والرافضة وغيرهم، وهي جهود تكون في موازينهم يوم القيامة ولا يحرمون أجرها عند الله تعالى.
[ ٢ / ٧١٠ ]
هذه خلاصة منهجه في ذلك، يوضح فساد الأقوال، وأحيانًا بعض مواقف أصحابها، ويبين تناقضهم، وحين يصل الأمر إلى الحكم على أشخاصهم يلتفت إلى أمور أخرى ينبغي أخذها بعين الاعتبار، وهذه نماذج لمواقفه من بعض أعلام الأشاعرة.
أ - أبو الحسن الأشعري:
دافع ابن تيمية عن شيوخ الأشاعرة - وعلى رأسهم ابن كلاب (١) - وكثيرًا ما يقرن الأشعري بابن كلاب والكلابية، فيقول مثلًا: " لهذا كان المتكلمة الصفاتية كابن كلاب والأشعري وابن كرام خيرًا وأصح طريقًا في العقليات والسمعيات من المعتزلة، والمعتزلة خيرًا وأصح طريقًا في العقليات والسمعيات من المتفلسفة، وإن كان في قول كل من هؤلاء ما ينكر عليه وما خالف فيه العقل والسمع، ولكن من كان أكثر صوابًا وأقوم قيلا كان أحق بأن يقدم على من هو دونه تنزيلًا وتفصيلًا " (٢)، ويقول عنهما: " لا ريب أن قول ابن كلاب والأشعري ونحوهما من المثبتة للصفات ليس هو قول الجهمية، بل ولا المعتزلة، بل هؤلاء لهم مصنفات في الرد على الجهمية والمعتزلة وبيان تضليل من نفاها، بل هم تارة يكفرون الجهمية والمعتزلة، وتارة يضللونهم " (٣) .
أما الأشعري نفسه فكلامه حوله كثير:
١- ففي معرض دفاعه عنه ذكر أنه: " ابتلى بطائفتين، طائفة تبغضه وطائفة تحبه، كل منهما يكذب عليه، ويقول: إنما صنف هذه الكتب تقية وإظهارًا لموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم، وهذا كذب على الرجل، فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها، ولا نقل أحد من خواص أصحابه ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي
_________________
(١) سبقت الإشارة - عند الحديث عن ابن كلاب في نشأة الأشاعرة - كيف دافع ابن تيمية عن ابن كلاب فيما اتهم به من تأييد دين النصارى، وممن ذكر هذه الفرية مؤيدًا لها: السكسكي الحنبلي المتوفى سنة ٦٨٢هـ، في كتابه " البرهان في معرفة عائد أهل الأديان " (ص: ١٩) .
(٢) شرح الأصفهانية (ص: ٥٥) .
(٣) المسألة المصرية في القرآن، مجموع الفتاوي (١٢/٢٠٢) .
[ ٢ / ٧١١ ]
أنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوى مردوده شرعًا وعقلًا، بل من تدبر كلامه في هذا الباب - في مواضع - تبين له قطعًا أنه كان ينصر ما أظهره. ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في إثبات الصفات الخبرية يقصدون نفي ذلك عنه لئلا يقال: إنهم خالفوه، مع كون ما ذهبوا إليه من السنة قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذكرها يعولون، وعليها يعتمدون ".
" والفريق الآخر: دافعوا عنه لكونهم رأوا المنتسبين إليه لا يظهرون إلا خلاف هذا القول، ولكونهم اتهموه بالتقية، وليس كذلك، بل هو انتصر للمسائل المشهورة عند أهل السنة التي خالفهم فيها المعتزلة كمسألة الرؤية، والكلام، وإثبات الصفات، ونحو ذلك، لكن كانت خبرته بالكلام مفصلة، وخبرته بالسنة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة " (١) .
٢- كما يمتدح شيخ الإسلام ما عمله من بيان تناقض المعتزلة، خاصة وأنه الخبير بأقوالهم، يقول: -في بيان تناقض أهل الكلام -: " وهذا مما مدح به الأشعري فإنه بين من فضائح المعتزلة وتناقض أقوالهم وفسادهم ما لم يبينه غيره، لأنه كان منهم، وكان قد درس الكلام على أبي علي الجبائي أربعين سنة، وكان ذكيًا، ثم إنه رجع عنهم وصنف في الرد عليهم، ونصر في الصفات طريقة ابن كلاب لأنها أقرب إلى الحق والسنة من قولهم، ولم يعرف غيرها، فإنه لم يكن خبيرًا بالسنة والحديث وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم " (٢) . ويقول أيضًا عن المعتزلة: " والأشعري وغيره من متكلمة الإثبات انتدبوا لبيان تناقضهم في أصلهم، وأوعبوا في بيان تناقض الأقوال، وحكاية الأشعري مع الجبائي في الإخوة الثلاثة (٣) مشهورة (٤) .
_________________
(١) المسألة المصرية في القرآن، مجموع الفتاوي (١٢/٢٠٤) .
(٢) منهاج السنة (٣/٧١)، وفي شرح حديث النزول - مجموع الفتاوي (٥/٥٥٦) ذكر أنه بين من تناقض المعتزلة ما لم يبينه غيره حتى جعلهم في قمع السمسة.
(٣) سبق ذكرها (ص: ٣٧٣) .
(٤) المصدر السابق (٢/٤٧-٤٨)، مكتبة الرياض الحديثة.
[ ٢ / ٧١٢ ]
٣- كما ذكر أن الأشعري كان ينتسب إلى الإمام أحمد، وأنه أقرب إليه من بعض الحنابلة، يقول: " وكان الأشعري أقرب إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل، وصدقة بن الحسين، وابن الجوزي، وغيرهم (١)، ويقول: " والأشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد -﵀- ونحوه، المنتصرين لطريقه، كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه.. [ثم يقول] وأما الأشعري فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل وأتبع لها، فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول.. [ويقول] ولما أظهرت كلام الأشعري - ورآه الحنابلة - قالوا: هذا خير من كلام الشيخ الموفق.. " (٢) .
ويذكر أيضًا أن الأشعري أخذ مذهب أهل الحديث والسنة من شيخه المشهور زكريا بن يحيى الساجي (٣) .
٤- كما يذكر ما تميز به الأشعري من حرص على نصرة مذهب أهل الحديث، يقول عنه: " وهو دائمًا ينصر في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم قول أهل الحديث، لكنه لم يكن خبيرًا بمأخذهم، فينصره على ما يراه من الأصول التي تلقاها عن غيرها، فيقع في ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء هؤلاء، كما فعل في مسألة الإيمان ونصر فيها قول جهم مع نصره للاستثناء " (٤)، وذكر أنه بين طريقة السلف في أصول الدين فقال: " حتى إن الأشعري نفسه وأمثاله قد بينوا طريقة السلف في أصول الدين، واستغنائها عن الطريقة الكلامية، كطريقة الإعراض ونحوها وإن القرآن نبه على الأدلة، من أهل الكلام الذين يقولون: إن الكتاب والسنة لا يدلان على أصول الدين بحال، وإن أصول الدين تستفاد بقياس العقل المعلوم من غيرهما " (٥) .
_________________
(١) درء التعارض (١/٢٧٠)، وانظر: كلامًا مشابهًا في شرح الأصفهانية (ص: ٧٨) .
(٢) مجموع الفتاوي (٣/٢٢٧-٢٢٩) .
(٣) شرح حديث النزول، مجموع الفتاوي (٥/٣٨٦) .
(٤) الإيمان (ص: ١١٥) ط المكتب الإسلامي.
(٥) الاستقامة (١/٦) .
[ ٢ / ٧١٣ ]
٥ - يذكر شيخ الإسلام أن الأشعري من مثبتة الصفات الخبرية، ويرد على الذين يزعمون أن له فيها قولين، يقول: " وأما الأشعري نفسه وأئمة أصحابه فلم يختلف قولهم في إثبات الصفات الخبرية، وفي الرد على من يتأولها، كمن يقول: استوى بمعنى استولى، وهذا مذكور في كتبه كلها كالموجز الكبير، والمقالات الصغيرة، والكبيرة، والإبانة، وغير ذلك، وهكذا نقل سائر الناس عنه، حتى المتأخرون كالرازي والآمدي، ينقلون عنه إثبات الصفات الخبرية، ولا يحكون عنه في ذلك قولين، فمن قال: إن الأشعري كان ينفيها، وإن له في تأويلها قولين فقد افترى عليه، ولكن هذا فعل طائفة من متأخري أصحابه كأبي المعالي ونحوه فإن هؤلاء أدخلوا في مذهبه أشياء من أصول المعتزلة" (١)، كما دافع عن الأشعري فيما نسب إليه من أنه يقول: إن الله لم يكن قادرًا على العل في الأزل " وبين شيخ الإسلام أن " من يبغض الأشعري ينسب إليه هذا، لتنفر عنه قلوب الناس " (٢)، وكثيرًا ما يشير شيخ الإسلام إلى أنه أقرب إلى السلف من كثير ممن أتى بعده (٣)، وكثيرًا ما ينقل من كتب الأشعري، ويستشهد بأقواله (٤) .
ب - الباقلاني والجويني:
يرى شيخ الإسلام أن الباقلاني فحل الطائفة الأشعرية (٥)، ويقول عنه: إنه " أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله، لا قبله ولا بعده " (٦)، ويذكر عنه أنه " أكثر إثباتًا بعد الأشعري في الإبانة " (٧) .
_________________
(١) المسألة المصرية في القرآن - مجموع الفتاوي (١٢/٢٠٣) .
(٢) درء التعارض (٢/٢٦٤) .
(٣) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ٧٧-٧٨)، ودرء التعارض (٢/٣٠٨) .
(٤) انظر مثلًا: القاعدة المراكشية (ص: ٦٧-٧١)، - ط دار طيبة - ونقض التأسيس المطبوع (٢/٥٣٣-٥٣٤)، ومجموع الفتاوي (٤/٢٥٧)، ودرء التعارض (١/٢٥٦-٢٦١)، والتسعينية (ص: ٤١) .
(٥) انظر: التسعينية (ص:١٨٩) .
(٦) الحموية، مجموع الفتاوي (٥/٩٨) .
(٧) مجموع الفتاوي (٥/٥٢) .
[ ٢ / ٧١٤ ]
وقد امتدحه كثيرًا في ردوده على الباطنية (١)، ومواقفه العظيمة من النصارى (٢) .
أما الجويني فيدافع عنه على الرغم من كونه ممن مال إلى المعتزلة أكثر ممن سبقه من الأشاعرة، وبعد أن نقل عنه الأقوال في الكلام ونسبته إلى أهل السنة ما ليس من مذهبهم، رد عليه ابن تيمية وقال: " وأبو المعالي وأمثاله أجل من أن يتعمد الكذب، لكن القول المحكي قد يسمع من قائل لم يضبطه، وقد يكون القائل نفسه لم يحرر قولهم" (٣)، ويذكر هذا في مناسبة أخرى ويرى أنه لم يتعمد الكذب لكنه كان قليل المعرفة بحال أهل السنة (٤)، ويحتج بأقواله ويصححها في معرض ردوده على الجهمية (٥)، وابن رشد (٦) .
جـ - الغزالي:
يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية من القلائل الذين عرفوا حقيقة ما انتهى إليه الغزالي في كتبه المختلفة، وأنه كان مائلًا إلى الفلسفة التي صاغها بعبارات ومصطلحات الصوفية، فأصبح متفلسفًا صوفيًا إشراقيًا (٧)، ومع أن شيخ الإسلام نقده كثيرًا وفي مناسبات مختلفة، ونقل ردود العلماء عليه (٨)، إلا أنه أنصفه ومدحه وذلك من خلال:
١- بيانه أن الغزالي لا يتعمد الكذب، ولذلك لما نسب إلى الإمام أحمد أنه يقول بالتأويل رد عليه ابن تيمية بأنه: " نقله عن مجهول لا يعرف، وذلك المجهول أرسله إرسالًا عن أحمد، ولا يتنازع من يعرف أحمد وكلامه أن هذا كذب
_________________
(١) انظر: ما سبق من ذكر إجابيات الأشاعرة في الرد على الباطنية، وانظر أيضًا، منهاج السنة (٤/٢٦٩-٢٧١)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوي (٥/٥٥٨) .
(٢) انظر: منهاج السنة (٢/٣٩) المحققة.
(٣) انظر: درء التعارض (٢/٣١٠) .
(٤) انظر، التسعينية (ص: ٢٤٩) .
(٥) انظر: درء التعارض (٥/١٨٦-١٩٠) .
(٦) انظر: المصدر السابق (٩/١١٠-١١٢) .
(٧) سبقت الإشارة إلى ذلك في ترجمة الغزالي عند الحديث عن تطور المذهب الأشعري.
(٨) ذكر ذلك مرات عديدة، انظر مثلًا: النبوات (ص: ١١٨-١١٩) .
[ ٢ / ٧١٥ ]
مفترى عليه، ونصوصه المنقولة عنه بنقل الثقات الأثبات، المتواتر عنه برد هذا الهذيان الذي نقله عنه، بل إذا كان أبو حامد ينقل عن رسول الله - ﷺ - وعن الصحابة والتابعين من الأكاذيب لا يحصيه إلا الله، فكيف ما ينقله عن مثل أحمد"، ثم يعقب شيخ الإسلام مدافعًا عن الغزالي: " ولم يكن ممن يتعمد (١) الكذب، كان أجلّ قدرًا من ذلك، وكان من أعظم الناس ذكاء وطلبًا للعلم وبحثًا عن الأمور، ولما قاله كان من أعظم الناس قصدًا للحق، وله من الكلام الحسن المقبول أشياء عظيمة، بليغة، ومن حسن التقسيم والترتيب ما هو به من أحسن المصنفين، لكن كونه لم يصل إلى ما جاء به الرسول من الطرق الصحيحة كان ينقل ذلك بحسب ما بلغه لاسيما مع هذا الأصل، إذ جعل النبوات فرعًا على غيرها (٢) .
٢- كما أن شيخ الإسلام يعترف للغزالي بجهوده في ردوده على الفلاسفة، ويمتدحه كثيرًا في ذلك، ولما احتج الفلاسفة على نفي الصفات بالتركيب وما يلزم رد عليهم الغزالي ووافقه ابن تيمية فقال: " ما ذكره أبو حامد مستقيم، مبطل لقول الفلاسفة، وما ذكره ابن رشد إنما نشأ من جهة ما في اللفظ من الإجمال والاشتراك " (٣)، ثم قال مناقشًا ابن رشد: " وهذه الطريق التي سلكها أبو حامد في مناظرته إخوانك وهي طريق صحيحة، وقد تبين أن ما ذكره أبو حامد عن احتجاجهم بلفظ المركب جواب صحيح " (٤)، ويقول ابن تيمية عن ابن رشد " وقد رد على أبي حامد في تهافت التهافت ردًا أخطأ في كثير منه، والصواب مع أبي حامد.. وقد تكلمت على ذلك وبينت تحقيق ما قاله أبو حامد في ذلك من الصواب الموافق لأصول الإسلام، وخطأ ما خالفه من كلام ابن رشد وغيره من الفلاسفة، وإن ما قالوه من الحق الموافق للكتاب والسنة لا يرد،
_________________
(١) في الأصل المخطوط يعتمد، ولعل الصواب ما أثبته.
(٢) نقض التأسيس المخطوط (٣/١٠٠) .
(٣) انظر: درء التعارض (٣/٤٠٢) .
(٤) انظر: درء التعارض (٣/٤٣٨)، وانظر أيضًا (٣/٣٨٩) .
[ ٢ / ٧١٦ ]
بل يقبل، وما قصر فيه أبو حامد من إفساد أقوالهم الفاسدة فيمكن رده بطريق أخرى يعان بها أبو حامد على قصده الصحيح ".
كما يمتدح شيخ الإسلام ردود الغزالي على الفلاسفة في مسألة إثبات الصانع وينقل ما ذكره من الطعن في طريقة ابن سينا وأمثاله، ثم يقول شيخ الإسلام معقبًا: " وهذا الوجه الذي ذكره أبو حامد أحسن فيه، وكنت قد كتبت على توحيد الفلاسفة ونفيهم الصفات كلامًا بينت فيه فساد كلامهم في طريقة التركيب قبل أن أقف على كلام أبي حامد، ثم رأيت أبا حامد قد تكلم بما يوافق ذلك الذي كتبته" (١)، كما يعترف له في مناسبات أخرى (٢) .
٣- ذكره لرجوعه في آخر عمره إلى الحديث، وأنه مات وهو يشتغل بالبخاري ومسلم (٣)، ويذكر أنه رجع " واستقر أمره على التلقي من طريقة أهل الحديث، بعد أن يأس من نيل مطلوبه من طريقة المتكلمين والمتفلسفة والمتصوفة أيضًا " (٤) .
د - الرازي وغيره:
نظرًا لأن الرازي ومن جاء بعده التصقوا بالفلسفة كثيرًا، وانحرفوا عن أسلافهم الأشاعرة فقد كانت ردود ابن تيمية عليهم كثيرة وقوية، وكثيرًا ما يوردها بنبرة قاسية تشبه ما يستخدمه من عبارات في ردوده على الفلاسفة والباطنية ومن شابههم من أهل الكفر والإلحاد، ومع ذلك فلم تخل مناقشاته له من الإنصاف حين يجد فيكلامه ما هو حق، فهو يقول عنه بعد نقله لأحد آرائه ومناقشاته: " قلت هذا هو الصواب، فإن بطلان الدور معلوم
_________________
(١) المصدر السابق (٨/١٥٦) .
(٢) انظر مثلًا مجموع الفتاوى (١/٤٩-٥٠)، ودرء التعارض (٨/١٦، ١٠/١٣٥-١٥٢)، وشرح الأصفهانية (ص: ١٣٢) .
(٣) انظر: الصفدية (١/٢١٢)، ودرء التعارض (١/١٦٢)، ومنهاج السنة (٢/٢٧٩)، المحققة، وجامع الرسائل (١/١٦٩)، ت رشاد سالم، ومجموع الفتاوي ٧٢)، وشرح الأصفهانية (ص: ١٢٣) .
(٤) انظر: درء التعارض (٦/٢١٠) .
[ ٢ / ٧١٧ ]
بالضرورة " (١)، ويقول عن إحدى مناقشاته للفلاسفة: " فتبين أن الذي ألزمهم إياه أبو عبد الله الرازي إلزام لا محيد عنه " (٢)، كما يمتدح ما ذكره من إبطال الحلول وإلزام النصارى (٣)، وكثيرًا ما يذكر أن ما ذكره الرازي صحيح أو حق (٤) .
كما يفعل ذلك مع الآمدي (٥)، ويقول عنه: " مع أنه من أفضل من تكلم من أبناء جنسه في هذه الأمور وأعرفهم بالكلام والفلسفة " (٦)، كما يعترف لأثير الدين الأبهري (٧)، ويقول عن - الرازي، والآمدي، والأرموي (٨) - إنهم من أفضل بني جنسهم من المتأخرين (٩)، بل قال عن الآمدي: " كان من أحسنهم إسلامًا وأمثلهم اعتقادًا " (١٠) .
هـ - الأشاعرة المعاصرون لابن تيمية:
من يطلع على حياة شيخ الإسلام ابن تيمية وما جرى له من محن على يد الأشاعرة المعاصرين له وكيف أنه انتقل بسببهم من محنة إلى محنة ومن سجن إلى سجن، وما صاحب ذلك من مؤامرات وافتراءات عليه، من يطلع على تفاصيل ذلك قد يتصور أن موقف شيخ الإسلام منهم سيكون على غرار موقفهم
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٣/٢٩٣) .
(٢) المصدر السابق (١/٣٤٥)، وانظر أيضًا: (١/٣٤٣) .
(٣) انظر، المصدر السابق (٦/١٥١) .
(٤) انظر: نقض التأسيس المخطوط (١/٢٦)، ودرء التعارض (١٠/١٠٦) .
(٥) انظر: درء التعارض (٤/٦٢-٦٥) .
(٦) انظر: المصدر السابق (٤/٢٣٤) .
(٧) انظر: المصدر نفسه (١/٣٧٧-٣٧٩)، وأثير الدين الأبهري هو: المفضل بن عمر بن المفضل الأبهري السمرقندي، له عدة كتب منها هداية الحكمة، والإيساغوجي، والزيج الاختياري وغيرها، توفي سنة ٦٦٣هـ، انظر: تاريخ آداب اللغة العربية (٣/١١٤)، الأعلام (٧/٢٧٩) .
(٨) الرازي والآمدي تقدمت ترجمتهما، أما الأرموي فهو سراج الدين، أبو الثناء محمود بن أبي بكر أحمد الأرموي، ولد سنة ٥٩٤هـ، من كتبه لباب الأربعين، توفي سنة ٦٨٢هـ، انظر: طبقات السبكي (٨/٣٧١)، وابن قاضي شهبة (٢/٢٦١) .
(٩) انظر: درء التعارض (٣/٣١) .
(١٠) انظر: مجموع الفتاوي (١٨/٥٢) .
[ ٢ / ٧١٨ ]
منه من السعي فيهم والانتقام منهم، ولكن الأمر لم يكن كذلك، بل صار له معهم موقفان، دالان على أدب وخلق رفيع:
أحدهما: عملي، حيث كان يدعو لهم، ويأتي الانتصار لنفسه - في حالة تمكنه من ذلك - وقد سبق تفصيل ذلك عند الحديث عن محن ابن تيمية في ترجمته، وهي مواقف تدل على نفس كريمة وتسامح عجيب.
والثاني: موقف نظري، عند مناقشته لهم، حيث كان يعتذر لهم، ويبين أنهم كانوا يقصدون الحق وأنهم مجتهدون، انظر إلى مثل قوله فيهم: " وأكثر الطالبين للعم والدين ليس لهم قصد من غير الحق المبين، لكن كثر في هذا الباب الشبه والمقالات، واستولت على القلوب أنواع الضلالات، حتى صار القول الذي لا يشك من أولي العلم والإيمان أنه مخالف للقرآن والبرهان، بل لا يشك في أنه كفر بما جاء به الرسول من رب العالمين، قد جعله كثير من أعيان الفضلاء أنه من محض العلم والإيمان، بل لا يشك في أنه مقتضى صريح العقل والعيان، ويظنون أنه مخالف لقواطع البرهان ".
" ولهذا كنت أقول لأكابرهم لو وافقتكم على ما تقولونه لكنت كافرًا مريدًا (١)، لعلمي بأن هذا كفر بيّن، وأنتم لا تكفرون لأنكم من أهل الجهل بحقائق الدين، ولهذا كان السلف والأئمة يكفرون الجهمية في الإطلاق والتعميم وأما المعين منهم فقد يدعون له ويستغفرون له، لكونه غير عالم بالصراط المستقيم، وقد يكون العلم والإيمان ظاهرًا لقوم دون آخرين، وفي بعض الأمكنة ولأزمنة دون بعض، بحسب ظهور دين المرسلين " (٢) .
وقد مدح شيخ الإسلام القاضي بدر الدين ابن جماعة وأيده (٣)، ونقل السبكي في طبقاته أن تقي الدين ابن تيمية كان كثيرًا ما يثني على والده تقي الدين السبكي، وأنه: " كان لا يعظم أحدًا من أهل العصر كتعظيمه له" (٤)،
_________________
(١) كذا ولعله: مرتدًا.
(٢) نقض التأسيس المخطوط (١/٥-٦) .
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٣/٢٤٣)، وما بعدها.
(٤) طبقات الشافعية للسبكي (١٠/١٩٤) .
[ ٢ / ٧١٩ ]
كما ذكر في ترجمة علاء الدين الباجي -واسمه علي بن محمد بن عبد الرحمن - أنه: " لما رآه ابن تيمية عظمه، ولم يجر بين يديه بلفظة، فأخذ الشيخ علاء الدين يقول: " تكلم نبحث معك، وابن تيمية يقول: مثلي لا يتكلم بين يديك أنا وظيفتي الاستفادة منك " (١) .
هذه موقف شيخ الإسلام الإيجابية من الأشاعرة وفيها من بيان الحق والإنصاف ما يشهد له بالأمانة، ومع ذلك فهذه الجوانب لا ينبغي أن تؤخذ مجردة - وحدها - بل لابد أن يضاف إليها الجانب الثاني من منهجه في موقفه منهم، ألا وهو ردوده عليهم، وبيان ما في أقوالهم من مخالفة لعقيدة ومنهج أهل السنة، وهذا ما سنفصله في الفصلين التاليين بمباحثهما المختلفة - إن شاء الله -.
* * *
_________________
(١) طبقات الشافعية للسبكي (١٠/٣٤٢) .
[ ٢ / ٧٢٠ ]
الفصل الثاني: منهجه العام في الرد على الأشاعرة
ويشمل المباحث التالية:
مقدمة:
أولًا: بيان جوانبهم الإيجابية.
ثانيًا: الكتاب والسنة فيهما ما يغني عما ابتدعه هؤلاء، وحجية خبر الآحاد في العقيدة.
ثالثًا: مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم.
رابعًا: أن علم الكلام مذموم.
خامسًا: جهلهم بالسنة وبمذهب السلف.
سادسًا: إرجاع أقوالهم المخالفة لمذهب أهل السنة إلى أصول الفلاسفة والجهمية والمعتزلة.
سابعًا: لا تعارض بين العقل والنقل.
ثامنًا: الرد على متأخري الأشاعرة بأقوال شيوخهم، وردود بعضهم على بعض.
تاسعًا: تناقض الأشاعرة.
عاشرًا: حيرة الأشاعرة وشكهم ورجوعهم.
حادي عشر: تسلط الفلاسفة والباطنية على المتكلمين.
[ ٢ / ٧٢١ ]
مقدمة
لقد كانت لشيخ الإسلام ابن تيمية مواقف إيجابية من الأشاعرة، أنصفهم فيها، وحمد ما قاموا به من الجهود الكبيرة في الدفاع عن الإسلام، ولكن هذه المواقف لم تمنعه من الرد على انحرافاتهم وأخطائهم ومناقشتها بالتفصيل، وقد بذل - رحمة الله - في ذلك جهودًا عظيمة، وألف فيه كتبًا كثيرة، أرجع فيها الفروع إلى الأصول، والمسائل الصغيرة إلى أصولها الكبار، وبين الخلفيات والأسباب التي دعت هؤلاء إلى أن يقولوا بأقوال ويعتقدوا عقائدهم المخالفة للكتاب والسنة، وقد كان لخبرته بأصول أهل الضلال من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ومعرفته بمداخل مذاهبهم، وكيف يرتبون المسائل بعضها على بعض أثر كبير في قوة منهجه، وغوصه في حجبه، وإحراج خصومه عند الرد والمناقشة، وكان من آثار ذلك أن نال منه خصومه، واعتبروه خصمهم اللدود، ولما لم يقووا على مناقشته ورد ما أتى به مما يبهر العقول وينير السبيل لطالب الهدى، لجأوا إلى أساليب أخرى تبتعد عن مناقشة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، من استعداء للسلطة، أو رميه بما هو بريء منه كذبًا وزورًا، أو تشويه لأقواله وتصويرها بصورة تنفر منها نفوس عامة الناس كما فعل أشياخهم من قبل مع أشياخ أهل السنة حين رموهم بالحشو والتشبيه وغير ذلك مما هو مسطر مشهور في كتبهم، ولكن ذلك لم يثن عزم شيخ الإسلام - كما لم يثن شيوخ أهل السنة قبلهـ عن أن يبين للناس الحق، ويرد الباطل الذي جاء به أهل الكلام والفلسفة من الأشاعرة وغيرهم.
وقد كان اهتمام شيخ الإسلام بالرد على الأشاعرة كبيرًا، ويكفي كمثال على ذلك أن كتابين من أكبر كتبه أفردهما في الرد عليهم، وهما كتاب نقض أساس التقديس، ودرء تعارض العقل والنقل، إضافة إلى الكتب العديدة التي أفردها في ذلك - وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمة -.
وردود شيخ الإسلام عليهم ركزت على الأصول التي بنوا عليها مذهبهم، كما أنها لم تغفل الجزئيات والمسائل الفرعية العقدية، وذلك في مسائل توحيد الربوبية والألوهية، والصفات، والقدر، والإيمان، والنبوة، وغيرها.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
ومن المفيد جدًا قبل الدخول في مناقشاته وردوده التفصيلية على الأشاعرة استقراء منهجه العام في الرد عليهم، لأن هذه الخطوط العريضة توضح جوانب من منهجه قد لا تتضح من خلال الردود التفصيلية المطولة، كما أها تبرز الجوانب الجوهرية والملاحظات الأساسية على مذهب الأشاعرة، والتي بسببها وقعوا في الأخطاء والانحرافات التفصيلية.
وقد كانت لشيخ الإسلام لمحات وإشارات مهمة، نظرًا لطول مراسه في هذا الباب، واهتمامه الشديد به:
١- فهو الخبير بالمذهب الأشعري - بل وكل مذهب رد عليه كما سبق في منهجه - والمتتبع لما كتبه عن الأشاعرة يرى هذا بارزًا، فاطلاعه على تاريخ المذهب الأشعري نشأة وتطورًا، وتاريخ رجاله، وما جرى لهم مع خصومهم من أحداث، وكذا كتبهم التي ألفوها خدمة لمذهبهم أو ردًا على خصومهم، على مختلف البلدان والأزمان التي عاشوا فيها - اطلاعه على ذلك واسع جدًا، إلى حد أن أحدًا من أصحاب هذا المذهب نفسه لا يجاريه في ذلك.
وشيخ الإسلام حينما يرد على مقالة أحد الأشاعرة لا يكتفي بالرد عليها ونقضها مباشرة، وإنما يأتي بالردود من وجوه عديدة، فقائل هذه المقالة إن كانت له كتب أخرى، أو لشيوخه الذين تتلمذ عليهم، أو لشيوخ المذهب عمومًا اطلع عليها واستخلص منها ما يرد على صاحب المقالة ويبين عدم ثقته هو أو ثقة شيوخه بهذا الكلام الذي يقوله في المقالة أو الكتاب المردود عليه، وقد أتى شيخ الإسلام في ذلك بأعاجيب.
٢- وقد اختار في ردوده ومناقشاته أن تكون مشتملة على نقل كلام رؤوس الطوائف، ويعلل ذلك بقوله - في معرض بيان أن المتكلمين ضعفت ردودهم على الفلاسفة لأنهم قابلوا الفاسد بالفاسد - " وإنما يحصل النور والهدى بأن يقابل الفاسد بالصالح، والباطل بالحق، والبدعة بالسنة، والضلال بالهدى، والكذب بالصدق، وبذلك يتبين أن الأدلة الصحيحة لا تعارض بحال، وأن المعقول الصريح مطابق للمنقول الصحيح " ثم يقول: " وقد رأيت من هذا عجائب فقل أن رأيت حجة عقلية هائلة لمن عارض الشريعة قد انقدح لي وجه
[ ٢ / ٧٢٤ ]
فسادها وطريق حلها، إلا أن رأيت بعد ذلك من أئمة تلك الطائفة من قد تفطن لفسادها وبيّنه، وذلك لأن الله خلق عباده على الفطرة، والعقول السليمة مفطورة على معرفة الحق لولا المعارضات، ولهذا أذكر من كلام رؤوس الطوائف في العقليات ما يبيّن ذلك، لا لأننا محتاجون في معرفتنا إلى ذلك، لكن ليعلم أن أئمة الطوائف معترفون بفساد هذه القضايا، التي يدعي إخوانهم أنها قطعية، مع مخالفتها للشريعة، لأن النفوس إذا علمت أن ذلك القول قاله من هو من أئمة المخالفين استأنست بذلك واطمأنت به، ولأن ذلك يبيّن أن تلك المسألة فيها نزاع بين تلك الطائفة فتنحل عقد الإصرار والتصميم على التقليد، فإن عامة الطوائف- وإن ادعوا العقليات - فجمهورهم مقلدون لرؤوسهم فإذا رأوا الرؤوس قد تنازعوا واعترفوا بالحق انحلت عقدة الإصرار على التقليد" (١) .
فشيخ الإسلام يذكر ثلاثة أسباب دعته إلى النقل عن رؤساء الطوائف هي:
أ - بيان أن أئمة الطوائف معترفون بفساد هذه القضايا التي يدعي هؤلاء المردود عليهم أنها قطعية.
ب - ناحية نفسية تتمثل في أن هؤلاء إذا علموا أن ذلك القول قد قال به أئمتهم من قبل أنسوا واستأنسوا.
جـ - إزالة عقدة الإصرار والتصميم على هذه المقالة الباطلة حين يتبيّن لهم أن فيها نزاعًا بين رؤسائهم.
٣- وكثيرًا ما يرد الأقوال الفاسدة بعضها ببعض، لبيان أن صاحب هذا القول الفاسد- الذي يدور حوله الرد - ينكر على منازعه ما هو أقرب إلى الصحة من قوله، فإذا كان قول منازعه فاسدًا فقوله هو أحق بالفساد منه، يقول شيخ الإسلام في رده على الآمدي حين ذكر دليله الثالث على نفي التجسيم عن الله تعالى، وخلاصته: أنه لو كان جسمًا لكان له بعد وامتداد، ووجوب تناهي الأبعاد (٢) فرد عليه شيخ الإسلام، وكان مما قاله في معرض رده:
_________________
(١) درء التعارض (١/٣٧٦-٣٧٧) .
(٢) أبكار الأفكار للآمدي (١/١٤٢-أ-ب) .
[ ٢ / ٧٢٥ ]
" مع أن ما ذكره من وجوب تناهي الأبعاد قد أبطل فيه مسالك الناس كلها، وأنشأ مسلكًا آخر ذكر أنه لم يسبقه إليه أحد، وإذا حرر الأمر عليه وعليهم في تلك المسالك كان القدح فيها أقوى من مسالكهم في النفي، فلو قدر أن اثنين أثبت أحدهما موجوداُ قائمًا بنفسه لا يتناهى، وأثبت الآخر موجودًا لا يكون متناهيًا ولا غير متناهٍ، كان قول الثاني أفسد، والأول أقرب إلى الصواب، وما من مقدمة يدعون بها إفساد قول الأول إلا وفي أقوالهم ما هو أفسد منها " (١)، ثم يعقب شيخ الإسلام بقاعدة معينة يضرب لها المثال فيقول: " والمناظرة تارة تكون بين الحق والباطل، وتارة بين القولين الباطلين لتبيين بطلانهما، أو بطلان أحدهما، أو كون أحدهما أشد بطلانًا من الآخر، فإن هذا ينتفع به كثيرًا في أقوال أهل الكلام والفلسفة وأمثالهم ممن يقول أحدهم القول الفاسد وينكر على منازعه ما هو أقرب منه إلى الصواب، فيبين أن قول منازعه أحق بالصحة إن كان قوله صحيحًا، وإن قوله أحق بالفساد إن كان قول منازعه فاسدًا، لتنقطع بذلك حجة الباطل " (٢)،
ويضرب المثال بالمسألة المطروحة وهي وجود الله وبينونته عن خلقه التي قال عنها الآمدي: إنه لو كان جسمًا لكان له بعد وامتداد، والأبعاد لا بد أن تتناهى، ولم قيل: إن الله تعالى لا يتناهى للزم منه أن لا يوجد جسم غيره من المخلوقات، أو أن يخالط القاذورات وهو محال، والآمدي يحل المشكلة بأن يقول إن الله موجود وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، فشيخ الإسلام يأتي بالقول الآخر وهو قول الحلولية أو ما يلزم منه الحلول فيقول: " حكى الأشعري وغيره عن طوائف أنهم يقولون: إنه لا يتناهى، وهؤلاء نوعان، نوع يقول: هو جسم، ونوع يقول: ليس بجسم، فإذا أراد النفاة أن يبطلوا قول هؤلاء لم يمكنهم ذلك، فإنهم إذا قالوا، يلزم منه أن يخالط القاذورات والأجسام، قالوا: كما أثبتم موجودًا لا يشار إليه، ولا هو داخل ولا خارج، فنحن نثبت موجودًا هو داخل، ولا يخالط غيره. فإذا قالوا: هذا لا يعقل، قالوا: وذلك لا يعقل " -ثم يقول شيخ الإسلام- " ومذهب
_________________
(١) درء التعارض (٤/٢٠٥-٢٠٦) .
(٢) درء التعارض (٤/٢٠٦) وقد سبق نقل هذا النص (ص: ٣٠٢) ..
[ ٢ / ٧٢٦ ]
النفاة في العقل من مذهب الحلولية، ولهذا إذا ذكر القولان لأهل الفطر السليمة نفروا عن قول النفاة أعظم من نفورهم عن قول الحلولية " (١)، مع أن كلًا منها قول باطل، لكن رد باطل أولئك بباطل هؤلاء.
هذه إشارات سريعة يحسن بعدها الانتقال إلى المنهج التفصيلي:
أولًا: بيان جوانبهم الإيجابية وما عندهم من حق:
وقد سبق شرحها في الفصل السابق، والإشارة إليها هنا للتذكير ولتصور منهج الرد بمجمله.
ثانيًا: الكتاب والسنة فيهما ما يغني عما ابتدعه هؤلاء:
وهذه المسألة يركز عليها شيخ الإسلام دائمًا، ولا تكاد تخلو مسألة من المسائل التي يناقشها مما خالف فيه الأشاعرة وغيرهم إلا ويعول على بيان أن الكتاب والسنة جاءا بالدين الكامل والهدى النافع لجميع الناس، وأن المسلمين سابقًا ولاحقًا لم يكونوا بحاجة إلى شيء مما ابتدعه المبتدعون، ويقرر أن الناس " متى تركوا الاعتصام بالكتاب والسنة فلابد أن يختلفوا، فإن الناس لا يفصل بينهم إلا كتاب منزل من السماء، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة:٢١٣)، وكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء:٥٩) (٢)، ويقرر شيخ الإسلام أن نفاة الصفات لا يمكن أن يعتمدوا
_________________
(١) درء التعارض (٤/٢٠٦-٢٠٧) .
(٢) المصدر السابق (٥/٢٨٤) .
[ ٢ / ٧٢٧ ]
في أقوالهم الفاسدة على الشرع، وأن يقولوا: إنها مستمدة من الكتاب والسنة، فيقول: " ولا تجد أحدًا من نفاة الصفات يعتمد في ذلك على الشرع، ولا يدعي أن أصل اعتقاده لذلك من جهة الكتاب والسنة، ولا ينقل قوله عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان " (١)،
ويأمر بعرض أقوال الناس على الكتاب والميزان الذي أنزله الله تعالى، ليميز صحيحها من فاسدها، فيقول في مسألة حوادث لا أول لها على اعتراض القائل بأن المانعين لها كثيرون: " وإذا كان كذلك فانظر في هذا الأصل الذي اتبع فيه متأخرهم لمتقدميهم من إثباتهم حدوث العالم والأجسام بهذه الطريق: هل هي طريقة صحيحة في العقل أم لا؟ وهل هي موافقة للشرع أم لا؟ فاعرضها على الكتاب والميزان فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد:٢٥)، فاعرض [ما (٢)] يذكرونه بما ثبت من كتاب الله والسنة رسوله وما ثبت عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين، وزنه أيضًا بالميزان الصحيحة (٣) العادلة العقلية واستعن على ذلك بما يذكره كل من النظار في هذه الطريقة وأمثالهم، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، ولا تتبع الظن فإنه لا يغني من الحق شيئًا، وسل الله أن يلهمك ويهديك، فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح الإلهي أن الله تعالى قال: " يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم (٤) " (٥)،
ويقرر أيضًا أن من أصول الإسلام " إن تميز ما بعث الله به محمدًا - ﷺ - من الكتاب والسنة والحكمة ولا تخلطه بغيره، ولا تلبس الحق بالباطل، كفعل أهل الكتاب فإن الله سبحانه أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وقد قال النبي - ﷺ -:
_________________
(١) درء التعارض (٥/٥١) ..
(٢) في الأصل [عما] والتصويب من إحدى النسخ في الحاشية.
(٣) الميزان مذكر، ولعل الصواب [الموازين الصحيحة] .
(٤) قطعة من حديث قدسي مشهور، رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم ورقمه (٢٥٧٧) ورواه أيضًا الإمام أحمد في المسند (٥/١٥٤) .
(٥) درء التعارض (٨/٢٧٥-٢٧٦) ..
[ ٢ / ٧٢٨ ]
" تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي لا هالك (١) .." (٢) .
وقد جاء تقرير شيخ الإسلام لهذه المسألة العظيمة التي تقوم على أن الكتاب والسنة فيهما ما يغني عن كل ما ابتدعه المبتدعون بالطرق التالية:
أ - أن الرسول - ﷺ - بلغ البلاغ المبين، وأوضح أصول الدين كلها حتى ترك أمته على البيضاء، ليلها كنهارها، م يقول شيخ الإسلام في أول الحموية - وهي في العلو والصفات الخبرية، وجرت له بسببها مع الأشاعرة محنة عظيمة - " من المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة، وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته، محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله، والعلم به ملتبسًا مشتبهًا، ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه، فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبه القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادًا وقولًا؟ " (٣)،
ويقول في
_________________
(١) رواه الإمام أحمد عن العرباض بن ساربة ﵁ (٥/٢٦)، وابن ماجه في المقدمة رقم (٤٣)، والحاكم (١/٩٦)، وابن أبي عاصم في السنة رقم (٤٩، ٥٠)، كما رواه عن أبي الدراء ابن ماجه في المقدمة رقم (٥)، وابن أبي عاصم في السنة رقم (٤٨)، وحديث العرباض قال فيه المنذري في الترغيب (١/٨٦)، ت الهراس: " رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة بإسناد حسن " وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١/٢٧)، ورقمه (٥٨)، وفي تخريج السنة لابن أبي عاصم - بروايته - الأرقام السابقة، وفي صحيح ابن ماجه رقم (٥، ٤١)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (٦٨٨-٩٣٧) .
(٢) مجموع الفتاوى (١٥/١٥٥) .
(٣) الحموية، مجموع الفتاوي (٥/٦)، وانظر أيضًا: نقض التأسيس المخطوط _٣/١٩٨)، ودرء التعارض (١/٧٣-٧٤،٨/٤٠٦-٤٠٧)، والنبوات (ص: ٥٨، ٢٢٧، ٢٣٧) ..
[ ٢ / ٧٢٩ ]
درء التعارض: " وبذلك يتبين أن الرسول ﵊ نص على كل ما يعصم من المهالك نصًا قاطعًا للعذر، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (التوبة:١١٥)، وقال رسول الله - ﷺ -: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكَمْ نِعْمَتي وَرضَيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيْنًَا]، وقال تعالى ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء:١٦٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور:٥٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الاسراء:٩)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا*وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا*وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (النساء:٦٦-٦٨)، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ (المائدة:١٥-١٦)، وقال أبو ذر: " لقد توفي رسول الله - ﷺ - وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا " (١)، وفي صحيح مسلم: إن بعض المشركين قالوا لسلمان: " لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى القراءة " (٢)،
وقال ﷺ: [تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك (٣)] (٤) .
فهذه النصوص - وغيرها كثير - تدل دلالة قاطعة على أن الرسول - ﷺ - قد بلغ هذا الدين كاملًا، وأن تبليغه كان بأوضح بيان وأقوم حجة.
ب - أن القرآن جاء بالدلائل الواضحة لمسائل العقيدة، ومن ذلك أنه جاء بالأدلة العقلية الواضحة، لا كما يزعم المعتزلة والأشاعرة أن دلالة السمع مجرد الخبر، فقط، وأن قبوله موقوف على تصديق المخبر، وتصديق المخبر - عندهم - موقوف على الأصول العقلية التي تنتهي بهم إلى نفي الصفات عن الله
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/١٥٣-١٦٢)، والطبراني في الكبير، رقم (١٦٤٧)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٨٠٣)، وهو مروي عن أبي الدرداء -﵁ - رواه أيو يعلى الموصلي في مسنده رقم (٥١٠٩-٩/٤٦)، ت حسين سليم أسد، وقال المحقق اسناده صحيح.
(٢) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، ورقمه (٢٦٢) ..
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
(٤) درء التعارض (١/٧٣-٧٤) .
[ ٢ / ٧٣٠ ]
تعالى، يقول شيخ الإسلام رادًا على هؤلاء: " إن القرآن ضرب الله فيه الأمثال، وهي المقاييس العقلية التي يثبت بها ما يخبر به من أصول الدين، كالتوحيد، وتصديق الرسل، وإمكان المعاد، وإن ذلك مذكور في القرآن على أكمل الوجوه، و.. عامة ما يثبته النظار من المتكلمين والمتفلسفة في هذا الباب يأتي القرآن بخلاصته، وبما هو أحسن منه على أتم الوجوه، بل لا نسبة بينها لعظم التفاوت " (١)، وشيخ الإسلام يوضح مسألة خطيرة طالما وقع في الانحراف فيها أناس كثيرون ممن تشبعوا بعلم الكلام والفلسفة حيث يظنون أن القرآن كتاب عظيم، لاشك في ثبوته، ولكنه كتاب إيمان وتسليم، وقد وصل الأمر بأحد أعلام الأشاعرة - وهو أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي (٢)
- أو بعض نظرائه من تلاميذ الجويني أن يقول: " وفي القرآن حجاج، وإن لم يكن فيه الغلبة والفلج، غير أن العامي يكتفي به، كقوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ (قّ:١٥)،وليس من أنكر الحشر ينكره لأجل العياء، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ (النحل:٦٢)، ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ (لنجم:٢١)، وليس هذا يدل على نفي الولد قطعًا، فمبادئ النظر كافية لهم" (٣)، ويتعجب الإنسان أشد العجب من هذا الكلام، ولذلك يرد عليه شيخ الإسلام بقوله: " وأما [ما (٤)] ذكره من أن الحجاج الذي في القرآن يكتفي به العامي، وإن لم يكن فيه الغلبة والفلج فهذا الكلام يقوله مثل هذا الرجل وأمثاله من أهل الكلام الجاهلين بحقائق ما جاء به التنزيل، وما بعث به
_________________
(١) التسعينية (ص: ٢٧٣) .
(٢) هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري الهراسي، المعروف بالكيا -ومعناه في اللغة العجمية الكبير القدر - والهراسي بمعنى الذعر، الأعلام (٤/٣٢٩)، ولد سنة ٤٥٠هـ، وتوفي سنة ٥٠٤هـ= =وكان من أبرز تلاميذ الجويني بعد الغزالي، درس بالنظامية، وله أحكام القرآن، مطبوع -وشفاء المسترشدين، نقد مفردات الإمام أحمد، وغيرها، انظر: تبين كذب المفتري (ص:٢٨٨-٢٨٩)، المنتظم (٩/١٦٧)، سير أعلام النبلاء (١٩/٣٥٠)، والوافي في الوفيات (٢٢/٨٢) - مطبوع - وطبقات السبكي (٧/٢٣١)، وغيرها..
(٣) هذا النص نقله ابن تيمية عن الكيا الهراسي أو أحد تلاميذ الجويني، درء التعارض (٧/٣٦٠)، وانظر: درء التعارض أيضًا (٨/٩٤) .
(٤) زيادة يقتضيها السياق، ولعلها ساقطة طباعة.
[ ٢ / ٧٣١ ]
الرسول، حتى يقول بعضهم: إن الطريقة البرهانية ليست في القرآن، وهؤلاء جهلهم بمعاني الأدلة البرهانية التي دل عليها القرآن كجهلهم بحقائق ما أخبر به القرآن، بل جهلهم بحقائق ما دل عليه الشرع من الدلائل العقلية والمطالب الخبرية أعظم من جهلهم بما سلكوه من الطرق البدعية التي سموها عقلية، وقد رأيت في كلام هذا الرجل وأمثاله من ذلك عجائب يخالفون بها صريح المعقول، مع مخالفتهمن لصحيح المنقول، ونقص علمهم وإيمانهم بما جاء به الرسول - ﷺ - (١)، ثم بين شيخ الإسلام في معرض الرد " أن الطرق التي جاء به القرآن هي الطرق البرهانية التي تحصل العلم في المطالب الإليهة "، ثم ذكر عدة أمثلة تدل على هذا:
١- منها دلالة قياس الأولى على نفي الولد عن الله تعالى، يقول: " مثال ذلك أنه يستدل بقياس الأولى البرهاني، لا يستدل بقياس التمثيل والتعديل، وذلك أن الله تعالى ليس مماثلًا لشيء من الموجودات، فلا يمكن أن يستعمل في حقه قياس شمولي منطقي تستوي أفراده في الحكم، كما لا يستعمل في حقه قياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع، فإنه سبحانه لا مثل له، وإنما يستعمل في حقه من هذا وهذا قياس الأولى، مثل أن يُقال: كل نقص ينزه عنه مخلوق من المخلوقات فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عنه، وكل كمال مطلق ثبت لموجود من الموجودات فالخالق تعالى أولى بثبوت الكمال المطلق الذي لانقص فيه بوجه من الوجوه، لأنه سبحانه واجب الوجود، فوجوده أكمل من الوجود الممكن من كل وجه، ولأنه مبدع الممكنات وخالقها، فكل كمال لها فهو منه، وهو معطيه، والذي خلق الكمال وأبدعه وأعطاه أحق بأن يكون له الكمال، كما يقولون: كل كمال في المعلول فهو من العلة" ثم يطبق هذا على المسألة التي ذكرها الكيا الهراسي وهي أن الآيات الواردة لا تدل على نفي الولد عن الله تعالى فيقول: " وكان المشركون يقولون: إن الملائكة بنات الله، كما حكى الله ذلك عنهم بقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (الزخرف:١٩)،
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٣٦١) .
[ ٢ / ٧٣٢ ]
وهم مع هذا يجعلون البنات نقصًا وعيبًا، ويرون الذكر كمالًا، فقال لهم: كيف تصفون ربكم بأنقص الوصفين، وأنتم مع هذا لا ترضون هذا لأنفسكم؟ فهذا احتجاج عليهم بطريق الأولى في بطلان قولهم: إن له البنات، ولهم البنين، لم يحتج بذلك على نفي الولد مطلقًا كما يقول من يفتري على القرآن " (١)،
ثم يشرح الآيات الواردة في الرد على ادعاء المشركين إن لله البنات، ثم يقول " وإذا أراد أن يحتج سبحانه على نفي الولد مطلقًا لم يذكر هذه الحجة التي لم يفهم وجهها من لم يعرف ما في القرآن من الحجاج، وظن هو وأمثاله من أهل الضلال إن حجاجهم أكمل من حجاج القرآن، وأنهم حققوا أصول الدين أعظم من تحقيق الصحابة والتابعين، بل يذكر سبحانه الحجة المناسبة للمطلوب، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ* بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) (البقرة: ١١٦-١١٧)، ويستشهد بآيات أخرى يذكر ما فيها من دلالات (٣) .
٢- ثم يذكر مثالًا آخر على مجيء القرآن بالأدلة البرهانية، وهو دليل إثبات المعاد، يقول في معرض رده على الكلام السابق - للكيا الهراسي أو أحد تلاميذ الجويني: " وأما ما ذكره من قوله تعالى ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ (قّ:١٥) وقول ذلك القائل: من أنكر الخلق فلم ينكره لأجل كونه عيي بالخلق الول، فيقال له: مثل هذا الكلام إذا قاله ملحد طاعن في القرآن، كان فيه من الدلالة على جهله وضلاله، مالا يقدر على وصفه الإنسان، وذلك أن الله تعالى في كتابه ذكره من دلائل المعاد وبراهينه مالا يقدر أحد على أن يأتي بقريب منه، وذكر فيه من أصناف الحجج ما ينتفع به عامة الخلق " (٤)، ثم شرح أدلة القرآن التي
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٣٦٢-٣٦٣) ..
(٢) انظر: المصدر السابق (٧/٣٦٧-٣٦٨) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٧/٣٦٨-٣٧٤) .
(٤) انظر: المصدر السابق (٧/٣٧٤) .
[ ٢ / ٧٣٣ ]
جاءت بطريق الوجود والعيان، وبطريق الاعتبار والبرهان، وشرح هذين الطريقين شرحًا وافيًا (١) .
٣- ثم ذكر مثالًا ثالثًا وهو ما ذكره تعالى من نفي الشركاء معه (٢) .
ثم يقول شيخ الإسلام معقبًا على ما سبق: " ولما كان الطريق إلى الحق هو السمع والعقل، وهما متلازمان، كان من سلك الطريق العلي دله على الطريق السمعي، وهو صدق الرسول، ومن سلك الطريق السمعي بين له الأدلة العقلية، كما بين ذلك القرآن، وكان الشقي المعذب من لم يسلك لا هذا ولا هذا، كما قال أهل النار في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:١٠) (٣) .
جـ - كثيرًا ما يناقش شيخ الإسلام استدلال الأشاعرة الفاسد ببعض النصوص القرآنية، ومن أمثلة ذلك:
١ - ما وقع فيه أهل الكلام - من الأشاعرة وغيرهم - في تقريرهم للعقائد الإيمانية حين يبدأون في إثبات الصانع أولًا بدليل حدوث الأجسام، ثم إثبات الصفات لله بالأدلة العقلية، ثم يتكلمون في السمعيات من المعاد والجنة والنار والإمامة وغيرها، وهذا منهجهم في جميع كتبهم تقريبًا، يقول شيخ الإسلام في " قاعدة أولية " مبينًا منهج القرآن في تقرير العقيدة، مستشهدًا بصدر سورة البقرة، فبعد أن صنف الخلق إلى ثلاثة أصناف قال بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (البقرة:٢١)، ثم اتبع ذلك بتقرير النبوة في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (البقرة:٢٣) . قال ابن تيمية بعد ذلك: " والمتكلم يستحسن مثل هذا التأليف ويستعظمه، حيث قررت الربوبية ثم الرسالة، ويظن أن هذا موافق لطريقته الكلامية، في نظره في القضايا العقليات أولًا، من تقرير الربوبية، ثم تقرير النبوة، ثم تلقي السمعيات من النبوة كما
_________________
(١) درء التعارض (٧/٣٧٥-٣٨٩) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٧/٣٨٩-٣٩٤) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٧/٣٩٤) .
[ ٢ / ٧٣٤ ]
هي الطريقة المشهورة الكلامية للمعتزلة، والكرامية، والكلابية، والأشعرية ومن سلك هذا الطريق في إثبات الصانع أولًا، بناء على حدوث العالم، ثم إثبات صفاته نفيًا وإثباتًا بالقياس العقلي - على ما بينهم منم اتفماق واختلاف إما في المسائل وإما في الدلائل- ثم بعد ذلك يتكلمون في السمعيات من المعاد والثواب والعقاب والخلافة والتفضيل والإيمان بطريق مجملة، وإنما عمدة الكلام عندهم ومعظمه مقاييس تستلزم رج كثير مما جاءت به السنة فلحقهم الذم من جهة الضعف المقاييس التي بنوا عليها، ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة " (١)، ثم بين بعد كلامه عن الفرق بين المعتزلة الأشاعرة في هذا الموضوع أن المتكلم أخطأ في ظنه أن طريقة القرآن توافق طريقته ممن وجوه ذكر منمها وجهين عظيمتين:
أحدهما: أن إثبات الصانع في القرآن بنفس آياته، التي يستلزم العلم بها العلم به، وهذه هي الطريقة الفطرية بخلاف الطرق التي أتى بها أهل الكلام من دليل الحدوث أو الإمكان أو غيرها (٢) .
والوجه الثاني: " أن الله أمر بعبادته التي هي كمال النفوس، وصلاحها، وغايتها، ونهايتها، لم يقتصر على مجرد الإقرار به، كما هو غاية الطريقة الكلامية " (٣)، ثم قال عنهم: " فلا وافقوا، لا في الوسائل ولا في المقاصد، فإن الوسيلة القرآنية قد أشرنا إلى أنها فطرية قريبة، موصلة إلى عين المقصود، وتلك [أي طرق أهل الكلام في إثبات الصانع] قياسية بعيدة، ولا توصل إلا إلى نوع المقصود لا إلى عينه، وأما المقاصد: فالقرآن أخبر بالعلم به والعمل له، فجمع بين قوتي الإنسان العلمية والعملية، الحسية والحركية، الإرادية الإدراكية والاعتمادية القولية والعملية، حيث قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (البقرة:٢١)، فالعبادة لابد فيها من معرفته، والإنابة إليه والتذلل له، والافتقار إليه وهذا هو المقصود، والطريقة الكلامية إنما تفيد مجرد الإقرار والاعتراف بوجوده " (٤) .
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/٧) .
(٢) انظر المصدر السابق (٢/٩-١٢) .
(٣) المصدر نفسه (٢/١٢) .
(٤) مجموع الفتاوى (٢/١٢) .
[ ٢ / ٧٣٥ ]
وكلام الله لا يقاس بكلام الخلق، ولولا أن المسلمين ابتلوا بمثل هذا الكلام الذي يقوله هؤلاء، ويقدمونه على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - لما كان هناك حاجة إلى تقرير مثل هذه الأصول التي هي من أول مسلمات كل مؤمن ينتسب إلى هذا الدين.
٢- ومن الأمثلة أيضًا احتجاجهم غير الدقيق ببعض الآيات القرآنية، مثل احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ (الواقعة: ٥٨-٥٩)، على دليل حدوث الأعراض الذي يقولون به، يقول شيخ الإسلام: " وكثير من أهل الكلام يجعل دلالة القرآن والأحاديث من جهة الخبر المجرد، ومعلوم أن ذلك لا يوجب العلم إلا بعد العلم بصدق المخبر، فلهذا يضطرون إلى أن يجعلوا العلوم العقلية أصلًا، كما يفعل أبو المعالي، وأبو حامد، والرازي، وغيرهم، وأئمة المتكلمين يعترفون بأن القرآن بين الأدلة العقلية كما يذكر ذلك الأشعري وغيره، وعبد الجبار بن أحمد وغيره من المعتزلة ".
" ثم هؤلاء يذكرون أدلة يجعلونها أدلة القرآن، ولا تكون هي إياها كما فعل الأشعري في " اللمع " وغيره حيث احتج بخلق الإنسان، وذكر قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ (الواقعة: ٥٨-٥٩)، لكنم هو يظن أن النطفة فيها جواهر باقية، وأن نقلها في الأعراض يدل على حدوثها، فاستدل على حدوث جواهر النطفة (١) . وليست هذه طريقة القرآن ولا جمهور العقلاء، بل يعرفون أن النطفة حادثة بعد أن أن لم تكن، مستحيلة عن دم الإنسان، بالاستحالة، وبعدم المادة الأولى لا تبقى جواهرها بأعيانها دائمًا " (٢)، ثم يقسم ابن تيمية النظار في نظرتهم إلى دلائل القرآن إلى ثلاث درجات:
- منهم من يعرض عن دلائله العقلية.
_________________
(١) انظر: اللمع للأشعري (ص: ٧)، ت مكارثي، والرسالة إلى أهل الثغر (ص: ٣٥) .
(٢) مجموع الفتاوي (١٦/٤٧٠-٤٧١) .
[ ٢ / ٧٣٦ ]
- ومنهم من يقر بها، لكن يغلط في فهمها.
- ومنهم من يعرفها على وجهها.
كما أنهم ثلاث طبقات في دلالته الخبرية:
- منهم من يقول: لم يدل على الصفات الخبرية.
- ومنهم من يستدل به على غير ما دل عليه.
- ومنهم من يستدل به على ما دل عليه (١) .
٣- ومن الأمثلة أيضًا احتجاجهم بقصة إبراهيم الخليل ﵊، وما ذكر عنه تعالى أنه قال: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (الأنعام:٧٦)، احتجاجهم بهذه الآية على أن دليل حدوث الأجسام جاء في القرآن، وقد رد عليهم ابن تيمية في ذلك طويلًا (٢) .
د - وشيخ الإسلام وهو يرد على الأشاعرة يفضل مصطلحات القرآن على غيره فيقول - في المناظرة حول الواسطية لما ذكر أن مذهب السلف إثبات الصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل - " إني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه، وأنا تحريت في هذه العقيدة [أي الواسطية اتباع الكتاب والسنة، فنفيت ما ذمه الله من التحريف، ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفي ولا إثبات لأنه لفظ له عدة معان.. وقلت أيضًا: ذكرت في النفي التمثيل ولم أذكر التشبيه لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (مريم:٦٥)، وكان أحب إلى من لفظ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله - ﷺ - وإن كان قد يعني بنفيه معنى صحيح، كما قد يعني به معنى فاسد " (٣)، وهذا الكلام الذي يقوله هنا إنما هو في مناظرته مع خصومه
_________________
(١) مجموع الفتاوي (١٦/٤٧١) .
(٢) انظر مثلًا: درء التعارض (١/٣١٠، ٢/٧٣، ٤/٧٦)، وغيرها، وسيأتي لهذه المسألة مزيد إيضاح إن شاء الله تعالى.
(٣) مناظرة حول الواسطية، مجموع الفتاوي (٣/١٦٥/١٦٦) .
[ ٢ / ٧٣٧ ]
الأشاعرة وغيرهم، حول العقيدة الواسطية التي كتبها لعموم المسلمين، ولذلك راعى فيها السهولة والشمول، مع الحرص الشديد على استعمال الألفاظ والمصطلحات الواردة في الكتاب والسنة، فلما ناظروه حولها بين منهجه وأسلوبه فيها، ولما ذكر شيخ الإسلام مسألة المعجزات ذكر أن تسميتها بآيات الأنبياء أولى وأدل على المقصود (١) .
هـ - خبر الآحاد وإفادته للعلم إذا تلقته الأمة بالقبول، وحجيته في مسائل العقيدة، ومذهب جمهور الأشاعرة في هذه المسألة مشهور، ويتلخص في أن أخبار الآحاد - وهي ما عدا المتواتر - إنما تفيد الظن دون العلم، ومن ثم فلا يحتج بها في العقائد إذا عارضها الدليل العقلي (٢)، والأشاعرة كثيرًا ما ينسبون إلى جمهور العلماء القول بأن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن، ويذكرون هذا عندما يتطرقون إلى هذا الموضوع في مباحث أصول الفقه (٣)، ويلاحظ هنا أمور:
الأول: أن الأشاعرة مع قولهم بأن أخبار الآحاد لا تفيد العلم إلا أنهم يحتجون بها في المسائل العملية التي هي مسائل الأحكام والفروع واهتمامهم بالحديث والفقه وأصوله مشهور ومعروف.
الثاني: أنهم يحتجون بأخبار الآحاد ويقررون بها بعض مسائل العقيدة، مثل المعجزات الثابتة للنبي محمد - ﷺ - غير القرآن، والرؤية، والشفاعة وعذاب القبر، والحساب والميزان والصراط، والإمامة، والتفضيل وغيرها، وهو وإن قالوا إن هذه من قبيل المستفيض المشهور، إلا أنهم يعترفون بأنها دون المتواتر.
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح (٤/٦٧) .
(٢) انظر مثلًا: مشكل الحديث وبيانه لابن فورك (ص: ٢٢)، والتمهيد للباقلاني (ص: ٣٨١-٣٨٦)، ت مكارثي، وأصول الدين للبغدادي (ص: ١٢، ١٨)، والإرشاد للجويني (ص: ١٦١، ٣٥٩، ٤١٦)، والشامل (ص: ١٠٠، ٥٥٧)، وأساس التقديس للرازي (ص:١٦٨)، وغيرها.
(٣) انظر مثلًا: البرهان للجويني (١/٦٠٦)، والمستصفى للغزالي (ص: ١٧٠)، ط الجندي، والتبصرة للشيرازي (ص: ٢٩٨)، والعدة للقاضي أبي يعلى (٣/٨٩٨)، والمحصول للرازي (ج- ٢ ق ١ ص:٦٣٢)، والأحكام للآمدي (٢/٣٢) .
[ ٢ / ٧٣٨ ]
لذلك فهم يتناقضون حين يقولون: إن أخبار الآحاد لا تفيد العلم، أو إنها لا يحتج بها في العقيدة، وهو إنما يلجأؤن إلى هذا حين تورد عليهم الأحاديث الواردة في إثبات الصفات لله تعالى مما يظنون أنها تقضي تشبيهًا أو تجسيمًا.
الثالث: أن علماء مصطلح الحديث بحثوا هذه المسألة عند تقسيمهم الحديث إلى متواتر وآحاد، وعند كلامهم عن صحيحي البخاري ومسلم وتلقى الأمة لها بالقبول:
١- فابن الصلاح -﵀- يقول عن المتفق عليه بين البخاري ومسلم: " وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافًا لقول من نفي ذلك محتجًا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويًا، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولًا هو الصحيح.." (١)، ثم بين أن حكمة هذا يشمل أيضًا ما انفرد به أحدهما (٢) .
٢- تعقب النووي ابن الصلاح فقال في التقريب: " وذكر الشيخ تقي الدين [أي ابن الصلاح] أن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، والعلم القطعي حاصل فيه، وخالفه المحققون الأكثرون، فقالوا يفيد الظن ما لم يتواتر" (٣)، كما وافق النووي وخالف ابن الصلاح عزُّ الدين بن عبد السلام (٤) .
وكثير من العلماء الذين جاءوا بعد النووي أيدوا ابن الصلاح، ومنهم الحافظ ابن كثير (٥)، وسراج الدين البلقيني (٦)، وابن حجر (٧)، وغيرهم.
_________________
(١) علوم الحديث لابن الصلاح (ص: ٢٤)، وانظر: صيانة صحيح مسلم (ص:٨٥-٨٦-١١٥) .
(٢) انظر: علوم الحديث (ص: ٢٥) .
(٣) التقريب للنووي (ص: ٤٠)، وانظر: شرحه لصحيح مسلم (١/٢٠) .
(٤) انظر: التقييد والإيضاح للعراقي (ص:٤١) .
(٥) انظر: الباعث الحثيث (ص: ٣٣)، وانظر: تعليق أحمد شاكر في الحاشية.
(٦) انظر: محاسن الاصطلاح (ص: ١٠١) .
(٧) انظر: النكت على ابن الصلاح (١/٣٧١)، وما بعدها، ونزهة النظر (ص: ٣٩)، مع لقط الدرر.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
فهذا الخلاف إنما ورد على ما في الصحيحين من الأحاديث، وهذا منسحب على ما ورد في غيرهما من الأحاديث الثابتة التي تلقتها الأمة بالقبول.
وقد جاءت مناقشة شيخ الإسلام ابن تيمية لهذه المسألة كما يلي:
١ - التحقيق في المقصود من خبر الواحد حيث يقال: إنه يفيد العلم، لأن البعض يظن أن من قال بهذا القول فإنه يقول بإفادته العلم في كل خبر، وهذا غير صحيح يقول شيخ الإسلام، " إن أحدًا من العقلاء لم يقل إن خبر كل واحد يفيد العلم، وبحث كثير من الناس إنما هو في رد هذا القول " (١)، ويقول أيضًا: " ولا يقول عاقل من العقلاء: إن مجرد خبر الواحد أو خبر كل أحد يفيد العلم " (٢)،
وهذا بيان وتحقيق لموطن الخلاف، لأن الذين يقولون إنه يفيد الظن بنوا قولهم على أن خبر الواحد قد يصدق وقد يكذب فكيف يقال: إنه بمجرده يفيد العلم؟ وهذا صحيح بعمومه، ولكن الذين قالوا إنه قد يفيد العلم قيدوه بقيود معلومة كأن تحفة القرائن المؤيدة، أم تتلقاه الأمة بالقبول، أو يرويه الحفاظ الذي عرف عنهم الضبط والإتقان، وغيرها، وهذا الغلظ على العلماء الذي بينه شيخ الإسلام ابن تيمية أغضب شيخ الإسلام ابن القيم -﵀- فقال وهو يعرض لهذا الموضوع بعد تفصيل وافٍ مشبعٍ بلغ قرابة المائة صفحة: " المقام التاسع والعاشر: وهو أن قولهم خبر الواحد لا يفيد العلم قضية كاذبة باتفاق العقلاء إن أخذت كلية عامة، وقضية لا تفيد إن أخذت جزئية أو مهملة، فإن عاقلًا لا يقول: كل خبر لا يفيد العلم حتى تنتصبوا للرد عليه كأنكم في شيء وكأنكم قد كسرتم عدو الإسلام فسودتم الأوراق بغير فائدة، حتى كذب بعض الأصوليين كذبًا صريحًا لم يقله أحد قط فقال: مذهب أحمد ابن حنبل في إحدى الروايتين عنه: أن خبر الواحد يفيد العلم من غير قرينة، وهو مطرد عنده في خبر كل واحد، فيالله العجب، كيف لا يستحي العاقل من المجاهرة بالكذب على أئمة الإسلام، لكن عذر هذا وأمثاله أنهم يستجيزون نقل
_________________
(١) المسودة (ص:٢٤٤) .
(٢) شرح الأصفهانية (ص:٩٢) ..
[ ٢ / ٧٤٠ ]
المذاهب عن الناس بلازم أقوالهم، ويجعلون لازم المذهب في ظنهم مذهبًا " (١) .
٢- يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية من أبرز العلماء الذين نبهوا إلى خطأ وقع فيه كثير من المتأخرين - قبل ابن تيمية - وذلك حين نسبوا إلى جمهور العلماء القول بأن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول لا تفيد إلا الظن، وأن القول بإفادته العلم لم يقل به إلا فئة قليلة من الحنابلة وغيرهم، يقول -﵀ -: " الصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن تفيد العلم، وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند أهل العلم بالحديث، وإن لم يعرف غيرهم أنه متواتر، ولهذا كان أكثر متون الصحيحين مما يعلم علماء الحديث علمًا قطعيًا أن النبي - ﷺ - قاله: تارة لتواتره، وتارة لتلقي الأمة له بالقبول. وخبر الواحد المتلقى بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وهو قول أكثر أصحاب الأشعري كالاسفراييني وابن فورك " (٢)، ويقول أيضًا: " الخبر الذي تلقاه الأئمة بالقبول تصديقًا له أو عملًا بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف، وهذا في معنى التواتر (٣)، لكن من الناس من يسميه المشهور والمستفيض، ويقسمون الخبر إلى متواتر ومشهور وخبر واحد، وإذا كان كذلك فأكثر متون الصحيحين معلومة متقنة تلقاها أهل العلم بالحديث بالقبول والتصديق وأجمعوا على صحتها، وإجماعهم معصوم من الخطأ " (٤)،
وقد أعاد هذا الكلام مرة أخرى، وذكر أن أكثر متون الصحيحين مما يعلم صحته عند علماء الطوائف وعد منه الأشعرية (٥) .
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/٤٤٥)، وكأن ابن القيم يقصد بكلامه الآمدي، لأن ما نقله هو كلامه بحروفه في الأحكام (٢/٣٢)، مع تقديم وتأخير.
(٢) مجموع الفتاوي (١٨/٤٠-٤١) .
(٣) يرد شيخ الإسلام على الذين يقولون، إن التواتر يحصل بالعدد فقط فيقول: " من الناس من لا يسمى متواترًا إلا ما رواه عدد كثير يكون العلم حاصلًا بكثرة عددهم فقط، ويقولون: إن كل عدد أفاد العلم في قضية أفاد مثل ذلك العدد العلم في كل قضية، وهذا ضعيف.." ثم رد عليهم، انظر: مجموع الفتاوي (١٨/٤٨)، وانظر مناقشة أو في المسودة (ص: ٢٣٦-٢٣٧) .
(٤) مجموع الفتاوي (١٨/٤٨-٤٩) ..
(٥) انظر المصدر السابق (١٨/٧٠) .
[ ٢ / ٧٤١ ]
بل إن شيخ الإسلام يذكر أن هذا لقول جمهور علماء أصول الفقه، فيقول: " ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، تصديقًا له، أو عملًا به، أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيرًا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف في ذلك، وهو قول أكثر الأشعرية كأبي إسحاق وابن فورك.
وأما ابن الباقلاني فهو الذي أنكر ذلك، واتبعه مثل أبي المعالي، وأبي حامد، وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن الخطيب، والآمدي، ونحو هؤلاء، والأول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب، وأبو إسحاق، وأمثاله من أئمة الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي عبد الوهاب وأمثاله، وهو الذي ذكره أبو يعلى وأبو الخطاب وأبو الحسن بن الزاغوني، وأمثالهم من الحنابلة، وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبًا للقطع به، فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أن الاعتبار في الاجتماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة " (١) .
ويذكر شيخ الإسلام رأي ابن الصلاح واعتراض المعترضين فيقول بعد ذكره لنماذج عديدة من أحاديث الآحاد مما تلقته الأمة بالقبول عملا به أو تصديقا له، يقول:" فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد - ﷺ - من الأولين والآخرين، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة، والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، مثل السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية، وابن خواز منداد وغيره من المالكية، ومثل القاضي أبي يعلي وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية، ومثل أبي إسحاق الأسفراييني وابن فورك
_________________
(١) مقدمة في أصول التفسير (ص: ٦٧-٦٨)، ت زرزور، وممن صرح بأنه قد يفيد خبر الآحاد العلم ممن ذكرهم ابن تيمية أبو إسحاق الأسفراييني كما في النكت لابن حجر (١/٣٧٧)، والشيرازي في اللمع الذي ألفه بعد التبصرة (ص: ٤٠)، والسرخسي في أصوله (١/٢٩١-٢٩٣) .
[ ٢ / ٧٤٢ ]
وأبي إسحاق النظام من المتكلمين، وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني ومن تبعه مثل أبي المعالي والغزالي وابن عقيل، وقد ذكر أبو عمرو بن الصلاح القول الأول وصححه واختاره، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ليتقوى بهم، وإنما قاله بموجب الحجة الصحيحة، وظن من اعتراض عليه من المشايخ (١) الذي لهم علم ودين، وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة أن هذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو انفرد به عن الجمهور، وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الآمدى، وإلى ابن الخطيب، فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني" (٢)، ثم ذكر ابن تيمية دليل الجمهور وهو الإجماع (٣) .
والدليل على أن شيخ الإسلام من أبرز العلماء الذين حققوا هذه المسألة وبينوا خطأ المتكلمين من الأشاعرة الذين حكوا الخلاف زاعمين أن قول الجمهور: أنها تفيد الظن، أن علماء أصول الحديث المحققين لما حققوا في الأمر استشهدوا ونقلوا كلام شيخ الإسلام في تحقيق ذلك، فابن كثير يقول بعد سياق الخلاف بين ابن الصلاح والنووي: " قلت: وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه، والله أعلم" (٤)، ثم يقول: " -حاشية - ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية مضمونه أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة [وذكرهم ثم قال بعد نهاية كلام شيخ الإسلام]: " وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطا، فوافق فيه هؤلاء الأئمة" (٥)، ومثله البلقيني في شرحه لمقدمة ابن الصلاح، فإنه قال بعد ذكر الخلاف: " وما قاله ابن عبد السلام والنووي ومن تبعهما ممنوع، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين﵏[وساق أسماءهم بما يقارب ما في الباعث
_________________
(١) كالنووي والعز بن عبد السلام - كما تقدم تقريبًا -.
(٢) نقله ابن القيم مختصر الصواعق (٢/٣٧٣-٣٧٤) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٢/٣٧٤-٣٧٧)، وهو بحث مهم جدًا.
(٤) الباعث الحثيث (ص: ٣٣) .
(٥) المصدر السابق (ص: ٣٤) .
[ ٢ / ٧٤٣ ]
خبر الآحاد وحجيته في العقيدة
الحثيث] أنهم يقطعون بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول" (١)، والبلقيني يقصد ابن تيمية، والكلام الذي نقله هو كلام شيخ الإسلام، وممن نبه إلى هذا ابن حجر حيث قال بعد تلخيص كلام البلقيني: " قلت وكأنه عنى بهذا الشيخ تقي الدين ابن تيمية" (٢)، ثم ساق الحافظ ابن حجر كلاما أطول عن شيخ الإسلام ابن تيمية- نقله عن بعض ثقات أصحابه (٣) - ثم رد ابن حجر على النووي من عدة وجوه (٤)، وكذا الفتوحي في شرح الكوكب المنير نقل عن ابن تيمية (٥)، فهؤلاء العلماء اعتمدوا في بيان حقيقة الخلاف في هذه المسألة على ما حققه وبينه ابن تيمية رحمه الله تعالى.
٣- بقيت مسألة حجية خبر الآحاد في العقيدة، وأصرح من يمثل اعتقاد جمهور الأشاعرة في ذلك الرازي الذي يقول: " أما التمسك بخبر الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز يدل عليه وجوه: الأول: أن أخبار الآحاد مظنونة، فلم يجز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته، وإنما قلنا إنها مظنونة لأنا أجمعنا على أن الرواة ليسوا معصومين " ثم ساق أدلة منكري حجية خبر الآحاد التي ذكرها علماء أصول الفقه، ثم قال عن الصحابة في الوجه الثاني " إلا أنا قلنا إن الله تعالى أثنى على الصحابة ﵃ في القرآن على سبيل العموم، وذلك يفيد ظن الصدق، فلهذا الترجيح قبلنا روايتهم في فروع الشريعة، أما الكلام في ذات الله تعالى وصفاته فكيف يمكن بناؤه على هذه الرواية الضعيفة؟ (٦) " ثم ذكر الرازي من الأسباب الوصع في الحديث وطعن في رواة الحديث بأن الملاحدة قد يروجون عليهم بعض الأحاديث الموضوعة، كما طعن في ضبط الرواة مستشهدا بنقلهم الحديث بالمعنى (٧) .
_________________
(١) محاسن الاصطلاح للبلقيني (ص:١٠١) .
(٢) النكت على كتاب ابن صلاح (١/٣٧٤) .
(٣) لعله يقصد ابن القيم، لأنه ذكر في مختصر الصواعق (٢/٣٧٢-٣٧٤)، ما هو قريب مما ذكره ابن حجر.
(٤) انظر: النكت (١/٣٧٧-٣٧٩) .
(٥) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/٢٤٩)، المحققة..
(٦) أساس التقديس للرازي (ص: ١٦٧-١٧٠)، وانظر حول مذهب الأشاعرة في هذا: التسعينة لابن تيمية (ص: ٢٤٢) .
(٧) انظر: المصدر السابق (ص: ١٧٠-١٧١) .
[ ٢ / ٧٤٤ ]
والأدلة التي ذكرها الرازي هي نفسها أدلة الذين لا يوجبون العمل بخبر الآحاد في الأحكام، وما يجيبهم به الرازي في كتبه الأصولية يجاب به هنا، وكلامه عن أهل الحديث وروايتهم كلام من ليس خبيرا بأحوالهم ومناهجهم.
ولاشك أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد ناقش الرازي في أقواله هذه في نقض التأسيس كما يدل عليه منهجه فيما وصل إلينا من هذا الكتاب الذي تتبع في كلام الرازي كلمة كلمة وجملة جملة، وللأسف لم يصل إلينا على حد علمي- الجزء الخاص بهذه المسألة-، علما بأنه قد وصل جزء من رده على كلام الرازي بعد كلامه في خبر الآحاد، وهو القسم الثالث من أساس التقديس، ورد عليه شيخ الإسلام في الجزء الثاني من نقضه المخطوط (١) . وليس في كتب شيخ الإسلام كلام مطول حول هذا الموضوع، وإنما فيها إشارات سبق نقل بعضها، ولعل ابن القيم- كعادتهـ لخص كلام شيخ الإسلام مع إضافات وتحقيقات فيما كتبه مطولا حول أخبار الآحاد (٢) .
والأدلة التي أوردها شيخ الإسلام ردا على الرازي وغيره هي كما يلي:
أ- نقل ابن تيمية عن ابن عبد البر الخلاف في خبر الآحاد هل يوجب العمل دون العلم أو العلم والعمل جميعا، وبعد ذكر أقوال العلماء في ذلك قال: " وكلهم يروى خبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادى ويوالي عليها، ويجعلها شرعا وحكما ودينا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة، ولهم في الأحكام ما ذكرنا". قال ابن تيمية معلقا على هذا: " قلت: هذا الإجماع الذي ذكره في خبر الواحد العدل في الاعتقادات يؤيد قول من يقول: إنه يوجب العلم، وإلا فما لا يفيد علما ولا عملا كيف يجعل شرعا ودينا يوالي عليه ويعادي؟ " (٣)، والعجيب أن ابن عبد البر نفسه رجح أنه يوجب العمل دون
_________________
(١) سبقت الإشارة إلى الجزء الثاني من مخطوط نقض التأسيس حقه أن يكون هو الثالث وأن يقدم عليه الثالث ليصبح الثاني، قارن بين أساس الرازي (ص: ١٧٣)، ونقضه المخطوط (٢/١٩٩) .
(٢) انظر: مختصر الصواعق (٢/٣٣٢-٤٤٦) .
(٣) المسودة (ص: ٢٤٥) .
[ ٢ / ٧٤٥ ]
العلم، فكيف يحتج به في العقائد ولا يوجب علما؟. ويقول شيخ الإسلام أيضا: " مذهب أصحابنا أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات" (١)، ونقل شيخ الإسلام عن ابن عقيل الحنبلي حكاية الخلاف في أحاديث الآحاد الدالة على الصفات هل يقال بظاهرها، أو ترد، أو تقبل وتؤول، ثم رجح القول الثالث وقال: " هذا هو اعتقادنا"، قال ابن تيمية معلقا: " قلت هذا خلاف ما قرره في انتصاره لأصحاب الحديث، وإن كان كلامه في هذا الباب كثير الاختلاف، وخلاف ما عليه عامة أهل السنة المتقدمين من السلف" (٢) .
ب- أن الاعتبار في إفادة أخبار الآحاد العلم إجماع أهل الحديث دون من عداهم، وقد سبقت نقول من كلام شيخ الإسلام في ذلك، وقد أشار شيخ الإسلام إلى إعتراض أوردة ابن الباقلاني ونصه: " فإن قيل: أما الجزم بصدقة فلا يمكن منهم، وأما العمل به [فهو (٣)] الواجب عليهم وإن لم يكن صحيحا في الباطن، وهذا سؤال ابن الباقلاني ". أجاب شيخ الإسلام بقوله: " وأما الجزم بصدقه فإنه يحتف به من القرائن ما يوجب العلم إذ القرائن المجردة قد تفيد العلم بمضمونها، فكيف إذا احتفت بالخبر، والمنازع بنى على هذا أصله الواهي: أن العلم بمجرد الأخبار لا يحصل إلا من جهة العدد، فلزمه أن يقول: ما دون العدد لا يفيد أصلا. وهذا غلط خالفه فيه حذاق أتباعه. وأما العمل به فلو جاز أن يكون في الباطن كذبا وقد وجب علينا العمل به لا نعقد (٤) الإجماع على ما هو كذب وخطأ في نفس الأمر، وهذا باطل، فإذا كان تلقي الأمة له بالقبول يدل على صدقه لأنه إجماع منهم على أنه صدق مقبول فإجماع (٥) السلف والصحابة أولى أن يدل على صدقه، فإنه لا يمكن
_________________
(١) المسودة (ص: ٢٤٨) .
(٢) المصدر السابق (ص: ٢٤٩) .
(٣) في مختصر الصواعق - مصورة الطبعة الأولى [وهو] وكذا في طبعتي زكريا يوسف - الأولى عام ١٣٨٠هـ (٢/٤٨٣)، والثانية عام ١٤٠٠هـ (٢/٥٨٣)، ولعل الصواب ما أثبته.
(٤) في مصورة الطبعة الأولى (ولا نعقد) والتصويب من طبعتي زكريا يوسف.
(٥) في المصورة بإجماع والتصويب من طبعتي زكريا يوسف.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
أحدا أن يدعي إجماع الأمة إلا فيما أجمع عليه سلفها من الصحابة والتابعين، وأما بعد ذلك فقد انتشرت انتشارا لا تضبط جميعها" (١)،
ثم ذكر تلقي العلماء لجمهور أحاديث الصحيحين بالقبول ثم قال: " فإن ما تلقاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم، مفيد لليقين، ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين، فإن الاعتبار في الإجماع على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم، كما لم يعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية إلا العلماء بها دون المتكلمين والنجاة والأطباء، كذلك لا يعتبر في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله، وهم علماء أهل الحديث العالمون بأحوال نبيهم الضابطون لأقواله وأفعاله، المعتنون بها أشد من عناية المقلدين بأقوال متبوعيهم، فكما أن العلم بالتواتر يتقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لايكون معلوما لغيرهم، فضلا أن يتواتر عندهم، فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم، وضبطهم لأقواله وأفعالع وأحواله، يعلمون نت ذلك علما لا يشكون فيه، مما لا شعور لغيرهم به البتة، فخبر أبي بكر وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن مسعود ونحوهم يفيد العلم الجازم الذي يلتحق عندهم بقسم الضروريات. وعند الجهمية والمعتزلة وغيرهم من أهل الكلام لا يفيد علما، وكذلك يعلمون بالضرورة أن رسول الله - ﷺ - أخبر أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وعند الجهمية: رسول الله - ﷺ - أخبر عن خروج قوم من النار بالشفاعة وعند المعتزلة والخوارج لم يقل ذلك، وبالجملة فهم جازمون بأكثر الأحاديث الصحيحة، قاطعون بصحتها عنه، وغيرهم لا علم عنده بذلك" (٢) .
فشيخ الإسلام من خلال هذا النص يناقش أهل الكلام ببيان المنهج الصحيح في طريقة طرح الموضوع، لأن هؤلاء المتكلمين يعاملون أنفسهم وكأنهم مثل- بل أفضل- من علماء الحديث الذين هيأهم الله تعالى لحفظ دينه وتبليغ شريعة نبيه محمد - ﷺ -، فأفنوا أعمارهم في دراسة السنة وتمحيص أسانيدهم ومتونها،
_________________
(١) عن مختصر الصواعق (٢/٣٧٤-٣٧٥)، مصورة الطبعة الأولى ١٣٤٨هـ..
(٢) المصدر السابق (٢/٣٧٥-٣٧٦) .
[ ٢ / ٧٤٧ ]
والغوص في عللها ودقائق رواياتها، فيأتي الواحد من هؤلاء المتكلمين ومبلغ علمه ما في كتب ابن سينا والفارابي وابن رشد، أو كتب أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة، وغيرهم، فيقول: خبر الآحاد لا يفيد العلم، ويحتج بأن هذا قول أمثالهـ من أهل الكلام - بل ويقلب الموضوع ليدعي أن قوله هو قول الجمهور، وأن القول بأنه يفيد العلم هو قول فئة قليلة ممن يسميهم حشوية أهل الحديث وبعض الحنابلة، فشيخ الإسلام يقرر أن المنهج الحق أن يرجع في كل فن إلى أهله، فكما أن الطب يرجع فيه إلى أهل الطب، فكذلك في المسألة المطروحة يرجع فيها إلى أهل الحديث فينظر في أقوالهم ورأيهم هل يفيد عندهم خبر الآحاد العلم أم لا؟ فإذا أجمعوا على أنه يفيد العلم إذا تلقته الأمة بالقبول فلا يلتفت إلى خلاف من سواهم ممن هم كالعوام في علم الحديث.
وهذا منهج تأصيلي مهم لمن أراد أن يدرس هذا الموضوع، لأن هناك جوانب ينبغي الانطلاق منها، وهو ما فعله ابن القيم -﵀- مما وصل إلينا من مختصر الصواعق.
جـ - ومن المنهج التأصيلي الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ما نقله عنه ابن القيم، في تحقيق مذهب السلف في هذا الباب وبيان المداخل المهمة فيه، يقول شيخ الإسلام:" وأهل الحديث لا يجعلون حصول العلم بمخبر هذه الأخبار الثابتة من جهة العادة المطردة في حق سائر المخبرين " (١)، وهذا رد لدعوى أهل الكلام الذين يقولون عن السلف إنهم يرون حصول العلم في خبر كل مخبر، وهذا غلط شنيع عليهم، وقد شرح شيخ الإسلام قولهم بقوله:" بل يقولون ذلك:
- لأمر يرجع إلى المخبر.
- وأمر يرجع إلى المخبر عنه.
- وأمر يرجع إلى المخبر به.
- وأمر يرجع إلى المخبر المبلغ.
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/٣٧٧) .
[ ٢ / ٧٤٨ ]
- فأما ما يرجع إلى المخبر فإن الصحابة الذين بلغوا الأمة سنة نبيهم كانوا أصدق لهجة، وأعظمهم أمانة، وأحفظهم لما يسمعونه، وخصهم الله من ذلك بما لم يخص به غيرهم، فكانت طبيعتهم قبل الإسلام الصدق والأمانة، ثم ازدادوا بالإسلام قوة في الصدق والأمانة، وكان صدقهم عند الأمة وعدالتهم وضبطهم وحفظهم عن نبيهم، أمرًا معلومًا لهم بالاضطرار، كما يعلمون إسلامهم وإيمانهم وجهادهم مع رسول الله - ﷺ -، وكل من له أدنى علم بحال القوم يعلم أن خبر الصديق وأصحابه لا يقاس بخبر من عداهم، وحصول الثقة واليقين بخبرهم فوق الثقة واليقين بخبر من سواهم من سائر الخلق بعد الأنبياء، فقياس خبر الصديق على خبر آحاد المخبرين من أفسد قياس في العالم، وكذلك الثقات العدول الذين رووا عنهم هم أصدق الناس لهجة وأشدهم تحريًا للصدق والضبط، حتى لا تعرف في جميع طوائف بني آدم أصدق لهجة ولا أعظم تحريًا للصدق منهم، وإنما المتكلمون أهل ظلم وجهل يقيسون خبر الصديق والفاروق وأبي بن كعب بأخبار آحاد الناس، مع ظهور الفرق المبين بين المخبرين، فمن أظلم ممن سوى بين خبر الواحد من الصحابة وخبر الواحد من الناس في عدم إفادة العلم، وهذا بمنزلة من سوى بينهم في العلم والدين والفضل ".
- " وأما ما يرجع إلى المخبر عنه: فإن الله سبحانه تكفل لرسوله - ﷺ -، بأن يظهر دينه على الدين كله، وأن يحفظه حتى يبلغه الأول لمن بعده، فلابد أن يحفظ الله سبحانه حججه وبيناته على خلقه لئلا تبطل حججه وبيناته، ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد مماته وبين حاله للناس..".
- " وأما ما يرجع إلى المخبر به: فإنه الحق المحض، وهو كلام رسول الله - ﷺ - الذي كلامه وحي، فهو أصدق الصدق، وأحق الحق بعد كلام الله فلا يشتبه بالكذب والباطل على ذي عقل صحيح، بل عليه من النور والجلالة والبرهان ما يشهد بصدقه، والحق عليه نور ساطع يبصره ذو البصيرة السليمة، فبين المخبر الصادق عن رسول الله - ﷺ - وبين المخبر الكاذب عنه من الفرق كما بين الليل والنهاء والضوء والظلام، وكلام النبوة متميز بنفسه عن غيره من الكلام
[ ٢ / ٧٤٩ ]
الصدق، فكيف نسبته (١)، ولكن هذا إنما يعرفه من له عناية بحديث رسول الله - ﷺ - وأخباره وسنته، ومن سواهم في عمى عن ذلك، فإذا قالوا أخباره وأحاديثه الصحيحة لا تفيد العلم فهم مخبرون عن أنفسهم إنهم لم يستفيدوا بها العلم، فهم صادقون فيما يخبرون به عن أنفسهم، كاذبون في أخبارهم أنها لا تفيد العلم لأهل الحديث والسنة"..
- " وأما ما يرجع إلى المُخبر [المُبلغ] فالمخبر نوعان: نوع له علم ومعرفة بأحوال الصحابة وعدالتهم، وتحريهم للصدق والضبط، وكونهم أبعد خلق الله عن الكذب وعن الغلط والخطأ فيما نقلوه إلى الأمة، وتلقاه بعضهم عن بعض بالقبول وتلقته الأمة عنهم كذلك، وقامت شواهد صدقهم فيه، فهذا المخبر يقطع بصدق المخبر ويفيده خبر العلم واليقين لمعرفته بحاله وسيرته، ونوع لا علم لهم بذلك وليس عندهم من المعرفة بحال المخبرين ما عند أولئك، فهؤلاء قد لا يفيدهم خبرهم اليقين".
ثم يعقب شيخ الإسلام بقوله: " فإذا انضم عمل المخبر وعلمه بحال المخبر وإنصاف إلى ذلك معرفة المخبر عنه ونسبة ذلك الخبر إليه أفاد ذلك علمًا ضروريًا بصحة تلك النسبة، وهذا في إفادة العلم أقوى من خبر رجل معدم فقير ما يغنيه فأعطاه ذلك، وظهرت شواهد تلك العطية على الفقير، فكيف إذا تعدد المخبرون عنه وكثرت رواياتهم وأحادثيهم بطرق مختلفة، وعطايا متنوعة في أوقات متعددة؟ " (٢) .
وحينما تفيد أخبار الآحاد العلم فإنه يحتج بها في العقائد، ومع ذلك فالتفريق بين الأحكام والعقائد أمر استجد في وقت متأخر، أما السلف من الصحابة
_________________
(١) كذا في المختصر (٢/٣٧٩)، وطبعة زكريا يوسف الأولى (٢/٤٨٦)، والثانية (٢/٥٨٦)، ولعل الصواب (يشتبه) .
(٢) مختصر الصواعق (٢/٣٧٧-٣٨٠) .
[ ٢ / ٧٥٠ ]
والتابعين فكانوا يتلقون الأحاديث كلها دون تفريق، ويؤمنون بما جاءت به ويصدقون، ويعملون بما فيها من أحكام، والإسناد الصحيح الذين يروون به حكمًا من أحكام الصلاة أو الزكاة أو الحدود أو النكاح فيعملون بمقتضاه هو نفسه الإسناد الذي يروون بطريقه حديثًا في الصفات أو الرؤية أو القدر أو غيره.
دون أن يفرقوا بين هذه الأحاديث المروية التي جاءت بهذا الإسناد.
وحجية خبر الآحاد في العقيدة وإفادته العلم إذا تلقى بالقبول من المسائل التي اهتم بها العلماء، ولابن تيمية إشارات سريعة في بعض كتبه (١)، وقد أفردت فيه بعض الرسائل والكتب (٢) .
وولابن تيمية لمحات ووقفات حول السنة والاستدلال بالأحاديث الواردة، وما وقع فيه بعض الناس من أخطاء سواء في الرواية أو الدراية، ويمكن أن نشير إلى الأمثلة التالية:
١- حرص شيخ الإسلام مع احتجاجه بالسنة في العقائد (٣) على تمييز الضعيف والموضوع منها، والتنبيه إلى غلط من احتج بها، ومن ذلك قوله: " وآخرون من الزنادقة والملاحدة كذبوا أحاديث مخالفة لصريح العقل لينهجوا بها الإسلام ويجعلوها قادحة فيه، مثل حديث عرق الخيل الذي فيه أنه خلق خيلًا فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق (٤)، فإن هذا وأمثاله لا يكذبه
_________________
(١) انظر مثلًا: نقض التأسيس المخطوط (٢/٣١١-٣١٢)، والرد على المنطقيين (ص:٣٧-٣٨)، ومجموع الفتاوي (١٨/١٦)، ورفع الملام - مجموع الفتاوي (٢٠/٢٥٧) .
(٢) من أجمعها كتاب أخبار الآحاد في الحديث النبوي للشيخ عبد الله بن جبرين، ورسالة: الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للشيخ ناصر الدين الألباني، وأصل الاعتقاد للدكتور عمر الأشقر، والأدلة والشواهد على وجوب الأخذ بخبر الواحد في الأحكام والعقائد تأليف سليم الهلالي وغيرها.
(٣) انظر مثلًا: الواسطية، مجموع الفتاوي (٣/١٣٨-١٤٠)، وانظر: المناظرة حولها (٣/١٦٨) .
(٤) حديث موضوع كما نبه إليه شيخ الإسلام، وانظر: الموضوعات لابن الجوزي (١/١٠٥)، واللآلئ المصنوعة للسيوطي (١/٣) .
[ ٢ / ٧٥١ ]
من يعتقد صدقه لظهور كذبه، وإنما كذبه من مقصوده إظهار الكذب بين الناس، كما يقولون: إنه وضعه بعض أهل الأهواء ليقول: إن أهل الحديث يروون مثل هذا، ومع هذا فكل أهل الحديث، متفقون على لعنة من وضعه، ومما يشبه هذا حديث الجمل الأورق وأنه ينزل عشية عرفة على جمل أورق، فيصافح المشاة ويعانق الركبان. (١) ." (٢)، فشيخ الإسلام يثبت حديث النزول الصحيح، وله كتاب مشهور في شرحه، أما مثل هذه الأحاديث الموضوعة فإنه يبين حالهم ويحذر الناس منها (٣) .
٢- يعتبر شيخ الإسلام من أوائل العلماء الذين ألفوا في الرسائل المتعلقة بأحاديث القصاص الموضوعة والضعيفة (٤)، وقد وصلت إلينا رسالة في ذلك ذكر فيها مجموعة من الأحاديث الموضوعة المشتهرة بين الناس في العقائد والعبادات والفضائل وغيرها. كما أنه في كتبه ورسائله كثيرًا ما يبين حال بعض الأحاديث التي يتناقلها أهل الكلام والتصوف، ومن أمثلة ذلك:
أ - حديث العقل: " إن الله عزوجل لما خلق العقل قال له أقبل، فأقبل ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي (٥) "،قال شيخ الإسلام" " هذا الحديث كذب
_________________
(١) هو حديث موضوع، وانظر: الموضوعات لابن الجوزي (١/١٢٤)،وأحاديث مختارة من موضوعات الجوزقاني وابن الجوزي للذهبي (ص:٤٠)، واللآلئ المصنوعة (١/٢٧/٢٨)، والفوائد المجموعة (ص:٤٤٧)، وتنزيه الشريعة المرفوعة (١/١٣٨-١٣٩) .
(٢) درء التعارض (٧/٩٢-٩٣)، وانظر أيضًا (١/١٤٨-١٤٩)، ومناهج السنة (٢/٤٢٢)، المحققة.
(٣) انظر: منهاج السنة (٢/٥٠٨-٥١٠)، المحققة، ودرء التعارض (١/١٠٦-١٠٨)،وانظر: ابن تيمية وموقفه من التأويل للجلنيد (ص: ٣٣٠-٣٣٣) .
(٤) انظر: مقدمة تحقيق أحاديث القصاص (ص:١٥) .
(٥) موضوع كما حكم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أورده الغزالي في مواضع من كتبه منها: المعارف العقلية (ص: ٢٨)، وفيصل التفرقة (ص: ١٨٢)، وميزان العمل (ص: ٣٣١)، وإحياء علوم الدين (١/٨٣)، وحديث العقل رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة بلفظ لما خلق الله العقل، المعجم الأوسط (٢/٥٠٣)، ورقمه (١٨٦٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧/٣١٨)، عن عائشة بلفظ أول ما خلق الله العقل، والديلمي في الفردوس رقم (٤) (١/٤٦)، وأسانيده ضعيفة جدًا، وانظر: المقاصد الحسنة (ص: ١٩٨)، ت الخشت رقم (٢٣٣)، وكشف الخفاء (١/٢٣٦)، والمنار المنيف (ص: ٦٦)، وتسديد القوص لابن حجر، حاشية الفردوس (١/٤٦)، وانظر: الفوائد الموضوعة لمرعي الكرمي الحنبلي (ص: ٨٨)، وتخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١/٢٣١)، جمع محمود بن الحداد.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
موضوع باتفاق أهل العلم، والذين يروونه ذكروه في فضل عقل الإنسان، وأما ما يظن بعض الناس المراد به العقل الفعال فهذا قول من يقول من المعتزلة والملاحدة الذين يقولون بأن العقل الفعال هو المبدع لهذا العالم، وهذا مما هو مخالف لما اتفقت [عليه الرسل] (١)، وقد بسط شيخ الإسلام الكلام حول هذا الحديث وتكلم في معناه، ورد على الذين يحتجو به من وجوه عديدة (٢) .
ب - وحديث: " إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا أهل العلم بالله، فإذا ذكريوه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله تعالى " (٣)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا الحديث وإن لم يكن له إسناد صحيح، فقد ذكره شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي، وأبو حامد الغزالي (٤) وغيرهما، لكن ذكر شيخ الإسلام عن شيخ الهروي يحيى بن عمار أن من هذا أحاديث الصفات الموافقة لقول أهل الإثبات، وأبو حامد قد يحمل هذا - إذا تفلسف - على ما يوافق أقوال الفلاسفة النفاة " (٥) .
فحكم عليه شيخ الإسلام بأن ليس له إسناد صحيح.
_________________
(١) أحاديث القصاص (ص: ٥٧-٥٨)، ط الثانية، وانظر أيضًا: جامع الرسائل (١/١٦٨)، والرد على المنطقيين (ص: ١٩٦-٢٧٥)، والجواب الصحيح (٣/١١٨)، ودرء التعارض (٥/٢٢٤-٣٨٦)، ومجموع الفتاوي (١٨/٣٣٦-٣٣٨) .
(٢) السبعينية (ص: ٥-٤٤)، والصفدية (١/٢٣٧-٢٤١) .
(٣) رواه الديلمي في مسند الفردوس (١/٢٥٨)، ورقمه (٧٩٩)، قال ابن حجر في تسديد القوس - حاشية الفردوس - " أسنده عن أبي هريرة وهو من أربعين السملى في التصوف، وسنده ضعيف"، وانظر: الترغيب والترهيب (١/١١١)، وتخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١/١٠٢) رقم (٨٣)، وكنز العمال (١٠/١٨١) .
(٤) انظر: الأحياء (١/٢١) .
(٥) انظر: درء التعارض (٥/٨٥-٨٦) .
[ ٢ / ٧٥٣ ]
جـ - ومن ذلك ما يرويه الصوفية عن عمر - ﵁ - أنه قال: " كان رسول الله - ﷺ - إذا تكلم مع أبي بكر كنت بينهما كالزنجي الذي لا يفهم " (١)، قال شيخ الإسلام، " هذا كذب ظاهر لم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث ولا يرويه إلا جاهل أو ملحد " (٢) .
وغيرها من الأحاديث (٣) .
٣- رد شيخ الإسلام على أهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم في فهمهم لبعض الأحاديث وما فيها من توجيه وبيان حول الإيمان بالله تعالى، ومن ذلك أحاديث الوسوسة كحديث أبي هريرة رض الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -:" لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل آمنت بالله "، وفي لفظ " يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك، فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته " (٤)، وكحديث أنس بن مالك يقول قال رسول الله - ﷺ - لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟ " (٥)،
فإن الرازي ونحوه ظنوا أن هذه الأحاديث ليس فيها برهان وإنما فيها طلب الاستعاذة بالله تعالى، ومثل لذلك بمثال، وهذا جواب من الرازي لسؤال ورد عليه فقيل له: لمَ لم يأمر النبي - ﷺ - عند هذا الوسواس بالبرهان
_________________
(١) ذكره في تنزيه الشريعة (١/٤٠٧)، والأسرار المرفوعة (٤٧٦)، والفوائد المجموعة (ص:٣٣٥)، ونقلوا عن ابن تيمية أنه موضوع.
(٢) أحاديث القصاص (ص:٦١)، وانظر أيضًا: درء التعارض (٥/٢٧)، والسبعينية (ص: ٥٦)، ومجموع الفتاوي (١١/٧٧،١٠٩، ١٦٨، ١٣/٢٥٣) .
(٣) انظر مثلًا: السبعينية (ص: ٦٢-٦٣)، حيث رد على رواية لحديث الافتراق وأن فيها " كلهم في الجنة إلا الزنادقة وقد ذكر هذا الحديث الغزالي في فيصل التفرقة (ص: ١٩٣)، وقال فيه شيخ الإسلام إنه كذب موضوع.
(٤) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان، ورقمه (١٣٤) وما بعده.
(٥) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ورقمه (١٢٩٦)، (فتح الباري ١٣/٢٦٥)، ورواه مسلم في الإيمان باب بيان الوسوسة ورقمه (١٣٦)، لكن بلفظ " قال الله عزوجل إن أمتك لا يزالون يقولون ما كذا وما كذا حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ "..
[ ٢ / ٧٥٤ ]
المبين لفساد التسلسل والدور، بل أمر بالاستعاذة؟ وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: " وهذا خطأ من وجوه، بل النبي - ﷺ - أمر بطريقة البرهان حيث يؤمر بها، ودل على مجاميع البراهين التي يرجع إليها غاية نظر النظار، ودل من البراهين على ماهو فوق استنباط النظار، والذي أمر به في دفع هذا الوسواس ليس هو الاستعاذة فقط، بل أمر بالإيمان، وأمر بالاستعاذة، وأمر بالانتهاء، ولا طريق إلى نيل المطلوب من النجاة والسعادة إلا بما أمر به لا طريق غير ذلك، وبيان ذلك من وجوه.. " (١)، وقدبين في هذه الوجوه كيف أن السنة جاءت بأكمل الحجج وأوضحها.
ومما سبق يتبين كيف كان شيخ الإسلام واثقًا من منهج القرآن والسنة وأن فيهما ما يغني ويكفي، وأن الهداية التامة والسير على الصراط المستقيم والأمن من الانحراف لا يحصل ببراهين الفلاسفة والمتكلمين القاصرة والناقصة وإنما يحصل باتباع الوحي والسير على المنهاج النبوي.
_________________
(١) درء التعارض (٣/٣٠٨-٣٠٩)، وانظر ما بعدها إلى (ص: ٣١٨) .
[ ٢ / ٧٥٥ ]
ثالثًا: مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم.
وهذا من الأصول العامة في منهج شيخ الإسلام في رده على الأشاعرة، الذين ابتدعوا أمورًا لم تكن عند السلف، بل خالفت مذهبهم وعقيدتهم، فانحرفوا عن المنهج الحق، ووقعوا في كثير من الباطل، والتزموا لوازم كثير من بدع المعتزلة والمتفلسفة، فبين شيخ الإسلام أن مذهب السلف هو الحق والموافق للكتاب والسنة، وأنهم أعرف الناس وأحسنهم فهما للنصوص، وأن كل ما خالف عقيدتهم، أو عارض ما كانوا عليه أو ما فهموه من الكتاب والسنة فهو باطل يجب رده وتحذير أمة الإسلام منه. كما بين أنه إذا كان في الكتاب والسنة ما يغني ويكفي، فالمرجع في تمييز هذه القاعدة المسلمة وتحقيقها هو ما أجمع عليه السلف أو قالوه بيانًا وتفسيرًا وشرحًا.
ولما كان أهل الكلام - وفيهم الأشاعرة - قد ابتدعوا بعض الأصول والقواعد العقلية المخالفة لمذهب السلف - اضطروا وهم يواجهون معارضة علماء أهل السنة والجماعة إلى أن يبرروا مخالفتهم لمذهب السلف، فجاءت لهم بعض المقالات الغريبة، مثل ما حكاه ابن تيمية عن بعض النفاة أنه قال: " إن طريقة الخلف أعلمن وأحكم، وطريقة السلف أسلم (١)، لأن طريقة الخلف فيها معرفة النفي، الذي هو عنده الحق، وفيها طلب التأويل لمعاني نصوص الإثبات، فكان في هذه عندهم علم بمعقول، وتأويل لمنقول، ليس في الطريقة التي ظنها السلف، وكان فيه أيضًا رد على من يتمسك بمدلول النصوص، وهذا عنده من إحكام تلك الطريق، ومذهب السلف عنده عدم النظر في فهم النصوص، لتعارض الاحتمالات، وهذا عنده أسلم، لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معانٍ، فتفسيره ببعضها دون بعض فيه مخاطرة، وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة" (٢) .
فهذا ظن أن مذهب السلف هو الإيمان المجرد بألفاظ النصوص، دون فهم لمعانيها ومدلولاتها، ولذلك علّق شيخ الإسلام على هذا بقوله: " فلو كان قد
_________________
(١) انظر: حول هذه المقولة إتحاف السادة المتقين (٢/١١٢) .
(٢) درء التعارض (٥/٣٧٨) .
[ ٢ / ٧٥٦ ]
بين وتبين لهذا وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات ما دلت عليه النصوص من الصفات، وفهم ما دلت عليه، وتدبره وعقله، وإبطال طريقة النفاة، وبيان مخالفتها لصريح المعقول وصحيح المنقول، علم أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم، وأهدى إلى الطريق الأقوم، وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر به، وفهم ذلك ومعرفته، وأن ذلك هو الذي هو الذي يدل عليه صريح المعقول، ولا يناقض ذلك إلا ما هو باطل وكذب، وأن طريقة النفاة المنافية لما أخبر به الرسول طريقة باطلة شرعًا وعقلًا، وأن من جعل طريقة السلف عدم العلم بمعاني الآيات، وعدم إثبات ما تضمنته من الصفات فقد قال غير الحق، إما عمدًا، وإما خطأ، كما أن من قال على الرسول أنه لم يبعث بإثبات الصفات، بل بعث بقول النفاة كان مفتريًا عليه " (١)، فشيخ الإسلام يبين أول سبب أدى إلى مثل هذه المقالة وهو جهل هؤلاء بحقيقة مذهب السلف، وأنهم لو عرفوه حق معرفته على الوجه الحق لعلموا أن مذهب السلف أعلم وأحكم وأسلم وأهدى، ولكن لما جهلوا حقيقة مذهبهم ظنوا أن الخلف جاءوا بالحقائق العقلية المقنعة، وأن السلف كان مذهبهم مجرد التسليم.
ثم هناك مسألة أخرى هي أن الصحابة ﵃ ما عرف عنهم تلك المقدمات العقلية التي يوردها أهل الكلام في كتبهم، وقد حكى شيخ الإسلام عن الجويني أنه علل ذلك بأمور فيها نوع تجهيل للصحابة وإنقاص من منزلتهم في الإيمان والعلم، يقول شيخ الإسلام: " وقد رأيت أبا المعالي في ضمن كلامه يذكر ما ظاهره الاعتذار عن الصحابو، وباطنه جهل بحالهم مستلزم - إذا طرد - الزندقة والنفاق، فإنه أخذ يعتذر عن كون الصحابة لم يمهدوا أصول الدين، ولم يقرروا قواعده، فقال لأنهم كانوا مشغولين بالجهاد والقتال عن ذلك، هذا مما في كلامه " (٢)،
وقد بين شيخ الإسلام الدافع لهؤلاء أن يقولوا مثل هذا الكلام، فيقول: " وهذا إنما قالوه لأن هذه الأصول والقواعد التي يزعمون
_________________
(١) درء التعارض (٥/٣٧٨-٣٧٩) .
(٢) لم أجد هذا الكلام فيما هو مطبوع من كتب الجويني، ولعله في كتاب الشامل الذي لم يطبع إلا جزء منه، أو في أحد كتبه الأخرى المخطوطة أو المفقودة، وقد سبق عند الحديث عن الجويني وعقيدته ومنهجه نقل نص قريب من هذا. انظر (ص:٦١٩) ..
[ ٢ / ٧٥٧ ]
أنها أصول الدين قد علموا أن الصحابة لم يقولوها، وهم يظنون أنها أصول صحيحة، وأن الدين لا يتم إلا بها، وللصحابة ﵃ أيضًا من العظمة في القلوب ما لم يمكنهم دفعه حتى يصيروا بمنزلة الرافضة القادحين في الصحابة، ولكن أخذوا من الرفض شعبة، كما أخذوا من التجهم شعبة، وذلك دون ما أخذته المعتزلة من الرفض والتجهم حين غلب على الرافضة التجهم وانتقلت عن التجسيم إلى التعطيل والتجهم، إذ كان هؤلاء نسجوا على منوال المعتزلة لكن كانوا أصلح منهم وأقرب إلى السنة وأهل الإثبات في أصول الكلام، ولهذا كان المغاربة الذين اتبعوا محمد بن التومرت المتبع لأبي المعالي أمثل وأقرب إلى الإسلام من المغاربة الذين اتبعوا القرامطة وغلوا في الرفض والتجهم، حتى انسلخوا من الإسلام، فظنوا أن هذه الأصول التي وضعوها هي أصول الدين، الذي لا يتم الدين إلا بها، وجعلوا الصحابة حين تركوا أصول الدين كانوا مشغولين عنه بالجهاد، وهم في ذلك بمنزلة كثير من جندهم ومقاتلتهم الذين قد وضعوا قواعد وسياسية للملك والقتال فيها الحق والباطل، ولم نجد تلك السيرة تشبه سيرة الصحابة، ولم يمكنهم القدح فيهم، فأخذوا يقولون: كانوا مشغولين بالعلم والعبادة عن هذه السيرة وأبهة الملك الذي وضعناه، وكل هذا قول من هو جاهل بسيرة الصحابة، وعلمهم، ودينهم، وقتالهم، [ومن (١)]
كان لا يعرف حقيقة أحوالهم، فلينظر إلى آثارهم، فإن الأثر يدل على المؤثر، هل انتشر عن أحد المنتسبين إلى القبلة أو عن أحد من الأمم المتقدمين والمتأخرين من العلم والدين ما انتشر وظهر عنهم، أم هل فتحت أمة البلاد وقهرت العباد كما فعلته الصحابة رضوان الله عليهم، ولكن كانت علومهم وأعمالهم وأقوالهم وأفعالهم حقًا، باطنًا وظاهرًا، وكانوا أحق الناس بموافقة قولهم لقول الله، وفعلهم لأمر الله والأدلة الدالة على تفضيل القرن الأول ثم الثاني أكثر من أن تذكر، ومعلوم أن أم الفضائل العلم والدين والجهاد، فمن ادعى أنه حقق من العلم بأصول الدين أو من الجهاد ما لم يحققوه كان من أجهل الناس وأضلهم، وهو بمنزلة من يدعي من أهل الزهد
_________________
(١) في المطبوعة من التسعينية " ومن "..
[ ٢ / ٧٥٨ ]
والعبادة والنسك أنهم حققوا من العبادات والمعارف والمقامات والأحوال ما لم يحققه الصحابة " (١) . فشيخ الإسلام يذكر ثلاث طوائف ادعت كل طائفة أنها حققت ما لم يحققه الصحابة:
- المتكلمون: في مقدماتهم العقلية وأصولهم الفلسفية.
- وأهل السياسات في سياساتهم في الملك والجهاد المشتملة على الحق والباطل.
- وأهل التصوف في أحوالهم ومقاماتهم.
والعجيب أن المتكلمين يقولون: إن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد والقتال في سبيل الله، وأهل السياسات البدعية يقولون: إن الصحابة كانوا مشغولين بالعلم والعبادة عن أبهة الملك وسياستهم فيه. أما أهل التصوف والأحوال فقد بلغ بهم ما هو أشد حين فضل غلاتهم نفوسهم وطرقهم على الأنبياء وطرقهم (٢) .
ولما كانت مسألة مزية السلف من الصحابة وغيرهم من أهل القرون المفضلة، وكونهم أحق الناس بوصف الاتباع والإيمان، وأكثر الناس فهمًا عن الله وعن رسوله - ﷺ - ركز شيخ الإسلام ابن تيمية على تقرير ذلك بالطرق التالية:
١- بيان عظم منزلة الصحابة - ﵃ - ولقد صار هذا شعارًا واضحًا لأهل السنة، يذكرونه في عقائدهم، ويبينون فيها منزلتهم، وأن كل من تنقص أحدًا منهم فقيه شعبة من شعب الرفض، كما صار علماء أهل السنة يرجعون إلى أقوالهم ويتمسكون بها في العقائد، وينقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد أنه قال في رسالة عبدوس بن مالك العطر - أحد رفقاء الإمام أحمد الذين يأنس بهم ويقدمهم - " أصول السنة عندنا التمسك
_________________
(١) التسعينية (ص: ٢٥٦-٢٥٧) .
(٢) أشار إلى ذلك شيخ الإسلام في المصدر السابق (ص:٢٥٧) .
[ ٢ / ٧٥٩ ]
بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - (١) ويقول شيخ الإسلام في معرض الرد على الغزالي، مبينًا منزلة الصحابة: " وكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة، وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم، ولم يكن في زمنهم أحد من هذه الصنوف الأربعة (٢)، ولا تجد إمامًا في العلم والدين كمالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، ومثل الفضيل، وأبي سليمان، ومعروف الكرخي، وأمثالهم، إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدي بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب، والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية، وهم أهل الحديث والسنة العالمون بطريقتهم، المتبعون لها، وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر، فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين لم يذكرهم أبو حامد " (٣) .
ونقل شيخ الإسلام عن الشيخ أبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه " الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفضول " لما تحدث عن التأويل الذي قد يرد عن السلف، مثل استوى: استقر: (وهو معكم) أي علمه، قال: " إن كان السلف صحابيًا فتأويله مقبول، متبع، لأنه شاهد الوحي والتنزيل، وعرف التفسير والتأويل، وابن عباس من علماء الصحابة، وكانوا يرجعون إليه في علم التأويل.. فأما إذا لم يكن السلف صحابيًا نظرنا في تأويله فإن تابعه عليه الأئمة المشهورن (٤) من نقله الحديث والسنة ووافقه الثقات الإثبات تابعناه، وقبلناه ووافقناه، فإنه لم يكن إجماعًا حقيقة إلا أن فيه مشابهة الإجماع، إذ هو سبيل
_________________
(١) مجموع الفتاوي (٤/١٥٥)، وانظر النص في رسالة عبدوس بن مالك - مع ترجمته في طبقات الحنابلة (١/٢٤١) .
(٢) الذين ذكر الغزالي أن فرق الطالبين للحق انحصرت فيهم، وهم: المتكلمون والباطنية، والفلاسفة والصوفية، انظر المنقذ من الضلال (ص:٨٩) .
(٣) شرح الأصفهانية (ص: ٨٩) .
(٤) في المخطوطة: المشهورين.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
المؤمنين، وتوافق المتقين، الذين لا يجتمعون على الضلالة" (١) .
وفي مكان آخر يبين شيخ الإسلام أن الصحابة كانوا أعلم الناس بالقرآن ومعانيه (٢)، وأنهم كانوا يجادلون أهل الأهواء ويفحمونهم بالحجة والبرهان (٣)، وأنهم كانوا يسألون عما يشكل عليهم، ويذكر نماذج عديدة لذلك (٤)، كما بين الصحابة إذا تنازعوا فإنهم يردون ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة، ويذكر لذلك بعض الأمثلة المشهورة (٥)، والصحابة كان منهجهم التسليم ولم تكن تلك النصوص والأخبار التي يتلقونها عن الله ورسوله تعارض معقولاتهم، ولو وقع شيء من ذلك لأوجب الحيرة والألم والفساد (٦) .
٢- أن السلف عمومًا - وفيهم الصحابة - أكمل الناس علمًا، وأدقهم نظرًا، وأبرهم قلوبًا، وأقلهم تكلفًا، وإذا كانوا كذلك فإليهم وإلى أقوالهم يجب الرجوع:
أ - يقول شيخ الإسلام: " ومن تدبر كلام أئمة السنة والمشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (البقرة:١٧٦)، ولهذا قال الإمام أحمد
_________________
(١) نقض التأسيس المخطوط (٣/٢١٦-٢١٧) .
(٢) انظر: نقض التأسيس المخطوط (٢/٧١-٧١) .
(٣) انظر: تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل، لابن تيمية، قطعة منه نقلها ابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص: ٣١) .
(٤) انظر: درء التعارض (٧/٤٥-٥٥) .
(٥) انظر: المصدر السابق (١/٢٧٢-٢٧٣) .
(٦) انظر: الفرقان بين الحق والباطل، مجموع الفتاوي (١٣/٢٩)، وانظر درء التعارض (٧/٤٤-٤٥) .
[ ٢ / ٧٦١ ]
في أول خطبته فيما خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية: " الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه؟ وكم من ضال تائه قد هدوه؟ فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب.. " (١)، وقد قام هؤلاء - وفيهم الإمام أحمد - بواجبهم في الدفاع عن مذهب السلف، ومقاومة أهل البدع فرحمهم الله جميعًا.
ب - ويقول شيخ الإسلام في معرض رده الطويل على الرازي حول المحكم والمتشابه: " أهل السنة وأهل المعرفة بحديث رسول الله - ﷺ - والطائفة المتبعون لذلك هم أكمل علمًا وعملًا من غيرهم، فهم أعلم الناس يقينًا ومعرفة لاتباعهم، متابعة الرسول لهم بكلامه، وعلمهم بذلك ونطقهم به " (٢) .
جـ - ويقول أيضًا: " وكل من أمعن نظره وفهم حقيقة الأمر علم أن السلف كانوا أعمق من هؤلاء علمًا، وأبر قلوبًا، وأقل تكلفًا، وأنهم فهموا من حقائق الأمور ما لم يفهمه هؤلاء الذين خالفوهم، وقبلوا الحق وردوا الباطل " (٣) .د - ويشرح شيخ الإسلام سبب كونهم أعلم وأحكم فيقول: " وأما كونهم أعلم ممن بعدهم وأحكم، وأن مخالفهم أحق بالجهل والحشو، فنبين ذلك بالقياس المعقول من غير احتجاج بنفس الإيمان بالرسول، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت:٥٣)، فأخبر أنه
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٢/٣٠١-٣٠٢)، وكلام الإمام أحمد في أول الرد على الزنادقة والجهمية (ص: ٥٢)، ضمن عقائد السلف، (ص:٨٥) ت عميرة.
(٢) نقض التأسيس المخطوط (٢/٣١٩) .
(٣) انظر: درء التعارض (٣/٤٥٤)، وانظر أيضًا (٧/٣٨٧) .
[ ٢ / ٧٦٢ ]
سيريهم الآيات المرئية المشهودة حتى يتبين لهم أن القرآن حق، ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت:٥٣)، أي بإخبار الله ربك في القرآن وشهادته بذلك فنقول: من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم، فإن المنازع لهم لابد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقًا أخرى، مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة، والمكاشفة والمخاطبة والوجد والذوق، ونحو ذلك، ونحو ذلك، وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها، فهم أكمل الناس عقلًا، وأعدلهم قياسًا، وأصوبهم رأيًا، وأسدهم كلامًا، وأصحهم نظرًا، وأهداهم استدلالًا، وأقومهم جدلًا، وأتمهمن فراسةً، وأصدقهم إلهامًا، وأحدّهم بصرًا ومكاشفةً، وأصوبهم سمعًا ومخاطبةً، وأعظمهم وأحسنهم وجدًا وذوقًا، وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل، فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحد وأسد عقلًا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم
كذلك ممتعين؛ وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ (محمد:١٧)، وقال: ﴿فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا* وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا* وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (النساء: ٦٦-٦٨) (١)، ثم بين شيخ الإسلام أن ذلك يعلم بعدة أمور:
- تارة بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم حيث يتبين أن الحق معهم.
- وتارة بإقرار واعتراف مخالفيهم: إما برجوعهم إلى مذهب السلف أو بشهادتهم على مخالفي مذهب السلف بالضلال.
- وتارة بشهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض.
- وتارة باعتصام كل طائفة بهم فيما خالفت فيه الطائفة الأخرى (٢) .
_________________
(١) نقض المنطق (ص:٧-٨) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:٨) وما بعدها.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
٣- أن أهل الحديث من السلف قاموا بمهمة كبرى، وتحملوا مسؤولية عظمى كان من آثارها أن تميزت هذه الأمة بميزة لم تكن لغيرها من الأمم، وذلك بما صار للمسلمين من خاصية الإسناد والرواية، التي حفظت بها معاني القرآن من أن يدخل فيها بالتحريف والتبديل، وحفظت بها السنة من أن يدخل فيها بالزيادة أو النقص، فنشأ علم الجرح والتعديل، وصدقهم أو كذبهم، ومعرفة الرواة ونقد الرجال أو فسقهم، بل فوق ذلك فيما يتعلق بقوة ضبطهم وحفظهم أو خفة ضبطهم ونسيانهم التي يتفاوت فيها حتى أهل الصلاح والتقوى، والعمل الصالح، فأهل الحديث بهذه الميزة صاروا - بتوفيق الله لهم - هم الأمناء على تبليغ وحي الله تعالى وحفظه، وإذا كانوا كذلك فهل من المعقول أن يعاملوا كغيرهم من الناس أو أن ينظر إلى علمهم وفقههم في دين الله كما ينظر إلى من عداهم ممن ليس له في تلك الجهود العظيمة نصيب، يقول شيخ الإسلام: " أقام الله تعالى الجهابذة النقاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق والبهتان، وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة في ذلك والنقصان..
وقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، وهجروا فيها لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف والتلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة والقصص المأثورة، ما هو عن أهله معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، بتوسد أحدهم التراب، وتركهم لذيذ الطعام والشراب، وترك معاشرة الأهل والأصحاب، والتصبر على مرارة الاغتراب، ومقاساة الأهوال الصعاب، أمر حببه الله إليهم وحلاه ليحفظ بذلك دين الله كما جعل البيت مثابة للناس وأمنًا، يقصدونه من كل فج عميق، ويتحملون فيه أمورًا مؤلمة تحصل في الطريق، وكما حبب إلى أهل القتال الجهاد بالنفس والمال، حكمة من الله يحفظ بها الدين، ليهدي المهتدين، ويظهر به الهدى ودين الحق الذي بعث به رسوله ولو كره المشركون" (١)، ثم يقول: " وأهل العلم
_________________
(١) مجموع الفتاوي (١/٧-٨) .
[ ٢ / ٧٦٤ ]
المأثور عن الرسول أعظم الناس قيامًا بهذه الأصول لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه، ويتكلم في أحب الناس إليه.. ولهم من التعديل والتجريح، والتضعيف والتصحيح من السعي المشكور والعمل المبرور، ما كان من أسباب حفظ الدين، وصيانته عن أحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات: منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه..
ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يعظمون نقلة الحديث حتى قال الشافعي ﵁: إذا رأيت رجلًا من أهل الحديث فكأني رأيت رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - (١)، وإنما قال الشافعي هذا لأنهم في مقام الصحابة من تبليغ حديث النبي - ﷺ - (٢) ". فهذا الإمام العظيم - الشافعي -الذي تنتسب إليه طوائف عظيمة من الأشعرية هو الذي يحمل لأهل الحديث هذه المنزلة، بل إنه يقول فيهم: " لولا أصحاب الحديث لكنا بياع القول " (٣)، وهو الذي يقول لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل وأصحابه: " أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني إن شاء يكون كوفيًا أو بصريًا أو شاميًا، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا " (٤)، وهؤلاء الذين يقول فيهم الشافعي هذا الكلام ويعترف لهم هذا الاعتراف هم الذي يصمهم بعض الأشعرية بأنهم حشوية.
وأهل الحديث لاشتغالهم بخدمة السنة وروايتها فهم: " أخص بمعرفة ما جاء
_________________
(١) رواه البيهقي في المدخل (ص: ٣٩١)، ورقمه (٦٨٩)، وفي مناقب الشافعي (١/٤٧٧)، كما رواه أبو نعيم في الحلية (٩/١٠٩)، ورواه أيضًا الخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص: ٤٦)، لكن بلفظ: " إذا رأيت رجلًا من أصحاب الحديث فكأني رأيت النبي - ﷺ - حيًا ".
(٢) مجموع الفتاوي (١/١٠-١١) .
(٣) مناقب الشافعي (١/٤٧٧) .
(٤) المدخل للبيهقي (ص: ١٧٢-١٧٣)، ورقمه (١٧٣-١٧٤)، ومناقب الشافعي (٤٧٦٤١)، وآداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم الرازي (٩٤-٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٩/١٧٠)، وابن عبد البر في الانتقاء (ص: ٧٥)، وتذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة (ص: ٢٩)، وانظر أعلام الموقعين (٢/٢٨٨)، ت الوكيل.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
به الرسول، ومعرفة أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإليهم المرجع في هذا الباب، لا إلى من هو أجنبي عن معرفته، ليس له معرفة بذلك، ولولا أنه قلد في الفقه لبعض الأمثلة لكان في الشرع مثل آحاد الجهّال من العامة" (١) . والسلف المتقدمون أعظم تحقيقًا ممن جاء بعدهم، " ومن أتاه الله علمًا وإيمانًا علم أنه لا يكون عند المتأخرين من التحقيق إلا ما هو دون تحقيق السلف، لا في العلم، ولا في العلم، ومن كان له خبرة بالنظريات والعقليات والعمليات علم أن مذهب الصحابة دائمًا أرجح من قول من بعدهم، وأنه لا يبتدع أحد قولًا في الإسلام إلا كان خطأ وكان الصواب قد سبق إليه من قبله " (٢) .
فهؤلاء هم أهل الحديث وهم أعلام السلف، نقلوا السنة وفهموها، وكان علمهم بها بلغ منزلة لا يمكن أن يصل إليها من جاء بعدهم، وهذا في كل ما نقلوه من أحاديث الأحكام والعقائد والآداب وغيرها.
٤- وجوب الرجوع إلى كلام الصحابة والسلف في فهمهم للعقيدة وشرحهم لها، وهذه من القضايا الأساسية في باب العقائد، لأن القرآن الكريم وصل إلينا دون تحريف، وسنة رسول الله - ﷺ - وصلت إلينا، وميز الصحيح منها عن الضعيف، ولكن من الذي يشرح نصوص الكتاب والسنة ويفسرها، ويوضحها للناس، ويستخلص منها ما يجب اعتقاده، هل يترك هذا لكل متكلم برأيه وهواه وفهمه القاصر أن يقول فيها ما يراه حقًا وصوابًا؟ ثم حين يقع الاختلاف بين الناس في فهم بعض النصوص فمن الذي يرجع إليه في بيان الحق من الباطل؟.
لقد أولى شيخ الإسلام وهو يرد على أهل الكلام - من الأشاعرة وغيرهم - هذه المسألة اهتمامًا كبيرًا، فبين أن تفسير النصوص - خاصة ما وقع فيه خلاف بين المتأخرين، - يجب الرجوع فيه إلى فهم الصحابة والسلف، وإلا انفتح لكل متأوّل وفيلسوف وقرمطي وصوفي غال أن يفسر كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - بما يشاء، وقد جاء تقرير شيخ الإسلام لذلك كما يلي:
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٣٢) .
(٢) الإيمان (ص: ٤١٧)، ط المكتب الإسلامي.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
أ- بيانه أن الصحابة والسلف كانوا عالمين بتفسير النصوص، عارفين بدلالاتها، وأنهم بلغوها وعلموها من جاء بعدهم، يقول شيخ الإسلام في الحموية: " ثم من المحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة - القرن الذي بعث رسول الله - ﷺ -، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم- كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين، لأن ضد ذلك: إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع:
" أما الأول: فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه، أكبر مقاصده، وأعظم مطالبه، أعني بيان ما يجب اعتقاده، لا معرفة كيفية الرب وصفاته، وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى - الذي هو من أقوى المقتضيات - أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة، في مجموع عصورهم؟ هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدني والغفلة عن ذكر الله تعالى، فكيف يقع في أولئك؟ ".
" وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم " (١) .
وقد واجه شيخ الإسلام بهذا الكلام أشاعرة عصره الذين كانوا في وقتهم يعولون على تأويلات الجويني والغزالي والرازي والآمدي في كتبهم الكلامية، التي خالفوا فيها مذهب الصحابة والسلف، وأتوا بتأويلات لنصوص الصفات وغيرها لم يعرفها السلف وخير القرون.
ب - أنه يجب الرجوع إلى ما قاله الصحابة والسلف حول النصوص، لأن أقوالهم هي التي تفصل الخلاف في هذا الباب، يقول شيخ الإسلام - في معرض الرد على الرازي -: " والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف
_________________
(١) الحموية، مجموع الفتاوي (٥/٧-٨) .
[ ٢ / ٧٦٧ ]
ألفاظه الصحيحة، وما فسرها به الذي تلقوا عنه اللفظ والمعنى، ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها، وما حدث من العبارات وتغير من الاصطلاحات " (١) . ومعنى ذلك أنه لابد من ثلاثة أمور:
- معرفة الألفاظ الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ - وتمييزها عن الأحاديث والألفاظ الضعيفة والباطلة.
- ثم بمعرفة ما فسرها به الصحابة الذين تلقوا عن النبي - ﷺ - ألفاظ النصوص ومعانيها، فهم أعرف الخلق بها.
- ثم ونحن نتلقى ما قالوه في تفسيرهم وشرحهم للنصوص لابد من معرفة اللغة والمصطلحات التي كانوا يتخاطبون، حتى لا تختلط بالمصطلحات الحادثة التي جاءت عند المتأخرين وهي تحمل معاني ودلالات خاصة.
وبهذا الفهم والتدرج في تلقي عقيدة السلف، وتفسيرهم لنصوص الكتاب والسنة، نأمن من الخطأ والزلل في تفسير النصوص، أو تحميل أقوالهم وعباراتهم ملا تتحمله من المعاني الفاسدة.
جـ - ولما كان شيخ الإسلام في مصر - إبان محنته المشهورة - سنة ٧١٢هـ، حصل نزاع بين بعض المغاربة المالكين حول صفات الله والعلو على العرش: هل يجب معرفة هذا والبحث عنه، أو أنه يكره، والقائل به مجسم حشوي، وما الدليل على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات الصفات والعلو على العرش؟ (٢) .
وقد أجاب شيخ الإسلام بجواب عظيم سمي بالقاعدة المراكشية، وهي من القواعد المهمة والنادرة لشيخ الإسلام، وقد بين فيها أن الصحابة والتابعين تلقوا العلم والعمل جميعًا، وأنهم كانوا أشد الناس حرصًا على تفهم كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - والعمل بهما، وكيف لا يكونون كذلك وأبو عبد الرحمن السلمي
_________________
(١) نقض التأسيس المطبوع (١/١٥٩) .
(٢) انظر: القاعدة المراكشية (ص: ٢٣-٢٤)، محققة.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
يقول: " لقد حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله ابن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي - ﷺ - عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قال: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا " (١)،وأقام عبد الله بن عمر في تعلم البقرة ثماني سنين (٢) .؟
ثم قال شيخ الإسلام: " وهذا معلوم من وجوه:
"
أحدهما: أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم بالقرآن المنزل عليهم، لفظًا ومعنى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد، فإنه قدعلم أنه من قرأ كتابًا في الطب أو الحساب أو النحر أو الفقه، أو غير ذلك فإنه لابد أن يكون راغبًا في فهمه وتصور معانيه، فكيف بمن قرأوا كتاب الله المنزل إليهم الذي به هداهم الله، وبه عرفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشد والغي، فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثًا فإنه يرغب في فهمه، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه؟ بل ومن المعلوم أن رغبة رسول الله - ﷺ - في تعريفهم معاني القرآن العظيم أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود إذ اللفظ إنما يراد للمعنى ".
" الوجه الثاني: أن الله قد حضهم على تدبره وتعقله واتباعه في غير موضع كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (صّ:٢٩)،
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٤١٠)، والحاكم في المستدرك (١/٥٥٧)، والطبري في تفسيره (١/٨٠)، ط شاكر، كلهم من طريق عطاء عن أبي عبد الرحمن السلمي، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي، كما صححه أحمد شاكر في حاشية الطبري، ولكن الهيثمي قال في مجمع الزوائد (١/١٦٥)،: " في إسناده عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره (انظر في ترجمة عطاء الكامل ٥/١٩٩٩، وميزان الاعتدال ٣/٧٠، والكاشف ٢/٢٦٥، وتهذيب التهذيب ٧/٢٠٣)، ومما يلاحظ أن الذين رووا عن عطاء عند أحمد والحاكم والطبري هم شريك، وجرير، وابن فضيل، وهؤلاء ذكر ابن حجر وغيره أنخم رووا عن عطاء بعد اختلاطه - انظر التهذيب - حيث نص على ذكر جرير وابن فضيل، وأدخل معهما من كان في طبقتهما، وشريك من طبقتهما، والحديث يتقوى بالطريق الآخر الذي رواه ابن جرير، قبل الحديث السابق - عن الأعمش عن شقيق عن ابن سعود - وقد صححه أحمد شاكر.
(٢) رواه مالك في الموطأ كتاب القرآن، باب ما جاء في القرآن (١/٢٠٥) .
[ ٢ / ٧٦٩ ]
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:٢٤)، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون:٦٨)، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النساء:٨٢)، فإذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره على أن معانيه مما يمكن الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها، فكيف لا يكو ذلك ممكنًا للمؤمنين، وهذا يبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم".
"
الوجه الثالث: أنه قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف:٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف:٣)، فبين أنه أنزله عربيًا لأن يعقلوا، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه".
" الوجه الرابع: أن ذم من لا يفهمه: فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الاسراء:٤٥-٤٦)، وقال تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (النساء:٧٨)، فلو كان المؤمنون لا يفقهوه أيضًا لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله به ".
"
الوجه الخامس: أنه ذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم المعنى واتباعه، قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:١٧١)، وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان:٤٤)، وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (محمد:١٦)، وأمثال ذلك، وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول - ﷺ - ولم يفهموا، وقالوا: ماذا قال آنفًا؟ أي الساعة، وهذا كلام من لم يفقه قوله، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (محمد: ١٦)، فمن جعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان غير عالمين بمعاني القرآن جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم الله عليه".
[ ٢ / ٧٧٠ ]
"
والوجه السادس: أن الصحابة ﵃ فسروا للتابعين القرآن، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أوقفه عند كل آية وأسأله عنها (١)، ولهذا قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به (٢)، وكان ابن مسعود يقول: " لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته " (٣)، وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقلوا عنه من التفسير ما لم يحصه إلا الله، والنقول في ذلك عن الصحابة والتابعين معروفة عند أهل العلم بها " (٤) . فهذه الوجوه دالة على أن الصحابة كانوا أعلم الناس بما دلت عليه النصوص ولذلك فإليهم المرجع في تفسير النصوص وفهمها.
د - أن ما وجد من خلاف بين الصحابة في تفسر القرآن لم يكن من اختلاف التباين الذي تتعارض فيه الأقوال، وإنما هو من اختلاف التنوع حيث يصدق الأقوال بعضها بعضًا، يقول شيخ الإسلام: " عامة تفاسير السلف ليست متباينة، بل تارة يصفون الشيء والواحد بصفات متنوعة، وتارة يذكر كل منهم من المفسِّر نوعًا، أو شخصًا على سبيل المثال لتعريف السائل، بمنزلة الترجمان الذي يقال له ما الخبر فيشير إلى شيء معين على سبيل التمثيل " (٥)، ويقول أيضًا جوابًا لاعتراض يقول: أن الصحابة اختلفوا في تفسير القرآن اختلافًا كثيرًا ولو كان ذلك معلوماص عندهمن عن رسول الله - ﷺ - لم يختلفوا فيه - يقول شيخ الإسلام: " يقال: الاختلاف الثابت عن الصحابة، بل وعن أئمة التابعين في القرآن أكثره لا يخرج عن وجوه:
"
أحدهما: أن يعبر كل منهم عن معنى الإسلام بعبارة غير عبارة صاحبه..
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١/٩٠) رقم ١٠٨.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١/٩١) رقم ١٠٩.
(٣) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي - ﷺ - ورقمه ٥٠٠٢، فتح الباري (٩/٤٧) .
(٤) القاعدة المراكشية (ص: ٢٩-٣٢) .
(٥) نقض التأسيس المخطوط (٢/٦٧)، وانظر أيضًا (٢/٣٤٧-٣٥٢) .
[ ٢ / ٧٧١ ]
ومثال هذا في التفسير كلام العلماء في تفسير الصراط المستقيم، فهذا قول: هو الإسلام، وهذا يقول: هو القرآن أي اتباع القرآن، وهذا يقول: هو السنة والجماعة، وهذا يقول طريقة العبودية، وهذا يقول: طاعة الله ورسوله (١)، ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه الصفات كلها، ويسمى بهذه الأسماء كلها، ولكن كل منهم دل المخاطب على النعت الذي يعرف به الصراط وينتفع بمعرفة ذلك النعت ".
" والوجه الثاني: أن يذكر كل منهم من تفسير الاسم بعض أنواعه أو أعيانه على سبيل التمثيل للمخاطب، لا على سبيل الحصر والإحاطة..".
" الوجه الثالث: أن يذكر أحدهم لنزول الآية سببًا، ويذكر الآخر سببًا آخر لا ينافي الأول.. " (٢)، وبعد أن فصل شيخ الإسلام الكلام حول هذا الموضوع في مكان آخر (٣)، يقول معقبًا: " وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدًا، فإن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين، ومع هذا فلابد من اختلاف مخفف بينهم، كما يوجد مثل ذلك في الإحكام " (٤) .
هؤلاء هم السلف من الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان، وهذه حالهم علمًا وفهمًا، وحرصًا على تبليغ هذا الدين لمن بعدهم، فكيف لا يكونون هم الأعلم والأحكم، وكيف لا يكون طريقهم هو الطريق الأسلم، بل كيف يجرؤ أن يقول قائل: إنه قد يأتي أحد ممن جاء بعدهم يكون أعلم في دين الله وبما يجب لله منهم؟.
_________________
(١) انظر: تفسير " الصراط المستقيم " من سورة الفاتحة في تفسير الطبري، وابن أبي حاتم، مطبوع على الآلة الكاتبة، وابن الجوزي، وابن كثير، والدر المنثور للسيوطي.
(٢) القاعدة المراكشية (ص: ٣٢-٣٤) .
(٣) انظر: مقدمة في أصول التفسير (ص: ٣٨-٥٤) .
(٤) مقدمة في أصول التفسير (ص:٥٤) .
[ ٢ / ٧٧٢ ]
رابعًا: أن علم الكلام (١) مذموم.
من أصول منهج ابن تيمية الكبرى في الرد على الأشاعرة أنه وصمهم بنهم قد اتبعوا أهل الكلام المذموم في أقوالهم التي خالفوا فيه الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، وكان من أهم المسائل الكلامية التي خاض فيها الأشاعرة مخالفين لمذهب أهل السنة والجماعة.
- مسألة إيجاب النظر، وأنه أول واجب على المكلف.
- ومسألة دليل حدوث الأجسام على إثبات الصانع.
- نفي ما عدا الصفات السبع عن الله تعالى من الصفات الفعلية والخبرية. وقولهم بنفي التجسيم الذي رتبوا عليه نفي الصفات.
- تقديم العقل على الشرع عند توهم تعارضهما.
- الميل في باب القدر إلى مذهب الجهمية، وفي باب الإيمان إلى مذهب المرجئة.
- دعوى أن أخبار الآحاد لا تفيد العلم فلا يحتج بها في العقائد.
- وضع المقدمات العقلية والفلسفية في كتبهم ومباحثهم العقدية.
وقد تفرعت عن هذه الأصول الكبار مسائل متعددة متفرقة كانوا في كل واحدة منها سالكين ومتابعين لأقوال طائفة أو فرقة من الفرق المنحرفة عن منهج أهل السنة.
_________________
(١) ذكر المتأخرون عدة أقوال في سبب تسميته بعلم الكلام، منها: أن مبناه على الكلام في المناظرات، أو لشبهه بالمنطق، أو أن العلماء بوبوا لهم بقولهم: الكلام في كذا، أو لأن أهم قضية في مباحثه مسألة كلام الله، انظر في ذلك: مقدمة ابن خلدون (ص: ٤٢٩)، - ط الشعب، وشرح المواقف (١/٦٠)، وشرح المقاصد (١/٦)، ورسالة التوحيد لمحمد عبده (ص/ ٢١)، - ت أبو ريه، وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مصطفى عبد الرزاق (ص: ٢٦٥)، والفرق الكلامية الإسلامية: مدخل ودراسة لعلي المغربي (ص: ١٥)، ودراسات في الفرق والعقائد الإسلامية، عرفان عبد الحميد، (ص: ١٣٦-١٣٧)، وتاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، محمد علي أبو ريان (ص: ١٣٠)، وغيرها.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
وقد ركز شيخ الإسلام في مناقشاته الكثيرة المتعددة على هذه المسألة وبين أن ما جاءوا به مما هو مخالف لدين الإسلام فإنما هو من الكلام المذموم والبدع المحرمة التي نهى عنها رسول الله - ﷺ - وحذر منها، كما حذر منها الصحابة وأئمة أهل السنة، ويمكن عرض موقف شيخ الإسلام من هذه المسألة كما يلي:
أ - تحقيقه في نشأة مصطلح " المتكلمون " أو " أهل الكلام " فقد ذكر الشهرستاني في الملل والنحل أن المعتزلة طالعوا كتب الفلاسفة " حين نشرت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج الكلام، وأفردتها فنًا من فنون العلم، وسمتها باسم الكلام؛ إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام، فسمي هذا النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنًا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان" (١)،وقد استشهد صفي الدين الهندي في مناظرته - مع أصحابه الأشاعرة - لابن تيمية بكلام الشهرستاني، فحين قال: " أول مسألة اختلف فيها المسلمون: مسألة الكلام، وسمي المتكلمون متكلمين لأجل تكلمهم في ذلك، وكان أول من قالها عمرو بن عبيد" (٢) .
عقب شيخ الإسلام بقوله في المناظرة: " قلت: الناس مختلفون في مسألة الكلام في خلافة المأمون وبعدها في أواخر المائة الثانية، وأما المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير، في زمن عمرو بن عبيد بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانيةن ولم يكن أولئك قد تكلموا في مسألة الكلام ولا تنازعوا فيها، وإنما أول بدعتهم تكلمهم في مسائل الأسماء والإحكام والوعيد " - فاعترض صفي الدين الهندي قائلًا: - " هذا ذكره الشهرستاني في كتاب الملل والنحل " فرد شيخ الإسلام بقوله: " الشهرستاني ذكر ذلك في اسم المتكلمين لم سموا متكلمين لم يذكره في اسم المعتزلة.. وأيضًا فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين، فإن المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم قبل تنازعهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء: إنه متكلم ويصفونه بالكلام ولم يكن الناس اختلفوا
_________________
(١) الملل والنحل (١/٣٠) .
(٢) مناظرة حول الواسطية: مجموع الفتاوي (٣/١٨٣)، العقود الدرية (ص: ٢٣٥) .
[ ٢ / ٧٧٤ ]
في مسألة الكلام" (١) .
وإذا فعلم الكلام الذي ذمه السلف شامل لكل الانحرافات التي وجدت منذ عهد التابعين، وأبرز فرسانه أهل التهجم والاعتزال.
ب - بيانه أن السلف رحمهم الله تعالى مجمعون على ذم الكلام وأهله (٢)، ويقول شيخ الإسلام عنهم في ذلك طويلة جدًا - وهي مشهورة - وقد نقل عن الإمام الشافعي -وذمه الكلام مشهور - أنه قال: " البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - فهذه بدعة ضلالة، وبدعة لم تخالف شيئًا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر: " نعمت البدعة هذه " (٣)، هذا الكلام أو نحوه رواه البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل (٤) .. " (٥)، ولا شك أن من أعظم البدع المخالفة للكتاب والسنة ما جاء به أهل الكلام في مسألة الصفات والقدر والإيمان، ولذلك اشتد نكير السلف عليهم، بل وجعلوه من أبواب الإلحاد والزندقة.
وقد حرص شيخ الإسلام وهو يرد على الأشاعرة أن يقرر أن ما ابتدعوه هو من علم الكلام الذي ذمه السلف، وتعددت نقوله عن أئمتهم كالشافعي، وأحمد وأبي حنيفة ومالك وأبي يوسف (٦)، بل ذكر أن بعض العلماء أفردوا
_________________
(١) مناظرة حول الواسطية: ومجموع الفتاوي (٣/١٨٣-١٨٤)، العقود الدرية (ص:٢٣٥-٢٣٦) .
(٢) انظر عن مواقف بعض السلف من علم الكلام ما سبق (ص:٤٧-٤٩) .
(٣) رواه البخاري: كتاب صلاة التراويح، باب فضل فضل قيام رمضان، ورقمه ٢٠١٠، فتح الباري (٤/٢٥٠) .
(٤) المدخل للبيهقي (ص: ٢٠٦)، ورواه أيضًا في مناقب الشافعي (١/٤٦٨-٤٦٩)، ورواه مختصرًا أبو نعيم في الحلية (٩/١١٣) .
(٥) انظر: درء التعارض (١/٢٤٩) .
(٦) انظر مثلًا: نقض التأسيس المخطوط (٢/٣٤٧)، ومجموع الفتاوي (٥/٢٦١-٦/٢٤٣، ١٦/٤٧٢-٤٧٦)، والنبوات (ص:٢٩٨)، ودرء التعارض (٥/٢١٨-٨/٢٧٧)، والتسعينية (ص: ٢٠٤-٢٠٧) وغيرها.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
كتابًا في ذم الكلام، منهم أبو عبد الرحمن - محمد ابن الحسين - السلمي والشيخ أبو إسماعيل الأنصاري، ونقل من كتابيهما نصوصًا عديدة (١)، كما نقل أقوال غيرهما كابن عبد البر (٢)، وأبي العباس بن سريح (٣)، والخطابي (٤)، وأبي المظفر السمعاني (٥)، بل وعرض أحيانًا لحكم الرواية عن أهل البدع (٦)، وحكم شهادتهم (٧)، ومنهج أهل السنة في هجرهم (٨) .
وهذا كله يدل على أجماع السلف على ذم الكلام المبتدع، وأن أحدًا منهم لم يقل: إن شيئًا مما ابتدعه هؤلاء في باب العقائد موافق للسنة أو ليس كلامًا مذمومًا، والمطلع على أحوال المتكلمين بعلم: " أن جميع ما ابتدعه المتكلمون وغيرهم مما يخالف الكتاب والسنة فإنه باطل، ولا ريب أن المؤمن يعلم من حيث الجملة أن ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل " (٩) .
جـ - أن الأشاعرة قد خالفوا أئمتهم -وأئمة أهل السنة - الذين ثبت عنهم أنهم نهوا عن الكلام، ولابن تيمية في ذلك نص منهم، أظهر فيه غاية الإنصاف حين ضرب المثل بالشافعية والمالكية الحنابلة الذين خالفوا هؤلاء الأئمة الذين ينتسبون إليهم: يقول شيخ الإسلام - بعد كلامه عن الآراء المحدثة والفرق بين البدعة والسنة، وأن الخوارج المارقين هم أول من ضل في هذا الباب، يقول: " وليس المقصود هنا ذكر البدع الظاهرة التي تظهر للعامة أنها بدعة، كبدعة الخوارج والروافض ونحو ذلك، لكن المقصود التنبيه على ما وقع من ذلك في
_________________
(١) ذكرهما في منهاج السنة (٢/٤٩٠)، المحققة، وفي درء التعارض (٧/١٤٥)، ونقل عن كتاب الهروي في نقض التأسيس المطبوع (١/٢٦٩-٢٨٠)، والسبعينية (ص: ١١)، كما نقل عن كتاب السلمي في التسعينيى (ص: ٢٠٤-٢٠٦) .
(٢) انظر: التسعينية (ص: ٢٠٦) .
(٣) انظر: المصدر السابق الصفحة نفسها.
(٤) انظر: درء التعارض (٧/٣١٦-٣١٧) .
(٥) انظر: نقض التأسيس المطبوع (١/١٣٢) .
(٦) انظر: منهاج السنة (١/٤٠-٤١)، المحققة.
(٧) انظر: التسعينية (ص: ٦٧) .
(٨) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/٣٧٦-٣٧٧) .
(٩) انظر: النبوات (ص:١٩١) .
[ ٢ / ٧٧٦ ]
أخص الطوائف بالسنة، وأعظمهم انتحالًا لها، كالمنتسبين [إلى الحديث مثل مالك والشافعي وأحمد، فإنه لا ريب أن هؤلاء أعظم..] اتباعًا للسنة، وذمًا للبدعة من غيرهم، والأئمة كمالك وأحمد وابن المبارك وحماد بن زيد والأوزاعي، وغيرهم، يذكرون من ذم المبتدعة وهجرانهم وعقوبتهم ما شاء الله تعالى، وهذه الأقوال سمعها طوائف ممن اتبعهم وقلدهم، ثم إنهم [يخلطون] في مواضع كثيرة السنة بالبدعة، حتى قد يبدلون الأمر، فيجعلون البدعة التي ذمها أولئك في السنة، والسنة التي حمده أولئك هي البدعة، ويحكمون بموجب ذلك، حتى يقعوا في البدع والمعاداة لطريق أئمتهم السنية، وفي الحب والموالاة لطريق المبتدعة، التي أمر أئمتهم بعقوبتهم، ويلزمهم تكفير أئمتهم ولعنهم والبراءة منهم.." (١)، ثم قال شيخ الإسلام ممثلًا لذلك: " واعتبر ذلك بأمور:
أحدهما: أن كلام مالك في ذم المبتدعة وهجرهم كثير، ومن أعظمهم عندهم الجهمية، الذين يقولون: إن الله ليس فوق العرش، وأن الله لم يتكلم بالقرآن كله، وإنه لا يرى، كما وردت به السنة، وينفون نحو ذلك من الصفات. ثم إنه كثير في المتأخرين من أصحابه من ينكر هذه الأمور، كما ينكرها فروع الجهمية، ويجعل ذلك هو السنة، ويجعل القول الذي يخالفها - وهو قول مالك وسائر أئمة السنة - هو البدعة، ثم إنه مع ذلك يعتقد في أهل البدعة ما قاله مالك، فبدل هؤلاء الدين، فصاروا يطعنون في أهل السنة".
" الثاني: أن الشافعي من أعظم الناس ذمًا لأهل الكلام ولأهل التغيير، ونهيًا عن ذلك، وجعلًا له من البدعة الخارجة عن السنة، ثمن إن كثيرًا من أصحابه عكسوا الأمر حتى جعلوا الكلام الذي ذمه الشافعي هو السنة وأصول الدين الذي يجب اعتقاده وموالاة أهله، وجعلوا موجب الكتاب والسنة الذي مدحه الشافعي هو البدعة التي يعاقب أهلها".
" الثالث: أن الإمام أحمد في أمره باتباع السنة ومعرفته بها ولزومه لها، ونهيه عن البدع، وذمه لها ولأهلها، وعقوبته لأهلها بالحال التي لا تخفى.
_________________
(١) انظر: الاستقامة (١/١٣-١٤) .
[ ٢ / ٧٧٧ ]
ثم إن كثيرًا مما نص على أنه من البدع التي يذم أهلها صار بعض اتباعه يعتقد أن ذلك من السنة، وأن الذي يذم من خالف ذلك، مثل كلامه في مسألة القرآن من مواضع: منها تبديعه من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وتجهيمه لمن قال: مخلوق. ثم إن أصحابه من جعل ما بدعه الإمام أحمد هو السنة، فتراهم يحكمون على ماهو من صفات العبد - كألفاظهم وأصواتهم وغير ذلك بأنه غير مخلوق، بل يقولون: هو قديم، ثم إنهم يبدعون من لا يقول بذلك، ويحكمون في هؤلاء بما قاله أحمد في المبتدعة، وهو فيهم، وكذلك ما أثبته من الصفات التي جاءت بها الآثار واتفق عليها السلف، كالصفات الفعلية من الاستواء والنزول والمجيء والتكلم إذا شاء، وغير ذلك، فينكرون ذلك بزعم أن الحوادث لا تحل به، ويجعلون ذلك بدعة، ويحكمون على أصحابه بما حكم به أحمد في أهل البدع، وهمن من أهل البدعة الذين ذمهم أحمد، لا أولئك. ونظائر هذا كثيرة، بل قد يحكي عن واحد (١)، من أئمتهم إجماع المسلمين على أن الحوادث لا تحل بذاته، لينفي بذلك ما نص أحمد وسائر الأئمة عليه من أنه يتكلم إذا شاء، ومن هذه الأفعال المتعلقة بمشيئته، ومعلوم أن نقل الإجماع على خلاف نصوصه ونصوص الأئمة من أبلغ ما يكون، وهذا كنقل غير واحد من المصنفين في العلم إجماع المسلمين على خلاف نصوص الرسول، وهذه المواضع من ذلك أيضًا، فإن نصوص أحمد والأئمة مطابقة لنصوص الرسول - ﷺ - (٢) .
ومعلوم أن بعض الحنابلة انحرفوا عن الإمام أحمد وأقواله، إما بميل إلى التشبيه بالاحتجاج بالأحاديث الضعيفة، أو ميل إلى الاعتزال والمذهب الأشعري، ومع ذلك فاتباع الإمام أحمد على العموم أكثر إثباتًا وإتباعًا للإمام أحمد من غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة.
د - ولكن الأشاعرة يجيبون عما هو ثابت من ذم الشافعي وغيره لأهل الكلام بأن ذمهم إنما هو منصب على بدع القدرية ونحوهم أو أن فائدة علم الكلام
_________________
(١) كذا ولعل صحة العبارة: عن غير واحد.
(٢) الاستقامة (١/١٤-١٦) .
[ ٢ / ٧٧٨ ]
حراسة عقيدة العوام فقط. وغرضهم من ذلك أن لا يدخل في الذم الذين يقولون بدليل حدوث الأجسام، أو نفي حلول الحوادث وغير ذلك. وقد عرض شيخ الإسلام ابن تيمية لأقوالهم وتعليلاتهم وناقشها، ومن هؤلاء:
١ - البيهقي الذي قال بعد ذكره لبعض الروايات عن الشافعي في ذك الكلام: " إنما أراد الشافعي بهذا الكلام حفصا الفرد وأمثاله من أهل البدع، وهكذا مراده بكل ما حكي عنه من ذم الكلام وذم أهله، غير أن بعض الرواة أطلقه وبعضهم قيده " [ثم روى البيهقي بإسناده إلى ابن الجارود قال]: " دخل حفص الفرد على الشافعي، فكلمه، ثم خرج إلينا الشافعي فقال لنا: لأن يلقي الله العبد بذنوب مثل جبال تهامة خير له من أن يلقاه باعتقاد حرف مما عليه هذا الرجل وأصحابه، وكان يقول بخلق القرآن " (١) .
وقال البيهقي أيضًا: " وإنما ذم الشافعي مذهب القدرية، ألا تراه قال: بشيء من هذه الأهواء، واستحب ترك الجدال فيه، وكأنه سمع ما رويناه عن عمر بن الخطاب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم - الحديث (٢)، أو غير ذلك من الأخبار الواردة في معناه، وعلى مثل ذلك جرى أئمتنا في قديم الدهر عند الاستغناء عن الكلام فيه، فإذا احتاجوا إليه أجابوا بما في كتاب الله ثم في سنة رسول الله - ﷺ - من الدلالة على إثبات القدر لله تعالى، وإنه لا يجري في ملكوت السموات والأرض شيء إلا بحكم الله وبقدرته وإرادته، وكذلك في سائر مسائل الكلام اكتفوا بما فيها من الدلالة
_________________
(١) مناقب الشافعي للبيهقي (١/٤٥٤)، وقد نقله عنه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص: ٣٤١)، ونقله شيخ الإسلام في درء التعارض (٧/٢٤٩-٢٥٠) .
(٢) رواه أحمد (١/٣٠)، ورقمه عند أحمد شاكر (٢٠٦)، ورواه أبو داود عن الإمام أحمد، كتاب السنة، باب في القدر ورقمه (٤٧١٠-٤٧٢٠)، ط الدعاس، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/٢٠٤)، والحاكم في المستدرك - شاهدًا - (١/٨٥)، وابن أبي عاصم في السنة رقم (٢٣٠)، وابن حبان في صحيحه رقم (٧٩)، انظر صحيح ابن حبان (١/١٤٨)، تحقيق الحوت، وأيضًا (١/٢٤٦)، تحقيق شعيب الأرناؤوط وحسين أسد، وضعفاه، كما ضعفه الألباني في تخريج السنة، وضعيف الجامع رقم (٦٣٠٦)، لأن في سنده شريك بن حزام مجهول، أما أحمد شاكر فقد صحح الحديث في تحقيق للمسند، كما أنه وثق الحكيم ابن شريك في تحقيقه لصحيح ابن حبان (١/٢٣٧) .
[ ٢ / ٧٧٩ ]
على إثبات القدر لله تعالى، وإنه لا يجري في ملكوت السموات والأرض شيء إلا بحكم الله وبقدرته وإرادته، وكذلك في سائر مسائل الكلام اكتفوا بما فيها من الدلالة على صحة قولهم.." (١)،
ثم يقول البيهقي: " وفي كل هذا دلالة على أن الكلام المذموم إنما هو كلام أهل البدع الذي يخالف الكتاب والسنة، فأما الكلام الذي يوافق الكتاب والسنة، ويبين بالعقل والعبرة فإنه محمود مرغوب فيه عند الحاجة، تكلم فيه الشافعي وغيره من أئمتنا ﵃ " (٢)، وغير الشافعي كأبي الحسن الأشعري، وللبيهقي رسالة مشهورة في الدفاع عنه وعن خوضه في المعقولات وأنه قصد الدفاع عن عقيدة أهل السنة (٣) .
٢ - ابن عساكر الذي قال في تبيين كذب المفتري: " فإن قيل: غاية ما تمدحون به أبا الحسن أن تثبتوا أنه متكلم، وتدلونا على أنه بالمعرفة برسوم الجدل متوسم، ولا فخر في ذلك عند العلماء من ذوي التسنن والاتباع، لأنهم يرون أن من تشاغل بذلك من أهل الابتداع، فقد حفظ عن غير واحد من علماء الإسلام عيب المتكلمين وذم الكلام، ولو لم يذمهم غير الشافعي ﵀ لكفى، فإنه قد بالغ في ذمهم وأوضح حالهم، وأنتم تنتسبون إلى مذهبه، فهلا اقتديتم في ذلك به " (٤)، ثم ساق ابن عساكر روايات ذم الكلام عن أبي يوسف وعن الشافعي نقلها عن ابن أبي حاتم في كتابه مناقب الشافعي، ثم روى ابن عساكر عن ابن أبي حاتم " ثنا الربيع، قال رأيت الشافعي وهو نازل من الدرجة وقوم في المجلس يتكلمون بشيء من الكلام فصاح فقال: إما أن تجاورونا بخير، وإما أن تقوموا عنا " (٥) . قال ابن عساكر معلقًا على هذه الرواية: "
_________________
(١) مناقب الشافعي للبيهقي (١/٢٦٠-٢٦١)، ونقله عن ابن عساكر في التبيين (ص: ٣٤٤) ونقله ابن تيمية في درء التعارض (٧/٢٥٠-٢٥٢) ..
(٢) مناقب الشافعي للبيهقي (١/٤٦٧)، والتبيين (ص: ٣٥١)، ودرء التعارض (٧/٢٥٣) .
(٣) سبقت الإشارة إلى هذه الرسالة مع ذكر مصادرها (ص: ٦٢١)، وانظر: درء التعارض (٧/٧٨-١٠١) .
(٤) تبيين كذب المفتري (ص: ٣٣٣)، ودرء التعارض (٧/٢٤٢-٢٤٣) .
(٥) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم الرازي (ص: ١٨٢)، والتبيين (ص: ٣٣٦)، درء التعارض (٧/٢٤٥) .
[ ٢ / ٧٨٠ ]
وقد بين زكريا بن يحيى الساجي في روايته هذه الحكاية عن الربيع: أنه أراد بالنهي عن الكلام قومًا تكلموا في القدر (١)، ولذلك حكم بالتبديع، ويدل عليه ما أخبرنا [وساق بإسناده إلى يونس بن عبد الأعلى قال:] جئت الشافعي بعد ما كلم حفصا الفرد فقال: غبت عنا أبا موسى، لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء والله ما توهمته قط، ولأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام " (٢)،
قال ابن عساكر: " فالشافعي إنما عني بمقالته كلام حفص القدري وأمثاله " (٣)، ثم أيّد هذا بنقول عن البيهقي في مناقب الشافعي - سبق نقل بعضها -.
فالبيهقي وابن عساكر يريان أن ذم الشافعي لأهل الكلام إنما عنيّ به القدرية، وسيأتي بعد قليل مناقشة ابن تيمية لهم.
٣ - الغزالي: وقد نقل في إحياء علوم الدين كلامًا طويلًا عن ذم السلف لأهل الكلام، وقد ذكر أولًا الخلاف فيه وأن الناس من قال: إنه بدعة محرم، ومنهم من قال: إنه واجب على الكفاية، والأعيان، وقال: " وإلا التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من السلف.. " (٤)، ثم ذكر نماذج عديدة من أقوالهم في ذمه، وبعد أن ذكر رأي الطائفة الأخرى المجوزة وحججها (٥) قال: فإن قلت فما المختار فيه فاعلم أن الحق فيه أن إطلاق القول بذمه في كل حال أو بحمده في كل حال خطأ.. فالأولى والأبعد عن الالتباس أن يفصل، فنعود إلى علم الكلام ونقول: إن فيه منفعة وفيه مضرة، فهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام.
_________________
(١) ذكر هذه الرواية عن الساجي البيهقي في مناقب الشافعي (١/٤٦٠) .
(٢) تبيين كذب المفتري (ص: ٣٣٦)، ودرء التعارض (٧/٢٤٥-٢٤٦)، وانظر: آداب الشافعي ومناقبه (ص: ١٨٢) ..
(٣) التبين (ص: ٢٣٧)، ودرء التعارض (٧/٢٤٦) .
(٤) إحياء علوم الدين (١/٩٤-٩٥)، وانظر: درء التعارض (٧/١٤٦) .
(٥) انظر الإحياء (١/٩٤-٩٥)، وانظر: درء التعارض (٧/١٤٦-١٦٢) .
[ ٢ / ٧٨١ ]
أما مضرته: فإثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، فذلك مما يحصل في الابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرره في الاعتقاد الحق، وله ضرر آخر في تأكيد اعتقاد المبتدعة للبدعة، وتثبيته في صدورهم، بحيث تنبعث دواعيهم، ويشتد حرصهم على الإصرار عليه.
وأما منفعته: فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه (١)، وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة، وبعد الغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى تناسب نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور في أمور جلية تكاد تفهم قبل التعمق في صنعة الكلام، بل منفعته شيء واحد وهو: حراسة العقيدة التي ترجمناها على العوام، وحفظها عن تشويهات المبتدعة بأنواع الجدل " (٢) .
هذه خلاصة أقوال بعض أئمة الأشعرية في علم الكلام المذموم، وقد ناقشهم شيخ الإسلام بما يلي:
١ - أما البيهقي وابن عساكر فقد علق على أقوالهم ببيان أمرين:
"
أحدهما: أن الذين يعظمون الأشعري وأمثاله من أهل الكلام - كالبيهقي وابن عساكر، وغيرهما - وقد عرفوا ذم الشافعي وغيره من الأئمة للكلام- ذكروا أن الكلام المذموم هو كلام أهل البدع، وقالوا: إنما كان يعرف
_________________
(١) يلاحظ أن الغزالي يقول هذا الكلام بعد عزلته التي ارتضى فيها وبعدها طريق أهل الكشف والتصوف.
(٢) الإحياء (١/٩٦-٩٧)، وانظر: درء التعارض (٧/١٦٢-١٦٤) .
[ ٢ / ٧٨٢ ]
في عصرهم بكلام أهل البدع، وأنه أراد بذلك كلام مثل حفص الفرد وأمثاله، وإنه لما حدثت طائفة سمت ما في كتاب الله من الحجة عليهم متشابهًا، وقالوا بترك القول بالأخبار التي رواها أهل الحديث، وزعموا أن الأخبار التي حملت إليهم لا تصح في عقولهم، قام جماعة من أئمتنا، وبينوا أن جميع ما ورد في الأخبار صحيح في المعقول، وما ادعوه في الكتاب من التشابه باطل في العقول، وكانوا في القديم إنما يعرفون بالكلام أهل الأهواء، فأما أهل السنة والجماعة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنة.. " (١)، ثم قال شيخ الإسلام: " وهذا اتفاق من علماء الأشعرية - مع غيرهم من الطوائف المعظمين للسلف - على أن الكلام المذموم عند السلف، كلام من يترك الكتاب والسنة، ويعول في الأصول على عقله، فكيف بمن يعارض الكتاب والسنة بعقله؟ وهذا هو الذي قصدنا إبطاله، وهو حال أتباع صاحب الإرشاد الذي وافقوا المعتزلة في ذلك، وأما الرازي وأمثاله، فقد زادوا في ذلك على المعتزلة، فإن المعتزلة لا تقول: إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، بل يقولون: إنها تفيد اليقين، ويستدلون بها أعظم مما يستدل بها هؤلاء " (٢) .
ولاشك أن متأخري الأشاعرة كان خوضهم في علم الكلام ومخالفتهم للكتاب والسنة أعظم وأشد من متقدميهم، وشيخ الإسلام بين أن هؤلاء قرروا أمرين: أحدهما: اتفاق السلف على أن علم الكلام مذموم، والثاني: أن من الكلام المذموم الاعتماد على أدلة العقول والقول بأن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين.
والأمر الثاني: أن البيهقي وابن عساكر زعما أن الشافعي قصد في ذم أهل الكلام حفصا الفرد لأنه قدري، وقد رد عليهم شيخ الإسلام بقوله: " قلت: حفص الفرد لم يكن من القدرية، وإنما كان على مذهب ضرار بن عمرو
_________________
(١) درء التعارض (٧/٢٧٣-٢٧٤)، وقد سبق نقل هذه العبارات عنهم (ص: ٢٥٢)، وهي في مناقب الشافعي للبيهقي (١/٤٦١-٤٦٢)، والتبيين (ص: ٣٤٤-٣٤٥) .
(٢) درء التعارض (٧/٢٧٤-٢٧٥) .
[ ٢ / ٧٨٣ ]
الكوفي، وهو من المقبتين للقدر، لكنه من نفاة الصفات، وكان أقرب إلى الإثبات من المعتزلة والجهمية " (١) - ثم نقل عن مقالات شيخ الأشاعرة أبي الحسن الأشعري مذهب الضرارية، قال: " والذي فارق ضرار بن عمرو به المعتزلة قوله: إن أعمال العباد مخلوقة، وأن فعلًا واحدًا لفاعلين: أحدهما خلقه وهو الله، والآخر اكتسبه وهو العبد، وإن الله فاعل لأفعال العباد في الحقيقة، وهو فاعلون لها.. وكان يزعم أن معنى أن الله عالم قادر: أنه ليس بجاهل ولا عاجز، وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه" قال الأشعري:" وقد تابعه على ذلك حفص الفرد وغيره " (٢)، وقال شيخ الإسلام معلقًا: " قلت: فهذا الذي ذكره الأشعري من قول ضرار وحفص الفرد في القدر هو مخالف لقول المعتزلة، بل هو من أعدل الأقوال وأشبهها، وقوله إلى قول الأشعري وأصحابه في القدر والرؤية أقرب من قوله إلى قول المعتزلة، بل هو في القدر أقرب إلى قول أهل الحديث والفقهاء وسائل أهل السنة، وأعدل من قول الأشعري، حيث جعل العبد فاعلًا حقيقي، وأثبت استطاعتين، ونحو ذلك مما أثبته أئمة الفقهاء وأهل الحديث " (٣)، ثم شرح شيخ الإسلام حقيقة عقيدة حفص الفرد الذي ذمه الشافعي فقال: " حفص الفرد كما هو معروف عند أهل العلم بمقالات الناس بإثبات القدر، فهو من نفاة الصفات القائلين بأن الله تعالى لا تقوم به صفة ولا كلام ولا فعل، وأصل حجتهم في ذلك هو دليل الأعراض..
فإن القرآن كلام، والكلام عندهم كسائر الصفات والأفعال لا يقوم إلا بجسم، والجسم محدث، فكان إنكار الشافعي عليه لأجل الكلام الذي دعاهم إلى هذا، لم تكن مناظرته له في القدر، ومن ظن أن الشافعي ناظره في القدر فقد أخطأ مبينًا، فإن الناس كلهم نقلوا مناظرته له
_________________
(١) درء التعارض (٧/٢٤٦) .
(٢) مقالات الإسلاميين (ص: ٢٨١-٢٨٢)، - ت ريتر (١٠/٣١٣-٣١٤)، عبد الحميد، ودرء التعارض (٧/٢٤٦-٢٤٧) .
(٣) درء التعارض (٧/٢٤٧-٢٤٨) .
[ ٢ / ٧٨٤ ]
في القرآن: هل هو مخلوق أم لا؟ (١)، ثم أعاد شيخ الإسلام توضيح ذلك فيما بعد (٢) .
فشيخ الإسلام بين أن ذم الشافعي لأهل الكلام ومناظرته ليس لأجل القدر - كما زعمه هؤلاء - وإنما لأجل بدعهم وتجهمهم في نفي الصفات، كما فعل ذلك الإمام أحمد وغيره، والجهمية والمعتزلة نفوا الصفات، وتبعهم الأشعرية في نفي ما يتعلق بمشيئة الله من صفات الأفعال، والخلاصة أن الشافعي ذم علم الكلام وأهله الذي تلبس به شيوخ الاشاعرة كابن كلاب والأشعري ومن سايرهم.
٢ - أما كلام الغزالي في الإحياء حول ذم الكلام، ورأي الغزالي في علم الكلام وهل فيه منفعة أو مضرة - فجاء تعليق شيخ الإسلام عليه من جانبين:
الجانب الأول: ما في شهادة الغزالي - على إجماع السلف على ذم الكلام - من الحق. يقول شيخ الإسلام: " فهذا كلام أبي حامد - مع معرفته بالكلام والفلسفة، وتعمقه في ذلك - بذكر اتفاق سلف أهل السنة على ذم الكلامن ويذكر خلاف من نازعهم، ويبين أنه ليس فيه فائدة إلا الذب عن العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول - ﷺ - لأمته، وإذا لم يكن فيه فائدة إلا الذب عن هذه العقائد، امتنع أن يكون معارضًا لها، فضلًا عن أن يكون مقدمًا عليها، فامتنع أن يكون الكلام العقلي المقبول مناقضًا للكتاب والسنة وما كان من ذلك مناقضًا للكتاب والسنة وجب أن يكون من الكلام الباطل المردود الذي لا ينازع في ذمه أحد من المسلمين، لا من السلف والأئمة، ولا من الخلف المؤمنين أهل المعرفة بعلم الكلام والفلسفة، وما يقبل من ذلك وما يرد،
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٢٥٠) .
(٢) انظر: المصدر نفسه (٧/٢٧٥-٢٧٨)، وفي النبوات (ص: ٢١٦)، يقول شيخ الإسلام: " من الناس من يظن أنهم (أي السلف) إنما أنكروا كلام القدرية فقط كما ذكره البيهقي وابن عساكر في تفسير كلام الشافعي ونحوه - ليخرجوا أصحابهم من الذم - وليس كذلك، بل الشافعي أنكر كلام الجهمية كلام حفص الفرد، وأمثال هؤلاء كانت منازعتهم في الصفات والقرآن والرؤية لا في القدر".
[ ٢ / ٧٨٥ ]
وما يحمد وما يذم، وأن من قبل ذلك وحمده كان من أهل الكلام الباطل المذموم باتفاق هؤلاء" (١)، وكلام الغزالي - الذي سبق نقل بعضه قريبًا - فيه شهادة كما يقول ممن خبر الكلام وغاص فيه وبلغ منتهى درجة المتكلمينن وشهادته لها وزنها وأهميتها.
أما الجانب الثاني: فشيخ الإسلام يعلق على قول الغزالي: " بل منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة التي ترجمناها على العوام " (٢)؛ بقوله: " وأما حراسة عقيدة العوام فيقال: أولًا: لابد أن يكون المحروس هو نفس ما ثبت عن الرسول - ﷺ - أنه أخبر به لأمته، فأما إذا كان المحروس فيها ما يوافق خبر الرسول وفيه ما يخالفه كان تمييزه قبل حراسته أولى من الذب عما يناقض خبر الرسول - ﷺ -؛ فإن حاجة المؤمنين إلى معرفة ما قاله الرسول وأخبرهم به ليصدقوا به، ويكذبوا بنقيضه، ويعتقدوا موجبه، قبل حاجتهم إلى الذب عن ذلك، والرد على من يخالفه، فإذا كان المتكلم الذي يقول: أنه يذب عن السنة، قد كذب هو بكثير مما أخبر به الرسول - ﷺ - واعتقد نقيضه؛ كان مبتدعًا مبطلًا، متكلمًا بالباطل فيما يخالف خبر الرسول - ﷺ - كما أن ما وافق فيه خبر الرسول فهو فيه متبع للسنة، محق متكلم بالحق، وأهل الكلام الذين ذمهم السلف لا يخلو كلام أحد منهم عن مخالفة السنة، ورد لبعض ما أخبر به الرسول، كالجهمية، والشمبهة، والخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة ".
"
ويقال بأنها لابد أن تُحرس السنة بالحق والصدق والعدل، ولا تُحرس بكذب ولا ظلم، فإذا رد الإنسان باطلًا بباطل، وقابل بدعة ببدعة كان هذا مما ذمه السلف والأئمة، وهؤلاء - كما ذكره أبو حامد - يدخلون في هذا وكلام السلف في ذم الكلام متناول لما ذمه الله في كتابه، والله سبحانه قد ذم في كتابه الكلام بالباطل، والكلام بغير علم، والأول كثير، وأما الثاني فقد
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/١٦٥) .
(٢) سبق نقل كلامه قريبًا.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (لأعراف:٣٣)، وقال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ (آل عمران:٦٦)، وقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (الإسراء:٣٦) (١) .
والعقيدة التي أشار أبو حامد الغزالي إلى أنها عقيدة العوام وأنه ترجمها لهم هي التي ذكرها في الإحياء باسم " الرسالة القدسية " أو "قواعد العقائد"، وفيها كثير مما يخالف مذهب أهل السنة والجماعة، مما هو موافق لمذهب جمهور الأشاعرة، ولذلك قال شيخ الإسلام: يجب تمييز ما يوافق خبر الرسول مما يخالفه قبل حراسته التي ادعى الغزالي أنها مهمة علم الكلام.
هـ - أن السلف ذموا من الكلام الكلام المخالف للكتاب والسنة ولم يذموا جنس الكلام، كما لم يذموه لما فيه من الاصطلاحات الحادثة، وكثيرًا ما يشير شيخ الإسلام إلى أن القرآن الكريم جاء بالدلائل العقلية والأمثلة المضروبة، وأن الصحابة والسلف ناظروا أهل الباطل، وبينوا ما في كلامهم من الفساد، كما أنهم قاموا بدعهم بمختلف الوسائل من منع وهجر، وتحذير للناس، ومناظرة.
يقول شيخ الإسلام: " وقد ظن بعض الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام وأهل الكلام كقول أبي يوسف.. [ونقل أقوال السلف المشهورة] .. وأمثال هذه الأقوال المعروفة عن الأئمة؛ ظن بعض الناس أنهم إنما ذموا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة، كلفظ الجوهر والجسم والعرض، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء (٢)، وغيره - وليس الأمر كذلك، بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث ألفاظه،
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/١٨٢-١٨٣) .
(٢) انظر إحياء علوم الدين (١/٩٥) .
[ ٢ / ٧٨٧ ]
فذموه لاشتماله على معانٍ باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعًا، ثم من الناس من قد يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك " (١)، ويقول أيضًا: والكلام الذي ذموه نوعان:
أحدهما: أن يكون في نفسه باطلًا وكذبًا، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل وكذب، فإن أصدق الكلام كلام الله.
والثاني: أن يكون فيه مفسدة، مثل ما يوجد في كلام كثير منهم من النهي عن مجالسة أهل البدع، ومناظرتهم ومخاطبتهم، والأمر بهجرانهم، وهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم، فإن الحق إذا كان ظاهرًا قد عرفه المسلمون وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته، فإنه يجب منعه من ذلك، فإذا هجر وعزر كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - بصبيغ بن عسل التميمي (٢)، وكما كان المسلمون يفعلونه.. " (٣)، وبعد أن ضرب أمثلة أخرى يقول\ شيخ الإسلام: " والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال، وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة أخرى، وفي الجملة: جنس المناظرة والمجادلة: فيها محمود ومذموم، ومفسدة ومصلحة، وحق وباطل " (٤)، ومناظرات السلف لأهل البدع مشهورة وإمام أهل السنة " أحمد - ﵁ - قد رد على الجهمية وغيرهم بالأدلة السمعية والعقلية، وذكر من كلامهم وحججهم ما لم يذكره غيره، بل استوفى حكاية مذهبهم وحججهم أتم استيفاء، ثم أبطل ذلك بالشرع والعقل " (٥) .
_________________
(١) درء التعارض (١/٢٣٢) .
(٢) سبق التعريف به وبقصته (ص: ٥٦) .
(٣) درء التعارض (١/١٧٢) .
(٤) المصدر السابق (١/١٧٤) .
(٥) درء التعارض (٧/١٤٩)، ذكر أن عبد العزيز الكناني من مشاهير متكلمي أهل السنة.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
وكثيرًا ما يردد شيخ الإسلام في كتبه أن السلف ذموا الكلام لما فيه من الباطل المخالف للكتاب والسنة، أو لأن فيه رد بدعة ببدعة (١) .
ومسألة المصطلحات الحادثة سبق بيان منهج شيخ الإسلام فيها (٢)، والذي تعلق بالموضوع هنا ما يذكره بعض أهل الكلام من الأشاعرة ونحوهم من أن السلف من الصحابة وغيرهم وما واجهوا البدع الحادثة والمصطلحات التي جاء بها أهل الفلسفة ومن سلك سبيلهم، وأنهم لو أدركوا هذه المصطلحات لتكلموا فيها كما تكلم فيها المتأخرون، وهذا فيه مغالطة واضحة، ولذلك ناقشه شيخ الإسلام مفصلًا فقال: " قول القائل: " إن الصحابة - ﵃ - ماتوا وما عرفوا ذلك " (٣)،
فيه تفصيل: وذلك أن هذا الكلام فيه حق وباطل، فأما الباطل فهو مثل إثبات الجوهر الفرد، وطفرة النظام، وامتناع بقاء العرض زمانين، ونحو ذلك، فهذا لا يخطر ببال الأنبياء والأولياء من الصحابة وغيرهم، وإن خطر ببال أحدهم تبين له أنه كذب، فإن القول الباطل الكذب هو من باب مالا ينقض الوضوء، ليس له ضابط، وإنما المطلوب معرفة الحق والعمل به، وإذا وقع الباطل أنه باطل ودفع، وصار هذا كالنهي عن المنكر، وجهاد العدو، فليس كل شيء من المنكر رآه كل من الصحابة وأنكروه، ومع هذا فلا يقطع على كل صحابة بأنهم لم يعرفوا أمثال هذه الأقاويل، ويعرفوا بطلانها، فإنهم فتحوا أرض الشام ومصر والمغرب والعراق وخراسان، وكان بهذه البلاد من الكفار والمشركين والصابئين وأهل الكتاب من كان عنده من كتب
_________________
(١) انظر مثلًا: الصفدية (١/١٦٣)، ودرء التعارض (١/١٧٨، ٢/٢٠٥-٢٠٧،٧/١٧٠/ ١٧٦، ١٨١، ١٨٣، ١٨٤،٨/٤٠٨)، ومجموع الفتاوي (٣/٣٠٦)، والكيلانية، مجموع الفتاوي (١٢/٤٦٠-٤٦١)، والفرقان بين الحق والباطل، مجموع الفتاوي (١٣/١٤٧)، وغيرها.
(٢) انظر: (ص: ٢٩٧)، وما بعدها من هذه الرسالة.
(٣) القائل هو ابن عقيل الحنبلي في جواب سؤال حول قراءة علم الكلام، حيث ذكر الجواهر الفرد، والطفرة، والأحوال، والخلاء والملاء والجوهر والعرض.. ثم قال: " فإني أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا ذلك ولا تذاكروه.." انظر درء التعارض (٨/٤٨)، وانظر: كلامه في تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص: ٨٢)، ط منيرية، وقد ذكر ابن تيمية في مجموع الفتاوي (٤/١٠٥)، عن الرازي أنه يزعم في مواضع أن الصحابة لم يعلموا شبهات الفلاسفة وما خاضوا فيها..
[ ٢ / ٧٨٩ ]
أهل الضلال من الفلاسفة وغيرهم ما فيه هذه المعاني الباطلة، فربما خوطبوا بهذه المعاني بعبارة من العبارات، وبينوا بطلانها لمن سألهم، والواحد منا قد يجتمع بأنواع من أهل الضلال، ويسألونه عن أنواع من المسائل، ويوردون عليه أنواعًا من الأسئلة والشبهات الباطلة فيجيبهم عنها، وأكثر الناس لا يعلمون ذلك ولا ينقلونه ".
" والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة قد ناظروا أنواعًا من الجهمية أهل الكلام، وجرى بينهم من المعاني ما لم ينقل، ولكن من عرف طرق المناظرين لهم والمسائل التي ناظروهم فيها، علم ما كانوا يقولونه "، ثم يقول شيخ الإسلام - بعد مناقشة - " ففي الجملة: المعاني الصحيحة الثابتة كان الصحابة أعرف الناس بها، وإن كان التعبير عن تلك المعاني يختلف بحسب اختلاف الاصطلاحات. والمعاني الباطلة قد لا تخطر ببال أحدهم، وقد تخطر بباله فيدفعها أو يسمعها من غيره فيردها فإن ما يلقيه الشيطان من الوساوس والخطرات الباطلة ليس له حد محدود، وهو يختلف بحسب أحوال الناس " (١) .
وشيخ الإسلام - مما سبق - بين أنه يجب التفريق بين:
- الكلام المذموم، والكلام الحق الموافق للكتاب والسنة.
- المصطلح الحادث المخالف للكتاب والسنة، والمصطلح الحادث الذي لا يخالفهما.
- الجدال والمناظرة المذمومة التي ذمها السلف، والجدال والمناظرة التي أثرت عن السلف.
كما أنه يجب أن يعلم أن الحق واحد، واضح، ولذلك فهو معلوم، وأن الباطل متعدد، متنوع، يلتبس بالحق أحيانًا، ولذلك فلا يمكن حصر أنواعه ومصطلحاته ووسائله في زمن أو مكان محدد.
ونعى شيخ الإسلام على المتكلمين من الأشاعرة حين ظنوا أن الفقه من باب الظنون، وأن علم الكلام من باب القطعيات، يقول: " إن طوائف كبيرة من أهل الكلام من المعتزلة.. كأبي علي، وأبي هاشم، وعبد الجبار،
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/٥١-٥٤) .
[ ٢ / ٧٩٠ ]
وأبي الحسين وغيرهم، ومن اتبعهم من الأشاعرة، كالقاضي أبي بكر، وأبي المعالي، وأبي حامد، والرازي، ومن اتبعهم من الفقهاء يعظمون أمر الكلام الذي يسمونه أصول الدين، حتى يجعلون مسائله قطعية، ويوهنون من أمر الفقه الذي هو معرفة أحكام الأفعال، حتى يجعلوه من باب الظنون لا العلوم، وقد رتبوا على ذلك أصولًا انتشرت في الناس، حتى دخل فيها طوائف من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث، لا يعلمون أصلها ولا ما تؤول إليه من الفساد، مع أن هذه الأصول التي أدعوها في ذلك باطلة واهية.. ذلك أنهم لم يجعلوا الله في الأحكام حكمًا معينًا، حتى ينقسم المجتهد إلى مصيب ومخطئ، بل الحكم في حق كل شخص ما أدى إليه اجتهاده، وقد بينا.. ما في هذا من السفسطة والزندقة، فلم يجعلوا لله حكمًا في موارد الاجتهاد أصلًا، ولا جعلوا له على ذلك دليلًا أصلًا، بل إن ابن الباقلاني، وغيره يقول " (١)، ثم ناقش بعض المسائل التي يوردونها في أصول الفقه ثم يقول: " والمقصود هنا ذكر أصلين هما: بيان فساد قولهم: الفقه من باب الظنون، وبيان أنه أحق باسم العلم من الكلام الذي يدعون أنه علم، وأن طرق الفقه أحق بأن تسمى أدلة من طريق الكلام. والأصل الثاني في بيان أن غالب ما يتكلمون فيه من الأصول ليس بعلم ولا ظن صحيح، بل ظن فاسد، وجهل مركب " (٢) .
فأهل الكلام جعلوا أصولهم الكلامية - الخاطئة والتي يعارض فيها بعضهم بعضًا - أصولًا قطعية، وجعلوا أحكام الشرع من باب الظنون، وهذا قلب للحقائق. كما أن إدخالهم للمسائل الكلامية في أصول الفقه هو من الانحراف الذي ابتدعه أهل الكلام (٣) .
ز - وأخيرًا فإن من أهم ردود شيخ الإسلام على أهل الكلام وبيان ما فيه هذا العلم من الباطل أن شيوخه وأعلامه رجعوا عنه وحذروا منه، وهذه مسألة مهمة سيأتي تفصيلها في فقرة مستقلة ضمن منهجه العام في الرد على الأشاعرة.
_________________
(١) الاستقامة (١/٤٧-٤٩) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١/٥٤) .
(٣) انظر: المصدر السابق (١/٥٠-٦٩)، وانظر: " تنبيه الرجل العاقل " عن العقود الدرية لابن عبد الهادي (ص:٣٣-٣٥) .
[ ٢ / ٧٩١ ]
خامسًا: جهلهم بالسنة وبمذهب السلف.
كثيرًا ما يحكم شيخ الإسلام ابن تيمية على أهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم بأن معرفتهم بالسنة وأحاديث الرسول - ﷺ - قليلة، وأن خبرتهم بمذهب السلف وأهل السنة والجماعة ضعيفة، ولم يكن شيخ الإسلام يطلق أحكامه تلك بناءً على ظن، أو إلزام، وإنما كان منطلقًا من معرفة تامة بكتب الأشاعرة وغيرهم، واستيعاب عجيب لأقوالهم ومقالاتهم، وتتبع دقيق لكتبهم في المقالات والملل والفرق، وكان شيخ الإسلام قبل هذا كله على دراية بأحكام الكتاب والسنة، واطلاع واسع على حديث الرسول - ﷺ - مع تمييز صحيحه من ضعيفه، كما أن معرفته بأقوال أهل السنة وأحوالهم ورواياتهم ورسائلهم وردودهم وكتبهم، كانت قوية ومتمكنة.
ولذلك جاء نقد شيخ الإسلام للأشاعرة مبينًا على وثائق من كتبهم مع مقارنتها بما في كتب السلف، كما أن مناظرته لخصومه في حياته لا تخلو من بيان مثل هذه الحقائق (١) .
وقد جاءت تعليقات شيخ الإسلام كما يلي:
- تعليق مجمل يبين حال أهل الكلام في ذلك، وأحيانًا يضرب الأمثلة بأكثر من واحد منهم.
- نقد مفصل لكل واحد من أعلام الأشاعرة.
_________________
(١) ذكر ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (٢/٢٣)، في معرض ترجمته لعبد الغني المقدسي وإشارت إلى مناظرته لخصومه، قال - أي ابن رجب - " لقد عقد مرة مجلس لشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية، فتكلم فيه بعض أكابر المخالفين، وكان خطيب الجامع، فقال شيخ شرف الدين عبد الله -أخو الشيخ- كلامنا مع أهل السنة، وأما أنت، فأنا أكتب لك أحاديث من الصحيحين وأحاديث من الموضوعات - وأظنه قال: وكلامًا من سيرة عنتر- فلا تميز بينهما - أو كما قال -فسكت الرجل " وذكر شيخ الإسلام في درء التعارض (٨/٨٩)، في معرض بيانه لجهل الأشاعرة بأقوال ومذهب السف فقال: " حتى أن من قضاتهم وأكابرهم من يحكي أقوال الأئمة الأربعة في مسألة من المسائل الكبار، فإذا قيل له: أهذا نقله أحد عن الشافعي، أو فلان، أو فلان؟ قال: لا، ولكن هذا قاله العقلاء، والشافعي لا يخالف العقلاء، أو نحو هذا الكلام..".
[ ٢ / ٧٩٢ ]
أ - أما النقد المجمل، فإن شيخ الإسلام أشار إلى جهل كثير منهم بالسنة وأحاديث الرسول - ﷺ -، يقول عن المتكلمين: " فإن فرض أن أحدًا نقل مذهب السلف كما يذكره، فإما أن يكون قليل المعرفة بآثار السلف كأبي المعالي، وأبي حامد الغزالي، وابن الخطيب، وأمثالهم، ممن لم يكن لهم من المعرفة بالحديث ما يعدون به من عوام أهل الصناعة، فضلًا عن خواصها، ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف البخاري ومسلمًا وأحادثيهما إلا بالسماع، كما يذكر ذلك العامة، ولا يميزون بين الحديث المفتري المكذوب، وكتبهم أصدق شاهد بذلك ففيها عجائب " (١) .
وفي كتبهم المصنفة في أصول الدين - يحكون الإجماع أو النزاع - ويجهلون مذهب السلف، يقول شيخ الإسام وقد بين بالأدلة وجوب معرفة أقوال السلف في العلم والدين وأن معرفتها أنفع من معرفة أقوال المتأخرين، وإن الاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم - يقول: " وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم، ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم، بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به لا يعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك - من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف - فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو عما يظنونه من الإجماع، وهم لا يعرفون في ذلك قوال السلف البتة، أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرهان فتارةً يحكون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف المتأخرين، طائفة، أو طائفتين، أو ثلاث، وتارة عرفوا أقوال بعض السلف، والأول كثير في مسائل أصول الدين وفروعه، كما تجد كتب أهل الكلام مشحونة بذلك، يحكون إجماعًا ونزاعًا ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك البتة، بل قد يكون قول السلف خارجًا عن أقوالهم، كما تجد ذلك في مسائل أقوال الله وأفعاله وصفاته، مثل مسألة القرآن والرؤية والقدر وغير ذلك " (٢)،
ويقول - بعد نقده لكتب المقالات -: مثل كتب الأشعري والشهرستاني والنوبختي وأبي عيسى الوراق، وأنهم ينقلون
_________________
(١) مجموع الفتاوي (٤/٧١-٧٢) .
(٢) الفرقان بين الحق والباطل، مجموع الفتاوي (١٣/٢٥) ..
[ ٢ / ٧٩٣ ]
أقوال مختلف الطوائف؛ " والقول الذي جاء به الرسول، وكان عليه الصحابة والتابعون أئمة المسلمون لا يعرفونه ولا يذكرونه، بل وكذلك في كتب الأدلة والحجج التي يحتج بها المصنف للقول الذي يقول: إنه الحق، تجدهم يذكرون في الأصل العظيم قولين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك، وينصرون أحدها، ويكون كل ما ذكروه أقوالًا فاسدة، مخالفة للشرع والعقل، والقول الذي جاء به الرسول - وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول - لا يعرفونه، ولا يذكرونه، فيبقى الناظر في كتبهم محائرًا ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه، ولكن قد يستفيد من رد بعضهم على بعض علمه ببطلان تلك المقالمات كلها، وهذا موجود في عامة كتب أهل الكلام والفلسفة، متقدميهم ومتأخريهم إلى كتب الرازي والآمدي ونحوهما " (١) .
والعبارة الأخيرة تدل على أن شيخ الإسلام يعمم حكمه على جميع كتبهم، الفلسفية والكلامية، وليس في هذا مبالغة، فإن كتبهم - ومناهجهم فيها - لا تحمل روح مذهب السلف الصافي، ويكفي المطلع على كتب أهل السنة، وما ألفوه من العقائد الواضحة المبنية على الكتاب والسنة - أن يطلع على واحد من كتب هؤلاء - كالتمهيد، أو الشامل، أو الإرشاد، أو نهاية الإقدام، أو الاقتصاد في الاعتقاد، أو غاية المرام، أو الأربعين للرازي، أو المواقف - ليجد هذا الحكم عادلًا غير جائز.
ويقول شيخ الإسلام- في موضع آخر - جامعًا في الحكم بين كتبهم في المقالات والملل وكتبهم الكلامية: " وقد تدبرت كتب الاختلاف التي يذكر فيها مقالات الناس، إما نقلًا مجردًا، مثل كتاب المقالات لأبي الحسن الأشعري وكتاب الملل والنحل للشهرستاني، ولأبي عيسى الوراق، أو مع انتصار لبعض الأقوال - كسائر ما صنفه أهل الكلام على اختلاف طبقاتهم - فرأيت عامة الاختلاف الذي فيها من الاختلاف المذموم، وأما الحق الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه، وكان عليه سلف الأمة، فلا يوجد فيها في جميع مسائل
_________________
(١) درء التعارض (٩/٦٧-٦٨)، وانظر أيضًا (٧/٣٥-٣٦) .
[ ٢ / ٧٩٤ ]
الاختلاف، بل يذكر أحدهم في المسألة عدة أقوال، والقول الذي جاء به الكتاب والسنة لا يذكرونه، وليس ذلك لأنهم يعرفونه ولا يذكرونه، بل لا يعرفونه، ولهذا كان السلف والأئمة يذمون هذا الكلام، ولهذا يوجد الحاذق المصنف الذي غرضه الحق في آخر عمره يصرح بالحيرة والشك، إذ لم يجد في الاختلافات التي نظر فيها وناظر ما هو حق محض، وكثير منهم يترك الجميع ويرجع إلى دين العامة الذي عليه العجائز والأعراب، كما قال أبو المعالي وقت السياق: لقد خضت البحر الخضم..وكذلك أبو حامد.. والشهرستاني " (١)، وشيخ الإسلام - مع نقده الشديد لهم - يعتذر لهم بأنهم لم يكن قصدهم مخالفة الحق وعدم ذكره، وإنما عدم معرفتهم به هي السبب ولذلك يقول: في موضع آخر من هذا الكتاب: " إن غالب كتب أهل الكلام والناقلين للمقالات ينقلون في أصول الملل والنحل من المقالات ما يطول وصفه، ونفس ما بعث الله به رسوله وما يقوله أصحابه والتابعون لهم في ذلك الأصل الذي حكوا فيه أقوال الناس؛ لا ينقلونه، لا تعمدًا منهم لتركه، بل لأنهم لم يعرفوه، بل ولا سمعوه، لقلة خبرتهم بنصوص الرسول وأصحابه والتابعين " (٢) .
وأهل الكلام إذا نصروا ما هو شائع من أصول أهل السنة والجماعة، - مثل القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، وأن أهل القبلة لا يكفرون بالذنب ولا يخلدون في النار، والشفاعة، وعذاب القبر، والحوض، والخلفاء الأربعة، وغير ذلك - إذا نصروا مثل هذه العقائد لا يكونون منطلقين من منطلق أصول ومنهج السلف، يقول شيخ الإسلام عنهم: " وكثير من أهل الكلام في كثير مما ينصره لا يكون عارفًا بحقيقة دين الإسلام في ذلك، ولا ما جاءت به السنة، ولا ما كان عليه السلف، فينصر ما ظهر من قولهم بغير المآخذ التي كانت مآخذهم في الحقيقة، بل بمآخذ آخر قد تلقوها عن غيرهم من أهل البدع، فيقع في كلام هؤلاء من التناقض والاضطراب والخطأ ما ذم
_________________
(١) منهاج السنة (٣/٦٨) .
(٢) المصدر السابق (٣/٢٠٨) .
[ ٢ / ٧٩٥ ]
به السلف مثل هذا الكلام وأهله.." (١) .
ومن الأمثلة الواضحة التي ذكرها شيخ الإسلام - دليلًا على جهل هؤلاء بمذهب السلف مسألة " القرآن " والخلاف فيها، وقد قدم لذلك بقوله: بعد ذكره للخلاف بين المعتزلة والأشاعرة، " فأخذ هذا بعض صفة الكلام وهذا بعضها، والمتكلم المعروف من قام به الكلام، ومن يتكلم بمشيئته وقدرته، ولهذا يوجد كثير من المتأخرين المصنفين في المقالات والكلام يذكرون في أصل عظيم من أصول الإسلام الأقوال التي يعرفونها، وأما القول المأثور عن السلف والأئمة الذي يجمع الصحيح من كل فلا يعرفونه، ولا يعرفون قائله، فالشهرستاني صنف الملل والنحل وذكر فيها من مقالات الأمم ما شاء الله، والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه ولم يذكره، والقاضي أبو بكر، وأبو المعالي، والقاضي أبو يعلى، وابن الزاغوني، وأبو الحسين البصري، ومحمد ابن الهيصم، ونحو هؤلاء من أعيان الفضلاء المصنفين، تجد الواحد منهم يذكر في مسألة القرآن أو نحوها عدة أقوال للأمة، ويختار واحدًا منها، والقول الثابت عن السلف والأئمة كالإمام أحمد ونحوه من الأئمة لا يذكره الواحد منهم " (٢) .
ثم ذكر شيخ الإسلام أن الجويني في الإرشاد لم يذكر في مسألة كلام الله إلا أربعة أقوال: قول المعتزلة، والكرامية، والكلابية - الذي يرجحه - وقولًا رابعًا نسبه إلى الحشوية وأهل الظاهر، زعم فيه أنهم يقولون إن المسموع من أصوات القراء ونغماتهم عين كلام الله تعالى، وأن القرآن إذا كتب بجسم صار المداد عين كلام الله القديم (٣)، قال شيخ الإسلام معلقًا على ما ذكره في هذا القول: " ومعلوم أن هذا القول لا يقوله عاقل يتصور ما يقول " (٤)، فلم يذكر الجويني القول عن أئمة السلف، فلما جاء الشهرستاني - وهو أعلم
_________________
(١) الإيمان (ص: ٤١٦)، ط المكتب الإسلامي.
(٢) درء التعارض (٢/٣٠٧) .
(٣) انظر: كلام الجويني في الإرشاد (ص:١٢٨-١٣٠)، ونقله شيخ الإسلام في درء التعارض (٢/٣١٠-٣١١) .
(٤) انظر: درء التعارض (٢/٣١١) .
[ ٢ / ٧٩٦ ]
بالمقالات من أخوانه (١) - ذكر قولًا سادسًا نسبه إلى السلف والحنابلة وفصل القول فيه، وذكر فيه قولهم: إن القرآن حروف وأصوات أزلية كما ذكر تفريقهم بين صوت القارئ وكلام الباري (٢)، قال ابن تيمية: " قلت فهذا القول الذي ذكره الشهرستاني وحكاه عن السلف والحنابلة ليس هو من الأقوال التي ذكرها صاحب الإرشاد وأتباعه، فإن أولئك لم يحكوا إلا قول من يجعل القديم عين صوت العبد والمداد، وهذا القول لا يعرف به قائل له قول أو مصنف في الإسلام، وأما القول الذي ذكره الشهرستاني فقال به طائفة كبيرة، وهو أحد القولين لمتأخري أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم من الطوائف، وهو المذكور عن أبي الحسن بن سالم وأصحابه السالمية" (٣)،
ثم قال شيخ الإسلام: " فبعض هذا القول الذي ذكره الشهرستاني عن السلف منقول بعينه عن السلف، مثل إنكارهم على من زعم إن الله خلق الحروف، وعلى من زعم أن الله لا يتكلم بصوت ومثل تفريقهم بين صوت القارئ وبين الصوت الذي يسمع من الله، ونحو ذلك فهذا كله موجود عن السلف والأئمة، وبعض ما ذكره من هذا القول ليس هو معروفًا عن السلف والأئمة، مثل إثبات القدم والأزلية لعين اللفظ المؤلف، ولكن القول الذي أطبقوا عليه: هو أن كلام الله غير مخلوق، ولكن تنازعوا في مرادهم بذلك، والنزاع في ذلك موجود في عامة الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم.. والنزاع في ذلك مبني على هذا الأصل، أنه لم يزل متكلمًا - هل يتعلق بقدرته ومشيئته أم لا؟ فهذا القول السابع لم يذكره الشهرستاني ونحوه، إذا الأقوال المعروفة للناس في مسألة الكلام سبعة أقوال " (٤)، أي من غير قول أهل الحق.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٢/٣١٥) .
(٢) انظر: كلام الشهرستاني في نهاية الإقدام (ص: ٣٠٩-٣١٠، ٣١٣، ٣١٧)، ونقل أغلبه ابن تيمية في درء التعارض (٢/٣١٥-٣٢١) .
(٣) انظر: درء التعارض (٢/٣٢١) ..
(٤) انظر: درء التعارض (٢/٣٢٣) .
[ ٢ / ٧٩٧ ]
فالجويني والشهرستاني لم يعرفا حقيقة مذهب السلف ليحكموا على الوجه الصحيح.
ب - أما نقد شيخ الإسلام المفصل لبعض أعلام الأشاعرة لجهلهم باسنة ومذهب السلف فكثير، ويمكن الإشارة إلى النماذج التالية:
١- قال عن أبي الحسن الأشعري: " لا ريب أن الأشعرية إنما تعلموا الكتاب والسنة من أتباع الإمام أحمد ونحوه بالبصرة وبغداد، فإن الأشعري أخذ السنة بالبصرة عن زكريا بن يحيى الساجي، وهو من علماء أهل الحديث المتبعين لأحمد ونحوه، ثم لما قدم بغداد أخذ عمن كان بها، ولهذا يوجد أكثر ألفاظه التي ذكرها عن أهل السنة والحديث إما ألفاظ زكريا بن يحيى الساجي التي وصف بها مذهب أهل السنة، وإما ألفاظ أصحاب الإمام أحمد وما ينقل عن أحمد ورسائله الجامعة في السنة، وإلا فالأشعري، لم يكن له خبرة بمذهب أهل السنة وأصحاب الحديث، وإنما يعرف أقوالهم من حيث الجملة، لا يعرف تفاصيل أقوالهم وأقوالهم أئمتهم، وقد تصرف فيما نقله عنهم باجتهاده في مواضع يعرفها البصير، وأما خبرته بمقالات أهل الكلام فكانت خبرة تامة على سبيل التفصيل، ولهذا لما صنف كتابه في مقالات الإسلاميين ذكر مقالات أهل الكلام واختلافهم على التفصيل، وأما أهل السنة والحديث فلم يذكر عنهم إلا جملة مقالات مع أن لهم في تفاصيل تلك من الأقوال أكثر مما لأهل الكلام، وذكر الخلاف بين أهل الكلام في الدقيق فلم يذكر النزاع بين أهل الحديث في الدقيق " (١)، ويقول شيخ الإسلام - في موضع آخر - " ومن أجمع الكتب التي رأيتها في مقالات الناس المختلفين في أصول الدين كتاب أبي الحسن الأشعري، وقد ذكر فيه من المقالات وتفصيلها ما لم يذكره غيره، وذكر فيه مذهب أهل الحديث والسنة بحسب ما فهمه عنهم، وليس في جنسه أقرب إليهم منه، ومع هذا نفس القول الذي جاء به الكتاب والسنة وقال به الصحابة والتابعون له بإحسان في القرآن والرؤية والصفات والقدر وغير ذلك من مسائل أصول الدين ليس في كتابه.
_________________
(١) التسعينية (ص: ٢٨٦-٢٨٧) .
[ ٢ / ٧٩٨ ]
وقد استقصى ما عرفه من كلام المتكلمين، وأما معرفة ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وآثار الصحابة فعلم آخر لا يعرفه أحد من هؤلاء المتكلمين المختلفين في أصول الدين، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها متفقين على ذم أهل الكلام " (١) . والأشعري - كما هو معلوم - أقرب بني طائفته إلى مذهب أهل السنة.
٢- ابن فورك، والقاضي أبو يعلى، والقشيري، وقد انتقد هؤلاء لخلطهم في كتبهم بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة، يقول عن ابن فورك وغيره: " ولكن هؤلاء يقرنون بالأحاديث الصحيحة أحاديث كثيرة موضوعة، ويقولون بتأويل الجميع، كما فعل بشر المريسي، ومحمد بن شجاع الثلجي وأبو بكر ابن فورك في كتابه " مشكل الحديث" حتى أنهم يتأولون حديث عرق الخيل (٢)، وأمثاله من الموضوعات " (٣)، ويقول عن القاضي أبي يعلى الحنبلي - الذي يميل إلى الأشاعرة - " وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابه في أبطال التأويلات ردًا لكتاب ابن فورك، وهو وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها، ففيها عدة أحاديث موضوعة " (٤)، ويقول عن القشيري " إن ما يوجد في " الرسالة " وأمثالها من كتب الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي - ﷺ - وغيره من السلف فيه الصحيح والضعيف والموضوع.. وغالب أبواب الرسالة فيها الأقسام الثلاثة " (٥) . وهؤلاء مع جهلهم بالسنة فهم أيضًا يشاركون عموم أهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم في جهلهم بمذهب أهل السنة.
٣- أبو المعالي الجويني، وقد سبق نقل كلام شيخ الإسلام عنه وعن الشهرستاني وغيرهما من أهل الكلام في جهلهم بمذهب أهل السنة، وقد بين
_________________
(١) منهاج السنة (٣/٧٠)، وانظر أيضًا (٣/٧١-٢٠٨)، ومجموع الفتاوي (١٦/٣٠٨)، ودرء التعارض (٧/٣٦) .
(٢) سبق بيان حاله (ص:٧٥١) .
(٣) درء التعارض (٥/٢٣٦) .
(٤) المصدر السابق (٥/٢٣٧) .
(٥) مجموع الفتاوي (١٠/٦٨٠)، والكلام نفسه في الاستقامة (٢/٦٩) .
[ ٢ / ٧٩٩ ]
في التسعينية جهل الجويني بالسنة وأقوال سلف الأمة فيقول في معرض مناقشته له حول الصفات الخبرية وغيرها: " وأبو المعالي يتكلم بمبلغ علمه في هذا الباب وغيره، وكان بارعاُ في فن الكلام الذي يشترك فيه أصحابه والمعتزلة - وإن كانت المعتزلة هم الأصل فيه - لكثرة مطالعته لكتب أبي هاشم ابن الجبائي، فأما الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وقول أئمتها فكان قليل المعرفة بها جدًا، وكلامه في غير موضع يدل على ذلك، ولهذا تجده في عامة مصنفاته في أصوله وفروعه إذا اعتمد على قاطع فإنما هو ما يدعيه من قياس عقلي أو إجماع سمعي، وفي كثير من ذلك ما فيه، فأما الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها فهو قليل الاعتماد عليها والخبرة بها " (١)، ثم ذكر مثالًا في رده على الآجري، وبيان أبي عبد الله القرطبي ما في رد الجويني على الآجري من التحامل، ثم ناقش شيخ الإسلام كلام الجويني من وجوه عديدة (٢)،
ثم قال: " ومن العجب أن الآجري يروي في كتاب الشريعة له من طريق مالك والثوري والليث وغيرهم، فلو تأمل أبو المعالي وذووه الكتاب الذي أنكروه لوجدوا فيه مايخصهم، ولكن أبو المعالي مع فرط ذكائه وحرصه على العلم وعلو قدره في فنه، كان قليل المعرفة بالآثار النبوية، ولعله لم يطالع الموطأ بحال حتى يعلم ما فيه، فإنه لم يكن له بالصحيحين -البخاري ومسلم - وسنن أبي داود والنسائي والترمذي، وأمثال هذه السنن علم أصلًا، فكيف بالموطأ ونحوهن وكان مع حرصه على الاحتجاج في مسائل الخلاف في الفقه إنما عمدته سنن أبي الحسن الدارقطني، وأبو الحسن مع تمام إمامته في الحديث فإنه إنما صنف هذه السنن كي يذكر فيها الأحاديث المستغربة في الفقه، ويجمع طرقها، فإنها هي التي يحتاج فيها إلى مثله، فإما الأحاديث المشهورة في الصحيحين وغيرهما فكان يستغني عنها في ذلك، فلهذا كان مجرد الاكتفاء بكتابه في هذا الباب يورث جهلًا عظيمًا بأصول الإسلام، واعتبر ذلك بأن كتاب أبي المعالي الذي هو نخبة عمره: " نهاية المطلب في دراية المذهب " ليس فيه حديث واحد معزو إلى صحيح البخاري إلا حديث واحد
_________________
(١) التسعينية (ص: ٢٤٣-٢٤٤) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص: ٢٤٤-٢٥١) ..
[ ٢ / ٨٠٠ ]
في البسملة، وليس ذلك الحديث في البخاري كما ذكره، ولقلة علمه وعلم أمثاله بأصول الإسلام اتفق أصحاب الشافعي على أنه ليس لهم وجه (١)
في مذهب الشافعي، فإذا لم يسوغ أصحابه أن يعتد بخلافهم في مسألة منم فروع الفقه، كيف يكون حالهم في غير هذا؟ وإذا اتفق أصحابه على أنه لا يجوز أن يتخذ إمامًا في مسألة واحدة من مسائل الفروع، فكيف يتخذ إمامًا في أصول الدين، مع العلم بأنه إنما نيل قدره عند الخاصة والعامة بتبحره في مذهب الشافعي - ﵁ - لأن مذهب الشافعي مؤسس على الكتاب والسنة، وهذا الذي ارتفع به عند المسلمين، غايته فيه أنه يوجد منه نقل جمعه، أو بحث تفطن له، فلا يجعل إمامًا فيه كالأئمة الذين لهم وجوه (٢)، فكيف بالكلام الذي نص الشافعي وسائر الأئمة على أنه ليس بعد الشرك بالله ذنب أعظم منه، وقد بينا أن ما جعله أصل دينه في الإرشاد والشامل وغيرهما هو بعينه من الكلم الذي نصت عليه الأئمة " (٣) . والجويني - كما سبق بيانه في ترجمته وبيان منهجه - من أعظم الأشاعرة أثرًا في نقل المذهب الأشعري إلى التأويل في الصفات والقرب من مذاهب المعتزلة.
٤- الغزالي: قال الغزالي عن نفسه: " بضاعتي في علم الحديث مزجاة " (٤)، وكثيرًا ما يشير شيخ الإسلام إلى هذه الشهادة التي شهد بها على نفسه، ويقول عنه: " وأبو حامد ليس له من الخبرة بالآثار النبوية والسلفية ما لأهل المعرفة بذلك، الذين يميزون بين صحيحه وسقيمه، ولهذا يذكر في كتبه من الأحاديث والآثار الموضوعة والمكذوبة ما لو علم أنها موضوعة لم يذكرها" (٥)، ويقول عنه أيضًا: - بعد ذكره لطريقة الصحابة وأن التابعين
_________________
(١) الوجه والأوجه عند فقهاء الشافعية: ما نسب إلى أصحاب الشافعي من كل مجتهد متقيد بمذهب الإمام، يخرجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، ويجتهدون في بعضها وأن لم يأخذوه من أصله، واختلفت الشافعية هل ينسب الوجه إلى الشافعي، قال النووي وغيره: الأصح أنه لا ينسب. انظر: المجموع للنووي (١/٧٨،١١١)، - ت المطيعي، ونهاية المحتاج (١/٤٨) ..
(٢) التسعينية (ص: ٢٥٠-٢٥١) .
(٣) قانون التأويل (ص: ٢٤٦)، في ذيل معارج القدس.
(٤) انظر مثلًا: نقض التأسيس المخطوط (٣/٩٩-١٠٠)، ودرء التعارض (١/٥)، ومجموع الفتاوي (٣٥-١٧٦) .
(٥) درء التعارض (٧/١٤٩)،
[ ٢ / ٨٠١ ]
لهم بإحسان من أهل الحديث والسنة وكانوا معظمين لهم - " فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين لم يذكرهمن أبو حامد، وذلك لأن هؤلاء لا يعرف طريقهم إلا من كان خبيرًا بمعاني القرآن خبيراُ بسنة رسول الله - ﷺ - خبيرًا بآثار الصحابة، فقيهًا في ذلك عاملًا بذلك، وهؤلاء هم أفضل أهل الخلق منم المنتسبين إلى العلم والعبادة، وأبو حامد لم ينشأ بين من كان يعرف طريقة هؤلاء، ولاتلقى عن هذه الطبقة، ولا كان خبيرًا بطريقة الصحابة والتابعين، بل كان يقول عن نفسه: أنا مزجى البضاعة في الحديث، ولهذا يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة والحكايات الموضوعة ما لا يعتمد عليه من له علم بالآثار " (١)، ولجهل الغزالي والرازي بمذهب السلف اعتمد عليه الأخير في نقل مذهب السلف في الصفات وأنه إما التأويل وإما التفويض (٢) .
٥- الشهرستاني: وقد سبقت الإشارة إلى نقد ابن تيمية له، وقد قال فيه: " والشهرستاني لا خبرة له بالحديث وآثار الصحابة والتابعي، ولهذا نقل في كتابه هذا ما ينقل من اختلاف غير المسلمين واختلاف المسلمين، ولم ينقل مع هذا مذهب الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في الأصول الكبار، لأنه لم يكن يعرف هذا وهو وأمثاله من أهل الكلام" (٣) .
٦- الفخر الرازي: يقول عنه شيخ الإسلام: " ليس في كتبه - وكتب أمثاله - في مسائل أصول الدين الكبار القول الصحيح الذي يوافق المنقول والمعقول، الذي بعث الله به الرسول، وكان عليه سلف الأمة وأئمتها، بل يذكر بحوث المتفلسفة الملاحدة " (٤)، ويقول عنه أيضًا: " والرازي لم يكن له خبرة بأقوال طوائف المسلمين " (٥)، بل إنه يذكر في تفسيره أحيانًا أقوالًا كلها باطلة ولا يذكر القول الحق (٦) .
_________________
(١) شرح الأصفهانية (ص: ١٢٨) .
(٢) انظر: نقض التأسيس المخطوط (٢/٣٥٨) .
(٣) منهاج السنة (٣/٢١٤)، وانظر أيضًا (٣/٢٠٨-٢٠٩) .
(٤) تفسير سورة الإخلاص، مجموع الفتاوي (١٧/٢٤٧) .
(٥) انظر: منهاج السنة (٢/٣٠٦)، المحققة.
(٦) انظر: منهاج السنة (٣/١١٠)، وانظر أيضًا: درء التعارض (٩/٢٥٤، ٢٦٠-٢٦٢)، نقض التأسيس المخطوط (٢/٣٥٧-٣٥٨)، مجموع الفتاوي (٤/٦٢-٦٣)، منهاج السنة (٣/٦٨-٦٩،١٠٩) .
[ ٢ / ٨٠٢ ]
سادسًا: إرجاع أقوالهم المخالفة لمذهب أهل السنة إلى أصول الفلاسفة والجهمية والمعتزلة.
مما سبق تبينت بعض الأصول في نقد ابن تيمية للأشاعرة وهي:
- عدم اعتمادهم أساسًا على الكتاب والسنة.
- خوضهم في علم الكلام المذموم.
- اعتقادهم أن مذهب الخلف أعلم وأحكم من مذهب السلف.
- جهلهم بالسنة وبمذهب السلف وبعدهم عنه.
ولا شك أن تحقق هذه الأمور فيهم يدل على أنهم في أقوالهم وكتبهم قد اعتمدوا على أصول ومناهج وطرق بعيدة عن الكتاب والسنة ومذهب أهل السنة والجماعة، ولذلك ركز شيخ الإسلام -في نقده لهم - على إرجاع أقوالهم إلى أصولها الفلسفية والاعتزالية والجهمية.
وقد كان منهج شيخ الإسلام في ذلك كما يلي:
أ - بيان الأصول المختلفة التي ترجع إليها أقوال هؤلاء، وقد بنى هذا على التطور الذي حدث للمذهب الأشعري، حين بدأ متأثرًا ببعض أصول المعتزلة، ثم زاد ليشمل أصولًا أخرى لهم، ثم زاد ليكون التأثر بالفلاسفة أيضًا، يقول شيخ الإسلام - مرتبًا هذا التأثر من الأعلى إلى الأدنى - وهو يتكلم عن الفخر الرازي: " ولهذا يوجد في كلام هذا وأبي حامد ونحوهما من الفلسفة ما لا يوجد في كلام أبي المعالي وذويه، ويوجد في كلام هذا وأبي المعالي وأبي حامد من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقه، ويوجد في ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة مالا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة، وإذا كان الغلط شبرًا صار في الاتباع ذراعًا ثم باعًا،
[ ٢ / ٨٠٣ ]
حتى آل هذا المآل، فالسعيد من لزم السنة " (١)، ويقول عن ابن كلاب وإثباته العلو وقوله عن النفاة: " إذا قالوا ليس هو فوق وليس هو تحت فقد أعدموه، لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم "، قال شيخ الإسلام معلقًا: " وهذا كله يناقض قول هؤلاء الموافقين للمعتزلة والفلاسفة من متأخري الأشعرية ومن وافقهم من الحنبلية والمالكية والحنفية والشافعية وغيرهم من طوائف الفقهاء الذين يقولون: ليس هو تحت وليس هو فوق " (٢)،
وأحيانًا يعرض للمصادر المختلفة للعلم الواحد من أعلامهم، يقول عن الرازي: " أبو عبد الله الرازي غالب مادته في كلام المعتزلة ما يجده في كتب أبي الحسن البصري وصاحبه محمود الخوارزمي، وشيخه عبد الجبار الهمذاني ونحوهم، وفي كلام الفلاسفة: ما يجده في كتب ابن سينا وأبي البركات ونحوهما، وفي مذهب الأشعري: يعتمد على كتب أبي المعالي كالشامل ونحوه، وبعض كتب القاضي أبي بكر وأمثاله، وهو ينقل أيضًا من كلام الشهرستاني وأمثاله " (٣)، وفي موضع آخر يذكر أن مادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني أيضًا (٤)، ويذكر أيضًا أن فيه تجهمًا قويًا وميلًا للدهرية والفلاسفة (٥) .
ب - إرجاع أقوالهم تفصيلًا إلى طائفة من الطوائف المنحرفة ومنها:
١- الجهمية:
يقوم مذهب الجهمية على عدة أصول منحرفة أبرزها: نفي الأسماء والصفات، والجبر، والإرجاء (٦)، وتأثر الأشاعرة بهم جاء في هذه الأمور،
_________________
(١) السبعينية (ص: ١٠٨) .
(٢) درء التعارض (٦/١٢٢)، وانظر: شرح الأصفهانية (ص: ٧٨) ..
(٣) درء التعارض (٢/١٥٩) .
(٤) انظر: السبعينية (ص: ١٠٧) .
(٥) انظر: نقض التأسيس المطبوع (١/١٢٢) .
(٦) انظر في أقوال ومذهب الجهمية: مقالات الإسلاميين (ص: ٢٧٩) - ريتر، والتنبيه للملطي (ص:٩٦)، والفرق بين الفرق (ص: ٢١١)، والملل والنحل للبغدادي (ص: ١٤٥)، وللشهرستاني (١/٨٦)، والتبصير بالدين للأسفراييني (ص: ٩٦)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص: ٦٨)، النشار، والبرهان للسكسكي (ص: ١٧)، والمنية والأمل (ص: ١٠٧)، ت جواد مشكور، والفرق الإسلامية، ذيل شرح المواقف للكرماني (ص: ٨٩)، وغيرها.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
أما بالنسبة لمسألة القدر والإيمان فواضح، وأما الصفات فمن المعلوم أن المعتزلة تأثروا فيها بالجهمية، ولذلك يسمون - في هذا الباب - بالجهمية، والأشاعرة تأثروا بالمعتزلة في نفيهم لكثير من الصفات.
يقول شيخ الإسلام عن الأشاعرة: " والأشعري وأمثاله، برزخ بين السلف والجهمية، أخذوا من هؤلاء كلامًا صحيحًا، ومن هؤلًا أصولًا عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة، فمن الناس من مال إليه من الجهة السلفية، ومن الناس من مال إليه من الجهة البدعية الجهمية كأبي المعالي وأتباعه " (١)، وفي موضع آخر يحدد شيخ الإسلام هذه الأصول، فيقول عن الجويني: " والأصول التي يقررها هي أصول جهمن بن صفوان في الصفات والقدر والإرجاء، وقد ظهر ذلك في اتباعه كالمدعي المغربي في مرشدته وغيره، فإن هؤلاء في القدر يقولون بقول جهم يميلون إلى الجبر، وفي الإرجاء بقول جهم أيضًا، لأن الإيمان هو المعرفة، وأما الصفات فيهم يخالفون جهمًا والمعتزلة، فهم يثبتون الصفات في الجملة، لكن جهم والمعتزلة حقيقة قولهم نفي الذات والصفات وإن لم يقصدوا ذلك ولم يعتقدوه، وهؤلاء حقيقة قولهم إثبات صفات بلا ذات، وإن يعتقدوا ذلك ويقصدوه، ولهذا هم متناقضون لكن هم خير من المعتزلة، ولهذا إذا حقق قولهم لأهل الفطر السليمة يقول أحدهم، فيكون الله شبحًا، وشبحه خيال الجسم، مثل ما يكون من ظله على الأرض، وذلك هو عرض، فيعلمون أن من وصف الرب بهذه الأسلوب، مثل قولهم: لا داخل العالم ولا خارجه ونحوه، فلا يكون الله على قوله شيئًا، قائمًا بنفسه، موجودًا، بل يكون كالخيال الذي يشبحه الذهن من غير
_________________
(١) مجموع الفتاوي (١٦/٤٧١) .
[ ٢ / ٨٠٥ ]
أن يكون ذلك الخيال قائمًا بنفسه، ولا ريب أن هذا حقيقة قول هؤلاء الذين يزعمون أنهم ينزهون الرب بنفي الجسم وما يتبع ذلك، ثم إنهم مع هذا النفي، إذا نفوا الجسم وملازيمه وقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، فيعلم أهل العقول أنهم لم يثبتوا شيئًا قائمًا بنفسه موجودًا" (١)،
ويلاحظ في هذا النص لشيخ الإسلام كيف بين أن متأخري الأشعرية نفاة العلو، والصفات الخبرية، يؤول قولهم إلى قول الجهمية نفاة الأسماء والصفات، لأنهم إذا قالوا: إن الله ليس بجسم، ثم قالوا: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، فكأنهم أعدموه وهذا وجه شبههم بالجهمية.
أما في المسألة القدر: فيقول شيخ الإسلام عن الصوفية وموافقتهم للجهمية في القدر والميل إلى الجبر - " وهو قول الأشعري وأتباعه، وكثير من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة، ومن أهل الحديث والصوفية، فإن هؤلاء أقروا بالقدر موافقة للسلف وجمهور الأئمة، وهم مصيبون في ذلك، وخالفوا القدرية من المعتزلة وغيرهم في نفي القدر، ولكن سلكوا في ذلك مسلك الجهم بن صفوان وأتباعه " (٢)، ولكنهم مع موافقتهم له" نازعوه في بعض ذلك نزاعًا لفظيًا أتوا بما لا يعقل" (٣)، كما أن الأشاعرة وافقوا الجهمية في الحسن والقبح وكونه مأمورًا أو محظورًا (٤)، كما وافقوهم في نفي التعليل (٥)، وفي مسألة المشيئة والإرادة وهل هي بمعنى المحبة فإن الجهمية قالت: " هو يشاء ذلك فهو يحبه ويرضاه، وأبو الحسن وأكثر أصحابه وافقوا هؤلاء، فذكر أبو المعالي الجويني أن أبا الحسن أول من خالف السلف في هذه المسألة، ولم يفرق بين المشيئة
_________________
(١) التسعينية (ص: ٢٥٥-٢٥٦) ..
(٢) مجموع الفتاوي (٨/٣٣٩-٣٤٠) .
(٣) منهاج السنة (١/٣٢٦)، المحققة، وانظر: مجموع الفتاوي (٨/٢٣٠) .
(٤) انظر: مجموع الفتاوي (٨/٢٣١) .
(٥) انظر: منهاج السنة (١/٩٤-٩٥)، المحققة.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
والمحبة والرضا " (١) .
وأما الإيمان فيقول شيخ الإسلام: " الإيمان مجرد تصديق القلب، وإن لم يتكلم به هذا قول جهم ونصره الأشعري وأصحابه، ولكن قالوا مع ذلك: إن كل من حكم الشارع بكفره حكمنا بكفره، واستدللنا بتكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة " (٢)، وفي موضع آخر يوضح مدى تأثر الأشاعرة بالجهمية في الإيمان فيقول: " وأما الأشعري فالمعروف عنه وعن أصحابه أنهم يوافقون جهمًا في قوله في الإيمان، وأنه مجرد التصديق القلب أو معرفة القلب، لكن قد يظهرون مع ذلك قول أهل الحديث ويتأولونه ويقولون بالاستثناء على الموافاة، فليسوا موافقين لجهم من كل وجه" (٣)، ويذكر أن الباقلاني نصر قول جهم في مسألة الإيمان متابعة للأشعري، وكذلك أكثر أصحابه (٤)، ويذكر في شرح الأصفهانية أن المتأخرين من أصحاب الأشعري وافقوا الجهم في مسألة الإيمان (٥) .
والسؤال الذي يرد هنا هو أنه قد يلحظ أن الأشعرية يوافقون الجهمية في بعض الأصول كالإيمان والقدر وكثير من فروع مسائله فلماذا؟ ويمكن أن يقال في الجواب بأن الأشعري - وقد فرّ من مذهب المعتزلة بعد أن اعتنقه زمنًا طويلًا - كان هاربًا من المعتزلة ومن كل ما جاؤوا به من عقائد، فصار يعارضهم في جميع عقائدهم، فلما كانوا في الإيمان وعيدية يخلدون في النار مرتكب الكبيرة، فرّ إلى المرجئة ظنًا منه أنه قول السلف، وكذلك لما كانوا قدرية ينكرون القدر قال بضد قولهم فمال إلى الجبر. والله أعلم.
_________________
(١) مجموع الفتاوي (٨/٤٧٤-٤٧٥)، وانظر أيضًا (٨/٢٣٠) .
(٢) الفرقان بين الحق والباطل، مجموع الفتاوي (١٣/٤٧) .
(٣) النبوات (ص: ١٩٩) .
(٤) انظر: الإيمان (ص:١١٤)، -ط المكتب الإسلامي، وانظر أيضًا (ص: ٣٨٥) .
(٥) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ١٤٣) .
[ ٢ / ٨٠٧ ]
٢- المعتزلة:
يقوم مذهب المعتزلة على الأصول الخمسة المعروفة، وقد تفرعت عنها الأقوال التي اشتهروا بها كنفي القدر، ونفي الصفات، والقول بخلق القرآن، وإنكار الرؤية، وغيرها (١)،
والأشعري وأصحابه خالفوا المعتزلة في كثير من أصولهم، وردوا عليهم ردودًا طويلة، وصات مخالفة المعتزلة عندهم من الأمور التي يوردونها ويركزون عليها في جميع كتبهم تقريبًا.
_________________
(١) لابد من الانتباه إلى أن هناك تداخلًا بين مذهبي المعتزلة والجهمية نظرًا لاتفاقهما في مسألة خلق القرآن وإنكار الصفات والرؤية، وكثير من السمعيات، واختلافهما في مسألة: القدر، والإيمان، ولتوضيح هذه المسألة يمكن الإشارة إلى ما يلي:
(٢) كانت بدعة القدرية من أوائل البدع ظهورًا، حيث ظهرت في عهد الصحابة وأول من قال بها معبد الجهني الذي قتله الحجاج سنة ٨٠هـ تقريبًا، وكان قد نشأ في المدينة المنورة ثم انتقل إلى البصرة، وقد رد الصحابة كابن عمر وابن عباس على هؤلاء ثم جاء بعد الجعد غيلان الدمشقي الذي توفي بعد سنة ١٠٥هـ، وكان من قوله بالقدر على مذهب المرجئة (انظر: مقالات الأشعري ص: ١٣٦-١٣٧، سنة ١٠٥هـ، وهؤلاء القدرية هم شيوخ المعتزلة في باب القدر، وذلك أنه لما حدثت بدعتهم أوائل المئة الثانية وكانت تقوم على مسألة الإيمان والمنزلة بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد، ضموا إلى ذلك القول بالقدر لتناسبه مع التكليف وانفاذ الوعيد، ويلاحظ أن غيلان الدمشقي من شيوخ المعتزلة في القدر فقط أما الإيمان فهم على الضد منه.
(٣) أول من قال بخلق القرآن وإنكار الصفات الجعد بن درهم، قتل نحو سنة ١١٨هـ، وتبعه على ذلك الجهم بن صفوان الذي قتل أيضًا سنة ١٢٨هـ، وعاش بسمرقند وترمذ، وقد ضم الجهم إلى قوله بذلك القول الجبر، والإرجاء الغالي، وقوله في هذين الأمرين على الضد من قول المعتزلة.= =٣- نشأت المعتزلة على يد واصل بن عطاء - ت ١٣١هـ، وعمرو بن عبيد ت ١٤٤هـ، وكان ذلك زمن الحسن البصري الذي توفي سنة ١١٠هـ، ومعنى ذلك أن نشأتهم كان أوائل المئة الثانيةن وقد أورد البعض أن هناك نوع مراسلات بين واصل والجهم، ولم يلتقيا، وقد ذكر الإمام أحمد في الرد على الزنادقة (ص:٦٦-٦٧ ضمن عقائد السلف) أن ممن تبع الجهم في أقواله في نفي الصفات أصحاب عمرو بين عبيد بالبصرة، وقد كان واصل يقول أيضًا بالقدر، إضافة إلى مسألة المنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، ولكن مصطلح الأصول الخمسة لم يوجد إلا في عهد بشر بن المعتمر المعتزلي ت ٢١٠ تقريبًا، (كما أشار إلى ذلك الملطي في التنبيه ص٣٨) .
(٤) مما سبق يلاحظ كيف أن غيلان الدمشقي شيخ المعتزلة في القدر. أما في الإيمان فهو مرجئ موافق للجهم، وأن الجهم بن صفوان تأثر به المعتزلة في الصفات، حتى غلب عليهم اسم الجهمية، بينما هم مخالفون له في القدر والإيمان، ومما يوضح هذا أن بشرًا المريس ت ٢١٨هـ، الذي رد عليه أئمة السنة، والذي تأثر بتأويلاته وتجهمه المعتزلة وبعض الأشاعرة كان في مسألة الإيمان على مذهب المرجئة (انظر: مقالات الأشعري ص: ١٤٠-١٤٩)، ومثله أحمد بن أبي داؤد فإنه جمع في المحنة أنصاره الجهمية من المعتزلة وغيرهم.
(٥) كانت محنة الإمام أحمد وأهل السنة مع جنس الجهمية -ومنهم المعتزلة، وليست مع المعتزلة فقط - ولذلك رد عليهم الإمام أحمد والدارمي وغيرهما وسموهم بالجهمية، لأن كل معتزلي فهو جهمي في الصفات، وليس كل جهمي معتزليًا (انظر: رسالة القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة - رسالة ماجستير (ص؟: ١٦٠-١٦٦) ط على الآلة الكاتبة. (وانظر: فيما سبق أيضًا: المنية والأمل ص ١٢٢ وما بعدها، ت مشكور، ونشأة الفكر الفلسفي للنشار ١/٣١٤، وما بعدها، وعمرو بن عبيد وآراؤه الكلامية ص ٨٨ وما بعدها، وانظر أيضًا: الحسنة والسيئة لشيخ الإسلام ابن تيمية -مجموع الفتاوي ١٤/٣٤٧ وما بعدها) .
[ ٢ / ٨٠٨ ]
وشيخ الإسلام مع تسليمه بهذا يقر في كتبه أن الأشاعرة تتلمذوا وتأثروا بالمعتزلةن وسلموا لهم بعض الأصول المخالفة لمذهب أهل السنة، وليس في هذا تناقض لأن الأصول التي سلموها غير الأصول التي ردوها، وقد أوضح شيخ الإسلام هذا الأمر فقال تعليقًا على قول خلف المعلم المالكي: " أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع، وثبت على الأصول"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " قلت: ليس مراده بالأصول ما أظهروه من مخالفة السنة، فإن الأشعري مخالف لهم فيما أظهروه من مخالفة السنة، كمسألة الرؤية، والقرآن، والصفات.
ولكن أصولهم الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة، مثل هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع، فإن هذا أصل من أصولهم، كما قد بينا كلام أبي الحسن البصري وغيره في ذلك، وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة كلامها في أصول الدين، هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري، لكنه مخالف لهم في كثير من لوازم ذلك وفروعه، وجاء كثير من أتباعه المتأخرين كأتباع صاحب الإرشاد، فأعطوا الأصول - التي سلمها للمعتزلة- حقها في اللوازم، فوافقوا المعتزلة على موجبها، وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه، فنفوا الصفات الخبرية، ونفوا العلو، وفسروا الرؤية بمزيد علم لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع المجسمة، وكذلك قالوا في القرآن: إن القرآن الذي قالت المعتزلة: إنه مخلوق نحن نوافقهم على خلقه، ولكن ندعي ثبوت معنى آخر وأنه واحد قديم، والمعتزلة تنكر تصور هذا بالكلية، وصارت
[ ٢ / ٨٠٩ ]
المعتزلة والفلاسفة مع جمهور العقلاء يشننعون عليهم بمخالفتهم لصريح العقل، ومكابرتهم للضرورياتن وسبب ذلك تسليمهم لهم صحة تلك الأصول، التي ذكر الأشعري أنها مبتدعة في الإسلام" (١)، فقد أوضح شيخ الإسلام عدة حقائق في هذه المسألة:
- أن الأشعري خالف المعتزلة في مسائلهم الكبار التي خالفوا فيها أهل السنة وأهمها: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإثبات الصفات، والرؤية، وغيرها من السمعيات كالشفاعة في أهل الكبائر وعذاب القبر ونعيمه وغيرها.
- أن الأِشعري مع ذلك مسلم لهم بعض الأصول العقلية مثل دليل حدوث الأجسام الذي جاءوا بهن ولكن الأشعري مع قوله بصحة هذا الدليل إلا أنه خالف المعتزلة في أمرين:
أحدهما: بيانه أنه يمكن الاستغناء عن هذا الدليل لإثبات الصانع وحدوث العالم، وأن الرسل لم يدعوا إلى هذا الدليل لغموضه ووعورة مسلكه.
والثاني: أنه لم يلتزم لوازمه وفروعه، مثل إنكار العلو، ونفي كل صفة دلت على التجسيم حسب مصطلحهم، بل خالفهم الأشعري في ذلك فأثبت لله صفة العلو، والاستواء، كما أثبت الصفات الخبرية كالوجه واليد والعين.
- أن متأخري الأشعرية خالفوا إمامهم الأشعري وأصحابه، ووافقوا المعتزلة وذلك من خلال أمرين:
أحدهما: حصرهم دليل إثبات الصانع وحدوث العالم بدليل حدوث الأجسام الذي جاءت به المعتزلة، وقولهم بأن بطلانه يؤدي إلى بطلان دليل حدوث العالم، فيؤدي هذا إلى القول بقدم العالم وهو قول الفلاسفة والدهرية وهو كفر صراح.
الثاني: وهو مرتب على الأول، أن هؤلاء المتأخرين أعطوا أصول المعتزلة التي سلموها لهم حقها من اللوازم، فنفوا العلو والصفات الخبرية، وفسروا الرؤية بما يتوافق مع نفي العلو، وكذلك القرآن قالوا فيه قولًا لا يناقض قول المعتزلة
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٢٣٦-٢٣٨) .
[ ٢ / ٨١٠ ]
القائلين بخلق القرآن.
وهؤلاء بذلك يكونون قد قربوا من المعتزلة كثيرًا.
وقد أورد شيخ الإسلام في نقض التأسيس سؤالًا مهمًا حول هذا الموضوع ومضمونه: إنه إذا كانت مسألة العلو- ودلائلها من الكتاب والسنة والإجماع، والفطرة والعقل - أظهر من أدلة " الرؤية " فلماذا أقر متأخرو الأشعرية بهذه وأنكروا تلك، مع أن المسألتين من مقالات المعتزلة التي خالفوا فيها أهل السنة؟ وقد أجاب شيخ الإسلام- بعد إن أورد السؤال مختصرًا - بقوله: " قيل: سببه أن الجهمية كانت متظاهرة بدعوى خلق القرآن، وإنكار الرؤية، ولم تكن متظاهرة بإنكار العلو.. فكان الذين يناظرونهم من متكلمة إثبات الصفة كأبي سعيد ابن كلاب، وأبي الحسن الأشعري وأصحابهما، فظهر من مخالفتهم لهم في هاتين المسألتين (١)، بسبب ظهور الخلاف فيهما ما لا يظهر فيما يخفونه من المسائل، ومع هذا فقد كان أولئك يخالفونهم أيضًا في إنكار أن الله فوق العرش.. لكن لم يأتوا في مناظرتهم بما يقطع مادة التجهم ويقلع عروقه، بل سلموا لهم بعض الأصول التي بنوا عليها التجهم، ومباحثهم في مسألة حدوث العالم، والكلام في الأجسام والأعراض، وهو من الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، حتى قال محمد بن حويز منداد: أهل البدع والأهواء عند مالك وأصحابه هم أهل الكلام، فكل متكلم في الإسلام فهو من أهل البدع والأهواء؛ أشعريًا كان أم غير أشعري (٢)، وذكر ابن خزيمة وغيره أن الإمام أحمد كان يحذر مما ابتدعه عبد الله بن سعيد بن كلاب وعن أصحابه كالحارث، وذلك لما علموه في كلامهم من المسائل والدلائل الفاسدة، وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث..".
_________________
(١) أي مسألة: خلق القرآن، وإنكار الرؤية.
(٢) نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٨٦-٨٨) .
[ ٢ / ٨١١ ]
"
فلما كان الأمر كذلك جاء بعض المتأخرين من أتباعهمن فنظروا في الأصول التي وافقوا فيها الجهمية، وأخذوا لوازمها.. وكان أبو المعالي كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، فصار هو وغيره يقودون الأصول التي وافق قدماؤهم فيها المعتزلة فرأوا أن من لوازمها نفي أن يكون الله على العرش، فتظاهروا بإنكار ذلك موافقة للمعتزلة، ولم يكن الخلاف في ذلك مع المعتزلة من المسائل المشهورة لما قدمناه، وأما مسألة الرؤية والقرآن فهي من شعائر المذهبين، فجعلوا ينصبون الخلاف مع المعتزلة في مسألة الرؤية، ويسلمون لهم نفي علو الله على العرش، وهذا عكس الواجب " (١) .
فمن هذا التحليل الدقيق الذي بناه شيخ الإسلام على التفريق بين متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم، وأن المتقدمين لما ردوا على المعتزلة في المسائل المشهورة لم ينطلقوا من منهج السلف الخالص، وإنما ردوا عليهم ببعض الأصول الكلامية التي سلموها لهم، فلما جاء المتأخرون - وكان تأثرهم ومطالعتهم لكتب المعتزلة أقوى- التزموا لوازم تلك الأصول الفاسدة فنفوا العلو والصفات الخبرية ووافقوا المعتزلةفي كثير من المسائل، أو على الأقل لم يصبح الخلاف كبيرًا وقويًا كما كان في السابق.
وقد شرح شيخ الإسلام بعض هذه الأصول التي تبعوا فيها المعتزلة فقال مخاطبًا الأشاعرة: " وبالجملة فعامة ما ذمه السلف والأئمة وعابوه على المعتزلة من الكلام المخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم، لكم منه أوفر نصيب، بل تارة تكونون أشد مخالفة لذلك من المعتزلة، وقد شراكتموهم في أصول ضلالهم التي فارقوا بها سلف الأمة وأئمتها ونبذوا بها كتاب اله وراء ظهورهم، فإنهم لا يثبتون شيئًا من صفات الله تعالى، ولا ينزهونه عن شيء بالكتاب والسنة. والإجماع موقوف على العلم وبذلك، والعلم بذلك لا يحصل به لئلا يلزم الدور، فيرجعون إلى مجرد رأيهم في ذلك، وإذا استدلوا بالقرآن كان ذلك على وجه الاعتضاد والاستشهاد لا على وجه الاعتماد والاعتقاد، وما خالق قولهم تأولوه على مقتضى آرائهم، واستخفوا بالكتاب والسنة، وسموها ظواهر،
_________________
(١) نقض التأسيس -مطبوع - (٢/٨٦-٨٨) .
[ ٢ / ٨١٢ ]
وإذا استدلوا على قولهم بمثل قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (الأنعام:١٠٣)، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، أو قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤)، ونحو ذلك، لم تكن هذه النصوص هي عمدتهم، ولكن يدفعون بها عن أنفسهم عند المسلمين، وأما الأحاديث فلا حرمة لها عندهم، بل تارة يردونها بكل طريق ممكن، وتارة يتأولونها، ثم يزعمون أن ما وضعوه برأيهم قواطع عقلية، وأن هذه القواطع العقلية ترد لأجلها نصوص الكتاب والسنة إما بالتأويل وإما بالتفويض وإما بالتكذيب " - قال شيخ الإسلام بعد ذكره لهذه الأصول الاعتزالية، مخاطبًا الأشاعرة: " وأنتم شركاؤهم في هذه الأصول كلها، ومنهم أخذتموها، وأنت فروخهم فيها، كما يقال: الأشعرية مخانيث المعتزلة، والمتعزلة مخانيث الفلاسفة (١)،
لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة ونفرت القلوب عنه صرتم تظهرون الرد عليهم في بعض المواضع مع مقاربتكم أو موافقتكم لهم في الحقيقة " (٢)، ثم يذكر شيخ الإسلام بعض الأمور التي شابه فيها الأشاعرة المعتزلة فيقول: " وهم سموا أنفسهم أهل التوحيد لاعتقادهم أن التوحيد هو نفي الصفات، وأنتم وافقتموهم على تسمية أنفسكم أهل التوحيد، وجعلتم نفي بعض الصفات من التوحيد، وسموا ما ابتدعوه من الكلام الفاسد إما في الحكم وإما في الدليل أصول الدين، وأنتم شاركتموهم في ذلك، وقد علمتم ذم السلف والأئمة لهذا الكلام، بل علم من يعرف دين الإسلامن وما بعث الله به نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام ما فيه من المخالفة لكتب الله وأنبيائه ورسله،
_________________
(١) هذه العبارات ترد كثير..شيخ الإسلام ليس هو أول من استخدمهان بل استخدمها قبله شيخ الإسلام الأنصاري المتوفى سنة ٤٨١هـ، الذي قال: " الأشعرية الأناث هم مخانيث المعتزلة" -مجموع الفتاوي (٨/٢٢٧)، كما أن الشهرستاني المتوفى سنة ٥٤٨هـ، قال عن المعتزلة: " الخناثي من المعتزلة لا رجال ولا نساء " نهاية الإقدام (ص: ١٥٩)، وعبارة المعتزلة مخنثة الفلاسفة وردت في نفخ الطيب (٥/٣٠٧)، وشيخ الإسلام ابن تيمية يصدر عبارته غالبًا بقوله - قيل أو يقال، انظر مجموع الفتاوي (١٢/١٣)، والنبوات (ص: ٧٩)، وأحيانًا يورد العبارة فيقول: " فالمعتزلة في الصفات مخانيث الجهمية" مجموع الفتاوي (٨/٢٢٧-١٤/٣٤٨)، وقال مرة عن السهروردي -عمر بن محمد - ت ٦٣٢هـ، لما ذكر نفيه للعلو: " وهؤلاء مخانيث الفلاسفة ليست دقيقة لأنه جهمًا سبقهم إلى هذه الأصول، إلا أن يقال أن يقال: إنهم مخانيثهم من بعض الوجوه. انظر: مجموع الفتاوي (٨/٢٢٧-١٤/٣٤٩) .
(٢) التسعينية (ص: ٢٧٢) .
[ ٢ / ٨١٣ ]
وقد.. بينا أن دلالة الكتاب والسنة التي يسمونها السمع ليست مجرد الخبر، كما تظنونه أنتم وهم، حتى جعلتم ما دل عليه السمع إنما هو بطريق الخبر الموقوف على تصديق المخبر، ثم جعلتم تصديق المخبر - وهو الرسول - موقوفًا على هذه الأصول التي سميتموها أنتم وهم عقليات وجعلوا منها نفي (١) الصفات والتكذيب بالقدر، ووافقتموهم على أن منها نفي كثير من الصفات " (٢) . ولاشك أن متأخري الأشاعرة هم على هذه الصفة التي ذكرها، ولذلك فكثيرًا ما يقررها شيخ الإسلام في مناسبات مختلفة (٣)، ويربط التأثر أحيانًا بأعلام الأشاعرة كالجويني (٤)، وابن تومرت (٥)، والرازي (٦)، وغيرهم.
وتأثر الأشاعرة بالمعتزلة شهد به أساطين الأشاعرة، حتى قال تاج الدين السبكي في كتابه الذي جرده للدفاع عن الأشاعرة: في ترجمة أبي بكر الصيرفي المتوفى سنة ٣٣٠هـ، بعد ذكره لمناظرة بينه وبين الأشعري: قال السبكي: " قلت: وفي المناظرة دلالة على ما قاله القاضي أبو بكر في كتاب التقريب، والأستاذ أبو إسحاق في التعليقة، من أن الطوائف من الفقهاء ذهبت إلى مذهب المعتزلة في بعض المسائل، غافلين عن تشعبها عن أصولهم الفاسدة" (٧)، وقال في ترجمة محمد بن علي بن إسماعيل الشاش - القفال الكبير - ت ٣٦٥-:" وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: " بلغني أنه كان مائلًا عن الاعتدال، قائلًا بالاعتزال في أول مرة ثم رجع إلى مذهب الأشعري" (٨)، قلت:
_________________
(١) في المطبوعة: نفس، وهو تحريف أو خطأ مطبعي.
(٢) التسعينية (ص: ٢٧٢-٢٧٣) .
(٣) انظر: التسعينية (ص: ٢٠٧)، ودرء التعارض (٩/١٣٥)، والحموية - مجموع الفتاوي (٥/٢٣) .
(٤) انظر: نقض التأسيس مطبوع (١/٨٦) حيث قال عنه: " وإنما هو كثير الاستغراق في كلام المعتزلة" وانظر أيضًا: السبعينية (ص: ١٠٧) .
(٥) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ٢٣) .
(٦) انظر: نقض التأسيس المخطوط (٣/٤٠٩) .
(٧) طبقات السبكي (٣/١٨٧) .
(٨) نص كلام ابن عساكر في التبيين (ص: ١٨٣)، وبلغني أنه كان في أول مرة مائلًا عن الاعتدال، قائلًا بمذاهب أهل الاعتزال، والله أعلم ".
[ ٢ / ٨١٤ ]
وهذه فائدة جليلة انفرجت بها كربة، وحسيكة (١) في الصدر جسيمة، وذلك في مذاهب تحكي عن هذا الإمام في الأصول لا تصح إلا على قواعد المعتزلة، وطالما وقع البحث في ذلك حتى توهم أنه معتزلي " (٢)، والسبكي يقول في تردد:" ولا يخفي أن الأشاعرة إنما هم نفس أهل السنة أو هم أقرب الناس إلى أهل السنة" (٣) .
٣- الفلاسفة:
وقد تأثر بهم كثيرًا متأخرو الأشاعرة، لكثرة مطالعتهم لكتبهم، وأبرزهم الغزالي والرازي والآمدي، فإنهم وإن ردوا عليهم وأبطلوا كثيرًا من الباطل الموجود عندهم إلا أنهم تأثروا بأقوالهم كثيرًا، ولذلك يقول شيخ الإسلام عن الغزالي - بعد أن ذكر أقوال الفلاسفة في النبوات كالفارابي وابن سينا ونحوهما- قال: " وقد ذكر الغزالي ذلك عنهم، تعريفًا بمذهبهم، وربما حذر عنه، ووقع في كلامه طائفة من هذا في الكتب المضنون بها على غير أهلها، وفي غير ذلك، حتى في كتاب الإحياء يقول: الملك، والملكوت، والجبروت، ومقصوده،' الجسم، والنفس، والعقل الذي أثبته الفلاسفة، ويذكر اللوح المحفوظ ومراده به النفس الفلكية، إلى غير ذلك، وهو في التهافت يكفرهم، وفي المضمون به يذكر ما هو حقيقة مذهبهم، حتى يذكر في النبوات عين ما قالوه، وكذلك في الإلهيات" (٤)، ويذكر شيخ الإسلام في معرض رده على الرازي وابن سينا اللذين استدلا على حدوث الأجسام بالأفوال في قول إبراهيم ﵇: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (الأنعام:٧٦)، قال: " وقد ابتدعت القرامطة الباطنية تفسيرًا آخر كما ذكره أبو حامد في بعض مصنفاته كمشكاة الأنوار
_________________
(١) الحسك: نبات له ثمرة خشنة تعلق بصوف الغنم، وكل ثمرة تشبها كالسعدان فهو حسك، واحدته حسكة، انظر: لسان العرب مادة " حسك ".
(٢) طبقات السبكي (٣/٢٠١) .
(٣) المصدر السابق (٦/١٤٤) .
(٤) النبوات (ص: ٢٤٩)، وانظر: درء التعارض (١٠/١٨٩-٢٠٥) .
[ ٢ / ٨١٥ ]
وغيرها: أن الكواكب، والشمس، والقمر، هي النفس، والعقل الفعال، والعقل الأول، ونحو ذلك " (١)،
ثم قال شيخ الإسلام: " والكلام على فساد هذا طويل، ليس هذا موضعه، لولا أن هذا وأمثاله هو من أسباب ضلال كثير من الداخلين في العلم والعبادة، إذ صاحب كتاب " مشكاة الأنوار " إنما بنى كلامه على أصول هؤلاء الملاحدة، وجعل ما يفيض على النفوس من المعارف من جنس خطاب الله عزوجل لموسى بن عمران النبي - ﷺ -، كما تقوله القرامطة الباطنية ونحوهم من المتفلسفة، وجعل خلع النعلين الذي خوطب به موسى صلوات الله عليه وسلامه، إشارة إلى ترك الدنيا والآخرة، وإن كان يقرر خلع النعلين حقيقة، لكن جعل هذا إشارة إلى أن خلع الدنيا والآخرة فقد حصل له ذلك الخطاب الإلهي، وهو من جنس من يقول: إن النبوة مكتسبة " (٢)، والغزالي في كلامه مادة فلسفية بسبب اطلاعه على كتب ابن سينا ورسائل إخوان الصفا وغيرها (٣) .
ومن أخطر القضايا التي تأثر بها بعض الأشاعرة، وهي من مقالات الفلاسفة الإلحادية المشهورة، القول بأن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أظهروا للناس في الإيمان بالله واليوم الآخر، خلاف ما الأمر عليه في نفسه، لينتفع الجمهو، يقول شيخ الإسلام - هنا - عن الغزالي: " وأبو حامد - في مواضع - يرى هذا الرأي، ونهيه عن التأويل في إلجام العوام، والتفرقة بين الإيمان والزندقة مبني على هذا الأصل، وهؤلاء يرون: إقرار النصوص على ظواهرها هو المصلحة التي يجب حمل الناس عليها مع اعتقادهم أن الأنبياء لم يبينوا الحق، ولم يورثوا علمًا ينبغي للعلماء معرفته.. " (٤)، ويذكر شيخ الإسلام في موضع آخر أن هذا قوله وقول الرازي أيضًا، فيقول: " فالفارابي يقول
_________________
(١) درء التعارض (١/٣١٥) ..
(٢) المصدر السابق (١/٣١٧-٣١٨) .
(٣) انظر: محموع الفتاوي (٦/٥٤)، وانظر: الرد على المنطقيين (٥٠٩-٥١١)،حيث قيل أمرضه الشفاء.
(٤) درء التعارض (١٠/٢٧٠)، وانظر (١٠/٢٨٢-٢٨٣)، والصفدية (١/٢٣٧-٢٣٧) .
[ ٢ / ٨١٦ ]
إن خاصة النبوة جودة تخييل الأمور المعقولة في الصور المحسوسة (١)، أو نحو هذه العبارة.
وابن سينا يذكر هذا المعنى في مواضع (٢)، ويقول: ما كان يمكن موسى ابن عمران مع أولئك العبرانيين، ولا يمكن محمدًا مع أولئك العرب الجفاة أن يبينا لهم الحقائق على ما هي عليه، فإنهم كانوا يعجزون عن فهم ذلك، وإن فهموه على ما هو عليه انحلت عزماتهم عن أتباعه، لأنه لا يرون فيه من العلم ما يقتضي العمل (٣) " (٤)، قال ابن تيمية معلقًا: " وهذا المعنى يوجد في كلام أبي حامد الغزالي وأمثاله ومن بعده، طائفة منه في الإحياء وغير الإحياء، وكذلك في كلام الرازي " (٥)، وفي مناسبة أخرى يدخل الشهرستاني مع الرازي في التأثر بالمعتزلة والفلاسفة (٦)، وأحيانًا يجمع بين الرازي والآمدي في تأثرهم بالفلاسفة وكتب ابن سينا خاصة (٧)، وذكر أنهما تأثرا بالفلاسفة في الاستدلال على حدوث العالم، وفي أن سعادة النفس إنما يكون بتخلصها من الهيولي والمادة (٨) .
_________________
(١) للفارابي - واسمه محمد بن أوزلغ بن طرخان- ولد سنة ٢٥٧هـ، وتوفي سنة ٣٣٩هـ، رأى في النبوة، فهو لم ينكرها كما أنكرها معاصره أبو بكر الرازي، ولكنه فسرها بما في النفس من قوى تجعلها تتصل بالعقل الفعال، فتقوم المخيلة بحفظ الصور الذهنية وتحويلها إلى واقع محسوس، وللاتصال بالعقل الفعال عنده طريقان: طريق النظر العقلي، وهو للفلاسفة، وطريق المخيلة وكمال النفس وهو للأنبياء: انظر تحصيل السعادة (ص: ٩٠-٩٤)، والسياسة المدنية (ص: ٧٩-٨٠) كلاهما للفارابي، وانظر أيضًا: الفارابي: جوزيف الهاشم (ص: ٣٧-١٤٢)، ومع الفارابي المدن الفاضلة، فاروق سعد (ص: ٥٣-٥٦)، وفيلسوفان رائدان: جعفر آل ياسين (ص: ١٣٣-١٤١)، والفارابي فيلسوف المدينة الفاضلة، فوزي عطوى (ص: ١١٩) .
(٢) سار ابن سينا - الحسين بن عبد الله - ولد سنة ٣٧٠هـ، وتوفي سنة ٤٢٨هـ، على طريقة الفارابي في النبوات، انظر: الشفاء (٦) في النفس (ص:١٧٧-١٧٨-٢١٢-٢٢٠)، والتعليقات (ص:٨٢)، وانظر: نظرية المعرفة عند ابن سينة (ص: ٢١٠)، وما بعدها، والفلسفة الإسلامية في المشرق، فيصل عون (ص: ٢٧٣)،وفي الفلسفة الإسلامية (١/١٠٥) .
(٣) قارن هذا الكلام لابن سينا بما في الأضحوية له (ص: ١٠١-١٠٢)،ت حسن عامر.
(٤) مجموع الفتاوي (٤/٩٩) .
(٥) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(٦) انظر: شرح حديث النزول، مجموع الفتاوي (٥/٥٦٠) .
(٧) انظر: شرح الأصفهانية - ت العودة (ص:٢٧٢) - ط على الآلة الكاتبة، وهذا النص ضمن الزيادات الكثيرة التي حفلت بها هذه النسخة المحققة.
(٨) انظر: المصدر السابق (ص: ٢٤٠-٢٤٥)، - ط على الآلة الكاتبة.
[ ٢ / ٨١٧ ]
سابعًا: لا تعارض بين العقل والنقل.
سبقت الإشارة إلى أن هذا من أصول منهجه العام (١)، وهذا الأصل المنهجي الذي أصله شيخ الإسلام دفاعًا عن عقيدة السلف، يعبر عنه أحيانًا بعبارة أدق وأعمق وهي: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، وميزتها أنها قيدت العقل بكونه صريحًا، والنقل بكونه صحيحًا، فهذان لا يمكن تعارضهما في أي حال.
وهذا الأصل جاء ردًا على القانون الذي ابتدعه أهل الكلام، وعلى رأسهم الأشاعرة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الكلام على تطور المذهب الأشعري (٢)، وقد جاء واضحًا جدًا عند الفخر الرازي الذي يقول: " الفصل الثاني والثلاثون في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية، فكيف يكون الحال فيها؟ أعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة.
- إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقضين، وهو محال.
- وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقضين، وهو محال.
- وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق رسول الله - ﷺ - وظهور المعجزات على يد محمد - ﷺ - ولو جاورنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهمًا غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا وأنه باطل.
_________________
(١) انظر: (ص: ٣١٩) .
(٢) انظر: (ص: ٦٢٩-٦٣٠)، وانظر: الإرشاد (ص: ٣٥٨-٣٦٠)، وقانون التأويل للغزالي وقانون التأويل لابن العربي (ص: ٤٥٢-٥٧٦-٦٤٦) .
[ ٢ / ٨١٨ ]
- ولما بطلت الأقسام الأربعة (١)، لم يبقَ إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية: إما أن يقال أنها غير صحيحة، أو يقال أنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.
ثم إن جوازنا التأويل: اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم نجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات " (٢) .
هذا هو القانون الذي اشتهر عند الأشاعرة، وأصبح عندهم من القضايا المسلمة، وقد نقضه شيخ الإسلام وزيفه في مواضع عديدة من كتبه، ولأهميته وخطورته إفرد له كتابه الكبير المشهور، وتتبع ما قاله في ذلك مما يحتاج إلى رسالة مستقلة والمقام لا يحتمل سوى الإشارة إلى خطوط عامة في منهجه في هذا. ومما ينبغي التذكير به هنا أن ابن القيم ﵀ في الصواعق المرسلة قد أفرد له قسمًا كبيرا من كتابه هذا، والحمد لله أن هذا القسم المتعلق بهذا الموضوع قد وصل إلينا كاملًا، وقد قال في أوله - حيث جعله " الطاغوت الثاني ": " قد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مزيد عليه، وبين بطلان هذه الشبهة، وكسر هذا الطاغوث في كتابه الكبير، ونحن نشير إلى كلمات يسيرة هي قطرة من بحره، يتضمن كسره ودحضه " (٣)، ثم ذكر ما يقارب الأربعين ومائتي وجه في ذلك، وقد استقى معظم هذه الأوجه من كتاب شيخ الإسلام " درء تعارض العقل والنقل "، وكثيرًا ما يسوق عباراته بحروفها كما يلاحظ ذلك من قرأ الكتابين وقان وبينهما في هذا الموضوع.
_________________
(١) كذا في طبعتي أساس التقديس ولعل الصواب الثلاثة.
(٢) أساس التقديس للرازي (ص: ١٧٢-١٧٣)، ط الحلبي، و(ص: ٢٢٠-٢٢١)، ت السقا.
(٣) الصواعق المرسلة - الأصل - (٣/٧٩٦-٧٩٧)، حقق القسم الأول - الموجود - من هذا الكتاب العظظيم الأخ الدكتور علي بن محمد الدخيل الله، وقد بذل في تحقيقه جهدًا مشكورًا، ثم طبعه في أربع مجلدات، طباعة ممتازة تليق بمكانة الكاتب وأهميته، فجزاه الله خير الجزاء.
[ ٢ / ٨١٩ ]
وهذا القانون غالبًا ما يأتي به الأشاعرة في موضعين: أحدهما: نفي العلو عن الله تعالى، والثاني: نفي الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله تعالى كالاستواء والنزول والمجيء، وكلام الله إذا شاء متى شاء، وغيرها، وأيضًا نفي الصفات الخبرية كالوجه واليدين وغيرها، وقد بنوا هذا المانع العقلي - المعارض للنصوص - على دليل حدوث الأجسام، فإنهم قالوا إنه لا يمكن إثبات الصانع وحدوث العالم إلا بطريق حدوث الأجسام، وحدوث الأجسيام دليله أنها مستلزمة للأعراض، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث - قالوا: والقابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده، والأعراض لا تبقى زمانين، فيلزم أن تكون الأجسام حادثة بناءً على امتناع حوادث لا أول لها.
والنتيجة أن كل ما دل على التجسيم كإثبات العلو، أو الصفات الفعلية، أو الخبرية (١) - فيجب نفيه أو تأويله حتى يسلم دليل حدوث العالم، لأن إثبات هذه الصفات لله يقتضي أن يكون الله حادثًا، وهو باطل.
ثم قال هؤلاء: " إن القول بما دل عليه السمع من إثبات الصفات والأفعال يقدح في أصل الدليل الذي به علمنا صدق الرسول، وقالوا: إنه لا يمكن تصديق الرسول - لو قدر أنه يخبر بذلك - لأن صدقه لا يعلم إلا بعد أن يثبت العلم بالصانع، ولا طريق إلى إثبات العلم بالصانع إلا القول بحدوث الأجسام " (٢) .
فـ " هذه هي أعظم القواطع العقلية التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها " (٣) .
_________________
(١) يلاحظ أهذا الدليل - دليل حدوث الأجسام - جاء به المعتزلة قبل الأشاعرة، ولذلك نفوا لأجله جميع الصفات عن الله تعالى، الصفات السبع وغيرها، وقالوا هي أعراض والأعراض لا تبقى زمانين وهي لا تقوم إلا بجسم.= =أما الأشاعرة فنفوا صفات الأفعال ونفوا أن تقوم بالله، أما سائر الصفات فأثبتوها وقالوا لا نسميها أعراضًا لأنها باقية، والأعراض لا تبقى، فجاء متأخرو الأشعرية فنفوا كل ما اقتضى تجسيمًا أو تركيبًا أو تحيزًا، مما هو من صفات الأجسام، فنفوا العلو والصفات الخبرية أيضًا.
(٢) درء التعارض (١/٣٠٦) .
(٣) المصدر السابق (١/٣٠٨) .
[ ٢ / ٨٢٠ ]
ويقوم منهج شيخ الإسلام - في نقض هذا القانون - على مقدمات ثم الردود التفصيلية.
أما المقدمات:
١ - فقد بين الإسلام ثقته المطلقة بما في كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - وأن فيهما الهدى والبيان الكامل، ولذلك فهو يقول: " ففي الجملة: النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بين قط، ولا يعارضها إلا ما فيه اشتباه واضطراب، وما علم أنه حق لا يعارضه ما فيه اضطراب واشتباه لم يعلم أنه حق. بل تقول قولًا عامًا كليًا: إن النصوص الثابتة عن الرسول - ﷺ - لم يعارضها قط صريح معقول، فضلًا عن أن يكون مقدمًا عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات، مبناها على معانٍ متشابهة وألفاظ مجملة " (١) .
فهو يقرر أنه حين يناقش هؤلاء وما عندهم من عقليات لم يشك لحظة واحدة في أن هذه العقليات شبه وخيالات، ولا يمكن أن تعارض نصوص الوحي.
٢- كما بين أيضًا أنه حينما يخوض في مناقشة هؤلاء وبيان فساد ما عندهم من العقليات التي يعارضون بها نصوص الوحي، إنما يفعل ذلك بطريق التنزيل لهم، يقول: " إنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزيل إليهم، كما نتنزل إلى اليهودي والنصراني في مناظرته، وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله، اتباعًا لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل:١٢٥)، وقوله ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت:٤٦)، وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول ويصدون به أهل الإيمان عن سواء سبيل - وإن جعلوه من المعقول بالبرهان- أعظم من أن يبسط في هذا المكان " (٢)، ثم يبين حقيقة الإيمان بالرسول وتصديقه وأنه يقوم على التسليم المطلق له ولما جاء به فيقول: " وقد تبين بذلك أنه لا يمكن أن يكون تصديق الرسول فيما أخبر به معلقًا بشرط، ولا موقوفًا على انتفاء مانع، بل لابد من تصديقه في كل ما أخبر به تصديقًا جازمًا، كما في أصل الإيمان به، فلو قال الرجل: أنا أؤمن به
_________________
(١) درء التعارض (١/١٥٥-١٥٦) .
(٢) المصدر السابق (١/١٨٨) .
[ ٢ / ٨٢١ ]
إن أذن لي أبي أو شيخي، أو: إلا أن ينهاني أبي أو شيخي لم يكن مؤمنًا به بالاتفاق، وكذلك من قال: أؤمن به إن ظهر لي صدقه، لم يكن بعد قد آمن به، ولو قال: أؤمن به إلا أن يظهر لي كذبة لم يكن مؤمنًا، وحينئذٍ فلابد من الجزم بأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل قطعي، لا سمعي ولا عقلي، وإن ما يظنه الناس مخالفًا له إما أن يكون باطلًا، وإما أن لا يكون مخالفًا، وأما تقدير قول مخالف لقوله وتقديمه عليه: فهذا فاسد في العقل، كما هو كفر في الشرع، ولهذا كان من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه يجب على الخلق الإيمان بالرسول إيمانًا مطلقًا، جازمًا، عامًا: بتصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أوجب أمر، وأن كل ما عارض ذلك فهو باطل" (١) .
فمن كانت لديه هذه الثقة المطلقة، وهذا الإيمان الصادق بما جاء به الرسول - وهو من أوليات وبديهيات الإيمان - فلا يمكن أن يظن بأخبار الوحي الظنون، ولا أن يخطر له خاطر أنه يمكن أن يعارضه عقل أو غيره.
٣- بين شيخ الإسلام الخطوط العامة اللازمة لنقض هذه القوانين التي ابتدعها هؤلاء، يعارضون بها الكتاب والسنة، وكان من آثارها: قولهم بأن الاستدلال بالأدلة السمعية مبني على مقدمات ظنية، وأن أخبار الآحاد لا يحتج بها في العقيدة، ومن ثم فالعقل مقدم على النقل، وهذه الخطوط العامة هي:
- بيان أن الأدلة السمعية حجة بنفسها، وأنها تفيد اليقين والقطع، وقد ذكر شيخ الإسلام أنه أفرد في ذلك مصنفًا قديمًا، وأنه ذكر طرفًا من بيان ذلك في شرح أول المحصل للرازي (٢) .
- أن الرسول بلغ البلاغ المبين، وبين مراده، " وأن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه: إنه يحتاج إلى التأويل الاصطلاحي الخاص الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فلابد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ
_________________
(١) درء التعارض (١/١٨٨-١٨٩) .
(٢) لم يصل إلينا - فيما أعلم - هذان الكتابان - وقد وصل - والحمد لله - كلام طويل لشيخ الإسلام حول هذا الموضوع، وهو في مخطوطة نقض التأسيس (٢/٣٠٣-٣٥٧)
[ ٢ / ٨٢٢ ]
بخطاب آخر، لا يجوز أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل، ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليهم، لإمكان معرفة ذلك بعقولهم، وأن هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين.." (١) .
- بيان انتفاء المعارض العقلي، وإبطال قول من زعم تقديم الأدلة العقلية مطلقًا، وقد ألف ذلك كتابه الكبير درء التعارض العقل والنقل (٢)، وقال فيه: " ولما كان بيان مراد الرسول - ﷺ - في هذه الأبواب لا يتم إلا بدفع المعارض العقلي، وامتناع تقديم ذلك على نصوص الأنبياء، بينا في هذا الكتاب فساد القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله وعن فهم مراد الرسول، وتصديقه فيما أخبر، إذ كان أي دليل أقيم على بيان مراد الرسول لا ينفع إذا قدر أن المعارض العقلي القاطع ناقضه، بل يصير ذلك قدحًا في الرسول، وقدحًا فيمن استدل بكلامه، وصار هذا بمنزلة المريض الذي به أخلاط فاسدة تمنع انتفاعه بالغذاء، فإن الغذاء لا ينفعه مع وجود الاخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء، فكذلك القلب الذي اعتقد قيام الدليل العقلي القاطع على نفي الصفات أو بعضها، أو نفي عموم خلقه لكل شيء، أو نفي أمره ونهيه، أو امتناع المعاد، أو غير ذلك لا ينفعه الاستدلال عليه بذلك الكتاب والسنة إلا مع بيان فساد ذلك المعارض ".
وكثيرًا ما يشير شيخ الإسلام إلى منهجه، يقول في درء التعارض في الوجه الثالث والأربعين:
" وأما طريق الرد عليهم فلنا فيه مسالك:
_________________
(١) درء التعارض _١/٢٢-٢٣)، وقد شرح ذلك في جواب سؤال وجه إليه، وقد ذكر نصه كاملًا في مقدمة درء التعارض (١/٢٥-٧٨)، وهو في مجموع الفتاوي (٣/٢٩٣-٣٢٦)، لكنه ناقص الآخر، كما أنه شرح ذلك في رسالته معارج الوصول في بيان أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول. وهي ضمن مجموع الفتاوي (١٩/١٥٥-٢٠٢) .
(٢) انظر: درء التعارض (١/٢٢) .
[ ٢ / ٨٢٣ ]
الأول: أن نبين فساد ما ادعوه معارضًا للرسول - ﷺ - من عقلياتهم.
الثاني: أن نبين أن ما جاء به الرسول - ﷺ - معلوم بالضرورة من دينه، أو معلوم بالأدلة اليقينية، وحينئذٍ فلا يمكن مع تصديق الرسول أن نخالف ذلك، وهذا ينتفع به كل من آمن بالرسول.
الثالث: أن نبين أن المعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل لا يناقضه، إما بأن ذلك معلوم بالضرورة العقل، وإما بأنه معلوم بنظرة، وهذا أقطع لحجة المنازع مطلقًا، سواء كان في ريب من الإيمان بالرسول، وبأنه أخبر بذلك، أو لم يكن كذلك، فإن هؤلاء المعارضين منهم خلق كثير في قلوبهم ريب في نفس الإيمان بالرسالة، وفيهم من في قلبه ريب في كون الرسول أخبر بهذا. وهؤلاء الذين تكلمنا على قانونهم، الذي قدموا فيه عقلياتهم على كلام الله ورسوله، عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو لله ونحوها" (١) .
ويلاحظ أنه هنا زاد وجهًا وهو بيانه أن المعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل، وهذا مثل إثبات العلو لله حيث دل عليه أيضًا العقل والفطرة.
ولما تحدث شيخ الإسلام - عن هذه المسألة - مسألة ما يدعي من تعارض العقل والنقل، في غير كتابه درء تعارض العقل والنقل، أشار إلى المنهج الصحيح في ذلك (٢)، ومن ذلك قوله تعليقًا على انحراف المنحرفين: أهل التخييل والتجهيل، والتأويل، قال: " إن الذي دعاهم إلى ذلك ظنهم أن المعقول يناقض ما أخبر به الرسول - ﷺ -، أو ظاهر ما أخبر به الرسول، وقد بسط الكلام على رد هذا في مواضع، وبين أن العقل لا يناقض السمع، وأن ما ناقضه فهو فاسد، وبين بعد هذا أن العقل موافق لما جاء به الرسول، شاهد له، ومصدق له، لا يقال: إنه غير معارض فقط، بل هو موافق مصدق، فأولئك كانوا يقولون: هو مكذب مناقض:
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٦/٤-٥) .
(٢) انظر مثلًا: نقض التأسيس - المطبوع - (١/٢٤٧-٢٤٨)، والمخطوط (٢/٣٣٠-٣٣١)، ومجموع الفتاوي (٦/٢٤٥-٢٤٦)، وأيضًا (١٦/٦٤٣) وغيرها.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
- بين أولًا أنه لا يكذب ولا يناقض.
- ثم بين ثانيًا أنه مصدق موافق.
وأما هؤلاء:
- فبين أن كلامهم الذي يعارضون به الرسول باطل [لا يعارض به (١)] ولا يكفي كونه باطلًا لا يعارض.
- بل هو أيضًا مخالف لصريح العقل، فهم كانوا يدعون أن العقل يناقض النقل.
فبين أربع مقامات:
١- أن العقل لا يناقضه.
٢- ثم بين أن العقل يوافقه.
٣- وبين أن عقلياتهم التي عارضوا بها النقل باطلة.
٤- وبين أيضًا أن العقل الصريح يخالفهم.
ثم لا يكفي أن العقل يبطل ما عارضوا به الرسول، بل يبين أن ما جعلوه دليلًا على إثبات الصانع إنما يدل على نفيه، فهم أقاموا حجة تستلزم نفي الصانع، وإن كانوا يظنون أنه يثبتون بها الصانع.. ولهذا كان يقال في أصولهم: " ترتيب الأصول في تكذيب الرسول"، ويقال أيضًا: " ترتيب الأصول في مخالفة الرسول والمعقول"، جعلوها أصولًا للعلم بالخالق، وهي أصول تناقض العلم به، فلا يتم العلم بالخالق إلا مع اعتقاد نقيضها" (٢)، وقد ضرب شيخ الإسلام لذلك بمثالين - عن الأشاعرة -لا يدلان على إثبات الصانع، بل هي تؤدي إلى التكذيب به: أحدهما: قول الرازي بالإمكان تبعًا لابن سينا، وزعمه أنه لا يمكن إثبات واجب الوجود إلا بإثبات ممكن قديم، وهذا باطل، والثاني: دليل حدوث الأعراض ولزومها للأجسام، حيث أدى بهم هذا إلى أنهم ادعوا امتناع كون الرب يفعل بمشيئته وقدرته وعطلوه عن الصفات، فلم يثبتوا الصانع القديم (٣) .
_________________
(١) في المطبوع [لا تعارض فيه] ولعل الصواب ما أثبت كما يدل عليه الكلام الذي بعده.
(٢) مجموع الفتاوي (١٦/٤٤٢-٤٤٣) .
(٣) المصدر السابق (١٦/٤٥٢-٤٥٥) .
[ ٢ / ٨٢٥ ]
١ - مناقشة صياغة الدليل أو القانون الذي وضعوه
٤- وشيخ الإسلام لا يلغي العقل - كما قد يفهمه عنه بعض خصومه أو الجاهلين بمنهجه - بل يقرر دائمًا أن القرآن جاء بالأدلة العقلية والأمثلة المضروبة، وقد سبق شرح ذلك عند الحديث عن منهجه العام (١)، ولذلك يقول في كتابه درء التعارض: " والمقصود في هذا المقام أنه يمتنع تقديم العقل على الشرع، وهو المطلوب.. ونحن لم ندع أن أدلة العقل باطلة، ولا أن ما به العلم صحة السمع باطل، ولكن ذكرنا أنه يمتنع معارضة الشرع بالعقل وتقديمه عليه.. [ثم يقول]: " إن مسمى الدليل العقلي - عندما يطلق هذا اللفظ - جنس تحته أنواع، فمنها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، باتفاق العقلاء " (٢)، وشيخ الإسلام يحدد موطن النزاع في المقصود بالعقل أو الدليل العقلي، إذ ليس كل دليل عقلي، مرفوضًا، بل إن القرآن الكريم والسنة النبوية جاءا بالأدلة العقلية في إثبات الربوبية، والألوهية، والنبوة، والمعاد. وغيرها..
أما الردود التفصيلية على هذا القانون فقد ذكر شيخ الإسلام في كتابه درء التعارض أربعة وأربعين وجهًا رئيسيًا، وتخلل أكثر هذه الأوجه أوجه فرعية ومناقشات تفصيلية تبلغ أحيانًا أكثرر من مجلد، كما هو الحال في الوجه التاسع عشر (٣)، والثالث والأربعين (٤)، ولتداخل بعض هذه الأوجه مع البعض الآخر، فيمكن عرض منهج ابن تيمية فيها كمايلي:
أولًا: مناقشة صياغة الدليل أو القانون الذي وضعوه ومناقشة ما حوى من عبارات أو مصطلحات وما ترتب على ذلك من النتائج الباطلة، وقد بين ذلك من خلال الأوجه: الأول، والثاني، والثالث، والخامس عشر.
أ - فصياغة القانون تقول: إذا تعارض العقل والنقل، فما المراد بالعقل والنقل. هل المراد القطعيان أو الظنيان، أو ما كان أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا،
_________________
(١) انظر: (ص: ٢٥٢)، وما بعدها من الباب الأول.
(٢) انظر: درء التعارض (١/١٩١) .
(٣) الذي بدأ من (١/٣٢٠)، إلى نهاية المجلد الرابع.
(٤) بدأ في بداية المجلد السادس إلى (٧/١٤٠) .
[ ٢ / ٨٢٦ ]
فكل هذه الأمور محتملة ولابد من البيان، أما الإطلاق الأمر وإجماله فليس بسديد، وهنا يوضح شيخ الإسلام هذه الاحتمالات بقوله: " إما أن يريد به القطعيين، فلا نسلم بإمكان التعارض حينئذٍ " لأن القطعي لا يمكن أن يعارضه قطعي آخر. " وإما أن يريد به الظنيين، فالمقدم هو الراجح مطلقًا " سواء كان العقل أو النقل، وحينئذٍ فتقديمه لرجحانه فقط لا لكونه عقلًا أو نقلًا، " وإما أن يريد به ما أحدهما قطعي، فالقطعي هو المقدم مطلقًا، وإذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لكونه قطعيًا لا لكونه عقليًا "، ثم ينتهي شيخ الإسلام بهذه النتيجة بقوله: " فعلم أن تقديم العقلي مطلقًا خطأ، كما أن جعل جهة الترجيح كونه عقليًا خطأ " (١) .
وقد يعجب المرء في هذا الكلام الذي يقوله شيخ الإسلام وما يحمل في ظاهره من إعلاء لشأن العقل وكأنه قد يصل إلى منزلة النقل، وشيخ الإسلام يقول هذا قاصدًا تفتيت هذا القانون الذي وضعوه، وأن المنطق السليم يقتضي أن يفصل الأمر فيه وأن يقسم كل من العقلي والنقلي إلى مقطوع ومظنون سواء من ناحية الثبوت أو الدلالة، ومع ذلك كله فلا يمكن أن يتعارض العقل الصريح والنقل الصحيح أبدًا.
وينتج من هذا أن حصر الاحتمالات بأربعة - وهي تقديم السمعي مطلقًا أو تقديم العقلي مطلقًا، والجمع بين النقضين، أو رفع النقيضين - غير سديد إذ هناك قسم آخر وهو أنه " يقدم العقلي تارة، والسمعي أخرى، فأيهما كان قطعيًا قدم -وإن كانا جميعًا قطعين فيمتنع التعارض - وإن كانا ظنيين فالراجح هو المقدم " (٢) وهذا هو التقسيم الصحيح، أن يفصل الأمر والله ﵎ أنزل الميزان بالحق.
ب - يقول قانونهم: " وإما أن يقدم السمع، وهو محال؛ لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحًا في العقل الذي هو أصل النقل " (٣) فيقال: ماذا تقصدون بقولكم: إن العقل أصل النقل؟
_________________
(١) درء التعارض (١/٨٦-٨٧) .
(٢) المصدر السابق (١/٨٧) .
(٣) المصدر نفسه (١/٤) .
[ ٢ / ٨٢٧ ]
فإن أريد به أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر، فهذا لا يقوله عاقل لأن الشيء الثابت في نفس الأمر هو ثابت، سواء علم دليل ثبوته أو لم يعلم فهو في نفسه ثابت، فلو فرض أنا جهلنا الدليل، فعدم العلم بالدليل لا يعني عدم المدلول يقول شيخ الإسلام: " فما أخبر به الصادق المصدوق - ﷺ - هو ثابت في نفس الأمر، سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه، ومن أرسله الله إلى الناس فهو رسوله، سواء علم الناس أنه رسول أو لم يعلموا، وما أخبر به فهو حق وإن لم يصدقه الناس " (١) .
أما إن أُريد به أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل لنا على صحته - وهذا هو الذي أرادوه - فيرد شيخ الإسلام متسائلًا عن المقصود بالعقل: هل هو الغريزة التي تميز الإنسان من الحيوان، أم المقصود العلوم التي تستفاد من تلك الغريزة، أما العقل بمعنى الغريزة فلا يمكن أن يراد " لأن تلك الغريزة ليست علمًا يتصور أن يعارض النقل، وهي شرط في كل علم عقلي أو سمعي كالحياة وما كان شرطًا في الشيء امتنع أن يكون منافيًا له " (٢)، أما إن أراد بالعقل العلوم الحاصلة بالعقل فالجواب من وجوه:
- أن المعارف العقلية كثيرة جدًا، وهذه ليست كلها أصلًا للسمع بل الدليل على صحتها منها ما يعلم به صدق الرسول - ﷺ -.
- ثم إن الأدلة العقلية ليست كلها يعلم بها صدق الرسول - ﷺ - بل الذي يعلم به صدقه منها قليل.
- أن أعلام الأشاعرة يقولون: إن العلم بصدق الرسول - ﷺ - عند ظهور المعجزات منها قليل.
- بل إن دلائل صدق الرسول - ﷺ - لها طرق كثيرة متنوعة، وهي لا تتوقف على المعجزات وحدها.
_________________
(١) درء التعارض (١/٨٨) .
(٢) المصدر نفسه (١/٨٩) .
[ ٢ / ٨٢٨ ]
والنتيجة أن " ما يتوقف عليه العلم بصدق الرسول من العلم العقلي سهل يسير وحينئذٍ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات مالا يتوقف العلم بصحة السمع عليه لم يكن القدح فيه قدحًا في جميعها، كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحًا في جميعها، ولا يلزم من صحة بعض العقليات صحة جميعها كما لا يلزم من صحة بعض السمعيات صحة جميعها، وحينئذٍ فلا يلزم من صحة المعقولات التي تبني عليها معرفتنا بالسمع صحة غيرها من المعقولات، ولا من فساد هذه فساد تلك، فضلًا عن صحة العقليات المناقضة للسمع" (١) .
والخطأ الذي وقع فيه هؤلاء أنهم جعلوا المعقولات نوعًا واحدًا، وأنهم جعلوا المعقول الذي قد يحتاج إليه في إثبات صدق الرسول، دليلًا على تقديم جميع المعقولات وهذا باطل.
ثم يورد شيخ الإسلام اعتراضًا لهم، ويجيب عليه من عدة أوجه، سنذكر تفصيل كثير منها فيما بعد. إن شاء الله (٢) .
جـ - ومن الوجوه التي يناقش فيها شيخ الإسلام قانونهم الفاسد الوجه الخامس عشر، وخلاصته أن الدليل الشرعي لا يقابل بكونه عقليًا، وإنما يقابل بكونه بدعيًا، لأن البدعة تقابل الشرعة، ويوضح هنا شيخ الإسلام أن الدليل الشرعي ليس هو خبر الصادق فقط، بل - مع هذا - هناك أدلة شرعية قد تكون سمعية وقد تكون عقلية، كأدلة توحيد الله والمعاد التي ذكرها الله في كتابه فهي أدلة شرعية، وهي أيضًا عقلية يعلم صحتها بالعقل، وخطأ هؤلاء في قانونهم ظنهم أن أدلة أصول الدين نوعان: سمعيات: وعقليات، ومن ثم توهموا التعارض بينها ظنًا منهم أن السمعيات فقط هي الخبر المجرد (٣) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٩٠) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١/٩١-١٠٠) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (١/١٩٨-٢٠٠) .
[ ٢ / ٨٢٩ ]
ثانيًا: مناقشة مضمون القانون وبيان خطئه وتناقضه:
وهذا تابع للوجه السابق ومكمل له، إلا أنه لما لم يتعلق بنفس صياغة القانون وترتيب قضاياه بعضها على بعض كما هو واضح في الوجه السابق - أفرد هنا لأنه يناقش دلالات هذا القانون ويبين ما فيه من خطأ وتناقض وقد فصل شيخ الإسلام ذلك من خلال ما يلي:
أ - يقال لهم: " العقل إما أن يكون عالمًا بصدق الرسول، وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، وإما أن لا يكون كذلك.
فإن لم يكن عالمًا امتنع التعارض عنده إذا كان المعقول معلومًا له، لأن المعلوم لا يعارضه المجهول، وإن لم يكن المعقول معلوماُ له لم يتعارض مجهولان.
وإن كان عالمًا بصدق الرسول امتنع مع هذا أن لا يعلم ثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، غايته أن يقول: هذا لم يخبر به، والكلام ليس هو فيما لم يخبر به، بل إذا علم أن الرسول أخبر بكذا فهل يمكنه - مع علمه بصدقه فيما أخبر وعلمه أنه أخبر بكذا - أن يدفع عن نفسه علمه بثبوت المخبر، أم يكون علمه بثبوت مخبره لازمًا له لزومًا ضروريًا، كما تلزم سائر العلوم لزومًا ضروريًا لمقدماتها " (١)، وهذا القانون يؤدي إلى التناقض لأنه يقول: لا تعتقد بثبوت ما علمت أنه أخبر به لأن هذا الاعتقاد ينافي ما علمت به أنه صادق، فكأن يقول له: لا تصدقه في هذا الخبر لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه. " فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علموا أنه أخبر به، بعد علمه أنه رسول الله؛ لئلا يفضي تصديقهم له إلى عدم تصديقهم لهم، بل إذا قيل له: لا تصدقه في هذا، كان هذا أمرًا له بما يناقض ما علم به صدقه، فكان أمرًا له بما يوجب أن لا يثق بشيء من خبره، فإنه متى جوز كذبه أو غلطه في خبر جوز في غيره " (٢)، وفعلًا فقد آل ببعضهم إلى أن لا يستفيدوا من جهة الرسول شيئًا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله وأفعاله.
_________________
(١) درء التعارض (١/١٣٤) .
(٢) المصدر السابق (١/١٣٥) .
[ ٢ / ٨٣٠ ]
ب - وهناك وجه آخر، مترتب على الوجه السابق، وهو أن يقال: إذا علم صدق الرسول وصحة السمع، فهل يعلم أنه أخبر بمحل النزاع، أو يظن، أو لا يعلم ولا يظن.
أما الأول: فإنه إذا علم وتيقن يمتنع أن يعارضه المعقول الصريح.
أما الثاني: وهو ما إذا كان مظنونًا، وحينئذٍ فإذا عارضه العقل الصريح وجب تقديم العلم على الظن، لا لكونه معقولًا.
وأما الثالث: فلا تقع فيه المعارضة.
وبهذا يتبين أن ما جزموا به من تقديم العقل مطلقًا باطل (١) .
جـ - أن يقال لهم " العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له، ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين، لزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومن نفي اللازم نفي الملزوم، فكيف إذا كان التلازم من الجابين.. وبيان ذلك هاهنا: أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عرف صحة الشرع، كما قد ذكروا هم ذلك، وقد تقدم أنه ليس المراد بكونه أصلًا له أنه أصل في ثبوته في نفسه وصدقه في ذاته، بل هو أصل في علمنا به، أي دليل لنا على صحته، فإذا كان كذلك فالدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه، ولا يجب عكسه، فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه، وهذا كالمخلوقات، فإنها آية للخالق، فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق، ولا يلزم من وجود الخالق وجودها، وكذلك الآيات الدالات على نبوة النبي. (٢) .. ".
وهذه أهم المناقشات التي أفحم فيها شيخ الإسلام أصحاب هذا القانون الفاسد، وينبغي أن يلاحظ أن أصحاب هذا القانون قد ثبت عندهم صدق الرسول - ﷺ - في نبوته، ومعنى ذلك أن صدق الرسول عندهم وعند غيرهم
_________________
(١) درء التعارض (١/١٣٧) .
(٢) المصدر السابق (٥/٢٦٨-٢٦٩) .
[ ٢ / ٨٣١ ]
من أهل الإسلام ثابت في نفس الأمر، لكن هؤلاء يقولون: إن دليل ثبوته جاء بالدليل العقلي، ثم ركبوا قانونهم وقالوا: العقل أصل السمع، ويستنتج من ذلك أنهم يقولون:
- إن العقل أصل في علمنا بصحة الشرع ودليل عليه، وليس أصلًا في ثبوته في نفس الأمر.
- وكذلك هم يقولون صدق الرسول ثابت في نفس الأمر، أي أنهم وهم يقولون بهذا القانون لا ينكرون صحة نبوة الرسول، فهي ثابتة عندهم بدليلها العقلي.
فشيخ الإسلام يقول لهم: على فرض أن صحة الشرع لا تعلم إلا بالدليل العقلي - والواقع أنها تعلم بطرق كثيرة وأئمتهم معترفون بذلك - فإن النتيجة ضدهم، لأنه يلزم من علمنا بصحة الشرع علمنا بصحة الدليل العقلي الدال عليه، كما يلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا بصحة الشرع، أما مسألة ثبوته في نفس الأمر فإنه يلزم من ثبوت ذلك الدليل، وهذا كما أن المخلوقات دالة على وجود الله، فيلزم من وجودها في نفس الأمر وجود الله، لكن لا يلزم من وجود الخالق ﷾ وجود المخلوقات، ومثله ثبوت النبوة فإنه يلزم من وجود دلالة النبوة - كالمعجزة - صدق النبي، لكن لا يلزم من عدم وجود هذه الدلالة عدم صدق النبي، لأن نبوته قد تثبت بطرق أخرى.
وحينئذٍ فإذا كان الشرع ثابتًا في نفس الأمر، فلا يلزم من ثبوته ثبوت الدليل العقلي الدال عليه، لأنه قد يكون ثبت بأدلة أخرى، وإذا افترض ثبوت الدليل العقلي في نفس الأمر، وثبوت المدلول الشرعي في نفس الأمر لم يكونا بمنزلة واحدة - كما فعلوا في قانونهم الفاسد - لأن الشرع أقوى حيث يلزم من ثبوته ثبوت الدليل العقلي؛ لا العكس، وهذا على فرض أن الدليل الشرعي قد يعلم بأدلة أخرى.
أما إذا حصروا صحة الدليل الشرعي بهذا الدليل العقلي لا غير، كان غاية الأمر أن يكونا متلازمين، وحينئذٍ فالقدح في الشرع قدح في دليله العقلي
[ ٢ / ٨٣٢ ]
٣ - مقابلة هذا القانون الفاسد بقانون شرعي مستقيم
ولا يستلزم القدح في الدليل العقلي القدح في الشرع، فثبت تميز الشرع على كل حال (١) .
د - يقول شيخ الإسلام في الوجه الرابع والثلاثين: " إن الذين يعارضون الشرع بالعقل، ويقدمون رأيهم على ما أخبر به الرسول، ويقولون: إن العقل أصل للشرع، فلو قدمناه عليه للزم القدح في أصل الشرع؛ إنما يصح منهم هذا الكلام إذا أقروا بصحة الشرع بدون المعارض، وذلك بأن يقروا:
- بنبوة الرسول.
- وبأنه قال هذا الكلام.
- وبأنه أراد به كذا.
وإلا فمع الشك في واحد من هذه المقدمات لا يكون معهم عن الرسول من الخبر ما يعلمون به تلك القضية المتنازع فيها بدون معارضة العقل، فكيف مع معارضة العقل " (٢) .
فهذا رجوع إلى أصل القضية التي بنوا عليها قانونهم الفاسد، فإنهم حينما يقولون بتعارض العقل والنقل، يقال لهم: ما النقل الذي تقولون إن العقل عارضه: هل هو النقل المبنيس على أن محمدًا رسول الله الصادق، وأن هذا النقل ثبت عنه بلا ريب، وأنه قصد وأراد به أمرًا محددًا واضحًا، لأنه بلغ البلاغ المبين، وهو معصوم من أن يقره الله على خطأ فيما بلغه وأخبر به؟ إن كان الأمر كذلك فإن من ثبت هذا الإيمان في قلبه امتنع أن يعارضه بدليل عقلي فضلًا عن أن يقدم الدليل العقلي عليه.
أما حين يكون هذا النقل جاء إلى رجل يطعن في نبوة الرسول - ﷺ - بأن يزعم مثلًا أن الرسول لم يعلم بهذه المسألة التي أخبر بها، أو أنه غير معصوم في تبليغه البلاغ المبين، أو بطعن في صحة الأخبار وفي ثبوتها، أو يقول: إن الأدلة السمعية لا يستفاد منها العلم بمراد المتكلم - كما يقوله الرازي ومتبعوه -
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٢٦٩-٢٧١، ٢٧٥)، وانظر: (٥/٢٧٧-٢٨٠) ففيه مناقشات مهمة. وانظر: الوجه الثلاثين (٥/٢٨٦-٢٨٨) .
(٢) انظر: درء التعارض (٥/٣٤٠-٣٤١) .
[ ٢ / ٨٣٣ ]
فهذا لم يثبت عنده الدليل النقلي الذي عارضه العقل عندهمن ليس نقلًا ثابتًا في نفس الأمر - لأنه إما أخبار آحاد، أو غير معروف مراد المتكلم به، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يقال: إن العقل عارضه، والمعارضة إنما تكون لنقل صادر عن رسول الله الصادق، ثابت عنه بطرق صحيحة، معروف مراده به لأنه بينه أتم البيان وأوضحه، ومن ثبت لديه هذا النقل بهذه الصفة لم يقدم عليه غيره لا دليلًا عقليًا ولا غيره.
ثالثًا: مقابلة هذا القانون الفاسد بقانون شرعي مستقيم
وكثيرًا ما يستخدم شيخ الإسلام هذا المنهج، يقابل الأقوال الفاسدة التي يدعي الخصوم صحتها، بأقوال أخرى صحيحة تكون أكثر إحكامًا وأقوى دلالة، وأكثر إقناعًا، فمثلًا يقول في مقابلة هذا القانون الفاسد: " إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع؛ لأن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر بهن ولا العلم بصدقه موقوف على كل ما يخبر به العقل، ومعلوم أن هذا إذا قيل أوجه من قولهم" (١)، ويضرب شيخ الإسلام لذلك مثلاُ بالعامي إذا علم عين المفتي، ثم دل غيره وبين أنه علم أنه مفتٍ، فإذا اختلف العامي الدال، والمفتي، فيجب على المستفتي أن يقدم قول المفتي، فإذا قال العامي أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ، فيقول له أنت لما شهدت بأنه مفت ودللت عليه شهدت بوجوب تقليده، دون تقليك (٢) .
ويقول شيخ الإسلام في وجه آخر: " تقديم المعقول على الأدلة الشرعية ممتنع متناقض، وأما تقديم الأدلة الشرعية فهو يمكن مؤتلف، فوجب الثاني دون الأول " (٣)، وذلك لأن الشرع واحد، مستقيم وهو قول الصادق فلا يختلف باختلاف أحوال الناس، أما العقول فمختلفة متفاوته، فقد يعلم زيد بعقله ما لا يعلمه عمرو، بل إن زيدًا نفسه يعلم بعقله في وقت ما يجهله في وقت آخر.
وقد ضرب شيخ الإسلام لذلك بعدة أمثلة واقعية بين العقلاء في أمور عقدية،
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/١٣٨) .
(٢) انظر: درء التعارض (١/١٣٨) .
(٣) انظر: درء التعارض (١/١٣٨) .
[ ٢ / ٨٣٤ ]
٤ - أن أمور السمع معلومة بالاضطرار
هذا يدعي بعقله شيئًا وذلك يدعي بعقله شيئًا مخالفًا لهذا الذي ادعاه الأول، ومن ذلك أن أكثر العقلاء يقولون: نحن نعلم بضرورة العقل وامتناع رؤية مرئى بلا مقابلة ولا جهة، وبعض العقلاء يقولون: إن هذا ممكن.. وهكذا (١) .
وقد صاغ شيخ الإسلام معارضة قانونهم في موضع آخر بقوله: " يعارض دليلهم بنظير ما قالوه، فيقال: إذا تعارض العقل والنقل، وجب تقديم النقل، لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول - ﷺ -، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضًا للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجبًا عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه، وهذا بين واضح؛ فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته، وأن حبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون هذه الأدلة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العق دليلًا صحيحًا، وإذا لم يكن دليلًا صحيحًا لم يجز أن يتبع بحال، فضلًا عن أن يقدم، فصار تقديم العقل على النقل قدحًا في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله.. " (٢) .
والعقل إنما دل على صدق النقل، وثبوت ما جاء به في نفس الأمر، فإذا قيل: إن العقل عارض هذا النقل كان ذلك قدحًا في العقل الدال على النقل من باب أولى، وقد أورد شيخ الإسلام اعتراضات كثيرة وأجاب عنها (٣) .
رابعًا: أن أمور السمع - التي يقال: إن العقل عارضها - معلومة بالاضطرار وذلك كإثبات الصفات والمعاد ونحو ذلك، فإن هذه " مما علم الاضطرار أن الرسول - ﷺ - جاء بها، وما كان معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام
_________________
(١) درء التعارض (١/١٤٥-١٤٦) .
(٢) المصدر السابق (١/١٧٠-١٧١) .
(٣) المصدر نفسه (١/١٧٣-١٩٢) .
[ ٢ / ٨٣٥ ]
امتنع أن يكون باطلًا، مع كون رسول الله حقًا، فمن قدح في ذلك وادعى أن الرسول لم يجيء به كان قوله معلوم الفساد بالضرورة من دين المسلمين " (١)، يوضح ذلك أن أهل العلم الذين عنوا بعلم الرسول، العالمين بالقرآن وتفسيره وبسنة الرسول - ﷺ -، والعالمين بأخباره وأخبار الصحابة " عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ومراده مالا يمكن دفعه عن قلوبهم، ولهذا كانوا متفقين على ذلك من غير تواطؤ ولا تشاعر، كما اتفق أهل الإسلام على نقل حروف القرآن، ونقل الصلوات الخمس، والقبلة، وصيام شهر رمضان، وإذا كانوا قد نقلوا مقاصده ومراده عنه بالتواتر، كان ذلك كنقلهم حروفه وألفاظه بالتواتر، ومعلوم أن النقل المتواتر يفيد العلم اليقيني، سواء كان التواتر لفظيًا أو معنويًا، كتواتر شجاعة خالد وشعر حسان " (٢) .
ولا يقول عاقل: إن الصحابة والتابعين لم يكونوا عالمين بالكتاب والسنة ولا عارفين بمراد الرسول - ﷺ - ومقاصده، إلا أن يكون من أهل الإلحاد والزندقة، لأن من سير أحوال الصحابة والتابعين علم أنهم كانوا أفقه الناس وأعلم الناس، وهو الذين نقلوا إلينا الشرع فهم أعلم الناس بما ينقلونه معرفة وفهمًا، وإذا كان الأمر كذلك فيمتنع أن يعارض هذا المعلوم المشهور المتواتر عنهم عقلي أو غيره.
ولاشك أهل الحديث والسنة، الذين يعنون بحديث رسول الله - ﷺ - رواية ودراية، لديهم من الموازين والمعايير الدقيقة التي توصلهم إلى العلم اليقيني، مالا يوجد عند أصحاب هذا القانون من أهل الكلام، ولذلك ففي الوقت الذي يصرّ هؤلاء على الطعن بكتاب الله وسنة رسوله لقانون عقلي طرأ عليهم - وفي الغالب أنهم قلدوا فيه غيرهم - نجد أهل السنة لا يخطر ببالهم خاطر من ذلك لمعرفتهم وثقتهم المطلقة بما في الكتاب والسنة، بل يرون أن معارضتهما من صفات المنافقين وأهل البدع والكلام المذموم.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/١٩٥) .
(٢) المصدر نفسه: الصفحة نفسها.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
٥ - أن هذا القانون مخالف لما هو معلوم من أن مهمة الرسل البيان والهدى
خامسًا: أن هذا القانون مخالف لما هو معلوم من أن مهمة الرسل والبيان والهدى، ولذلك فهو من فعل المكذبين لهم، وقد شرح شيخ الإسلام ذلك من خلال الأوجه التالية:
أ - أن معارضة أقوال الرسول بأقوال غيرهم هو من فعل الكفار، قال الله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (غافر:٤)، وقال: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ (الكهف:٥٦)، وغيرها، " ومن المعلوم أن كل من عارض القرآن وجادل في ذلك بعقله ورأيه فهو داخل في ذلك، وإن لم يزعم تقديم كلامه على كلام الله ورسوله، بل إذا قال ما يوجب المرية والشك في كلام الله فقد دخل في ذلك، فكيف بمن يزعم أن ما يقوله بعقله ورأيه مقدم على نصوص الكتاب والسنة؟ " (١)، ومعارضة الكتب الآلهية بأقوال الرجال من أصول الكفر، والمعارضة قد تكون أحيانًا صريحة، وأحيانًا مبطنة كما يفعل كثير من أهل الإلحاد والكلام المذموم.
ب - " إن الله سبحانه ذم من ذمه من أهل الكفر على أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران:٩٨-٩٩)، ومعلوم أن سبيل الله هو ما بعث به رسله مما أمر به وأخبر عنه، فمن نهى الناس نهيًا مجردًا عن تصديق رسل الله وطاعتهم، فقد صدهم عن سبيل الله، فكيف إذا نهاهم عن التصديق بما أخبرت به الرسل، وبين أن العقل يناقض ذلك، وأنه يجب تقديمه على ما أخبرت به الرسل " (٢)، ومن فعل ذلك فقد بغى سبيل الله عوجًا، وقدم عليها ما يرى أنه مستقيم من دليله العقلي المبتدع.
_________________
(١) درء التعارض (٥/٢٠٦) .
(٢) المصدر السابق (٥/٢١٠) .
[ ٢ / ٨٣٧ ]
جـ - أن الله أرسل رسوله بالهدى والبينات ليخرج الناس من الظلمات إلى النور - ودلائل هذا من القرآن كثيرة لا تحصى - وقول هؤلاء مناقض لهذه الحقيقة مناقضة تامة لأنهم يزعمون أن ما جاء به الرسول من إثبات الصفات لله معارض بالعقول فيجب تأويله، وأن النصوص بعد تأويلها تأويلات من عندهم لم يذكرها رسول الله تكون واضحة مفهومة صحيحة المعنى، ونتيجة هذا أن النصوص التي بلغتنا عن رسول الله - ﷺ - ليس فيها الهدى والبيان، وهذا محادة لله ولرسوله ومناقضة لدعوة الرسول (١) .
د- " إنّا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول: هذا القرآن أو الحكمة الذي بلغته إلينا قد تضمن أشياء كثيرة تناقض ما علمنا بعقولنا، ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله - مع أن عقولنا تناقض ذلك لكان ذلك قدحًا فيما علمنا به صدقك، فنحن نعتقد موجب الأقوال المناقضة لما ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنهن لا نتلقى منه هدى ولا علم (٢) - لم يكن مثل هذا الرجل مؤمنًا بما جاء به الرسول لم يرضَ الرسول منه بهذا " (٣)، ولاشك أن هذا القانون الفاسد متضمن لمثل مقالة هذا الرجل فحكمهما واحد.
هـ - أن معارضة الأنبياء بمثل هذه الأمور هو من فعل الشياطين المعادين للأنبياء، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام:١١٢)، وهذا منطبق على هؤلاء الذين ابتدعوا كلامًا محدثًا صدوا به عن كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - ولهذا قال أحد زعماء الجهمية: " ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن، فأقروا به في الظاهر، ثم صرفوه بالتأويل، ويقال: إنه قال: إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل" (٤)، فهذا مما يوحي به هؤلاء لغيرهم زخرف القول غرورًا.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٢١١-٢١٤)، وانظر أيضًا (٥/٣٥٧-٣٥٨) .
(٢) كذا ولعل الصواب ولا علما.
(٣) درء التعارض (٥/٢١٤-٢١٥) .
(٤) المصدر السابق (٥/٢١٨) .
[ ٢ / ٨٣٨ ]
و- أن الله تعالى ذم أهل الكتاب على ما فعلوه من عدة وجوه:
- كتمانهم ما أنزل الله.
- والكذب فيه.
- وتحريفه.
- وعدم فهمه.
وأهل الكلام مشابهون لهم في هذه الوجوه:
- فهم تارة يعرضون عن كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - ويعارضونهما بآرائهم وأهوائهم فيكتمون الأحاديث المخالفة لأقوالهم.
- وأحيانًا يضعون بعض الأحاديث التي توافق بدعهم.
- وهم أيضًا يحرفون النصوص بأنواع التأويلات الفاسدة.
- وهم أيضًا لا يفهمون النصوص لأنهم إما أن يؤولوها إلى معانٍ أخرى، أو يفوضونها فيصيرون مثل أهل الكتاب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني (١) .
وهذا واضح من التطبيق العملي لأحوال أهل الكلام فهم معرضون عن الكتاب، أما السنة فهم أجهل الناس بها - كما سبق بيانه -.
ز- أن من المقطوع به أن الرسول أوجب على الخلق تصديقه فيما أخبر به ومن لم يكن كذلك لم يكن مؤمنًا به، وإذا كان كذلك كانت أقوال هؤلاء التي يعارضون بها أقواله معلومة الفساد بالضرورة (٢) .
ح - أن الله ذكر في كتابه أنه ضمن الهدى والفلاح لمن اتبعه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:٢)، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٢٢٣-٢٢٧) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/٣٣٨-٣٣٩) .
[ ٢ / ٨٣٩ ]
٦ - النتائج الفاسدة التي تنتج عن هذا القانون٣
وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (طه:١٢٣-١٢٧)، والآيات في ذلك كثيرة جدًا دالة على أن ما جاء به القرآن فيه الهداية التامة وأن من اتبعه وصدقه فقد اهتدى إلى الصراط المستقيم، ومن أعرض عنه فقد ضل وغوى فكيف بمن قال بنقيض ما جاء به؟
ومعلوم أن " للضلال تشابهًا في شيئين:
أحدهما: الإعراض عما جاء به النبي - ﷺ -.
والثاني: معارضته بما يناقضه " (١) .
وأهل الكلام لهن نصيب وافر من هذين (٢) .
سادسًا: النتائج الفاسدة التي تنتج عن هذا القانون الذي أتى به هؤلاء، وقد بين شيخ الإسلام أن هذا القانون فتح أبوابًا عديدة من الشر، وكانت له آثاره السيئة في الأمة الإسلامية، وهذه الآثار أدت إما إلى ضعف ثقة المسلمين بكتاب ربهم وسنة نبيه محمد - ﷺ - حيث أصبحت عند كثير من أتباع هؤلاء لا يستفاد منها علم يقيني بل هي ظواهر يجب تأويلها أو تفويضها، وإما إلى تسلط أهل الباطل من أهل الفلسفة والباطنية على المسلمين حين سوغوا لأنفسهم تأويل النصوص التي لم يخالف فيها أحد حتى من أهل الكلام؛ احتجاجًا بتأويل أهل الكلام لنصوص أخرى مشابهة لتلك في الدلالة.
أ - فقد بين شيخ الإسلام أن غاية ما ينتهي إليه هؤلاء إما إلى التأويل وإما إلى التفويض، وهذا من أعظم الضلال والقدح في الكتاب والسنة، وقد شرح ذلك شيخ الإسلام (٣) .
ب - أن منهج هؤلاء في رد نصوص الصفات وغيرها، هو نفسه الذي سلكه ملاحدة الفلاسفة والباطنية الذين أنكروا ما أخبر الله به من أمور الآخرة
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٣٧٦) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/٣٧٨-٣٧٩) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (١/٢٠١-٢٠٨) .
[ ٢ / ٨٤٠ ]
فأولوها تأويلات أخرى، وكذلك فعلوا فيما يتعلق بأركان العبادات كالصلاة والزكاة والحج والصيام حيث جعلوها للعامة دون الخاصة، أوأولوها تأويلات أخرى كما فعلت الباطنية.
وهذه الاستطالة من هؤلاء الملاحدة على المتكلمين من أخطر الأمور التي كانت من آثار سلوك المتكلمين هذا القانون الفاسد. وقد اهتم شيخ الإسلام بهذه القضية وأطال فيها الكلام (١)، ولأهمية ذلك في منهج شيخ الإسلام العام في الرد على الأشاعرة فسنفرده إن شاء الله في فقرة مستقلة ضمن هذه الخطوط العامة في منهجه في الرد على الأشاعرة.
ج - ومن الآثار السيئة أن مآل هؤلاء الذين يعارضون كلام الله وكلام رسوله بعقولهم إلى أحد حالين:
١- إن كانوا من ملاحدة الفلاسفة والقرامطة، فمآل كلامهم إلى إبطال الشرائع وذلك بإسقاط الواجبات واستحلال المحرمات.
٢- وإما إن كانوا من أهل الكلام فلابد لهم من التأويل الفاسد، وهؤلاء قد أدى بهم هذا إلى التناقض، إما بفهم فاسد حيث ظنوا أنه لابد من تأويل مثل قوله: الحجر الأسود يمين الله في الأرض (٢)، وعبدي جعت فلم تطعمني (٣)، حيث يظنون أن المعنى الفاسد هو الظاهر لهذه النصوص، وهذا فهم فاسد، وإما بتأويلهم لنصوص صريحة واضحة في الصفات أو غيرها فيتأولونها على وجوه أخرى فاسدة، ومعلوم أن نصوص الكتاب والسنة واضحة الدلالة مفهومة المعنى، ولكن هؤلاء بسبب قانونهم الفاسد لم يكن لهم قانون واضح مستقيم يفرقون به بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل والنصوص التي لا تحتاج إلى تأويل (٤) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٣-٢٠٣) .
(٢) سبق تخريجه (ص: ٥٦٣-٥٦٤) .
(٣) رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل عبادة المريض، ورقمه (٢٥٦٩) .
(٤) انظر: درء التعارض (٥/٢٣٤-٢٤١) .
[ ٢ / ٨٤١ ]
٧ - اللوازم الفاسدة التي تنتج عن هذا القانون
د - ومن الآثار الفاسدة أن هؤلاء المتكلمين لم يبقَ معهم من الطرق التي يسلكونها إلا طريقان:
- إما طريق النظار وهي الطريق القياسية العقلية.
- وإما طريق الكشف والتصوف.
ومعلوم أن في هذين الطريقين من التناقض والمخالفة للكتاب والسنة ما هو معروف مشهور، ومن المعلوم أن النتيجة التي ينتهي إليها من سلك الطريق الأول: الحيرة والشك كما حدث لكثير من أهل الكلام، ومن سلك الطريق الثاني: انتهى به الأمر إلى الشطح المؤدي إلى الإلحاد (١) .
سابعًا: وهناك أيضًا لوازم فاسدة تلزم من قال بهذا القانون ومن ذلك:
أ - أن قول هؤلاء يؤدي إلى الاعتقاد بأن الرسول - ﷺ - لم يبين للناس أصول دينهم، ولا عرفهم علمًا يهتدون به، وإنما بين لهم الأمور العملية فقط كالعبادات والمعاملات وغيرها، فيلزم من هذا أن تكون عقولهم ومشايخهم الذين بينوا لهم أشرف العلوم وهي علوم أصول الدين، أفضل من الأنبياء الذين لم يبينوا إلا الأضعف وهو الأمور العملية، وفعلًا أدى هذا ببعض الملاحدة إلى أن يفضلوا الفيلسوف أو الولي على النبي، " ومن لم يصل إلى هذا الحد من ملاحدة المتكلمين والمتعبدين ونحوهم، فقد شاركهم في الأصل، وهو تفضيل أئمته وشيوخه على الأنبياء، ومن لم يقر منهم بتفضيل أئمته وشيوخه على الأنبياء لزمه ذلك لزومًا لا محيد عنه.. إذا جعل العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله والمعاد لا يستفاد من خطاب الأنبياء وكلامهم وبيانهم وطريقهم التي بينوه، وإنما يستفاد من كلام شيوخه وأئمته" (٢) .
ب - أنه يلزم -إذا كانوا يعتقدون أنه لا يستفاد من كلام الله ورسوله شيء في بيان أصول الدين - يلزم من هذا أن الأنبياء قد لبسوا على الناس ودلسوا،
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٢٤٥-٢٤٦)، وانظر مثلًا على ذلك من كلام الغزالي (٥/٣٤٦-٣٥٧) .
(٢) انظر: درء التعارض (٥/٣٦٣) .
[ ٢ / ٨٤٢ ]
بل أصلوهم وجهلوهم، أو حيروهم وشككوهم وجعلوهم مذبذبين لا يعرفون الحق من الباطل، " فعند هؤلاء: كلام الأنبياء وخطابهم في أشرف المعارف وأعظم العلوم، يمرض ولا يشفى، ويضل ولا يهدي، ويضر ولا ينفع، ويفسد ولا يصلح، ولا يزكي النفوس ويعلمها الكتاب والحكمة، بل يدسي (١) النفوس ويوقعها في الضلال والشبهة، بل يكون كلام من يسفسط تارة ويبين أخرى، كما يوج في كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة كابن الخطيب وابن سينا، وابن عربي، وأمثالهم، خيرًا من كلام الله وكلام رسله، فلا يكون خير الكلام كلام الله، ولا أصدق الحديث حديثه.. " (٢)، يقول شيخ الإسلام: " وإنما ذكرنا هذا لأن كثيرًا من الجهمية النفاة يقولون: فائدة إنزال هذه النصوص المثبته للصفات، وأمثالها من الأمور الخبرية التي يسمونها هم المشكل والمتشابه، فائدتها عندهم: اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها بالأدلة المعارضة لها، حتى تنال النفوس كد الاجتهاد، وحتى تنهض إلى التفكير والاستدلال بالأدلة العقلية المعارضة لها، الموصلة إلى الحق، فحقيقة الأمر عندهم أن الرسل خاطبوا الخلق بما لا يبين الحق، ولا يدل على العلم، ولا يفهمن منه الهدى، بل يدل على الباطل، ويفهم منه الضلال " (٣) . ثم ضرب لذلك بمثال (٤) .
ج - أنه يلزم أيضًا على قولهم أن يكون الرسل تكلموا في غاية الجهل والضلال أو في غاية الإفك والبهتان والإضلال، وذلك لأن هؤلاء يزعمون أن الرسل لما تكلموا في الأمور الإلهية كان كلامهم غير دال على الحق في الأمور الإلهية ولا أفاد علمًا فيها: " بل دلالته الظاهرة نقيض الحق والعلم والعرفان مفهمّة لضد التوحيد والتحقيق الذي يرجع إليه ذووا الإيقان " (٥)، وهذا لازم قول هؤلاء. ومن المعلوم أن الرسول - ﷺ - كان من أعلم الخلق بربه وبأسمائه وصفاته وملائكته ومعاده.
_________________
(١) لعل التعبير جاء من قوله تعالى ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس]، وانظر تهذيب اللغة للأزهري ١٢/٢٨٠، وتفسير هذه الآية في الطبري وابن كثير وفتح البيان في مقاصد القرآن لصديق حسن خان وغيرها، وانظر حاشية محقق درء التعارض في هذا الموضع، وخلاصة معنى الآية، قد خسر من أخفاها وأخملها ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح.
(٢) درء التعارض (٥/٣٦٤) .
(٣) درء التعارض (٥/٣٦٥) .
(٤) المصدر نفسه (٥/٣٦٦-٣٦٨) .
(٥) المصدر السابق (٥/٣٧٠) .
[ ٢ / ٨٤٣ ]
٨ - أن حقيقة قولهم أن لا يحتج بالقرآن والحديث
وأنه أحرص الناس على تعليم الخلق وبيان الحق لهم وأدلة ذلك كثيرة جدًا (١) .
فهذه لوازم فاسدة وخطيرة تلزم على قول هؤلاء الذين جاءوا بهذا القانون الفاسد يقدمون فيه عقولهم على الكتاب والسنة.
ثامنًا: أن حقيقة قول هؤلاء - الذين يعارضون النقل والعقل - " أن لا يحتج بالقرآن والحديث على شيء من المسائل العلمية، بل ولايستفاد التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله، فإنه إذا جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح العقل، ويجب تقديمه عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول العقل، ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل (٢)، لزم أن لا يستفاد من نصوص الوحي شيء.
ومعلوم أن العقول مختلفة ومتفاوتة، وأهل الطوائف كلٌ يدعي أن معقوله يعارض النصوص أو طائفة منها، فإذا كانت الطوائف متباينة في أقوالها ومذاهبها، فقد عورضت النصوص بمعقولات متباينة مختلفة، والنتيجة أن نصوص الوحي أصبحت لا حرمة لهان بل ولا حجة فيهان بل من جوز على خبر الله وخبر رسوله أن يناقضه المعقول لم يمكنه أن يصدق بشيء من أخبار الوحي عن الأمور الغائبة، وهذا إبطال للوحي وللرسالات.
وأهل الإيمان يعلمون أن خبر الله ورسوله حق وصدق " موافق لما الأمر عليه في نفسه، لا يجوز أن يكون شيء من أخباره باطلًا ولا مخالفًا لما هو الأمر عليه في نفسه، ويعلمن من حيث الجملة أن كل ما عارض شيئًا من أخباره وناقضه فإنه باطل من جنس حجج السوفسطائية، وإن كان العالمن بذلك قد لا يعلم وجه بطلان تلك الحجج المعارضة لأخباره، وهذه حال المؤمنين للرسول، الذين علموا أنه رسول الله الصادق فيما يخبر به، يعلمون من حيث الجملة أن ما ناقض خبره فهو باطل، وأنه لا يجوز أن يعارض خبره دليل صحيح، لا عقلي ولا سمعي " (٣) . وقد شرح شيخ الإسلام هذا في موضع آخر (٤)، وذكر أن حذاق المتكلمين التزموا القول بهذه النتيجة الباطلة، ومنهم الرازي الذي قال بعد
_________________
(١) درء التعارض (٥/٣٧١-٣٧٤) .
(٢) درء التعارض (٥/٢٤٢) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٥/٢٥٥) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (٥/٣٢٠) .
[ ٢ / ٨٤٤ ]
أن ذكر في التمسك بالسمعيات أن المطالب ثلاثة أقسام: منها ما يستحيل حصول العلم بها بواسطة السمع، ومنها ما يستحيل العلم بها إلا بالسمع، ومنها ما يصح العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى "،وبعد أن شرح الرازي ذلك قال: " إذا عرفت ذلك فنقول: أما أن الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في الأصول في القسم الأول فهو ظاهر..
وأما القسم الثالث ففي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه إشكال: وذلك لأننا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل السمعي، فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي، لأنه إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر النقل وبين مقتضى الدليل العقلي، فإما نكذب العقل، وإما نؤول النقل، فإن كذبنا العقل، مع أن النقل لا يمكن إثباته إلا بالعقل، فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا العقل، فحينئذٍ تكون صحة النقل متفرعة على ما يجوز فساده وبطلانه، فإذن لا يكون النقل مقطوع الصحة، وما أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلًا، فتعين تأويل النقل " (١) .
- وهذا هو مضمون القانون الذي سبق نقله عن الرازي في أساس التقديس، والكلام الخطير قول الرازي بعد هذا مباشرة: " فإذن الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوحود مدلوله إلا بشرط أن لا يوجد دليل عقلي على خلاف ظاهره، فحينئذٍ لا يكون الدليل النقلي مفيدًا للمطلوب إلا إذا بينا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره، ولا طريق لنا إلى إثبات ذلك الأمر إلا من وجهين: إما أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل النقلي - وحينئذٍ يصير الاستدلال بالنقل فضلًا غير محتاج إليه - وإما أن نزيف أدلة المنكرين لما دل عليه ظاهر النقل، وذلك ضعيف لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه أن لا يكون هناك معارض أصلًا، اللهم إلا أن نقول: إنه لا دليل على هذه المعارضات فوجب نفيه، ولكنا زيفنا هذه الطريقة، أو نقيم دلالة قاطعة على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص، ولا المقدمة الفلانية الأخرى، وحينئذٍ يحتاج إلى إقامة الدلالة على أن كل واحدة من هذه المقدمات التي لا نهاية
_________________
(١) نهاية العقول - مخطوط - (١٤ -أ-ب)، ونقله شيخ الإسلام في درء التعارض (٥/٣٣٠-٣٣١) ..
[ ٢ / ٨٤٥ ]
لها غير معارضة لهذا الظاهر " - يقول الرازي -: " فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين بعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي، وثبت أن الدليل النقلي يتوقف إفادته اليقين على ذلك، فإذا الدليل النقلي تتوقف إفادته على مقدمة غير يقينية وهي عدم دليل عقلي، فوجب تأويل ذلك النقل.."، ثم قال: " فخرج مما ذكرناه أن الدلالة النقلية لا يجوز التمسك بها في المسائل العلمية.." (١) .
قال شيخ الإسلام معلقًا على كلام الرازي هذا " قلت فليتدبر المؤمن العاقل هذا الكلام، مع أنه قد ينزل فيه درجة، ولم يجعل عدم إفادته اليقين إلا لتجويز المعارض العقلي، وإلا فهو وغيره في موضع آخر -ينفون أن يكون الدليل السمعي مفيدًا لليقين لكون موقوفًا على مقدمات ظنية كنقل اللغة والنحو التصريف، وعدم المجاز، والاشتراك، والنقل والإضمار، والتخصيص وعدم المعارض السمعي أيضًا مع العقلي (٢)، وبهذا دفع الآمدي (٣)، وغيره الاستدلال بالأدللة السمعية في هذا الباب.. والمقصود هنا أن نبين اعترافهم بما ألزمناهم به، وإذا كان كذلك فيقال: نحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول أن النبي - ﷺ - إذا أخبر أمته بما أخبرهم به من الغيب من أسماء الله وصفاته وغير ذلك، فإنه لم يرد منهم ألا يقروا بثبوت شيء مما أخبر به إلا بدليل منفصل غير خبره، فإذا كان القول مستلزمًا لكون الرسول أراد أن لا يثبت شيء بمجرد خبره، وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه كذب على الرسول، علم أن هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام " (٤) .
بقي إن يقال أن الرازي لما قسم المطالب إلى ثلاثة أقسام، جعل منها قسمًا لا يعلم إلا بالسمع وهو ما ترجع فيه أحد طرفي الممكن على الآخر (٥)، فهل يتمشى هذا مع ما قاله سابقًا عن الظواهر النقلية أنها مظنونة وأنها لا تفيد اليقين؟
_________________
(١) نهاية العقول (١٤ - ب) ونقله في درء التعارض (٣٣١-٣٣٣) .
(٢) انظر: أساس التقديس للرازي (ص: ١٨٢) .
(٣) انظر: أبكار الأفكار (٤١-ب) .
(٤) انظر: درء التعارض (٥/٣٣٥-٣٣٦) .
(٥) انظر: نهاية العقول (١٤- أ)، ودرء التعارض (٥/٣٢٩) .
[ ٢ / ٨٤٦ ]
٩ - أن المسائل التي يقولون أن العقل عارضها مسائل متشبهة وأهل الكلام فيها يختلفون
الحق أن هذا تناقض، يقول شيخ الإسلام: " ومعلوم أن ما ذكروه ينفي أن يكون الدليل السمعي حجة في هذا القسم أيضًا، وذلك لأن الشيء الذي يمكن وجوده وعدمه، إذا دل الدليل السمعي على أحد طرفيه، وجوزنا أن لا يكون مدلول الدليل السمعي ثابتًا، أمكن هنا أيضًا أن لا يكون ذلك المخبر به ثابتًا في نفس الأمر، وأن يكون الشارح لم يرد ما دل عليه قوله، ولا يحتاج ذلك إلى تجويز قيام دليل عقلي يعارض ذلك.. وحينئذٍ فلا يستدل بالسمع على مالا مجال للعقل فيه من الأمور الأخروية، وهذا نهاية الإلحاد " (١) .
ومن خلال ما سبق يتبين كيف أن هذا القانون مؤداه إبطال السمع والاقتصار على أدلة العقول، وهذا منتهى قانونهم الفاسد.
تاسعًا: أن المسائل التي يقولون -إنه تعارض فيها العقل والسمع - هي من المسائل المشتبهة، ولذلك فإن أهل الكلام حيالها مختلفون لأن كل طائفة منهم بنت أقوالهم في هذه الأمور المجملة المشتبهة على ما عندها من المعقولات التي تدعي أنها قطعية تفصل في الأمر المراد.
وبيان ذلك كما يلي:
أ - أن عامة موارد التعارض " هي من الأمور الخفية المشتبهة التي يحار فيها كثير من العقلاء، كمسائل أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما بعد الموت من الثواب والعقاب والجنة والنار والعرش والكرسي، وعامة ذلك من أنباء الغيب التي تقصر عقول أكثر العقلاء عن تحقيق معرفتها بمجرد رأيهم، ولهذا كان عامة الخائضين فيها بمجرد رأيهم:
- إما متنازعين مختلفين.
- وإما حيارى متهوكين.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٣٨٨) .
[ ٢ / ٨٤٧ ]
وغالبهم يرى أن إمامة أحذق في ذلك منه، ولهذا تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما يقولون إنه من العقليات المعلومة بصريح العقل" (١)، ويستشهد شيخ الإسلام لذلك بنماذج تبين أن هؤلاء يعتقدون أن أئمتهم أعلم وأحذق، ولذا فهم يحيلون عليهم في الأمور التي لا يفهمونها، وربما يرون أن عقولهم تعارضها لكنه يهاب مخالفة إمامه، يقول شيخ الإسلام: " تجد أتباع أرسطو ليس يتبعونه فيما ذكره من المنطقيات والطبيعيات والإليهات، مع أن كثيرًا منهم قد يرى بعقله نقيض ما قاله أرسطو، وتجده لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته، أو ينسب النقص في الفهم إلى نفسه. ز"، ثم يقول شيخ الإسلام: " بل هذا موجود في أتباع أئمة الفقهاء وأئمة شيوخ العبادة، كأصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم، تجد أحدهم دائمًا يجد في كلامهم ما يراه هو باطلًا، وهو يتوقف في رد ذلك، لاعتقاده أن إمامه أكمل منه عقلًا وعلمًا ودينًا، هذا مع علم كل من هؤلاء أن متبوعه ليس بمعصوم، وأن الخطأ جائز عليه؟ " (٢) .
والعجيب أن هؤلاء المقلدين لأئمتهم لا يقول أحدهم أبدًا: إذا تعارض قولي مع قول إمامي قدمت قولي على قوله، فكيف يقول: إذا تعارض عقلي أو عقل فلان مع الكتاب والسنة وجب تقديم العقل عليه؟
ب - أن كل طائفة تدعي أن ما عندها معلوم بالأدلة العقلية القطعية ومن نظر في أقوال وأدلة الفلاسفة، والجهمية، والمعتزلة، والرافضة، وغيرهم فسيجد أن كل طائفة من هؤلاء تدعي أن قولها ومذهبها قائم على الأدلة العقلية أو السمعية الصحيحة، وأن من خالفها من سائر الطوائف متناقضون مخالفون لصريح العقل أو السمع، بل الأمر أشد من ذلك فإن الطائفة الواحدة يقع بين أئمتها وأصحابها من الاختلاف والتباين ما هو معلوم مشهور وكل واحد من هؤلاء يدعي أن ما عنده قائم على الأدلة الصحيحة، وكل ما كانت الطائفة أبعد عن السلف كان اختلاف أقوالها أكثر.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/١٥١) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١/١٥١-١٥٥) .
[ ٢ / ٨٤٨ ]
فمثلًا إذا نظرت إلى مسألة الصفات أو الرؤية، أو خلق أفعال العباد فستجد طائفة تقول: إن إثبات هذه الأمور معلوم بالأدلة العقلية القطعية، وتقابلها طائفة أخرى تقول: إن نفي هذه الأمور معلوم العقلية والقطعية، وهكذا بقية المسائل، وكل من الطائفتين فيهم من الذكاء والمعرفة ما هم متميزون به عن بقية الناس (١)، فما هو المعقول الذي يرجع إليه ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه؟
ولقد كان من نتائج هذا القانون - مع تباين عقول الناس - أن انتهى الأمر بكثير من أهل الكلام إلى الشك والحيرة، كما حصل للجويني، والشهرستاني والرازي وغيرهم (٢) - وسيرد تفصيل ذلك إن شاء الله - يقول شيخ الإسلام معقبًا: " فإذا كان فحول النظر وأساطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلى الغاية، وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات، ثم لم يصلوا فيها إلى معقول صريح يناقض الكتاب، بل إما إلى حيرة وارتياب، وإما إلى اختلاف بين الأحزاب، فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه من العقليات.
فهذا وأمثاله مما يبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه لم يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو جهل مركب.." (٣)، ويفسر أهل الجهل البسيط بأنهم أهل الشك والحيرة، وأهل الجهل المركب بأنهم أرباب الاعتقادات الفاسدة (٤) .
ج - أن دلالة السمع متفق عليها:
- أما عند أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فهو أمر واضح متواتر.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/١٥٦) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١/١٦٦) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (١/١٦٩) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (١/١٧٠) .
[ ٢ / ٨٤٩ ]
- وأما عند أهل الكلام فإن هؤلاء لم يتنازعوا في أن السمع من الأدلة، وإنما اختلفوا هل عارضه العقل أم لا؟ وإلا فكلهم متفقون على أن الكتاب والسنة مثبتان للأسماء والصفات، والمعاد. وغيرها.
أما أدلة العقول - التي جاء بها هؤلاء يعارضون بها السمع - فهي أدلة مختلف فيها، غير متفق عليها، والدليل على ذلك ما سبق من أن كل طائفة تقول، إن أدلة خصومها باطلة.
وإذا كانت دلالة السمع متفقًا عليها، ودلالة العقول مختلفًا فيها فإنه يمتنع أن يقدم ما هو مختلف فيه على ما هو متفق عليه (١) .
د - أن ما جاء به هؤلاء مبني على الألفاظ المجملة، ولذلك فهو من البدع المحرمة في الدين " والبدعة لو كانت باطلة محضًا لظهرت وبانت، وما قبلت، ولو كانت حقًا محضًا، لاشوب فيه، لكانت موافقة للسنة، فإن السنة لا تناقض حقًا محضًا لا باطل فيه، ولكن البدعة تشتمل على حق وباطل " (٢)، ثم استشهد شيخ الإسلام بقوله تعالى لبني إسرائيل: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ* وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ* وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٤٠-٤٢)، وبين شبه المتكلمين بهؤلاء (٣)، وقد ضرب شيخ الإسلام للألفاظ المجملة التي لبسوا بها بين الحق والباطل، بعدة أمثلة منها:
١- لفظ " التوحيد " وكيف قصدوا به نفي الصفات عن الله (٤) .
٢- لفظ الجسم والتركيب، حيث نفوا لأجلهما الصفات (٥) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/١٩٢-١٩٤) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١/٢٠٩) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (١/٢٠٩-٢١١،٢١٩-٢٢٠) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (١/٢٢٤) .
(٥) انظر: المصدر نفسه (١/٢٣٨) .
[ ٢ / ٨٥٠ ]
٣- الرؤية (١) .
٤- الجهة (٢) .
٥- الجبر (٣) .
٦- ومسألة اللفظ بالقرآن (٤) .
وقد بين كيف وقع اللبس بهذه الألفاظ، وموقف أهل السنة من الأقوال المبتدعة التي لبس أصحابها بها بين الحق والباطل (٥) .
عاشرًا: بيان فساد العقليات التي يدعون أنها معارضة للأدلة الشرعية:
في الوجوه السابقة ناقش شيخ الإسلام هذا القانون الفاسد بطرق متعددة تبين تناقضهم، ومخالفتهم للكتاب والسنة، وتكشف ما في قانونهم من المحادة لله ولرسوله، وما لزم عليه من اللوازم الباطلة، وما انتهى إليه من النهايات الفاسدة.. الخ أما في هذا الوجه فقد انتقل فيه شيخ الإسلامن إلى مجال آخر وطريقة أخرى في نقض قولهم وبيان ما فيه من الباطل.
وقد سبق في المقدمات - قبل ذكر هذه الردود التي فيها التفصيل في مسألة تعارض العقل والنقل - نقل بعض النصوص لشيخ الإسلام تبين منهجه في ذلك، ونزيد هنا نصًا آخر يوضح المراد. يقول: -﵀-:
" إن الكلام هنا أربعة أنواع:
أحدهما: أن نبين أن ما جاء به الكتابم والسنة فيه الهدى والبيان.
والثاني: أن نبين أن ما يقدر من الاحتمالات فهي باطلة، قد دل الدليل الذي به يعرف مراد المتكلم على أنه لم يردها.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٢٥٠) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١/٢٥٣) .
(٣) المصدر نفسه (١/٢٥٤) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (٢٥٦-٢٦٩) .
(٥) انظر: المصدر نفسه (١/٢٧١) .
[ ٢ / ٨٥١ ]
والثالث: أن نبين أن ما يدعي أنه معارض لها من العقل فهو باطل.
والرابع: أن نبين أن العقل موافق لها معاضد، لا مناقض لها معارض" (١) .
أما الأول: فقد سبق في المقدمات بيان أن شيخ الإسلام أحال على كتابين من كتبه، كما أنه بين ذلك في ثنايا ردوده ومناقشاته في هذا الكتاب.
وأما الثاني: فتدخل فيه الوجوه السابقة، ومن ذلك بحوثه المتعددة حول الألفاظ المجملة.
وأما الثالث: فتفصيل القول فيه في هذا الوجه - وسيأتي بيانه بعد قليل -.
وأما الرابع: فسيأتي في الوجه الذي يلي هذا الوجه.
فإذا كان من الخطوط العامة لمنهج شيخ الإسلام هنا أن يبين بطلان هذه المعقولات التي صدوا بها عن الكتاب والسنة.
وهنا لا بد من وقفة قصيرة لأن شيخ الإسلام خاض في المناقشات العقلية والفلسفية والكلامية، ونقل أقوال الفلاسفة والمتكلمين، وأطال في النقول، وعلّق عليها وناقشها، حتى أن القارئ لكتابه هذا يمل من كثرة نقوله ومناقشاته، واستطراداته، وقد يتوقف عن الاستمرار في القراءة لهذا السبب، ويعتب على شيخ الإسلام بعض محبيه، ظنًا منهم أنه خاض في علم الكلام والفلاسفة كما خاض أولئك لكن الفارق بينه وبينهم أنه لم يتلبس بشيء من أقوالهم الفاسدة، وأن نيته في ذلك كانت حسنة، وهذا - مع ما فيه من الاعتذار لشيخ الإسلام - إلا أنه مجانب لكامل الحقيقة لأمور:
الأول: أن شيخ الإسلام أجاب عن ذلك من خلال مناقشاته، ومن خلال أسئلة بعض محبيه كالحافظ البزار، وقد سبق ذكر عدة وجوه في ذلك عند الكلام على منهجه (٢) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٢٧٩) .
(٢) انظر: ما سبق في الباب الأول (ص: ٢٢٦-٢٣١) .
[ ٢ / ٨٥٢ ]
والثاني: أن شيخ الإسلام لم يخص فيها خوض الذين يظنون أن فيها فائدة، فضلًا عن أن يكون من المعجبين بها، فهو -﵀- - لم تتغير قناعته لحظة واحدة في أن الكتاب والسنة فيهما ما يغني كل الغنى عن أقوال وترهات الفلاسفة والمتكلمين (١)، ولذلك فإنه وهو يخوض غمار هذه المناقشات لبيان ما فيها من الباطل لا ينفك عن الإشارة إلى ما في القرآن والحديث من البيان والهدى التام.
الثالث: أن هذه الأقوال التي ينقلها ويناقشها لم تبقِ في دائرة ضيقة ككتب الفلاسفة وما شابهها حتى يقال: إن جماهير المسلمين ينكرون هذه الكتب وتأثرهم بها ضعيف، وإنما انتشرت وتناقلها وتبناها عدد كبير من أعيان الفقهاء الذين هم قدوة لكثير من الناس في الفقه وأصوله، والعقيدة والتفسير وغير ذلك من أنواع العلوم التي برزوا فيها، لذلك فكتبهم وأقوالهم وتحقيقاتهم معتمدة عند هؤلاء الأتباع الذين لا يفرقون في الاقتداء بشيوخهم بين أصول الدين وفروعه، ولذلك صار الضلال الناتج عن هذا كبيرًا جدًا، فرأى شيخ الإسلام أنه لا يمكن رد هذا الباطل وإقناع هؤلاء الأتباع إلا ببيان فساد أقوال شيوخهم وتهافتها، فنقل أقوال هؤلاء، كما نقل أقوال شيوخهم من أهل الاعتزال والفلسفة، وبين ما فيها من الضلال والانحراف.
وقد كان بيان شيخ الإسلام لفساد العقليات التي يزعمون أنها معارضة للشرع من خلال ثلاثة أوجه في كتابه هي: الوجه الثاني عشر (٢) - وهو مختصر جدًا - والثامن عشر (٣) والتاسع عشر الذي أطال فيه بحيث شمل بقية المجلد الأول (٤)، والمجلد الثاني والثالث والرابع بكاملها.
وقد كانت مناقشته لذلك كما يلي:
أ - ذكر شيخ الإسلام أن الشبه التي يعارضون بها نصوص الشرع في الأسماء والصفات أهمها شبهتان:
_________________
(١) سبق شرح هذا ضمن هذا الفصل.
(٢) درء التعارض (١/١٩٤) .
(٣) المصدر السابق (١/٢٨٠-٣٢٠) .
(٤) المصدر نفسه (١/٣٢٠) .
[ ٢ / ٨٥٣ ]
إحداهما: شبهة التركيب والتجسيم، وأنه يلزم من إثبات الصفات لله أو العلو التركيب أو أن يكون الله جسمًا، وإذا كان كذلك كان مشاركًا لغيره في الوجود، وهذا ينافي ما يجب لله من التوحيد، قالوا والمركب مفتقر إلى جزئه، وهذه الشبهة في الأصل هي حجة الفلاسفة والجهمية الذين نفوا جميع الصفات والأفعال عن الله تعالى.
والشبهة الثانية: حجة الأعراض، حيث استدلوا بحدوث الأجسام على حدوث العالم، وعلى حدوث الأجسام بملازمتها للأعراض، وهذه في الأصل حجة المعتزلة، ولأجلها نفوا جميع الصفات عن الله، مع ملاحظة أن هؤلاء قد يحتجون بالحجة الأولى التي هي شبهة التركيب والتجسيم (١) .
وقد تلفق الأشاعرة هاتين الحجتين الداحضتين وبنوا عليهما ما نفوا من العلو والصفات.
ب - ثم بين شيخ الإسلام بطلان هاتين الشبهتين:
أما شبهة التركيب والتجسيم: فقد بين فيها تناقض الفلاسفة والمتكلمين، كما بين ما في مثل هذه الألفاظ من الاشتباه (٢)، وقال: " إن إثبات المعاني القائمة التي توصف بها الذات لا بد منه لكل عاقل، وإنه لا خروج عن ذلك إلا بجحد وجود الموجودات مطلقًا، وأما من يجعل وجود العلم هو وجود القدرة، ووجود القدرة هو وجود الإرادة، فقود هذه المقالة يستلزم أن يكون وجود كل شيء هو عين وجود الخالق تعالى، وهذا منتهى الإلحاد، وهو مما يعلم بالحس والعقل والشرع أنه في غاية الفساد، ولا مخلص من هذا إلا بإثبات الصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، وهو دين الذين آمنوا وعملوا الصالحات" (٣) .
ثم رد على زعمهم أن نفي الصفات توحيد، وناقشهم في ذلك، وبين
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٣٠١-٣٠٢) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١/٢٨٠-٢٨٣) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (١/٢٨٣) .
[ ٢ / ٨٥٤ ]
أن مآل أقوالهم إلى أقوال المتصوفة أصحاب وحدة الوجود (١) .
وأما شبهة دليل الأعراض وحدوث الأجسام: فقد ناقشها طويلًا- وسيأتي إن شاء الله تعالى توضيح ردوده على هذه الشبهة - ولكن الذي يناسب المقام هنا الإشارة إلى الأمور التالية:
١- رد على هذه الشبهة بصورة مجملة، وبين أن السلف والصحابة لم يتوقف إيمانهم على هذا الطريق (٢) .
٢- لما كان الهدف الأساسي من هذا الدليل عندهم أن يثبتوا به حدوث العالم ليردوا على الفلاسفة القائلين بقدم العالم، ذكر شيخ الإسلام أن هؤلاء الملاحدة أوردوا على المتكلمين سؤالهم المشهور حول حدوث العالم، وأنهم ألزموهم بأحد أمرين:
- إما القول بالترجيح بلا مرجح تام.
- أو القول بالتسلسل والدور (٣) .
وهما ممتنعان عند المتكلمين، وقد استقصى شيخ الإسلام أجوبة المتكلمين كما ذكرها الرازي، الذي ذكر أجوبة الناس عليها، ثم بين فسادها وعدل إلى الإلزام للفلاسفة وهو أن لا يحدث - على قولهم - في العالم حادث، والحس يكذبه، وقد أجابه الفلاسفة بأن هذا لا يصح إذا كان التسلسل باطلًا، أما إذا كان صحيحًا فنحن نقول به (٤) .
٣- تخبط المتكلمون في الجواب عن شبهة الفلاسفة، وناقشوها مناقشات
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٢٨٣-٢٩١)، وحول شبهة التجسيم، انظر أيضًا: (٤/١٣٤-٢٩٠)، وقد بين أن فحول النظار والفلاسفة بينوا فساد طرق من نفى الصفات أو العلو بناء على نفي التجسيم، انظر: (٤/٢٨٢) .
(٢) انظر: درء التعارض (١/٣٠٨-٣٢٠) .
(٣) انظر: شرح ذلك في درء التعارض (١/٣٢٠-٣٢٢) .
(٤) انظر: المصدر السابق (١/٣٢٢-٣٢٣) .
[ ٢ / ٨٥٥ ]
ضعيفة (١)، يقول شيخ الإسلام - بعد أن عرضها - " قلت: المقصود هنا أن يعرف نهاية ما ذكره هؤلاء في جواب الدهرية عن المعضلة الزباء، والداهية الدهياء، ولا يخفى على العاقل الفاضل ما في هذه الأجوبة " (٢)، ثم ذكر أنه يمكن الرد على هؤلاء الفلاسفة من وجوه كثيرة، وأن كل طائفة من طوائف المسلمين تتمكن من قطعهم بجواب مركب من قولهم وقول طائفة أخرى من المسلمين، وذكر مثالًا للأجوبة التي يجاب بها هؤلاء الفلاسفة وينقض بها باطلهم (٣)، وبين في أثناء ذلك أن " كل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفي بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه اليقين " (٤)، ويقصد شيخ الإسلام أجوبة المتكلمين الضعيفة.
٤- بين شيخ الإسلام بشكل قاطع أن الرد على الفلاسفة إنما يتم على قول أهل السنة والجواعة الذين يثبتون لله الصفات ويثبتون له الأفعال، وأنه ﵎ متصف بالصفات الاختيارية التي نفاها الأشاعرة ومن قبلهم من المعتزلة وغيرهم، يقول شيخ الإسلام بعد ردوده ومناقشاته على الفلاسفة وإبطال حججهم: " وإذا تدبر العاقل الفاضل تبين له أن إثبات الصانع وإحداثه للمحدثات لا يمكن إلا بإثبات صفاته وأفعاله، ولا تنقطع الدهرية من الفلاسفة وغيرهم قطعًا تامًا عقلًا لا حيلة لهم فيه، إلا على طريقة السلف أهل الإثبات للأسماء والأفعال والصفات، وأما من نفى الأفعال أونفى الصفات فإن الفلاسفة الدهرية تأخذ بخناقه، ويبقى حائرًا شاكًا، مرتابًا مذبذبًا بين أهل الملل المؤمنين بالله ورسوله وبين هؤلاء الملاحدة كما قال تعالى في المنافقين: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ (النساء:١٤٣) (٥) .
_________________
(١) انظرها في درء التعارض (١/٣٢٠-٣٥٠) .
(٢) انظر: درء التعارض (١/٣٥٠) .
(٣) انظر: المصدر السابق (١/٣٥١) وما بعدها.
(٤) انظر: المصدر نفسه (١/٣٥٧) .
(٥) انظر: المصدر نفسه (١/٣٧٥) .
[ ٢ / ٨٥٦ ]
٥- ولما كان نقض أقوال الفلاسفة إنما يستقيم على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون لله الصفات الاختيارية، أو ما يسمى بحلول الحوادث (١)، لا على مذهب نفاتها، ذكر شيخ الإسلام أدلة السمع على أفعال الله وصفاته الاختيارية، ونقل الخلاف في هذه المسألة (٢)، ثم نقل أقوال علماء الإسلام في إثباتها (٣) . ثم ذكر ذلك مفصلة من الكتاب والسنة (٤) . والعقل (٥) .
وقد أعقب الأدلة السمعية بذكر أدلة النفاة للصفات الاختيارية، وناقشها (٦) . كما ربطها بمسألة كلام الله (٧) .
وبهذا يتبين الرد على الفلاسفة في قولهم: إن الترجيح بلا مرجح ممتنع، وإن هذه إنما ترد على نفاة صفات الأفعال الاختيارية لله تعالى، أما على مذهب أهل السنة المثبتين لها فلا ترد.
٦- أما شبهة التسلسل، فقد بين بطلان قول الفلاسفة فيها على كل تقدير (٨)، لكنه فرق بين نوعين من التسلسل:
أحدهما: التسلسل في الفاعلين، فهذا ممتنع بلا ريب لأن المخلوقات لو فرض التسلسل فيها لابد أن تنتهي إلى الخالق الواحد.
والثاني: التسلسل في الآثار، فهذا يفرق فيه بين النوع والعين، فالعين التسلسل فيه ممتنع، أما النوع فلا مانع منه وهو قول أهل السنة والحديث الذين يقولون: إن الله لم يزل فاعلًا وإنه يتكلم إذا شاء.
_________________
(١) ذكر شيخ الإسلام في درء التعارض (٢/٢٣٩)، أن أهل السنة لا يطلقون عبارة: حلول الحوادث، ومعلوم أن المتكلمين يقصدون بها الصفات الاختيارية.
(٢) انظر: درء التعارض (٢/١٨-٢٠) .
(٣) انظر: درء التعارض (٢/٢٠-١١٥) .
(٤) انظر: المصدر السابق (٢/١١٥-١٤٧) .
(٥) انظر: المصدر نفسه (٢/٢٢٠)، وما بعدها.
(٦) انظر: المصدر نفسه (٢/١٥٦)، وما بعدها (٢/٣٤٢)، وما بعدها (٤/٣)، وما بعدها.
(٧) انظر: المصدر نفسه (٢/٢٤٤) .
(٨) انظر: المصدر نفسه (١/٣٣٩)، وما بعدها (٢/٢٨٢-٢٨٨) .
[ ٢ / ٨٥٧ ]
وقد ناقش شيخ الإسلام حجة الفلاسفة في مسألة التسلسل وبين ضعف المتكلمين في جوابها، وذكر حججهم - ممثلة في أقوال الرازي - وناقشها بالتفصيل (١)، ثم عاد شيخ الإسلام يناقش مسألة حلول الحوادث كما سبق (٢) .
وفي النهاية ذكر شيخ الإسلام الخلاصة، وكيف اضطرب المتكلمون في هذه المسائل مع أنهم جعلوها من الأصول التي تقدم على الشرع قال شيخ الإسلام: " وسبب ذلك أنهم يقولون أقوالًا تستلزم الجمع بين النقيضين تارة، ورفع النقيضين تارة، بل تستلزم كليهما، والأصل العظيم الذي هو من أعظم أصول العلم والدين لا يذكرون فيه إلا أقوالًا ضعيفة، والقوال الصواب الموافق للميزان والكتاب لا يعرفونه" (٣)، وذكر من الأمثلة على ذلك مما سبق:
أ - مسألة حدوث العالم، فإنهم لا يذكرون إلا قولين:
- قول من يقول بقدم الأفلاك، وهم الفلاسفة الدهرية.
- وقول من يقول: بل تراخي المفعول عن المؤثر التام، وأنه يمتنع أن يكون الله لم يزل متكلمًا إذا شاء ويفعل إذا شاء.
- والقول الصواب الذي هو قول السلف والأئمة لا يعرفونه، وهو القول بأن الأثر يتعقب التأثير التام، فهو سبحانه إذا كوّن شيئًا كان، وهذا هو المعقول كما يكون الطلاق والانكسار عقب التطليق والكسر.
ب - وفي كونه موجبًا بذاته فاعلًا بمشيئته وقدرته يذكرون قولين:
- قول الفلاسفة: هو موجب بذاته في الأزل، وأن علّته تامة في الأزل فيجب أن يستلزم معلوله، فتكون مخلوقاته أزلية معه. وهذا باطل.
- وقول من يقول: إنه فاعل مختار، لكنه يفعل بوصف الجواز فيرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح، إما بمجرد كونه قادرًا، أو لمجرد كونه قادرًا
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٢/٣٤٤-٣٩٩، ٣/٣-٣٨٩) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٤/٣)، وما بعدها.
(٣) انظر: المصدر نفسه (٤/٢٩٠) .
[ ٢ / ٨٥٨ ]
عالمًا، أو لمجرد إرادته القديمة، فيقولون بتراخي الأثر عن المؤثر، وهذا قول أهل الكلام وهو قول فاسد، وإن كان أقل فسادًا من الذي قبله.
- أما القول الثالث وهو الصواب وإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله وجب بمشيئته وقدرته، وما لم يشأه امتنع لعدم مشيئته له فهو موجب بمشيئته وقدرته، لا بذات خالية عن الصفات. فهذا لا يذكرونه (١) .
فتبين أن هذه الأصول العقلية التي قدموها على السمع هي أصول فاسدة وأن كونهم أرادوا بها إثبات حدوث العالم والرد على الدهرية الفلاسفة، جاء على نقيض مقصدوهمن حيث لم يستطيعوا الرد عليهم، وطعن بعضهم في أدلة بعض، ولو سلكوا الطريق الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وقال به أئمة أهل السنة والحديث، لوافقوا مدلول السمع أولًا، ولنقضوا أقوال الفلاسفة الدهرية ثانيًا ولما وقعوا في الارتباك والتناقض، وتسلط أعداء الإسلام عليهم.
حادي عشر: أن العقل موافق للنقل:
في الوجه السابق بين شيخ الإسلام فساد الأصول التي اعتمدوا عليها في تقديم العقل على الشرع، وهنا يبين أن هؤلاء يزعمون أن الأدلة الشرعية لا تفيد اليقين، وأن ما ناقضها من الأدلة العقلية تفيد اليقين، فيجب تقديم هذه على تلك. فيرد عليهم ببيان أن الأدلة العقلية موافقة للأدلة النقلية لا معارضة لها، وطبق ذلك على مثال مشهور يذكرون عنده قانونهم الفاسد وهو إثبات العلو والفوقية لله تعالى.
والفرق بينهما أنه في الوجه السابق رد على من يزعم أن صدق الرسول موقوف على إثبات دليل حدوث الأجسام، وهنا يرد على من يقول: إن العقل يعارض ظواهر النصوص فيجب تقديمه من غير أن يقول: إن صدق الرسول مبني على هذا.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٤/٢٩٠)، إلى نهاية الجزء.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
ولأهمية هذه المسألة يحسن إيراد ما ذكره شيخ الإسلام في هذا الموضوع، حيث قسم هؤلاء إلى طائفتين:
الأولى: " من يقول: إن تصديق الرسول لا يمكن إلا بقضايا عقلية تناقض مفهوم ما أخبر به، وهذا يلزم من قال ذلك من الجهمية والمعتزلة أو أتباعهم من الأشعرية، ومن دخل معهم من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة والصوفية: [الذين يقولون (١)]: إن تصديق الرسول لا يمكن إلا بأن يستدل على حدوث العالم بحدوث الأجسام وأنه يستدل على ذلك بحدوث ما قام بها من الأعراض مطلقًا أو الحركات، وأن ذلك مبني على امتناع حوادث لا أول لها، وذلك يستلزم نفي الأفعال القائمة بذات الله تعالى، المتعلقة بمشيئته واختياره، بل نفي صفاته، وأن يكون القرآن مخلوقًا، وأن الله لا يرى في الآخرة ولا يكون فوق العالم " (٢)، ثم ناقش شيخ الإسلام هذه الطائفة باختصار مبينًا أن قول هؤلاء معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام (٣) .
الطائفة الثانية: " من قال: إن هذه المعقولات تعارض المفهوم الظاهر من الآيات والأحاديث، من غير أن يقول: إن العلم بصدق الرسول موقوف عليها، كما يقوله من يعتقد صحة هذا الطريق، طريقة الاستدلال على الصانع بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام، وإن قال: إنه يمكن تصديق الرسول بدونها، كما يقوله الأشعري نفسه، وكثير من أصحابه، والرازي وأمثاله، وكثير من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية.. فإن هؤلاء وجمهور المسلمين يقولون: إنه يمكن تصديق الرسول بدون طريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام " (٤)، ثم بين شيخ الإسلام حال هاتين الطائفتين حيال دليل الأعراض فقال:
" لكن هؤلاء وغيرهم يعتقدون صحة تلك الطريق، وإن قالوا: إن تصديق الرسول لا يتوقف عليها:
_________________
(١) زيادة مني ليستقيم الكلام.
(٢) انظر: درء التعارض (٧/٧٣-٧٤) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٧/٧١-٧٣) .
(٤) انظر: المصدر السابق (٧/٧٣-٧٤) .
[ ٢ / ٨٦٠ ]
ثم منهم من يقول: إنها لا تعارض النصوص، بل يمكن الجمع بينهما، وهذه طريقة الأشعري وأئمة أصحابه: يثبتون الصفات الخبرية التي جاء بها القرآن، مع اعتقادهم صحة طريق الاستدلال بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام، وهذه طريقة أبي حاتم البستي، وأبي سليمان الخطابي، والتميميين، كأبي حسن التميمي وغيره من أهل بيته، وأبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلى، وأبي بكر البيهقي وابن فورك وابن الزاغوني، وخلق كثير من طوائف المسلمين من الحنيفة والمالكية والشافعية والحنبلية.
ومن هؤلاء: من يدعي التعارض بينهما كالرازي وأمثاله، كما يقول ذلك من يوجب الاستدلال بطريقة حدوث الأعراض كالمعتزلة وأبي المعالي وأتباعه.
فهؤلاء مشتركون في أن هذه الطريقة المعقولة لهم مناقضة لما يفهم من الآيات والأحاديث، سواء قالوا: إن تصديق الرسول موقوف عليها كما يقوله من يقوله من المعتزلة وأتباع صاحب الإرشاد، أو لم يقولوا ذلك كما يقوله من يوافق الأشعري والرازي، وجمهور المسلمين على أن تصديق الرسول ليس موقوفًا عليها " (١) .
والخلاصة أن الأشاعرة طائفتان:
طائفة: ترى صحة دليل الأعراض، لكنها لا تعارض به النصوص، ولذلك أثبتوا الصفات الخبرية، والعلو.
وطائفة: ترى وجوب دليل الأعراض، أو صحته فقط، وسواء قال هؤلاء إن تصديق الرسول متوقف عليه أو غير متوقف فإنهم جميعًا يرون أنه يعارض النصوص ولذلك نفوا لأجله الصفات الخبرية والعلو.
أما الصفات الاختيارية لكل من قال بصحة دليل الأعراض -ولو لم يوجبه -التزم نفيها.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٧٤-٧٥) .
[ ٢ / ٨٦١ ]
بعد هذه المقدمة نعود إلى المثال الذي ذكره شيخ الإسلام هنا وهو إثبات العلو، الذي نفاه متأخرو الأشاعرة لأدلة عقلية يذكرونها، وحين يرد عليهم بالنصوص الكثيرة الدالة على إثباته يذكرون هذا القانون كما فعل الرازي في الأربعين (١) .
وقد رد عليهم شيخ الإسلامن وناقش الموضوع طويلًا بحيث استغرق الجزء السادس بكامله، وثلث الجزء السابع تقريبًا (٢)، وقد بين أن نفاة العلو ليس معهم من الأدلة النقلية إلا حديث واحد مكذوب، وما ورد في القرآن أن الله " أحد " واحتجاجهم بذلك فاسد (٣) .
ثم ذكر ما أجاب به النفاة - وعلى رأسهم الرازي - على أدلة مثبتي العلو من العقل والفطرة، وناقشها بالتفصيل مبينًا أن العقل والفطرة يوافقان ما دلت عليه النصوص، وقد بين شيخ الإسلام أن هؤلاء اعتمدوا على ما ذكره ابن سينا في الإشارات، ثم نقل كلامه وناقشه التفصيل (٤) .
ثم ناقش شيخ الإسلام ادعاء الرازي في الوجه الأول من ردوده على من يثبت العلو بأنه لو كان بديهيًا لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره وهم ما سوى الحنابلة والكرامية (٥) .
كما ناقش بقية الأوجه التي ذكرها الرازي ردًا على دليل المثبتة من العقل والفطرة (٦) .
_________________
(١) انظر: الأربعين (ص: ١١٥)، وانظر: لباب الأربعين كما نقله عنه شيخ الإسلام في درء التعارض (٧/٢٦) .
(٢) إلى (ص: ١٤٠) منه.
(٣) انظر: درء التعارض (٦/٦) .
(٤) انظر: المصدر السابق (٦/١٨-١١٢) .
(٥) رد عليه من وجوه، الوجه الأول (٦/١١٣)، والثاني: وما بعده (٦/٢٦٧)، وقد نقل أقوال الطوائف قبل الحنابلة والكرامية وقولهم في إثبات العلو، انظر: (٦/١١٤)، وما بعدها. كما بين عجز النفاة العلو عن الرد على الحلولية، انظر: (٦/١١٥)، وما بعدها.
(٦) انظر: درء التعارض (٦/٢٧٢-٢٨٧) .
[ ٢ / ٨٦٢ ]
١٢ - أن العقليات التي يقال أنها أصل لسمع وأنها معارضة له ليست مما يتوقف العلم بصحة السمع عليها
ثم ساق أدلة الرازي العقلية على نفي العلو وناقشها (١) .
وأخيرًا ساق شيخ الإسلام قانون الرازي الفاسد الذي أتى به هنا في العلو ليرد به النصوص الشرعية المثبتة للعلو، وناقشه بالتفصيل (٢) .
والخلاصة أن هؤلاء الذين ظنوا أن الدليل العقلي يعارض السمع مخطئون لأنه قد ثبت أن ما ذكروه معارضًا للسمع إنما هي أوهام توهموها، وأن العقل والفطرة يؤيدان ما دلت عليه النصوص فبطل قانونهم الذي ذكروه.
ثاني عشر: أن العقليات التي يقال: إنها أصل السمع، وأنها معارضة له، ليست مما يتوقف العلم بصحة السمع عليها.
وهذا هو الوجه الثالث والأربعون الذي بدأ في أثناء الجزء السابع (٣) واستغرق أغلبه مع الأجزاء الثامن والتاسع والعاشر الذي هو آخر الكتاب.
يقول شيخ الإسلام في أول هذا الوجه: " يقال: العقليات التي يقال: إنها أصل للسمع وإنها معارضة له ليست مما يتوقف العلم بصحة السمع عليها، فامتنع أن تكون أصلًا له، بل هي أيضًا باطلة، وقد اعترف بذلك أئمة أهل النظر من أهل الكلام والفلسفة، فإن إجماع هذه الطرق هي طريقان أو ثلاثة:
- طريقة الأعراض، والاستدلال بها على حدوث الموصوف بها أو ببعضها كالحركة والسكون.
- وطريقة التركيب، والاستدلال بها على أن التصوف بها ممكن أو محدث، فهاتان الطريقتان هي جماع ما يذكر في هذا الباب.
- والثالثة: الاستدلال بالاختصاص على إمكان المختص أو حدوثه.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٦/٢٨٧-إلى-٧/٢٤) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٧/٢٥-١٤٠) .
(٣) (ص: ١٤١) .
[ ٢ / ٨٦٣ ]
قد يقال إنها طريقة أخرى، وقد تدخل في الأولى..
" ثم الطريقة الأولى مبنية على امتناع وجود مالا يتناهى من الحوادث، والثانية: مبنية على أن ما اجتمعت فيه معانٍ لزم أن يكون ممكنًا أو حادثًا، والثالثة: مبنية على أن المختص لابد له من مخصص منفصل عنه.
وهذه المقدمات الثلاث قد نازع فيها جمهور العقلاء، وكل من هذه الطرق تسلكه الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات والأفعال، ويسلكه أيضًا نفاة الأفعال القائمة به دون الصفات " (١) وهم الأشعرية.
وكما في الوجهين السابقين أطال شيخ الإسلام في تقرير هذا الوجه، ودعم أقواله بالاستشهاد بأقوال أهل الكلام والفلسفة التي تبين أن ما زعمه هؤلاء من أن العلم بالصانع وإثبات حدوث العالم لا يمكن إلا بهذه الطرق العقلية التي ذكروها غير صحيح، ويعتبر هذا الوجه -على طوله - من أهم الأوجه التي أوردها في هذا الكتاب وأكثرها إفادة لمن خاض في علم الكلام أو حسن الظن به، أو قلد شيوخه فيه.
وإذا ثبت أن هذه العقليات ليست مما يتوقف صحة السمع عليها، وأن العلم بوجود الله ووحدانيته وحدوث ما سواه يمكن أن يعلم بطرق أخرى كثيرة - تبين فساد القانون العقلي الذي ردوا به نصوص الشرع.
ويمكن تلخيص ما ذكره شيخ الإسلام في تقرير هذا الوجه كما يلي:
أ - أن السلف أجمعوا على ذم علم الكلام، وعلم الكلام الذي ذموه ليس المصطلحات الحادثة - كما ظن بعض أهل الكلام - بل ذموا علم الكلام القائم على هذه الطرق المبتدعة كطريقة حدوث الأجسام وغيرها -وقد سبق شرح ذلك ضمن هذا الفصل - والذين نقلوا ذم السلف لعلم الكلام هم أئمة الأشاعرة، كالغزالي (٢) وأبي الحسن الأشعري الذي ذكر في رسائله إلى أهل الثغر
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/١٤١-١٤٢) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٧/١٤٤)، وما بعدها.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
أن الرسل لم يدعوا إلى هذا الدليل المبتدع، دليل الأعراض وحدوث الأجسام (١) .
وكذلك نقل ذلك الشهرستاني (٢) والرازي (٣) والخطابي (٤) .
ولما كانت طريقة الأعراض من الطرق التي جعلها الأشاعرة أصلًا في الدلالة على صدق الرسول، وأن السلف ذموها قال شيخ الإسلام معلقًا: " وإذا كان كذلك تبين أن العلم بصدق الرسول - ﷺ - ليس موقوفًا على شيء من المقدمات المتناقضة لإثبات الصفات الخبريةن والرؤية، والعلو على العرش، ونحو ذلك مما دل عليه السمع وهو المطلوب (٥) "، ويقول بعد نقل كلام ابن عساكر والبيهقي ومناقشته: " قلت: وهذا اتفاق علماء الأشعرية مع غيرهم من الطوائف المعظمين للسلف على أن الكلام المذموم عند السلف: كلام من يترك الكتاب والسنة، ويعول في الأصول على عقله، فكيف بمن يعارض الكتاب والسنة بعقله؟ وهذا هو الذي قصدنا إبطاله " (٦)، وبهذا تتضح حقيقتان:
إحدهما: اتفاق السلف وإجماعهم على ذم هذا الكلام المبتدع المبني على الأصول العقلية المخالفة للشرع.
والثانية: أن علماء الكلام أنفسهم - وفيهم الأشاعرة - قد شهدوا على اتفاق السلف على ذم الكلام، وإذا كانت هذه الطرق المبتدعة من علم الكلام المذموم فكيف يقال: إنها أصل الشرع؟
ب - أن الفلاسفة بينوا فساد طرق هؤلاء المتكلمين، يقول شيخ الإسلام، " ومما يوضح ذلك أن هذه الطرق المبتدعة في الإسلام في إثبات الصانع التي أحدثتها المعتزلة والجهمية، وتبعهم عليها من وافقهم من الأشعرية وغيرهم من أصحاب
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/١٨٦) وما بعدها.
(٢) انظر: المصدر السابق (٧/٢٢٧) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٧/٢٢٨) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (٧/٢٧٩)،وما بعدها، وقد نقل عنه نصوصًا طويلة.
(٥) انظر: درء التعارض (٧/٢٤٢) .
(٦) المصدر السابق (٧/٢٧٤-٢٧٥) .
[ ٢ / ٨٦٥ ]
الأئمة الأربعة وغيرهم، قد طعن فيها جمهور العقلاء، فكما طعن فيها السلف والأئمة وأتباعهم، وذموا أهل الكلام بها، كذلك طعن فيها حذاق الفلاسفة وبينوا أن الطرق التي دل عليها القرآن العزيز أصح منها، وإن كان أولئك المعتزلة والأشعرية أقرب إلى الإسلام من هؤلاء الفلاسفة من وجه آخر " (١)، وقد نقل ش شيخ الإسلام كلام أبي الوليد بن رشد وعلق عليه (٢)، وقال بعد إتمام النقول الطويلة عنه ونقده لطرق الأشاعرة العقلية: " قلت: فهذا الرجل مع أنه من أعيان الفلاسفة المعظمين المعتنين بطريقة الفلاسفة المشائين كأرسطو وأتباعه، يبين أن الأدلة العقلية الدالة على إثبات الصانع مستغنية عما أحدثه المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم، من طريقة الأعراض ونحوها، وأن الطرق الشرعية التي جاء بها القرآن هي طرق برهانية تفيد العلمن للعامة والخاصة، والخاصة عنده يدخل فيهم الفلاسفة، والطرق التي لأولئك هي مع طولها وصعوبتها لا تفيد العلم لا للعامة ولا للخاصة، هذا مع أنه لم يقدر القرآن قدره، ولم يستوعب الطرق التي في القرآن، فإن القرآن قد اشتمل على بيان المطالب الإلهية بأنواع من الطرق وأكمل الطرق.." ثم قال شيخ الإسلام: " ولنا مقصودان:
أحدهما: أن ما به يعلم ثبوت الصانع وصدق رسوله، لا يتوقف على هذه الطرق المعتزلية الجهمية، وهذه الطرق هي التي يقال: إنها عارضت الأدلة الشرعية، ويقال: إن القدح فيها قدح في أصل الشرع، فإذا تبين أنها ليست أصلًا للعلم بالشرع كما أنها ليست أصلًا لثبوته في نفسه بالاتفاق، بطل قول من يزعم أن القدح في هذه العقليات قدح في أصل الشرع، وهو المطلوب.
والمقصود الثاني: أن هذه العقليات المعارضات للشرع باطلة في نفسها، وإن لم نقل: إنها أصل للعلم به " (٣) .
والخلاصة: أن هذه الطرق العقلية ذمها السلف، وعلماء الأشاعرة والفلاسفة فكيف يعارض بها السمع؟
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٢٤٢) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٧/٣٤٥-٣٥٢، ٩/٦٨-٣٣٣) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٩/٣٣٣-٣٣٤) .
[ ٢ / ٨٦٦ ]
جـ - أن قول هؤلاء: إن معرفة الصانع ليس لها دليل إلا دليل حدوث الأجسام قول مردود لأن العلماء اختلفوا في معرفة الله، هل تحصل ضرورة أم لا، وقد ساق شيخ الإسلام الخلاف في ذلك (١)، ونقل أقوال الأشاعرة، وإقرارهم أنها قد تقع ضرورة (٢) - ثم قال معلقًا: " فقد تبين أن جمهور النظار من جميع الطوائف يجوزون أن تحصل المعرفة بالصانع بطريق الضرورة، كما هو قول الكلابية والأشعرية، وهو مقتضى قول الكرامية والضرارية، والنجارية والجهمية وغيرهم، وهو قول طوائف أهل السنة من أهل الحديث والفقهاء وغيرهم" (٣) . وقال بعد نقل إقرار الشهرستاني بأن معرفة الله تقع ضرورة: " قلت: فهذا كله كلام الشهرستاني، وهو من أئمة المتأخرين من النظار وأخبرهم بالمقالات، وأن الفطرة تشهد بضرورتها وبديهة فكرتها بالصانع الحكيم، إلى آخر ما ذكره، وأن ما تنتهي إليه مقدمات الاستدلال بإمكان الممكنات أو حدوثها من القضايا الضرورية، دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج الإنسان في ذاته إلى مدبر " (٤) .
ولتكملة هذا الموضوع وأهميته في نقض هذا القانون الفاسد الذي زعموه ذكر شيخ الإسلام أن الخلاف وقع في وجوب النظر المؤدي إلى المعرفة، والذي زعم هؤلاء أنه النظر في دليل الأعراض (٥)، وأيضًا اختلف قوم في النظر هل هو فرض على الأعيان أو على الكفاية (٦)، ثم هل المعرفة تحصل بالسمع أو بالعقل (٧) .
_________________
(١) منهم من يقول: إنها لا تحصل إلا بالنظر، وهذا قول أهل الكلام من المعتزلة، والأشاعرة، ومنهم من قال: إن المعرفة يخترعها الله في القلوب من غير نظر ولا بحث وهذا قول الصوفية والشيعة، والجمهور من طوائف المسلمين قالوا: يمكن أن تقع ضرورة ويمكن أن تقع بالنظر، انظر: درء التعارض (٧/٣٥٢-٣٥٤) .
(٢) انظر: درء التعارض (٧/٣٥٢-٣٩٥) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٧/٣٩٥) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (٧/٤٠٣) .
(٥) انظر: المصدر نفسه (٧/٤٠٥) .
(٦) انظر: المصدر نفسه (٧/٤٤٠) وما بعدها.
(٧) انظر: المصدر نفسه (٨/٢٤) وما بعدها.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
وهذا كله يدل على أن كلام العلماء قائم على بيان تنوع الطرق المؤدية إلى المعارف، يقول شيخ الإسلام، معلقًا: " فطرق المعارف متنوعة في نفسها، والمعرفة بالله أعظم المعارف، وطرقها أوسع وأعظم من غيرها، فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفيًا عامًا لما سوى تلك الطريق لم يقبل منه، فإن النافي عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل " (١) .
د - أن كثيرًا ممن يوجب هذه الطريقة ويصححها - أي طريقة حدوث الأجسام - قد رجع عن ذلك، وتبين لهم ذم هذا الكلام، وذلك مثل الجويني والغزالي والرازي وغيرهم (٢)، وقد استشهد شيخ الإسلام بكلام الجويني (٣)، وبكلام الأشعري في اللمع حيث عول على دليل حدوث صفات الأجسام (٤)، وبين شيخ الإسلام أن دليله - وإن لم يكن هو دليل القرآن القائم على إثبات حدوث الأجسام نفسها وإيجادها من عدم - إلا أنها أحسن وأكمل من دليل الأعراض الذي يوجبه كثير من هؤلاء، ثم نقل كلام الباقلاني في شرح اللمع ورد عليه تحوير كلام الأشعري بأنه يقصد دليل الأعراض، وقد أطال شيخ الإسلام النقول عن الباقلاني وعلق عليها كثيرًا (٥)، وأشار إلى ذلك مبينًا أن طريقة الأشعري خير من طريقة الباقلاني، وطريقة الباقلاني خير من طريقة المعتزلة (٦) .
هـ - ركز على بيان دليل الفطرة، والأحاديث الواردة فيها، ثم نقل أقوال
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/٤٦) .
(٢) انظر: درء التعارض (٨/٤٧-٣٤٨) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٨/٤٧-٥١)
(٤) انظر: المصدر نفسه (٨/٧٠-٧٣)، وانظر تعليقات شيخ الإسلام في (٨/١٠٠،٣٣٥-٣٣٦) .
(٥) انظر كلام الباقلاني في درء التعارض (٨/٨١،١٠٣-١٠٦)، وقد رد عليه شيخ الإسلام من وجهين: أحدهما: (٨/١٠٦)، والثاني (٨/٣١٠)، وذكر بينهما كلامًا طويلًا تضمن مناقشات بين الفلاسفة والمتكلمين حول ترجيح الممكن بلا مرجح، وبين تناقضهم جميعًا.
(٦) انظر: درء التعارض (٨/٣٠٣-٣٠٤) .
[ ٢ / ٨٦٨ ]
العلماء في المراد بها (١)، ورجح أن المقصود بها فطرة الإسلام (٢)، وذكر أن الأدلة العقلية تدل على صدق ما أخبر به النبي - ﷺ - من أن كل مولود يولد على الفطرة (٣)، ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذريات:٥٦)، وذكر الخلاف في الآية حول المقصود بالعبادة، وهل وقعت منهم جميعًا أو من بعضهم (٤)، ثم بين أنه على جميع الأقوال فالآية دالة على " أن جميع الإنس والجن مقرون بالخالق معترفون به، مقرون بعبوديته طوعًا وكرها، وذلك يقتضي أن هذه المعرفة من لوازم نشأتهم، وأنه لم ينفك عنها أحد منهم، مع العلم أن النظر المعين الذي يوجبه الجهمية والمعتزلة لا يعرفه أكثرهم، فعلم بذلك ثبوت المعرفة والإقرار بدون هذا النظر" (٥) .
وبعد أن ربط بين موضوع الفطرة وما يقوله كثير من أهل الكلام وغيرهم من أن المعرفة قد تحصل بغير العقل (٦)، قال شيخ الإسلام: " قد ذكرنا ماتيسر من طرق الناس في المعرفة، ليعرف أن الأمر في ذلك واسع وأن ما يحتاج الناس إلى معرفته، مثل الإيمان بالله ورسوله، فإن الله يوسع طرقها وييسرها، وإن كان الناس متفاضلين في ذلك تفاضلًا عظيمًا، وليس الأمر كما يظنه كثير من أهل الكلام من أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بطريق يعينونها " (٧) .
والطرق التي سلكها هؤلاء في إثبات حدوث العالم جمعت وصفين: " أن الجمهور ليس في طباعهم قبولها، ولا هي مع هذا برهانية، فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور " (٨)، وقد سبقت الإشارة إلى نقد ابن رشد
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/٣٥٩)، إلى نهاية الجزء، وقد اعتمد في نقل الأقوال فيها على ما ذكره ابن عبد البر في التمهيد، انظر: درء التعارض (٨/٣٦٦-٤٤٤)، وقارن النصوص بما في التمهيد في الجزء المطبوع أخيرًا (١٨/٥٧-٩٣)، مع ملاحظة أن النقول فيها تقديم وتأخير.
(٢) انظر: درء التعارض (٨/٣٧١-٤١٠) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٨/٤٥٦) وما بعدها.
(٤) انظر: المصدر نفسه (٨/٤٦٨-٤٧٩) .
(٥) درء التعارض (٨/٤٧٩-٤٨٠)، وانظر أيضًا (٨/٤٨٢) .
(٦) انظر: المصدر السابق (٩/٣-٦٦) .
(٧) المصدر نفسه (٩/٦٦) .
(٨) المصدر نفسه (٩/٧٥) .
[ ٢ / ٨٦٩ ]
الفيلسوف لطرق المتكلمين (١)، وطرق الفلاسفة والمتكلمين كلها باطلة، ومنشأ ضلالهم أنهم نفوا صفات الله وأفعاله القائمة بنفسه (٢) .
وذكر مسألة صفات الله ضمن ما نقله عن ابن رشد، فذكر صفة العلم، وأطال حولها الكلام رادًا على الفلاسفة نفاة علم الله بالجزئيات (٣)، كما ذكر صفة الإرادة (٤)، والكلام (٥)، والسمع والبصر (٦)، ثم ذكر مسألة التنزيه، وما يتعلق به من مسألة التجسيم (٧) . ثم قال معلقًا: " وهذه الطرق التي يسلكها نفاة الجسم وأمثالهم أحسن أحوالها أن تكون عوجًا طويلة قد تهلك، وقد توصل؛ إذ لو كانت مستقيمة موصلة لم يعدل عنها السلف، فكيف إذا تيقن أنها مهلكة؟ ولا ريب أن الذين يعارضون الكتاب والسنة إنما يعارضونها بطرق هؤلاء، فهم يعرضون عن كتاب الله في أول سلوكهم ويعارضونه في منتهى سلوكهم وقد قال تعالى:) ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه:١٢٣-١٢٤)، فقد بين أن حذاق الفلاسفة أيضًا يثبتون أن التصديق بما جاء به الشارح لا يتوقف على شيء من الطرق الكلامية المحدثة، ولا شيء من طرقهم الفلسفية" (٨) .
فالصفات ثابتة لله تعالى، والأدلة العقلية توافق الأدلة النقلية في إثباتها، والفلاسفة أقروا بهذه الصفات على وجه الإجمال، فدل ذلك على أن من زعم أن شبهة التركيب أو التجسيم قاطعة في وجوب نفي صفات الله أو بعضها؛ فقوله من أعظم البهتان والباطل.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٩/٦٨-٣٧٩) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٩/٢٥٢) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٩/٣٧٩-٤٣٤، ١٠/٣-١٩٦) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (١٠/١٩٧-١٩٩) .
(٥) انظر: المصدر نفسه (١٠/١٩٩-٢٢٤) .
(٦) انظر: المصدر نفسه (٢٢٤-٢٢٥) .
(٧) انظر: المصدر نفسه (١٠/٢٢٥) إلى نهاية الكتاب.
(٨) درء التعارض (١٠/٣١٦-٣١٧) .
[ ٢ / ٨٧٠ ]
وبهذه الأدلة والمناقشات يتبين أن هذه العقليات التي ذكرها أصحاب هذا القانون ليست مما يتوقف صحة السمع عليها، بل هي باطلة، ومعرفة الله ومعرفة حدوث العالم تعلم بطرق عديدة منها الضرورة والفطرة التي تحصل عند العبد، وإذا كان كذلك فما ادعاه هؤلاء من أن معرفة الله ومعرفة حدوث العالم لا يعلم إلا بهذا الطريق الذي ذكروه غير صحيح، فبطل قانونهم، والحمد لله رب العالمين.
* * *
هذا ملخص منهج شيخ الإسلام في بيان عدم تعارض العقل والنقل، والرد على الأشاعرة - وغيرهم- في قانونهم الفاسد الذي ردوا به كثيرًا من النصوص وتأولوها تأويلات باطلة، ولاشك أن المسألة خطيرة وذات جذور عميقة - ضل بسببها كثير من الناس - ومن ثم أفرد لها شيخ الإسلام هذا الكتاب الفريد.
[ ٢ / ٨٧١ ]
ثامنًا: الرد على متأخري الأشاعرة بأقوال شيوخهم، وردود بعضه على بعض.
وأساس الرد التطور الذي حدث للمذهب الأشعري الذي سبق تفصيل القول فيه، وشيخ الإسلام كثيرًا ما يشير إليه ويبين أنهم طبقات - حسب القرب والبعد عن أهل السنة ومذهبهم الصحيح - فابن كلام أقرب من الجويني وطبقته، والجويني أقرب من الرازي وطبقته (١)، بل إن شيخ الإسلام يقرر من خلال تتبع دقيق أن أئمة الأشعرية الذين كانوا في العراق كأبي الحسن الأشعري والباهلي، وابن مجاهد، والباقلاني، وغيرهم، أقرب إلى السلف من أشعرية خراسان كأبي بكر بن فورك ونحوه (٢) .
وانحراف متأخري الأشاعرة عن متقدميهم أمر مشتهر حتى إن أبا العباس أحمد بن ثابت الطرقي (٣) الحافظ صاحب كتاب اللوامع في الجمع بين الصحاح والجوامع، والمتوفى سنة ٥٢١هـ، قال في مسألة الاستواء من تأليفه: " ورأيت هؤلاء الجهمية ينتمون في نفي العرش وتعطيل الاستواء إلى أبي الحسن الأشعري، وما هذا بأول باطل ادعو، وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم بالإبانة عن أصول الديانة أدلة من جملة ما ذكر على إثبات الاستواء، وقال في جملة ذلك: ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم، يقولون جميعًا: يا ساكن العرش، ثم قال: ومن سلفهم جميعًا قولهم: لا والذي احتجب
_________________
(١) سبقت الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن جوانبهم الإيجابية، وانظر أيضًا منهاج السنة (٢/٧٧)، ط مكتبة الرياض الحديثة، وأيضًا (٣/٦٩)، والمسألة المصرية في القرآن، مجموع الفتاوي (١٢/٢٠٢-٢٠٣)، ونقض التأسيس المطبوع (٢/٣٤٨)، ودرء التعارض (٨/٩١) .
(٢) انظر: التأسيس المطبوع (٢/٣٤٤-٣٤٥) .
(٣) "الطرقي" بفتح الطاء وسكون الراء، وطرق: قرية من أصبهان، وأبو العباس الطرقي كان عارفًا بالفقه والأصول، يحكى عنه أنه كان يقول إن الروح قديمة، وهذه من زلاته -﵀- توفي سنة ٥٢١هـ، انظر: الأنساب (٨/٢٣٥)، - ط لبنان، وميزان الاعتدال (١/٨٦)، لسان الميزان (١/١٤٣)، والوافي (٦/٢٨٢) .
[ ٢ / ٨٧٢ ]
بسبع سموات " (١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد نقله النص السابق: " وكذلك الشيخ نصر المقدسي له تأليف في الأصول نقل فيه فصولًا من كتاب الإمانة " (٢) .
وهذا يدل على أن هذا المنهج - وهو الرد على متأخري الأشاعرة بأقوال متقدميهم وأئمتهم الذين ينتسبون إليهم - قد استخدمه العلماء قبل شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد استخدم شيخ الإسلام هذا المنهج في كتبه المختلفة وركز عليه كثيرًا، لأنه رأى فيه فوائد عملية، ومن ذلك ما جرى في المناظرة حول الواسطية، وهي المناظرة الثانية التي حضرها صفي الدين الهندي، حيث إن شيخ الإسلام ذكر أنه قبل هذا المجلس اجتمع به بعض أكابر الشافعية من الأشعرية وعبروا له عن خوفهم من أن تظهر حجته على خصومه دون أن يكون من أئمة أصحابهم الأشعرية من يوافقها، يقول شيخ الإسلام: " وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن ابين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة، والأشعري، وأكابر أصحابه، على ما ذكرته؛ فإنه قبل المجلس الثاني اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية، والحنفية، وغيرهم ممن عظم خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته و(٣) لم يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها لصارت فرقة، ولصعب عليهم، أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم، بما في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم، فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجة، وبان أن مذهب السلف: أمكنهم إظهار القول به، مع ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق..
وقلت لمن خاطبني من أكابر
_________________
(١) نقض التأسيس المخطوط (١/٨٥) .
(٢) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(٣) في المطبوعة من مجموع الفتاوي [أو] وكذا في العقود الدرية (ص: ٢٤١)، وسياق الكلام يقتضي أنها بالواو فقط.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
الشافعية: لأبين أن ما ذكرته من قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي، وأذكر قول الأشعري، وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلاء الخصوم، ولينتصر كل شافعي، وكل من قال بقول الأشعري الموافق لمذهب السلف، وأبين أن القول المحكى عنه في تأويل الصفات الخبرية قول لا أصل له في كلامه، وإنما هو قول طائفة من أصحابه، فللأشعرية قولان ليس للأشعري قولان " (١) .
والأشاعرة المتأخرون في أوقات محنهم يلجأو إلى أقوال أئمتهم، ينقلونها ويستشهدون بها ليبينوا سلامة معتقدهم وصحة مذهبهم، وهذا ما فعله القشيري في الشكاية المشهورة، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري.
ولاشك أن المنهج الذي سلكه شيخ الإسلام في الرد على أقوال المتأخرين: بأقوال شيوخهمن الذي يعتزون بالانتساب إليهم له قيمته الكبرى وأثره البالغ لأمرين:
أحدهما: أن هذه النقول أتى بها شيخ الإسلام موثقة، ومنقولة بحروفها من كتبهم المشهورة التي تناقلها المتأخرون واعتزوا بها، ونقلوا عنها ما يوافق أقوالهم من المسائل التي لم يختلف فيه قول متقدمي الأشاعرة عن قول متأخريهم، ولذلك لم يستطع أحد منهم الطعن فيما نقله شيخ الإسلام، ولم يقل: إن هذا منسوب إلى أئمتهم، أو إنه حكاية لمذهبهم - كما تحكي بعض كتب الفرق أقوال الطوائف، وقد يكون في الحكاية زيادة أو نقص، وتقديم أو تأخير يخل المعنى - ولاشك أن الأمانة والمنهج العلمي الذي وفق إليه شيخ الإسلام، جعل أعداءه ومعارضيه يرضحون له في ذلك مع حرصهم الشديد على النيل منه ومن أقواله وكتبه، ولتوضيح ذلك يمكن ذكر هذين المثالين:
المثال الأول: قال بعض متأخري الأشعرية: إن للأشعري في الصفات الخبرية قولين: قول بالتأويل، وقول بالإثبات، فلما جاء شيخ الإسلام - وهو المطلع على كتب الفرق - أوضح مرارًا أنه ليس للأشعري فيها إلا قول واحد هو الإثبات، وأتى بالدلالة على ذلك من كتبه، أما الذين يزعمون أن له قولًا آخر فحتى الآن لم ينقل أحد منهم نصًا من كتب الأشعري يدل على ذلك.
_________________
(١) مناظرة حول الواسطية، مجموع الفتاوي (٣/١٨٨-١٩٠)، والعقود الدرية (ص: ٢٤١-٢٤٢) .
[ ٢ / ٨٧٤ ]
والمثال الثاني: لما نقل شيخ الإسلام عن الباقلاني في كتابه التمهيد نصًا يثبت فيه الاستواء والعلو ويمنع من تأويله، قال الكوثري وبعض الباحثين - المائلين إلى المذهب الأشعري - وهم بصدد تحقيق التمهيد عن نسخة خطية ناقصة - قالوا: إن ابن تيمية وابن القيم - الذي نقل النص أيضًا في اجتماع الجيوش - قد كذبا أو وهما على الباقلاني، ولما حقق التمهيد مرة أخرى - على يد نصراني - تبين صدق شيخي الإسلام، وخطأ الكوثري وأصحابه (١) .
والثاني: أن هذه النقول نص صريح في مخالفتها لأقوال متأخري الأشعرية، وليست مما يقبل التأويل أو اختلاف المفاهيم حولها، فمثلًا جين يؤول المتأخرون الاستواء بالاستيلاء ويمنعون من إثباته وإثبات الاستواء، ودلالته على العلو، تورد عليهم أقوال الأشعري وغيره التي نصول فيها على إثبات الاستواء، ودلالته على العلو، وقولهم: إن تأويله بالاستيلاء هو قول خصومهم المعتزلة، وليس للمتأخرين -المنتسبين إلى الأشعري - هنا إلا الاعتراف والفرار إلى التفويض وأن هذا هو حقيقة مذهب الأشعري، ولكن ماذا يصنعون بقوله: إن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو قول المعتزلة؟ وبنصوصه الأخرى في إثبات علو الله على خلقه؟
ولأهمية هذا في إقناع الخصوم - وأتباعهم -ركز عليه شيخ الإسلام وأضاف إليه جانبًا آخر وهو ردود بعض الأشاعرة على بعض سواء كانوا متقدمين أو متأخرين، لأن هذا أيضًا يفيد في بيان ضعف المذهب وضعف الأدلة التي اعتمدوا عليها، فهذان جانبان رئيسيان ركز عليهما شيخ الإسلام.
أ - فمن الأمثلة على الجانب الأول:
١ - في مسألة العلو والاستواء التي أنكرها متأخرو الأشعرية، رد شيخ الإسلام على زعيمهم الرازي بأن نقل نصوصًا من كلام شيوخه من الأشاعرة يثبتون فيها العلو لله تعالى (٢)، وفي موضع آخر من نفس الكتاب رد على الرازي
_________________
(١) سبق بيان ذلك بالتفصيل في ترجمة الباقلاني عند الكلام على تطور المذهب الأشعري.
(٢) انظر: نقض التأسيس المخطوط (١/٣٢-٣٣) - نص كلام الرازي، (ص: ٣٣-٦٣) الرد عليه من كلام شيوخه.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
في هذا الموضوع وفي موضوع الصفات الخبرية التي أوّلها الرازي وأصحابه، فنقل شيخ الإسلام كلام الأشعري في الإبانة والمقالات، وكلام الباقلاني (١)، ثم قال: " فإذا كان قول ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه، وهو الذي ذكروا أنه اتفق عليه سلف الأمة وأهل السنة أن الله فوق العرش وأن له وجهًا ويدين، وتقرير ما ورد في النصوص الدالة على أنه فوق العرش، وأن تأويل استوى بمعنى استولى هو تأويل المبطلين، ونحو ذلك، علم أن هذا الرازي ونحوه هم مخالفون لأئمتهم في ذلك، وأن الذي نصره ليس هو قول ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه، وإنما هو صريح قول الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كان قد قاله بعض متأخري الأشعرية كأبي المعالي ونحوه " (٢)، ثم اتبع ذلك بنقل مذهب جمهرة كبيرة من أئمة السلف (٣)، تؤيد ما ذهب إليه الأشعري وأئمة أصحابه في هذا الباب.
٢ - وفي معرض رده على دليل حدوث الأجسام الذي أوجبه كثير من متأخري الأشعرية كالجويني يقول شيخ الإسلام عنه: " وبالجملة فإنه وإن كان أبو المعالي ونحوه يوجبون هذه الطريقة، فكثير من أئمة الأشعرية - أو أكثرهم - يخالفونه في ذلك ولا يوجبونها، بل إما أن يحرموها، أو يكرهوها، أو يبيحوها، وغيرها، ويصرحون بأن معرفة الله تعالى لا تتوقف على هذه الطريقة ولا يجب سلوكها، ثم هم قسمان: قسم يسوقها، ويسوق غيرها، ويعدها طريقًا من الطرق، فعلى هذا إذا فسدت لم يضرهم، والقسم الثاني: يذمونها، ويعيبونها، ويعيبون سلكوها وينهون عنها، إما نهي تنزيه وإما نهي تحريم " (٤)،ثم نقل عن الخطابي في شعار الدين والغنية ما يدعم قوله (٥)، وأشار إلى رسائل الأشعري إلى أهل الثغر (٦)، وأنها توافق ما قاله الخطابي، وقد نقل كلام
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس المطبوع (٢/١٥-٣٥) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/٣٥) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٢/٣٥-٤٤) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (٢/٢٤٩) .
(٥) انظر: المصدر نفسه (٢/٢٤٩-٢٥٥) .
(٦) انظر: المصدر نفسه (٢/٢٥٥) .
[ ٢ / ٨٧٦ ]
الأشعري فيها كاملًا في كتاب آخر (١) .
٣ - وعند ذكر الصفات الخبرية وغيرها مما يتأوله الجويني وأصحابه، قال شيخ الإسلام رادًا عليه: " فدعواه أن دلالة القرآن والأخبار على ذلك ليست قطعية يخالفه في هذه الدعوى أئمة السلف وأهل الحديث والفقه والتصوف، وطوائف من أهل الكلام من أصحابه وغيرهم، فإن عندهم دلالة النصوص على ذلك قطعية، وأما الأخبار فأكثر أصحابه أنها إذا تلقيت بالقبول أفادت العلم، كما تقدم ذكرهم لذلك عن الأستاذ أبي إسحاق، وهذا الذي ذكره أبو بكر ابن فورك هو معنى ما ذكره الأشعري في كتبه عن أهل السنة والحديث، وذكر أن قوله، وإن الإيمان بموجب هذه الأخبار واجب " (٢)، والذي أشار إليه شيخ الإسلام بأنه تقدم ما نقله عن أبي القاسم النيسابوري الأنصاري (٣) - شارح الإرشاد للجويني - فإنه قال في كتابه هذا حين نقل منع الجويني إثبات الصفات بظواهر الآيات: " هذا ما قاله الإمام، وقد رأيت في كتب الأستاذ أبي إسحاق (٤)
قال: ومما ثبت من الصفات بالشرع الاستواء على العرش، والمجيء يوم القيامة بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢)، ومما ثبت بالأخبار الصحيحة النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة (٥)، وقوله: " أنا عند ظن عبدي بي، فليظن
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/١٨٦-٢١٩)، وانظر: النبوات (ص:٦٢) .
(٢) نقض التأسيس المطبوع (٢/٨٦-٨٧) .
(٣) هو أبو القاسم سلمان بن ناصر بن عمران النيسابوري، الصوفي، الشافعي، تتلمذ على الجويني وخدم القشيري، وتتلمذ عليه الشهرستاني، اشتهر بالتصوف والتبحر في علم الكلام من أشهر كتبه شرح الإرشاد للجويني، توفي سنة ٥١١هـ، وقيل ٥١٢هـ، انظر: تهذيب ابن عساكر (٦/٢١٣)، وطبقات السبكي (٧/٩٦)، وطبقات الأسنوي (١/٦٤)، والوافي (١٥/٣١٤)، وسير أعلام النبلاء (١٩-٤١٢) .
(٤) الأسفراييني. تقدمت ترجمته (ص: ٢٣٩) ..
(٥) أحاديث النزول مشهورة، مروية في كافة كتب السنة، رويت عن جمهرة من الصحابة - رض الله عنهم - البخاري - كتاب التجهد، باب الدعاء في الصلاة آخر الليل، رقمه (١١٤٥)، (فتح الباري ٣/٢٩)، الدعوات برقم (٦٣٢)، وفي التوحيد برقم (٧٤٩٤)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين -باب الترغيب في الدعاء والذكر برقم (٧٥٨)، وللدارقطني كتاب النزول، مطبوع.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
بي ما شاء "، " ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ". الحديث (١) . قال: وأجمع أهل النقل على قبول هذين الخبرين، وما هذا وصفه كان موجبا للعمل ومقبولا في مسائل القطع، هذا ما ذكره الأستاذ في هذا الكتاب" (٢)، وهكذا فالاسفراييني وابن فورك يردان على الجويني في زعمه أن أخبار الآحاد -الثابتة- لا يحتج بها في العقائد لأنها لا تفيد العلم. وقد تقدم بيان هذه المسألة.
هذه بعض النماذج وهناك نماذج أخرى كثيرة (٣) .
ب - ومن الأمثلة على الجانب الثاني، وهو ردود بعض الأشاعرة على بعض:
١- ذكر شيخ الإسلام أن كل طائفة تقول عن الأخرى إن مذهبها متناقض ومن هؤلاء الأشاعرة، فمثلا " نفاة الجهة منهم يقولون: إن أدلتهم (٤) وأئمتهم الذين يقولون: إن الله تعالى فوق العرش وإنه ليس بجسم متناقضون، وكذلك نفاة الصفات الخبرية منهم يقولون: إن مثبتيها مع نفي الجسم متناقضون، حيث أثبتوا ما هو عرض في المخلوقات كالعلم والقدرة والحياة، وليس هو بعرض في حق الخالق، ولم يثبتوا ما هو جسم في حق المخلوق كاليد والوجه، ويقولون ليس بجسم في حق الخالق " (٥) . وليس المقصود الإشارة إلى التناقض في مذهب الأشاعرة - لأن هذا سيأتي في الفقرة القادمة - وإنما المقصود أن كل طائفة ترد على الأخرى وتقول: إن قولها متناقض، وكلهم ينسبون أقوالهم إلى المذهب الأشعري.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري كتاب التوحيد، باب ويحذركم الله نفسه، ورقمه ٧٤٠٥، الفتح (١٣/٣٨٤)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله، ورقمه ٢٦٧٥.
(٢) عن نقض التأسيس المطبوع (١/٨٢-٨٣) .
(٣) انظر مثلا: درء التعارض (٤/١١١-١١٥، ٢١٥-٢١٦، ٧/٢٤٥-٢٤٧) .
(٤) كذا في المطبوع.
(٥) نقض التأسيس المطبوع (١/٩٣-٩٤) .
[ ٢ / ٨٧٨ ]
٢- وفي مسألة دليل حدوث الأجسام، ذكر شيخ الإسلام براهين الرازي على حدوث الأجسام وحدوث العالم، ثم ذكر اعتراضات الآمدي على كل واحدة منها وقال: " وكان المقصود ما ذكروه في تناهي الحوادث، ولهذا لم يعتمد الآمدي في مسألة حدوث العالم على شيء من هذه الطرق، بل بين ضعفها، واحتج بما هو مثلها أو دونها في الضعف والوجوه التي ضعف بها الآمدي ما احتج به من قبله على حدوث الأجسام يوافق كثير منها ما ذكره الأرموي، وهو [أي الآمدي] متقدم على الأرموي، فإما أن يكون الأرموي رأى كلامه وأنه صحيح فوافقه، وإما أن يكون وافق الخاطر الخاطر كما يوافق الحافر الحافر، أو يكون الأرموي والآمدي أخذا ذلك أو بعضه من كلام الرازي أو غيره، وهذا الإحتمال أرجح وبكل حال فهما - مع الرازي ونحوه - من أفضل بني جنسهم من المتأخرين، فاتفاقهما دليل على قوة هذه المعارضات، لا سيما إذا كان الناظر فيها ممن له بصيرة من نفسه، يعرف بها الحق من الباطل في ذلك، بل يكون تعظيمه لهذه البراهين لأن كثيرا من المتكلمين من هؤلاء وغيرهم اعتمد عليها في حدوث الأجسام، فإذا رأى هؤلاء وغيرهم من النظار قدح فيها وبين فسادها علم أن نفس النظار مختلفون في هذه المسألة، وأن هؤلاء الذين يحتجون بها هم بعينهم يقدحون فيها وعلى القدح فيها استقر أمرهم، وكذلك غيرهم قدح فيها كأبي حامد الغزالي وغيره " (١) . وقد نقل شيخ الإسلام أقوال كل من الرازي والآمدي والأرموي، وقدح هذين في أدلة حدوث الأجسام التي ذكرها الرازي، نقل كل ذلك من كتبهم، وهو يدل على الاستقصاء الممتاز الذي يتميز به منهج شيخ الإسلام، وهذا الاستقصاء والمتابعة تفيد كثيرا في بيان كيف يرد بعض هؤلاء على بعض، مما يبين فساد الحجج التي يقوم عليها مذهبهم.
٣- ومن المسائل المشهورة عند الأشاعرة قولهم: إن الأعراض لا تبقى زمانين ليقولوا: إنها حادثة وإن الجسم لا يخلو منها فيكون الجسم حادثا، وبنوا على ذلك دليل حدوث العالم، كما أن من المسائل المشهورة قولهم: إن الأفعال
_________________
(١) انظر درء التعارض (٣/٣٠-٣١) .
[ ٢ / ٨٧٩ ]
يجب تناهيها على امتناع حوادث لا أول لها. يقول شيخ الإسلام معلقا على هذه المقدمات العقلية مبينا كيف طعن فيها علماؤهم: "وغاية هؤلاء أن الأعراض لا تبقى زمانين، وجمهور العقلاء يخالفون في ذلك. وأن الأفعال يجب تناهيها، وقد علم نزاع العقلاء فيها، وجمهورهم يمنعون امتناع تناهيها من الطرفين (١) .
وقد ذكرنا اعتراض الأرموي وغيره على شيوخه في هذه المقدمات، وقد سبقه إلى ذلك الرازي وغيره، وقدحوا فيها قدحا بينوا به فسادها على وجه لم يتعرضوا عليه وإن كان الرازي يعتمدها في مواضع أخر، فنظره استقر على القدح فيها.
وكذلك الأثير الأبهري في كتابه المعروف "بتحرير الدلائل في تقرير المسائل " هو وغيره قدحوا في تلك الطرق وبينوا فساد عمدة الدليل، وهو بطلان حوادث لا أول لها " (٢) .
وإذا كان الأمر كذلك فإن الأدلة العقلية التي هي عماد المذهب الأشعري طعن فيها بعض أعلامهم. وبذلك لم يأت رد المذهب ونقضه من خارج رجاله حتى يقال: إن هذه حال جميع الطوائف يرد بعضها على بعض، بل جاء الرد والنقض من داخل المذهب ومن رجال يعتبرون من العمد التي يرتكز عليها أتباع المذهب كل في زمنه وعصره.
وهناك أمثلة أخرى (٣) . وهي تدل مع ما سبق على أن شيخ الإسلام كان صاحب منهج متميز، تأتي ردوده مركزة ومقصودة وموثقة، ولم تكن ردودا عفوية يأتي بها من خلال المناقشة، خاصة في مثل هذه الطريقة التي تقتضي جمع الأقوال من المصادر المختلفة، وبيان كيف ينقض بعضها بعضا، ويرد بعضهم على بعض.
_________________
(١) أي الماضي والمستقبل، فيقولون: إنها تتناهى في الماضي، ولا تتناهى في المستقبل لأن نعيم الجنة لا ينفد.
(٢) درء التعارض (٦/١٨٥)، وانظر (٨/١٥٧) .
(٣) انظر مثلا: درء التعارض (٥/٢٩٠) حيث إن كلام الرازي يرد على الجويني في مسألة أول واجب على المكلف، وانظر أيضا: شرح الأصفهانية (ص: ٣٥-٣٦)، وكيف كان أبو حامد الأسفراييني يرد على الباقلاني في مسألة كلام الله.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
تاسعا: تناقض الأشاعرة:
وهذا من أبرز السمات العامة لمنهج شيخ الإسلام في ردوده على الأشاعرة، وقد استخدمه كثيرا وهو يناقش المسائل الكثيرة التي خالفوا فيها مذهب السلف.
والسؤال الذي يرد هنا هو: هل كان هذا المذهب يحمل في طياته منذ نشأته مبدأ التناقض؟ وبعبارة أخرى هل المنهج التلفيقي الذي أراده مؤسسوه، أن يبنوا عليه هذا المذهب أدى إلى الوقوع في التناقض؟
إن كلام شيخ الإسلام يدل على أنه يجيب بالإيجاب، فهو يقول عن أبي الحسن الأشعري بعد دفاعه عنه: " لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة، وأعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول وبين الانتصار للسنة، كما فعل في مسألة الرؤية والكلام والصفات الخبرية وغير ذلك. والمخالفون له من أهل السنة والحديث، ومن المعتزلة والفلاسفة، يقولون: إنه متناقض، وإن ما وافق فيه المعتزلة يناقض ما وافق فيه أهل السنة " (١)، ويقول أيضا عن ابن كلاب والقلانسي والأشعري: " لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية، وما يقول الناس: إنه يلزمهم بسببه التناقض، وأنهم جمعوا بين الضدين، وأنهم قالوا ما لا يعقل، ويجعلونهم مذبذبين، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء فهذا وجه من يجعل في قولهم شيئا من أقوال الجهمية " (٢) . وهنا جمع شيخ الإسلام بين الأشعري وشيوخه من الكلابية في وقوعهم في التناقض.
ولا شك أن الأشعري أراد أن يجمع بين الإيمان ببعض أصول المعتزلة والجهمية مع اتباع مذهب السلف، ولما كانت خبرته بمذهب السلف قليلة أراد أن يجمع بين تلك الأصول ومذهب السلف الذي حكاه بإجمال، حكى بعضه كما يعتقده، لا كما هو في واقع الأمر. يقول شيخ الإسلام عن الأشعري: " وأقرب
_________________
(١) المسألة المصرية في القرآن، مجموع الفتاوى (١٢/٢٠٤-٢٠٥) .
(٢) المصدر السابق (١٢/٢٠٦) .
[ ٢ / ٨٨١ ]
الأقوال إليه قول ابن كلاب، فأما ابن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية، وهو مركب من قول أهل السنة وقول الجهمية. وكذلك الأشعري في الصفات.
وأما في القدر والإيمان فقوله قول الجهم. وأما ما حكاه عن أهل السنة والحديث وقال: " وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول إليه نذهب " (١)، فهو أقرب ما ذكره، وبعضه ذكره عنهم على وجهه، وبعضه تصرف فيه وخلطه بما هو من أقوال جهم في الصفات والقدر؛ إذ كان هو نفسه يعتقد صحة تلك الأصول. وهو يحب الانتصار لأهل السنة والحديث، وموافقتهم، فأراد أن يجمع بين ما رآه من رأى أولئك، وبين ما نقله عن هؤلاء، ولهذا يقول فيه طائفة: إنه خرج من التصريح إلى التمويه، كما يقوله طائفة: إنهم الجهمية الأناث، وأولئك الجهمية الذكور " (٢) .
والتناقض الذي وقع فيه متقدمو الأشعرية، موجود في مذهبهم في الصفات، وكلام الله، والقدر، وغير ذلك من المسائل التي خالفوا فيها أهل السنة.
والشيء الملفت هنا - أن المتأخرين من الأشاعرة، وهم أكثر تناقضا - اتهموا المتقدمين من أئمتهم بالتناقض، يقول شيخ الإسلام عن ابن كلاب والأشعري وبعض الصفاتية: إنهم يقولون: إن الله تعالى فوق العرش، وإنه مع ذلك ليس بجسم ولا متحيز قال شيخ الإسلام: " والمنازعون لهم في كونه فوق العرش كالرازي ومتأخري الأشعرية وكالمعتزلة يدعون أن هذا تناقض مخالف للضرورة العقلية "، ثم يقول في المفاضلة بين الأولين - أي متأخري الأشعرية كالرازي والجويني - وهؤلاء - أي متقدمي الأشعرية -: " تبين أن الأولين أعظم مخالفة للضرورة العقلية، وأعظم تناقضا من هؤلاء، وأن هؤلاء [أي الجويني وابن كلاب] لا يسع أحدهم في نظره ولا مناظراته أن يوافق أولئك على ما سلكوه من النفي فرارا مما ألزموه إياه من التناقض؛ لأنه يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، فيكون الذي وقع فيه من التناقض ومخالفة الفطرة الضرورية العقلية أعظم مما فر منه، مع ما في ذلك من مخالفة القرآن والسنة وما اتفق عليه سلف الأمة،
_________________
(١) المقالات للأشعري (ص: ٢٩٧) - ت ريتر (١/٣٢٥) ط عبد الحميد.
(٢) مجموع الفتاوى (١٦/٣٠٨-٣٠٩) .
[ ٢ / ٨٨٢ ]
وإن كان قد يضطر إلى نوع باطل في الأول، فإنه بمنزلة قول الواقف في الرمضاء: إنا أجد حرارتها وألمها، فيقال له: النار التي فررت إليها أعظم حرارة وألما، وإن كنت لا تجدها حين وقوفك على الرمضاء، بل تجدها حين تباشرها - فيكون قد فر من نوع تناقض وخلاف بعض الضرورة، فوقع في أنواع من التناقضات ومخالفة الضرورات، وبقي ما امتاز به الأول في كلامه من الزندقة والإلحاد، ومشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتباع سبيل المؤمنين: زيادة على ذلك " (١) .
وهؤلاء المتأخرون إنما رموا أئمتهم المتقدمين بالتناقض لأنهم كانوا عارفين بالأصول العقلية التي اعتمدها هؤلاء، وأنها تقتضي أن يلتزموا لوازمها وأن لا يهابوا أهل الحديث بل يصرحوا بما تقتضيه هذه الأصول ولوازمها. وهذا هو ما فعله المتأخرون وطبقوه (٢) .
واتهام المتأخرين للمتقدمين بالتناقض يدل عليه ما حوته كتبهم التي صرحوا فيها بمخالفة السلف ومخالفة أئمتهم، وما يذكرونه من الأدلة والمناقشات لعقائدهم - وخاصة في مسائل العلو والاستواء، والصفات الخبرية، والرؤية - تحمل في ثناياها الاتهام لشيوخهم وأئمتهم بالتناقض، وهم قد لا يصرحون بذلك لأن هؤلاء هم أئمة المذهب، وبهم يقتدون في المسائل الأخرى التي وافقوهم فيها.
ومع ذلك فأحيانا يصرحون: ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره أبو المعالي الجويني في مسألة الصفات الخبرية كالوجه واليدين، التي أثبتها متقدمو الأشعرية الذين ينفون الصفات الاختيارية عن الله تعالى، ولذلك يؤولون الاستواء والنزول والمجيء، إما بتأويلات صريحة كما فعل المتأخرون، وإما بجعلها من صفات الذات لا من صفات الفعل، وأن الاستواء - مثلا - فعل فعله الله في العرش سماه استواء، كما هو قول الأشعري - فالجويني يقول لهؤلاء إذا كنتم
_________________
(١) نقض التأسيس المطبوع (٢/١١٠-١١١)، وقد بين فيما بعد تناقض المتقدمين والمتأخرين من الأشعرية وأن كلا منهم اتهم الآخر بالتناقض [ومعلوم أن اتهام المتقدمين للمتأخرين إنما هو بواقع الحال لا بالمقال]، انظر: نقض التأسيس المخطوط (٣/٢٠٠-٢٠٢) .
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/٣٠٩) .
[ ٢ / ٨٨٣ ]
أثبتم الصفات الخبرية بظواهر الآيات فيلزمكم أن تثبتوا بقية الصفات كالاستواء والنزول والجنب بظواهر النصوص أيضا، أما إذا سوغتم تأويل هذه فلا يبعد تأويل الصفات الخبرية: يقول الجويني عن الصفات الخبرية، " ومن سلك من أصحابنا سبيل إثبات هذه الصفات بظواهر هذه الآيات ألزمه سوق كلامه أن يجعل الاستواء والمجيء والنزول والجنب من الصفات تمكسا بالظاهر، فإن ساغ تأويلها فيما يتفق عليه، لم يبعد أيضا طريق التأويل فيما ذكرناه " (١) .
فهو يقول: إن تأويل هذه والمنع من تأويل تلك تناقض. فإما إثبات الجميع، أو تأويل الجميع. ويلاحظ أن هذا يقال للجويني أيضا.
والنماذج التي ذكرها شيخ الإسلام لتناقض الأشاعرة كثيرة، ومن أمثلتها:
١- ذكر شيخ الإسلام - في أثناء رده على الجويني - الذي سمى أصحابه أهل الحق وذكر ما يتميزون به عن المعتزلة، وتكلم بكلام عجيب حول أخبار الصفات حتى إن الإمام القرطبي انتقد كلامه في ذلك (٢) - أنواعا كثيرة من التناقضات في المذهب الأشعري، فقال - بعد رده على الجويني من وجوه عديدة -: " الوجه الرابع عشر أن يقال له: هؤلاء الذي سميتم أهل الحق، وجعلتهم قاموا من تحقيق أصول الدين بما لم يقم به الصحابة، هم متناقضون في الشرعيات والعقليات:
أما الشرعيات: فإنهم تارة يتأولون نصوص الكتاب والسنة، وتارة يبطلون التأويل، فإذا ناظروا الفلاسفة والمعتزلة - الذين يتأولون نصوص الصفات مطلقا، ردوا عليهم، وأثبتوا لله الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ونحو ذلك من الصفات - وإذا ناظروا من يثبت صفات أخرى دل عليها الكتاب والسنة كالمحبة والرضا والغضب والمقت والفرح والضحك ونحو ذلك تأولوها، وليس لهم فرق مضبوط بين ما يتأول وما لا يتأول، بل منهم من يحيل على العقل،
_________________
(١) الإرشاد للجويني (ص: ١٥٧-١٥٨) .
(٢) انظر: كلام الجويني وتعليق القرطبي في التسعينية (ص: ٢٤٤-٢٤٥) .
[ ٢ / ٨٨٤ ]
ومنهم من يحيل على الكشف، فأكثر متكلميهم يقولون: ما علم الله ثبوته بالعقل لا يتأول، وما لم يعلم ثبوته بالعقل يتأول، ومنهم من يقول: ما علم ثبوته بالكشف والنور الإلهي لا يتأول، وما لم يعلم ثبوته بالعقل يتأول، وكلا الطريقين ضلال وخطأ من وجوه (١) "، ثم قال: " وأما تناقضهم في العقليات فلا يحصى:
" مثل قولهم: إن الباري لا يقوم به الأعراض، ولكن تقوم به الصفات والأعراض في المخلوق هو عندهم صفة وهو عندهم عرض، ثم قالوا في الحياة ونحوها هي في حق الخالق صفات وليست بأعراض، إذ العرض هو ما لا يبقى زمانين، والصفة القديمة باقية ".
" وكذلك قولهم: إن الله يرى كما ترى الشمس والقمر من غير مواجهة ولا معاينة وأن كل موجود يرى حتى الطعم واللون ".
" وأن المعنى الواحد القائم بذات المتكلم يكون أمرا بكل ما أمر به ونهيا عن كل ما نهى عنه، وخبرا بكل ما أخبر به، وذلك المعنى إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو التوراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو الإنجيل، وأن الأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواع له وأن هذا المعنى يسمع بالأذن - على قول بعضهم إن السمع عنده متعلق بكل موجود - وعلى قول بعضهم إنه لا يسمع بالأذن، لكن بلطيفة جعلت في قلبه، فجعلوا السمع من جنس الإلهام ".
" ومثل قولهم: إن القديم لا يجوز عليه الحركة والسكون ونحو ذلك لأن هذه لا تقوم إلا بمتحيز، وقالوا: إن القدرة والحياة ونحوهما يقوم بقديم غير متحيز. وجمهور العقلاء يقولون: إن هذا فرق بين المتماثلين.
" وكذلك زعمهم أن قيام الأعراض التي هي صفات قائمة بالرب ولا تدل على حدوثه " (٢) .
_________________
(١) التسعينية (٢٥٧-٢٥٨) .
(٢) التسعينية (ص: ٢٥٩-٢٦٠) .
[ ٢ / ٨٨٥ ]
ثم ذكر شيخ الإسلام نماذج أخرى (١)، ويلاحظ هنا أن شيخ الإسلام اقتصر على ذكر وجه التناقض، ولم يكن هدفه أن يبين وجه الحق في في كل مسألة ذكرها، فمثلا في المسألة الأخيرة التي فرقوا فيها بين الصفات والأعراض فقالوا إن الأعراض إذا قامت بالمحل دلت على حدوثه، وأما الصفات فهي قائمة بالله ولا تدل على حدوثه، بين شيخ الإسلام أن هذا تناقض لأن قيام الأعراض إن دلت على الحدوث فالصفات كذلك، وقيام الصفات إن لم تدل على الحدوث فالأعراض كذلك، والمقصود أن لا يفهم من ظاهر عبارة الشيخ أنه ينكر قولهم: إن الصفات قائمة بالرب ولا تدل على حدوثه، بل هو ينكر ويبين تناقضهم، وإلا فالله تعالى تقوم به الصفات، كما أنه تعالى يتكلم إذا شاء متى شاء، وينزل ويجيء إذا شاء - وهذه وإن سموها أعراضا - فهي لا تدل على حدوث البارئ تعالى.
٢- ومن الأمثلة على تناقض الأشاعرة أنهم في مسألة الترجيح بلا مرجح مرة يقولون: إن القادر المختار يرجح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، ومرة يقولون بعكس ذلك وأن القادر لا يرجح أحد طرفي الممكن إلا بمرجح، وسبب التناقض اختلاف الحالة التي يستدلون لها: فإنهم إن كانوا في موقع مناظرة الفلاسفة الدهرية حول حدوث العالم، ردوا عليهم بقولهم " إن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، وقالوا: إن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بغير مرجح يصح من القادر المختار ولا يصح من العلة الواجبة " (٢)، ويلاحظ أن هذا جواب للمعتزلة أيضا يجيبون به الفلاسفة. وإن كانوا في موقع الرد على القدرية المعتزلة في مسألة خلق أفعال العباد وأن الله هو الخالق لها ردوا عليهم بقولهم: " إنه لا يتصور ترجيح الممكن، لا من قادر ولا من غيره إلا بمرجح يجب عنده وجود الأثر " (٣)، يقول شيخ الإسلام معلقا على الأشاعرة: " فهؤلاء إذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم لم يجيبوهم إلا بجواب المعتزلة، وهم دائما إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر يحتجون عليهم بهذه الحجة التي احتجت بها
_________________
(١) انظر المصدر السابق (ص: ٢٦٠ - ٢٦١) .
(٢) انظر: درء التعارض (٩/١٦٦) .
(٣) المصدر السابق (١/٣٢٦) .
[ ٢ / ٨٨٦ ]
الفلاسفة، فإن كانت هذه الحجة صحيحة بطل احتجاجهم على المعتزلة، وإن كانت باطلة بطل جوابهم للفلاسفة. وهذا غالب على المتفلسفة والمتكلمين المخالفين للكتاب والسنة تجدهم دائمًا يتناقضون، فيحتجون بالحجة التي يزعمون أنها برهان باهر، ثم في موضع آخر يقولون: إن بديهة العقل يعلم بها فساد هذه الحجة" (١) .
وهذا يشبه تناقض الأشاعرة في مسألة أصوات العباد، حيث إنهم حينما يردون على المعتزلة يقولون: إنها ليست فعلًا للعباد، فإذا جاءوا إلى مسألة القرآن قالوا: أصوات العباد فعل لهم وهذا تناقض (٢) .
٣- وفي موضوع النبوات وما يتعلق بها من المعجزات الدالة على صدق الأنبياء ذكر شيخ الإسلام جوانب كثيرة دالة على تناقضهم:
من ذلك أن بعضهم يقول: إن دلالة المعجزة على التصديق معلومة بالاضطرار، ثم يقولون: إن الله لا يفعل لحكمة، وليست أفعاله تعالى معللة. وهذا تناقض إذ كيف تدل المعجزة - التي هي من أفعال الله ومفعولاته - على صدق النبي، والله لا يفعل لحكمة أبدًا؟ يقول شيخ الإسلام: "وأما الطريقة الثانية وهي أجود وهي التي اختارها أبو المعالي وأمثاله، فهو أن دلالة المعجز على التصديق معلوم بالاضطرار، وهذه طريقة صحيحة لمن اعتقد أن الله يفعل لحكمة، وأما إذا قيل: إنه لا يفعل لحكمة انتفى العلم الاضطراري. والأمثلة التي يذكرونها كالملك الذي جعل آية لرسوله خارجًا عن عادته، إنما دلت للعلم بأن الملك يفعل شيئًا لشيء، فإذا نفوا هذا بطلت الدلالة" (٣) .
ومثل ذلك من علق صدق النبوة على القدرة، وأن الله قادر على أن يميز بين الصادق والكاذب، إنما صح ذلك مع إثبات الحكمة والتعليل، أما مع نفيها فهو متناقض (٤) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٣٢٦) .
(٢) انظر: الصفدية (١/١٥٤) .
(٣) النبوات (ص: ٣٦١)، وانظر (ص: ٥٦) .
(٤) انظر: المصدر السابق (ص: ٣٦١-٣٦٢) .
[ ٢ / ٨٨٧ ]
ومن تناقضهم في هذا الباب قولهم عن المعجزات: إن الله لا يمكن أن يخلقها على يد كاذب، ثم يقولون: إن الله لا ينزه عن فعل أي ممكن، وأنه لا يقبح منه فعل، وحينئذ فيقال لهم قولكم متناقض لأنه إذا جاز أن يفعل الله القبيح جاز أن يخلق المعجزة على يد كذاب، يقول شيخ الإسلام معلقًا على قولهم إن الله لا يمكن أن يخلق المعجزة على يد كاذب: "لكن المطالب يقول: كيف يستقيم على أصلكم أن يكون ذلك دليل الصدق، وهو أمر حادث مقدور، وكل مقدور يصح عندكم أن يفعله الله، ولو كان فيه من الفساد ما كان، فإنه عندكم لا ينزه عن فعل ممكن، ولا يقبح منه فعل، فحينئذ إذا خلق على يد الكاذب مثل هذه الخوارق لم يكن ممتنعًا على أصلكم، وهي لا تدل على الصدق البتة على أصلكم فأنتم بين أمرين: إن قلتم لا يمكنه خلقها على يد الكاذب وكان ظهورها ممتنعًا فقد قلتم: إنه لا يقدر على إحداث حادث قد فعله مثله، وهذا تصريح بعجزه وإن قلتم: يقدر، لكنه لا يفعل، فهذا حق وهو ينقض أصلكم" (١) . ومعلوم أن من أكثر ما تخبط فيه الأشاعرة مسألة المعجزات.
٤- ومن الأمثلة على تناقضهم قولهم: إن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر ثم يقولون لا واجب إلا بالشرع خلافًا للمعتزلة، وهذا تناقض بين (٢) .
والأمثلة على تناقض الأشاعرة كثيرة، وماسبق كاف لإثبات ذلك، وهناك جوانب أخرى من تناقضهم ذكرها شيخ الإسلام (٣) .
٥- ويذكر شيخ الإسلام - إضافة إلى ما سبق - تناقض بعض أعلامهم:
آ- ومن ذلك تناقض الشهرستاني والرازي والآمدي الذين أثبتوا جواهر معقولة غير متحيزة موافقة للفلاسفة الدهرية: وقالوا: إنه لا دليل على نفيها: يقول شيخ الإسلام مخاطبًا هؤلاء حول العلو ونفيهم له لالتزامه على زعمهم التحيز:
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (ص: ١٥٤-١٥٥) .
(٢) انظر: درء التعارض (٨/١٢-١٦) .
(٣) انظر مثلًا: نقض التأسيس المخطوط (٣/١٦٧)، ودرء التعارض) ١/٣٥٧، ٢/٣٩٠، ٣/٢٠٦-٢٠٧، ٢٥٤-٢٥٦، ٥/٢٣٨، ٣٤٣-٣٤٥) ومجموع الفتاوى (٥/٢٠٩-٢٨٩)، والتسعينية (ص: ١٦٨-١٦٩، ٢٢١) وشرح الأصفهانية (ص: ١٥٣،٣٥٥) -ت العودة، وغيرها.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
"أنتم إذا ناظرتم الملاحدة المكذبين للرسل فادعوا إثبات جواهر غير متحيزة عجزتم عن دفعهم أو فرطتم فقلتم: لا نعلم دليلًا على نفيها أو قلتم بإثباتها. وإذا ناظرتم إخوانكم المسلمين الذين قالوا بمقتضى النصوص الإلهية والطريقة السلفية وفطرة الله التي فطر عباده عليها، والدلائل العقلية السليمة عن المعارض وقالوا: إن الخالق تعالى فوق خلقه، سعيتم في نفي لوازم هذا القول وموجباته وقلتم: لا معنى للجوهر إلا المتحيز بذاته، فإن كان هذا القول حقًا فادفعوا به الفلاسفة الملاحدة، وإن كان باطلًا فلا تعارضوا به المسلمين، أما كونه يكون حقًا إذا دفعتم ما يقوله إخوانكم المسلمين، ويكون باطلًا إذا عجزتم عن دفع الملاحدة في الدين فهذا طريق من بخس حظه من العقل والدين وحسن النظر والمناظرة عقلًا وشرعًا" (١) . فهذا التناقض إنما هو لمن قال بالجواهر العقلية، أو قال إنه لا دليل على نفيها، وهؤلاء مع الغزالي لهم تناقضات أخرى في المنطق وما يتعلق به من مسألة تماثل الأجسام أشار شيخ الإسلام إلى جوانب منها (٢) .
ب- تناقض الرازي، وقد أشار شيخ الإسلام إلى أمثلة عديدة من تناقضه ومن ذلك:
١- تناقضه في مسألة حدوث الأجسام، فمرة يثبته، ومرة يذكر فساد حجج من يثبته (٣) .
٢- وفي إثبات العلو قال في نفيه بالدليل العقلي: إنه يلزم منه النقص على الله تعالى، وفي نهاية العقول ذكر أن امتناع النقص على الله لم يعلم بالعقل (٤) .
٣- وسورة الإخلاص ﴿قُلْ هو الله أحد * الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١-٢] قال فيها مرة إنها من المحكمات. وفي موضع آخر جعلها من المتشابهات (٥) .
_________________
(١) درء التعارض (٤/١٦٣) .
(٢) انظر: درء التعارض (٤/١٧٣-١٨٢) . وهو من المباحث المهمة في بيان تناقض هؤلاء.
(٣) انظر: درء التعارض (٤/٢٩٠) .
(٤) انظر: نقض التأسيس المطبوع (٢/٢٩٢-٢٩٧) .
(٥) انظر: نقض التأسيس المخطوط (٢/٥٤-٥٥) .
[ ٢ / ٨٨٩ ]
٤- والجوهر الفرد وما يتعلق به من كون الحركة لها وجود أو ليس لها وجود، مرة أثبت ذلك ومرة نفاه (١) .
٥- وهل القدرة تستلزم وجود المراد، مرة أثبت ذلك ومرة نفاه (٢) . وغير ذلك (٣) .
ج-- تناقض الآمدي، ومن ذلك:
١- قوله إن العلة قد تتقدم المعلول، وفي موضع آخر نفي ذلك (٤) .
٢- قوله بأن الله ليس بجوهر لأنه يلزم منه أن يكون مثل الجواهر الأخرى فلا تبقى له مزية على غيرها، لأنهما يتساويان فيما يجب ويجوز ويمتنع، ولكنه في مسألة دليل حدوث الأجسام قال: "ولا يلزم من كون القديم مماثلًا للحوادث من وجه أن يكون مماثلًا للحادث من جهة كونه حادثًا، بل لا مانع من الاختلاف بينهما في صفة القدم والحدوث وإن تماثلا بأمر آخر" (٥)، وهذا يناقض ما ذكر في مسألة الجواهر (٦) .
٣- وفي موضوع "التركيب" تناقض قوله تناقضًا عظيمًا، وذكر شيخ الإسلام نماذج له (٧) .
٤- وفي مسألة وجود الكلي المطلق هل يوجد مطلقًا أو لا يوجد إلا معينًا؟ مرة قال بهذا ومرة بهذا (٨) .
هذه نماذج لتناقض الأشاعرة في مذهبهم، وفي أقوال أئمتهم، ولا شك أن وجود التناقض وكثرته يدل على ضعف المذهب، وضعف الأدلة التي بني عليها.
_________________
(١) انظر شرح الأصفهانية (ص: ٣٠٦) ت العودة.
(٢) انظر: المصدر السابق (ص: ٣٥١-٣٥٢) ت العودة.
(٣) انظر مثلًا: نقض التأسيس المطبوع (٢/١١١) .
(٤) انظر: درء التعارض (٣/٦١-٦٢) .
(٥) انظر: المصدر السابق (٤/١٦٧-١٦٨) .
(٦) انظر: المصدر نفسه (٤/١٦٥-١٦٨) .
(٧) انظر: المصدر نفسه (٢٣٢-٢٤٦) .
(٨) انظر: المصدر نفسه (٥/١٠٩-١١٠، ١١٨-١١٩، ١٢٠-١٢٤) .
[ ٢ / ٨٩٠ ]
عاشرًا: حيرة الأشاعرة وشكهم ورجوعهم:
لاشك أن هذا متولد عن الوجه السابق الذي هو التناقض، لأن وجود التناقض في المذهب وفي طرق الاستدلال له يؤدي إلى عدم الثقة فيه فإذا انضاف إلى ذلك تعظيم شيوخ المذهب وأنهم لا يمكن أن يقولوا إلا ما هو حق موافق للعقل؛ فإن الأمر يتطور إلى الشك والحيرة، والرجوع لمن هدى الله منهم.
وكل ذلك لأجل أنهم خاضوا في علم الكلام والفلسفة، وتركوا الاعتماد على الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح ولذلك صار لهم سمات خاصة بهم منها:
"إنك تجدهم أعظم الناس شكًا واضطرابًا، وأضعف الناس علمًا ويقينًا " (١) .
ومنها: "إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالًا من قول إلى قول وجزمًا بالقول في موضع، وجزمًا بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر وهذا دليل عدم اليقين" (٢) .
ومنها: أن منتهى هؤلاء المعرضين عن الكتاب المعارضين له: "السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات، يتأولون كلام الله وكلام رسوله بتأويلات يعلم بالاضطرار أن الله ورسوله لم يردها بكلامه، وينتهون في أدلتهم العقلية إلى ما يعلم فساده بالحس والضرورة العقلية، ثم إن فضلاءهم يتفطنون لما بهم من ذلك فيصيرون في الشك والحيرة والارتياب وهذا منتهى كل من عارض نصوص الكتاب" (٣) .
فالشك والحيرة - خاصة في المسائل الكبار - من سمات أهل الكلام، وفي مقدمتهم أعلام الأشاعرة، وقد استخدم شيخ الإسلام في منهجه وردوده عليهم هذه الطريقة التي تبين أن كل من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله فهذا مآله ومنتهاه، كما أنها تدل على حقيقة هؤلاء الأعلام المشهورين الذين يقتدى بهم فئام وفئام من الناس.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/٢٧) - وقد شرح شيخ الإسلام ذلك وضرب له عدة أمثلة.
(٢) المصدر السابق (٤/٥٠) .
(٣) درء التعارض (٥/٢٥٦) .
[ ٢ / ٨٩١ ]
أما رجوع كثير منهم عما كان عليه وتعويله على الكتاب والسنة ففيه دلالة قوية على بطلان ما كانوا عليه، وهو حجة قاطعة على أن تعويل السلف على النصوص الواردة عن الله وعن رسوله - - ﷺ - لم يكن عن جهل بما عداها مما هو موجود في عهدهم من مذاهب اليونان وغيرها، وإنما كان نابعًا من اعتقاد جازم وإيمان عميق أن الهدى والرشاد والطمأنينة القلبية لن تكون إلا باتباع الوحي المنزل.
وشيخ الإسلام وهو يذكر ما في رجوع أهل الكلام من الخير لهم ولغيرهم إلا أنه يثير مشكلة كتبهم التي انتشرت وتناقلها الناس فيقول: "وأما اعتراف المتكلمة من الإسلاميين فكثير، وقد جمع العلماء فيه شيئًا، وذكروا رجوع أكبارهم عما كانوا يقولونه، وتوبتهم، إما عند الموت، وإما قبل الموت، وهذا من أسباب الرحمة إن شاء الله في هذه الأمة، فإن الله يقبل التوبة من عباده، ويعفو عن السيئات، وهذا أصح القولين في قبول توبة الداعي، لكن بقاء كتبهم وآثارهم محنة عظيمة في الأمة، وفتنة عظيمة لمن نظر فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله" (١) .
إن شيخ الإسلام وهو يقول هذا الكلام الرقيق، بحيث يجعل رجوع هؤلاء من أسباب الرحمة في هذه الأمة لأن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده، لا ينسى الجانب الآخر وهو أن هؤلاء تابوا ورجعوا ولكن كتبهم بقيت، يتناقلها الناس ويفتنون بها، وهذا يفسر ما قام به شيخ الإسلام من ردود طويلة على هؤلاء وعلى كتبهم، وإن كان قد أثر عنهم التوبة والرجوع.
وعلماء وفضلاء الأشعرية معترفون بما في مذهب الأشعري من إشكالات حتى إن العالم الفاضل المجاهد العز بن عبد السلام لما قيل له في مسألة القرآن: كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار؟ قال ﵀: "ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري" (٢) .
_________________
(١) الاستقامة (١/٧٩-٨٠) .
(٢) التسعينية (ص: ٢٦١) .
[ ٢ / ٨٩٢ ]
وقد سبق في تراجم أعلام الأشاعرة ذكر نماذج لرجوع بعضهم، وللحيرة والشك عند كثير منهم، ولا يخلو كتاب من كتب شيخ الإسلام العقدية من التعرض لهذه المسألة حتى إنه قال: "ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان لكان شيئًا كثيرًا، وما لم يبلغني من حيرتهم وشكهم أكثر وأكثر" (١) .
وهذه المسألة واضحة ومعروفة، ولذلك نكتفي بذكر نماذج من أقواله ونقوله عنهم:
١- يقول شيخ الإسلام مبينًا اضطراب الأشاعرة وعلى رأسهم الأشعري: "وقد قيل: إن الأشعري - مع أنه من أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم بذلك - صنف في آخر عمره كتابًا في تكافؤ الأدلة، يعني أدلة علم الكلام فإن ذلك هو صناعته التي يحسن الكلام فيها، وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدى في طريهم، كما ذكرناه عن أبي حامد وغيره حتى قال أبو حامد الغزالي: أكثر الناس شكًا عند الموت أهل الكلام"، وهذا أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس في هذا الباب - باب الحيرة والشك والاضطراب - لكن هو مسرف في هذا الباب له تهمة في التشكيك دون التحقيق، بخلاف غيره فإنه يحقق شيئًا ويثبت على نوع من الحق.. " (٢) . والقول بتكافؤ الأدلة سمة عامة لغالب أئمة الأشاعرة خاصة في مثل المسائل الكبار كمسألة دليل حدوث الأجسام (٣) .
٢- وكثيرًا ما يؤدي خوض هؤلاء في علم الكلام إلى الشك والوقف والحيرة، وهذه من الحالات الخطيرة، والأمراض المزمنة، لأن تؤدي بهؤلاء إلى أنواع من الشكوك التي قد يكون من أثارها زيغ القلوب - ولا حول ولا قوة إلا بالله - وشيخ الإسلام يبين أنه لما كثرت عند هؤلاء الأدلة العقلية وتناقضت وتناقض أصحابها أدى بمن اعتمد عليها إلى الحيرة والوقف، يقول - بعد إلى تناقض الأدلة العقلية عند هؤلاء: "ثم من جمع منهم بين هذه الحجج أداه الأمر
_________________
(١) درء التارض (١/١٦٦) .
(٢) نقض المنطق (ص: ٢٥-٢٦)، وهو في مجموع الفتاوى (٤/٢٨)، وانظر منهاج السنة (٣/٦٨) .
(٣) انظر: التسعينية (ص: ٢٠١)، والدرء (١/١٦٤) .
[ ٢ / ٨٩٣ ]
إلى تكافؤ الأدلة، فيبقى في الحيرة والوقف أو إلى التناقض وهو أن يقول هنا قولًا، ويقول هنا قولًا يناقضه كما تجده من حال كثير من هؤلاء المتكلمين والمتفلسفة، بل تجد أحدهم يجمع بين النقيضين أو بين رفع النقيضين، والنقيضان اللذان هما الإثبات والنفي لا يجتمعان ولا يرتفعان، بل هذا يفيد صاحبه الشك والوقف فيتردد بين الاعتقادين المتناقضين الإثبات والنفي، كما يتردد بين الإرادتين المتناقضين وهذا هو حال حذاق هؤلاء كأبي المعالي وأبي حامد والشهرستاني والرازي والآمدي" (١) .
٣- والأشاعرة توقفوا حتى في أهم المسائل كمسألة الصفات، يقول شيخ الإسلام: "ومثل هذا النظر - وهو تعارض الأدلة التي يظن صاحبها أنها أدلة عقلية - يوجب الحيرة والشك والتوقف، ولهذا صرح طائفة من هؤلاء بالتوقف والحيرة في مسائل الصفات، وهذا شأن الرازي والآمدي وغيرهما في مسائل لهم، وهو منتهى نظر أهل النظر والكلام المذموم في الشرع، فإنه ينتهي بهم الأمر إلى الحيرة والشك كما قال ابن عقيل وغيره من العلماء: آخر المتكلمين الخارجين عن الشرع هو الشك، وآخر الصوفية الخارجين عن الشرع هو الشطح. وهو كما قالوا: فإن من تدبر كلام كثير منهم الثابت عنهم وجد منتهى أمرهم إلى الشك والتوقف، كما يوجد في كلام الرازي وغيره؛ فإنه واقف في مسألة الجوهر الفرد، ومسألة الصفات والأفعال وغير ذلك، كما هو أخبر به عن نفسه وكما يوجد في كتبه، وكذلك أبو حامد الغزالي واقف في كثير من المسائل، وكذلك أبو المعالي حصل له التوقف قبل أن يموت في الصفات الخبرية كالاستواء وفي قيام الأمور الاختيارية به" (٢) .
٤- ومن أعظم الأشاعرة حيرة واضطرابًا الرازي والآمدي، فالرازي كثيرًا ما "يعترف بالحيرة في المواضع العظيمة: مسائل الصفات وحدوث العالم، ونحو ذلك" (٣)، وقد صرح في آخر كتبه وهو المطالب العالية بتكافؤ الأدلة (٤)،
_________________
(١) الصفدية (١/٢٩٤) .
(٢) شرح الأصفهانية (ص: ٧١-٨٢) - ت العودة، وكل نص من هذا الكتاب أحلت فيه على هذا التحقيق - الذي لا يزال مطبوعًا على الآلة الكاتبة - فهو من الزيادات التي ليست في المطبوعة.
(٣) درء التعارض (٤/٢٩٠) .
(٤) انظر: التسعينية (ص: ٢٠١) .
[ ٢ / ٨٩٤ ]
وهو كثيرًا ما يصرح بالحيرة (١)، وقد انتقل هذا إلى كبار تلاميذه حتى إن أبرزهم - وهو الخسروشاهي - دخل عليه ابن بادة فقال له: يا فلان ما تعتقد؟ - قال ابن بادة - قلت: أعتقد ما يعتقده المسلمون. قال: وأنت جازم بذلك وصدرك منشرح له، قلت: نعم. قال فبكى بكاء عظيمًا، أظنه قال: لكني والله ما أدري ما أعتقد، لكني والله ما أدري ما أعتقد، لكني والله ما أدري ما أعتقد" (٢) . وهكذا تكون حيرة الأستاذ والتلاميذ.
أما الآمدي فكثيرًا ما يصرح في المسائل العظام عند عرض الأدلة والمناقشات بمثل قوله: هذا إشكال مشكل، ولعل عند غيري حله (٣)، وذكر شيخ الإسلام عن الثقة أنه حدثه عنه أنه قال: "أمعنت النظر في الكلام وما استفدت منه شيئًا إلا ما عليه العوام، أو كلامًا هذا معناه" (٤) .
٥- ورجوع الأشاعرة وكلامه في ذلك كثير ومشهور، وعلى رأسهم الجويني (٥)، والشهرستاني (٦)، والرازي (٧)، وغيرهم.
وقد وفق شيخ الإسلام في التركيز على هذه المسألة، لأنه وإن كانت كتب هؤلاء موجودة، ويعتمد عليها كثير من أتباعهم، إلا أن بيان هذه القضية وإيضاحها للناس يفيد الموافق والمخالف، أما الموافق فتزيده ثقة فيما عنده من الحق المعتمد على الكتاب والسنة، وأما المخالف فلابد أن تزرع في نفسه شيئًا من عدم الثقة فيما يقول هؤلاء في كتبهم الكثيرة التي أعلنوا رجوعهم عنها ورضاهم بطريقة القرآن.
_________________
(١) انظر مثلًا: درء التعارض (٣/١٢،٨٨، ٩/١٨٨-١٩٠)، التسعينية (٢٢٤-٢٢٥) وشرح الأصفهانية (ص: ١٦٢-١٦٤) - ت العودة وغيرها.
(٢) التسعينية (ص: ٢٠١-٢٠٢) .
(٣) انظر مثلًا: درء التعارض (١/١٦٢، ١٦٤، ٣/٩٣، ٩٥، ٢٨٢، ٤/١١٩، ٢٣٢ - ٢٣٣) وغيرها.
(٤) انظر: درء التعارض (٣/٢٦٢) .
(٥) انظر: درء التعارض (١/١٥٨، ٤/١٧٣، ٨/٤٧)، والتسعينية (ص: ٢٥١-٢٥٢)، والفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (٥/١١) .
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٤/٧٣) .
(٧) انظر: درء التعارض (١/١٥٩-١٦٠)، والحموية - مجموع الفتاوى (٥/١٠-١١)، ومجموع الفتاوى (٤/٧٢) .
[ ٢ / ٨٩٥ ]
حادي عشر: تسلط الفلاسفة والباطنية على المتكلمين:
النقد الذي وجهه شيخ الإسلام للمتكلمين - وفيهم الأشاعرة - من خلال هذا الموضوع - نقد فريد من نوعه، وهو يعتبر من أشد وأقسى ما وجه لهم من نقد. وتفرد شيخ الإسلام - فيما أعلم - بالتركيز على هذه المسألة إنما جاء نتيجة خبرته الواسعة بأقوال أهل الكلام وبأقوال أهل الفلسفة والباطنية، الذين كانوا يمثلون خطرًا سياسيًا وعقديًا على المجتمعات الإسلامية، خاصة قبيل وأثناء حياة شيخ الإسلام.
والناظر في تاريخ الفلاسفة، وتاريخ الحركات الباطنية، كالإسماعيلية ودولة الفاطميين، والقرامطة، وغيرها، يرد عليه سؤال محير، خلاصته: أن هذه الحركات الفلسفية والباطنية إذا كانت تقوم على صريح الكفر والإلحاد وتعطيل الشرائع، فكيف وجدت لها موطأ قدم، بل وأتباعًا بين المسلمين؟ وكيف لا تمضي فترة على شهرة الفيلسوف إلا وقد صار له أتباع وتلاميذ؟ وكيف أرسلت الدولة الفاطمية الباطنية دعاتها في مختلف أقطار العالم الإسلامي ليدعوا إلى نحلتهم، ثم يجد كثير من هؤلاء من يستجيب لهم؟. صحيح أن هؤلاء كانوا يستخدمون أساليب ملتوية، ويتظاهرون بالتشيع والرفض، ويقصدون أنواعًا من المناطق لا تخلو من وجود من يتستر بالزندقة، ولكن لماذا لم يبعث اليهود أو النصارى - وأولئك أشد كفرًا منهم - بمن يدعو إلى نحلهم ومللهم، ولا شك أنهم سيحاولون لو كانوا يجدون من يستجيب لهم؟.
إن جانبًا كبيرًا من مدلول هذه الأسئلة يفسره هذا التسلط من جانب هؤلاء الملاحدة على المتكلمين المنتسبين إلى الأسلام، حين تلاعبوا بنصوص الوحي من الكتاب والسنة وأعملوا فيها آراءهم وعقولهم تأويلًا وتحريفًا.
إن الفيلسوف أو القرمطي لن يجد المشقة في إقناع أتباعه بما عنده من سفسطة أو قرمطة، إذا أطلعهم على أقوال وتأويلات هؤلاء المتكلمين - وقد يكون فيهم من هو من فقهاء الأمة وأعلامها - لأنه سيجد عند هؤلاء مقالات عجيبة،
[ ٢ / ٨٩٦ ]
مثل قول كثير منهم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا حال فيه ولا بائن منه، أو قول بعضهم: إن الله في كل مكان، من غير حلول، وسيجد أيضًا من يؤول أكثر من ألف دليل من الكتاب والسنة دالة على إثبات علو الله تعالى وفوقيته على خلقه، وسيجد من يقول بإثبات رؤية الله في الدار الآخرة، ولكن من غير مقابلة ولا مواجهة، وسيجد من يقول: إن كلام الله معنى واحد، لا فرق فيه بين ما هو أمر أو نهي أو خبر. وسيجد غيرها من الأقوال التي تصادم العقول والنصوص.
فهل بعد ذلك سيجد الفيلسوف أو القرمطي أو الصوفي الغالي مشقة في إقناع أتباعه بتأويل نصوص المعاد، أو أنها خطاب للجمهور لإصلاح أحوالهم في الدنيا، أو تأويل نصوص العبادات والأوامر والنواهي؟.
حقًا إن ما عمله هؤلاء المتكلمون - حين خالفوا منهج ومذهب السلف في تلقي النصوص - أن فتحوا الباب لكل ملحد وزنديق أن يتأول كلام الله كيف يشاء.
والكلام هنا إنما هو لتفسير ما حدث، وليس للمفاضلة بين هؤلاء؛ إذ لا شك ولا ريب أن هؤلاء المتكلمين أفضل من أولئك، وأقوالهم أقرب إلى العقل والنقل من أقوال الملاحدة الخارجين عن الإسلام.
ولما كان من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على خصومه، بيان كيف وقع التسلط من هؤلاء الملاحدة، حرص على ذكر أسباب ذلك، مع ذكر أنواع من هذا التسلط.
فقد ذكر شيخ الإسلام عدة أسباب لتسلط هؤلاء على المتكلمين:
١- منها: "عدم علمهم بما بعث الله به الرسول - ﷺ -، وعدم تحقيقهم لقواعد المعقول، فإن الأقوال المبتدعة لابد أن تكون مناقضة للعقل والشرع" (١) .
_________________
(١) شرح الأصفهانية (ص: ٣٣١) - ت العودة.
[ ٢ / ٨٩٧ ]
٢- ومنها: "ابتداعهم لدلائل ومسائل في أصول الدين تخالف الكتاب والسنة، ويخالفون بها المعقولات الصحيحة، التي ينسر فيها خصومهم أو غيرهم" (١) .
٣- ومنها: "مشاركتهم لهم في العقليات الفاسدة من المذاهب والأقيسة، ومشاركتهم لهم في تحريف الكلم عن مواضعه" (٢) .
وقد أشار شيخ الإسلام بإجمال في الرد على المنطقيين إلى عدد من هذه العقليات الفاسدة التي تسلط بسببها الفلاسفة على المتكلمين، فقال في مسألة رؤية الله: وإمكان رؤيته يعلم بالدلائل العقلية القاطعة، لكن ليس هو الدليل الذي سلكه طائفة من أهل الكلام كأبي الحسن وأمثاله؛ حيث ادعوا أن كل موجود يمكن رؤيته، بل قالوا: ويمكن أن تتعلق به الحواس الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، فإن هذا مما يعلم فساده بالضرورة عند جماهير العقلاء. وهذا من أغاليظ بعض المتكلمين، كغلطهم في قولهم: إن الأعراض يمتنع بقاؤها، وأن الأجسام متماثلة، وأنها مركبة من الجواهر المنفردة التي لا تقبل قسمة وكذلك غلط من غلط من المتكلمين وادعى أن الله لم يخلق شيئًا بسبب ولا لحكمة، ولا خص شيئًا من الأجسام بقوى وطبائع، وادعى أن كل ما يحدث فإن الفاعل المختار الذي يخص أحد المتماثلين بلا تخصيص أصلًا يحدثه، وأنكر ما في مخلوقات الله وما في شرعه من الحكم التي خلق وأمر لأجلها" - يقول شيخ الإسلام معلقًا -: "فإن غلط هؤلاء مما سلط أولئك الفلاسفة، وظنوا أن ما يقوله هؤلاء وأمثالهم هو دين المسلمين أو قول الرسول وأصحابه، ولهذا كانت مناظرة ابن سينا هي للمعتزلة، وابن رشد للكلابية. وكانوا إذا بينوا فساد بعض ما يقول مبتدعة أهل الكلام يظنون أنه لم يبق حق إلا ما يقولونه هم، وذلك بالعكس، وليس الأمر كذلك، بل ما يقوله مبتدعة أهل الكلام
_________________
(١) نقض التأسيس المطبوع (١/٢٢٣) .
(٢) المصدر السابق - نفس الجزء والصفحة.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
فيه خطأ مخالف للشرع والعقل، والخطأ فيما تقوله المتفلسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ المتكلمين" (١) .
هذه أهم الأسباب التي يرى شيخ الإسلام أنها أدت إلى تسلط الفلاسفة على هؤلاء المتكلمين، وخلاصتها البعد عن دلائل الكتاب والسنة، والخوض في الدلائل العقلية الفاسدة.
وقد ألمح شيخ الإسلام لشيء من قصة تسلط الحركات الباطنية في العالم الإسلامي على أثر مقالات أهل الكلام، فقال عن دليل حدوث الأجسام الذي جاء به هؤلاء من المعتزلة والأشعرية: "فطريقتهم التي أثبتوا بها أنه خالق للخلق مرسل للرسل إذا حققت عليهم وجد لازمها أنه ليس بخالق ولا مرسل، فيبقى المسلم العاقل إذا تبين له حقيقة الأمر وكيف انقلب العقل والسمع على هؤلاء متعجبًا، ولهذا تسلط عليهم بها أعداء الإسلام من الفلاسفة والملاحدة وغيرهم، لما بينوا أنه لا يثبت به خلق ولا إرسال، فادعى أولئك قدم العالم، وأثبتوا موجبًا بذاته وقالوا: إن الرسالة فيض على النبي من جهة العقل الفعال لا أن هناك كلامًا تكلم الله تعالى به، قائمًا به أو مخلوقًا في غيره.
وكان في الوقت الذي أظهرت الجهمية في مقالتهم الأولى - وامتحنوا أئمة الإسلام كأحمد بن حنبل وغيره - قد ظهر أصل كلمة هؤلاء الملاحدة الباطنية، وذلك في إمارة المأمون ثم المعتصم، وتجدد بعد ذلك من الحوادث العظمية التي كانت في الإسلام في أثناء المائة الرابعة ما يطول شرحه مما تزلزل به أقطار البلاد الإسلامية" (٢)، ويقصد شيخ الإسلام ما قام به القرامطة، والباطنية من أحداث في العالم الإسلامي. وقد ظهرت تلك البدع المخالفة للشرع والعقل، وخفيت السنن الموافقة للعقل والسمع - دخلت الملاحدة من هذا الباب فأخذوا من أولئك
_________________
(١) الرد على المنطقين (ص: ٣١٠-٣١١) .
(٢) شرح الأصفهانية (ص: ٣٢٩-٣٣٠) - ت العودة.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
المبتدعة ما وافقتهم عليه، وجعلوه أصلًا لما يريدونه من إلحادهم زندقتهم " ثم ذكر أمثله فقال: " فصاروا يقولون للمعتزلي: أنت وافقتنا على إن ما قام به العلم والقدرة يكون جسمًا، مشبهًا بخلقه، وذلك ممتنع، فكذلك ما سمى عالمًا قادرًا لا يكون إلا جسمًا مشبهًا للخلق، فيجب عليك أن تنفي الأسماء كما نفيت الصفات.
ويقولون للكلابي: أنت وافقتنا على أن ما قامت به الحوادث فهو حادث فإن ما قامت به الحوادث لم يخل منها، فيكون حادثًا لامتناع حوادث لا أول لها، وما قامت به العراض فهو جسم محدث، فيجب عليك أن تنفي الصفات وتنفي العلم والقدرة؛ لأن هذه الصفات أعراض فلا تقوم إلا بجسم ولأن ما قامت به الأعراض قامت به الحوادث، ولا يفرق بين هذا عقل ولا نقل، فقولك: إنه تقوم الأعراض دون الحوادث تناقض، فإذا قال: أنا لا أسمي ما يقوم به عرضًا لأن العرض لا يبقى زمانين، وصفاته باقية عندي، قالوا: قولك: إن العرض لا يبقى زمانين، مخالف لصريح العقل، بل هو مما يعلم فساده بضرورة العقل، وحينئذ فلا فرق بين بقاء صفاته وصفات غيره، فإما أن تسمى الجميع عرضًا، أو لا تسمى الجميع عرضًا، وإذا قال: إنما قلت: إنه لا يقبل الحوادث لأن ما قامت به الحوادث لا يخلو منها، قالوا له: وإذا كان عندك قد صار فاعلًا بعد أن لم يكن، ولم يلزم من ذلك أنه لا يخلو من الفعل فقل: إنه قام به الفعل بعد أن لم يكن، كما قال إخوانك من مثبتة الصفات: الكرامية وغيرهم، ولا يلزم من ذلك أن يكون الفعل لم يقم به ".
يقول شيخ الإسلام معلقًا على هذا " إلى غير ذلك من الحجج التي صار يحتج بها الملاحجة على أصناف أهل الكلام المحدث، حتى حدث في الإسلام من شر القرامطة الباطنية والفلاسفة الملاحدة ما يعرفه من عرف أيام الإسلام " (١) .
وأهم الجوانب التي تسلط بها هؤلاء الملاحدة على الأشاعرة والمتكلمين:
١- دليل المتكلمين على حدوث العالم الذي هو دليل حدوث الأجسام،
_________________
(١) شرح الأصفهانية (ص: ٣٣٠-٣٣١) - ت العودة.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
فإن الفلاسفة لما رأوا تناقضهم في ذلك قالوا: لما كان دليلكم متناقضًا صح قولنا بقدم العالم لأنكم لم تستطيعوا الاستدلال على إفساده.
٢- خوض المتكلمين في التأويل لنصوص العلو والصفات، فقالت الملاحدة من الفلاسفة والباطنية ونحن أيضًا نتأول نصوص المعاد، أو نصوص الأحكام الشرعية.
وقبل الانتقال إلى بيان تعليق شيخ الإسلام على ذلك، نعرض رأي الأشاعرة في هذه المسألة، والملفت للنظر - حسب ما اطلعت عليه من كتب الأشاعرة - أن غالب الأشاعرة لم يذكروها أو لم يعروها اهتمامًا، والذي عرض لها - على حد علمي - هو من خاض في الفلسفة منهم، وبالتحديد الغزالي والرازي.
أما الغزالي فقد ذكر ذلك في ثلاثة من كتبه، هي تهافت الفلاسفة، وفضائح الباطنية، وإحياء علوم الدين، وأما الرازي فقد ذكرها في اثنين من كتبه هما: نهاية العقول، والأربعين في أصول الدين، فماذا أجاب هؤلاء وكيف ناقشوا هذا الموضوع الخطير؟
يقول الغزالي عن نصوص المعاد وحشر الأجساد والجنة والنار- في أثناء رده على الفلاسفة الذين حصروا السعادة بسعادة النفوس والأرواح دون الأجساد (١) - " فإن قيل: ما ورد في الشرع [أي من نصوص المعاد] أمثال ضربت على حد أفهام الخلق، كما أن الوارد من آيات التشبيه وأخباره أمثال على حد فهم الخلق، والصفات الإلهية مقدسة عما يتخيله عوام الناس؟ يقول الغزالي: " والجواب أن التسوية بينهما تحكم، بل هما يفترقان من وجهين:
_________________
(١) ذكر ابن سينا في النجاة (ص: ٢٩١) - ط الكردي أن المعاد قسمان: بدني، جاءت به الشريعة، ولا يمكن إثباته إلا بها. والحكماء لا يكادون يلتفتون إلى هذا، والثاني: عقلي وهو الذي يكون للنفوس، ثم شرح ذلك بما ينقض ويرد النوع الأول، وانظر: تعليق سليمان دنيا في حاشية تهافشت الفلاسفة (ص: ٢٩٤-٢٩٥) .
[ ٢ / ٩٠١ ]
أحدهما: أن الألفاظ الواردة في التشبيه تحتمل التأويل على عادة العرب في الاستعارة، وما ورد في وصف الجنة والنار، وتفصيل تلك الأحوال بلغ مبلغًا لا يحتمل التأويل، فلا يبقى إلا حمل الكلام على التلبيس بتخييل نقيض الحق لمصلحة الخلق، وذلك ما يتقدس عنه منصب النبوة، الثاني: أن أدلة العقول دلت على استحالة المكان والجهة والصورة ويد الجارحة وعين الجارحة، وإمكان الانتقال والاستقرار على الله ﷾. فوجب التأويل بأدلة العقول، وما وعد به من أمور الأخرة ليس محالًا في قدرة الله تعالى فيجب إجراؤه على ظاهر الكلام، بل على فحواه الذي هو صريح فيه " (١) . وقال في فضائح الباطنية - ويلاحظ أنه في هذين الكتابين يتبنيى مذهب الأشاعرة - " فإن قيل فهلا سلكتم هذا المسلك في التمثيلات الواردة في صفات الله تعالى من آية الاستواء وحديث النزول ولفظ القدم.. إلى غير ذلك من أخبار لعلها تزيد على ألف، وأنتم تعلمون أن السلف الصالحين ما كانوا يؤولون هذه الظواهر، بل كانوا يجرونها على الظاهر، ثم إنكم لم تكفروا منكر هذه الظواهر، بل اعتقدتم التأويل وصرحتم به - قلنا: كيف تستتب هذه الموازنة والقرآن مصرح بأنه ﴿ليسيَ كَمثْلِهِ شًيْء﴾ (الشورى: ١١)، والأخبار الدالة عليه أكثر من أن تحصى، ونحن نعلم أنه لو صرح مصرح فيما بين الصحابة بأن الله تعالى لا يحويه مكان ولا يحده زمان ولا يماس جسمًا ولا ينفصل عنه بمسافة مقدرة وغير مقدرة ولا يعرض له انتقال وجيئة وذهاب وحضور وأفول، وأنه يستحيل أن يكون من الآفلين والمنتقليين والمتمكنين إلى غير ذلك من نفي صفات التشبيه لرأوا ذلك عين التوحيد [والتنزيه (٢)]
ولو أنكر الحور والقصور والأنهار والأشجار والزبانية والنار لعد ذلك من أنواع الكذب والإنكار، ولا مساواة بين الدرجتين " (٣) . ثم أحال مع زيادة وشرح على ماسبق أن ذكره في نفس الكتاب (٤) - وهو مقارب جدًا لما أورده
_________________
(١) تهافت الفلاسفة (ص: ٢٩١-٢٩٣)، - ت سليمان دنيا.
(٢) في المطبوعة - ت بدوي [والتنزيل] وهو تحريف أو خطأ مطبعي..
(٣) فضائح الباطنية (ص: ١٥٤-١٥٥) .
(٤) انظر: المصدر السابق (ص: ٥٣-١٥٥) .
[ ٢ / ٩٠٢ ]
في التهافت من ذكر الوجهين لكنه زاد على ما في التهافت بأن عقب بقوله: " ومساق هذا الكلام يتقاضى بث جملة من أسرار الدين إن شرعنا في استقصائها ورغبنا في كشف غطائها " (١) .
وخلاصة رد الغزالي أن نصوص الصفات محتملة، أما نصوص المعاد فهي كثيرة بحيث بلغت مبلغًا لا يحتمل التأويل، ثم إن أدلة العقول أوجبت تأويل نصوص الصفات أما نصوص المعاد فلا تؤول لأنها لا تخالف أدلة العقول، وهؤلاء الملاحدة قد يقولون: إن نصوص الصفات أكثر من نصوص المعاد، كما أنهم قد يعترضون باعتراضات عقلية علىنصوص المعاد، فكيف يكون جوابهم؟
والي يظهر أن الغزالي شعر بضعف المناقشة فأحال في الإحياء - لما تطرق إلى هذا الموضوع - إلى الكشف، فقال بعد كلام طويل حول تباين الطوائف في التأويل بحيث وصل الأمر بالفلاسفة أن يؤولوا كل ما ورد في الآخرة: " وجد الاقتصاد بين هذا الانحلال كله، وبين جمود الحنابلة دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي، لا بالسماع، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قروره، وما خالف أولوه، فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد فلا يستقر له فيها قدم ولا يتعين له موقف " (٢) .
وهكذا انتقل الغزالي من ضعف المناقشة إلى الإحالة على الكشف.
أما الرازي: فإنه قال في مسألة إثبات المعاد بعد أن استدل عليه بنصوص السمع، وإجماع الأنبياء: " فإن قيل: لا نسلم إجماع الأنبياء - صلوات الله عليهم - على ذلك، وأما الظواهر في القرآن والأخبار الدالة على إثبات المعاد البدني فإنه لا يجوز التعويل عليها في هذه المسألة من وجهين: أحدهما: أنكم قد دللتم في أول هذا الكتاب على أن التمسك بظواهر الآيات والأحاديث لا يفيد القطع.
_________________
(١) فضائح الباطنية (ص: ١٥٥) .
(٢) إحياء علوم الدين (١/١٠٤) .
[ ٢ / ٩٠٣ ]
وثانيهما: هو أن المتشابهات الواردة في القرآن الدالة على التشبيه ليست أولى ولا أضعف دلالة من الآيات الدالة على إثبات المعاد الجسماني، ثم إنكم تجوزون تاويل تلك الآيات، فلم لا تجوزون أيضًا تأويل الآيات الواردة هاهنا.." (١)، ثم قال الرازي في الجواب: " قولكم قد دللتم على أن التمسك بظواهر الآيات والأخبار لا يفيد القطع قلنا: لم نتمسك في هذا الموضع بآية معينة ولا بحديث معين، وإنما تمسكنا بما علم ضرورة من دين الأنبياء ﵈ في إثبات المعاد البدني، وبهذا خرج الجواب عن قوله: إن في كتاب الله آيات كثيرة دالة على التشبيه والقدر لأنا لم نتمسك بالآيات حتى يلزمنا الجواب عن هذه المعارضة، بل الأمر المعلوم بالضرورة من دينهم، ولم يقل أحد: إنهم علم من دينهم - ﵈ - بالضرورة قولهم بالتشبيه والقدر، فظهر الفرق " (٢) . فالرازي أحال على الضرورة فقط دون النصوص في المعاد.
ويذكر الرازي في باب التكفير - بعد أن رجح ماحده الغزالي للكفر وهو أنه " تكذي الرسول في شيء مما جاء به ونعني بالتكذيب نفس التكذيب بما علم من الدين ضرورة " (٣)، يذكر عدة اعتراضات منها: " أن صاحب التأويل إما أن يجعل من المكذبين، بل يجعل من المكذبين من يرد قوله ﵇ من غير تأويل - وإما أن يجعل من المكذبين، فإن كان الأول لزمنا أن لا نكفر الفلاسفة في قولهم بقدم العالم، وإنكارهم علمه تعالى بالجزئيات (٤)،وإنكارهم الحشر والنشر، لأنهم يذكرون للنصوص الواردة في هذه المسألة تأويلات ليست بأبعد من تأويلاتكم النصوص الواردة في التشبيه، لأنهم يحملون النصوص الواردة في خلق الله تعالى العالم على تأثيره في العالم واحتياج العالم في وجوده إليه، ويحملون النصوص الواردة في علمه بالجزئيات، على أنه قد يعلم كل الجزئيات، على وجه كلي،- ويحملون النصوص الواردة في الحشر والنشر على أحوال النفس الناطقة في شقاوتها وسعادتها بعد المفارقة " (٥)، ثم قال
_________________
(١) نهاية العقول - مخطوط - (٢٦٥ - أ) .
(٢) المصدر السابق (٢٦٦- ب) .
(٣) المصدر نفسه (٢٨٨-أ) .
(٤) في المخطوطة: الجهات، والتصويب، من نقض التأسيس، المطبوع، (١/٢٢٥) .
(٥) نهاية العقول (٢٨٨-أ) .
[ ٢ / ٩٠٤ ]
في الجواب: " إنا نعلم بالضرورة إجماع الأمة على أن دينه ﵇ هو القول بحدوث العالم، وإثبات العلم بالجزئيات وإثبات الحشر والنشر، وأن إنكار هذه الأشياء مخالف لدينه، ثم علمنا بالضرورة أنه ﵇ كان يحكم أن كل ما خالف دينه فهو يكفر.. فالحاصل أنا لا نكفرهم لأجل مخالفتهم للظواهر، بل للإجماع على الوجه المذكور، ومثله غير حاص على الاختلاف الحاصل بين الأمة " (١)،
أي في موضوع الصفات، فالرازي أحال على الضرورة والإجماع، وهذا صحيح، لكنه عجز عن جوابهم بنصوص الوحي مع اعتراضهم عليه بتأويله لنصوص الصفات.
وفي الأربعين ذكر اعتراض هؤلاء الملاحدة بقوله: " ثم إن المتكلمين سلطوا التأويلات على تلك الظواهر وزعموا أن المبدأ منزه عن الأحوال الجسمانية فكذا المعاد المذكور في الكتب الإلهية فلم لا يسلطون التأويلات عليها، ولم ينكرون أن يكون ذلك المعاد مبرأ عن الأحوال الجسمانية.."، ثم قال في الجواب: " إن التأويلات إنما يصار إليها لو كان الاحتمال قائمًا، ولما علمنا بالنقل المتواتر المستفيض من دين محمد ﵇ أنه إنما كان مثبتًا للمعاد الجسماني ومكفرًا لكل من كان منكرًا له لم يبقَ في هذا الباب مجال " (٢) . فأحال على النقل المتواتر ومعلوم أن نصوص الصفات والعلو أيضًا معلومة بالنقل المتواتر، فما الفرق؟
وقد سبق ذكر أن الغزالي أحال على أدلة العقول وأنها تقتضي تأويل بعض آيات الصفات دون نصوص المعاد، وهذا هو جواب المعتزلة والمائلين إلى مذهبهم من الزيدية في درودهم على الباطنية، فقد قال يحيى بن حمزة العلوي (٣)
_________________
(١) هذا النص ساقط من نسخة نهاية العقول التي بين يدي، مع أن الكلام في الصفحة المقابلة مستمر، لكن الموضوع مختلف - وقد أكملته من نقض التأسيس - المطبوع - (١/٢٢٥-٢٢٦) ..
(٢) الأربعين للرازي (ص: ٢٩٣) .
(٣) هو المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم، العلوي، ولد في مدينة صنعاء سنة ٦٦٩هـ، ودعا إلى نفسه بعد موت الإمام محمد بن المطهر سنة ٧٢٩هـ، وله مؤلفات عديدة وهو من علماء الزيدية الكبار، توفي في ذمار باليمن سنة ٧٤٥هـ، انظر: البدر الطالع (٢/٣٣١)، والأعلام (٨/١٤٣)، ومعجم المؤلفين (١٣/١٩٥) .
[ ٢ / ٩٠٥ ]
- المعاصر لابن تيمية -: " فإن قالوا: هذا ينقلب عليكم، فإنكم تجوزون تأويلات الظواهر كما أولتم اليد والوجه ولفظ الاستواء وغيرها، قلنا: هيهات ما أبعد هذا القلب وأعمى قلب صاحبه عن الحق، فإن لنا معيارًا صادقًا وفيصلًا فارقًا في التأويل، وهو نظر العقل، فإن دل العقل على بطلان ظاهر اللفظ وكان له معنى سائغ في اللغة بطريق التجوز حملناه عليه، فلما دل العقل على بطلان اليد والوجه وغيرها لأنها من سمات الحوادث حملنا ذلك على معانٍ سائغة في اللغة بطريق المجاز " (١)، وهذا هو جواب الغزالي، أما كتب الباطنية نفسها فقد نصت على التأويل وأن تأويلًاَ ليس ألأولى من تأويل (٢) .
هذه أجوبة المتكلمين - أشاعرة ومعتزلة - على هذا المأزق الذي أوقعهم فيه ملاحدة الفلاسفة والباطنية، والملاحظ أن الفلاسفة جعلوا النصوص الواردة في الصفات والمعاد نسقًا واحدًا، وقالوا إن المقصود بها خطاب الجمهور، أما الخاصة - من أهل الحكمة - فيتأولونها كلها.
فابن سينا جعل الشرع والملل الآتية على لسان الأنبياء برام بها خطاب الجمهور كافة - وقد سبقت الإشارة إلى قانونه هذا (٣)، وقد بنى تطاوله على المتكلمين على مايلي:
١- أن قول المتكلمين بأن هناك نصوصًا تقبل التأويل وأنها من قبيل المجاز ويمثلون لذلك بنصوص الصفات مثل: اليد والوجه والإتيان والاستواء والضحك والغضب وغيرها. فكذلك يقال في نصوص المعاد، يقول ابن سينا: " والمواضع التي يوردونها حجة في أن العرب تستعمل هذه المعاني بالاستعارة والمجاز على غير معانيها الظاهرة مواضع في مثلها تصلح أن تستعمل على هذا الوجه
_________________
(١) مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار (ص: ٩٠)، وانظر (ص: ١٧١-١٧٦) - ط الثالثة.
(٢) انظر مثلًا: تاج العقائد للداعي الإسماعيلي اليمني علي بن محمد بن الوليد (ص: ١١٣-١١٧) حيث نص على أن تأويلهم ليس بأولى من تأويل المتكلمين.
(٣) انظر: ما سبق (ص: ٦٢٩)، عند الكلام على الغزالي ومنهجه.
[ ٢ / ٩٠٦ ]
ولا يقع فيها تلبيس ولا تدليس " (١) . وهو يشير بقوله: " مواضع في مثلها " إلى نصوص المعاد والجنة والنار وما فيهما من النعيم والعذاب الحسي.
٢- أن نصوص الصفات منها ما يقبل التأويل - على حد زعم ابن سينا - ولكن فيها ما لا يقبل التأويل بحال، ويضرب لذلك بمثل قوله تعالى: ﴿هَلْ ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ (الأنعام: ١٥٨)، ويقول عنها وما يجري مجراها: " ليس مماتذهب الأوهام فيه البتة إلى أن العبارة مستعارة أو مجازة، فإن كان أريد فيها ذلك إضمارًا فقد رضي بوقوع الغلظ والشبهة، والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحًا " (٢)، وبعد أن يذكر بعض النصوص التي هي في موضع المجاز والاستعارة على حد زعمه مثل نصوص اليد والجنب يقول عنها: " كما أن في هذه الأمثلة لا تقع شبهة في أنها استعارة مجازية كذلك في تلك لا تقع شبهة في أنها ليست استعارة ولا مرادًا فيها شيء غير الظاهر" (٣)، والنتيجة التي يريد ابن سينا أن يخلص إليها هي أنه إذا كانت هناك نصوص صريحة ظاهرة ولا تقبل التأويل، ثم إنكم أيها المتكلمون تأولتموها، فهذا يدل على أن نصوص الشرع كافة غير مقصود بها ما يدل عليه ظاهرها، لذلك تصبح من باب خطاب الجمهور وهي غير محتج بها في هذه الأبواب ومن ثم فيجب ألا يعتمد في إثبات المعاد عليها، بل المرجع في ذلك إلى العقل وأدلته (٤) .
أما ابن رشد (٥)
- أخطر الفلاسفة - فقد حاول أن يقارب الهوة التي تفصل بين دين الأنبياء ومذاهب الفلاسفة، وذلك بقوله إن للنصوص ظاهرًا
_________________
(١) الأضحوية لابن سنيا (ص: ٩٩) .
(٢) المصدر السابق (ص: ٩٩-١٠٠) .
(٣) المصدر نفسه (ص:١٠٠) .
(٤) المصدر نفسه (ص:١٠٣) .
(٥) هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، المسمى بابن رشد الحفيد، تمييزًا له عن جده شيخ المالكية، ولد الحفيد سنة ٥٢٠هـ، واتصل - عن طريق الفيلسوف ابن طفيل - بالأمير الموحدي أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، الذي كان مائلًا إلى أقوال الفلاسفة - فكلفه بشرج وتقريب كتب أرسطو، ففعل ابن رشد وألف في ذلك كتبًا عديدة من أشهرها شرح ما بعد الطبيعة لأرسطو - مطبوع - فلما تولى المنصور يعقوب قربه أولًا، ثم نكبه ثانيًا فنفى وأحرقت كتبه، ثم رضى عنه لكنه توفي بعد ذلك =بقليل سنة ٥٩٤هـ، وقيل سنة ٥٩٥هـ، من مؤلفاته: تهافت التهافت، ومناهج الأدلة، وفصل المقال، وغيرها كثير، ويعتبر ابن رشد من أخطر الفلاسفة لأمور: أولهما: أنه كان قاضيًا وفقيهًا، وهو صاحب بداية المجتهد وهذا يعطيه مكانة بين الناس، وثانيها: أنه حاول أن يقرب بين الفلسفة والدين، وأن يجعل من هؤلاء الملاحدة أناسًا أخيارًا وفضلاء، وثالثهما: التصاقه بالدولة الموحدية التي قامت على أنقاض الدولة المرابطية المسنية، وهذا أعطاه جرأة في أقواله وآرائه ولذلك لم يستطع علماء الإسلام أن يبينوا حقيقة حاله إلا بعد جهد، انظر في ترجمته ومحنته، عيون الأنباء (ص: ٥٣٠)، والديباج المذهب (٢/٢٥٧)، وتاريخ قضاة الأندلس (ص: ١١١)، وسير أعلام النبلاء (٢١/٣٠٧)، والوافي (٣/١١٤)، وانظر ابن رشد للعقاد (ص: ١٨-٢٦)، وابن رشد فيلسوف قرطبة (ص: ٩)، وما بعدها، وفي فلسفة ابن رشد الوجود والخلود - بيصار (ص: ٣٩)، وما بعدها، وابن رشد الحفيد: حمادي العبيدي (ص: ١٣)، وما بعدها، وقصة الصراع بين الدين والفلسفة، توفيق الطويل (ص: ١٢٦-١٣٣)، ودراسات في الفلسفة الإسلامية، محمود قاسم (ص: ٨٧-١٣٥) وغيرها..
[ ٢ / ٩٠٧ ]
وباطنًا، وأن الشريعة قسمان: ظاهر مؤول، فالظاهر فرض الجمهور والمؤول فرض العلماء، وقد نص على ذلك في بعض كتبه (١)، ولم يجل التأول خاصًا في بعض صفات الله كما فعل الأشاعرة، بل جعله عامًا في الصفات والمعاد والجنة والنار وغيرها، واشترط أن يقوم بهذا التأويل العلماء أو من يسميهم أهل البرهان وهم الحكماء الفلاسفة عنده، أما الجمهور والعامة فالتأويل عليهم حرام، والإفصاح لهم بحقائق التأويل الفلسفية لا يجوز (٢)، يقول: "وهاهنا أيضًا ظاهر يجب على أهل البرهان تأويله، وحملهم إياه على ظاهره كفر، وتأويل غير أهل البرهان له وإخراجه عن ظاهره كفر في حقهم أو بدعة، ومن هذا الصنف آية الاستواء وحديث النزول ولذلك قال ﵊ في السوداء إذا أخبرته أن الله في السماء: أعتقها فإنها مؤمنة" (٣)، إذ كانت ليست من أهل البرهان" (٤) . ولذلك فخطأ الأشاعرة الذي وقعوا فيه - عند ابن رشد - هو أنهم صرحوا بهذا التأويل للجمهور، فلو أنهم حجبوه عنهم وصرحوا به لأنفسهم ولمن كان من أهل الحكمة والبرهان لكان موقفهم سليمًا كما يرى الحفيد.
_________________
(١) انظر: فصل المقال (ص: ٤٤-٤٦)، - ت عمارة، وتهافت التهافت (٢/٥٥٠-٥٥١)، - ت سليمان دنيا، والكشف عن مناهج الأدلة (ص: ٤٠)، ضمن فلسفة ابن رشد.
(٢) انظر: تهافت التهافت (٢/٥٥٧-٥٥٨) .
(٣) سبق تخريجه (ص: ٥٦٥) . والحديث رواه مسلم.
(٤) فصل المقال (ص: ٤٨) .
[ ٢ / ٩٠٨ ]
والملاحظ أن ابن رشد - وهو يتكلم عن الظاهر والباطن - قسم النصوص إلى ثلاثة أقسام:
١- قسم تأويله كفر، وهو ما كان في الأصول، ويمثل لذلك بمن يعتقد أن لا سعادة أخروية ولا شقاء، وأنه قصد بما ورد فيها إصلاح أحوال الناس في الدنيا، وأن ذلك حيلة، وأنه لا موجود إلا المحسوس (١)، وابن رشد يريد بهذا القول أن يدافع عمن يقلده من الفلاسفة، وأنهم لم يقصدوا إنكار وجود سعادة أخروية،،وإن فسروا هذه السعادة بأنها للنفوس والأرواح فقط.
٢- ما يجب تأويله من الظواهر لأهل البرهان فقط دون العامة، مثل الصفات والعلو - كما سبق بيانه -.
٣- وهناك نوع ثالث - وهذا هو الموطن الذي تسلط فيه على المتكلمين - متردد بين هذين الصنفين عند أهل النظر والبرهان فقط، فبعضهم يلحقه بالأول وبعضهم يلحقه بالثاني، والمخطئ فيه منهم معذور، أما الجمهور فليس لهم تأويله، ويجعل ابن رشد أمر المعاد من هذا النوع فيقول: "فإن قيل: فإذا تبين أن الشرع على ثلاث مراتب، فمن أي هذه المراتب الثلاث هو عندكم ما جاء في صفات المعاد وأحواله، فنقول: إن هذه المسألة، الأمر فيما بين، إنها من الصنف المختلف فيه، وذلك أنا نرى قومًا ينسبون أنفسهم إلى البرهان يقولون: إن الواجب حملها على ظواهرها؛ إذ كان ليس هاهنا برهان يؤدي إلى استحالة الظاهر فيها، وهذه طريقة الأشعرية، وقوم آخرون أيضًا ممن يتعاطى البرهان يتأولونها، وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافًا كثيرًا، وفي هذا الصنف أبو حامد معدود، هو وكثير من المتصوفة، ومنهم من يجمع فيه التأويلين كما فعل ذلك أبو حامد في بعض كتبه" (٢)، ثم يقول ابن رشد: "ويشبه
_________________
(١) فصل المقال (ص: ٤٧) .
(٢) فصل المقال (ص: ٤٩-٥٠)، أما ما أشار إليه ابن رشد من مذهب الغزالي، فقد سبق في ترجمة الغزالي بيان ميوله الفلسفية والصوفية، فمثل ما يشير إليه ابن رشد ليس غريبًا عليه، وانظر الاقتصاد (ص: ١٣٤-١٣٥) والأربعين (ص: ٢١٥-٢١٦)، والغزالي لا ينكر المعاد، بل ثبته - وقد سبق نقل رده على الباطنية فيه - ولكنه في بعض كتبه يفسر بعض أحواله تفسيرات فلسفية.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
أن يكون المخطئ في هذه المسألة من العلماء معذورًا، والمصيب مشكورًا أو مأجورًا، وذلك إذا اعترف بالوجود، وتأول فيها نحوًا من أنحاء التأويل أعني في صفة المعاد، لا في وجوده " (١) . وهكذا فابن رشد يجعل إثبات المعاد الجسماني وتفاصيل ما ورد عن الجنة وما فيها من أنواع النعيم، والنار وما فيها من ألوان العذاب، كل ذلك قابل للتأويل، لكن لأهل البرهان فقط دون الجمهور، مثل الصفات تمامًا.
وتفريق الأشعرية - على حد زعمه - مما لا دليل عليه (٢) .
وبعد هذا النقل المطول لأقوال الأشاعرة والفلسفة في هذا الموضوع المهم، نأتي إلى أقوال ومواقف شيخ الإسلام من ذلك، وقد سبق في بداية هذه الفقرة ذكل تعليله لأسباب هذا التطاول:
١- وأول ما يلاحظ أن شيخ الإسلام ركز على ذكر تطاول المعتزلة على الأشاعرة وكشفهم لتناقضهم. ومعلوم أن الأشاعرة يعتبرون مذهبهم مخالفًا لمذهب وأصول المعتزلة، ولذلك يردون عليهم كثيرًا، ويبرزون - في كتبهم - القضايا التي هي موطن خلاف بينهم، ولما كانت مخالفة المعتزلة لمذهب أهل السنة مما لا يشك فيه أحد من الأشاعرة ذكر شيخ الإسلام أن هؤلاء تطاولوا عليهم وأظهروا تناقضهم. ففي معرض الرد على الأشاعرة بعد ذكره لوجه مطول في تناقضهم في الشرعيات والعقليات، يقول: "أن يقال هذه القواعد التي جعلتموها أصول دينكم وظننتم أنكم بها صرتم مؤمنين بالله وبرسوله وباليوم الآخر، وزعمتم أنكم تقدمتم بها على سلف الأمة وأئمتها وبها دمغتهم أهل الإلحاء من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم هي عند التحقيق تهدم أصول دينكم وتسلط عليكم عدوكم وتوجب تكذيب نبيكم والطعن في خير قرون هذه الأمة، وهذا أيضًا فيما فعلتموه في الشرعيات والعقليات" (٣)، ثم ذكر نماذج لذلك ومنها:
_________________
(١) فصل المقال (ص: ٤٩-٥١) .
(٢) انظر: فصل المقال (ص: ٥١-٥٣)، حيث ينعني ابن رشد على أبي حامد ذكره للتأويلات في الكتب التي ألفت للجمهور، وانظر: المادية والمثالية في فلسفة ابن رشد. محمد عمارة (ص ١٨-٢٨) .
(٣) التسعينية (ص: ٢٦١) .
[ ٢ / ٩١٠ ]
أ- أن الأشاعرة مع مخالفتهم للمعتزلة في مسألة الرؤية والقرآن - وهي من البدع القديمة التي أظهرها المعتزلة والجمهية - إلا أنهم وافقوهم على نفي العلو والقول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه والعجيب "أن هذه البدعة الشنعاء والمقالة التي هي شر من كثير من (١) اليهود والنصارى، لم يكن يظهرها أحد من المعتزلة للعامة ولا يدعو عموم الناس إليها، وإنما كان السلف يستدلون على أنهم يبطنون ذلك بما يظهرونه من مقالاتهم" - يقول شيخ الإسلام مخاطبًا الأشاعرة -: "فموافقتكم للمعتزلة على ما أسروه من التعطيل والإلحاد الذي هو أعظم مخالفة للشرع والعقل مما خالفتموه (٢) فيه في مسألة الرؤية والقرآن، فإن كل عاقل يعلم أن دلالة القرآن على علو الله على عرشه أعظم من دلالته على أن الله يرى فوافقتم الجهمية المعتملة وغيرهم على ما هو أبعد عن العقل والدين مما خالفتموهم فيه" (٣)، ثم يقول شيخ الإسلام - مخاطبًا الأشاعرة - إن هذا أوجب فسادين عظيمين:
"أحدهما: تسلط المعتزلة ونحوهم عليكم، فإنكم لما وافقتموهم على هذا التعطيل، بقي بعد ذلك إثباتكم للرؤية ولكون القرآن غير مخلوق قولًا باطلًا في العقل عند جمهور العقلاء، وانفردتم عن جميع طوائف الأمة بما ابتدعتموه في مسألة الكلام والرؤية، وقويت المعتزلة بذلك عليكم وعلى أهل السنة، وإن كنتم قد رددتم على المعتزلة" (٤)، وذلك بما فعله الأشعري وغيره من إبراز تناقض المعتزلة.
والثاني: "أن الفضلاء إذا تدبروا حقيقة قولكم الذي أظهر فيه خلاف المعتزلة، وجدوكم قريبين منهم أو موافقين لهم في المعنى، كما في مسألة الرؤية فإنكم تتظاهرون بإثبات الرؤية والرد على المعتزلة ثم تفسرونها بما لا ينازع المعتزلة في إثباته " (٥)، وكذا في مسألة القرآن وكلام الله (٦) .
_________________
(١) كذا في المطبوعة من التسعينية، ولعل العبارة: من [أقوال] اليهود..
(٢) لعل الصواب خالفتموهم.
(٣) التسعينية (ص: ٢٦٢-٢٦٣) .
(٤) المصدر السابق (ص: ٢٦٣) .
(٥) المصدر السابق (ص: ٣٦٤) .
(٦) المصدر السابق (ص: ٢٦٤-٢٦٩) .
[ ٢ / ٩١١ ]
ب- وكذلك ما خالفوا فيه المعتزلة كمسألة الأسماء والأحكام حيث مالوا إلى مذهب المرجئة وقالوا مقابلة لمذهب المعتزلة: لا نعلم الفساق هل يدخل أحد منهم النار أو لا يدخلها، فوقفوا وشككوا في نفوذ الوعيد في أهل القبلة جملة، وهذا أشد ابتداعًا من مذهب المعتزلة، والسلف ﵏ لا يتنازعون في أنه لابد أن يدخل النار من يدخلها من أهل الكبائر ولكن لا يخلدون فيها، وهذا خلاف مذهبي المعتزلة والمرجئة (١) .
جـ - وكذا ردودهم على المعتزلة في مسائل القدر (٢) .
ويقول شيخ الإسلام معقبًا على ما سبق: "وأنتم قد خالفتم من نصوص الكتاب والسنة وسلف الأمة في مسائل الصفات والقرآن والرؤية ومسائل الأحكام والقدر وما تأولتموه، فالمعتزلة ونحوهم إذا خالفوا من ذلك ما تأولوه لم يكن لكم عليهم حجة، وإذا قدحتم في المعتزلة بما ابتدعوه من المقالات وخالفوه من السنن والآثار قدحوا فيكم بمثل ذلك، وإذا نسبتموهم إلى القدح في السلف والأئمة نسبوكم إلى مثل ذلك، فما تذمونهم به من مخالفة الكتاب والسنة والإجماع يذمونكم بنظيره، ولا محيص لكم عن ذلك إلا بترك ما ابتدعتموه وما وافقتموهم عليه من البدعة، وما ابتدعتموه أنتم، وحينئذ فيكون الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها سليمًا من التناقض والتعارض" (٣) .
وهناك نماذج أخرى عديدة يرمي فيها المعتزلة الأشاعرة بالتناقض في الأقوال (٤)، وحينما يتسلط هؤلاء على الأشاعرة، ويتبين أن أقوال هؤلاء الذين ينسبون أنفسهم إلى مذهب السلف قريبة من أقوال هؤلاء المعتزلة - بل قد تكون أكثر تناقضًا منهم وأعظم بعدًا عن مذهب السلف - حينما تبرز مثل هذه الحقائق،
_________________
(١) التسعينية (ص: ٢٦٩-٢٧٠) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص: ٢٧٠-٢٧١) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٢٧١-٢٧٢) .
(٤) انظر مثلًا: منهاج السنة (٢/٣٠٥) - المحققة -، والكيلانية، - مجموع الفتاوى (١٢/٤٣٦)، وشرح الأصفهانية (ص: ٦٩-٧٢) - المطبوعة - والتسعينية (ص: ٩٣-٩٤)، ودرء التعارض (٥/٢٥٠-٢٥١) .
[ ٢ / ٩١٢ ]
فإنها تكون من أعظم البيان والحجة على فساد ما خالف فيه الأشاعرة مذهب أهل السنة والجماعة، خاصة وأن المعتزلة اشتهروا بمخالفة مذهب السلف، بل إن بعض أئمة أهل السنة كفروهم.
٢- وإذا كان ما سبق فيه بيان تطاول المعتزلة على الأشاعرة، فإن غلاة الصوفية والفلاسفة والقرامطة تسلطوا على الفريقين جميعًا، يقول شيخ الإسلام في معرض فضحه لعقائد غلاة الصوفية كابن عربي وابن سبعين، وبيانه لما كان بينهم وبين القرامطة الباطنية من اتصال (١)، يقول عن ابن سبعين: "وهو وابن عربي وأمثالهما في ترتيب دعوتهم من جنس ملاحدة الشيعة الباطنية" (٢)، ثم يقول عن ملاحدة الصوفية والباطنية: "وقوى ضلالهم أمور: منها اعتقادهم أن ما جاءت به الرسل باطنًا يناقض ظاهره، ومن أسباب ذلك ما حصل لهم من الحيرة والاضطراب في فهم ما جاءت به الرسل. ومنها: أنهم رأوا الطريق التي سلكها المتكلمون لا تفيد علمًا، بل هي إما سفسطة وجدل بالباطل عند من عرفه، وإما جدل يفيد المغالبة عند من لم يعرف حقيقته، وذلك أن هؤلاء سلكوا في الكلام طريقة صاحب الإرشاد" (٣) ونحوه، وهي مأخوذة في الأصل عن المعتزلة نفاة الصفات، وعليها بنى هؤلاء وهؤلاء أصل دينهم، وجعلوا صحة دين الإسلام موقوفًا عليها" (٤)،
وهذا هو دليل حدوث الأجسام المشهور، يقول شيخ الإسلام بعد ذلك مبينًا كيف استطال هؤلاء على المتكلمين: " فجاء هؤلاء المتفلسفة لما رأوا هذه عمدة هؤلاء المتكلمين في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع، وتفطنوا لموضع المنع فيها وهو قولهم: يمتنع دوام الحوادث قالوا: هذه الطريقة تستلزم كون الصانع كان معطلًا عن الكلام والفعل دائمًا إلى أن أحدث كلامًا وفعلًا بلا سبب أصلًا، قالوا: وهذا مما يعلم بطلانه بصريح العقل قالوا: وليس معكم من نصوص الأنبياء ما يوافق هذا، وأما إخبار الله أنه خلق السموات
_________________
(١) انظر: الصفدية (١/٢٦٥-٢٧٢) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١/٢٧٢) .
(٣) وهو أبو المعالي الجويني.
(٤) الصفدية (١/٢٧٣/٢٧٤) ..
[ ٢ / ٩١٣ ]
والأرض في ستة أيام، فهذا يدل على أنه خلقها من مادة قبل ذلك كما أخبر أنه ﴿استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت:١١]، وكذلك في أول التوراة ما يوافق هذا.
قالوا: وهذا النص وإن كان يناقض قولنا بقدم العالم فليس فيه ما يدل على قولكم بتعطيل الصانع عن الصنع، وحينئذ فنحن نقول في هذا النص وأمثاله من نصوص المبدأ والمعاد ما نقوله نحن وأنتم في نصوص الصفات" (١)، والملاحظ أنه مع أن الموضوع هو دليل حدوث العالم الذي لا يرجع فيه هؤلاء ولا هؤلاء إلى أدلة النصوص، وإنما يرجعون إلى أدلة العقول، الملاحظ أنهم استطالوا عليهم في اتفاقهم معهم على تأويل نصوص الصفات، لذلك فمن حقهم أن يؤولوا أيضًا نصوص حدوث العالم وما في الآخرة وهو ما يعبر عنه بالمبدأ والمعاد.
وهؤلاء الذين استطالوا على المتكلمين قسام، يقول شيخ الإسلام: "ثم من هؤلاء من سلك طريق التأويل كما فعل ذلك من فعله من القرامطة كالنعمان قاضيهم، صاحب أساس التأويل، وكأبي يعقوب السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية، وكتاب الافتخار، وأمثالهما، وألقى هؤلاء جلباب الحياء (٢) وكابروا الناس وباهتوهم، حتى ادعوا أن الصلاة معرفة أسرارهم أو موالاة أئمتهم، والصوم كتمان أسرارهم، والحج زيارة شيوخهم، وهذا يبوحون به إذا انفردوا بإخوانهم".
_________________
(١) انظر: الصفدية (١/٢٧٥-٢٧٦) .
(٢) من المؤسف حقًا أن هذه الكتب الإلحادية الباطنية التي ألقي فيها جلباب الحياء، وجاهر فيها أصحابها بكل إلحاد وزندقة قد بدأ تنتشر وتطبع على يد مؤسسات وأفراد تفرغو لخدمة هذه الطوائف. وانظر أمثلة لتأويلات هؤلاء في بعض الكتب التي أشار إليها شيخ الإسلام، منها: أساس التأويل للقاضي النعمان، قاضي قضاة الدولة الفاطمية المتوفي سنة ٣٦٣هـ، انظر: (ص: ٣٨) وما بعدها، (وص: ٥٠) وما بعدها، وانظر: كتاب الافتخار للداعي الإسماعيلي أبي يعقوب السجستاني المتوفي سنة ٣٥٣هـ (ص: ٢٤) وما بعدها، (وص: ٧٤) وما بعدها، أما كتاب الهفت المروي عن جعفر الصادق والمنسوب إلى المفضل الجعفي - فقد غطى على هذه الكتب وبلغ الغاية في الكفر والزندقة والإلحاد مع التأويلات المضحكة التي لا يقبلها أي عقل، انظر: (ص: ٣٢) وما بعدها.
[ ٢ / ٩١٤ ]
" وأما الذين سكنوا بين المسلمين كالفارابي وابن سينا وأمثالهما فما أمكنهم أن يقولوا مثل هذا، وعلموا أنه مما يظهر بطلانه فقالوا: إن الرسل إنما خاطبت بما يخيل إليهم أمورًا ينتفعون باعتقادها في الإيمان بالله واليوم الآخر، وإن كان ما يعتقدون من تلك الأمور باطلًا لا يطابق الحقيقة في نفسه، والخطاب الدال على ذلك كذب في الحقيقة عندهم، لكنه يسوغ الكذب الذي يصلح به الناس، ومن تحاشى منهم على إطلاق الكذب على ذلك فعنده أنه من باب تورية العقلاء الذين يورون لمصلحة أتباعهم" (١)، ومن هؤلاء من يجوز التأويل لأهل البرهان من الفلاسفة، أما الجمهور والعامة فلا يجوز عليهم التأويل، يقول شيخ الإسلام معقبًا على ما سبق: "فكان ما سلكه أولئك المتكلمون في العقليات الفاسدة، والتأويلات الحائدة هي التي أخرجت هؤلاء إلى غاية الإلحاد ونهاية التكذيب للمرسلين وفساد العقل والدين" (٢) .
والملاحظ أن ابن سينا مع أنه تأثر بكلام المتكلمين وخاصة المعتزلة - وذلك في مسائل منها نفي الصفات والعلو - إلا أنه لما خلط هذه الأقوال بأقوال الفلاسفة صار يستطيل على هؤلاء المتكلمين "ويجعل القول الذي قاله هؤلاء هو قول المسلمين، وليس الأمر كذلك، وإنما هو قول مبتدعتهم، وهكذا عمل إخوانه القرامطة الباطنية صاروا يلزمون كل طائفة من طوائف المسلمين بالقدر الذي وافقوهم عليه مما هو مخالف للنصوص، ويلزمونهم بطرد ذلك القول حتى يخرجوهم عن الإسلام بالكلية" (٣)، ونصوص شيخ الإسلام في هذا كثيرة (٤) - لأن خطأ هؤلاء المتكلمين في هذه المسألة التي هي من أهم المسائل، بل وكثيرًا ما يجعلونها عماد التوحيد، وهي مسألة حدوث العالم - كان سببًا في تسلط هؤلاء الملاحدة عليهم.
_________________
(١) الصفدية (١/٢٧٦) .
(٢) المصدر السابق (١/٢٧٧) .
(٣) درء التعارض (٨/٢٣٩) .
(٤) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ١٣٨، ٢٥٦-٢٦٧) - ت العودة، (وص: ٧١) من المطبوعة، ومنهاج السنة (١/١٠٤-١٠٩، ٢١٣-٢١٥، ٢٤٩-٢٥١) - المحققة - ودرء التعارض (١/٣٧٢-٣٧٣، ٢/٢٨١-٢٨٨، ٨/٩٨، ٢٨٢-٢٨٣) .
[ ٢ / ٩١٥ ]
٣- وأخطر الموضوعات التي أشار فيها شيخ الإسلام إلى تطاول الفلاسفة والباطنية على المتكلمين موضوع الصفات والقدر وأنه إذا جاز لهم تأويلها أو بعضها، فلم لا يجوز تأويل نصوص المعاد، والعبادات، وقد ناقش شيخ الإسلام هذه المسألة في اثنين من أهم كتبه التي أفردها في الرد على الأشاعرة وهما نقض التأسيس ودرء تعارض العقل والنقل؛ إضافة إلى الإشارات المتعددة في مختلف كتبه.
أما نقض التأسيس: فقد ذكر فيه أسباب تسلط هؤلاء الفلاسفة على المتكلمين ثم نقل كلام الرازي في نهاية العقول - الذي سبق نقله - ثم قال معلقًا على جواب بأنا نعلم المعاد ضرورة: "فلينظر العاقل في هذا الجواب حيث قال لهم هؤلاء المتكلمون: نحن نعلم الأخبار بمعاد الأبدان أن الرسل أخبرت به بالضرورة، فلم يجعلوا مستند العلم بذلك دلالة القرآن والحديث والإجماع عليه؛ لأنهم [أي الفلاسفة] عارضوهم بمثل ذلك وبأبلغ منه في أمر الصفات والقدر، فعدلوا إلى ما ذكروه من أنا نعلم بالاضطرار إخبارهم بالمعاد الجسماني. فإن هذا الذي قالوه صحيح وحجة صحيحة على إثبات المعاد البدني، لكن قصروا في عدم الاحتجاج على ذلك في القرآن وبالأخبار وإجماع السلف" (١)، ثم بين شيخ الإسلام أن السلف رحمهم الله تعالى لم يفرقوا بين الصفات والقدر بالضرورة، وقول بعضهم: إنه لم يقل أحد إن هذا معلوم بالضرورة في دينهم، ليس كذلك؛ بل أهل الحديث وغيرهم يعلمون ذلك من دينهم ضرورة، وكلا الطائفتين مخالف للفطرة العقلية ومخالف لما نعلم نحن بالضرورة من دين الرسول، ومخالف للأقيسة العقلية البرهانية، والنصوص الإلهية القرآنية والإيمانية" (٢) .
وقد نقل شيخ الإسلام كلام ابن رشد في فصل المقال (٣)، وجعله معاد
_________________
(١) نقض التأسيس - المطبوع - (١/٢٢٣-٢٢٤) .
(٢) المصدر السابق - المطبوع - (١/٢٢٤) .
(٣) انظر: المصدر السابق - المطبوع - (١/٢٢٦-٢٣٧) .
[ ٢ / ٩١٦ ]
الأبدان مما يجوز تأويله، ثم رد على ابن رشد وبين ما في كلامه من ميل إلى مذاهب الفلاسفة (١)، وشيخ الإسلام - كما هي عادته - يوثق أقواله بالنقل من كتب هؤلاء، بحيث لا تبقى شبهة لأحد أو مجال لدعوى التحريف أو تحميل الكلام ما لم يحتمله.
وقد أعاد شيخ الإسلام الموضوع مرة أخرى، وأشار إلى تناقض الرازي في أقواله وردوده على الفلاسفة في أمر المعاد، وبين شيخ الإسلام أنه يقال له في مسائل الصفات والقدر ما يقوله هو لأولئك في مسائل المعاد (٢)، وفي موضوع المحكم والمتشابه والرد على الرازي الذي جعل المتشابه ما خلف الدليل العقلي، يقول شيخ الإسلام: "فجعل الإحكام هو عدم المعارض العقلي، لا صفة في الخطاب وكونه في نفسه قد أحكم وبين وفصل، مع أن المعارض العقلي لا يمكن الجزم بنفيه إذا جوز وقوعه في الجملة، ولهذا استقر أمره على أن جميع الأدلة السمعية القولية متشابهة لا يحتج بشيء منها في العمليات، فلم يبق على قوله لنا آيات محكمات وهن أم الكتاب، بحيث يرد المتشابه إليها، ولكن المردوم إليه هو العقلي فما وافقه أو لم يخالفه فهو المحكم، وما خالفه فهو المتشابه، وهذا من أعظم الإلحاد في أسماء الله تعالى وأياته، ولهذا استقر قوله في هذا الكتاب (٣) على رأي الملاحدة الذين يقولون: إنه أخبر العوام بما يعلم أنه باطل لكون عقولهم لا تقبل الحق فخاطبهم بالتجسيم مع علمه أنه باطل "، قال شيخ الإسلام: "وهذا مما احتج به الملاحدة على هؤلاء في المعاد، وقالوا خاطبهم أيضًا بالمعاد كما خاطبهم بالتجسيم، وهؤلاء جعلوا الفرق أن المعاد علم بالاضطرار من دين الرسول" (٤) .
ومنهج الأشاعرة - خاصة المتأخرين منهم - في تعاملهم مع النصوص الواردة من الكتاب والسنة في أبواب الصفات هو منهج من لا يرى لها حرمة، بل هي إما مردودة إن كانت أخبار آحاد، أو مؤولة إن كانت ثابتة بالتواتر،
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس (١/٢٦٠) .
(٢) انظر نقض التأسيس - المخطوط - (٣/١٩٦-١٩٩) .
(٣) أي كتاب الرازي: أساس التقديس، ويسمى تأسيس التقديس.
(٤) نقض التأسيس: المخطوط - (٢/٢٧٤-٢٧٥) .
[ ٢ / ٩١٧ ]
ولاشك أن هذا مدخل سهل ويسير لمن أراد أن يطعن في بقية النصوص، ويلزم هؤلاء فيها بما التزموه في نصوص الصفات والعلو التي جاءت نصًا صريحًا في مدلولاتها.
ولذلك لما رد شيخ الإسلام على هؤلاء في قانونهم الفاسد الذي قالوا فيه بتقديم العقل على النقل عند التعارض، جعل أحد الأوجه في الرد عليهم بيان استطالة الملاحدة على هؤلاء المتكلمين - وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، مع الإحالة في تفصيله إلى هنا (١) -، يقول شيخ الإسلام: "الوجه العشرون أن تقول: ما سلكه هؤلاء نفاة الصفات من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم هو بعينه الذي احتج به الملاحدة الدهرية عليهم في إنكار ما أخبر الله به عباده من أمور اليوم الآخر، حتى جعلوا ما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر لا يستفاد منه علم، ثم نقلوا ذلك إلى ما أمروا به من الأعمال: كالصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، والحج. فجعلوها للعامة دون الخاصة، فآل الأمر بهم إلى الإلحاد في الأصول الثلاثة التي اتفقت عليها الملل كما قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٦٢]، فأفضى الأمر بمن سلك سبيل هؤلاء إلى الإلحاد في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح وسرى ذلك في كثير من الخائضين في الحقائق من أهل النظر والتأله من أهل الكلام والتصوف، حتى آل الأمر بملاحدة المتصوفة كابن عربي صاحب فصوص الحكم وأمثاله إلى أن جعلوا الوجود واحدًا وجعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق وهذا تعطيل للخالق، وحقيقة قولهم فيه مضاهاة لقول الدهرية الطبيعية الذين لا يقرون بواجب أبدع الممكن، وهو قول فرعون، ولهذا كانوا معظمين لفرعون وآخر تحقيقهم استحلال المحرمات وترك الواجبات، كما كان يفعل أبرع محققيهم التلمساني وأمثاله (٢)
- ثم ذكر أحوال الصوفية، والقرامطة الباطنية والإسماعيلية ومن كان ينتسب إليهم كابن سينا وغيره (٣) -، ثم قال:
_________________
(١) انظر: ما سبق في هذا الفصل في مبحث لا تعارض بين العقل والنقل، الفقرة السادسة.
(٢) انظر: درء التعارض (٥/٣-٤) ..
(٣) انظر: المصدر السابق (٥/٤-١٠) .
[ ٢ / ٩١٨ ]
"والمقصود هنا أن هؤلاء الملاحدة يحتجون على النفاة بما وافقوهم عليه من نفي الصفات، والإعراض عن دلالة الآيات، كما ذكر ذلك ابن سينا في "الرسالة الأضحوية" التي صنفها في المعاد لبعض الرؤساء الذين طلب تقربه إليه ليعطوه مطلوبه منهم من الجاه والمال" (١) . ثم نقل شيخ الإسلام نصًا مطولًا من هذه الرسالة الأضحوية (٢) .
وهؤلاء المتكلمون بمنهجهم الباطل كانوا سببًا في استطالة عدد كبير من طوائف الملاحدة، ومن أبرزها:
- طائفة الفلاسفة.
- طائفة الباطنية من القرامطة والإسماعيلية وغيرهم.
- وغلاة الصوفية الذين وصل بهم الأمر إلى وحدة الوجود وتعطيل الشرائع، وشيخ الإسلام وهو في موضع الرد على أولئك المتكلمين لا يجعل ذلك مبررًا للسكوت عن أقوال هؤلاء الملاحدة، بل يفضحهم ويرد عليهم، ويبين أن هؤلاء المتكلمين أفضل منهم بدرجات، ولذلك يقول بعدما نقل أقوال ابن سينا في الأضحوية التي استطال بها على المتكلمين.
"والكلام على هذا من فنين:
أحدهما: بيان لزوم ما ألزم لنفاة الصفات، الذين سموا نفيها توحيدًا من الجهمية والمعتزلة ونحوهم.
والثاني: بيان بطلان كلامه، وكلامهم الذي وافقوهم عليه" (٣) .
ثم شرح شيخ الإسلام هذين الأمرين شرحًا وافيًا، بين فيه كيف استطال ابن سينا على المتكلمين، كما رد على ابن سينا وأغلظ عليه بما يستحقه (٤) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/١٠) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/١٠-١٨) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٥/١٨-١٩) .
(٤) انظر: المصدر السابق (٥/١٩) إلى نهاية هذا الوجه (ص: ٢٠٣)، وانظر: تعليقات شيخ الإسلام على أقوال ابن سينا في (٥/٦٣-٧٣) .
[ ٢ / ٩١٩ ]
وفي موضوع يذكر نماذج من هذا التسلط فيقول:
" المتفلسفة الدهرية كالفارابي وابن سينا يزعمون أن العقل يحيل معاد الأبدان، فيجب تقديم العقليات على دلالة السمع، ويخاطبون من أقر بالمعاد من المعتزلة وموافقيهم في نفي ذلك بما تخاطب به المعتزلة المثبتة للصفات ويقولون لهم: قولنا في نصوص المعاد كقولكم في نصوص الصفات، وهكذا خاطبت القدرية من المعتزلة والشيعة وغيرهما متكملة الإثبات في مسألة القدر، وقالت: القول في النصوص المثبتة للقدر وأن الله خالق أفعال العباد، كالقول في نصوص الصفات " (١) .
ويشرح المأزق الذي وقع فيه هؤلاء المتكلمون فيقول: "إن هؤلاء النفاة للصفات المثبتين للمعاد هم بين المؤمنين بالجميع كالسلف والأئمة، وبين الملاحدة المنكرين للصفات والمعاد، فالملاحدة تقول لهم: قولنا في نفي كقولكم في نفي الصفات، فلا يستدل بالشرع على هذا ولا على هذا لمعارضة العقل له.
والمؤمنون بالله ورسوله يقولون لهم: قولنا لكم في الصفات كقولكم للملاحدة في المعاد، فإذا قلتم للملاحدة: إثبات المعاد معلوم بالاضطرار من دين الرسول قلنا لكم: وإثبات الصفات والعلو والأفعال معلوم بالاضطرار من دين الرسول" (٢) .
ولما ناقش شيخ الإسلام نفاة العلو ورد عليهم طويلًا، كان من ضمن منهجه في الرد عليهم بيان هذه الاستطالة من جانب الملاحدة، وأنه لا يستطيع نقض أقوالهم ما دام موقفهم من نصوص العلو المتواترة بهذه الطريقة، وقد ساق شيخ الإسلام حوارًا بين هؤلاء بين فيه كيف ينتهي الأمر إلى عجز المتكلمين عن مناقشة الملاحدة إلا بنوع من التناقض، يقول شيخ الإسلام في مقدمة هذا الحوار: "أن يقال لمن أجاب بهذا عن النصوص [وذلك حين قال: إنها معارضة بأدلة العقول]:
_________________
(١) درء التعارض (٥/٢٥٠-٢٥١) .
(٢) المصدر السابق (٥/٣٠١-٣٠٢) .
[ ٢ / ٩٢٠ ]
إذا احتججت على من ينفي ما تثبته بالنصوص، كإثبات القدر - إن كنت من المثبتين له - أو إثبات الجنة والنار وما فيهما من الأكل والشرب ونحو ذلك - إن كنت من المثبتين لهـ إذا قال لك منازعك: هذه الظواهر التي احتججت بها قد عارضشها دلائل عقلية وجب تقديمها عليها. فما كان جوابك لهؤلاء كان جواب أهل الإثبات لك.
فإن قلت: ما أثبته معلوم بالاضطرار من الدين.
قال لك: أهل الإثبات للعلو: وهذا معلوم لنا بالاضطرار من الدين.
فإن قلت: أنا لا أسلم هذا لكم.
قالوا لك: ومن نازعك من القرامطة أو الفلاسفة أو المعتزلة لا يسلم لك ما ادعيته من الضرورة " (١) .
ويستمر في هذا الحوار العديب الذي قال فيه شيخ الإسلام: " واعلم أنهل يلس من أهل الأرض إلا من يمكن مخاطبته بهذه الطريق " (٢) .
وهذا الباب الذي أبدع شيخ الإسلام في أسلوب عرضه، واستخدامه في الرد على الأشاعرة وغيرهم يفسر - مع غيره من الأوجه - ذلك العداء الشديد والحقد المتراكم عليه في حياته وبعد مماته من جانب أعداد كبيرة من أهل الأهواء أو من أتباعهم المقلدين لهم.
لقك كان شيخ الإسلام -﵀- علمًا شامخًا وما استطاع معارضوه أن يجادلوا حجته بالحجة، وإنما لجأؤا إلى الأساليب الملتوية من التشهير وتحريف الكلام مما قد ينع العامة، ولكنه لا يثبت أمام الحجاج بالشرع والعقل.
_________________
(١) درء التعارض (٧/ ١٣٤-١٣٥) .
(٢) المصدر السابق (٧/١٣٦)، وانظر: بقية الحوار مع ردود ومناقشات أخرى إلى (ص: ١٤٠)، من هذا الجزء، وانظر أيضًا: حول موضوع الاسطالة: الدرء (٨/٢٤١-٢٤٢)، ومنهاج السنة (٢/١١٢) - المحققة - والتسعينية (ص: ٢٦١) وغيرها.
[ ٢ / ٩٢١ ]
والخلاصة أنه ليس لهؤلاء المتكلمين نفاة الصفات أو بعضها مخلص لا مخرج من هذه المضايق التي وقعوا فيها إلا بالعودة إلى منهج السلف وإثبات ما أثبته الله ورسوله ونفي ما نفاه الله ورسوله.
* * *
وبعد: فهذه خطوط عامة في منهج شيخ الإسلام في الرد على الأشاعرة فيما خالفوا فيه أهل السنة، ومنها يتبين:
١- أن شيخ الإسلام وهو يرد على هؤلاء لم ينسً في أي موقف من المواقف الرد انيبين ما عندهم من أمور إيجابية وأقوال صائبة، وكيف يغفل هذا وهو يقول في معرض الرد على أحد ملاحدة الفلاسفة الإسماعيلية - وهو ابن سينا -: " وما ذكره من امتناع التحريف على كلية الكتاب العبري حق ما قال" (١)، ثم يذكر أدلة على ذلك.
٢- أن شيخ الإسلام يرجع المسائل الفرعية إلى أصولها، ويقرر الرد ببيان هذه الأصول:
- فبين أن الكتاب والسنة فيهما الكفاية والهداية التامة.
- كما يقرر أن ما وقع فيه هؤلاء من علم الكلام المذموم الذي اتفق السلف على ذمة.
- ويقرر أيضًا أن السلف أعلم وأحكم، ولا يجوز معارضة ما أجمعوا عليه. وبين أثناء ذلك جهل هؤلاء المتكلمين بحقيقة مذهب السلف.
- كما يقرر أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين العقل الصريح والنقل الصريح.
٣- ثم إن شيخ الإسلام يستخدم في الرد عليهم أساليب غير مباشرة لكنها عميقة الأثر:
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٧٨) .
[ ٢ / ٩٢٢ ]
- فهو يرجع أقوال هؤلاء إلى أصولها الاعتزالية والفلسفية، وهم يصرحون في مخالفة هؤلاء والرد عليهم.
- ثم يرد على متأخيرهم بأقوال شيوخهم، ولقد كان هذا من أشد وأوجع ما لقي الأشاعرة، ولذلك امتحنوا شيخ الإسلام محنة عظيمة بسبب الفتوى الحموية لأنها مبنية على هذا الوجه.
- ولم يكتف ببيان مناقضتهم لشيوخهم بل أبرز تناقض أقوالهم أنفسهم، سواء في كتبهم المتعددة أو في الكتاب الموحد.
٤- وأخيرًا فإن شيخ الإسلام قد اهتم ببيان أمرين عظيمين بالنسبة لهؤلاء:
أحدهما: ما وقعوا فيه من الحيرة والشك والاضطراب، وهي حيرة أشبهت كثيرًا حيرة ملاحدة الفلاسفة، ثم رجوع كثير منهم إلى المذهب الحشق وتبرمه مما كان عليه من علم الكلام، والسؤال الحاسم هنا: إذا كان الأمر بهذه المثابة، فهل الأولى بهؤلاء الأتباع الذين يناقشهم شيخ الإسلام ويبين الأمر لهم، هل الأولى بهم أن يبدأوا من حيث بدأ شيوخهم فيدخلوا في علم الكلام ويتعلموه ويستخدموه، حتى إذا غاصوا فيه وبلغوا الغاية أو ما يقاربها، قالوا مثل شيوخهم ياليتنا لم نتعلم علم الكلام، وياليتنا نموت على عقيدة العجائز. أم الأولى بهم أن يأخذوا من ذلك درسًا ويبدأوا منحيث انتهى بالاعتماد على الكتاب والسنة اعتمادًا كاملًا ونبذ ما عدا هما مما هو مخالف ومناقض لهما؟
والثاني: أن هؤلاء المتكلمين بمنهجهم فتحوا الباب لتسلط الملاحدة من الفلاسفة، والباطنية، وغلاة الصوفية، عليهم وعلى المسلمين، وكم في هذا من الخطر على عقيدة المسلمين وشريعتهم؟.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
الفصل الثالث: موقفه في الرد عليهم تفصيلا
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في توحيد الألوهية والربوبية.
المبحث الثاني: في الأسماء والصفات.
المبحث الثالث: في القضاء والقدر.
المبحث الرابع: في الإيمان.
المبحث الخامس: في بقية أمور العقيدة التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة.
[ ٣ / ٩٢٩ ]
مقدمة:
في الفصلين السابقين كان تفصيل القول في منهجه العام في الرد على الأشاعرة سواء في بيان الأمور الإيجابية التي اعترف لهم بها، أو بيان الخطور العامة في الرد عليهم.
وفي هذا الفصل سيتم -إن شاء اللهـ عرض ردوده المفصلة على الأشاعرة في مسائل العقيدة المتعددة، وقبل الدخول في ذلك ينبغي أن يلاحظ ما يلي:
١- أن هذه المناقشات تشمل متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم فيما اتفقوا عليه، أما ما خالف فيه متأخرو الأشعرية متقدميهم، فالمناقشة تختص بهؤلاء المتأخرين فقط، وشيخ الإسلام لم يغفل هذا، ولكن التنبيه هنا إنما هو من باب الأمانة في نسبة الأقوال إلى أصحابها، حتى لا يحمل أولئك الشيوخ المتقدمون الأقوال الفاسدة التي أتى بها أتباعهم المنتسبون إليهم.
وعلى المؤمن أن لا يأخذه الحماس في مثل هذه المواقف فيحيد عن العدل والقسط والله ﵎ يقول في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]، والآية واضحة الدلالة في هذا الباب وغيره، خاصة وأنه ورد أنها نزلت في اليهود أو المشركين (١) .
٢- أن شيخ الإسلام حينما يرد على المخالفين، ينقل أقوالهم بحروفها -وهذا من أسس منهجه وأمانته التي سبق توضيحها- ثم يرد عليها.
_________________
(١) انظر: تفسير هذه الآية وما ورد في أسباب نزولها في تفسير الطبري، وزاد المسير لابن الجوزي: سورة المائدة آية ٨.
(٢) انظر ما سبق (ص: ٣٢٠) وما بعدها.
[ ٣ / ٩٣١ ]
وهذا المنهج يفيد كثيرا فيما سيرد من مناقشات تفصيلية للأشاعرة، وخاصة في مسألة توثيق أقوال الأشاعرة من كتبهم؛ لأن الردود لابد أن تكون على أقوال ثبتت نسبتها إلى قائليها، وأن تكون هذه الأقوال قد فهمت فهما سليما كما قصدها أصحابها، ولا تكون أقوالا دخلها التحريف، أو أقوالا معترضة نقلها صاحب الكتاب مثلا عن غيره فهو ناقل لها، وقد يأتي بما ينقضها بعد قليل.
وشيخ الإسلام بأمانته في النقل يجعل ردوده كافية في تصور الأقوال المردود عليها، فكيف إذا أضاف إلى ذلك النقل الحرفي من كتب الذين يرد عليهم؟.
٣- أن ردود شيخ الإسلام التفصيلية على الأشاعرة في كل مسألة من مسائل العقيدة جاءت طويلة جدا، كثيرة التفريعات، وقد تبين بعد جمع المادة العلمية مما كتبه شيخ الإسلام أن كل واحدة من هذه المسائل بحاجة إلى بحث أو رسائل مستقلة وخاصة مثل موضوع:
- توحيد الربوبية والألوهية
- والصفات عموما
- وكلام الله
- والعلو والاستواء
-والقدر
ولذلك فإن ضرورة البحث تقتضي الاكتفاء بالخطوط العامة في كل مسألة من هذه المسائل، ومحاولة بيان منهج شيخ الإسلام.
[ ٣ / ٩٣٢ ]
المبحث الأول: في توحيد الربوبية والألوهية
غالب كتب الأشاعرة الكلامية تبتدئ بتفصيل المقدمات العقلية والمنطقية والطبيعية، ثم تعرض بعد ذلك لما يسمى بالإلهيات، وأول ما تبتدئ به من ذلك إثبات وجود الله، وبيان أن ما سواه محدث مخلوق، وترد في أثناء ذلك على الدهرية والفلاسفة وغيرهم، ثم تعرض بعد ذلك لوحدانية الله الخالق وصفاته.
وفي أثناء ذلك تعرض لعدة مسائل كأول واجب على المكلف، ودليل حدوث الأجسام وغيره من الأدلة، ومعنى التوحيد، وغيرها من المسائل التفصيلية.
هذه سمة عامة لكتب الأشاعرة (١)، وقد تتبع شيخ الإسلام هذه القضايا وناقشها، ورد على الأشاعرة في المسائل التي قصروا أو أخطأوا فيها، ويمكن عرض منهج شيخ الإسلام في مناقشة هذه القضايا حسب النقاط التالية:
١- أول واجب على المكلف.
٢- التوحيد عند الأشاعرة، وحقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل.
٣- توحيد الربوبية ويشمل:
أ - أدلة إثبات الصانع، وحدوث العالم.
ب - إثبات وحدانية الله.
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: التمهيد للباقلاني (ص: ٢٢-٢٥) - ت مكارثي، أصول الدين للبغدادي (ص: ٦٨) وما بعدها، الاعتقاد للبيهقي (ص ٣٨-٤٨)، الارشاد للجويني (ص: ٣-٢٩) و(ص: ٥٢-٥٩)، والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص: ١٨-٢٦، ٤٨)، ونهاية الإقدام للشهرستاني (ص: ٥) وما بعدها، و(ص: ٩٠)، والأربعين للرازي (ص: ٣) وما بعدها و(ص: ٢٢١)، وغاية المرام للآمدي (ص: ٩-٢٣)، وشرح المواقف (٨/٢) وما بعدها.
[ ٣ / ٩٣٣ ]
أولا: أول واجب على المكلف:
هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى، وهي كيفية حصول المعرفة بالله عند الإنسان، حيث وقع الخلاف فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر، وهذا قول كثير من المعتزلة والأشاعرة وأتباعهم من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.
القول الثاني: أن المعرفة يبتديها الله اختراعا في قلوب العباد من غير سبب يتقدم، ومن غير نظر ولا بحث، وهذا قول كثير من الصوفية والشيعة، ومعنى هذا القول أن المعرفة بالله تقع ضرورة فقط.
القول الثالث: أن المعرفة بالله يمكن أن تقع ضرورة، ويمكن أن تقع بالنظر، وهذا قول جماهير المسلمين (١) .
إذا تبين هذا فالذين قالوا بأن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر اختلفوا في أول واجب على المكلف:
١- فقال بعضهم: أول واجب النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم.
٢- وقالت طائفة: أول واجب القصد إلى النظر الصحيح.
٣- وقالت طائفة أخرى: أول واجب الشك.
٤- وقالت طائفة رابعة: أول واجب المعرفة بالله (٢) .
ويقابل هذه الأقوال من يرى أن أول واجب على المكلف الشهاداتان: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله، وإفراد الله بالعبودية.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٣٥٢-٣٥٤، ٨/٢٤، ٩/٣،١٨-٢٤) .
(٢) انظر: الإرشاد (ص: ٣)، والمعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى (ص: ٢١) . وانظر أيضا: النبوات (ص: ٥٩، ٦٢، ٩٥)، ومجموع الفتاوى (٢٠/٢٠٢)، ودرء التعارض (٧/٣٥٣)، والاستقامة (١/١٤٢) .
[ ٣ / ٩٣٤ ]
وهذه المعرفة التي يوجبها الأشاعرة مباشرة أو بوسائلها من النظر أو القصد إلى النظر هي معرفة الله تعالى، أي الإقرار بوجوده تعالى وأنه خالق العالم وأن ما سواه مخلوق محدث.
وشيخ الإسلام يوضح في هذا الباب أمرين مهمين:
أحدهما: أن الخلاف الذي وقع بين الأشاعرة حول أول واجب: هل هو المعرفة أو النظر أو القصد إلى النظر أو الشك - خلاف لفظي -، "فإن النظر واجب وجوب الوسيلة، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والمعرفة واجبة وجوب المقاصد، فأول واجب وجوب الوسائل هو النظر، وأول واجب وجوب المقاصد هو المعرفة، ومن هؤلاء من يقول: أول واجب هو القصد إلى النظر، وهو أيضا نزاع لفظي، فإن العمل الاختياري مطلقا مشروط بالإرادة" (١) . فهذا تحليل لحقيقة الخلاف، وأن من قال: إن أول واجب النظر أو القصد، لم يقصد حقيقة ذلك، وإنما قصد أنهما مؤديان إلى المعرفة بالله فوجوبهما لذلك.
أما القول بأن أول واجب هو الشك - وهو قول منسوب إلى أبي هاشم الجبائي المعتزلي، وقد أخذ به الغزالي - كما مر (٢) - ونسبه ابن حزم إلى الأشعرية (٣) - فيرى شيخ الإسلام أنه مبني على أصلين: "أحدهما: أن أول الواجبات النظر، فلا يكون في حال النظر عالما" (٤)، أي أنه لو كان غير شاك لما احتاج إلى النظر.
الثاني: أن حكاية الأقوال - في كثير من مسائل العقيدة - إنما يحكيها هؤلاء وينسبوها إلى أئمة أهل السنة بحسب ما يعتقدون هم، لا بحسب المروي
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٣٥٣) .
(٢) انظر: (ص: ٦٦٧)، وانظر: الجبائيان (ص: ٣٣٣) .
(٣) الفصل (٤/٧٤) - المحققة -.
(٤) انظر: درء التعارض (٧/٤١٩) .
[ ٣ / ٩٣٥ ]
حقيقة عن هؤلاء الأئمة، يقول شيخ الإسلام: "ولما كان الكلام في هذه الأبواب المبتدعة مأخوذا في الأصل عن المعتزلة والجهمية ونحوهم، وقد تكلم هؤلاء في أول الواجبات: هل هو النظر، أو القصد، أو الشك، أو المعرفة؟. صار كثير من المنتسبين إلى السنة والمخالفين للمعتزلة في جمل أصولهم يوافقونهم على ذلك، ثم الواحد من هؤلاء إذا انتسب إلى إمام من أئمة العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وصنف كتابا في هذا الباب يقول فيه: قال أصحابنا، واختلف أصحابنا، فإنما يعني بذلك أصحابه الخائضين في هذا الكلام، وليسوا من هذا الوجه من أصحاب ذلك الإمام؛ فإن أصحابه الذين شاركوه في مذهب ذلك الإمام إنما بينهم وبين أصحابه المشاركين له في ذلك الكلام عموم وخصوص، فقد يكون الرجل من هؤلاء، وبالعكس، وقد يجتمع فيه الوصفان (١) ".
ويضرب لذلك مثلا يقول أبي الفرج المقدسي الحنبلي في كتابه "التبصرة في أصول الدين": "فصل في أول ما أوجب الله على العبد معرفته، والثاني: أن أول ما أوجب الله على العبد النظر والاستدلال المؤديان إلأى معرفة الله تعالى" (٢) .
يقول شيخ الإسلام معلقا: "قلت فهذا الكلام وأمثاله يقوله كثير من أصحاب الأئمة الأربعة، ومعلوم أن الأئمة الأربعة ما قالوا لا هذا القول، ولا هذا القول، وإنما قال ذلك من أتباعهم من سلك السبيل المتقدمة" (٣) أي المبتدعة والتي سبق أن ذكرها شيخ الإسلام من دليل الأعراض وغيره.
والغرض من ذكر هذه الحقيقة هنا - مع أنها لا تختص في هذا الموضع - الإشارة إلى أمرين: أحدهما: أن هذا جزء من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية،
_________________
(١) درء التعارض (٨/٣-٤) .
(٢) المصدر السابق (٨/٤-٥)، وانظر: النص في "التبصرة في أصول الدين" (ص: ٦-٧) - مطبوع على الآلة الكاتبة - تحقيق إبراهيم بن محمد الدوسري، وأبو الفرج المقدسي اسمه: عبد الواحد ابن محمد علي الشيرازي المقدسي الأنصاري الحنبلي. توفي سنة ٤٨٦ هـ، كانت له وقعات مع الأشاعرة. انظر في ترجمته طبقات الحنابلة (٢/٢٤٨)، وذيلها (١/٦٨)، وسير أعلام النبلاء (١٩/٥١) .
(٣) درء التعارض (٨/٦) .
[ ٣ / ٩٣٦ ]
فهو دائما يركز على وجوب الاهتمام بصحة نسبة الأقوال إلى أصحابها، ولما كان البحث هنا في أول مسألة من المسائل التى خالف فيها الأشاعرة مذهب أهل السنة، ناسب ذكر هذه المسألة التى تدل على خطأ منهجي وعلمي يمارسه كثير من أهل الكلام، والأمر الثاني: أن شيخ الِإسلام ضرب مثالا برجل حنبلي، وخطأه فيما نسب إلى أئمة الحنابلة من أقوال حين شمل بتعميمه جميع الحنابلة من كان منهم سائرا على مذهب السلف ومن كان خائضا فيما خاض فيه أهل الكلام، وكأن شيخ الاسلام قصد أن هذا الأسلوب إذا كان قد وقع لبعض الحنابلة حين نسبوا إلى بعض أئمتهم ما لم يقولوه فلأن يقع في غيرهم من باب أولى، ومع ذلك فهو يدل على العدل والِإنصاف الذي تحلى به شيخ الإسلام في أحكامه وأقواله؛ إذ لم يمنعه ميله إلى الحنابلة ودفاعه عنهم بأنهم أقل الطوائف انحرافا- وإن كان قد يوجد فيهم من وافق أهل الأهواء- لم يمنعه ذلك من ضرب المثال بخطأ أحد أعلامهم.
وشيخ الاسلام يرى أن القول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إلى النظر أو معرفة الله أو الشك، قول باطل، وأن الصحيح أن أول واجب هو الشهادتان المتضمنتان لتوحيد الله وإفراده بالعبودية ويذكر لذلك عدة أدلة من الكتاب والسنة، ومنها:
١- حديث معاذ المشهور، يقول ابن تيمية: " والنبيﷺ- لم يدع أحدا من الخلق إلى النظر ابتداء، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما
دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه، كما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ ابن جبل﵁ لما بعثه إلى اليمن: إنك تأتي قوما أهل كتاب،
فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم
والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " (١)، وكذلك سائر الأحاديث عن النبيﷺ-
_________________
(١) متفق عليه، البخارى: كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة ورقمه ١٤٥٨ (الفتح ٣ / ٣٢٢)، وباب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء، ورقمه ١٤٩٦ (الفتح ٣ / ٣٥٧) . ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، ورقمه ١٩.
[ ٣ / ٩٣٧ ]
موافقة لهذا" (١)، ويلاحظ التصريح بلفظ " أول " في الحديث حيث قال: " فليكن أول ما تدعوهم إليه " فهو نص في الموضوع، مع أن المتواتر من أحواله - ﷺ- وسيرته أنه كان يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وهذا منهج رسل الله جميعا حيث إنهم " يأمرون بالغايات المطلوبة من الِإيمان بالله ورسوله وتقواه، ويذكرون من طرق ذلك وأسبابه ما هو أقوى وأنفع، وأما أهل البدع المخالفون لهم فبالعكس يأمرون بالبدايات والأوائل (٢) "، وإذا
كانت معرفة الله فطرية، والعباد مفطورون على الِإقرار بربهم وخالقهم فالأجدى والأنفع لهم أن يدعوا إلى إفراد هذا الرب بالعبادة والطاعة، لا أن يشغلوا بما هو بدهي وفطري، ومع ذلك فإن شيخ الإسلام يذكر أن بعض الناس قد يعرض له ما يفسد فطرته فيكون بحاجة إلى نظر حتى تحصل له المعرفة، والخطأ الذي وقع فيه أهل الكلام زعمهم أن معرفة الله لا تتم إلا بهذا الطريق، يقول شيخ الإسلام: "إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة وهذا قول جمهور الناس، وعليه حذاق النظار، أن المعرفة تارة تحصل بالضرورة وتارة بالنظر" (٣) . وقد سبق في بداية هذه الفقرة ذكر الخلاف في ذلك.
٢- ومن الأدلة على أن النظر ليس أول واجب قوله تعالى: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" [العلق: ١]، يقول شيخ الاسلام: " وهذه الآية أيضا تدل على أنه ليس النظر أول واجب، بل أول واجب ما أوجب الله على نبيهـ ﷺ- "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ"، لم يقل انظر واستدل حتى تعرف الخالق، وكذلك هو أول ما بلغ هذه السورة، فكان المبلغون مخاطبين بهذه الآية قبل كل شىء، ولم يؤمروا فيها بالنظر والاستدلال " (٤)، ويجيب هنا عن
_________________
(١) درء التعارض (٨/٦-٧) .
(٢) المصدر السابق (٨/٢١) .
(٣) مجموع الفتاوى (١٦/٣٢٨) .
(٤) مجموع الفتاوى (١٦/٣٢٨)، وانظر أيضا (١٦/٢٣٢) .
[ ٣ / ٩٣٨ ]
الاعتراض الذى يورده الباقلاني ومضمونه: أن المعرفة لو حصلت بغير النظر لسقط التكليف بها، فيبين أن المعرفة نفسها لم يدل دليل على وجوبها، بل هي موجودة عند جميع الناس لأنهم مفطورون عليها، ولذلك فإن الرسل افتتحوا دعوتهم بالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، كما في قصة نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وغيرهم من الأنبياء، لأن أممهم كانوا مقرين بالخالق، لكنهم كانوا يعبدون معه غيره، كما هو حال مشركي العرب (١)، ولذلك قالت الرسل "أَفِي اللَّهِ شَكٌّ" [إبراهيم: ١٠] وهذا نفي، " أي ليس في الله شك، وهو استفهام تقرير يتضمن تقرير الأمم على ما هم مقرون به من أنه ليس في الله شك، فهذا استفهام تقرير " (٢) .
٣- وبعد أن يفصل شيخ الإسلام القول في أحاديث الفطرة، وقوله تعالى: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: ٥٦] يقول: " والمقصود هنا أنه معروف عند السلف والخلف أن جميع الجن والإنس معترفون بالخالق مقرون به، مع أن جمهور الخلق لا يعرفون النظر الذي يذكره هؤلاء، فعلم أن أصل الإقرار بالصانع والاعتراف به مستقر في قلوب جميع الإنس والجن وأنه من لوازم خلقهم، ضروري لهم، وإن قدر أنه حصل بسبب، كما أن اغتذاءهم بالطعام والشراب هو من لوازم خلقهم وذلك ضروري منهم وهذا هو الإقرار بالشهادة المذكورة في قوله: " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ . قَالُوا بَلَى " [الأعراف: ١٧٢] .. " (٣) .
٤- ومن الأدلة أيضا الإجماع؛ فإن أئمة الدين وعلماء المسلمين " مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول: أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين سواء كان معطلا أو مشركا أو كتابيا، وبذلك يصير الكافر مسلما، ولا يصير
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/٣٣٢) .
(٢) المصدر السابق (١٦/٣٣٩) .
(٣) درء التعارض (٨/٤٨٢) .
[ ٣ / ٩٣٩ ]
مسلما بدون ذلك" (١)، ويستشهد بكلام ابن المنذر: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام- وهو بالغ صحيح يعقل- أنه مسلم. فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتدا، يجب عليه ما يجب على المرتد" (٢)، وهذا موافق لما دلت عليه النصوص، وما ابتدعه هؤلاء من وجوب النظر والمعرفة فليس عليه دليل، وإنما أخذوه من أهل الاعتزال والكلام.
ولا يكتفي شيخ الإسلام بهذه الردود المباشرة على قول هؤلاء، وإنما يرد عليهم من وجوه أخر، يبين فيها تناقض الأشاعرة وردود بعضهم على بعض، كما يربط المسألة بمسائل أخر توضح خطأهم فيها:
١- فإبراز التناقض عند الأشاعرة من منهج شيخ الإسلام العام في الرد على الأشاعرة- وقد سبق تفصيل القول فيهـ، ووجه تناقضهم هنا أنهم مع قولهم بأن أول الواجبات النظر أو المعرفة إلا أنهم يقولون لا واجب إلا بالشرع - خلافا للمعتزلة- وهذا يناقض ما أوجبوه من النظر، يقول شيخ الإسلام:
"ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشي على قول من يقول: لا واجب إلا بالشرع، كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك، وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين إن (٣) كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة، وهذا هو المعنى الذي قصده من قال: أول الواجبات الطهارة والصلاة، فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا" (٤)، وفي موضع آخر يبين شيخ الإسلام جانبا
_________________
(١) درء التعارض (٨/٧) .
(٢) المصدر السابق (٨/٧) وكلام ابن المنذر في الإجماع (ص: ١٥٤) - ط دار طيبة.
(٣) في المطبوعة [وإن] ولعل الواو زأندة.
(٤) درء التعارض (٨/١٢-١٣) .
[ ٣ / ٩٤٠ ]
آخر من غلطهم وتناقضهم في هذا، وهو أنه لو قدر أن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر، فهل من شرط ذلك أن يتأخر إلى البلوغ، ولو فرض أنه نظر قبل البلوغ لحصل له ذلك وهو غير واجب عليه (١) .
٢- ويطبق شيخ الاسلام جانبا آخر من منهجه العام في الرد على الأشاعرة، وهو ردود بعضهم على بعض- وقد سبق توضيح ذلك في الفصل السابق- وهو هنا ينقل كلام بعض الأشاعرة أو المائلين إلى طريقتهم:
أ- فالشهرستاني يصرح في نهاية الاقدام أن معرفة الله فطرية، ويقول: " إن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها، وبديهة فكرتها على صانع حكيم، قادر عليم، "أَفِي اللَّهِ شَكٌّ" [إبراهيم: ١٠] (٢)، فأين وجوب النظر أو القصد أو الشك؟.
ب- والرازي صرح في نهاية العقول بقوله بعد كلام: " وبهذا يتبين خطأ قول من زعم أن أول الواجبات القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم " (٣)، قال شيخ الإسلام معلقا: " قلت: هذا القول الذي خطأه الرازي هو الذي ذكره أبو المعالي في أول الإرشاد (٤)، كما ذكره طوائف من أهل الكلام المعتزلة وغيرهم " (٥)، والرازي يرى إن إثبات الصانع لا يتوقف على هذا الطريق بل هناك طرق أخرى، وقد صرح الرازي بأن هناك معارف يمكن أن تحصل بغير النظر وتكون ضرورية (٦)، وقصته مع نجم الدين الكبرى - أحمد الحيوقي- أحد شيوخ المعرفة، وكان من أجل شيوخ وقته في بلاده
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٤٢١)، ومن تناقضهم أيضا أن كثيرا منهم يقول مع ذلك: إن المعرفة لا تحصل الا بالشرع، انظر نصوصا من كلامهم في درء التعارض (٩/١٦-٣٨) .
(٢) درء التعارض (٧/٩٧)، والنص في نهاية الإقدام (ص: ١٢٤) .
(٣) درء التعارض (٥/٢٩٠)، والنص في نهاية الهقول (١٤-أ) .
(٤) ص ٣.
(٥) درء التعارض (٥/٢٩٠) .
(٦) انظر: المصدر السابق (٧/٣٥٥) .
[ ٣ / ٩٤١ ]
جرجان وخوارزم (١) - قال: " دخل على فخر الدين الرازي ورجل آخر من المعتزلة كبير فيهم، فقالا: يا شيخ، بلغنا أنك تعلم علم اليقين، فقلت: نعم أنا أعلم علم اليقين، فقالا لي: كيف تعلم علم اليقين، ونحن نتناظر من وقت كذا إلى وقت كذا، وكلما أقام حجة أبطلتها، وكلما أقمت حجة أبطلها؟
فقلت: ما أدري ما تقولان، ولكن أنا أعلم علم اليقين، فقالا: بين لنا ما هذا اليقين فقلت: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فجعلا يرددان هذا الكلام، ويقولان: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها، وتعجبا من هذا الكلام؛ لأنه ﵀ بين أن ذلك من العلوم الضرورية التي تلزم القلب لزوما لا يمكنه مع ذلك دفعها، ثم قالا له: كيف الطريق إلى هذه الواردات؟ فقال لهما: بأن تسلكا طريقتنا التي نأمركم بها، فاعتذر الرازي بما له من الموانع، وأما المعتزلي فقال: أنا محتاج إلى هذه الواردات فإن الشبهات قد أحرقت قلبي، فأمره الشيخ بما يفعله من العبادة والذكر، وما يتبع ذلك، ففتح الله عليه بهذه الواردات- والمعتزلة ينفون العلو والصفات، ويسمون من أثبت ذلك مجسما حشويا- فلما فتح الله تعالى عليه بذلك قال: والله ما الحق إلا فيما عليه هؤلاء الحشوية والمجسمة، أو كما قال " (٢) . والرازي لم يسلك هذا الطريق لوجود الموانع لا لقناعته بأن هذا ليس طريقا للمعرفة.
ج-- وكذلد الآمدي صرح بأن المعرفة قد تحصل بطريق التصفية وأخبار الأنبياء أو بغير ذلك (٣)، وقال جوابا لاعتراض على وجوب النظر: " قولهم:
لا نسلم توقف المعرفة على النظر، قلنا: إنما نقول بوجوب النظر في حق من لم يحصل له، فالنظر في حقه غير واجب " (٤) . وهذا تصريح منه بأن طرق المعرفة كثيرة فحصر أول واجب بالنظر المفضي إلى المعرفة غير صحيح.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٤٣٢) .
(٢) درء التعارض (٧/٤٣١-٤٣٢)، وانظر القصة أيضا في مجموع الفتاوى (٤/٤٣-٤٤)، ونقض التأسيس- المطبوع- (١/٢٦٤-٢٦٦) .
(٣) انظر درء التعارض (٧/٣٥٦) . وانظر ما سبق في هذه الرسالة (ص: ٧١٣) عند الحديث عن الآمدي.
(٤) درء التعارض (٧/٣٥٦-٣٥٧)، وكلام الآمدي في أبكار الأفكار (٢٩-أ) .
[ ٣ / ٩٤٢ ]
د- والقاضي أبو يعلى صرح في المعتمد بوجوب النظر، ثم تراجع عن ذلك في كتابه عيون المسائل، وقد نقل شيخ الأسلام أقواله في ذلك (١) .
فهذه أقوال الأشاعرة تدل على فساد ما يقوله كثير منهم من أن أول واجب على المكلف النظر وأنه لا طريق إلى معرفة الله إلا بذلك، وشيخ الإسلام وهو يرد على من قال بوجوب النظر يورد هذا الاعتراض الذى يذكره البعض، فيقول: " فإن قيل: إذا كانت معرفته والإقرار به ثابتا في كل فطرة، فكيف ينكر ذلك كثير من النظار- نظار المسلمين وغيرهم- وهم يدعون أنهم الذين يقيمون الأدلة العقلية على المطالب الالهية؟ "- ويجيب شيخ الإسلام بقولهـ:
" فيقال: أولا: أول من عرف في الإسلام بإنكار هذه المعرفة هم أهل الكلام - الذي اتفق سلف الأمة على ذمهـ من الجهمية والقدرية، وهم عند سلف الأمة من أضل الطوائف وأجهلهم، ولكن انتشر كثير من أصولهم في المتأخرين من الذين يوافقون السلف على كثير مما خالفهم فيه سلفهم الجهمية، فصار بعض الناس يظن أن هذا قول صدر في الأصل عن علماء المسلمين، وليس كذلك، إنما صدر أولا عمن ذمه أئمة الدين وعلماء المسلمين، الثاني: أن الأنسان قد
يقوم بنفسه من العلوم والإرادات وغيرها من الصفات ما لا يعلم أنه قائم بنفسه، فإن قيام الصفة بالنفس غير شعور صاحبها أنها قامت به، فوجود الشيء في الإنسان وغيره غير علم الإنسان به " (٢) .
٣- وإضافة إلى ما سبق من الردود على الأشاعرة في هذه المسألة، فإن شيخ الإسلام يناقش القضية من زوايا أخرى لها علاقة بها:
أ- فمن ذلك أن لفظ "النظر" فيه إجمال، ولذلك كثر اضطراب الناس وتناقضهم فيه، وهؤلاء المتكلمون يوجبون النظر لأنه يتضمن العلم ثم يقولون:
إن النظر يضاد العلم، فكيف يكون ما يتضمن العلم مضادا له، لا يجتمعان؟، وهنا قال من قال بوجوب الشك، ويناقش شيخ الإسلام هذا الإجمال فيقول:
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٤٤٢-٤٤٣، ٨/٣٤٨، ٩/٣٦) .
(٢) مجموع الفتاوى (٦ / ٣٤٠- ٣٤١)، وانظر بقية كلام شيخ الاسلام إلى (ص: ٣٤٦) .
[ ٣ / ٩٤٣ ]
"فمن فرق بين النظر في الدليل، وبين النظر الذي هو طلب الدليل، تبين له الفرق، والنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول، بل قد يكون القلب ذاهلا عن الشيء، ثم يعلم دليله، فيعلم المدلول وإن لم يتقدم ذلك شك وطلب، وقد يكون عالما به، ومع هذا ينظر في دليل آخر لتعلقه بذلك الدليل، فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير، لكن هؤلاء لزمهم المحذور؛ لأنهم أوجبوا النظر لكون المعرفة لا تحصل إلا به، فلو كان الناظر عالما بالمدلول لم يوجبوا عليه النظر، فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول، فيكون الناظر طالبا للعلم، فيلزم أن يكون شاكا فصاروا يوجبون على كل مسلم أنه لا يتم إيمانه حتى يحصل له الشك في الله ورسوله بعد بلوغه سواء أوجبوه أو قالوا هو من لوازم الواجب" (١)، ولا شك أن هذا الذي التزموه قول باطل مخالف لما يجب أن يكون عليه المؤمن من اليقين والإيمان.
ب- ويربط شيخ الإسلام مسألة وجوب النظر بمسألة أخرى كثر فيها الخلاف وهي مسألة النظر هل هو من فروض الأعيان أو الكفايات، يقول شيخ الاسلام عن أبي الحسن الأشعري: " وقد تنازع أصحابه وغيرهم في النظر في قواعد الدين: هل هو من فروض الأعيان، أو من فروض الكفايات؟. والذين لا يجعلونه فرضا على الأعيان: منهم من يقول: الواجب هو الاعتقاد الجازم.
ومنهم من يقول: بل الواجب العلم، وهو يحصل بدونه [أي بدون النظر] كما ذكر ذلك غير واحد من النظار من أصحاب الأشعري وغيرهم كالرازي والآمدي وغيرهما.
والذين يجعلونه فرضا على الأعيان متنازعون: هل يصح الايمان بدونه، وتاركه آثم، أم لا يصح؟ على قولين. والذين جعلوه شرطا في الايمان أو أوجبوه ولم يجعلوه شرطا اكتفوا بالنظر الجملي دون القدرة على العبارة والبيان، ولم يوجب العبارة والبيان إلا شذوذ من أهل الكلام، ولا ريب أن المؤمنين على
عهد رسول اللةﷺ- والصحابة والتابعين لم يكونوا يؤمرون بالنظر الذي
_________________
(١) درء التعارض (٧/٤٢٠-٤٢١) .
[ ٣ / ٩٤٤ ]
ذكره أهل الكلام المحدث" (١)، وقد صرح أبو المعالي الجويني بأن تكليف عامة الناس النظر الصحيح التام تكليف بما لا يطاق، ونص على أنه تراجع عن قوله السابق في ذلك (٢) .
وقد وقع الخلاف في مسألة وجوب النظر هل يجب على كل أحد أو لا يجب على أحد أو يجب على بعض الناس دون بعض، فمن حصلت له المعرفة لم يجب عليه، ومن لم تحصل له المعرفة والِإيمان إلا به وجب عليه والأخير قول الجمهور (٣) .
ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب أن العلم والايمان واجب بحسب الإمكان وبحسب أحوال الناس و" ترتيب الواجبات في الشرع واحدا بعد واحد ليس هو أمرا يستوي فيه جميع الناس، بل هم متنوعون في ذلك، فكما أنه قد يجب على هذا ما لا يجب على هذا، فكذلك قد يؤمر هذا ابتداء بما لا يؤمر به هذا، فكما أن الزكاة يؤمر بها بعض الناس دون بعض، وكلهم يؤمر بالصلاة فهم مختلفون فيما يؤمر به ابتداء من واجبات الصلاة، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أمر بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداء، ولا يكون أول ما يؤمر به هذا من أمور الصلاة هو أول ما يؤمر به هذا " (٤) .
وقد سبقت الإشارة- في بداية هذه الفقرة- إلى ذكر الخلاف في حصول المعرفة، هل تحصل ضرورة أو بالنظر، وهل تحصل بالعقل أو بالسمع. وجمهور المسلمين أنها تحصل بهذا تارة وبهذا تارة، وأدلة السمع ليست مجرد الخبر بل هي متضمنة للأدلة العقلية.
وبهذا العرض المتنوع لهذه القضايا يتبين أن زعم هؤلاء بأن أول واجب هو النظر وأنه لا طريق إلى المعرفة إلا به قول يخالفهم فيه جماهير المسلمين،
_________________
(١) درء التعارض (٧/٤٠٨) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٧/٤٤٠) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٧/٤٠٥) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (٦/١٨-١٧)، وانظر أيضا: (٧/٤٢٦-٤٢٧) .
[ ٣ / ٩٤٥ ]
وجماهير النظار، كان يخالفهم فيه كثر من أصحابهم الأشاعرة وغاية قولهم- إن كان صحيحا- أن يكون وصف سلوك لطائفة معينة، أما أن يكون ذلك وصفا لجميع بني آم وأنه لا يحصل لهم العلم إلا بهذه الطرق التى يذكرونها- كما فعله كثير من المتصوفة والفلاسفة وغيرهم- فهو قول باطل لا دليل عليه (١) .
ثانيا: التوحيد عند الأشاعرة وحقيقة التوحيد الدي دعت إليه الرسل:
وهذا من أهم الأبواب التي غلط فيها أهل الكلام- وفيهم الأشاعرة- وصار كلامهم فيه مشتملا على قليل من الحق وكثير من الباطل، ولاشك أن أسس الإسلام وقاعدته توحيد الله وحده لا شريك له.
والتوحيد والواحد والأحد عند الأشاعرة يشمل ثلاثة أمور:
١- أن الله واحد في ذاته لا قسيم له.
٢- وأنه واحد في صفاته لا شبيه له.
٣- وأنه واحد في أفعاله لا شريك له (٢) .
وأشهرها عندهم وأقواها دلالة على التوحيد النوع الثالث، وبه يفسرون معنى "لا إله إلا الله". والألوهية- عندهم- هي القدرة على الاختراع والخلق، فمعنى لا إله إلا الله لا خالق الا الله (٣) .
ولما في هذا الكلام من القصور والتحريف والباطل فقد رد علهم شيخ الإسلام طويلا، وذلك من خلال بيان ما يلي:
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/١٧-٢١) .
(٢) انظر في ذلك من كتب الأشاعرة: مجرد مقالات الأشعري لابن فورك (ص: ٥٥)، ورسالة الحرة للباقلافي- المطبوعة كاسم الإنصاف- (ص: ٣٣-٣٤)، والاعتقاد للبيهقي (ص: ٦٣)، وشرح أسماء الله الحسنى للقشيري (ص: ٢١٥)، والشامل (ص: ٣٤٥-٣٤٨) " والإرشاد (ص: ٥٢)، ولمع الأدلة (ص: ٨٦)، وإحياء علوم الدين (١/٣٣)، والاقتصاد في الاعتقاد (ص: ٤٩)، ونهاية الأقدام (ص: ٩٠) وغيرها.
(٣) انظر: أصول الدين للبغدادى (ص: ١٢٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/١٠٠)، ومجرد مقالات الأشعري (ص: ٤٧) .
[ ٣ / ٩٤٦ ]
١- ما في هذا الكلام من الحق والباطل، وشرح مقصودهم بعباراتهم تلك التى عرفوا بها التوحيد.
٢- أن هذا القول أخذوه عمن سبقهم من الجهمية والمعتزلة وغيرهم.
٣- الرد عليهم ومناقشتهم.
٤- بيان حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل.
أ- ما في كلامهم من الحق والباطل، وبيان مقصودهم بذلك:
فسر الأشاعرة معنى التوحيد والواحد بهذه الأصول الثلاثة، وقد بين شيخ الإسلام ما في قولهم من الحق والباطل؟ كما يلي:
١- قولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له:
ويفسرونه بأن معناه أنه لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد ولا يتركب، وهذا الكلام مجمل، فإن قصد به أن الله تعالى أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد، وأنه يمتنع أن يتفرق أو يتجزأ أو يكون قد ركب من أجزاء فهذا حق، لكن إن قصد به نفي علوه ومباينته لخلقه، وأنه لا يشار إليه ولا ينزل كما يشاء فهذا باطل (١)، فأي الأمرين يقصد هؤلاء، يقول شيخ الإسلام عنهم: "ليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين، ونحو ذلك مما يقول نحوا منه النصارى والمشركون، فإن هذا مما لا ينازعهم فيه المسملمون، وهو حق لا ريب فيه، وكذلك كان علماء السلف ينفون التبعيض عن الله بهذا المعنى، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد ولا يرى منه شيء دون شيء، ولا يدرك منه شيء دون شيء، بحيث إنه ليس له في نفس حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، أو يرى عباده منها شيئا دون شيء، بحيث إذا تجلى لعباده يريهم من نفسه
_________________
(١) انظر: التدمرية (ص: ١٨٤-١٨٥)، ت السعوي. وانظر: تفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى (١٧/٤٤٩-٤٥٠) .
[ ٣ / ٩٤٧ ]
المقدسة ما شاء، فإن ذلك غير ممكن عندهم، ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه بحجاب منفصل عنهم يمنع أبصارهم عن رؤيته، فإن الحجاب لا يحجب إلا ما هو جسم منقسم، ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون، ولا أن يكون على وجهه حجاب أصلا، ولا أن يكون بحيث يلقاه العبد أو يصل إليه أو يدنو منه أو يقرب إليه في الحقيقة، فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم، ويسمون ذلك نفي التجسيم، إذ كل ما ثبت له ذلك كان جسما منقسما مركبا، والبارئ منزه عندهم عن هذه المعاني " (١)، وجماع المعاني التى قصدوها بقولهم هذا أنه تعالى عن قولهم ليس قائما بنفسه، ولا بائنا من خلقه ولا على العرش استوى، وأنه لا يشار إليه في جهة العلو.
وهذا ما يعبرون عنه بنفي الجسمية، والتحيز، والجهة، والرازي صرح بأن كل متحيز فهو منقسم، وكل منقسم فهو ليس بأحد (٢)، وهكذا صار حقيقة التوحيد والواحد والأحد عند هؤلاء نفى صفات الله الخبرية، ونفى علوه على عرشه.
٢- أما قولهم في تفسير التوحيد بأن معناهـ أيضا- أنه واحد في صفاته لا شبيه له، فيرى شيخ الإسلام أن هذه الكلمة أقرب إلى الإسلام، لكنهم أجملوها، حيث جعلوا نفى الصفات-كما فعلت المعتزلة- أو بعضها-كما فعلت الأشعرية داخلا في مسمى التشبيه، وهذا من بدع أهل الكلام، إذ لم يرد في كتاب الله ولا سنة رسولهـ ﷺ- ولا أقوال السلف أن يجعل نفي الصفات أو بعضها من التوحيد (٣)، مع أن أهل الكلام مضطربون في هذا، لأن كل طائفة تجعل ما تنفيه من الأسماء أو الصفات من التشبيه الذي يجب تنزيه الله عنه، فالأشاعرة أدخلوا في مسمى التوحيد هذا نفي كثير من الصفات- أي ما عدا الصفات السبع التى لم يثبت غيرها متأخروهم- والمعتزلة أدرجوا في ذلك نفي جميع
_________________
(١) التسعينية (ص: ٢٠٣-٢٠٤)، وانظر نقض التأسيس- المطبوع- (١/٤٧٤-٤٧٥) .
(٢) انظر: أساس التقديس للرازس (ص: ١٧) - ط الحلبي.
(٣) انظر: التسعينية (ص: ٢٠٤) .
[ ٣ / ٩٤٨ ]
الصفات، والجهمية نفوا الأسماء والصفات جميعا، وزاد الغلاة من القرامطة والباطنية فقالوا لا يوصف بالنفي والإثبات، لأن القول بأحدهما يقتضي تشبيها، وهكذا (١) .
٣- أما الثالث فقولهم: إن من معاني التوحيد أنه تعالى: واحد في أفعاله لا شريك له، وأن الله رب كل شيء وخالقه، ويقول شيخ الإسلام عن هذا المعنى:
"وهذا معنى صحيح، وهو حق، وهو أجود ما اعتصموا به من الإسلام في أصولهم، حيث اعترفوا فيها بأن الله خالق كل شيء ومربيه ومدبره" (٢)، والخطأ الذي وقع فيه الأشاعرة هنا هو أنهم فهموا أن هذا هو التوحيد الذى دعت إليه الرسل، وأنه المقصود بشهادة أن لا إله إلا الله، ومن المعلوم أن هذا التوحيد قد أقر به المشركون، ولم ينكره أحد من بني آدم " ولكن غاية ما يقال: إن المعتزلة وغيرهم جعلوا بعض الموجودات خلقا لغير الله، كأفعال العباد، ولكنهم يقرون بأن اللَة خالق العباد وخالق قدرتهم وإن قالوا: إنهم خالقو أفعالهم" (٣) .
هذه معاني التوحيد عند الأشاعرة، ومما سبق يتبين ما في ظاهر العبارات من الحق، وما قصدوه من الباطل، مع ما وقعوا فيه من التقصير.
ب- اتباعهم لمن سبقهم من الجهمية والمعتزلة في تعريف التوحيد:
وهذا من منهج شيخ الإسلام العام في ردوده على الأشاعرة، حيث إنه كثيرا ما يرجع أقوال هؤلاء إلى أصولها الفلسفية والاعتزالية، ولذلك فهو هنا حين رد على الرازى الذي نفى الصفات بناء على أن الله أحد، واحد، أرجع أقواله إلى أقوال المعتزلة فقال: "هذا الاستدلال هو معروف قديما من استدلال الجهمية النافية، فإنهم يزعمون أن إثبات الصفات ينافي التوحيد ويزعمون أنهم هم الموحدون، فإن من أثبت الصفات فهو مشبه ليس بموحد، وأنه يثبت تعدد
_________________
(١) انظر: التدمرية (ص: ١٨٢-١٨٣) - ت العسوى.
(٢) التسعينية (ص:٢٠٧) .
(٣) انظر: التدمرية (ص: ١٨٠-١٨١)، والتسعينية (ص: ٢٠٧) .
[ ٣ / ٩٤٩ ]
القدماء، ولا يجعل القديم واحدا، فالجهمية من المتفلسفة والمعتزلة وغيرهم يبنون على هذا، وقد يسمون أنفسهم الموحدين، ويجعلون نفي الصفات داخلا في مسمى التوحيد (١)، ثم ذكر شيخ الاسلام أن أئمة السلف كالإمام أحمد وغيره ردوا على هؤلاء، وبينوا ما في أقوالهم من التلبيس والباطل، يقول الإمام أحمد﵀-: "فقالت الجهمية لنا لما وصفنا هذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته؟ قلنا: لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولا نقول ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته، ونوره، لا متى قدر، ولا كيف قدر. فقالوا: لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء، قلنا نحن نقول: قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا: ان الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته، وضربنا لهم مثلا في ذلك قولنا: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار، واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها؟ فكذلك اللهـ وله المثل الأعلى- بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق قدرته، والذى ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم، والذى لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول: لم يزل الله عالما قادرا مالكا، لا متى ولا كيف.
قال: وسمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال:" ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا " [المدثر: ١١]، وقد كان الذى سماه وحيدا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، وقد سماه وحيدا بجميع صفاته وكذلك اللهـ وله المثل الأعلى- بجميع صفاته واحدا (٢) .
فهؤلاء الذين واجههم الإمام أحمد﵀- هم شيوخ لمن جاء بعدهم، من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة الذين-يزعمون أن الواحد هو الذي
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس- المطبوع- (١/٤٦٣) .
(٢) نقض التأسيس- المطبوع- (١/٤٦٣-٤٦٤)، وكلام الإمام أحمد في الرد على الزنادقة والجهمية (ص: ٩١-٩٢) - ضمن عقائد السلف.
[ ٣ / ٩٥٠ ]
لا صفة له ولا قدرة، وابن سينا الفيلسوف يعبر عن ذلك بقوله " إن واجب الوجود واحد من كل وجه، ليس فيه أجزاء حد ولا أجزاء كم، أو يقال: ليس فيه كثرة حد ولا كثرة كم، ويقال ليس فيه تركيب المحدود من الجنس والفصل، ولا تركيب الأجسام، ومقصود هذه العبارات أنه ليس لله صفة ولا له قدرة" (١)، والمعتزلة يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وجعلوا التوحيد أحد أصولهم الخمسة، ويبنون ذلك على أن القديم ليس معه في القدم غيره، فلو كان له صفات، للزم تعدد القدماء مع الله تعالى. فجعلوا حقيقة التوحيد نفي الصفات (٢) .
فلما جاءت الأشعرية تلقفوا هذا الأصل عن هؤلاء، وجعلوا من مقتضيات التوحيد نفي ما ينفونه من الصفات كالعلو والاستواء، والوجه واليدين وغيرها.
وكل طائفة تجعل ما تنفيه من الصفات من مقتضيات التوحيد، وهذا اضطراب وتناقض ظاهر.
ب- الرد على الأشاعرة في قولهم في مسمى التوحيد:
وقد جاءت ردود شيخ الإسلام عليهم في ذلك كما يلي:
١- بيان ما في أقوالهم من الحق والباطل- وقد تقدم بيان ذلك قريبا-.
٢- أن هؤلاء الأشاعرة اتبعوا المعتزلة والجهمية في ذلك، مع أن شيخهم ابن كلاب ينكر قول من يقول: إن الواحد لا صفة له، فإنه قال بعد بيانه:
أن الله بائن من خلقه، ليس داخلا في خلقه، ولا خلقه داخلون فيه: "فإن قالوا: فيعتقبه الطول والعرض؟ قيل لهم: هذا محال، لأنه واحد لا كالآحاد، عظيم لا تقاس عظمته بالخلوقات، كما أنه كبير عليم، لا كالعلماء، كذلك هو واحد عظيم لا كآحاد العظماء، فإن قلت: العظيم لا يكون إلا متحيزا؟ قيل لك:
_________________
(١) نقض التأسيس- المطبوع- (١/٤٦٥) .
(٢) انظر: المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة.
[ ٣ / ٩٥١ ]
والعليم لا يكون إلا متحيزا، وكذلك السميع والبصير، لأنك تقيس على المخلوقات " (١)، يقول شيخ الإسلام معقبا: " وكان كثير من متكلمة الصفاتية من أصحاب الأشعري ونحوهم فسروا الواحد، والتوحيد، بنحو تفسير المعتزلة وغيرهم من الجهمية، ولم يفسروه بما ذكره ابن كلاب ولا بغير ذلك " (٢) .
ولاشك أن أئمة الأشاعرة المتقدمين كالأشعري وغيره يثبتون لله صفات العلو والاستواء والصفات الخبرية، ولا تقتضي عندهم تشبيها، كما أن إثباتها لا يعارض
ما يقولون به من التوحيد لله تعالى.
٣- أن قولهم: إن الواحد هو الذي لا ينقسم ولا يتجزأ وليس بجسم، ليس معروفا في لغة العرب، بل المعروف في لغة العرب أنهم يطلقون على كثير من المخلوقات أنه واحد وهو جسم، بل "لا يوجد في لغة العرب، بل ولا غيرهم من الأمم استعمال الواحد، الأحد، الوحيد إلا فيما يسمونه هم جسما ومنقسما كقوله تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) [المدثر: ١١]، وقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) [النساء: ١١]، وقوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ) - إلى قولهـ (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) [الكهف: ٣٢-٣٧]، وقوله: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) [البقرة: ٢٦٦]، وقوله تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: ٤٩] والعرب وغيرهم من الأمم يقولون: رجل ورجلان اثنان، وثلالة رجال، وفرس واحد وجمل واحد، ودرهم واحد، وثوب واحد فلفظ الواحد وما يتصرف منه في لغة العرب وغيرهم من الأمم لا يطلق إلا على ما يسمونه هم جسما منقسما لأن ما لا يسمونه هم جسما منقسما ليس هو شيئا يعقله الناس، ولايعلمون وجوده حتى يعبروا عنه" (٣)، وفي موضع آخر يذكر شيخ الإسلام نصوصا عديدة من الكتاب والسنة، ويعلق عليها. فيقول
_________________
(١) نقلا عن نقض التأسيس- المطبوع- (١/٤٦٨) .
(٢) المصدر السابق (١/٤٦٧-٤٦٩) .
(٣) درء التعارض (٧/١١٤-١١٦) .
[ ٣ / ٩٥٢ ]
في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) [النساء: ١]: " ومعلوم أن النفس الواحدة التي خلق منها زوجها هو آدم، وحواء خلقت من ضلع آدم القصيراء، من جسده خلقت، لم تخلق من روحه، حتى يقول القائل الوحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها. وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام، وقد سماها الله نفسا واحدة، علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة " (١) . ويقول معلقا على استدلال الإمام أحمد- وقد سبق نقله قريبا-: " وأبلغ من ذلك ما ذكره الامام أحمد وغيره من قوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا" [المدثر: ١١]، فإن الوحيد مبالغة في الواحد، فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام " (٢)، ثم يذكر بعد ذكر نصوص القرآن نصوصا عديدة من السنة، منها أحاديث الصلاة في الثوب الواحد، مثل ما ورد في الصحيح أن النبيﷺ- سئل: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: أو لكلكم ثوبان؟ " (٣)، وحديث نهي أن يصلي الرجل فِى الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء (٤)، وحديث أن النبي -ﷺ- كان يصلي في ثوب واحد (٥)، وحديث مرور النبيﷺ- بقبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة " (٦) وغيرها من الأحاديث كثير (٧)،
_________________
(١) نقض التأسيس- المطبوع- (١/٤٨٨) .
(٢) المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة.
(٣) المصدر السابق (١/٤٨٩)، والحديث رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد، ورقمه ٣٥٨ (الفتح ١/٤٧٠) .
(٤) رواه البخارى، كتاب الصلاة، باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه ورقمه ٣٥٩ (الفتح ١/٤٧١) .
(٥) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد وأرقامه ٣٥٤-٣٥٧ (الفتح (١/٤٦٨-٤٦٩) .
(٦) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب النميمة من الكبائر، ورقمه ٦٠٥٥ (الفتح ١٠/٤٧٢) .
(٧) انظر: نقض التأسيس- المطبوع- (١/٤٨٩-٤٩٢) .
[ ٣ / ٩٥٣ ]
وهي تدل على استخدام لفظ الواحد فيما هو جسم خلافا لما يزعمه هؤلاء.
وإذا كان الأمر كذلك من أن الغالب في اللغة أن اسم الواحد يتناول ما ليس هو الواحد في اصطلاحهم " لم يجز أن يحتج بقوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [البقرة: ١٦٣] وقوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١]، ونحو ذلك مما أنزله الله بلغة العرب، وأخبرنا فيه أنه واحد، وأنه إله واحد- على أن المراد ما سموه هم في اصطلاحهم واحدا مما ليس معروفا في لغة العرب، بل إذا قال القائل: دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر، كان قد قال الحق، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان قديما بنفسه، متصفا بالصفات، مباينا لغيره، مشارا إليه. وما لم يكن مشارا إليه أصلا، ولا مباينا لغيره، ولا مداخلا له، فالعرب لا تسميه واحدا ولا أحدا، بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دل على نقيض مطلوبهم منه، لا على مطلوبهم " (١) .
وشيخ الاسلام بهذه الأدلة الكثيرة إنما يقرر قاعدة من القواعد المهمة في باب الصفات وغيرها، وهي أن تفسير النصوص- في الصفات وغيرها- إنما يرجع فيه إلى لغة الذين خوطبوا به أول مرة، وماذا فهموا من النصوص، أما أن تنشأ مصطلحات جديدة وتحمل النصوص عليها فهذا مخالف لما هو متواتر من أن القرآن هدى للناس وفيه البيان التام. وهذه من المسائل الكبرى في الخلاف بين مذهب السلف وغيرهم من أهل البدع، لأنه إذا وقع خلاف حول نص من النصوص، فقال قائل: هذا يدل على إثبات الصفات لله، وقال الآخر: لا يدل، فمن الذي يفصل في المسألة، ويبين الحق فيها، وكل يدعى أن الحق معه؟ أهل البدع من النفاة يرجعون في ذلك إلى عقولهم، أو إلى أقوال شيوخهم، أو إلى شواذ اللغة، أو إلى مصطلحات أهل الفلسفة التى تلقوها عن غير المسلمين.
أما السلف فيرجعون إلى النصوص الأخرى من الكتاب والسنة التى تبين هذا النص وتوضحه، ويرجعوق إلى لغة العرب وفهم الصحابة والسلف من خير القرون،
_________________
(١) درء التعارض (٧/١١٧) .
[ ٣ / ٩٥٤ ]
وما قالوه في بيان معنى هذا النص، ولذلك يقول شيخ الاسلام- في معرض رده على الرازي حول استدلاله بالواحد والأحد على نفي الصفات-: "إن الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، وقد نزل بلغة قريش كما قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ" [ابراهيم: ٤] وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء: ١٩٥] فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام واصطلاح خاص- بل ولا يحمله إلا على معاني عنوها بها، إما [أخص] من المعنى اللغوي أو أعم، أو مغايرا له، لم يكن له أن يضع القرآن على ما وضعه هو، بل يضع القرآن على مواضعه التي بينها الله لمن خاطبه بالقرآن بلغته، ومتى فعل غير ذلك كان ذلك تحريفا للكلام عن مواضعه، ومن المعلوم أنه ما من طائفة إلا وقد تصطلح على ألفاظ يتخاطبون بها، كما أن من المتكلمين من يقول: الأحد هو الذي لا ينقسم، وكل جسم منقسم، ويقول: الجسم هو مطلق المتحيز القابل للقسمة، حتى يدخل في ذلك الهواء وغيره، لكن ليس له أن يحمل كلام الله وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبىﷺ- يخاطب بها أمته، وهى لغة العرب عموما ولغة قريش خصوصا "، ثم يطق هذا على المثال المطروح فيقول: " ومن المعلوم المتواتر في اللغة، الشائع بين الخاص والعام أنهم يقولون: درهم واحد، ودينار واحد، ورجل واحد، وامرأة واحدة، وشجرة واحدة، وقرية واحدة، وثوب واحد، وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائر ألفاظ العدد، فيقولون: رجل واحد، ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وأربعة رجال. وهذا من أظهر اللغة وأشهرها وأعرفها، فكيف يجوز أن يقال: إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام، وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟! (١) .
فهذه الاصطلاحات الحادثة، التي يحدثها الناس أو أرباب العلوم المختلفة في كل عصر، هى اصطلاحات لهم- ولا مشاحة في أن يتفق أهل فن أو علم على اصطلاح معين يتعارفون عليهـ ولكن الخطأ أن يجعل هذا المصطلح الحادث
_________________
(١) نقض التأسيس - المطبوع- (١/٤٩٢-٤٩٣) .
[ ٣ / ٩٥٥ ]
هو المرجع في تفسير النصوص التي نزلت وتلاها الناس وفسروها وفهموها في زمن سابق قبل أن تنشأ تلك المصطلحات الحادثة، فكيف إذا كانت هذه المصطلحات تصادم المعنى الحق الذي دلت عليه النصوص، وقد أورد شيخ الإسلام اعتراضا حول موضوع الواحد مضمونه: أنه قد يقال: إنه يجوز أن يستعمل لفظ الواحد فيما قصده المتكلمون عن طريق المجاز أو المشترك اللفظي أو غيره وقد أجاب بقوله: " هب أنه يجوز لمن بعدهم أن يستعمل ذلك، لكن نحن نعلم أنهم [أي العرب الذين نزل بلغتهم القرآن] لم يستعملوه في ذلك، لأنهم لم يكونوا يثبتون هذا المعنى " (١)، ثم يحسم شيخ الإسلام بيان انتفاء دلالة النص على ما ادعاه هؤلاء في مسمى التوحيد من وجوه عشرة مهمة (٢) قال في آخرها: " فتبين أن لفظ التوحيد والواحد والأحد في وضعهم واصطلاحهم غير التوحيد والواحد والأحد في القرآن والسنة والإجماع وفي اللغة التي جاء بها القرآن، وحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بما جاء في كلام الله ورسله وفي لفظ التوحيد على ما يدعونه هم، لأن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون، بعد انقراض عصره وعصر الذين خاطبهم بلغته وعادته " (٣) . وهذا ينطبق على مسألة الواحد والتوحيد وعلى غيرها مما جاء به القرآن الكريم مما يتعلق بأسماء الله وصفاته.
٤- أن لفظ "الأحد لم يجىء اسما في الإثبات إلا لله تعالى، أما في حق غيره فلم يستعمل إلا مع الاضافة، أو في غير الموجب، كالنفي والشرط والاستفهام، فاستعماله في الإثبات لله كقوله تعالى: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ"
[الإخلاص: ١]، أما استخدامه في حق غير الله مضافا فكقوله تعالى: "قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا" [يوسف: ٣٦]، وفي النفي كقوله: "وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا" [الكهف: ٤٩]، والشرط كقوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ" التوبة: ٦]، والاستفهام كما تقدم قريبا في حديث: أيصلي الرجل
_________________
(١) درء التعارض (٧/١١٩) .
(٢) انظرها في درء التعارض (٧/١٢٠-١٢٢) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٧/١٢٢-٢٢٣) .
[ ٣ / ٩٥٦ ]
في الثوب الواحد؟، ويقال: هل عندك أحد؟. ونكتة الرد هنا أن لفظ الأحد لم يستعمل فيما ادعاه هؤلاء لا في النفي ولا في الإثبات، ولو فرض أن معناهـ ما ليس بجسم كما يزعم هؤلاء- لوقع تناقض عظيم؛ فإنه يقال: إذا كان في الاثبات معناه إن الله أحد أي ليس بجسم، فهل يكون في النفى كذلك؟ هل يقال: إن معنى قوله تعالى: "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ" [الإخلاص: ٤] لم يكن ما ليس بجسم كفوا له، ومعنى قوله تعالى: "وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا" [الكهف: ٢٦]: لا يشرك في حكمه ما ليس بجسم، ومعنى قوله:
"لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ" [الجن: ٢٢] أى لن يجيرني من الله ما ليس بجسم؟ هل يكوَن مفهوم هذه النصوص أنه قد يكون ما هو جسما كفوا له، وقد يشرك في حكمه ما هو جسم وهكذا؟. هل يقول هذا عاقل، وهل يمكن أن تكون النصوص قد جاءت بمثل هذا التناقض والباطل (١) .
٥- أن قولهم باطل من جهة العقل أيضا، يقول شيخ الإسلام: " أما العقل فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة: إنه أمر لا يعقل، ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن، ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر، ولا يتميز منه شيء عن شيء، بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولا يحاط به وإن عاه المسمي جسما، وأيضا فإن التوحيد إثبات لشيء واحد، فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها، ويتميز بها عما سواه، حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية، ومجرد عدم المثل إذا لم يفد ثبوت أمر وجودي كان صفة للعدم، فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحدا" (٢)، فهؤلاء ظنوا أن ما يتصورونه في أذهانهم موجود في الخارج، وهذا من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها أهل الكلام والتصوف والفلسفة ونبه
_________________
(١) انظر: تفسر سورة الإخلاص، مجموع الفتاوى (١٧/٢٣٥)، ودرء التعارض (٧/١٢١)، ونقض التأسيس- المطبوع- (١/٤٩٣-٤٩٤) .
(٢) نقض التأسيس- المطبوع- (١/٤٨٣) .
[ ٣ / ٩٥٧ ]
شيخ الإسلام عليها كثيرا، مثل قول غلاة الصوفية إن الوجود واحد، وإن وجود الله هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، ومثل قول الفلاسفة بالجواهر والمجردات العقلية، حيث يزعمون أن الحقائق الموجودة في الخارج كالإنسان والفرس مكونة من المادة الكلية والصورة الجوهرية، ويزعمون أنهما جوهران عقليان، وهذا كله في الذهن، لأن الموجود لا يوجد الا معينا، فيقال وجود الواجب وهو الله ووجود الممكن كفلان وفلان، وكذلك هذه العقليات المجردة إنما تتصور
في الأذهان، أما في الحقيقة والواقع فليس الا الموجودات بأعيانها (١) .
٦- كما أن قول هؤلاء معارض للشرع، يقود شيخ الإسلام في بيان بطلان قولهم لغة وعقلا وشرعا: "وأما الشرع فنقول: مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم تعرف مسميات تلك الأسماء، حتى يعطوها حقها، ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة ولا عن صاحب ولا أئمة المسلمين" (٢) . وبعد أن ينقل شيخ الإسلام نصا للدارمي في نقضه على المريسي يقول: "هذا النفي الذي يذكره النفاة ويفسرون به اسم الله (الواحد) وغير ذلك هو عند أهل السنة والجماعة مستلزم العدم، مناف لما وصف به نفسه في كتابه من أنه الأحد، الصمد، وأنه العلي، العظيم، وأنه الكبير المتعال، وأنه استوى على العرش، وأنه يصعد اليه، ويوقف عليه، وأنه يرى في الآخرة كما ترى الشمس والقمر، وأنه يكلم عباده، وأنه السميع البصير، (٣)، فمصادمة قولهم لهذه النصوص الشرعية الكثيرة- مع أنه أيضا لا يقوم على دليل صحيح- دليل على فساد قولهم.
٧- تأصيل القول في مسألة الفرق بين التشبيه والتمثيل ومدلولهما عند الإطلاق، يقول شيخ الإسلام: "وقف تنازع الناس هل لفظ" "الشبه" و"المثل"
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/١٢٤-١٢٧) .
(٢) نقض التأسيس- المطبوع- (١/٤٨٤) .
(٣) المصدر السابق (١/٤٨٧) .
[ ٣ / ٩٥٨ ]
بمعنى واحد أو معنيين، على قولين:
أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ المثل مطلقا ومقيدا يدل عليه لفظ الشبه، وهذا قول طائفة من النظار.
والئافي: أن معناهما مختلف عند الاطلاق لغة وشرعا وعقلا، وإن كان مع التقييد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر وهذا قول أكثر الناس.
وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية [وهي (١)]: أنه هل يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه؟ وللناس في ذلك قولان، فمن منع أن يشبه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد، ومن قال: إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه، فرق بينهما عند الإطلاق " (٢)، وقد رجح شيخ الإسلام الثاني بقوله: " وهذا قول جمهور الناس؛ فإن العقل يعلم أن الأعراض مثل الألوان، تشتبه في كونها ألوانا مع أن السواد ليس مثل البياض، وكذلك الأجسام والجواهر عند جمهور العقلاء تشتبه في مسمى الجسم والجوهر، وإن كانت حقائقها ليست متماثلة، فليست حقيقة الماء مماثلة لحقيقة التراب، ولا حقيقة النبات مماثلة لحقيقة الحيوان، ولا حقيقة النار ممائلة لحقيقة الماء، وإن اشتركا في أن كلا منهما جوهر وجسم وقائم بنفسه، وأيضا فمعلوم في اللغة أنه يقال: هذا يشبه هذا، وفيه شبه من هذا، إذا أشبهه من بعض الوجوه وإن كان مخالفا له في الحقيقة. قال الله تعالى: "وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا" [البفرة: ٢٥]، وقوله: "مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ" [آل عمران: ٧]، "وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا
اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ " [البقرة: ١١٨] فوصف القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل؛ فإن القلوب
_________________
(١) في مطبوعة الجواب الصحيح وهو، ولعل الصواب ما أثبته.
(٢) الجواب الصحيح (٢/٢٣٣) - ط المدني.
[ ٣ / ٩٥٩ ]
وإن اشتركت في هذا القول فهي مختلفة لا متماثلة، وقال النبيﷺ- " الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس " (١)، فدل على أنه يعلمها بعض الناس، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة، بل بعضها حرام، وبعضها حلال " (٢) . وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام من أن هناك فرقا بين التشبيه والتمثيل، وأنه يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه كثيرا ما يقرره في كتبه، ويذكر له بعض الأدلة (٣)، ويذكر أن لفظ التماثل أخص من لفظ التشابه وذلك في معرض رده على الرازي حول تعريف المتشابه (٤)، ويرى أن سبب اضطراب أهل الكلام في مسألة الصفات ما يثبت منها وما ينفي، مرجعه إلى أنهم جعلوا مسمى التشبيه والتمثيل واحدا (٥) .
٨- أن التشبيه على قول بعض المتكلمين: إن التشبيه هو التمثيل، ثم تعريفهم للمتماثلين بأنهما: " ماسد أحدهما مسد صاحبه، وقام مقامه، وناب منابه" (٦)، وقد يفسرونه بأنه " يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له" (٧)، التشبيه بهذا المعنى لا يقول به عاقل، لأنه يعلم بضرورة العقل امتناعه (٨)، ولأن " كل موجودين فلابد أن يكون بينهما نوع مشابهة، ولو من بعض الوجوه البعيدة، ورفع ذلك من كل وجه رفع للوجود " (٩) . وفي موضع آخر يعلل شيخ الإسلام الفرق بقوله:
_________________
(١) متفق عليه، البخارى: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ورقمه ٥٢ (الفتح ١/١٢٦)، وفي البيوع، باب الحلال بين والحرام بين ورقمه ٢٠٥١ (الفتح ٤/٢٩٠) . ومسلم كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ورقمه ١٥٩٩.
(٢) الجواب الصحيح (٢/٢٣٣-٢٣٤) .
(٣) انظر: الرسالة الاكملية- مجمرع الفتاوى- (٦/١١٣) .
(٤) انظر: نقض التأسيس- مخطوط- (١/٢٦١) .
(٥) انظر: درء التعارض (٥/١٨٨) .
(٦) نقض التأسيس- مطبوع- (١/٤٧٦) .
(٧) التدمرية (ص: ١١٦) - ت السعوي.
(٨) انظر: المصدر السابق (ص: ١١٧) .
(٩) نقض التأسيس- مخطوط- ٢/٨٢) .
[ ٣ / ٩٦٠ ]
"التشابه الذى هو التماثل لا يكون بالموافقة في بعض الصفات، بل الموافقة في جميع الصفات الذاتية التي يقوم بها أحدهما مقام الآخر، وأما التشابه في اللغة فإنه قد يقال بدون التماثل في شيء من الحقيقة، كما يقال للصورة المرسومة في الحائط: إنها تشبه الحيوان، ويقال: هذا يشبه هذا في كذا وكذا، وإن كانت الحقيقتان
مختلفتين، ولهذا كان أئمة أهل السنة ومحققو أهل الكلام يمنعون من أن يقال: لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه؛ فإن مقتضى هذا كونه معدوما" (١)، "وهذا
معلوم بالفطرة البديهية التي لا يتنازع فها العقلاء الذين يفهمونها" (٢) .
ومع تقرير شيخ الاسلام لهذه المسألة، إلا أنه ييين أن المتكلمين الذين يصرحون بنفي التشبيه مطلقا طائفتان:
طائفة: يطلقون القول بنفي التشبيه، ويقصدون أن الله لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوهـ وهذا الذى صرح به النفاة من الجهمية- فهؤلاء يقتضي قولهم أن يكون معدوما لأنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز.
وطائفة أخرى: يطلقون القول بنفي التشبيه، ويقصدون به التمثيل، فهؤلاء متفقون على نفي التماثل بوجه من الوجوه، وهو قول صحيح قد دل عليه القرآن، والعقل أيضا، فالخلاف مع هؤلاء لفظي حيث سموا التمثيل تشبيها (٣) .
وعلى قول هاتين الطائفتين يكون لفظ "التشبيه" من الألفاظ المجملة، التي قد تحتمل أكثر من معنى، ومن ثم فقبل الإثبات والنفي لابد من الاستفصال عن المعنى الذى يقصده القائل.
ولكن "لفظ "الشبه" فيه إجمال وإبهام، فما من شيئين إلا وهما متفقان في أمر من الأمور، ولو في كونهما موجودين، وذلك الذي اتفقا فيه لا يمكن نفيه إلا بنفي كل منهما، فإذا قيل: هذا لا يوافق هذا بوجه من الوجوه،
_________________
(١) نقض التأسيس- مطبوع- (١/٤٧٧) .
(٢) نقض التأسيس- مخطوط (٣/٢٥٥) وقد أحال في تفصيل القول في ذلك على بعض كتبه كالأجوبة المصرية، وجواب المسألة الصرخدية.
(٣) انظر: نقض التأسيس- مطبوع- (١/٤٧٧) .
[ ٣ / ٩٦١ ]
ولا يواطئه بوجه من الوجوه، كان هذا ممتنعا، وكذلك إذا أريد بقول القائل: "لا يشبهه بوجه من الوجوه، هذا المعنى، بخلاف ما إذا أراد المماثلة والمساواة والمكافأة، أو أراد ذلك بلفظ المشاركة والموافقة والمواطأة، فإنه سبحانه لا يماثله شيء بوجه من الوجوه، ولا شريك له بوجه من الوجوه" (١) . ويقول أيضا: "إن ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفي (٢) ذلك القدر المشترك ليس هو نفس (٢) التمثيل والتشبيه الذى قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذى قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله ﷾، إذ هو سبحانه " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" [الشورى: ١١]، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله" (٣)، وهذه المسألة مرتبطة بمسألة ما بين أسماء الله وصفاته وأسماء المخلوقين وصفاتهم من الاتفاق: هل هو من قبيل المشترك اللفظي أو المتواطئ؟ وهي مسألة اهتم بها شيخ الإسلام كثيرا. وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لها في المبحث التالي عند الكلام على الأسماء والصفات.
٩- أن القرآن الكريم ورد بنفي التمثيل وما في معناه كالند والشريك والكفو، أما التشبيه فلم يرد نفيه ولا ذمه في الكتاب والسنة، ويرى شيخ الإسلام أن السبب ما في لفظ التشبيه من الاجمال والاشتراك والابهام بخلاف لفظ التمثيل (٤)، ويشرح ذلك بشكل مفصل فيقول: "إن نفي التشبيه من كل وجه هو التعطيل والجحود لرب العالمين، كما عليه المسلمون متفقون، كما أن إثباته مطلقا هو جعل الأنداد لرب العالمين، لكن من الناس من لا يفهم هذا ولا يعتقد
أن لفظ التشبيه يدل على التمثيل المنفي عن الله، إذ لفظ التشبيه فيه عموم وخصوص ومن هنا ضل فيه أكثر الناس؛ إذ ليس له حد محدود. وما هو (٥) منتف بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء المقرين بالله، معلوم بضرورة العقل، ومنه ما هو ثابت بالاتفاق بين
_________________
(١) درء التعارض (٧/١٨٣) .
(٢) كذا في درء التعارض، ولحل الصواب (نفس) أو (نفي) في كليما.
(٣) درء التعارض (٧/٣٢٧) .
(٤) انظر نقض التأسيس- طبوع- (١/١٠٩) .
(٥) كذا في المخطوطة، ولعل صحة العبارة [منه ما هو] .
[ ٣ / ٩٦٢ ]
المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء [المقرين] (١) بالصانع، فلما كان لفظ التشبيه يقال على ما يجب انتفاؤه وعلى ما يجب إثباته لم يرد الكتاب والسنة به مطلقا، لا في نفي ولا إثبات، ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ المثل والكفو والند والسمى، و الله ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، فيجب أن ينفي عنه المثل مطلقا ومقيدا، وكذلك الند والكفو والشريك، ونحو ذلك من الأسماء التي جاء القرآن ينفيها، و من أدلة ذلك أن الله تعالى لما نفي المثل عن نفسه بقوله " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" [الشورى: ١١]، والسمى بقوله "هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" [مريم: ٦٥]، والند بقوله "فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا" [البقرة: ٢٢]، والكفو بقوله "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ" [الإخلاص: ٤]، والشريك والعديل والمساوى بقوله " سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" [يونس: ١٨]، "ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ" [الأنعام: ١]، "إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ" [الشعراء: ٩٧-٩٨]، فلا يخلو إما أن يكون النفي من ذلك مختصا بالمماثل من كل وجه، وهو المكافىء له من كل وجه فقط والمساوى والمعادل والمكافىء له من كل وجه، أو يكون النفي عاما في المماثل ولو من بعض الوجوه، والمكافىء ولو من بعض الوجوه، ولا يجوز أن يكون النفي مختصا بالقسم الأول لأن هذا لم يعتقده أحد من البشر، وهو سبحانه ذم ونهى عما هو موجود في البشر، ولأن النبيﷺ- قال له رجل ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده (٢)، فثبت أن هذه الأسماء المنفية تعم المثل والكفو والند والشريك والعديل،
_________________
(١) في المخطوطة [للتقرير]، ولعل الصواب ما أثبته.
(٢) رواه أحمد (١/٢١٤، ٢٨٣، ٢٤٧)، والبخاري في الأدب المفرد، ورقمه (٧٨٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٩/١١٧-١١٨) ورقمه (٦٧٤٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة، ورقمه (٩٨٧) [عن جابر وقد تفرد به عنه] ورقم (٩٨٨) - عن ابن عباس- وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (ص ٤١٤)، ورقمه (٣٤٥) - ت خلف- وابن عدي في الكامل (١/٤١٩)، في ترجمة الأجلح ابن عبد الله، وابن السني في عمل اليوم والليلة ورقمه (٦٧٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (١/٩٠)، والطبراني في الكبير (١٢/٢٤٤) ورقمه (١٣٠٠٦،١٣٠٠٥)، وأبو نعيم في الحلية (٤/٩٩)، =
[ ٣ / ٩٦٣ ]
ولو من بعض الوجوه، وهذا هو الحق؛ وذلك لأن المخلوقات وإن كان فيها شبه من بعض الوجوه في مثل معنى الوجود والحي والعليم والقدير، فليس (١) مماثلة بوجه من الوجوه ولا مكافئة، بل هو سبحانه له المثل الأعلى في كل ما يثبت له ولغيره، ولما ينفى عنه وعن غيره، لا يماثله غيره في إثبات شيء ولا في نفيه، بل المثبت له من الصفات الوجودية المختصة بالله، التي تعجز عقول البشر عن معرفتها، وألسنتهم عن صفتها ما لا يعلمه إلا الله مما لا نسبة إلى ما علموه من
الأمر المشتبه المشترك، إليه. والمنفي عنه لابد أن يستلزم وصفا ثبوتيا كما قررنا هذا في غير هذا الموضع (٢)، ومنافاته لذلك المنفي وبعده عنه، ومنافاة صفاته الوجودية، له فيه من الاختصاص الذي لا يشركه فيه أحد ما لا يعلمه أيضا إلا هو، بخلاف لفظ التشبيه، فإنه يقال على ما يشبه غيره ولو من بعض الوجوه
_________________
(١) = والخطيب في تاريخ بغداد (٨/١٠٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/٢١٧)، ورواه ابن ماجه بلفظ: إذا حلف أحدكم فلا يقل ورقمه (٢١١٧) كلهم رووه عن ابن عباس﵄-، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/١٥٠): "هذا اسناد فيه الأجلح بن عبد الله، مختلف فيه: ضعفه أحمد وأبو حاتم، والنسائي، وأبو داود، وابن سعد، ووثقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان، وباقي رجال الاسناد ثقات، انظر الكلام حول الأجلح في كتب الرجال، خاصة تهذيب المزي (٢/٢٧٥) - ت بشار، وتهذيب التهذيب (١/١٨٩)، والضعفاء الكبير للعقيلي (١٢٢/١)، والكامل لابن عدي (١/٤١٧) الذي قال (ص: ٤١٩): [وأجلح بن عبد الله له أحاديث صالحة غير ما ذكرته، يروى عنه الكوفيون وغيرهم، ولم أجد له شيئا منكرا مجاوزا الحد، لا إسنادا ولا متنا، وهو أرجو أن لا بأس به إلا أنه يعد في شيعة الكوفة، وهو عندى مستقيم الحديث صدوق، وقد نقل المزي كلام ابن عدي. والذي استقر عليه رأي المحققين من المتأخرين إنه صدوق، شيعي. انظر: ديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي رقم الترجمة (٢٨٧)، ومن تكلم فيه وهو موثق للذهبي رقم الترجمة (١٣)، والتقريب (١/٤٩)، وقد حسن الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني، انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٣٩)، وانظر أيضا الأرقام (١٣٦ -١٣٨، ١٠٩٣)، وصحيح سنن ابن ماجه رقم (١٧٢٠)، حيث قال عنه: حسن صحيح. كما صححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند، انظر الأرقام: (١٨٣٩، ٢٥٦١،١٩٦٤) . كما حسنه محقق كتاب الصمت، وقال فيه صاحب النهج السديد في تخرج أحاديث تيسير العزيز الحميد- رقم (٨٢): "إسناده محتمل للتحسين ". والمطلع على الأقوال في ترجمة الأجلح ابن عبد الله، وشواهد الحديث المتعددة يجزم بأن الحديث لا يقل عن درجة الحسن. والله أعلم.
(٢) كذا، ولعل الصواب: فليست.
(٣) انظر مثلا: التدمرية- القاعدة الأولى- (ص: ٥٧) وما بعدها. ت السعوى.
[ ٣ / ٩٦٤ ]
البعيدة، ومما يجب القول به شرعا وعقلا بالاتفاق، ولهذا [لما] عرف الأئمة ذلك، وعرفوا حقيقة قول الجهمية، وأن نفيهم لذلك من كل وجه مستلزم لتعطيل الصانع وجحوده، كانوا يبينون ما في كلامهم من النفاق والتعطيل، ويمتنعون عن إطلاق لفظهم العليل لما فهموه من مقصودهم، وإن لم يفهمه أهل الجهل
والتضليل (١) .
ومع أن التشبيه لم يرد نفيه في الكتاب والسنة إلا أن السلف ﵏ كانوا ينظرون إلى المعاني لا إلى الألفاظ، ولذلك لما وجدت بعض الفئات التي بالغت في الإثبات فشبهت الله بخلقه،- وسموا مشبهة- بادر السلف إلى ذم المشبهة وقرنوا الذم لهم بذم المعطلة، ولم يمنع السلف من هذا ما وصفهم به أعداؤهم النفاة من أن إثباتهم للصفات يجعلهم مشبهة، لأن مذهبهم في الصفات وسط بين تعطيل هؤلاء وتشبيه أولئك.
وشيخ الإسلام لما قرر أن لفظ التشبيه لم يرد نفيه في القرآن والسنة إنما قصد بيان أن ما ادعاه هؤلاء- في تعريفهم للتوحيد من أن من معانيه أن الله واحد في صفاته لا شبيه له، وأدخلوا في ذلك نفي علوه واستوائه وصفاته الخبرية- غير صحيح، لأن القرآن والسنة وردا بإثبات ذلك، والقول بأن إثبات هذه الصفات يقتضي تشبيها ينسحب إلى غيرها من الصفات التي يثبتها هؤلاء، كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، بل ينسحب إلى الأسماء الثابتة لله ﷾، فالأخذ بظاهر هذه العبارة- أنه واحد في صفاته لا شبيه لهـ يؤدي إلى نفي جميع الصفات والأسماء عن الله تعالى، لأن ما من موجودين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز، وأقرب مثال على ذلك الوجود، فالله موجود والمخلوق موجود، والوجود له معنى مشترك يصدق على وجود الله ووجود المخلوق، وإن كان وجود المخلوق ليس كوجود الله لأن المخلوق ممكن، حادث، قابل للعدم.
فهل يمكن القول بأن الله موجود بدون فهم معنى الوجود؟ إلا أن يقال بأننا خوطبنا بألغاز لها معاني أخر لا نفهمها، ولم يدل عليها الخطاب، وهو ما آل إليه أمر غلاة الصوفية والباطنية والقرامطة وغرهم من الملاحدة.
_________________
(١) نقض التأسيس- مخطوط- (٣/٢٨٥- ٢٦١) .
[ ٣ / ٩٦٥ ]
فما يقرره شيخ الاسلام في هذا الباب من أن لفظ الشبه والتشبيه لفظ مجمل، ولذلك لم يرد نفيه في الكتاب والسنة، إنما هو دفاع عن الصفاتية- من هؤلاء الأشاعرة وغيرهم- في مقابل المعتزلة والجهمية والقرامطة وغيرهم.
١٠- ومذهب السلف- رحمهم الله تعالى- مشهور في الرد على نفاة الصفات أو بعضها، يقول شيخ الاسلام عن الأشاعرة بعد كلامه عن المعتزلة الذين جعلوا نفي الصفات كالعلم والقدرة من التوحيد والتنزيه عن التشبيه والتجسيم-: " ثم هؤلاء مضطربون فيما ينفونه من ذلك، لكن وافقوا أولئك على أن ما نفوه من التشبيه وما نفوه من المعنى الذي سموه تجسيما هو التوحيد الذى لا يتم الدين إلا به، وهو أصل الدين عندهم، وكل من سمع ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله، ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه الأمور ولا كان أصحاب رسول اللهـ ﷺ- عليها، فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول اللهـ ﷺ- والصحابة والتابعون، بل يعلم بالاضطرار أن الذى جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدا، ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك " (١)، ثم ساق شيخ الاسلام عددا من الروايات المشهورة عن أئمة السلف في ذمهم لأهل الكلام وأهل البدع الذين يخوضون في أسماء الله وصفاته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون (٢) .
أما مسألة نفي التشبيه بإطلاق، فإمام أهل السنة أحمد بن حنبل﵀- بين ذلك في الرد على الزنادقة- كا نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عنه معلقا على بعض أقواله، قال شيخ الاسلام: " ولهذا قال الامام أحمد: " فقلنا إن الشيء لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء، فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئا " (٣)، فبين الامام أحمد أنه يعلم بالمعقول الصريح الذي
_________________
(١) التسعينية (ص:٣٠٤) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص: ٢٠٤-٢٠٧) .
(٣) كلام الإمام أحمد في الرد على الزنادقة والجهمية (ص: ٦٨) - ضمن عقائد السلف وفيه: " فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يؤمنون بشيء".
[ ٣ / ٩٦٦ ]
يشترك فيه العقلاء أن ما لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه لا شيء، كما نقل الناس أن جهما يقوله، ولهذا قال: فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئا، أي لجميع العقلاء، فإن هذا لا يختص أهل السمع والكتاب، بل يشترك فيه العقلاء كلهم. فهذا سؤال عن كونه موجودا، ثم سألهم عن كونه معبودا فإن هذا يختص به من يوجب عبادة الله، وهم المسلمون قديما وحديثا، قال: " فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق، فقلنا: هذا الذي يدبر أمر الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم، قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئا، إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون" (١)، فهنا جعل الكلام من المسلمين الذين يعبدون الله تعالى، والعبادة متضمنة لقصد المعبود وارادته، والقصد والإرادة مستلزم لمعرفته والعلم به. فلما قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق ثم قالوا: هو مجهول لا يعرف بصفة، كان قولهم هو مجهول لا يعرف بصفة تبين (٢) للمسلمين الذين يعبدون، أنهم لا يثبتون شيئا يعبدونه، وإنما هم منافقون في ذلك، لأن ما لا يعرف بصفة يمتنع أن يقصد فيعبد، فعرف المسلمون بطلان قولهم: يعبدون الله ويثبتونه، كما عرف أهل العقل بطلان كونهم يقرون بوجوده ويثبتونه، وهم الذين أنكروا أن يعرف بصفة، فأنكروا صفاته مطلقا وأنكروا أن يشبه بالأشياء بوجه من الوجوه، فأنكروا بذلك وجوده " (٣) .
وكلام الإمام أحمد يدل على مبلغ علم ووعي أئمة السلف ﵏، ومعرفتهم بمداخل أئمة البدع الذين يزخرفون أقوالهم بعبارات التنزيه، وهم يقصدون من وراء ذلك أن يصلوا إلى ما يهدفون إليه من نشر البدع والتعطل.
والإمام أحمد لما قرئ عليه كتاب المحنة- زمن المأمون- وبلغ قوله "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" [الشورى: ١١]، وهو خالق كل شيء، قال الإمام أحمد عند قوله ليس كمثله شيء: وهو السميع البصير. فقال إسحاق ابن إبراهيم
_________________
(١) كلام الإمام أحمد في المصدر السابق، بعد الكلام السابق مباشرة وفيه "قد عرف المسلمون أنكم لا تؤمنون بشيء ".
(٢) كذا، ولعل صواباه بالياء.
(٣) نقض التأسيس- مخطوط- (٣/٢٦٣-٢٦٤) .
[ ٣ / ٩٦٧ ]
- عامل الخليفة- ما أردت بهذا؟ فقلت: كتاب الله ﷿ ولم أزد في كتابه شيئا كما قال ووصف ﵎ (١) . قال أحد مترجمي الإمام أحمد معلقا: " قلت: انظر كيف فتح الله على الإمام أحمد بإقامة حجته في إثبات الصفات من الآية التى احتجوا عليه بها، فكان الذى استدلوا به دليلا له لا عليه ﵁ " (٢) .
فالإمام أحمد كان يحذر من التعطيل ومن التشبيه معا، وقد نقل شيخ الإسلام عن الطبري أنه ذكر في تاريخهـ قال شيخ الإسلام: لكن أرسل ذلك والله أعلم بحقيقته (٣) - (أنه لما قرأ على علماء بغداد من المحنة كتاب المأمون الذي دعا الناس فيه إلى التجهم، فيه:"لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه ".
أقر بذلك من أقر به، وأما أحمد فقال: لا أقول: لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه (٤)، وهذا يبين كمال علمه ومعرفته بالأقوال المنافية لدين الإسلام، واحترازه فيها، مع أن كثيرا من الناس يطلق هذه العبارة، ويريد بذلك نفي المماثلة، ومقصوده صحيح، وقد يريد ما يجمع الحق والباطل، أو يريد تنزيها مطلقا لا يحصل معناه " (٥) .
وقد أعاد شيخ الإسلام في درء التعارض ذكر رواية الطبرى حول المحنة- ولم يذكر أنها مرسلة- وقال معلقا: (والمقصود أنه ذكر في كتابه:"لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه "، فوافقه من لم يعرف حقيقة هذه الكلمة، وذكر عن أحمد أنه قال: لا يشبه الأشياء، وليس كمثله شيء، ونحو ذلك، أو كما قال.
_________________
(١) انظر: سيرة الإمام أحمد بن حنبل، لولده صالح (ص: ٤٩)، وذكر محنة الإمام أحمد، لحنبل بن إسحاق بن حنبل (ص: ٣٨) - وفي المطبوعة سقط-، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص: ٣٨٧)، ومحنة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل لعبد الغني المقدسي (ص: ٤٢-٤٤) .
(٢) الجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد، تأليف محمد بن محمد بن أبي بكر السعدي الحنبلي المتوفي سنة ٩٠٠ هـ (ص: ٦٩) .
(٣) كأن شيخ الإسلام ابن تيمية استنكر انفراد الطبرى بها، إذ لم يذكرها مترجموه، حتى الذين أفردوا كتبا لترجمته أو لمحنته.
(٤) انظر: تاريخ الطبري ٨/٦٣٩.
(٥) نقض التأسيس- مخطوط- (٣/٢٦٤) .
[ ٣ / ٩٦٨ ]
وأما قوله: " بوجه من الوجوه " فامتنع منها، وذلك لأنه عرف أن مضمون ذلك التعطيل المحض، فإنه يقتضي أنه ليس بموجود ولا شيء ولا حي ولا عليم، ولا قدير، ويقتضي إبطال جميع أسمائه الحسنى، وهذا النفي حقيقة قول القرامطة، والله تعالى ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، بل هو سبحانه في كل ما هو موصوف به مختص بما لا يماثله فيه غيره وله المثل الأعلى " (١) .
فهذه الملاحظات الدقيقة التي يبديها أئمة السلف معلقين على مثل هذه العبارات لأجل ما فيها من الإيهام- تدل على حرصهم الشديد على تصفية العقيدة من أكدار التعطيل والتشبيه، وهذا يدل على ما في مثل عبارة الأشاعرة- حين يقولون: إن الله واحد في صفاته لا شبيه له، وخاصة إذا أبانوا عن مقصودهم بها وأنه إنكار علو الله واستوائه وتأويل بقية صفاته عدا الصفات السبع التي أثبتوها- من الإجال والإيهام والضلال.
١١- وأئمة الأشاعرة أقروا بأن إطلاق مثل هذه العبارات غير دقيق، وأن القول بنفي التشبيه مطلقا يؤدى الى إنكار صفات الله تعالى، يقول الجويني في نفي أن الله يشبه الحوادث أو يشبهه شيء منها: "والكلام في هذا الباب من أعظم أركان الدين، فقد غلطت طائفة في النفي فعطلت، وغلت طائفة في الإثبات فشبهت، فأما الغلاة في النفى فقالوا: الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه، وقالوا على هذا: القديم سبحانه لا يوصف بالوجود، بل يقال: ليس بمعدوم، وكذلك لا يوصف بأنه قادر، عالم، حي، بل يقال: ليس بعاجز، ولا جاهل، ولا ميت، قال: وهذا مذهب الفلاسفة والباطنية، فأما الغلاة في الإثبات فاعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم الحوادث" (٢)، ثم قال الجويني: " فأما الرد على الفلاسفة فمن أوجه: أحدها: الاتفاق على أن السواد يشارك البياض في بعض صفات الإثبات من الوجود، والعرضية،
_________________
(١) درء التعارض (٥/١٨٣) .
(٢) المصدر السابق (٥/١٨٦-١٨٧)، والنص لم أجده في الإرشاد كما قد توحي به عبارة شيخ الإملام في أول الكلام، وللجويني كلام طويل في هذه الموضوعات- في الشامل، انظر: (ص: ٢٨٧-٣٤٢) .
[ ٣ / ٩٦٩ ]
واللونية، ثم هما مختلفان، وكذلك الجوهر والعرض، والقديم والحادث، لا يمتنع اشتراكهما في صفة واحدة مع اختلافهما في سائر الصفات، ويقال لهم: أتثبتون الصانع المدبر أم لا تثبتونه؟، فإن أثبتوه لزمهم من الحكم بإثباته ما حاذروه فإن الحادث ثابت، فاستويا في الثبوت" (١) .
فالجويني مع أنه يقول بتماثل الأجسام، وأن الاختلاف إنما هو في الأعراض، ومع ما في القول بتماثل الأجسام وأن الثلج مماثل للنار من كل وجه، والخبز مماثل للحديد من كل وجه، من مخالفة الحس والعقل (٢)، إلا أن قوله بأن القديم والحادث يستويان في الثبوت، ورده على الغلاة الذين قالوا: الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه: " تصرج بأن المختلفين يستويان ويشتركان في بعض الصفات، فكيف يمكن أن يقال مع هذا: إن المختلفين لا يشتبهان من بعض الوجوه، وقد صرح بتساويهما في بعض الأشياء؟ " (٣) .
فالجويني هنا يرد على نفسه وعلى إخوانه الأشاعرة الذين قالوا: إن القول بإثبات علو الله واستوائه على العرش يقتضي أن يكون جسما والأجسام متماثلة.
ومن ثم فسروا التوحيد بنفي التشبيه عن الله وفسروه بتلك التفسيرات الباطلة، فهم بين أمرين، إما أن يقولوا بأن إثبات السمع والبصر والحياة والقدرة لله تعالى
يقتضي تشبيها مثل العلو واليدين، أو يقولوا بأن إثبات العلو والاستواء واليدين والوجه لله لا يقتضي تشبيها مثل السمع والبصر والحياة.
ويقول الرازي عن هذا الموضوع: " فإن قيل المشاركة في صفات الكمال يقتضي المشاركة في الإلهية. قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المشاركة في الالهية. قال: ولهذا المعنى قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) [النحل: ٦٠]، وقال -ﷺ- "تخلقوا
_________________
(١) درء التعارض (٥/١٨٨-١٨٩) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/١٩٢)
(٣) انظر: المصدر نفسه (٥/١٩٣) .
[ ٣ / ٩٧٠ ]
بأخلاق الله (١) " (٢)، قال شيخ الإسلام معلقا على هذا الكلام: (ومن المعلوم أن المشابهة هي المشاركة في صفات الكمال- التي هي العلم والقدرة- أعظم من المشابهة والمشاركة في مجرد مسمى الوجه" (٢) .
ثم ينقل شيخ الإسلام عن الرازي أنه قال في نهاية العقول، في مسألة تكفير المخالفين من أهل القبلة في حجة من كفر المشبهة، قال: " ورابعها: أن الأمة مجمعة على أن المشبه كافر ثم [إن (٤)]، المشبه لا يخلو إما أن يكون هو الذي يذهب إلى كون الله مشبها بخلقه من كل الوجوه، أو ليس [كذلك (٤)] . والأول باطل؟ لأن أحدا من العقلاء لم يذهب إلى ذلك (٥)، ولا يجوز أن يجمعوا على تكفر من لا وجود له، بل المشبه الذى يثبت الإله على صفة بشر بها معها بخلقه (٦)، والمجسم كذلك لأنه إذا أثبت جسما [بحيز (٧)] معين فإنه يشبهه بالأجسام المحدثة، فثبت أن المجسم مشبه، وكل مشبه كافر بالإجماع، فالمجسم كافر" (٨)، ثم قال الرازى في الجواب عن ذلك لأنهـ أى الرازي- نصر عدم تكفير أهل القبلة: " قوله: المجسم مشبه، والمشبه كافر، قلنا: إن عنيتم بالمشبه من يكون قائلا بكون الله شبيها بخلقه من كل الوجوه، فلا شك في كفره، لكن المجسمة لا يقولون بذلك، فلا يلزم قولهم
_________________
(١) موضوع، قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا اللفظ لا يعرف عن النبى -ﷺ- في شيء من كتب الحديث، ولا هو معروف عن أحد من أهل العلم، بل هو من باب الموضوعات عندهم. وإن كان قد يفسر بمعنى صحيح يوافق الكتاب والسنة، فإن الشارع قد ذكر أنه يحب اتصاف العبد بمعاني أسماء الله تعالى كقول النبىﷺ-: إن الله جميل يحب الجمال. إنه وتر يحب الوتر. إنه طيب لا يقبل إلا طيبا ". نقض التأسيس- مخطوط- (٣ / ٢٧٢) .
(٢) نقض التأسيس- مخطوط- (٣ / ٢٥٣-٢٥٤)، وكلام الرازي في أساس التقديس (ص: ٨٦-٨٧) .
(٣) نقض التأسيس- مخطوط- (٣ لم ٢٥٤) .
(٤) ما بين القوسين زيادة من نهاية العقول ليستقيم الكلام.
(٥) في نهاية العقول: لم يذهب الى كون الله تعالى مشبها لخلقه من كل الوجوه.
(٦) كذا في نقض التأسيس. وفي نهاية العقول: على صفة تشبه فعلها لخلقه.
(٧) في نقض التأسيس [غير] وهو تحريف، والتصويب من نهاية العقول.
(٨) نقض التأسيس- مخطوط- (٣ / ٢٥٤) . والنص في نهاية العقول (٢٩١- أ) .
[ ٣ / ٩٧١ ]
بالتجسيم قولهم بذلك، ألا ترى أن الشمس والقمر والنمل والبق أجسام، ولا يلزمنا اعترافنا باشتراكها في الجسمية كوننا مشبهين للشمس والقمر والنمل والبق، وإن عنيتم بالمشبه من يقول بكون الله شبيها بخلقه من بعض الوجوه فهذا لا يقتضي الكفر لأن المسلمين اتفقوا على أنه موجود وشيء وعالم وقادر، والحيوانات أيضا كذلك، وذلك لا يوجب الكفر، وإن عنيتم بالمشبه من يقول الإله جسم مختص بالمكان، فلا نسلم انعقاد الإجماع على تكفير من يقول بذلك، بل هو دعوى للإجماع في محل النزاع فلا يلتفت إليه " (١) .
قال شيخ الإسلام معلقا على كلام الرازى السابق بعد نقله: " وهذا تصريح منه بأن القول بكون الله شبيها بخلقه من بعض الوجوه داخل في قول كل المسلمين، ولا ريب أن كل موجودين فلابد أن يتفقا في شيء يشتركان فيه، وأن أحدهما أكمل فيه وأولى به من الآخر، وإلا فإذا قدر أنهما لا يتفقان في شيء أصلا ولا يشتركان فيه لم يكونا موجودين، وهذا معلوم بالفطرة البديهية التي لا يتنازع فيها العقلاء الذين يفهمونها" (٢) .
فهؤلاء أئمة الأشاعرة يعترفون بهذه الحقيقة البدهية، والعجب أنهم ينسون ذلك حين يتعرضون لبعض مسلماتهم الأخرى- كنفي العلو، أو بعض الصفات- فيصمون من يقول بها ويثبتها بالتشبيه والتجسيم، ويجعلون مذهبهم النافي لها هو التوحيد!.
د- بيان حقيقة التوحيد الذى دعت إليه الرسل:
سبق بيان أنواع التوحيد الثلالة عند الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، مع بيان ما فيها من الحق والباطل، وردود شيخ الإسلام على الأشاعرة حين أدخلوا في مسمى التوحيد نفى العلو والصفات، وتقصيرهم حين ركزوا على توحيد الربوبية دون توحيد الألوهية، والآن نبين حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل:
_________________
(١) نقض التأسيس - مخطوط- (٣/٢٥٤-٢٥٥)، والنص في نهاية العقول (٢٩٣- أ) .
(٢) نقض التأسيس - مخطوط- (٣/٢٥٥) .
[ ٣ / ٩٧٢ ]
يقول شيخ الاسلام بعد ردود طريلة عليهم في ذلك: " والمقصود هنا أن "التوحيد" الذى أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، وهو المذكور في الكتاب والسنة، وهو المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ليس هو هذه الأمور الثلاثة التى ذكرها هؤلاء المتكلمون، وإن كان فيها ما هو داخل في التوحيد الذي جاء به الرسول، فهم مع زعمهم أنهم الموحدون، ليس توحيدهم التوحيد الذي ذكر الله ورسوله، بل التوحيد الذى يدعون الاختصاص به باطل في الشرع والعقل واللغة «١) .
ثم يبين حقيقة التوحيد الذي جاءت به رسل الله فيقول: " وذلك أن توحيد الرسل والمؤمنين هو عبادة الله وحده، فمن عبد الله وحده لم يشرك به شيئا فقد وحده، ومن عبد من دونه شيئا من الأشياء فهو مشرك به، ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلا بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد، حتى لو أقر أن الله وحده خالق كل شيء وهو التوحيد في الأفعال" (٢) .
ومنشأ الغلط عند هؤلاء أنهم فهموا أن معنى الإله في قول المسلمين: لا إله الا الله، هو القادر على الاختراع، وأن إله بمعنى آله، لا بمعنى مألوه، وهذا فهم خاطىء قال به الأشعري، وجعله أخص وصف الإله (٣)، وقد تبعه على ذلك جميع الأشاعرة.
وشيخ الإسلام يقرر أن الإله بمعنى المألوه المعبود لا بمعنى القادر على الخلق يقول: "والإله هو بمعنى المألوه المعبود، الذى يستحق العبادة، ليس هو الإله بمعنى القادر على الخلق. فإذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد،
_________________
(١) نقض التأسيس- مطبوع- (١١/٤٧٨) .
(٢) المصدر السابق نفس الجزء والصفحة، وانظر أيضا (١/١٣٣-١٣٤) .
(٣) انظر: منهاج السنة (٢/٦٥) - مكتبة الرياض الحديثة، والجواب الصحيح (٢/١٥٢)، والاستغاثة (٢/١٥٧)، والصفدية (١/١٤٨)، واقتضاء الصراط المستقيم (٢/٨٤٥)، وأقوم ما قيل في القضاء والقدر- مجموع الفتاوى (٨/١٠١)، ودرء التعارض (٩/٣٧٧) .
[ ٣ / ٩٧٣ ]
كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية- وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن وأتباعهـ لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذى بعث الله به رسوله، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين.
قال تعالى: " وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ " [يوسف: ١٠٦] .
قال طائفة من السلف: تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون: الله، وهم مع هذا يعبدون غيره (١) . وقال تعالى:" قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ " [المؤمنون: ٨٤-٨٩]، وقال تعالى:" وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ " [العنكبوت: ٦١] . فليس كل من أقر أن الله رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه، داعيا له دون ما سواه، راجيا له خائفا منه دون ما سواه يوالي فيه، ويعادي فيه، ويطيع رسله، ويأمر بما أمر، وينهى عما نهى عنه " (٢) .
فتوحيد الربوبية كان المشركون مقرين به، وهو نهاية ما يثبته هؤلاء المتكلمون إذا سلموا من البدع فيهـ كما يقول شيخ الإسلام (٢) - أما التوحيد الذى جاءت به الرسل فلم يعرفوه ولم يبينوه. يقول شيخ الإسلام: (أما التوحيد الذى ذكره الله في كتابه، وأنزل به كتبه، وبعث به رسله، واتفق عليه المسلمون من كل ملة فهو كما قال الأئمة: شهادة أن لا اله الا الله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما بين ذلك بقوله:" وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ " [البقرة: ١٦٣] فأخبر أن الإله إله واحد، لا يجوز أن يتخذ إله غيره فلا يعبد الا إياه، كما قال في السورة الأخرى:"وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ
_________________
(١) انظر: عبارات السلف في تفسير الطبري- سورة يوسف-، آية: ١٠٦ (١٦/٢٨٦) ت شاكر. وفي تفسير ابن كثير لهذه الآية.
(٢) درء التعارض (١/٢٢٦-٢٢٧) .
(٣) انظر: التسعينية (ص: ٢٠٩) .
[ ٣ / ٩٧٤ ]
" اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ " [النحل: ٥١]، وقال: " لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا - إلى قولهـ " فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا " [الإسراء: ٢٢-٣٩] وكما قال: " تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى "
[الزمر: ١-٣] وكما قال: " وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ " [الفرقان: ٦٨] والشرك الذي ذكره الله في كتابه إنما هو عبادة غيره من المخلوقات، كعبادة الملائكة أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء أو تماثيلهم، أو قبورهم، أو غيرهم من الآدميين ونحو ذلك مما هو كثير في هؤلاء الجهمية ونحوهم ممن يزعم أنه محق في التوحيد وهو من أعظم الناس اشراكا " (١) .
وكلام شيخ الإسلام في هذا الباب لا يحتاج إلى بيان، فكتبه كلها لا تكاد تخلو من بيان هذا الأمر العظيم الذى هو لب التوحيد وأسّه وهو توحيد الألوهية، والرد على من فسر التوحيد بأن المقصود به توحيد الربوبية فقط (٢)، ولا يعنى هذا أن شيخ الإسلام يهمل توحيد الربوبية، بل هو يرى- كما سيأتي إن شاء اللهـ أن أدلته فطرية بدهية، وأن جميع بني آدم مفطورون على الإقرار به ولم ينقل أهل المقالات عن أحد إثبات شريك مشارك لله في خلق جميع المخلوقات (٣)، والرسل
بنوا دعوة الناس إلى توحيد الألوهية على إقرارهم واعترافهم بتوحيد الربوبية، فالمقر بتوحيد الألوهية مقر ضمنا بتوحيد الربوبية لأنه متضمن له، كا أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية. وبعض الأشاعرة- كالشهرستاني- يقر بهذه الحقيقة إجمالًا ويذكر في معرض بيان أن العباد مفطورون على إثبات الصانع؛ أنه " لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفى الشريك" (٤) .
_________________
(١) التسعينية (ص: ٢٠٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٠/٢٦٤-٢٦٥) .
(٢) انظر: فهارس مجموع الفتاوى- ط الرياض- (٣٦/٢-١٨) .
(٣) انظر: التدمرية (ص: ١٧٧) - ت السعوي، والإيمان (ص: ٧٢-٧٣) . ط المكتب الإسلامي.
(٤) نهاية الإقدام (ص: ١٢٤) .
[ ٣ / ٩٧٥ ]
ويقرر شيخ الاسلام أن التوحيد الذي دعت اليه الرسل متضمن لأصلين:
أحدهما: التوحيد القولي، الذي هو الخبر عن الله تعالى، وهو التوحيد في العلم والخبر. وهو الذي دلت عليه آيات كثيرة منها سورة الاخلاص، "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ".
والثاني: التوحيد العملي، الذي هو توحيد العبادة لله تعالى، وهو توحيد القصد والطلب. وقد دلت عليه آيات كئيرة، منها سورة الكافرون (١) .
ويربط بين هذين النوعين من التوحيد بقوله: " الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل" (٢)، والله تعالى كما أنه هو المبدع الخالق
وحده فهو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له (٢) .
وشيخ الإسلام في تقريره لتوحيد الألوهية، وأنه التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وهو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، يركز على ما يضاده، وهو الشرك وأنواعه ووسائله وقد ألف في ذلك كتبا مستقلة منها:
١- الجواب الباهر في زوار المقابر، كتبه بطلب من السلطان الناصر (٤) .
٢- الرد على الأخنائي (٥) .
٣- وقاعدة جليلة في التوسل والوسيلة.
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس- مطبوع- (١/٤٧٩ - ٤٨٠)، والتسعينية (ص: ٢١٠)، والتدمرية (ص: ٣- ٥) .
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/٢٤٩) .
(٣) انظر: درء التعارض (٩/٣٧٤) .
(٤) انظر: الجواب الباهر (ص: ٣- ٥) .
(٥) هو محمد بن أبي بكر بن عيسى الأخنائي، كان قاضي القضاة في مصر، مالكي المذهب، ولد سنة ٦٥٨ هـ وتوفي سنة ٧٥٠ هـ. انظر: الديباج المذهب (٢/٣٢١)، والدرر الكامنة (٤/٢٧-٢٨) - ط مصر-، وشجرة النور الزكية (١/١٨٧)، والأعلام (٦/٥٦) .
[ ٣ / ٩٧٦ ]
٤- الرد على البكري (١)، المعروف بالاستغاثة.
وغيرها من الرسائل وأجوبة المسائل التي كان يسأل عنها، وشيخ الإسلام رد في هذه الكتاب والرسائل على من ضل في هذه الباب من الأشاعرة وغيرهم، خاصة أهل التصوف حيث يكثر فيهم الغلو ومن ذلك غلوهم في رسول الله - ﷺ-، وفي مشايخهم: سواء كانوا أحياء أو أمواتا.
والأشاعرة لما كان جل اهتمامهم العناية بتقرير توحيد الربوبية غفلوا عن تقرير توحيد الألوهية، وبيان ما يضاده من الشرك، وكان من آئار ذلك أن وقع بعضهم في ضلال مبين من جانبين:
أحدها: وقوع هذا البعض في أنواع من الشرك، ظنا منه أن ذلك لا يناقض التوحيد، يقول شيخ الإسلام- بعد رده على الأشاعرة بسبب اهمالهم لتوحيد الألوهية وعنايتهم بتوحيد الربوبية-: " ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويدعوها كا يدعو الله تعالى، ويصوم لها، وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببا وواسطة لم أكن مشركا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك، فهذا ونحوه من التوحيد الذي بعث الله به رسله، وهم لا يدخلونه في مسمى التوحيد الذي اصطلحوا عليه " (٢) .
وهذا المنهج الخطير الذي سلكه الأشاعرة أثر في كتاباتهم العقدية، فقلما تجد لعالم من علمائهم كتابا أو رسالة في بيان توحيد العبادة، وأنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله، أو في بيان الشرك وأنواعه، أو حكم السفر لزيارة القبور والدعاء والنذر لها، بل على العكس من ذلك تجد الكثير فهم يميل إلى مثل هذه الشركيات أو ما هو من وسائله.
_________________
(١) تقدمت ترجمته (ص: ٢٣٨) .
(٢) انظر: درء التعارض (١/٢٢٧-٢٢٨)، وانظر: التسعينية (ص: ٢٠٩)، ونقض التأسيس - مطبوع- (١/٤٨١) .
[ ٣ / ٩٧٧ ]
وفي عصرنا الحاضر تأثر بهذا المنهج من تربى على كتب الأشاعرة والماتريدية، وما شابهها من كتب أهل الكلام، فتجد هؤلاء يؤلفون كتبا كثيرة في العقيدة، ولكن جل اهتمامهم منصب على تقرير توحيد الربوبية، فإذا كتبوا عن الطب وأسرار الإنسان، أو عن الكون وآفاقه، أو عن الجبال أو البحار، أو النبات، أو الحيوانات، أو غيرها، وما في دقة صنعها من دلائل قدرة الله تعالى يبرزون هذه الجوانب ليصلوا في النهاية إلى دلالتها على وجود الله ووجوب الإيمان به، والرد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الله أو يقولون بالدهر أو الطبع أو يؤلهون العلم، ولا شك أن هذه جهود طيبة، ومفيدة لفئات محيرة تأثرت بالحاد الغرب أو الشرق، ولكن الخطأ فيها يكمن في ناحيتين:
١- الغلو في إخضاع نصوص الوحي- من الكتاب والسنة- لتوافق النظريات العلمية الحديثة، وهذا الغلو فضلا عن أنه ينم- في الغالب- عن روح انهزامية، إلا أنه أيضا قد يجر إلى تحريف أو تأويل لبعض الآيات أو الأحاديث، وإغفال لما قاله الصحابة وجمهور السلف في تفسير هذه النصوص.
٢- اغفالها للجانب الأهم في التوحيد وهو توحيد الألوهية، لأنها تنتهي عند حد إثبات وجود الله وعلمه وقدرته فقط، ولا تشرح بشكل مفصل ومركز أن على العبد اذا أقر بربوبية الله ووحدانيته أن يفرده بالعبادة والطاعة، وأن يخلص في توحيده لله بأن يشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن لا يصرف أي نوع من أنواع العبادة من الصلاة والدعاء والخوف والخشية، والرغبة والرهبة، والنذر والاستغاثة والاستعانة والرجاء والمحبة إلا لله تعالى، وأن يحذر من الوقوع في أي نوع من أنواع الشرك الذي ييطل عمل الإنسان وتوحيده ولو كان مقرا بأن الله هو الخالق الرازق.
والعجيب أن بعض هؤلاء الذين وقعوا في هذا الخطأ- خطأ التركيز على توحيد الربوبية وإغفال توحيد الألوهية- وصل بهم الأمر إلى اعتبار البحث في موضوع إخلاص العبادات لله، وشرح ما يضادها من أنواع الشرك من الأمور المستنكرة لأنها تؤدي الى التفرقة بين المسلمين، وتكفير بعضهم، والغلو في جزئيات لا ينبغي الوقوف عندها، وهكذا أصبح البحث والدعوة إلى تحقيق
[ ٣ / ٩٧٨ ]
التوحيد، وسد طرق الشرك والتحذير من وسائله حماية لجانب التوحيد الذي دعا اليه رسول اللهصلى الله عليه وسلم- من الأمور التي لا تعجب كثيرا من هؤلاء إن لم تثر سخطهم. والله المستعان.
الثاني: الغلو في توحيد الربوبية الى حد ما يسميه الصوفية بالفناء (١)، يقول شيخ الإسلام: "واذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار، أهل الإثبات للقدر، المنتسبون إلى السنة إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء، ومع هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون، فكذلك طوائف من أهل التصوف المنتسبين الى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا سيما اذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية، بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد. ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلما، فضلا عن أن يكون وليا لله أو من سادات الأولياء، (٢) .
فالفناء في توحيد الربوبية عنذ هؤلاء الصوفية هو غاية ما يصبو اليه سالكو طرقهم الضالة، وقد يصل الأمر عند من شهد هذا التوحيد، وشهد القدر، أن يسير مع القدر حيث سار محبة ورضا، فهو مع المشركين إن انتصروا على المسلمين وهو أيضا مع من يفعل الفواحش ويسفك الدماء، بل مع عباد الأصنام
_________________
(١) الفناء عند الصوفية له عدة معان، منها أنه سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء وجود الأوصاف الحمودة، ومنها أنه: تبديل الصفات البشرية كالصفات الالهية، أو هو عدم شعور الشخص بنفسه أو بلوازم نفسه، وهو درجتان: فناء عن شهود ما سوى الله فيفنى بمعبوده عن عبادته وبمعروفه عن معرفته بحيث يغيب عن شعوره بنفسه وبما سوى الله. والدرجة الثانية: فناء عن وجود السوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، بحيث يرى أن ليس في الوجود إلا الله، وهناك فناء شرعي وهو الفناء عن عادة غير الله بعبادته وحده. انظر: التعريفات (ص: ٩٠)، ورسالة في اصطلاحات الصوفية، لابن عربي (ص: ١٣٩) ط ملحقة بآخر التعريفات، ومعجم مصطلحات الصوفية (ص: ٢٠٧-٢٠٨)، والمعجم الفلسفي (٢/١٦٧) - صليبا، والتدمرية (ص: ١٨٧، ٢٢١-٢٢٢) - ت السعوي.
(٢) التدمرية (ص: ١٨٦-١٨٧) - ت السعوي.
[ ٣ / ٩٧٩ ]
لأن هؤلاء جميعا خاضعون للقدر، وغاية العبودية- عندهم- أن تستسلم للقدر، ولذلك فليس غريبا على هؤلاء أن يبلغ عندهم بعض الأولياء مرتبة سقوط التكاليف، فلا يجب عليه واجب ولا يحرم عليه محرم، كما أن الشرك بشتى أنواعه وصوره منتشر بينهم. فأين تحقيق تحقيق توحيد الألوهية عند هؤلاء؟.
وقد أشار شيخ الاسلام في معرض ردوده المطولة ومناقشاته حول توحيد الألوهية، وما يتعلق به من تعظيم القبور، والسفر لزيارتها، والسؤال بالجاه، أشار إلى بعض أقوال الأشاعرة في هذه المسائل فاستشهد بأقوال بعض أئمتهم التي وافقوا فيها الحق، كما رد على بعضهم فيما خالفوا فيه وجه الحق، ومن ذلك:
١- ما ذكره في الرد على المنطقيين في ردوده على الفلاسفة، حيث ذكر فشو الشرك فيهم، وذكر أن الشرك نشأ في بني آدم عن أصلين:
أحدهما: تعظيم قبور الصالحين.
والثاني: عبادة الكواكب، وأن لها تأثيرا (١) .
وقد سبقت الاشارة إلى أن شيخ الاسلام اتهم الرازي في أنه ألف كتابا في الشرك والسحر ومخاطبة النجوم (٢)، وهو في ذلك متأثر بالفلاسفة. كما ذكر أن قول الفلاسفة في الشفاعة أعظم شركا من قول غيرهم من مشركي العرب (٢)، وأن الرازي والغزالي- لدخولهم في الفلسفة- قد تأثروا بالفلاسفة في هذا الباب (٤) .
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين (ص: ٢٨٥-٢٨٦) .
(٢) انظر ما سبق- في الحديث عن الرازى ونجهـ: (ص: ٦٩٩-٧٠١) .
(٣) انظر: الرد على المنطقيين (ص: ٥٣٤-٥٤٤) .
(٤) انظر: المصدر السابق (ص: ٥٤٤- ٥٤٥)، وانظر: مناقشات أخرى مطولة للغزالي وللرازي فيما قالوهـ موافقة للفلاسفة- من تأليه الملائكة وجواز مخاطبة النجوم ودعائها- في بنية المرتاد (ص: ١٨٤-٢١٧- ٣٦٠-٣٧٧) ت موسى الدويش، ط مكتبة العلوم والحكم، وانظر: قاعدة جليلة في التوصل والوسيلة (ص: ٢٤-٧٨،٢٥)، ط المكتب الإسلامي، ودرء التعارض (٥ / ١٤٧-١٥٠) .
[ ٣ / ٩٨٠ ]
٢- وفي مسألة التوسل بجاه النبيﷺ-، ذكر شيخ الإسلام أنه لم ير من جوزه إلا أبا محمد العز بن عبد السلام في الرسول خاصة، فنقل عنه أنه قال: لا يجوز أن يتوسل إلى الله بأحد من خلقه إلا برسول اللهـ ﷺ - إن صح حديث الأعمى (١)، " قال شيخ الإسلام: فلم يعرف صحته " (٢)، ثم رد عليه (٣) .
٣- وفي مسألة شد الرحال لزيارة القبور احتج شيخ الاسلام بالحديث المشهور في ذلك- وهو حديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (٤) -
ثم ذكر أن الجمهور على أنه لا يجوز شد الرحال إلى غير هذه الثلاثة،
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٤٧) - ط المكتب الإسلامي-، وفتوى العز موجودة في المطبوع من فتاويه (ص: ١٢٦-١٢٧) ونصها: "أما مسألة الدعاء فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ علم بعض الناس الدعاء فقال في أقواله: قل: اللهم أني أقسم عليك [كذا والوارد في الأحاديث: أسألك وأتوجه اليك، بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة " وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصورا على رسول الله ﷺ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص به تنبيها على درجته ومرتبته". والحديث الذي أشار إليه هو حديث الأعمى الذي طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، فأمره أن يدعو بهذا الدعاء. رواه الإمام أحمد (٤/١٣٨)، والترمذي في الدعوات، باب رقم (١١٩)، ورقمه (٣٥٧٨) - ت عطوة. وهو في طبعة عثمان برقم ٣٦٤٩ (ومع تحفة الأحوذى ٤/٤٨١- هندية)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة وأرقامه (٦٥٨-٦٦٠) - ت حماده، وابن ماجه في سننه، كتاب اقامة الصلاة باب ما جاء في صلاة الحاجه ورقمه (١٣٨٥) . والحاكم (٣/٣١٣) وصححه ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (٩/١٩) ورقمه (٨٣١١)، والبيقي في دلائل النبوة (٦/١٦٦-١٦٧) والحديث صححه اضافة إلى من سبق الألباني في التوسل (ص: ٦٩-٧٠)، وصحيح ابن ماجه ورقمه (١١٣٧) . ولحديث الأعمى روايات أخرى بزيادات ضعيفة- ذكرها الطبراني في الكبير- (٩/١٧-١٨) برقم (٨٣١١)، وفي المعجم الصغير (١/١٨٣) - ط السلفية في المدينة المنورة- (١/٣٠٦) وبرقم (٥٠٨) من الروض الداني إلى المعجم الصغير للطبراني، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/١٦٧-١٦٨) . وقد تكلم عنها وضعفها ابن تيمية في قاعدة جليلة (ص: ٩٤) وما بعدها، والألباني في التوسل (ص: ٨٣-٩٣) .
(٢) قاعدة جليلة (ص: ١٤٧) .
(٣) انظر: المصدر السابق، ومجموع الفتاوى (٢٧/٨٣) وما بعدها.
(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ورقمه ١١٨٩ (فتح البارى ٣/٦٣) . ومسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ورقمه (١٣٩٧) .
[ ٣ / ٩٨١ ]
ثم نقل عن بعض العلماء- كالغزالي، والجويني، وأبي حامد الأسفراييني، وابن عبد البر، وأبي محمد المقدسي وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد- أنهم قالوا: المراد بالحديث نفي الفضيلة والاستحباب، ونفي الوجوب بالنذر، لا نفي الجواز (١)، ثم بين شيخ الإسلام من خلال ردوده المطولة أن أحدا من العلماء لم يقل: إن السفر إلى غير هذه الأماكن الثلاثة- بقصد التعظيم أو التقرب- مستحب (٢) .
٤- كما ذكر شيخ الإسلام أن السفر إلى زيارة القبور رخص فيه بعض المتأخرين كالغزالي (٣)، كما رد على القاضي عياض في قوله: إن التربة التي دفن فيها النبىﷺ- أفضل من المسجد الحرام (٤)، كما ذكر عن بعض نفاة الغلو أنهم يعظمون المتصوفة، وأن أحدهم يأخذ ورقة فيها سر مذهبه،
يرقى بها المرضى كما يرقى المسلمون بفاتحة الكتاب، قال شيخ الإسلام- كما أخبرنا بذلك الثقاة- وهم يقدمون تلك الرقية على فاتحة الكتاب (٥) .
ثالثا: توحيد الربوبية:
سبقت الإشارة إلى أن النوع الثالث من أنواع التوحيد عند الأشاعرة قولهم: إن الله واحد في أفعاله لا شريك له، وأن الألوهية هي القدرة على الاختراع، وأن معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله، كا تقدم بيان ما في هذا القول من الحق والباطل، وأن إثباتهم لتوحيد الربوبية صحيح، ولكن الخطأ الذي وقعوا فيه ظنهم أن هذا هو غاية التوحيد الذي دعت إليه الرسل وإغفالهم لتوحيد الألوهية.
_________________
(١) الرد على الأخنائي (ص: ٣٣، ١٦٦-١٨٤،١٦٧) - ط السلفية، القاهرة، وانظر مختصره في مجموع الفتاوى (٢٧/٢٢٦) .
(٢) انظر: المصدر السابق، الصفحات نفسها.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢٧/٢٧-٢٨) .
(٤) انظر: المصدر السابق (٢٧/٣٧-٣٨) .
(٥) انظر: درء التعارض (٦/١٧٠) .
[ ٣ / ٩٨٢ ]
وهنا نشير إلى طرائقهم في إثبات هذا التوحيد- توحيد الربوبية- لأنهم عنوا به كثيرا، وأطالوا بحثه في كتبهم، وقد ناقشهم شيخ الإسلام ابن تيمية وبين ما في أقوالهم وأدلتهم من الحق والباطل.
وشيخ الإسلام يبين دائما أن مسألة إثبات الربوبية من المسائل التي فطر عليها بنو آدم، ولذلك فهو حينما يذكر طرق هؤلاء الأشاعرة وغيرهم في إثبات الصانع، إنما يذكرها لأنهم يعارضون بها كلام الله وكلام رسوله، ويزعمون أن هذه الأدلة العقلية تعارض ما جاءت به الرسل. ويهدف من وراء مناقشتهم إلى بيان أمرين:
أحدهما: أن ما عارض النصوص من أقوالهم وأدلتهم لا يكون إلا باطلا.
والثاني: أن ما لم يعارض نصوص الوحي، قد يكون حقا وقد يكون باطلا وما كان منها حقا فقد يكون طويلا لا يحتاج إليه (١) .
كما أن شيخ الاسلام ينتقد هؤلاء المتكلمين حين يزعمون أن لا طريق إلى إثبات الصانع مثلا إلا هذا الطريق الذي ذكروه، ومن ثم يرمون من خالفه بالإلحاد والمروق. يقول: " ثم مما ينبغي أن يعرف أن الذين سلكوا الطرق المبتدعة في إثبات الصانع وتصديق رسله، إذا اعتقدوا أنه لا طريق إلا ذلك الطريق جعلوا
من خالفهم في صحة تلك الطريق ملحدا، أو دهريا، أو نحو ذلك، وهذا يذكرونه في مواضع:
منها: أنهم لما اعتقدوا أن إثبات الصانع تعالى موقوف على إثبات الجوهر الفرد (٢) جعلوا إثبات ذلك من أقوال المسلمين، ونفي ذلك من أقوال الملحدين.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/٩٠-٩١) .
(٢) الجوهر الفرد، ويسمى: الجزء الذي لا يتجزأ، أو الذرة، ويعرف بأنه: متحيز لا ينقسم لا بالفك والقطع، ولا بالوهم والغرض [الصحائف الإلهة: السمرقندي ص: ٢٥٥]، أو هو: جوهر لا يقبل الانقسام أصلا، ولا بحسب الحارج، لا بحسب الوهم أو الغرض العقلي [التعريفات ص: ٤١]، وانظر: المعجم الفلسفي- مجمع اللغة- (ص: ٨٨)، والمعجم الفلسفي- صليبا (١/٥٨٨،٤٢٧،٤٠٠)، وانظر: مسألة في إثبات الجوهر الفرد للشهرستاني (ص: ٥٠٥-٥١١) - طبعت في ذيل نهاية الإقدام، وانظر أيضا مذهب الذرة عند المسلمين بينيس (ص: ١-١٦) .
[ ٣ / ٩٨٣ ]
وكذلك قد يقولون: إن تماثل الجواهر والأجسام من أقوال المسلمين، ونفي ذلك من أقوال الملحدين.
وكذلك قد يقولون: إن تناهي الحوادث من أقوال المسلمين، والقول بعدم تناهيها من أقوال الدهرية الملحدين. ولهذا نظائر (١) .
وأهم المسائل المتعلقة بتوحيد الربوبية هي:
أ- دليل حدوث الأجسام على لإثبات وجود الله.
ب- مسألة التسلسل والرد الصحيح على الفلاسفة الدهرية.
ب- الأدلة الأخرى على إثبات الصانع التي ذكرها الأشاعرة.
د- لألبات وحدانية الله.
أ- دليل حدوث الأجسام:
سبقت الاشارة إلى هذا الدليل في انمهج العام في الرد على الأشاعرة، عند بيان عدم تعارض العقل والنقل، حيث جعل الأشاعرة دليل حدوث الأجسام من الأصول العقلية التي عارضت مدلول السمع، فوجب تقديمها عليه.
وهذا الدليل هو المسلك المشهور للمعتزلة، وأخذه عنهم جمهور الأشاعرة (٢)، والماتريدية، وخاصة الباقلاني، والجويني، والباجي، وأبا بكر ابن العربي، والآمدي، والماتريدي والصابوني. وهي الغالبة على كتب الأشاعرة قديما وحديثا، وإن كان بعض أعلامهم- كالرازي- يذكرها ويذكر غيرها، وربما ضعف هذا الدليل ونقده.
وخلاصة الدليل أن هؤلاء قالوا: لا يعرف صدق الرسول حتى يعرف إثبات الصانع، ولا يعرف إثبات الصانع حتى يعرف حدوث العالم، ولا يعلم حدوث العالم إلا بما به يعلم حدوث الأجسام، ثم استدلوا على حدوث الأجسام
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/٩٣-٩٤) .
(٢) انظر: نقض التأسيس- مطبوع- (١/٢٥٧-٢٥٨)، ودرء التعارض (٩/١٣٢) .
[ ٣ / ٩٨٤ ]
بأنها لا تخلو من الحوادث- أو بعبارة أخرى مستلزمة للأعراض أو بعضها- ثم قالوا وما لم يخل من الحوادث فهو حادث، ثم ان هؤلاء احتاجوا الى أن يقولوا: ما لم يسبق الحوادث فهو حادث، ثم منهم من تفطن الى أن هذا لا يكفي لإثبات الصانع فاضطر أن يقول بإبطال حوادث لا أول لها (١) .
فلما استقر الدليل عند هؤلاء قالت المعتزلة يجب نفي جميع الصفات عن الله تعالى لأن ما قامت به الصفات قامت به الأعراض، وما قامت به الأعراض فهو حادث، فجاءت الكلابية والأشعرية فقالوا بإثبات الصفات، وقالوا لا نسميها أعراضا. لكن الصفات الاختيارية حوادث فيجب نفيها طردا لهذا الدليل.
هذه خلاصة هذا الدليل، ولخطورته وأهميته، وتركيز شيخ الإسلام عليه في جميع كتبه تقريبا، وكونه يشير إليه أحيانا إشارات مجملة بناء على أنه فصل القول فيه في أماكن أخرى، ولأن هذا الدليل هو لب الكلام المذموم الذي ذمه السلف، وقد بين ذلك شيخ الإسلام مرارا ومن ذلك قوله: "إن هذه الطريقة
هي أصل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة وتوسعوا في الكلام في ذلك من وجهين:
أحدما: أنهم [أي أهل الكلام] جعلوا ذلك أصل الدين، حتى قالوا:
إنه لا يمكن معرفة الله وتصديق رسوله إلا بهذه الطريق. فصارت هذه الطريق أصل الدين، وقاعدة المعرفة، وأساس الإيمان عندهم، لا يحصل إيمان ولا دين ولا علم بالصانع إلا بها، وصار المحافظة على لوازمها والذي فيها أهم الأمور عندهم
الوجه الثاني: وهو الكلام بذلك في حق الله ﷾ [فإنه (٢)] كان من لوازم هذه الطريقة نفي ما جعلوه من سمات الحدوث عن الرب تعالى،
_________________
(١) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ٢٦٤) - ت السعوي-، ودرء التعارض (١/٣٠٢-٣٠٣) .
(٢) في المخطوطة فإن، ولعل الصواب ما أثبته.
[ ٣ / ٩٨٥ ]
فإن تنزيهه عن الحدوث (١) ودلائله أمر معلوم بالضرورة، متفق عليه بين جميع الخلق لامتناع أن يكون صانع العالم محدثا، لكن الشأن فيما هو من سمات الحدوث، فإن في كثير من ذلك نزاعا بين الناس (٢) .
لهذا كله لابد من شرح هذا الدليل وتوضيح بعض جزئياته، وبيان كيف أدى بهؤلاء الى هذه النتائج الباطلة التي خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصار ذمهم يتردد على لسان كل علم من أعلام أهل السنة والجماعة، وهذا سيفيد أيضا في بيان بطلانه، لأن الباطل أحيانا لا يحتاج إلى ردود، بل تصوره يكفي في بيان أنه باطل.
وشرحه سيكون- في الفقرة الأولى- ضمن ردود شيخ الإسلام على أصحاب هذا الدليل، وهي كما يلي:
١- أن الأشاعرة وأهل الكلام القائلين بهذا الدليل، مختلفون في كثير من تفاصيله، وإذا كان الدليل مبنيا على مقدمات يترتب بعضها على بعض، ثم جاء من يعارض في بعض المقدمات، فهو في هذه الحال يرد على من سلم بها، وخصمه أيضا يرد عليه ما أتى به من مقدمات بديلة عنها، وهكذا.
وبيان ذلك أن هؤلاء بعد أن سلموا بأن إثبات الصانع لا يعلم إلا بحدوث العالم، وحدوث العالم لا يعلم إلا بما به يعلم حدوث الأجسام- اختلفوا في كيفية تقرير دليل حدوث الأجسام:
فطائفة: قالت: إن الجسم لا يخلو عن الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث.
وطائفة: قالت: إن الجسم لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض وقالوا: إن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، ثم قالوا والعرض لا يبقى زمانين، فتكون الأعراض كلها حادثة شيئا بعد شيء، والأجسام لا تخلو منها.
_________________
(١) في المخطوطة عن سمات الحدوث، وسياق الكلام يقتضى حذف كلمة [سمات] هنا. والله أعلم.
(٢) نقض التأسيس- مخطوط- (١/١٢٢-١٢٣) .
[ ٣ / ٩٨٦ ]
وهذا المسلك هو المسلك المشهور للأشاعرة وهو ما ارتضاه الآمدي ورد ما سواه.
ومنهم: من قال: إن أجزاء العالم مفتقرة إلى ما يخصها بما لها من الصفات الجائزة لها، وكل ما كان كذلك فهو محدث، فالعالم محدث.
ومنهم: من قال: كل جسم متناهي القدر، وكل متناهي القدر محدث.
ومنهم: من قال: لو كان الجسم أزليا لكان في الأزل مختصا بحيز معين، لأن كل موجود مشار إليه حسا بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك، والأزلي يمتنع زواله، فامتنعت الحركة عليه، وقد ثبت جوازها.
ومنهم: من قال: كل ما سوى الواحد ممكن بذاته، وكل ممكن بذاته فهو مفتقر إلى الموثر، والموثر لا يوثر إلا في الحادث لا في الباقي.
ومنهم: من قال: لو كان الجسم قديما لكان قدمه، إما أن يكون عين كونه جسما، وإما مغايرا لكونه جسما، والقسمان باطلان، فبطل القول بكون الجسم قديما.
وقول الطائفة الأولى والثانية هو المشهور عند الأشاعرة، أما الأقوال الأخرى فقد حكاها بعض المتأخرين كالرازي والآمدي (١) .
والقائلون بقول الطائفة الأولى والثانية، تنازعوا في بعض مقدمات دليلهم:
* ففي المقدمة الأولى وهي: أن الجسم لا يخلو عن الحوادث، اختلفوا فيها:
ففريق: منهم قال: الجسم لا يخلو من الحركة والسكون، وهما حادثان.
وهذه طريقة المعتزلة، وذكرها الرازي (٢) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٢/٣٤٤،٣/٣، ٤، ٨، ١٨، ٣٥١، ٤٤٨، ٤٥١)، وأبكار الأفكار ج- ٢ ل ٩٥- ب- ١٠٤- ب وما بعدها، الأربعين للرازي (ص: ١٣- ٤١) .
(٢) انظر: الأربعين (ص: ١٣) .
[ ٣ / ٩٨٧ ]
وفريق: قال: إن الأجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق، وهما حادثان، وهذه طريقة الأشعري وغيره، وهذا القول مبني على القول بالجوهر الفرد الذي يقوم على أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة- من جوهرين فأكثر- فالجواهر إما مجتمعة أو متفرقة. ومن لم يقل بالجوهر الفرد لا يلزمه هذا الدليل، والأشاعرة مختلفون في إثبات الجوهر الفرد، فأكثرهم يثبته، وفيهم من ينفيه.
والطائفة الثانية: قالت- موافقة على المقدمة الأولى-: إن الجسم لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض، فخالفوا أقوال الطائفة الأولى لأن كل فريق ألزم الجسم أنواعا محددة من الأعراض، وكذا قولهم- وهي المقدمة الثانية للطائفة الثانية- إن العرض لا يبقى زمانين كثير من العقلاء قالوا: إن هذا باطل ضرورة.
* وفي المقدمة الثانية وهي قولهم: ما لم يخل من الحوادث فهو حادث.
فقد تنوعت عباراتهم فيها:
فتارة: يقولون: ما لم يخل من الحوادث لم يسبقها، وما لم يسبق الحوادث فهو حادث.
وتارة: يقولون: ما لم يسبق الحوادث- أو ما لم يخل منها- لا يكون الا معها أو بعدها، وما لا يكون الا مع الحوادث أو بعدها فهو حادث.
ثم بعض هؤلاء: لا يقرر هذه المقدمة بناء على ظهورها لأنهم يفهمون من "الحوادث" أن جملتها حادثة بعد أن لم تكن.
وفريق منهم: انتبه الى أن الدليل لم يستكمل بعد، لأن ما ذكروه من الدليل لم يدل إلا على أن الأجسام مقارنة لجنس الحوادث، لا تكون إلا ومعها حادث، فإذا قدر أن الحوادث دائمة، توجد شيئا بعد شيء دائما لم يلزم أن يكون ما لم يسبقها حادثا. فلهذا صار كثير منهم يحتاجون الى بيان امتناع حوادث لا أول لها (١) .
_________________
(١) انظر: فيما سبق شرح الأصفهانية (ص: ٢٦٤-٢٦٧) - ت السعوي- مطبوع على الآلة الكاتبة. ودرء التعارض (١/٣٠٢-٣٠٣)، ونقض التأسيس- مطبوع- (١/١٤١-١٤٤) .
[ ٣ / ٩٨٨ ]
ومن هذا العرض المفصل لأقوال هؤلاء حول دليلهم الذي رأوا أنه لا يمكن إثبات الصانع إلا به، والتزموا لأجله لوازم باطلة خالفوا بها الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة- من هذا العرض يتبين أنهم لم يتفقوا على مقدمة واحدة من مقدمات دليلهم:
- فاختلفوا في الأعراض والحوادث هل تكون شاملة أو مخصوصة بأنواع منها.
- واختلفوا في الجوهر الفرد.
- واختلفوا هل الصفات أعراض فيجب نفيها، أو ليست بأعراض.
- واختلفرا هل العرض يبقى زمانين أم لا؟
٢- كما أن بعض الأشاعرة صرحوا ببطلان مسالك أئمتهم وإخوانهم في تقرير دليل حدوث الأجسام، يقول شيخ الإسلام عن الآمدي والرازي: " والمقصود هنا ذكر ما قاله الآمدي، وذلك أنه لما ذكر مسالك الناس في إثبات حدوث الأجسام أبطل عامتها، واختار الطريقة المبنية على أن الجسم لا يخلو من الأعراض،
وأن العرض لا يبقى زمانين، فتكون الأعراض حادثة، ويمتنع حدوث ما لا نهاية له، وما لا يخلو من الحوادث التي لها أول فله أول. وذكر أن هذه الطريقة
هي المسلك المشهور للأشعرية وعليه اعتماده.
والرازي وأمثاله لم يعتمدوا هذا المسلك، لأنه مبني على أن الأعراض ممتنعة البقاء، وهذه مقدمة خالف فيها جمهور العقلاء، وقالوا: إن قائليها مخالفون للحس ولضرورة العقل، فرأى أن الاعتماد عليها في حدوث الأجسام في غاية الضعف (١) .
والآمدي قدح في الطرق التى اعتمد عليها الرازي كلها" (٢) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٢/٣٨٩- ٣٩٠، ٣/٣٠، ٤٥١-٤٥٣)، ومجموع الفتاوى (٥/٢١٥-٢١٦، ٦/٤٠-٤١، ١٦/٢٧٥) .
(٢) انظر: درء التعارض (٤/٢٦٧-٢٧٥)، وانظر: شرح الأصفهانية (ص: ٨٨) - ت السعوي.- ومجموع الفتاوى (١٢/ ١٤٠-١٤١)، والنبوات (ص: ٦٢) .
[ ٣ / ٩٨٩ ]
والرازي والآمدي من المتأخرين الذين خبروا المذهب وعرفوه، ولذلك جمعوا في كتبهم أقوال سابقيهم في هذه المسألة (١) وفحصوها، وعرفوا ما فيها من فجوات، وإن كان هذا لم يؤد بهم إلى الرجوع إلى الحق في المسائل التفصيلية، وإنما زادوا المذهب غلوا وتطرفا حين أدخلوا فيه أدلة ومذاهب الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم.
٣- كما أن أئمة الأشعرية- غير الرازي والآمدي- قد ذموا هذه الطريقة لطولها وغموضها وكثرة مقدماتها، ولأن الأنبياء لم يدعوا اليها، ومن هؤلاء أبو الحسن الأشعري، والغزالي، والخطابي، والبيهقي، والحليمي، والقاضي أبو يعلى، وابن عقيل، وغيرهم.
ومما ينبغي ملاحظته أن الذين ذموا دليل الأعراض وحدوث الأجسام نوعان:
"منهم من يذمها لأنها بدعة في الإسلام، فإنا نعلم أن النبيﷺ- لم يدع الناس اليها، ولا الصحابة؛ لأنها طويلة، مخطرة، كثيرة الممانعات والمعارضات. فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه، وهذه طريقة الأشعري في ذمه لها، والخطالى، والغزالي، وغيرهم ممن لا يصرح ببطلانها.
ومنهم: من ذمها لأنها مشتملة على مقدمات باطلة، لا تحصل المقصود بل تناقضه، وهذا قول أئمة الحديث وجهور السلف" (٢) .
_________________
(١) ذكر الرازي خمسة يراهين عل حدوث العالم، قدح الأرموي في كل واحد منها، انظرها مع قدح الأرموي فها في درء التعارض، البرهان الأول (٢/٣٤٤) وما بعدها، والثاني (٣/٣-٤)، والثالث (٣/٤-٨)، والرابع (٨/٣-١٨)، والخامس (٣/١٨/٢٣)، وقال شيخ الإسلام معقبا (٣/٢٣): "والمقصود هنا أن هذه البراهين الخمسة التي احتج بها على حدوث الأجسام قد بين أصحابه المعظمون له ضعفها، بل هو نفسه أيضا بين ضعفها في كتب أخرى مثل: المطالب العالية، وهي آخر ما صنفه، وجمع فها غاية علومه، والمباحث الشرقية، وجعل منتهى نظره وبحثه تضعيفها". أما الآمدي فقد ذكر سبعة مسالك، زيف ستة منها، واختار المسلك السابع الذي هو المسلك المشهور للأشاعرة، وهو دليل الأعراض وحدوث الأجسام. انظر: درء التعارض (١/٣٠٢، ٣/٤٤٨-٤٤٩، ٤/٢٦٧) .
(٢) الصفدية (١/٢٧٥) .
[ ٣ / ٩٩٠ ]
وشيخ الإسلام كثيرا ما يؤكد على الفرق بين هؤلاء وهؤلاء (١)، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك (٢) . كما سبق- في ترجمة الأشعري- نقل كلامه حول دليل الأعراض وقوله: إنه بدعة لم تدع إليه الرسل (٣) .
أما الخطابي فكلامه الذي نقله شيخ الإسلام في هذا الموضوع طويل، خاصة من كتابيه الغنية وشعار الدين (٤) .
فهذه نماذج من أقوال متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم- ومنهم الرازي- تبين كيف أن هؤلاء الأعلام انتقدوا هذا الدليل الذي جعله كثير منهم الأساس
الذي يقوم عليه دين الإسلام.
٤- وهذا الدليل يجب أن يكون باطلا لوجوه:
أ- أنه دليل طويل، كثير المقدمات التي لا يفهمها كثير من الناس.
ب- أنه دليل مبتدع في دين الله لم يدع إليه رسول اللهصلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه من بعده، ولا أئمة السلف، وإنما هو قول مبتدع، حدث بعد المائة الأولى وانقراض عهد التابعين.
ب- أنه يلزم عليه لوازم فاسدة، من نفي صفات الله، ونفي قدرته على الفعل، والقول بأنه فعل بعد أن كان الفعل ممتنعا عليه، وأنهرجح أحد المقدورين على الآخر بلا مرجح، وكل هذا خلاف المعقول الصحيح، وخلاف الكتاب والسنة.
_________________
(١) انظر: شرح حديث النزول- مجموع الفتاوى- (٥/٥٤٣-٥٤٤)، ودرء التعارض (١/٣٠٩)، ونقض التأسيس- مطبوع- (١/٢٤٨-٢٤٩) .
(٢) انظر: (ص: ٨٥٩-٨٦٠) .
(٣) انظر: (ص: ٤١٦-٤١٧) . وانظر تعليقات ابن تيمية حول موقف الأشعري من هذا الدليل في: التسعينية (ص: ٢٥٤-٢٥٥)، ونقض التأسيس- مطبوع- (١/١١٧)، والنبوات (ص: ٦٢)، ومجموع الفتاوى (٣/٣٠٣-٣٠٤، ٦/٥٢٠) ودرء التعارض (٤/٢٨٩، ٧/ ٧١، ٢٢٣-٢٢٤) .
(٤) انظر: درء التعارض (٧/٢٧٨-٣١٢، ٨/٣٥١ -٣٥٥) حبث نقل نصوصا من كتاب الغنية للخطابي، حول ذمه لدليل حدوث الأجسام، وانظر أيضا: نقض التأسيس- مطبوع- (١/١٧٦-١٨٢)، حيث نفل نصوصا من كتابه الآخر شعار الدين حول الموضوع نفسه.
[ ٣ / ٩٩١ ]
د- أن هذا أوجب تسلط الفلاسفة على المتكلمين في مسألة حدوث العالم إلى غير ذلك من الوجوه (١) .
٥- أما احتجاجهم على صحة دليل حدوث الأجسام بقصة الخليل، وأنه قال: "لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ" [الأنعام: ٧٦]، وقولهم: إن إبراهيم الخليل "استدل على حدوث الكواكب والشمس، والقمر بالأفول، والأفول هو الحركة، والحركة هي التغير، فلزم من ذلك أن كل متغير محدث، لأنه لا يسبق الحوادث، لامتناع حوادث لا أول لها، وكل ما قامت به الحوادث فهو متغير فيجب أن يكون محدثا، فهذه الطريق التي سلكناها هي طريقة إبراهيم الخليل" (٢) .
فقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه:
أ- "أن قول الخليل (هذا ربي) - سواء قاله على سبيل التقدير لتقريع قومه، أو على سبيل الاستدلال والترقي، أو غير ذلك- ليس المراد به: هذا رب العالمين القديم الأزلي، الواجب الوجود بنفسه، ولا كان قومه يقولون: إن الكواكب أو القمر أو الشمس رب العالمين الأزلي الواجب الوجود بنفسه، ولا قال هذا أحد من أهل المقالات المعروفة التي ذكرها الناس: لا من مقالات أهل التعطيل والشرك الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب، ولا من مقالات غيرهم، بل قوم إبراهيم - ﷺ- كانوا يتخذونها أربابا يدعونها ويتقربون اليها بالبناء عليها والدعوة لها والسجود والقرابين، وغير ذلك، وهو دين المشركين" (٣)، فليس هناك أحد من العقلاء يقول: إن شيئا من الكواكب أو الشمس أو غيرها هو خالق هذا العالم (٤) .
_________________
(١) انظر: فيما سبق شرح حديث النزول- مجموع الفتاوى (٥/٥٤١-٥٤٥)، وشرح الأصفهانية (ص: ١٣٤-١٣٥) - ت السعوى-. ودرء التعارض (١/٩٧-٩٩، ١٠٥، ٣٠٨ - ٨١٠، ٧/ ٧١؛ ٢٤٥،٢٤٢، ٩/١٧٠- ١٧١، ١٠/١٣٥)، ومنهاج السنة (٢/١٩٩-٢١٢) - المحققة.
(٢) درء التعارض (١/ ١٠٠- ١٠١)، وانظر في احتجاج الأشاعرة بهذا الدليل: ما سبق (ص: ٥٣٤، ٥٧٤-٥٧٥)، والاعتقاد للبيهقي (ص: ٤٠)، والشامل للجويني (ص: ٢٤٦)، وأساس التقديس للرازي (ص: ٢١-٢٢) - ط الحلبي-، وتفسير الرازي (سورة الأنعام آية ٧٦ وما بعدها) (١٣/٤٦) وما بعدها.
(٣) انظر: بغية المرتاد (المسمى بالسبعينية) (ص: ٢٦٠) - ت الدويش-، ومنهاج السنة (٢/١٤٢) - المحققة.
(٤) درء التعارض (١/٣١٣)، وانظر: منهاج السنة (١٤٤/٢) - المحققة.
[ ٣ / ٩٩٢ ]
ب- ولو قالوا: إن إبراهيم ﵇ أراد بقوله (هذا ربي) رب العالمين "لكانت قصة الخليل حجة على نقيض مطلوبهم؛ لأن الكوكب والقمر والشمس مازال متحركا من حين بزوغه إلى عند أفوله وغروبه، وهو جسم متحرك متحيز صغير، فلو كان مراده هذا للزم أن يقال: ان إبراهيم لم يجعل الحركة والانتقال مانعة من كون المتحرك المنتقل رب العالمين، بل ولا كونه صغيرا بقدر الكواكب والشمس والقمر. وهذا- مع كونه لا يظنه عاقل ممن هو دون إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهـ فإن جوزوه عليه كان حجة عليهم لا لهم" (١) . "فتبين أن قصة الخليل إلى أن تكون حجة عليهم أقرب من أن تكون حجة لهم. ولا حجة لهم فيها بوجه من الوجوه، (٢) .
ج-- أن مقصود إبراهيم عليه الصلاة لا إثبات التوحيد لله، لا إثبات الصانع. بخلاف ما ظنه هؤلاء (٣) .
د- أن إبراهيم﵇- "قال "لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ" فنفي محبته فقط ولم يتعرض لما ذكروه" (٤) .
هـ- "أن الأفول هو المغيب والاحتجاب، ليس هو مجرد الحركة والانتقال، ولا يقول أحد- لا من أهل اللغة ولا من أهل التفسير- إن الشمس والقمر في حال مسيرهما لي السماء: إنهما آفلان، ولا يقول للكواكب المرئية في السماء، في حال ظهورها وجريانها: إنها آفلة، ولا يقول عاقل لكل من مشى وسافر وسار وطار: إنه آفل (٥) "، "والأفول ليس هو الحركة، سواء كانت حركة مكانية وهي الانتقال، أو حركة في الكم كالنمو، أو في الكيف كالتسود والتبيض، ولا هو التغيير، فلا يسمى في اللغة كل متحرك أو متغير آفلا، ولا أنه أفل، ولا يقال للمصلي أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للمتغير الذي هو استحالة كالمرض
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٣١٣)، وانظر: منهاج النة (٢ / ١٤٤) - المحققة.
(٢) انظر: درء التعارض (١/ ١١١) .
(٣) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ١٣٧) - ت السعوي-.
(٤) بنية المرتاد (المسمى بالسبعينية) (ص: ٣٦٠) .
(٥) انظر: درء التعارض (١/٣١٣-٣١٤) .
[ ٣ / ٩٩٣ ]
واصفرار الشمس: إنه أفول، لا يقال للشمس إذا اصفرت: إنها أفلت، وإنما يقال: أفلت إذا غابت واحتجبت وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، أن آفلا بمعنى غائب وقد أفلت الشمس تأفل وتأفل أفولا: أي غابت ومعلوم أنه لما بزغ القمر والشمس كان في بزوغه متحركا، وهو الذي يسمونه تغيرا، فلو كان قد استدل بالحركة المسماة تغييرا لكان قد قال ذلك من حين رآه بازغا (١) ".
وبالرجوع إلى كتب أهل اللغة وغريب القرآن نجد أنهم لا يفسرون الأفول إلا بالمغيب فقط (٢)، وكذلك كتب التفسير، إلا أن الزمخشري شرح الأفول وساق الدليل ليوافق دليل حدوث الأجسام، أما البيضاوي فقد فسر الأفول بالمغيب لكنه ألمح إلى دليل حدوث الأجسام (٣) .
وقد اعترف العز بن عبد السلام بأن استدلال المتكلمين بهذه الآية مشكل غاية الإشكال، وبين ذلك بما ينقض استدلالهم (٤) .
و"أن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد من علماء السلف، أهل التفسير، ولا من أهل اللغة، بل هو من التفسيرات المبتدعة في الإسلام كما ذكر ذلك عثمان بن سعيد الدارمي وغيره من علماء السنة، وبينوا أن هذا من التفسير المبتدع (٥) ". وقد قال الدارمي في رده على المريسى: "واحتججت أيها المريسى في نفي التحرك عن الله والزوال بحجج الصبيان، فزعمت أن إبراهيم حين رأى كوكبا وشمسا وقمرا قال: "قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٠٩-١١) .
(٢) انظر في مادة أفل: الصحاح للجوهرى، وممجم مقاييس اللغة (١/١١٩)، ومجمل اللغة، ولسان العرب، وتاج العروس. والمعجم الكبير (مجمع اللغة العربية) . وانظر أيضا: تفسير المشكل عن غريب القرآن لمكي (ص: ٧٧)، وتحفة الأريب لأبي حبان (ص: ٤٧) - أما كتب غريب الحديث فلم ترد فيها مادة "أفل" فيما اطلعت عليه منها. وفي مجمع البحرين (٥/٣٠٧) للطريحي- شيعي إمامي- فسر أفل بمعنى غاب فقط.
(٣) انظر: تفسير الطبري (الأنعام آية: ٧٦) . وانظر أيضا: الكشاف وأنوار التنزيل نفس الآية.
(٤) انظر: فوائد في مشكل القرآن للعز بن عبد السلام (ص: ١١٩) .
(٥) انظر: درء التعارض (١/٣١٤) .
[ ٣ / ٩٩٤ ]
الْآفِلِينَ" [الأنعام: ٧٦] ثم قلت: فنفى إبراهيم المحبة عن إله زائل، يعني أن الله إذا نزل من سماء إلى سماء أو نزل يوم القيامة لمحاسبة العباد، فقد أفل وزال كما أفلت الشمس والقمر، فتنصل من ربوبيتهما إبراهيم، فلو قاس هذا القياس تركي طمطماني أو ذي أعجمية ما زاد على ما قست عليه قبحا وسماجة، ويلك، ومن قال من خلق الله: إن الله إذا نزل أو تحرك أو نزل ليوم الحساب أفل في شيء، كما تأفل الشمس في عين حمئة " (١)
أما أقوال أهل اللغة والتفسير فقد سبقت الإشارة إليها قريبا.
وبهذا يتبين بطلان استدلالهم بقصة إبراهيم على ما يدعونه من دليل حدوث الأجسام (٢) .كما يتبين أيضا بطلان من فسر الأفول بالإمكان كالرازي وابن سينا (٣)، ومن فسره بالعقول والنفوس كالغزالي (٤) .
٦- وشيخ الإسلام وهو يبطل دليلهم على حدوث العالم الذي هو دليل حدوث الأجسام، يذكر البديل عن ذلك، ويسوق أمثلة على الدليل الصحيح مبينا أن هؤلاء الدهرية الفلاسفة ليس معهم دليل صحيح على إثبات قدم شيء من العالم أصلا " بل غاية ما يستدلون عليه دوام نوع الفعل، وذلك لا يدل على قدم شيء معين للفرق بين العين والنوع الذي يعترفون بصحته، وإن لم يعترفوا بصحته لزم فساد مذهبهم من أصله (٥) ".
وهذا ما سيرد في الفقرة التالية:
_________________
(١) رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على المريسي العنيد (ص: ٤١٢-٤١٣) - ضمن عقائد السلف.
(٢) انظر أيضا: في مناقشة استدلالهم هذا الرد عل المنطقيين (ص: ٣٠٤-٣٠٧)، ودرء التعارض (٨/٣٥٥-٣٥٦، ٩/٨٢-٨٤) .
(٣) انظر في: مناقشتهما درء التعارض (١/٣١٤-٣١٥)، ومنهاج السنة (١/١٤٤- ١٤٥) - المحققة، وأيضا (٢/١٤١-١٤٣) - المحققة. وكلام ابن سينا في الإشارات والتنبيهات (٣/٥٣١-٥٣٢) . ت سليمان دنيا وكلام الرازي في تفسيره (١٣/٥٣-٥٥) .
(٤) انظر: الرد عليه في بغية المرتاد (ص: ٣٦٠-٣٧٤)، ودرء التعارض (٦/٣١٦ -٣١٨) .
(٥) شرح الأصفهانية (ص: ١٤١) - ت السعوي-.
[ ٣ / ٩٩٥ ]
ب- مسألة التسلسل والرد الصحيح على الفلاسفة الدهرية (ومسألة حوادث لا أول لها):
وهذه المسألة من المسائل الطويلة التي ذكرها شيخ الاسلام مبينا فيها بطلان مذهب الفلاسفة وضعف أدلة المتكلمين حول إثبات الصانع وحدوث العالم، وهي مباحث عويصة قال عنها شيخ الإسلام: إنها من محارات العقول (١)، بل قال عن بعض مسائلها وفروعها: إنها من الكلام المذموم (٢)، ولا شك أن شيخ الاسلام خاض فيها مضطرا ليبين خطأ وضلال أولئك الذين خاضوا فيها مخالفين لمنهج الرسل- صلوات الله وصلامه عليهم- وإلا فمسألة إثبات الصانع وحدوث ما سواه من المسائل البدهية التي يعرفها عوام المسلمين.
وقد اشتهر عن ابن تيمية أنه يقول بجواز حوادث لا أول لها، وتلقفها مناوئوه وحساده من أعداء السلف فرموه صراحة بأنه يقول بقدم العالم كالفلاسفة، وهؤلاء- إذا أحسنا الظن بهم- غاية ما عندهم أنهم لم يعرفوا إلا مذهبين في هذا الباب، مذهب الفلاسفة القائلين بقدم العالم، ومذهب شيوخهم المتكلمين القائلين بحدوث العالم لأدلة خاصة جاءوا بها، فظنوا أنه إذا بطل مذهب الفلاسفة صح مذهب المتكلمين، ولم يعلموا أن هناك في بعض المسائل المتعلقة بهذا الباب قولا ثالثا قال به أئمة السلف وجمهور المسلمين.
وتلخيص المسألة (٣) يمكن عرضه كما يلي:
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (١/٢٩٩) - ت رشاد سالم-، ط جامعة الامام.
(٢) المصدر السابق (١/٢١٢)، نفس الطبعة.
(٣) الكلام حول هذه المسألة ومقدماتها طويل جدا، وتوضيح رأى شيخ الإسلام في ذلك لا يتم إلا من خلال مناقشات عديدة لابد من إيرادها، حتى يفهم حقيقة مذهبه في ذلك. والموضوع له شقان: أ- شق يتعلق بأصل المسألة، وشيخ الإسلام مع جماهير المسلمين القائلين بحدوث العالم. وضد الفلاسفة الذين يقولون بقدم شيء من العالم، وهذه مسألة واضحة لا تحتاج إلى بيان. وإن كان شيخ الإسلام رد على المتكلمين ما أدى اليه استدلالهم هذا من نفي الصفات أو بعضها. ب- وشق يتعلق بالدفاع عن ابن تيمية فيما وجه اليه من تهمة القول بحوادث لا أول لها وهذه ضمن مسائل أخرى تحتاج إلى تأليف مستقل، وقد حاول أحد الباحثين [انظر: ابن تيمية المفترى عليه، تأليف سليم الهلالي، (ص: ٦٨-٩٨)] الدفاع عن ابن تيمية في هذه المسألة فأصاب في بعض الأوجه، ولم يصب في الأوجه الأخرى.
[ ٣ / ٩٩٦ ]
أ- استدل المتكلمون- كما سبق- بدليل حدوث الأجسام، على حدوث العالم، وكان مساق دليلهم يقتضي:
أ- نفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، ولذلك نفوا عن الله تعالى أن تقوم به صفات الأفعال، ولما قيل لهم إن تولكم إن الله خالق العالم بعد أن لم يكن العالم موجودا هو قول بحلول الحوادث به تعالى، فأجابوا بمذهبهم المشهور: إن الخلق هو المخلوق، ومعنى ذلك أن صفة الخلق لم تقم بهـ عند الخلق- وإنما وجد المخلوق منفصلا عنه. بينما جاهر المسلمين يقولون: إن الخلق غير المخلوق. فيفرقون بين ثلاثة أشياء: الخالق تعالى، وصفة الخلق التي قامت به تعالى كغيرها من الصفات، والمخلوق الموجد المنفصل عنه تعالى (١) . فيقال في الخلق مثل ما يقال في الكلام والاستواء والنزول من صفات الأفعال التي تقوم به تعالى، وهو سبحانه إذا شاء خلق وإذا شاء لم يخلق، وإذا شاء تكلم وإذا شاء لم يتكلم وهكذا فصفة الخلق قامت به، وعلى قول أولئك هو معطل عن هذه الصفة- وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان في مبحث الصفات-. فالأشاعرة قالوا: الخلق هو المخلوق هربا من القول بحلول الحوادث بذاته تعالى.
ب- لما قالوا: ما قامت به الحوادث فهو حادث، قالوا أيضا: ما لم يسبق الحوادث فهو حادث أو ما لم يخل من الحوادث فهو حادث، ثم قالوا بامتناع حوادث لا أول لها بناء على أن التسلسل ممتنع، وقد احتجوا على ذلك بدليل لهم سموه: برهان التطبيق (٢) وبناء على ذلك قالوا: إن الله تعالى لم يكن قادرا
_________________
(١) انظر: كلام البخاري في ذلك في خلق أفعال العباد (ص: ١٨٦-١٨٨) - ت البدر-.
(٢) دليل التطبيق، والموازاة والمسامتة، خلاصته: "أن مالا يتناهى إذا فرض فيه حد كزمن الطوفان، وفرض حد آخر كزمن الهجرة، وقدر امتداد هذين إلى مالا نهاية له، فإن تساويا لزم كون الزائد مثل الناقص وإن تفاضلا لزم وقوع التفاضل فيما لا يتناهى" درء التعارض (ص: ٣٠٤)، وانظر: الأربعين للرازي (ص: ١٥) . وقد رد على هذا الدليل بأن مثل هذا التفاضل جائز، مثل المستقبل، لأن من الطوفان إلى مالا نهاية له في المستقبل أعظم من الهجرة إلى مالا نهاية له في المستقبل، وهو جائز، ووجود التفاضل من الجانب المتناهي لا من الجانب الذي لايتناهى لامحذور فيه. ورد عليهم أيضا أن التطبيق إنما يمكن في الموجود لا في المعدوم فإن تضعيف الواحد أقل من عدد تضعيف العشرة، وعدد تضعيف العشرة أقل من عدد تضعيف المئة والجميع لايتناهى. انظر: درء التعارض (١/٣٠٤-٣٠٥، ٢/٣٦٥-٣٦٩، ٣/٤٠-٤٧، ٩/١٧٧-١٩٧-٢٠٢) -منهاج السنة (١/٤٣٢) - ط جامعة الإمام-.
[ ٣ / ٩٩٧ ]
على الفعل في الأزل ثم صار قادرا (١)، أو بمعنى آخر قالوا: إن الفعل كان ممتنعا عليه تعالى ثم صار ممكنا، والذى ألجأهم إلى هذا أن يسلم لهم القول بحدوث العالم لأنه لو قيل بجواز أن يكون قادرا على الخلق قبل ذلك لأدى ذلك إلى صحة القول بقدم العالم، لأنه ما من زمن يفترض فيه خلق العالم إلا وجائز أن يقع
قبله، لأن الله أزلي. وهذا ممتنع.
٢- بناء على قول المتكلمين في منع التسلسل في الماضي، صارت الأقوال في التسلسل في الآثار ثلاثة:
أ- منعه في الماضي والمستقبل، وهذا قول جهم والعلاف، وحجة هؤلاء أنه اذا كان ممتنعا في الماضي فيجب أن يكون ممتنعا في المستقبل، فقال
الجهم بفناء الجنة والنار، وقال العلاف بفناء حركات أهلهما.
ب- منعه في الماضي وتجويزه في المستقبل، وهذا قول أكثر أهل الكلام الذين يقولون بدوام نعيم الجنة.
ب- جوازه فيهما، وهو قول أهل السنة والحديث (٢) .
ويلاحظ أن المقصود التسلسل في الآثار لا في الفاعلين لأن هذا مقطوع بامتناعه وأنه لابد أن ينتهي إلى الخالق تعالى.
وقد اعترض على المتكلمين في قولهم بجواز دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي، بأنه لا دليل لهم على التفريق بينهما، وقد ذكر الجويني فرقا ضرب
_________________
(١) وقول بعضهم إن الله كان قادرا في الأزل على ما لم يزل، متناقض، لأنه يقال لهم: حين كان قادرا هل كان الفعل ممكنا، فلابد أن يقولوا: لا، فيقال لهم: كيف وصف بالقدرة مع امتناع المقدور؟. انظر: درء التعارض (٩/١٨٥)، ومجموع الفتاوى (١٦/٢٣٨) .
(٢) انظر: منهاج السنة (١/٩٩، ١٢٢، ٢٢١-٢٢٢، ٢/٣٠٧) - المحققة. ط دار العروبة. وأيضا (٢/٢٣-٢٥) - مكتبة الرياض الحديثة- والصفدية (١/١٠-١١، ٢٢-٢٧)، ودرء التعارض (١/٣٦٣، ٤/ ٢٩٢-٢٩٣، ٩/ ١٨٠-١٨٥، ٢٣٨- ٢٤١)، ومسألة الأحرف- مجموع الفتاوى. (١٢/٤٥) .
[ ٣ / ٩٩٨ ]
له مثالا، لكن مثاله لم يكن مطابقا، ولذلك نوقش فيه (١) .
٣- لما رأى الفلاسفة أن هذا مذهب المتكلمين اعترضوا على دليلهم في إثبات حدوث العالم باعتراضين:
أحدهما: أن في قولكم- لم يكن قادرا ثم صار قادرا- ترجيحا لأحد طرفي الممكن بلا مرجح، والترجيح لابد له من مرجح تام يجب به، ثم قالوا والقول بوجود سبب بقتضي الترجيح يحتاج إلى سبب آخر وهكذا إلى غير نهاية فيلزم التسلسل وهو ممتنع عندكم.
الثالي: أن الموثر التام يستلزم أثره، والعلة التامة تستلزم معلولها، ومن ثم قال هؤلاء الفلاسفة بقدم العالم لأن العلة التامة الأزلية يجب أن يقارنها معلولها.
٤- أجاب المتكلمون عن اعتراض الفلاسفة الأول بأن المرجح عندهم:
الإرادة القديمة أو القدرة، أو العلم القديم، أو إمكان الحدوث، أو غير ذلك.
لكن الفلاسفة قالوا: إن هذه الأجوبة غير مفيدة، لأن هذه الأمور إن لم يحدث بسببها حادث لزم الترجيح بلا مرجح، وإن حدث سبب حادث فالكلام في حدوثه كالكلام في حدوث ما حدث به (٢) .
وبعضهم أجاب بتجويز ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، وانتفاء هذا وبطلانه متفق عليه بين العقلاء، حتى إن الرازي جعل ذلك- أي أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه الا بمرجح- مقدمة ضرورية (٢) .
وبعض الأشاعرة- كالرازي- عدل إلى الإلزام في هذه المسألة وهو أن هذا يقتضي أن لا يحدث في العالم حادث، والحس يكذبه، وقد أجاب الفلاسفة بأن هذا يلزم إذا كان التسلسل باطلا- وأنتم تقولون بإبطالهـ وأما نحن فلا نقول
_________________
(١) انظر: الإرشاد (ص: ٢٦-٢٧)، ودرء التعارض (٢/٣٥٨-٣٥٩، ٩/١٨٦) .
(٢) انظر: درء التعارض (١/٣٢٢) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٨/٢٩١) .
[ ٣ / ٩٩٩ ]
بإبطاله، ولذلك فإذا كان الحدوث موقوفا على حوادث متجددة زال هذا المحذور (١) .
وبهذا يتبين أن المتكلمين- أشاعرة ومعتزلة- لم يستطيعوا التخلص من هذا المأزق الذي وقعوا فيه، يقول شيخ الإسلام: "وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم: يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث، ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع وقال لهم الناس: هذا ينقض الأصل الذي أثبتم به الصانع، وهو أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح؛ فإذا كانت الأوقات متماثلة، والفاعل على حال واحدة لم يتجدد فيه شيء أزلا وأبدا، ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه، كان ذلك ترجيحا بلا مرجح " (٢)، ثم بين شيخ الإسلام أن قول ملاحدة الدهرية والفلاسفة ينزع إلى هذا الأصل وهو إثبات حدوث حادث بلا سبب حادث (٢) .
٥- كما أجاب المتكلمون عن اعتراض الفلاسفة الثاني وهو دليل العلة التامة بأن قالوا "المؤثر التام يجوز بل قد يجب أن يتراخى عنه أثره، فقالوا:
البارى كان في الأزل مؤثرا تاما وتراخى عنه أثره" (٤)، ولكن رد عليهم بأن هذا باطل لأنه يلزم منه " أن يصير المؤثر مؤثرا تاما بعد أن لم يكن موثرا تاما بدون سبب حادث، أو أن الحوادث تحدث بدون مؤثر تام، وأن الممكن يرجح وجوده على عدمه بدون المرجح التام" (٥)، وهذا كله باطل.
٦- أما موقف ورأي ابن تيمية فيما جرى بين الفلاسفة والمتكلمين حول حدوث العالم فيتلخص بما يلي:
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٣٢٢) .
(٢) المصدر السابق (٨/١٠٧) .
(٣) المصدر نفسهـ نفس الجزء والصفحة- وانظر أيضا: حول الترجيح بلا مرجح: الصفدية (١/١٤٤)، وشرح حديث النزول- مجموع الفتاوى (٥/٥٥٩- ٥٦٠)، والمسألة المصرية في القرآن - الفتاوى (١٢/٢١٤)، ومنهاج السنة (١/١٤٥-١٤٦) - المحققة- ط مكتبة دار العروبة، ودرء التعارض (٣/٦٣، ٨/٢٩١-٢٩٥، ٩/١٦١- ١٦٦) .
(٤) درء التعارض (٨/٢٧٠) .
(٥) المصدر السابق (٣/٦٣) .
[ ٣ / ١٠٠٠ ]
أ- أن دليل المتكلمين- معتزلة وأشاعرة- على حدوث العالم أدى بهم إلى نفي صفات الله تعالى، وأن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام يقوم به، بلا كلامه مخلوق منفصل عنه، وأن الله لا يرى في الآخرة، هذا عند المعتزلة.
أما الأشاعرة فقد التزموا نفي الصفات الفعلية عن الله تعالى بناء على أنها حوادث، وما حلت به الحوادث فهو حادث. كما التزم متأخروهم- مع المعتزلة- نفي علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه، وهذا كله من أعظم الباطل المخالف لدين الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ب- أن إجابات المتكلمين عن اعتراضات الفلاسفة كانت ضعيفة ولذلك تسلط هؤلاء عليهم، حيث ظنوا أن هذا الذي يقوله المتكلمون هو دين الرسل، يقول شيخ الإسلام: " وكان ذلك مما سلط الدهرية القائلين بقدم العالم، لما علموا حقيقة قولهم وأدلتهم ونسوا فساده، ثم لما ظنوا أن هذا قول الرسول -ﷺ- واعتقدوا أنه باطل قالوا: إن الرسول لم يبين الحقائق، سواء علمها أو لم يعلمها، وإنما خاطب الجمهور بما يخيل لهم ما ينتفعون به. فصار أولئك المتكلمون النفاة مخطين في السمعيات والعقليات، وصار خطؤهم من أكبر أسباب تسلط الفلاسفة، لما ظن أولئك الفلاسفة الدهرية أنه ليس في هذا المطلوب إلا قولان: قول أولئك المتكلمين، وقولهم. وقد رأوا أن قول أولئك باطل. فجعلوا ذلك حجة في تصحيح قولهم، مع أنه ليس للفلاسفة الدهرية على قولهم بقدم الأفلاك حجة عقلية أصلا، وكان من أعظم أسباب هذا أنهم لم يحققوا معرفة ما بعث الله به رسولهصلى الله عليه وسلم- " (١) .
وذلك أن جواب المتكلمين حول الترجيح بلا مرجح، والعلة التامة كان جوابا ضعيفا.
فمثلا قول جمهور الأشاعرة: إن المرجح هو الإرادة القديمة (٢)، قول ضعيف لأنهم " ذكروا لها ثلاثة لوازم، والثلاثة تناقض الإرادة:
_________________
(١) شرح حديث عمران بن حصين- مجموع الفتاوى (١٨/٢٢٤-٢٢٥) .
(٢) وهو الجواب الذي ذكره الغزالي في رده على الفلاسفة، انظر: التهافت (ص: ٩٦) وما بعدها.
[ ٣ / ١٠٠١ ]
الأول: قالوا: إنها تكون ولا مراد لها، بل لم يزل كذلك، ثم حدث مرادها من غير تحول حالها. وهذا معلوم الفساد ببديهة العقل، فإن الفاعل إذا أراد أن يفعل فالمتقدم كان عزما على الفعل وقصدا له في الزمن المستقبل لم يكن إرادة للفعل في الحال، بل إذا فعل فلابد من إرادة الفعل في الحال .
الثاني: قولهم: إن الإرادة ترجح مثلا على مثل. فهذا مكابرة، بل لا تكون الإرادة إلا لما ترجح وجوده على عدمه عند الفعل، إما لعلمه بأنه أفضل، أو لكون محبته له أقوى .
الثالث: قولهم: إن الإرادة الجازمة يتخلف عنها مرادها مع القدرة. فهذا أيضا باطل، بل متى حصلت القدرة التامة والإرادة الجازمة وجب وجود المقدور وحيث لا يجب فإنما هو لنقص القدرة أو لعدم الإرادة التامة، والرب تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن " (١) .
وكذا جوابهم عن شبهة العلة التامة وقولهم: إنه يجب أن يتراخى عنها معلولها، فإنه جواب غير صحيح، كما أن قول الفلاسفة إنه يجب أن يقارنها معلولها بالزمان قول باطل. والصحيح قول ثالث: "وهو أن التأثير التام من المؤثر يستلزم الأثر، فيكون عقبه، لامقارنا له، ولامتراخيا عنه، كما يقال: كسرت الإناء
فانكسر، وقطعت الحبل فانقطع، وطلقت المرأة فطلقت، وأعتقت العبد فعتق، قال تعالى:"إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" [يس: ٨٢]، فإذا كون شيئا كان عقب تكوين الرب له، لا يكون مع تكوينه ولامتراخيا عنه. وقد يقال: يكون مع تكوينه، بمعنى: إنه يتعقبه لا يتراخى عنه.
وهو سبحانه ما شاء كان ووجب بمشيئته وقدرته، وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته له، وعلى هذا فكل ما سوى الله تعالى لا يكون إلا حادثا مسبوقا بالعدم، فإنه يجب أن يكون عقب تكوينه له فهو مسبوق بغيره سبقا زمانيا، وما كان كذلك لا يكون إلا محدثا، والمؤثر التام يستلزم وجود أثره عقب كمال
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/٤٥٨-٤٥٩)، وانظر أيضا (١٦/٣٠٥) .
[ ٣ / ١٠٠٢ ]
التأثير التام" (١) . أما قول الفلاسفة فيلزم منه أمور باطلة منها أنه لا يحدث في العالم شيء، وهذا خلاف المحسوس (٢) .
ب- أن القول الحق في مسألة التسلسل في الآثار قول أئمة السلف وهو جوازه في الماضي والمستقبل، لكن هذا القول وإن قال به الفلاسفة إلا أن مذهب الفلاسفة في حقيقته باطل. ومذهب السلف يتميز عنه بأمور:
منها: أن السلف يقولون بأن الله متصف بصفات الكمال، كالعلم والإرادة والقدرة وغيرها، كما أنه تعالى يتكلم إذا شاء متى شاء، وهو الفعال لما يريد. وهو الخلاق العليم، أما الفلاسفة فينكرون هذه الصفات جميعها، وهذا غاية التعطيل والنقص. ولذلك آلت أقوالهم في التسلسل إلى القول بقدم العالم، وإذا أقروا بوجود الله سموه علة فاضت منها نفوس وعقول وأفلاك بلا إرادة منه، إلى غير ذلك من أقوالهم الفاسدة.
ومنها: أن الفلاسفة لم يفرقوا بين الآحاد والنوع من المفعولات، فقالوا بقدم الآحاد، وهذا هو التسلسل الباطل الممتنع، أما السلف فيقولون بقدم النوع، لأن الله لم يزل مريدا، خلاقا، فاعلا، متكلما إذا شاء متى شاء.
يقول شيخ الإسلام في رده على الفلاسفة:"ومن أسباب ذلك [أي ضلالهم في قولهم بقدم العالم] أنهم لم يعرفوا حقيقة السمع والعقل، فلم يعرفوا ما دل عليه لكتاب والسنة، ولم يميزوا في المعقولات بين المتشابهات، وذلك أن العقل يفرق بين كون المتكلم متكلما بشيء بعد شيء دائما، وكون الفاعل يفعل شيئا بعد شيء دائما، وبين آحاد الفعل والكلام فيقول: كل واحد من الأفعال لابد أن يكون مسبوقا بالفاعل وأن يكون مسبوقا بالعدم، ويمتنع كون الفعل المعين مع الفاعل أزلا وأبدا [كما هو قول الفلاسفة] وأما كون الفاعل لم يزل يفعل فعلا بعد فعل فهذا من كمال الفاعل، فإذا كان الفاعل حيا وقيل: إن الحياة
_________________
(١) درء التعارض (٨/٢٧٠ - ٢٧١)، وانظر أيضا (٣٥٨/١-٣٧٢، ٦٢/٣) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٨/٢٧١) .
[ ٣ / ١٠٠٣ ]
مستلزمة الفعل والحركة- كما قال ذلك أئمة أهل الحديث كالبخاري والدارمي وغيرهما- وأنه لم يزل متكلما إذا شاء وبما شاء ونحو ذلك- كما قاله ابن المبارك وأحمد وغيرهما من أئمة أهل الحديث والسنة- كان كونه متكلما أو فاعلا من لوازم حياته، وحياته لازمة له، فلم يزل متكلما فعالا مع العلم بأن الحي يتكلم
ويفعل بمشيئته وقدرته، وأن ذلك يوجب وجود كلام بعد كلام وفعل بعد فعل.
فالفاعل يتقدم على كل فعل من أفعاله، وذلك يوجب أن كل ما سواه محدث مخلوق. ولا نقول: إنه كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق له قدرة،
والذى ليس له قدرة هو عاجز، ولكن نقول: لم يزل الله عالما قادرا مالكا، لا شبه له ولا كيف. فليس مع الله شيء من فعولاته قديم معه، لا، بل هو
خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن، وإن قدر أنه لم يزل خالقا فعالا" (١)، ثم يقول شيخ الإسلام رادا على المتكلمين والفلاسفة: "وإذا قيل: إن الخلق صفة كمال لقوله تعالى:"أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ" [النحل: ١٧] أمكن أن تكون خالقيته دائمة، وكل مخلوق له محدث مسبوق بالعدم، وليس مع الله شيء قديم. وهذا أبلغ في الكمال من أن يكون معطلا غير قادر على الفعل ثم يصير قادرا، والفعل ممكنا له بلا سبب، وأما جعل المفعول المعين مقارنا له أزلا وأبدا فهذا في الحقيقة تعطيل لخلقه وفعله، فإن كون الفاعل مقارنا لمفعوله أزلا وأبدا مخالف لصريح المعقول" (٢) .
ومنها: أنه يلزم على قول الفلاسفة أن لا يحدث في العالم شيء، وهذا باطل مخالف للمحسوس، لأن العالم حادث مخلوق مشاهد، وقولهم: إنه أزلي مقارن لفاعله بالزمان يستلزم عدم وجوده وهذا باطل، فقول الفلاسفة لم يزل الفلك مقارنا لله أزلا وأبدا يمنع أن يكون مفعولا له لأن الفاعل لابد أن يتقدم على فعله (٣) .
د- الرد على الفلاسفة في قولهم بقدم العالم أو بعضه كالأفلاك، أو النفوس
_________________
(١) شرح حديث عمران بن حصين- مجموع الفتاوى (١٨/٢٢٧-٢٢٨)، ودرء التعارض (٨/٣٣٧- ٣٤٦، ٩/١٤٧-١٥٨، ١٧٨-١٩٠) .
(٢) شرح حديث عمران بن حصين- مجموع الفتاوى (١٨/٢٢٨) .
(٣) شرح حديث عمران بن حصين- مجموع الفتاوى (١٨/٢٢٩) .
[ ٣ / ١٠٠٤ ]
والعقول-كما يقوله بعضهم- وشيخ الإسلام لما بين ضعف ردود المتكلمين على الفلاسفة، بين أيضا أن الفلاسفة أنفسهم ليس معهم أى دليل يدل على قولهم، بل أقوالهم ظاهرة البطلان من وجوه عديدة (١) .
وشيخ الإسلام لما يقرر في مناسبات عديدة أن ما سوى الله محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وأن كل قول يخالف ذلك فهو قول باطل إنما يقرر ذلك ليبين أن مذهب السلف في ذلك مخالف لما قد يتوهمه بعض المتكلمين من أن القول بحدوث العالم لا يتم ولا يصح إلا بأن يقال: إن الله كان معطلا عن الفعل ثم فعل وإلا لزم القول بقدم العالم، يقول شيخ الإسلام "والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وباطل، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم في مسألة حدوث العالم ونحوها استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها، فظن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أنهم إذا أبطلوا قول هؤلاء بامتناع حوادث لا أول لها، وأقاموا الدليل على دوام الفعل، لزم من ذلك قدم هذا العالم ومخالفة نصوص الأنبياء وهذا جهل عظيم، فإنه ليس للفلاسفة ولا لغيرهم دليل واحد عقلي صحيح يخالف شيئا من نصوص الأنبياء، وهذه مسألة حدوث العالم وقدمه، لا يقدر أحد من بني آدم أن يقيم دليلا على قدم الأفلاك أصلا، وجميع ما ذكروه ليس فيه ما يدل على قدم شيء بعينه من العالم أصلا، وإنما غايتهم أن يدلوا على قدم نوع الفعل، وأن الفاعل لم يزل فاعلا، وأن الحوادث لا أول لها، ونحو ذلك مما لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم، وهذا لا يخالف شيئا من نصوص الأنبياء، بل يوافقها، وأما النصوص المتواترة عن الأنبياء بأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وأن الله خالق كل شيء، فكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، فلا يمكن أحدا أن يذكر دليلا عقليا يناقض هذا " (٢) .
_________________
(١) انظر: على سبيل المثال درء التعارض (١/٣٥١، ٣٥٨، ٣٩٨) وما بعدها (٣/٢٩٩، ٨/١٣٩، ٩/٢١١- ٢٢١)، ومنهاج السنة (١/١٧٦-١٧٧، ١٨٠- ١٨١، ١٨٧-٢٩٨) - ط جامعة الإمام-.
(٢) درء التعارض (٨/٢٧٩-٢٨٠) .
[ ٣ / ١٠٠٥ ]
وقد ذكر شيخ الإسلام وجوها أخرى تبين فساد مذهب الفلاسفة، وتوضح الفرق بين مذهبهم ومذهب أهل السنة في ذلك (١) .
فمذهب ومنهج شيخ الإسلام في هذا واضح جدا، والذين يتهمونه بالميل إلى مذهب الفلاسفة حينما قال بجواز حوادث لا أول لها:
- إما أنهم جاهلون بحقيقة مذهبه في هذه المسألة.
- وإما أنهم ممن سار على طريقة المتكلمين، فظن أنه لا يصح القول
بحدوث العالم إلا على هذه الطريقة التى سلكها هؤلاء ومن خالفها فهو قائل بقدم العالم.
- وإما أنهم حاقدون على شيخ الاسلام- لأمور كثيرة- فرأوا أن هذه المسألة تصلح للتشنيع عليه ورميه بما هو برىء منه.
وليس مع أي من هؤلاء حجة على صحة قوله، ولا على بطلان ما قاله شيخ الإسلام، والدليل على ذلك أن أحدا منهم لم يناقش ما في كتب شيخ الإسلام مناقشة علمية، بل غاية ما يذكرونه كليمات يقذفونها في ثنايا كتبهم أو حواشيها يتهمون فيها شيخ الاسلام بالقول بقدم العالم (٢)، كما يتهمونه بغيره من التجسيم
والتشبيه والحشو.
هـ- أما أدلة السمع فيرى شيخ الإسلام أنها موافقة لما ذهب إليه السلف، مبطلة لمذهب الفلاسفة والمتكلمين، يقول شيخ الإسلام عن الفلاسفة: " وهؤلاء
_________________
(١) انظر: بعض هذه الأوجه في درء التعارض (٨/١٦١-١٦٣، ٢٧١-٢٧٦) .
(٢) من هؤلاء أبو بكر الحصني المتوفي سنة ٨٢٩ هـ في كتابه دفع شبه من شبه وتمرد، الذي خصصه للطعن في شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد اتهم شيخ الإسلام بأنه يقول بقدم العالم انظره: (ص: ٦٠) . ومن هؤلاء الكوثري- الحاقد- كشيخه الحصني على أهل السنة، والذى ملأ الكتب التي صححها بحواش كلها سباب وشتائم لأعلام أهل السنة ولشيخ الإسلام ابن تيمية بالذات، انظر مثلا: تعليقه على الأسماء والصفات للبيهقي (ص: ٣٧٥)، وتعليقه على السيف الصقيل- للسبكي- الذي رد فيه على نونية ابن القيم (ص: ٧٢-٧٤) وغيرها، ومن هؤلاء أيضا من سمى نفسه ب- " أبي حامد بن مرزوق" في كتابه براءة الأشعريين- الذي ملأه سبابا وشتائم في ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب (٢/٣١، ٨٨) . ومن هؤلاء من ألف كتابا سماه: ابن تيمية ليس سلفيا. انظره (ص: ١٢٤) ومابعدها.
[ ٣ / ١٠٠٦ ]
أبعدوا (١) أن يمكنهم إقامة الدليل على قدم شيء من العالم، فإن الفاعل الذي يفعل بإرادات قائمة به بذاته شيئا بعد شيء، لا يقوم لهم دليل على أن شيئا من مفعولاته لم يزل مقارنا له، إذ يمكن أنه فعل مفعولا بعد مفعول، وأن هذا العالم خلقه من مادة كانت قبله، كما أخبرت بذلك الرسل، فأخبر الله تعالى
في القرآن أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش وأخبر أنه سبحانه: " اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا
وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" [فصلت: ١١-١٢] وقال في الآية الأخرى: "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [البقرة: ٢٩]، فأخبر أنه سواهن سبع عوات في يومين، وأن السماء كانت دخانا، وهو بخار الماء كما جاء تفسيره في عدة آثار: أنه خلق السموات من بخار الماء (٢)، والبخار
دخان الماء، كما أن دخان الأرض دخان، وإن أريد بالدخان دخان التراب قط، أو دخان التراب والماء، فكل ذلك فيه إخبار الله أنه خلق السموات السبع من
مادة أخرى، كما أخبر أنه خلق الإنسان من مادة وأنه خلق الجان من مادة " - ثم قال بعد ذكر بعض النصوص: " ففي هذه الآثار المنقولة عن الأنبياء أنه كان موجودا قبل خلق هذا العالم أرض وماء وهواء، وتلك الأجسام خلقها الله من أجسام أخرى، فإن العرش أيضا مخلوق، كما أخبرت بذلك النصوص، واتفق
على ذلك المسلمون" (٣) .
_________________
(١) كذا ولعل الصواب [أبعد من] .
(٢) انظر تفسير آية: ٢٩ من سورة البقرة في الطبري (١/٤٣٣-٤٣٦) - ت شاكر-، وابن كثير، والدر المنثور للسيوطي. وانظر الرد على الجهمية للدارمي (ص: ٣١-٣٢) - ت بدر البدر-، والأسماء والصفات للبيهقي (ص: ٣٧٩)، وتاريخ الطبري (١/٣٢- ١ ٤)، والتوحيد لابن خزيمة (٢/٨٨٦-٨٨٨) - ت الشهوان-، والعرش لابن أبي شيبة (ص: ٤٩-٥٥) .
(٣) درء التعارض (٨/٢٨٧- ٢٩٠)، وانظر أيضا: درء التعارض (١/٣٤٧-٣٤٨)، ومنهاج السنة (١/٣٦٠-٣٦٤) - ط جامعة الإمام-. وشرح حديث عمران بن حصين- مجموع الفتاوى (١٨/٢٣٤-٢٣٦)، وبغية المرتاد (ص: ٢٨٧-٢٨٨) - ت الدويش-.
[ ٣ / ١٠٠٧ ]
فالنصوص دلت على حدوث العالم، كما دلت على أن هذه السموات والأرض قد خلق قبلها مخلوقات، وأن هذه الخلوقات قد خلقت من مادة. وكلام السلف ورواياتهم في ذلك واضحة جدا (١)، ومذهب المتكلمين القائلين بأن الله لم يكن فاعلا في الأزل ثم فعل وخلق، يلزم منه أن البارى تعالى كان معطلًا منذ الأزل إلى بدء الخلق، أي أنه تعالى قبل خلق الخلق، إلى ما لا نهاية له كان معطلا غير فاعل، وهم يقولون يجب أن يكون كذلك. والمتدبر للمسألة يجد هذا القول خطيرا جدا لأنه يلزم منه وصف الله في هذه المدد التي لا نهاية لها بالتعطيل عن صفة الخلق التي أجمع عليها الناس والتي هي من أوضح الدلائل على ربوبيته ووحدانيته.
وإذا كان الله متصفا بصفة الحياة والعلم والقدرة والإرادة أزلا فكيف يقول قائل: إن الله يجب أن يكون معطلا وغير فاعل؟.
ولكن بقي في الأدلة السمعية حديثان، كثيرا ما يحتج بهما المتكلمون وغيرهم على مذهبم في خلق العالم:
أحدهما: حديث "أول- أو إن أول- ما خلق الله القلم، فقال له اكتب، قال: رب وماذا اكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم
الساعة " (٢) .
_________________
(١) انظر الفقرة- قبل السابقة، وما سبق إيراده قبل قليل.
(٢) هو حديث مشهور مروي عن عبادة بن الصامت وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم، رواه أبو داود: كتاب السنة، باب في القدر، ورقمه (٤٧٠٠)، والترمذي في كتاب القدر باب رقم (١٧) ورقمه (٢١٥٥)، وكتاب التفسير- باب ومن سورة ن- ورقمه (٣٣١٩)، وأحمد في مسنده (٥/٣١٧)، وابنه عبد الله في السنة، ورقمه (٨٧١- ٨٧٢) - ت القحطاني-، وأبو داود الطيالسي في مسنده، رقم (٥٧٧)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/٩٢)، وابن وهب في كتاب القدر، رقم (٢٧،٢٦) (ص: ١٢١-١٢٢)، وابن الجعد في مسنده رقم (٣٥٦٩)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده رقم (٢٣٢٩)، (٤/٢١٧) - ت أسد-، وفي المعجم- معجم شيوخهـ رقم (٦٩)، والطبراني في الكبير رقم (١٢٥٠٠)، (١٢/٦٨-٦٩)، وفي الأوائل رقم (١)، وابن أبي شيبة في المصنف رقم (١٧٧٧١)، (١٤/١١٤)، والدولابي في الكنى (١/١٠٣)، والحاكم في المستدرك (٢/٤٩٨)، والآجري في الشريعة (ص: ١٧٧-١٧٩)، والدارمي في الرد على الجهمية (ص: ١٢١) - ت البدر-، وفي رده على المريسي (ص: ٥٥٣-٥٥٤) ضمن عقائد السلف، =
[ ٣ / ١٠٠٨ ]
والثاني: حديث عمران بن حصين- في قصة وفد بنى تميم والأشعريين - وفيه أن النبيﷺ- قال: كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض " (١)، وفي لفظ ولم يكن شيء غيره، وفي لفظ: معه (٢) .
_________________
(١) = وابن جرير في تاريخه (١/٣٢-٣٤)، وفي تفسيرهـ سورة ن- آية رقم: ١، وابن أبي عاصم في السنة رقم (١٠٢-١٠٨)، وفي الأوائل رقم (١-٣)، والدارقطني في الصفات رقم (١٤)، (ص: ٣٥-٣٦) - ت الفقيهي-، و(١٨-١٩) - ت الغنيمان-، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/٣)، وفي الأسماء والصفات (ص: ٣٧٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/١٨١)، والحديث بمجموع طرقه صحيح. وقد صححه الألباني في صحيح الترمذي رقم (١٧٤٩)، وسلسلة الصحيحة رقم (١٣٣)، وتخريج الطحاوية (ص: ٢٩٤-٢٩٥) - ط الرابعة-. وفي ظلال الجنة رقم (١٠٢-١٠٨) .
(٢) رواه البخارى، كتاب بدء الخلق- باب ما جاء في قول الله تعالى: (وهو الذي ييدأ الخلق ثم يعيده) [الروم: ٢٧]، ورقمه (٣١٩١)، (الفتح ٦/٢٨٦)، وفي كتاب التوحيد، باب (وكان عرشه على الماء) [هود: ٧] ورقمه (٧٤١٨)، (الفتح: ١٣/٤٠٣)، كما رواه في مواضع أخرى مختصرا، ورواه الإمام أحمد (٤/٤٣١) - مطولا- (٤/٤٢٦، ٤٣٣، ٤٣٦) - مختصرا- والترمذي مختصرا في كتاب المناقب، باب مناقب في ثقيف وأبي حنيفة، ورقمه (٣٩٥١) - ت عطوة-. كما رواه أبو الشيخ في العظمة رقم (٢٠٧)، والنسائي في الكبرى، كما في تحفة الأشراف، رقم (١٠٢٩) . وغيرها من كتب السنة.
(٣) ذكر شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٨/٢١٦)، وفي الصفدية (١/١٥) أن الألفاظ الثلاثة في البخاري، أي لفظة: غيره، وقبله،- ومعهـ وقال في مجموع الفتاوى (٢/٢٧٥): ولفظ الحديث المعروف عند علماء الحديث الذي أخرجه أصحاب الصحيح " كان الله ولا شيء معه". أما رواية "غيره" فهي في بدء الخلق، وأما رواية " قبله" فهى في التوحيد. وأما رواية " معه" فقد ذكر الألباني في تخريج الطحاوية (ص: ١٣٩) - ط الرابعة- أنه لم يجدها في البخاري. وقد بحثت في طبعات البخاري- بولاق، واسطنبول، والمنيرية- وفي شروحه: لابن حجر، والعيني، والقسطلاني، فلم أجدها، كما رجعت إلى تحفة الأشراف، ونكت ابن حجر عليه رقم (١٠٨٢٩)، والى مسند الصحيحين لعبد الحق الهاشمي (٤/٢٦٢-٢٦٤) - مخطوطة- حيث ذكر الروايات بأسانيدها ومتونها، فلم أجد هذه اللفظة منسوبة إلى البخاري. فلعلها في إحدى نسخه أو المستخرجات عليه. والله أعلم. وبعد كتابة هذا الكلام وجدت شيخ الإسلام ذكر في الرسالة العرشية- مجموع الفتاوى (٦/٥٥١) - روايتي البخاري- قبله، وغيره، ثم قال: وفي رواية لغيره صحيحة: "كان الله ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء، فترجح أنها ليست في البخاري، لكن كونها صحيحة لا يغير من واقع الأمر شيئا. ولذلك ناقشها شيخ الإسلام كغيرها من الروايات لثبوثها عنده.
[ ٣ / ١٠٠٩ ]
فاحتجوا بذلك على أن للحوادث مبتدأ، وأن الله تعالى كان معطلا عن الخلق، ثم خلق، وأن القلم هو أول المخلوقات.
وقد بين شيخ الإسلام وجه الحق في ذلك ببيان مايلي:
١- أن العلماء مختلفون في العرش والقلم أيهما خلق قبل:
فقيل: إن القلم خلق أولا، وأنه أول الخلوقات لحديث " أول ما خلق الله القلم ".
وقيل: إن العرش خلق قبل، وأن المقصود بقوله: " أول ما خلق الله القلم " أى من هذا العالم، واحتج هؤلاء بعدة أدلة:
أ- منها: حديث " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وعرشه على الماء" (١)، ففي هذا الحديث بين أن كتابة المقادير كانت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وأن عرشه كان على الماء. فهو سابق للتقدير والكتابة.
ب- ومنها: ما روى موقوفا عن ابن عباس﵄- أنه قال: إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، فكان أول ما خلق الله القلم، فأمره، وكتب ما هو كائن، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه (٢) . فقول ابن عباس يفسر المقصود بأولية القلم وأنها ليست أولية مطلقة وإنما خلق قبله العرش.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى. ورقمه (٢٦٥٣)، والإمام أحمد (٢/١٦٩)، ورقمه عند أحمد شاكر (٦٥٧٩) . والترمذي في كتاب القدر، باب رقم (١٨)، ورقمه (٢١٥٦) - ت عطوة-. والبيهقي في الأسماء والصفات (ص: ٣٧٤)، وفي الاعتقاد (ص: ١٣٦)، والبغوي في شرح السنة (١/١٢٣)، والدارمي في الرد على الجهمية (ص: ١٢٢، ١٢٦)، والآجري في الشريعة (ص: ١٧٦)، والحديث يكفى تخريجه عن مسلم، وإنما ذكرت تخريجه من بعض كتب العقائد ليرجع من شاء إلى أقوال علماء السلف في معناه.
(٢) رواه الدارمي في الرد على الجهمية (ص: ٣١) - ت البدر-، واللالكائي في شرح السنة (٤/٦٦٩-٦٧٠) .
[ ٣ / ١٠١٠ ]
ج-- أن في بعض روايات حديث عمران بن حصين: كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء (١) . فعطف الخلق والكتابة على العرش بثم، وفي لفظ آخر: " كان الله ﷿ ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، ثم كتب جل ثناؤه في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض " (٢)، قال البيهقي عن حديث أول ما خلق الله القلم: " وإنما أراد- واللة أعلم- أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش والقلم، وذلك بين في حديث عمران بن الحصين - ﵁ ثم خلق السموات والأرض " (٣) .
د- أنه قال في حديث القلم: "قال وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة"، "وهذا يبين أنه أمره حينئذ أن يكتب مقادير هذا الخلق إلى قيام الساعة، ولم يكتب حينئذ ما يكون بعد ذلك، وهذا يؤيد حجة من جعله أول الخلوقات من هذا الخلق الذي أمره بكتابته، فإنه سبحانه كتبه وقدره قبل أن يخلقه بخمسين ألف سنة " (٤) .
هـ- ولما ورد في بعض ألفاظه: " لما خلق الله القلم قال له اكتب " (٥) .
فهذه الأدلة وغيرها تبين أن حديث القلم ليس فيه دلالة لهؤلاء وأن القلم ليس أول المخلوقات، بل هناك مخلوقات قبله كالعرش والماء (٦) .
ولهذه الأدلة تكلم العلماء في معنى حديث " أول ما خلق الله القلم: فقال له اكتب هل هو جملة أو جملتين، وهل " أول" بالرفع أو النصب (٧) .
_________________
(١) هذه رواية البخاري في صحيحهـ كتاب التوحيد- وقد سبق تخريجه قريبا.
(٢) البيهقي في الأسماء والصفات (ص: ٣٧٥) .
(٣) الأسماء والصفات (ص: ٣٧٨)، وانظر: بغية المرتاد (ص: ٢٨٨) .
(٤) بغية المرتاد (ص: ٢٩٤) .
(٥) رواه الطبراني في الكبير- رقم (١٢٥٠٠) .
(٦) انطر حول ما سبق: بغية المرتاد (ص: ٢٧٥-٢٩٤)، ومنهاج السنة (١/٣٦١) - طبعة جامعة الإمام، وبهذا يتبين أن من أخذ بحديث القلم دون غيره من الأحاديث، وقال إن القلم أول المخلوقات كلها قد جانبه الصواب. والله أعلم.
(٧) انظر نونية ابن القيم مع شرحها لابن عيسى (١/٣٧٤-٣٧٧)، وللهراس (١/١٨٦ -١٨٧) . - ط مكتبة ابن تيمية، القاهرة، وانظر شرح الطحاوية (ص: ٢٩٤- ٢٩٦) - ط المكتب الإسلامى-، الرابعة.
[ ٣ / ١٠١١ ]
٢- أما حديث " كان الله ولم يكن شيء قبله، أو غيره، أو معه، فقد أفرد له شيخ الإسلام بمصنف، ذكر فيه اختلاف الناس فيه، وأنهم على قولين:
أحدما: " أن مقصود الحديث إخباره بأن الله كان موجودا وحده، ثم إنه ابتدأ إحداث جميع الحوادث، وإخباره بأن الحوادث لها ابتداء بجنسها.
وأعيانها مسبوقة بالعدم، وأن جنس الزمان حادث لا في زمان، جنس الحركات والمتحركات حادث، وأن الله صار فاعلا بعد أن لم يكن يفعل شيئا من الأزل
إلى حين ابتداء الفعل، ولا كان الفعل ممكنا ".
"والقول الثاني في معنى الحديث: أنه ليس مراد الرسول هذا، بل إن الحديث يناقض هذا، ولكن مراده إخباره عن خلق هذا العالم المشهود الذي
خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش كما أخبر القرآن العظيم بذلك في غير موضع، فقال تعالى: " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ،
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود: ٧]، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عمرو عن النبىﷺ- أنه قال: قدر الله مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء " (١)، فأخبرﷺ- أن تقدير خلق هذا العالم المخلوق في ستة أيام، وكان حينئذ عرشه على الماء،؟ أخبر بذلك القرآن والحديث المتقدم الذي رواه البخاري في صحيحه عن عمران﵁ (٢)، ومن هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عبادة بن الصامت عن النبيﷺ- أنه قال: " أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟، قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة " (٣)، فهذا القلم خلقه لما أمره بالتقدير المكتوب قبل خلق السموات والأرض، وهو أول ما خلق من هذا العالم، وخلقه بعد العرش
_________________
(١) سبق تخريجه قريبا، والذى في طبعات مسلم "وعرشه على الماء".
(٢) تقدم تخريحهما قريبا.
[ ٣ / ١٠١٢ ]
كما دلت عليه النصوص وهو قول جمهور السلف" (١) .
ثم رجح شيخ الاسلام القول الثاني، وذكر أدلة ترجيحه من وجوه عديدة بلغت خمسة عشر وجها (٢) . بين فيها- من خلال الأدلة الشرعية والعقلية- موافقة هذا الحديث لمذهب السلف. وقد ذكر بعض هذه الأوجه ملخصة شارح الطحاوية (٣) .
هذه بعض اللمحات في بيان شيخ الاسلام لهذه المسألة- مسألة حوادث لا أول لها- ومن أراد استيعاب أقواله ومذهبه في ذلك، فلابد له من الرجوع إلى ما أورده في كتبه ورسائله المتعددة من تحقيقات ومناقشات (٤) .
ج-- الأدلة الأخرى على إثبات الصانع التي ذكرها الأشاعرة:
سبق الحديث عن الدليل المشهور للأشاعرة على إثبات حدوث العالم وهو دليل حدوث الأجسام، الذي قصدوا من تقريره إثبات الصانع والرد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم أو قدم شيء منه، وقد تبين من خلال مناقشات شيخ الإسلام لهذا الدليل أن كثيرا من الأشاعرة نقدوا هذا الدليل وضعفوه، ورأوا أن إثبات
الصانع لا يتوقف على هذا الدليل الذي زعم بعضهم أنه لا دليل غيره.
ولذلك لما ذكر المتأخرون- كالرازي- أدلة إثبات الصانع، ذكروا للناس
_________________
(١) شرح حديث عمران بن الحصين- مجموع الفتاوى (١٨/٢١١-٢١٣) .
(٢) انظرها في المصدر السابق (١٨/٢١٣-٢٤٣)، وشرح حديث عمران مطبوع مجموعة الرسائل والمسائل، تعليق محمد رشيد رضا (٥/١٧١-١٩٥) . وانظر أيضا الصفدية (١/١٤) ومابعدها، ومنهاج السنة (١/ ٣٦٠) ومابعدها،- ط جامعة الإمام-. وحقيقة مذهب الاتحاديين- مجموع الفتاوى (٦/٢٧٥)، ودرء التعارض (٨/٢٨٧-٢٩٠) .
(٣) (ص:١٤٠-١٤١) .
(٤) انظر مثلا: شرح الأصفهانية (ص: ٣٤٨) - ت السعوي، وشرح حديث النزول- مجموع الفتاوى (٥/٥٤٠ - ٥٤١)، ومجموع الفتاوى (١٢/٥٩٣)، والدرء (ج- ١ ص: ١٢٠- ٣٠٣،١٢٥-٣٠٤، ٣٢٠-٣٢٤،٣٤٧-٣٤٨، ٤٠٦)، (وج- ٢ ص: ٢٦٠ -٢٧٠، ٢٧٦-٢٨١، ٣٤٤- ٣٩٩) (وج- ٣ ص: ٤٠-٥٦) (وج- ٤ ص: ٦٦- ٧٠)، (وب ٩ ص:،٧٢، ١٠٣، ١٣٨، ١٥٨)، والصفدية (١/ ٥٠-٥٤، ٦١ -٦٥، ٢٧٧،٨١) وغيرها كثير.
[ ٣ / ١٠١٣ ]
في ذلك عدة مسالك (١)، وهي:
المسلك الأول: دليل حدوث الأجسام لقيام الأعراض بها. وهذه هي الطريقة المشهورة للأشاعرة، وقد تقدم الحديث عنها، وهي الطريقة التي ذمها السلف وصرح الأشعري بأنها مذمومة محرمة في الشرع، وإن كان مع ذلك يرى أنها صحيحة، وإنما ذمها لطولها وغموضها (٢) .
المسلك الثاني: الاستدلال بإمكان الأجسام، وهذا عمدة الفلاسفة كابن سينا وأمثاله، وهو الذي اعتمده الرازي وغيره كالآمدي، قالوا: الأجسام ممكنة، وكل ممكن فلابد من مؤثر- أي واجب- وبنوا ذلك على أن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وأن الممكن لابد له من واجب. وقد بين شيخ الإسلام أن هذه الطريقة باطلة وضعيفة من عدة وجوه:
أ- أن الممكن عندهم- والذي هو قسيم الواجب- يتناول القديم والحادث، أي أن الممكن قد يكون أزليا، فاحتجوا على وجود الممكن الذي تقبل ذاته الوجود والعدم بالحوادث التي تكون موجودة تارة ومعدومة أخرى، فلم يمكنهم ذلك لأن هذه الممكنات قد تكون- عندهم- أزلية قديمة، فكيف يمكن إثبات الواجب والقول بأن الممكن لابد له من واجب؟ يقول شيخ الإسلام:
"فهؤلاء إذا قيل لهم: اثبتوا واجب الوجود- الذي هو قسيم الممكن عندهم، والممكن عندهم يتناول القديم والحادث- لم يمكنهم إثبات هذا الواجب الا بإثبات ممكن يقبل الوجود والعدم. وهذا لا يمكنهم إثباته الا بإثبات الحادث، الذي يكون موجودا تارة ومعدوما أخرى، والحادث يستلزم ثبوت القديم، والقديم عندهم
لا يجب أن يكون واجب الوجود، بل قد يكون ممكن الوجود. فهم لم يثبتوا:
_________________
(١) انظر: هذه المسالك في نهاية العقول للرازي (٥٨ -أ-٦٣-أ)، والأربعين له (ص: ٧٠) ومابعدها، وانظر أيضا: النبوات (ص: ٧٦-٧٧)، وتفسير سورة الإخلاص- مجموع الفتاوى (١٧ / ٢٤٦)، وشرح الأصفهانية (ص: ٢٦٠- ٢٦١) - ت السعوي، ودرء التعارض (١/ ٣٠٧،٩٦-٣٠٨، ٣ / ٧٢-٨٧/٢٩٢-٢٩٤، ٧/٢٢٩-٢٣٢) .
(٢) انظر: درء التعارض (١/٣٠٩) .
[ ٣ / ١٠١٤ ]
لا واجب الوجود، ولا ممكن الوجود، الذي به يثبت واجب الوجود الذي ادعوه " (١) . ولذلك فطريقتهم هذه لو أدت إلى إثبات واجب الوجود لم تثبت أنه مغاير للأفلاك إلا ببيان إمكان الأجسام (٢) .
ب- أن هذه الطريقة مبنية على توحيد ابن سينا ومن اتبعه من الفلاسفة الذين نفوا صفات الله تعالى لشبهة التركيب، قالوا: إن المتصف بالصفات مركب، والمركب مفتقر إلى أجزائه، وهذا هو الممكن. وهذا من أبطل الباطل ومن أفسد الأقوال، ولذلك دخل الملاحدة من أصحاب وحدة الوجود من هذا الطريق (٢) .
ج-- أن هذا المسلك كما أنه باطل عند أهل الملل، فهو باطل أيضا عند جمهور الفلاسفة المتقدمين كأرسطو وأتباعه، والمتأخرين كابن رشد وغيره (٤) .
المسلك الثالث: الاستدلال بإمكان الصفات، وهو مبني على أن الأجسام متماثلة، ومن ثم فتخصيص بعضها بالصفات دون بعض يفتقر إلى مخصص.
ولم يفرقوا بين الأجسام، بل شملوها كلها بهذا الحكم، سواء كانت واجبة أو ممكنة، قديمة أو محدثة (٥)، وقد بنوا على ذلك أن الفاعل لا يجوز أن يكون جسما، ونفوا لأجل ذلك صفات العلو والاستواء وغيرها.
وعمدة هذا الدليل القول بتماثل الأجسام، وهي من عمد نفاة الصفات من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، وقد ناقشها شيخ الإسلام طويلا، وبين فسادها
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/١٢٥)، وانظر: مناقشات أخرى لصياغة هذا الدليل عندهم في شرح الأصفهانية (ص: ١٤١-١٤٥) - ت السعوي-.
(٢) انظر: المصدر السابق (٨/١٢٣،٣/٧٥) .
(٣) انظر: درء التعارض (٣/٧٥، ١٣٨، ٥/٢٩٣، ٧/٢٣٠)، ومجموع الفتاوى (١/٤٩) .
(٤) انظر: درء التعارض (٥/٢٩٣، ٨/١٢٧) ومابعدها، حيث نقل كلام ابن سينا، وابن رشد الذي وافق أرسطو الذي استدل بدليل الحركة دون دليل الإمكان، وقد بين شيخ الإسلام بطلان المذهبين. وانظر: (٨/١٣٩) .
(٥) انظر: درء التعارض (٣/٧٥، ٥/٢٩٣) .
[ ٣ / ١٠١٥ ]
بالعقل والشرع (١) .
وقد ناقمق شيخ الإسلام هذا المسلك- مسلك إمكان الصفات- ورد على الرازي الذي اعترف بأن القول بتماثل الأجسام قول باطل (٢) .
المسلك الرابع: الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض، مثل صيرورة النطفة علقة، ثم مضغة، ثم إنسانا، ومثل تحول القطن إلى غزل مفتول، ثم إلى ثوب، ومثل تحول الطين إلى آجر ولبن، ثم تحوله إلى دار، فهذا التحول والتغير في هذه الأجسام يدل على أن لها فاعلا فعلها، وأن النطفة لابد لها من صانع صنعها وهو الله تعالى.
وهذا الدليل ذكره الأشعري في اللمع (٢)، وفي رسائله إلى أهل الثغر (٤)، وعده الرازي من ضمن مسالك إثبات الصانع، وقد بين شيخ الاسلام أن هذا مسلك صحيح، وأنهـ إذا جرد من الأمور الباطلة التي أدخلت فيهـ جزء من طريقة القرآن "التي جاءت بها الرسل، وكان عليها سلف الأمة وأئمتها، وجماهير العقلاء من الآدميين؟ فإن الله سبحانه يذكر في آياته ما يحدثه من السحاب والمطر والنبات والحيوان، وغير ذلك من الحوادث، ويذكر في آياته خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، ونحو ذلك، لكن القائلون بإثبات الجوهر الفرد من المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم، يسمون هذا استدلالا بحدوث الصفات بناء على أن هذه الحوادث المشهود حدوثها لم تحدث ذواتها، بل الجواهر والأجسام التي كانت موجودة قبل ذلك لم تزل من حين حدوثها، بتقدير حدوثها، ولا تزال موجودة، وإنما تغيرت صفاتها،
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/١٩٢-٢٠٣)، حيث بين بوضوح وتفصيل فساد القول بتماثل الأجسام، وانظر أيضا: درء التعارض (١/١١٥، ٤/٢٠٠-٢٠٢، ٧/١١٢-١١٤، ١٠/٣١٢-٣١٦، ٢٦٢)، وغيرها.
(٢) انظر: درء التعارض (٣/٧٥-٨٢) .
(٣) (ص: ٦-٧) . مكارثي و(ص: ١٧-١٩)، غرابة، وفد سبق نقل كلامه (ص: ٤١٤- ٤١٥) .
(٤) (ص: ٣٤-٤٠) .
[ ٣ / ١٠١٦ ]
بتقدير حدوثها كما تتغير صفات الجسم إذا تحرك بعد السكون، وكما تتغير ألوانه، وكما تتغير أشكاله، وهذا مما ينكره عليهم جماهير العقلاء من المسلمين وغيرهم" (١) .
ولكن شيخ الإسلام ينتقد طريقة الأشعري والرازي في إيراد هذا الدليل - دليل حدوث الصفات- لأمرين:
أحدهما: أن الطريقة التى جاء بها القرآن: الاستدلال بحدوث الأعيان والمخلوقات ذاتها من الإنسان وغيره، يقول شيخ الإسلام: "الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من المحدثات المعلوم حدوثها بالمشاهدة ونحوها، على وجود الخالق ﷾، فحدوث الإنسان يستدل به على المحدث، لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة التغير أو الحوادث له، ووجوب تناهي الحوادث. والفرق بين الاستدلال بحدوثه، والاستدلال على حدوثه بين. والذي في القرآن هو الأول لا الثاني، كا قال تعالى: "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ " [الطور: ٣٥]، فنفس حدوث الحيوان والنبات والمعدن والمطر والسحاب، ونحو ذلك، معلوم بالضرورة، بل مشهود لا يحتاج إلى دليل، وإنما يعلم بالدليل ما لم يعلم بالحس وبالضرورة (٢) ".
فالأشعري والرازي وغيرهم قصروا في هذا الدليل من جهة أنهم لم يستدلوا بنفس الحدوث وإيجاد الإنسان وغيره من عدم على وجود المحدث الخالق، وانما
استدلوا بتغير صفاتها وتحولها من حال إلى حال.
والثاني: أنهم بنوا ذلك على الجوهر الفرد، وأن الأجسام لم تزل ولا تزال من حين حدوثها باقية، وإنما التغير يقع على صفاتها، وأن الحادث إنما هو إجماع
الجواهر وافتراقها، وحركتها وسكونها، أو غيرها من الأعراض (٢)، والقول بالجوهر الفرد- الذي-يزعم أصحابه أن الأجزاء تنتهي إلى جزء لا يتجزأ- قول
باطل وقد اعترف كثير من الأشاعرة وغيرهم ببطلانه. والذين قالوا به حاروا فيه،
_________________
(١) درء التعارض (٣/٨٣) .
(٢) درء التعارض (٧ / ٢١٩)، وانظر شرح الأصفهانية (ص: ٢٦١) - ت السعوي.
(٣) انظر: درء التعارض (٧ / ٢٢٤-٢٣٢)، وشرح الأصبهانية (ص: ٢٦١-٢٦٢) - ت السعوي- والنبوات (ص: ٧٣-٧٩) .
[ ٣ / ١٠١٧ ]
وربما قالوا مرة أخرى ببطلانه (١) . وأبو الحسن الأشعري ممن يقول به (٢) .
والرازي متوقف فيه (٣)، بل توتف فيه الجويني وغيره (٤) .
كما ينتقد شيخ الإسلام الرازي أيضا بإدخاله دليل الإمكان في هذا الدليل، ودليل الإمكان تقدم القول فيه في المسلك الثاني، وأنه اتبع فيه طريقة ابن سينا وأصحابه، يقول شيخ الإسلام- معلقا على المسلك الرابع الذي ذكره الرازي وهو الإستدلال بحدوث الصفات: "قلت: قد ذكرنا في غير موضع أن هذا المسلك
صحيح، لكن الرازي قصر فيه من وجهين: أحدهما: أنه لا يستدل بنفس الحدوث، بل يجعل الحدوث دليلا على إمكان الحادث، ثم يقول: والممكن لابد له من مرجح، وهذا الإمكان الذي يثبته هو الإمكان الذي يثبته ابن سينا، وهو الإمكان الذي يشترك فيه القديم والحادث، فجعل القديم الأزلي ممكنا، يقبل الوجود والعدم، وهذا مما خالفوا فيه سلفهم وسائر العقلاء، فإنهم متفقون على أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثا، وابن سينا وأتباعه يوافقون الناس على ذلك، لكن يتناقضون" (٥)، ثم ذكر الوجه الثاني الذي سبق ذكره، وهو أنهم بنوه على مسألة الجوهر الفرد (٦) .
وقد ظن بعض المعتزلة أن الأشعري لما ذكر دليل النطفة وتحولها وتغيرها، انما قصد إثبات دليل حدوث الأجسام المشهور، وقد بين شيخ الإسلام خطأ هذا الظن فقال: "الأشعري قصد العدول عن هذه الطريقة التي سلكها المعتزلة عمدا، مع علمه بها، كما قد بين ذلك في رسالته إلى الثغر، وبين أنها بدعة محرمة في الشرائع، لم يسلكها السلف والأئمة، وعدل عنها إلى الاستدلال بحدوث صفات الإنسان، لأن ذلك أمر مشهود معلوم، والقرآن العزيز قد دل عليها
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/١٥٨-١٥٩، ٤/٢٠١، ٦/٢٩٢، ٨/٣٢١) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٨/٣١٢) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٢/٣٩٠) .
(٤) انظر: نقض التأسيس- مطبوع- (١/٤٩٥-٤٩٦) .
(٥) درء التعارض (٧/٢٣١- ٢٣٢) .
(٦) انظر: المصدر السابق (٧/٢٣٢) .
[ ٣ / ١٠١٨ ]
وأرشد إليها، (١)، لكن شيخ الإسلام حدد موطن الخطأ عند الأشعري: أنه "لما أراد تقرير حدوث النطفة سلك في الاستدلال على حدوثها الطريقة المعروفة
للمعتزلة في حدوث الأجسام، فهو وإن كان قد وافقهم على صحة هذه الطريقة، فهو يقول: إن فيها تطويلا وشبهات، ومقدمات كثيرة، فيها نزاع، فلا يحتاج
إليه ابتداء، ولا يقف العلم والإيمان بالله تعالى عليها، بخلاف نفس تحول النطفة من حال إلى حال، فإن هذا أبين وأظهر عن كون كل جسم لابد له من أعراض
مغايرة له، والأعراض حادث النوع " (٢) .
وقد حاول الباقلاني في شرحه (٣) للمع الأشعري أن يفسر أقوال الأشعري في هذه المسألة ليقرب من مذهبه، فقد ذكر أن الأشعري قصد تعميم النطفة إلى سائر
الأعراض، كما حاول أن يدلل على أن المحدث لابد له من محدث وأن هذه مسألة نظرية تحتاج إلى برهان. بينما الأشعري سكت عنها لأنها مسألة بدهية لا يخالف فيها أحد من العقلاء. والباقلاني قررها بمنهجه في هذه المسألة حيث ذكر دليل التخصيص، وأن تخصيص المحدث بوقت لون وقت لابد له من مخصص، وهذا وإن
كان صحيحا إلا أن ما قصده الأشعري من أن المحدث لابد له من محدث أبين وأقوى.
وقد أطال شيخ الإسلام في مناقشة الباقلاني (٤)، ثم بين في النهاية أن طريقة الأشعري خير من طريقة الباقلاني وأن طريقة الباقلاني خير من طريقة المعتزلة ومن وافقهم من الأشاعرة (٥) .
المسلك الخامس: الاستدلال بما في العالم بما في الإحكام والإتقان، على علم البارىء تعالى، والذي يدل على علمه يدل على ذاته من باب أولى (٦) .
_________________
(١) دوء التعارض (٨/١٠٠) .
(٢) المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة. وانظر: مجموع الفتاوى (١٦/٢٦٧-٢٧٠) .
(٣) هذا الكتاب- كما ذكر مترجو الباقلاني، غير موجود، وقد نقل منه شيخ الإسلام بعض النصوص. انظر: ما سبق في ترجمة الباقلاني (ص: ٥٢٧) .
(٤) انظر: درء التعارض (٤/٣٠٤-٣٠٧، ٨/٧٠-٨٨، ٣٠٠-٣٤٣)، وانظر الوجهين في الرد عل الباقلاني، أحدهما (٨/١٠٦)، والثاني (٨/٣١٠) .
(٥) انظر: المصدر السابق (٨/٣٠٤-٣٠٦، ٣٠٨-٣٠٩) .
(٦) انظر: المصدر نفسه (٣/٨٦-٨٧، ٥/٢٩٤)، والنبوات (ص: ٧٧) .
[ ٣ / ١٠١٩ ]
هذه أهم المسالك التي ذكرها الأشاعرة لإثبات الصانع، وقد أوردها شيخ الإسلام، وبين ما فيها من حق وباطل، فرد الباطل ونقضه، وأيد الحق (١)، ومحصه إن كان قد تلبس به بعض الباطل. ومن ذلك يتبين مبلغ إنصافه لخصومه، وقبوله للحق ممن جاء به، ولذلك قال بعد مناقشات مطولة للأشاعرة: "وليس العلم بإثبات الصانع سبحانه مفتقرا إلى شيء من الطرق المبتدعة وإن كانت صحيحة، فكيف اذا كانت باطلة؟ لكن الرجل إذا استدل على الحق بدليل صحيح لم يكن هذا مذموما مطقا، كما تجد كثيرا من أهل الحديث، والصوفية، والمتفقهة يعيبون من أقام دليلا عقليا صحيحا على بعض المطالب الدينية، ويجعلون هذا من الكلام المذموم، وليس الأمر كما يقوله هؤلاء، بل الدليل الصحيح مقبول وإن لم يعلم استدلال غيره به، لكن قد يذم لأسباب؛ مثل أن يكون فيه خطر، وغيره مغن عنه، كمن سلك إلى مكة الطريق البعيد (٢) المخوفة مع إمكان القرينة الأمينة، وكذلك إذا رد الباطل بممانعة صحيحة، أو معارضة صحيحة. لكن المذموم أن يدعي صحة الباطل، أو يتوقف الإيمان على بدعة ما شرعها الله تعالى ورسوله، فكيف إذا اجتمعا جميعا، كما زعم هؤلاء حيث قالوا: لا يمكن تصديق الرسولﷺ- إلا بما ذكروه من الطرق النظرية التي ابتدعوها (٣) ".
ويلاحظ أن شيخ الإسلام سبق أن ذكر أن أعظم الطرق لإثبات الصانع طريقة القرآن التي تقوم على الاستدلال بذوات المحدثات والمخلوقات على خالقها، قال تعالى: "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ" [الطور: ٣٥]، كما سبق بيان أن الإيمان بالصانع والإقرار به أمر فطري، فدليله ضروري وأن كثيرا من الأشاعرة صرح بذلك (٤) .
_________________
(١) انظر مثلا: تأييده للشهرستاني فيما ذكره في إثبات الصانع. في درء التعارض (٣/١٢٨-١٣٧) .
(٢) كذا، ولعل الجواب: البعيدة.
(٣) شرح الأصفهانية (ص: ٣١٧) - ت السعوي-.
(٤) انظر ما سبق (ص: ٨٦٧-٨٦٨)، وانظر أيضا: درء التعارض (١/٩١-٩٢، ٨/١٥٥) . وانظر: كلام شيخ الإسلام الطويل حول الفطرة في درء التعارض (٨/٣٥٩) إلى آخر الجزء.
[ ٣ / ١٠٢٠ ]
وقد ساق شيخ الإسلام عددا كبيرا من الأدلة الدالة على إثبات الصانع، دون الحاجة إلى تلك المقدمات الباطلة أو الظنية التي أتى بها أولئك المتكلمون، ونظرا لأن شيخ الإسلام ساق هذه الأدلة في مكان واحد فلعل الإشارة إلى موضعها يغني عن الإطالة بذكر نماذج منها (١) .
د- " توحيد الربوبية" أو "وحدانية الرب":
والمقصود إفراد الله بالربوبية والخلق، وهذا التوحيد لا تكاد تخالف فيه طائفة معروفة من بني آدم (٢)، وقد قرره علماء الأشاعرة جميعا بدليل التمانع المشهور (٣)، وخلاصته كما يقول الأشعري: "فإن قال قائل: لم قلتم إن صانع الأشياء واحد؟ قيل له: لأن الاثنين لا يجرى تدبيرهما على نظام، ولا يتسق على إحكام، ولابد أن لا يلحقهما العجز أو واحدا منهما، لأن أحدهما إذا أراد أن يحيى إنسانا وأراد الآخر أن يميته، لم يخل أن يتم مرادهما جميعا، أو لا يتم مرادهما، أو يتم مراد أحدهما دون الآخر. ويستحيل أن يتم مرادهما جميعا، لأنه يستحيل أن يكون الجسم حيا ميتا في حال واحدة، وإن لم يتم مرادهما جميعا وجب عجزهما والعاجز لا يكون إلها ولا قديما وإن تم مراد أحدهما دون الآخر وجب العجز لمن لم يتم مراده منهما، والعاجز لا يكون إلها ولا قديما فدل ما قلناه على أن صانع الأشياء واحد، وقد قال تعالى: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا" [الأنبياء: ٢٢] فهذا معنى احتجاجنا آنفا" (٤) .
وجميع الأشاعرة يسوقون هذا الدليل، مع تنويع الأمثلة التى يوردونها، كالحركة والسكون، والإحياء والإماتة وغيرها.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٣/٩٨-١٢٧، ٢٦٥-٢٦٦) .
(٢) انظر: التدمرية (ص: ١٧٧-١٧٨) - ت السعوي. وشرح الأصفهاية (ص: ٩٨- ١٠٢) - ت السعوي-.
(٣) انظر مثلا- غير اللمع للأشعري الذي سيرد نص كلامه فيهـ: التمهيد للباقلاني (ص: ٢٥) ت مكارثي، والمعتمد لأبي يعلى (ص: ٤١)، والإرشاد للجويني (ص: ٥٣-٥٩)، ونهاية الإقدام (ص: ٩١-٩٧)، والأربعين للرازي (ص: ٢٢١-٢٢٦) . (٤) اللمع (ص: ٨) - ت مكارثي، و(ص: ٢٠- ٢١) - ت غرابة.
[ ٣ / ١٠٢١ ]
وشيخ الإسلام يقرر أن دليل التمانع دليل صحيح، موصل إلى المطلوب في إثبات وحدانية الله تعالى في ربوبيته (١)، ولكنه يرد على، الأشاعرة لوقوعهم في خطأين، أحدهما وقع فيه متقدموهم- ومن جاء بعدهم ممن وافقهم عليهـ والثاني وقع فيه المتأخرون دون المتقدمين، ثم إن شيخ الإسلام يذكر لهذا الدليل برهانين ورد بهما القرآن للدلالة على أن الله واحد.
١- أما الخطأ الذي وقع فيه المتقدمون من الأشاعرة ووافقهم عليه المتأخرون فهو ما أورده الأشعري مما سبق نقله من كلامه حين احتج على دليل التمانع بقوله تعالى: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا" [الأنبياء: ٢٢]، وقد أوضح شيخ الإسلام أن هذا الاحتجاج خاطىء، لأن هذه الآية جاءت لتقرير توحيد الألوهية والعبادة، لا توحيد الربوبية، ويربط شيخ الإسلام خطأ هؤلاء بخطئهم في فهم المقصود بالتوحيد الذي دعت إليه، حيث ظنوا أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الألوهية الذي دعت إليه الرسل (٢)، وقد سبق شرح ذلك-، ويبين شيخ الإسلام الفرق بين دليل التمانع وبين هذه الآية بقوله:
" هذه الآية ليس المقصود بها ما يقوله من يقوله من أهل الكلام، من ذكر دليل التمانع الدال على وحدانية الرب تعالى؛ فإن التمانع يمنع وجود المفعول، لا يوجب
فساده بعد وجوده. وذلك يذكر في الأسباب والبدايات التى تجري (٣) مجرى العلل الفاعلات. والثاني يذكر في الحكم والنهايات التى تذكر في العلل التي هي
الغايات، كما في قوله تعالى: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة: ٥]، فقدم الغاية المقصودة على الوسيلة الموصلة" (٤) . وهذا واضح، لأن التمانع يدل على أنه لو فرض أكثر من صانع لما وجدت المخلوقات، فوجودها يدل على صانع واحد، أما الآية فهى دالة على أنه لو وجد أكثر من إله يعبد لحدث الفساد،
_________________
(١) انظر. درء التعارض (٩/٣٥٤)، حيث رد عل ابن رشد الذي رد على الأشاعرة في ذلك.
(٢) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ١٠٤-١٠٥) ت السعوي-.
(٣) في المطبوعة المحققة (تجر) ولعله خطأ مطبعي. وهو على الصواب في طبعة حامد الفقي (ص: ٤٦١) .
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٨٤٦) .
[ ٣ / ١٠٢٢ ]
ففى الآية " بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشىء عن عبادة ما سوى الله تعالى، لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته، من جهة غاية أفعالهم ونهاية
حركاتهم، وما سوى الله لا يصلح، فلو كان فيهما معبود غيره لفسدتا من هذه الجهة، فإنه سبحانه هو المعبود المحبوب لذاته، كما أنه هو الرب الخالق بمشيئته. وهذا معنى قول النبيﷺ-: أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد:
ألا كل شيء ماخلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل (١)
ولهذا قال الله في فاتحة الكتاب: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة: ٥] وقدم اسم الله على اسم الرب في أولها حيث قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" [الفاتحة: ١]، فالمعبود هو المقصود المطلوب المحبوب لذاته، وهو الغاية والمعين، وهو البارىء المبدع الخالق " (٢) .
والخلاصة أن الآية جاءت لتقرير توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية ومعنى الآية أنه لو كان فيهما- أي السموات والأرض- آلهة غير الله لفسدتا ولكن ما فسدتا تدل على أنه ليس فيهما آلهة إلا الله (٣) .
٢- والخطأ الذي وقع فيه المتأخرون من الأشاعرة هو ظنهم أن القسمة في تقرير دليل التمانع لم تنته، وأنه بقي قسم رابع وهو أن يقال: يجوز أن يتفقا
فلا يفضي ذلك إلى الاختلاف.
والأشاعرة حيال هذا الأمر ثلاثة أقسام:
أ- المتقدمون، كأبي الحسن الأشعري، والباقلاني، والقاضي أبي يعلى (٤)،
_________________
(١) الحديث متفق عليه، بالشطر الأول فقط من بيت الشعر: البخاري باب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية، ورقمه (٣٨٤١) (الفتح ٧/١٤٩)، وكتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر، ورقمه (٦١٤٧) (الفتح ١٠/٥٣٧)، ومسلم، كتاب الشعر، ورقمه (٢٢٥٥) - عدة روايات.
(٢) منهاج السنة (٣/٣٣٤-٣٣٥) - ط جامعة الإمام-.
(٣) انظر: منهاج السنة (٣/٣١٤) - ط الامام-، ودرء التعارض (٩/٣٦٩-٣٧٨) .
(٤) سبق قبل قليل ذكر كتبهم التي أوردوا فيها هذا الدليل، ويلاحظ أن الباقلاني ذكر في التمهيد (ص: ٢٥) دليل التمانع دون ذكر احتمال اتفاق الارادتين، ولكنه في رسالة الحرة- المطبوعة باسم الإنصاف- (ص: ٣٤)، أورد الاحتمال على شكل اعتراض ورد عليه. أما الأشعري وصاحب المعتمد فلم يذكرا في كتابيهما- اللمع والمعتمد- إلا الاحتمالات الثلاثة فقط.
[ ٣ / ١٠٢٣ ]
ذكروا دليل التمانع باحتمالاته الثلاثة، ولم يذكروا الرابع- الذي هو احتمال الاتفاق- لأنهم " علموا أن وجوب اتفاقهما في الإرادة يستلزم عجز كل منهما، كما أن تمانعهما يستلزم عجز كل منهما، فمنهم من أعرض عن ذكر هذا التقرير لأن مقصوده أن يبين أن فرض اثنين يقتضي عجز كل منهما، فإذا قيل: إن أحدها لا يمكنه مخالفة الآخر، كان ذلك أظهر في عجزه " (١)، وهذا واضح مما فعله هؤلاء في كتبهم فإنهم ضربوا صفحا عن التطويل بذكر هذا الاحتمال الفاسد.
ب- وبعض المتأخرين، كالجويني، والشهرستاني والرازي (٢)، قرروا دليل التمانع، ولكن أوردوا الاحتمال الرابع، وردوا عليه من طرق عديدة لكنهم أجابوا "بوجوه عارضهم فيها غيرهم " (٣) .
٣- وبعض المتأخرين رأى أن هذا الاعتراض- باحتمال الاتفاق- مشكل، ولذلك ظن بعض هؤلاء أن التوحيد إنما يعرف بالسمع (٤) . ومن الذين زيفوا دليل
التمانع وظنوا أن الاعتراض عليه باحتمال الاتفاق قادح فيه الآمدى (٥) .
وقد رد عليه شيخ الإسلام، وبين أن دليل التمانع برهان عقلي صحيح كما قرره فحول النظار، وبعد أن أورد دليل التمانع كما ساقوه قال: "فلما قيل لهم: هذا يلزم إذا اختلفت إرادتهما، فيجوز اتفاق إرادتهما. أجابوا بأنه إذا اتفقا في الآخر (٦) امتنع أن يكون نفس ما فعله أحدهما نفس الآخر، فإن استقلال أحدهما بالفعل
والمفعول، يمنع استقلال الآخر به، بل لابد أن يكون مفعول هذا متميزا عن مفعول هذا، وهذا معنى قوله تعالى: "إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ" [المؤمنون: ٩١] وهذا ممتنع؛ فإن العالم مرتبط بعضه ببعضه ارتباطا يوجب أن فاعل هذا ليس هو مستغنيا عن فاعل الآخر، لاحتياج بعض أجزاء العالم إلى بعض.
_________________
(١) منهاج السنة (٣/٣٠٦) - ط جامعة الامام-.
(٢) سبقت الإشارة إلى كتبهم التي ذكروا فيها ذلك.
(٣) منهاج السنة (٣/٣٠٥) - ط جامعة الإمام.
(٤) انظر: درء التعارض (٩/٣٥٤-٣٦٩) .
(٥) انظر: أبكار الأفكار (ج- ١- ١٦٥- ب- ١٧١- ب)، وغاية المرام (ص: ١٥١- ١٥٥) .
(٦) في درء التعارض: الآخرة، ولعل الصواب ما أثبته.
[ ٣ / ١٠٢٤ ]
وأيضا فلابد أن يعلو بعضهم على بعض، فإن ما ذكرناه من جواز تمانعهما إنما هو مبني على جواز اختلاف إرادتهما، وذلك أمر لازم من لوازم كون كل منهما قادرا، فإنهما إذا كانا قادرين، لزم جواز اختلاف الإرادة. وإن قدر أن لا يجوز اختلاف الإرادة، بل يجب اتفاق الإرادة كان ذلك أبلغ في دلالته على نفي قدرة كل واحد منهما، فإنه إذا لم يجز أن يريد أحدهما ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله، لزم أن لا يكون واحد منهما قادرا، إلا إذا جعله الآخر قادرا، ولزم أن لا يقدر أحدهما إلا إذا لم يقدر الآخر، وعلى التقديرين يلزم أن لا يكون واحد نهما قادرا، فإنه إذا لم يمكنه أن يريد ويفعل، إلا ما يريده الآخر ويفعله، والآخر كذلك- وليس فوقهما أحد يجعلهما قادرين مريدين - لم يكن هذا قادرا مريدا حتى يكون الآخر قادرا مريدا، وحينئذ فإن كان كل منهما جعل الآخر قادرا مريدا، كان هذا دورا قبليا، وهو دور في الفاعلين والعلل" (١) وهو ممتنع.
وقد أطال شيخ الإسلام في مناقشة هذا الأمر في بعض كتبه (٢)، وبين صحة هذا الدليل وسلامته. فهو متفق مع الأشاعرة في ذلك، ونقاشه لبعضهم لا يتطرق لنتيجة الاستدلال المتفق عليها، وإنما أراد شيخ الإسلام أن يستكمل النقص الذي ظن الآمدي وغيره أنه ينال من صحة دليل التمانع وقوته.
٤- وقد ذكر شيخ الإسلام- في أثناء مناقشاته لدليل التمانع- أن القرآن الكريم جاء بالأدلة العقلية الواضحة على إثبات التوحيد لله تعالى، وبين أن من ذلك ما ذكره تعالى بقوله: "مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ" [المؤمنون: ٩١]، وذكر أن الآية دلت على برهانين يقينيين- وسماهما في شرح الأصفهانية لازمين- يدلان على إفراد الله تعالى بالألوهية.
_________________
(١) درء التعارض (٩/٣٥٦-٣٥٧) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٩/٣٦٢- ٣٧٠)، وشرح الأصفهانية (١٠٣-١٣٤)، ومنهاج السنة (٣/٣٠٥-٣١٣) - ط جامعة الإمام-، والصفدية (١/٩٢- ٩٥) .
[ ٣ / ١٠٢٥ ]
وشيخ الإسلام وهو يشرح هذين البرهانين لا يفوته أن يُذكِّر بالفرق الواضح بين منهج المتكلمين ومنهج القرآن في ذلك. فالمتكلمون قصدوا تقرير توحيد الربوبية فقط لظنهم أنه غاية التوحيد الذي دعت إليه الرسل. وهذا منهج قاصر، لأن القرآن إنما جاء بالدعوة إلى توحيد الألوهية، لأنه الغاية المقصودة، أما توحيد الربوبية فإن المشركين كانوا مقرين به كما هو معروف، يقول شيخ الإسلام: " ومقصود القرآن توحيد الألوهية، وهو مستلزم لما ذكروه من غير عكس، ولهذا قال: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا" [الأنبياء: ٢٢] فلم يقل: لو كان فيهما إلهان، بل المقدر آلهة غير إلإله المعلوم أنه إله، فإنه لم ينازع أحد في أن الله إله حق، وإنما نازعوا هل يتخذ كره إلها مع كونه مملوكا له " (١) .
وقد سبق- قبل قليل- الإشارة إلى هذين اللازميين أو البرهانين الذين يلزمان على تقدير وجود ربين خالقين، وهذان اللازمان الباطلان هما: اللازم الأول: ما أشار إليه توله تعالى: "إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ" [المؤمنون: ٩١] يقول شيخ الإسلام: "أما اللازم الأول- وهو ذهاب كل إله بما خلق- فهذا لازم، سواء فرضا متماثلين في القدرة أو متفاضلين فيها، وإن كان كل من التقديرين ممتنعا، لكن بطلان هذا اللازم مما يدل على امتناع كل منهما؛ وذلك لأنه قد تبين أنه يمتنع أن يكون المفعول الواحد فعلا لكل منهما على سبيل الاستقلال، ويمتنع أيضا التعاون، بحيث لا يصير أحدهما قادرا إلا إذا أعانه الآخر، ولا يصير فاعلا إلا إذا [أعانه] الآخر، ويبين ذلك أن ذلك ممتنع لذاته، بل لابد أن يكون أحدهما قادرا على الفعل، يفعل بإرادته دون معاونة الآخر، وإذا كان كذلك وجب أن يتميز مفعوله عن مفعول الآخر، وأن يذهب بمفعوله، لأنه لا يجب اختلاط المفعولين إلا إذا احتاج أحد الفاعلين إلى الآخر، كالحاملين للخشبة، لا يقدر أحدهما على حملها إلا بمعاونة الآخر، فلا يتميز أثره في الخشبة عن أثر الآخر.
_________________
(١) درء التعارض، (٩/٣٦٩-٣٧٠) .
[ ٣ / ١٠٢٦ ]
فأما القادر- الذي يمتنع افتقاره إلى من يعينه، وقدرته من لوازم ذاته الغنية عن أن يجعله غيره قادرا- فهذا مقدوره متميز مستقل" (١)، ثم يقول: "و تعاونهما ممتنع لذاته، سواء قدر أن كلا منهما يقدر على الاستقلال أو قدر أنه لا يقدر على الاستقلال، وتمانعهما ممتنع لذاته.
وخلط أحد المفعولين بالآخر لا يخرج عن التمانع والتعاون؛ فإنه إن كان بمشيئة الآخر لزم التعاون، وإن كان بدون مشيئته لزم التمانع، وكلاهما ممتنع
في الربين المقدرين، وما لزم منه الممتنع [فهو ممتنع] .
فتبين أنه لو كان مع الله آلهة تخلق لذهب كل إله بما خلق، والموجود خلاف هذا؛ فإن العالم مرتبط بعضه ببعض، متعلق بعضه ببعض، ما من مخلوق إلا وهو متصل بغيره من المخلوقات، محتاج إليه مرتبط به " ثم قال بعد بيان كيف تحتاج المخلوقات إلى بعضها: " فتبين انتفاء اللازم في قوله تعالى: إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ" [المؤمنرن: ٩١]، وحذف سبحانه نفي اللازم لظهوره ووضوحه؛ فإن ذهاب كل إله بمخلوقه، وانفراده به، استقلاله به: أمر يظهر بطلانه لعموم العقلاء، والمقدمات الظاهرة البينة لا يحتاج إلى ذكرها في البيان الفصيح، الذي هو طريقة القرآن " (٢)، أي أنه لو كان معه إله لذهب كل إله بمخلوقاته، وهذا غير واقع، لأن العالم مرتبط بعضه ببعض، وليس هناك عالم مستقل عن هذا العالم، فدل على أن خالقه واحد (٣) .
أما اللازم الثاني: فقد دل عليه قوله "وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ" [المؤمنون: ٩١]، يقول شيخ الإسلام: [وأما البرهان الثاني: وهو لزوم علو بعضهما على بعض، وذلك يمنع إلهية المغلوب، فإنه يمتنع أن يقدر أحدهما على عين مقدور الآخر؛ لأن ذلك يستلزم أن يكون ما فعله أحدهما يقدر الآخر أن يفعله، مع كونه فعل الأول.
_________________
(١) شرح الأصفهانية (ص: ١٢٤- ١٢٥) .
(٢) شرح الأصفهانية (ص: ١٢٦-١٢٧) - ت السعوي-.
(٣) انظر أيضا: المصدر السابق إلى (ص ١٣١)، ودرء التعارض (٩/٣٥٩- ٣٦١)، ومنهاج السنة (٣/٣١٥-٣١٧) - ط جامعة الإمام-.
[ ٣ / ١٠٢٧ ]
ويمتنع أن يكون كل منهما لا يقدر إلا إذا مكنه الآخر وأقدره، فإن ذلك يستلزم أن لا يكون أحدهما قادرا، فيمتنع أن يكون كل منهما قادرا على الاستقلال، ويمتنع أن يكونا قادرين على مفعول واحد، فيلزم حينئذ أن لا يوجد مفعول واحد، لا بطريق استقلال أحدهما ولا بطريق اشتراكهما فيه، وذلك يمنع أن يكون أحدهما قادرا.
وكذلك يمتنع أن يكونا متماثلين في القدرة، ة إنه إن أمكن كل منهما منع الآخر من الفعل، لزم امتناع الفعل، وانتفاء القدرة عن كل منهما، وإن لم يمكنه ذلك، لزم أن لا يكون قادرا على ما يقدر عليه الاَخر، إذا لو كان قادرا عليه لأمكنه فعله، وذلك ممتنع.
وإن لم يكن قادرا على ما يقدر عليه الاَخر، لم تكن قدرته مثل قدرته فإن المثلين هما اللذان يسد أحدهما مسد الآخر، ويقوم مقامه.
وإذا امتنع تماثل القدرتين، وجب كون أحدهما أقدر من الاَخر، وحينئذ فالأقدر الأقوى يغلب الأضعف، وهذا معنى قوله "وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ" [المؤمنون: ٩١] (١) ". والخلاصة أنه إذا قدر إلهان فلابد أن يكون أحدهما أقدر من الآخر، والأقدر لابد أن يعلو من هو دونه في القدرة، وإذا علا بعضهم على بعض فالعالي هو الإله القاهر المستقل بالفعل وحده (٢) .
_________________
(١) درء التعارض (٩/٣٦١) .
(٢) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ١٣١-١٣٣) - ت السعوي-، ومنهاج السنة (٣/٣١٨-٣٢٥) - ط جامعة الإمام-.
[ ٣ / ١٠٢٨ ]
المبحث الثاني: في الأسماء والصفات
مقدمة:
يعتبر هذا المبحث أهم وأوسع المباحث التفصيلية في ردود شيخ الإسلام على الأشاعرة، ومسألة الصفات من مسائل العقيدة الكبرى التي كانت مثار جدل بين الطوائف منذ نشأة الفرق الإسلامية، كما أنها كانت أقوى محك لتمييز من يسير على مذهب السلف الصالح ممن رضي بموافقة إحدى طوائف أهل الأهواء.
كما أن مسألة الصفات- بالنسبة للأشاعرة- لها وضع خاص نظرا لتفاوت واضطراب أقوالهم فها:
- فهناك صفات اتفقوا على إثباتها، مثل الصفات السبع.
- وهناك صفات اتفقوا على تأويلها، مثل الصفات الاختيارية.
- وهناك صفات اختلفوا فيها:
* مثل الصفات الخبرية.
* ومثل العلو والاستواء.
وهذا الاختلاف إما أن يكون بين متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم، أو عند الفرد الواحد، حيث يميل مرة إلى الإثبات ومرة إلى التأويل،. وإن كان الذي استقر عليه المذهب يغلب عليه التأويل.
- على أن بعض الصفات قد تأتي أقوالهم فيها مضطربة، لاختلاف متعلقها، وذلك مثل صفة الاستواء، فأبو الحسن الأشعري يثبته ويبين دلالته على صفة العلو لله تعالى، ويمنع تأويله بالاستيلاء، ولكنه من جانب آخر لا يجعله من الصفات الاختيارية لله تعالى، لأنه ينفي هذه الصفات عن الله ولذلك يفسر الاستواء بأنه فعل فعله الله بالعرش سماه استواء، فيجعله كخلقه للسماء والأرض، ليكون من
[ ٣ / ١٠٢٩ ]
باب المفعول المنفصل عنه، لا من باب الأفعال التي تقوم به لئلا تقوم به الحوادث.
وأهل السنة لا يفرقون بين الأمرين، بين فعله اللازم والمتعدي، فكلاهما يقوم بالله منه فعل، كما يليق بجلاله وعظمتهـ كما سيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى-.
وقد تقدم أن من أسس منهج شيخ الإسلام إنصافه لخصومه، ومن الذين كان لهم حظ وافر من ذلك خصومه الأشاعرة، ولذلك فقد اعترف لهم بما وافقوا فيه مذهب السلف- بإجمال- كالأسماء، والصفات السبع، وما أثبته متقدموهم كالأشعري والباقلافي وغيرهم، حيث جعل أقوال هؤلاء حجة على المتأخرين
الذين خالفوهم في كثير من المسائل.
ولكثرة المسائل المتعلقة بهذا المبحث وتشعبها، كان من المناسب أن تشتمل مباحثه على مقدمات وقواعد عامة، ثم على المناقشات التفصيلية للصفات التي استقر مذهب الأشاعرة على نفيها أو تأويلها، ويأتي هذا كله بعد عرض مختصر للأقوال عامة في الصفات.
ولذلك فستكون مسائل هذا المبحث كما يلي:
تمهيد: حول أقوال الطوائف في الصفات، ثم خلاصة أقوال الأشاعرة فيها.
أولا: إثبات الأشاعرة لأسماء الله.
ثانيا: الصفات التي أثبتوها.
ثالثا: الصفات التي أولوها.
وهذا يشمل:
أ- الحجج العامة للأشاعرة على ما نفوه أو أولوه من الصفات، وموقف شيخ الإسلام منها.
ب- قواعد عامة في ردود شيخ الإسلام على الأشاعرة في الصفات.
ب- مناقشة الأشاعرة تفصيلا في الصفات:
١- الصفات الاختيارية.
٢- الصفات الخبرية.
٣- كلام الله.
٤- العلو.
[ ٣ / ١٠٣٠ ]
تمهيد
ويشمل:
أ- خلاصة أقوال الطوائف في الصفات:
تعددت أقوال الطوائف في الصفات وإثباتها لله تعالى، وأهم هذه الأقوال:
١- قول الجهمية، الذين ينفون الأسماء والصفات جميعا، ويوافقهم على هذا كثير من الفلاسفة والباطنية وغيرهم الذين يصفونها بالسلوب والإضافات فقط.
٢- قول المعتزلة الذين يثبتون الأسماء وينفون الصفات، ولكن إثبات
هؤلاء للأسماء لا يفيدهم شيئا لأنهم يقولون إما أنها أعلام محضة لا تدل على صفات، أو يقولون: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة.
٣- قول الأشاعرة الذين يثبتون الأسماء وبعض الصفات، ويتأولون بعضها- على اختلاف فيما بينهم- أو يفوضون.
٤- قول المشبهة الذين يثبتون الصفات، ولكنهم يجعلونها من جنس صفات الخلوقين، فيشبهون الله بخلقه.
٥- قول من يتوقف فيها: إما أنهم يقولون يجوز أن يكون المراد بالصفات ما يليق بالله، أو أمور أخرى، وإما أنهم لا يبحثون ذلك مطلقا، بل يقتصرون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث.
٦- وهناك بعض الغلاة الذين قالوا: إن أثبتنا الصفات شبهناه بالموجودات، وإن نفيناها شبهناه بالمعدومات، ولذا فالأولى سلب النقيضين عنه، فيقال:
لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، وبعضهم يقول: لا موجود، ولا ليس بموجود، ولا معدوم، ولا ليس بمعدوم وهكذا، وهؤلاء هم غلاة القرامطة والباطنية الملاحدة، والعجيب أن شيخ الإسلام ذكر أن هناك طائفة من هؤلاء لما رأوا أن قول المثبتة يلزم منه التشبيه بالموجودات، وقول النفاة يلزم منه التشبيه
[ ٣ / ١٠٣١ ]
بالمعدومات، وقول هؤلاء الغلاة الذين يسلبون عنه النقيضين يلزم منه تشبيهه بالممتنعات؛ لجأوا إلى الوقف والسكوت وقالوا: "نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم لا بهذا ولا بهذا، فلا نقول:
ليس بموجود ولا معدوم، ولكن لا نقول: هو موجود ولا نقول هو معدوم" (١) .
٧- قول أهل السنة الذين يثبتون ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسولهـ ﷺ- من غير تحريف ولا تكييف، ومن غير تمثيل ولا تعطيل. فهم يثبتون الصفات على ما يليق بجلال الله وعظمته.
ولشيخ الإسلام تقسيم دقيق لأقوال الطوائف المنتسبة للسنة، حيث قال: " وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام: - قسمان يقولان: تجري على ظواهرها.
- وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.
- وقسمان يسكتون.
أما الأولون فقسمان:
أحدهما: من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين. فهؤلاء المشبهة. ومذهبهم باطل، أنكره السلف.
الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله، كما يجري ظاهر اسم العليم، والقدير، والرب، والإله، والموجود، والذات، ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله .
_________________
(١) الصفدية (١/٩٦)، وقد قال بعد ذلك (١/٩٧) "ومن الناس من يحكي هذا القول عن الحلاج".
[ ٣ / ١٠٣٢ ]
وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها، أعني الذين يقولون: ليس في الباطن مدلول هو صفة الله قط، وأن الله لا صفة له ثبوتية، بل صفاته: إما سلبية، أو إضافية، وإما مركبة منهما، أو يثبتون بعض الصفات- وهي الصفات السبعة، أو الثمانية، أو الخمسة عشر- أو يثبتون الأحوال دون الصفات، ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث، على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين- فهؤلاء قسمان:
(قسم) يتأولونها، ويعينون المراد، مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلمين.
(وقسم) يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه.
وأما القسمان الواقفان:
(فقوم) يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها اللائق بجلال الله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة الله، ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.
(وقوم) يمسكون عن هذا كله، لا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.
فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها" (١)، ثم بين أن الصواب طريقة السلف، وأن فيها السلامة والرشاد، وأن الطرق الأخرى- خاصة طرق الفلاسفة والمتكلمين- قد يكون فيها العطب والهلاك.
ب- أقوال الأشاعرة في الصفات:
سبق عند الحديث عن تطور المذهب الأشعري وأشهر رجاله تتبع أقوال الأشاعرة في مسائل الصفات وغيرها، وتبين اختلاف أقوالهم في الصفات وتعددها أحيانا، ويمكن تلخيص ذلك كما يلي:
_________________
(١) الحموية الكبرى- مجموع الفتاوى (٥/١١٣-١١٧) .
[ ٣ / ١٠٣٣ ]
١- أجمع الأشاعرة على إثبات الصفات السبع العقلية، واختلفوا في صفة البقاء.
٢- أجمع الأشاعرة على نفى الصفات الاختيارية عن الله، وهي التي يعبرون عنها بحلول الحوادث، وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول، والإتيان، وغيرها.
وهذا هو أصل مذهب ابن كلاب، الذي تبعه عليه الأشعري وأصحابه، وما ورد من هذه الصفات إما أن يثبتوها بما لا يتعارض مع هذا الأصل وإما أن يؤولوها- كما هو الغالب على مذهب كثير من الأشاعرة- وقد أوضح شيخ الإسلام مذهب الأشاعرة في ذلك فقال: "لما كان من أصل ابن كلاب ومن وافقه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري، والقضاة: أبي بكر بن الطيب، وأبي يعلى الفراء، وأبي جعفر السمناني، وأبي الوليد الباجي، وغيرهم من الأعيان، كأبي المعالي الجويني، وأمثاله، وأبي الوفاء ابن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهما: أن الرب لا يقوم به ما يكون بمشيئته وقدرته، ويعبرون عن هذا بأنه لا تحله الحوادث ووافقوا على ذلك الجهم (١) بن صفوان وأتباعه من الجهمية والمعتزلة- صاروا فيما ورد في الكتاب والسنة من صفات الرب على أحد قولين: إما أن يجعلوها كلها مخلوقات منفصلة عنه، فيقولون: كلام الله مخلوق بائن عنه، لا يقوم به كلام، وكذلك رضاه، وغضبه، ومجيئه، وإتيانه، ونزوله، وغير ذلك، هو مخلوق منفصل عنه، لا يتصف الرب بشيء يقوم به عندهم. وإذا قالوا: هذه الأمور من صفات الفعل، فمعناه أنها منفصلة عن الله، بائنة، وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به، ولهذا يقول كثير منهم: إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات.
_________________
(١) في مجموع الفتاوى (٥/٤١١) [للجهم]، والتصويب من طبعة المكتب الإسلامي لشرح حديث النزول (ص: ٦٣) - ط الرابعة-.
[ ٣ / ١٠٣٤ ]
وإما أن يجعلوا جميع هذه المعاني قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه، وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي، كما يقولون: إن القرآن قديم أزلي، ثم منهم من يجعله معنى واحدا، ومنهم من يجعله حروفا، أو حروفا وأصواتا قديمة أزلية، مع كونه مرتبا في نفسه ويقولون: فرق بين ترتيب وجوده وترتيب ماهيته" (١) .
وقوله: "ثم منهم من يجعله حروفا أو حروفا وأصواتا قديمة قصد به أقوال بعض الحنابلة الذين أرادوا موافقة شيوخهم الحنابلة في أن كلام الله حروف وأصوات، مع قولهم بأصل ابن كلاب والأشعري، والذي فرق بين ترتيب الوجود وترتيب الماهية هو ابن الزاغوني الذي قال: إن القرآن حروف وأصوات أزلية ثم ترتبت من حيث الوجود لا من حيث الماهية، وهو قول ساقط (٢) .
والتحليل السابق لشيخ الإسلام- وهو الخبر بالمذهب الأشعري- يبين كيف أن بعض الأشاعرة قد يجمع بين الإثبات لبعض الصفات مع اعتقاد الأصل الكلابي، والملاحظ أن الأشاعرة في بعض الصفاتء مثل الاستواء والنزول والمجيء يفسرونها بما يوافق القول الأول، أي أنهم يجعلونها من المفعولات المنفصلة عن الله تعالى. وفي مثل صفة الرضا والغضب يفسرونها بما يوافق القول الثاني، أي أنهم يجعلونها أزلية (٢) . ولذلك اشتهر عنهم القول بالموافاة ومعناه عندهم أن الله لم يزل راضيا عمن علم أنه يموت على الإيمان ولو عاش أغلب عمره كافرا، ولم يزل غاضبا على من علم أنه يموت على الكفر ولو عاش أغلب عمره مؤمنا.
٣- أما الصفات الخبرية، كالوجه واليدين والعين، واليمين، والقبضة، والساق، والقدم، والأصابع وغيرها. فقد اختلفت أقوال الأشاعرة فيها:
أ- فمتقدموهم يثبتونها في الجملة، فالوجه واليدان والعين يثبتها الأشعري (٤)،
_________________
(١) شرح حديث النزول- مجموع الفتاوى (٥/٤١١) .
(٢) انظر: نونية ابن القيم (١/٢٨٧-٢٨٩) بشرح ابن عيسى، (١/١٢٢ -١٢٥)، بشرح الهراس.
(٣) انظر ما سبق: (ص: ٤٢٠-٤٢١) .
(٤) انظر ما سبق: (ص: ٤٢٥) .
[ ٣ / ١٠٣٥ ]
والباقلاني (١)، وابن فورك (٢)، والبيهقي (٣)، وغيرهم، أما صفة اليدين والقبضة والقدم والأصابع، فأغلب هؤلاء يتأولها، مثل أبي الحسن الطبري- تلميذ الأشعري- (٤)، الذي قال أيضا إن الله راء بلا عين (٥)، ومثل ابن فورك (٦)، والبيهقي (٧)، ولذلك قيل إن متقدمي الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، لأن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية وهي الوجه، واليدان، والعين.
على إن إثبات بعضهم لها من باب التفويض (٨) .
ب- أما متأخروهم فيتأولون هذه الصفات، وذلك مثل البغدادي (٩)، والجويني (١٠)، ومن جاء بعدهم، وهو الذي استقر عليه المذهب الأشعري، وإن كان المتأخرون صاروا يحكون القولين في مذهبهم:
- التأويل، وهو الذي يرجحونه.
- أو الإثبات لكن بشرط التفويض.
٤- أما صفة العلو والاستواء، فمثل الصفات الخبرية:
أ- متقدمو هم يثبتونها، كالأشعري (١١)، وتلاميذه (١٢)، والباقلافي (١٣) .
_________________
(١) انظر ما سبق: (ص: ٥٣٧-٥٣٨) .
(٢) انظر ما سبق: (ص: ٥٥٨) .
(٣) انظر ما سبق: (ص: ٥٨٩) .
(٤) انظر: تأويلاته للقبضة واليمين والقدم فيما سبق (ص: ٥١٨- ٥١٩) .
(٥) انظر ماسبق: (ص: ٥١٥) .
(٦) انظر ما سبق: (ص: ٥٥٩) حيث أول اليمين، والكف، والقبضة، والقدم، والأصابع والساق.
(٧) انظر ما سبق: (ص: ٥٨٧-٥٨٩) .
(٨) وذلك كقول أبي الحسن الطبري- تلميذ الأشعري- في اليدين حيث فوض فيها، انظر ما سبق (ص: ٥١٩) .
(٩) انظر ماسبق: (ص: ٥٧٧) .
(١٠) انظر ما سبق: (ص: ٦٠٩)، وقد رجع في النظامية إلى التفويض انظر (ص: ٦٢١) .
(١١) أقواله في ذلك مشهورة، وانظر ماسبق: (ص: ٤٢٣-٤٢٤) .
(١٢) كأبي الحسن الطبري، انظر ما سبق: (ص: ٥١٩-٥٢٢) .
(١٣) انظر ما سبق: (ص: ٥٣٨-٥٤٠)، ومع ذلك يرى عدم إطلاق الجهة على الله تعالى، انظر ما سبق: (ص ٥٤٠) .
[ ٣ / ١٠٣٦ ]
ب- ثم بدأ تأويلها في وقت مبكر نسبيا، على يد ابن فورك (١)،- وله قول آخر بإثباتها (٢)، والبغدادي (٣)، والبيهقي (٤)، والجويني الذي صرح بنفي العلو وتأويل الاستواء بالاستيلاء كقول المعتزلة (٥) .
٥- أما صفة الكلام، فأصل المذهب الذي كان عليه متقدمو الأشاعرة باق- وهو إثبات أزليته، والقول بالكلام النفسي، وكونه واحدا- وقد سار عليه المتأخرون، مع بعض الاختلافات في التفاصيل.
هذه خلاصة أقوال الأشاعرة في الصفات بإجمال، وما لم يذكر فيما سبق فهو إما داخل في الصفات الفعلية فيتأولونها، أو داخل في الصفات الخبرية فتختلف أقوالهم فيها.
ولشيخ الإسلام بعض التفصيلات حول أقوال الأشاعرة في الصفات، فمثلا يقول: "الإثبات في الجملة مذهب الصفاتية، من الكلابية، والأشعرية، والكرامية، وأهل الحديث، وجمهور الصوفية، والحنبلية، وأكثر المالكية، والشافعية- إلا الشاذ منهم- وكثير من الحنفية أو أكثرهم، وهو قول السلفية، لكن الزيادة في الإثبات إلى حد التشبيه هو قول "الغالية" من الرافضة، ومن جهل أهل الحديث، وبعض المنحرفين.
وبين نفي الجهمية وإثبات المشبهة مراتب:
فالأشعرية: وافق بعضهم في الصفات الخبرية.
وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية.
وأما في الصفات القرآنية فلهم قولان:
- فالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها.
- وبعضهم يقر ببعضها.
_________________
(١) انظر ما سبق: (ص: ٥٦٠)
(٢) انظر ما سبق: (ص: ٥٦٣)
(٣) انظر ما سبق: (ص: ٥٧٠-٥٦٣) .
(٤) انظر ما سبق: (ص: ٥٨٤) .
(٥) انظر ما سبق (ص: ٦٠٢) .
[ ٣ / ١٠٣٧ ]
وفيهم تجهم من جهة أخرى، فإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم، وابن الباقلاني أكثر إثباتا بعد الأشعري في الإبانة، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.
وأما الجويني- ومن سلك طريقتهـ فمالوا إلى مذهب المعتزلة؛ فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين.
والقشيري تلميذ ابن فورك، فلهذا تغلظ مذهب الأشعري من حينئذ، ووقع بينه وبين الحنبلية تنافر بعد أن كانوا متوالفين أو متسالمين " (١)، ثم
تحدث عن الحنابلة من مال منهم إلى مذهب الأشاعرة، ومن مال إلى الإثبات ثم قال:"ولا ريب أن الأشعرية الخراسانيين كانوا قد انحرفوا إلى التعطيل،
وكثير من الحنبلية زادوا في الإثبات" (٢) .
وفي موضع يعرض لمذهب الأشاعرة في الصفات الخبرية ويقول بعد ذكر عدد من أعلامهم: " فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله، وعماد المذهب: إثبات كل صفة في القرآن، أما الصفات التي في الحديث:
فمنهم من يثبتها، ومنهم من لا يثبتها" (٣)، ويذكر شيخ الإسلام أيضا أن عامة قدماء الأشاعرة يثبتون الصفات المعلومة بالسمع، كما يثبتون الصفات المعلومة بالعقل، وأن المتأخرين كأبي المعالي وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، أما الخبرية فمنهم من ينفيها، ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي. ثم بين أن
نفاة الصفات الخبرية: منهم من يتأولها، وفهم من يفوض معناها (٤) .
_________________
(١) مجموع الفتاوى (ص: ٥١-٥٢) .
(٢) المصدر السابق (٦/٥٤) .
(٣) المصدر السابق (١٤/١٤٧-١٤٨) .
(٤) انظر: منهاج السنة (٢/١٦٤-١٦٥)،- المحققة-، ط دار العروبة. وانظر أيضا نقض التأسيس- الخطوط- (٣/١٤١-٤١٢)، والمسألة المصرية في القرآن- مجموع الفتاوى (١٢/٢٠٣)، والرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز- مجموع الفتاوى (٦/٣٥٨-٣٥٩)، ومجموع الفتاوى (٤/١٧٤) .
[ ٣ / ١٠٣٨ ]
فالأشاعرة يدورون في الصفات بين الإثبات أو التأويل أو التفويض، ولاشك أن البون شاسع في ذلك بين المتقدمين والمتأخرين.
وننتقل إلى الأمور التفصيلية في مذهبهم، سواء منها ما أثبتوه كالأسماء والصفات العقلية، أو ما أوله المتأخرون والمتقدمون كالصفات الاختيارية أو الخبرية أو غيرها مع ذكر مناقشات شيخ الإسلام لكل ذلك.
أولا: أسماء الله تعالى:
إثبات أسماء الله تعالى الواردة من مسلمات الأشاعرة، وقد حرصوا على التأليف فيها، وإن كان ذلك- في الغالب- بسبب ما حدث بين الأشاعرة والتصوف من ارتباط، وعناية الصوفية بأسماء اللهـ وما يزعمون من أسرارها- معروف.
وممن كتب في أعاء الله ومعانيها من الأشاعرة:
١- أبو سليمان الخطابي، ضمن كتابه "شأن الدعاء" (١) .
٢- الحليمي، ضمن كتابه "المنهاج في شعب الإيمان" (٢) .
٣- البيهقي، في كتابه "الأسماء والصفات" (٣) . وقد اعتمد في شرحه على الكتابين السابقين.
٤- القشيري في كتابه "شرح أسماء الله الحسني".
٥- الغزالي في كتابه "المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى".
٦- الرازي في كتابه "لوامع البينات، شرح أسماء الله تعالى والصفات".
وهذه كلها مطبوعة، وللقرطبي كتاب مشهور في الأسماء والصفات لا يزال مخطوطا، كما أن لكل من أبي بكر بن العربي، والواحدي كتابا في هذا الموضوع. كما أن بعض الأشاعرة قد يشيرون إلى معاني أسماء الله في كتبهم (٤) .
_________________
(١) (ص: ٢٣-١١٣) .
(٢) (١/١٨٧- ٢١٠) .
(٣) (ص: ٣-٩٥) .
(٤) كالجويني في الإرشاد (ص: ١٤٣-١٥٥)، والبيهقي في الاعتقاد (ص: ٥٤-٦٩)، وفي الجامع لشعب الإيمان (١/٢٨٣-٣٣٥) - ت عبد العلي حامد، والمجرد لابن فروك- (ص: ٤٢-٥٧) .
[ ٣ / ١٠٣٩ ]
وليس للأشاعرة أقوال متميزة فيما يتعلق بأسماء الله تعالى في الجملة، وما يقع من خلاف في بعض مسائلها قد يشاركهم فيه غيرهم، ولذلك فلا داعي للاطالة في مباحث هذه المسألة، ويمكن الإشارة إلى أمرين:
أحدهما: ما وافق فيه جمهور الأشاعرة جمهور السلف، ومن ذلك قولهم:
١- أن أسماء الله تعالى توقيفية، وقد ذكر ذلك غالب الأشاعرة، وخالف فيه الباقلاني (١) . بل بعض من ذكر أنها توقيفية خالف في ذلك عمليا فذكر بعض الأسماء التى لم ترد في الشرع- كما سيأتي-.
٢- أن أسماء الله تعالى ليست جامدة، ولذلك حرص العلماء على شرحها، وبيان معانيها وذكر ما دلت عليه من صفات لله تعالى، وقد رد شيخ الاسلام وأغلظ على ابن حزم الذي زعم أن أسماء الله بمنزلة أسماء الأعلام التي لا تدل على معنى (٢) .
٣- أن أسماء الله تزيد على التسعة والتسعين، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، خلافا لابن حزم وطائفة. وما ورد من ذكر تعداد التسعة والتسعين
فهو من ادراج بعض الرواة (٣) . والحديث بأصله، وبزياداتهـ لو صحت-
_________________
(١) انظر: المقصد الأسنى للغزالي (ص: ١٦٧)، وشأن الدعاء (ص: ١١١)، ولوامع البينات للرازي (ص: ٣٦)، وانظر: المجرد لابن فورك (ص: ٤٢) .
(٢) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ٧٦-٧٧) - ت مخلوف-.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٧٩-٣٨٢، ٢٢/٤٨١-٤٨٦)، ودرء التعارض (٣/٣٣٢) . وحديث "إن لله تسعة وتسعين إسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة" منفق عليه: البخاري، كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط، ورقمه (٢٧٣٦) (الفتح ٥/٣٥٤)، وكتاب الدعوات، باب لله مئة اسم غير واحدة، ورقمه (٦٤١٠) الفتح (١١/٢١١)، وكتاب التوحيد، باب إن لله مئة اسم إلا واحدة، ورقمه (٧٣٩٢) (الفتح ١٣/٣٧٧) . ومسلم كتاب الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى، ورقمه (٢٦٧٧) . أما الرواية التي فيها تعداد الأسماء فقد رواها الترمذي، أبواب الدعوات، ورقمه (٣٥٧٤) في طبعة عمان و(٣٥٠٧) في ط إبراهيم عطوة. وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب أسماء الله ورقمه (٣٨٦١)، وابن حبان ورقمه (٨٠٥، ٨٨-٨٩) من الإحسان، والحاكم (١/١٦-١٧)، والبغوي في شرح السنة (٥/٣٢)، والبيهقي في الجامع لشعب الايمان (١/٢٧٧) وفي الأسماء والصفات (ص: ٥) . وهي روايات ضعيفة، وقد رجح العلماء أن تعداد الأسماء من إدراج بعض الرواة، انظر: فتح الباري (١١/٢١٥)، =
[ ٣ / ١٠٤٠ ]
لا تعارض ذلك، وقوله "من أحصاها" المقصود به أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، وليس معناه أنه ليس له اسم إلا هذه، كما هو واضح (١) .
وثانيهما: أن بعض الأشاعرة خالفوا جمهور السلف في بعض المسائل، ومن ذلك:
١- أن بعض الأشاعرة أطلقوا بعض الأسماء لله وإن لم يرد بها نص ولا إجماع، وذلك كاسم القديم، والذات وغيرها (٢) . وقد ناقش شيخ الإسلام هؤلاء ذاكرا الخلاف في ذلك فقال: إن المسلمين في أسماء الله تعالى على طريقتين:
كثيير منهم يقول: إن أسماءه سمعية شرعية، فلا يسمى إلا بالأسماء التي جاءت بها الشريعة، فإن هذه عبادة، والعبادات مبناها على التوقف والاتباع.
ومنهم من يقول: ما صح معناه في اللغة، وكان معناه ثابتا له لم يحرم تسميته به، فإن الشارع [لم (٣)]، يحرم علينا ذلك فيكون عفوا.
والصواب القول الثالث: وهو أن يفرق بين أن يدعى بالأسماء، أو يخبر بها عنه؛ فإذا دعى لم يدع [إلا (٤)] بالأسماء الحسنى كما قال تعالى: "وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ" [الأعراف: ١٨٠]، وأما الإخبار عنه فهو بحسب الحاجة، فإذا احتيج في تفهيم الغير المراد
_________________
(١) = وبلوغ المرام- كتاب الأيمان والنذور (٢/٣٢٦-٣٢٧) مع حاشية الدهلوي. ط المكتب الاسلامي حيث قال ابن حجر: "والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة، وانظر سبل السلام (٤/١٤٤٣) - تحليق الخولي-، حيث قال الصنعاني: "اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها من بعض الرواة". وقال ابن القيم في مدارج السالكين (٣/٤١٥): "والصحيح أنه ليس من كلام- النبي ﷺ-". فالراجح ضعفه وإن كان النووي قد حسنه في الأذكار- آخر "كتاب ما يقوله إذا دخل في الصلاة " ورقمه (٢٦٩) (ص: ١٨٥) - ت محي الدين مستو-، وانظر النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، وتأليف محمد بن حمد الحمود، ج- ١ ص: ٥٢-٥٦)، مكتب المعلا- الكويت.
(٢) انظر: شأن الدعاء (ص: ٢٤-٢٥)، وفتح الباري (١١/٢٢٠)، وبدائع الفوائد (١/١٨٨) .
(٣) انظر: المنهاج في شعب الإيمان (١/١٨٨)، والأسماء والصفات للبيهقي (ص: ٩)، والمقصد الأسنى للغزالي (ص: ١٦٥)، ولوامع البينات للرازي (ص: ٣٥٥-٣٥٦) .
(٤) في المطبوعة من الجواب الصحيح بدون [لم] والسياق يقتضيها.
(٥) في المطبوعة من الجواب الصحيح بدون [إلا] والسياق يقتضيها.
[ ٣ / ١٠٤١ ]
إِلى أن يترجم أسماؤه بغير العربية، أو يعبر باسم له معنى صحيح لم يكن ذلك محرما" (١)، ويقول في موضع آخر بعد ترجيح ما ذكره في القول الثالث قال: "وإما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك، فقيل في تحقيق الإثبات: بل هو سبحانه قديم، موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وقيل: " ليس بشيء" فقيل: بل هو شيء. فهذا سائغ وإن كان لا يدعى بمثل هذه الأسماء التى ليس فيها ما يدل على المدح كقول القائل: يا شيء " (٢) .
فهذا التفريق الدقيق الذي ذكره شيخ الإسلام بين الدعاء والإخبار هو الذي يفصل في الأمر، والمتكلمون إنما ذكروا بعض الأسماء التى لم ترد بسبب خوضهم في علوم الكلام واصطلاحات الفلاسفة فاضطروا إلى مجاراتهم حتى لا ينفوا عن الله ما هو ثابت له لأجل أنه اصطلاح حادث.
٢- من المسائل المشهورة في هذا الباب مسألة: هل الاسم هو المسمى أو غيره، والمعروف أن الجهمية حرصوا على تقرير أن الاسم غر المسمى ليسلم لهم مذهبهم الفاسد القائل بخلق القرآن. فقابلهم البعض فقالوا: بل الاسم هو المسمى، حتى لا يقال: إن أسماء الله غير الله، وهذا قول بعض المنتسبين إلى السنة.
وقد ذكر شيخ الإسلام عدة أقوال في هذه المسألة، وهي:
١) أن الاسم غير المسمى، وهذا قول الجهمية، الذين يقولون: إن أسماء الله غير الله، وما كان غير فهو مخلوق (٣) .
٢) التوقف والامساك عن إطلاق مثل هذه العبارات نفيا وإثباتا، وأن كلا من الإطلاقين بدعة، وقد ذكر هذا الخلال عن إبراهيم الحربي وغيره، وكما ذكره أبو جعفر الطبري في صريح السنة (٤)، وعده من الحماقات.
_________________
(١) الجواب الصحيح (٣/٢٠٣) - ط المدني.
(٢) مجموع الفتاوى (٩/٣٠١)، وانظر: درء التعارض (١/٢٩٧-٢٩٨)، وبدائع الفوائد لابن القيم (١/١٨٢) .
(٣) انظر: المقالات للأشعري (ص: ١٧٢) .
(٤) (ص: ٢٦-٢٧)، ونسب الأشعري هذا القول إلى بعض أصحاب ابن كلاب، المقالات (ص: ١٧٢) .
[ ٣ / ١٠٤٢ ]
٣) أن الاسم هو المسمى، وهذا قول كثير من المنتسبين إلى السنة، مثل أبي بكر عبد العزيز، وأبي القاسم الطبرى، واللالكائي (١)، وأبي محمد البغوي في شرح السنة (٢) . وغيرهم. وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري (٣)، اختاره أبو بكر بن فورك وغيره.
٤) والقول الثاني- وهو المشهور عن أبي الحسن الأشعري- أن الأسماء ثلاثة أقسام:
تارة يكون الاسم هو المسمى، كاسم الموجود.
وتارة يكون غير المسمى، كاسم الخالق.
وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدوس (٤) .
٥) أن الاسم للمسمى، كما يقوله أكثر أهل السنة، فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة والمعقول لقوله تعالى: "وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى" [الأعراف: ١٨٠] وقال: "أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى" [الإسراء: ١١٠] . وهؤلاء إذا قيل لهم: هل الاسم هو المسمى أو غيره؟ "فصلوا فقالوا: ليس هو نفس المسمى، ولكن يراد به المسمى، وإذا قيل: إنه غيره بمعنى أنه يجب أن يكون مباينا. فهذا باطل؟ فإن المخلوق قد يتكلم بأسماء نفسه فلا تكون بائنة منه، فكيف بالخالق، وأسماؤه من كلامه، وليس كلامه بائنا عنه، ولكن قد يكون الاسم نفسه بائنا، مثل أن يسمى الرجل غيره باسم، أو يتكلم باسمه، فهذا الاسم نفسه ليس قائما بالمسمى، لكن المقصود به المسمى، فإن الاسم مقصوده اظهار المسمى وبيانه" (٥) .
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/٢٠٤) وما بعدها.
(٢) (٥/٢٩) .
(٣) ذكر الأشعري عن أهل الحديث أنهم يقولون: إن أسماء الله لا يقال هي غيره، وأنهم يقولون: أسماء الله هي الله. المقالات (ص: ٢٩٣،٢٩٠،١٧٢) - ريتر.
(٤) ذكر هذا القول والذي قبله البيهقي في الجامع لشعب الإيمان (١/٣٣٦-٣٣٧)، وانظر: الاعتقاد (ص: ٧١- ٧٢) .
(٥) قاعدة في الاسم والمسمى- مجموع الفتاوى (٦/٢٠٧)، وانظر حول الأقوال السابقة قبل ذلك (ص: ١٨٥-٢٠٦) . ولشارح الطحاوية تلخيص جهد للمذهب الحق في هذه المسألة انظره (ص: ١٣١) - ط الرابعة- المكتب الإسلامي.
[ ٣ / ١٠٤٣ ]
فالأشاعرة لهم قولان ضعيفان (١) وقد ناقشهما شيخ الإسلام وبين ضعفهما: ومن ردوده على من قال منهم: إن الاسم هو المسمى قوله: "قلت لو اقتصروا على أن أسماء الشيء إذا ذكرت في الكلام فالمراد بها المسميات- كما ذكروه في قوله "يَا يَحْيَى" [مريم: ١٢] ونحو ذلك- لكان ذلك معنى واضحا، لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك، ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم لما في قولهم من الأقوال الباطلة، مثل دعواهم أن لفظ اسم الذي هو (أ، س، م) معناه ذات الشيء ونفسه، وأن الأسماء- التي هى الأسماء- مثل زيد وعمرو هى التسميات، ليست هي أسماء المسميات، وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه وأيضا فهم تكلفوا هذا التكليف ليقولوا: إن اسم الله غير مخلوق، ومرادهم أن الله غير مخلوق وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة؛ فإن أولئك ما قالوا الأسماء مخلوقة إلا لما قال هؤلاء هي المسميات. فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا أهل السنة في اللفظ، ولكن أرادوا به ما لم يسبقهم أحد إلى القول به من أن لفظ اسم وهو (ألف، سين، ميم) معناه إذا أطلق هو الذات المسماة، بل معنى هذا اللفظ هى الأقوال التي هى أسماء الأشياء، مثل زيد وعمرو، وعالم وجاهل، فلفظ الاسم لا يدل على أن هذه الأسماء هى مسماة (٢) " إلى آخر مناقشته لهم.
ثم ذكر أن أهل القول الثاني من الأشاعرة- الذي قسموا الأسماء إلى ثلاثة أقسام- " غلطوا من وجه آخر؛ فإنه إذا سلم لهم أن المراد بالاسم الذي هو (ألف، سين، ميم) هو مسمى الأسماء فاسمه الخالق هو الرب الخالق نفسه، ليس هو المخلوقات المنفصلة عنه، واسمه العليم هو الرب العليم، الذي العلم صفة له، فليس العلم هو المسمى، بل المسمى هو العليم، فكان الواجب أن يقال على أصلهم: الاسم هنا هو المسمى وصفته، وفي الخالق الاسم هو المسمى وفعله،
_________________
(١) نسب ابن فورك في المجرد إلى الأشعري أنه يقول: أن الاسم غير المسمى، مع مخالفته ورده على الجهمية، انظر: المجرد (ص: ٣٨-٣٩) .
(٢) قاعدة في الاسم والمسمى- مجموع الفتاوى (٦/١٩١-١٩٢) .
[ ٣ / ١٠٤٤ ]
ثم قولهم: ان الخلق هو المخلوق، وليس الخلق فعلا قائما بذاته، قول ضعيف، مخالف لقول جمهور المسلمين" (١) .
وبهذا يتبين أن القول الخامس هو القول الراجح وأن الاسم للمسمى، وأنه لابد من الاستفصال عن المقصود لمن قال: الاسم هو المسمى أو غيره.
٣- يلاحط على كتب الأشاعرة التى شرحت أسماء الله تعالى أنها مع أنها تثبت هذه الأسماء وما دلت عليه من الصفات، إلا أنها عند تفصيل القول في هذه الصفات تشرحها بما يوافق معتقدها، فإذا كان الاسم دالا على صفة يؤولونها نفوا دلالة الاسم على هذا المعنى الذي ينفونه وإن كان موافقا لمذهب السلف، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن أبرزها- مثلا- اسم تعالى: "العلى" فكل من شرح هذا الاسم من الأشاعرة المتأخرين فسروه بعلو الشرف والمكانة، وغير ها، ونفوا دلالته على إثبات علو الله على خلقه، ونصوا على نفي هذا المعنى عند شرحهم له (٢) .
وقد ذكر شيخ الإسلام أن الكلام في تفسير أسماء الله وصفاته وكلامه فيه من الغث والسمين ما لا يحصيه إلا الله (٣) . ولذلك فقد ناقش الأشاعرة في بعض الأسماء التى أولوها، ومن ذلك:
أ- اسمه تعالى " النور" فقد أطال﵀- في مناقشة الأشاعرة الذي نفوا هذا الاسم عن الله، وأولوه بأن المقصود الهادى، أو منور السموات أو غيرها، وبين أن اثبات هذا الاسم لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وأنه تعالى نور هو مذهب السلف رحمهم الله تعالى.
وقد كانت ردوده على من تأول هذا الاسم كالرازى (٤) وغيره كما في:
_________________
(١) قاعدة في الاسم والمسمى- مجموع الفتاوى (٦/٢٠١-٢٠٢) .
(٢) انظر حول هذا الاسم: شأن الدعاء للخطابي (ص: ٦٦)، وشرح أسماء الله للقشيري (ص: ١٥٠)، والمقصد الأسنى للغزالي (ص: ١٠٨)، ولوامع البينات للرازي (ص: ٢٥٩) .
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٨٨) .
(٤) في أساس التقديس (ص: ٧٩-٨٠) - ط الحلبي-.
[ ٣ / ١٠٤٥ ]
١- أن أئمة السلف أثبتوا هذا الاسم لله تعالى، كالإمام أحمد، والدارمي، وابن خزيمة وغيرهم (١) .
٢- أن هذا هو قول الصفاتية كابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما، وقد أيد شيخ الإسلام ذلك بنصوص من أقوال ابن كلاب (٢)، والأشعري في الإبانة (٣) .
٣- أن الرازي اتبع في تأويله الجويني، والجويني هو الذي غير المذهب الأشعري وقربه من مذهب المعتزلة (٤)، وقد فسر الجويني النور بالهادي (٥) .
٤- أن زعم هؤلاء أن تفسير النور بالهادي مروي عن ابن عباس ﵄- جوابه من وجوهـ:
- أنها من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهي رواية ضعيفة معروفة بالانقطاع (٦) .
- أن الثابت عن ابن عباس إثبات النور لله (٧) .
- وما ورد عن ابن عباس- إن ثبت- فقد يكون رواية بالمعنى، أو ورد عنه، لكنه لم يكن يقصد نفي أن الله نور، وإنما قصد- كعادة السلف في تفسيرهم- ذكر بعض صفات المفسر من الأسماء، أو بعض أنواعه، فهو من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد (٨) .
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس- مخطوط- (٣/٢٤-٢٥، ٣٦-٣٩) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٣/٢٩-٣٢)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٧٩) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٣/٤٠)، وهو في الإبانة (ص: ١١٧) - ت فوقية-.
(٤) انظر: نقض التأسيس- مخطوط- (٣/٣٥) .
(٥) في الإرشاد (ص: ١٥٥)، وانظر: المصدر السابق- الصفحة نفسها.
(٦) انظر: نقض التأسيس- مخطوط- (٣/٤١-٤٢)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٨٩، ٣٩٣) .
(٧) انظر: نقض التأسيس- مخطوط- (٣/٤٣) .
(٨) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٩٠- ٣٩١) .
[ ٣ / ١٠٤٦ ]
٥- بل ذكر شيخ الإسلام أن إثبات أن الله نور هو قول قدماء الجهمية كالمريسي وغيرهـ الذي هو إمام الرازي في تأويلاتهـ ولذلك لما سألهم الإمام أحمد عن الله، قالوا: هو نور كله، يقول شيخ الإسلام: " إن كونه نورا أو تسميته نورا مما لم يكن ينازع فيه قدماء الجهمية وأئمتهم الذين ينكرون الصفات (١) "، ثم نقل كلام الإمام أحمد، ثم قال: فإذا "كان أئمة المؤسس وقدماء أهل مذهبه يقولون: إنه نور، فكيف يدعي الإجماع على خلاف ذلك" (٢) .
٦- كما رد على المؤولة بوجوه أخرى، وبأدلة من الكتاب والسنة (٢) .
ب- اسمه تعالى " الصمد ": حيث أنكر الرازي (٤) التفسير المأثور عن السلف من أنه الذي لا جوف له، لأنهـ على زعمهـ صفة الأجسام الغليظة.
ثم تأول هذا الاسم، وقد رد عليه شيخ الإسلام من نحو سبعة وثلاثين وجها، ناقلا أقوال السلف وأئمة التفسير في معنى هذا الاسم، كما انتقد تفسير بعض الأشاعرة للصمد بأنه الذي يصمد إليه في الحوائج، ونفيهم للمعنى الثاني الذي هو أشهر من هذا وهو أنه الذي لا جوف له، وذلك مثل الغزالي (٥)، والخطابي (٦)، والقشيري (٧)، وغيرهم (٨) .
ب-كما انتقد شيخ الإسلام ما ذكره الأصفهاني في عقيدته من تسمية الله ب- " مريد ومتكلم" (٩)، كما رد على الباقلاني الذي نفي أن يكون من أسمائه
_________________
(١) نقض التأسيس- مخطوط- (٣/٢٦) .
(٢) المصدر السابق (٣/٢٨) .
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٩٢-٣٩٤) .
(٤) في أساس التقديس (ص: ٩٤-٩٥) - ط الحلبي.
(٥) المقصد الأسنى (ص: ١٣٤)، وهو ما رجحه الزجاج فى تفسير أسماء الله (ص ٨٥) .
(٦) شأن الدعاء (ص: ٨٥) .
(٧) شرح أسماء الله الحسنى (ص: ٢١٨)، وقد ذكر أن من الأقوال في الصمد أنه الذي لا جوف له، ولكنه صحح أنه الذي يصمد إليه في الحوائج.
(٨) انظر: نقض التأسيس- مخطوط- (٣/٩٣-٩٤) .
(٩) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ٥) - ت مخلوف-، وممن سماه أيضا بالمريد والمتكلم الغزالي في المقصد الأسنى (ص: ١٦٥) .
[ ٣ / ١٠٤٧ ]
الدليل (١)، كما وافق الخطابي على أن الراجح في "الدهر": أنه ليس من أسماء الله، وإن كان في ذلك قولان مشهوران للحنابلة (٢) .
هذا هو رأي شيخ الإسلام في مذهب الأشاعرة في أسماء الله تعالى، وقد بقيت مسألة مهمة وهى أن الأسماء التي سمى الله بها نفسه، وسمى عباده بها، هل هى من قبيل المشترك او المتواطىء؟ وسيتم بحثها- مع ما يماثلها من الصفات - ضمن مباحث الفقرة التالية- إن شاء اللهـ.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/٤٨٣-٤٨٤) .
(٢) انظر: شأن الدعاء (ص: ١٠٧-١٠٩)، والقولان المشهرران وأحدهما: قول أبي عبيد وأكثر العلماء أن حديث " لا تسبوا الدهر " خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية ومن أشبههم، حيث يسبون الدهر والزمان ويقصدون من فعل تلك الأمور فيرجع السب على الله تعالى. والثاني: قول نعيم بن حماد وطائفة معه من أهل الحديث والصوفية أن الدهر من أسماء الله ومعناه القديم الأزلي. انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/١٤٥-١٤٨) وقال بعد أن ذكر الوجه الأول: لا أعرف وجها غيره. وانظر: مجموع الفتاوى (٢/٤٩٣-٤٩٤)، ونقض التأسيس- مطبوع- (٤/١٢٤-١٢٦) .
[ ٣ / ١٠٤٨ ]
ثانيا: الصفات التي أثبتها الأشاعرة:
والمقصود بالصفات الصفات السبع التي أثبتها جميع الأشاعرة، متقدموهم ومتأخروهم، وهي: العلم، والقد رة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، وهي الصفات التى يسمونها صفات المعاني أو الصفات المعنوية، ويجعلونها في مقابل الصفات النفسية- أو الذاتية- مثل كون الرب موجودا، وقائما بنفسه، وقديما عند بعضهم، ويضيفون إليها قسما ثالثا وهو الصفات الفعلية، وقد انتقد شيخ الإسلام هذا التقسيم عندهم (١) .
وإثبات الأشاعرة لهذه الصفات- ولغيرها- جعلهم يدخلون ضمن دائرة الصفاتية المثبتة في الجملة، خلافا للجهمية والمعتزلة النفاة، ولكن مذهب الأشاعرة في الصفات الأخرى، كالصفات الاختيارية وغيرها أثر على تفاصيل أقوالهم في هذه الصفات السبع الني أثبتوها، ولذلك فقد كان لشيخ الإسلام بعض
الملاحظات والردود، ويمكن إجمالها من خلال المسائل التالية:
_________________
(١) أوضح شيخ الإسلام سبب هذا التقسيم عندهم، ثم انتقده، فقال: "والذين فرقوا بين الصفات النفسية والمعنوية قالوا: القيام بالنفس والقدم- ونحو ذلك من الصفات النفسية- بخلاف العلم والقدرة، فانهم نظروا إلى مالا يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديره، فجعلوه من النفسية، وما يمكن تقديرها بدونه فجعلوه معنويا، ولا ريب أنه لا يعقل موجود، قائم بنفسه، ليس قائما بنفسه، بخلاف ما يقدر أنه عالم، فإنه يمكن تقدير ذاته بدون العلم. وهذا التقدير عاد إلى ما قدروه في أنفسهم، وإلا ففي نفس الأمر جميع صفات الرب اللازمة له هي صفات نفسية ذاتية فهو عالم بنفسه وذاته وهو عالم بالعلم وهو قادر بنفسه وذاته، وهو قادر بالقدرة، فله علم لازم لنفسه، وقدرة لازمة لنفسه، وليس ذلك خارجا عن مسمى اسم نفسه، (درء التعارض ٣/٢١-٢٢)، وانظر بقية الرد والمناقشة إلى (ص: ٢٨) من هذا الجزء، وانظر أيضا (ص: ٣٢٢-٣٣٣) منه. وفي موضع آخر قال عن الأشاعرة وهو يتحدث عن صفات الأفعال وقول الأشاعرة: إن الفعل هو المفعول: "وهؤلاء يقسمون الصفات إلى ذاتية، ومعنوية، وفعلية، وهذا تقسيم لا حقيقة له؛ فإن الأفعال عندهم لا تقوم به، فلا يتصف بها، لكن يخبر عنه بها، وهذا التقسيم يناسب قول من قال: الصفات هي الأخبار التي يخبر بها عنه، لا معاني تقوم به، كما تقول ذلك الجهمية والمعتزلة وأما من كان مراده كالصفات ما يقوم به فهذا التقسيم لا يصلح له على أصلهم، ولكن أخذوا التقسيم عن أولئك وهم مخالفون لهم في المراد بالصفات" (مجموع الفتاوى ١٦/٣٧٤)، وانظر: منهاج السنة (٢/٢٩٥) - المحققة-. ط دار العروبة.
[ ٣ / ١٠٤٩ ]
المسألة الأولى: طرق إثبات هذه الصفات:
يوافق شيخ الإسلام متقدمي الأشعرية- كالأشعري والباقلاني وغيرهما- على إثبات هذه الصفات بالعقل (١)، كما أنها ثابتة بالسمع، ومع ذلك فقد رد على الأشاعرة المتأخرين قي عدة أمور، منها:
أحدها: جعلهم القول في الصفات من الأصول العقلية، خلافا للأشعري وأئمة أصحابه الذين يحتجون عليها بالسمع كا يحتجون بالعقل (٢) .
الثاني: قول بعضهم "إن الصفات الثابتة بالعقل هي التي يجب الإقرار بها، ويكفر تاركها، بخلاف ما ثبت بالسمع، فإنهم تارة ينفونه وتارة يتأولونه ويفوضون معناه، وتارة يثبتونه لكن يجعلون الإيمان والكفر متعلقا بالصفات العقلية، فهذا لا أصل له عن سلف الأمة وأئمتها، إذ الإيمان والكفر هما من الأحكام التى تثبت بالرسالة. وبالأدلة الشرعية يميز بين المؤمن والكافر لا بمجرد الأدلة العقلية" (٣)، وورى شيخ الإسلام أن قولهم إن أصول الدين هي التي تعرف بالعقل، ثم قولهم: إن المخالف لها كافر، مقدمتان باطلتان، والجمع بينهما تناقض لأن ما لا يعرف إلا بالعقل لا يعلم أن مخالفه كافر الكفر الشرعي، لأنه لم يرد في الشرع أن من خالف ما لا يعلم إلا بالعقل فهو كافر (٤) .
الثالث: تفريق بعض المتأخرين كالرازي والأصفهاني- صاحب العقيدة التي شرحها شيخ الإسلام- بين هذه الصفات السبع في طرق ثبوتها، حيث أثبتوا بعضها بالعقل، وبعضها بالسمع فقط، يقول شيخ الإسلام في شرح الأصفهانية: "لكن المصنف سلك في ذلك طريقة أبي عبد الله الرازي، فأثبت
_________________
(١) من الأمثلة على إثبات شيخ الإسلام الصفات السبع بالعقل ما ذكر في تفسير سورة العلق. انظر: مجموع الفتاوى (١٦/٣٥٣-٣٥٥) . أما إثبات الأشاعرة لها فانظر ما سبق في الباب الماضي (ص: ٤١٩-٤٢٠، ٥٣٧) .
(٢) انظر: درء التعارض (٥/٣٢٨) .
(٣) مجموع الفتاوى (٣/٣٢٨) .
(٤) انظر: درء التعارض (١/٢٤٢) .
[ ٣ / ١٠٥٠ ]
العلم والقدرة والارادة والحياة بالعقل، وأثبت السمع والبصر والكلام بالسمع، ولم يثبت شيئا من الصفات الخبرية. وأما من قبل هؤلاء كأبي المعالي الجويني وأمثاله، والقاضى أبي يعلى وأمثاله، فيثبتون جميع هذه الصفات بالعقل، كما كان يسلكه القاضي أبو بكر ومن قبله كأبي الحسن الأشعري وأبي العباس القلانسي ومن قبلهم كأبي محمد بن كلاب والحارث المحاسبي وغيرهما. وهكذا السلف والأئمة كالإمام أحمد بن حنبل وأمثاله، يثبتون هذه الصفات بالعقل كما ثبتت بالسمع وهذه الطريقة أعلى وأشرف من طريقة هؤلاء المتأخرين (١) "، ومنهج شيخ الإسلام أن كثيرا من الصفات- غير الصفات السبع- قد يعلم بالعقل، مثل الحب والرضا والغضب، والعلو والرؤية (٢) .
ثم إن شيخ الإسلام مع موافقته للأشعرية في أن الصفات السبع يدل عليها العقل، كما قد دل عليها السمع، إلا أنه يرد عليهم منهجهم في إثبات هذه الصفات، حيث إنهم أثبتوها أولا لأن العقل دل عليها، ثم إنهم لما وجدوا أن السمع وافق العقل في هذا احتجوا به، وليس هذا هو منهج السلف الصالح﵏ الذي يقوم على الإقرار بما ورد في الكتاب والسنة وإن لم نعلمه بعقولنا، يقول شيخ الإسلام: " إن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفا على أن يقوم (٣) دليل عقلي على تلك الصفة بعينها، فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسولﷺ- إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا.
ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: "قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ" [الأنعام: ١٢٤]، ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول، ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك، أو لم يخبر به، فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه لا يصدق به، بل يتأوله
_________________
(١) شرح الأصفهانية (ص: ٨-٩) - ت مخلوف - وانظر: مجموع الفتاوى (٢/٣٢) .
(٢) انظر: التدمرية (ص: ١٤٩- ١٥٠) - المحققة.
(٣) في المطبوعة- ت مخلوف، (يقوم عليه دليل) والتصويب من المحققة.
[ ٣ / ١٠٥١ ]
أو يفوضه، وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به وإلا فلا" (١) .
وهذا المنهج أثر على الأشاعرة في بقية الصفات التي دل عليها السمع ولكن عقولهم أو أصولهم العقلية خالفتها، فكانت النتيجة كما أشار شيخ الإسلام- النفي والإنكار، بالتأويل أو التفويض.
ومن الأدلة المشهورة على إثبات هذه الصفات لله تعالى، أن هذه الصفات من صفات الكمال، والعقل دل على اتصاف الله بصفات الكمال، وعلى نفي أضداده من النقائص، ومن الأدلة أيضا: أن كل كمال ثبت للمخلوق- إذا لم يكن فيه نقص بوجه ما- فالخالق أحق به، لأنه هو الذي خلقه (٢) .
ومع وضوح هذا الاستدلال إلا أن بعض الأشاعرة- كالجويني والرازي والآمدي- قالوا في إثبات صفات الكمال لله ونفي النقائص: إن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع (٣)، وجعلوا الطريق الذي نفوا عنه ما نفوه إنما هو نفي مسمى الجسم، ونحو ذلك، يقول شيخ الإسلام عن هؤلاء إنهم:
"خالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية كالأشعري، والقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية فى إثبات هذه الصفات على مجرد السمع ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب والسنة، قالوا:
والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام أعظم من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي الذي هو القرآن
أولى وأحرى " (٤) .
_________________
(١) شرح الأصفهانية (ص: ٣٠- ٣١) - ت السعوي-، و(ص: ١٢) - ت مخلوف-.
(٢) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ٨٥-٨٧) - ت مخلوف-. ودرء التعارض (٤/٧٦)، ١٠/١٥٣-١٥٦)، ومجموع الفتاوى (٦/٢٢٨) .
(٣) انظر: الإرشاد للجويني (ص: ٧٤)، والأربعين للرازي (ص: ١٧٢-١٧٤) .
(٤) الرسالة الأكملية- مجموع الفتاوى (٦/٧٣-٧٤) .
[ ٣ / ١٠٥٢ ]
فهذا الدليل الذي ذكره شيخ الاسلام- وضعفه هؤلاء وأحالوا على السمع - هو الدليل المشهور بقياس الأولى الذي جاء به القرآن- وقد سبق شرحه (١) -
ويبين شيخ الإسلام إن "كل كمال - لا نفص فيه بوجهـ ثبت للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين:
أحدما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل للعدم، المحدث المربوب.
الثاني: أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه، فإذا كان هو مبدعا للكمال وخالقا له كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه أولى بأن يكون متصفا به" (٢) .
والعجيب من هؤلاء الأشاعرة المتأخرين إذا جاء دليل العقل من منطق اليونان وفلاسفته، أو أئمة الجهمية، صدقوا به وأخضعوا له النصوص، وإذا جاء دليل العقل من الكتاب والسنة- بقياس الأولى وضرب الأمثال- قالوا لا حجة فيه، ثم أحالوا على أدلة أخرى من السمع وغيره؟.
المسألة الثانية: الصفات السبع وحلول الحوادث:
وهذه المسألة من أهم المسائل المتعلقة بالصفات السبع التي أثبتها الأشاعرة، لأنها توضح جانبا مهما من جوانب دلالة هذه الصفات وقع فيه الأشاعرة بخطأ جسيم، نظرا لضلالهم في مسائل أخرى في باب الصفات مثل الصفات الاختيارية لله تعالى.
وبيان ذلك أن الأشاعرة يقولون بنفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، أي نفي ما يتعلق بالله من الصفات الفعلية والاختيارية التي تقوم بذاته، وهذا قالوه بناء على دليل حدوث الأجسام، وأن ما حلت به الحوادث فهو حادث.
_________________
(١) (ص: ٢٨٢-٢٨٣) .
(٢) شرح الأصفهانية (ص: ٨٦) - ت مخلوف-
[ ٣ / ١٠٥٣ ]
ثم إن الأشاعرة مع قولهم بهذا وتقريرهم له أثبتوا لله الصفات السبع، فوجدوا أن هذه الصفات- ما عدا صفة الحياة- يلزم من إثباتها حلول الحوادث بالله، لأنه مع وجود المخلوقات توجد معلومات ومرادات ومسموعات ومبصرات، ومقدرات، وكذا إذا كلم بعض رسله أو أوحى اليهم، وصلة هذه بالله تعالى
يلزم منها ما يسمونه بحلول الحوادث بالله تعالى، لأن علم الله بالشيء بعد وجوده ليس هو نفس علمه قبل وجوده، لم يتجدد له فيه نعت ولا صفة، وإلا صار
جهلا، وهكذا بقية الصفات.
فالأشاعرة حلوا هذه المعضلة- بزعمهم- بأن قالوا بأزلية هذه الصفات، وأنها لازمة لذات الله أزلا وأبدا، وقالوا إنه لا يتجدد لله عند وجود هذه الموجودات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم فقط.
وهؤلاء قد خالفوا المعقول والمنقول، لأن العلم بالشيء بعد وجوده ليس كالعلم به قبل وجوده، وقد ذكر الله تعالى علمه بما يكون في بضعة عشر موضعا، مع أنه تعالى قد أخبر أن علمه قد أحاط بكل شيء قبل كونه.
ونضرب أمثلة لمناقشات شيخ الإسلام لهؤلاء في هذه المسألة، في صفة العلم، والإرادة، والسمع والبصر، أما صفة الكلام وهي أوضحها في هذا الباب فسيأتي لها مبحث مستقل إن شاء الله.
أ- صفة "العلم" (١) .
يقول شيخ الإسلام موضحا الخلاف في علم الله وتعلقه بالمستقبل: "الناس المنتسبون إلى الإسلام في علم الله باعتبار تعلقه بالمستقبل على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته، ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم،
_________________
(١) الأدلة النقلية على إثبات صفة العلم كثيرة، أما أدلة العقل فقد قررها شيخ الإسلام بعدة طرق، انظر: درء التعارض (١٠/١١٣-١٢٦)، وشرح الأصفهانية (ص: ٢٤-٢٦) - ت مخلوف-.
[ ٣ / ١٠٥٤ ]
وهذا قول طائفة من الصفاتية من الكلابية والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة، وهو قول طوائف من المعتزلة وغيرهم من نفاة الصفات، لكن هؤلاء يقولون: يعلم المستقبلات ويتجدد التعلق بين العالم والمعلوم، لا بين العلم والمعلوم.
وقد تنازع الأولون: هل له علم واحد أو علوم متعددة؟ على قولين:
والأول قول الأشعري وأكثر أصحابه، والقاضي أبي يعلى وأتباعه، ونحو هؤلاء.
والثاني قول أبي سهل الصعلوكي.
والقول الثاني: أنه لا يعلم المحدثات إلا بعد حدوثها، وهذا أصل قول القدرية الذين يقولون: لم يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وأن الأمر أنف، لم يسبق القدر لا شقاوة ولا سعادة، وهم غلاة القدرية .
والقول الثالث: أنه يعلمها قبل حدوثها، ويعلمها بعلم آخر حين وجودها" (١) . وهذا قول السلف، وهو قول أبي البركات صاحب المعتبر من الفلاسفة، وقول الرازي في المطالب العالية، وهو مخالف لما ينسب إلى الجهم الذي يقول بتجدد علم قبل الحدوث، والذي في القرآن أن التجدد يكون بعد الوجود (٢) . يقول شيخ الإسلام: "لا ريب أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، ثم إذا كان: فهل يتجدد له علم آخر؟ أم علمه به معدوما هو علمه به موجودا؟
هذا فيه نزاع بين النظار" ثم قال عن القول الأول- وهو أنه يتجدد له علم آخر- "واذا كان هو الذي يدل عليه صريح المعقول، فهو الذي يدل عليه صحيح المنقول، وعليه دل القرآن في أكثر من عشر مواضع، وهو الذي جاءت به الآثار عن السلف " (٣) .
_________________
(١) رسالة في تحقيق علم الله جامع الرسائل (١/١٧٧-١٧٩) - ت رشاد سالم-
(٢) انظر: المصدر السابق (١/١٧٩- ١٨١) .
(٣) درء التعارض (١٠/١٧) .
[ ٣ / ١٠٥٥ ]
فقول الأشاعرة إنه لا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة هذا بناء على نفيهم لحلول الحوادث، لأنه يلزم من ذلك التغير في ذات الله، وقد ذكر شيخ الاسلام أن "التغير" من حجج الفلاسفة على نفي علم الله وأنهم قالوا:
"العلم بالمتغيرات يستلزم أن يكون علمه بأن الشيء سيكون غير علمه بأنه قد كان، فيلزم أن يكون محلا للحوادث" (١) . قال شيخ الإسلام: " وهم ليس لهم على نفي هذه اللوازم حجة أصلا- لا بينة ولا شبهة- وإنما نفوه لنفيهم الصفات، لا لأمر يختص بذلك" ثم قال: " بخلاف من نفي ذلك [أي التغير] من الكلابية ونحوهم، فإنهم لما اعتقدوا أن القديم لا تقوم به الحوادث قالوا:
لأنها لو قامت به لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث" (٢)، ثم بين شيخ الاسلام أن الرازي والآمدي بينا فساد المقدمة الأولى- وهي أنه لو قامت به الحوادث لم يخل منها- وأن الفلاسفة وكثيرا من النظار منعوا المقدمة الثانية المبنية على منع حوادث لا أول لها، وقالوا إن القديم تحله الحوادث، وجوزوا حوادث لا أول لها (٣) .
أما شبهة التغير في مسألة العلم- التي جاء بها الفلاسفة- المبنية على المقدمتين السابقتين: ما قامت به الحوادث لم يخل منها- وما لم يخل من الحوادث فهو حادث- فللنظار في جوابها طريقان:
أحدهما: منع المقدمة الأولى بالنسبة للعلم وأنه لا يلزم منه حلول الحوادث، وهذا قول الأشاعرة الذين قالوا: "إن العلم بأن الشيء سيكون هو عين العلم بأنه قد كان، وأن المتجدد إنما هو نسبته بين المعلوم والعلم، لا أمر ثبوثي" (٤) .
_________________
(١) الرد على المنطقيين (ص: ٤٦٣) .
(٢) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(٣) انظر: المصدر نفسه (ص: ٤٦٣-٤٦٤) .
(٤) الرد على المنطقيين (ص: ٤٦٤) .
[ ٣ / ١٠٥٦ ]
والثاني: منع المقدمة الثانية، وهي أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فهؤلاء قالوا: "لا محذور في هذا، وإنما المحذور في أن لا يعلم الشيء حتى يكون، فإن هذا يستلزم أنه لم يكن عالما، وأنه أحدث بلا علم، وهذا قول باطل" (١)، وهذا قول هشام بن الحكم وابن كرام والرازي وطوائف غير هؤلاء.
ومما سبق يتبين حقيقة الخلاف، وعلاقته بمسألة حلول الحوادث التي جعل الأشاعرة منعها أحد أصولهم التي لا يتنازلون عنها، ومما سبق أيضا يتبين المذهب الحق في ذلك، وأن الله يعلم الشيء كائنا بعد وجوده مع علمه السابق به قبل وجوده، وأن علمه الثاني والأول ليس واحدا، وهذا هو الذي دل عليه القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: "وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ" [البقرة: ١٤٣] وقوله: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ" [آل عمران: ١٤٢]، وقوله: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ" [آل عمران: ١٤٠]، وقوله: "وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ"- إلى قولهـ "وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت: ٣-١١] وقوله: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ" [محمد: ٣١]، وغيرها.
يقول شيخ الإسلام حول هذه الآيات: "وعامة من يستشكل الآيات الواردة في هذا المعنى، كقوله: "إلَّا لِنَعْلَمَ" و"حَتَّى نَعْلَمَ"، يتوهم أن هذا ينفي علمه السابق بأن سيكون، وهذا جهل؛ فإن القرآن قد أخبر بأنه يعلم ما سيكون في غر موضع، بل أبلغ من ذلك أنه قدر مقادير الخلائق كلها، وكتب ذلك قبل أن يخلقها، فقد علم ما سيخلفه علما مفصلا، وكتب ذلك،
_________________
(١) الرد على المنطقيين (ص: ٤٦٤) .
[ ٣ / ١٠٥٧ ]
وأخبر بما أخبر به من ذلك قبل أن يكون، وقد أخبر بعلمه المتقدم على وجوه، ثم لما خلقه علمه كائنا مع علمه الذي تقدم أنه سيكون، فهذا هو الكمال، وبذلك
جاء القرآن في غير موضع، بل وإثبات رؤية الرب له بعد وجوده، كما قال تعالى: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" [التوبة: ١٠٥]، فأخبر
أنه سيرى أعمالهم " (١) .
ثم ذكر شيخ الإسلام أقوال المفسرين في قوله "إِلَّا لِنَعْلَمَ" [البقرة: ١٤٣] فقال: " وروى عن ابن عباس في قوله: "إِلَّا لِنَعْلَمَ" أي لنرى، وروى لنميز وهكذا قال عامة المفسرين: إلا لنرى ونميز، وكذلك قال جماعة من أهل العلم، قالوا: لنعلمه موجودا واقعا بعد أن كان قد علم أنه سيكون (٢)، ولفظ بعضهم قال: العلم على منزلتين: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحكم للعلم به بعد وجوده لأنه يوجب الثواب والعقاب، قال فمعنى قوله "إِلَّا لِنَعْلَمَ" أي لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب، ولا ريب أنه كان عالما سبحانه بأنه سيكون، لكن لم يكن المعلوم قد وجد، وهذا كقوله: "قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ" [يونس: ١٨]، أي بما لم يوجد، فإنه لو وجد لعلمه، فعلمه بأنه موجود ووجوده متلازمان، يلزم من ثبوث أحدهما ثبرقه الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه" (٣) .
فالعقل والقرآن يدلان على أن علمه تعالى بالشيء بعد فعله قدر زائد عن العلم الأول (٤) . وتسمية ذلك تغيرا أو حلولا لا يمنع من القول به ما دام دالا على الكمال لله تعالى من غير نقص، وما دامت أدلة الكتابه والسنة تعضده.
_________________
(١) الرد على المنطقيين (ص: ٤٦٤-٤٦٥!.
(٢) انظر: تفسير هذه الآية- البقرة: ١٤٣- في الطبري، والبغوي، والخازن، والدر المنثور.
(٣) الرد على المنطقيين (ص: ٤٦٦-٤٦٧) .
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/٣٠٤) .
[ ٣ / ١٠٥٨ ]
ب- صفة الأرادة (١):
ساق شيخ الإسلام الخلاف في الإرادة للشيء وفعله، في مثل قوله تعالى: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" [يونس: ٨٢]، وقوله: "فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا" [الكهف: ٨٢] وقوله: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا" [الإسراء: ١٦] وقوله: "وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ" [يونس: ١٠٧] فقال: "وهو سبحانه إذا أراد شيئا من ذلك فللناس فيها أقوال:
قيل: الإرادة قديمة أزلية واحدة، وإنما يتجدد تعلقها بالمراد، ونسبتها إلى الجميع واحدة، ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص بلا مخصص، فهذا قول ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما .
والقول الثاني: قول من يقول بإرادة واحدة قديمة، مثل هؤلاء، لكن يقول تحدث عند تجدد الأفعال إرادات في ذاته بتلك المشيئة القديمة، كما تقوله الكرامية وغيرهم .
والقول الثالث: قول الجهمية والمعتزلة الذين ينفون قيام الإرادة به، ثم إما أن يقولوا بنفي الإرادة، أو يفسرونها بنفس الأمر والفعل، أو يقولوا بحدوث إرادة لا في محل كقول البصريين .
والقول الرابع: أنه لم يزل مريدا بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشىء المعين فإنما يريده في وقته، وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها، ثم بعد ذلك يخلقها، فهو إذا قدرها علم ما سيفعله، وأراد فعله في الوقت المستقبل، لكن لم يرد فعله في تلك الحال، فإذا جاء وقته أراد فعله، فالأول عزم، والثاني قصد" (٢) .
_________________
(١) أدلتها من القرآن والسنة كثيرة، وانظر: دليلها من العقل في شرح الأصفهانية (ص: ٢٦) - ت مخلوف-.
(٢) مجموع الفتاوى (١٦/٣٠١-٣٠٣) .
[ ٣ / ١٠٥٩ ]
وفي موضع آخر يذكر الخلاف في المشيئة والإرادة هل هي قديمة أو حادثة ويذكر أن للصفاتية في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها ليست إلا قديمة، وهو قول ابن كلاب والأشعري وأتباعهما.
الثاني: أنها حادثة.
الثالث: أنها قديمة وحادثة، وهو قول طوائف من الكرامية وأهل الحديث والصوفية وغيرهم، وهؤلاء يقولون: إن الله متكلم في الأزل، وأنه يتكلم إذا
شاء، كما صرح بذلك الأئمة كأحمد وغيره (١) .
فالأشاعرة والكلابية جعلوا الإرادة واحدة قديمة، وإنما يتجدد تعلقها - بالمراد، ويشبه هذا مذهبهم في الخلق حين قالوا الفعل هو المفعول، حتى لا يقولوا
بحلول الحوادث.
وقد رد شيخ الإسلام على الأشاعرة في قولهم السابق فقال: " وكثير من العقلاء يقول: ان هذا فساده معلوم بالاضطرار، حتى قال أبو البركات: ليس في العقلاء من قال بهذا، وما عَلِمَ أنه قول طائفة كبيرة من أهل النظر والكلام.
وبطلانه من جهات: من جهة جعل إرادة هذا غير إرادة ذاك، ومن جهة أنه جعل الإرادة تخصص لذاتها، ومن جهة أنه لم يجعل عند وجود الحوادث شيئا حدث حتى تخصص أو لا تخصص، بل تجددت نسبة عدمية، ليست وجودا، وهذا ليس بشيء. فلم يتجدد شيء، فصارت الحوادث تحدث وتتخصص بلا سبب حادث ولا مخصص " (٢) .
فالأشاعرة جعلوا الإرادة واحدة، كا جعلوا العلم واحدا، حتى لا يقولوا بتجدد العلم والإرادة (٣) . ولاشك أن مشكلة الأشاعرة هنا مرتبطة بمذهبهم
_________________
(١) انظر: رسالة في تحقيق مسألة علم اللهـ جامع الرسائل (١/١٨٢) .
(٢) مجموع الفتاوى (١٦/٣٠٢) .
(٣) انظر: درء التعارض (٢/١٧٢)، وشرح الأصفهانية (ص: ٢٧) - ت مخلوف-
[ ٣ / ١٠٦٠ ]
الأصلي في مسألة الصفات الاختيارية التي تقوم بالله، وهم لما التزموا نفي ذلك في صفات الفعل كالاستواء والمجيء والغضب والرضا وغيرها، أثر ذلك في إثباتهم لهذه الصفات السبع.
بقي في مسألة الارادة أن شيخ الاسلام في شرحه لمذهب أهل السنة في الإرادة لما ذكر الفرق بين الإرادة القدرية الشاملة السابقة، وإرادة فعل الشيء في وقته ذكر العزم والقصد، ثم ذكر أن هناك خلافا في العزم، هل يوصف الله به على قولين:
أحدهما: المنع، كقول القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى.
والثاني: الجواز.
ثم قال عن الثاني "وهو أصح، فقد قرأ جماعة من السلف: "فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ" [آل عمران: ١٥٩] بالضم (١)، وفي الحديث الصحيح من حديث أم سلمة "ثم عزم الله لي" (٢)، كذلك في خطبة مسلم: " فعزم لي" (٣)، وسواء سمى عزما أو لم يسم فهو سبحانه إذا قدرها علم أنه سيفعلها
_________________
(١) قراءة الجمهور بفتح التاء من "عزمت"، وقرأ جابر بن زيد، وأبو نهيك، وعكرمة وجعفر ابن محمد- بضم التاء-، انظر: الدر المنثور (٢/٣٦٠) - ط دار الفكر-، وتفسير ابن عطية: المحرر الوجيز (٣/٢٨١)، وتفسر القرطبى (٤/٢٥٢)، والبحر المحيط (٣/٩٩)، وإعراب القرآن للنحاس (١/٤١٦)، والمحتسب لابن جني (١/١٧٦)، ومختصر في شواذ القرآن لابن خالويه (ص: ٢٣)، والتبيان للعكبري (١/٣٠٥-٣٠٦) . وغيرها. وقد ذكر السيوطي أن قراءة جابر بن زيد وأبي نهيك أخرجها ابن أبي حاتم.
(٢) رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة، ورقمه (٩١٨) مكرر.
(٣) الذي في مقدمة صحيح مسلم (١/٤) - ط عبد الباقي- "أن لو عزم لي عليه" وكذا في طبعات مسلم الأخرى. وفد نفى هذه الصفة النووي في شرحه لمسلم (١/٤٦، ٦/٢٢١-٢٢٢)، وذكر أقوالا قي تأويلها، وشيخ الإسلام استشهد بقول مسلم هنا لبيان أن أئمة السلف يقولون به، ومسلم قصد أن لو عزم الله لي، قال المازري في المعلم: "لا يظن بمسلم أنه أراد لو عزم الله عليه، لأن إرادة لله سبحانه لا تسمى عزما " (ص: ١٠٢)، وهذا بناء عل مذهب بعض الأشاعرة، وقد رد عليه ابن الصلاح قائلا: ليس ذلك كما قال، ثم استشهد بحديث أم سلمة، وذكر وجهين في معنى العزم، انظر: صيانة صحيح مسلم (ص: ١١٦-١١٧) .
[ ٣ / ١٠٦١ ]
في وقتها، وأراد أن يفعلها في وقتها، فإذا جاء الوقت فلابد من إرادة الفعل المعين، ونفس الفعل ولابد من علمه بما يفعله" (١) .
ج-- صفة السمع والبصر (٢):
أشار شيخ الإسلام إلى الخلاف فيهما فقال: "وأما السمع والبصر والكلام فقد ذكر الحارث المحاسبي عن أهل السنة في تجدد ذلك عند وجود المسموع المرئي قولين (٣) .
والقول بسمع وبصر قديم يتعلق بها عند وجودها قول ابن كلاب وأتباعه والأشعري، والقول يتجدد الإدراك مع قدم الصفة قول طوائف كثيرة كالكرامية وطوائف سواهم، والقول بثبوت الإدراك قبل حدوثها وبعد وجودها قول السالمية، كأبي الحسن بن سالم وأبي طالب المكي، والطوائف الثلاثة تنتسب إلى أئمة السنة كالإمام أحمد، وفي أصحابه من قال بالأول، ومنهم من قال بالثاني، والسالمية تنتسب إليه " (٤) .
وقد شرح شيخ الإسلام المذهب الحق في ذلك فقال: " وقد دل الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ودلائل العقل على أنه سميع بصير، والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم، فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه، وإذا دعاه عباده سمع دعاءهم وسمع نجواهم، كما قال تعالى: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا" [المجادلة: ١] أي تشتكي إليه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/٣٠٣-٣٠٤) .
(٢) أدلتها النقلية كثيرة جدا، أما أدلتها العقلية، فانظر: شرح الأصفهانية (٧٣-٨٧) - ت مخلوف-، ومجموع الفتاوى (٦/٢٢٨) .
(٣) انظر: فهم القرآن للمحاسبي (ص: ٣٤٤-٣٤٦)، وقد سبق كلام المحاسبي هذا (ص: ٤٦٦-٤٦٧) عند الكلام عنه للدلالة على نفيه للصفات الاختيارية، وقد ربط قوله وترجيحه في مسألة السمع والبصر بنفيه لحلول الحوادث.
(٤) رسالة في تحقيق مسألة علم اللهـ جامع الرسائل- (١/١٨١-١٨٢) .
[ ٣ / ١٠٦٢ ]
وهو يسمع التحاور- والتحاور تراجع الكلام- بينها وبين الرسول، قالت عائشة: "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات لقد كانت المجادلة تشتكي إلى النبي -ﷺ- في جانب البيت وإنه ليخفى على بعض كلامها فأنزل الله: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا" [المجادلة: ١] (١) . وقال تعالى لموسى وهارون: "لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى" [طه: ٤٦] وقال: "أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ" [الزخرف: ٨٠] " (٢) .
فالله تعالى إذا خلق العباد فعلموا وقالوا، فلابد من القول أنه تعالى يرى أعمالهم ويسمع أقوالهم، ونفى ذلك تعطل لهاتين الصفتين، وتكذيب لنصوص القرآن (٣) . خاصة وأن فهم هؤلاء الأشاعرة لصفة السمع والبصر ليس هو فهم السلف- الذي يقولون إنه يطلق بمعنى ما به يسمع ويبصر- بل يفسرونهما بمجرد الإدراك فقط.
وقد بين شيخ الإسلام في رده على الأشاعرة أن بعض أئمتهم كالرازي اعترفوا بأنه لا مانع من التزام القول بحلول الحوادث هنا، وهذا نموذج لمنهج شيخ الإسلام العام في رده على الأشاعرة حين يذكر ردود بعضهم على بعض - وقد سبق تفصيل ذلك في منهجه العام في رده عليهم-.
_________________
(١) رواه أحمد (٦/٤٦)، والبخاري تعليقا في كتاب التوحيد، باب وكان الله سميعا بصيرا (الفتح ١٣/٣٧٢)، ووصله ابن حجر في تغليق التعليق (٥/٣٣٩-٣٣٩) وصححه ورواه ابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، ورقمه (١٨٨)، والنسائي كتاب الطلاق، باب الظهار، ورقمه (٣٤٦٠) - ترقيم أبي غدة-، والحاكم في المستدرك (٢/٤٨١)، وصححه ووافقه الذهبي، وابن أبي عاصم في السنة رقم (٦٢٥)، وحسنه الألباني في الظلال، والبيهقي في السنن الكبرى- كتاب الظهار، باب سبب نزول آية الظهار (٧/٣٨٢)، وابن جرير في تفسيرهـ سورة المجادلة- آية (١) . والحديث صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، وفي إرواء الغليل (٧/١٧٥) .
(٢) الرد على المنطقيين (ص: ٤٦٥) .
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٢٢٨) .
[ ٣ / ١٠٦٣ ]
فإن شيخ الإسلام وهو يرد على الجويني في مسألة حلول الحوادث (١)، ألزمه ذلك في مسألة السمع والبصر فقال: "ما ذكره [أي الجويني] أن المعتزلة قصدهم من طرد الدليل في هذه المسألة [أي مسألة حلول الحوادث] أنه إذا لم يمتنع تجدد احكام للذات من غير أن يدل على الحدوث، لم يبعد مثل ذلك في اعتوار الأعراض على الذات" (٢) - قال ابن تيمية- يلزمه مثل ذلك في تجدد حكم السمع والبصر، فإنه إنما يتعلق بالموجود دون المعدوم، وإما أن يكون الرب بعد أن خلق الموجودات كحالة قبل وجودها في السمع والبصر، أو لا يكون. فإن كان حاله قبل كحاله بعد، وهو قبل لم يكن يسمع شيئا ولا يراه فكذلك بعد، لاستواء الحالين، فإن قيل: إن حاله بعد ذلك خلاف حاله قبل، فهذا قول بتجدد الأحوال والحوادث، ولا حيلة في ذلك، ولا يمكن أن يقال في ذلك ما قيل في العلم، لأن العلم يتعلق بالمعدوم، فأمكن المفرق أن يقول حاله قبل وجود المعلوم وبعده سواء" (٣) .
وقول ابن تيمية هنا في "العلم" ليس رجوعا عن قوله السابق: إن الله يعلم الشيء كائنا بعد وجوده، مع علمه السابق- كما سبق بيانه في صفة العلم- وإنما قصد هنا أن مسألة السمع والبصر أكثر وضوحا من مسألة العلم، لأن العلم يتعلق بالمعدوم، أما السمع والبصر فيتعلقان بالمسموع والمبصر من الموجودات، فلو احتج محتج على جواز تعلقهما بالمعدوم حتى لا يقال عند وجود المبصر والمسموع إنه تعالى حلت به الحوادث- على صفة العلم لم تقبل حجته، لأن العلم يجوز أن يتعلق بالمعدوم قبل وجوده ففارق السمع والبصر في ذلك، فابن تيمية قطع الاحتجاج بالعلم أولا، مع أن التحقيق في مسألة العلم أنه لو احتج بها لم يكن له بها حجة، لأن القول بأن علمه تعالى بالشيء
_________________
(١) وعلاقتها بصفة الكلام، انظر: التسعينية (ص: ١٩٦) وما بعدها.
(٢) التسعبنية (ص: ٢٠٢)، وكلام الجويني في الإرشاد (ص: ٤٥) .
(٣) التسعينية (ص:٢٠٢) .
[ ٣ / ١٠٦٤ ]
بعد وجوده هو نفس علمه به قيل وجوده قول غير صحيح، والدليل على ما قصده ابن تيمية أن الرازي في غالب كتبه سار على طريقة الأشاعرة في أن علم الله واحد لا يتغير مع وجود المعلوم (١)، إلا أنه في صفة السمع والبصر لم يحتج بالعلم، بل اعترف بضعف جواب المعترضين وقال: إن قول الكرامية بحلول الحوادث ليس محالا.
وذلك أن شيخ الإسلام قال بعد الكلام السابق: "وقد ذكر هذا الإلزام أبو عبد الله الرازي والتزم قول الكرامية، بعد أن أجاب بجواب ليس بذاك؛ فإن المخالف احتج عليه بأن السمع والبصر يمتنع أن يكون قديما لأن الإدراك لابد له من متعلق، وهو لا يتعلق بالمعدوم، فيمتنع ثبوت السمع والبصر للعالم قبل وجوده، إذ هم لا يثبتون أمرا في ذات الله به يسمع ويبصر، بل السمع والبصر نفس الإدراك عندهم، ويمتنع أن يكون حادثا لأنه يلزم أن يكون محلا للحوادث، ويلزم أن يتغير وكلاهما محال، وقال- أي الرازي- في الجواب (٢): "لم لا يجوز أن يكون الله سميعا بصيرا بسمع قديم وبصر قديم، ويكون السمع والبصر يقتضيان التعلق بالمرئي والمسموع بشرط حضورهما ووجودهما، قال: وهذا هو المعنّي بقول أصحابنا في السمع والبصر: إنه صفة متهيئة لدرك ما عرض له، فإن قال قائل: فحينئذ يلزم تجدد التعلقات. قلنا: وأي بأس بذلك إذا لم يثبت أن التعلقات أمور وجودية في الأعيان (٣)، فهذا هو تقرير المذهب، ثم [لئن (٤)] سلمنا فساد
_________________
(١) وإن كان قد مال في بعض كتبهـ كالمطالب العالية، وشرح الإشارات- إلى جواز التغير، فإنه قال في شرح الإشارات (١/٧٦): بأن التغير في العلم تغير في الإضافة وذلك غير ممتنع، وقال في المطالب العالية (عن الزركان ص: ٣٠٩): "المذهب الصحيح هو قول أبي الحسين البصري وهو أن يتغير العلم عند تغير المعلوم".
(٢) في نهاية العقول ١٦٠- ب.
(٣) في مخطوطة نهاية العقول: "إذا لم يثبت التعلقات أمورا وجردية في الأعيان. نهاية العقول - ١٦٠- ب ٢٦١ أ.
(٤) في مطبوعة التسعينية (لأن) والتصويب من نهاية العقول.
[ ٣ / ١٠٦٥ ]
هذا القسم فلم لا يجوز أن يكون محدثا في ذاته على ما هو مذهب الكرامية.
وقوله: يلزم أن يكون محلا للحوادث، قلنا: إن عنيتم حدوث هذه الصفات في ذاته تعالى بعد أن لم تكن حادثة فيها (١) فهذا هو المذهب، فلم قلتم: إنه محال، وإن عنيتم شيئا آخر فبينوه لنتكلم عليه، وهذا هو الجواب عن قوله: يلزم وجود التغير في ذات الله. قال شيخ الإسلام معلقا على قول الرازي هذا: " قلت: وقد اعترف في هذا الموضع بضعف الجواب الأول، وذلك أن قول القائل: صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه عند وجود هذا الدرك هل يكون سامعا مبصرا لما لم يكن قبل ذلك سامعا له مبصرا، أم لا يكون، فإن لم يكن كذلك لزم نفي أن يسمع ويبصر، وإن كان سمع ورأي ما لم يكن سمعه ورآه فمن المعلوم بالاضطرار أن هذا أمر وجودي، قائم بذات السامع والرائي، وأنه ليس أمرا عدميا، ولا واسطة بين الوجود والعدم" (٢) .
فالأشاعرة فسروا السمع والبصر بالإدراك، ثم جعلوه ثابتا في العدم، ثم قالوا إنه لا يتعلق إلا بالموجود، وجعلوا تعلقه بالموجود عدمًا محضًا، وهذه أقوال فاسدة (٣) . ولاشك أن اعتراف الرازي مهم جدا لأنه بين إلى أي حد كانت قناعة الأشاعرة بمنهجهم في إثباتهم لهذه الصفات.
هذا هو مذهب الأشاعرة فيما أثبتوه من الصفات، ومنه يتبين أثر مذهبهم فيما نفوه منها على ما أثبتوه، إضافة إلى وجود التناقض أحيانا في أقوالهم، كاستدلالهم على صفة العلم بالإحكام والإتقان، مع أنهم ينكرون الحكمة والتعليل في أفعال الله (٤) .
_________________
(١) الذي في نهاية العقول ١٦١-أ: "في ذاته بعد أن يكون حادثا فيها".
(٢) التسعينية (ص:٢٠٢-٢٠٣) .
(٣) انظر: المصدر السابق (ص: ٢٠٣) .
(٤) انظر: النبوات (ص: ٣٥٧-٣٥٨) - ط دار الكتب العلمية-.
[ ٣ / ١٠٦٦ ]
المسألة الثالثة: مثبتة الأحوال من الأشاعرة:
سبق تعريف الأحوال، ومن قال به من الأشاعرة كالباقلاني (١)، والجويني (٢)، الذي أثبتها أولا، ثم كان آخر أمره نفيها، ومذهب جمهور الأشاعرة إثبات الصفات ونفي الأحوال.
وقد أوضح شيخ الإسلام علاقة الأحوال بالصفات، والمذاهب في ذلك فقال: " في مسائل الصفات ثلائة أمور:
(أحدها): الخبر عنه بأنه حي، عليم، قدير، فهذا متفق على إثباته، وهذا يسمى الحكم.
(والثاني): أن هذه معان قائمة بذاته، وهذا أيضا أثبته مثبتة الصفات، السلف والأئمة، والمنتسبون إلى السنة من عامة الطوائف.
(والثالث): الأحوال، وهو العالمية والقادرية، وهذه قد تنازع فيها مثبتو الصفات ونفاتها:
- فأبو هاشم وأتباعه يثبتون الأحوال دون الصفات.
- والقاضي أبو بكر وأتباعه يثبتون الأحوال والصفات.
- وأكثر الجهمية والمعتزلة ينفون الأحوال والصفات.
- وأما جماهير أهل السنة فيثبتون الصفات دون الأحوال " (٣) .
والفرق بين مثبتة الأحوال ونفاتها ممن يثبت الصفات، أن القائلين بالأحوال يقولون: إن له علما، وعالمية، وعالميته معنى زائد على علمه، فصفة العلم
_________________
(١) انظر: (ص: ٥٣٩-٥٤٠) .
(٢) انظر: (ص:٦٠٨) .
(٣) شرح حديث النزول- مجموع الفتاوى (٥/٣٣٩)، وانظر: منهاج السنة (٢/٩٠-٩١) - المحققة- ط مكتبة العروبة-.
[ ٣ / ١٠٦٧ ]
أوجبت كونه عالما، وكونه عالما حال معللة بالعلم، فعند هؤلاء أن ثبوت الصفات يستلزم ثبوت الأحوال، وإثبات الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، ولذلك فهم يثبتون ذاتا توجب أن يكون عالما ولولاها لما كان عالما، فهذه الأحوال زائدة في الخارج على الصفات.
أما منكرو الأحوال من مثبتة الصفات فإنهم يقولون: معنى العلم هو معنى العالم، فعلمه هو كونه عالما، وقدرته هو كونه قادرا، ليس هناك أمران ولا علة ولا معلول، ولا يثبتون ذاتا أوجبت كونه عالما (١) .
ولا شك أن أكبر دليل على ضعف قول هؤلاء الذين يثبتون الأحوال هو صعوبة فهم هذه الحال التي قالوا بها، وحينما يقولون: العالمية حال معللة بالعلم، فيجعلون العلم يوجبه حال آخر ليس هو العلم، بل هو كونه عالما (٢)، فهذا يصعب فهمه، ولذلك قيل: إن من الأشياء التي لا حقيقة لها أحوال أبي هاشم.
ولذلك كان مذهب الأشعري نفسه ومحققي الأشاعرة هو نفي الأحوال، وإليه رجع الجويني في آخر عمره (٣) .
وشيخ الإسلام لم يعر هذه المسألة كبير اهتمام، ولعل سبب ذلك والله أعلم؛ قلة القائلين بها ومخالفة الجمهور لهم، إضافة إلى تهافت قول أصحابها،
ومع ذلك فقد عرض لها من ناحيتين:
الأولى: أن بعض (٤) القائلين بها من الصفاتية قد تابعوا أبا هاشم الجبائي في قوله إن الحال لاموجودة ولامعدومة (٥)، ولاشك أن هذا قول مخالف
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٣٥-٣٩، ١٠/٢٣٤) .
(٢) انظر: منهاج السنة (٢/٣٨٧) - المحققة- ط مكتبة دار العروبة.
(٣) انظر: التسعينية (ص: ٢٢٣) .
(٤) كالجويني، أما الباقلاني فقد سبق بيان أنه خالف أبا هاشم في قوله: إنها لا موجودة ولامعدومة. انظر: (ص: ٥٣٩، ٦٠٨) .
(٥) انظر: درء التعارض (٩/٣٩٥)، والرد على المنطقيين (ص: ١٠٩) .
[ ٣ / ١٠٦٨ ]
لبداهة العقل، لأن سلب النقيضين- كجمعهما- ممتنع.
الثانية: أن القائلين بقدم العالم من الفلاسفة، الذين يوجبون مقارنة العلة للمعلول، فيقولون: إن المعلول- الذي هو المخلوقات- مقارن للعلة- وهي اللهـ فيكون أزليا معه، لما قيل لهم: إن هذا مما يعلم فساده بضرورة العقل، لأن إلمفعول لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان، فأجابوا بأن هذا ممكن، وأن تقدم العلة على المعلول تقدما عقليا لازما، ومثلوا لذلك بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم الذي فيها، وتقدم الشمس على الشعاع، ثم إنهم احتجوا على جواز ذلك بما يقوله مثبتو الأحوال، حيث إنهم يقولون: العلم علة كون العالم عالما، فكأنهم ألقوا كون العلة والمعلول متلازمين مقترنين، فلا يستنكر هذا هنا.
وقد رد شيخ الإسلام على الفلاسفة في قولهم: إن المعلول يقارن علته في الزمان، وبين خطأهم، وخطأ الفقهاء الذين تابعوهم في ذلك (١)، ثم قال عن احتجاجهم بقوك أهل الأحوال: " وما ذكروه من اقتران العلة العقلية لمعلولها، كالعلم والعالمية، فجوابه أنه عند جاهير العقلاء ليس هنا علة ومعلول، بل العلم هو العالمية، وهذا مذهب جمهور نظار أهل السنة والبدعة، وهي نفي الأحوال، فلا علة ولا معلول، وإن جعلت المعلول الحكم بكونه عالما، والخبر عنه بكونه عالما، فهذا قد يتأخر عن العلم، وعلى قول من أثبت الحال هو يقول: إنها ليست موجودة ولا معدومة، فليست نظير المعلولات الوجودية. وأيضا فهؤلاء يقولون: إن العالم [ليس فاعل العالمية (٢)] ولا هو جاعل العالمية، ولا هذا عنده من باب تأثير الوجود والأسباب والعلل، فإن كونه عالما لازم للعلم بما يلزم العلم أنه عالم، ليس هذا مثل كون قطع الرقبة سببا للموت، ولا كون الأكل سببا للشبع، من الأسباب التي خلقها الله " (٣) .
_________________
(١) انظر: تفصيل ذلك في الرد على المنطقيين (ص: ٣٧٨- ٣٨١) .
(٢) في المطبوعة من الرد على المنطقيين [أن العالم فاعل للعالمية] ولعل صحة العبارة ما أثبته.
(٣) الرد على المنطقيين (ص: ٣٧٩) .
[ ٣ / ١٠٦٩ ]
فبين شيخ الإسلام أن قول مثبتة الأحوال لا حجة فيه للفلاسفة على قولهم بقدم العالم، وإن كان قولهم في ذاته باطلا.
المسألة الرابعة: أسماء الله وصفاته التي تسمى واتصف بمثلها المخلوقون هل هي من قبيل المشترك أو المتواطئ أو المشكك؟
هذه المسألة متعلقة بالأسماء والصفات، وقد سبق في مبحث الأسماء الاحالة على بحثها هنا، ومن المعلوم أن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى عباده بأسماء مختصة بهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، كما وصف نفسه بصفات، ووصف عباده بصفات مختصة بهم، توافق تلك الصفات إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، وليست صفات الله كصفات الخلق ولا أسماؤه كأسمائهم.
ومن الأمثلة على ذلك أن الله سمى حيا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ (البقرة: من الآية٢٥٥)، وسمى بعض عباده حيا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (الروم: من الآية١٩)، وليس هذا الحي مثل هذا الحي، وسمى نفسه سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: من الآية٥٨)، وسمى بعض خلقه سميعا بصيرا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الانسان: ٢) . وليس السمعي كالسميع ولا البصير كالبصير، وسمى نفسه بالملك فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوس﴾ (الحشر: من الآية٢٣) وسمى بعض عباده بالملك فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ (يوسف: من الآية٥٠) .
وكذلك سمى صفاته أسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال في صفة العلم ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة: من الآية٢٥٥) . وقال عن المخلوق: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْم﴾ (غافر: من الآية٨٣) . وليس العلم كالعلم، وكذلك وصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: من الآية ٢٨-٢٩) .
[ ٣ / ١٠٧٠ ]
وكذلك وصف نفسه بالمحبة ووصف عبده بالمحبة فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ (المائدة: من الآية٥٤)، ووصف نفسه بالمناداة فقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ (مريم: من الآية٥٢) ووصف عبده بالمناداة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (الحجرات:٤)، ووصف نفسه بالتكليم في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء: من الآية١٦٤)، ووصف عبده بالتكليم في مثل قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (يوسف:٥٤)، وغيرها كثير (١) .
فهل إطلاق هذه الأسماء والصفات على الله وعلى المخلوق هو من باب المشترك اللفظي (٢)، أو باب المتواطئ (٣) أو المشكك؟ (٤) .
والفرق بين المشترك اللفظي والمتواطئ أو المشكك كبير جدا، لأن معنى المشترك اللفظي أن اللفظ واحد ولكن المعاني والمدلولات التي يصدق عليها هذا
_________________
(١) انظر: التدمرية (ص:٢١-٣٠) - ت السعوي -، والجواب الصحيح (٣/١٤٨-١٤٩) .
(٢) المشترك االلفظي هو: اللفظ الواحد الذي يطلق على أشياء مختلفة بالحد والحقيقة إطلاقا متساويا، كالعين تطلق على آلة البصر، والينبوع، والجاسوس، انظر معيار العلم (ص:٨١) - ت دنيا -، والمعغجم الفلسفي (٢/٣٧٦) - صليبا - والمعجم الفلسفي (ص:١٨٣) - مجمع اللغة -، والمبين للآمدي (ص:٥١) ت الأعسم.
(٣) المتواطئ: يدل على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها، كدلالة اسم الإنسان على زيد وعمرو، أو هو: الكلي الذي يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية بالسوية، كالإنسان والشمس، فالإنسان له أفراد في الخارج، والشمس لها أفراد في الذهن، انظر: معيار العلم (ص:٨١)، والتعريفات (ص:١٠٦)، والمعجم الفلسفي (٢/٣٣٤) - صلبيا.
(٤) المشكك: هو ما يدل على أشياء لأ/ر عام مشترك بين أفرادها، لا على السواء، بل على التفاوت، أو هو: الكلي الذي لم يتساو صدقه على أفراده، بل كان حصوله في بعضها أولى أو أقدم أو أشد من البعض الآخر، ك الوجود فإنه ف الواجب أولى وأقدم وأشد مما في الممكن، وكالبياض للثلج والعاج. (والعاج ناب الفيل أو عظمه، وقيل هو الذيل وهو شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البرية والبحرية، وقيل كل عظم عند العرب عاج. انظر: النهاية لابن الأثير (٣/٣١٢)، والصحاح ولسان العرب وتاج العروس مادة: عوج) . وانظر في معنى المشكك: التعريفات (ص:١١٤)، والمعجم الفلسفي (٢/٣٧٨) - صليبا -، والمبين للآمديب (ص:٥٠-٥١) - ت الأعسم -.
[ ٣ / ١٠٧١ ]
اللفظ متباينة لا يجمع بينها معى مشترك، فاللعين تطلق على الباصرة وعلى الذهب وعلى الجارية وليس بين هذه الأمور أي معنى يجمعها سوى لفظ "عين" الذي يطلق على كل منها، وكذل المشتري يطلق على مشتري السلعة، ويطلق على الكوكب المسمى بالمشتري، وليس بينهما أي معنى مشترك سوى أن لفظ "المشتري" جمع بينهما لفظا. فإذا قيل: الله سميع، والمخلوق سميع، والمخلوق سميع، فهل السميع هنا من باب المشترك اللفظي؟ ونحن إذا فهمنا معنى السميع بالنسبة للمخلوق فهل يقول قائل: إن السميع بالنسبة لله قد يكون له معنى آخر بعيد جدًا، كالبعد الذي بين الكوكب والمبتاع للسلعة.؟، لا شك أن هذا القول يؤدي إلى تعطيل أسماء الله وصفاته عن معانيها اللائقة به تعالى.
أما المتواطئ فهو معنى كلي على أعيان متعددة، كالإنسان، فهو معنى كلي يدل على جميع بني الإنسان بالسوية، فيصدق على زيد وعمرو ومحمد وأحمد من الناس، لكن هذا المعنى الكلي الذي يجمعهم لا يعني أن حقيقة زيد هو حقيقة عمرو، بل كل له حقيقته الخاصة وإن كان يجمعهم معنى "الإنسان". والمشكك جزء من التواطؤ العام، لأنه يدل على أشياء متعددة لأمر عام مشترك بين أفرادها، لكنه في بعضها أقوى أو أشد.
وقد بين شيخ الإسلام أن هذا التوافق بين أسماء الله وصفاته وأسماء المخلوقين وصفاتهم لا يجوز أن يكون من باب المشترك اللفظي، بل هو من باب المتواطئ أو المشك، لأن هناك معنى كليا يفهم من مطلق صفة السمع أو البصر أو الحياة أو الوجود، وإن كان سمع الله وبصره وحياته ووجوده، يخصه لا يشاركه فيه أحد من الخلق، كما أن سمع المخلوق وبصره وحياته ووجوده يخصه.
ومع تجويز شيخ الإسلام أن تكون من باب المتواطئ أو المشكك، إلا أنه يتعمق في ذكر الفرق بينهما، ولذلك فهو يرى أن القول بأ، هـ من المتواطئ واضح في هذا الباب، وأ، القول بأن المعنى الذي هو مدلول اللفظ العام ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، لا مانع منه ما دامت حقيقة كل قسم تخصه لا يشركه فيه غيره، وأما الذي ظنه بعض الناس من أنه يخلص من هذا الاشتراك
[ ٣ / ١٠٧٢ ]
يجعل لفظ "الوجود" أو غيره من باب المشكك، لكون واجب الوجود أكمل، كما يقال في لفظ السواد المقول على سواد القار وسواد الحدقة، ولفظ البياض المقول على بياض الثلج وبياض العاج فإن شيخ الإسلام يجيب عن هذا بقوله: "ولا ريب أ، المعاني الكلية قد تكون متفاضلة في مواردها، بل أكثرها كذلك: وتخصيص هذا القسم بلفظ المشكك أمر اصطلاحي، ولهذا كان من الناس من قال: هو نوع من المتواطئ؛ لأن واضح اللغة لم يضع اللفظ العام بإزاء التفاوت الحاضل لأحدهما، بل بإزاء القدر المشترك"، ثم يقول شيخ الإسلام: "وبالجملة، فالنزاع في هذا لفظي، فالمتواطئة العامة تتناول المشككة، وأما المتواطئة التي تتساوى معانيها فهي قسيم المشككة، وإذا جعلت المتواطئة نوعين: متواطئا عاما وخاصا، كما جعل الإمكان نوعين عاما وخاصا زال اللبس" (١) .
والقول بأن هذا التوافق ليس من قبيل المشترك اللفظي هو قول جماهير المسلمين، يقول شيخ الإسلام: "إن مذهب عامة الناس، بل عامة الخلائق من الصفاتية كالأشعرية والكرامية وغيرهم، أن الوجود [ليس (٢)] مقولا بالاشتراك اللفظي فقط، وكذلك سائر أسماء الله التي سمي بها، وقد يكون لخلقه اسم كذلك، مثل الحي والعليم والقدير؛ فإن هذه ليست مقولة بالاشتراك اللفظي فقط، بل بالتوطئ، وهي أيضا مشككة؛ فإن معانيها في حق الله تعالى أولى، وهي حقيقة فيهما، ومع ذلك فلا يقولون: إن ما يستحقه الله تعالى من هذه الأسماء إذا سمى بها مثل ما يستحقه غيره، ولا أنه في وجوده وحياته وعلمه وقدرته مماثلًا لخلقه، ولا يقولون أيضًا إن له أو لغيره في الخارج وجودا غير حقيقتهم الموجودة في الخارج؛ بل اللفظ يدل على قدر مشترك [إذا (٣)] أطلق وجرد عن الخصائص التي تميز أحدها" (٤)، ثم بين أن هذا لا يستعمل في أسماء الله فقط
_________________
(١) منهاج السنة (٣/٥٨٦) - ط جامعة الإمام -، وانظر: ما قبل ذلك (٢/١١٨-١١٩) .
(٢) في المطبوع [وهو]، وسياق الكلام يقتضي ما أثبت، وقد أشار إلى هذا التصويب المعلق في الحاشية.
(٣) في المطبوعة (إذ) ولعل الصواب ما أثبت.
(٤) نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٣٧٨) .
[ ٣ / ١٠٧٣ ]
ولا في اللغة أيضًا، وإنما يذكر في مواضع تجرد عن الخصائص لأجل المناظرة فيقدر الأمر تقديرًا (١) .
ومع أن هذا هو قول جماهير الصفاتية وغيرهم إلا أن بعض من خاض في الفلسفة والمنطق كالرازي والآمدى والشهرستاني ظنوا - في بعض أقوالهم - أنه يجب أ، يكون ما بين أسماء الله وأسماء المخلوقين من توافق مقولا بالاشتراك اللفظين وقد بين شيخ الإسلام
أن الذي دفعهم إلى هذا القول شبهتان:
إحداهما: شبهة الوقوع في التشبيه والتركيب.
والثانية: ظن ثبوت الكليات المشتركة في الخارج.
أما الشبهة الأولى فيقول شيخ الإسلام: إن كثيرا من الناس "تنازعوا في الأسماء التي تسمى الله بها وتسمى بها عباده كالموجود والحي والعليم والقدير، فقال بعضهم: هي مقولة بالاشتراك اللفظي حذرا من إثبات قدر مشترك بينهما، لأنهما إذا اشتركا في مسمى الوجود لزم أن يمتاز الواجب عن الممكن بشيء آخر فيكون مركبا، وهذا قول بعض المتأخرين كالشهر ستاني والرازي في أحد قوليهما، وكالآمدى مع توقفه أحيانًا" (٢)، ثم رد على الرازي والآمدى حين ظنا أن الأشعري وغيره ممن ينفي الأحوال ويقول إن وجود كل شيء عين حقيقته - يقولون بهذا القول وأنها مقولة بالاشتراك اللفظي، وزعما أن هذا لازم لهم، لأنهم لو قالوا هي متواطئ لكان بينهما قدر مشترك، فيمتاز أحدهما عن الآخر بخصوص حقيقته، والمشترك ليس هو المميز، فلا يكون الوجود المشترك هو الحقيقة المميزة. وبين أن هذا غلط عليهم (٣) .
هذه شبهة التركيب، أما شبهة التشبيه فإنهم قالوا: إذا قلنا موجود وموجود، وحي وحي، لزم التشبيه (٤) .
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٣٧٩) .
(٢) منهاج السنة (٢/٥٨١) - ط جامعة الإمام -.
(٣) انظر: منهاج السنة (٢/٥٨١-٥٨٢) - ط جامعة الإمام -.
(٤) انظر: منهاج السنة (٢/٥٨٤) .
[ ٣ / ١٠٧٤ ]
وأما الشبهة الثانية: فبسببها غلط الرازي وغيره "فإنه ظن أنه إذا كان هذا موجودا وهذا موجودا، والوجود شامل لهما، كان بينهما وجود مشترك كلي في الخارج، فلا بد من مميز يميز هذا عن هذا، والمميز إنما هو الحقيقة فيجب أن يكون هناك وجود مشترك وحقيقة مميزة" (١) .
وهذه مبنية على مسألة طالما غلط فيها أهل المنطلق والفلسفة وأتباعهم، وهي مسألة الكليات المطلقة التي تكون في الأذهان، وتوهمهم أنها قد تكون موجود في الأعيان.
فبهاتين الشبهتين: شبهة التشبيه، وشبهة الكليات الذهنية قال بعض هؤلاء الأشاعرة: إن الوجود وغيره إذا أطلق على الخالق والمخلوق كان من قبيل المشترك اللفظي. وقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه أهمها:
١- أن القول الذي يقول به جماهير الناس: جمهور المعتزلة، والمتكلمة الصفاتية من الأشعرية والكرامية والسالمية، واتباع الأئمة الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الحديث، والصوفية، أن هذه الأسماء حقيقة للخالق تعالى، وإن كانت تطلق على خلقه حقيقة.
وأما الأقوال الأخرى فهي باطلة:
مثل قول من يقول: إنها حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق، وهو قول أبي العباس الناشئ.
ومثل قول من يقول بالعكس، أي أنها حقيقة في المخلوق مجاز في الخالق، كما هو قول غلاة الجهمية والقرامطة والباطنية الذين ينفون عن الله الأسماء الحسنى بل ويقولونك إن الله ليس بحي ولا عالم ولا جاهل (٢)
_________________
(١) منهاج السنة (٢/٥٨٥) - ط جامعة الإمام -.
(٢) انظر: في هذه الأقوال: الجواب الصحيح (٣/١٥٠)، والرد على المنطقيين (ص: ١٥٥-١٥٧)، ومجموع الفتاوى (٥/١٩٦-١٩٧، ٢٠٧)، ودرء التعارض (٥/١٨٤-١٨٥)، ومنهاج السنة (٢/٥٨٢-٥٨٣) - ط جامعة الإمام -.
[ ٣ / ١٠٧٥ ]
والصواب أنها حقيقة فيهما، ولا معنى لهذا القول إلا بإثبات المعنى المشترك في كل اسم أو صفة، ثم إن وجود الخالق يخصه ووجود المخلوق يخصه، وهكذا بقية الصفات، وكل من قال بالمشتري اللفظي فقد جانب قول أهل الحق، ولزمه أن يقول بواحد من تلك الأقوال الفاسدة.
٢- أ، لك موجودين فلا بد بينهما من قدر مشترك وقدر مميز، وهذه مسألة التشبيه والتمثيل، وقد سبق تفصيل القول فيها، مع بيان اعتراف الأشاعرة، بل وتقريرهم أن إثبات الصفات لله كالوجود والسمع والبصر والحياة وغيرها، لا يقتضي أن يكون الله مشابها لخلقه (١) .
٣- أن هؤلاء الذين يقولون بالمشترك اللفظي متناقضون، لأنهم مع قولهم إن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي إلا أنهم يجعلونه "ينقسم إلى واجب وممكن، أو قديم ومحدث، كما تنقسم سائر الأسماء العامة الكلية لا كما تنقسم الألفاظ المشتركة كلفظ سهيل المقول (٢) على "سهيل" الكوكب، وعلى سهيل بن عمرو، فإن تلك لا يقال فيها: إن هذا ينقسم إلى كذا وكذا، ولكن يقال: إن هذا اللفظ يطلق على هذا المعنى، وعلى هذا المعنى، وهذا أمر لغوي لا تقسيم عقلي، وهناك [أي في المتوطئ] تقسيم عقلي: تقسيم المعنى الذي هو مدلول اللفظ العام، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام" (٣) . وتناقضهم في هذا واضح جدًا لأن التقسيم لا يكون في الألفاظ المشتركة إن لم يكن المعنى مشتركًا (٤) .
٤- أنه لو لم تكن هذه الأسماء متواطئة لأدى ذلك إلى عدم فهم المعاني المرادة في كل سياق لأنه إذا قيل: إنها من باب المشترك اللفظي، كان ورود هذا الاسم في موضع له معنى. فإذا ورد في موضع آخر وأراد به المعنى الآخر
_________________
(١) انظر: مبحث توحيد الألوهية والربوبية (ص: ٩٤٨-٩٥٦) .
(٢) في طبعة جامعة الإمام (القول) وهو خطأ مطبعي، وهو على الصواب في طبعة مكتبة دار العروبة - المحققة (٢/٤٧٠)، والمحقق للطبعتين الدكتور/ محمد رشاد سالم -﵀-.
(٣) منهاج السنة (٢/٥٨٦) - ط جامعة الإمام - وانظر: شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٣٢٢) -.
(٤) انظر: درء التعارض (٥/٣٢٥) .
[ ٣ / ١٠٧٦ ]
- الذي يختلف عن الأول تماما - فإنه لا يفهم ذلك المعنى إلا بدليل يدل عليه (١)، فإذا قيل المخلوق موجودا، ثم قيل والله تعالى موجود، فالقول أن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي يقتضي أن معنى الوجود في العبارة الثانية له معنى آخر بعيد عن مدلول اللفظ الأول، ولا بد من دليل يدل على المعنى المقصود منه، وهذا لو طبق يؤدي إلى تخبط عجيب في فهم مدلول الألفاظ والعبارات.
٥- أن القول بالاشتراك اللفظي يؤدي إلى موافقة الملاحدة والقرامطة، "فإنهم إذا جعلوا أسماء الله تعالى كالحي والعليم والقدير والموجود ونحو ذلك مشتركة اشتراكًا لفظيا، لم يفهم منها شيء إذا سمى بها الله، إلا أن يعرف ما هو ذلك المعنى الذي يدل عليه إذا سمي بها الله، لا سيما إذا كان المعنى المفهوم منها عند الإطلاق ليس هو المراد إذا سمي بها الله.
ومعلوم أن اللفظ المفرد إذا سمي به مسمى لم يعرف معناه حتى يتصور المعنى أولا، ثم يعلم أن اللفظ دال عليه، فإذا كان اللفظ مشتركا فالمعنى الذي وضع له في حق الله لم نعرفه بوجه من الوجوه، فلا يفهم من أسماء الله الحسنى معنى أصلا، ولا يكون فرق بين قولنا: حي، وبين قولنا: ميت، ولا بين قولنا: موجود، وبين قولنا: معدوم، ولا بين قولنا: عليم، وبين قولنا: جهول، أو "ديز" أو "كجز" بل يكون بمنزلة ألفاظ أعجمية سمعناها ولا نعلم مسماها، أو ألفاظ مهملة لا تدل على معنا كديز وكجز ونحو ذلك.
ومعلوم أن الملاحدة يكفيهم هذا، فإنهم لا يمنعون إطلاق اللفظ إذا تظاهروا بالشرع، وإنما يمنعون أن نفهم معنى" (٢) .
وهذا هو لب المسألة، لأن القول بالمشترك اللفظي يؤدي إلى اعتقاده أن هذه الأسماء أو الصفات بالنسبة لله تعالى لها معان أخرى بعيدة عن المعاني التي دلت عليها هذه النصوص التي وردت بها، "وإذا لم تكن أسماؤه متواطئة لم يفهم العباد من أسمائه شيئًا أصلا، إلا أن يعرفوا ما يخص ذاته، وهم لم يعرفوا
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٣٢٦) .
(٢) منهاج السنة (٢/٣٢٦) - ط جامعة الإمام -.
[ ٣ / ١٠٧٧ ]
ما يخص ذاته، فلم يعرفوا شيئًا" (١)، وهذا هو الإلحاد في أسمائه وآياته.
٦- والذين قالوا بالمشترك اللفظي طبقوه أو التزموه في لفظ الوجود بالنسبة لله وبالنسبة للمخلوق، فقالوا: يشتركان في الوجود، ويمتاز أحدهما عن الآخر بحقيقته.
وهنا يجيبهم شيخ الإسلام بأن القول في الحقيقة كالقول في الوجود، "فإن هذا له حقيقة، وهذا له حقيقة، كما أن لهذا وجودا ولهذا وجودا، وأحدهما يمتاز عن الآخر بوجوده المختص به، كما هو ممتاز عنه بحقيقته التي تختص به. فقول القائل: إنهما يشتركان في مسمى الوجود، ويمتاز كل واحد منهما بحقيقته التي تخصه كما لو قيل: هما مشتركان في مسمى الحقيقة ويمتاز كل منهما بوجوده الذي يخصه. وإنما وقع الغلط لأنه أخذ الوجود مطلقًا لا مختصا، وأخذت الحقيقة مختصة لا مطلقة، ومن المعلوم أن كلا منهما يمكن أن يوجد مطلقًا، ويمكن أن يوجد مختصا، فإذا أخذا مطلقين تساويا في العموم، وإذا أخذا مختصين تساويا في الخصوص، وأما أخذ أحدهما عاما والآخر مختصا فليس هذا بأولى من العكس" (٢) .
وهذا المنهج الإلزامي الدقيق كثيرا ما يستخدمه شيخ الإسلام، ومن ذلك قوله في مسألة الصفات التي أولها الأشاعرة، مثل صفة المحبة التي أولوها بإرادة الإنعام، لأنهم قالوا: إن المحبة ميل القلب إلى المحبوب وهذه صفة المخلوق، ولا يجوز أن تكون صفة لله، فهنا يقال لهم: يلزمكم في تأويلكم نظير ما لزمكم في المعنى الذي فررتم منه، فإنه يقال لكم في قولكم: إن المحبة إرادة الأنعام: ونحن لا نعلم من الإرادة إلا ميل النفس إلى المراد. فافعلوا في الإرادة ما فعلتم في المحبة فأولوها، أو فافعلوا في المحبة ما فعلتم في الإرادة فأثبتوها، وهكذا بقية الصفات.
٧- أما مسألة الكليات المشتركة التي تكون في الأذهان - وتوهم بعض الفلاسفة وأتباعهم أنها قد تكون موجودة في الأعيان - فإن شيخ الإسلام ناقشها
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/٢١٠) .
(٢) منهاج السنة (٢/٥٨٧-٥٨٨) - ط جامعة الإمام -، وانظر: درء التعارض (٥/١١٦-١١٨) .
[ ٣ / ١٠٧٨ ]
طويلًا (١)، وبين أثناء ذلك أن حجج هؤلاء مدارها على أن المطلق المشترك الكلي موجود في الخارج، قال: "وهذا هو الموضع الذي ضلت فيه عقول هؤلاء، حيث اعتقدوا أن الأمور الموجودة المعينة اشتركت في الخارج في شيء، وامتاز كل منها عن الآخر بشيء، هذا عين الغلط" (٢) . وفي منهاج السنة قال مجيبا عن هذا الاشتباه والغلط الذي وقع فيه الرازي والآمدي وغيرهما: "وأما حل الشبهة فهو أنهم توهموا أنه إذا قيل: إنهما مشتركان في مسمى الوجود، يكون في الخارج وجود مشترك هو نفسه في هذا، وهو نفسه في هذا، فيكون نفس المشترك فيهما، والمشترك لا يميز، فلا بد له من مميز.
وهذا غلط؛ فإن قول القائل: يشتركان في مسمى الوجود، أي: يشتبهان في ذلك ويتفقان فيه، فهذا موجود، وهذا موجود، ولم يشرك أحدهما الآخر في نفس وجوده البتة. وإذا قيل: يشتركان في الوجود المطلق الكلي، فذاك المطلق الكلي لا يكون مطلقًا كليًا إلا في الذهن، فليس في الخارج مطلق كلي يشتركان فيه، بل هذا له حصة منه، وهذا له حصة منه، وكل من الحصتين ممتازة عن الأخرى (٣) "، ثم قال بعد مناقشة أهل المنطق: "فمسألة الكليات والأحوال وعروض العموم لغير الألفاظ، من جنس واحد، ومن فهم الأمر على ما هو عليه، تبين له أنه ليس في الخارج شيء هو بعينه موجود في هذا وهذا. وإذا قال: نوع موجود، أو الكلي الطبيعي موجود، أو الحقيقة موجودة، أو الإنسانية من حيث هي موجودة، ونحو هذه العبارات، فالمراد به أنه وجد في هذا نظير ما وجد في هذا أو شبهه أو مثله، ونحو ذلك.
والمتماثلات يجمعها نوع واحد، وذلك النوع هو الذي بعينه يعم هذا ويعم هذا، لا يكون عاما مطلقًا إلا في الذهن، وأنت إذا قلت: الإنسانية
_________________
(١) انظر مثلا: درء التعارض (٥/٨٩-١٧٥)، وقد ذكر في منهاج السنة (٢/٥٩٥) - ط جامعة الإمام -، أنه أفراد موضوع "الكليات" بمؤلف مختص بها لعموم الحاجة ولإزالة الشبهة، وقد ذكرها ابن القيم في أسماء مؤلفات ابن تيمية (ص:٢٤) .
(٢) درء التعارض (٥/١١٢) .
(٣) منهاج السنة (٢/٥٨٨-٥٨٩) - ط جامعة الإمام -.
[ ٣ / ١٠٧٩ ]
موجودة في الخارج، والكلي الطبيعي موجود في الخارج، كان صحيحا: بمعنى أ، ما تصوره الذهن كليا يكون في الخارج، لكنه إذا كان في الخارج لا يكون كليا، كما أنك إذا قلت: زيد في الخارج، فليس المراد هذا اللفظ، ولا المعنى القائم في الذهن، بل المراد المقصود بهذا اللفظ موجود في الخارج" (١) .
ثم طبق شيخ الإسلام كلامه في مسألة الكليات على شبهة التشبيه التي أوقعت هؤلاء بقولهم بالمشترك اللفظي في مسألة الله وصفاته وما وافقها من أسماء المخلوقين وصفاتهم فقال: "وبهذا يتبين غلط النفاة في لفظ التشبيه؛ فإنه يقال: الذي يجب نفيه عن الرب تعالى اتصافه بشيء من خصائص المخلوقين، كما أن المخلوق لا يتصف بشيء من خصائص الخالق، أو أن يثبت للعبد شيء يماثل فيه الرب، وأما إذا قيل: حي وحي وعالم وعالم، وقادر وقادر، أو قيل: لهذا قدرة ولهذا قدرة، ولهذا علم، ولهذا علم، كان نفس علم الرب لم يشركه في العبد، ونفس علم العبد لا يتصف به الرب، تعالى عن ذلك، وكذلك في سائر الصفات، بل ولا يماثل هذا هذا، وإذا اتفق العلماء في مسمى العلم، والعالمان في مسمى العالم، فمثل هذا التشبيه ليس هو المنفي، لا بشرع ولا بعقل، ولا يمكن نفي ذلك إلا بنفي وجود الصانع" (٢) .
وليس هذا خاصا بالصفات التي أثبتها الأشاعرة، بل يشمل غيرها من الصفات كالنزول والاستواء والمجيء، فإثباتها لله، مع أن المخلوق قد يوصف بالنزول والاستواء والمجيء لا يقتضي المشابهة، والقول بأن ذلك من قبيل المشترك اللفظي يعطل هذه الصفات عن معانيها (٣) .
وقد بين شيخ الإسلام أن الآمدى - في مسألة الكليات المشتركة ووجودها في الأذهان - قد بين في كتابه أحكام الأحكام ما يناقضها، يقول: "والآمدى
_________________
(١) منهاج السنة (٢/٥٩٢) .
(٢) المصدر السابق (٢/٥٩٥-٥٩٦) - ط جامعة الإمام -.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٥/٢٠٠) وما بعدها. وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٣٢٣) وما بعدها.
[ ٣ / ١٠٨٠ ]
قد بين فساد هذا [أي المشترك الكلي وكونه قد يوجد في الأعيان] في غير موضع من كتبه، مثل كلامه في الفرق بين المطلق والمقد والكلي والجزئي، وغير ذلك، وزيف ظن من يظن أن الكلي يكون جزءا من المعين، وبين خطأ من يقول ذلك كالرازي وغيره، فلو رجع إلى أصله الصحيح الذي ذكره في الكلي والجزئي والمطلق والمعين، لعلم فساد هذه الحجة، ولكن لفرط التباس أقوالهم وما دخلها من الباطل الذي اشتبه عليهم وعلى غيرهم، ولكن لفرط التباس أقوالهم وما دخلها من الباطل الذي اشتبه عليهم وعلى غيرهم، تزلق أذهان كثير من الأذكياء في حججهم، ويدخلون في ضلالهم من غير تفطن لبيان فسادها، كالرازي والآمدى ونحوهما: تارة يمنعون وجو الصور الذهنية، حتى يمنعوا ثبوت الكلي في الذهن، وتارة يجعلون ذلك ثابتًا في الخارج" (١) .
ثم ذكر شيخ الإسلام أن الآمدى في دقائق الحقائق أثبت المشترك الكلي في الخارج (٢)، وفي أحكام الأحكام نفاها ورد على الرازي (٣)، كما ذكر بأن الرازي نفاها أيضًا في الملخص (٤)، وبيان هذا التناقض الذي وقع فيه هؤلاء هو جزء من منهج شيخ الإسلام في ردوده عليهم (٥) .
٨- وإضافة إلى ما سبق من ردود فإن شيخ الإسلام يبين هذه المسألة ويوضحها من خلال بيان منهج السلف في الصفات، القائم على إثبات هذه الصفات لله تعالى كما وردت من غير تمثيل ولا تكييف، ولا تحريف ولا تعطيل، ونظرا لأن هؤلاء إنما أوقعهم بالقول بالمشترك اللفظي الخوف من التشبيه، فقد أوضح شيخ الإسلام المسألة وبينها وضرب لذلك بعض الأمثلة المهمة:
_________________
(١) درء التعارض (٥/١٢٠) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/١٠٨-١١١) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٥/١٢٠-١٢٥)، وكلام الآمدي في الأحكام (٢/١٨٣-١٨٤) - ت عبد الرزاق عفيفي -، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في ترجمة الرازي (ص: ٦٦١) .
(٤) انظر: درء التعارض (٥/١٢٥-١٢٦)، وانظر أيضًا: (٤/٢٤٨-٢٦١) .
(٥) انظر غير ما سبق: الصفدية (١/٩٩-١٠٣)، ومسألة الأحرف - مجموع الفتاوى (١٢/٩٦-٩٧)، ونقض التأسيس - مطبوع - (٢/٣٧٨-٣٨٢)، ومنهاج السنة (٤/١٥١-١٥٢) - ط بولاق -.
[ ٣ / ١٠٨١ ]
(أ) فقد بين أن الأسماء والصفات نوعان:
نوع يختص به الرب، مثل الإله، ورب العالمين، ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال، ومن ناضل المشركون الذين جعلوا لله أندادًا.
والثاني: ما يوصف به العبد في الجملة، كالحي والعالم والقادر، فهذا لا يجوز أن يثبت للعبد مثل ما يثبت للرب أصلًا، فإنه لو ثبت له مثل ما يثبت له للزم أن يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، وذلك يستلزم اجتماع النقيضين (١) . وقد سبق تفصيل هذا في مبحث الألوهية والربوبية.
(ب) وبالنسبة للنوع الثاني مما يتفقان فيه، فهل يلزم منه التماثل؟ يوضح شيخ الإسلام ذلك ببيان أن هذه الأمور لها ثلاثة اعتبارات:
أحدهما: ما يختص به الرب، فهذا ما يجب له ويجوز ويمتنع عليه ليس للعبد فيه نصيب.
والثاني: ما يختص بالعبد، كعلم العبد وقدرته وحياته، فهذا إذا جاز عليه الحدوث والعدم لم يتعلق ذلك بعلم الرب وقدرته وحياته، فإنه لا اشتراك فيه.
والثالث: المطلق الكلي، وهو مطلق الحياة والعلم والقدرة، فها المطلق ما كان واجبا له كان وجابها فيهما، وما كان جائزًا عليه كاجائزًا عليهما، وما كان ممتعا عليه كان ممتنعا عليهما، فالواجب أ، يقال: هذه صفة كما حيث كانت، فالحياة والعلم والقدرة صفة كمال لكل موصوف والجائز عليهما اقترانهما بصفة أخرى كالسمع والبصر والكلام، فهذه الصفات يجوز أ، تقارن هذه في كل محل - اللهم إلا إذا كان هناك مانع من جهة المحل لا من جهة الصفة - وأما الممتنع عليهما، فيمتنع ا، تقوم هذه الصفات إلا بموصوف قائم بنفسه، هذا ممتنع عليهما في كل موضع فلا يجوز أن تقوم صفات الله بأنفسها، بل بموصوف
_________________
(١) منهاج السنة (٢/٥٩٦) - ط جامعة الإمام -، وانظر: الجواب الصحيح (٢/٢٣٢) .
[ ٣ / ١٠٨٢ ]
وكذلك صفات العباد لا يجوز أن تقوم بأنفسها، بل بموصوف" (١) .
وهذا المطلق الكلي الذي هو النوع الثالث، هو الذي من خلاله نفهم ما خوطبنا به، ولذلك فنحن نعلم مثلًا أنه إذا وصف أحد بصفة، فإن هذه الصفة لا بد أن تقوم بالموصوف، ما أننا نفرق بين صفة الحياة، والعلم والكلام، من غير أن يرتبط ذلك بتخصيص الموصوف بها، هل هو الخالق أو العبد، ولولا ذلك لكانت معرفتنا بأسماء الله وصفاته وآياته ألغازا وألفاظًا أعجمية لا تفهم، ومن أراد أن يلتزم نفي التشبيه بنفي أي نوع من أنواع التشابه الذي يرد في المطلق الكلي فلا بد أن يؤدي به الأمر إلى نفي وجود الخالق، ومتى أقر بوجود الخالق وأنه غير هذه المخلوقات لزمه شيء من هذا.
(ج) ومن الأصول التي قررها السلف وركز عليها شيخ الإسلام أن القول في الصفات كالقول في الذات، يحتذى حذوه، فكما أن لله ذاتا لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين، وإذا كان إثبات الذات لله إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وهذا أصل عظيم، مقنع جدًا لمن تدبره، وهو مرتبط بما سبق من أن صفات المخلوق تخصه، كما أن له ذاتا تخصه، وكذلك ربنا ﵎ له صفات تخصه وتليق به كما أن له ذاتا تخصه، ولا يخلط بينهما إلا مشبه ممثل، أو معطل ملحد في أسمائه وصفاته يريد أن يجعل ذلك سلما لتعطيله وتحريفه (٢) .
(ح) ضرب المثل بنعيم أهل الجنة، وبالروح:
وهذان المثلان يكثر ورودهما في مناقشات شيخ الإسلام للأشاعرة ولغيرهم، وفي بيانه للمنهج الحق في الصفات، البعيد عن التأويل والتفويض والتمثيل والتشبيه.
_________________
(١) منهاج السنة (٢/٥٩٧-٥٩٨) - ط جامعة الإمام -.
(٢) انظر في بيان هذا الأصل: التدمرية (ص:٤٣-٤٦) - ت - السعودي -، والفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (٥/١١٤)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٣٣٠، ٣٥١)، ومجموع الفتاوى (٦/٣٥٥، ١٢/٥٧٥)، ونقض التأسيس - مطبوع - (٢/٧٦) .
[ ٣ / ١٠٨٣ ]
يقول شيخ الإسلام مستدلًا لهذه المسألة: "بل أبلغ من ذلك أن الله أخبر أن في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح ما ذكره في كتابه، كما أخبر أن فيها لبنا، وعسلا، وخمرًا، ولحما، وحريرا، وذهبًا، وفضة، وحورا، وقصورا، ونحو ذلك، وقد قال ابن عباس: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء" (١)، فتلك الحقائق التي في الآخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التي في الدنيا، وإن كانت مشابهة لها من بعض الوجوه، والاسم يتناولها حقيقة، ومعلوم أن الخالق أبعد عن مشابهة المخلوق، فكيف يجوز أن يظن أن فيما أثبته الله تعالى من أسمائه وصفاته مماثلًا لمخلوقاته وأن يقال: ليس ذلك بحقيقة، وهل يكون أحق بهذه الأسماء الحسنى والصفات العليا من رب السموات والأرض؟ مع أن مباينته للمخلوقات أعظم من مباينة كل مخلوق" (٢) .
وفي موضع آخر شرح ذلك فقال: "إنه يعلم الإنسان أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم، فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم، فإنه لو لم يتصور لهذه المعاني من نفسه ونظره إليه لم يمكن أ، يفهم ما غابه عنه، كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة، لما أمكنه أ، يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة فقد قال ابن عباس "وذكر قوله السابق، وشرح الفرق بين نعيم الجنة والدنيا وأن نعيم الجنة لا يفسد ولا يتغير، ثم قال: "فإذا كان ذلك المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم، وبينهما قدر مشترك وتشابه، علم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة، فالخالق ﷻ أبعد عن مماثلة مخلوقاته، مما في الجنة لما في الدنيا.
_________________
(١) رواه وكيع في نسخته عن الأعمش، رقم (١)، ت الفريوائي، وهناد في الزهد رقم (٣،٨)، وأبو نعيم في صفة الجنة رقم (١٢٤) (١/١٦٠)، والبيهقي في البعث والنشور رقم (٣٣٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره [آية: ٢٥ من سورة البقرة] ورقمه (٢٦١) - ت الدكتكور أحمد الزهراني - ط على الآلة الكاتبة، وابن جرير في تفسير [البقرة: آية ٢٥]، ورقمه عند شاكر (٥٣٤-٥٣٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٥٢٨٦)، وعزاه للضياء في المختارة.
(٢) مجموع الفتاوى (٥/٢٠٨) .
[ ٣ / ١٠٨٤ ]
فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير، لم يلزم أن يكون مماثلًا لخلقه، إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق " (١) .
وهذا المثل واضح جدا، مبين للمسألة، وقد وفق شيخ الإسلام في عرضه وشرحه، وهو مما يسلم به مؤولة الصفات، لأنهم يثبتون البعث والجنة والنار، وقد سبق في موضوع تسلط الفلاسفة والقرامطة على المتكلمين بيان أن هؤلاء الملاحدة وصموهم بالتناقض لكونهم أولوا نصوص الصفات ولم يؤولوا نصوص المعاد والجنة والنار (٢)، ومعلوم أن الملاحدة طردوا الأمرين نفيا، وأهل السنة طردوهما إثباتا، وهؤلاء تناقضوا، وشيخ الإسلام حينما يضرب هذا المثل - مثل نعيم الجنة - كأنه يريد أن يقرن بين مسألة دلالة النصوص وأنها واحدة في الصفات والمعاد، - وقد شرحها في عرضه لتسلط الملاحدة - ومسألة ما يفهم من النصوص، وأن نصوص النعيم إذا كانت تفهم لأنها تشبه نعيم الدنيا مع ما بينهما من الاختلاف في الحقيقة والكيفية، فكذلك نصوص الصفات تفهم وتعلم ولا تقتضي موافقتها في الاسم لصفات العباد أن تكون مثلها أو مشابهة لها (٣) .
وكذلك مثل الروح، فإنها "إذا كانت موجودة، حية، عالمة، قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو لك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرا، والشيء إنما تدرك حقيقته، إما بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٩/٢٩٥-٢٩٦) .
(٢) انظر ما سبق: (ص: ٨٩٦) وما بعدها.
(٣) انظر في شرح هذا المثل - مثل نعيم الجنة - التدمرية (ص: ٤٦-٥٠) - المحققة، والحموية - مجموع الفتاوى (٥/١١٥)، ومنهاج السنة (٢/١٥٧-١٥٩) - ط جامعة الإمام -، ومجموع الفتاوى (٥/٢٥٧-٢٥٨، ٦/١٢٣-١٢٥، ١١/٤٨٢-٤٨٣)، وتفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى (١٧/٣٢٦)، والتسعينية (ص: ١٢٢)، والصفدية (١/٢٨٨-٢٨٩)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٣٤٨) .
[ ٣ / ١٠٨٥ ]
مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها " (١) .
ومثل الروح كثيرًا ما يسوقه شيخ الإسلام لنفي اشتراط معرفة كيفية الصفات لإثباتها، وخاصة في مثل صفة الاستواء والنزول والمجئ، وقد أوضح شيخ الإسلام هذا المثل أيما إيضاح في مناسبات عديدة (٢) .
المسألة الخامسة: تقابل العدم والملكة (٣)،
والرد على الملاحدة الغلاة:
هذه المسألة من شبه الغلاة من الجهمية والقرامطة في نفيهم للصفات، وليس الغريب إيرادهم لها، لأن الباطل وأهله لا يتوقفون عن إيراد الأدلة على باطلهم ولو كانت ضعيفة متهافتة، وإنما الغريب أن يذعن لهذه الشبهة بعض النظار من المتكلمين ويعتقدوا أن اعتراضهم وشبهتهم صحيحة (٤) .
_________________
(١) التدرية (ص: ٥٦) - المحققة -.
(٢) انظر مثل الروح: الفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (٥/١١٥-١١٦)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٣٥٤-٤٥٨)، ومجموع الفتاوى (٩/٢٩٨)، ودرء التعارض (٦/١٣١) .
(٣) المتقابلان هما اللذان لا يجتمعان من جهة واحدة، وهما أنواع: (I) الضدان، وهما اللذان لا يجتمعان ولكن قد يرتفعان، كالسواد والبياض. (II) المتضايفان، كالأبوة والبنوة، فهذان قد يجتمعان لكن من جهتين، لا من جهة واحدة، فالأبوة والبنوة قد تجتمع في زيد لكن من جهتين، فإن أبوته بالقياس إلى ابنه، وبنوته بالقياس إلى أبيه. (III) المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهما أمران أحدهما عدم الآخر مطلقا، كالفرسية، واللافرسية، ومثل: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان. (IV) المتقابلان بالملكة والعدم: وهما أمران أحدهما وجودي والآخر عدم ذلك الأمر الوجودي لا مطلقا، بل من القابل، كالبصر والعمى والعلم والجهل، فالعمى عدم البصر عما من شأنه البصر، والجهل عدم العلم عما من شأنه العلم. والمراد بالملكة~: كل معنى وجودي أمكن أ، يكون ثابتا للشيء إما بحق جنسه كالبصر للإنسان أو بحق نوع ككتابة زيد، أو بحض شخصه كاللحية للرجل، وأما العدم المقابل لها فهو ارتفاع هذه الملكة. فقال هؤلاء: لما لم يكن الجماد، كالحجر، قابلا للاتصاف بالبصر والعمى، فإنه لا يقال فيه: أعمى ولا بصير (انظر التعريفات ص: ١٠٥-١٠٦، والمعجم الفلسفي - صليبا ٢/٣١٨-٣١٩) .
(٤) ذكر هذه المسألة قد يكون من باب الاستطراد، خاصة في مثل هذا البحث الذي كثرت فروعه وتشعبت مسائله، ولكن الذي دعا إلى ذلك أمور: أحدها: أن بعض الأشاعرة - كالآمدي - ذكروا صحة هذه الشبهة وصعوبة الجواب عنها. والثاني: أن هذه الشبهة لم يقتصر مداها وخطرها على مبحث صفة السمع والبصر والكلام؛ التي أثبتها الأشاعرة وغيرهم بطرق، منها لسمع، ومن ثم فصحة هذه الشبهة لم يقدح في ثبوت هذه الصفات بأدلة أخرى، وإنما تعداها إلى صفات أخرى كالعلو، حيث احتج من يقول أنا أقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، أو لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره بهذه الحجة، وإنهما متقابلان تقابل العدم والملكة. انظر مثلا: درء التعارض (٦/١٢٧-١٢٨) . والثالث: كثرة إيراد شيخ الإسلام لهذه المسألة في كتبه أثناء مناقشته لنفاة الصفات، ومن ثم فإيرادها هنا قد يفيد في بيان مدخل هذه المسألة وسبب إيرادها في مناسبات عديدة.
[ ٣ / ١٠٨٦ ]
وخلاصة المسألة أن الصفاتية احتجوا على إثبات صفة السمع والبصر والكلام لله بدليل الكمال، وهو أنه لو لم يكن متصفًا بهذه الصفات لا تصف بضدها، فاعترض النفاة على هذا بأن هذا يلزم في القابل لها، أما غير القابل - كالجماد - فنفي البصر عنه لا يلزم منه العمى، لكونه غير قابل لهما، يقول شيخ الإسلام في أحد المواضع - وكلامه في ذلك كثير -: "فإن قيل لهم: إذا لم يوصف بصفة الكمال، لزم اتصافه بهذه النقائص. قالوا: هذا إنما يكون فيما يقبل الاتصاف بهذا وهذا، ويقول المنطقيون: هذان متقابلان تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، والمتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا يرتفعان جميعًا، بخلاف المتقابلين تقابل العدم والملكة، كالحياة والموت، والعمى والبصر، فإنهما قد يرفتعان جميعا إذا كان المحل لا يقبلهما كالجمادات، فإنها لما لم تقبل الحياة والبصر والعلم لم يقل فيها إنها حية ولا ميتة، ولا عالمة ولا جاهلة.
وقد أشكل كلامهم هذا على كثير من النظار، وأضلوا به خلقًا كثيرًا، حتى الآمدى وأمثاله من أذكياء النظار، اعتقدوا أن هذا كلام صحيح، وأنه يقدح في الدليل الذي استدل به السلف والأئمة ومتكلموا أهل الإثبات في إثبات السمع والبصر وغير ذلك من الصفات، وهذا من جملة تلبيسات أهل المنطق والفلسفة التي راجت على هؤلاء فأضلتهم عن كثير من الحق الصحيح، المعلوم بالعقل الصريح" (١) .
_________________
(١) درء التعارض (٦/١٣٥) .
[ ٣ / ١٠٨٧ ]
وموقف الآمدى - المتأثر بهذه الشبهة كما ذكر شيخ الإسلام - ذكره في أبكار الأفكار، وفي غاية المرام، فقد قال في الأبكار بعد ذكر الشبهة وأنواع المتقابلات: "فإن أريد بالتقابل ها هنا تقابل التناقض بالسلب والإيجاب وهو أنه لا يخلو من كونه سميعا وبصيرا ومتكلما أو ليس، فهو ما يقوله الخصم ولا يقبل نفيه من غير دليل.. وإن أريد بالتقابل تقابل العدم والملكة فلا يلزم أيضًا من نفي الملكة تحقق العدم ولا بالعكس، إلا في محل يكون قابلا لهما، ولهذا يصح أن يقال: الحجر لا أعمى ولا بصير، والقول بكون الباري تعالى قابلا للبصر والعمى دعوى محل النزاع، والمصادرة على المطلوب، وعلى هذا فقد امتنع لزوم العمى والخرس والطرش في حق الله تعالى من ضرورة نفي البصر والسمع والكلام عنه (١) ". ولما رأى الآمدى صدق هذا الاعتراض أحال على طريقة أخرى في الاستدلال لهذه الصفات، أما أصحابة الشبهة من القرامطة وغيرهم فقد قالوا بسلب النقيضين فقالوا: نقول: لا أعمى ولا بصير وهكذا.
وقد رد شيخ الإسلام على هذه الشبهة وعلى من صححها، وبين زيفها وبطلانها من وجوه عديدة منها:
١- أن ما لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال أنقص مما يقبل الاتصاف بصفات الكمال، ولذلك كان الحجر أنقص من الحي الأعمى، وحينئذ فإذا كان اتصافه بكون أعمى، أصم، أبكم ممتنعا، مع كون المتصف بذلك أكمل من الجماد والذي لا يقبل الاتصاف بهذا وضده؛ علم أن القول بأنه تعالى غير قابل للاتصاف بذلك أعظم في نقصه، وهو أشد امتناعا.
٢- أن هذا اصطلاح اصطلحتم عليه، وهو باطل من وحهين:
أأن ما لا حياة فيه ييسمى مواتا وميتا، وهذا موجود في لغة العرب، وقد جاء في القرآن، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ (النحل: من الآية٢٠-٢١)، وهذا في أصنام العرب
_________________
(١) أبكار الأفكار (١/٥٧) - ب، وانظر: غاية المرام (ص: ٥٠-٥١)، وقارن ذلك بما في التدمرية (ص: ١٥١-١٥٤) مع حاشية المحقق، ودرء التعارض (٤/٣٤-٣٧)، حيث نقل كلام الآمدي.
[ ٣ / ١٠٨٨ ]
وهي من الجمادات، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ (يّس: من الآية٣٣)، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (الحديد: من الآية١٧) .
ب أن الجامدات يمكن اتصافها بالحياة وغيرها، فإن الله قادر على أن يخلق في الجمادات حياة، كما جعل عصا موسى حية تسعى، تبلع الحبال والعصى.
٣- أن نفس عدم الحياة والعلم والقدرة نقص لكل ما عدم عنه ذلك سواء فرض قابل أو غير قابل، فإنا إذا قدرنا موجودين أحدهما يسمع ويبصر ويتكلم، والآخر ليس كذلك، كان الأول أكمل من الثاني، وما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله.
٤- أن كل محذور في عدم الملكة هو ثابت في السلب العام وزيادة، فإذا كنتم تقولون: ليس ميتا ولا جاهلا ولا أعمى، كان قولكم مع ذلك: ليس حيا ولا عالما ولا بصيرا، فيه من النقص ما في قول من يقول: ميت وجاهل وأعمى، وزيادة، وهذا مبني على أن ما لا يقبل الملكة أنقص من القابل لها.
٥- أن كل كمال اتصف به الممكن إذا لم يستلزم نقصا، فالواجب أولى به من الممكن، واتصافه به أولى لأنه أ: مل ولأنه معطي الكمال لغيره، فالإنسان - الذي هو أكمل عندكم من الجدار الذي ضربتم به المثل في عدم القبول - إذا كان متصفا بصفة من صفات الكمال الذي لا نقص به، فالخالق أولى به، وهذا واضح.
٦- أن يقال لهؤلاء أنتم فررتم من التشبيه بالمخلوق الناقص فوقعتم في شر منه حيث شبهتموه بالجماد الذي هو أشد نقصا، بل إن سلبكم النقيضين أدى إلى تشبيهه بما هو أشد نقصا من المعدومات والممتنعات (١) .
_________________
(١) انظر فيما سبق: الصفدية (١/٩٠-٩٦)، والتدمرية (١٥٩-١٦٤) - المحققة - والجواب الصحيح (٢/١١٠-١١١)، وشرح الأصفهانية (ص:٧٦) - ت مخلوف -، ودرء التعارض (١/٢٢٢-٢٢٣، ٣٤١، ٣/٣٦٧-٣٦٨، ٤/٩-١٠، ٣٤-٤٠، ١٥٩-١٦٠، ٥/٢٧٣-٢٧٤، ٦/١٣٥-١٣٧)، والرسالة الأكملية، مجموع الفتاوى (٦/٨٨-٩٠)، وأيضًا مجموع الفتاوى (٦/٥٣٨، ٨/٢٢-٢٤)، والكيلانية مجموع الفتاوى (١٢/٣٥٧-٣٥٨) .
[ ٣ / ١٠٨٩ ]
هذه أهم أوجه الرد، وهناك ردود أخرى متجهة إلى نفس تقسيمهم للمتقابلات وبيان أنه متداخل وغير حاصر (١) .
وبذلك يتبين صحة هذا الدليل على إثبات الصفات، وأن الله لو لم يتصف بالسمع والبصر لا تصف بضدها، كما يتبين تهافت شبهة هؤلاء وبطلانها، وأن الآمدى وغيره كانوا قاصري الفهم حين ظنوا صحة هذه الشبهة.
المسألة السادسة: هل الصفة هي الموصوف أو غيره؟:
هذه المسألة شبيهة بمسألة: هل الاسم هو المسمى أو غيره، وكل ذلك من الألفاظ المجملة التي كان للسلف - ﵏ - فيها موقف واضح محدد، وهو أنه لا ينبغي إطلاق النفي ولا الإثبات، بل لا بد من الاستفصال.
والمهم هنا قبل عرض الخلاف في ذلك وبيان الراجح، توضيح منشأ بحث هذه المسألة، أي مسألة هل الصفة هي الموصوف أو غيره، والتي يعبر عنها أحيانا بالقول: هل الصفات هي الذات أو غيرها، والذي يظهر أن ذلك نشأن من خلال ردود أهل الكلام على النصاري:
أفالنصارى قالوا: إن كلمة الله التي بها خلق كل شيء تجسدت بإنسان، فكان من ردود أهل الإسلام عليهم - لبيان باطلهم - أن بينوا تهافت قولهم: إن كلمة الله بها خلق كل شيء، لأن الخالق هو الله، وهو خلق الأشياء بقوله "كن" وهو كلامه، فالخالق لم يخلق به الأشياء، فالكلام الذي به خلقت الأشياء ليس هو الخالق لها، بل به خلق الأشياء، فضلال هؤلاء أنهم جعلوا الكلمة هي الخالق. والكلمة مجرد الصفة، والصفة ليست خالقة، وإن كانت الصفة مع الموصوف فهذا هو الخالق، ليس هو المخلوق به، والفرق بين الخالق للسموات والأرض والكلمة التي بها خلقت السموات والأرض أمر ظاهر معروف، كالفرق بين القدرة والقادر (٢) فهؤلاء النصارى جعلوا الصفة غير الموصوف، وجعلوها خالقة، بل جعلوها حلت في أحد المخلوقات.
_________________
(١) انظر التدمرية (ص: ١٥٤-١٥٩) - المحققة -.
(٢) انظر: الجواب الصحيح (٢/٢٦٦، ٢٩٢، ٣/٥٤-٤٤) .
[ ٣ / ١٠٩٠ ]
ب وكان من آثار مناقشة أهل الكلام - وخاصة المعتزلة - للنصارى أن تطرقوا لهذا الموضوع كثيرا، فنشأت شبهة تعدد القدماء، وأن إثبات صفة لله يلزم منه أن تكون قديمة، وإذا كانت غير الموصوف لزم تعدد القدماء، فظنوا - أي المعتزلة - أن تحقيق التوحيد، والخلوص من شرك النصارى لا يتم إلا بنفي جميع الصفات عن الله تعالى وبنوا ذلك على:
- أن الصفة غير الموصوف، وغير الذات.
- وأن الصفة لله لا بد أن تكون قديمة.
والنتيجة أن إثبات الصفات لله يلزم منه تعدد القدماء، وهو باطل (١) .
والعجيب أن هؤلاء المعتزلة - وهم أرباب الكلام والبحث في المعقولات - لم تستوعب عقولهم أن الذات لا يمكن أن تنفك عن صفاتها، ومن ثم فلا شبهة ولا تعدد.
ج- فلما جاءت الأشعرية وغيرهم اهتموما ببحث هذه المسألة، وصاروا يستخدمون عبارات معينة عن بيان قدم الذات والصفات، كأن يقولوا: الرب قديم، وصفته قديمة، ولا يقولون: الرب وصفاته قديمان لما في العطف والتثنية من الإشعار بالتغاير، أو يقولون: الرب بصفاته قديم، وهكذا. كما بينوا أن الصفات لا يقال هي الذات ولا غيره، حذرا من هذه الشبهة التي وقع فيها المعتزلة.
وخلاصة الأقوال في الصفة هل هي الموصوف أو غيره هي:
١- قول من يقول: الصفة غير الموصوف، أو الصفات غير الذات، وهذا قول المعتزلة والكرامية، والمعتزلة تنفي الصفات، والكرامية تثبتها (٢) .
_________________
(١) انظر: تفصيل مذهب المعتزلة في المحيط بالتكليف (ص: ١٧٧) وما بعدها، ط مصر، وشرح الأصول الخمسة (ص: ١٩٥-١٩٧)، والمختصر في أصول الدين (١/١٨٢-١٨٣) ضمن رسائل العدل والتوحيد.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٣/٣٣٦) .
[ ٣ / ١٠٩١ ]
٢- قول من يفرق بين الأمرين، ولا يجمع بينهما،فيقول: أنا أقول مفرقا: أن الصفة ليست هي الموصوف وأقول:إنها ليست غير الموصوف ولكن لا أجمع بين السلبين فأقول: ليست الموصوف ولا غيره، لأن الجمع بين النفي فيه من الإيهام ما ليس في التفريق، وهذا قول أبي الحسن الأشعري، الذي يقول على هذا: الموصوف قديم، والصفة قديمة، ولا يقول عند الجمع: قديمان، كما لا يقال عند الجمع: لا هو الموصوف ولا غيره (١) .
٣- جاء بعد الأشعري من الأشاعرة من يجوز الجمع بين السلبين، وصاروا يقولون: ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره، كما صاروا يجوزون إطلاق القول بإثبات قديمين، وصار هؤلاء يردون على المعتزلة الذين قالوا لهم يلزم من ذلك إثبات قديمين بعد ردود منها "أن كونهما قديمين لا يوجب تماثلهما كالسواد والبياض اشتركا في كونهما مخالفين للجوهر، ومع هذا لا يجب تماثلهما وأنه ليس معنى القديم معنى الإله ولأن النبي محدث وصفاته محدثة، وليس إذا كان الموصوف نبيا وجب أن يكون صفاته أنبياء لكونهما محدثة، كذلك لا يجب إذا كانت الصفات قديمة والموصوف بها قديما أن تكون آلهة لكونهما قديمة" (٢)، وهذا قول الباقلاني (٣)، والقاضي أبي يعلى (٤) .
٤- أن هذا الكلام فيه إجمال، وأن لفظ "الغير" فيه إجمال، ومن ثم فلا بد من التفصيل، وهؤلاء لا يقولون عن الصفة: إنها الموصوف ولا يقولون: إنها غيره، ولا يقولون: ليست هي الموصوف ولا غيره. ويلاحظ أن المقصود ليست إثبات قول ثالث كما هو قول الباقلاني والقاضي أبي يعلى الذين قالوا ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره - فإن هذا قول ثالث، بل المقصود
_________________
(١) انظر: الرسائل إلى أهل الثفر (ص: ٧٠-٧١) [وقد نسب إليه ابن فورك في المجرد ص: ٣٨، أنه يقول: لا يقال لصفاته هي هو ولا غيره] وانظر أيضًا: الرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى (٦/٩٦)، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى (١٧/١٦٠)، ودرء التعارض (٥/٤٩) .
(٢) درء التعارض (٥/٥٠)، وقارن بالتدمرية (ص: ١١٨) - المحققة -.
(٣) انظر التمهيد (ص: ٢٠٦-٢٠٧، ٢١٠-٢١٢)، ورسالة الحرة [المطبوعة باسم الإنصاف] (ص: ٣٨) .
(٤) انظر: المعتمد (ص:٤٦) .
[ ٣ / ١٠٩٢ ]
أنه لا ينبغي الإطلاق: نفا وإثباتا، وهم تركوا إطلاق اللفظين لما في ذلك من الإجمال.
وهذا قول جمهور أهل السنة، كالإمام أحمد وغيره، كما أنه قول ابن كلاب (١) .
وهؤلاء قالوا: لفظ "الغير" فيه إجمال:
- فقد يراد به المباين المنفصل، ويعبر عنه بأن الغيرين ما جاز وجود أحدهما وعدمه، أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود.
- وقد يراد بالغير ما ليس هو عين الشيء، ويعبر بأنه ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر (٢) .
وهناك فرق بين الأمرين، وعلى هذا فيفصل الأمر:
١- فإذا قيل: هل الصفات هي الموصوف أو غيره؟ قيل: إن أريد بالغير الأول، وهو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر، فليست الصفة غير الموصوف، وإن أريد بالغير المعنى الثاني - وهو ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر - فالصفة غير الموصوف.
فمن قال: إن الصفة هي الموصوف، قاصد بذلك أنها ليست غيره بالمعنى الأول للفظ الغير، فقوله صحيح، وكذا إن قال: الصفة غير الموصوف قاصدًا بالغير المعنى الثاني فكلامه صحيح أيضًا. وعكس الأمرين باطل، والسلف يقولون بهذا التفصيل، ومن المعلوم أن الموصوف لا تنفك عنه صفاته.
_________________
(١) انظر: جواب أهل العلم والإيمان (١٧/١٥٩-١٦٠)، ودرء التعارض (٢/٢٧٠، ٥/٤٩)، وانظر: مقالات الأشعري (ص: ١٦٩-١٧٠) - ريتر -.
(٢) انظر: درء التعارض (١/٢٨١)، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى (١٧/١٦٠-١٦١)، والمسألة المصرية في القرآن - مجموع الفتاوى (١٢/١٧٠)، والسبعينية (ص: ٩٦-٩٧) - ط الكردي -.
[ ٣ / ١٠٩٣ ]
٢- وإذا قيل: هل الصفات زائدة على الذات، أو هل الصفات هي الذات أو غيرها؟ قالوا: إن أريد بالذات المجردة التي يقر بها نفاة الصفات فالصفات زائدة عليها، وهي غير الذات، وإن أريد بالذات الذات الموجودة في الخارج فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة والصفات ليست زائدة على الذات، ولا غيرها بهذا المعنى.
ومن ذلك يتضح خطأ وصواب من أطلق القول بأن الصفات غير الذات أو هي الذات (١)، على حسب ما في لفظ الغير، الذات من الإجمال.
وبذلك يتبين أرجحية مذهب السلف حين لم يطلقوا الأمرين في ذلك، بل فصلوا واستفصلوا عن المراد، فإن كان حقا قبلوه وإن كان باطلا ردوده (٢) .
* * *
هذه أهم مباحث الصفات التي أثبتها الأشاعرة، وقد خل في إثباتهم - بسبب خوضهم في علم الكلام والفلسفة - كثير من المسائل الفرعية التي خالفوا فيها مذهب السلف.
وإذا كان هذا حالهم في الصفات التي اشتهر عنهم إثباتها، فكيف يكون حالهم في الصفات التي لم يثبتوها، وإنما أولوها أو نفوها؟. هذا ما سيتم توضيحه في المباحث القادمة إن شاء الله.
_________________
(١) لشيخ الإسلام ملاحظة دقيقة هنا، وهي أنه يجب أ، يفرق بين قول القائل: إن الصفات غير الذات وقوله: إنها غير الله، لأن لفظ "الذات" يشعر بمغايرته للصفة، بخلاف اسم "الله" تعالى فإنه متضمن لصفات كماله، وعلى ذلك فإنه لا يقال: إن الصفات غير الله، لما في ذلك من الإيهام. أما القول إنها غير الذات فقد يكون صحيحًا، لما في التعبير بالذات من الإشعار بأن المقصود بالذات المجردة دون صفاتها. انظر: الجواب الصحيح (٣/٣٠٨)، والصفدية (١/١٠٨-١٠٩)، ودرء التعارض (١٠/٧٢) .
(٢) انظر في هذه المسألة: التسعينية (ص: ١٠٨-١٠٩)، والدرء (٢/٢٣٠-٢٣١، ٣/ ٢٠-٢٥، ٥/٣٧-٥٠، ٣٣٨، ٩/١٣٦، ١٠/١٢٠، ٢٣١، ٢٣٥) .
[ ٣ / ١٠٩٤ ]
ثالثًا: الصفات التي نفوها أو أولوها:
سبق في بداية الفصل تفصيل أقوال الأشاعرة في الصفات التي نفوها أو أولوها، مع بيان الفرق بين متقدميهم ومتأخريهم في هذا الباب:
١- فقد تبين أن جميع الأشاعرة ينفون الصفات الاختيارية عن الله وأنه لا فرق في ذلك بين متقدميهم ومتأخريهم.
٢- كما أن أقوالهم في كلام الله والقرآن مرتبطة بهذه المسألة.
٣- كما تبين أن الصفات الخبرية أثبتها المتقدمون وتأولها المتأخرون.
٤- وكذا العلو والاستواء.
والذي استقر عليه المذهب الأشعري تأويل ماعدا الصفات السبع التي أثبتوها (١)، وقد كان جل اهتمام شيخ الإسلام منصبًا على هؤلاء، وكثيرا ما يرد عليهم بأقوال شيوخهم المتقدمين، كما هو واضح في منهجه.
وخطة هذا المبحث يمكن عرضها من خلال المسائل التالية:
المسألة الأولى: بيان حجج الأشاعرة العامة على ما نفوه من الصفات والعلو، وبيان مناقشة شيخ الإسلام لهذه الحجج.
المسألة الثانية: بيان القواعد العامة في ردود شيخ الإسلام على الأشاعرة فيما نفوه من الصفات. ثم مناقشتهم تفصيلا في:
المسألة الثالثة: الصفات الإختيارية [ومسألة حلول الحوادث] .
المسألة الرابعة: الصفات الخبرية.
المسألة الخامسة: العلو.
المسألة السادسة: كلام الله.
ويلاحظ أن بعض هذه المناقشات ستتم الإحالة - منها - على ما سبق ذكره في الفصول والمباحث السابقة.
_________________
(١) مع أن إثباتهم لها فيه ما فيه كما سبق تفصيله.
[ ٣ / ١٠٩٥ ]
المسألة الأولى: حجج الأشاعرة العامة على ما نفوه من الصفات والعلو، ومناقشتها:
لم يكن نفي الأشاعرة لبعض الصفات أو للعلو بناء على موقفهم من نص من نصوص الصفات أو العلو، رأوا أنه لا بد من تأويله، أو أن دلالته غير واضحة، أو غير ذلك من الأمور المتعلقة بتفاصيل الأدلة، وإنما كان نفيهم لذلك وتأويله بناء على أدلة عقلية رأوا أنها دالة على وجوب النفي، وضرورة اللجوء إلى التأويل، ثم أثر تصحيحهم لهذه الأدلة العقلية على موقفهم من الأدلة والنصوص مفصلة.
ويمكن عرض أدلتهم كما يلي:
أولًا: أدلتهم وحججهم العقلية:
وقد ذكر شيخ الإسلام أن جماع أدلتهم حجتان أو ثلاث (١):
أ - حجة الأعراض، والاستدلال بها على حدوث الموصوف بها أو ببعضها كالحركة والسكون، وهذه الحجة مبنية على أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وعلى امتناع حوادث لا أول لها. وهذا هو دليل حدوث الأجسام الذي سبق توضيحه (٢) .
فهؤلاء نفوا الصفات الاختيارية عن الله تعالى بناء على أن إثبات ذلك يقتضي أ، يكون الموصوف جسما، وهذا ممتنع لأن الدليل على إثبات الصانع إنما هو حدوث الأجسام، ولو أثبت الله الصفات لاقتضى ذلك أن جسم قديم، فلا يكون كل جسم حادثا فيبطل دليل إثبات حدوث العالم والعلم بالصانع (٣) .
ب - حجة التجسيم والتركيب، حيث زعموا أن إثبات بعض الصفات كالوجه واليدين، أو الإستواء، أو العلو، أو النزول، أو غيرها، يلزم منه التجسيم، أو التركيب، وبنوا نفي الجسم على أن الأجسام متماثلة فيلزم من إثباتها
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٤/٢٧٢، ٦/١٨٣-١٨٤، ٧/١٤١) .
(٢) في فصل توحيد الألوهية والربوبية.
(٣) انظر: درء التعارض (١/٢٤٧، ٣٠٦، ٥/٢٨٦-٢٨٨، ٧/١٧٨)، نقض التأسيس - مطبوع - (١/١٤٣)، والمسألة المصرية في القرآن - مجموع الفتاوى (١٢/١٨٤-١٨٥) .
[ ٣ / ١٠٩٦ ]
أن يكون الله مثل الأجسام. كما بنوا نفي التركيب على أنه لا بد له من مركب، وعلى أن المركب مفتقر إلى حزئه.
وأصل هذه الشبهة - شبهة التركيب - جاء من عند الفلاسفة والمعتزلة الذين قالوا: إن إثبات الصفات كالسمع والبصر والكلام والقدرة يلزم منه أن يكون مركبا من الذات والصفات (١) .
ج حجة الاختصاص، وخلاصتها أنهم قالوا: إن أجزاء العالم مفتقرة إلى ما يخصصها بما لها من الصفات الجائزة لها، وكل ما كان كذلك فهو محدث. وبنوا ذلك إما على تناهي الأجسام وأنه لا بد لها من شكل معين ومقدار معين، أو على اجتماع الأجسام وافتراقها بناء على مسألة الجواهر الفرد. وقالوا كل ما كان مفتقرا إلى المخصص فهو محدث، فالأجسام والجواهر حادثة (٢) . ثم قال هؤلاء إن اختصاص الباري بالقدر والحد يقتضي مخصصا، واختصاصه بالجهة يقتضي مخصصا، وهذا باطل.
فهذه الحجج الثلاث مبنية على نفي الجسم، وهناك حجة رابعة لا تبني عليه وهي حجة الكمال والنقصان وسيأتي بيانها - إن شاء الله - في مسألة الصفات الاختيارية التي تقوم بالله، أو ما يسمى بحلول الحوادث، لأن هذه الحجة خاصة بها.
ثانيًا: موقفهم من أدلة السمع المثبتة للصفات:
وقد بنوا ذلك على أدلتهم العقلية، السابقة، حيث إنهم قالوا بتقديم العقل على السمع عند التعارض، ومن ثم كان خلاصة موقفهم من الأدلة السمعية التي جاءت بإثبات الصفات التي نفوها أو أولوها:
أ - من ناحية الثبوت - قالوا عن أخبار الآحاد إنها لا يحتج بها في العقيدة.
ب - من ناحية الدلالة - وذلك في مثل دلالة القرآن - الذي لا يشك
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٤/٢٧٢، ٧/١٤١-١٤٢) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٣/٣٥١-٣٥٣) .
[ ٣ / ١٠٩٧ ]
أحد في ثبوته - أو الحديث عند من يرى الاحتجاج به في العقائد - فقد قالوا فيها إنها من المتشابه، وحينئذ فسبيلها أحد أمرين:
- إما التفويض.
- أو التأويل عن طريق المجاز وغيره.
هذه خلاصة حججهم العامة في باب الصفات، وهي كما يلاحظ بنيت على أدلة العقول، وتشبيه الله بخلقه، حيث صاروا يحكمون عليه تعالى وعلى صفاته بما يحكمون به على مخلوقاته، فأدى بهم هذا التشبيه إلى التعطيل.
مناقشة هذه الأدلة:
أولًا: مناقشة الأدلة العقلية:
الدليل الأول: دليل الأعراض وحدوث الأجسام:
أما دليل الأعراض وحدوث الأجسام، فقد سبق بيان فساده، وبطلان مقدماته، وأن كثيرا من الأشاعرة من المتقدمين كالأشعري، والمتأخرين كالرازي بينوا أن هذا الدليل لن تدع إليه الرسل وأن ثبات حدوث العالم لا يتوقف عليه، كما سبق الرد عليهم في استدلالهم بقصة إبراهيم الخليل وقوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (الأنعام: من الآية٧٦) (١) .
الدليل الثاني: دليل التركيب والتجسيم (٢):
وأما دليل التركيب والتجسيم، فهو من أشهر أدلتهم وأكثرها دورانا في كتبهم، وقد بين شيخ الإسلام بطلان حجتهم من خلال الوجوه التالية:
١- أن لفظ الجسم والتركيب فيه إجمال، وهذا الإجمال هو الذي أوقع هؤلاء في التخبط والاضطراب، والإجمال - كما يرى شيخ الإسلام - كثيرا
_________________
(١) انظر الفصل السابق - فصل توحيد الربوبية والألوهية.
(٢) أما حجة "التشبيه" فقد سبقت مناقشتها عند الكلام على الصفات التي أثبتوها وخاصة مسألة "المشترك"، انظر (ص: ١٠٦٠) وما بعدها.
[ ٣ / ١٠٩٨ ]
ما يكون سببا في قول الباطل أو رد الحق، لذلك كان من أصول منهجه ومناقشاته بيان الإجمال في المصطلحات والألفاظ.
ومن ذلك لفظ "الجسم" و"المركب" هنا، القائل: إن إثبات الصفات، أو إثبات الاستواء أول العلو أو النزول أو الوجه أو اليدين وغيرها، يلزم منه التجسيم، أو التركيب.
يقال له: ما تعني بالتجسيم أو التركيب، لأن هناك أقوالًا عديدة في كل منهما:
فالجسم فيه أقوال:
- في اللغة هو البدن والجسد.
- وعند أهل الكلام: قيل: هو المركب من الجوهر الفرد، إما جوهران أو أربعة، أو ستة، أو ثمانية، أو ستة عشر، أو اثنان وثلاثون.
- وقيل: هو المركب من المادة والصورة، كما تقوله الفلاسفة.
- وقيل: هو الموجود أو القائم بنفسه، أو ما يمكن أن يشار غليه.
ولكثرة مناقشات شيخ الإسلام لهذا الإجمال في الجسم فيمكن اختيار النص التالي له، والإشارة في الحاشية إلى المواضع الأخرى التي ذكر فيها هذا الكلام أو نحوه، فإنه قال بعد أن ذكر الأقوال في الجسم: "إذا قال القائل: إن الباري تعالى جسم. قيل له: أتريد أنه مركب من الأجزاء كالذي كان متفرقا فركب؟ أو أنه يقبل التفريق، سواء قيل: اجتمع بنفسه، أو جمعه غيره؟ أو أنه من جنس شيء من المخلوقات؟ أو أنه مركب من المادة والصورة؟ أو من الجواهر المنفردة؟
فإن قال هذا. قيل: هذا باطل.
وإن قال: أريد به أنه موجود أو قائم بنفسه أو أنه موصوف بالصفات، أو أنه يرى في الآخرة، أو أنه يمكن رؤيته، أو أنه مباين للعالم، فوقه، ونحو هذه المعاني الثابتة بالشرع والعقل.
[ ٣ / ١٠٩٩ ]
قيل له: هذه معان صحيحة، ولكن اطلاق هذا اللفظ على هذا بدعة في الشرع، مخالف للغة، فاللفظ إذا حمل المعنى والحق والباطل لم يطلق، بل يجب أن يكون اللفظ مثبتا للحق نافيًا للباطل.
وإذا (١) قال: ليس بجسم.
قيل: أتريد بذلك أنه لم يركبه غيره، ولم يكن أجزاء متفرقة فركب، أو أنه لا يقبل التفريق والتجزئة كالذي ينفصل بعضه عن بعض؟ أو أنه ليس مركبا من الجواهر المنفردة، ولا من المادة والصورة، ونحو هذه المعاني.
أو تردي به شيئًا يستلزم نفي اتصافه بحيث لا يرى، ولا يتكلم بكلام يقوم به، ولا يباين خلقه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا تعرج إليه الملائكة ولا الرسول، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يعلو على شيء، ولا يدنو منه شيء، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين ولا محايث له، ونحو ذلك من المعاني السلبية التي لا يعقل أن يتصف بها إلا المعدوم.
فإن قال: أردت الأول:
قيل: المعنى صحيح، لكن المطلقون لهذا النفي أدخلوا فيه هذه المعاني السلبية، ويجعلون ما يوصف به من صفات الكمال الثبوتية مستلزمة لكونه جسما، فكل ما يذكر من الأمور الوجودية يقولون: هذا تجسيم، ولا ينتفى ما يسمونه تجسميا إلا بالتعطيل المحض؛ ولهذا كل من نفي شيئًا له لمن أثبته: إنه مجسم: فغلاة النفاة من الجهمية والباطنية يقولون لمن أثبت له الأسماء الحسنى: إنه مجسم. ومثبتة الأسماء دون الصفات من المعتزلة ونحوهم يقولون لمن أثبت الصفات: إنه مجسم. ومثبتة الصفات دون ما يقوم به من الأفعال الاختيارية [كالأشاعرة] يقولون لمن أثبت ذلك: إنه مجسم، وكذلك سائر النفاة.
_________________
(١) في طبعة جامعة الإمام من منهاج السنة (٢/١٢١٢) (وإذا) ولعل الألف ساقطة طباعة، وهي على الصواب في الطبعة الأخرى المحققة (٢/١٥٦) - مكتبة دار العروبة.
[ ٣ / ١١٠٠ ]
وكل من نفى ما أثبته الله ورسوله بناء على أن إثباته تجسيم يلزمه فيما أثبته (١) " (٢) .
والتفصيل في الأمور المجملة ومنها الجسم هو منهج السلف رحمهم الله تعالى، مع ترجيحهم عدم إطلاق الألفاظ والمصطلحات غير الواردة في الشرع (٣) .
أما القول بأن الجسم مركب من المادة والصورة فهذا قول الفلاسفة وقد رده جمهور العلماء بما فيهم الأشاعرة.
وأما القول بأن الجسم ما ركب من جوهرين، وأن الأجسام تنتهي إلى جزء لا يتجزأ وهو الجوهر الفرد، فهذا قول جمهور الأشاعرة، وقد أبطله بعض أعلامهم - كما سبق - (٤) كما أبطله وناقشته شيخ الإسلام، وبين أن الراجح أن الأجسام تنتهي إلى الإستحالة، أي تستحيل إلى أجسام أخرى كما هو مفصل في مواضع عديدة من كتبه (٥) .
_________________
(١) في ط جامعة الإمام من منهاج السنة (٢/٢١٤)، وكذا في ط دار العروبة - المحققة - (٢/١٥٧) [فيما أثبته الله ورسوله] ثم ذكر المحقق - ﵀ - أنه هكذا في نسختى (ب) و(أ)، ثم ذكر أن الكلام فيه سقط وحاول إكمال ما بقي من النقص في الحاشية. والذي أرجحه أن عبارة [الله ورسوله] ليست تابعة لقوله [فيما أثبته] لأن سياق العبارة يأباه، ولذلك أوقفت النقل إلى قوله [أثبته] والمعنى عليه واضح والله أعلم.
(٢) منهاج السنة (٢/٢١١-٢١٤)، وانظر أيضًا (ص:٥٤٩) .
(٣) انظر في لفظ "الجسم" وما فيه من الإجمال، والأقوال فيه، ومنهج السلف في إطلاقه: التسعينية (ص: ١٩٢-١٩٣)، نقض التأسيس - مخطوط - (١/١٢١)، ونقض التأسيس - مطبوع - (٢/٤٩٨-٤٩٩)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٤٢٠-٤٣٤)، درء التعارض (٤/١٣٤-١٣٩) - ط جامعة الإمام، والرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى (٦/١٠٢-١٠٤) .
(٤) في فصل "توحيد الألوهية والربوبية".
(٥) انظر في مسألة الجوهر الفرد ورأى شيخ الإسلام في إنقسام الأجسام: منهاج السنة (٢/١٣٩-١٤١) - ط جامعة الإمام، وشرح الأصفهانية (ص: ٣١٥) - ت السعوي، وتفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى (١٧/٢٤٣-٢٤٤، ٢٣٠-٣٢٥)، شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥٠٤٢٤-٤٢٨)، نقض التأسيس - مطبوع - (١/٢٨٠-٢٨١، ٢٨٥-٢٨٦)، درء التعارض (١/٣٠٣، ٢/١٩٠-١٩١، ٣/٣٥٥، ٤٤٢-٤٤٧، ٤/١٨٣-١٨٦، ٥/١٤٥،١٩٦-٢٠٣، ٧/٢٢٠-٢٢٣،٢٣٢-٢٣٤، ٨/٣٢٢-٣٢٥٩.
[ ٣ / ١١٠١ ]
أما "التركيب" ففيه إجمال أيضًا:
فالفلاسفة جعلوه خمسة أنواع: التركيب من الوجود والماهية، والتركيب من العام والخاص، والتركيب من الذات والصفات، وتركيب الجسم من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة (١) .
أما المعاني الأخرى للمركب:
- فقيل هو ما ركبه غيره، كما قال تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار:٨)، ويقال: ركبت الباب، وهذا هو معنى المركب في اللغة.
وقد يقال: المركب: ما كان مفترقا فركبه غيره، كما تركب المصنوعات من الأطعمة والثياب والأبنية، وهذا قريب من السابق.
- وقد يقال: المركب ماله أبعاض مختلفة كأعضاء الإنسان، وإخلاطه، وإن خلق ذلك مجتمعا.
- وقد يقال المركب: ما يقبل التفريق والانفصال وإن كان شيئا بسيطا كالماء.
- وقد يقال المركب: ما يعلم منه شيء دون شيء، كما يعلم كونه قادرا، قبل أن يعلم كونه سميعا بصيرا (٢) .
ويلاحظ ما بين الجسم والمركب من تداخل.
وحينئذ فمن نفى الصفات لأجل شبهة التركيب يقال له: ما تعني بالتركيب؟ إن كنت تقصد به ما ركبه غيره، أو ما كان مفترقا فاجتمع أو ما يمكن تفريق بعضه عن بعضن فلا ريب أن هذا باطل والله منزه عنه.
_________________
(١) انظر: الصفدية (١/١٠٤-١٠٥)، ودرء التعارض (٣/٣٨٩، ٥/١٤٢) .
(٢) انظر: الصفدية (١/١٠٥-١٠٦)، ودرء التعارض (٥/١٤٥-١٤٦) .
[ ٣ / ١١٠٢ ]
أما إن كنت تقصد به ما تميز منه شيء عن شيء، كتميز العلم عن القدرة، وتميز ما يرىمما لا يرى، ونحو ذلك، أو ما ركب من الوجود والماهية، أو من الذات وصفاتها، فهذا حق، لكن تسمية هذا تركيبا إنما هو اصطلاح اصطلحوا عليه ليس موافقا للغة العرب، ولغة أ؛ د من الأمم، وإذا كان مثل هذا مركبا فما من موجود إلا ولا بد أن يعلم منه شيء دون شيء، والجسم الذي له صفات لا يعرف في اللغة إطلاق كونه مركبا، فإن التفاحة التي لها لون وطعم وريح، لا يعرف في اللغة إطلاق كونها مركبة من لونها وطعمها وريحها، كما لا يعلم في اللغة القول: إن الإنسان مركب من الطول والعرض، أو من حياته ونطقه (١)
فحجة الأشاعرة وغيرهم صارت مبنية على مثل هذه الألفاظ المجملة.
والتزام الألفاظ الشرعية، مع الإستفصال عن الإجمال الواقع في المصطلحات الحادثة، هو منهج السلف، وهو المذهب الحق.
٢- إن شبهة التركيب والتجسيم التي اعتمدها جميع النفاة للصفات، سوءا كانوا نفاة لها كلها كالفلاسفة والمعتزلة، أو نفاة لبعضها كالأشاعرة - قد طعن كل فريق في أدلة الفريق الآخر عليها.
وهذا المنهج في الرد المبني على إثبات ردود الخصوم بعضهم على بعض ونقض كل طائفة حجج الطائفة الأخرى - هو منهج فريد، تميز به شيخ الإسلام وقد كان لما حباه الله من إطلاع واسع، وحافظة قوية، وسرعة في البديهة أثر في استحضار الأقوال والنصوص، والاحتجاج بها في مواضعها.
ومن الأمثلة على ردود بعض من يحتج بالتجسيم أو التركيب على بعض:
أأن الغزالي رد على الفلاسفة لما احتجوا بالتركيب على نفي الصفات وقالوا: متى أثبتنا معنى يزيد على مطلق الوجود كان تركيبا، وجعلوا التركيب خمسة أنواع - وقد تقدمت - فرد عليهم وقال: "ومع هذا فإنهم يقولون في الباري تعالى: إنه مبدأ، وأول، وموجود، وجوهر، وواحد، وقديم، وباق،
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٢٨٠-٢٨١، ٥/١٤٦-١٤٧) .
[ ٣ / ١١٠٣ ]
وعالم، وعقل، وعاقل، ومعقول، وفاعل، وخالق، ومريد، وقادر، وحي، وعاشق، ومعشوق، ولذيذ، ومتلذذ، وجواد، وخير محض، فزعموا أن كل ذلك عبارة عن معنى واحد، لا كثرة فيه وهذا من العجائب" (١) .
وقال أيضًا: "وبم عرفتم استحالة الكثرة من هذا الوجه، وأنتم مخالفون من كافة المسلمين سوى المعتزلة، فما البرهان عليه؟ فإن قول القائل: الكثرة محالة في واجب الوجود، مع كون الذات الموصوفة واحدة، يرجع إلى أنه تستحيل كثرة الصفات، وفيه النزاع، وليست استحالة معلومة بالضرورة، فلا بد من البرهان" (٢) . وانظر بقية كلام الغزالي، وتعليق شيخ الإسلام عليه (٣) .
ولما ذكر الغزالي حجة الفلاسفة في نفي التركيب وأنهم قالوا: "إذا أثبتم ذاتا وصفة، وحلولا للصفة بالذات فهو تركيب، وكل تركيب يحتاج إلى مركب؛ ولذلك لم يجز أن يكون الأول حسما لأنه مركب" - قال الغزالي -: "قلنا: قول القائل: كل تركيب يحتاج إلى مركب، كقوله: كل موجود يحتاج إلى موجد - فيقال له: الأول موجود قديم، لا علة له ولا موجد، فكذلك يقال: هو موصوف قديم، العلة لذاته ولا صفاته، ولا لقيام صفته بذاته " (٤)، وقد اعترض ابن رشد على كلام الغزالي في تهافت التهافت ونقله شيخ الإسلام ورد على ابن رشد وانتصر لأبي حامد في رده على الفلاسفة (٥)، ثم قال مخاطبا ابن رشد: "وهذه الطريق هي التي سلكها أبو حامد في مناظرته إخوانك، وهي طريق صحيحة، وقد تبين أن ما ذكره أبو حامد عن احتجاجهم بلفظ "المركب" جواب صحيح" (٦) .
وهذه الحجة التي ردها الغزالي وهي أن المركب لا بد له من مركب هي حجة متأخرى الأشعرية على ما نفوه من الصفات والعلو.
_________________
(١) تهافت الفلاسفة (ص: ١٦٤) - ت دنيا. ط الرابعة، والنص في درء التعارض (٣/٣٩٠-٣٩١) .
(٢) تهافت الفلاسفة (ص: ١٧٢)، ط الرابعة، وانظر درء التعارض (٣/٣٩١) .
(٣) انظر: درء التعارض (٣/٣٩٢) وما بعدها.
(٤) تهافت الفلاسفة (ص: ١٧٦)، وانظر: درء التعارض (٣/٣٩٩) .
(٥) انظر: درء التعارض (٣/٣٩٩-٤٣٧)، وقارن بتهافت التهافت لابن رشد (٢/٥١٦-٥١٩) .
(٦) درء التعارض (٣/٤٣٨) .
[ ٣ / ١١٠٤ ]
ب كما أن الغزالي رد على الفلاسفة في مسألة الجسم، وبين أنه لا دليل لهم على نفيه (١) إلا بالاستدلال على حدوث الجسم، ثم إن الغزالي والأشعري وغيرها قد بينوا فساد ما احتجت به المعتزلة على حدوث الأجسام، والرازي أيضًا بين فساد هذا الدليل في المباحث الشرقية والمطالب العالية (٢)، وبذلك يتبين أنه لا دليل للفلاسفة على نفي الجسم مطلقًا.
يقول الغزالي في رده على الفلاسفة: "مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم، فنقول: هذا وإنما يستقيم لمن يرى أن الجسم حادث، من حيث إنه لا يخلو من الحوادث، وكل حادث فيفتقر إلى محدث، فأما أنتم إذا عقلتم جسما قديما، لا أول لوجوده، مع أنه لا يخلو من الحوادث، فلم يمتنع أ، يكون الأول جسما، إما الشمس وإما الفلك الأقصى، وإما غيره" ثم ذكر حجتهم وردها فقال: "فإن قيل: لأن الجسم لا يكون إلا مركبا منقسما إلى جزأين، بالكمية، وإلى الهيولي والصورة بالقسمة المعنوية، وإلى أوصاف يختص بها لا محالة حتى يباين سائر الأجسام وإلا فالأجسام متساوية في أنها أجسام، وواجب الوجود واحد لا يقبل القسمة بهذه الوجوه كلها.
قلنا: وقد أبطلنا هذا عليكم [أي في مسألة التركيب السابقة] وبينا أنه لا دليل لكم عليه، سوى أن المجتمع إذا افتقر بعض أجزائه إلى البعض كان معلولا، وقد تكلمنا عليه، وبينا أنه إذا لم يبعد تقدير موجود لا موجد (٣) له، لم يبعد تقدير مركب لا مركب له، وتقدير موجودات لا موجد لها" (٤) .
فالغزالي بين أنه لا دليل للفلاسفة على نفي الجسم، ثم هو وأصحابه بينوا أن دليلهم المشهور على نفي الجسم دليل فاسد.
_________________
(١) بل إن الجويني عقد فصلا في الشامل (ص: ٤١٤) مشتملا على ذكر عجز المعتزلة عن نصب الأدلة على استحالة كون القديم جسما. وكأن نفيه عندهم من المفاخر!!
(٢) انظر: درء التعارض (٤/٢٨٩-٢٩٠) .
(٣) في درء التعارض [موجود] وهو خطأ مطبعي.
(٤) تهافت الفلاسفة (ص: ١٩٣)، وقارن بالدرء (٤/٢٨٤-٢٨٥)، انظر أيضًا: درء التعارض (١٠/٢٣٧)، ومجموع الفتاوى (٥/٢٩٠) .
[ ٣ / ١١٠٥ ]
ج ومن الذين تناقضوا في مسألة "التركيب" الآمدي، وبيان ذلك أن الآمدي والأشاعرة جعلوا إثبات واجب الوجود موقوفا على إبطال التسلسل، فرد عليهم الفلاسفة بأن الممكن لا بد له من مرجح مؤثر، ثم إما أن يتسلسل الأمر حتى يكون لكل مرجح ممكن، فتتسلسل العلل والمعلومات الممكنة، أو ينتهي الأمر إلى واجب بنفسه. وقالت الفلاسفة: لم لا يجوز أن يكون التسلسل جائزًا؟ فلما رد عليهم الأشاعرة وغيرهم وجميع الناس بأن التسلسل باطل ضرورة انتهاء الحوادث إلى واجب بنفسه، قالت الفلاسفة - وهو من أعظم أسولتهم: لم لا يكون المجموع [أي مجموع الحوادث] واجبًا بأجزائه المتسلسلة، وكل منها واجب بالآخر؟ ومضمونه: وجوب وجود أمور ممكنة بنفسها، ليس فيها ما هو موجود واجب بنفسه لكن كل منها معلول للآخر، والمجموع معلول بالأجزاء (١) .
وهذا السؤال ذكره الآمدي، وذكر أنه لا يستطيع أن يجيب عنه بل قال عنه: وهذا إشكال مشكل، وربما يكون عند غيري حله (٢) .
هذا في واجب الوجود، أما في إثبات العلو والصفات فإن الآمدي يرى أن هذا يلزم منه التركيب والمركب يستلزم أجزاءه. ولم يقل كقوله هناك لم لا يكون المجموع واجبًا بنفسه؟
يقول شيخ الإسلام معلقا على هذا ومتعجبا منه: "وهؤلاء قلبوا الحقائق العقلية فقالوا: إذا اجتمعت واجبات بأنفسها صارت ممكنة وإذا اجتمعت ممكنات بأنفسها صارت ممكنة وإذا اجتمعت ممكنات بأنفسها صارت واجبة. فإذا تكلموا في نفي الصفات الواجبة لله، جعلوا كون المركب يستلزم أجزاءه موجبا لامتناع المركب الذي جعلوه مانعا من العلو والتجسيم ومن ثبوت الصفات، ولا يوردون على أنفسهم، ما أوردوه في إثبات واجب الوجود. وإيراده هنا أولى لأن فيه مطابقة لسائر أدلة العقل، مع تصديق ما جاءت به الرسل، وما في ذلك من إثبات صفات الكمال لله تعالى، بل وإثبات حقيقته التي
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٤/٢٣٢-٢٣٣) .
(٢) انظر: المصدر السابق - نفس الجزء والصفحة - وانظر أيضا: درء التعارض (٣/٩٥، ١٤٧، ١٧٥، ٢٧٢) .
[ ٣ / ١١٠٦ ]
لا يكون موجودا إلا بها، فكان يمكنهم أن يقولوا: لم لا يجوز أن يكون المجموع الواجب، أو المركب الواجب، أو الجملة الواجبة، واجبة بوجوب كل جزء من أجزائها، التي هي واجبة بنفسها لا تقبل العدم؟. وكان هذا خيرًا من أن يقولوا: لم لا يجوز أن يكون المجموع، الذي كل من أجزائه ممكن بنفسه هو واجبا بنفسه، أو واجبا بأجزائه؟.
وهذا الآمدى - مع أنه من أفضل من تكلم من أبناء جنسه في هذه الأمور، وأعرفهم بالكلام والفلسفة - اضطرب وعجز عن الجواب عن هذه الشبهة الداحضة القادحة في إثبات واجب الوجود، وهو دائما يحتج بنظيرها الذي هو أضعف منها على نفي العلو وغيره من الأمور الثابتة بالشرع والعقل، ويقول: إن ذلك يستلزم التجسيم، وإن المخالفين في الجسم جهال.
ولو أعطى النظر حقه لعلم إن الجهل المركب، فضلا عن البسيط أجدر بمن سلنك مثل تلك الطريق" (١) .
د كما أن الآمدي تناقض مرة أخرى في مسألة الوجود والماهية، حيث "جوز أن يكون الوجود الواجب مفتقرا إلى الماهية، وذكر أن الواجب بنفسه هو الذي لا يفتقر إلى المؤثر، ليس هو الذي لا يفتقر إلى الغير، وإن كونه ممكنا - بمعنى افتقاره إلى الغير لا إلى المؤثر - هو الإمكان الذي يوصف به الوجود الواجب المفتقر إلى الماهية".
قال شيخ الإسلام: "وهذا الذي قاله هو بعينه يقال له فيما ذكره هنا [أي في نفي الجسم بناء على نفي التركيب] حيث قال: "إن المجموع مفتقر إلى كل أجزائه، والمفتقر إلى الغي لا يكون واجبا بنفسه لأنه ممكن" (٢) .
وكذلك تناقض في حجته الثانية على التركيب، وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام (٣)، وكان من تناقضه أيضًا أنه في مسألة دليل حدوث العالم الذي
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٤/٢٣٣-٢٣٥) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٤/٢٣٩) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٤/٢٤٥-٢٤٦) .
[ ٣ / ١١٠٧ ]
احتج به أصحابه الأشاعرة وهو مبني على أن العالم ممكن الوجود بذاته، وكل ممكن بذاته فهو محدث، وتقرير الإمكان أن أجسام العالم مؤلفه مركبة، وكل ما كان مركبا مؤلفا فهو مفتقر إلى أجزائه، وكل مفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بذاته. وبعد أن ساق الآمدي هذا الدليل ضعفه وقال: "وقولهم: إن العالم مركب، مسلم، ولكن ما المانع أن تكون أجزاؤه واجبة؟ وما ذكروه من الدلالة فقد بينا ضعفها في مسألة الوحدانية" (١) . قال شيخ الإسلام معلقا: "فهنا لما احتجوا بهذه الدلالة على حدوث العالم ذكر ضعفها، وأحال على ما ذكره في الوحدانية، فكيف يحتج بها بعينها في مثل هذا المطلوب بعينه، وهو كون الأجسام ممكنة لأنها مركبة، ويحيل على ما ذكره في التوحيد.
ومعلوم أنه لو أبطلها حيث تعارض نصوص الكتاب والسنة، واعتمد عليها حيث لا تناقض ذلك، لكان - مع مافيه من التناقض - أقرب إلى العقل والدين من أن يحتج بها في نفي لوازم نصوص الكتاب والسنة، ويبطلها حيث لا تخالف نصوص الأنبياء" (٢) .
وخلاصة تناقض الآمدي هنا: أنه في مسألة إثبات أن الله واحد احتج الفلاسفة بأنه لو كان هناك الهان للزم التركيب - كما ذكروا في سياق دليلهم (٣)، فاعترض عليهم الآمدي بأن هذا ضعيف محتجا عليهم بأنه إذا كان إثبات الصفات لواجب الوجود لا يلزم منه التركيب، لأن العذر فيهما واحد (٤) .
يقول شيخ الإسلام معلقا على هذا - بأسى بالغ -: "ومن أعجب خذلان المخالفين للسنة وتضعيفهم للحجة إذا نصر بها حق، وتفويتها إذا نصر بها باطل: أن حجة الفلاسفة على التوحيد قد أبطلها لما استدلوا بها على أن الإله واحد - والمدلول حق لا ريب فيه، وإن قدر ضعف الحجة.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٤/٢٤٧-٢٤٨) .
(٢) انظر: المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(٣) انظر نص دليلهم في درء التعارض (٤/٢٤٨-٢٥٠) .
(٤) انظر: المصدر السابق (٤/٢٥٠-٢٥١) .
[ ٣ / ١١٠٨ ]
ثم إنه يحتج بها بعينها على نفي لوازم علوا الله على خلقه، بل ما يستلزم تعطيل ذاته، فيجعلها حجة فيما يستلزم التعطيل، ويبطلها إذا احتج على التوحيد" (١) .
هـ - والفخر الرازي رد على الفلاسفة في مسألة التركيب، وبين أنه حتى قولهم بالصور العقلية فيه تركيب. وقد أيده شيخ الإسلام مع بيانه أن الرازي لم يجب عن شبهة التركيب وبيان فسادها (٢) .
ومن خلال الأمثلة السابقة يتبين كيف أن مسألة التجسيم أو التركيب عند هؤلاء ليست من الأمور العقلية الثابتة والمستقرة الواضحة - ولذلك يرد بعضهم على بعض، بل يتناقض الواحد منهم في كلامه - وإنما هي شبه تلقفوها عن أسلافهم من الفلاسفة والمعتزلة، وصاروا يحتجون بها على ما يريدون نفيه من العلو أو الصفات.
٣- أما حجج الأشاعرة على نفي الجسم: فإن شيخ الإسلام قد بين أولا ما في ذلك من الإجمال والاشتباه، وأن النزاع بين مثبتيه ونفاته من ناحية اللفظ، ومن ناحية المعنى.
أما من ناحية اللفظ: فقد رد شيخ الإسلام على الآمدي وغيره حين منعوا من إطلاق لفظ الجسم والجواهر، مع أنهم يطلقون أيضًا لفظ: قديم، وواجب الوجود، وذات، وغيرها مما لم يرد به الشرع، فكما أنه من نازع الأشعري في إثبات قدم الباري أو وجوب وجوده، قال رادا عليه مخبرا عما يستحقه: إن الله قديم واجب الوجود، فكذلك بعض مثبتة الصفات، إذا نفي أحد الصفات عن الله ضمن نفيه للجسم أو الجوهر فإنه يقول رادا عليه: إنه جسم أو جوهر.
وهذا مثل لفظ قديم، وواجب الوجود، وذات. سواء بسواء.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٤/٢٥٢) .
(٢) انظر: شرح الأصفهانية (ص: ٧٠-٧١) - ت السعوي، وانظر: درء التعارض (٦/٢٩٥) .
[ ٣ / ١١٠٩ ]
وإذا كان الأمر كذلك كان الأولى أن يكون الفيصل في ذلك التزام ما أورده الشارع في الصفات، والسكوت عما سكت عنه، والتفريق في الأسماء الحسنى بينا ما يخبر عنه، وما يدعي به (١) .
وأما من ناحية المعنى: فإن النزاع بين مثبتة الجوهر والجسم، ونفاته يقع في ثلاثة أشياء:
الأولى: في تماثل الأجسام والجواهر، على قولين. فمن قال إنها متماثلة، قال كل من قال بها قال بالتجسيم. ومن قال إنها غير متماثلة لم يلزمه ذلك.
فالذين ألزموا من قال بالتجسيم بأنهم مشبهة بناء على اعتقادهم أن الأجسام متماثلة. لكن هذا لا يلزم أولئك لأنهم يقولون إنها غير متماثلة، ولا يجوز إلزامهم بما لم يلتزموه.
والثاني: أنهم تنازعوا في مسمى الجسم - كما سبق - وكل من فسر الجسم بتفسير - ككونه مركبا من المادة والصورة، أو من الجواهر المفردة - ألزم من قال بالجسم بالتفسير الذي قصده هو، لكن خصمه ينفي هذا المعنى الذي فسر به الجسم كما ينفي اللزوم الذي ألزمه به. بل قد يكون في المجسمة من يقول: إنه جسم مركب من الجواهر المنفردة، ويقول لا دليل على نفي ذلك ولا على امتناعه.
الثالث: وهناك نزاع في أمور أخرى، مثل كونه تعالى فوق العالم، أو كونه ذا قدر، أو كونه متصفا بصفات قائمة به. فنفاتها يقولون لا تقوم هذه إلا بجسم، والمعارضون لهم من المثبتة ينازعونهم في انتفاء هذا المعنى الذي سموه جسما، وهم إما أن يقولوا: لا يلزم منها التجسيم، أو يقولوا بها وإن لزم التجسيم (٢) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٤/١٣٩-١٤٠) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٤/١٤٧-١٤٩) .
[ ٣ / ١١١٠ ]
وقد ذكر شيخ الإسلام أدلة الآمدي الثانية على نفي الجسم والجوهر - أربعة للجسم وأربعة للجوهر - وناقشها كلها وبين ما فيها من الفساد (١) . وذكر في الوجه الرابع من الأوجه المختصة بالجسم ما يتعلق بذلك من التركيب، وذكر وجهين في ذلك ناقشهما أيضًا شيخ الإسلام (٢)، مبينا أن استلزام الذات للوازمها من الصفات لازم لجميع الطوائف، متفلسفة، ومعتزلة وأشاعرة، سواء سمى ذلك تركيبًا أو لم يسم، أو سمي افتقارًا أو لم يسم (٣) .
٤- ومن حجج نفاة التركيب المشهورة: أن المركب مفتقر إلى جزئه، وهو محال على الله، وقد بين شيخ الإسلام ما في لفظ "الافتقار" من الإجمال فقال: "ولفظ الافتقار هنا. أن أريد به افتقار المعلول إلى علته كان باطلا، وإن أريد به افتقار المشروط إلى شرطه - فهذا تلازم من الجانبين، وليس ذلك ممتنعا. والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقرا إلى ما هو خارج عن نفسه، فأما ما كان صفة لازمة لذاته، وهو داخل في مسمى اسمه فقول القائل: إنه مفتقر إليها، كقوله: إنه مفتقر إلى نفسه، فإن القائل إذا قال: دعوت الله، أو عبدت الله، كان اسم "الله" متناولا للذات المتصفة بصفاتها، ليس اسم "الله" اسما للذات مجردة من صفاتها اللازمة لها.
وحقيقة ذلك أن لا تكون نفسه إلا بنفسه، ولا تكون ذات إلا بصفاته، ولا تكون نفسه إلا بما هو داخل في مسمى اسمها، وهذا حق. ولكن قول القائل: إن هذا افتقار إلى غيره، تلبيس، فإن ذلك يشرع أنه مفتقر إلى ما هو منفصل عنه، وهذا باطل (٤) ولفظ الافتقار مثل لفظ الغير، ومثل لفظ الانقسام والجزء والتحيز وغيرها كلها ألفاظ مجملة، محتملة للحق والباطل. وتسمية الحق باسم الباطل لا ينبغي أن يؤدي إلى ترك الحق، بل لا بد من الاستفصال (٥) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٤/١٤٩-٢٣١) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٤/٢١٩) وما بعدها، (٤/٢٤٥) وما بعدها.
(٣) انظر: المصدر نفسه (٤/٢٢١-٢٢٢) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (١/٢٨٢) .
(٥) انظر: المصدر نفسه (٦/٢٩٦-٢٩٩) .
[ ٣ / ١١١١ ]
٥- والذين يدعون أن في إثبات العلو أو الوجد واليدين تركيبا، يرد عليهم بأنه يلزمهم التركيب فيما أثبتوه من الصفات كالحياة والعلم، يقول شيخ الإسلام: "فإن قال من أثبت هذه الصفات التي هي فينا أعراض كالحياة والعلم والقدرة، ولم يثبت ما هو فينا أبعاض كاليد والقدم: هذه أجزاء وأبعاض تستلزم التركيب والتجسيم.
قيل له: وتلك أعراض تستلزم التجسيم والتركيب العقلي، كما استلزمت هذه عندك التركيب الحسي، فإن أثبت تلك على وجه لا تكون أعراضا، أو تسميتها أعراضا لا يمنع ثبوتها، قيل له: وأثبت هذه على وجه لا تكون تركيبا وأبعاضا، أو تسميتها تركيبا وأبعاضا لا يمنع ثبوتها.
فإن قيل: هذه لا يعقل منها إلا الأجزاء. قيل له: وتلك لا يعقل منها إلا الأعراض.
فإن قال: العرض مالا يبقى وصفات الرب باقية.
قيل: والبعض ما جاز انفصاله عن الجملة، وذلك في حق الله محال، فمفارقة الصفات القديمة مستحيلة في حق الله تعالى مطلقا، والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه.
فإن قال: ذلك تجسيم، والتجسيم منتف. قيل: وهذا تجسيم، والتجسيم منتف".
وهذا منهج - في الإلزام - قوي، كثيرا ما يستخدمه شيخ الإسلام مع نفاة بعض الصفات خاصة.
٦- ومما سبق يتبين أن أدلة هؤلاء على نفي التجسيم والتركيب - وإدخالهم في مسمى ذلك علو الله وصفاته، أو بعضها - هي أدلة عقلية فاسدة، ومن أظهر الأدلة على فسادها طعنهم فيها، وطعن بعضهم في أدلة بعض.
ويكفي في بيان فسادها مخالفتها لنصوص الكتاب والسنة التي دلت وتواترت على إثبات علو الله وصفاته اللائقة به، ولكن هؤلاء الأشاعرة
[ ٣ / ١١١٢ ]
- لخوضهم في علوم الفلسفة والكلام وثقتهم فيها - ظنوا أن مثل هذه الشبه الباهتة الهزيلة صحيحة، فقدموها على نصوص الوحي الواضحة.
وإذا كان هؤلاء المتكلمون قد استدلوا على حدوث الأجسام بقصة الخليل، وقوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (الأنعام: من الآية٧٦) - وقد سبق الرد على استدلالهم بها بالتفصيل - فإن منهم من احتج أيضًا على نفي التجسيم - وأنه لازم للاستواء على العرش - بقوله تعالى في قصة موسى والسامري حيث قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ (لأعراف: من الآية١٤٨)، وقالوا في احتجاجهم بها: ذم الله من اتخذ إلها جسدا، والجسد هو الجسم، فيكون الله قد ذم من اتخذ إلها هو جسم، وإثبات هذه الصفات - كالاستواء وغيره - يستلزم أن يكون جسما، وهذا منتف بهذا الدليل الشرعي (١) .
وقد رد شيخ الإسلام على هذا الاستدلال من عشرة أوجه، منها:
أأن هذا إنما دل على نفي أن يكون جسدا، والجسم في اصطلاح نفاة الصفات أعم من الجسد. وذكر شيخ الإسلام تفصيلات لغوية، وبين أنه لا دليل لهم في ذلك، وهو على كل تقدير من الألفاظ المجملة ولا بد من الاستفصال فيها.
ب أن الله منزه أن يكون من جنس شيء من المخلوقات، من بني آدم أو من الحيوانات أو غيرها، والله تعالى ذكر أن العجل كان جسدا بمعنى أنه لا حياة فيه - وقد قيل إنه خار خورة - والمقصود أنه كان مسلوب الحياة والحركة، وهذا أشد في النقص. ولو أخرج لهم عجلا كسائر العجول، أو آدميا أو فرسا حيا لكان أيضا له بدن وجسم، ولكانت الفتنة به أشد.
ت أن الله تعالى قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ (لأعراف: من الآية١٤٨) "فلم يذكر فيما عابه كونه ذا جسد، ولكن ذكر فيما عابه به أنه لا يكلمهم
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٥/٢١٣) .
[ ٣ / ١١١٣ ]
ولا يهديهم سبيلا، ولو كان مجرد كونه ذا بدن عيبا ونقصا لذكر ذلك، فعلم أن الآية تدل علىنقص حجة من يحتج بها على أن كون الشيء ذا بدن عيبا ونقصا. وهذه الحجة تطير احتجاجهم بالأقوال فإنهم غيروا معناه في اللغة، وجعلوه الحركة، فظنوا أن إبراهيم احتج بذلك على كونه ليس رب العالمين، ولو كان كما ذكروه لكان حجة عليهم لا لهم" (١) .
ث أن الله ذكر أن العجل كان جسدا، وأن له خوارا، والخوار هو الصوت، وخوار الثور صوته، فلو كان الصوت لبيان نقصه لذكره مع الجسد، ولبطل الاستدلال بآخر الآية وهي قوله ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾، فإن تكليمه لو كلمهم لكان بصوت يسمعونه.
فعلم أن التصويت لم يكن صفة نقص فكذلك ذكر الجسد. فصارت الآية دالة على نقيض قولهم. وهذا واضح.
ج "أن الله تعالى ذكر عن الخليل - - ﷺ - أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (مريم: من الآية٤٢)، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: من الآية ٧٢-٧٤) فاحتج على نفي إلهيتها بكونها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، مع كون كل منهما له بدن وجسم، سواء كان حجرًا أو غيره.
فلو كان مجرد هذا الاحتجاج كافيًا لذكره إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام، بل إنما احتجوا بمثل ما احتج الله به من نفي صفات الكمال عنها: كالتكلم والقدرة والحركة وغير ذلك (٢) ".
و"أنه إذا كان كل جسم جسدا، وكل ما عبد من دون الله تعالى من الشمس والقمر والكواكب والأوثان وغير ذلك: أجساما، وهي أجساد فإن كان الله ذكر هذا في العجل لينفي به عنه الإلهية: لزم أن يطرد هذا الدليل
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٥/٢٢٠) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/٢٢٢) .
[ ٣ / ١١١٤ ]
في جميع المعبودات. ومعلوم أ، الله لم يذكر هذا في غير العجل، [إنما] (١) ذكر كونه جسدا لبيان سبب إفتتانهم به، لا أنه جعل ذلك هو الحجة عليهم، بل احتج عليهم بكون لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا" (٢) .
ي أن أدلة الكتاب والسنة على إثبات العلو والاستواء أكثر من أن تحصر، ودلالتها على ذلك جلية بينة مفهومة، وحينئذ فيقال:
- إن كان إثبات هذا يستلزم أن الله جسم وجسد، لم يمكن دفع موجب هذه النصوص بما ذكر من قصة العجل، لأن ليس فيها أن كونه جسدًا هو النقص الذي عابه الله وجعله مانعا من إلهيته.
- وإن كانت إثبات الاستواء والعلو لا يستلزم أن يكون الله جسدا أو جسما، بطل أصل استدلالهم على أن إثباتهم يقتضي التجسيم (٣) .
وبهذه الأوجه وغيرها يتبين بطلان احتجاجهم بهذه الآية.
الدليل الثالث: دليل الاختصاص:
وهذا الأدلة العقلية للأشاعرة على نفي العلو وغيره من الصفات، وقد ذكر شيخ الإسلام أن هذا الدليل يمكن ارجاعه إلى الدليل الأول الذي هو دليل الأعراض (٤) .
وخلاف هذا الدليل - كما سبق - أن كل جسم فهو متناه، وكل متناه فله شكل معين ومقدار معين، وحيز معين، قالوا وكل ماله شكل ومقدار وحيز معين فلا بد له من مخصص يخصصه به. وشرحوا ذلك بأن كل جسم يعلم بالضرورة أنه لا يجوز أن يكون على مقدار أكبر أو أصغر مما هو عليه، أو شكل غير شكله، أو حير غير حيزه إما متيامنا عنه أو متياسرا. وإذا كان كذلك
_________________
(١) في مجموع الفتاوى [إنه] ولعل الصواب ما أثبت.
(٢) مجموع الفتاوى (٥/٢٢٣) .
(٣) انظر عما سبق من الأوجه وغيرها، مجموع الفتاوى (٥/٢١٣-٢٢٥) .
(٤) انظر: الدرء (٧/١٤١) .
[ ٣ / ١١١٥ ]
فلا بد له من مخصص يخصصه بما يخصص به. ثم قالوا: كل مفتقر إلى المخصص فهو محدث وبيان ذلك أن المخصص لا بد أن يكون فاعلا مختارا، وأن يكون ما يخصصه حادثا (١) .
وغرضهم من هذا الدليل أن يقولوا: إن اختصاص الله تعالى بجهة العلو، والاستواء، وأنه مباين للعالم، يفتقر إلى مخصص، وهو محال على الله.
وقد رد عليهم شيخ الإسلام من خلال ما يلي:
١- أن الآمدي نفسه - الذي أورد هذا الدليل - قد ضعفه فقال: "وهذا المسلك ضعيف أيضًا، إذ لقائل أن يقول: المقدمة الأولى وإن كانت مسلمة غير أن المقدمة الثانية وهي أن كل مفتقر إلى المخصص محدث، ممنوعة" (٢) واحتج بجواز أ، تكون الصفات متعاقبة على الجواهر والأجسام إلى غير النهاية، وقد علق شيخ الإسلام على هذا بأن هذا المسلك أضعف من مسلك الحركة والسكون، لأن هذا يفتقر إلى ما يفتقر إليه ذاك من غير عكس، ثم إن كليهما مفتقر إلى بيان امتناع حوادث متعاقبة دائمة، وقد سبق بيان ذلك في مسألة حوادث لا أول لها (٣) .
٢- أن قولهم لا بد له من قدر، أكثر العقلاء سلموا به، أما قولهم لا بد له من اجتمع وافتراق فهو مبني على مسألة الجوهر الفرد، وأكثر العقلاء - ومنهم كثير من الأشاعرة - ينكرونه.
ثم بعد ذلك يقال في مسألة "القدر" ما يقال في مسألة الصفات، لأن القدر صفة من صفات ذي القدر، كلونه وحياته وقدرته وسمعه وبصره وغيرها، "فإذا قال القائل: كل ذي قدر يمكن أن يكون قدره على خلاف ما هو عليه، كان بمنزلة أن يقول: كل موصوف يمكن أن يكون موصوفا بخلاف صفته، فإذا عرضنا على عقولنا ما نعلمه من الموجودات التي لها أقدار وصفات، كان تجويزنا لكونها على خلاف أقدارها كتجويزنا هلا أن تكون عل خلاف صفاتها،
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٣/٣٥١-٣٥٤) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٣/٣٥٤)، وانظر أيضا (٤/٢٦٩) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٣/٣٥٤-٣٥٥) .
[ ٣ / ١١١٦ ]
بل القدر من الصفات" (١) .
وهذه مسألة واضحة، لأن كل موجود لا بد له من قدر وصفة، فما يقال في أحدهما يقال في الآخر. والأشاعرة الذين فرقوا بينهما لأجل أن القدر يلزم منه نوع تجسيم إنما هذا تصور منهم، وإلا فلا فرق بينه وبين الصفة، فلو سلمت حجتهم في القدر لسلمت حجة الفلاسفة والمعتزلة في الصفات وأنه يلزم منها التجسيم.
ولهذا لم يفرق الرازي في إثبات الصانع بين القدر وغيره (٢) .
٣- أن قول القائل: كل ذي قدر يمكن أن يكون أكبر أو أصغر، أو أن كل ذي وصف يمكن أن يكون بخلاف ذلك الوصف، ونحو ذلك. يقال له: أتريد الإمكان الذهني، أو الإمكان الخارجي؟ والفرق بينهما أن الإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع، والإمكان الخارجي معناه: العلم بالإمكان في الخارج.
"فإن قال: أريد به الإمكان الذهني، لم ينفعه ذلك، لأن غايته عدم العلم بامتناع كون تلك الصفة واجبة.. وإن قال: أريد الإمكان الخارجي، وهو أني أعلم أ، كل موصوف بصفة، أو كل ذي قدر يمكن أن يكون بخلاف ذلك، كان مجازفا في هذا الكلام؛ لأن هذه قضية كليلة تتناول من الأفراد ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وليس معه دليل يدل على إمكان ذلك في الخارج يتناول جميع هذه الأفراد. غايته أنه رأى بعض الموصوفات والمقدرات يقبل خلاف ما هو عليه، فإذا قاس الغائب على الشاهد كان هذا من أفسد القياس لاختلاف الحقائق.
ولأن هذا ينعكس عليه فيقال له: لم نر إلا ماله صفة وقدر، فيقاس الغائب على الشاهد. ويقال: كل قائم بنفسه فله صفة وقدر، وهذا إلى المعقول أقرب من قياسهم، فإن هذا لا يعلم انتقاضه، وأما قول القائل: كل ماله صفة وقد رفيقبل خلاف ذلك فلا يعلم اطراده، فأين القياس الذي لا يعلم انتقاضه من القياس الذي لا يعلم اطراده؟.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٣/٣٥٦) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٣/٣٥٨) .
[ ٣ / ١١١٧ ]
والناس متفقون على أنهم لم يروا موجودا إلا له قدر وصفة، وليسوا متفقين على أن كل ما رأوه يمكن وجوده على خلاف صفاته وقدره" (١) .
ويلاحظ هنا أن قود مقالتهم هذه في إنكار القدر يؤدي إما إلى إنكار الخالق، أو إنكار أي صفة له، وملاحدة الصوفية الذين قالوا بوحدة الوجود إنما قالوا بذلك لما رأوا تناقض هؤلاء، مثل قولهم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وإنكار علو الله وبينونته عن خلقه.
وقولهم في "القدر" معارض بالحقائق في نفسها وصفاتها اللازمة لها، "فإن يمكن أ، يقال: كل موجود له حقيقة تخصه يمتاز بها عن غيره، فاختصاص ذلك الموجود بتلك الحقيقة دون غيرها من الحقائق يفتقر إلى مخصص. ويقال أيضا: كل موجود له صفات لازمة تخصه فاختصاصه بتلك الصفات دون غيرها يفتقر إلى مخصص" (٢) .
٤- أن قولهم هذا يلزم في إثبات واجب الوجود، لأنه إذا كان من المعلوم بضرورة العقل واتفاق العقلاء أن هناك:
- واجب الوجود بنفسه، قديم أزلي.
- وممكن الوجود، محدث.
فإنه كان كلاهما موجودا، وواجب الوجود يختص بما لا يشركه فيه غيره، بل له ذات وحقيقة تخصه لا يشركه فيها غيره، فعلى قاعدة هؤلاء أن كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين له - يلزم أن يقال هذا في واجب الوجود، ويقال: اختصاص واجب الوجود بما اختص به لا بد له من مخصص. فيلزم تعطيل وجود الخالق وأن تكون الموجودات كلها ممكنة. وهذا ظاهر الفساد ضرورة (٣) .
"وبالجملة اختصاص الشيء بما هو عليه من خصائصه، كاختصاصه بنفسه ووجوده، وصفاته كلها، لازمها وعارضها، فقول القائل: كل مختص
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٣/٣٥٩-٣٦٠) .
(٢) انظر: المصدر الاسبق (٣/٣٦٠) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٣/٣٦٠-٣٦٤) .
[ ٣ / ١١١٨ ]
لا بد له من مخصص مباين له، كقوله: كل موجود فلا بد له من موجد مباين له، وكل حقيقة فلا بد لها من محق مباين لها، وكل قائم بنفسه فلا بد له من مقوم مباين، وأمثال ذلك" (١) .
٥- إن هؤلاء متناقضون، لأنهم في مسألة وجود المحدثات والكائنات بعد أن لم توجد، إذا قيل لهم: لم لم توجد قبل وقت وجودها، أو لم لم تكن أكبر أو أصغر مما هي عليه، أجابوا وقالوا: القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مخصص. وحينئذ فيقال لهم: "هذا مع بطلانه يوجب تناقضكم؛ فإنكم قلتم: لا بد للتخصيص من مخصص، ثم قلتم: كل الممكنات مخصصة ووجدت بدون مخصص، بل رجح أحد المتماثلين على الآخر من غير مخصص.
وإذا جوزتم في الممكنات وجود المخصصات بدون مخصص، مع أن نسبة القادرة إلهيا نسبة واحدة، فالموجود بنفسه أولى أن يستغنى عن مخصص مما اختص به من ذاته وصفاته " (٢) .
وهذا تناقض ومحل إلزام لا محيد لهم عنه، فإن النصوص إذا وردت بإثبات صفاته وأنه على العرش استوى، وأنه في جهة العلو بائن من خلقه، وجب إثبات ذلك، فإذا اعترضوا بأن هذا يلزم منه أن يكون له قدر، واختصاصه بهذا القدر لا بد له من مخصص، كان هذا متناقضا مع قولهم في وجود المخلوقات وأنها لم توجد أكبر أو أصغر مما هي عليه بدون مخصص.
٦- ومن أعظم تناقض الأشاعرة المنكرين لعلو الله تعالى وصفاته الفعلية القائمة به في هذا الباب، تناقضهم في مسألة الصفات حين حدوده بسبع - أو ثمان مع صفة البقاء لمن قال بها - فإنه يقال لهم - كما يقول الشهرستاني نفسه - "بم تنكرون على من يقول: إن القادر الذي اختص به نهاية وحد، واجب له لذاته، فلا بد يحتج إلى مخصص. والمقادير التي هي في الخلق إنما احتاجت إلى مقدر لأنها جائزة، وذلك لأن الجواز في الجائزات إنما يعرف بتقدير القدرة،
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٣/٣٦٥) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٣/٣٧٠)، وأيضا (٤/٢٦٩-٢٧٢) .
[ ٣ / ١١١٩ ]
فلما كانت المقادير الخلقية مقدورة عرف جوازها، واحتاج الجواز إلى مرجح لها، فإذا لم يكن فوق الباري سبحانه قادر عليه لم تكن إضافة الجواز وإثبات الاحتياج له. ألسنا اتفقنا على أن الصفات ثمان؟ أفهي واجبة له على هذا العدد، أم جائز أن توجد صفة أخرى؟
فإن قلتم: يجب الانحصار في هذا العدد، كذلك نقول: الاختصاص بالحد المذكور واجب له، إذ لا فرق بين مقدار الصفات عددا وبين مقدار في الذات حدا. فإن قلتم جائز أن توجد صفة أخرى، فما الموجب للإنحصار في هذا الحد والعدد، فيحتاج إلى مخصص حاصر" (١) .
وقد أجاب الشهرستاني عن ذلك بذكر الخلاف في مسألة انحصار الصفات بثمان هل تسمى بالعدد أم لا، وبمسألة أخص وصف الإله، وكل ذلك ليس فيه جواب عن الإلزام والمعارضة التي أوردها لأن "اختصاص الصفات بعدد من الأعداد كإختصاص الذات بقدر من الأقدار، وإذا كان المسمى لا يسمى ذلك عددا، فمنازعه لا يسمى الآخر قدرا، وليس الكلام في الإطلاقات اللفظية، بل في المعاني العقلية " (٢) ثم إنه على كل قول من الأقوال فيما زاد على الثمانية (٣) "فالمعارضة بالصفات ثاتبة على كل قول من الأقوال الثلاثة؛ إذ لا بد فيها من اختصاص، فإن كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين، لزم افتقار صفات الله تعالى إلى مباين له" (٤) .
٧- والآمدي ذكر الدليل الذي ذكره الشهرستاني وبين ضعفه فقال في مسألة العلو والرد على مثبتيه: "وقد سلك بعض الأصحاب في الرد على هؤلاء طريقا شاملا فقال: لو كان الباري مقدار بقدر، متصورا بصورة، متناهيا بحد ونهاية، مختصا بجهة، متغيرا بصفة حادثة في ذاته، لكان محدثا؛ إذ العقل الصريح
_________________
(١) نهاية الأقدام (ص:١٠٦)، وقارن بدرء التعارض (٣/٣٧٣-٣٧٤) .
(٢) انظر: درء التعارض (٣/٣٧٨) .
(٣) وهي ثلاثة: إثبات ما زاد كالرضى والغضب واليدين والوجه والاستواء وغيرهما، والثاني نفي هذه الصفات والاقتصار على الثمان، وقول ثالث بالوقف. انظر: درء التعارض (٣/٣٨٠-٣٨٣) .
(٤) انظر: درء التعارض (٣/٣٨٥) .
[ ٣ / ١١٢٠ ]
يقضي بأن المقادير في تجويز العقل متساوية، فما من مقدار وشكل يقدر في العقل إلا ويجوز أن يكون مخصوصا بغيره، فاختصاصه بما اختص به من مقدار أو شكل أو غيره يستدعي مخصصا، ولو استدعى مخصصا لكان الباري محدثا" - قال الآمدي - "لكن هذا المسلك مما لا يقوى، إنه وإن سلم أن ما يفرق من المقادير والجهات وغيرها ممكنة في أنفسها، وأن ما وقع منها لا بد له من مخصص، لكن إنما يلزم أن يكون الباري حادثا أن لو كان المخصص خارجًا عن ذاته ونفسه، ولعلع صاحب هذا القول لا يقول به، وعند ذلك فلا يلزم أن يكون الباري تعالى حادثا، ولا محوجا إلى غيره أصلا" (١) .
فهذى الآمدي بين ضعف هذا الدليل الذي ذكره إخوانه الأشاعرة، وإن كان قد احتج على ما هو أضعف منه، وهو دليل الجواهر وتماثلها.
وبهذا يتبين ضعف حجة الاختصاص التي ذكرها الأشاعرة واحتجوا بها على نفي علو الله تعالى وصفاته، مع أن مثل هذه الألفاظ: كالاختصاص، والتقدير، والافتقار، فيها كثير من الإجمال ولا بد فيها من الإستفصال (٢) .
ثانيًا: مناقشة موقفهم من أدلة السمع المثبتة للصفات:
سبق بيان أن الأشاعرة لما اعتمدوا الأصول العقلية، قدموها على أدلة السمع، وتلخص موقفهم من أدلة السمع المثبتة للصفات بأمرين:
أحدهما: من ناحية الثبوت، حيث طعنوا في أدلة أخبار الآحاد، وجواز الاحتجاج بها في العقائد.
وثانيهما: من ناحية الدلالة - وذلك في مثل القرآن الذي لا شك في ثبوته - جعلوا نصوص العلو والصفات التي نفوها، من المتشابه، ومن ثم فسبيلها عندهم: إما التأويل، أو التفويض.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٣/٣٨٥-٣٨٦)، والنص في غاية المرام للآمدي (ص:١٨١) .
(٢) انظر: درء التعارض (٣/٣٨٧-٣٨٨) .
[ ٣ / ١١٢١ ]
أما مسألة أخبار الآحادث فقد سبق مناقشتها في المنهج العام في الرد على الأشاعرة، وبيان الخطأ والضلال والتناقض الذي وقعوا فيه حين قالوا إن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول لا تفيد العلم ولا يحتج بها في العقائد (١) .
أما مسألة المتشابه والتأويل والتفويض، فيمكن مناقشتها من خلال الفروع التالية:
الفرع الأول: معنى المتشابه، وهل الصفات أو بعضها منه؟:
مما يلاحظ أن أهل الكلام - وفيهم الأشاعرة - مع اهتمامهم بالعقل وأدلته، وتقديمها على أدلة السمع عند التعارض، إلا أنهم يحاولون أن يجدوا لبعض أصولهم العقلية ومنطلقاتهم الكلامية، أدلة من السمع، وقد سبق ذكر مثالين على ذلك:
أحدهما: استدلالهم على دليل حدوث الأجسام - الذي كان سببا في كثير من ضلالات المتكلمين في الصفات - استدلالهم عليه بقصة الخليل وقوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (الأنعام: من الآية٧٦) وقد سبق مناقشة هذا الدليل (٢) .
والثاني: احتجاجهم على نفي العلو وبعض الصفات بنفي التجسيم، وقد استدلوا على نفيه بقوله تعالى في قصة موسى ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار﴾ (لأعراف: من الآية١٤٨) . وقد سبق قبل قليل مناقشة هذا الاستدلال.
وفي هذه المسألة يرد مثال ثالث على هذا المنهج الذي أرادوا أن يدعموا به مذهبهم في الصفات أو بعضها؛ وذلك أنهم كثيرا ما يحتجون على تأويلهم للصفات، أو تفويضهم لها بأنها من المتشابه، ويستدلون على ذلك بالآية المشهورة من سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
_________________
(١) انظر: (ص:٧٣٤-٧٥١) .
(٢) في الفصل الماضي، المتعلق بتوحيد الربوبية والألوهية.
[ ٣ / ١١٢٢ ]
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران:٧)، ويبنون احتجاجهم بها على أن الصفات من المتشابه، ويقررون ذلك بأمرين:
إما بالإستدلال بها على أن مذهب السلف هو التفويض الكامل، الشامل للمعنى وللكيفية، وذلك عند ردهم على من يثبت الصفات ويحتج بما تواتر من إثبات السلف - ﵏ - لها. فيحتجون بهذه الآية على قراءة الوقف على "إلا الله". وهذا التفويض الذي جعلوه مذهبا للسلف يقصدون منه أنهم - أي السلف - جعلوا هذه الصفات من المتشابه، وأثبتوها ألفاظ مجردة لا تدل على معان ولا يفهم منها شيء. وهدفهم النهائي من ذلك أن يجعلوا تأويلهم للصفات وصرفها عن ظواهرها اللائقة بالله، موافقا ضمنا لما يدعونه من تفويض السلف، إذ على كلا الحالتين لا تدل النصوص على الصفات اللائقة بجلال الله وعظمته.
وإما - وهذا هو الأمر الثاني - أن يستدلوا بالآية على جواز التأويل - الذي هو عند المتأخرين صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح - ويقولون: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابهات - ومنها على زعمهم الصفات - وهذا على قراءة مجاهد وغيره بعطف - (والراسخون في العلم) على ما قبله.
والمحكم والمتشابه من مباحث علوم القرآن المشهورة، وقد تعددت الأقوال ف بتحديد المقصود بالمحكم والمتشابه المذكورين في آية عمران (١) .
أما الإحكام العام الذي دل عليه مثل قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُه﴾ (هود: من الآية١)، والتشابه العام الذي دل عليه مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/٦٨)، والاتقان (٣/٣-٥)، ومناهل العرفان (٢/١٦٨-١٧١)، واللآلي الحسان في علوم القرآن تأليف موسى لاشين (ص: ١٥٧-١٥٨)، وتفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى (١٧/٤١٨-٤٢٤) .
[ ٣ / ١١٢٣ ]
أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِي﴾ (الزمر: من الآية٢٣) . فهو شامل لجميع القرآن، لأن القرآن كله محكم، ويشبه بعضه بعضا في ذلك. وهذان المعنيان لم يخالف فيهما أحد.
ومسألة المحكم والمتشابه اكتسبت أهمية خاصة عند كثير من المتأخرين، لما دخل فيهما من موضوعات مهمة كانت مثار خلاف وجدل بين العلماء.
والملاحظ أن ما كتبه الفخر الرازي في تفسيره (١)، وفي كتابه أساس التقديس (٢) حول المحكم والمتشابه وما يتعلق بهما - أصبح مرجعا أساسا لكثير ممن أتى بعده، وإن كان قد سبق إلى ذلك بعض الأشاعرة (٣) والمعتزلة (٤) .
وليس المقصود تتبع مباحث المحكم والمتشابه، لأن هذه لها مناسبات أخرى، وإنما المقصود بيان أن أهم الأمور التي ركز عليها الرازي في ذلك أربعة أمور:
١- أنه لا بد من قانون أصلي لمعرفة المحكم والمتشابه، ثم بين أنه لا يجوز ترك الظاهر الذي دل عليه الآية والخبر إلا بدليل منفصل، ثم ذكر أن هذا الدليل المنفصل إما لفظي وإما عقلي.
أما الدليل اللفظي المنفصل فإذا عارض دليلا آخر فليس ترك أحدهما لإبقاء الآخر أولى من العكس. ثم رد الرازي على زعم أن الدليل اللفظي قد يكون قاطعا فيجب تقديمه لذلك: بأن "الدلائل اللفظية لا تكون قطعية لأنها موقوفة على نقل اللغات، ونقل وجوه النحو والتصريف، وعلى عدم الإشتراك، والمجاز، والتخصيص، والإضمار، وعدم المعارض النقلي والعقلي. وكل واحد من هذه المقدمات مظنونة، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنونا، فثبت أن شيئا من الدلائل اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيًا (٥) . كما رد على من قال إن أحد
_________________
(١) (٧/١٦٦) وما بعدها.
(٢) (ص:١٧٨-١٩٢) - ط الحلبي.
(٣) كالجويني في الشامل (ص:٥٥٠-٥٥٣)، فقد تعرض لذلك عند حديثه عن صفة الاستواء.
(٤) كعبد الجبار الهمذاني المعتزلي في كتبا متشابه القرآن (ص:٥) وما بعدها، وقد نص على أنه يجب ا، رتب المحكم والمتشابه جميعا على أدلة العقل. انظر (ص:٧)، وقد أخذ الرازي بقوله هذا.
(٥) أساس التقديس (ص:١٨٢) - ط الحلبي، وانظر ما سبق (ص:٨٤١-٨٤٢) .
[ ٣ / ١١٢٤ ]
الظاهرين أقوى فيعول عليه بأنه "على هذا التقدير يصير ترك أحد الظاهرين لتقرير الظاهر الثاني مقدمة ظنية، والظنون لا يجوز التعويل عليها في المسائل العقلية القطعية" (١) .
ولما أبطل التعويل على الدليل اللفظي عول على الدليل العقلي المنفصل فقال: "فثبت بما ذكرنا أن صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح لا يجوز إلا عند قيام الدليل العقلي القاطع على أن ظاهره محال ممتنع، فإذا حصل هذا المعنى فعند ذلك يجب على المكلف أن يقطع بأن مراد الله تعالى من هذا اللفظ ليس ما أشعر به ظاهره. ومن لم يجوزه فوض علمه إلى الله تعالى" (٢) .
وخلاصة رأي الرازي أن الآية والخبر تصير متشابهة ويجب عدم اعتقاد ظاهرها بتأويل أو تفويض - إذا عارضها الدليل العقلي القاطع.
٢- ومن الأمور التي ركز عليها الرازي إدخاله الصفات في المتشابه، ومعلوم أ، كتابه "أساس التقديس" خصصه لمناقشات نصوص الصفات وتأويلها، وقد ناقش فيه بإسهاب موضوع المحكم والمتشابه ناصرا مذهبه الذي سار عليه.
٣- ومن الأمور التي ذكرها أن الحكمة من إنزال المتشابه مراعاة أحوال العوام في أول أمرهم فيخاطبون بما يدل على التجسيم والتحيز والجهة لأن ذلك يناسب ما تخيلوه وتوهموه. فهذا الذي يخاطبون به من باب المتشابهات، ثم يكشف لهم آخر الأمر استحالة هذه الأمور، الذي هو المحكمات (٣) .
٤- أنه قرر مذهب السلف بقوله: "حاصل هذا المذهب أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها، ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى، ولا يجوز الخوض في تفسيرها" ثم قرر مذهب المتكلمين بقوله: "وقال جمهور المتكلمين: بل يجب الخوض في تأويل تلك
_________________
(١) أساس التقديس (ص:١٨٢) ط الحلبي.
(٢) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(٣) المصدر السابق (ص: ١٩٢) ط الحلبي.
[ ٣ / ١١٢٥ ]
المتشابهات" (١) . ثم لما ذكر حجج مذهب السلف من الوقف على قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: من الآية٧)، وإجماع الصحابة على عدم التأويل، قال عن المتكلمين أن حجتهم: "أن القرآن يجب أن يكون مفهوما، ولا سبيل إليه في الآيات (٢) المتشابهة إلا بذكر التأويلات فكان المصير غليه حتما" (٣) .
وقد تكلم الرازي في تفسيره (٤) بمثل ما في أساس التقديس وزيادة، ومن ثم تأثر به - في هذه الأمور الأربعة وغيرها - من جاء بعده (٥) .
ومن المؤسف حقا أن أحد الباحثين أفرد موضوع المتشابه في كتاب مستقل رجح فيه منهج المتكلمين والمعتزلة بشكل خاص، واعتمد في نقوله وأقواله على ما كتبه الغزالي في الجام العوام، وما كتبه الرازي، وعبد الجبار الهمذاني. ولم يحقق القول في مذهب السلف، بل ركز على أن مذهبهم هو التفويض ورد على شيخ الإسلام في ذلك (٦) . وقد حوى الكتاب - تقليدا من صاحبه للكوثري -
_________________
(١) أساس التقديس (ص: ١٨٢-١٨٣) .
(٢) في طبعة الحلبي (ص: ١٨٧) (روايات) والتصويب من طبعة السقا (ص: ٢٤٠) .
(٣) أساس التقديس (ص:١٨٧) ط الحلبي، و(ص:٢٤٠) ت السقا.
(٤) (٧/١٦٧-١٧٨) .
(٥) من هؤلاء الزركشي في البرهان في علوم القرآن (٢/٧٦-٨٩)، والسيوطي في الاتقان (٣/١٢-٢١، ٣٢)، وفي معترك الأقران في إعجاز القرآن (١/١٤٦-١٥٥، ١٦٠)، والزرقاني في مناهل العرفان (٢/١٧٠-١٧١، ١٧٩، ١٨٢-١٩٨)، وصبحي الصالح في مباحث في علوم القرآن (ص: ٢٨٣-٢٨٦) طالثامنة. أما مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي فقد بنى كتابه: "أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمتشابهات" على إدخال الصفات في المتشابه، وقدم لكتابه بمقدمة طويلة حول المحكم والمتشابه، نقل فيها أقوال الرازي والسيوطي وغيرهما - انظر (ص: ٥٥، ٥٩، ٦٥-٦٧) ط الأولى ١٣٨٩هـ، ثم أخذ يسوق الصفات والكلام حولها بقوله ومن المتشابه صفة كذا وكذا، انظر (ص: ٧٠، ٧٧، ٨٠، ٨١، ١١٦، ١٢٠، ١٤٩) وغيرها. والمؤلف وإن نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية ورجح ما رجحه، إلا أنه لا يخلو من ملاحظات، انظر مثلا (ص: ٩٧، ١٦٢) حين عول على التفويض.
(٦) الكاتب هو عدنان زرززور، واسم كتابه "متشابه القرآن: دراسة موضوعية" انظر من هذا الكتاب (ص: ٥٦) وما بعدها، و(ص: ٦٨) وما بعدها، و(ص: ٨٧-١٢١)، ومما ينبغي معرفته أن هذا الكتاب - في الأصل - مقدمة لتحقيق المؤلف لكتاب متشابه القرآن لعبد الجبار المعتزلي. وإنما أشرت إلى ذلك لأن هذه الدراسة التي كتبها زوزور وطبعت مستقلة هي أطلو دراسة أطلعت عليها حول موضوع المتشابه، وقد حوت كثير ما من الأخطاء والمغالطات، ولأن مؤلفها اشتهر بعنايته بالدراسات القرآنية والتأليف فيها، ومن ذلك تحقيقه لمقدمة في أصول التفسير لابن تيمية. وقد يظن من لا علم عند أن هذا يدل على سلامة منهجه ورسالة الدكتوراه له كانت عن الحاكم الجشمي ومنهجه في تفسير القرآن. والجشمي من أئمة المعتزلة. وزرزور من المعجبين بالمعتزلة ومنهجهم العقلي ومن دعاة وحدة الفكر الإسلامي بإعادة النظر في الفرق والطوائف السابقة لتصحيح النظرة إليها، وهذا منهج خطير جدا. انظر: الحاكم الجشمي ومنهجه في تفسير القرآن: زرزور (ص:٦-١١) ط الأولى.
[ ٣ / ١١٢٦ ]
كثير من الحقد والسخرية بأئمة أهل السنة وكتبهم، ونال شيخ الإسلام من ذلك حظ وافر (١) .
وقد ناقش شيخ الإسلام موضوع المحكم والمتشابه، ورد على الرازي وغيره ممن غلط في جعل الصفات من المتشابه، أو جعل ما خالف العقل فهو متشابه، أو غير ذلك من الأمور التي خاض فيها أهل الكلام. وما كتبه شيخ الإسلام في ذلك كثير، وأهمه ما ذكره في ثلاثة من كتبه:
أحدها: ما ذكره في نقضه لأساس التقديس للرازي - وقد يسمى كتاب الرازي تأسيس التقديس - وقد أطال شيخ الإسلام في ذلك، وناقش الرازي في كل ما كتبه، على طريقته في استيعاب مناقضة فصول هذا الكتاب، ولكن - للأسف الشديد - انتهت المخطوطة الموجودة قبل إتمام مباحث هذا الموضوع (٢) .
_________________
(١) انظر: متشابه القرآن: عدنان زرزور (ص: ١٠١-١٠٧، ١١١، ١١٥، ١٢٥-١٢٧، ١٥٥-١٦٠) ط الأولى. ومن الملاحظ أن المؤلف استعان بما كتبه ابن الجوزي نصرة لأهل التعطيل - وهو بذلك يتبع شيخه الكوثري - فلما تكلم ابن الجوزي في شيوخ الاعتزال وأن حقهم الضرب بالسيف أخذ يسخر منه، انظر: (ص:١٣٣-١٣٤)، وقريب من ذلك إعجابه واعتماده على ما كتبه الرازي حول المتشابه فملا قرن المعتزلة بالشبهة وجعلهم جميعا منالزائغين الضالين، انتقده ورد عليه. انظر (ص: ١٣٩-١٤٠) . وأعجب من ذلك أنه في (ص: ١٥٨) هاجم ابن تيميةووصفه بالجحد والتعسف لأنه لم يذكر أن من معاني التأويل: التفسير، بل زعم أنه أنكر ذلك. وهذا خطأ واضح لأن شيخ الإسلام ذكر في عامة كتبه أن من معاني التأويل عند السلف: التفسير، وسيأتي إن شاء الله ذك رالمراجع الكثيرة في ذكر من كتب شيخ الإسلام. والمؤلف تجنى كثيرا على شيخ الإسلام، ونحن نبهنا إلى ذلك بإجمال، ول بصاعه كلنا لجاء الكلام معه بأسولب آخر. والله المستعان.
(٢) انظر: الجزء الثاني من مخطوطة - نقض التأسيس (ص: ١٩٩إلى ٣٦٠) حيث ينقطع الكلام بشكل مفاجئ، وهو رد على الصفحات (١٧٣-١٨٢) من أساس الرازي. وبقى من (ص:١٨٣-١٩٢) من أساس الرازي ساقط في مخطوطة نقضه لشيخ الإسلام وقد سبقت الإشارة إلى أن هذا الجزء من مخطوطة جامعة الملك سعود حقه أن يكون الثالث منها.
[ ٣ / ١١٢٧ ]
الثاني: في تفسير سورة الإخلاص، وقد بلغت مباحث المحكم والمتشابه فيها أكثر من ستين صفحة (١) .
الثالث: في الرسالة التي أفردها في هذا الموضوع بعنوان: الإكليل في المتشابه والتأويل (٢) .
وخلاصة منهج شيخ الإسلام وهدفه من هذه المناقشة الدفاع عن عقيدة السلف في الأسماء والصفات وغيرها والرد على المتكلمين الذين جعلوا من مسائل المحكم والمتشابه مدخلا لتأويل نصوص الصفات وتحريفها لتوافق عقائدهم وأصولهم الفاسدة، ويمن تلخيص منهجه من خلال الأمور التالية:
الأمر الأول: تحقيق مسألة: هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه؟:
وهي مسألة مهمة تبني عليها مسألة المتشابه، ولذلك أطال شيخ الإسلام الكلام حولها، خاصة في تعليقه أو مناقشته للرازي، الذي ذكر هذه المسألة في أساسه قبل حديثه عن المتشابه فقال ذاكرا الخلاف فيها: "اعلم أن كثيرا من الفقهاء والمحدثين والصوفية يجوزون ذلك. والمتكلمون ينكرونه" (٣) . ثم ذكر حجج المتكلمين الكثيرة، أعقبها بذكر حجج مخالفيهم، ثم قال: "هذا ما عندي من كلام الفريقين في هذا الباب وبالله التوفيق" (٤) .
وقد رجح شيخ الإسلام أدلة من يقول إنه لا يجوز أن يكون في القرآن مالا سبيل لنا إلى العلم به، وزاد على الأدلة التي أوردها الرازي أدلة أخرى كثيرة (٥)،
_________________
(١) طبع تفسير سورة الإخلاص مستقبلا، وهو ضمن مجموع الفتاوى ج- ١٧، وبحوث المحكم والمتشابه (ص: ٣٨١-٤٤٣) من هذا الجزء.
(٢) ضمن مجموع الفتاوى (ج- ١٣ ص: ٢٧٠-٣١٣) . وضمن مجموع الرسائل الكبرى (٢/٥-٣٦) .
(٣) أساس التقدير للرازي (ص: ١٧٣) ط الحلبي.
(٤) المصدر السابق (ص: ١٧٧)، وانظر (ص: ١٧٣-١٧٧) .
(٥) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٠٠-٢١٤)، وانظر: أدلة أخرى عديدة في تفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى (١٧/٣٩٥-٤١٤) .
[ ٣ / ١١٢٨ ]
وإن كان قد تعقبه في بعض أدلته - مثل بعض الأدلة العقلية التي أوردها - لأنها لا تتفق مع أصوله الاشعرية (١) . وشيخ الإسلام هنا لا يعارض استدلاله وإنما يبين تناقضه.
يقول شيخ الإسلام بعد ذكره لهذه الحجج - ردا على الرازي -: "هذه الحجج كما أنها دالة على فساد قول من قال: إن في القرآن ما لا سبيل لأحد إلى فهمه، بل معرفة معناه، فهي أيضًا دالة على فساد قول هؤلاء المتكلمين، نفاة الصفات أو بعضها، فهي حجة على فساد قول الطائفتين، وذلك أن هؤلاء النفاة يقولون: إن التوحيد الحق الذي يستحقه الله تعالى ويجب أ، يعرف به ويمتنع وصفه بنقيضه ليس هو في القرآن، ولم يدل عليه القرآن. ودلالة الخطاب المعروفة، وهو كون الرب ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا يشار إليه ولا يقرب من شيء ولا يقرب من شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا يحجب العباد عنه شيء، ولا عنده شيء دون شيء، بل جميع الأشياء سواء، ولا يحتجب عنهم بشيء، وأنواع ذلك، فمن المعلوم أن القرآن لم يدل على شيء من ذلك، ولا بينه، بل إنما دل على نقيضهن وهو إثبات الصفات [التي] (٢) تدل على أنه يقرب من غيره ويدونه إليه، ويقرب العبد منه ويدنون إليه،، وعلا انه عالى على جميع الأشياء، فوقها، وأنه ينزل منه كلامه، وتنزل الملائكة من عنده وتعرج إليه، وأمثال ذلك، وهم متفقون على أن ظاهر القرآن إنما يدل على الإثبات الذي هو عندهم تجسيم باطل بل كفر. وغيرهم يقول: بل دلالة القرآن على ذلك نصوص صريحة، بل ذلك معلوم بالاضطرار من القرآن والرسول" (٣) .
وهؤلاء المتكلمون النفاة أرادوا أن يتوصلوا بقولهم الذي وافقهم عليه شيخ الإسلام - إلى تأويل النصوص إلى معان أخرى باطلة - وقد احتجوا بالآية
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢١٣-٢١٤) .
(٢) زيارة مني ليستقيم الكلام.
(٣) نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢١٥) .
[ ٣ / ١١٢٩ ]
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: من الآية٧) على قراءة العطف وفسروا التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم بأنه صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح. وهذا خطأ عظيم لأن التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم - على قراءة الوصل - هو التفسير، وهذا قد لا يعلمه بعض الناس لكن الراسخين في العلم يعلمونه، "فمن قال إن القرآن يجوز أن يشتمل على ما لا سبيل لبعض الناس إلى العلم به فقد أصاب، وذلك لعجزه، لا عن نقص في دلالة القرآن، فكثير من الناس لا سبيل له إلى أن يعلم كثيرا من العلوم كالطب والنجوم والتفسير والحديث، وإن كان غيره يعلم ذلك، وإن أراد أنه لا سبيل لأحد إلى معرفة تفسيره فقط غلط. وإن قال: لا سبيل لأحد إلى معرفة حقيقته وكيفيته وهيئته ونحو ذلك فقد أصاب، فينبغي أن يعرف الفصل في هذا الباب حتى يظهر الخطأ من الصواب" (١) .
وقد أوضح شيخ الإسلام قبل ذلك ما في قول القائل: ما لا سبيل لنا إلى العلم به من الإجمال (٢) .
بقى الكلام في أدلة الفريق الثاني المجوزين لوجود مالا سبيل لنا إلى العلم به، وقد ساق الرازي أدلتهم، ثم سكت عن الترجيح بين القولين، ولذلك رد عليه شيخ الإسلام قائلًا: "قلت: ذكر القولين ولم يرجح أحدهما، ولم يذكر جواب أحدهما عن حجة الآخرين فبقيت المسألة على الوقف والحيرة والشك. وكذلك لما ذكر بعد هذا تقرير قول من جزم بالتأويل، فإنه هنا ذكر الخلاف في جواز ورود ما أمكن فهم معناه، وهناك ذكر قول من أوجب وقوع ذلك وجزم بالتأويل، وقد ذكر حجة كل قوم، ولم يذكر لهم جوابًا عن حجة الآخرين (٣) فبقيت المسألة مما تكافأت فيها الأدلة [عنده] (٤)، وأما في تفسيره فرجح المنع من التأويل، كما رجح أبو المعالي في آخر قوليه، وكما رجحه أبو حامد
_________________
(١) نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٠٠) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/١٩٩) .
(٣) انظر: حجة الفريقين حول جواز التأويل في أساس التقديس للرازي (ص: ١٨٢-١٨٧)، ومن المؤسف أن مخطوطة نقض هذا الفصل انتهت بعد صفحات يسيرة من بداية مناقشتها.
(٤) في المخطوطة (عنه)، ولعل الصواب ما أثبت.
[ ٣ / ١١٣٠ ]
في آخر قوله" (١)، ثم نقل كلام الرازي في تفسيره (٢) وسبب هذه الحيرة والتوقف عند الرازي - كما يرى شيخ الإسلام - "أن كلا القولين اللذين حكاهما عن المتكلمين والفيذ حكاه عن السلف قول باطل. والذي حكاه عن السلف ليس قولهم ولا قول أحد منهم، ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين" (٣) .
وبهذا يتبين أن خلاصة رأي شيخ الإسلام أنه لا بدل لكل ما أنزل الله تعالى من معنى يمكنه فهمه، وليس هناك فرق بين آيات الصفات وآيات الأحكام. وكثير من الصحابة والتابعين كانوا يعلمون تفسير القرآن، ولا توجد آية ليس لهم فيها تفسير يوضح معناها. وتفسيرهم وفهمهم للنصوص هو الذي يرجع إليه عند الاختلاف. أما ما يدعيه أصحاب التأويلات المحرفة من تأويلاتهم هي المعاني الصحيحة للآيات التي أولوها، فهذا خطأ منهم (٤) .
وفي رسالة الإكليل بين شيخ الإسلام "أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، وقال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله - ﷺ - ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه"، ثم بين سبب الكلام في هذه المسألة فقال: "وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام في آيات الصفات وآيات القدر وغير ذلك، فلقبوها: "هل يجوز أو يشتمل القرآن على مالا يعلم معناه، [وأنا] (٥) تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم" فجوز ذكر طوائف متمسكين بظاهر الآية، وبأن الله يمتحن عباده بما شاء. ومنعها طوائف ليتوصلوا بذلك إلى تأويلاتهم الفاسدة التي هي تحريف الكلم عن مواضعه.
_________________
(١) نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٢١-٢٢٢) .
(٢) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٢٢)، وقارن بتفسير الرازي (٧/١٧٠) .
(٣) نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٢٢) .
(٤) انظر: المصدر السابق (٢/٢٢٣) .
(٥) في مجموع التاوى (١٣/٢٨٥) [وأما] ولذلك جاء في أول السطر، وفي مجموعة الرسائل الكبرى (٢/١٥) [وما]، ولعل الصواب ما أثبت.
[ ٣ / ١١٣١ ]
والغالب على كل الطائفتين الخطأ، أولئك يقصرون في فهم القرآن بمنزلة من قبل فيه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيّ﴾ (البقرة: من الآية٧٨)، وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.." (١) .
وهذه مشكلة المتكلمين دائما يظنون أن قول هذه الطائفة - وقد يكون لها وجود - هو مذهب السلف، وهو ما يعبرون عنه بالتفويض وهذا من الأخطاء الكبرى التي انتشرت وارتكب في حق السلف، وهم منها برآء.
بقيت الإشارة إلى أن الرازي لما لم يرجح بين القولين حول مسألة اشتمال القرآن على ما لا سبيل لنا إلى العلم به - انتقده شيخ الإسلام على توقفه وحيرته وشكه ثم رد على أدلة المجوزين التي أوردها الرازي وسكت عنها. وأهم هذه الأدلة:
أقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: من الآية٧) والوقف لازم.
ب الحروف المقطعة المذكور أوائل السور.
ت خبر: "أن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله " (٢) .
وخلاصة ردود شيخ الإسلام عليها كما يلي:
أأما الآية فقد بين أن فيها قراءتين مشهورتين، قال: "ونحن نسلم قراءة من قرأ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾، لكن من أين لهم أن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو المعنى الذي عني به المتكلم، وهو مدلول اللفظ الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه. وهو ﷾ لم يقل وما يعلم معناه إلا الله، ولا قال وما يعلم تفسيره إلا الله، ولا قال وما يعلم مدلوله ومفهومه إلا الله، ولا ما دل عليه إلا الله. قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ولفظ التأويل له في القرآن معنى، وفي عرف كثير من السلف وأهل التفسير معنى، وفي اصطلاح
_________________
(١) الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى (١٣/٢٨٥-٢٨٦) .
(٢) انظر: ساس التقديس للرازي (ص: ١٧٦) - ط الحلبي. والحديث سبق بيان حاله (ص: ٧٤٩) .
[ ٣ / ١١٣٢ ]
كثير من المتأخرين له معنى، وبسبب تعدد الإصطلاحات والأوضاع فيه حصل اشتراك غلط بسببه كثير من فهم القرآن وغيره" (١)، وبعد كلام طويل حول التأويل وأنواعه قال: "وإذا عرف معنى لفظ التأويل ظهر فساد احتجاج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ فإن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ليس هو أن لا يفهم أحد من اللفظ، بل يفهمونه وإن كان تأويله لا يعلمه إلا الله" (٢)، ثم ذكر عددا من أقوال السلف في الآية تبطل حجة هؤلاء ثم قال: "فابن اسحاق ذكر مثل ابن عباس والضحاك وغيرهم الذين يقولون بالقراءتين. يقولون: له تأويل لا يعلمه إلا الله، وتأويل يعلمه الراسخون، وكذلك عامة أهل العربية الذين قالوا ما يعلم تأويله إلا الله، كالفراء وأبي عبيد وثعلب وابن الأنباري، هم يتكلمون في متشابه القرآن كله وفي تفسيره [و] (٣) معناه. [و] (٤) ليس في القرآن آية قالوا لا يعلم أحد تفسيرها ومعناها، فيجب أ، يكون التأويل الذي اختص الله به عندهم غير ما تكلموا فيه من تفسير الآيات المتشابهة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ قد (٥) يقال فيه إن المنفي هو عموم السلب لا سلب العموم، أي وما يعلم جميع التأويل إلا الله، وأما بعضه فيعلمه الراسخون كما قال ابن عباس: "وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب" (٦)، فقول الجمهور هو القراءة الصحيحة، وهو أنه لا يعلم غير الله جميع التأويل، كقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (المدثر: من الآية٣١) أي مجموعهم، وإلا فكثير من الناس يعلم بعض جنود ربنا. وبكل حال تفسيره [و] (٧) معناه ليس داخلا في التأويل الذي اختص الله به سواء سمي تأويلًا أو لم يسم" (٨) .
_________________
(١) نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٢٣-٢٢٤) .
(٢) نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٤٤-٢٤٥) .
(٣) زيادة مني ليستقيم الكلام.
(٤) زيادة مني ليستقيم الكلام.
(٥) في المخطوطة [وقد] ولعل الواو زائدة.
(٦) أثر مشهور عن ابن عباس وأوله "التفسير على أربعة أوجه " رواه ابن جرير (١/٧٥) ورقمه (٧١)، وذكر ابن جرير أنه روى نحوه مرفوعا، لكن بسند فيه نظر، وساقه بعد الأثر السابق، وذكر ابن كثير في آخر مقدمة تفسيره (١/١٨) - ط الشعب: أن ابن جرير قصد بذلك أن فيه الكلبي وهو ضعيف، وانظر: تعليق شاكر على هذا الحديث في تفسير الطبري (١/٧٦) .
(٧) زيادة مني ليستقيم الكلام.
(٨) نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٤٧) .
[ ٣ / ١١٣٣ ]
والخلاصة أن قراءة الوقف على (إلا الله) لها وجهان:
- أما أن يكون المقصود بالتأويل الحقيقة التي تؤول إليها الأمور.
- أو يكون المقصود به جميع التأويل الذي هو التفسير، ويدل له قول ابن عباس حيث صرح بأن من التفسير ما لا يعلمه إلا الله، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام، وبهذا - مع الكلام الذي سيأتي عن الحروف المقطعة أوائل السور - يظهر الجواب عما استشكله الشنقيطي في هذا المقام والله أعلم (١) .
ب أما الحروف المقطعة أوائل السبور فقد أجاب شيخ الإسلام عن دعوى أنه من المتشابه بعدة أجوبة:
أحدها: "أن هذه ليست كلاما منظوما فلا يدخل في مسمى الآيات، وعامة أهل مكة والمدينة والبصرة لا يعدون ذلك آية، ولكن الكوفيون يعدونها آية، وبكل حال فهي أسماء حروف ينطق بها غير معربة، مثل ما ينطق بألف، باء، تاء، وبأسماء العدد، واحد، اثنان، ثلاثة " (٢) .
الثاني: أن السلف قد تكلموا في معانيها، وكلامهم في ذلك كثير مشهور، وقد ساق شيخ الإسلام بعض أقوالهم (٣) .
الثالث: "أن يقال: نحن نسلم أن كثيرًا من الناس وأكثرهم لا يعرفون معنى كثير من القرآن، فإذا قيل: إن أكثر الناس لا يعرفون معنى حروف الهجاء
_________________
(١) قال الشنقيطي في أضواء البيان (١م٢٢٧): "وقال بعض العلماء: والتحقيق في هذا المقام " وذكر الجمع المشهور في آية آل عمران، وأن من قال: الواو عاطفة جعل معنى التأويل التفسير ومن قال هي استئنافية جع التأويل هو حقيقة ما يؤول إليه الأمر، ثم قال الشنقيطي -﵀- "وهو تفصيل جيد لكن يشكل عليه أمران، الأول قول ابن عباس: التفسير على أربعة أنحاء والثاني الحروف المقطعة". وقارن ما نقله الشنقيطي بما في تفسير ابن كثير. سورة ىل عمران الآية (٧)، (١/٣٤٧) - ط الحلبي - ومطبعة الاستقامة، ١٣٧٦هـ.
(٢) نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٤٨) .
(٣) المصدر السابق (٢/٢٤٨-٢٤٩) . أما اختيار شيخ الإسلام وترجيحه فقد حكاه عنه ابن كثير في تفسيره - سورة البقرة. آية رقم (١) ﴿الم﴾ - انظره في طبعات هذا التفسير كلها - سوى طبعة الشعب المحققة، ذات الثامنية أجزاء - فإن ساقط منها. وهذا من عيوبها التي تجعلها لا يوثق بها.
[ ٣ / ١١٣٤ ]
التي في أوائل السور فهذا صحيح، لا نزاع فيه، وإن قيل: إن أحدا من الناس لا يعرف ذلك وإن الرسول نفسه لم يكن يعرف ذلك، فمن أين لهم هذا؟ فهذا النفي لا بد له من دليل" (١) .
ث أما حديث "إن من العلم كهيئة المكنون " فليس له إسناد يقوم به، وعلى تقدير صحته فهو حجة عليهم لأن فيه أن أهل العلم بالله يعلمونه (٢) .
وبهذا يتبين ضعف حجة هؤلاء الذين يجوزون أن يكون في كلام الله مالا سبيل لنا إلى العلم به، ولذلك قال شيخ الإسلام في تفسير سورة الإخلاص ما يعتبر تلخيصًا لما سبق: "والمقصود هنا أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلاما لا معنى له، ولا يجوز أن يكون الرسول - ﷺ - وجميع الأمة لا يعلمون معناه كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ، سواء كان مع هذا تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون، أو كان للتأويل معنيان: يعلمون أحدهما، ولا يعلمون الآخر، وإذا دار الأمر بين القول بأن الرسول كان لا يعلم معنى المتشابه من القرآن، وبين أن يقال: الراسخون في العلم يعلمون، كان هذا الإثبات خيرًا من ذلك النفي، فإن معنى الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره، وهذا مما يجب القطع به " (٣) وقد قال كثير من السلف إنهم يعلمون تأويل القرآن، وهذا معروف مشهور (٤) .
الأمر الثاني: من أمور بيان شيخ الإسلام في مسألة المحكم والمتشابه أنه إذا تبين رجحان قول من قال: إن كلام الله يمكن معرفة تفسيره والعلم به، وإنه ليس هناك في كلام الله ما لا سبيل لنا إلى العلم به - فما المقصود بالمتشابه المذكورة في آية آل عمران؟
_________________
(١) نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٤٩-٢٥٠) .
(٢) انظر: تفصيل قوله حول هذا الحديث في نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٥٠-٢٥١)، وقارن بما سبق (ص:٧٤٩) .
(٣) تفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى - (١٧/٣٩٠،٣٩٩) .
(٤) انظر: المصدر السابق (١٧/٣٩٠-٣٩١) .
[ ٣ / ١١٣٥ ]
يذكر شيخ الإسلام أن في ذلك قولين:
أحدهما: أنها آيات بعينها تتشابه على كل الناس.
والثاني: وهو الصحيح، أن التشابه أمر نسبي، فقد يتشابه عند هذا مالا يتشابه عند غيره، ولكن ثم آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد. وتلك المتشابهات إذا عرف معناها صارت غير متشابهة، بل القول كله محكم كما قال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (هود: من الآية١) (١) .
وقد أطال شيخ الإسلام في تقرير هذا الذي رجحه وصححه، وذكر له أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، مدللا على وقوعه ووجوده عند بعض الناس (٢)، وهذا التشابه النسبي أو الإضافي ليس له ضابط فهو من جنس الاعتقادات الفاسدة، ولذلك تعددت التأويلات وتفاوتت فالفلاسفة والباطنية لهم تأويلات لنصوص الكتاب، والجهمية والمعتزلة يبطلون تأويلات الفلاسفة والباطنية ويجعلون الآيات التي أولوها تأويلات قرمطية وفلسفية - آيات محكمة، لكنهم يؤولون نصوصا أخرى يقولون إنها متشابهة، والأشاعرة يقولون إن هذه الآيات التي أولها المعتزلة هي آيات محكمة لا يجوز تأويلها، ثم يتأولون آيات أخرى. وهكذا. فكل طائفة تدعي أن المحكم ما وافق قولها والمتشابه ما خالفه (٣) .
والإمام أحمد -﵀- ألف رسالته المشهورة في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله (٤)، ثم إنه لما رد على هؤلاء في استدلالاتهم الباطلة، لم يقل هذه الآيات من المتشابه وسكت عنها، وإنما رد عليهم وبين أحكامها، وفسرها، وذمهم على أنهم تأولوها على غير تأويلها الصحيح (٥) .
_________________
(١) الفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى (١٣/١٤٤) .
(٢) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٦٠-٢٦٧)، وانظر: الصواعق المرسلة (١/٢١٣) ت الدخيل الله.
(٣) انظر: المصدر السابق (٢/٢٦٧-٢٧٣، ٣٠٥-٣٠٧) .
(٤) انظر: الرد على الزنادقة والجهمية - ضمن مجموع عقائد السلف - (ص:٥٢) .
(٥) انظر: الفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى (١٣/١٤٤)، وتفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى (١٧/٢٨٠-٣٨٣) .
[ ٣ / ١١٣٦ ]
وهذا الترجيح الذي رجحه شيخ الإسلام في المتشابه مبنى على الأمر السابق وهو أن القرآن مما يعلم معناه، وأن آياته ليس فيها ما لا سبيل إلى العلم به.
الأمر الثالث: هل ما خالف الدليل العقلي هو المتشابة؟:
سبق في بداية هذه المسألة - مسألة المحكم والمتشابه - ذكر أن من حجج الرازي الذي قصد بها دعم مذهب الأشاعرة، أنه لا يجوز ترك ظاهر النص إلا بدليل، ثم ذكر أن الدلائل اللفظية لا تكون قطعية لأنها موقوفة على عشرة أمور. ولذلك عول على الدليل العقلي وأن ما خالفه فهو من المتشابه ويجب تأويله بما يوافقه.
ومسألة العقل والنقل سبق الحديث عنها، وتبين أن القول بتعارضهما، أو تقديم العقل عند توهم التعارض بينه وبين الشرع، من أعظم الباطل. وقد رد شيخ الإسلام على كلام الرازي السابق - حول التعويل على الدليل العقلي لتمييز المحكم من المتشابه وأن الأدلة اللفظية ليست قطعية - من وجوه عديدة (١)، تعقب فيها عبارات الرازي التي أوردها في أساسه وبين فيها خطأه وتناقضه، مبينا أن كلامه هذا يؤدي إلى عدم الاستدلال بالسمع أصلا - وهو ما صرح به في بعض كتبه - لأن الاحتجاج به موقوف عنده على نفي المعارض العقلي (٢)، ولذلك يقول شيخ الإسلام في أحد الأوجه: "إنك صرحت هنا وفي غير هذا الموضع أن شيئا من الدلائل اللفظية لا يفيد العلم، وحينئذ فالظاهر سواء عارضه دليل عقلي أو لم يعارضه لا يحصل به علم عندك، فإذا أقر الظاهر فإنما يفيد عندك الظن، [و] (٣) الظن لا يجوز التمثيل به في الأصول، فكل آية دلت على مسألة أصولية لا يجوز الاحتجاج بها عندك، بل يجب أن يكون من المتشابه، وعلى هذا فليس القرآن في هذا الباب منقسما عندك إلى محكم ومتشابه، ومع هذا أنه (٤) مناقض لما تقرره فهو مخالف لصريح القرآن والسنة والإجماع،
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٣٠٣-٣٥٧) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/٣٠٨) .
(٣) في المخطوطة بالفاء، ولعل صوابها بالواو كما أثبت.
(٤) كذا في المخطوطة ولعل صحة العبارة: ومع أن هذا.
[ ٣ / ١١٣٧ ]
وهو باطل عقلًا وشرعًا" (١) .
على أن قول الرازي مناقض لنص آية المتشابه لأن الله ﷾ أخبر أن من الكتاب آيات محكمات هن الأصل الذي يبنى ويرد إليه المتشابه، والرازي جعل الأصل الذي يرد إليه: العقل، بل إنه جعل القرآن كله محكمه ومتشابهه يرد إلى هذا الأصل وما خالفه فهو متشابه (٢) .
وهذه الأدلة العقلية التي يعول عليها الرازي وأصحابه، والتي أولوا من أجلها نصوص الصفات التي دل عليها القرآن هي "أقوال باطلة لا تفيد عند التحقيق لا علما ولا ظنا، بل جهلا مركبًا" (٣) .
والقول بأن الدلائل اللفظية لا تفيد القطع هو من أعظم السفسطة، ولذلك لا يعرف هذا القول عن طائفة معينة معروفة من طوائف بني آدم لأنه يؤدي إلى القدح بلغة التخاطب بين الناس التي بها يكلم بعضهم بعضا ويفهم بعضهم عن بعض، وعامة أمور وأحوال بني آدم مبنية على هذا، من بداية تمييز الطفل وفهمه عن والديه، إلى آخر أمور البيع والشراء والنكاح والطلاق وقضاء مختلف الحوائج، ووصف بعضهم لما جرى لبعض الخ"ثم إذا كان هذا البيان والدلالة موجودًا في كلام العامة الذين لا يعدون من أهل العلم، فأهل العلم أولى بأن يبينوا مرادهم، وبأن يفهم مرادهم من خطابهم، وإذا كان هذا في العلماء الذين ليسوا بأنبياء، والأنبياء أولى إذا كلموا الخلق وخاطبوهم أن يبينوا مرادهم، وأن يفهم الناس ما بينوه بكلامهم، ثم رب العالمين أولى أن يكون كلامه أحسن الكلام وأتمه بيانا، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (ابراهيم: من الآية٤) (٤) .
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٣٠٩)، وانظر في الصفحة نفسها نموذجًا آخر لتناقض الرازي.
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/٣٠٩-٣١٠) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٢/٣١٢) .
(٤) انظر: نقض التأسيس - مخطوط (٢/٣١٧) .
[ ٣ / ١١٣٨ ]
ودعوى الرازي أن دلائل القرآن موقوفة على عشرة مقدمات ظنية باطل من وجوه (١)، ولو كان كما زعم لما صار القرآن نورا وهدى وإذا كان بعض الناس قد يحتاج لبعض هذه المقدمات لفهم بعض الآيات - وهذا مما لا ينكر لأنه قد يوجد من هو حديث عهد بالإسلام أن نشأ ببادية بعيدة - إلا أن تعميم ذلك لجميع الناس ولعموم الآيات هو من أظهر البهتان (٢) .
وقول الرازي أن المعول عليه في تحديد المتشابه مخالفة دليل العقل أدى به إلى مقالته الأخرى الباطلة حين ذكر من حكم إنزال المتشابه مخاطبة العوام بما يناسبهم مما ظاهره التجسيم والتشبيه، ليناسب ما توهموه أو تخيلوه، وإنه يجب أن يكشف لهم في النهاية عن أحكام هذه الآيات بتأويلها بما يوافق العقول، يقول شيخ الإسلام عن الرازي، إنه "جعل هو المتشابه ما خالف الدليل العقلي، والمحكم ما لم يخالف الدليل العقلي، فجعل الإحكام هو عدم المعارض العقلي، لا صفة في الخطاب، وكونه في نفسه قد أحكم وبين وفصلن مع أنا لم عارض العقلي لا يمكن الجزم بنفيه إذا جوز وقوعه في الجملة، ولهذا استقر أمره على أن جميع الأدلة السمعية القولية متشابهة لا يحتج بشيء منها في العمليات، فلم يبق على قوله لنا آيات محكمات وهن أم الكتاب بحيث يرد المتشابه إليها ولكن المردود إليه هو العقلي، فما وافقه أو لم يخالفه فهو المحكم، وما خالفه فهو المتشابه، وهذا من أعظم الالحاد في أسماء الله تعالى وآياته، ولهذا استقر قوله في هذا الكتاب (٣) على رأى الملاحدة الذين يقولون إنه أخبر العوام بما يعلم أنه باطل لكون عقولهم لا تقبل الحق، فخاطبهم بالتجسيم (٤) مع علمه أنه باطل، وهذا مما احتج به الملاحدة على هؤلاء في المعاد، وقالوا خاطبهم أيضًا بالمعاد كما خاطبهم بالتجسيم، وهؤلاء جعلوا الفرق أن المعاد علم بالاضطرار من دين الرسول" (٥) .
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس - مخطوط (٢/٣٢١) وما بعدها.
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/٣٢٨-٣٢٩) .
(٣) أي ساس التقديس.
(٤) انظر: أساس التقديس للرازي (ص:١٩٢)، وقد سبق نقل كلامه في بداية هذه المسألة.
(٥) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٢/ ٢٧٤-٢٧٥) .
[ ٣ / ١١٣٩ ]
وهذه المسألة الأخيرة هي مسألة تسلط الفلاسفة والقرامطة على المتكلمين وقد سبق توضيحها في المنهج العام (١) .
الأمر الرابع: أن الصفات ليست من المتشابه:
وهذا هو محك الخلاف ونتيجته، ولن أن الكلام في المحكم والمتشابه سلم من إقحام الصفات فيه وطلب تأويلها وتحريف نصوصا تذرعا بأنه من المتشابه، كما فعل أهل البدع والكلام - لبقي الخلاف فيه مثل غيره من مسائل علوم القرآن كأول ما نزل وآخر ما نزل، والمكي منه والمدني، وغيرها - قابلا لتعدد الآراء واختلافها.
ومع أن الكلام في الأمر الأول - المتعلق بمنع قول أن في القرآن ما لا سبيل لنا إلى العلم - شامل لموضوع الصفات، إلا أن شيخ الإسلام ناقش هذه المسألة - التي وقع فيها بعض الحنابلة أيضًا - حيث أدخلوا أسماء الله وصفاته - أو بعض ذلك في المتشابه، وبعضهم أعتقد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله - وقد جاءت مناقشة شيخ الإسلام لمن توهم ذلك من المتكلمين وغيرهم من خلال وجهين:
أحدهما: مناقضة من قال: إن الصفات من المتشابه، وإنه لا يفهم معناه، يقول شيخ الإسلام: "نقول: أما الدليل على بطلان ذلك فإن ما أعلم عن أ؛ د من سلف الأمة ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفي أن يعلم أحد معناه وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: "تمر كما جاءت"، ونهوا عن تأويلات الجهمية - وردوها وأبطلوها - اتلي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه. ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل
_________________
(١) (ص:٨٩١) وما بعدها.
[ ٣ / ١١٤٠ ]
وغير ذلك، وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت " (١) وسيأتي مزيد إيضاح لكلام الإمام أحمد عن الحديث عن مسألة "التفويض".
والسلف ﵏ تواتر عنهم الرد في تأويلات أهل الكلام، التي هي صرف للنصوص عن ظاهرها إلى ما يخالف ظاهرها، ثم إنهم - ﵏ - أثبتوا هذه الصفات ولم يتوقفوا فيها. فكيف يقال إنها عندهم من المتشابه؟ (٢) .
ومن أدلة شيخ الإسلام على أن الصفات ليست من المتشابه الذي لا يعلم معناه قوله بعد إيراد عدد كبير من نصوص الأسماء والصفات: "فيقال لمن ادعى هذه أنه متشابه لا يعلم معناه: أتقول هذا في جميع ما سمي الله ووصف به نفسه، أم في البعض؟ فإن قلت: هذا في الجميع كان هذا عنادا ظاهرًا وجحدًا لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، بل كفر صريح، فإنا نفهم من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (لأنفال: من الآية٧٥) معنى، ونفهم من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: من الآية٢٠) معنى ليس هو الأول، ونفهم من قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (لأعراف: من الآية١٥٦) معنى ونفهم من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (ابراهيم: من الآية٤٧) معنى، وصبيان المسلمين، بل كل عاقل فيهم يفهم هذا" (٣)، ثم رد على من زعم أن أسماء الله أعلام جامدة كبعض من ابتدع من أهل المغرب، ولعله يقصد ابن حزم (٤) . وقد سبقت الإشارة إلى هذا في مبحث الأسماء في الفصل السابق.
والثاني: إنه لو قيل: إن الصفات من المتشابه، أو فيها ما هو من المتشابه، كما نقل عن الإمام أحمد تسمية ما استدل به الجهمية النفاة متشابها - فيقال "الذي في القرآن لأنه لا يعلم تأويله إلا الله، إما المتشابه، وإما الكتاب كله ونفى علم تأويله ليس نفي علم معناه كما قدمناه (٥) في القيامة وأمور القيامة،
_________________
(١) الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى - (١٣/٢٩٤-٢٩٥) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١٣/٢٩٦) .
(٣) انظر: المصدر السابق (١٣/٢٩٧) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (١٣/٢٩٧-٣٠٥) .
(٥) انظر: المصدر نفسه (١٣/٢٨٠-٢٨١) .
[ ٣ / ١١٤١ ]
وهذا الوجه قوى إن ثبت حديث ابن إسحاق في وفد نجران أنهم احتجوا على النبي - ﷺ - بقوله (إنا) و(نحن) ونحو ذلك (١)، ويؤيده أيضا أنه قد ثبت أن في القرآن متشابها وهو ما يحتمل معنيين، وفي مسائل الصفات ما هو من هذا الباب كما أن ذلك في مسائل المعاد وأولى، فإن نفي المتشابه بين الله وخلقه أعظم من نفي المتشابه بين موعود الجنة وموجود الدنيا.
وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولا أن نفي علم التأويل ليس نفيا لعلم المعنى" (٢)، ثم زاده شيخ الإسلام تقريرًا وشرحا بشواهد الكتاب والسنة وكلام الصحابة وسائر السلف والأئمة الذين تكلموا في نصوص الصفات وغيرها، وفسروها بما يوافق دلالاتها وبيانها، وحرص عبد الله بن مسعود على تعلم التفسير، ودعاء النبي - ﷺ - لابن عباس، وتعلم جميع الصحابة التفسير مع التلاوة، وأقوال الأئمة، كل ذلك أدلة واضحة لمن هداه الله على إثباتهم للصفات التي دلت عليها النصوص، مع نفي العلم بالكيفية.
وبهذا يتبين أنه على القول بأن الصفات ليست من المتشابه مطلقا، أو القول بأنها من المتشابه - بالمعنى السابق - ليس لأهل الكلام ولا لغيرهم دليل على زعمهم أنه يلزم فها تفويض السلف للمعنى والكيفية، أو تأويلها بما يوافق عقولهم الفاسدة.
الفرع الثاني: التأويل والمجاز:
بين التأويل والمجاز علاقة واضحة (٣)، ويجمعهما أنهما صارا مطية لكثير من الفرق الضالة في تعاملها مع النصوص لتوافق ما لديهما من اعتقادات فاسدة، والين بحثوا في هذين الموضعين - من منطلق لغوي - وجدوا أن الكلام فيهما نشأ وترعرع في أحضان أهل الكلام من المعتزلة والباطنية وغيرهم (٤)، وفي العصر
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام (٢/٢٢٤)، والروض الأنف (٥/١٠) .
(٢) الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى - (١٣/٣٠٦)، وانظر ظاهرة التأويل وصلتها باللغة (ص:١١٧-١١٨) .
(٣) انظر: ظاهرة التأويل وصلتها باللغة للسيد أحمد عبد الغفار (ص:١٦٦-١٧٤) .
(٤) انظر: المصدر السابق (ص: ٤٧) وما بعدها، و(ص: ٧٢) وما بعدها، وانظر أيضًا: فلسفة المجاز تأليف لطفي عبد البديع (ص:٢٢) وما بعدها، وانظر أيضًا: التصور اللغوي عند الإسماعيلية (ص:١٢٧) وما بعدها، وكتاب التأويل الإسماعيلي الباطني ومدى تحريفه للعقائد الإسلامية (ص:٢١) وما بعدها.
[ ٣ / ١١٤٢ ]
الحاضر كثيرا ما ينطلق دعاة الاستغراب والفكر العقلاني المتمرد على الإسلام وتراثه، باسم الحداثة أو غيرها، كثيرا ما ينطلق هؤلاء من مبدأ "التأويل" (١) .
ولأهمية موضوع التأويل والمجاز في علاقتهما بالعقيدة اهتم شيه الإسلام في بيان القول فيهما، دفاعا عن عقيدة السلف، وردا على أهل البدع، وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم إلى أفرد لموضوع التأويل مباحث مطولة في مقدمة كتابه "الصواعق المرسلة" (٢)، ثم لما ذكر الطواغيت الأربعة جعل منها طاغوت المجاز (٣) .
وقد سبق عند الكلام عن المحكم والمتشابه عرض بعض القضايا المتعلقة بالتأويل، وبقيت بعض المسائل التي تحتاج إلى بيان، ونقد عرض لها شيخ الإسلام ومنها:
- التأويل في مصطلح المتأخرين. وتعارض ذلك مع فهم السلف له.
- القرائن المتصلة بالخطاب التي توضح أن النص ليس على ظاهره هل هو تأويل؟.
_________________
(١) مر دعاة التغريب بمرحلتين: إحداهما: رفض الإسلام والدين جملة وتفصيلا، والدعوة إلى التبعية لأفكار الغرب ومنطلقاتهم الإلحادية - شرقية أو غربية. والثانية: أ، هؤلاء لما وجدوا أن الشعوب الإسلامية - والطبقة الواعية بالذات - رافضة لمنهجهم وإلحادهم، متجهة نحو دينها وتراثها - أخذوا في مسايرة الموجه، فصاروا يبحثون عن منطلقات تراثية لأفكارهم، فوجدوا في آراء الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، والقرامطة، والباطنية، والصوفية، ما يعدونه تراثا له قيمة عظيمة ينبغي الرجوع إليه والانطلاق منه. وعلى سبيل المثال وجدوا٣ في قضية "التأويل" عند الفرق مجالا خصبا لدعم توجهاتهم الفكرية. انظر مثلا: التأويل والحقيقة: قراءة تأويلية في الثقافة العربية، لأحد كتاب الحداثة وأسمه عليه حرب (ص:٢١) وما بعدها، و(ص:١٢١) وما بعدها، و(ص:٢٢١) وما بعدها. وقد دعا (ص:٢٣١) إلى تجديد التأويل، تبعا لأستاذه محمد أركون، وانظر أيضا: فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين ابن عربي تأليف: نصر حامد أبو زيد، (ص:١١) وما بعدها، وقد نعى في (ص:١٢) على ابن تيمية وابن القيم لقولهما إن المعرفة الدينية لا تتطور.
(٢) انظر: الصواعق المرسلة - الأصل - (ص:١٧٠-٦٣١) - ت الدخيل الله.
(٣) انظر: المصدر السابق (ص:١٧٣،٦٣٢)، أما تفصيل القول فيه ففي مختصر الصواعق (٢/٢) وما بعدها.
[ ٣ / ١١٤٣ ]
- ما هو الذي يؤول والذي لا يؤول، وتناقض المتكلمين في ذلك.
- هل قال الإمام أحمد بالتأويل؟:
- الحقيقة والمجاز.
ويمكن مناقشتها من خلال الأمور التالية:
الأمر الأول: التأويل ومعانيه:
ابتدع المتأخرون معنى للتأويل لم يكن معروفًا عند السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وقالوا: هو صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، ثم فسروا التأويل الوارد في آية آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: من الآية٧) بهذا المصطلح الذي أحدثوه، ومن ثم أضفوا الشرعية علىتأويلاتهم لنصوص الصفات أو بعضها.
وقد أولى شيخ الإسلام هذه المسألة اهتماما كبيرًا، وعرض لها في مناسبات عديدة من كتبه، وانطلق في ذلك من بيان التأويل الواردة في الكتاب والسنة وأقوال السلف، حيث أوضح من خلال التتبع الدقيق لموارد لفظة "التأويل" في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وأئمة السلف (١)، وانتهى من ذلك إلى أن التأويل ورد عندهم بمعنيين:
أحدهما: أنه بمعنى المرجع والمصير، والحقيقة التي تؤول إليها الشيء.
والثاني: أنه بمعنى التفسير (٢) .
أما المعنى الثالث الذي اصطلح عليه المتأخرون وهو صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فليس معروفا عندهم، يقول شيخ الإسلام
_________________
(١) انظر مثلا: تفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى - (١٧/٣٦٤-٣٧٢)، ونقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٤١-٢٤٧) .
(٢) انظر: شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٣٤٧-٣٥٠)، والفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (٥/٣٥-٣٦)، ومجموع الفتاوى (٤/٦٨-٦٩) والدرء (١/١٤-١٥)، والإكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى (١٣/٢٨٨-٢٨٩)، ونقض التأسيس - مخطوط - (٣/٢-٤) .
[ ٣ / ١١٤٤ ]
بعد ذكر المعاني السابقة: "والمقصود هنا أن السلف كان أكثرهم يقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ بناء على أن التأويل هو الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، لا يعلمها إلا هو، وطائفة كمجاهد وابن قتيبة (١) وغيرهما قالوا: بل الراسخون يعلمون التأويل، ومرادهم بالتأول المعنى الثاني وهو التفسير، فليس بين القولين تناقض في المعنى.
وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه فهذا لم يكن هوالمراد بلفظ التأويل في كلام السلف، اللهم إلا أنه إذا علم أن المتكلم أراد المعنى الذي يقال إنه خلاف الظاهر جعلوه من التأويل الذي هو التفسير، لكونه تفسيرًا للكلام وبيانا لمراد المتكلم به، أو جعلوه من النوع الآخر الذي هو الحقيقة الثابتة في نفس المر التي استأثر الله بعلمها لكونه مندرجًا في ذلك لا لكونه مخالفا للظاهر.
وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه، فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل، كما ننكر قول من فسر كلام المتكلم بخلاف مراده " (٢) .
وقد أراد شيخ الإسلام من هذا الكلام. تقرير عدة أمور:
١- أنه لا يجوز حمل النصوص على مصطلح حادث، بل لا بد من الرجوع أولا إلى الاستعمالات الواردة لهذا اللفظ وقت النزول. ولفظ التأويل لم يرد في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة إلا بهذين المعنيين، فحمل لفظ التأويل - في آية آل عمران - على غيرهما باطل.
٢- أن القراءتين الواردتين في الآية صحيحتان (٣)، ولا تعارض بينهما،
_________________
(١) انظر: تأويل مشكل القرآن (ص:٩٨-١٠١) .
(٢) الصفدية (١/٢٩١) .
(٣) انظر: المكتفى في الوقف والابتداء لأبي عمرو الداني (ص:١٩٤-١٩٧)، ومنار الهدى في بيان الوقف والابتداء للأشموني (ص:٧٠) .
[ ٣ / ١١٤٥ ]
وكل قراءة محمولة على معنى من معاني التأويل الوارد. ففي قراءة الوقف على لفظ الجلالة - وهي قراءة الجمهور - يكون معنى التأويل حقيقة الشيء في قراءة الوصل يكون معناه التفسير.
٣- أن التأويل هو بيان مراد المتكلم، وليس هو بيان ما يحتمله اللفظ في اللغة (١)، ولذلك فقد يوجد في كلام السلف تفسير الآية على خلاف ظاهرها - مما قد يقال بأنه صرف للفظ عن ظاهره - ولكن هذا من باب بيان مراد المتكلم وتفسير كلامه، بضم النظائر إلى بعضها، وتفسير بعض النصوص بنصوص أخرى، توضح المراد منها، وتزيل ما قد يشتبه منها على بعض الناس: وشيخ الإسلام كثيرًا ما يركز على "أن الرسول بلغ البلاغ المبين، وبين مراده، وأن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه إنه يحتاج إلى التأويل الاصطلاحي الخاص الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فلا بد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر، لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل، ويسكت عن بيان المراد بالحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه لا مكان معرفة ذلك بعقولهم، وأن هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين الذي هدى الله به العباد وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، وفرق الله به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين الرشاد والغي، وبين أولياء الله وأعدائه، وبين ما يستحقه الرب من الأسماء والصفات وما ينزه عنه من ذلك.
فمن زعم أنه تكلم بما لا يدل إلا على الباطل، لا على الحق ولم يبين مراده، وإنه أراد بذلك اللفظ المعنى الذي ليس بباطل، وأحال الناس في م عرفة المراد على ما يعلم من غير جهته بآرائهم فقد قدح بالرسول" (٢) .
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٢/١٧٢) .
(٢) انظر: درء التعارض (١/٢٢-٢٣)، وانظر تفصيلا مهما لهذه المسألة في نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٦٢-١٧٧)، ويلاحظ أ، هذا الجزء بدأه بالرد على ما زعمه الرازي من أن جميع الفرق مقرون بأنه لا بد من التأويل، ثم ذكر تسعة أمثلة من القرآن وعشرة من السنة، فعقب شيخ الإسلام - بعد مناقشة كل واحد منها - بقوله عن الرازي: "قلت قد ذكر تسعة عشر حرفا على عدد خزنة جهنم وليس فهيا ما يوجب التأويل " (٣/١٦٢) .
[ ٣ / ١١٤٦ ]
وأهل الكلام الباطل ينظرون إلى النص بحد ذاته، ويعلمون فيه آراءهم واجتهاداتهم ومسلماتهم العقلية، دون أن ينظروا إلى مراد المتكلم وقصده من هذا الكلام، ودون أ، يرجعوا إلى النصوص الأخرى التي قد تكون نصا في بيان المراد.
ولذلك فإنهم حين يلحظون من كلامهم غلوا في صرف الألفاظ والنصوص عن معانيها، أو يوجه إليهم استشكال وتساؤل عن أسباب هذا التأويل - الذي هو في الحقيقة تحريف وتعطيل - يلجأون إلى جواب غير مقنع - وإخاله غير مقنع لهم أنفسهم لكنهم اضطروا إليه - وهو قولهم أن فائدة إنزال النصوص المثبتة للصفات اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها بالأدلة المعارضة لها، لتنال النفوس الثواب، وتنهض إلى التفكر والاستدلال بالأدلة العقلية، الموصلة إلى الحقد على حد زعمهم (١) . وعليه فالهدى والنور والبيان الذي جاء به الكتاب والسنة لا يتم إلا بتحريف نصوصهما بما يوافق معقولات الفلاسفة والجهمية وأهل البدع والكلام والباطل!، وقد ضرب شيخ الإسلام لذلك بمثال، أطال في شرحه (٢) .
والخلاصة أن الأقوال في التأويل، وفي تفسير آية آل عمران على كلا القراءتين، ليس في ذلك كله ما يبرر مذهب النفاة الذين حرفوا كثير من النصوص باسم "التأويل" (٣) .
الأمر الثاني: القرائن المتصلة بالخطاب التي تدل على أ، النص ليس على ظاهره هل يعتبر تأويلا؟ وما الشيء الذي يؤول والذي لا يؤول؟
هذه المسألة من المسائل التي كثر الخوض فيها دون ضابط أو منهج صحيح، ولذلك ضل فيها طائفتان:
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٣٦٥) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/٣٦-٣٦٨) .
(٣) من الدراسات الجيدة في هذا الموضوع، ما كتبه الدكتور محمد السيد الجليند بعنوان: الإمام ابن تيمية وقضية التأويل، انظر (ص:٢٩) وما بعدها، وهي دراسة قائمة على فهم صحيح لمنهج شيخ الإسلام. والمشكلة أن كثير من الدارسين في أقسام الفلسفة قد يتعرضون في كتبهم وبحوثهم لآراء شيخ الإسلام ولكن بدون فهم لحقيقة مذهبه ومنهجه، ولذلك تأتي أقوالهم تحمل كثيرًا من الأخطاء العلمية والمنهجية بحق مذهب السلف وبحق المدافعين عنه.
[ ٣ / ١١٤٧ ]
طائفة: ظنت أنه إذا كان بعض نصوص الصفات ليس على ظاهره، مثل حديث: عبدي مرضت (١)، ونحوه، فهو دليل على جواز التأويل لكل نص وارد في الصات دل ظاهره على التشبيه أو خالف المعقول مثلا، ولو كان ثبوته ودلالته قطعيين - وهذا قول طوائف أهل الكلام - مع تفاوتهم في ذلك -.
وطائفة: عكست الأمر فظنت إنه إذا كان لا يجوز التأويل في نصوص الصفات، فكذلك النصوص الأخرى يجب حملها على ظاهرها، ولو دلت القرائن على أن هذا الظاهر الفاسد منتف، وهؤلاء كثيرا ما يخلطون بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة.
وكل من الطائفتين لم يوفق إلى الحق والصواب، بل وقع في البدعة وخالف النصوص الدالة على إثبات الصفات لله من غير تمثيل ولا تعطيل. وسبب ذلك أنهم لم يفرقوا في النصوص بين ما هو من الصفات وما ليس منها، وإنما خلطوا الأمر إما إثباتًا أو نفيًا وتعطيلًا.
وقد اهتم شيخ الإسلام بهذا الأمر، وميز تمييزا واضحا بين النصوص الدالة على الصفات، والنصوص التي ليست منها، إما لعدم ثبوتها، أو لأن القرائن دلت على أنها ليست من الصفات.
بل قد قال شيخ الإسلام جازمًا: "وأما الذي أقوله الآن وأكتبه - وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس - أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها. وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مئة تفسير، فلم أجد - إلى ساعتي هذه - عن أحد من الصحاب أنه تأول شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف" (٢) .
_________________
(١) سبق تخريجه (ص:٨٣٦) .
(٢) مجموع الفتاوى (٦/٣٩٤) .
[ ٣ / ١١٤٨ ]
فالشأن أن تكون من آيات الصفات أو أحاديث الصفات، أما النصوص الأخرى التي قد تدل على الصفة، لكن ليست نصا فيها، فخلاف علماء أهل السنة فيها لا يجعل قول من لم يثبت بها صفة دليلا على تأويل الصفات، لأن النص نفسه ليس صريحا في ذلك.
وقد أورد شيخ الإسلام عددا من الأمثلة على ذلك، وقبل إيراد نماذج منها يحسن ذكر ما قاله في مقدمة أحدها، فقد أورد -﵀- مسألة قربه تعالى من عباده، والخلاف في ذلك، ثم قال: "وإذا كان قرب عباده من نفسه، وقربه منهم، ليس ممتنعا عند الجماهير من السلف وأتباعهم من أهل الحديث، والفقهاء، والصوفية، وأهل الكلام، لم يجب أ، يتأول كل نص فيه ذكر ربه من جهة امتناع القرب عليه، ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دل على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا حمل عليه، كما تقدم في لفظ الإتيان والمجيء: إن (١) كان في موضع قد دل عندهم على أنه هو يأتي، ففي موضع آخر دل على أنه يأتي بعذابه، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِد﴾ (النحل: من الآية٢٦) وقوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ (الحشر: من الآية٢) .
فتدبر هذا؛ فإنه كثير ما يلغط الناس في هذا الموضع، إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة، ودلالة نص عليها: يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ - حيث ورد - دالا على الصفة وظاهرا فيها. ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا. وقد يقول بعضا لمثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك، بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة، جعلوا كل آية فهيا ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات، كقوله تعالى: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (الزمر: من الآية٥٦) .
وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط؛ فإن الدلالة
_________________
(١) في مجموع الفتاوى [وإن] لعل الواو زائدة.
[ ٣ / ١١٤٩ ]
في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية، وهذا موجود في أمر المخلوقين، يراد بألفاظ الصفات منهم في مواضع كثيرة غير الصفات" (١)، ثم ذكر مثالين نافعين لذلك.
وبعد هذه المقدمة نعود إلى ما ذكره من أمثلة من الكتاب وأمثلة من السنة:
أولًا: أمثلة من الكتاب:
١- قال الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية١١٥)، ويقول شيخ الإسلام عن صفة الوجه: "لما كان إثبات هذه الصفة مذهب أهل الحديث، والمتكلمة الصفاتية: من الكلابية، والأشعرية، والكرامية، وكان نفيها مذهب الجهمية: من المعتزلة وغيرهم، ومذهب بعض الصفاتية من الأشعرية وغيرهم، صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع، فالمثبت يجعلها من الصفات التي لا تتأول بالصرف، والنافي يرى أنه إذا قام الدليل على أنه ليست صفة فكذلك غيرها، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية١١٥) أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة، حتى عدها أولئك - كابن خزيمة - مما يقرر إثبات الصفة (٢)، وجعل [النفاة] (٣) تفسيرها بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع" (٤) .
ثم ذكر قصته في المناظرة التي عقدت له فقال: "ولهذا لما اجتمعنا في المجلس المعقود - وكنت قد قلت: أمهلت كل من خالفني ثلاث سنين إن جاء بحرف واحد عن السلف يخالف شيئًا مما ذكرته كانت له الحجة، وفعلت وفعلت، وجعل المعارضون يفتشون الكتب فظفروا بما ذكره البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية١١٥)،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/١٣-١٥) .
(٢) انظر: التوحيد (١/٢٥) - المحققة.
(٣) في مجموع الفتاوى [المنافية] ولعل الصواب ما أثبت.
(٤) مجموع الفتاوى (٦/١٥) .
[ ٣ / ١١٥٠ ]
فإنه ذكر عن مجاهد والشافعي أن المراد: قبلة الله (١) - فقال أ؛ د كبرائهم - (٢) في المجلس الثاني - قد أحضرت نقلا عن السلف بالتأويل، فوقع في قلبي ما أعد، فقلت: لعلك قد ذكرتما روى في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ قال: نعم، قلت: المراد بها قبلة الله، فقال: قد تأولها مجاهد والشافعي وهما من السلف. ولم يكن هذا السؤال يرد علي، فإنه لم يكن شيء مما ناظروني فيه صفة الوجه، ولا أثبتها (٣)، لكن طلبوها من حيث الجملة، وكلامي كان مقيدًا كما في الأجوبة، فلم أر احقاقهم في هذا المقام، بل قلت: هذه الآية ليست من آيات الصفات أصلا، ولا تندرج في عموم قول من يقول: لا تؤول آيات الصفات.
قال: أليس فيها ذكر الوجه؟ فلما قلت: المراد بها قبلة الله، قال: أليست هذه من آيات الصفات؟ قلت: لا، ليست من موارد النزاع، فإني إنما أسلم أن المراد بالوجه - هنا - القبلة، فإن الوجه هو الجهة في لغة العرب، يقال: قصدت هذا الوجه، وسافرت إلى هذا الوجه، أي: إلى هذه الجهة " - وبعد أن زاد هذا شرحًا، قال: في كلام مهم جدا: "ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله، أي قبلة الله، ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه ويقول: إن الآية دلت على المعنيين، فهذا شيء آخر ليس هذا موضعه. والغرض أنه إذا قيل: فثم قبلة الله، لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه الذي ينكره منكروا تأويل آيات الصفات، ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه، والآية دالة عليه، وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شيء آخر، ويبقى دلالة [قوله] (٤) ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
_________________
(١) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (ص:٣٠٩) .
(٢) لعله صفي الدين الهندي.
(٣) أي أنهم في المناظرة الأولى حول الواسطية لم يناظروه فيما ذكره من إثبات صفة الوجه حيث ذكر قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه﴾ (القصص: من الآية٨٨) ضمن نصوص أخرى. وقوله هنا (ولا أثبتها) يحتمل أنه يقصد إنه لم ينص عليها - شرحا وبيانا في الواسطية ما فعل في العلو والكلام والرؤية، ويحتمل أ، يقصد آية ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي أنه لم يذكرها كدليل على صفة الوجه، ولعل هذا أرجح.
(٤) في مجموع الفتاوى [قولهم]، ولعل المثبت هو الصواب.
[ ٣ / ١١٥١ ]
على فثم قبلة الله، هل هو من باب تسمية القبلة وجها باعتبار أن الوجه والجهة واحد؟ أو باعتبار أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله؟ فهذا فيه بحوث أخرى، ليس هذا موضعها" (١) .
وفي نقض التأسيس أشار إلى ما ذكره هنا، مع زيادة في الشرح والتوضيح، وقال في أثناء ذلك: "فهذا القول ليس عندنا من باب التأويل الذي هو مخالفة الظاهر أصلًا، وليس المقصود نصر هذا القول، بل بيان توجيهه وأن قائليه من السلف لم يكونوا من نفاة الصفة، ولا ممن يقول: ظاهر الآية ممتنع " (٢)، ثم ذكر ثلاث احتمالات في هذه الآية:
أحدها: أنها دالة على الصفة، وحينئذ تقر على ظاهرها، ولا محذور فيه، ومن يقول بهذا لا يقول إن وجه الله هو نفسه في الأجسام المستقبلة ولا يقول هذا أحد من أهل السنة، و"ثم" إشارة إلى البعيد.
والثاني: أن ظاهرها أن الذي ثم هو القبلة المخلوقة فقط، وفي هذه لا تكون الآية مصروفة عن ظاهرها، وتوجيه ذلك أن "ثم" إشارة إلى مكان موجود، والله تعالى فوق العالم ليس هو في جوف الأمكنة.
والثالث: أن يقال ظاهرها يحتمل الأمرين، وحينئذ فقول مجاهد لا ينافي ذلك (٣) .
ولكن ما الذي يرجحه شيخ الإسلام - مع قوله إن قول مجاهد "فثم قبلة الله" ليس تأويلا ولا حجة فيه للنفاة؟، سبق قبل قليل نقل قوله في مجموع الفتاوى: "ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله أي قبلة الله، ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة "، وزاده في نقض التأسيس بيانا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/١٥-١٧)، وقارن بالمناظرة حول الواسطية - مجموع الفتاوى - (٣/١٩٣) .
(٢) نقض التأسيس - مخطوط - (٣/٧٩) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٣/٧٩) .
[ ٣ / ١١٥٢ ]
فقال في أحد وجوه الرد على الرازي: "الوجه الثالث: أن يقال: بل هذه الآية دلت على الصفة كغيرها، وذلك هو ظاهر الخطاب وليست مصروفة عن ظاهرها، وإن كانت مع ذلك دالة على استقبال قبلة مخلوقة، ونجزم بذلك فلا نسلم أنها مصروفة عن ظاهرها، ولفظ "الوجه" هو صفة الله، فما الدليل على وجوب تأويلها، وقوله ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ فيه الإشارة إلى وجه الله بأنه ثم، والله تعالى يشار إليه كما تقدم تقرير هذا" (١) .
ويجب أن لا يغيب عن البال - في خضم هذه المناقشات - أن الخلاف ليس في إثبات صفة "الوجه" لله تعالى، لأن هذه الصفة ثابتة بنصوص أخرى صريحة قطعية، لا مجال فيها لأي احتمال - وقد أثبتها متقدمو أئمة الأشاعرة - ولكن الكلام هنا يدور حول أحد النصوص الواردة وهو قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ هل هو دال على الصفة أم لا؟.
والخلاصة أن دلالة مثل هذه الآية محتملة، وهي لا تخالف النصوص الأخرىالمثبتة لصفة الوجه، وليس فيما قاله مجاهد - تفسيرا لها - حجة للنفاة على جواز التأويل، وسواء دلت على الصفة أو لم تدل فليس للنفاة فيها حجة أصلا.
٢- ومن الأمثلة أيضًا قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (الزمر: من الآية٥٦)، يقول شيخ الإسلام في معرض رده على الرازي - الذي يذكر بعض النصوص التي تحتاج إلى تأويل، ويحتج بها على جواز التأويل: "يقال: من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد صفة لله، ومن المعلوم أن هذا لا يثبته جميع مثبتة الصفات الخبرية، بل كثير منهم ينفون ذلك، بل ينفون قول أحد منهم بذلك (٢) "، ثم نقل كلام الدارمي في نقضه على المريسي - ورده عليه في احتجاجه بهذه الآية - وأنه قال: "وادعى المعارض زورا على قوم أنهم يقولون في تفسير قوله الله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى
_________________
(١) نقض التأسيس - مخطوط - (٣/٨٦) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٣/١١) .
[ ٣ / ١١٥٣ ]
مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه﴾ (الزمر: من الآية٥٦) قال: يعنون بذلك الجنب [الذي] (١) هو العضو، وليس على ما يتوهمونه، قال: فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك، وأخفه على لسانك، فإن كنت صادقا في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بالتفسير منك، وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك؟، إنما تفسيرها عندهم: تحسر الكافرين على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله، واختاروا علهيا الكفر والسخرية بأولياء الله فسماهم الساخرين (٢)، فهذا تفسير الجنب عندهم، فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب، فإنه لا يجهل (٣)
هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلا عن علمائهم " (٤)، ثم عقب شيخ الإسلام بتوجيه آخر يدل على أنها ليست صفة، ونقل كلام ابن بطة والقاضي أبي يعلي (٥) .
وقد عقب شيخ الإسلام على ما مضى - رادا على الرازي الذي زعم أن ظاهر القرآن يلزم منه أن لله جنبا واحدا عليه أيد كثيرة (٦) فقال: "وأين في ظاهر القرآن أنه ليس لله جنب واحد بمعنى الشق، ولكن قد يقال: القرآن فيه إثبات جنب الله تعالى، وفيه إثبات التفريط فيه، فثبوت نوع من التوسع والتجوز فيما جعل فيه لا يوجب ثبوت التوسع والتجوز فيه كما في قوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (الملك: من الآية١)، فإن هناك شيئين: اليد (٧) وكون الملك فيها، ولهذا تنازعوا في إثبات ذلك صفة لله" (٨) .
وما أشار إليه شيخ الإسلام من صفة "اليد" أوضحه في مكان آخر فقال رادا على نفاة هذه الصفة: "ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو عملته يداك،
_________________
(١) زيادة من رد الدارمي على المريسي - وهي ليست في المخطوطة.
(٢) في المخطوطة (الساخرون) وهي على الصواب في الرد على المريسي.
(٣) في الرد على المريسي: فإنه يجهل..
(٤) نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١١-١٢)، والنص في الرد على المريسي للدارمي (ص: ٥٣٩-٥٤٠) ضمن "عقائد السلف".
(٥) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٢-١٤) .
(٦) انظر: المصدر السابق (٣/٨-١١) .
(٧) في المخطوطة (إليه) وهو خطأ.
(٨) نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١١) .
[ ٣ / ١١٥٤ ]
فهما شيئان، أحدهم: إثبات اليد، والثاني: إضافة الملك والعمل إليها. والثاني يقع فيه التجوز كثيرًا، أما الأول فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له "يد" حقيقة، ولا يقولون: يد الهوى، ولا يد الماء، فهب أن قوله: بيده الملك، قد علم منه أن المارد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة" (١) .
ولعله اتضح معنى قوله في نص - نقض التأسيس - عن قوله ﴿بِيَدِهِ الْمُلْك﴾: "ولهذاتنازعوا في إثبات ذلك صفة لله" أن المقصود بذلك أن من قال إن المراد بذلك بقدرته قد لا يحتج بهذه الآية على إثبات هذه الصفة لله، ولكن ها هنا أمران:
أحدهما: أن إثبات صفة اليدين قد دلت عليه أدلة قطعية، لا مجال فيها لأي تأويل.
الثاني: أن قوله ﴿بِيَدِهِ الْمُلْك﴾ وإن قيل إن معناه بقدرته، إلا أن الآية تدل على إثبات اليد لله، لأنه لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة.
والخلاصة أن آية ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه﴾ من قال إن المقصود هو التحسر على التفريط في الإيمان والأعمال الصالحة، فليس قوله هذا تأويلًا لصفة من الصفات، حتى يكون حجة لنفاة الصفات. وكذلك من أثبت بهذه الآية الصفة، فإنه أثبت صفة الجنب لله، وأثبت التفريط فيه، مثل قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْك﴾، وقال: إنه لا يتجوز بذلك إلا لمن له جنب. والله أعلم.
٣- ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (القلم: من الآية٤٢) فإن الصحابة والتابعين قد تنازعوا في هذه الآية، هل المقصود بها الكشف عن الشدة، أو المراد أن الرب تعالى يكشف عن ساقه، "ولم تتنازع الصحابة والتابعون فيما ذكر من آيات الصفات إلا في هذه الآية، بخلاف قوله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ (صّ: من الآية٧٥)، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (الرحمن: من الآية٢٧) ونحو ذلك، فإنه لم يتنازع فيه الصحابة والتابعون، وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك
_________________
(١) الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى - (٦/٣٧٠) .
[ ٣ / ١١٥٥ ]
صفة لله تعالى لأنه قال ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق﴾ ولم يقل عن ساق الله، ولا قال يكشف الرب عن ساقه، وإنما ذكر ساقا نكرة غير معرفة ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله، والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن، وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في الصحيحين الذي قال فيه: "فيكشف الرب عن ساقه" (١)، وقد يقال أن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود، والسجود لا يصلح إلا الله، فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه، وأيضًا فحمل ذلك على الشدة لا يصح، لأن المستعمل في الشدة أن يقال: كشف الله الشدة، أي أزالها، كما قال ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (٢)
(الزخرف:٥٠) وقال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ (٣) إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوه﴾ (لأعراف: من الآية١٣٥) وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (المؤمنون:٧٥)، وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أنه يقال: كشف الشدة: أي أزالها، فلفظ الآية ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاق﴾ وهذا يراد به الإظهار والإبانة" (٤) .
وشيخ الإسلام يرجح دلالة الآية على الصفة، خاصة مع دلالة الحديث الواضحة، ومع ذلك فمن قال من السلف إن المراد بها الكشف عن الشدة، فليس قولهم تأويلا، ثم إنهم يثبتون هذه الصفة بالحديث الصحيح، فلو كان قصدهم التأويل - لذات التأويل - كما يدعي النفاة، لكان تأويلهم للحديث أولى، لكن لما أنهم لم يفرقوا بين دلالة الكتاب والسنة الصحيحة على إثبات الصفات،
_________________
(١) متفق عليه من حديث طويل، البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: من الآية ٢٢-٢٣)، ورقمه (٧٤٣٩)، (فتح الباري ١٣/٤٢٠-٤٢٢)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، ورقمه (١٨٣)، وقد ورد في صحيح مسلم، كتاب الفتن واشتراط الساعة، باب خروج الدجال حديث رقم (٢٩٤٠) قال في آخره "قال فذاك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق".
(٢) في المخطوطة (يمكثون)، وهو خطأ..
(٣) في المخطوطة (العذاب)، وهو خطأ.
(٤) نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٥-١٦) .
[ ٣ / ١١٥٦ ]
أثبتوا هذه الصفة بالسنة مع ترجيحهم إن الآية لها معنى آخر. فالنتيجة واحدة.
ثانيًا: أمثلة السنة:
من الأصول الفاسدة التي بنى عليها النفاة من أصحاب التأويل الذين أوجبوه وقالوا إنه صرف اللفظ من الإحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح - قولهم إنهم لا بد من تأويل بعض الظواهر، مثل قوله: عبدي مرضت فلم تعدني، ومثل الحجر الأسود يمين الله في الأرض، وغيرهما، ثم زعمهم أن أي نص خالف رأيهم أو مذهبهم هو من هذا الباب وإنه يحتاج إلى تأويل، فهم بين أمرين:
١- أما أن يجعلوا المعنى الفاسد ظاهر اللفظ.
٢- أو يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل.
والثاني مثل تأويلهم لكثير من نصوص الصفات الصريحة، كقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ (الرحمن: من الآية٢٧)، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ (صّ: من الآية٧٥) وقوله - ﷺ - "يضع عليها قدمه" (١) أي النار، حيث زعموا أن هذه النصوص الواضحة الصريحة القاطعة لا تدل على صفة، ويجب تأويلها.
أما الأول - وهو الشاهد هنا - فقد ذكر شيخ الإسلام عدة أمثلة يمكن الإشارة إلى بعضها باختصار:
١- حديث: عبدي مرضت فلم تعدني جعت فلم تطعمني (٢)، فظن هؤلاء النفاة أن ظاهر الحديث أن الله تعالى هو الذي مرض وهو الذي جاع فجعلوا هذا المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، وعلى كلامهم يكون ظاهر كلام الله ورسوله كفرا والحادا. ثم قالوا لا بد فيه من التأويل.
وقد بين شيخ الإسلام غلط هؤلاء وقال: "أما النصوص التي يزعمون أن ظاهرها كفر، فإذا تدبرت النصوص وجدتها قد بينت المراد، وأزالت الشبهة،
_________________
(١) سبق تخريجه (ص:٦٨٢) .
(٢) سبق تخريجه (ص:٨٣٦) .
[ ٣ / ١١٥٧ ]
فإن الحديث الصحيح لفظه: عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده"، فنفس ألفاظ الحديث نصوص في أن الله لا يمرض وإنما الذي مرض عبده المؤمن. ومثل هذا لا يقال: ظاهره أن الله يمرض فيحتجا إلى تأويل؛ لأن اللفظ إذا قرن به ما يبين معناه، كان ذلك هو ظاهره، كاللفظ العام إذا قرن به استثناء أو غاية أو صفة كقوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاما﴾ (العنكبوت: من الآية١٤) وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْن﴾ (النساء: من الآية٩٢) ونحو ذلك، فإن الناس متفقون على أنه حينئذ ليس ظاهره ألفا كاملة، ولا شهرين سواء كانا متفرقين أو متتابعين" (١) " (٢) .
"فهذا الحديث قد قرن به الرسول بيانه، وفسر معناه، فلم يبق في ظاهره ما يدل على باطل، ولا يحتاج إلى معارضة بعقل ولا تأويل يصرف به ظاهره إلى باطنه بغير دليل شرعي، فأما أن يقال: إن في كلام الله ورسوله ما ظاهره كفر والحاد من غير بيان من الله ورسوله لما يزيل الفساد ويبين المراد، فهذا هو الذي تقول أعداء الرسل، الذين كفروا من المشركين وأهل الكتاب، وهو الذي لا يوجد في كلام الله أبدًا" (٣) .
وكثيرًا ما يورد شيخ الإسلام هذا المثال، ولذلك بين المراد منه في مناسبات متعددة (٤) .
_________________
(١) علق المحقق -﵀- على الآيتين، فأصاب في تعليقه على الأولى، دون الثانية، لأن المقصود بها أ، الناس متفقون على وجوب التتابع في صوم هذين الشهرين، وأن الإنسان ليس م خيرا بين صيامهما متتابعين أو متفرقين.
(٢) درء التعارض (٥/٢٣٥-٢٣٦) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٥/٢٣٣) .
(٤) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/٨٨-٩١)، فقد أطال الكلام حوله، ورد على الرازي. وانظر أيضًا: درء التعارض (١/١٤٩-١٥٠)، ومجموع الفتاوى (٦/٢٨)، والاستغاثة (٢/١٧٤، ٣٥٦)، والمحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (٢٠/٤٣٣)، والتدمرية (ص: ٧٢-٧٣) - المحققة.
[ ٣ / ١١٥٨ ]
٢- قوله - ﷺ -: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض" (١) - فقد زعم الغزالي والرازي أن هذا من الأحاديث التي تأولها الإمام أحمد (٢)، - وسيأتي إن شاء الله مناقشة هذا -، وقد بين شيخ الإسلام أن هذا الحديث ليس فيه حجة لمن يدعي جواز التأويل، يقول: "أما قوله: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فإن هذا ليس بثابت عن النبي - ﷺ - بل قد روه عن ابن عباس، ولم يقل أحمد قط إن هذا الحديث عن النبي - ﷺ - وإنه يتأول، بل هذا الحديث سواء كان عن ابن عباس أو كان مرفوعا فلفظه نص صريح لا يحتاج إلى تأويل، فإن لفظه: الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن استلمه وقبله، فكأنما صافح الله وقبل يده، وتسمية هذا تأويلا أبعد من تسميته الحديث الذي فيه: "جعت"، وذلك أنه يمين في الأرض، فقوله: "في الأرض"، متصل بالكلام مظهر لمعناه، فدل بطريق النص أنه ليس هو يمين الله الذي هو صفة له حيث قال: في الأرض، كما لو قال الأمير مخاطبا للقوم في جاسوس له: هذا عيني عندكم، فإن هذا نص في أنه جاسوسه الذي هو يمنزلة عينه، ليس هو نفس عينه التي هي صفة، فكيف يجوز أن يقال إن هذا متأول مصروف عن ظاهره، وهو نص في المعنى الصحيح لا يحتمل الباطل، فضلا عن أ، يكون ظاهره باطلا.
وأيضا فإنه قال: من استلمه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يده، فجعل المستلم له كأنما صافح الله تعالى، ولم يقل فقد صافح الله، والمشبه ليس هو المشبه به، بل ذلك نص في المغايرة بينهما، فكيف يقال: إنه مصروف عن ظاهره، وهو نص في المعنى الصحيح، بل تأويل هذا الحديث - لو كان مما يقبل التأويل - أن يجعل الحجر عين يمين الله، وهو الكفر الصريح الذي فروا منه" (٣)، ثم نقل شيخ الإسلام كلام الدارمي حوله (٤)، وكلام القاضي
_________________
(١) سبق تخريجه، والكلام في رفعه ووقفه (ص: ٥٥٨) .
(٢) انظر: الأحياء للغزالي (١/١٠٣)، وأساس التقديس للرازي (ص:٨١) .
(٣) نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٠٣-١٠٤) .
(٤) انظر: المصدر السابق (٣/١٠٤-١٠٥، ١٠٩)، وهو في الرد على المريسي (ص:٣٩٥-٥١٢) ضمن عقائد السلف.
[ ٣ / ١١٥٩ ]
أبي يعلي (١) - مع أنه انتقده فيما ذكره من تأويلات أخرى بعيدة، حيث أبطلها إلا واحدا (٢) .
فالحديث لا يحتاج إلى تأويل كما زعم النفاة، وقد بين ذلك شيخ الإسلام بوضوح (٣) .
٣- حديث "إني لأجد نفس - بفتح الفاء - الرحمن من قبل اليمن" (٤)، وهو أيضا من الأحاديث التي ذكر الغزالي والرازي أن الإمام أحمد تأولها، يقول شيخ الإسلام بعد نقله كلام القاضي أبي يعلي وغيره حول معنى هذا الحديث (٥)، "فهذا كلام القاضي أبي يعلى، وما ذكره فيه من كلام غيره، وقد بين أنه إ نما تأول الخبر لأن في الخبر نفسه ما دل على صحة التأويل، ومثل هذا لا نزاع فيه، فإنه إذا كان في الحديث الواحد متصلا به ما يبين معناه فذلك مثل التخصيص المتصل، ومثل هذا لا يقال فيه إنه خلاف الظاهر، بل ذلك هو الظاهر بلا نزاع بين الناس، ولهذا يقبل مثل ذلك في الإقرار والطلاق والعتاق والنذر واليمين وغيره ذلك " (٦)، ومعنى الحديث إني أجد تفريج الله عن نبيه ما كان فيه من أذى المشركين، والرسول كثيرًا ما يمدح أهل اليمن (٧) . وقوله "من قبل اليمن" يبين مقصود الحديث، لأنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك (٨) .
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٠٥-١٠٧)، وهو في أبطال التأويلات - مخطوط - (ص:٩٩-١٠٠) .
(٢) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٠٧-١٠٩) .
(٣) انظر: درء التعارض (٥/٢٣٦-٢٣٩)، والاستغاثة (٢/٣٥٥-٣٥٦)، والرسالة العرشية - مجموع الفتاوى (٦/٥٨٠-٥٨١)، ومجموع الفتاوى (٦/٣٩٧-٣٩٨)، والتدمرية (ص:٧١-٧٢) - المحققة.
(٤) رواه أحمد (٢/٥٤١)، وقال العراقي في المغني - تخريج الأحياء (١/١٠٣) "رجاله ثقات".
(٥) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١١٠-١١٤)، وقارن بأبطال التأويلات - مخطوط - (ص:١٤٩-١٥١) .
(٦) نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١١٤-١١٥) .
(٧) انظر: المصدر السابق (٣/١١٢-١١٣)، وأبطال التأويلات (ص:١٤٩) .
(٨) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٩٨) .
[ ٣ / ١١٦٠ ]
وقد ذكر شيخ الإسلام نماذج وأحاديث أخرى (١)،
وهي أحاديث واضحة الدلالة، مفهومة المعنى، لا تحتاج إلى تأويل، لأنه لا يتبادر إلى الذهن فيها أي معنى من المعاني الفاسدة التي ظنها هؤلاء.
وأهل السنة والجماعة يثبتون الصفات الواردة التي دلت عليها عشرات النصوص من الكتاب والسنة، ولا يفرقون، بينها، وهذا معروف متواتر سطرته كتب أهل السنة المتعددة، وقد أثبتوا جميع الصفات ومنها ما نفاه متأخرو الأشعرية - كالاستواء، والعلو، والنزول، والمجيء، والإتيان، والوجه، واليدين، والعين، والقدم، واليمين، والأصابع، وغيرها مما ثبت بالنصوص الواردة.
أما تلك الأحاديث - التي ظن النفاة أن ظاهرها يدل على معنى فاسد ويجب تأويلها - فلم يفهم منها أهل السنة إلا المعنى الحق الذي دل عليه النص بقرائنه الواضحة، وما اختلف فيه أهل السنة فهو من هذا الباب لأن بعضهم يرى أن القرائن تدل على أن القصد الصفة، وبعضهم يرى أنها تدل على معنى آخر، ولذلك لما ثبتت صفة "الساق" في الحديث أثبتها أهل السنة، وإن كانوا مختلفين حول دلالة الآية عليها، وهذا هو الذي يوضح الفرق بين منهج السلف، ومنهج المبتدعة من أهل الكلام.
_________________
(١) منها: حديث قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٤٢-١٤٤)، والتدمرية (ص: ٧٣) - المحققة، والمقصود الكلام على المعنى الفاسد الذي توهموه وهو أن القلب متصلب بالأصابع مماس لها، وليس المقصود إثبات صفة الأصابع لأن هذا لهل باب آخر، والحديث لد عليه. ومنها: حديث: إنا عند المنكسرة قلوبهم، انظر نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٤٤-١٥٥) . ومنها: حديث: كنت سمعه الذي يسمع به. انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/ ١٥٥-١٥٧)، والاستغاثة (٢/١٧٥-١٧٦) . ومنها: حديث: الكبرياء ردائي والعظمة أزاري. انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٥٧-١٦٠)، ومجموع الفتاوى (١٠/٢٥٣) . ومنها: حديث: آية الكرسي لها لسان. انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٦٠-١٦٢) .
[ ٣ / ١١٦١ ]
وقد بين شيخ الإسلام أن هؤلاء النفاة أدى بهم منهجهم إلى كثير من الاضطراب والتناقض، فقال: "ولهذا لما لم يكن لهم قانون قويم، وصراط مستقيم في النصوص، لم يوجد أحد منهم يمكنه التفريق بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل، والتي لا تحتاج إليه، إلا يما يرجع إلى نفس المتأول، المستمع للخطاب، لا بما يرجع إلى نفس المتكلم بالخطاب:
فنجد من ظهر له تناقض أقوال أهل الكلام والفلسفة - كأبي حامد وأمثاله، ممن يظنون أن في طريق التصفية نيل مطلوبهم - يعولون في هذا الباب على ذوقهم وكشفهم فيقولون: إن ما عرفته بنور بصيرتك فقرره، وما لم تعرفه فأوله (١) .
ومن ظن أن في كلام المتكلمين ما يهدي إلى الحق، يقول: ما ناقض دلالة العقل وجب تأويله، وإلا فلا.
ثم المعتزلي - والمتفلسف الذي يوافقه - يقول: إن العقل يمنع إثبات الصفات، وإمكان الرؤية.
ويقول المتفلسف الدهري: إنه يمنع إثبات معاد الأبدان، وإثبات أكل وشرب في الآخرة، ونحو ذلك.
فهؤلاء، مع تناقضهم، لا يجعلون الرسول نصب نفسه في خطابه دليلا يفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، بل يجعلون الفارق هو ما يختلف باختلاف الناس من أذواقهم وعقولهم، ومعلوم أن هذا نسبة للرسول إلى التلبيس وعدم البيان، بل إلى كتمان الحق وإضلال الخلق، بل إلى التكلم بكلام لا يعرف حقه من باطله، ولهذا كان حقيقة أمرهم الإعراض عن الكتاب والرسول، فلا يستفيدون من كتاب الله وسنة رسوله شيئا من معرفة صفات الله تعالى نفيا وإثباتا، وإنما دلالته عندهم في العمليات - أو بعضها - مع أنهم متفقون على أن مقصوده العدل بين الناس وإصلاح دنياهم" (٢) .
_________________
(١) انظر: الأحياء للغزالي (١/١٠٣) .
(٢) انظر: درء التعارض (٥/٢٤٠-٢٤١) .
[ ٣ / ١١٦٢ ]
والغزالي ذكر تطور تأويل نصوص السمع عند المعتزلة والفلاسفة وغيرهم في أمور المعاد واليوم الآخر والصفات، وقد نقل شيخ الإسلام كلامه، وبين أنه حجة عليه، كما رد عليه تعويله على الكشف والمشاهدة (١) .
الأمر الثالث: هل قال الإمام أحمد بالتأويل؟ "
القول بأن الإمام أحمد قال بالتأويل تلقفته طائفتان:
إحداهما: طائفة من الحنابلة الذين مالوا إلى شيء من بدع أهل الكلام، حيث جعلوا مثل هذا النقل عن الإمام أحمد حجة لهم في مخالفتهم لما هو مشهور عن جمهور أصحابه المتبعين لمذهب السلف.
والأخرى: طائفة من الأشاعرة وغيرهم، ليستدلوا بمثل هذا النقل على صحة مذهبهم في تأويل بعض الصفات، وأنهم مخالفين لمذهب السلف. والذي روى عن الإمام أحمد في هذه المسألة لا يتعدى أحد نقلين:
أحدهما: ما نقله الغزالي - في معرض حديثه عن الإمام أحمد ومنعه من التأويل - قال الغزالي: "سمعت بعض أصحابه يقول: إنه حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ: قوله - ﷺ -: الحجر الأسود يمين الله في أرضه (٢)، وقوله - ﷺ -: قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن" (٣)، وقوله - ﷺ -: إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن (٤) .." (٥) وقد نقل الرازي هذا عن الغزالي مع تبديل في أحد الأحاديث (٦) .
الثاني: ما نقله حنبل في المحنة، عن الإمام أحمد، يقول: احتجوا علي يوم المناظرة، فقالوا: تجيء يوم القيامة سورة البقرة، وتجيء سورة تبارك؟
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٥/٣٤٧غ-٣٥٧)، وانظر أيضًا: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/٩٣-١٠٣) .
(٢) سبق تخريجه (ص:٥٩٣) .
(٣) رواه مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء، ورقمه (٢٦٥٤) .
(٤) سبق تخريجه قريبا (ص: ١١٥٤) .
(٥) أحياء علوم الدين (١/١٠٣) .
(٦) انظر: ساس التقديس للرازي (ص: ٨١) حيث أبدل حديث أنا جليس من ذكرني بحديث قلوب العبد الذي ذكره الغزالي.
[ ٣ / ١١٦٣ ]
قال: فقلت لهم: إنما هو الثواب، قال الله جل ذكره: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢)، وإنما تأتي قدرته، القرآن أمثال ومواعظ، وأمر ونهي، وكذا وكذا" (١)، وأحال القاضي أبو يعلي في أبطال التأويلات على رواية حنبل فقال: "وقد قال أحمد في رواية حنبل في قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ قال قدرته" (٢) . ونقل هذه الرواية عن القاضي أبي يعلي بعض الحنابلة، منهم ابن الجوزي في تفسيره (٣)، وفي كتابه الباز الأشهب (٤) - الذي نصر فيه مذهب أهل التعطيل -، كما نسبه البيهقي إلى الإمام أحمد (٥) .
والعجيب أن هؤلاء المعطلة - يعظم عندهم مثل هذين النقلين - مع ما فيهما من كلام كما سيأتي - وأما النصوص المتواترة المشتهرة عن الإمام أحمد في إثبات الصفات، والرد على الجهمية وأتباعهم، والتحذير من الخوض في علم الكلام وتأويل الصفات - فهذه لا حجة فيها عندهم على مذهب هذا الإمام الموافق لمذهب السلف، وغاية ما يقولون فيها أن الإمام أحمد إنما أراد بها التفويض!.
ومع ذلك فلا حجة لهم فيما نقلوه عن هذا الإمام، وبيان ذلك كما يلي: أما النقل الأول - الذي ذكره الغزالي والرازي - فقد قال فيه شيخ الإسلام "هذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف: لا علمه
_________________
(١) الجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد (ص: ٥٨)، وانظر (ص: ٨٢)، وانظر: الاستقامة (١/٧٤) .
(٢) أبطال التأويلات، (ص:٦١) - مخطوط.
(٣) زاد المسير [البقرة: ٢١]، (١/٢٢٥)، وفي سورة الفجر آية: ٢٢ أحال على آية البقرة.
(٤) (ص:٦١)، وهو نفسه "دفع شبه التشبيه" والنصف فيه (ص:٤٥)، وإن كان الباز فيه بعض الزيادات. والعجيب أن محققي الكتابين - الكوثري، ومحمد منير - يشربان من عين واحدة، هي عين التعطيل وقد رد على ابن الجوزي في دعواته نسبة التأويل إلى الإمام أحمد صاحب رسالة: ابن الجوزي بين التفويض والتأويبل (ص: ١٣٨-١٤٣) - ط على الآلة الكاتبة.
(٥) كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (١٠/٣٢٧) - وقد سبقت الإشارة إلى ذلك (ص:٥٨٤) .
[ ٣ / ١١٦٤ ]
بما قال، ولا صدقه فيما قال" (١)، والدليل على ذلك اختلاف نقل الرازي عن نقل الغزالي، وله احتمالان: أن يكون الرازي غلط في النقل عن الغزالي، أو أن الغزالي نقل في كتاب آخر - غير الأحياء - خلاف ما ذكره في الإحياء، قال شيخ الإسلام: "وعلى التقديرين فيعلم أن هذا النقل الذي نقله غير مضبوط" (٢) . وقال أيضًا عن الغزالي، وعدم علمه بالحديث وشهادته على نفسه بأن بضاعته فيه مزجاة: "ولهذا في كتبه من المنقولات المكذوبة الموضوعة ما شاء الله، مع أن تلك الأبواب يكون فيها من الأحاديث الصحيحة ما فيه كفاية وشفاء، ومن ذلك هذا لا نقل الذي نقله عن أحمد، فإنه نقله عن مجهول لا يعرف، وذلك المجهول أرسله إرسالا عن أحمد، ولا يتنازع من يعرف أحمد وكلامه أن هذا كذب مفتري عليه، ونصوصه المنقولة عنه بنقل الاثبات والمتواتر عنه يرد هذا الهذيان الذي نقله عنه " (٣) .
ثم إن هذه الأحاديث التي أوردها الغزالي والرازي ليس فيها ما يوجب التأويل؛ لأن دلالتها واضحة، فزعمهم أنها - أو غيرها من الأحاديث - بحاجة إلى التأويل، أو أن الإمام أحمد قد تأولها، لا يفيدهم شيئًا في هذا الباب ولهذا ناقش شيخ الإسلام هذه الأحاديث وغيرها، وبينا ما فيها، وقد سبق قبل قليل نقل كلامه فيها.
وخلاصة القول:
١- أن هذا النقل غير صحيح، ولم يورده أحد في مسائل وكلام الإمام أحمد.
٢- أن النقول الكثبرة عن الإمام أحمد تدل على إثباته ومنعه من التأويل.
٣- أن هذه الأحاديث لا حجة فيها لهم، لأن ما فهموه من الظواهر الفاسدة، قد دلت النصوص نفسها على أنه غير وارد.
_________________
(١) شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٣٩٨)، وانظر: درء التعارض (٧/١٤٩-١٥٠) .
(٢) نقض التأسيس - مخطوط - (٣/٩٤) .
(٣) المصدر السابق (٣/١٠٠) .
[ ٣ / ١١٦٥ ]
أما النقل الثاني: الذي أورده حنبل في سياق المحنة، فقد ذكر شيخ الإسلام أن الحنابلة اختلفوا في هذه الرواية على خمس طرق:
١- "قال قو: غلط حنبل في نقل الرواية، وحنبل له مفاريد ينفرد بها من الروايات في الفقه، والجماهير يرون خلافه.
وقد اختلف الأصحاب في مفاريد حنل التي خالفه فيها الجمهور، هل تثبت روايته؟ على طريقين، فالخلال وصاحبه قد ينكرانها، ويثبتها غيرهما كابن حامد.
٢- وقال قوم منهم: إنما قال ذلك إلزامًا للمنازعين له، فإنهم يتأولون مجيء الرب بمجيء أمره، قال: فكذلك قولوا: مجيء كلامه ثوابه. وهذا قريب.
٣- وقال قوم منهم: بل هذه الرواية ثابتة في تأويل ما جاء من جنس الحركة والإتيان والنزول، فيتأول على هذه الرواية بالقصد والعمد لذلك، وهذه طريقة ابن الزاغزني وغيره.
٤- وقال قوم: بل يتأول بمجيء ثوابه. وهؤلاء جعلوا الرواية في جنس الحركة، دون بقية الصفات.
٥- وقال قوم منهم ابن عقيل وابن الجوزي: بل يتعدى الحكم من هذه الصفة إلى سائر الصفات التي تخالف ظاهرها، للدليل الموجب مخالف الظاهر" (١) .
ويلاحظ أن الأقوال الثلاثة الأخيرة تصحح نسبة التأويل إلى الإمام أحمد، وتجعل ذلك حجة لها على مذهبها المائل إلى الأشاعرة كما هو قول ابن الزاغوني وغيره، أو ما هو أشد غلوا منهم في التعطيل والنفي كما هو المشهور من مذهب ابن عقيل وابن الجوزي.
_________________
(١) الاستقامة (١/٧٥-٧٦) .
[ ٣ / ١١٦٦ ]
وقد نفي شيخ الإسلام بشكل قاطع ما نسب إلى الإمام أحمد من التأويل وقال: "لا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبين إنه لا يقول إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره، بل هو ينكر على من يقول ذلك (١) " وقال: "والصواب أن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل أحد من الصحابة شيئًا منها ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث، أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة" (٢) . وهذه رسائل وأقوال الإمام أحمد مشهورة معروفة، وما من مسألة من مسائل أصول الدين إلا وله فيها كلام، ولم يرد فيها ما يخالف مذهب السلف، ولذلك عده الناس إماما لأهل السنة بسبب ما ابتلى به من المخالفين من أهل الأهواء الذين ناظرهم وبين بطلان أقوالهم، وهو في ذلك متبع لمن قبله من أئمة السلف (٣) .
وإذا كان هذا هو المتواتر عن الإمام أحمد فلا بد من النظر إلى رواية حنبل - في المحنة - على أنها رواية فردة خالفت المشهور عنه، ولهذا قال القاضي أبو يعلى بعد ذكره لرواية حنبل، وتغليط ابن شاقلا له: "وقد قال أحمد في رواية أبي طالب، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ (البقرة: من الآية٢١٠)، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) من قال إن الله لا يرى فقد كفر، وظاهر هذا أن أحمد أثبت مجيء ذاته لأنه احتج بذلك على جوازه رؤيته، وإنما يحتج بذلك على جواز رؤيته إذا كان الإتيان والمجيء مضافا إلى الذات" (٤) .
وخلاصة الجواب عن رواية حنبل - في المحنة -:
١- أما أن يقال هذه من مفاريده وقد خالفت المتواتر والمشهور عنه.
٢- وعلى فرض ثبوت هذه الرواية فيقال: أن الإمام قال هذا إلزامًا لخصومه وقد قال شيخ الإسلام على هذا الاحتمال: "وهذا قريب" (٥) .
_________________
(١) شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٤٠١) .
(٢) المصدر السابق (٥/٤٠٩) .
(٣) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/٩٧-١٠٣) .
(٤) أبطال التأويلات - مخطوط - (ص: ٦١-٦٢) .
(٥) سبق نقله قريبًا من الاستقامة (١/٧٥) .
[ ٣ / ١١٦٧ ]
وشرحه في موضع آخر فقال: "ومنهم من قال: بل أحمد قال ذلك على سبيل الإلزام لهم، يقول: إذا كان أخبر عن نفسه بالمجيء والإتيان، ولم يكن ذلك دليلا على أنه مخلوق، بل تأولتم ذلك على أنه جاء أمره، فكذلك قولوا: جاء ثواب القرآن، لا أنه نفسه هو الجائي، فإن التأويل هنا ألزم، فإن المراد هنا الإخبار بثواب قارئ القرآن، وثوابه عمل له، لم يقصد به الإخبار عن نفس القرآن.
فإذا كان الرب قد أخبر بمجيء نفسه، ثم تأولتم ذلك بأمره، فإذا أخبر بمجيء قراءة القرآن فلأن تتأولوا ذلك بمجيء ثوابه بطريق الأولى والأحرى.
وإذا قاله على سبيل الإلزام لم يلزم أ، يكون موافقا لهم عليه، وهو لا يحتاج إلى أ، يلتزم هذا؛ فإن هذا الحديث له نظائر كثيرة في مجيء أعمال العباد، والمراد مجيء قراءة القارئ التي هي عمله، وأعمال العباد مخلوقة، وثوابها مخلوق، ولهذا قال أحمد وغيره من السلف: إنه يجيء ثواب القرآن (١)، والثواب إنما يقع على أعمال العباد، لا على صفات الرب وأفعاله" (٢) .
والخلاصة:
١- أن هذا مخالف لما تواتر عن الإمام أحمد من المنع من التأويل.
٢- أن حنبل تفرد بهذه الرواية.
٣- وعلى فرض صحته فالإمام قالها إلزاما لخصومه المعتزلة (٣) .
هذه خلاصة مباحث "التأويل" تبين سلامة منهج أهل السنة في الصفات، كما شرحه شيخ الإسلام ورد على المجيزين للتأويل، ولا شك أن هذا الباب لما فتحه المتكلمون - وقد يكون عند بعضهم عن حسن نية - ولج منه أهل الإلحاد من القرامطة والباطنية والفلاسفة وغيرهم ليتواصلوا به إلى تعطيل الشرائع، والأمر والنهي، وإنكار المعاد وما فيه، وهذا وحده كاف لوجود سد هذا الباب الخطير.
_________________
(١) انظر الكلام على مجيء سورة البقرة وآل عمران في نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١١٦-١١٢٦) .
(٢) شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٤٠٠) .
(٣) انظر أيضًا: مجموع الفتاوى (١٦/٤٠٤، ٤٢١-٤٢٢)، حيث نقل كلام ابن الزاغوني، وانظر أيضًا (٦/١٥٦-١٦٦) .
[ ٣ / ١١٦٨ ]
ويمكن ذكر نموذج واحد لمقالات هؤلاء الذين فتحوا باب التأويل، يقول شيخ الإسلام: "ولهذا قال كثير منهم - كأبي الحسين البصري، ومن تبعه كالرازي والآمدي وابن الحاجب - أن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين، جاز لمن بعدهم أحداث قول ثالث، بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين. فجوزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث وأن يكون الله أنزل الآية، وأراد بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون، ولكن قالوا: إن الله أراد معنى آخر. وهم لو تصوروا هذه المقالة لم يقولوا إن هذا فإن أصلهم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة" (١) .
ومن تدبر هذا وأمثاله عرف ما فيه وماله من آثار.
_________________
(١) الفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى (١٣/٥٩) .
[ ٣ / ١١٦٩ ]
الأمر الرابع: الحقيقة والمجاز:
يشبه هجوم شيخ الإسلام على "المجاز" هجومه على المطق اليوناني، من حيث الدوافع والأسباب وقوة الهجوم، ثم الأثر الذي ترتب عليه، خاصة أثره فيمن جاء بعده من الموافقين والمخالفين. وإذا كان أي باحث في المنطق والفلسفة - المسماة بالإسلامية - لا يمكن أن يغفل أثر ما كتبه شيخ الإسلام في ذلك دفاعا عن مذهب السلف، فكذلك أي باحث في باب المجاز وما يتعلق به لا يمكنه إلا أن يشير إلى مذهب شيخ الإسلام وموقفه منه.
وقد أشار إلى هذا أحد الباحثين، ممن أفرد للمجاز كتابا مطولا، بلغ جزأين كبيرين (١)
- فقال في مقدمة كتابه بعد عرض مختصر لتاريخ القول بالمجاز بين مثبتيه ونفاته: "والمتابع لسير النزاع بين الفريقين يرى أن الخلاف بينهما كان هادئًا طوال القرون الأولى، حتى النصف الثاني من القرن السابع، والربع الأول من القرن الثامن، فقد اتجه الخلاف إلى الشدة والعنف - ولكن من جانب منكريه وحدهم، دون مجوزيه - فقد برز على الساحة الإمام أبو العباس أحمد ابن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (٦٦١-٧٢٨هـ) وقد وهبه الله ذاكرة واعية، وقلبا ذكيا، ولسانا فصيحًا، وقلما جريئا، وتبنى مذهب السلف
_________________
(١) اسمه: المجاز في اللغة والقرآن بين الإجازة والمنع، للدكتور عبد العظيم المطعني، وقد استعرض تاريخ هذه المسألة بإسهاب، ولم كان ممن يرجح جواز المجاز في اللغة والقرآن فقد تصدى للدر على شيخ الإسلام وأطال في ذلك، انظر (٢/٦٣٩-٩٠٣) من الكتاب السابق، وفي نقاشه لشيخ الإسلام يلاحظ أمران: أحدهما: أنه كثيرا ما يصادر على المطلوب، فيحتج ببعض النصوص، وينقل كلام السابقين فيها، وأنهم قصدوا بذلك المجاز، وشيخ الإسلام يرى أن هذه النصوص حجة له، وكلام السابقين فيها يدل على سعة اللغة لا على المجاز، فشيخ الإسلام مثلا لا يشك في أن المقصود بسؤال القرية هم أهلها وليس البنيان، ولكن من قال إن هذا مجاز؟ بل القرية تطلق على هذا وهذا. فإذا جاء المؤلف أو غيره ليحتج على شيخ الإسلام بأن من السلف من قال المقصود: أهل القرية، وهذا مجاز، كان هذا مصادرة على المطلوب، لأنه هو موضع الخلاف. والثاني: أن المؤلف مع أنه رجح إلى كتاب "الإيمان" والرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز، إلا أنه غفل عن بحث آخر مطول ومهم جدا عنوانه: "الحقيقة والمجاز" وهو ضمن مجموع الفتاوى (٢٠/٤٠٠-٤٩٧) وقد أفرده للرد على الآمدي.
[ ٣ / ١١٧٠ ]
من حيث الجملة (١)، وتصدي لأقاويل كثير من الفرق ولم يترك مجالا من مجالات الفكر الإسلامي إلا وكان له فيه قصب السبق، وكان مما أدلى فيه بدلوه موضوع المجاز، فاختار مذهب المنع ومن يقرأ كتابه: "الإيمان" يجد نفسه أمام صخرة عاتية، لا تعمل فيها المعاول إذا أريد النيل منها " (٢) .
وعلى الرغم من أن المؤلف رد على شيخ الإسلام واشتد في الرد أحيانا إلا أنه ذكر السبب الصحيح لموقف شيخ الإسلام من المجاز، فقال "إن الضرورات والظروف التي جعلت الإمام يقف تلك الوقفة من المجاز في كتابه الإيمان، وفي رسالته المدنية، هي في الواقع ظروف جد خطيرة ومن يقف على خطورتها يسوغ للشيخ الإمام وقوفه ضدها، والعمل بكل طاقة على دفعها وكف شرها، ولو أدى ذلك إلى إنكار المجاز، إذ ليس هو عقيدة أو معلوما من الدين بالضرورة، وإنما هو مذهب قولي، وهو فن من فنون البيان لا يفسق منكره ولا يذم.
ومجمل ما يمكن تصوره هو كثرة التأويلات التي تعدى بها قائلوها على النصوص الشرعية، وتجاوزوا بها مرحلة المعقول المقبول، إلى المدخول المنحول، الذي يكاد يذهب بكل الحقائق التي جاء بها الإسلام وأقرها. فلم تكن المسألة مسألة تأويل مجازي، وإلا لهان الخطب، وإنما طم شرها وعم، وأغرب قائلوها كل الإغراب، حتى صارت بعض الألفاظ ليس لها مدلول محقق في خضم تلك التأويلات العمياء.
ومنشأ تلك التأويلات هو الفرق الكلامية والاعتقادية، والفلاسفة، وغلاة الصوفية، وقد وقف الإمام -﵀- من تحريفات الفرق والمتكلمين وقفات جادة وطويلة وشاقة " (٣) .
ولا شك أن شيخ الإسلام ما كان ليعترض على المجاز أو غيره من العلوم الحادثة لو أنها بقيت مثل كثير من العلوم والفنون التي أفردت بمؤلفات خاصة بها
_________________
(١) هذا بحسب رأي المؤلف، لا بحسب الواقع.
(٢) المجاز في اللغة والقرآن الكريم - المطعمني (١/ح - ط) .
(٣) المجاز في اللغة والقرآن الكريم (٢/٨٩٠) .
[ ٣ / ١١٧١ ]
- وصار لأصحاب كل فن اصطلاح خاص بهم - ولكن لما أخذ المعتزلة وغيرهم - ومن عنى منهم باللغة وفنونها - يبتدعون هذا المصطلح ليتواصلوا به إلى تصحيح عقائدهم الفاسدة، ودعمها بما يدعونه من الأدلة، بناء على مصطلح المجاز أو غيره، كان لا بد من الوقوف أمام هذه المصطلحات وبيان فسادها أصلا وفرعا. وهذا ما فعله شيخ الإسلام بالنسبة لطاغوت المجاز.
ولهذا يقول شيخ الإسلام في معرض رده على الآمدي ودعواه أن الخلاف بين مثبتي المجاز ونفاته، نزاع لفظي: "يقال: هو قد سلم أن النزاع لفظي، فيقال: إذا كان النزاع لفظيا، وهذا التفريق اصطلاح حادث لم يتكلم به العرب، ولا أمة من الأمم، ولا الصحابة والتابعون، ولا السلف - كان المتكلم بالألفاظ الموجودة التي تكلموا بها ونزل بها القرآن أولى من التكلم باصطلاح حادث لو لم يكن فيه مفسدة، وإذا كان فيه مفاسد، كان ينبغي تركه لو كان الفرق معقولا، فكيف إذا كان الفرق غير معقول، وفيه مفاسد شرعية، وهو إحداث في اللغة - كان باطلا عقلا، وشرعا، ولغة. أما العقل فإنه لا يتميز فيه هذا عن هذا. وأما الشرع فإن فيه مفاسد يوجب الشرع إزالتها. وأما اللغة فلأن تغيير الأوضاع اللغوية غير مصلحة راجحة، بل مع وجود المفسدة (١) .
فإن قيل: وما المفاسد؟ قيل: من المفاسد أن لفظ المجاز المقابل للحقيقة، سواء جعل من عوارض الألفاظ أو من عوارض الاستعمال، يفهم ويوهم نقص درجة المجاز عن درجة الحقيقة، لا سيما ومن علامات الجاز صحة إطلاق نفيه، فإذا قال القائل: إن الله تعالى ليس برحيم ولا رحمن، لا حقيقة، بل مجاز، إلى غير ذلك مما يطلقونه على كثير من أسمائه وصفاته وقال: "لا إله إلا الله" مجاز لا حقيقة، ما ذكره هذا الآمدي من أن العموم المخصوص مجاز . ومعلوم أن هذا الكلام من أعظم المنكرات في الشرع، وقائله إلى أن يستتاب - فإن تاب وإلا قتل - أقرب منه إلى أن يجعل من علماء المسلمين " (٢) .
_________________
(١) كذا في مجموع الفتاوى، ولعل صحة العبارة: "وأما اللغة فلأن تغيير الأوضاع اللغوية ليس فيه مصلحة راجحة، بل معه توجد المفسدة".
(٢) الحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (٢٠/٤٥٤-٤٥٦) .
[ ٣ / ١١٧٢ ]
ثم ذكر شيخ الإسلام أن من هذه المفاسد: "جعل عامة القرآن مجازا كما صنف بعضهم مجازات القراءات (١)، وكما يكثرون من تسمية آيات القرآن مجازا، وذلك يفهم ويوهمالمعاني الفاسدة، هذا إذا كان ما ذكروه من المعاني صحيحا، فكيف وأكثر هؤلاء يجعلون ما ليس بمجازا؟ وينفون ما أثبته الله من المعاني الثابتة، ويلحدون في أسماء الله وآياته، كما وجد ذلك للمتوسعين في المجاز من الملاحدة أهل البدع" (٢) .
والخلاف في المجاز مشهورن وأشهر الأقوال فيه ثلاثة:
١- قيل بوجوده في اللغة والقرآن، وهو قول كثير من المتأخرين.
٢- وقيل بوجوده في اللغة دون القرآن، وهذا قول داود الظاهري وابنه محمد، وابن حامد، وأبي الحسن الجزري، وأبي الفضل التميمي، ومحمد بن خويز منداد ومنذر بن سعيد البلوطي وغيرهم.
٣- وقيل بعدم وجوده في اللغة والقرآن. وهو قول أبي إسحاق الاسفراييني وغيره (٣) .
وليس المقصود مناقشة هذه الأقوال واستقصاء أدلتها، والترجيح بينها، وإنما المقصود بيان منهج شيخ الإسلام في ذلك، ويمكن تلخيصه من خلال ما يلي:
١- الذي دفع شيخ الإسلام إلى بحث المجاز وإنكار وجوده في القرآن وفي اللغة، أمران:
_________________
(١) لعله يقصد مجاز القرآن لأبي عبيدة.
(٢) الحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (٢٠/٤٥٨) .
(٣) انظر: الإيمان (ص:٨٥) - ط المكتب الإسلامي، ورسالة منع جواز المجاز للشنقيطي (ص:٧-٨) .
[ ٣ / ١١٧٣ ]
أحدهما: القول بالمجاز في أسماء الله وصفاته، وما سببه ذلك من الإلحاد فيها كما سبق.
والثاني: قول المرجئة أن القول بأن الأعمال من الإيمان مجاز (١) .
٢- تقريره أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز حادث في كلام المتأخرين بعد القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين. لا الأئمة المشهورين. وأن الغالب أن هذا حادث من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين (٢) .
٣- أن التقسيم إلى حقيقة ومجاز لا حقيقة له، إذ ليس لمن فرق بينهما فرق معقول يمكن التمييز به بين نوعين، والتعريفات التي ذكروها لكل منهما غير دقيقة (٣) .
٤- مناقشة الأمثلة والأدلة التي يذكرونها ويحتجون بها على وجود المجاز في القرآن، والكلام حول كل واحد منها وتوجيهه (٤) .
٥- أن أخطر القضايا - في هذه المسألة - القول بأن بعض كلام الله تعالى مجاز، وقد بين شيخ الإسلام أن صرف الكلام عن حقيقته إلى المجاز لا بد فيه من أمور أربعة، يقول شيخ الإسلام في مناظرته لأحد الأشاعرة: "قلت له: إذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها رسوله، أو وصفه بها المؤمنون - الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم - فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه، وحقيقتها المفهومة منها، إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافي الحقيقة، لا بد فيه من أربعة أشياء:
_________________
(١) انظر: الإيمان (ص:٨٣) - المكتب الإسلامي.
(٢) انظر: المصدر السابق (ص: ٨٣-٨٤)، وانظر الحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (٢٠/٤٥١-٤٥٤) .
(٣) انظر: الإيمان (ص:٩٢-١٠٢) .
(٤) انظر: المصدر السابق (ص:١٠٣-١٠٧)، والحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (٢٠/٤٦٢-٤٦٧) .
[ ٣ / ١١٧٤ ]
أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلا أن يكون ذلك المعنى المجازي مما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له، وإن لم يكن له أصل في اللغة.
الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف، وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز.
الثالث: أنه لا بد من أن يسلم ذلك الدليل - الصارف - عن معارض، وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصا قاطعا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرا فلا بد من الترجيح.
الرابع: أن الرسول - ﷺ - إذا تكلم بكلام، وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته، وأنه أراد مجازه سواء عينه، أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم، دون عمل الجوارح؛ فإنه ﷾ جعل القرآن نورا وهدى وبيانا للناس وشفاء لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
ثم هذا الرسول الأمي العربي بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهرة إلا وقد نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره " (١) .
_________________
(١) الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (٦/٣٦٠-٣٦١) .
[ ٣ / ١١٧٥ ]
ثم طبق شيخ الإسلام هذه على صفة "اليد" لتكون انموذجا يحتدذي عليه، وناقش ذلك مناقشة عظيمة ونافعة، بين في آخرها أن هذا الأشعري الذي ناقشه أظهر التوبة وتبين له الحق (١) .
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٦/٣٦٢-٣٧٢) .
[ ٣ / ١١٧٦ ]
الفرع الثالث: هل مذهب السلف هو التفويض؟
سبق مناقشة الفرعين السابقين:
الفرع الأول: في معنى المتشابه، وهل الصفات أو بعضها منه؟
والفرع الثاني: في التأويل والمجاز.
وهذان الفرعان يتكئ عليهما نفاة الصفات أو بعضها، حيث إنهم يجعلونها من المتشابه، ثم يقولون لا بد من تأويل النصوص الدالة عليها وحملها على المجاز. وقد سبقت مناقشتهم في ذلك بالتفصيل.
أما هذا الفرع - الثالث - فهو مرتبط مما سبق من جهة أن هؤلاء المتكلمين يزعمون أن مذهب السلف في الصفات ليس إلا التفويض الكامل للنصوص - معنى، وكيفية..
وموضوع "التفويض" أفرد له أحد الباحثين كتابا مستقلا (١)، يبين فيه وجه الحق في هذه المسألة من خلال نقل أقوال ومذهب السلف، ومن خلال مناقشات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.
وقد اهتم شيخ الإسلام ببيان الحق في هذه المسألة، وذكر فيما ذكر - في مناسبات مختلفة - مجمل حجج الذين زعموا أن مذهبهم هو التفويض، وأهمها:
١- ما أثر عن كثير من السلف أنهم قالوا في الصفات: "أمروها كما جاءت"، قالوا: وهذا يدل على أن مذهبهم فيها الإيمان والتسليم وإمرارها كما جاءت وعدم الخوض في تأوليها، والوقوف عن تفسيرها.
٢- قول الإمام مالك - وغيره: "الاستواء معلوم والكيف مجهول،
_________________
(١) اسمه: علاقة الاثبات والتفويض بصفات رب العالمين، تأليف رضا نعسان معطي. وانظر بالأخص (ص:٣٠) وما بعدها و(ص:٧٤) .
[ ٣ / ١١٧٧ ]
والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" (١)
قالوا: ومعنى قوله إنه معلوم أي إنه وارد في القرآن، ونفيه للكيف وإيجاب الإيمان به دليل على أنهم يسلمون ورود نصوص الصفات ويفوضون معانيها إلى الله تعالى.
٣- أن السلف لم يكونوا يفهمون من النصوص ما يستلزم التجسيم وأن ذاته تعالى فوق العرش، قالوا فلما جاء المتأخرون وصاروا يفهمون منها مثل هذا وجب التأويل.
٤- ثم إنهم احتجوا بالوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: من الآية٧) . قالوا وهذا دليل على التفويض.
وقد رد شيخ الإسلام على ذلك كما يلي:
١- أما قول السلف في الصفات "أمروها كما جاءت" فمعناه عندهم الإيمان بها وإثباتها، والرد على المعطلة الذين أنكروها أو خاضوا في تأويلها، فقول السلف هذا "يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معان، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها، مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" (٢) .
_________________
(١) هذا القول روى عن الإمام مالك: رواد الدارمي في الرد على الجهمية (ص:٥٥-٥٦) - ت البدر - واللالكاني في شرخ السنة (٣/٣٩٨)، ورقمه (٦٦٤)، والصابوني في عقيدة السلف، رقم (٢٤-٢٦) - ت البدر، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص:٤٠٨) من طريقين، وابن عبد البر في التمهيد (٧/١٣٨،١٥١) وأبو نعيم في الحلية (٦/٣٢٥-٣٢٦) . وجود ابن حجر في الفتح (١٣/٤٠٦-٤٠٧) أحد اسنادي البيهقي. كما روى هذا القول عن أم سلمة: رواه اللاكلاني في شرح السنة (٣/٣٩٧) ورقمه (٦٦٣)، والصابوني في عقيدة السلف رقم (٢٣)، وابن قدامة في صفة العلو رقم (٨٢)، والذهبي في العلو (ص:٦٥)، وضعف رواية أم سلمة ابن تيمية في الفتاوى (٥/٣٦٥)، والذهبي في العلو (ص:٦٥) وقال أنه محفوظ عن جماعة كربيعة ومالك.
(٢) الفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (٥/٤١-٤٢) .
[ ٣ / ١١٧٨ ]
والسلف من الصحابة والتابعين كان اهتمامهم الأول والأخير منصبا على القرآن والحديث، فهل كانوا عندما يتلون القرآن ويعلمونه، ويروون السنة ويتناقلونها ويحدثون بها، يفرقون بين آية وآية، وحديث وحديث؟ ويقولون للناس: هذه آمنوا بألفاظها مجردة، وهذه لا مانع من فهم معانيها؟ ومعلوم أنه كان يتلقى ذلك عنهم أصناف الناس وطبقاتهم. إن المتواتر عنهم - - ﵁ - أنهم لم يكونوا يفرقون بين نصوص الصفات وغيرها، بل كانوا يردون على المعطلة وأهل الكلام ما كانوا يخوضون فيه من ذلك، ولذلك قالوا: أمروها كما جاءت، وواضح أن قصدهم الرد على هؤلاء النفاة، ولو كان قصدهم التفويض الذي أراده المتأخرون النفاة لقالوا - موضحين - أمروا ألفاظها، مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، ولو كان الأمر كذلك لكان نفي الكيف عنها مع مثل هذا القول لغو.
على أن شيخ الإسلام يشير في سياق مناقشته لهذه الدعوى إلى ناحية مهمة في منهج السلف وتعاملهم مع النصوص ربما غفل عنها من يتصدى لمثل هذا الموضوع - وهي تدل على ما حبا الله هذا الإمام من فهم قوي وبصر نافذ وإطلاع واسع - وذلك أنه ذكر أن عبارة: تمر كما جاءت، أو نحوها، قد قالها الإمام أحمد في غير أحاديث الصفات، وإذا ثبت هذا بطل احتجاج هؤلاء الذين يدعون أن قصد السلف من ثمل هذه العبارة: تفويض نصوص الصفات.
يقول شيخ الإسلام عن الإمام أحمد وغيره - بعد بيانه أنهم لم يقولوا بأن القرآن لا يفهم معناه، وإنما قالوا كلمات صحيحة، مثل: أمروها كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية: "ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك. وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت (١)،
_________________
(١) انظر مثلا قوله عن الحرورية والمارقة لما سئل عنهم هل يكفرون أو يرى قتالهم؟ قال: "اعفني من هذا، وقل كما جاء فيهم في الحديث". مسائل الإمام أحمد لابن هاني (٢/١٥٨)، رقم (١٨٨٤) .
[ ٣ / ١١٧٩ ]
وفي أحاديث الوعيد مثل قوله: "من غشنا فليس منا" (١) وأحاديث الفضائل (٢)، ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمة عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر" (٣) .
وهذا يدل على أن السلف كانوا يتعاملون مع النصوص على حد سواء لا يفرقون بين نصوص الصفات وغيرها، وحينما يأتي أحد من أهل الأهواء من المعطلة، أو الرافضة، أو المرجئة أو غيرهم يتأول بعض النصوص التي تخالف مذهبه، يكون جواب السلف أن هذه النصوص تروي كما جاءت، ولا يدخلون في تأويلات وانحرافات هؤلاء.
٢- أما قول الإمام مالك في الاستواء فهو موافق لمذهب السلف - رحمهم الله تعالى، وهو حجة على أهل التفويض، يقول شيخ الإسلام: "فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه - على ما يليق بالله - لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما، بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم.
وأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية - أو الصفات مطلقا - لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف"، فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج
_________________
(١) انظر قول الإمام أحمد لما سئل عن هذا الحديث ما وجهه؟ قال: "لا أدري إلا على ما روى. السنة للخلال - رقم (٩٩٩) (ص:٦٧٤) - ط على الآلة الكاتبة. وحديث: من غشنا فليس منا، رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ - من غشنا فليس منا، ورقمه (١٠١-١٠٢) .
(٢) لما سئل الإمام أحمد عن أحاديث جاءت في علي في الفضائل. قال: على ما جاءت، لا نقول في أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا خيرا. مسائل ابن هاني (٢/١٦٩) - رقم (١٩٣) .
(٣) الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى (١٣/٢٩٥) .
[ ٣ / ١١٨٠ ]
أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف" (١) .
فالإمام مالك وشيخه ربيعة بينا أمرين: أن الاستواء معلوم وأن الكيف مجهول، وهذا حقيقة مذهب السلف، يؤمنون بالصفات الواردة، ويفهمون ما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله تعالى، أما الكيفية فيفوضونها لعالمها.
ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام تلقي الناس قوله الإمام مالك بالقبول، ذكر اعتراضا وأجاب عنه. قال: "فإن قيل: معنى قوله "الاستواء معلوم، أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم، كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه.
قيل: هذا ضعيف، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية. وأيضًا فلم يقل: ذكر الاستواء في القرآن، ولا أخبار الله بالاستواء، وإنما قال: الاستواء معلوم، فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، لم يخبر عن الجملة.
وأيضًا فقد قال: "والكيف مجهول" فلو أراد ذلك لقال: معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء، وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه، لو قال في قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه: من الآية٤٦): كيف يسمع، وكيف يرى؟ لقلنا: السمع والرؤيا معلوم والكيف مجهول، ولو قال: كيف كلم موسى تكليما؟ لقلنا: التكليم معلوم والكيف غير معلوم.
وأيضًا فإن من قال هذا من أصحابنا وغيرهم من أهل السنة يقرون بأن الله فوق العرش حقيقة، وأن ذاته فوق ذات العرش، لا ينكرون معنى الاستواء، ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم معناه بالكلية.
_________________
(١) الحموية - مجموع الفتاوى (٥/٤١) .
[ ٣ / ١١٨١ ]
ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعض: ارتفع على العرش، علا على العرش، وقال بعضهم عبارات أخرى، وهذه ثابتة عن السلف، قد ذكر البخاري في صحيحه بعضها في آخر كتاب الرد على الجهمية (١) " (٢) .
وتفاسير السلف لمعاني صفات الله تعالى يدل بشكل قاطع على أن ما يقصدونه بإمرار الصفات تفويض الكيفية التي لا يعلمها إلا الله تعالى، أما المعاني فإنهم كانوا يفهمونها (٣) .
٣- أما قولهم إن السلف لم يكونوا يفهموه من النصوص ما يدل على التجسيمن ولا أن ذاته تعالى فوق العرش - وهذا في مسألة العلو والاستواء - فقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه منها:
أ "أحدها: أن يقال: فعلى هذا التقدير لا يكون المفهوم الظاهر من هذه النصوص إثبات العلو على العالم والصفات، ولا يجوز أن يقال: ظواهر هذه النصوص غير مراد، ولا أنه قد تعارضت الدلائل النقلية والعقلية، فإنه إذا قدر أنها لا تدل على الإثبات - لا دلالة قطعية ولا ظاهرة - بطل أن يكون في ظاهرها ما يفهم منه الإثبات.
ومن المعلوم أن هذه خلاف قول الطوائف كلها من المثبتة والنفاة حتى من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وإنكار معاد الأبدان، فإنهم معترفون بما اعترف به سائر الخلق من أن الظاهر المفهوم منها هو إثبات الصفات (٤) .
_________________
(١) ذكر ابن حجر في الفتح (١٣/٣٤٤) عند كلامه على عنوان "كتاب التوحيد" أن المستملى زاد: "الرد على الجهمية وغيرهم"، وأنه وقع لابن بطال وابن التين: "كتاب رد الجهمية"، وغيرهم: "التوحيد" وعبارات السلف في الاستواء ورد في باب (وكان عرشه على الماء) من هذا الكتاب. الفتح (١٣/٤٠٣) .
(٢) الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى (٥/٣٠٩-٣١٠) .
(٣) انظر: شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٣٦٥-٤١٣)، وتفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى (١٧/٣٧٣-٣٧٤٩، ونقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٣٦) .
(٤) انظر: درء التعارض (٧/١٠٧-١٠٨) .
[ ٣ / ١١٨٢ ]
ب "الوجه الثاني: أن يقال: التفاسير الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان تبين أنهم إنما كانوا يفهمون منها الإثبات، بل والنقول المتواترة المستفيضة عن الصحابة والتابعين حرف واحد يوافق قول النفاة، ومن تدبر الكتب المصنفة في آثار الصحابة والتابعين بل المصنفة في السنة، من: كتاب السنة والرد على الجهمية، للأثرم، ولعبد الله ابن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسماعيل البخاري [وذكر شيخ الإسلام عددا كبيرًا من أئمة السنة وكتبهم] .. رأى في ذلك من الآثار الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين ما يعلم معه بالاضطرار أن الصحابة والتابعين كانوا يقولون بما يوافق مقتضى هذه النصوص ومدلولها، وأنهم كانوا على قول أهل الإثبات المثبتين لعلو الله نفسه على خلقه، المثبتين لرؤيته، القائلين بأن القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه.
وهذا يصير دليلا من وجهين:
أحدهما: من جهة إجماع السلف، فإنه يمتنع أن يجمعوا في الفروع على خطأن فكيف في الأصول.
الثاني: من جهة أنهم كانوا يقولون بما يوافق مدول النصوص ومفهومها، لا يفهمون منها ما يناقض ذلك.. (١) .
ومما سبق يتبين أن السلف فهموا من نصوص العلو والاستواء الأثبات، وهذا يبطل قول القائلين بأنهم كانوا مفوضة.
٤- أما احتجاجهم بآية آل عمران والوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّه﴾ - فمعلوم أ، هؤلاء المتكلمين رجحوا القراءة الأخرى بالوصل ليجيزوا لأنفسهم التأويل باصطلاحهم المتأخر، ومعلوم أن من وقف على لفظ الجلالة فإنهم قصدوا التأويل الذي هو الحقيقة والمآل، ومعلوم أن كيفية أسماء الله وصفاته هي من ذاته لا يعلمها إلا الله، وهو من باب تفويض الكيفية التي هي جزء من مذهب السلف
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/١٠٨-١٠٩) .
[ ٣ / ١١٨٣ ]
في الصفات (١)، وقد سبق - في الفرع السابق - تفصيل القول في مسألة التأويل -.
ومسألة التفويض مبنية على مسألة المتشابه، وما يتعلق بها مثل ما سبق تفصيل القول فيه من أنه لا يجوز أن يكون في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لنا إلى العلم به.
والتفويض الذي زعمه هؤلاء يؤدي إلى أن لا نفهم كتاب الله ولا نفرق بين آية وآية، وإنما نتلوه كالأعاجم الذين لا يعرفون العربية مطلقا، وهذا مآله إلى الضلال والإلحاد.
ولشيخ الإسلام ردود أخرى - مجملة - على أهل التفويض - ومن ذلك ما ذكره في أثناء ردوده على القائلين بتعارض العقل والنقل، وأن غاية ما ينتهون إليه في كلام الله ورسوله: هو التأويل أو التفويض، قال رادا عليهم:
"وأما التفويض: فإن من المعلوم أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن، عن فهمه ومعرفته وعقله؟
وأيضًا: فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا، وإخراجنا من الظلمات إلى النور، إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره، ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك، فعلى التقديرين لم نخاطب بما يبين فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر.
وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا: أنه لم يبين الحق، ولا أوضحه، مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين له الحق، ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منا أن لا نفهم منه شيئًا، أو أنفهم منه ما لا دليل عليه فيه - وهذا كله مما يعلم بالاضطرار
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٢٠٥-٢٠٦) .
[ ٣ / ١١٨٤ ]
تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد" (١)، ثم ذكر أن هذا كان سببا في استطالة الملاحدة على هؤلاء في مسائل المعاد وغيرها.
والقائلون بالتفويض قسمان:
قسم يقول: إن الرسول كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، ولكنه لم يبين للناس مراده منها، ولا أوضحه للناس.
وقسم يقول: وهؤلاء هم أكابر أهل الكلام الذين يميلون لأقوال الفلاسفة - يقولون: إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه إلا الله، وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها، وعلى قول هؤلاء فالأنبياء والرسل لم يكونوا يعلمون معاني ما أنزل الله إليهم.
ولا شك أن هذا ضلال مبين وقدح في القرآن وفي الأنبياء (٢) .
المسألة الثانية: القواعد العامة في ردود شيخ الإسلام على الأشاعرة فيما نفوه من الصفات:
سبق في المسألة الأولى مناقشة حجج الأشاعرة على ما نفوه من الصفات، وشبههم التي أوردوها في ذلك، ومن ذلك:
١- أدلتهم وحججهم العقلية، مثل: دليل الأعراض، وحجة التجسيم والتركيب، وحجة الاختصاص.
٢- موقفهم من أدلة السمع التي دلت على إثبات الصفات، ومن خلال ذلك تم عرض مسائل: مثل مسألة أخبار الآحاد وحجيتها في العقيدة، ومسألة المتشابه وهل الصفات منها، ومسألة التأويل والمجاز، ومسألة التفويض والرد على زعمهم أنه حقيقة مذهب السلف.
_________________
(١) درء التعارض (١/٢٠١-٢٠٢) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١/٢٠٤-٢٠٥) .
[ ٣ / ١١٨٥ ]
والمناقشة التفصيلية السابقة لهذه الأمور تدل على أن ما اعتمد عليه هؤلاء الأشاعرة - وغيرهم - من أدلة عقلية وغيرها على ما خطوه لأنفسهم من منهج في باب الأسماء والصفات - كان باطلا مخالفا لأدلة الكتاب والسنة وأقوال السلف. وهذا وحده كاف في الرد عليهم وبيان تناقضهم وبطلان أقوالهم المخالفة لمذهب السلف.
وهذه الشبه - أو الحجج - التي تناقلها الأشاعرة بعضهم عن بعض وزادها متأخروهم تقريرًا وتفصيلا - قد بذل شيخ الإسلام -﵀- وأجزل له المثوبة - جهدا كبيرا في تفتيتها، وكشف حقائقها وخفاياها.
ومع أن شيخ الإسلام قد رد على تلك الأدلة - أو الشبه - إلا أنه زاد الأمر بيانا بتقرير بعض الأصول المهمة والقواعد النافعة التي تبين صحة مذهب السلف، وبطلان مذاهب هؤلاء المتكلمين.. ومن أهم هذه القواعد التي قررها:
١- أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم.
٢- أن الكتاب والسنة فيهما ما يغني عما ابتدعه هؤلاء من علم الكلام المذموم.
٣- أنه لا تعارض بين العقل والنقل.
٤- أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.
وقد سبق تفصيل القول في الثلاث الأولى (١)، وبقى الكلام في القاعدة الرابعة، وهي متعلقة بموضوع هذا البحث. ولذلك سيتم توضيح القول فيها بعون الله.
قاعدة: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر:
هذا الأصل أو هذه القاعدة - من أعظم الأصول والقواعد في باب الأسماء والصفات، ومن أهمها في بيان تناقض الخصوم من أهل الكلام - على مختلف طبقاتهم ودرجاتهم في هذا الباب - كما أنها مشتملة على جوانب عظيمة في إقناع من يتردد في صحة مذهب السلف، أو يخالطه شك أو شبهة مما ينثره أهل الكلام في كتبهم ومقالاتهم.
_________________
(١) الأولى (ص:٧٥٦) وما بعدها، والثانية (ص:٧٢٧) وما بعدها، والثالثة (ص:٨١٩) وما بعدها.
[ ٣ / ١١٨٦ ]
وهذه القاعدة لم يفصل القول فيها أحد - فيما أعلم - قبل شيخ الإسلام، وإن كان قد ألمح إليها بعض الأشاعرة - إحساسًا منه بالتناقض (١) - أو بعض أهل السنة اقتناعا منه بتناقض خصومه - (٢)، أما الكلام فيها بهذه القوة والوضوح والإقناع فقد كان مما وفق الله هذا الإمام إليه، وهو ﷾ المتفضل على عباده بما يشاء، فله الحمد والمنة.
وقبل الدخول في تفاصيل هذا الأصل - أو هذه القاعدة - يمكن إجمال ما اشتملت عليه من الأصول والقواعد بما يلي:
١- أن من نفي بعض الصفات وأثبت البعض الآخر، لزمه فيما أثبته نظير ما يلزمه فيما نفاه.
٢- أن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، لأنه قد يكون ثبت بدليل آخر غير هذا الدليل.
٣- أن كل من أول صفة لزمه فيما أوله نظير ما أظن أنه يلزمه فيما فر منه.
٤- أن دلالة السمع والعقل على الصفات واحدة:
_________________
(١) مثل ما فعله الجويني في الإرشاد (ص:١٥٧-١٥٨)، حين ألزم من يثبت الوجه واليدين بظواهر النصوص، أن يثبت الاستواء والمجيء والجنب وأن يجعلها من الصفات. كما ألزم من يسوغ تأويل الاستواء والجنب أ، يجيز تأويل الوجه واليدين. وقد سبقت الإشارة إلى ذلك (ص:٦٤٠-٦٤١) .
(٢) مثل ما فعله ابن قدامة في كتابه: "تحريم النظر في كتب أهل الكلام" - الذي هو رد على أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي - انظر (ص:١) وما بعدها. فإن ابن قدامة لما رد عليه وعلى غيره في مسألة كلام الله، وأن القول: إنه بصوت يلزم منه التشبيه، لأن الصوت في المشاهدات يكون من اصطكاك الأجرام، فرد عليهم ابن قدامة من وجوه ثلاثة: وذكر منها: "الثالث: أن هذا باطل بسائر صفات الله تعالى التي سلتموها من السمع والبصر والعلم والحياة، فإنها لا تكون في حقنا إلا من أدوات، فالسمع من انخراق، والبصر من حدقة، والعلم من قلب، والحياة في جسم. ثم جميع الصفات لا تكون إلا في جسم، فإن قلتم: إنها في حق البارئ كذلك فقد جسمتم وشبهتم وكفرتم، وإن قلتم لا تفتقر إلى ذلك فلم احتج إليها ههنا؟ " تحرم النظر في كتب أهل الكلام (ص:٥١)، صححه ونشره جورج المقدسي.
[ ٣ / ١١٨٧ ]
أفإذا كان السمع قد دل على الصفات السبع، فقد دل أيضا على غيرها، ووجه الدلالة وقوة النص واحدة.
ب وإذا دل العقل على الصفات السبع، فيمكن أن يدل العقل على غيرها، مما ينفيه هؤلاء.
٥- أنه يقال للأشعري نظير ما يقوله هو للمعتزلي في مسألة الأسماء.
٦- أن هذا الأصل يمكن أن يرد به على جميع النفاة:
أالأشعري الذي يثبت بعض الصفات دون بعض.
ب والمعتزلي الذي يثبت الأسماء وينفي الصفات.
ت والجهمي الذي ينفي الأسماء والصفات ولكن يقر بأن الله شيء وأنه موجود.
ث والغلاة: الذين يسلبون النقيضين.
وقد استخدم شيخ الإسلام هذا الأصل في الرد على هؤلاء جميعا، وبين تناقضهم. وبالنسبة للأشاعرة - الذين هم مدار هذا البحث - فيمكن بيان منهجه في تقرير هذا الأصل بذكر أحد ردوده العامة، ثم ذكر عدد من الأمثلة التي أوردها شيخ الإسلام في مناقشته لهم معتمدًا على الأصل:
سبق - في مبحث الأسماء - أن الأشاعرة وإن أثبتوا أسماء الله بإجمال، إلا أنهم يتأولون - في بعض هذه الأسماء - ما تدل عليه من الصفات، فمثلا يثبتون من أسماء تعالى: الرحيم، والعلي، والودود، ولكنهم حينما يفسرونها يتأولونها كما يتأولون صفة الرحمة، والعلو، والمحبة، وغيرها. أما العليم والقدير فلا يتأولونه، كذلك هم في الصفات يثبتون السمع والبصر والكلام والإرادة، ويتأولون غيرها كالرحمة والرضا والغضب وغيرها.
فشيخ الإسلام بين تناقضهم في ذلك كله فقال: "من أقر بفهم بعض معنى الأسماء والصفات دون بعض، فيقال له: ما الفرق بين ما أثبته وبين ما نفيته، أو أمسكت عن إثباته ونفيه؟ فإن الفرق:
[ ٣ / ١١٨٨ ]
- أما أن يكون من جهة السمع.
- أو من جهة العقل بأن أحد المعنيين يجوز أو يجب إثباته دون الآخر. وكلا الوجهين باطل بأكثر المواضع:
أما الأول: فدلالة القرآن على أنه: رحمن، رحيم، ودود، سميع، بصير، علي، عظيم، كدلالته على أنه: عليم، قدير، ليس بينهما فرق من جهة النص، وكذلك ذكره لرحمته، ومحبته، وعلوه، مثل ذكره لمشيئته وإرادته.
وأما الثاني: فيقال من أثبت شيئا ونفى آخر: لم نفيت مثلا حقيقة رحمته، ومحبته، وأعدت ذلك إلى إرادته؟.
فإن قال: لأن المفهوم من الرحمة رقة تمتنع على الله.
قيل له: والمعنى المفهوم من الإرادة في حقنا هي ميل يمتنع على الله.
فإن قال: إرادته ليست من جنس إرادة خلقه.
قيل له: ورحمته ليست من جنس رحمة خلقه، وكذلك محبته.
وإن قال - وهو حقيقة قوله -: لم أثبت الإرادة وغيرها بالسمع، وإنما أثبت العلم والقدرة والإرادة بالعقل، وكذلك السمع والبصر والكلام - على أحد الطريقتين -؛ لأن العقل دل على القدرة، والإحكام دل على العلم، والتخصيص دل على الإرادة.
قيل له: الجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الأنعام، والإحسان، وكشف الضر، دل أيضا على الرحمة، كدلالة التخصيص على الإرادة. والتقريب والإدناء وأنواع التخصيص التي لا تكون إلا من المحب، تدل على المحبة، ومطلق التخصيص يدل على الإرادة، وأما التخصيص بالإنعام فتخصيص خاص، والتخصيص بالتقريب والاصطفاء تقريب خاص. وما سلكه في مسلك الإرادة يسلك في مثل هذا.
الثاني: يقال له: هب أن العقل لا يدل على هذا، فإنه لا ينفيه إلا بمثل ما ينفي به الإرادة. والسمع دليل مستقل بنفسه، بل الطمأنينة إليه في هذه المضايق
[ ٣ / ١١٨٩ ]
أعظم، ودلالته أتم. فلأي شيء نفيت مدلوله، أو توقفت، وأعدت هذه الصفات كلها إلا الإرادة، مع أن النصوص لم تفرق؟ فلا يذكر حجة إلا عورض بمثلها في إثباته الإرادة زيادة على الفعل" (١) .
ثم ذكر شيخ الإسلام نموذجًا لما يمكن أن يكون من مناقشة بين الأشعرين والجهمي المعتزلي الذي ينكر صفة الإرادة فقال:
"الثالث: يقل له [أي للأشعري] (٢) إذا قال الجهمي [والمعتزلي]: الإرادة لا معنى لها إلا عدم الإكراه، أو نفس الفعل والأمر به، وزعم أن إثبات إرادة تقتضي محذورا - إن قال بقدمها، ومحذورا إن قال بحدوثها (٣)
كان جوابه [أي جواب الأشعري للمعتزلي الجهمي]: أن ما ادعى إحالته من ثبوت الصفات ليس بمحال، والنص قد دل عليها، والعقل أيضا. فإذا أخذ الخصم [أي المعتزلي] ينازع في دلالة النص أو العقل جعله مسفسطا أو مقرمطا [أي حكم الأشعري على المعتزلي بذلك] . [فيقول أهل السنة للأشعري:] وهذا بعينه موجود في الرحمة، والمحبة، " (٤) .
وقد أكمل شيخ الإسلام المناقشة لبيان بطلان مذهب المعتزلة والجهمية وغيرهم، ثم ذكر كلاما مجملا مهما، فقال:
"ونكتة هذا الكلام: أن غالب من نفي وأثبت شيئا مما دل عليه الكتاب والسنة، لابد أن يثبت الشيء لقيام المقتضي وانتفاء المانع، وينفي الشيء لوجود المانع، أو لعدم المقتضى، أو يتوقف إذا لم يكن له عنده مقتض ولا مانع:
فبين له أن المقتضى فيما نفاه قائم، كما أنه فيما أثبته قائم، إما من كل وجه، أو من وجه يجب به الإثبات، فإن كان المقتضى هناك حقا فكذلك هنا،
_________________
(١) الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى (١٣/٢٩٨-٣٠٠) .
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة مني لتوضيح الكلام.
(٣) أي المعتزلي، لأن القول بقدم الصفة - كالإرادة - يلزم منه تعدد القدماء، والقول بحدوثها يلزم منه حلول الحوادث، وكلاهما ممتنع عندهم، انظر الأكليل - مجموع الفتاوى (١٣/٣٠٠) .
(٤) الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى (١٣/٣٠٠-٣٠١) .
[ ٣ / ١١٩٠ ]
وإلا فدرء ذاك المقتضى من جنس درء هذا.
وأما المانع فيبين أن المانع الذي تخيله فيما نفاه من جنس المانع الذي تخيله فيما أثبته؛ فإذا كان ذلك المانع المستحيل موجودا على التقديرين لم ينج من محذوره بإثبات أحدهما ونفي الآخر، فإنه إن كان حقا نفاهما، وإن كان باطلا لم ينف واحد منهما، فعليه أن يسوي بين الأمرين في الإثبات والنفي، ولا سبيل إلى النفي فتعين الإثبات.
فهذه نكتة الإلزام لمن أثبت شيئًا وما من أحد إلا ولا بد أن يثبت شيئًا، أو يجب عليه إثباته" (١) .
ثم ضرب شيخ الإسلام مثالا في الرد على متأخري الأشعرية - سبق نقله عند الكلام على شبهة التركيب -.
وبعد هذه المقدمة العامة يمكن ذكر نماذج من تطبيق شيخ الإسلام لهذا الأصل في ردوده ومناقشاته للأشاعرة، ومنها:
١- إذا كان التجسيم لازما لبعض الصفات فهو لازم للصفات التي أثبتموها، وبالعكس، أي إذا لم يكن التجسيم لازما للصفات التي أثبتموها، فلا يلزم في الصفات التي نفيتموها، وهكذا. والنتيجة أنكم إما أن تثبتوا جميع الصفات لأنها لا تستلزم التجسيم، أو تنفوها كلها لا ستلزامها التجسيم.
وهذا وارد في جميع الصفات التي نفاها متأخرو الأشاعرة كصفة الرضا، والغضب، والرحمة، والوجه، واليد، والاستواء، والمجيء وغير ذلك.
وقد بدأ شيخ الإسلام في تقرير هذا بأن الصفات من المعتزلة والجهمية والقرامطة والباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة، يقولون: "إذا قلتم: إن القرآن غير مخلوق، وإن لله تعالى علمًا، وقدرة، وإرادة، فقد قلتم بالتجسيم؛ فإنه قد قاد دليل العقل على أن هذا يدل على التجسيم؛ لأن هذه معاني لا تقوم بنفسها،
_________________
(١) الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى (١٣/٣٠٢) .
[ ٣ / ١١٩١ ]
لا تقوم إلا بغيرها، سواء سميت صفاتا أو أعراضا، أو غير ذلك، قالوا: ونحن لا نعقل قيام المعنى إلا بجسم، فإثبات معنى يقوم بغير جسم غير معقول" (١) .
هذه خلاصة شبهة واستدلال نفاة جميع الصفات، دون تفريق بين صفات المعاني وغيرها.
وحينئذ فإن الأشعري سيد عليهم بإثباتهم لأسماء الله وعدم استلزامها للتجسيم، فكذلك هذه الصفات التي أثبتها. فهو يقولك "بل هذه المعاني يمكن قيامها بغير جسم، ما أن عندنا وعندكم إثبات عالم، قادر، ليس بجسم" (٢) .
وهذا جواب صحيح، ولذلك فالمثبت لجميع الصفات الواردة سيقول للأشعري معلقا على جوابه السابق لنفاة جميع الصفات: "الرضا، الغضب، والوجه، واليد، والاستواء والمجيء [وغيرها كذلك] (٣)، فأثبتوا هذه الصفات أيضا، وقولوا: إنها تقوم بغير جسم" (٤) .
وحينئذ سيعترض الأشاعرة قائلين: "لا يعقل رضا وغضب إلا ما يقوم بقلب هو جسم، ولا نعقل وجها ويدا إلا ما هو بعض من جسم" (٥) .
حينئذ فيجيبهم أهل السنة بقوله: "ولا نعقل علما إلا ما هو قائم بجسم، ولا قدرة إلا ما هو قائم بجسم، ولا نعقل سمعا وبصرا وكلاما إلا ما هو قائم بجسم، فلو فرقتم بي المتماثلين؟ وقلتم: إن هذه يمكن قيامها بغير جسم، وهذه لا يمكن قيامها إلا بجسم، وهما في المعقول سواء" (٦) .
وهذا مما لا محيد للأشاعرة عنه، لأنه لا فرق بينه ما نفوه وما أثبتوه، وقد صاغها شيخ الإسلام في مكان آخر بعبارة أخرى فقال: "إن من نفى شيئًا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/٤٤-٤٥) .
(٢) المصدر السابق (٦/٤٥) .
(٣) في مجموع الفتاوى [وغير ذلك] ولعل ما أثبت يناسب سياق الكلام.
(٤) مجموع الفتاوى (٦/٤٥) .
(٥) المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة.
(٦) المصدر نفسه، نفس الجزء والصفحة.
[ ٣ / ١١٩٢ ]
من الصفات لكون إثباته تجسميا وتشبيها، يقول له المثبت: قولي فيما أثبته من الصفات والأسماء كقولك فيما أثبته من ذلك، فإن تنازعا في الصفات الخبرية، أو العلو، أو الرؤية أو نحو ذلك وقال له النافي: هذا يستلزم التجسيم والتشبيه؛ لأنه لا يعقل ما هو كذلك إلا الجسم، قال المثبت: لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة إلا ما هو جسم، فإذا جاز لك أ، تثبت هذه الصفات وتقول: الموصوف بها ليس بجسم، جاء لي مثل ما جاز لك من إثبات تلك الصفات مع أن الموصوف بها ليس بجسم، فإذن جاز أن يثبت مسمى بهذه الأسماء ليس بجسم. فإن قال له: هذه معان وتلك أبعاض. قال له: الرضا والغضب والحب والبغض معا، واليد والوجه - وإن كان بعضا - فالسمع والبصر والكلام أعراض لا تقوم إلا بجسم، فإن جاز لك إثباتها مع أنها ليست أعراضها ومحلها ليس بجسم، جاز لي أ، أثبت هذه مع أنها ليست أبعاضا" (١) .
ولن الأشاعربة يعترضون ويقولون: الغضب هو غليان دم القلب لطلب الإنتقام، والوجه هو ذو الأنف والشفتين واللسان والخد، أو نحو ذلك" (٢) .
فيجيبهم المثبتة بقولهم: "إن كنتم تريدون غضب العبد ووجه العبد، فوزانه أن يقال لكم: ولا يعقل بصر إلا ما كان بشحمه، ولا سمع إلا ما كان بصماخ، ولا كلاما إلا ما كان بشفتين ولسان، ولا إرادة إلا ما كان لاجتلاب منفعة أو استدفاع مضرة، وأنتم تثبتون لله السمع والبصر والكلام والإرادة على خلاف صفات العبد، فإن كان ما تثبتونه مماثلا لصفات العبد لزمكم التمثيل في الجميع، وإن كنتم تثبتونه على الوجه اللائق بجلال الله تعال من غير مماثلة بصفات المخلوقات، فأثبتوا الجميع على هذا الوجه المحدود، ولا فرق بين صفة وصفة، فإن ما نفيتموه من الصفات فيه نظير ما أثبتموه.
فإما أن تعطلوا الجميع، وهو ممتنع، وإما أ، تمثلوه بالمخلوقات وهو ممتنع، وأما أ، تثبتوا الجميع على وجه يختص به لا يماثله فيه غيره، وحينئذ فلا فرق بين صفة وصفة، فالفرق بينهما بإثبات أحدهما ونفي الآخر فرارا من التشبيه
_________________
(١) درء التعارض (١/١٢٧-١٢٨) .
(٢) مجموع الفتاوى (٦/٤٥) .
[ ٣ / ١١٩٣ ]
والتجسيم قول باطل، يتضمن الفرق بين المتماثلين، والتناقض في المقالتين" (١) .
ولا تحتاج هذه المناقشة إلى تعليق، لأن التناقض واضح في تفريقهم بين ما يلزم منه تجسيم وتشبيه وين ما لا يلزم منه ذلك، لأن هذه الصفات كلها يتصف بها المخلوق، فإن لزم في بعضها التشبيه لزم في الباقي، وإن لم يلزم في بعضها لم يلزم في الباقي.
ولذلك فإن الأشاعرة يرجعون في التفريق إلى دليل العقل، فيقولون: ما دل عليه العقل وجب إثباته، وما لم يدل عليه العقل فيجب نفيه، أو على الأقل التوقف فيه.
يقول الأشعري - معللا تفريقه بين إثبات الصفات السبع ونفي ما عداها -: "تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام، أو ضد ذلك" (٢) .
وهناك يذكر شيخ الإسلام أن لسائر أهل الإثبات أجوبة:
أحدها: أن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، وهذا مبني على مسالة واضحة جدا يقر بها كل عاقل، وهي أن عدم العلم ليس علما بالعدم (٣)، فعدم علمي بوجود كتاب، أو مدينة من المدن المغمورة، أو وجود شخص ما - لا يعني أ، هذه الأمور غير موجودة، بل قد تكون موجودة وقد يكون علمها غيري، فعدم علمي بها ليس علما بعدمها، وهذا لو أنكره إنسان لعد من أجهل الناس.
ولذلك فإنه يقال لهؤلاء الأشاعرة: عدم الدليل المعين، الذي هو دليل العقل، والذي قلتم إنه لم يدل على ما عدا الصفات السبع، لا يستلزم عدم المدلول المعين الذي هو باقي الصفات، "فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/٤٥-٤٦) .
(٢) التدمرية (ص:٣٣) - المحققة.
(٣) انظر: الرد على المنطقيين (ص:١٠٠) .
[ ٣ / ١١٩٤ ]
لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت" (١) .
الثاني: أن يقال: إذا كان دليل العقل لم يثبت هذه الصفات، - وعدم إثباته لها ليس دليلًا على نفيها - فإن هناك دليلًا آخر دل عليها، وهو دليل السمع "ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم" (٢) .
وهذا الوجه الثاني مترتب على الوجه الأول، ولذلك جمع بينهما في وجه واحد في التدمرية، وأفردهما عن بعض في مجموع الفتاوى (٣) .
الثالث: "أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكافرين يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في معقولاته ومأموراته - وهي ما تنتهي إليه معقولاته ومأموراته من العواقب الحميدة - تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى، لقوة العلة الغائبة، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم وأعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة" (٤) .
لا فرق بين استدلالهم بالعقل على الإرادة والعلم، وبين الاستدلال غيرهم به على الحب والبغض، والحكمة والرحمة وغيرها.
وهذه الوجوه الثلاثة مبينة أن احتجاجهم بدليل العقل على الصفات السبع لا يدل على نفي ما عداها من الصفات الثابتة. ولكن لو عاد الأشعري وقال:
_________________
(١) التدمرية (ص:٣٣-٣٤) - المحققة، وانظر في تقرير هذا الوجه: شرح الأصفهانية (ص:٩) - ت مخلوف - ودرء التعارض (٤/٥٩-٦٠)، التسعينية (ً:٢٤٢-٢٤٣، ٢٥٨) .
(٢) التدمرية (ص:٣٤) المحققة.
(٣) قارن التدمرية (ص:٣٣-٣٤) - المحققة، بمجموع الفتاوى (٦/٤٦) .
(٤) التدمرية (ص:٣٤-٣٥) - المحققة.
[ ٣ / ١١٩٥ ]
صحيح أنني أثبت هذه الصفات بالعقل، ولكني أيضًا نفيت ما عداها بالعقل لأنها تستلزم التجسيم. وحينئذ يعود الكلام إلى ما ذكر أولا في بداية هذه المناقشة ويقال له: "القول في هذه الصفات التي تنفيها كالقول في الصفات التي أثبتها، فإن كن هذا مستلزما للتجسيم فكذلك الآخر، وإن لم يكن مستلزما للتجسيم فكذلك الآخر" (١)، فدعواه التفريق بينهما باطل وهو متناقض كما تقدم.
هذا هو أهم الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام، وهو مثال شامل لجميع الصفات التي نفاها الأشاعرة (٢) . وهناك أمثلة أخرى ترجع إلى ما سبق ومنها:
٢- تطبيقه في صفة النزول:
يقول شيخ الإسلام في شرح حديث النزول بعد تقريره لهذا الأصل وهو أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر: "ومثل ذلك أنه إذا قال: النزول والاستواء ونحو ذلك، من صفات الأجسام؛ فإنه لا يعقل النزول والاستواء إلا لجسم مركب، والله سبحانه منزه عن هذه اللوازم، فيلزم تنزيهه عن الملزوم، أو قال: هذه حادثة، والحوادث لا تقوم إلا بجسم مركب، وكذلك إذا قال: الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك من صفات الأجسام.
فإنه يقال له: وكذلك الإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، من صفات الأجسام، فإنا كما لا نعقل ما ينزل، ويستوى، ويغضب، ويرضي، إلا جسما، لم نعقل ما يسمع، ويبصر، ويريد، ويعلم، ويقدر، إلا جسما.
فإذا قيل: سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليست كإرادتنا، وكذلك علمه وقدرته. قيل له: وكذلك رضاه ليس كرضانا، وغضبه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/٤٦-٤٧) .
(٢) انظر أيضًا في تقرير هذا الأصل: درء التعارض (١/٩٩-١٠٠)، الرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى (٦/٧٥)، شرح الأصفهانية (ص:٢٧-٢٨،٣٨٤) - ت السعوي، والفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى (١٣/١٦٥)، ومنهاج السنة (٢/٨٤) - ط دار العروبة المحققة، ومجموع الفتاوى (٦/٤٠-٤١) .
[ ٣ / ١١٩٦ ]
ليس كغضبنا، وفرحه ليس كفرحنا، ونزوله واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا " (١) ثم أكمل الكلام بمثل ما سبق (٢) .
٣- في نفيهم العلو:
من شبه الأشاعرة في نفي العلو أنه يلزم منه أن يكون الله مركبا، منقسما، ذا قدر:
وكان من مناقشة شيخ الإسلام أن ألزمهم ذلك بإثباتهم للصفات فقال: "وإذا جاز أن يقولوا: إن الموصوف الذي له صفات متعددة هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم، جاز أيضا أن يقال: إن الذي له قدر هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم، وإن كان في الموضعين يمكن أن يشار إلى شيء منه، ولا يكون المشار إليه هو عين الآخر" (٣) .
ثم إن شيخ الإسلام ألزم الأشاعرة في إثبات علو الله وقيامه بنفسه بما أثبتوه أيضا من الصفات التي لا يجعلونها أعراضا وينكرون على من ألزمهم بذلك فكذلك يقال لهم: إذا ثبت أن الله تعالى بائن من خلقه قائم بنفسه لا يلزم أن يكون جسما مركبا، يقول شيخ الإسلام: "فيقال إذا كان القائم بغيره من الحياة والعلم والقدرة وإن شارك سائر الصفات في هذه الخصائص "ولم يكن عندك عرضا، فكذلك القائم بنفسه وإن شارك غيره من القائمين بأنفسهم فيما ذكرته، لم يجب أن يكون جسما مركبا منقسما، ولا فرق بين البابين بحال؛ فإن المعلوم من القائم بنفسه أنه جسم، ومن القائم بغيره أنه عرض، وأن القائم بنفسه لا بد ا، يتميز منه شيء عن شيء، والقائم بغيره لا بد أن يحتاج إلى محله، فإذا أثبت اقئما بغيره يخالف ما علم من حال القائم بنفسه (٤) في ذلك، فكذلك لزمه أن يثبت قائما بنفس يخالف ما علم من حال القائمين بأنفسهم" (٥) .
_________________
(١) شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٣٥٢) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/٣٥٣) .
(٣) نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٦٦) .
(٤) كذا ولعل الصواب [بغيره] .
(٥) نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٦٧) .
[ ٣ / ١١٩٧ ]
ومثل ذلك ما يقال من أن اختصاص الله تعالى بالوصف كاختصاصه بالقدر، فكيفي فرق بينهما من ينكر العلو والاستواء لاستلزامه القدر (١) وقد سبق توضيح هذا عند الكلام على شبهة "الاختصاص" ضمن حجج الأشاعرة العقلية على نفي ما نفوه من الصفات.
٤- في حديث الصورة: "خلق الله آدم على صورته" (٢) .
ذكر شيخ الإسلام في رده على من تأوله فقال: "المحذرو الذي فروا منه لتأويل الحديث على أن الصورة بمعنى الصفة، أو الصورة المعنوية، أو الروحانية، ونحو ذلك، يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فورا منهن وإذا كان مثل هذا لازما على التقديرين لم يجز ترك مقتضى الحديث ومفهومه لأجله، ولم يكن أيضا محذورا بالإتفاق " (٣) .
٥- القول في نصوص الصفات كالقول في نصوص المعاد:
أي أن النصوص التي ثبتت بها الصفات هي مثل النصوص التي ثبت بها المعاد، فتفريق الأشاعرة - وغيرهم - بينهما بإثبات هذا ونفي هذه تناقض، بل يلزمهم أن يقروا بك لما ورد من الصفات كإقرارهم بنصوص المعاد، خاصة وأن نصوص الصفات أكثر (٤) .وهذا وضح جدًا.
هذه أهم الأمثلة، وقد ذكر شيخ الإسلام - في معرض مناقشاته - للاشاعرة في ردودهم على الكرامية، أنه يمكن للكرامية أن يردوا على الأشاعرة بهذا الأصل. وهو يدل على تناقض الأشاعرة في مذهبهم وفي ردودهم على خصومهم من أهل الإثبات (٥) .
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٢/١٩٩)، وانظر: درء التعارض (٣/٣٧٢-٣٨٥) .
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدا السلام، ورقمه (٦٢٢٧)، فتح الباري (١١/٣)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب يدخل الجنة أقوا أفئدتهم مثل أفئدة الطير. ورقمه (٢٨٤١) .
(٣) نقض التأسيس - مخطوط - (٣/٢٧٣) .
(٤) انظر: الفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (٥/٣٣) .
(٥) انظر: درء التعارض (٢/٢٠٤-٢٠٥)، ٤/١٠٢-١٠٣) .
[ ٣ / ١١٩٨ ]
وبعد هذه المناقشات الإجمالية في ذكر شبه الأشاعرة والرد عليها، وبيان الأصول والقواعد التي تنقض مذهبهم، ننتقل إلى بعض المناقشات المفصلة في بعض الصفات، مثل: الصفات الاختيارية، والخبرية، وكلام الله، والعلو.
المسألة الثالثة: الرد عليهم في نفيهم للصفات الاختيارية:
من بداية هذه المسألة وإلى نهاية مباحث الرسالة يكون البحث قد دخل مرحلة المناقشات المفصلة لكل صفة، ولكل جانب من جوانب العقيدة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى طول المباحث والمناقشات الواردة في كل مسألة من هذه المسائل، ومن خلال جمع المادة العلمية لكل واحدة منها، وهي طويلة جدا، وقف البحث على مفترق طرق:
- إما تتبع الفروع والمسائل المتفرقة، والأدلة والمناقشات المتعددة. وذلك لكل جانب من جوانب الصفات وقضايا العقيدة الأخرى.
- وإما الاقتصار على بيان الخطوط المجملة، التي توضح منهج شيخ الإسلام في كل واحدة منها. وتأجيل المناقشات التفصيلية إلى بحوث لاحقة.
ولما كان الأمر الأول - على فائدته وأهميته - يقتضي طولا غير عادي في هذه الرسالة، إضافة إلى ضيق الوقت وقصر المدة - فإني رأيت أن أسلك الأمر الثاني. ولعل مما يبرر ذلك أن الفصول السابقة اشتملت على أهم القضايا المتعلقة بموضوع الرسالة، ومنها: منهجه العام في الرد على الأشاعرة، ومنهجه في الرد عليهم في توحيد الألوهية والربوبية، وفي الأسماء، وفي الصفات التي أثبتوها، ثم في حججهم العامة على ما نفوه من الصفات والعلو ومناقشتها، وهذه تحتوي على كثير من المسائل الدقيقة، التي قد لا يفطن لها بعض الناس.
ولذلك كان من الضروري تفصيل القول فيها، أما المسائل الأخرى مثل مسألة: الصفات الاختيارية، والخبرية، وكلام الله، والعلو، والقدر، والإيمان، فهذه واضحة بشكل مجمل، وخلاف الأشاعرة فيها لأهل السنة مما لا يجهله كثير من طلبة العلم، وإن كانت لا تخلو من التفاصيل والدقائق التي يهتم بها من يعني
[ ٣ / ١١٩٩ ]
بهذا الشأن (١) .
هذه تقدمة ضرورية بين يدي ما يأتي من بحوث ومناقشات والله المستعان.
ومسألة الصفات الاختيارية، أو الفعلية، هي التي يسميها المعتزلة والأشاعرة مسألة حلول الحوادث (٢)، وأهم ما يميزها بالنسبة للمذهب الأشعري إجماع متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم عليها، لأنا كانت الأساس الذي قام عليه المذهب الكلابي، ثم الاشعري. وهذا بخلاف الصفات الخبرية، أو العلو، فإن الخلاف فيها قائم بين المتقدمين والمتأخرين.
والصفات الاختيارية هي - كما يقو شيخ الإسلام - "الأمور التي يتصف بها الرب ﷿، فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته، مثل كلامه، وسمعه وبصره، وإرادته، ومحبته، ورضاه، ورحمته، وغضبه، وسخطه، ومثل خلقه، وإحسانه، وعدلة، ومثل استوائه، ومجيئه، وإتيانه، ونزوله، ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة" (٣) .
ويمكن عرض منهج شيخ الإسلام في إثباتها والرد على الأشاعرة الذين نفوها من خلال الفروع التالية:
الفرع الأول: مقدمات في بيان الخلاف حول الصفات الاختيارية ومنشئه:
ذكر شيخ الإسلام خلاصة أقوال الطوائف في هذه المسألة فقال: "وأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به: فإن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن، وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا بما هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم إلى البدعة وبقايا بعض الإعتزال فيهم.
_________________
(١) ولعل الله أن ييسر إبراز كل مسألة من هذه المسئل في بحوث مستقلة، خاصة وأن مادتها العلمية موجودة ومصنفة. والله هو الموفق والمعين.
(٢) انظر: درء التعارض (٢/١٠) .
(٣) مجموع الفتاوى (٦/٢١٧) .
[ ٣ / ١٢٠٠ ]
وشاع النزاع في ذلك بين عامة المنتسبين إلى السنة من أصحاب أحمد وغيرهم. وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز في كتاب "الشافي" عن أصحاب أحمد في معنى أن القرآن غير مخلوق قولين، مبنيين على هذا الأصل:
أحدهما: أنه قديم، لا يتعلق بمشيئته وقدرته.
والثاني: أنه لم يزل متكلما إذا شاء.
وكذلك ذكر أبو عبد الله بن حامد قولين.
وممن كان يوافق على نفي ما يقوم به من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته - كقول ابن كلاب - أبو الحسن التميمي وأتباعه، والقاضي أبو يعلي وأتباعه، كابن عقيل، وأبي والحسن بن الزاغوني وأمثالهم، وإن كان في كلام القاضي ما يوافق هذا تارة، وهذا تارة.
وممن كان يخالفهم في ذلك أبو عبد الله بن حامد، وأبو بكر عبد العزيز وأبو عبد الله بن بطه، وأبو عبد الله بن منده، وأبو نصر السجزي، ويحيى ابن عمار السجستاني، وأبو إسماعيل الأنصاري وأمثالهم.
والنزاع في هذا الأصل بين أصحاب مالك، وبين أصحاب الشافعي، وبين أصحاب أبي حنيفة، وبين أهل الظاهر أيضًا: فداود بن علي صاحب المذهب وأئمتهم على إثبات ذلك، وأبو محمد بن حزم على المبالغة في إنكار ذلك.
وكذلك أهل الكلام: فالهشامية والكرامية على إثبات ذلك، والمعتزلة على نفي ذلك
وكذلك المتفلسفة: فحكوا عن أساطينهم - الذين كانوا قبل أرسطو - أنهم كانوا يثبتون ذلك، وهو قول أبي البركات صاحب "المعتبر"، وغيره من متأخريهم، وأما أرسطو وأتباعه - كالفارابي وابن سينا - فينفون ذلك، وقد ذكر أبو عبد الله الرازي عن بعضهم أن إثبات ذلك يلزم جميع الطوائف وإن أنكروه، وقرر ذلك.
[ ٣ / ١٢٠١ ]
وكلام السلف والأئمة، ومن نقل مذهبهم، في هذا الأصل كثير، يوجد في كتب التفسير والأصول " (١) .
ومن خلال هذا العرض المفصل لأقوال الطوائف في هذه المسألة يتبين أن الخلاف فيها ليس مع الأشاعرة فقط، كما أن القائلين بها ليسوا أهل السنة فقط، وإنما وافقهم عليها - ولو بشكل مجمل - كثير من أتباع الطوائف المختلفة.
ومنشأ الخلاف في هذه المسألة من جهتين:
الجهة الأولى: المضافات إلى الله وأنواعها، وقد ذكر شيخ الإسلام أن المضافات إلى الله في الكتاب والسنة ثلاثة أقسام:
أحدها: إضافة الصفة إلى الموصوف، مثل علم الله، وقدرة الله سواء كان إضافة اسمية مثل استخيرك بعلمك، أو بصيغة الفعل مثل ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُم﴾ (البقرة: من الآية١٨٧)، أو الخبر الذي هو جملة أسمية مثل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية٢٨٢) .
الثاني: إضافة المخلوقات، مثل: بيت الله، ناقة الله، رسول الله.
الثالث: ما فيه معنى الصفة والفعل، مثل قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء: من الآية١٦٤) وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يّس:٨٢) وقوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب﴾ (البقرة: من الآية٩٠) وغيرها.
فالقسم الأول: لم يختلف أهل السنة والجماعة في إنه قديم غير مخلوق، وقد خالفهم بعض أهل الكلام في ثبوت الصفات لا في أحكامها.
والقسم الثاني: لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.
أما القسم الثالث: وهو ما فيه معنى الصفة والفعل - فالناس فيه على قولين:
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٢/١٨-٢٠) .
[ ٣ / ١٢٠٢ ]
القول الأول: قول المعتزلة، والكلابية، والأشعرية، وغيرهم، أن هذا القسم لا بد أن يلحق بأحد القسمين قبله، فيكون: إما قديما به أزليا، وإما مخلوقا منفصلا عنه. ثم هؤلاء فريقان:
فريق: يرى امتناع قيام الصفات به، وهؤلاء هم المعتزلة، قالوا: القرآن مخلوق، وليس لله مشيئة ولا حب ولا بغض.
وفريق: وهم الصفاتية الذين يرون قيام الصفات به، ويقولون: له مشيئة، وكلام قديم، واختلفوا في حبه وبغضه، وأسفه ورحمته وسخطه ونحو ذلك هل هو بمعنى المشيئة أو صفات أخرى غير المشيئة؟ على قولين.
ثم هؤلاء اختلفوا في الاستواء والنزول والمجيء وغير ذلك من أنواع الأفعال التي هي أنواع جنس الحركة على أحد قولين:
أإما أن يجعلوها من باب النسب والإضافات المحضة، بمعنى أن الله خلق العرش بصفة النحت فصار مستويا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيا إليهم مثل قول الأشعري عن الاستواء إنه فعل فعله في العرش سماه استواء.
ب أو يقول هذه أفعال محضة في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة.
القول الثاني: وهو قول الكرامية وكثير من الحنبلية وأكثر أهل الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية وجمهور المسلمين وأكثر كلام السلف يدل على هذا القول، وهو: أ، هذه الصفات الفعلية ونحوها، المضافة إلى الله تعالى، قسم ثالث، ليست من المخلوقات المنفصلة عنه، وليست بمنزلة الذات والصفات القديمة الواجبة التي لا تتعلق بها مشيئته لا بأنواعها، ولا بأعيانها.
وقد يقول هؤلاء: إنه يتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء، ولم يزل متكلما بمعنى إنه لم يزل يتكلم إذا شاء، ويسكت إذا شاء، وكلامه منه ليس مخلوقا، وكذلك يقولون: وإن كان له مشيئة قديمة فهو يريد إذا شاء، ويغضب ويمقت ويقر هؤلاء - أو أكثرهم - بما جاء من النصوص على ظاهره مثله قوله:
[ ٣ / ١٢٠٣ ]
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ (لأعراف: من الآية٥٤) إنه استوى عليه بعد أن لم يكن مستويا عليه، وإنه يدنو إلى عباده ويقرب منهم، وينزل إلى سماء الدنيا ويجيء يوم القيامة بعد أن لم يكن جائيًا.
ثم هؤلاء اختلفوا: هل يقال: تحل الحوادث بذاته؟ فمنهم من يطلقه، ومنهم من لا يطلق ذلك إما لعدم ورود الأثر به، أو لا يهام معنى فاسد (١) .
وببيان هذه المسألة العظيمة، مسألة المضاف إلى الله تعالى يتبين كيف وقع كثير من الطوائف في الانحراف في هذا الباب (٢) .
الجهة الثانية: التي نشأ بسببها الخلاف في الصفات الفعلية أو الاختيارية هي: أن الخلق هل هو المخلوق أو غيره؟ وبيان ذلك أنه إذا كان من المتفق بين جميع الطوائف أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض، كما اتفقوا على أن هذه المخلوقات وجدت مخلوقة منفصلة عنه. إلا أنهم اختلفوا في أنه تعالى لما خلقها هل قامت به صفة الخلق، أو أن الخلق هو نفس المخلوق من غير أن تقوم به صفة؟
وارتباط هذه المسألة بحلول الحوادث أو الصفات الاختيارية واضح جدا؛ لأن من المعلوم أن السموات والأرض أو غيرها من المخلوقات ليست مخلوقة منذ الأزل، بل هي حادثة، فحين خلقها الله لا بد أن تكون قد تجددت له صفة لم تكن موجودة من قبل، فبخلقه للسماء قامت به صفة الخلق لها لأن السماء لم تكن مخلوقة من قبل، ومعنى ذلك حسب تعبير أهل الكلام أن الله حلت به الحوادث التي لم تكن موجودة من قبل.
_________________
(١) انظر فيما سبق مجموع الفتاوى (٦/١٤٤-١٥١) .
(٢) انظر في مسألة المضافات إلى الله. الجواب الصحيح (١/٢٤١-٢٤٥)، ودرء التعارض (٧/٢٦٣-٢٦٦)، وشرح الأصفهانية (ص:٦٦-٦٧) - ت مخلوف، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (١٧/١٥٠-١٥٢)، ومجموع الفتاوى (٩/٢٩٠-٢٩١) .
[ ٣ / ١٢٠٤ ]
فالذين يقولون بنفي الصفات الاختيارية ومنع حلول الحوادث أجابوا عن ذلك بأن قالوا إن الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول، ومعنى ذلك أن صفة الخلق أو الفعل لا تقوم بالله تعالى ويفسرون أفعاله المتعدية مثل قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (الأنعام: من الآية١) وأمثاله أ، ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاتهن بل حاله قبل أن يخلق وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة نسبة وهي أمر عدمي لا وجودي، كما يقولون في كلامه واستوائه. وهذا قول الأشاعرة (١) .
أما جمهور أهل السنة فيفرقون بينهما ويقولون: الخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول، فيثبتون صفة الخلق والفعل قائمة بالله، ويقولون بوجود المخلوق والمفعول المنفصل عن الله تعالى، ويقولون بإثبات الصفات الاختيارية التي تقوم بالله وتتعلق بمشيئته.
وهذا مع أن النصوص المتواترة من الكتاب والسنة قد دلت عليه فقد دل عليه صريح المعقول، "فإنه قد ثبت بالأدلة السمعية والعقلية أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق، محدث، كائن بعد أن لم يكن، وأن الله انفرد بالقدم والأزلية، وقد قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (الفرقان: الآية٥٩، والسجدة: الآية٤)، فهو حين خلق السموات ابتداء: إما أن يحصل منه فعل يكون خلقا للسموات والأرض، وأما أن لا يحصل منه فعل، بل وجدت المخلوقات بلا فعل، ومعلوم أنه إذا كان الخالق قبل خلقها، ومع خلقها سواء، وبعده سواء لم يجز تخصي خلقها بوقت دون بلا سبب يوجب التخصيص.
وأيضًا: قحدوث المخلوق بلا سبب حادث ممتنع في بادية العقول، وإذا قيل الإرادة والقدرة خصصت قيل: نسبة الإرادة القديمة إلى جميع الأوقات سواء،
_________________
(١) انظر: شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٣٧٨-٣٧٩، ٥٢٨-٥٢٩) .
[ ٣ / ١٢٠٥ ]
وأيضا فلا تعقل إرادة تخصص أ؛ د المتماثلين إلا بسبب يوجب التخصيص، وأيضا فلا بد عند وجود المراد من سبب يقتضي حدوثه، وإلا فلو كان مجرد ما تقدم من الإرادة والقدرة كافيا للزم وجوده قبل ذلك، لأنه مع الإرادة التامة والقدرة التامة يجب وجود المقدور" (١) .
وقد سبق تقرير هذا عند الكلام عن مسألة دليل حدوث الأجسام والتسلسل ومسألة حوادث لا أول لها.
والذين قالوا بأن الخلق هو المخلوق من الأشاعرة وغيرهم - عمدتهم في ذلك: أنه لو كان الخلق غير المخلوق: لكان إما قديما وإما حادثا: فإن كان قديما لزم قدوم المخلوق، وهو محال، وإن كان حادثا لزم أن تقوم به الحوادث، ثم ذلك الخلق يفتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل وهو باطل.
فأجابهم الجمهور - كل طائفة بحسب أصلها -:
فطائفة قالت: الخلق قديم، وإن كان المخلوق حادثا، وهذه مسألة التكوين التي قال بها الأحناف والماتريدية، وهؤلاء يقولون القول في الخلق كالقول في الإرادة، فإذا كنتم تسلمون أن الإرادة قديمة أزلية، والمراد حادث، فكذلك نحن نقول في الخلق.
وطائفة قالت: بل الخلق حادث في ذاته، ولا يفتقر إلى خلق آخر، بل يحدث بقدرته، وهؤلاء يقولون: إذاكان المخلوق يحصل بقدرته بعد أن لم يكن، والمخلوق منفصل فالمتصل به أولى. وهذا قول الكرامية والهشامية.
وطائفة قالت: هب أنه يفتقر إلى فعل قلبه فلم قلتم إن ذلك ممتنع، وقولكم: هذا تسلسل، ياقل: ليس هذا تسلسلا في الفاعلين والعلل الفاعلة، وإنما هو تسلسل في الآثار، وهو حصول شيء بعد شيء، والسلف على إثباته، فإنهم يقولون إن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/٢٣٠-٢٣١) .
[ ٣ / ١٢٠٦ ]
بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (الكهف:١٠٩) فكلمات الله لا نهاية لها، وهذا تسلسل جائز كالتسلسل في المستقبل لأن نعيم الجنة لا نفاد له (١) . وقد سبق توضيح هذا في مسألة التسلسل،
وأهل السنة يقولون: الخلق والتكوين حادث إذا أراد الله خلق شيء وتكوينه، والله تعالى ذكر وجود أفعاله شيئًا بعد شيء، فهو خلق السموات والأرض، ثم استوى على العرش، وكذا رضاه ومحبته وكلامه وغيرها من الصفات المتعلقة بمشيئته وإرادته (٢) .
فهذه الطوائف الثلاث ردت على ما يقوله الأشاعرة من أن الخلق هو المخلوق، وقول الطائفة الثالثة هو قول أهل السنة الموافق للمع والعقل.
الفرع الثاني: الأدلة على إثبات الصفات الاختيارية:
وهي أدلة كثيرة جدًا من الكتاب والسنة وأقوال السلف، تدل على اتصاف الله تعالى بهذه الصفات. وقد أفرد لذلك شيخ الإسلام قرابة مجلد كامل من مجلدات درء تعارض العقل والنقل (٣)، واشتمل ذلك على:
أأدلة كثيرة من كتاب الله تعالى (٤) .
ب وأدلة من الأحاديث الصحيحة (٥) .
ت وأدلة من أقوال أئمة السلف وغيرهم (٦) .
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٢٣١-٢٣٢)، ومنهاج السنة (٢/٣٠٦) - ط دار العروبة المحققة.
(٢) انظر: منهاج السنة - ط دار العروبة - المحققة (٢/٣٠٦-٣٠٧)، وانظر في موضوع هل الخلق هو المخلوق أو غيره مع بيان الراجح: درء التعارض (١/٢٣٨-٢٣٩، ٢/٢٦٤، ٤/٦٠، ٩/٥٧٩، ١٠/٢٢)، ونقض التأسيس - مخطوط - (٣/٣٨٠)، ومجموع الفتاوى (٦/١٤٨-١٤٩، ٢٢٩-٢٣٠، ١٦/٣٧٦-٣٧٧)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٥٢٨-٥٣٦) .
(٣) من بداية الجزء الثاني إلى ص:٣٤٢.
(٤) درء التعارض (٢/١١٥) وما بعدها، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/٢٢٢-٢٢٤) .
(٥) المصدر السابق (٢/١٢٤) وما بعدها.
(٦) المصدر نفسه (٢/٢٠-١١٥) .
[ ٣ / ١٢٠٧ ]
وهذه الأدلة صريحة في إثبات الصفات الاختيارية القائمة به "كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض، والطي، والإتيان، والمجيء، والنزول، ونحو ذلك، بل والخلق، والإحياء، والإماتة، فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة كالاستواء، وبالأفعال المتعدية كالخلق، والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم، فإن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان متعديا إلى مفعول، أو لم يكن، والفاعل لا بد له من فعل، سواء كان فعله مقتصرا عليه أو معتديا إلى غيره، والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله، إذ كان لا بد له من الفاعل، وهذا معلوم سمعا وعقلا:
أما السمع فإن أهل العربية التي نزل بها القرآن، بل وغيرها من اللغات متفقون على أن الإنسان إذا قال: "قام فلان وقعد" وقال: "أكل فلان الطعام وشرب الشراب"، فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة، إذ كلتا الجملتين فعلية، وكلاهما فيه فعل وفاعل، والثانية امتازت بزيادة المفعول
فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الحديد: من الآية٤) تضمن فعلين: أولهما متعد إلى المفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى، فإذا كان الثاني - وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ - فعلا متعلقا بالفاعل، فقوله: ﴿خَلَقَ﴾ كذلك بلا نزاع بين أهل العربية
وأما من جهة العقل: فمن جوز أن يقوم بذات الله تعالى فعل لازم له كالمجيء والاستواء، ونحو ذلك، لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق كالخلق والبعث والإماته والاحياء، كما أ، من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير كالحياة، لم يمكنه أ، يمنع قيام الصفة المتعلقة بالغير كالعلم والقدرة والسمع والبصر، ولهذا لم يقل أ؛ د من العقلاء بإثبات أحد الضربين دون الآخر
وإذا كان كذلك كان حدوث ما يحدثه الله تعالى من المخلوقات تابعا لما يفعل من أفعاله الاختيارية القائمة بنفسه، وهذه سبب الحدوث، والله تعالى حي قيوم لم يزل موصوفا بأنه يتكلم بما شاء، فعال لما يشاء، وهذا قد قاله العلماء الأكابر من أهل السنة والحديث، ونقلوه عن السلف والأئمة وهو قول طوائف كثيرة
[ ٣ / ١٢٠٨ ]
من أهل الكلام والفلسفة المتقدمين والمتأخرين، بل هو قول جمهور المتقدمين من الفلاسفة" (١) .
ولعل هذا النص المطول يوضح خلاصة مذهب السلف، ومنهج شيخ الإسلام في تقريره، ومن أنكره من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم فقولهم متناقض، ولهذا ذكر الرازي أن القول به - وهو ما يسمى بحلول الحوادث - لازم لجميع الطوائف (٢) .
الفرع الثالث: أدلة نفاة الصفات الاختيارية ومناقشتها:
لما كان متأخرو الأشعرية حاولوا استقصاء أدلة من سبقهم من نفاة الصفات الاختيارية القائمة بالله تعالى، جعل شيخ الإسلام ردوده منصبة على ما كتبه هؤلاء المتأخرون، مستخدمًا منهجه من أدلة أخرى تثبت بطلان مذهب النفاة.
ولما كان الآمدي والرازي هما أبرز المتأخرين الذين كتبوا كتبا مطولة في عقائد الأشاعرة، وصار من بعدهما يعتمد على أقوالهم - ذكر شيخ الإسلام - في مناقشة هذه المسألة - ما ذكراه أبطالا لحجج من سبقهما، أو حججا جديدة أتوا بها.
ويلاحظ هنا أن هذه المسألة قد اتفق على نفيها متقدموا الأشعرية ومتأخروهم، ولكن لما أن المتأخرين أبطلوا أدلة المتقدمين وزيفوها أورد ذلك شيخ الإسلام، فيكون من باب رد المتأخرين على المتقدمين. كما أن شيخ الإسلام في مسألة العلو والاستواء والصفات الخبرية لما كان المتقدمون يثبتونها وينكرها المتأخرون، رد على هؤلاء المتأخرين بأقوال شيوخهم المتقدمين. عكس المسألة التي معنا.
_________________
(١) درء التعارض (٢/٥-٣) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/٢٥٦-٢٣٧،٢٤٢)، وانظر في أدلة السلف على إثباث ذلك غير ما سبق: شرح الأصهانية (ص:١٨٢-٢٣٨) - ت العودة، ومجموع الفتاوى (٦/٢٢٥-٢٣٨، ٢٥٩-٢٦٨)، ودرء التعارض (٢/٢٢٠-٢٢٢، ٢٩١-٣٠١) .
[ ٣ / ١٢٠٩ ]
ويمكن ذكر نماذج من ردود المتأخرين على نفاة حلول الحوادث. يقول شيخ الإسلام: "وفحول النظار كأبي عبد الله الرازي، وأبي الحسن الآمدي وغيرهما ذكروا حجج النفاة لحلول الحوادث وبينوا فسادها. فذكروا لهم أربع حجج.
إحداها: الحجة المشهورة وهي: أنها لو قامت به لم يخل منها ومن أضدادها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث.
ومنعوا المقدمة الأولى. والمقدمة الثانية. ذكر الرازي وغيره فسادها" (١)، كما أن الآمدي قال: "وقد احتج أهل الحق على امتناع قيام الحوادث به بحجج ضعيفة: الأولى " (٢)، وذكر الحجة السابقة ثم زيفها وذكر الاعتراضات عليها، وانظر تعليقات شيخ الإسلام على كلام الآمدي (٣)، حيث قال في آخرها: "وهذه الحجة التي صدر بها الآمدي وزيفها هي الحجة التي اعتمد عليها الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من السالمية " (٤) .
الثانية: من حجج النفاة "أنه لو كان قابلا لها في الأزل لكان القبول من لوازم ذاته، فكان القبول يستدعي إمكان القبول، ووجود الحوادث في الأزل محال.
وهذه أبطلوها هم بالمعارضة بالقدرة: بأنه قادر على إحداث الحوادث، والقدرة تستدعي إمكان المقدور، ووجود المقدور وهو الحوادث في الأزل محال" (٥) .
وقد أورد هذه الحجة الآمدي، وزيفها (٦)، وعلق على ذلك شيخ الإسلام (٧)، كما أوردها الرازي، ورد عليه الأرموي (٨)، كما نقضها شيخ الإسلام من وجوه (٩) .
_________________
(١) انظر: /جموع الفتاوى (٦/٢٤٧) .
(٢) انظر: درء التعارض (٤/٢٧) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٤/٢٧-٤٠) .
(٤) انظر: درء التعارض (٤/٤٠)، وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى (٦/٢٣٨-٢٣٩) .
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٢٤٧) .
(٦) انظر: درء التعارض (٤/٦٢-٦٣) .
(٧) النظر: المصدر السابق (٦٣/٧١) .
(٨) انظر: المصدر نفسه (٢/٢١٢-٢١٦) مع تعليق شيخ الإسلام.
(٩) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٢٤٧-٢٤٩) .
[ ٣ / ١٢١٠ ]
الحجة الثالثة: للنفاة: "أنهم قالوا: لو قامت به الحوادث للزم تغيره والتغير على الله محال.
وأبطلوا هم هذه الحجة - الرازي وغيره - بأن قالوا: ما تريدون بقولكم: لو قامت به تغيرن أتريدون بالتغير نفس قيامها به أم شيئًا آخر؟ فإن أردتم الأول كان المقدم هو الثاني، والملزوم هو اللازم، وهذا لا فائدة منه، فإنه يكون تقدير الكلام: لو قامت به الحوادث لقامت به الحوادث، وهذا كلام لا يفيد، وإن أردتم بالتغير معنى غير ذلك فهو ممنوع، فلا نسلم أنها لو قامت به لزم "تغير" غير حلول الحوادث. فهذا جوابهم" (١) .
وقد أوضح شيخ الإسلام وجه الرد على النفاة ببيان ما في لفظ "التغير" من الإجمال، وأن التغير المعروف في اللغة العربية لا يراد به مجرد كون المحل قامت به الحوادث، ولذلك فالناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب إذا تحركت: إنها تغيرت، ولا يقولون للإنسان إذا تكلم ومشى تغير وإنما يقولون لمن استحال من صفة إلى صفة، كالشمس إذا زال نورها ظاهرا لا يقال تغيرت، فإذا أصفرت قبل تغيرت (٢) .
الحجة الرابعة: - للنفاة - وهي مرتبطة بالحجة السابقة، حيث قالوا: حلول الحوادث أفول والخليل قد قال ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (الأنعام: من الآية٧٦)، والآفل هو المتحرك، أو المتغير (٣) .
وقد ذكر هذه الحجة - مع التي قبلها - الآمدي وزيفها، انظر كلامه مع تعليق شيخ الإسلام (٤)، كما أن شيخ الإسلام بين الحق في الآية التي استدلوا بها (٥) - وقد سبق الكلام حولها عند بحث موضوع دليل حدوث الأجسام -.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/٢٤٩) .
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٢٤٩-٢٥٠) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٦/٢٥٢) .
(٤) انظر: درء التعارض (٤/٧١-٨٢) .
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٢٥٣-٢٥٧)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٥٤٢-٥٥١)، ودرء التعارض (٢/٢١٦-٢٢٢) .
[ ٣ / ١٢١١ ]
فهذه أهم حجج النفاة لحلول الحوادث بين الأشاعرة أنفسهم فسادها وهي فاسدة في نفس الأمر، لأنها مصادمة لأدلة الكتاب والسنة والمعقول.
ولكن إذا كان كل من الرازي والآمدي قد أبطلا حجج النفاة فهل رجعا إلى الحق وقالا بقول أهل السنة الذي قال فيه الرازي: إنه لازم لجميع الطوائف؟.
والجواب أنهما لما أبطلا الحجج كلها اعتمدا على حجة واحدة وهي "حجة الكمال والنقصان"، وخلاصتها: أن هذه الصفات "إن كانت صفات نقص وجب تنزيه الرب عنها، وإن كانت صفات كمال فقد كان فاقدا لها قبل حدوثها وعدم الكمال نقص، فيلزم أن يكون ناقصا، وتنزيهه عن النقص واجب الإجماع" (١) .
وقد رد شيخ الإسلام على هذه الحجة - في أماكن متعددة من كتبه - من وجوه عديدة: ومنها:
١- "أن يقال القول في أفعاله القائمة به الحادثة بمشيئته وقدرته كالقول في أفعاله التي هي المفعولات المنفصلة التي يحدثها بمشيئته وقدرته، فإن القائلين بقدم العالم أوردوا عليهم هذا السؤال فقالوا: الفعل إن كان صفة كمال لزم عدم الكمال له في الأزل، وإن كان صفة نقص لزم اتصافه بالنقائض. فأجابوهم بأنه ليس صفة نقص ولا كمال" (٢) .
وهذا نقض لحجتهم وإلزام لا محيد لهم عنه، لأن كلا من الأمرين حادث بقدرته ومشيئته، فحكمها بالنسبة للكمال والنقصان واحد.
٢- أن يقال: "إذا عرض على العقل الصريح ذات يمكنها أن تتكلم بقدرتها وتفعل ما تشاء بنفسها، وذات لا يمكنها أن تتكلم بمشيئتها ولا تتصرف بنفسها البتة، بل هي بمنزلة الزمن الذي لا يمكنه فعل يقوم به باختياره، قضى
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/٢٤١)، وانظر: درء التعارض (٢/٢١٠-٢١١، ٤/٣، ٨٢)، والرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى (٦/١٠٥) .
(٢) درء التعارض (٤/٣)، وانظر أيضًا: الأكملية - مجموع الفتاوى (٦/١٠٥)، ومجموع الفتاوى (٦/٢٤٢) .
[ ٣ / ١٢١٢ ]
العقل الصريح أن هذه الذات أكمل، وحينئذ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة النقص، والكمال في اتصافه بهذه الصفات، لا في نفي اتصافه بها" (١) .
٣- أن يقال: "الأفعال التي حدثت بعد أن لم تكن، لم يكن وجودها قبل وجوده كمالا، ولا عدمها نقصا، فإن النقص إنما يكون إذا عدم ما يصلح وجوده، وما به يحصل الكمال، وينبغي وجوده، ونحو ذلك، والرب تعالى حكيم في أفعاله، وهو المقدم والمؤخر، فما قدمه كان الكمال في تقديمه، وما أخره كان الكمال في تأخيره، كما أن ما خصصه بما خصصه به من الصفات فقد فعله على وجه الحكمة وإن لم نعلم نحن تفاصيل ذلك، واعتبر ذلك بما يحدثه من المحدثات" (٢) . ومثال ذلك تكليم الله لموسى ﵇ ونداؤه له: "فنداؤه حين ناداه صفة كمال ولو ناداه قبل أن يجيئ لكان ذلك نقصا، فكل منها كمال حين وجوده ليس بكمال قبل وجوده " (٣) .
وقد ذكر شيخ الإسلام أوجها أخرى عديدة (٤) .
الفرع الرابع: الصفات الاختيارية تفصيلا:
لم يكتف شيخ الإسلام بالمناقشات المجملة حول الصفات الاختيارية القائمة بالله تعالى (٥)، وإنما ناقشها صفة، صفة، ويمكن الإشارة إلى بعض هذه الصفات، ومجمل منجهه فيها.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/٢٤٢)، وانظر: درء التعارض (٤/٧-١٠) .
(٢) درء التعارض (٤/١٠) .
(٣) مجموع الفتاوى (٦/٢٤١) .
(٤) انظر: درء التعارض (٤/٣-١٨، ٨٤-٩٦)، ومجموع الفتاوى (٦/٢٤١-٢٤٢) .
(٥) انظر في مسألة الصفات الفعلية القائمة بالله - المسماة حلول الحوادث - غير ما سبق: منهاج السنة (١/٢٩٨) - وما بعدها (٢/١٩٥-١٩٧، ٢٩٨) وما بعدها ط دار العروبة المحققة، ونقض التأسيس - مطبوع - (١/٣٠٣)، وجامع الرسائل (١/١٥٩-١٦٠)، والتسعينية (ص:٩٧، ١٩٨-٢٠١)، والصفدية (١/١٢٨-١٣٠)، والرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى (٦/٨٦)، وشرح الأصفهانية (ص:٦٢-٦٣، ٦٨) ت مخلوف، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٥٣٧-٥٣٩)، والرد على المنطقيين (ص:٢٣١-٢٣٢)، والاستقامة (١/١٨٣)، ودرء التعارض (٦/٣١٠-٣١١، ٨/٢٨٦، ٩/٢٥٣-٢٥٤)، ومجموع الفتاوى (٥/١٩٤-٢١٧، ٦/٨،١٨،٢٢٩، ٢٣٣، ٢٥٠-٢٥١، ٢٦٨-٢٨٣، ١٢/٣١٥-٣١٩، ١٦/٣٧٢-٣٧٤، ٣٩٣، ٤٠٦-٤٠٧)، ومسألة الأحرف - مجموع الفتاوى (١٢/٩٤) .
[ ٣ / ١٢١٣ ]
وأهم هذه الصفات:
أولا: صفة الاستواء:
هذه الصفة يرد بحثها في موضعين:
أفي هذا الموضع، وهو الصفات الاختيارية القائمة بالله تعالى، لأنه تعالى استوى على العرش بعد خلقه، فهو متعلق بمشيئته وإرادته.
ب وفي موضوع "العلو"، لأن من أهم أدلة العلو الاستواء على العرش. ويلاحظ أن العلو من الصفات العقلية المعلومة بالعقل والسمع. أما الاستواء فهو من الصفات المعلومة بالسمع فقط (١) .وبهذا يكون الاستواء جزءا من أدلة العلو السمعية.
ولذلك فإن الأشاعرة تأولوا الاستواء بأحد تأويلين:
أ) بالاستيلاء، وهذا تأويل نفاة العلو من متأخري الأشاعرة.
ب) أو بأنه فعل فعله الله في العرش سماه استواء، وهذا قول الأشعري وكثير من أصحابه الذين يثبتون العلو ولكن ينفون قيام الصفات الفعلية به. وقولهم هذا ليس خاصا بالاستواء، بل يشمل جميع الصفات الدالة على هذا المعنى كالنزول والمجيء والإتيان. ومعنى الاستواء عند هؤلاء أن الله "يحدث في العرض قربا فيصير مستويا عليه من غير أن يقوم به نفسه فعل اختياري، سواء قالوا: الفعل هو المفعول أو لم يقولوا، وكذلك النزول " (٢) . وهذا سبب أصلهم في منع حلول الحوادث، ومعنى هذا القول أن الاستواء أو النزول أو المجيء ليس
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٥/١٢١-١٢٢)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٥٢٣)، ونقض التأسيس - مخطوط - (١/٢٩، ٣/٢٧١) .
(٢) شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٤٣٧) .
[ ٣ / ١٢١٤ ]
إلا نسبة وإضافة بين المخلوق والخالق من غير صفة فعل تقوم بالخالق نفسه (١) .
ومذهب السلف وأئمة السنة أن هذه الصفات الفعلية تقوم بذات الله تعالى كما دلت عليها النصوص.
فمتقدموا الأشاعرة أثبتوا الاستواء دالا على العلو فقط ولذا جعلوه من صفات الذات. ولم يثبتوه صفة فعل تقوم بالله. أما متأخروهم فقد نفوا دلالته على الأمرين (٢) .
ومنهج شيخ الإسلام في تقرير هذه الصفة - الاستواء - والرد على متأوليها، وهو كما يلي - باختصار -:
١- بين أدلة إثبات صفة الاستواء لله وأقوال السلف في معناه، وأنه مخالف لأقوال هؤلاء المتأولين. وقد أكثر شيخ الإسلام من النقول عن الأئمة - على اختلاف طبقاتهم وبلدانهم - التي يثبتون فيها صفة الاستواء لله تعالى ويردوهن على من تأوله بالاستيلاء أو غيره.
وغالب هذه النقول ذكرها شيخ الإسلام في إثبات صفة العلو لله تعالى ولعل الإشارة إليها هنا - مع ذكر مصادرها - يغني عن إعادته هناك (٣) .
٢- الرد على من أول استوى بمعنى استولى من عدة وجوه (٤) .
_________________
(١) انظر في مذهب الأشاعرة ومخالفتهم لمذهب السلف في ذلك: التبيان في نزول القرآن - مجموع الفتاوى (١٢/٢٥٠-٢٥١)، ودرء التعارض (٦/٣٢١-٣٢٢)، ومجموع الفتاوى (١٦/٣٩٣-٣٩٥)، ومنهاج السنة (٢/٥١٣) ط دار العروبة المحققة والاستقامة (١/١٦٢)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٣٨٦)، ونقض التأسيس - مطبوع (١/٥٦٥، ٢/٢٠٦، ٣١٦) .
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/٣٩٥-٣٩٧) .
(٣) أهم هذه النقول ما ذكره في نقض التأسيس - مخطوط - (١/١٥،١٠٢-١٢١)، ودرء التعارض (٦/١٩١-٢٦٧)، وانظر أيضًا: الدرء (٢/٢٠-٢١، ٦/١١٥-١١٩)، مجموع الفتاوى (٥/٣١٠-٣١٤، ٦/٣٩٨-٣٩٩)، والتسعينية (ص:١٢٢،١٢٧-١٣١)، شرح حديثا لنزول (٥/٥١٨-٥٢٢) .
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٥/١٤٤-١٤٩) حيث أبطل تأويله من اثني عشر وجها، وانظر أيضا: التدمرية (ص:٨١-٨٤) - المحققة، ودرء التعارض (١/٢٧٨-٢٧٩)، ونقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٣٨-٢٤٠)، والفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (٥/٢٩-٤١)، ومجموع الفتاوى (١٦/٣٩٥-٤٠٣)، وتفسير سورة الاخلاص - مجموع الفتاوى - (١٧/٣٤٧-٣٧٩.
[ ٣ / ١٢١٥ ]
٣- الرد على متأخري الأشعرية بأقوال متقدميهم الذين أثبتوا الاستواء وردوا على من تأوله بالاستيلاء (١) .
٤- بقى مما يتعلق بالاستواء مسألتان:
إحداهما: هل يلزم من إثبات الاستواء على العرش أن يكون الله جسما؟ وقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك بأن مثبتي الاستواء اختلفوا:
- فمنهم من يقول: هو فوق العرش وليس بجسم، وهذا قول بن كلام والأشعرية القدماء.
- ومنهم من يقول: هو فوق العرش ولا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، ثم من هؤلاء من يسكت عن هذا النفي والإثبات، ومنهم من يستفصل عن المراد بالجسم، فإن فسر بما ينزه الرب عنه نفاه، وإن فسر بما يتصف الرب به أثبته (٢) .
وشيخ الإسلام يرجح هذا القول الأخير الذي هو الاستفصال ما هو منهجه عموما مثل هذه المسائل.
والمسألة الثانية: مسألة "الحد"، وهل يقال إن استواء الله تعالى على العرشي بحد، أو بغير حد، وهذه مرتبطة بالمسألة السابقة، وقد أورد شيخ الإسلام الخلاف في ذلك بين مثبتي الاستواء؛ وأن منهم من قال بالحد، ومنهم من منع إطلاقه. وإن كان الذي ورد في عامة كتب السلف إطلاق الحد لبيان بينونة الله عن خلقه والرد على الجهمية والحلولية وغيرهم.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٥/٣١٧-٣٢٠، ١٦/٩١)، ونقض التأسيس - مخطوط - (١/٨٢-٨٤، ٢/١٠٢-١٠٣، ١٨٢-١٨٤)، ونقض التأسيس - مطبوع - (٢/٩-١٠)، ودرء التعارض (٦/١٩٣-٢٠٧) .
(٢) انظر: شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٤١٨-٤١٩)، ونقض التأسيس - مطبوع - (١/٣٩٦-٣٩٧، ٢/٦٢-٦٣، ١٠٦-١١١)، ودرء التعارض (٤/٢٠٩-٢١١، ٦/٢٨٩-٢٩٠) .
[ ٣ / ١٢١٦ ]
وقد ذكر شيخ الإسلام في معرض رده على الرازي لما اعترض بأنه يلزم من إثبات العلو والاستواء لله إثبات الحد والنهاية وأن هذا تجسيم - ذكر أن الكلام في هذه الحجة في مقامين:
المقام الأول: "قول من يقول: هو فوق العرش وليس له حد ولا مقدار ولا هو جسم، كما يقول ذلك كثير من الصفاتية، من الكلابية، وأئمة الأشعرية وقدمائهم، ومن وافقهم من الفقهاء والطوائف الأربعة وغيرهم، وأهل الحديث والصوفية، وغير هؤلاء. وهم أمم لا يحصيهم إلا الله، ومن هؤلاء أبو حاتم ابن حبان، وأبو سفيان الخطابي، البستيان " (١) والقاضي أبو يعلي كان ينكر الحد ثم رجع إلى الإقرار به (٢) . وممن نفي الحد أبو نصر السجزي (٣) .
فهؤلاء الذين ينفون الحد والمقدار والجسم ونحو ذلك من الصفاتية الذين يثبتون الاستواء على العرش يقولون إذا كان هو نفسه فوق العرش لا يلزم أن يوصف بالحد أو تناهي المقدار (٤) .
والمقام الثاني: "كلام من لا ينفي هذه الأمور التي يحتج بها عليه نفاة العلو على العرش.. بل قد يثبتها أو يثبت بعضها لفظا أو معنى، أو لا يتعرض لها بنفي ولا إثبات، وهذا المقام هو الذي يتكلم فيه سلف الأمة وأئمتها، وجماهير أهل الحديثن وطوائف من أهل الكلام والصوفية وغيرهم. وكلام هؤلاء أسد في العقل والدين، حيث ائتموا بما في الكتاب والسنة، وأقروا بفطرة الله التي فطر عليها عباده، فلم يغيروا، وجعلوا كتب الله التي بعث بها رسله هي الأصل في الكلام، وأما الكلام في المجمل والمتشابه الذي يتكلم فيه النفاة، ففصلوا مجمله،
_________________
(١) نقض التأسيس - مطبوع - (٢/١٦٩) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/١٧١) وما بعدها وقارن بإبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى - مخطوط - (ص:٣١٥) وما بعدها.
(٣) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (١/٤٤٦)، وكلام السجزي في كتاب الرد على من أنكر من الحرف والصوت - (ص:١٥٧-١٥٨) ط على الآلة الكاتبة.
(٤) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (٢/١٧٤-١٧٥) .
[ ٣ / ١٢١٧ ]
ولم يوافقوهم على لفظ مجمل قد يتضمن نفي معنى حق، ولا وافقوهم أيضًا على نفي المعاني التي دل عليها القرآن والعقل، وإن شنع النفاة على من يثبت ذلك، أو زعموا أن ذلك يقدح في أدلتهم وأصولهم" (١) .
وقد أثبت الحد الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة كما ذكر ذلك الدارمي في نقضه على المريسي، والقاضي أبو يعلي في إبطال التأويلات، والخلال في كتاب السنة، والهروي في ذم الكلام. وغيرهم (٢) .
وهم لما أثبتوا "الحد" قالوا: له حد لا يعلمه إلا هو، كما بينوا مع ذلك أن العباد لا يحدونه ولا يدركونه، وهذا الذي قصده الإمام أحمد لما قال: "نحن نؤمن بالله ﷿ على عرشه كيف شاء، وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد " (٣) وإلا فهو قد قال في رواية أخرى عنه: لله تعالى حد لا يعلمه إلا هو (٤) . فما نفاه الإمام أحمد قصد به الصفة التي يعلمها الخلق، وما أثبته قصد به ما يتميز به عن عباده، ويبين به عنهم، وهذا هو الذي قصده بقوله: له حد لا يعلمه إلا الله وهو الذي قصده من أطلق هذا من السلف. وقد أخطأ من ظن من الحنابلة أو غيرهم أن للإمام أحمد في ذلك روايتين، بل كلامه متسق غير متناقض وكل رواية موافقة للأخرى (٥) .
وقد اعترض "الخطابي" على إثبات "الحد" بأن صفة "الحد" لم ترد في الكتاب والسنة، ولكن شيخ الإسلام رد عليه من وجوه وبين أن السلف لم يقصدوا بذلك الصفة مطلقا، ولم يقولوا: له صفة هي "الحد"، والحد إنما هو ما يتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره، والسلف قصدوا بذلك الرد
_________________
(١) نقض التأسيس - مطبوع - (٢/١٨٠) .
(٢) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (١/٤٢٦-٤٤٠)، حيث نقل نصوص كلامهم، وقارن بالنقض على المريسي للدارمي (ص:٣٨١) وما بعدها - ضمن عقائد السلف، وإبطال التأويلات (٣١٦-٣١٧) .
(٣) نقض التأسيس - مخطوط - (٢/١٦٣) .
(٤) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (١/٤٣٠) وما بعدها.
(٥) انظر: المصدر السابق (١/٤٣٣-٤٣٨، ٢/١٦٣، ١٧٤) .
[ ٣ / ١٢١٨ ]
على الجهمية الذين قالوا: ليس له حد، وقصدوا بذلك أنه لا يبياين المخلوقات ولا يكون فوق العالم لأن ذلك مستلزم للحد، فلم استفصل الأمر على أئمة السلف بذكر هذا اللازم وقيل لهم: بحد قالوا: بحد. ومقصودهم واضح جدًا (١) .
هذه ملامح من منهج شيخ الإسلام في تقرير هذه الصفة والرد على من تأولها.
ثانيًا: صفة "النزل":
القول في هذه الصفة كالقول في صفة الاستواء وغيرها من الصفات الفعلية، ومذهب الأشاعرة فيها واحد، ومعنى النزول عندهم: أن الله يخلق أعراضا في بعض المخلوقات يسميها نزولا، وهذا بناء على أصلهم في نفي قيام الحوادث به (٢)، وبعضهم يقول في النزول إنه من صفات الذات وإنه أزلي كما يقولون أيضا مثل ذلك في الاستواء والمجيء والغضب والفرح والضحك ونحوها (٣) . فالقول في صفة النزول كالقول في صفة الاستواء.
السلف رحمهم الله تعالى أثبتوا هذه الصفة كما وردت، وردوا على من تأولها بنزول أمره أو رحمته أو ملك أو غير ذلك. وأقوالهم في ذلك مشهورة متواترة (٤) .
ومن الأمور المتعلقة بصفة النزول:
١- بطلان قول من تأوله بنزول رحمته أو أمره أو ملك أو غير ذلك، وقد ذكر شيخ الإسلام في إبطال هذه التأويلات وجوها عديدة (٥) .
_________________
(١) انظر نقض التأسيس - مطبوع - (١/٤٤١-٤٤٦) .
(٢) انظر: شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٣٨٦) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٥/٤١٠-٤١١) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (٥/٣٢٢،٣٧٤-٣٧٥،٣٧٨-٣٩٥)، ومنهاج السنة (٢/٥١١-٥١٣) ط دار العروبة المحققة.
(٥) انظر: شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٣٦٩-٣٧٣، ٤١٥-٤١٨) .
[ ٣ / ١٢١٩ ]
٢- ومما يتعلق بالنزول والمجيء والإتيان وغيرها مسألة "الحركة" وهل يوصف الله بها أم لا؟، وقد ساق شيخ الإسلام الخلاف في ذلك فقال: "واختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في النزول والإتيان والمجيء وغير ذلك، هل يقال: إنه بحركة وانتقال، أم يقال: بغير حركة وانتقال، أم يمسك عن الإثبات والنفي؟ على ثلاثة أقوال ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب: اختلاف الروايتين والوجهين:
فالأول: قول أبي عبد الله بن حامد وغيره.
والثاني: قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته.
والثالث: قول أبي عبد الله بن بطة وغيره.
ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم كما ذكر ذلك أبو عمر بن [عبد البر] (١) وغيره.
ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى مع اللفظ، وهم في المعنى منهم من يتصوره مجملا، ومنهم من يتصوره مفصلا إما مع الإصابة أو مع الخطأ " (٢) .
وخلاصة مذهب أئمة السلف في إطلاق لفظ "الحركة"، مع اتفاق الجميع على إثبات المعنى الذي دلت عليه هذه النصوص - أنهم على ثلاثة أقوال:
- منهم من يصرح بلفظ الحركة. وممن نقل مذهب الأئمة المتقدمين والمتأخرين حرب الكرماني، والدارمي الذي قال: إن الحركة من لوازم الحياة، وذكر حرب أنه قول من لقيه من أئمة السنة كأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور.
_________________
(١) في المطبوعة من شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى [عبد الرحمن] ولعل الصواب ما أثبت، وانظر: ما يرجع هذا في (٥/٥٧٥، وكلام ابن عبد البر في التمهيد (٧/١٣٦-١٣٧) .
(٢) شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٤٠٢) .
[ ٣ / ١٢٢٠ ]
- وطائفة أخرى من أئمة السلف كنعيم بن حماد، والبخاري، وأبي بكر ابن خزيمة، وابن عبد البر، وغيرهم، يثبتون المعنى الذي يثبته هؤلاء، ويسمعون ذلك فعلا، ولكن من هؤلاء من يمنع إطلاق لفظ الحركة لكونه لم يؤثر (١) .
وقد رجح شيخ الإسلام أن المأثور عن الإمام أحمد "إنكار نفي ذلك ولم يثبت عنه إثبات لفظ الحركة، وإن أثبت أنواعا قد يدرجها المثبت من جنس الحركة، فإنه لما سمع شخصا يروي حديث النزول، ويقول: ينزل بغير حركة ولا انتقال، ولا بغير حال، أنكر أحمد ذلك، وقال: قل كما قال رسول الله - ﷺ -، فهو كان أغير على ربه منك" (٢) .
أما العقيدة التي كتبها حرب بن إسماعيل - وفيها تصريحه بالحركة - فقد قال عنها شيخ الإسلام: "ليست هذه العقيدة ثابتة عن الإمام أحمد بألفاظها، فإني تأملت لها ثلاثة أسانيد مظلمة برجال مجاهيل، والألفاظ هي ألفاظ حرب ابن إسماعيل، لا ألفاظ الإمام أحمد " (٣) .
ولعل ما يرجحه شيخ الإسلام في ذلك ما قاله في مثل هذه الألفاظ: "والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص" (٤) .
٣- ومن المسائل المتعلقة بالنزول: هل يخلو من العرش أم لا؟ وقد ذكر شيخ الإسلام أن في ذلك ثلاثة أقوال:
- طائفة ممن يدعي السنة يظن خلو العرش منه، وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن ابن أبي عبد الله بن محمد ابن منده (٥) في ذلك كتابا.
- وطائفة تقف، لا تقول يخلو، ولا لا يخلو، وتنكر على من يقول ذلك.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٢/٧-٨) .
(٢) الاستقامة (١/٧٢-٧٣) .
(٣) المصدر السابق (١/٧٣) .
(٤) مجموع الفتاوى (١٦/٤٢٣)، وانظر في موضوع "الحركة" والأقوال فيه - شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٤٢٦،٥٦٥-٥٧٥)، ومجموع الفتاوى (٦/١١،٨/٢١-٢٩)، والدرء (٤/٢٥) .
(٥) والده أبو عبد الله ابن منده الإمام المشهور.
[ ٣ / ١٢٢١ ]
وهذا قول الحافظ عبد الغني المقدسي.
- والصواب: قول جمهور السلف إنه ينزل ولا يخلو منه العرش (١) . وقد رد شيخ الإسلام على قول عبد الرحمن ابن منده وأطال في ذلك (٢) . كما أبطل قول من زعم أنه يكون تحت العرش (٣) .
٤- كما أجاب شيخ الإسلام على اعتراض من اعترض على النزول باختلاف الليل والنهار والبلدان والفصول في التقدم والتأخر والطول والقصر، وبين أن الكلام في ذلك وفي غيره - مثل مسألة خلو العرش منه - مبنية على قياس خاطيء وهو تشبيه الله بخلقه، وهذا باطل لأن القول في الصفات كالقول في الذات فكما أنه لله ذاتا لا تشبه ذوات المخلوقين فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين (٤) .
ثالثا: الإتيان والمجيء:
وهذا أيضًا من الصفات الثابتة لله تعالى كما يليق بجلاله، وقد رد شيخ الإسلام على الرازي الذي تأولهما بإتيان أمره أو إتيان ملك، أو غير ذلك من التأويلات (٥) .
كما سبق - في مبحث التأويل - بيان بطلان ما نسب إلى الإمام أحمد من تأويل هذه الصفة.
رابعًا: اللقاء والقرب والدنو:
والمقصود قرب العبد من ربه، أو قرب الله من عباده ودنوه منهم، وهذه الصفات حكمها حكم ما سبق من صفات النزول والمجيء والإتيان فمن يثبت هذه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/٣١-١٣٢) .
(٢) انظر: شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (٥/٣٨٠-٣٩٦)، وانظر أيضا (٥/٣٦٦-٣٦٨،٣٧٥-٣٨٥،٤١٤-٤١٥،٤٥٩-٤٦٠) .
(٣) انظر: درء التعارض (٧/٧)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٤١٨) وما بعدها، (٤٦٧-٤٨٠)، ونقض التأسيس - مطبوع - (٢/٢٢٨-٢٣٠) .
(٤) انظر: شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٤١٨) وما بعدها، (٤٦٧-٤٨٠)، ونقض التأسيس - مطبوع - (٢/٢٢٨-٢٣٠) .
(٥) انظر نقض التأسيس - مخطوط - (٣/٨٦-٨٧، ١٧٧-١٨٨)، ومجموع الفتاوى (١٦/٤٠٩)، وفي "الهرولة" انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/٩١-٩٣) .
[ ٣ / ١٢٢٢ ]
أثبت تلك، ومن يتأول هذه يتأول تلك كما هو مذهب جمهور الأشاعرة. وقد رد شيخ الإسلام على الرازي وغيره في تأويلهم لهذه الصفات (١) .
خامسًا: الغضب، والضحك، والغيرة، والجود، والفرح، والبغض، والسخط، والمقت، والحب والرضا، والرحمة:
والأشاعرة يتأولون هذه الصفات: إما بالإرادة، أو بقولهم إنها أزلية، وكل ذلك بناء على أصلهم في مسألة حلول الحوادث، ومذهب السلف أن هذه الصفات كغيرها من الصفات يثبت ما ورد منها، ولا يجوز تأويل شيء منها، وأهل السنة يثبتونها كما يليق بجلال الله وعظمته من غير تشبيه بصفات المخلوقين ومن غير تكييف ولا تحريف ولا تعطيل.
وقد رد شيخ الإسلام على من تأول هذه الصفات من الأشاعرة وغيرهم (٢) .
_________________
(١) انظر في ذلك: نقض التأسيس - مخطوط - (٢/١٧٠-١٩٧، ٣/٥٢-٧٧)، ومجموع الفتاوى (٥/١٣٤، ٦/٧-٢١)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٤٦٠-٤٦٧،٥١٠)، وفي اللقاء انظر نقض التأسيس - مخطوط - (٢/١٠٠-١٢٧)، ومجموع الفتاوى (٦/٤٧١-٤٧٥) .
(٢) انظر: العقيدة الواسطية - مجموع الفتاوى (٣/١٣٨-١٣٩)، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (١٧/١٥٨)، ومجموع الفتاوى (٥/١٣٤)، ونقض التأسيس - مخطوط - (٢/١٤-١٥)، وانظر: حول صفة "الغضب" الرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى (٦/١١٩)، ودرء التعارض (٤/٩٢)، وفي صفة "الضحك" نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٨٨-١٩٢)، والرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى - (٦/١٢١-١٢٢)، وفي صفة "العجب" الرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى - (٦/١٢٣-١٢٤)، ونقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٩٢)، وفي صفة "الغيرة" نقض التأسيس - مخطوط - (٢/١١-٢٠)، وفي صفة "الجود" نقض التأسيس - مطبوع - (١/١٨٦-١٩٧)، وفي صفة "الرحمة" الرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى (٦/١١٧-١١٨)، وفي صفة "المحبة" درء التعارض (٦/٦٢-٦٦،٧٢-٧٧)، منهاج السنة (٢/٣٥-٣٧،٤٢) ط مكتبة الرياض الحديثة، (٣/٩٨) طبولاق، الاستقامة (١/٢١٥،٤٣١)، جامع الرسائل (٢/٢٣٧)، النبوات (ص:٦٨-٦٩،٩٧،١٠٥-١٠٩) ط دار الكتب العلمية، شرح الأصفهانية (ص:١١-١٢) - ت مخلوف، التحفة العراقية - مجموع الفتاوى - (١٠/٦٦-٧٥)، قاعدة في المعجزات والكرامات - مجموع الفتاوى - (١١/٣٥٧-٣٦٢)، جواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (١٧/٥١) .
[ ٣ / ١٢٢٣ ]
المسألة الرابعة: الصفات الخبرية:
ويقصد بها الصفات التي ثبتت عن طريق الخبر من الكتاب والسنة كالوجه واليدين والعين، وغيرها كاليمين والقبضة، والأصابع، والحقو والساق.
والملاحظ في مذهب الأشاعرة تفريقهم بين الصفات السمعية القرآنية والحديثية، فأكثر متقدميهم أو كلهم يثبت الصفات الواردة في القرآن كالوجه واليدين والعين. أا ما لم يرد إلا فأكثرهم لا يثبتها، ثم منهم من يؤولها ومنهم من يفوض معناها (١) .
أما متأخروا الأشاعرة فأكثرهم يتأول جميع الصفات الخبرية، ومن أثبتها منهم - سواء كانت عنده قولا واحدا، أو قولا ثانيا - فوض معناها.
وبعض الأشاعرة يجعل هذه الصفات معنوية كصفات العلم والحياة والقدرة، ولا يفرقون بينهما إلا أن هذه ثبتت بالعقل والسمع، وتلك طريقها السمع فقط.
وأهل السنة لا يلتزمون هذا الاصطلاح فلا يسمون هذه بالصفات الخبرية لأن من الصفات المعنوية ما لا يعمل إلا بالخبر (٢) .
وقد سبق مناقشة متأخري الأشعرية الذين تأولوا الصفات الخبرية من خلال بعض القضايا ومنها:
١- الرد على متأخري الأشعرية بأقوال متقدميهم الذين أثبتوا ومنعوا من تأويلها (٣) .وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
٢- مناقشة شبهة "التركيب" و"التجسيم" التي نفوا لأجلها العلو والصفات الخبرية. وقد سبق بيانها (٤) .
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/٣٢) .
(٢) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (١/٧٦) .
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٤/١٧٤، ١٦/٨٩-٩٠)، والتسعينية (ص:٢٤١-٢٤٣،٢٨٨)، والمسألة المصرية في القرآن - مجموع الفتاوى (١٢/٢٠٣)، ونقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٣٥-١٣٧)، ومن المطبوع (١/٦٤-٦٥) .
(٤) وانظر أيضًا: نقض التأسيس - مطبوع - (١/٧٩-١٠٧) .
[ ٣ / ١٢٢٤ ]
٣- كما سبق في "المسألة الثانية" مناقشة أقوالهم من خلال قاعدة أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.
وبقي من ذلك أن الرازي استدل على وجوب تأويل الصفات الخبرية لاختلاف النصوص حيث ورد فيها: (بيده)، (أيدينا)، (بيدي)، (بأعيننا)، (على عيني)، وقد رد عليه شيخ الإسلام بقوله: "إن دعواه أن لله أعينا كثيرة وأيديا كثيرة باطل، وذلك وإن كان قد قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (القمر: من الآية١٤) وقال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (هود: من الآية٣٧) وقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (الطور: من الآية٤٨) وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (يّس: من الآية٧١) وقد قال في قصة موسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ (طه: من الآية ٣٩-٤٠) فقد جاء هذا بلفظ المفرد في الموضعين، فلم يكن دعواه الظهور في معنى الكثرة لكونه جاء بلفظ الجمع بأولى من دعوى غيره الظهور في معنى الإفراد لكونه قد جاء بلفظ المفرد في موضعين، بل قد ادعى الأشعري فيما اختاره ونقله عن أهل السنة والحديث هو وطوائف معه إثبات العينين لأن الحديث ورد بذلك~، وفيه جمع بين النصين، ما في لفظ اليد بل [لو] (١)
قال القائل: الظاهر في العين للمفرد أو المثنى دون المجموع لتوجيه قوله، وذلك أن قوله (بأعيننا) في الموضعين مضاف إلى ضمير الجمع والمراد به الله وحده بلا نزاع، ومثل هذا كثير في القرآن يسمى الرب نفسه من الأسماء المضمرة بصفة الجمع على سبيل التعظيم لنفسه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (الفتح:١) وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الزخرف: من الآية٣٢) فلما كان المضاف إليه لفظه لفظ الجمع جاء المضاف كذلك فقيل: بأعيننا، وفي قصة موسى لما أفرد المضاف إليه أفرد المضاف فقال (ولتصنع على عيني)، وجعلوا أن هذا هو الأصل والحقيقة، فإن الله واحد، سبحانه، ومن احتج بما ذكره الله عن نفسه بلفظ الجمع على العدد، فهو ممن تمسك بالمتشابه وترك المحكم، كما فعل نصارى نجران
_________________
(١) زيادة مني ليستقيم الكلام..
[ ٣ / ١٢٢٥ ]
وهذا الكلام يقال في لفظ "أيدينا" مع قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (صّ: من الآية٧٥) وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (المائدة: من الآية٦٤)، فإن صيغة المضاف إليه هناك صيغة جمع بخلاف صيغة المضاف إليه في بقية الآيات، فجاء على لفظ المضاف إليه.
ومما يوضح الأمر في ذلك أن من لغة العرب الظاهرة التي نزل بها القرآن استعمال لفظ الجمع في موضع التثنية في المضاف إذا كان متصلا بالمضاف إليه، والمعنى ظاهر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا﴾ (التحريم: من الآية٤)، وليس لكل منهما إلا قلب، فالمعنى قلباكما، لكن النطق بلفظ الجمع أسهل، والمعنى معروف أنه ليس لكل منهما إلا قلب، وكذلك قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: من الآية٣٨) والمعنى فاقطعوا أيمانهما، إذ لا يقطع من كل واحد إلا يده اليمنى، لكن وضع الجمع موضع التثنية لسهولة الخطاب وظهور المراد
وإذا كان كذلك قيل: لفظ (أعيننا) ولفظ (أيدينا) مع كون المضاف إليه ضمير جمع أولى بالحسن مما إذا كان المضاف ضمير تثنية، فإذا كان من لغتهم ترك استحسان "قلباكما" و"يديهما" فلأن يكون في لغتهم ترك استحسان "بعيننا" أو"بعيننا"، ومما عملت يدنا، أو يدانا أولى وأحرى " (١) .
ثم إن شيخ الإسلام بين أن التثنية وردت في القرآن في صفة اليدين بشكل صريح لا يحتمل المجاز مطلقا، وهو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ (صّ: من الآية٧٥) فدلالة هذه الآية على الصفة أصرح من دلالة الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (يّس: من الآية٧١) وقد عقد مقارنة بين الآيتين، بين فيها - من وجوه عديدة - أنه لا يصح تأويل آية سورة "ص" بحال (٢) .
_________________
(١) نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٦-١٩) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٣/٢٠-٢٢)، وانظر أيضًا: التدمرية (ص:٧٣-٧٦)، والرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى - (٦/٣٦٢-٣٧٢٩)، ودرء التعارض (٧/٢٦٧)، والرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى - (٦/٩٢) .
[ ٣ / ١٢٢٦ ]
أما لفظ التثنية في العين فلم يرد في القرآن، ولكن جاء في الحديث ما يدل عليه (١)،
ونسبه الأشعري إلى أهل السنة، ولكن هذه الصفة ثابتة قد دلت عليه النصوص (٢) .
وكذلك صفة الوجه ثابتة دلت عليها نصوص الكتاب والسنة (٣) .
ومثلها كل صفة وردت في الكتاب والسنة الصحيحة، مثل: الأصابع (٤)، والقدم (٥)، والساق (٦)، والحقو (٧)، والصورة (٨)، وغيرها.
_________________
(١) من ذلك الحديث الذي بوب له البخاري بقوله "باب قوله الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ . ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر قال: ذكر الدجال عند النبي - ﷺ - فقال: "إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه - وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنية طافية" [البخاري - كتاب التوحيد - حديث رقم ٤٧٠٧] . قال ابن قتيبة في الرد على المريسي [ص٤٠٦ ضمن عقائد السلف]: "ففي تأويل قول رسول الله - ﷺ -: "إن الله ليس بأعور" بيان أنه بصير ذو عينين خلاف الأعور". وحديث عقبة بن عامر: "سمعت رسول الله - ﷺ - يقول على المنبر: إن ربنا سميع بصير وأشار إلى عينه" [قال ابن حجر: وسنده حسن [الفتح شرح باب (وكان الله سميعًا بصيرًا) . حديث رقم ٧٣٧٦) . وممن قال بذلك غير ابن قتيبه ابن خزيمة والأشعري وغيرهم.
(٢) انظر: الجواب الصحيح (٣/١٤٤)، والواسطية - مجموع الفتاوى - (٣/١٣٣)، والحموية - مجموع الفتاوى - (٥/٩٠-٩١)، وانظر مقالات الإسلاميين للأشعري (ص:٢٩٠) - ت ريتر، والأبانة (ص:١٨) ت فوقية.
(٣) انظر: الواسطية - مجموع الفتاوى - (٣/١٣٣)، والحموية - مجموع الفتاوى - (٥/٩٨-٩٩)، والرد الأقوم على ما في نصوص الحكم - مجموع الفتاوى - (٢/٤٣٣)، ونقض التأسيس - مطبوع - (١/٣٥-٣٩) .
(٤) انظر:،قض التأسيس - مخطوط - (٣/١١٥-١١٦، ١٤٢) .
(٥) انظر: الواسطية - مجموع التفاوى - (٣/١٣٩)، والحموية - مجموع الفتاوى - (٥/٤٤،٧٥) .
(٦) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٥-١٦) .
(٧) أطال شيخ الإسلام في مناقشة الرازي حول هذه الصفة، وبين أنها مثل غيرها من الصفات تثبت كما وردت. انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٣/١٢٧-١٤٢) .
(٨) وقد أطال في الكلام على حديث الصورة، نقض التأسيس - مخطوط - (٣/٢٠٢-٥١٤) .
[ ٣ / ١٢٢٧ ]
المسألة الخامسة: العلو:
هذه الصفة من أظهر الصفات التي جاءت بها النصوص مستفيضة متواترة من الكاب والسنة، كما دلت عليها العقول والفطر السليمة، وقد أجمع على إثباتها سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وسطر أئمة السلف - في كتبهم وردودهم على الجهمية المعطلة - ما فيه بيان الحق من الضلال في هذا الباب. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وليس العجب في أن يوجد من ينكر هذه الصفة من الجهمية أو المعتزلة أو غيرهم ممن عرفوا بالزيغ والإلحاد في أسماء الله وصفاته وآياته، ولكن العجب أن يقلدهم في ذلك جماعات من العلماء الفضلاء، الذين يعتبرون من أئمة الفقهاء والعلماء والقضاة. ولو كانت أدلة العلو دليلين أو ثلاثة أو خمسة أو لو كان القائل به عددا محدودا من علماء السلف، لكان هؤلاء بعض العذر في موقفهم مما قد يقال فيه: إن الأمر التبس عليهم. أما أن تكون أدلة العلو بهذه الكثرة والوضوح والقعطية في الثبوت والدلالة، وأن تتوافق الأدلة النقلية - التي زادت على ألف دليل - مع أدلة العقل والفطرة، ثم بعد ذلك يأتي إجماع السلف على إثباتها، ويوافقهم على ذلك أئمة أهل الكلام المتقدمين من الكلابية والأشعرية وغيرهم - فهذا ما لا يجد له المسلم المنصف أي تفسير أو تبرير إلا أن باعثه التقليد والتعصب الأعمى لشيوخهم النفاة.
وقد أولى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة اهتمامًا كبيرًا، وأطال النفس جدا في بيان أدلته والرد على نفاتها ومناقشتهم، ولا يكاد يخلو كتاب من كتبه العقدية من عرض لها إثباتا أو ردا على الخصوم فيها. وقد وصل إلينا - والحمد لله - قسط كبير منها، بلغ مئات الصفحات، خاصة في كتابين من أهم كتبه، وهما:
١- درء تعارض العقل والنقل، حيث أفرد المسألة العلو الجزء السادس بأكمله وجزءا من الجزء السابع (١) .
_________________
(١) من أوله إلى ص:١٤٠.
[ ٣ / ١٢٢٨ ]
٢- نقض تأسيس الجهمية، والذي يسمى أحيانا نقض أساس التقديس، أو بيان تلبيس الجهمية، وقد شمل البحث في العلو جزءا من الجزء الأول المطبوع، والجزء الثاني - المطبوع أيضًا - بكامله.
إضافة إلى مواضع أخرى عديدة في منهاج السنة، ومجموع الفتاوى وغيرها.
واستقصاء كلام شيخ الإسلام ومناقشاته في ذلك مما يصعب الإلمام به هنا في هذا المبحث الذي هو ضمن بحوث ومسائل أخرى، ويمكن الإشارة بإجمال إلى منهجه في معالجة هذه المسألة، وذلك من خلال الأمور التالية:
أولًا: الأقوال في العلو:
يطلق كثير من أهل الكلام على مسألة العلو والفوقية: الجهة، حتى صارت شبه علم عليها، مع أن "العلو" و"الفوقية" مصطلح شرعي وردت به النصوص، و"الجهة" اصطلاح حادث، ولفظ مجمل، قد يراد بنفيه أو إثباته ما هو حق وما هو باطل.
أما الأقوال في "العلو" فذات شقين:
أالأقوال في علو الرب ﵎ وفوقيته، وبينونته عن خلقه.
ب الأقوال في ما يعتبره أهل الكلام من لوازم القول بالعلو مثل "الجهة" و"التحيز" و"الجسم" ونحوه.
أما الأول: فقد وقع الخلاف فيه بين الطوائف على أقوال:
١- قول من ينكر العلو مطلقا، ويقول: ليس فوق العالم شيء أصلا ولا فوق العرش شيء، وهذا قول الجهمية والمعتزلة وطوائف من متأخري الأشعرية، والفلاسفة النفاة، والقرامطة الباطنية وغيرهم.
وهؤلاء قسمان:
قسم يقول: ليس داخل العالم ولا خارجا عنه، ولا حالا فيه وليس في مكان من الأمكنة. فهؤلاء ينفون عنه الوصفين المتقابلين. وهذا قول طوائف من متكلميهم ونظارهم.
[ ٣ / ١٢٢٩ ]
وقسم منهم يقول: إنه في كل مكان بذاته، كما يقول ذلك طوائف من عبادتهم ومتكلميهم، وصوفيتهم وعامتهم (١) .
"وكثير منهم يجمع بين القولين: ففي حال نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين فيقول: لا هو داخل العالم ولا خارجه، وفي حال تعبده وتألهه يقول بأنه في كل مكان، ولا يخلو منه شيء حتى يصرحون بالحلول في كل موجود - من البهائم وغيرها - بل بالاتحاد بكل شيء، بل يقولون بالوحدة التي معناها أنه عين وجود الموجودات، ثم يعلل شيخ الإسلام سبب هذا التناقض فيقول: "وسبب ذلك أن الدعاء والعبادة والقصد والإرادة والتوجه يطلب موجودا، بخلاف النظر والبحث والكلام؛ فإن العلم والكلام والبحث والقياس والنظر يتعلق بالموجود والمعدوم، فإذا لم يكن القلب في عبادة وتوجه ودعاء سهل عليه النفي والسلب، وأعرض عن الإثبات، بخلاف ما إذا كان في حال الدعاء والعبادة فإنه يطلب موجودا يقصده، ويسأله ويعبده، والسلب لا يقتضي إلا النفي والعدم، فلا ينفي في السلب ما يكون مقصودا معبودا" (٢)
وهذا تحليل دقيق جدًا، غاص شيخ الإسلام من خلاله في الثنايا النفس البشرية وطبيعتها، وهو يفسر ما يلاحظه المطع والباحث في كتب العقائد الكلامية من وجود أنواع من التناقض عند كثيرة من هؤلاء المتكلمين والفلاسفة، ومن أمثلة ذلك:
؟- جمعهم بين علم الكلام الفلسفي، والتصوف.
؟- تعويلهم على العقل في كثير من مباحث أصول الدين، حتى أنهم يقدمونه على النصوص، ثم في الوقت نفسه يعولون على الكشوفات والمشاهدات الصوفية عندهم أو عند أشياخهم.
؟- وفي العلود قد يقولون لا داخل العالم ولا خارجه، ثم يقولون هو في كل مكان.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٥/١٢٢-١٢٣،٢٧٢) .
(٢) مجموع الفتاوى (٥/٢٧٢-٢٧٣)، وانظر: درء (٥/١٦٩)، ونقض التأسيس - مطبوع - (٢/٥-٦، ٥٠٥، ٥١٢) .
[ ٣ / ١٢٣٠ ]
- وفي توحيد الربوبية قد يبالغ في إثباته إلى حد نفي كثيرمن الصفات الثابتة لله لأجل تحقيقه كما يزعم، ثم هو يناقض هذا التوحيد حين يرد في خاطره أو يعتقد أن النجوم أو القبور أو غيرها لها تأثير في الضر والنفع والرزق وغيرها.
إلى غير ذلك من أنواع التناقض الذي يصعب أن يجد له الإنسان تفسيرًا، فرحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية وغفر له على ما أوضح وبين.
وإنما طال القول في بيان مذهب هؤلاء لدخول كثير من متأخري الأشعرية النفاة فيهم. فهذان قولان، قد يجمع بينهما بعض.
٢- قول من يقول: "هو فوق العرش، وهو في كل مكان ويقول: أنا أقر بهذه النصوص وهذه، لا أصر واحدا منها عن ظاهره وهذا قول طوائف ذكرهم الأشعري في المقالات الإسلامية (١)، وهو موجود في كلام طائفة من السالمية والصوفية، ويشبه هذا ما في كلام أبي طالب المكي " (٢)، وهؤلاء غالطون وإن زعموا أنهم جمعوا بين نصوص العلو والمعية.
٣- قول سلف الأمة وأئمتها، أئمة أهل العلم والدين، وهؤلاء آمنوا بجميع ما جاء في الكتاب والسنة، وأثبتوا علو الله تعالى وفوقيته، وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وهم بائنون منه، وهو أيضًا مع العباد بعلمه، ومع أوليائه وأنبيائه بالنصر والتأييد (٣) .
والخلاصة أن الأقوال في مباينة الله لخلقه أربعة:
١- منهم من يقول بالحلول والإتحاد فقط، كقول ابن عربي وأمثاله.
٢- ومنهم من يثبت العلو ونوعا من الحلول وهو الذي يضاف إلى السالمية أو بعضهم، وفي كلام أبي طالب وغيره ما قد يقال إنه يدل على ذلك.
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين (ص:٢١٥-٢٩٩) - ت ريتر.
(٢) مجموع التفاوى (٥/١٢٤) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٥/١٢٦) .
[ ٣ / ١٢٣١ ]
٣- ومنهم من لا يثبت لا مباينة ولا حلولا ولا إتحادا، كقول المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم.
٤- والقول الرابع إثبات مباينة [الخالق] (١) للمخلوق بلا حلول، وهذا قول سلف الأمة وأئمتها " (٢) .
ويمكن أن يضاف إلى ذلك قولان آخران:
أحدهما: قول من يجمع بين قول الصوفية الحلولية، وقول المعتزلة بأنه لا داخل العالم ولا خارجه - كما سبق -.
والثاني: قول من يتوقف في هذا الأمر، فلا يقول بإثبات علوه على العرش ولا نفيه، بل يقول إن الله تعالى واحد في ملكه وهو رب كل شيء ويسكت عما سوى ذلك. وقد رد شيخ الإسلام على هؤلاء (٣) .
وأما الثاني: وهو في إطلاق الجهة والتحيز، والجسم ففيه أقوال:
١- قول مني قول: "لا أقول إ، هـ متحيز ولا غير متحيز، ولا في هة ولا غاير جهة، بل أعلم أنه مباين للعالم وأنه يمتنع أن يكون لا مباينا ولا مداخلا" (٤)، وهذا قول كثير من أهل الكلام والحديث.
٢- "قول من يقول: بل أقول: إنه ليس بمتحيز ولا في جهة، وأقول مع ذلك: إنه مباين للعالم. وهذا قول من يقول: إنه فوق العالم وليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية والأشعرية والكرامية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة وأهل الحديث والصوفية.
فإذا قيل هؤلاء: إثبات مباين ليس بمتحيز مخالف لضرورة العقل قالوا:
_________________
(١) في درء التعارض [الخلق] وهو خطأ.
(٢) درء التعارض (١٠/٢٨٧) .
(٣) انظر: القاعدة المراكشية (ص:٢٣-٢٤) ما بعدها، ط دار طيبة.
(٤) مجموع الفتاوى (٥/٣٠٢) .
[ ٣ / ١٢٣٢ ]
إثبات موجود ولا محايث ولا مباين أظهر فسادا في ضرورة العقل من هذا " (١) .
٣- "قول م يتلزم أنه متحيز، أو في جهة، أو أنه جسم، ويقول: لا دلالة على نفي شيء من ذلك، وأدلة النفاة لذلك أدلة فاسدة، فإنهم متفقون على أن نفي ذلك ليس معلوما بالضرورة، وإنما يدعون النظر، ونفاة ذلك لم يتفقوا على دليل واحد، بل كل واحد منهم يطعن في دليل الآخر " (٢)، وهذا قول الكرامية وبعض أهل الحديث ومن وافقهم.
٤- "جواب أهل الاستفصال: وهم الذين يقولون: لفظ "التحيز" و"الجهة" و"الجوهر" ونحو ذلك، ألفاظ مجملة، ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسول الله، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى، لا نافيا ولا إثباتا، وحينئذ فإطلاق القول بنفيها أو إثباتها ليس من مذهب أهل السنة والجماعة بلا ريب، ولا عليه دليل شرعي، بل الإطلاق من الطرفين مما ابتدعه أهل الكالم الخائضون في ذلك. فإذا تكلمنا معهم بالبحث العقي استفصلناهم عما أرادوه بهذه الألفاظ " (٣) فإن كان حقا قبل - ولا يمنع من قبوله تسميته بهذه المصطلحات الحادثة - وإن كان باطلا رد.
ومن خلال ما سبق من عرض الخلاف حول المسألتين يتبين مذهب الأشاعرة، القدماء منهم والمتأخرين، كما يتبين مذهب السلف رحمهم الله تعالى.
ثانيًا: أدلة أهل السنة على أثبات العلو.
إثبات علو الله تعالى معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين (٤) .
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/٣٠٣)، وانظر بقية الإجابة والمناقشة إلى ص: ٣٠٤، وانظر أيضًا: (ص:٢٧٢) من هذا الجزء.
(٢) المصدرالسابق (٥/٣٠٤) .
(٣) المصدر نفسه (٥/٣٠٥)، وانظر: نقض التأسيس - مطبوع - (٢/١٣-١٤) .
(٤) انظر: درء التعارض (٧/٢٧) .
[ ٣ / ١٢٣٣ ]
وسياق الأدلة مما يصعب حصره، وقد ذكر شيخ الإسلام أنها تبلغ مئين، وأن الأحاديث عن النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين متواترة موافقة لذلك (١) .
ونقل شيخ الإسلام عن بعض أكابر أصحاب الشافعية أنه قال: "في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على الله تعالى عال على الخلق، وأنه فوق عباده، وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك " (٢) .
وقد ذكر ابن القيم في نونيته أكثر من عشرين نوعا من الأدلة، وكل نوع تحت عدد من الأدلة (٣)، كما ذكر في الصواعق ثلاثين دليل من أدلة العقل والفطرة (٤) وهي كلها ملخصة مما ذكره شيخه في مناقشاته.
وخلاصة هذه الأدلة:
؟- أما أدلة الكتاب والسنة، فمنها نصوص: الاستواء، والنزول، والرؤية (٥)، وصعود الأعمال إليه، وعروج الملائكة إليه، وأنه في السماء، ونزول القرآن، وتنزل الملائكة، والمعراج، والسؤال عنه بالأين، والتصريح بالفوق، وغيرها كثير جدًا.
؟- أما أدلة العقل والفطرة، فقد ذكر شيخ الإسلام الخلاف في العلو هل يعلم بالعقل أو بالسمع، وذكر أن قول الجماهير أنه يعلم بالعقل وبالسمع. وهذا قول الكلابية وطريقة أكثر أهل الحديث. وممن قال إنه يعلم بالسمع أبو الحسن الأشعري وبعض أصحابه، ولكن هؤلاء يثبتون العلو بالسمع ويبطلون أدلة نفاته.
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٢/٢٦)، وانظر: القاعدة المراكشية (ص:٣٥) - ط دار طيبة.
(٢) مجموع الفتاوى (٥/١٢١)، وانظر: الصواعق المرسلة - الأصل - (٤/١٢٧٩)، والنونية لابن القيم (١/٤٨٦)، مع شرح ابن عيسى.
(٣) انظر: النونية (١/٣٩٦) وما بعدها، مع شرح ابن عيسى.
(٤) انظر: الصواعق المرسلة - الأصل - (٤/١٢٧٩-١٣٤٠) .
(٥) انظر: جانبا من الرد على الرازي وتناقضه حول الرؤية والعلو في نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٧٧-٩٠) .
[ ٣ / ١٢٣٤ ]
يقول شيخ لاإسلام: "والعقل دل على أن الله تعالى فوق العالم، وهذه طريقة حذاق أهل النظر من أهل الإثبات، كما هو طريق السلف والأئمة، يجعلون العلو من الصفات المعلومة بالعقل، وهذه طريقة أبي محمد بن كلاب وأتباعه، كأبي العباس الفلانسي، والحارث المحاسبي، وأشباههما من أئمة الأشعرية، وهي طريقة محمد بن كرام وأتباعه، وطريقة أكثر أهل الحديث والفقه والتصوف، وإليها رجع القاضي أبو يعلي، وأمثاله.
ولكن طائفة من الصفاتية من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم، يظنون أن العلو من الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك، وأنهم إذا أثبتوا ذلك أثبتوه لمجيء السمع به فقط، ولهذا كان من هؤلاء من ينفي ذلك ويتأول نصوصه، أو يعرض عنها، كما يفعل ذلك في نصوص الوجه واليد.
ومن سلك هذه الطريقة فإنه يبطل الأدلة التي يقال: إنها نافية لهذه الصفة، كما يبطل ما به ينفون صفة الاستواء والوجه واليد، ويبن أنه لا محذور في إثباتها، كما يقول مثل ذلك في الاستواء والوجه واليد، ونحو ذلك من الصفات الخبرية. وهؤلاء كلامهم أمتن من كلام نفاة لاصفات الخبرية نقلا وعقلًا " (١) .
ولا شك أن الراجح أن العلو معلوم بدليل العقل والفطرة، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام بطرق منها: (٢)
١- أن هذا أمر مستقر في فطر بني آدم، معلوم لهم بالضرورة.
٢- أن قصدهم لربهم عند الحاجات التي لا يقضيها إلا هو، وذلك في دعاء العبادة ودعاء المسألة - إنما يكون إلى جهة العلو، فهو كما أنهم مضطرون إلى دعائه ومسألته هم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يتوجهون إلى غيره من الجهات.
_________________
(١) درء التعارض (٧/١٣١-١٣٢)، وانظر أيضا: درء التعارض (٦/٢٠٨-٢٠٩، ٩/١٦)، ومجموع الفتاوى (١٦/٤٠٧)، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (١٧/٥١-٥٢)، ونقض التأسيس - مخطوط - (١/٢٩، ٣/٢٧١) .
(٢) انظر: قواعد مهمة وبراهين قوية لأهل الإثبات في نقض التأسيس - مطبوع - (١/٣١٧-٣٦٩) .
[ ٣ / ١٢٣٥ ]
٣- وهذا أيضًا متفق عليه بين العقلاء السليمي الفطرة، وكل منهم بخير عن فطرته من غير مواطأة من بعضهم لبعض، ويمتنع في مثل هؤلاء أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة.
٤- ومنها الطرق النظرية مثل قولهم: كل موجودين فإما أن يكون أحدهما مباينا للآخر أو مداخلا له، وإذا ثبت أنه ليس مداخلا له فلا بد أن يكون مباينا له، وهكذا.
٥- ومنها أنه إذا ثبت أن العالم كرى، وأن الله لا بد أن يكون مباينا لخلقه، والعلو المطلق فوق الكرة، فيلزم أن يكون في العلو (١) .
وكثيرا ما يربط شيخ الإسلام مناقشاته بأمور عمليةواقعية، ولذلك فهو يورد قصة أبي المعالي الجويني مع أبي جعفر الهمذاني لم اعترض عليه وهو يقرر نفي العلو، فقال له الهمذاني: دعنا مما تقول، ما هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما ال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة من قلوبنا. فصرح أبو المعالي، ووضع يده على رأسه وقالك حيرني الهمذاني، أو كما قال، ونزل (٢) .
ومن عجيب ما جرى لشيخ الإسلام ابن تيمية نفيه مع هؤلاء النفاة ما حكاه بقوله: ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم، وهو يطلب مني حاجة، وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني منكر له، وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: يا الله، فقلت له: أنت محقق، لمن ترفع طرفك؟ وهل فوق عندك أحد؟ فقال: استغفر الله،
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٧/٣-٥، ١٣٢-١٣٤)، ونقض التأسيس - مطبوع - (١/١١٠،٢/٢١-٢٢، ٧٨، ١٠٣-١٠٤، ٤٨٠-٤٨١)، ومن المخطوط (١/٢٦-٢٧)، ومجموع الفتاوى (٥/١٥٢،٢٧٥-٢٧٦)، ودرء التعارض (٦/١١-١٣)، ومنهاج السنة (٢/٥١٧) ط دار العروبة - المحققة.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٤/٤٤،٦١، ٥/٢٥٩)، والاستقامة (١/١٦٧)، ومنهاج السنة (٢/٥١٥-٥١٧) - ط دار العروبة - المحققة، ونقض التأسيس - مخطوط - (١/٢٧-٢٨) . وقد سبقت الإشارة إلى قصة الجويني والهمذاني - مع بعض مصادرها - في ترجمة الجويني (ص:٦١٩) .
[ ٣ / ١٢٣٦ ]
ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته، ثم بينت له فساد هذا القول، فتاب من ذلك، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم" (١) .
أما أقوال السلف في هذا الباب فكثيرة جدا، وسترد الإشارة إليها عند الرد على زعم الرازي أنه لم يقل بالجهة سوى الحنابلة والكرامية.
ثالثًا: حج النفاة واعترضاتهم، والرد عليها:
ليس النفاة العلو دليل نقلي واحد على ما يدعونه، سوى أثر مكذوب رواه ابن عساكر فيما أملاه في نفي الجهة عن شيخه ابن عبد الله العوسجي عن النبي - ﷺ - قال: "الذي أين الأين فلا يقال له: أين"، وقد حكم شيخ الإسلام بأنه مكذوب، وكثيرا ما يشير إليه باسم: حديث عوسجة (٢) .
ولما لم يكن للنفادة دليل من الكتاب والسنة عولوا على ما زعموه من أدلة العقل، والاعتراض على أدلة السلف المثبتة له.
ومجمل أدلة النفاة هي:
١- حججهم العقلية المعروفة مثل: التجسيم، والتركيب، والانقسام، والتجزء والتناهي، والتحيز، حيث قالوا: هذه لازمة لمن قال بالجهة والله منزه عنها.
٢- اعترضوا على أدلة السمع كلها بأنها معارضة بالعقل، والعقل عندهم مقدم على النقل عند التعارض.
٣- أما دليل أن كل موجودين لا بد أ، يكون أحدهما داخلا في الآخر أو بائنه منه، وأنه لا يجوز أن يكون لا داخلا ولا بائنا - فقد اعترضوا عليه بأن هذا من حكم الوهم والخيال، وإلا فالقسم الثالث صحيح في القسمة العقلية، واستدلوا عليه بوجود العقول والكليات المطلقة.
_________________
(١) درء التعارض (٦/٢٤٣-٢٤٤) .
(٢) انظر: درء التعارض (٥/٢٢٥،٦/٥)، والتسعينية (ص:٢٦٣)، ونقض التأسيس - مطبوع - (١/٥٧١)، ولم أجد هذا الحديث الموضوع، ولعله لم يرد إلا في كتاب ابن عساكر في نفي الجهة كما أشار شيخ الإسلام.
[ ٣ / ١٢٣٧ ]
٤- أنه لو كان بدهيًا لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره وهم من سوى الحنابلة والكرامية.
٥- أما التوجه عند الدعاء إلى العلو فلأن السماء قبلة الدعاء وهو منقوض بوضع الجبهة على الأرض.
٦- كما اعترضوا بكون العالم كرة، ولا فرق بين الفوق والتحت.
وقد ناقش شيخ الإسلام ذلك كما يلي:
١- أما حججهم التي ذكروها من لزوم التجسيم والتركيب والتناهي والتحيز وغيرها فقد سبق الجواب عنها، وبيان ما فيها من الإجمال وذلك في المسألة الأول ضمن مسائل هذا المبحث، وقد استقصى شيخ الإسلام حججهم هذه كما ذكرها الرازي في كتابين من كتبه هما: الأربعين، وأساس التقديسن ورد عليها كلها في منهجه المعروف من حكاية الأقوال، ثم مناقشتها وبيان تناقض الخصوم، وردود بعضهم على بعض.
وإذا تبين بطلان هذه الحجج - التي سموها براهين - وجب الرجوع إلى ما يدل عليه السمع والعقل (١) .
٢- أما اعتراضه على أدلة السمع المثبتة بأنها معارضة بالأدلة العقلية، فهذه أيضًا سبق تفصيلها في المنهج العام في الرد عى الأشاعرة وقد أفرد شيخ الإسلام مسألة العلو - وبين كيف عارض الرازي أدلتها النقلية بأدلة العقول - ثم رد عليه من وجوه عديدة منها:
؟- أن القول بأن الله فوق العالم معلوم بالإضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، كالعلم بالأكل والشرب في الجنة، والعلم بإرسال الرسل
_________________
(١) انظر: أساس التقديس للرازي (ص:٤٥-٦١) ط الحلبي، والأربعين للرازي (ص:١٠٦-١١٣)، وانظر: الرد على هذه الحجج مستوفي في درء التعارض (٦/٢٨٩-٣٤٤)، ونقض التأسيس - مطبوع - (٢/٤٥-٣١٩) . وقد ذكر في الأرعين ست حجج، وفي أساس التقديس ثمانية براهين، وقد رد شيخ الإسلام على كل واحد منها من وجوه عديدة.
[ ٣ / ١٢٣٨ ]
وإنزال الكتب، ونصوص العلو متواترة مستفيضة وثبتها أعظم من ثبوت كثير مما يقر به هؤلاء كأحاديث الرجم، والشفاعة، الحوض، والميزان، والشفاع، وسجود السهود وغيرها (١) .
؟- أن نصوص العلو صريحة لا تقبل التأويل، بل التأويلات في ذلك من جنس تأويلات القرامطة والباطنية وهي معلومة الفساد ضرورة (٢) .
؟- "أن يقال: لا نسلم أنه عارض ذلك عقلي أصلا، بل العقليات التي عارضتها هذه السمعيات هي من جنس شبه السوفسطائية التي هي أوهام وخيالات غير مطابقة، وكل من قالها لم يخل من أن يكون مقلدا لغيره، أو ظانا ي نفسه، وإلا فمن رجع في مقدماتها إلى الفطر السليمة واعتبر تأليفها، لم يجد فيما يعارض السمعيات برهانا مؤلفا من مقدمات يقينية تأليفا صحيحًا.
جمهور من تجده يعارض با أو يعتمد عليها، إذا بينت له فسادها وما فيها من الاشتباه والإلتباس، قال: هذه قالها فلان وفلان، وكانوا فضلاء، فكيف خفى عليهم مثل هذا؟ فينتهون بعد إعراضهم عن كلام المعصوم الذي لا ينطبق عن الهوى، وإجماع السلف الذين لا يجتمعون على ضلالة، ومخالفة عقول بني آدم التي فطرهم الله عليها - إلى تقليد رجال يقولون: إن هذه القضايا عقلية برهانية، وقد خالفهم في ذلك رجال آخرون من جنسهم، مثلهم وأكثر منهم " (٣) .
ثم ذكر بقية الأوجه (٤) .
والقول بتقديم العقل على السمع من أصول البلاي التي بلي بها أهل الكلام، حيث أصبحت عندهم كالخرج عندما يضايقهم أئمة السنة بالنصوص.
_________________
(١) انظر: ردء التعارض (٧/٢٦-٢٧) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٧/٣٧) .
(٣) انظر: درء التعارض (٧/٣٧-٣٨)، وانظر: بقية المناقشة وهي مهمة جدًاز
(٤) انظر: المصدر السابق (٧/٣٩، ٤١، ١٣٠، ١٣١، ١٣٤، ١٣٧) . وانظر أيضًا: القاعدة المراكشية (ص:٤٣-٤٤) ط دار طيبة.
[ ٣ / ١٢٣٩ ]
٣- أما زعمهم أن دليل العقل والفطرة إنما هو من حكم الوهم والخيال وأن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات لا في العقليات ثم استشهادهم بالكليات والبنفوس - فقد أجاب عنه شيخ الإسلام في مناسبات مختلفة، ومن دوده عليهم قوله بأن هذا باطل من وجوه:
أحدها: أنه إذا جاز أن يكون في الفطرة حكمان بديهان، أحدهما مقبول والآخر مردود، كان هذا قدحا في مبادي العلوم كلها، وحينئذ لا يوثق بحكم البديهة.
الثاني: أنه إذا جوز ذلك، فالتمييز بني النوعين: إما أن يكون بقضايا بديهية، أو نظرية مبنية على البديهة، وكلاهما باطل فإذا جاز أن تكون البديهيات مشتبهة: فيها حق وباطل، كانت النظريات المبنية عليها أولى بذلك، وحينئذ فلا يبقى علم يعرف به حق وباطل، وهذا جامع كل سفسطة
الثالث: أن قول القائل: إن الوهم يسلم للعقل قضايا بديهية تستلزم إثبات وجود موجود، تمتنع الإشارة الحسية إليه - ممنوع.
الرابع: أنه بتقدير التسليم تكون المقدمة جدية؛ فإن الوهم إذا سلم للعقل مقدمة، لم ينتفع العقل بتلك القضية، إلا أن تكون معلومة له بالبديهية الصحيحة، فإذا لم يكن له سبيل إلى هذا انسدت المعارف على العقل، وكان تسليما لوهم إنما يجعل القضية جدلية لا برهانية. وهذا وحده لا ينفع في العلوم البرهانية العقلية.
الخامس: أن قول القائل: إن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات دون العقليات، إنما يصح إذا ثبت أن في الخارج موجودات لا يمكن أن تعرف بالحس بوجه من الوجوه، وهذا إنما يثبت إذا ثبت أن في الوجود الخارجي مالا يمكن الإشارة الحسية إليه. وهذا أول المسألة فإن المثبتين يقولون: ليس في الوجود الخارجي إلا ما يمكن الإشارة الحسية إليه، أو لا يعقل موجود في الخارج إلا كذلك
السادس: أن يقال: إن أردتم بالعقليات ما يقوم بالقلب منا لعلوم العقلية الكلية ونحوها، فليس الكلام هنا في هذه، ونحن لا نقبل مجرد حكم الحس
[ ٣ / ١٢٤٠ ]
ولا الخيال في مثل هذه العلوم الكلية العقلية، وأن أردتم بالعقليات موجودات خارجة، لا يمكن الإشارة الحسية إليها، فلم قلتم: إن هذا موجود؟ فالنزاع في هذا، ونحن نقول: إن بطلان هذا معلوم بالبديهة" (١) إلى آخر الأوجه (٢) .
ويلاحظ أن شيخ الإسلام بدأ من الوجه الخامس يناقش المسألة التي اعتم عليها الرازي - ومن وافقه - في هذا الباب، حيث اتبعوا ابن سينا وغيره من الفلاسفة في مسألة الكليات الذهنية التي زعموا أنها موجودة في الخارج.
وهذه من المسائل التي تخبط بسببها المتكلمون في كثير من قضايا العقيدة ودلائلها. وهي من الباطل الذي لا حقيقة له، إذ ليس ما في الأذهان يكون موجودا في الأعيان، وهذه الكليات المطلقة توجد مطلقة في الأذهان فقط، أما في الأعيان فلا توجد إلا مقيدة، وقد سبقت الإشارة إلى هذا.
ولما تكلم شيخ الإسلام عن هذه المسألة - في موضع آخر - ضرب مثالا عليه في مسألة العلو عند هؤلاء النفاة، فقال: "ولكن طائفة من أهل الجدل والحكمة السوفسطائية، يستدلون على إمكان الشيء في الخارج بإمكانه في الذهن، كما يوجد مثل ذلك في كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة. والرازي والآمدي ونحوهما يستعملون ذلك كثيرًا، كاستدلال الرازي وغيره على إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ولا مجانب بأن يقولوا: القسمة العقلية تقتضي أن كل موجود فإما مباين لغيره أو مجانب له، وإما لا مباين ولا مجانب، أو كل موجود فإما داخل في غيره وإما خارج عنه وإما لا داخل ولا خارج.
ويجعلون مثل هذا التقسيم دليلا على إمكان كل من الأقسام في الخارج، وقد يسمون ذلك برهانا عقليا، وهو من أفسد الكلام " (٣) .
_________________
(١) درء التعارض (٦/١٥-١٧) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٦/١٧-١٨) .
(٣) المصدر نفسه (٣/٣٦٥-٣٦٦) .
[ ٣ / ١٢٤١ ]
ومثل هذا احتجاجهم بأن الفلاسفة وطائفة من المتكلمين من المعتزلة والشيعة والأشعرية - أثبتوا النفس، وقالوا: إنها لا داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا حالة فيه. وبطلان هذا مثل بطلان وجود الكليات في الخارج (١) .
وكثيرا ما يختلط الأمر عند هؤلاء فيظنون أن الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس وبينا لمعقول، وهذا أحد مداخل ملاحدة الباطنية والصوفية وغيرهم. والحق أن الغيب ليس غير المحسوس بل الغيب يمكن إحساسهس، والله تعالى أعظم الغيب وهو يرى (٢) .
وأكبر دليل على فساد ما زعمه هؤلاء من صحة قولهم بإمكان موجود لا مباين ولا محايث، أو لا داخل العالم ولا خارجه - أنهم عجزوا عن الرد على الحلولية من النصارى والصوفية، وقد أفرد شيخ الإسلام لبيان ذلك فضلا طويلا (٣)، ومما قاله: "ولهذا كان الحلولية والإتحادية منهم، الذين يقولون: إنه في كل مكان، يحتجون على النفاة منهم الذين يقولون: ليس مباينا للعالم ولا مداخلا له، بأن قد اتفقنا على أنه ليس فوق العالم، وإذا ثبت ذلك تعين مداخلته للعالم: إما أن يكون وجوده وجود العالم، أو يحل في العالم، أو يتحد به، كما قد عرف من مقالاتهم.
والذين أنكروا الحلول والاتحاد من الجهمية، ليست لهم على هؤلاء حجة إلا من جنس حجة المثبة عليهم، وهو قول المثبتة: إن ما لا يكون لا مداخلا ولا مباينا، غير موجود، فإن أقروا بصحة هذه الحجة بطل قولهم، وإن لم يقروا بصحتها أمكن إخوانهم الجهمية الحلولية أن لا يقروا بصحة حجتهم، إذ هما من جنس واحد" (٤)، ثم ذكر شيخ الإسلام نموذجا على ذلك، وهو رد الرازي على حلولية النصارى، حيث علق شيخ الإسلام بعد نقل كلام الرازي
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٦/١٦١)، وانظر: مجموع الفتاوى (٥/٢٩٢-٢٩٥) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٥/١٧١-١٧٣)، وانظر: مناقشة أخرى مطولة ومهمة في نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٥٠٢-٥٨٨) .
(٣) انظر: درء التعارض (٦/١٣٧-١٨٦) .
(٤) المصدر السابق (٦/١٤٨-١٤٩) .
[ ٣ / ١٢٤٢ ]
في الرد عليهم (١) بقوله: "قلت ما ذكره الرازي من إبطال الحلو بإلزام النصارى كلام صحيح، لكن هذا إنما يستقيم على قول أهل الإثبات المثبتين لمباينته للعالم، فأما على قول الجهمية للنفاة فلا تستقيم هذه الحجة " (٢) .ط
وذلك أنه يلزم من تجويز إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه تجويز قول الحلولية، ولا يمكن أن يوجد في النفاة من يرد على الحلولية ردا مستقيما، بل إن لم يوافقهم كان معهم بمنزلة المخنث - كما يعبر شيخ الإسلام (٣) .
وقد سبقت الإشارة إلى ما بين هذين المذهبين - النفاة والحلولية - من توافق، إلى حد أن الواحد منهم قد يتلبس بالمذهبين في وقت واحد، حسب حالته. وكثير من النفاة يعظم ملاحدة الصوفية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض، بل إن أحد أفضل المتكلمين من نفاة العلو "يعتقد في مثل هذا أنه كان من أفضل أهل الأرض، أو أفضلهم ويأخذ ورقة فيها سر مذهيه، يرقي بها المرضي، كما يرقي المسلمون بفاتحة الكتاب، كما أخبرنا بذلك الثقاة، وهم يقدمون تلك الرقية على فاتحة الكتاب " (٤) .
ويركز شيخ الإسلام على أن هؤلاء جميعا ينطلقون من تلك المناظرة المشهورة التي جرت بين الجهموالسمنية وقد ذكرها الإمام أحمد (٥)، فالجهم لما احتج عليهم بالروح أن الروح لا ترى ولا تسمع ولا تحس ولا تجس، طبق ذلك على الله تعالى، فقال: وكذلك هو موجود ولا يرى ولا يسمع ولا يوصف بصفة.
ومن هذه المناظرة انطق المبطلون:
- نفاة الأسماء والصفات من الجهمية وغيرهم.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٦/١٤٩-١٥١) .
(٢) المصدر نفسه (٦/١٥١) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٦/١٧٣) .
(٤) المصدر نفسه (٦/١٧٠) .
(٥) الرد على الزنادقة (ص:٦٤-٦٧) - ضمن عقائد السلف، وخلاصتها أن جماعة من السمنية أرادوا أن يناظروا الجهم - وكان مشهورا بالخصومات والكلام - فاحتجوا عليه بأنه إذا لم يرد إلهه ولم يسمعه ولم يشمه ولم يسحه - فهو غير موجود. فتحير الجهم وبقى أربعين يوما لا يدري من يعبد، ثم استدرك حجة النصارى في عيسى فأخذها، ورد على السمنية بالروح وأنها لا ترى ولا تسمع ولا تشم
[ ٣ / ١٢٤٣ ]
- ونفاة العلو القائلون بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه.
- والحلولية بأن الله في كل مكن.
فصاروا ينطلقون مما انطلق منهم الجهم، والذين تفلسفوا كالرازي وغيره اعتمدوا على مثل هذا تماما وذلك حين احتجوا بالكليات التي لا توجد إلا في الأذهان، وبالنفوس المفارقة التي قال بها الفلاسفة وغيرهم. وهذا يبين ما بين أهل الباطل من ترابط، وكيف يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
وقد بين شيخ الإسلام الجواب الصحيح لهؤلاء السمنية، وكيف عدل الجهم عن ذلك، وشبه حجته بحجة الرازي على نفي العلو واحتجاجه بما يقوله الفلاسفة في المعقول والنفوس (١) .
وكثيرا ما يعتمد هؤلاء المتكلمون على شبه الفلاسفة (٢) .
٤- أما دعوى أنه لو كان بديهيا لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره، وهم من سوى الحنابلة والكرامية، فجابه من وجوه:
أحدها: أن العكس هو الصحيح، فإن أمم الأرض جميعا يقولون بأن الله فوق العالم، والذين خالفوا ذلك فئات قليلة من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة والأشاعرة، تلقاه بعضهم عن بعض تقليدًا.
ومسألة العلو ليست من المسائل الصغيرة - التي قد تعرفها أمة أو أتباع نبي دون غيرهم - بل هي من المسائل الكبار المتعلقة بأصل التوحيد وهي مما ينفصل فيه أهل الإيمان عن الإلحاد، ولذلك اتفق الأنبياء جميعا عليها كما اتفقوا على التوحيد (٣) .
ولتواتر النصوص الواردة في إثبات العلو لم يستطع - الأشاعرة المتأخرون
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (١/٣١٨-٣٢٥)، ودرء التعارض (٥/١٦٥-١٧٥)، والتسعينية (ص:٣٢-٣٩) .
(٢) انظر: مثالا على ذلك في نقض التأسيس - مطبوع - (١/١٠٣-١٢١) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٢/٩) .
[ ٣ / ١٢٤٤ ]
- ولا غيرهم - إنكارها أو معارضتها، وإنما صاروا يعبرون عن المعاني التي يريدونها من نفي العلو بعبارات ابتدعوها، ويكون فيها اشتباه وإجمال، مثل أن يقولوا: إن الله ليس بمتحيز ولا في جهة، وغيرها من العبارات المحتملة للحق والباطل، وهم قصدوا بها رد الحق (١) . ولو كانت دعواهم كما صورها الرازي أنه لم يخالف فيها إلا الحنابلة والكرامية لما تدسسوا إلى آرائهم وأقوالهم بمثل هذه الأساليب حين يتعاملون مع مئات النصوص الواردة المثبتة للعلو.
وقد رد شيخ الإسلام على هذه الدعوى بنقل النصوص العديدة لعشرات الأئمة والعلماء من السلف وممن جاء بعدهم من مختلف الطوائف" من الفقهاء: المالكية، والشافعية، والحنفية، والحنبلية، والظاهرية، وأهل الحديث، والصوفية والشيعة وأهل الكلام والفلسفة غيرهم. فكيف يقال مع هذا إنه لم يقل بالعلو إلا الحنابلة والكرامية؟.
ومن هؤلاء الأئمة الذين أثبتوا العلو ونقلت أقوالهم: عبد الله بن المبارك، وربيعة، والإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، والبخاري، والفضيل ابن عياض، وسليمان بن حرب، وابن خزيمة، والصابوني، والحاكم، وابن عبد البر، وابن أبي زمنين، وأبو نصر السجزي، وأبو عمر الطلمنكي، ونصر المقدسي، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو أحمد الكرخي، وأبو محمد المقدسي، وابن أبي حاتم، والخلال، وعبد الله بن الإمام أحمد، والقرطبي، والبيهقي، وابن رشد، وغيرهم كثير جدًا، وأقوالهم ونصوصهم مدونية يثبتون فيها هذه الصفة ويردون على من تأولها (٢) .
فكيف يدعي الرازي أنه لم يثبت العلو سوى الحنابلة والكرامية؟.
الثاني: أن من المخالفين للرازي - ولمتأخري الأشعرية كالجويني والغزالي، والآمدي - شيوخهم المتقدمين من أئمة الأشاعرة، كابن كلاب، والقلانسي،
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٢/١٢-١٣) .
(٢) انظر: أقوال هؤلاء في درء التعارض (٦/٧٨-٨٢، ٢١٢-٢٢٦، ٢٥٠-٢٦٧)، ومجموع الفتاوى (٥/١٣٦-١٤٣، ١٧٥-١٨٣، ٢٥٦-٢٦١، ٣١٤-٣١٧)، والقاعدة المراكشية (ص:٥٥-٥٧، ٦٢-٧٩) ط دار طيبة، ونقض التأسيس - مطبوع - (٢/٣٥-٤٥) - مخطوط - (١/٦١-٦٥) .
[ ٣ / ١٢٤٥ ]
والمحاسبي، وأبي الحسن الأشعري، وتلاميذه كابن مجاهد، وأبي الحسن الطبري، والباقلاني، وابن فورك - في أحد قوليه - والقاضي أبي يعلي، والقرطبي، والخطابي، وغيرهم ممن جاءت نصوصهم صريحة واضحة في إثبات العلو والرد على الجهمية (١) .
فهؤلاء المتأخرون النفاة من الأشاعرة مخالفون لأقوال شيوخهم، وقد علق شيخ الإسلام على ذلك - بعد نقله أقوال أولئك في إثبات العلو وغيره من الصفات - بقوله: "فإذا كان قول ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه، وهو الذي ذكروا أنه اتفق عليه سلف الأمة وأهل السنة، أن الله فوق العرش، وأن له وجها ويدين، وتقرير ما ورد في النصوص الدالة على أنه فوق العرش، وأ، تأويل (استوى) بمعنى استولى هو تأويل المطلين ونحو ذلك - علم أن هذا الرازي ونحوه هم مخالفون لأئمتهم في ذلك، وأن الذي نصره ليس هو قول ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه، وإنما هو صريح قول الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كن قد قاله بعض متأخري الأشعرية كأبي المعالي ونحوه" (٢) .
الثالث: "أن يقال حول قوله باتفاق الجمع العظيم على إنكار العلو - "لم يطبق على ذلك إلا من أخذه بعضهم عن بعض، كما أخذ النصارى دينهم بعضهم عن بعض، وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم.
فأما أهل الفطر التي لم تغير فلا ينكرون هذا العلم، وإذا كان كذلك فأهل المذاهب الموروثة لا يمتنع أطباقهم على جحد العلوم البديهية، فإنه ما من طائفة من طوائف الضلال - وإن كثرت - إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم الضرورية" (٣) .
_________________
(١) انظر نصوص أقوالهم في: درء التعارض (٢/١٢-١٣، ٦/١١٩-١٣٤، ١٩٣-٢١٢، ٢٤٢-٢٤٣)، ومجموع الفتاوى (٥/١٥٢، ١٣/١٧٤، ذ٦/٨٩-٩١)، ومنهاج السنة (٢/٢٥١-٢٥٢) ط دار العروبة - المحققة - ونقض التأسيس - مطبوع - (١/١٢٧، ٢/١٤-٣٥، ٤٣٣-٤٣٩)، - مخطوط - (١/٥٥-٨٢، ٢/١٠٩-١١١، ١٨١-١٨٢)، وغيرها كثير جدًا.
(٢) نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٣٥) .
(٣) درء التعارض (٦/٢٦٧-٢٦٨) .
[ ٣ / ١٢٤٦ ]
أم دعوى التواطؤ فمردودة بأن الفطر التي لم تتواطأ يمتنع اتفاقها على جحد ما يعلم بالبديهة، قد يوافق بعض الناس - أو بعض عامتهم - على إنكار الجهة والتحيز والمكان، حين يقصد بنفيها ما هو معنى صحيح مثل نفي أن الله محصور في خلقه، أو مفتقر إلى مخلوق، إلى غير ذلك من المعاني التي يجب نفيها عن الله تعالى. أما لو قصد بذلك أن الله ليس فوق السموات، وأنه ليس وراء العالم إله موجود، فهذا لا يوافق عليه أحد بفطرته، وإنما يوافق عليه من قامت عنده شبهة من شبه النفاة (١) .
٥- أما الاعتراض على رفع الأيدي، وأن القلوب مفطورة - عند دعائها ومسألتها - على التوجه إلى الله في العلو - بأن ذلك لأن السماء قبلة للدعاء وأن هذا منقوض بوضع الجبهة على الأرض، أو غير ذلك من التعليلات الهزيلة (٢) - فقد أجاب عنه شيخ الإسلام بجواب مفصل، اشتمل على أربعين وجها - وصلت إلينا في الجزء المطبوع من نقض التأسيس - (٣) والحمد لله.
وقد ركز شيخ الإسلام في هذه الأوجه على بيان أن الاستدلال برفع الأيدي والأبصار إلى السماء عند الدعاء، إنما هو حجة أهل الإثبات من السف والخلف، وأن هؤلاء الأشعري وأئمة أصحابه، وقد نقل شيخ الإسلام كلامهم في ذلك (٤)، فالرازي في الحقيقة إنما يعترض على شيوخه الأشاعرة، وهم باستدلالهم يردون عليه. والإشارة إلى الله في العلو باليد والأصابع أو العين أو الرأس، قد تواترت به السنن عن الرسول - ﷺ - (٥) . والنهي عن رفع البصر
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٦/٢٧١-٢٧٢)، وانظر أيضًا (٦/١٩١-١٩٣) .
(٢) من ذلك ما زعمه الرازي من الرفع إلى السماء لأن الأنوار تنبعث من جانب السموات، أو لأن الحياة متوقفة على الهواء وهو دائما فوق الأرض. أو لأن الغيث ينزل من السماء. انظر: أساس التقديس (ص:٧٦-٧٧) . وهي تعليلات هزيلة جدًا ومع ذلك فقد ناقشها شيخ الإسلام ضمن غيرها في الأوجه الأربعين التي ذكرها.
(٣) (٢/٤٣١-٥٠٢) .
(٤) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٤٣٣-٤٣٩) .
(٥) انظر: المصدر السابق (٢/٤٣٩-٤٤٥) .
[ ٣ / ١٢٤٧ ]
في الصلاة لأنه من باب الخشوع الذي أثنى الله على أهله، ولو كان الله ليس فوق، بل هو في السفل كما هو في الفوق لم يكن رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع، بل كان يكون بمنزلة خفضها (١) .
والناس على اختلاف عقائدهم وأديانهم يشيرون عند الدعاء إلى السماء لأن هذا شيء يجدونه في فطرهم (٢) .
ودعوى أن السماء قبلة للدعاء كالكعبة قبلة للصلاة، باطل معلوم بالاضطرار بطلانه من وجوه: منها أن المسلمين مجمعون على أن قبلة الداعي هي قبلة الصلاة، ومنها: أن كون السماء أو العرش قبلة لا يثبت بغير الشرع، وليس في النصوص أي دليل على ذلك، ومنها أن القبلة أمر يدخله النسخ، ولذلك تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ولو كانت القبلة هي العرش أو السماء لجاز تغييرها وتبديلها، ولجاز أن يدعو الإنسان ربه إلى سائر الجهات، وهذا فضلا عن أنه باطل، فإن العباد مفطورون على أن لا يتوجهوا إلا إلى جهة العلو. ومنها: أن القبلة ما يستقبله الإنسان بوجهه، أما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره، فهذا باتفاق الناس لا يسمى قبلة، ومعلوم أن مستقبل القبلة يستدبر ما يقابلها، أما الداعي فإنه لا يكون مستقبلا للسماء مستدبرا للأرض، بل يكون مستقبلا لبعض الجهات. إلى غيرها من الأوجه (٣) .
ووضع الجبهة على الأرض يفعله الناس لكل ما يعظمونه، ولهذا يسجد المشركون لأصنامهم. وهذا بين (٤) .
فتبين من هذه الأوجه وغيرها سلامة احتجاج السلف على العلو بما فطر الناس عليه من رفع أيديهم إلى السماء عند الدعاء والحاجة.
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (٣/٤٤٥)، وانظر الرسالة العرشية - مجموع الفتاوى - (٥/٥٧٦-٥٨٠) .
(٢) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٤٤٦-٤٤٧) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٢/٤٥٢-٤٦٤) .
(٤) انظر مناقشة ذلك من خمسة أوجه في الدرء (٧/٢١-٢٥) .
[ ٣ / ١٢٤٨ ]
٦- أما اعتراضهم بأن العالم كرة، وأن الله إذا كان في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة لسكان الوجه الآخر.
فشيخ الإسلام لا ينازع في استدارة الفلك - كما قد ينازع فيه بعض الجهال (١) -، وقد أجاب عن هذا الاعتراض بعدة أوجه:
منها: أن القائلين بأن العالم كرة يقولون أن السماء عالية على الأرض من جميع الجهات، والأرض تحتها من جميع الجهات.
والجهات قسمان:
حقيقية: ولها جهتان العلو والسفل فقط، فالأفلاك وما فوقها هو العالي مطلقا، وما في جوفها هو السافل مطلقا.
وإضافية: وهي الجهات الست بالنسبة للحيوان، فما حاذى رأسه كان فوقه وما حاذى رجليه فهو تحته، وما حاذى جهته اليمنى كان عن يمينه. وهكذا.
ويتضح الفرق بينهما فيما لو علق رجل، فجعلت رجلاه إلى أعلى، ورأسه إلى أسفل، فبالنسبة للجهة الحقيقية لم يتغير عليه شيء إذ لا تزال السماء فوقه والأرض تحته، أما بالنسبة للإضافية فإن الأرض فوق رأسه (٢) .
"وإذا كان كذلك فالملائكة الذين في الأفلاك من جميع الجوانب، هم باعتبار الحقيقة، كلهم فوق الأرض، وليس بعضهم تحت بعض، ولا هم تحت شيء من الأرض، أي الذين في ناحية الشمال ليسوا تحت الذين في ناحية الجنوب وكذلك من كان في ناحية برج السرطان ليس تحت من كان في ناحية برج العقرب وإن كان بعض جوانب السماء تلي رؤوسنا تارة وأرجلنا أخرى، وإن كان فلك الشمس فوق القمر، وكذلك السحاب، وطير الهواء، هو مع جميع الجوانب فوق الأرض وتحت السماء، ليس شيء منه تحت الأرض، ولا من في هذا الجانب تحت من في هذا الجانب [ف-] علم أنه لا يلزم من كون الخالق فوق السماوات،
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٢١٥) .
(٢) انظر: درء التعارض (٦/٣٢٧-٣٢٨) .
[ ٣ / ١٢٤٩ ]
أن يكون تحت شيء من المخلوقات، وكأن من احتج بمثل هذه الحجة إنما احتج بالخيال الباطل الذي لا حقيقة له " (١) .
"وإذا كانت المخلوقات التي في الأفلاك والهواء والأرض لا يلزم من علوها على ما تحتها أن تكون تحت ما في الجانب الآخر من العالم، فالعلي - سبحانه - أولى أن لا يلزم من علوه على العالم أن يكون تحت شيء منه" (٢) .
وقد سبق - عند ذكر أدلة أهل السنة العقلية على العلو - أن كون العالم كرة من أدلة العلو.
ومنها: أنه لا يسلم لزوم السفول، وإن سلم لزومه فلا بد من دليل ينفي به ذلك، ولا يلزم من ذلك نقص، لأن الأفلاك موصوفة بالعلو على الأرض - مع لزوم ما ذكر من السفول تحت سكان الوجه الآخر - وليس ذلك نقصا فيها. وإذا كان هذا في المخلوقات فالخالق أولى أن يتنزه عنه حين يوصف بالعلو عليها كلها (٣) .
أما دعوى أنه يلزم أن يكون الله فلكا محيطا بالعالم حتى يكون عاليا عليه فيقال: "على هذا التقدير إذا كان محيطا لم يكن سافلا البتة، بل يكون عاليا، وعلى هذا فإذا كان هوا لظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، ولو أدلى المدلي بحبل لهبط عليه - كان محيطا بالعالم عاليا عليه مطلقا ولم يلزم من ذلك أن يكون فلكا ولا مشابها للفلك، فإن الواحد من المخلوقات تحيط قبضته بما في يده من جميع جوانبها، وليس شكلها شكل يده، بل ولا شكل يده شكلها" (٤) .
ثم إن العلو لا يشترط فيه الإحاطة، وإن كانت الإحاطة لا تناقضه والناس يعلمون أن الله فوق العالم، وإن لم يعلموا أنه محيط به، وإذا علموا أنه محيط به لم يكن ذلك ممتنعًا عندهم.
_________________
(١) درء التعارض (٦/٣٢٨-٣٢٩) بتصرف يسير.
(٢) المصدر السابق (٦/٣٣٠) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٦/٣٣٠-٣٣٣) .
(٤) المصدر نفسه (٦/٣٣٥) .
[ ٣ / ١٢٥٠ ]
و"الله تعالى ليس مثل فلك من الأفلاك، ولا يلزم إذا كان فوق العالم ومحيطا به أ، يكون مثل فلك، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه" (١) .
"والمقصود: أنه إذا كان الله أعظم وأكبر وأجل من أن يقدر العباد قدره، أو تدركه أبصارهم، أو يحيطون به علما، وأمكن أن تكون السموات والأرض في قبضته لم يجب - والحال هذه - أن يكون تحت العالم، أو تحت شيء منه، فإن الواحد من الآدميين إذا قبض قبضة أو بندقة أو حمصة أو حبة خردل وأحاط بها يغر ذلك، لم يجز أن يقال: إن أحد جانبيها فوقه، لكون يده لما أحاطت بها كان منها الجانب الأسفل يلي يده من جهة سفلها، ولو قدر من جعلها فوق بعضه بهذا الاعتبار، لم يكن هذا صفة نقص، بل صفة كمال.
وكذلك أمثال ذلك من إحاطة المخلوق ببعض المخلوقات، كإحاطة الإنسان بما في جوفه، وإحاطة البيت بما فيه، وإحاطة السماء فيها من الشمس والقمر والكواكب، فإذا كانت هذه المحيطات لا يجوز أن يقال: إنها تحت المحاط وإن ذلك نقص، مع كون المحيط يحيط به غيره - فالعلي الأعلى المحيط بكل شيء، الذي تكون الأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، كيف يجب أن يكون تحت شيء مما هو عال عليه أو محيط به، ويكون ذلك نقصا ممتنعا؟ " (٢) .
والخلاصة:
١- أن كون العالم كرة دليل على العلو، لأنه ليس هناك إلا علو مطلق أو سفل، وهو مركز الأرض، وهذا بالنسبة لجميع سكن الأرض، وإذا ثبت أن الله بائن من خلقه فهو في جهة العلو مطلقا.
٢- أن الأرض والسموات إذا كان الله يقبضها بيده، فتصور أن يكون تحت شيء منها تصور فاسد، لم يقدر صاحبه ربه حق قدره. فكل ما يفترضه
_________________
(١) درء التعارض (٦/٣٣٩) .
(٢) المصدر السابق (٦/٣٩-٣٤٠) .
[ ٣ / ١٢٥١ ]
المفترض من لزوم أن يكون الله محيطا بالمخلوقات، أو أنه فلك، أو غير ذلك من التصورات فهي إما تصورات فاسدة، كتصور أنه فلك أو أنه لا يلزم منها نقض ينافي مال ربوبية الله تعالى ككون الله تعالى محيطا بخلقه.
ولشيخ الإسلام في ذلك مناقشات مطلولة بين من خلالها أن ثبوت العلو الذي جاءت به النصوص وفطرت عليه العقول - لا يلزم منه شيء من هذه اللوازم التي ذكرها نفاته (١) .
ومن ذلك أن لقائل أن يقول: ما فائدة أن يتوجه الإنسان عند الدعاء إلى العلو، ولما لا يتجه إلى إحدى الجهات الأخرى من يمين أو شمال ما دامت نهايتها العلو نفسه؟ يقول شيخ الإسلام - بعد توضيحه لبعض الأمور: "وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا، لم يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره لوجهين:
أحدهما: أن مطلوبه من الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات، فلو قدر رجل أو ملك يصعد إلى السماء أو إلى ما فوق، كان صعوده مما يلي رأسه أقرب إذا أمكنه ذلك، ولا يقول عاقل: إنه يخرق الأرض ثم يصعد من تلك الناحية،
الوجه الثاني: أنه إذا قصد السفل بلا علو كان ينتهي قصده إلى المركز، وإن قصده أمامه أو وراءه أو يمينه أو يساره من غير قصد العلو كان منتهى قصده أجزاء الهواء، فلا بد له من قصد العلو ضرورة، سواء قصد مع ذلك هذه الجهات أو لم يقصدها، ولو فرض أنه قال: أقصده من اليمين مع العلو، أو من السفل مع العلو، كان هذا بمنزلة من يقول: أريد أن أحج من المغرب، فأذهب إلى خراسان ثم أذهب إلى مكة " (٢) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٦/٣٢٦-٣٤٠)، ونقض التأسيس - مطبوع - (٢/٢١١-٢٣٠)، ورسالة في الهلال - مجموع الفتاوى - (٢٥/١٩٦-١٩٧) .
(٢) الرسالة العرشية، مجموع الفتاوى (٦/٥٦٨-٥٦٩) .
[ ٣ / ١٢٥٢ ]
المسألة السادسة: كلام الله:
يعتبر مذهب ابن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأتباعهم في كلام الله من المذاهب الجديدة التي لم يسبقوا إليها، ولذلك أصبحت هذه المسألة هي أخص مذهب الأشعري التي يكون الرجل بها مختصا بكونه أشعريا، أما سائر المسائل فليس لابن كلاب أو الأشعري بها اختصاص "بل ما قالا، قاله غيرهما، إما من أهل السنة والحديث، وإما من غيرهم، بخلاف ما قاله ابن كلاب في مسألة الكلام، وأتبعه عليه الأشعري، فإنه لم يسبق ابن كلاب إلى ذلك أحد، ولا وافقه عليه أحد من رؤوس الطوائف" (١) .
وهي مسألة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمسألة الصفات الاختيارية، وقيامها بالله تعالى، بل مسألة الكلام إحدى أصولها الكبار.
وقبل عرض مذهب الأشاعرة فيه (٢)، ومنهج شيخ الإسلام في مناقشاته لهم، لا بد - لكي تتضح الصورة - من عرض خلاف الطوائف في مسألتين:
إحداهما: أقوالهم في مسمى "الكلام" ومن "المتكلم"؟
الثانية: أقوالهم في "كلام الله".
_________________
(١) درء التعارض (٢/٩٩)، وانظر التسعينية (ص: ١٤٩-٢٨٨) .
(٢) انظر في مذهب الأشاعرة في كلام الله ما سبق في فصل تطور المذهب الأشعري، وأقوال أعلامهم فيه، ويمكن الإشارة إلى بعض كتبهم وأقوالهم في كلام الله، انظر: اللمع للأشعري (ص:١٧-١٨) ت مكارثي، والرسالة إلى أهل الثغر (ص:٧٠-٧٢)، والتمهيد للباقلاني (ص:٢٥٠-٢٥١) ت مكارثي، ورسالة الحرة - المطبوعة باسم الاتصاف (ص:٨٠-١٤٣) حيث أطال جدا في شرح مذهب الأشاعرة، وانظر: مشكل الحديث لابن فورك (ص:١٦٩-١٩٢-١٩٤، ٢١٢-٢١٥)، ط المكتبة العصرية، وأصول الدين للبغدادي (ص:١٠٦-١٠٨)، والاعتقاد للبيهقي (ص:٩٤-١١١)، والأسماء والصفات له (ص:١٨١-٢٧٦)، حيث شرح مذهب الأشاعرة وجمع في ذلك نصوصا كثيرة مع ذكر أقوال السلف، وحاول تأويلهابما لا يعارض مذهب الأشاعرة. وانظر: الإرشاد للجويني (ص:٩٩-١٣٧)، ولمع الأدلة له (ص:٨٩-٩٣) ط الأولى، والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص:٧٣-٨٣) ط دار الكتب العلمية، ونهاية الأقدام (ص: ٢٦٨-٣١٧)، والأربعين للرازي (صك١٧٣-١٨٤)، وغاية المرام للآمدي (ص:٨٨-١٢٠)، وطوالع الأنوار للبيضاوي (ص:٧٨-٧٩)، والمواقف للإيجي - مع شروحه - (٨/٩١-١٠٤) وغيرها.
[ ٣ / ١٢٥٣ ]
أولًا: الأقوال في مسمى "الكلام" و"المتكلم":
والمقصود مسمهما عند الإطلاق، ويلاحظ أن الخلاف في ذلك قد بنت عليه كل طائفة قولها في كلام الله تعالى.
والأقوال في مسمى "الكلام" أربعة:
١- قيل هو اسم لمجرد الحروف، ومسماه هو اللفظ، وأما المعنى فليس جزء مسماه؛ بل هو مدلول مسماه، وهذا قول المعتزلة وغيرهم، فعندهم أن الكلام اسم للفظ بشرط دلالته على المعنى. ولذلك قالوا في كلام الله إنه مخلوق منفصل عن الله، لأن الكلام هو الألفاظ والحروف، وهذه لا يجوز أن تقوم بالله فجعلوها مخلوقة منفصلة.
٢- وقيل: هو اسم لمجرد المعنى، فمسماه هو المعنى، وإطلاق الكلام على اللفظ والحروف مجاز، لأنه دال عليه، وهذا قول الكلابيةوالأشعرية الذين يقولون إن الكلام هو المعنى المدلول عليه باللفظ. ولقولهم هذا قالوا في كلام الله إنه معنى قائم بالنفس، ليس بحروف ولا أصوات، ثم قالوا عن القرآن المتلو إنه ليس كلام الله، بل هو حكاية أو عبارة عن كلام الله، لأن الكلام عندهم هو المعنى فقط، أما إطلاق اللفظ عليه فمجاز.
٣- وقيل: إن الكلام يطلق على كل من اللفظ والمعنى بطريق الاشتراك اللفظي. وهذا قول بعض متأخري الأشعرية لجأوا إليه كمخرج من التناقض الذي وقعوا فيه، ومن هؤلاء الجويني والرازي (١) . ويلاحظ أن التعبير بالمشترك اللفظي لا يقتضي أن يكون بينهما تقارب في المعنى، بل هما يمنزلة المشتري الذي يطلق على الكوكب وعلى المبتاع.
_________________
(١) هذا هو القول الثاني للأشاعرة بعد القول السابق، وقد ذكر شيخ الإسلام أن للأشاعرة قولا ثالثا يروى عن أبي الحسن وهو: أن اللفظ مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين، لأن حروف الآدميين تقوم بهم، فلا يكون الكلام قائما بغير المتكلم، بخلاف الكلام القرآني فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أ، يكون كلامه. الإيمان (ص:١٦٢) .
[ ٣ / ١٢٥٤ ]
٤- وقيل: إن الكلام يتناول اللفظ والمعنى جميعا، كم يتناول لفظ الإنسان للروح والبدن جميعا، وهذا قول السلف والفقهاء والجمهور الذين يقولون إن الكلام اسم عام لهما جميعا، يتناولها عند الإطلاق وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة، وهذا تارة. ولقول السلف هنا في الكلام قالوا في كلام الله تعالى - من القرآن وغيره مما تكلم به - إنه شامل للفظ والمعنى، وإن القرآن حروفه ومعانيه كلامه الله تعالى (١) .
أما أهم الأقوال في من "المتكلم" فثلاثة:
١- أحدها أن المتكلم من فعل الكلام، ولو كان منفصلا عنه، فعله في غيره. وهذا قول المعتزلة والجهمية. وهؤلاء يقولون: هو صفة فعل منفصل عن الموصوف لا صفة ذات. ولذلك أنكروا صفة الكلام الثابتة لله، وقالوا إن كلام الله مخلوق.
٢- الثاني: أن المتكلم هو من قام به الكلام، ولو لم يكن بفعله، ولا هو بمشيئته وقدرته، وهذا قول الكلابية والأشعرية والسالمية وغيرهم فهؤلاء يقولون: هو صفة ذات لازمة للموصوف لا تتعلق بمشيئته ولا قدرته. ولذلك قالوا في كلام الله إنه المعنى النفسي القائم بالله، وإن الله لا يتكلم إذا شاء متى شاء، بل كلامه أزلي قائم به كحياته وعلمه.
٣- الثالث: أن المتكلم من جمع الوصفين، فقام به الكلام وقدر عليه. فهو من تكلم بفعله ومشيئته وقدرته، وقام به الكلام، وهذا قول السلف وأكثر أهل الحديث وطوائف من المرجئة والكرامية متعلق بمشيئته وقدرته. وهذا مطابق لمذهب السلف في كلام الله (٢) .
_________________
(١) انظر في هذه الأقوال: الإيمان (ص:١٦٢) ط المكتب الإسلامي، ودرء التعارض (٢/٣٢٩، ١٠/٢٢٢)، والاستقامة (١/٢١١)، ومسألة الأحرف - مجموع الفتاوى - (١٢/٦٧)، ومجموع الفتاوى (٦/٥٣٣) .
(٢) انظر: منهاج السنة (٢/٢٩٤) - ط دار العروبة المحققة، ودرء التعارض (١٠/٢٢٢)، والتسعينية (ص:١٤٦)، وشرح الأصفهانية (ص:٦٧-٦٩) - ت مخلوف.
[ ٣ / ١٢٥٥ ]
والخلاف في هاتين المسألتين: "الكلام" و"المتكلم" يوضح كيف وقع الخلاف في المسألة الأصل "مسألة كلام الله تعالى". التي وقع فيها خلاف عريض بين الطوائف.
ثانيًا: الأقوال في "كلام الله":
الأقوال في كلام الله على وجه الإجمال ستة أو سبعة، وعلى وجه التفصيل عشرة أو تزيد، وأهم هذه الأقوال:
١- أن كلام الله ليس صفة قائمة به، ولا مخلوقا منفصلا عنه، بل هو ما يفيض على النفوس إما من العقل الفعال أو غيره، حسب نظريتهم في الخلق، حيث إنهم يزعمون أن الله لا تقوم به الصفات، وليس خالقا باختياره، وليس عالما بالجزيئات. وهذا قول الفلاسفة والصائبة ومن وافقهم. وهؤلاء ربما سموا هذا الفيض كلاما بلسان الحال، وربما قالوا: إن الله متكلم مجازا.
٢- قول من قد يوافق الفلاسفة في أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من العقل الفعال أو غيره، لكن يقولون إن هذا الفيض يكون للأنبياء والأولياء، ثم إذا غلب عليهم القول بالإتحاد ووحدة الوجود قالوا: كل كلام في الوجود هو كلام الله، سواء نثره ونظامه، حسنه وقبيحه - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا - وهذا قول غلاة الصوفية وفلاسفتهم (١) .
٣- إن كلام الله مخلوق منفصل عنه، خلقه في غيره، وهذا قول المعتزلة والجهمية الذين ينفون أن تقوم بالله صفة من الصفات، لا حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا كلام.
٤- إن كلام الله معنى واحد قديم، قائم بذات الله أزلا وأبدا، هو الأمر بكر ما أمر الله به، والنهي عن كل ما نهي الله عنه، والخبر عن كل ما أخبر الله عنه، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة،
_________________
(١) لم يفرد شيخ الإسلام مذهب الطائفة بقول مستقل، وإنما جعل مذهبهم مع مذهب الفلاسفة، وكأنه اعتبره حالة تمر على بعض غلاتهم، ولكنه أشار إلى مذهبهم بوضوح في مجموع الفتاوى (٦/٣١٦) .
[ ٣ / ١٢٥٦ ]
وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا، والأمر والنهي والخبر عندهم ليست أنواعا ينقسم الكلام إليها، وإنما هي صفات إضافية، كما يوصف الشخص الواحد بأنه ابن لزيد، وعم لعمرو، وخال برك. ويقول هؤلاء إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه بغير حرف وصوت. وهذا قول ابن كلاب والأشعري ومن اتبعهم. ثم هؤلاء افترقوا:
أفمنهم من قال: إنه معنى واحد في الأزل، وإنه في الأزل أمر ونهي وخبر. وهذا قول الأشعري.
ب ومنهم من قال: هو عدة معان: الأمر والنهي والخبر والاستخبار. وهذا قول ابن كلاب.
ت ومنهم من قال: بل يصير أمرًا ونهيا عند وجود المأمور والنهي. وهو قول بعضهم.
٥- قول من يوافق الكلابية والأشعرية في أن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته ولكنهم قالوا: القديم هو حروف، أو حروف وأصوات قديمة لازمة لذات الرب أزلا وأبدا، لا يتكلم بها بمشيئته وقدرته، ولا يتكلم بشيء بعد شيء. ولم يفرق هؤلاء بين جنس الحروف وجنس الكلام، وبين عين الحروف الأزلية، بل كله قديم أزلي، وليست الباء قبل السين ولا السين قبل الميم.
وهذا قول السالمية ومن اتبعهم كابن الزاغوني وبعض أهل الحديث وغيرهم. ومن هؤلاء من يقول في الحروف: إن الترتيب يكون في ماهيتها لا في وجودها، كما أن من هؤلاء من يقول: إن ما يسمع من أصوات العباد بالقرآن أو بعضه هو الكلام القديم، وقد يصرحون بأنه صوت الله. وهذا أقوال باطلة ظاهرة الفساد.
٦- إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي وغيره، وكلامه قائم به، لكنه حادث بذات الله، تكلم به بعد أن لم يكن متكلما، قالوا: ولم يكن يمكنه أن يتكلم بمشيئته في الأزل لامتناع حوادث لا أول لها، فيمتنع أن يكون كلامه قديما لامتناع كون المقدور قديما. وهؤلاء يقولون: إن الله يتكلم بحروف وأصوات. وهذا قول الكرامية والهشامية ومن وافقهم.
[ ٣ / ١٢٥٧ ]
٧- "قول من يقولك كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته. ثم من هؤلاء من يقول: لم يزل ذلك حادثا في ذاته، كما يقوله أبو البركات صاحب المعتبر، ومنهم من لا يقول بذلك. وأبو عبد الله الرازي يقول بهذا القول في مثل المطالب العالية".
٨- "قول من يقول: كلامه يتضمن معنى قائما بذاته، وهو ما خلقه في غيره، ثم من هؤلاء من يقول في ذلك المعنى بقول ابن كلاب، وهذا قول أبي مصنرو الماتريدي، متشيعهم ومتصوفهم".
٩- "قول من يقول: كلام الله مشترك بين المعنى القديم بالذات، وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات. وهذا قول أبي المعالي ومن اتبعه من متأخري الأشعرية" (١) .
١٠- قول أهل السنة والجماعة: وهو أن الله "لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء، وكيف شاء، بكلام يقوم به، وهو يتكلم بصوت يسمع، وإن نوع الكلام أزلي قديم، وإن لم يجعل نفس الصوت المعين قديما" (٢) . فهم يقولون: "إن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلاما لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن أسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحرف، بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما وإن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره، وإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته، فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه، ولا حروفه يشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد،
_________________
(١) منهاج السنة (٢/٢٨١-٢٨٢) ط دار العروبة - المحققة.
(٢) المصدر السابق (٢/٢٨١) .
[ ٣ / ١٢٥٨ ]
فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته" (١) .
هذه خلاصة الأقوال في كلام الله (٢)،وبعضها - كما يلاحظ - قد يتشعب إلى أقوال أخرى، كما هي سنة الله في الاختلاف والافتراق أنه لا يقف عند حد معين.
والذي يهم من هذا الأقوال:
- قول الأشاعرة ومن تبهم.
- قول أهل السنة والجماعة، وموقفهم من مذهب الأشاعرة كما شرحه وأوضحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
رد شيخ الإسلام على الأشاعرة في كلام الله:
يلاحظ أن مذهب الأشاعرة في كلام الله تعالى يقوم على عدة أمور - بعد إثباتهم لصفة الكلام بإجمال ضمن الصفات السبع - فهم يقولون:
١- إنه معنى قائم بالنفس، دون الحروف والألفاظ. وهذا ما يسمونه بالكلام النفسي، ومن ثم منعوا أن يكون كلام الله بحرف وصوت.
٢- وإنه قديم أزلي قائم بذات الله تعالى كحياته وعلمه، ولذا فهو لا يتعلق بمشيئة الله وقدرته، ولا يتكلم إذا شاء متى شاء.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/٢٤٣-٢٤٤) .
(٢) انظر فيما سبق من الأقوال: الجواب الصحيح (٢/١٦٢-١٦٣، ٣/٩٤-١٠٣)، مسألة الأحرف - مجموع الفتاوى - (١٢/٤٢-٥٢)، والمسألة المصرية - مجموع الفتاوى (١٢/١٦٣-١٧٣)، ومنهاج السنة (٢/٢٧٨-٢٨٦) ط دار العروبة المحققة (٣/١٠٤-١٠٧) ط بولاق، درء التعارض (٢/٢٥٥)، شرح الأصفهانية (ص:٣٤١) ت العودة، جواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (١٧/١٦٥-١٦٦)، والنبوات (ص:٢٠٢) ط دار الكتب العلمية، ومجموع الفتاوى (٩/٢٨٣-٢٨٥) . وانظر: مختصر الصواعق (٢/٢٨٦-٢٩٣)، وشرح الطحاوية (ص:١٧٩-١٨٠) ط المكتب الإسلامية الرابعة، وقد اعتمد شارح الطحاوية في نقل الأقوال على ما في منهاج السنة (٢/٢٧٨-٢٨٦) . ط در العروبة، ت رشاد سالم.
[ ٣ / ١٢٥٩ ]
٣- وإنه معنى واحد لا يتجزأ، هو الأمر بكل مأمور والنهي عن كل منهي عنه، والخبر عن كل مخبر عنه، إن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا.
٤- إن القرآن العربي عبارة عن كلام الله، إن القرآن العربي عبارة عن كلام الله، وهو مخلوق، أتى به جبريل أو محمد - ﷺ -، أو أوجده الله في الهواء أو في اللوح المحفوظ. ودعموا مذهبهم هذا بمذهب اللفظية الذين قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، ولما كان الإمام أحمد وهو إمام أهل السنة قد أ، كر على الطائفتين وبدعهم: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ومن قال لفظي به غير مخلوق، لما في ذلك من اللبس وخلط الحق بالباطل - قالت الأشعرية: إن الإمام قصد باللفظ: النبذ والطرح، ولم يقصد التلاوة، وإنه قصد إنكار هذا المعنى على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق (١) .
٥- إن تكليم الله لملائكته وتكليمه لموسى، وتكليمه لعباده يوم القيامة، ومناداته لمن ناداه، إنما هو خلق إدراك في المستمع أدرك به ما لم يزل موجودًا (٢) .
وقد جاءت مناقشة شيخ الإسلام وردوده على الأشاعرة في هذه المسائل متنوعة وكثيرة، إما في رسائل مستقلة أو ضمن كتبه المطولة، وأهمها ما جاء في كتبه التالية:
١- قاعدة في القرآن وكلام الله.
٢- مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم.
٣- المسألة المصرية في القرآن.
٤- الكيلانية.
وهذه - مع رسائل وفتاوى غيرها - موجودة ضمن الجزء الثاني عشر الخاص بالقرآن، من مجموع الفتاوى.
_________________
(١) انظر في مسألة "اللفظ" ومذهب الأشعرية فياه وفي المقصود بكلام الإمام أحمد: الكيلانية - مجموع الفتاوى - (١٢/٣٥٩-٣٦٤) .
(٢) انظر: درء التعارض (٢/٣٠٥-٣٠٦) .
[ ٣ / ١٢٦٠ ]
٥- التسعينية. وقد اشتملت على مناقشة للأشاعرة من ثمانية وسبعين وجها (١)، كلها للرد عليهم حول كلام الله. وهي مناقشات فريدة في هذا الباب.
ويمكن ذكر منهجه في ذلك كما يلي:
أولًا: نشأة قول الأشاعرة في كلام الله، وأسبابه:
قلما يعرض شيخ الإسلام لمسألة كلام الله وأقوال الكلابية والأشاعرة فيه إلا ويعرض لنشأة مذهبهم في ذلك، تلك النشأة التي أصبحت تمثل مذهبا خاصا بهم، تميزوا به عن غيرهم.
وقد بين شيخ الإسلام أن قول الأشاعرة في كلام الله جزء من مذهبهم في الصفات الاختيارية القائمة بالله، والتي نفوها لأجل دليل حدوث الأجسام والأعراض الذي استدلوا به على حدوث العالم - وقد سبق شرحه عند الكلام على توحيد الربوبية، وعلى ما نفوه من الصفات - وأول من ابتدع مقالة نفي الصفات الفعلية القائمة بالله ومقالة القول بقدم كلام الله وأنه معنى واحد ليس بحرف ولا صوت ابن كلاب، وتبعه على ذلك الأشاعرة.
فإن الناس قبل ابن كلاب كانوا في الصفات على قولين:
- قول أهل السنة الذين يثبتون جميع الصفات، كالعلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام والوجه واليدين والعين والمجيء والنزول والاستواء والغضب والمحبة وغيرها، دون أن يفرقوا بين صفات الذات، وصفات الفعل المتعلقة بمشيئته وقدرته.
- وقول الجهمية والمعتزلة الذين ينفون جميع هذه الصفات دون تفريق.
_________________
(١) عرض شيخ الإسلام في بداية التسعينية لبعض المتعلقة بمحنته في مصر، وموقفه منها، وأهمها مسألة العلو والجهة ومسألة كلام الله، وبدأ في (_ص:٣٠) مناقشة مسألة كلام الله والحرف والصوت، وفي (ص:١٣٨-١٤٣) نقل كلام الرازي في نهاية العقول، ثم رد عليه من ثمانية وسبعين وجها (ص:١٤٣-٢٤١) .
[ ٣ / ١٢٦١ ]
- ولم يكن هناك قول ثالث غيرهما حتى جاء ابن كلاب فأثبت لله الصفات المعنوية والذاتية كالعلم والإرادة والكلام والوجه واليدين، ونفي ما يتعلق بمشيئته وإرادته مما يقوم بذاته، من الصفات الاختيارية. وتبعه على ذلك الأشعري وجمهور الأشاعرة.
وكذلك كانوا في كلام الله على قولين:
- قول المعتزلة والجهمية الذين يقولون إن كلام الله مخلوق خلقه في غيره. ولذلك قالوا بخلق القرآن.
- قول أهل السنة الذين يثبتون صفة الكلام وأن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، وأنه كلم موسى، ويكلم عباده يوم القيامة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهذا شامل لحروفه ومعانيه، وأن نوع الكلام قديم وجنسه حادث بناء على أن الله يتكلم بمشيئته وإرادته.
- ولم يكن هناك قول ثالث حتى جاء ابن كلاب فابتدع القول بأن كلام الله قديم، وأنه معنى واحد، وأنه لا يتعلق بمشيئة الله وإرادته.
يقول شيخ الإسلام في جواب سؤال عن أن القول بأن كلام الله قديم، لا بصوت ولا حرف إلا معنى قائم بذات الله، هو قول الأشعرية - فقال: "هذا صحيح ولكن هذا القول أول من قاله في الإسلام عبد الله بن كلاب، فإن السلف والأئمة، كانوا يثبتون لله تعالى ما يقوم به من الصفات، والأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته. والجهمية تنكر هذا وهذا، فوافق ابن كلاب السلف على القول بقيام الصفات القديمة، وأنكر أن يقوم به شيء يتعلق بمشيئته وقدرته " (١)، ثم ذكر أن الأشعري وافق ابن كلاب على قوله.
وابن كلاب والأشعري إنما ابتدعا هذا القول - في كلام الله وفي الصفات الاختيارية - لتقصيرهما في علم السنة، وتسليمهما للمعتزلة أصولا فاسدة، فصارا يوافقان المعتزلة في بعض أصولهم وإن لم يكونا موافقين لهم بإطلاق (٢) .
_________________
(١) المسألة المصرية في القرآن - مجموع الفتاوى - (١٢/١٧٨) .
(٢) انظر: الاستقامة (١/٢١٢) .
[ ٣ / ١٢٦٢ ]
وقد نقل شيخ الإسلام نصا لأبي نصر السجزي في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد - والتي تسمى باسم: الرد على من أنكر الحرف والصوت - بين فيه نشأة قول ابن كلاب ومن اتبعه في كلام الله فقال: "اعلموا - أرشدنا الله وإياكم - أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والأشعري وأقرانهم - الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة، وهم معهم، بل أخس منهم في الباطن - من أن الكلام لا يكون إلا حرفا وصوتا، ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت به اللغات، وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات مقطعة، وقالت [العرب] (١) - يعني علماء العربية (٢) -: الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل زيد وعمرو، والفعل مثل جاء وذهب، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل هل وبل وقد، وما شاكل ذلك، فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفا وصوتا.
فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه، وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك، زعما منهم أنها أخبرا آحاد وهي لا توجب علما، وألزمتهم المعتزلة أن الإتفاق (٣) حاصل على أن الكلام حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف قالوا: فعلم بهذه الجمة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى خلق له، أحدثه وأضافه إلى نفسه، كما نقول: خلق الله، وعبد الله، وفعل الله.
فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها، وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل. فإلتزموا ما قالته المتزلة، وركبوا مكابرة العيان، وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة: المسلم والكافر،
_________________
(١) ليست في درء التعارض، وهي في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص:٨٩) - ط على الآلة الكاتبة.
(٢) شرح من شيخ الإسلام.
(٣) هكذا في الرد على من أ، كر الحرف والصوت (ص:٩٠)، والذي في درء التعارض (٢/٨٤) [وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل ] .
[ ٣ / ١٢٦٣ ]
وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما سمى ذلك كلاما على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم، فمنهم من اقتصر على هذا القدر، ومنهم من احترز عما عمل دخوله على هذا الحد، فزاد فيه: "تنافي (١) السكوت والخرس والآفات المانعة فيه (٢) من الكلام، ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم، وإثبات اللغة تشبيه، وتعلقوا بشبه منها قول الأخطل:
إن البيان من الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا (٣)
فغيروه وقالوا:
إن الكلام من الفؤاد (٤) " (٥) .
ثم نقل شيخ الإسلام نصوصا أخرى للسجزي وللكرجي، ولأبي حامد الإسفراييني الذي اشتهر عنه مخالفة ابن كلاب والأشاعرة في مسألة كلام الله، التي تطرق إليها في أصول الفقه عند الكلام على صيغ الألفاظ، وأن الأمر هل هو أمر لصيغته أو لقريبنة تقترن به (٦) .
_________________
(١) في الرد على من أنكر الحرف [ما ينافي] .
(٢) [فيه] ليست في الرد على من أنكر الحرف.
(٣) لم أجده في ديوانه - صنعة السكري - وكثيرا ما يورده الأشاعرة في كتبهم. انظر التمهيد للباقلاني (ص:٢٥١) ت مكارني، والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص:٧٥)، وغاية المرام (ص:٩٧)، وذكر المحقق في الحاشية أن بعض طابعي ديوان الأخطل أضافوا هذا البيت إلى ما نسب غليه. وانظر الرد على من أ، كر الحرف والصوت (ص:٩٢-٩٣) - حاشية المحقق. وقال شيخ الإسلام في الإيمان (ص:١٣٢) ط المكتب الإسلامي: "من الناس من أنكر أن يكون هذا من شعره، وقالوا: إنهم فتشوا دواوينه فلم يجدوه. وهذا يروى عن أبي محمد الخشاب. وقال بعضهم: لفظه: إن البيان لفي الفؤاد "، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/٢٩٦-٢٩٧) .
(٤) في الرد على من أ، كر الحرف والصوت (ص:٩٢): أن الكلام من الفؤاد وإنما جعل اللسان على الكلام دليلا
(٥) درء التعارض (٢/٨٣-٨٦)، وقارن بالرد على من أنكر الحرف والصوت (ص:٨٧-٩٢) . ط على الآلة الكاتبة.
(٦) انظر: درء التعارض (٢/٩٥-١٠٨) .
[ ٣ / ١٢٦٤ ]
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقا على هذه النصوص التي نقلها، مبينا الأصل والسبب الذي حدا بابن كلاب والأشعري إلى أن يقولا في كلام الله ما قالا، - قال -: "وإنما اضطر ابن كلاب والأشعري ونحوهما إلى هذا الأصل، أنهم لما اعتقدوا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته، لا فعل ولا تكلم ولا غير ذلك، وقد تبين لهم فساد قول من يقولك القرآن مخلوق، ولا يجعل لله تعالى كلاما قائمًا بنفسه، بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره، وعرفوا أن الكلام لا يكون معفولا منفصلا عن المتكلم، ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه، بل إذا خلق الله شيئًا من الصفات والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل، لا لله، وهذا التقرير مما اتفق عليه القائلون بأن القرآن غير مخلوق من جميع الطوائف، مثل أهل الحديث والسنة، ومثل الكرامية والكلابية وغيرهم، ولازم هذا أن من قال: القرآن العربي مخلوق، أن لا يكون القرآن العربي كلام الله، بل يكون كلاما للمحل الذي خلق فيه
والمقصود هنا: أن عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه وافقوا سلف الأمة وسائر العقلاء على أن كلام المتكلم لا بد أن يقوم به، فما لا يكون إلا بائنا عنه لا يكون كلامه، كما قال الأئمة: كلام الله من الله ليس ببائن منه، وقالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فقالوا: "منه بدأ" ردا على الجهمية الذين يقولون: بدأ من غيره. ومقصودهم أنه هو المتكلم به كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الزمر:١) وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (السجدة: من الآية١٣) وأمثال ذلك.
ثم إنهم - مع موافقتهم للسلف والأئمة والجمهور على هذا - اعتقدوا هذا الأصل، وهو أنه لا يقوم به ما يكون مقدورًا له متعلقا بمشيئته، بناء على هذا الأصل الذي وافقوا فيه المعتزلة، فاحتاجوا حينئذ أن يثبتوا مالا يكون مقدورًا مرادا، قالوا: والحروف المنظومة والأصوات لا تكون إلا مقدورة مرادة، فأثبتوا معنى واحد، مل يمكنهم إثبات معان متعددة، خوفا من إثبات مالا نهاية له، فاحتاجوا أن يقولوا معنى واحدا، فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين، بل جمهور العقلاء عليهم.
[ ٣ / ١٢٦٥ ]
وأنكر الناس عليهم أمورا:
- إثبات معنى واحد، هو الأمر والخبر.
- وجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به، وأن الكلام المنزل ليس هو كلام اله.
- وإن التوراة والإنجيل والقرآن إنما تختلف عباراتها، فإذا عبر عن التوراة بالعربية كان هو القرآن.
- وإن الله لا يقدر أن يتكلم، ولا يتكلم بمشيئته وإختياره.
- وتكليمه لمن كلمه من خلقه - كموسى وآدم - ليس إلا خلق إدراك ذلك المعنى لهم، فالتكليم هو خلق الإدراك فقط.
ثم منهم من يقول: السمع يتعلق بذلك المعنى وبكل موجود، فكل موجود يمكن أن يرى ويسمع، كما يقوله أبو الحسن.
ومنهم من يقول: بل كلام الله لا يسمع بحال، لا منه ولا منه غيره؛ إذ هو معنى، والمعنى يفهم ولا يسمع، كما يقوله أبو بكر ونحوه.
ومنهم من يقول: إنه يسمع ذلك المعنى من القارئ مع صوته المسموع منه، كما يقول ذلك طائفة أخرى.
وجمهور العقلاء يقولون: إن هذه الأقوال معلومة الفساد بالضرورة، وإنما الجأ إليها القائلين بها ما تقدم من الأصول التي استلزمت هذه المحاذير، وإذا انتفى اللازم انتفي الملزوم " (١) .
فهذه الأصول الفاسدة - مع عدم المعرفة التامة بأصول السنة - هي التي أوقعت الكلابية والأشعرية في هذه البدعة الكبرى في كلام الله، كما شرحه قبل قليل السجزي المتوفي سنة ٤٤هـ، ثم بينه وزاده تحقيقا شيخ الإسلام ابن تيمية.
_________________
(١) درء التعارض (٢/١١١-١١٥) .
[ ٣ / ١٢٦٦ ]
ومما سبق يتبين أن هذا القول بقدم القرآن وأنه معنى واحد أول من ابتدعه ابن كلاب (١)، وأن الذين اتبعوه في أقواله في كلام الله - بناء على نفي الصفات الاختيارية القائمة بالله - طائفتان:
الطائفة الأولى: الأشارعة من اتبعهم، وهؤلاء قالوا بقول ابن كلاب تمامًا، ولم يخالفوه إلا في ثلاث مسائل:
أإحداها: مسألة أزلية الأمر والنهي، أي هل كان في الأزل آمرا وناهيا؟ أو صار آمرا ناهيا بعد أ، لم يكن، أي عند وجود المأمور والمنهي.
الأول: وهو القول بأزلية الأمر والنهي هو قول الأشعري، والثاني قول ابن كلاب (٢) .
ب والثانية: أن الكلام مع القول بقدمه وأزليته وأنه معنى واحد: هل هو صفة واحدة، أو خمس صفات، الأول هو قول الأشعري، والثاني قول ابن كلاب (٣) .
ت والثالثة: أن القرآن حكاية عن كلام الله عند ابن كلاب، وعبارة عنه عند الأشعري.
والطائفة الثانية: السالمية ومن اتبعهم، جعلوا الأزلية للحروف والأصوات، ليجمعوا بين: موافقة ابن كلاب على نفي أن تقوم بالله الصفات الاختيارية،
_________________
(١) انظر في ذلك: شرح الأصفهانية (ص:٣٢٤-٣٢٥) ت السعوي، ومجموع الفتاوى (١٢/٣٠١-٣٠٢)، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٥٣٣،٥٥٢-٥٥٣) .
(٢) انظر ما سبق (ص:٤٥٠) في ترجمة ابن كلاب، وانظر الكيلانية - مجموع الفتاوى (١٢/٣٧٦) .
(٣) انظر: الكيلانية - مجموع الفتاوى - (١٢/٣٧٦)، وانظر أيضًا: في مذهب الكلابية والأشعرية في كلام الله: درء التعارض (٢/١٧٢-١٧٣، ٣٠٤-٣٠٧)، شرح الأصفهانية (ص:٢٧) ت مخلوف، التسعينية (ص:٨٥-٨٧)، مجموع الفتاوى (٦/٢٥١، ٧/٦٦٢، ١٢/٢٤٥-٥٢٦)، جواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (١٧/٥٣، ٨٦-٨٧)، الكيلانية - مجموع الفتاوى - (١٢/٣٩٢) .
[ ٣ / ١٢٦٧ ]
وموافقة الجمهور على أن الكلام ألفاظ ومعاني (١) .
وابن كلاب ومن اتبعه من هاتين الطائفتين مخالفون لأقوال جمهور السلف وأئمة الحديث والسنة، بل وجمهور العقلاء.
ومما سبق من بيان نشأة قول الأشاعرة في كلام الله وأسبابه والأصول التي قادتهم إلى أقوالهم يتبين ما يلي:
١- أن قولهم هذا مبتدع في الإسلام، خالفوا فيه إجماع الناس.
٢- أن ادعاء الأشاعرة أن قولهم موافق لقول السلف غير صحيح؛ لأن مذهب السلف كان معروفا قبل ابن كلاب، ولما ابتدع مقالته تلك اشتد نكير جماهير اسلف عليه وعلى أتباعه.
٣- أن أتباع ابن كلاب انقسموا إلى طائفتين: الأشعرية، والسالمية، وكل طائفة تطعن في قول الطائفة الأخرى. وهذا يدل على بطلانهما جميعًا.
٤- بطلان دعوى الإجماع التي ادعوها على صحة قولهم (٢) .
ثانيًا: الرد عليهم في قولهم بالكلام النفسي:
أثبت الأشاعرة - بإجمال - صفة الكلام لله، وقالوا - خلافا للمعتزلة والجهمية وغيرهم من النفاة - إن هذه الصفة ثابتة، قائمة بالله تعالى، ولكنهم فسروها بأنها معنى يقوم بذات الله، لازم له أزلا وأبدا، وسموا هذا المعنى بالكلام النفسي، وقالوا إن هذا المعنى القائم بالذات لا ينقسم إلى سر وعلانية، ولا يكون منه شيء في نفس الرب وشيء منه عند الملائكة، بل اسماع الملائكة أو غيرهم لكلامه إنما هو خلق إدراك لهم فقط (٣) .
_________________
(١) انظر في قول هذه الطائفة ومناقشتها: منهاج السنة (٢/١٠١-١٠٢) ط مكتبة الرياض الحديثة، والكيلانية - مجموع الفتاوى (١٢/٣٧٠-٣٧١)، التسعينية (ص:٩٦-١٠١)، منهاج السنة (٣/١٠٥) ط بولاق، شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (٥/٥٥٦-٥٥٧)، ومجموع الفتاوى (٩/٢٨٤) .
(٢) أطال شيخ الإسلام في مناقشة هذه الدعوى، فناقشها في التسعينية، الأوجه: (٨-١١، ٢٦-٢٩)، انظر الصفحات (١٤٧-١٥١، ١٦٩-١٧٢) . وهي مناقشات مهمة جدا ناقش فيها أيضًا منهج الأشاعرة وأهل الكلام في دعواهم الإجماع على أقوالهم.
(٣) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (٢/٥٢) .
[ ٣ / ١٢٦٨ ]
فحصروا الكلام بما يقوم بالنفس، وأنه لازم للذات لا ينفك عنها، وأن الألفاظ والحروف ليست كلاما. وقد احتجوا لأقوالهم بعدة حجج منها:
١- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِم﴾ (المجادلة: من الآية٨) .
٢- وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ (لأعراف: من الآية٢٠٥) .
٣- قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (الملك:١٣) . فسمى الإسرار قولا.
٤- وقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (آل عمران: من الآية٤١) .
وقو عمر - ﵁ -: "زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها" (١) .
٦- وقول الأخطل السابق:
إن الكلام لفي الفؤاد ..
هذه أهم حججهم على الكلام النفسي، وقد ناقش شيخ الإسلام هذه الحجج، وبين أنه لا دليل لهم فيها:
١- أما قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ (المجادلة: من الآية٨) فعنه جوابان:
أحدهما: أن المراد أنهم قالوه بألسنتهم سرا، وحينئذ فلا حجة لهم فيه. وهذا هو الذي ذكره المفسرون، حيث كانوا يقولون: سام عليك، فإذا خرجوا يقولون في أنفسهم، أي يقول بعضهم لبعض: لو كان نبيا عذبنا بقولنا له ما نقول (٢) .
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الحبلي من الزنا إذا أحصنت، حيث ساق حديث السقيفة بطوله، ورقمه (٦٨٣٠) (الفتح ١٢/١٤٤-١٤٥)، ورواه أ؛ مد (١/٥٥-٥٦)، ورقمه عند أحمد شاكر (٣٩١) .
(٢) انظر: الإيمان (ص:١٢٩) ط المكتب الإسلامي، ومجموع الفتاوى (١٥/٣٥) .
[ ٣ / ١٢٦٩ ]
والثاني: إنه قيده بالنفس، وهذا على أن المقصود أنهم قالوه بقلوبهم، وإذا قيد القول بالنفس كان دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق، والدليل قول النبي - ﷺ -: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل" (١)، وهذا رد عليهم مطلقًا لأنه قال "ما لم تتكلم" فدل على أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق.
٢- وأما قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَة﴾ (لأعراف: من الآية٢٠٥) فالمقصود الذكر باللسان لأنه قال (تضرعا وخيفة ودون الجهر منالقول)، ومن استقراء النصوص يتبين أن الذي يقيد بالنفس لفظ "الحديث"، مثل الحديث السابق: "وما حدثت به أنفسها"، أما لفظ "الكلام" فلم يعرف أنه أريد به ما في النفس فقط (٢) .
٣- أما قوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ﴾ (الملك: من الآية١٣) واحتجاجهم على أن القول المسر في القلب دون اللسان لقوله تعالى في آ×ر الآية ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، ف-"هذه حجة ضعيفة جدًا، لأن قوله ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ﴾ يبين أن القول يسر به تارة، ويجهر به أخرى، وهذا إنما هو فيما يكون في القول الذي هو بحروف مسموعة، وقوله بعد ذلك: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإنه إذا كان عليما بذات الصدور فعلمه بالقول المسر والمجهور به أولى" (٣) .
٤- أما قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (آل عمران: من الآية٤١) فقد ذكر في مريم ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (مريم: من الآية١٠) والمعنى: آيتك ألا تكلم الناس، لكن ترمز لهم رمزًا" (٤) .
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا خنث ناسيا في الأيمان ورقمه (٦٦٦٤) (الفتح ١١/٥٤٨-٥٤٩)، ومسلم، كتاب الأيمان باب تجاوز الله عن حديث النفس ورقمه (١٢٧) .
(٢) انظر: ألإيمان (ص:١٣٠) .
(٣) مجموع الفتاوى (١٥/٣٦)، وانظر: الإيمان (ص:١٣٠) .
(٤) الإيمان (ص:١٣١) .
[ ٣ / ١٢٧٠ ]
٥- أما قول عمر في قصة السقيفة "زورت في نفسي مقالة" فهي حجة عليهم، لأن التزوير: إصلاح الكلام وتهيئته، "فلفظها يدل على أنه قدر في نفسه ما يريد أ، يقوله ولم يقله، فعلم أنه لا يكون قولا إلا إذا قيل باللسان، وقبل ذلك لم يكن قولا، لكن كان مقدرا في النفس، يراد أن يقال، كما يقدر الإنسان في نفسه أنه يحج وأنه يصلي، وأنه يسافر، إلى غير ذلك، فيكون لما يريده من القول والعمل صورة ذهنية مقدرة في النفس، ولكن لا يسمى قولا وعملا إلا إذا وجدت في الخارج (١) " وهذا يدل عليه الحديث السابق: إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل.
٦- أما البيت المنسوب للأخطل، ففيه ما فيه من ناحية صحة نسبته إليه، حتى ألفاظ البيت حرفت لتوافق مقصود من استشهد هب من أهل الكلام، وقد تعجب شيخ الإسلام من هؤلاء الذين يحتجون بهذا البيت الذي قاله نصراني، ولم يثبت عنه - فقال: "ولو احتج محتج في مسألة بحديث أخرجاه في الصحيحين عن النبي - ﷺ - لقالوا: هذا خبر واحد، ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول، وهذا البيت لم يثبت نقله عن قائله بإسناد صحيح لا واحد وأكثر من واحد، ولا تلقاه أهل العربية بالقبول (٢)، فكيف يثبت به أدنى شيء من اللغة، فضلا عن مسمى الكلام" (٣)، وقد أطال شيخ الإسلام في المناقشة ما يشفي ويكفي (٤) .
هذه أدلة الأشاعرة النقلية واللغوية على قولهم بالكلام النفسي، مع بيان بطلان استدلالهم فيها، وبيان أنها في الرد عليهم أقرب من أن تكون دليل لهم.
وشيخ الإسلام لم يقتصر مثل هذه الردود، وإنما ناقش حقيقة مذهبهم في الكلام النفسي، وأن قولهم فيه باطل، وقد جاءت هذه المناقشة المهمة في التسعينية
_________________
(١) الإيمان (ص:١٣١-١٣٢) ط المكتب الإسلامي.
(٢) بحثت عن هذا البيت في لسان العرب - من خلال فهارسه المطولة التي بلغت سبعة مجلدات- فلم أجده، وكذا في كتب اللغة الأخرى.
(٣) الإيمان (ص:١٣٢) .
(٤) انظر: المصدر السابق (ص:١٣٢-١٣٤) .
[ ٣ / ١٢٧١ ]
من خلال عدد من الأوجه (١)، ويمكن تلخيص مناقشاته هذه بما يلي:
اعترض على دعوى الأشاعرة بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس فقيل لهم: أنتم قتلم إن الكلام هو الخبر والأمر والنهي، وأن ذلك كله معنى يقوم بالنفس، فيقال لكم إذا كان الكلام عندكم لا صيغة له فما الفرق بين الخبر والعلم، وبين الأمر والنهي والإرادة؟ لأن الخبر - بدون صيغة وألفاظ - ليس غير العلم الذي يقوم بالنفس، وكذا الأمر والنهي - بغير صيغة ولفظ الأمر والنهي - ليس غير الإرادة التي تقوم بالنفس. وإذا صح هذا كان إثباتكم للكلام النفسي على أنه الخبر والأمر والنهي إنما يرجع إلى صفتي: العلم والإرادة، والنتيجة أن قولكم يؤدي إلى إنكار صفة الكلام، لأن ما أثبتموه من الكلام النفسي لم يكن غير العلم والإرادة.
أجاب الأشاعرة عن ذلك - كما يعبر عنهم الرازي - بما يلي:
أبالنسبة للخبر أن قالوا بأن الإنسان قد يحكم بما لا يعتقده ولا يظنه، أي أنه قد يخبر بخبر هو فيه كاذب، مع علمه بخلاف الخبر، فيكون أ×بر بخلاف علمه. وهذا يدل على مغايرة الخبر للعم.
ب وبالنسبة للأمر والنهي قالوا: إن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد، فالله أمر الكافر بالإيمان ولم يرده منه كونا، ونهاه عن الكفر، وأراده منه كونا، قاولا فهذا يدل على أن الأمر والنهي قد يكون مغايرا للإرادة (٢) .
وقد نوقش الأشاعرة في جوابهم بما يلي:
أأجاب بعضهم بأن الخبر يؤول إلى العلم، بناء على أن بعض الناس قال في الكلام إن الأمر والنهي يؤول إلى الخبر، وإذا كان كذلك فلم لا يؤول الخبر أيضًا إلى العلم. ولكن شيخ الإسلام ضعف هذا الجواب بناء على أن الإنسان يجد في نفسه فرقا بين الطلب والخبر (٣) .
_________________
(١) انظر: التسعينية الوجه الثاني عشر إلى الوجه الخامس والعشرين (ص:١٥١-١٦٩) .
(٢) انظر: التسعينية (ص:١٤٠-١٥٤) .
(٣) انظر: المصدر السابق (ص:١٥٢-١٥٤) الوجه الخامس عشر.
[ ٣ / ١٢٧٢ ]
ثم إنه أجاب عن ذلك بأن الرازي والأشاعرة إذا كانوا قد أجابوا عن مسألة الأمر والنهي بأن الله قد يأمر بما لا يريد - ومعهم في هذا حق بالنسبة للإرادة الكونية - إلا أنهم لم يمكنهم أن يقولوا: إن الله أخبر بما لا يعلمه، أو بما يعلم ضده، بل علمه من لوازم خبره ولهذا أخبر الله تعالى عن رسوله بأن القرآن لما جاءه، جاء العلم فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: من الآية٦١) وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (البقرة: من الآية١٢٠)، وهذا مما احتج به الأئمة على تكفير من قال بخلق القرآن، لأن الله أخبر أن هذا الذي جاءه من العلم، وقول المتعزلة يستلزم أن يكون علم الله مخلوقا (١) .
أما دعوى أن الإنسان قد يحكم أو يخبر بخلاف علمه - وهي حجة الرازي التي سبقت - فإن شيخ الإسلام رد عليها من وجوه:
أحدها: أن الأشاعرة أنفسهم قد أقروا بفسادها؛ وذلك "أنهم يحتجون على وجوب الصدق لله بأن الكلام النفساني يمتنع فيه الكذب لوجوب العلم لله، وامتناع الجهل، وهذا الدليل قد ذكره جميع أئمتهم حتى الرازي ذكره - لكن قال: إنما يدل على صدق الكلام النفساني لا على صدق الحروف الدالة عليه - وإذا جاز أن يتصف الحي بحكم نفساني لا يعلمه ولا يعتقده ولا يظنه، بل يعلم خلافه، امتنع حينئذ أن يقال: الحكم النفساني مستلزم للعلم، أو أنه يمتنع أن يكون بخلاف العلم فيكون كذبا. وهذا الذي قالوه تناقض في عين الشيء، ليس تاقضا من جهة اللزوم " (٢)، ووجه التناقض واضح فإنهم لما أرادوا أن يقولوا أن الخبر قد يغاير العلم استدلوا بأن الإنسان قد يحكم ويخبر بخلاف علمه مما هو كذب، فيكون خبره مخالفا لعلمه، ثم قالوا في الاستدلال على أن الله صادق أن الكلام النفساني يمتنع فيه الكذب لوجوب اعلم لله وامتناع الجهل، وعليه فيمتنع أن يكون في خبر الله ما يخالف علمه، وهذا يناقض القول السابق
_________________
(١) انظر: التسعينية (ص:١٥٤) .
(٢) التسعينية (ص:١٥٥)، وانظر: الفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى (١٣/١٢٩) .
[ ٣ / ١٢٧٣ ]
بأن الإنسان قد يخبر بخلاف علمه، وإذا علم أن أصل المسألة إنما يتعلق بخبر الله وعلمه لا خبر الإنسان وعلمه بأن تناقضهم، ولم يدهم شيئًا كون ذلك قد يقع للإنسان، لأنهم إنما احتجوا بذلك ليتوصلوا به إلى صحة مغايرة الخبر للعلم بالنسبة لله، وهم يقولون إن خبر الله لا يخالف علمه.
الثاني - تناقضهم أيضًا في مسألة الإيمان، فإنهم يقولون - كما يقول الجويني - "إن حقيقة الإيمان التصديق بالله تعالى، فالمؤمن بالله من صدقه، ثم التصديق على التحقيق كلام النفس، ولا يثبت كلام النفس إلا مع العلم، فإنا أوضحنا أن كلام النفس يثبت على حسب الاعتقاد" (١)، قال شيخ الإسلام مبينا تناقضهم: "وهذا تصريح بأنه لا يكون [أي الإيمان والتصديق] مع عدم العلم، ولا يكون على خلاف المعتقد، وهذا يناقض ما أثبتوا به كلام النفس وادعوا أنه مغاير للعم" (٢)، ويلاحظ هنا أن الجويني صرح بأن التصديق - على التحقيق - كلام النفس، ثم صرح بأنه لا يكون النفس إلا مع العلم. وهذا مناقض تماما لما ذكروه في الكلام النفسي.
ولبعض الأشاعرة تناقض آخر في مسألة الإيمان، حيث صرح أبو إسحاق بأن الإيمان هو التصديق، وأن ذلك لا يتحقق إلا بالمعرفة والإقرار، وإذا كان من المعلوم أن الإقرار إنما يكون باللسان، كن هذا مناقضا لما ادعوه من أن الكلام مجرد ما يقوم بالنفس (٣) .
الثالث: أن دعواهم - في مغايرة الخبر للعلم - بأن الإنسان قد يخبر بخلاف علمه مما هو كذب "يهدم عليهم إثبات العلم بصدق الكلام النفساني القائم بذات الله، وإذا فسد ذلك لم ينفعهم إثبات كلام له يجوز أن يكون صدقا أو كذبا، بل لم ينفعهم إثبات كلام لم يعلموا وجوده إلا وهو كذب؛ فإنهم لم يثبتوا الخبر النفساني إلا بتقدير الخبر الكذب، فهم لم يعلموا وجود خبر نفساني
_________________
(١) الإرشاد للجويني (ص:٣٩٧)، وهو في التسعينية (ص:١٥٧) .
(٢) التسعينية (ص:١٥٧)، وانظر بقية المناقشة إلى ص:١٦٢.
(٣) انظر: التسعينية (ص:١٦٠-١٦١) .
[ ٣ / ١٢٧٤ ]
إلا ما كان كذبا، فإن أثبتوا لله ذلك كان كفرا باطلا خلاف مقصودهم، وخلاف إجماع الخلائق، إذ أحد لا يثبت لله كلاما لازما لذاته هو كذب، وإن لم يثبتوا ذلك لم يكن لهم طريق إلى إثبات الخبر النفساني بحال، لأنا حينئذ لم نلم وجود معنى نفسانيا صدقا غير العلم ونحوه لا شاهدا ولا غائبا" (١) .
الرابع: أنه الله تعالى قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: من الآية٣٣) "فنفي عنهم التكذيب وأثبت الجحود، ومعلوم أالتكذيب باللسان لم يكن منتفيا عنهم، فعلم أنه نفي عنهم تكذيب القلب، ولو كان المكذب الجاحد علمه يقوم خبر نفساني لكانوا مكذبين بقلوبهم، فلما نفي عنهم تكذيب القلوب علم أن الجحود الذي هو ضرب من الكذب، والتكذيب بالحق المعلوم - ليس هو كذبا في النفس ولا تكذيبا فيها، وذلك يوجب أن العالم بالشيء لا يكذب به ولا يخبر في نفسه بخلاف علمه" (٢)، وقد اعترض على هذا باعتراض أجاب عنه شيخ الإسلام (٣) .
ولشيخ الإسلام مناقشات وأوجه أخرى في الرد (٤) . وبهذه الأوجه يتبين أن ما ادعاه الأشاعرة من أن الخبر يغاير العلم غير صحيح بالنسبة لله، وإذا ثبت هذا تبين أن إثباتهم للكلام النفسي ليس شيئًا غير صفة العلم، فأين صفة الكلام التي أثبتوها مغايرة لصفة العلم؟.
ب أما بالنسبة لقولهم في مغايرة الأمر والنهي للإرادة بأن الله قد يأمر بما لا يريد، فقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك بأجوبة منها:
الأول: أنه احتج بإرادة الكائنات، وهذا في الإرادة الشاملة لكل موجود المنتفية عن كل معدوم وهي الإرادة الكونية القدرية، وهذه ليست الإرادة التي هي مدلول الأمر والنهي، لأن هذه مستلزمة للمحبة الرضا. وقد جاءت
_________________
(١) التسعينية (ص:١٦٢)، وانظر (صك١٦٣) .
(٢) المصدر السابق (ص:١٦٥) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (ص:١٦٥-١٦٦) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (ص:١٦٦-١٦٩) .
[ ٣ / ١٢٧٥ ]
النصوص بالتفريق بن الإرادتين، فالكونية مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ (الأنعام: من الآية١٢٥) والثانية مثل قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: من الآية٦)، وغيره كثير (١) .
الثاني: أن احتجاج الرازي بإرادة الكائنات - وهي الإرادة الكونية - وأن الله قد يأمر بما لا يريد - معارض بأن النهي مستلزم لكراهة المنهي عنه، كما أن الأمر مستلزم لمحبة المأمور به، والمكروه لا يكون مرادا - شرعا -. والمنهي عنه إذا وقع - يعتوره أمران:
- أنه مراد إرادة كونية شاملة.
- وأنه غير مراد الإرادة الدينية، بل هو مكروه.
فالإرادة المنفية عن المكروه الواقع غير الإرادة اللازمة له، وكل منهي عنه وإن كان مرادا فهو مكروه والكراهة مستلزمة له، فإجابة الرازي بأن إرادة الكائنات فهيا ما هو منهي مردودة بأن ما كان منها منهيا عنه فهو مكروه، فزلمت الكراهية النهي وإن كان مرادا كونا وهذا يضعف احتجاجه بأن الله قد ينهي عما يريد. وقد أجاب الرازي بقوله: لا نسلم أنها مكروهة، بل هي منهي عنها. ولكن هذا الجواب مخالف لإجماع المسلمين بل لما علم بالضرورة من الدين، والله تعالى يقول: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (الاسراء:٣٨) (٢) .
الثالث: أن الرازي لما طولب بالفرق بين الطلب والإرادة ذكر وجهين ضعيفين، ذكرهما شيخ الإسلام وناقشهما (٣) .
_________________
(١) انظر: التسعينية (ص:١٥١) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:١٥٢) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (ص:١٥١-١٥٢) .
[ ٣ / ١٢٧٦ ]
ومع ذلك فإن شيخ الإسلام قد ذكر أن تفريق الأشاعرة بني الخبر والعلم ليس عندهم فيه أي دليل صحيح، بخلاف تفريقهم بين الأمر والنهي وبين الإرادة، بأن الله قد يأمر بما لا يريد، مع ما في هذا الدليل مما سبق بيانه (١) .
وبما سبق من مناقشة أدلة الأشاعرة على الكلام النفسي، وما تلاه من اعترض عليهم بأنه لا فرق بين الخبر والعل، ولا بين الأمر والنهي والإرادة، ما داموا حصر الكلام بأنه ما قام بالنفس فقط، فصفتا العلم والإرادة تقومان مقامه.
ثالثًا: الرد عليهم في قولهم بقدم الكلام وأن الله لا يتكلم بمشيئته:
وهذا مبني - كما سبق - على نفيهم لقيام الصفات الاختيارية بالله، فقالوا بقدم الكلام ومنعوا أن يكون الله يتكلم إذا شاء متى شاء، ومذهب أهل السنة والجماعة إن الله لم يزل مت كلما إذا شاء، وأن كلام اله لآدم أو لموسى أو للملائكة، كل في وقت تكليمه ومناداته، أي أنه تعالى لم يناد موسى قبل خلقه ومجيئه عند الشجرة، وإن كانت صفة الكلام أزلية، وقد بنى أهل السنة مذهبهم على مقدمتين:
- على أن الأمور الاختيارية تقوم بالله.
- وعلى أن كلام الله لا نهاية له كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (الكهف:١٠٩) وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه﴾ (لقمان: من الآية٢٧) (٢) .
وقد ذكر السلف - توضيحا لمذهبهم، وتميزًا له عن مذهب الكلابية والأشعرية ومن اتبعهم - أن الله يوصف بالسكوت، وأنه إذ اشاء تكلم وإذا شاء سكت، وكان من أشهر ما وقع في ذلك قصة ابن خزيمة مع الكلابية
_________________
(١) انظر: التسعينية (ص:١٥٤-١٥٥) .
(٢) انظر: منهج السنة (٢/٩٨) ط مكتبة الرياض الحديثة.
[ ٣ / ١٢٧٧ ]
- وكان ممن اعتنق مذهبه بعض تلامذته - فجرت ذكرها الحاكم في تاريخ نيسابور، ونقلها وعلق عليها شيخ الإسلام (١)، وأشار أبو إسماعيل الأنصاري إلى هذه القصة في مناقب أحمد بن حنبل، ومما قاله فيها: "وجاءت طائفة فقالت: لا يتكلم بعد ما تكلم، فيكون كلامه حادثا" (٢)، ثم قال بعد ذكره لموقف أبي بكر بن خزيمة من هؤلاء: "فطار لتلك الفتنة ذلك الإمام أبو بكر، فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردها كأنه منذر جيش، حتى دون في الدفاتر، وتمكن في السرائر ولقن في الكتاتيب، ونقض في المحاريب: إن الله متكلم، إن شاء الله تكلم وإن شاء سكت، فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوفير نبيه خيرا" (٣) .
ويلاحظ التنصيص على ألفاظ واضحة البيان في مخالفة مذهب الكلابية والأشعرية، ومن ذلك قول ابن خزيمة - كما قصته مع الكلابية -: "الذي أقول به إن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال: إن القرآن شيئًا منه، ومن (٤) وحيه وتنزيله مخلوق، أو يقول: إن الله لا يتكلم بعدما كان يتكلم به في الأزل فهو عندي جهمي يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (٥) .
وذكر عن ابن خزيمة أيضًا أنه قال: "زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنتنا هذه أن الله لا يكرر الكلام فهم لا يفهمون كتاب الله " (٦) .
ولهذا لما كان مذهب الأشاعرة نفي ما يقوم بالله من الصفات الاختيارية بناء على ني حلول الحوادث، ومن ثم منعوا أن يقال: إن الله يتكلم إذا شاء متى شاء كلاما قائما به، وإنه يتكلم شيئًا بعد شيء - أجابهم شيخ الإسلام بقوله:
_________________
(١) في درء التعارض (٢/٩-١٠، ٧٨-٨٣)، ومجموع الفتاوى (٦/١٦٩-١٧٧) .
(٢) درء التعارض (٢/٧٦-٧٧) .
(٣) عن درء التعارض (٢/٧٧-٧٨)، وشرح الأصفهانية (ص:٢٠٢-٢٠٣) ت السعوي.
(٤) كذا في درء التعارض وفي مجموع الفتاوى [وعن] .
(٥) درء التعارض (٢/٧٩)، ومجموع الفتاوى (٦/١٧٠) .
(٦) نفس المصدر السابقين: درءا لتعارض (٢/٧٩)، ومجموع الفتاوى (٦/١٧١) .
[ ٣ / ١٢٧٨ ]
"قلنا من أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل، وهو قول لازم لجميع الطائف (١) " (٢) .
والنصوص الدالة على إثبات صفة الكلام لله - على وفق مذهب السلف - كثيرة جدا، بل إن فيها أن الله يد يوصف بالسكوت، ومن هذه الأدلة:
١- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل:٨) وقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ (القصص:٣٠) وقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ (النازعات: من الآية ١٥-١٦) وقال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ (طه:١١)، قال شيخ الإسلام معلقا على هذه النصوص: "وفي هذا دليل على أنه حينئذ نودي، ولم يناد قبل ذلك، ولما فيها من معنى الظرف" (٣) .
٢- ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص:٦٥)، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (القصص:٧٤) فإنه وقت النداء بظرف محدود، فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره من الظروف، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه" (٤) .
٣- "ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: من الآية٣٠) وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (البقرة: من الآية٣٤) وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض أقوال الرب بوقت معين، فإن الكلابية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته" (٥) . وهذه النصوص
_________________
(١) كما صرح بذلك الرازي نفسه، حيث ذكر أن القول بحلل الحوادث لازم لجميع الطوائف ومنهم الأشاعرة، انظر تصريحه بذلك واعترافه به في المطالب العالية (٢/١٠٦-١١١) ت السقا ط ١٤٠٧هـ.
(٢) منهاج السنة (٢/٢٩٨) ط دار العروبة المحققة.
(٣) مجموع الفتاوى (١٢/١٣١) .
(٤) المصدر السابق - نفس الجزء والصفحة.
(٥) المصدر السابق - نفس الجزء والصفحة.
[ ٣ / ١٢٧٩ ]
واضحة الدلالة في الرد عليهم، لأنه إذا كانت دالة على أن الله تكلم بالكلام المذكور، في ذلك الوقت، فكيف يقال إنه كان أزليا أبديا، وهل يمكن أن يقال أن لم يزل ولا يزال قائلًا ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾، ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾ (هود: من الآية٤٨)؟ (١) .
٤- أما الأحاديث في ذلك فكثيرة، منها: قول النبي - ﷺ - لما صلى بهم صلاة الصبح بالحديبية "أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟، قالوا الله ورسوله أعلم، قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر (٢) .."، وحديث "إذا قضى الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كالسلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للي قال الحق وهو العلي الكبير " (٣)، وفي لفظ آخر أكثر صراحة: "إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء كجر السلسلة على الصفا.." (٤)،
فكيف يفسرون مثل
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/١٠٤-١٠٥) ط بولاق.
(٢) متفق عليه: البارين كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم ورقمه (٨٤٦) الفتح (٢/٣٣٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنؤ، ورقمه (٧١) .
(٣) رواه البخاري، كتاب التفسير، سورة الحج، باب (إلا من استرق السمع)، ورقمه (٤٧٠١) الفتح (٨/٣٨٠) وسورة سبأ، باب (حتى إذا فزع عن قلوبهم) ورقمه (٤٨٠٠) الفتح (٨/٨/٥٣٧) .
(٤) روى عن عبد الله بن مسعود - مرفوعا وموقوفا - والموقوف في حكم المرفوع، رواه أبو داود - كتاب السنة، باب في القرآن، ورقمه (٤٧٣٨) - ت الدعاس، والبخاري تعليق، موقوفا - كتاب التوحيد، باب (ولا تنفع الشفاعة عنده غلا لمن أذن له) الفتح (١٣/٤٥٢-٤٥٣) [ووصله ابن حجر في التعليق (٥/٣٥٢-٣٥٣)]، وف يخلق أفعال العباد رقم (٤٦٥) ت البدر، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢٠٧-٢٠٩) - مرفوعا وموقوفا - ت الشهوان وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة رقم (٥٣٦-٥٤٠)، والبيهقي في لاأسماء والصفات (ص:٢٠٠-٢٠٣)، والطبري في تفسيره - موقوفا - سورة سبأ، آية ٢٣، (٢٢/٩٠) ط الحلبي، وابن حبان في صحيحه - الإحسان - رقم (٣٧)، ت الأرناؤوط - أسد، والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق - موقوفا - رقم (٥-٦)، والخطيب في تاريخ بغداد - مرفوعا وموقوفا - (١١/٣٩٢-٣٩٣) ..والحديث صحيح، وقد صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٢٩٣) وقال: "والموقوف وإن كان أصح من المرفوع، ولذلك علقه البخاري في صحيحه فإنه لا يعل المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي كما هو ظاهر، لا سيما وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا نحوه أخرجه البخاري والترمذي " سلسلة الصحيحة (٣/٢٨٣) .
[ ٣ / ١٢٨٠ ]
هذه النصوص من الكتاب والسنة بأن المقصود من كلام الله لهم خلق إدراك لم يسمعون به الكلام القديم (١)؟، ولا شك إن ذلك تأويل وتحريف للنصوص مثل تأويل بقية الصفات التي أولها النفاة ومن يوافقهم من هؤلاء.
٥- أما الأحاديث التي فيها ذكر السكوت، فمنها حديث: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو " (٢) وحديث: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" (٣) .
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/١٨٠) .
(٢) رواه أبي الدرداء الحاكم (٢/٣٧٥) وقا لصحيح الإسناد ووافقه الذهبي، والبزار، كشف الأستار - رقم (١٢٣، ٢٢٣١، ٢٨٥٥)، وقال إسناده صالح، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/٥٥) "رواه البزار ورجال ثقات"، وقال أيضا (١/١٧١): رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن، ورجال موثقون. وحسنه الألباني في غاية المرام رقم (٢٢)، أما من حديث سلمان، فرواه الترمذي، كتاب اللباس، باب ما جاء في ليس الفراء، ورقمه (١٧٢٦) - ت عطوة - وابن ماجه في الأطعمة - رقم (٣٣٦٧)، والبيهقي (١٠/١٢)، والحاكم (٤/١١٥)، والعقيلي في الضعفاء الكبير - في ترجمة سيف ابن هارون البرجمي - (٢/١٧٤)، رقم الترجمة (٦٩٣)، والكامل لابن عدى - في نفس الترجمة - (٣/١٢٦٧) . وقد رجح الألباني - تبعا للبخاري كما نقل عنه الترمذي - وقفه على سلمان، وضعفه، وهو في المعنى كالذي قبله فذال يغني عنه - انظر: غاية المرام (ص:١٧) .
(٣) رواه الدارقطني - آخر باب الرضاع، (٤/١٨٣-١٨٤) مع التعليق المغني، والبيهقي (١٠/١٢-١٣)، والحاكم (٤/١١٥) - بلفظ وترك أشياء - وغيرهم من حديث أبي ثعلبه الخشني..وله شاهدان من حديث أبي الدرداء: أحدهما روه الطبراني في الصغير رقم (١١١) ت محمد شكور وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٧١) "رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه أصرم بن حوشب وهو متروك، ونسب إلى الوضع". والثاني رواه الدارقطني كتاب الصيد والذبائح - آخر حديث فيه - (٤/٢٩٧-٢٩٨) مع التعليق المغنى وفي إسناده نهشل وهو كذاب. وحديث أبي ثعلبة حسنه النووي في أربعينه رقم (٣٠)، وفي رياض الصالحين - كتاب المنثورات والملح - رقم (١٨٤١) - ت الألباني، كما حسنه أبو بكر السمعاني في أماليه كما في جامع العلوم والحكم (ص:٢٦١) - ط الحلبي - الرابعة، وحسنه أ] ضًا أبو الفتوح الطائي في الأربعين - كما في غاية المرام للألباني (ص:١٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٧١) - بعد أن ذكر رواية الطبراني في الكبير بلفظ "وغفل عن أشياء ": "رواه الطبراني في الكبير وهو هكذا في هذه الرواية، وكان بعض الرواة ظن أن هذه معنى: وسكت، فرواها كذلك، والله أعلم، ورجاله رجال الصحيح) . وقد تعقب النووي ابن رجب في جامع العلوم والحكم، وذكر له علتين، ما تعقب النووي وغيره الشيخ ناصر الدين الألباني في مقدمة تحقيق رياض الصالحين (ص:١١)، وفي غاية المرام رقم (٤) حيث قال - بعد ذكر من رواه -: "قلت وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم، لكن له علتان كما قال الحافظ ابن رجب " ثم ذكر الألباني أن العلة الثانية ليست قادحة، أما الأولى وهي الانقطاع - حيث لم يسمع مكحول من أبي ثعلبة - فهي قادحة ولذلك حكم بضعفه، ثم ذكر - الشاهدين - للطبراني في الصغير، والدارقطني في كتاب الصيد - وقال إنهما واهيان جدا فلا يصلحان للشهادة. ولا شك أن الأحاديث الضعيفة - التي فيها كذاب أو من هو متهم بالوضع - لا تصلح لتقوية الأحاديث الضعيفة، ولكن يلاحظ أن من حسنه من المتأخرين كالأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول (٥/٥٩)، ذكر أن من شواهده أيضا حديث أبي الدرداء السابق "ما أحل الله فهو حلال " الذي حسنه الألباني وغيره. ولكن الشأن في صلاحية متنه أن يكون شاهدا. والله أعلم.
[ ٣ / ١٢٨١ ]
قال شيخ الإسلام معلقا على هذه الأحاديث: "فثبت بالسنة والإجماع أن الله يوصف بالسكوت. لكن السكوت يكون تارة عن التكلم، وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه، كما قال في الصحيحين عن أبي هريرة: "يا رسول الله: أرأيتك سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب " (١) إلى آخر الحديث، فقد أخبره أنه ساكت، وسأله ماذا تقول؟ فأخبره أنه يقول في حال سكوته، أي سكوته عن الجهر والإعلان.
لكن هذان المعنيان المعروفان في السكوت، لا تصح على قول من يقول: إنه متكلم كما إنه عالم، لا يتكلم عند خطاب عباده بشيء، وإنما يخلق لهم إدراكا ليسمعوا كلامه القديم، سواء قيل: هو معنى مجرد، أو معنى وحروف، كما هو قول ابن كلاب والأشعري، ومن قال بذلك من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية من الحنبلية وغيرهم، فهؤلاء إما أن يمنعوا السكوت - وهو المشهور من قولهم - أو يطلقوا لفظه ويفسروه بعدم خلق إدراك للخلق يسمعون به الكلام القديم، والنصوص تبهرهم، مثل قوله: إذا تكلم الله بالوحي " (٢) والله تعالى فرق بين إيحائه وتكليمه كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير، ورقمه (٧٤٤) الفتح (٢/٢٢٧) ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، ورقمه (٥٩٨) .
(٢) مجموع الفتاوى (٦/١٧٩-١٨٠)، وانظر: الفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى - (١٣/١٣١) .
[ ٣ / ١٢٨٢ ]
اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (الشورى: من الآية٥١)، وغيرها، وكذا تكليم عباده يوم القيامة، وغير ذلك من النصوص، وكلها تدل على تجدد تكليم من جهته تعالى (١) .
وقد حاول بعض الحنابلة - كالقاضي أبي يعلي وابن الزاغوني - أن يفسروا قول الإمام أحمد: "لم يزل الله متكلما إذا شاء" بما يوافق مذهبهم الكلابي، وقد ناقش شيخ الإسلام هذه المسألة وبين خطأ هؤلاء في تفسيرهم لكلام الإمام أحمد، مبينا أن تفسير هؤلاء - وغيرهم - للسكوت بأنه عدم خلق إدراك لغيره - غير معقول (٢) .
وجمهور الأشاعرة يمنعون من أن يوصف الله بالسكوت ويجعلون ذلك من حججهم على قولهم بأن كلام الله قديم، فإن لهم في ذلك حجتين:
الحجة الأولى: أنه لو لم يكن الكلام قديما للزم أ، يتصف في الأزل بضد من أضداده، إما السكوت وإما الخرس، ولو كان أحدهما قديما لامتنع زواله وامتنع أن يكون متكلما فيما لا يزال، ولما ثبت أنه متكلم فيما لم يزل ثبت أنه لم يزل متكلما، وأيضًا فالخرس آفة ينزه الله عنها.
والحجة الثانية: أنه لو كان مخلوقا لكان قد خلق إما في نفسه، أو في غيره، أو قائما بنفسه، والأول ممتنع، لأنه يلزم أن يكون محلا للحوادث، والثاني باطل، لأنه يلزم أ، يكون كلاما للمحل الذي خلق فيه، والثالث باطل لأن الكلام صفة والصفة لا تقوم بنفسها، فلما بطلت الأقسام الثلاثة تعين أنه قديم" (٣) .
والحجة الثانية هي الحجة المشهورة التي بنوا عليها مذهبهم في كلام الله وفي الصفات الاختيارية وهي مسألة حلول الحوادث التي منعوها (٤) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٤/١٢٨-١٢٩) .
(٢) انظر: تفصيل ذلك في مجموع الفتاوى (٦/١٥٧-١٦٣)، وشرح الأصفهانية (ص:٢٠٤-٢٠٥) - ت السعوي - ط على الآلة الكاتبة.
(٣) مجموع الفتاوى (٦/٢٩١) .
(٤) انظر: التسعينية (ص:١٠١-١٠٢)، ومجموع الفتاوى (٦/٥١٩) .
[ ٣ / ١٢٨٣ ]
وهاتان الحجتان هما من حجج الأشاعرة القديمة جاءت على يد الأشعري (١) . ولقفها أتباعه من بعده.
وقد ناقش شيخ الإسلام هاتين الحجتين بتفصيل ووضوح، وبين ما فيهما من حق وهو الدلالة على إثبات صفة الكلام لله وقدم نوعه، وما فيهما من باطل وهو الزعم بأنها تدل أن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته (٢) .ونقاش شيخ الإسلام لذلك طويل ومهم، ويمكن تلخيصه بما يلي:
أأما الحجة الأولى: للأشاعرة - وهي أن ضد الكلام الخرس والسكوت - وأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فيقال فيها ما يلي:
١- أن أصحابهم المتأخرين - كالرازي والآمدي - خالفوهم في هذا (٣) .
٢- أن القاعدة الكلية التي ذكروها، وهي "أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده - باطلة، لأن هذه لا يجوز أن تدعى إلا في حق الله خاصة، أما المخلوق فإنه إذا كان قابلا للشيء كان وجود القبول فيه غيره وهو الله تعالى، وإحداث الله لذلك القبول لا يجوز أن يكون مقارنا للقابل، بل يجوز أ، يتوقف على شروط يحدثها الله، وعلى موانع يزيلها، فوجود القبول هنا ليس منه [أي من المخلوق] فلم تكن ذاته كافية فيه، وأما الرب تعالى فلا يفتقر شيء من صفاته وأفعاله على (٤) غيره، بل هو الأحد الصمد المستغنى عما سواه " (٥)، وقد شرح هذا بالنسبة لله فقال: "تقرير الحجة بأن يقال: لأن الرب تعالى إذا كان قابلا للاتصاف بشيء لم يخل منه أو من ضده، أو يقال: بأنه إذا كان قابلا للاتصاف بصفة كمال لزم وجودها له؛ لأن ما كان الرب قابلا له لم يتوقف وجوده له على غيره، فإن غيره لا يجعله متصفا ولا فاعلا، بل ذاته وحدها هي الموجبة لما كان قابلا له" (٦) .
_________________
(١) انظر: الإبانة (ص:٦٦-٦٧،٧٢) - ت فوقية، واللمع (ص:١٧) - ت مكارثي.
(٢) انظر: هذه المناقشة في مجموع الفتاوى (٦/٢٩٢-٣٢٩) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٦/٢٩٣) .
(٤) كذا ولعل صوابها: إلى.
(٥) مجموع الفتاوى (٦/٢٩٤) .
(٦) المصدر السابق (٦/٢٩٣) .
[ ٣ / ١٢٨٤ ]
وإذا تقررت هذه الحجة فإنها تكون دالة على قدم صفة الكلام، وأنه تعالى لم يزل متكلما، بل تكون دالة على قدم جميع صفاته، وأن ذاته مستلزمة لجميع صفات الكمال - مما لا نقص فيه بوجه من الوجوه - ومن ذلك صفة الكلام لأن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم (١) .
ويقرر شيخ الإسلام - هذه الحجة على وفق مذهب السلف فيقول: "يقال: إما أن يكون قادرا على الكلام أو غير قادر، فإن لم يكن قادرا فهو الأخرس، وإن كان قادرا ولم يتكلم فهو الساكت" ثم بين أن الكلابية لا يمكنهم أن يحتجوا بهذه الحجة لأن الكلام عندهم ليس بمقدور - ثم أكمل الحجة فقال: "لكن [هل] (٢) مدلولها قدم كلام معين بغير قدرته ومشيئته؟ أم مدلولها أنه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته؟ والأول قول الكلابية، والثاني قول السلف والأئمة وأهل الحديث والسنة، فيقال: مدلولها الثاني لا الأول، لأن إثبات كلام يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره. فيقال للمحتج بها: لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلاما يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته، فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئًا لا يعقل؟ " (٣) .
وبهذا تكون هذه الحجة دليل على إثبات صفة الكلام لله وقدم نوعه وأن الله يتكلم إذا شاء متى شاء خلافا للأشعرية.
٣- أن دعوى أنه "لو لم يتصف بالكلام لا تصف بالخرس والسكوت إنما يعقل في الكلام بالحروف والأصوات، فإن الحي إذا فقدها لم يكن متكلما فإما أن يكون قادرا على الكلام ولم يتكلم، وهو الساكت، وإما أن لا يكون قادرا عليه، وهو الأخرس. وإما ما يدعونه من "الكلام النفساني" فذاك لا يعقل أن من خلا عنه كان ساكتا أو أخرسن فلا يدل بتقدير ثبوته [على] أن الخالي عنه يجب أن يكون ساكتا أو أخرس" (٤)، وإذا كان الكلام النفساني
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٢٩٤) .
(٢) زيادة مني ليستقيم الكلام.
(٣) مجموع الفتاوى (٦/٢٩٤-٢٩٥) .
(٤) المصدر السابق (٦/٢٩٥) .
[ ٣ / ١٢٨٥ ]
الذي ادعوه غير متصور، فالسكوت والخرس إنما يتصور إذا تصور الكلام، وهؤلاء - في الكلام - يشبهون النصارى في الكلمة (١) .
٤- أن المعتزلة اعترضوا عليهم هنا ولم يستطيعوا أن يجيبوهم بجواب صحيح، وذلك أنهم قالوا للكلابية والأشعرية: القول في الكلام كالقول في الفعل، فإننا إذا كنا - نحن وأنتم - قد اتفقنا على أن الله تعالى لم يكن فاعلا في الأزل، ثم صار فاعلا، ولم نقل - لا نحن ولا أنتم - إنه كان في الأزل عاجزا أو ساكتا، فإذا كان لا يلزم من عدم فعله في الأزل أن يوصف بضده من العجز والسكوت، فكذلك يقال في صفة الكلام، إذا قيل: لم يكن متكلما - على مذهب المعتزلة - لا يوصف بضد الكلام وهو السكوت أو الخرس.
ومناقشة الأشاعرة للمعتزلة هنا مناقشة ضعيفة ولهذا عدل بعض متأخري الأشعرية كالجويني إلى الحجة الثانية (٢) .
أما السلف فلا يلزمهم اعتراض المعتزلة لأنهم يقولون الكلام كالفعل، وإن الله لم يزل خالقا فاعلا كما أنه لم يزل متكلما (٣)، كما سبق بيانه في مسألة حوادث لا أول لها.
ب وأما الحجة الثانية: للأشاعرة وهي إنه لو كان مخلوقا
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٢٩٦) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٦/٢٩٧) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٦/٢٩٨-٢٩٩) .
[ ٣ / ١٢٨٦ ]
لكان إما خلقه في نفسه أو في غيره أو لا في محل، والأول يلزم منه أن يكون محلا للحوادث وهو باطل، والثاني يلزم منه أن يكون صفة لذلك المحل وهو باطل، والثالث ممتنع لأن الصفة لا تقوم بنفسها - فشيخ الإسلام بين أن هذه الحجة - أيضًا - صحيحة، ولكنها تدل على صحة مذهب السلف وفساد مذهب الكلابية والأشعرية، والمعتزلة.
أما مذهب المعتزلة فواضح فساده من جهة أنه لو خلقه في محل لكان صفة لذلك المحل، وإن كان الأشاعرة متناقضين هنا، لأنهم لم يطردوها وذلك تسلط
[ ٣ / ١٢٨٧ ]
عليهم المعتزلة بأنهم يصفونه بأنه خالق ورازق ومحيي ومميت، وعادل محسن، من غير أن يقوم به شيء من هذه المعاني، بل يقوم بغيره، لأن الاشاعرة - كما سبق في مسألة حلول الحوادث - يقولون الخلق هو المخلوق، فكيف يقولون إن الله يوصف بأنه خالق ورازق من غير أن تقوم بالله صفة، وإنما المقصود ما يخلقه الله من الخلق والرزق - لا يقولون إن الله متكلم، من غير أن تقوم به صفة الكلام والمقصود الكلام الذي خلقه في غيره؟ ولماذا لم يجعلوا هذا مثل هذا. وليس للأشاعرة جواب صحيح على هذا الاعتراض، وهو من التناقضات العديدة التي يزخر بها مذهب الأشاعرة.
أما أهل السنة والسلف فإن الفعل عندهم غير المفعول، ويقولون إن الفعل يقوم به كالكلام. ومن ثم جعلوا هذه القاعدة حجة على الفريقين: المعتزلة والأشاعرة (١) .
أما الاحتمال الأول - وهو أنه لو خلقه في نفسه لكان محلا للحوادث - فأهل السنة والجمهور يمنعون أن يسمى كل حادث مخلوقا، بل كلام الله المحدث كما قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (الانبياء: من الآية٢)، لا يقال عنه إنه مخلوق، لأن الله يتكلم إذا شاء متى شاء بكلام بعد كلام، وكذا ما يقوم بذاته بقدرته ومشيئته، فهناك فرق بين هذه الصفات، وبين ما يكون بائنا عنه من المخلوقات، لأنها لا بد لها من خلق، أما صفة الخلق أو الكلام أو غيرهما، القائم بذاته فإنه لا يفتقر إلى خلق، بل هو حصل بمجرد قدرته ومشيئته (٢) .
ولذلك يرى شيخ الإسلام أن هذه الحجة لا داعي فيها لهذا الاحتمال - وهو أ، هـ خلقه في نفسه - بل يقال: "لو خلقه لكان إما أن يخلقه في محل فيكون صفة له، أو يخلقه قائما بنفسه وكلاهما ممتنع، ولا يذكر فيها: إما خلقه في نفسه؛ لأن كونه مخلوقا يقتضي أن له خلقا، والخلق القائم به لو كان مخلوقا لكان له خلق، فيلزم أن يكون كل مخلق مخلوقا، فيكون الخلق مخلوقا بلا خلق وهو ممتنع" (٣) .
وهذا على أصل السلف والجمهور الذين لا يسمون كل محدث مخلوقا، وأما من يجعل كل حادث مخلوقا، فيمكن أ، يرد هذا الاحتمال - الأول - فيقال: إذا أحدثه فإما أن يحدثه في نفسه أو خارجا عن نفسه، أو لا في محل. والثاني والثالث ممتنعان بإطلاق. ويبقى الأول - وهو احتمال أن يحدثه في نفسه، والأشاعرة يمنعونه لبطلان حلول الحوادث عندهم، وأهل السنة يقولون به لأنهم يجوزون أن تقوم بالله الصفات الاختيارية، وإن سماها هؤلاء أو غيرهم حوادث - ومن ثم يرجع إلى الكلام إلى ما سبق تفصيله في مسألة "حلول الحوادث" (٤) .
ولو قالوا - كما سبق مثاله في حججهم على نفي حلول الحوادث، مع مناقشته - لو قالوا هنا: الفرد من أفراد الكلام هل هو نقص أو كمال؟ فإن كان نقصا فهو ممتنع، وإن كان كمالا فهو ناقص قبله - فيقال لهم: "هو كمال وقت وجوده، ونقص قبل وجوده، مثل مناداته لموسى كانت كمالا لما جاء موسى، ولو ناداه قبل ذلك لكان نقصا، والله منزه عنه " (٥) .
وقد اعترف الرازي - أحد أئمة الاشاعرة - بأن حلول الحوادث لازم لجميع الطوائف فقال (٦): "هل يعقل أن يكون محلا للحوادث؟ قالوا: إن هذا قول لم يقل به أحد إلا الكرامية. وأنا أقول: إن هذا قول قال به أكثر أرباب أهل المذاهب، أما الاشعرية: فإنهم يدعون الفرار من هذا القول إلا أنه لازم عليهم من وجوه " (٧) ولما جاء إلى صفة الكلام، بين أنه ليس هناك فرق معقول بين الطب والإرادة - وهذا رد على مسألة الكلام النفسي - كما سبق -
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٣١٧-٣١٨)، ونظر: الكيلانية - مجموع الفتاوى - (٤٣٦)، والتسعينية (ص:١٠٢-١٠٥)، ومنهاج السنة (٢/٢٩٢) - ط دار العروبة المحققة.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٢٠) .
(٣) مجموع الفتاوى (٦/٣٢١) .
(٤) انظر: المصدر السابق (٦/٣٢٦) وما بعدها.
(٥) المصدر نفسه (٦/٣٢٦) .
(٦) سبقت الإشارة إلى هذا عند الكلام على مسألة حلول الحوادث - وإنما نقلت نص كلام الرازي هنا لأنه قد وصل إلى - حال كابة هذه المباحث - كتابه الكبير "المطالب العالمية" مطبوعا في تسعة أجزواء جاءت في خمسة مجلدات.
(٧) المطالب العالية للرازي (٢/١٠٦) .
[ ٣ / ١٢٨٨ ]
ثم بين أن الذين زعموا أن هذا الكلام - النفسي - قديم - هو قول بعيد، وذكر أدلة كون هذا القول بعيدا - وهي أدلة إلزامية قوية - ثم ذكر أدلة من قال بقدمه ورد عليها (١) .
هذا هو الرازي الذي يعتبرونه أعظم أئمتهم ومحققيهم يقول بما يدل على بطلان مذهب الأشاعرة، وصحة مذهب أهل السنة، في مسألة من أهم المسائل وأعظمها، وبها تميز المذهب الاشعري عن غيره.
وإذا كان الرازي قد يتناقض في هذا الباب - فتارة يوافق الأشاعرة وتارة يرد عليهم - فإن غير الرازي كأبي حامد الاسفرابيني، وأبي محمد الجويني - والد إمام الحرمين - وغيرهما كانوا يخالفون الأشاعرة ويقولون إن مذهب الشافعي والإمام أحمد وسائر علماء الأمصار مخالف لما عليه هؤلاء الأشاعرة في كلام الله (٢) .
رابعًا: الرد على الأشاعرة في قولهم: إن كلام الله معنى واحد:
وقولهم: هو الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وقولهم إن الأمر والنهي صفات للكلام، لا أنواع له، ولذلك فلا فرق بين القرآن والتوراة، ولا بين آية وآلة أخرى دلت على معنى مختلف.
وهذا من أعجب ما في مذهب الأشاعرة وأشده غرابة، حيث إنه مخالف لبدائه العقول، ولواقع الأمر أيضًا، ولا شك أن أعلام الأشاعرة - وفيهم الأئمة والقضاة والفقهاء - لم يكونوا ليقبلوا الإقرار بمثل هذا لولا أن هناك أصولا عقلية سلموها تسلطت على رؤوسهم ورقابهم لم يستطيعوا منها فكاكا ولا لها دفعا. فأصبحوا يسلمون بمثل هذه الأقوال المخالفة للعقل والنقل والفطر، ويبحثون لها عن تعليلات وتبريرات وتخريجات لا تغني شيئًا.
_________________
(١) انظر: المطالب العالية للرازي (٣/٢٠٤-٢٠٧) .
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/٥٥٧-٥٥٨) .
[ ٣ / ١٢٨٩ ]
ولذلك اعترف بعض أعلامهم بما في المذهب الأشعري من إشكالات، حتى قال العز بن عبد السلام لما سئل في مسألة القرآن: "كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار؟ فقال أبو محمد: ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري" (١) . وسترد أمثلة أخرى إن شاء الله تعالى.
ومناقشة قول الأشاعرة - في زعمهم أن كلام الله معنى واحد - واضحة جدا، ويمن إجمال ردود شيخ الإسلام عليهم في ذلك بما يلي:
١- أن هذا القول انفردوا به عن سائر الفرق، كما ذكره الرازي (٢)، سواء قالوا - كما هو قول جمهورهم - إنه معنى واحد، أو قالوا إنه خمسة معان، كما هو قول بعضهم.
فالذين قالوا هو معنى واحد قالوا: ذلك المعنى هو معنى كل أمر أمر الله به، سواء كان أمر تكوين، أو أمر تشريع، وسواء أمرا ورد في القرآن أو ورد في التوراة، وكذلك هو معنى كل نهي نهى الله عنه، وهو معنى كل خبر أخبر الله به.
والذين قالوا إنه خمسة معان يقولون الأمر الواحد هو الأمر بالصالة والزكاة، والحج، والسبت - الذي لليهود - وهو الأمر بالناسخ والمنسوخ، وبالأقوال وبالأفعال، وبالعربي والعبراني، كل ذلك أمر واحد، ومثله النهي ومثله الخبر، حيث يقولون: إن ما أخبر الله به في آية الكرسي وسورة الإخلاص، وقصص الأنبياء والكفار، وصفة الجنة والنار، كل ذلك خبر واحد (٣) .
يقول شيخ الإسلام معلقا على هذا: "ومن المعلوم أن مجرد تصور تصور هذا القول يوجب العلم الضروري بفساده، كما اتفق على ذلك سائر العقلاء، فإن أظهر المعارف أن الأمر ليس هو الخبر، وأن الأمر بالسب ليس هو الأمر بالحج،
_________________
(١) انظر: التسعينية (ص:٢٦١) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:١٧٥) .
(٣) انظر: المصدر نفسه - نفس الصفحة.
[ ٣ / ١٢٩٠ ]
وأن الخبر عن الله ليس هو الخبر عن الشيطان الرجيم" (١)، ولا شك أيضًا أن معنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، كما أن معاني ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الاخلاص:١) ليس هي معاني ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد:١) (٢) .
وكذلك أيضًا فإن "المعاني التي أخبر الله بها في القرآن في قصة بدر وأحد والخندق، ونحو ذلك لم ينزلها الله على لسان موسى بن عمران، كما لم ينزل على محمد تحريم السبت، ولا الأمر بقتال عباد العجل فكيف يكون كلام الله معنى واحدا" (٣) .ومن المعلوم أن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن، كما أن آية الكرسي ليست معنى آية الدين (٤) .وهذا واضح جدا، ويلاحظ أن الأشاعرة يلتزمون هذه اللوازم الفاسدة فيقولون: إن كلام الله معنى واحد، فلا يفرقون بين آية الدين وآية الكرسي، ولا بين القرآن والتوراة، بل كل ذلك معنى واحد لا يتبعض ولا يتجزأ، ولا يتكلم الله بشيء منه دون شيء إلا على معنى خلق إدراك للخلق فقط - كما سبق -.
بل إن شيخ الإسلام يرى أنه يلزم على قولهم أن تكون الحقائق الموجودة كالملائكة والجن، والجنة والنار - شيئًا واحدا، لأن معاني الكلام تتبع الحقائق الخارجة، وهذا لازم لا محيد لهم عنه (٥) .
٢- يقال للاشاعرة: موسى لما كلمه الله، أفهم كلامه كله أو بعضه؟ إن قلتم: كله، فقد صار موسى يعلم علم الله، وهذا من أعظم الباطل، وإن قلتم بعضه: فقد تبعض كلام الله وأنتم تقولون: إنه لا يتبعض. وفي هذا إبطال لقولكم (٦) . وأيضًا فإن الله فضل موسى بالتكليم على غيره ممن أوحى إليهم،
_________________
(١) التسعينية (ص:١٧٥،١٧٧) .
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/١٢٢،٢٦٧)، ومنهاج السنة (٣/١٠٤) - ط بولاق، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى (١٧/٧١) .
(٣) منهاج السنة (٣/١٠٤) ط بولاق.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/٥٥٨)، والدرء (١/٢٦٧، ١١٢-١١٣) .
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/٥٥٨)، والدرء (١/٢٦٧،١١٢-١١٣) .
(٦) انظر: التسعينية (ص:١٧٧) .
[ ٣ / ١٢٩١ ]
كما فرق تعالى بين التكليم والوحي، وهذا يدل على أن الكلام ليس معنى واحدا، لأنه - حينئذ - لا يكون هناك فرق بين التكليم الذي خص به موسى، والوحي العام الذي يكون لغيره. وهذا بين (١) .
وكذلك قولهم إن القرآن، عبارة عن كلام الله، فإن كان عبارة عن كلام الله كله فهو باطل، وإن كان عبارة عن بعضه فهو مبطل لقولكم (٢) .
٣- إلزامهم أن يقولوا في الصفات ما قالوه في الكلام، وبالعكس، وذلك أنه إذا جاز أ، يجعلوا الحقائق المتنوعة - كآية الدين، وآية الكرسي، وقصة موسى، وقصة نوح، والأمر بالصلاة، والأمر بالسبت، والنهي عن الزنا وعن الربا، والقرآن، والتوراة، والإنجيل - شيئًا واحدا، فيلزمهم أن يجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر والحياة والإرادة، صفة واحدة، أو أن يقولوا في الكلام ما يقولونه في الصفات من أن العلم غير القدرة والإرادة غير الحياة، وإن كانت صفات قائمة بالله تعالى.
وقد أسهب شيخ الإسلام في شرح هذا الإلزام وبين أنه لا محيد للاشاعرة عنه، وأن أئمتهم اعترفوا به (٣) .
وممن اعترف بذلك الآمدي، حيث قال بعد أ، ذكر هذا الاعتراض - وهو الإلزام بالصفات - وذكر جواب أصحابه الأشاعرة عنه - قال معلقا على جواب شيوخه: "وفيه نظر" (٤)، ثم قال: "والحق أن ما أوردوه من الإشكال على القول باتحاد الكلام وعود الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات مشكل، وعسى أن يكون عند غيري حله، ولعسر جوابه فر بعض أصحابنا إلى القول بأن كلام الله القائم بذاته خمس صفات مختلفة، وهي الأمر والنهي والخبر
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/١٠٥) - ط بولاق، ومجموع الفتاوى (٩/٢٨٣،١٢/١٣٠)، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى (١٧/١٥٣-١٥٤) .
(٢) انظر: منهاج السنة (٣/١٠٥) ط بولاق.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/١٢٢-١٢٣) .
(٤) انظر: درء التعارض (٤/١١٨) .
[ ٣ / ١٢٩٢ ]
والاستخبار والنداء" (١) .
وقد علق شيخ الإسلام على كلام الآمدي بأن القول بأن الكلام خمس صفات أو سبع أو تسع أو غير ذلك من العدد لا يزيل ما تقدم من الأمور الموجبة لتعدد الكلام (٢) .
ولشيخ الإسلام مناقشات متنوعة لهذا الإلزام وبيان تناقضهم من وجوه عديدة (٣) .وقياسهم لوحدة الكلام بوحدة المتكلم مردود أيضا من وجوه عديدة (٤) .
٤- وهناك إلزام آخر لهم، وهو أنه يقال لهم ما يقولون هم لمن قال إن القرآن حروف وأصوات قديمة أزلية، وإن الباء ليست قبل السين، وهكذا، وقد نقل شيخ الإسلام نصا مهما للباقلاني من كتابه - النقض - رد فيه على هؤلاء (٥)، ثم قال: "هذا بعينه وارد عليك فيما أثبته من المعاني، وهو المعنى القائم بالذات، فإن الذي نعلمه بالضرورة في الحروف نعلم نظيره بالضرورة في المعاني، فالمتكلم منا إذا تكلم ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو بالضرورة ينطق بالاسم الأول لفظا ومعنى، قبل الثاني، فيقال في هذه المعاني نظير ما قاله في الحروف " (٦) .
ولشيخ الإسلام في درء التعارض مناقشة أخرى مماثلة، فإن من قال باجتماع المعاني يلزمه ما يلزم من قال باجتماع الحروف وعدم تعاقبها (٧) .
_________________
(١) لدرء التعارض (٤/١١٩)، وهو في أبكار الأفكار (١/٩٥-ب-٩٦-أ) . (وقد سبق نقله (ص:٧١٣-٧١٤) .
(٢) انظر: درء التعارض (٤/١١٩) وما بعدها.
(٣) انظر: التسعينية (ص:١٧٦-١٧٧) (الوجه ٣٣)، (ص:١٧٩) (الوجه ٣٨)، و(ص:١٨٠-١٨١) (الوجه ٤٣)، و(ص:١٨٦) (الوجه ٥٢)، من أوجه مناقشة الرازي وانظر مجموع الفتاوى (٩/٢٨٣)، والتسعينية أيضا (ص:١٩١) .
(٤) انظر: ألمصدر السابق (ص:١٨١-١٨٧) (الأوجه ٤٤-٥٣) من أوجه الرد على الرازي.
(٥) انظر: التسعينية (ص:١٨٨) .
(٦) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(٧) انظر: درء التعارض (٤/١١١-١١٥) .
[ ٣ / ١٢٩٣ ]
٥- أن النصوص قد وردت بما يدل على تعدد الكلام وبطلان قول من زعم أنه
معنى واحد، ومنها:
أالآيات الواردة بأن لله كلمات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (الأنعام: من الآية١١٥) وقوله: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه﴾ لا (لقمان: من الآية٢٧) وقوله: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِه﴾ (الشورى: من الآية٢٤) وغيرها كثير جدًا.
ب كما وردت أحاديث كثيرة، فيها الإستعاذة بكلمات الله التامات (١) .
ت ومنها ما ورد عن النبي - ﷺ - أنه قال: إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جزءا من القرآن" (٢) .
فكيف يقال - مع هذه النصوص - إن كلام الله لا يكون إلا معنى واحدا؟ (٣) .
٦- أن الأدلة دلت على أن القرآن بعضه أفضل من بعض وهذا أصح القولين لأهل السنة. وهذا يدل على أن كلام الله ليس معنى واحدا. ولشيخ الإسلام مناقشات مطولة في هذا الموضوع (٤) .
٧- ما في كلام هؤلاء من شبه بأقوال النصارى. وهذا يدل على بطلانه (٥) .
_________________
(١) انظر: مثلا البخاري، كتاب الأنبياء باب رقم ١٠، ورقم الحديث ٣٣٧١، الفتح (٦/٤٠٨)، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من سوء القضاء ورقمه (٢٧٠٨) .
(٢) روه مسلم، كتاب المسافرين باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ورقمه (٨١١) مكرر.
(٣) انظر: التسعينية (ص:٢١٠-٢١٧)، حيث أورد بعض الأشاعرة على الاستدلال بأن الكتاب والسنة نطقا بأن لله كلمات، كما أورد (ص:٢١٨) اعتراضا من الأشاعرة على حديث إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء وأجاب عنه.
(٤) انظر: درء التعارض (٧/٢٧١-٢٧٣)، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى (ص:١٠-٧٤،١٤٧-١٧٢) .
(٥) انظر: التسعينية (ص:٢٢٥، ٣٣١) .
[ ٣ / ١٢٩٤ ]
٨- أن أئمة الأشاعرة اعترفوا بفساد قول ابن كلاب والأشعري في كلام الله، ومن هؤلاء: أو حامد الإسفراييني، وأبو محمد الجويني، وأبو الحسن الكرجي، والعز بن عبد السلام وغيرهم (١)، والإسفراييني كانت له مواقف مشهورة في الإنكار على البلاقلاني وأقواله في كلام الله (٢) .
وقد حاول الرازي أن يستدل لمذهب الاشاعرة في كلام الله وأنه بمعنى واحد بصفة العلم وأن علم الله لا نهاية له وهو واحد، ولكن شيخ الإسلام رد عليه من كلامه، وبين بطلان كلامه وتناقضه (٣) .
وبما سبق من أوجه الرد والمناقشة والإلزام يتبين فساد مذهب الاشاعرة فيما أدعوه من أن كلام الله معنى واحد.
خامسًا: هل كلام الله بحرف وصوت؟
سبق في فقرة - الرد على الاشاعرة في الكلام النفسي - ما يوضح مذهب الأشاعرة في هذا وأنهم لما قالوا إنه معنى قائم بالذات، قالوا إنه ليس بحرف ولا صوت، كما سبق - من خلال المناقشة - بيان أن الكلام هو ما كان مسموعا مفهومًا.
وقد سئل شيخ الإسلام عن القرآن: هل هو حرف وصوت؟ فأجاب بأن إطلاق هذا الجواب- نفيا وإثباتا - من البدع المولدة، الحادثة بعد المئة الثالثة، ثم قال: "والصواب الي عليه سلف الأمة، كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد، وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم - اتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة وهو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلاما لغيره وأن الله يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح " (٤) .
_________________
(١) انظر: التسعينية (ص:٢٣٦-٢٣٨) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:٢٣٨)، ودرء التعارض (٢/٩٥-٩٩) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (ص:٢١٩-٢٢٣) .
(٤) مجموع الفتاوى (١٢/٢٤٣-٢٤٤) .
[ ٣ / ١٢٩٥ ]
وهذا من دقة السلف ﵏ في مسائل العقيدة، وخاصة ما يتعلق منها بالله وصفاته. حيث إنهم لا يبتدعون كلاما جديدا، بل يصفون الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله - ﷺ -، ولما لم يرد إطلاق أن القرآن بحرف وصوت لم يطلقوه عليه كما يفعله البعض، وإنما يقولون: القرآن كله حروفه ومعانيه كلام الله، كما يقولون إن الله نادى موسى، والنداء لا يكون إلا بصوت، والرسول - ﷺ - ذكر أن الله ينادي بصوت (١) . ومن المعلوم أن الكلام إذا أطلق فإنه يشمل الحروف والمعاني وهذا هو الذي فهمه السلف من صفة الكلام لله تعالى - على ما يليق بجلاله وعظمته -.
ولكن لما وجد - في أهل البدع - من ينكر الحرف والصوت لينكروا كلام الله، بين السلف أن كلام الله شامل للحروف والمعاني، وأنه تعالى يتكلم بصوت، كما يصفونه بما ورد من التكليم والمناداة والمناجاة (٢) .
وقد وردت نصوص فيها ذكر الحرف في كلام الله، وهو القرآن، ومن ذلك حديث: "إن الله يأمرك أن تقرأ على أحرف" (٣)، وحديث "أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته" (٤)، وحديث "اقرأني جبريل على حرف " (٥) وحديث: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف (٦) وحديث: "من قرأ حرفا من كتاب الله " (٧) وغيرها.
_________________
(١) سبق تخريجه (ص:٥٨٥) .
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٥١٨) .
(٣) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ورقمه (٨٢١) .
(٤) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل الفاتحة، ورقمه (٨٠٦) .
(٥) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب نزل القرآن على سبعة أحرف، ورقمه (٤٩٩١) الفتح (٩/٢٣) .
(٦) رواه البخاري - بعد الحديث السابق مباشرة، ورقمه (٤٩٩٢) .
(٧) رواه الترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن، ورقمه (٢٩١٠) - ت إبراهيم عطوة. وهو حديث صحيح.
[ ٣ / ١٢٩٦ ]
وقد احتج شيخ الإسلام بحديث: إن الله ينادي بصوت، على إثبات أن الله يتكلم بصوت، ورد على من قال من الأشاعرة إنه حديث آحاد - من وجوه عديدة (١) . كما احتج بالآيات على ذلك مثل آيات النداء لموسى وغيره (٢) .
سادسًا: القرآن العربي كلام الله وغير مخلوق؟
مذهب السلف في كلام الله تعالى، وفي القرآن، وأنه كلام الله غير مخلوق، واضح تمام الوضوح، وردودهم على المعتزلة في ذلك مشهورة، أكثر من أن تحصر (٣) . كما أنه قد اشتهر عنهم قولهم إن القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، ومعناه أن الله هو المتكلم به، فمنه بدأ، لا من بعض المخلوقات، وإليه يعود في آخر الزمان حين يرفع من المصاحف والصدور (٤) .
فلما جاءت الكلابية والأشعرية وابتدعوا في كلام الله ما ابتدعوا، كان مذهبهم الذي تمسكوا به: أن كلام الله إنما هو معنى قائم بذاته وأن حروف القرآن ليست من كلام الله.
ولكن الأئمة من هؤلاء كابن كلاب والأشعري كما يقولون - مع ذلك ومع قولهم إن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله -: إن القرآن محفوظ بالقلوب
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/٥١٣، ٥٣٠-٥٤٤) .
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/١٣٠) .
(٣) انظر: في مذهب السلف في كلام الله وفي القرآن: مجموع الفتاوى (٦/١٥٣، ١٦٦-١٦٩، ١٧٧-١٧٨، ٥١٨)، التسعينية (ص:٩٤-٩٥، ١٣١-١٣٨)، شرح الأصفهانية (ص:٦٦) - ت مخلوف، مسألة الأحرف - مجموع الفتاوى (١٢/٣٧-٣٨)، المسألة المصرية في القرآن، مجموع الفتاوى (١٢/٢٣٥-٢٣٦)، جواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى (١٧/٧٤-٧٥)، درء التعارض (٧/٢٥٧-٢٧٣) .
(٤) انظر: أقولا السلف في ذلك في محنة الإمام أحمد بن حنبل (ص:٤٩)، والرد على الجهمية رقم (٣٤٤) - البدر، وشرح السنة اللالكائي رقم (٥٨٢-٥٨٤) (٢/٣٤٨)، والنقض على المريسي للدارمي (ص:٤٧٤) ضمن عقائد السلف، وانظر: العقيدة السلفية في كلام رب البرية تأليف عبد الله بن يوسف الجديع (ص:٧١-١٨٠) . وأما كلام شيخ الإسلام وشرحه لذلك فانظر: شرح الأصفهانية (ص:٥-٦) ت مخلوف، ومجموع الفتاوى (٦/٥٢٩، ١٢/٤٠، ٢٧٤)، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (١٧/٨٣) .
[ ٣ / ١٢٩٧ ]
حقيقة، متلو بالألسن حقيقة، مكتوب في المصاحف حقيقة (١)، ومن ثم كانوا يعترفون بأن هذا القرآن كلام الله، ويحترمونه.
فجاء بعد ذلك أقوام - من أتباعهم - فقالوا - في القرآن إنه "معنى قائم بذات الله فقط، وأن الحروف ليست من كلام الله، بل خلقها الله في الهواء، أو صنفها جبريل، أو محمد، فضموا إلى ذلك، أن المصحف ليس فيه إلا مداد وورق، وأعرضوا عما قاله سلفهم من أن ذلك دليل على كلام الله فيجب احترامه - لما رأوا أن مجرد كونه دليلا لا يوجب الإحترام، كالدليل على الخالق المتكلم بالكلام؛ فإن الموجودات كلها أدلة عليه، ولا يجب احترامها، فصار هؤلاء يمتهنون المصحف حتى يدوسوه بأرجلهم، ومنه من يكتب أسماء الله بالعذرة، اسقاطا لحرمة ما كتب في المصاحف والورق من أسماء الله وآياته.
وقد اتفق المسلمون على أن من استخف بالمصحف، مثل أن يلقيه في الحش أو يركضه برجله، إهانة له، أنه كافر مباح الدم.
فالبدع تكون في أولها شبرا، ثم تكثر في الأتباع حتى تصير أذرعا وأميالا وفراسخ" (٢) .
ولا شك أن هذا الغلو والكفر الذي وقع فيه هؤلاء لا يرتضيه جمهور الأشاعرة، ولكن التعصب في بعض الأوقات قد يجر بعض الناس إلى مواقف وأقوال لا تليق، إظهارا لمذهبهم، وإبرازا لقناعتهم به.
والأشعري يطلق على القرآن أنه كلام الله، ولكنه يقول إنه القرآن العربي مخلوق، خلقه الله في الهواء أو الجسم. وأما إطلاق أن هذا القرآن العربي كلام جبري - ﵇ - أو محمد - ﷺ -، فقد جاء من المنتسبين إليه ولم يكن قولا للأشعري (٣) .
_________________
(١) ومن زعم أن مقصودهم بذلك أن المعنى أن القرآن محفوظ بالقلوب كما أن الله معلوم بالقلوب، ومتلو بالألسن كما أن الله مذكور بالألسن، ومكتوب بالمصاحف كما أن الله مكتوب بالمصاحف، فقد غلط عليهم، لأن القرآن عندهم عبارة عنه. انظر: مجموع الفتاوى (٨/٤٢٤) .
(٢) مجموع الفتاوى (٨/٤٢٥) .
(٣) انظر: المصدر السابق (١٢/٥٥٧) .
[ ٣ / ١٢٩٨ ]
ثم إن ابن كلاب كان يقول بأن القرآن حكاية عن كلام الله، فلما جاء الأشعري زاد فيه قليلا وقال: لا يجوز أن يقال إنه حكاية، لأن الحكاية قد تكون مطابقة للمحكي، كما يقال: حكى فلان الكلام بلفظه وهذا يناسب قول المعتزلة. والقرآن العربي ليس مطابقا لكلام الله القائم بنفسه، ومن ثم فالأولى عنده - أي عند الأشعري - أن يقال: هو عبارة عن كلام الله، لأن الكلام ليس من جنس العبارة (١) .
ويلاحظ مما سبق تطور أقوال الكلابية والأشعرية في القرآن:
- فالأولون كانوا يحترمونه، ثم خف احترامهم له إلى حد الامتهان، عند بعضهم.
- والأولون كانوا يطلقون أن القرآن كلام الله، وأنه مخلوق خلقه الله في الهواء أو في الجسم، فجاء المتأخرون ليقولوا - صراحة - هو كلام جبريل أو محمد.
- كما أن التطور من التعبير بالحكاية إلى العبارة، فيه ما فيه، وإن كان كل منهما باطلا.
والذي استقر عليه المذهب الأشعري، وقال به جمهورهم أن القرآن العربي مخلوق، وليس هو كلام الله - مع اختلاف فيما بينهم في بعض التفاصيل (٢) - وهم قالوا هذا بناء على مذهبهم في الكلام النفسي الذي يقوم بالله ولا ينفصل عنه، بل هو - على زعمهم - لازم له أزلا وأبدا.
والأشاعرة - مع قولهم بالكلام النفسي - وإن كانوا يوافقون أهل السنة في الرد على المعتزلة، إلا أنهم يخالفون مذهب السلف - في مسألة القرآن - في أمرين مهمين:
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/٢٧٢)، والتسعينية (ص:٨٧، ٢٣٧-٢٣٨، ٢٦٦)، ودرء التعارض (٢/١٠٧) .
(٢) انظر: جواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (١٧/٦٩-٧٠) .
[ ٣ / ١٢٩٩ ]
أحدهما: قولهم إن نصف القرآن من كلام الله، والنصف الآخر ليس كلام الله عندهم، أي أن المعنى كلام الله أما القرآن العربي فليس كلام الله، وإنما خلقه الله في الهواء أو في اللوح المحفوظ، أو أحدثه جبريل، أو محمد - ﷺ - ومعنى ذلك أنهم في هذا النصف العربي موافقون لمذهب المعتزلة، لكن المعتزلة يقولون هو كلام الله، وهو مخلوق، وهؤلاء يقولون: هو مخلوق وليس كلام الله. وكل منهم وقع في البدعة.
والثاني: قولهم إن القرآن المنزل إلى الأرض ليس هو كلام الله، فما نزل به جبريل من المعنى واللفظ، وما بلغه محمد - ﷺ - لأمته من المعنى واللفظ ليس هو كلام الله، لا حروفه ولا معانيه، بل هو مخلوق عندهم، وإنما يقولون: هو عبارة عن كلام الله القائم بالنفس، لأن العبارة لا تشبه المعبر عنه (١) .
هذه خلاصة مذهب الأشاعرة في القرآن، كما عرضها شيخ الإسلام، ولعل تصورها، مع ما سبق من مناقشات لأقوالهم في الكلام النفسي، وفي قولهم إنه معنى واحد - كاف في بيان بطلانها، ومع ذلك فقد رد عليهم شيخ الإسلام، ويمكن بيان مناقشته لهم من خلال ما يلي:
١- لا شك أن قول الأشاعرة في القرآن قد بنوه على أن الكلام عندهم معنى قائم بالنفس، قديم أزلي، لا يتعلق بمشيئة الله وقدرته، وأنه ليس بحرف ولا صوت، لذلك قالوا في هذا القرآن الذي يتلى إنه مخلوق، خلقه الله في الهواء أو في اللوح المحفوظ، أو إنه أحدثه جبريل أو محمد - ﷺ -، وليس هو كلام الله. ولا شك أن الأساس الذي بنوا عليهم مذهبهم هذا باطل - كما سبق بيانه -:
- فالكلام هو اللفظ والمعنى، ولا يسمى كلاما ما دام قائما بالنفس.
- كما أن النصوص دلت على أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن كلامه مثل فعله، وهذا ثابت لله وإن سماه هؤلاء حلولا.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/٢٧٢-٢٧٣، ٣٧٦-٣٧٩) .
[ ٣ / ١٣٠٠ ]
وإذا تبين بطلان هذه الأسس التي بنوا عليها مذهبهم، علم أن قولهم في القرآن مخالف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة.
٢- أما احتجاجهم على أن القرآن من جبريل أو محمد بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (الحاقة:٤٠) والرسول في آية الحاقة هو محمد - ﷺ -، وفي آية التكوير هو جبريل ﵇ - فهو احتجاج غريب، خاصة وأن النصوص الأخرى واضحة الدلالة في أنه منزل من عند الله وأنه كلام الله. وقد رد عليهم شيخ الإسلام في استدلالهم بما يلي:
أ - أنه: "أضافة إلى الرسول من البشر تارة، وإلى الرسول من الملائكة تارة، باسم "الرسول"، ولم يقل: إنه لقول ملك، ولا نبي؛ لأن لفظ الرسول يبين أنه مبلغ عن غيره، لا منشى له من عنده ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: من الآية٥٤)، فكان قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (الحاقة:٤٠) بمنزلة قوله: لتبليغ رسول، أو مبلغ من رسول كريم، أو جاء به رسول كريم، وليس معناه أنه أنشأه أو أحدثه أو أنشأ شيئًا منه وأحدثه رسول كريم، إذ لو كان منشئا لم يكن رسولا فيما أنشأه وابتدأه، وإنما يكون رسولا فيما بلغه وأداه، ومعلوم أن الضمير عائد إلى القرآن مطلقا" (١) .
ب- "وأيضًا فلو كان أحد الرسولين أنشأ حروفه ونظمه امتنع أن يكون الرسول الآخر هو المنشى المؤلف لها، فبطل أن تكون إضافته إلى الرسول لأجل إحداث لفظه ونظمه" (٢) .
ولو صح قول هؤلاء لجاز أن يقال إنه قول البشر، وهذا قول الوحيد الذي فضحه الله وأصلاه سقر، ولو قالوا: الوحيد جعل الجميع قول البشر، ونحن جعلنا الكلام العربي قول البشير، وأما معناه فهو كلام الله، فيقال لهم:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/٢٦٥-٢٦٦)، وانظر أيضًا: الكيلانية - مجموع الفتاوى - (١٢/٣٧٧-٣٧٨) .
(٢) المصدر السابق (١٢/٢٦٦)، وانظر: المصدر نفسه (٢/٥٠، ١٢/٣٠٨)، والكيلانية - مجموع الفتاوى (١٢/٣٧٧) .
[ ٣ / ١٣٠١ ]
هذا نصف قول الوحيد، والقرآن الذي يتلى هو الذي كان يفهم منه المشركون أنه كلام الله دون أن يفرقوا بين ألفاظه ومعانيه (١) .
ج- ودلالة الآيتين واضحة، لأنه لما كان المبلغ للقرآن ملكا وليس شيطانا، أخبر تعالى أنه تبليغ ملك كريم، وكذلك الرسول محمد - ﷺ - لأنه هو المبلغ لهذا القرآن للناس، وأن هذا الرسول ليس شاعرا ولا كاهنا وإنما هو رسول كريم (٢) .
وكثيرا ما يركز شيخ الإسلام على بيان أن الكلام كلام لمن اتصف به مبتدئا منشئا لا لمن تكلم به مبلغا مؤديا. وهذا واضح، فإن من قرأ حديثا للرسول - ﷺ -، أو قصدة لشاعر، فإنه لا يقول عاقل إن الحديث أو القصيدة هي من إنشاء راويها (٣) .
٣- أن هناك أدلة تدل على نزول القرآن من ربه، والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه.
ومن هذه الأدلة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ * وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل: من الآية ٩٨-١٠٣) .
فقوله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (النحل: من الآية١٠٢) يدل على نزول القرآن من ربه، والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه، كما أن قوله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/٢٦٦-٢٦٧، ٣٠٧)، ودرء التعارض (١/٢٥٨) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١٢/٢٧٠) .
(٣) انظر: الكيلانية مجموع الفتاوى (١٢/٣٧٨)، ودرء التعارض (١/٢٥٦-٢٥٧) .
[ ٣ / ١٣٠٢ ]
يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، وهم كانوا يقولون إنما يعلمه بشر، ولم يكونوا يقصدون أنه يعلمه معانيه فقط، لقوله بعد ذلك: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ والله تعالى أبطل قول الكفار، لأن لسان الذي يضيفون إليه القرآن أعجمي، والقرآن بلسان عربي مبين (١) .
ومن الأدلة - أيضًا - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام: من الآية١١٢) إلى قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (الأنعام:١١٤) والكتاب اسم للقرآن العربي بالضرورة والاتفاق، وهذا يرد على الكلابية والأشعرية، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ يتناول نزول القرآن العربي على كل قول من الأقوال التي تفرق بين كتاب الله وكلام الله، أو بين القرآن (المعنى)، والقرآن (اللفظ) . لأن الله سمى مجموع اللفظ والمعنى كتابا وقرآنا وكلاما (٢) .
والقرآن الكريم يجب أن يعلم فيه أصلان عظيمان:
أحدهما: "أن القرآن له بهذا اللفظ والنظم العربي اختصاص لا يمكن أن يماثله في ذلك شيء أصلا، أعني خاصة في اللفظ، وخاصة فيما دل عليه من المعنى، ولهذا لو فسر القرآن ولو ترجم، فالتفسير والترجمة قد يأتي أصل المعنى أن يقربه، وأما الإتيان بلفظ يبين المعنى كبيان لفظ القرآن فهذا غير ممكن أصلا، ولهذا كان أئمة الدين على أنه لا يقرأ بغير العربية، لا مع القدرة عليها، ولا مع العجز عنها ".
الأصل الثاني: أن القرآن إذا ترجم أو قرئ بالترجمة فله معنى يختص به لا يماثله فيه كلام أصلا، ومعناه أشد مباينة لفظه ونظمه لسائر اللفظ والنظم، والإعجاز في معناه أعظم بكثير كثير من الإعجاز في لفظه " (٣) . ومعلوم
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/١٢٣-١٢٤) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١٢/١٢٤-١٢٦) .
(٣) التسعينية (ص:٢١٥) .
[ ٣ / ١٣٠٣ ]
أن الإعجاز شامل للفظ والمعنى.
٤- أن قول الأشاعرة في القرآن يقرب كثيرا من قول المعتزلة، وقد اعترف بذلك بعض علمائهم وذكروا أن بالنسبة للقرآن العربي لا فرق فيه بين القولين.
فالأشاعرة يوافقون المعتزلة في إثبات خلق القرآن العربي، ولكنهم يفارقونهم من وجهين:
أحدهما: أن المعتزلة يقولون: المخلوق كلام الله، والأشاعرة يقولون: إنه ليس كلام الله، لكن يسمى كلام الله مجازا، وهذا قول جمهورهم، ومن قال من متأخريهم إنه يطلق على المعنى وعلى القرآن العربي بالاشتراك اللفظي فإنه ينتقض عليهم أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير المتكلم به.
وعند المفاضلة بين قولي المعتزلة والأشاعرة هنا يلحظ أن الأشاعرة لا يقولون عن القرآن العربي هو كلام الله حقيقة، أما المعتزلة فيقولون هو كلام الله حقيقة - مع اتفاقهم على أنه مخلوق، فقول الأشاعرة شر من قول المعتزلة، لأنهم زادوا عليهم بالقول أن القرآن ليس كلام الله.
والثاني: أن الأشاعرة يثبتون لله كلاما هو معنى قائم بذاته، والمعتزلة يقولون: لا يقوم به كلام. ومن هذا الوجه فالأشاعرة خير من المعتزلة. وإن كان جمهور الناس يقولون: إن إثبات الأشاعرة للكلام النفسي، وقولهم إنه معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة - يؤدي في النهاية إلى أن لا يشبتوا لله كلاما حقيقة غير المخلوق (١) .
وبهذا يصبح قول الأشاعرة في القرآن أشد بطلانا وفسادا من أقوال المعتزلة الذين أجمع السلف على تبديعهم والإنكار عليهم، وهذا ما يفسر هجوم أئمة السلف - في كل عصر - على الكلابية والأشعرية فإنهم كانوا يعرفون حقيقة مذهب هؤلاء، وما يؤدي إليه من انحراف.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/١٢١-١٢٣، ١٣٢، ١٥/٢٢٢)، والتسعينية (ص:٢٣٥-٢٣٦) .
[ ٣ / ١٣٠٤ ]
٥- بين اللفظ والأشاعرة:
والمقصود باللفظية الذين يقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وهذه الفئة نشأت قبل الأشاعرة. وقد كان موقف الإمام أحمد وغيره من أئمة السلف منهم أنهم جعلوهم جهمية، وجعلوا الجهمية ثلاث طوائف:
- من قال إن القرآن مخلوق.
- واللفظية الذين يقولون تلاوة القرآن، واللفظ بالقرآن مخلوق.
- والواقفة الذين لا يقولون القرآن مخلوق ولا غير مخلوق.
فلما انتشر هذا بين أهل السنة نشأ في مقابل "اللفظية" طائفة مقابلة لهم قالوا: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، وتلاوتنا له غير مخلوقة، ولكن الإمام أحمد بدع هؤلاء وأمر بهجرهم.
واستقر مذهب السلف على تبديع الطائفتين، وصار من أصول مذهبهم في القرآن أنه كلام الله غير مخلوق، ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق، أو قال غير مخلوق فهو مبتدع، وكذلك من وقف فيه فهو مبتدع.
وموقف السلف مبني على ما في مسألة "اللفظ" و"التلاوة" من الإجمال؛ إذ قد يراد به المقروء والمتلو، وقد يراد به صوت القارئ وفعله. فمنعوا من إطلاق الأمرين لذلك.
فلما جاء الأشعري ومن معه - بما معهم من المذهب في الكلام النفسي وأن القرآن العربي مخلوق - وأرادوا موافقة السلف في الإنكار على الطائفتين من طوائف "اللفظية"، ذكروا قول السلف هذا (١)، ولكنهم فسروا مقصودهم باللفظ تفسيرا آخر، وهو أنهم قالوا إن قصد السلف باللفظ: النبذ والطرح، ولم يكن قصدهم التلاوة، وهذا تفسير الأشاعري وابن الباقلاني، والقاضي أبي يعلى
_________________
(١) انظر: المقالات للأشعري (ص:٢٩٢) - ت ريتر، والكيلانية - مجموع الفتاوى (١٢/٣٦٢)، ومجموع الفتاوى (٦/٥٢٧) .
[ ٣ / ١٣٠٥ ]
وابن الزاغوني وغيرهم (١) .
والاشاعرة فسروا كلام السلف بهذا التفسير ليسلم لهم مذهبهم في القرآن العربي وأنه مخلوق، لأنهم بهذا موافقون لمن يقول لفظي بالقرآن مخلوق، ويقصد به التلاوة.
ولا شك أن هؤلاء مخطئون فيما ظنوه، والإمام أحمد وغيره لم ينكروا إطلاق اللفظ لأن المقصود به الطرح، وإنما لأن اللفظ يقصد به التلاوة والقراءة، والمسلمون يقولون تلوت القرآن وقرأته.
ثم إن اللفظ وارد في الكلام، فيقال: لفظت الكلام وتلفظت به كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (قّ:١٨)، وأهل السنة ربطوا بين اللفظ والتلاوة فقالوا: من قال لفظي بالقرآن وتلاوتي أن قراءتي مخلوقة فهو جهمي، ومن قال: إنه غير مخلوق فهو مبتدع (٢) .
ومسألة اللفظ شرحها شيخ الإسلام وبين ما فيها من اللبس، مع بيان ما جرى بين علماء السنة فيها، وفصل وجه الحق فيها، وبين وجه إنكار السلف على الطائفتين، وما في هذه الألفاظ من الإجمال (٣) .
كما عرض شيخ الإسلام لمسألة أخرى متعلقة بذلك وهي مسألة الحروف عموما في كلام الله وكلام غيره - هل يقال إن الحروف مخلوقة لأنها من كلام الآدميين، أو يقال: إنها ليست مخلوقة لأنها من كلام الله، كل قول من هذين قال به طوائف.
_________________
(١) انظر: الكيلانية - مجموع الفتاوى - (١٢/٣٦٢)، ودرء التعارض (١/٢٦٨) .
(٢) انظر: المسألة المصرية في القرآن - مجموع الفتاوى - (١٢/٢٠٩-٢١٠) .
(٣) انظر: في مسألة "اللفظ" درء التعارض (١/٢٥٦-٢٧١)، والتسعينية (ص:٢٣٤-٢٣٥)، ومجموع الفتاوى (١٢/٣٠٦-٣٠٧، ٥٧٣-٥٧٤)، والمسألة المصرية - مجموع الفتاوى (١٢/٢٠٦-٢١٠)، ومسألة الأحرف - مجموع الفتاوى (١٢/٧٤-٧٥)، والكيلانية - مجموع الفتاوى (١٢/٣٥٩-٣٦٤، ٣٧٤، ٤٠٨-٤٣٣)، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى (١٧/٣٤-٣٦) .
[ ٣ / ١٣٠٦ ]
والصواب في ذلك أن يقال ما قاله الأئمة كأحمد وغيره: "إن كلام الإنسان كله مخلوق حروفه ومعانيه، والقرآن غير مخلوق حروفه ومعانيه" (١) .
والخلاصة أن مذهب الأشاعرة في القرآن العربي موافق لأقوال اللفظية الذين يقولون ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وهؤلاء عدهم أئمة السنة من الجهمية.
هذه أهم مباحث "كلام الله" عند الأشاعرة، ومن ذلك يتبين أن الأشاعرة وإن أثبتوا صفة الكلام بإجمال، إلا أنهم ضلوا فيه وخالفوا الكتاب والسنة وأقوال السلف - في أمور أهمها:
١- قولهم بالكلام النفسي، وأنه لازم لذات الله تعالى.
٢- قولهم بأن كلام الله قديم وأن الله لا يتكلم إذا شاء متى شاء، وأن موسى لم يسمع كلام الله - وقت تكليمه - وإنما سمع الكلام الأزلي، أو أن الله خلق له الإدراك.
٣- قولهم بأن كلام الله معنى واحد، لا يتجزأ ولا يتبعض، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وأن الخبر والأمر والنهي شيء واحد.
٤- قولهم بأن القرآن العربي مخلوق، وما في هذا من موافقة للمعتزلة، واللفظية وغيرهم من الجهمية.
ولا شك أن هذه المسائل المتعلقة بكلام الله عظيمة جدا، ومذهب الأشاعرة فيها كان ضلالًا وانحرافا واضحًا عن مذهب السلف والأئمة.
_________________
(١) الكيلانية - مجموع الفتاوى - (١٢/٤٥٠)، وانظر - مناظرة حول الواسطية - مجموع الفاوى (٣/١٧٣)، ومسألة الأحرف - مجموع الفتاوى - (١٢/٣٧-١١٦)، والكيلانية - مجموع الفتاوى - (١٢/٤١٣-٤١٤، ٤٤١-٤٥٣)، ومجموع الفتاوى (١٢/٥٧١-٥٧٣) .
[ ٣ / ١٣٠٧ ]
المبحث الثالث: في القضاء والقدر
مقدمة:
موضوع "القضاء والقدر" من الموضوعات الكبرى التي خاض فيها جميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، على مر العصور والأزمان، وقد تكلم فيها الجميع، وشغلت أذهان الفلاسفة والمتكلمين وأتباع الطوائف من أهل الملل ومن غيرهم. والسبب في ذلك واضح وهو ارتباط القدر بحياة الناس وأحوالهم اليومية وما فيها من أحداث وتقلبات ليس لهم في كثير منها أي إرادة أو تأثير، ولو لم يكن هناك إلا مسألة الحياة والموت - واختلاف الناس في الأعمار - ومسألة الغنى والفقر، والصحة والمرض وتفاوت الناس فيها - لكان كافيا في أن يفكر الإنسان في هذه الأحداث هل هي مقدرة أم لا؟ خاصة وأن الإيمان بالله وأن هذا لكون لا بد له من خالق، أم فطري، لا يكاد ينكره أحد. والأقوال في القدر - بإجمال - لم تتغير قبل الإسلام أو بعده، فهي ترجع دائما إلى ثلاثة أقوال:
١- قول أهل الجبر، الذين يقولون إن الإنسان مجبورا على أفعاله وليس له إرادة ولا قدرة، ويمثل هذا في الفرق الإسلامية مذهب الجهمية ومن وافقهم، وهو ما يسمى في العصور المتأخرة بالمذهب الحتمي.
٢- ويقابلهم قول أهل حرية الإرادة، واستقلال الإنسان في أفعاله عن خالقه، وأن الإنسان له إرادة مستقلة عن إرادة الله، كما أنه هو الذي يخلق أفعاله، ويمثل هذا المذهب المعتزلة (القدرية)، ومن وافقهم.
٣- وهناك قول وسط بين وهؤلاء، يثبتون القدر، وأن الله خالق كل شيء، ويقولون أيضًا إن للإنسان إرادة ومشيئة ولكنها خاضعة لمشيئة، كما أن له قدرة يفعل بها فعله، لكنه هو وأفعاله مخلوق لله تعالى. وهذا مذهب السلف وأتباع الأنبياء.
[ ٣ / ١٣٠٨ ]
وبين هذه الطوائف - الثلاث - قد تنشأ فرق أخرى، تميل في بعض المسائل إلى طائفة، وفي المسائل الأخرى إلى طائفة ثانية، ويكون الحكم عليها حسب ما يغلب على مذهبها، فقد يقال إنها مائلة إلى مذهب الجبر، أو إلى مذهب القدرية، أو إلى مذهب السلف. ومن أشهر هذه الطوائف طائفة الأشعرية، حيث يغلب عليهم مخالفة المعتزلة والميل إلى مذهب الجبرية، وإن لم يصلوا إلى حد موافقة الجهم في أقواله وفي غلوه.
وشيخ الإسلام ابن تيمية اهتم كثير بمسألة القدر، ورد على المنحرفين فيه من الجبرية والقدرية وغيرهم، وشرح مذهب السلف في ذلك وذكر أدلته وأصوله.
ومما يجب ملاحظته أن مذهب الأشاعرة في القدر لا يتمثل في مسألة "الكسب" فقط، كما هو مشهور عنهم، وإنما ارتبط بهذه المسأ - التي اشتهروا بها وصارت شه علم عليهم، لا يذكر الكسب إلا ويذكر مذهب الأشاعرة - مسائل أخرى مرتبطة بها لا تنفك عنها، ولها أثر كبير على مذهبهم في الكسب وأفعال العباد.
ويولي شيخ الإسلام - بمنهجه الدقيق، الشامل، وبطريقته الفريدة في تلك المسائل أهمية خاصة نظرا لأثرها الكبير على خلاف الطوائف - من الأشاعرة وغيرهم - في القر.
ولذلك سيكون - بعون الله - عرض مباحث القدر على أساس الفرعين التاليين:
الفرع الأول: المسائل المتعلقة بالقدر:
وأهم هذه المسائل:
١- تعليل أفعال الله.
٢- هل الإاردة تقتضي المحبة أم لا؟.
٣- التحسين والتقبيح.
٤- معنى الظلم.
٥- تكليف ما لا يطاق.
[ ٣ / ١٣٠٩ ]
الفرع الثاني: أفعال العباد ومسألة "الكسب":
ومن خلال ذلك سيتم عرض الخلاف باختصار، وبيان مذهب الأشاعرة وخطئهم ومنهج شيخ الإسلام في الرد عليهم من خلال بيانه لمذهب السلف.
أما تعريف القدر اصطلاحا: فهو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها، وخلقه لها.
والإيمان بالقدر يشمل الإيمان بأربع مراتب:
الأولى: العلم، أي أن الله علم ما الخلق عاملون بعلمه الأزلي.
الثانية: الكتابة: وأن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ.
الثالثة: المشيئة: وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ليس في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئته - سبحانه -، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد.
الرابعة: الخلق: أي أن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد. هذا هو مذهب السلف الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة (١) .
وبعد بيان مذهب السلف بإجمال ننتقل إلى الكلام على الفرعين السابقين:
الفرع الأول: المسائل المتعلقة بالقدر:
وهذه المسائل: منها ما للخلاف فيه تأثير على مسألة القدر، حسب مذهب كل طائفة، ومنها ما له علاقة قوية بالقدر أو هي اثر من آثار الخلاف فيه. وأهم هذه المسائل:
أولًا: تعليل أفعال الله وإثبات الحكمة فيها:
كل ما خلقه الله تعالى فله فيه حكمة، والحكمة تتضمن شيئين:
أحدهما: حكمة تعود إليه تعالى، يحيها ويرضاها.
_________________
(١) انظر: الواسطية - مجموع الفتاوى - (٣/١٤٨-١٥٠)، وشفاء العليل لابن القيم (ص:٦٦) ط دار التراث.
[ ٣ / ١٣١٠ ]
والثاني: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم، يفرحون بها، ويلتذون بها، وهذا يكو في المأرات وفي المخلوقات (١) .
فهو "سبحانه حكيم، لا يفعل شيئًا عبثا ولا بغير معنى ومصلحة وحكمة، هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى" (٢)، وقد ذكر ابن القيم بعضها (٣) .
وقد وقع الخلاف في مسألة تعليل أفعال الله على أقوال:
١- قول من نفى الحكمة وأنكر التلعيل، وهؤلاء يقولون: إن الله تعالى خلق المخلوقات، وأمر المأمورات، لا لعلة ولا لداع ولا باعث، بل فعل ذلك لمحض المشيئة، وصرف الإرادة، وهذا مذهب الجهمية والأشاعرة وهو قول ابن حزم وأمثاله (٤) .
٢- إن الله فعل المفعولات وخلق المخلوقات، وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة، ولكن هذه الحكمة مخلوقة، منفصلة عنه، لا ترجع إليه، وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم (٥) .
٣- قول من يثبت حكمة وغاية قائمة بذاته تعالى، ولكن يجعلها قديمة غير مقارنة للمفعول.
٤- إن الله فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة، وهذه الحكمة تعود إلى الرب تعالى، لكن بحسب علمه، والله تعالى خلق الخلق ليحمدوه
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/٣٥-٣٦) .
(٢) شفاء العليل لابن القيم (ص:٤٠٠) - ط التراث.
(٣) انظر: المصدر لاسابق (ص:٤٠٠-٤٣٤) .
(٤) انظر: الإرشاد للجويني (ص:٢٦٨) وما بعدها، ونهاية الأقدام (ص:٢٩٧)، ومحصل أفكار المتقدمين للرازي (ص:٢٠٥)، الفصل (٣/١٧٤) - ط دار المعرفة. الأحكام لابن حزم (٨/١١١٠) وما بعدها.
(٥) انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل. لعبد الجبار الهمذاني (٦/٤٨، ١١/٩٢-٩٣) .
[ ٣ / ١٣١١ ]
ويثنوا عليه ويمجدوه، فهذه حكمة مقصودة واقعة، بخلاف قول المعتزلة فإنهم أثبتوا حكمة هي نفع العباد. وهذا قول الكرامية الذين يقولون: من وجد منه ذلك فهو مخلوق له وهم المؤمنون، ومن لم يوجد منه ذلك فليس مخوقه له (١) .
٥- قول أهل السنة وجمهور السلف وهو أن الله حكمة في كل ما خلق، بل له في ذلك حكمة ورحمة - كما سبق بيانه في بداية هذه المسألة.
هذه خلاصة الأقوال في هذه المسألة، ويلاحظ أنها تنتهي إلى قولين أحدهما: نفاة الحكمة، وهو قول الأشاعرة ومن وافقهم.
والثاني: قول الجمهور الذين يثبتون الحكمة. وهؤلاء على أقوال: أشهرها قول المعتزلة الذين يثبتون حكمة تعود إلى العباد ولا تعود إلى الرب، وقول جمهور السلف الذين يثبتون حكمة تعود إلى الرب تعالى (٢) .
ويلاحظ أن من نفي الحكمة والتعليل - كالأشاعرة - دفعه إلى ذلك إلى الميل إلى الجبر وإثبات الكسب القدرة غير المؤثرة للعبد. ومن أثبت حكمة تعود إلى العباد، جعلوا هذه الحكمة لا تتم إلا بأن يكون العباد هم الخالقين لأفعالهم وهذا قول المعتزلة.
أما أهل السنة فلم يلزمهم لازم من هذه اللوازم الباطلة، ولذلك جاء مذهبهم وسطا في باب القدر - كما سيأتي أن شاء الله -.
والأشاعرة الذين نفوا الحكمة والتعليل، احتجوا على مذهبهم بعدة حجج أهمها:
؟- أن ذلك يستلزم التسلسل، فإنه إذا فعل لعلة، فتلك العلة أيضا حادثة فتفتقر إلىعلة، وهكذا إلى غير نهاية وهو باطل.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/٣٩) .
(٢) انظر: أقوم ما قيل في القضاء والقدر - مجموع الفتاوى (٨/٨٣-٩٣، ٩٧-٩٨)، منهاج السنة (١/٩٧-٩٨) ط دار العروبة المحققة، والاستغاثة (ص:٢/٢٧)، جواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (١٧/١٩٨-٢٠٣)، درء التعارض (٨/٥٤)، مجموع الفتاوى (٨/٣٧٧-٣٨١)، ومنهاج السنة (١/٩٤-٩٥) ط دار العروبة المحققة.
[ ٣ / ١٣١٢ ]
وقد رد شيخ الإسلام على هذه الحجة من وجوه:
١- يقال لهم في الكمة ما يقولونه هم في "الفعل"، وذلك بأن يقال لهم: "لا يخلو إما أن يكون الفعل قديم العين أو قديم النوع، أو لا يمكن ذلك. فإن جاز أن يكون قديم العين أو قديم النوع، جاز في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون قيدمة العين أو قديمة النوع" (١) .ويلاحظ هنا أن القول بأن الفعل قديم "العين" هو قول الفلاسفة، ومعلوم أن الفلاسفة نفاة للحكمة - فهم موافقون للأشاعرة في هذا - فهذا الإلزام صالح لهم. ومن قال هذا ممتنع - أي قدم العين أو النوع في العقل - قيل وكذلك الحكمة يمتنع تسلسلها.
"وإن لم يمكن أن يكون الفعل لا قديم العين ولا قديم النوع، فيقال إذا كان فعله حادث العين والنوع، كانت حكمته كذلك" (٢) .
فتبين أن معنى كونه تعالى يفعل لحكمة "أنه يفعل مرادا لمراد آخر يحبه، فإذا كان الثاني محبوبا لنفسه، لم يجب أن يكون الأول كذلك، ولا يجب في هذا تسلسل" (٣) .
٢- يقال لهم في الحكمة ما يقال في الأسباب، فإذا كان تعالى خلق شيئًا بسبب، وخلق السبب بسبب آخر حتى ينتهي إلى أسباب لا أسباب فوقها فكذلك خلق لحكمة والحكمة لحكمة حتى ينتهي إلى حكمة لا حكمة فوقها (٤) .
٣- أن هذا التسلسل الذي يدعونه إنما هو تسلسل في الحوادث المستقبلة لا في الحوادث الماضية، فإنه إذا فعل فعلا لحكمة كانت الحكمة حاصلة بعد الفعل - والتسلسل في المستقبل جائز عند جماهير المسلمين وغيرهم، والجنة أكلها دائم (٥) .
_________________
(١) شرح الأصفهانية (ص:٣٦٣-٣٦٤) ت السعوي.
(٢) المصدر السابق (ص:٣٦٤) .
(٣) المصدر نفسه، ونفس الصفحة.
(٤) انظر: المصدر نفسه (ص:٣٦٥) .
(٥) انظر: المصدر نفسه.
[ ٣ / ١٣١٣ ]
- والحجة الثانية للأشعرة على نفي الحكمة والتعليل هي حجة الكمال والنقصان، ومعناها - عندهم - أن الله "لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصا بدونهها مستكملا بها، فإنه إما أن يكون وجود تلك العلة وعدما بالنسبة إليه سوءا، أو يكون وجودها أولى به، فإن كا الأول امتنع أن يفعل لأجلها، وإن كان الثاني ثبت أن وجودهاأولى به، فيكون مستكملا بها، فيكون قبلها ناقصا" (١) . وهذه الحجة أصلها مبني على نفي حلول الحوادث.
وقد سبق مناقشة هذه الحجة في مسألة الصفات، عند مناقشة الصفات الاختيارية القائمة بالله التي يسميها الأشاعرة وغيرهم حلول الحوادث.
وقد ناقش شيخ الإسلام هذه الحجة هنا - في مبحث التعليل - من وجوه:
١- "أن هذا منقوض بنفس ما يفعله من المفعولات، فما كان جوابا في المفعولات، كان جوابا عن هذا، ونحن لانعقل في الشاهد فاعلا إلا مستكملا بفعله" (٢) .
٢- أن قولهم "مستكمل بغيره" باطل، لأن هذا إنما حصل بقدرته ومشيئته، لا شريك له في ذلك، فلم يكن في ذلك محتاجا إلى غيره وإذا قيل: كمل بفعله الذي لا يحتاج فيه إلى غيره، كان كما لو قيل كمل بصفاته، وبذاته" (٣) .
٣- "أن العقل الصرحي يعلم أن من فعل فعلا لا لحكمة، فهول أولىبالنقص ممن فعل لحكمة كانت معدومة، ثم صارت موجودة في الوقت الذي أحب كونها، فكيف يجوز أن يقال: فعله لحكمة يستلزم النقص، وفعله لا لحكمة لا نقص فيه" (٤) .
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/١٨٣)، وانظر الأربعين للرازي (ص:١٤٩-١٥٠) .
(٢) مجموع الفتاوى (٨/١٤٦)، وانظر: شرح الأصفهانية (ص:٣٦٠) ت السعوي.
(٣) مجموع الفتاوى (٨/١٤٦) .
(٤) شرح الأصفهانية (ص:٣٦٢) ت السعوي.
[ ٣ / ١٣١٤ ]
٤- "إنه ما من محذور يلزم بتجويز أن يفع للحكمة، إلا والمحاذير التي تلزم بكونه يفعل لا لحكمة أعظم وأعظم " (١) .
وهناك أوجه أخرى في مناقشة هذه الحجة (٢)، كما أن لشيخ الإسلام مناقشات عديدة للاشاعرة حول نفيهم للحكمة التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة (٣) .
كما أشار - أحيانًا - إلى تناقضهم في هذا الباب (٤) .
والأدلة على إثبات الحكمة والتعليل على وفق مذهب أهل السنة كثير جدًا، ذكر طرقا منها شيخ الإسلام (٥)، وذكر جملة منها ابن القيم - كما سبق -.
ثانيًا: هل الإاردة تقتضي المحبة أم لا؟
هذه المسألة مرتبطة بشكل قوي بالمسألة السابقة - مسألة تعليل أفعال الله - لأن حدا بالأشاعرة إلى أن ينكروا التعليل ما توهموه من وجود تعارض بين الأمر والقدر، وكيف يريد الله أمرا إرادة كونية كالكفر والمعاصي، ثم هو لا يحبها ولا يريدها دينا؟ فرأوا أن الخروج من هذا المأزق يكون بإنكار الحكمة والتعليل في أفعال الله وأوامره.
وموضوع الإاردة وهل هي مستلزمة للرضى والمحبة مما خاض فيه أهل الأهواء، وضلوا فيه عن الحق وأدى بهم ضلالهم إلى انحراف خطير جدا في مسألة القضاء والقدر وفي مسألة الأمر والنهي، وعلاقة هذه بتلك. وقد وصل الأمر
_________________
(١) انظر: شرخ الأصفهانية (ص:٣٦٣) ت السعوي.
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:٣٥٧-٣٦٣)، ومجموع الفتاوى (٨/١٤٦-١٤٧)، ودرء التعارض (٤/٢٠٣)، ومنهاج السنة (١/٢٩٧-٢٩٨) ط دار العروبة المحققة.
(٣) انظر: شرح الأصفهانية (ص:٣٥٤-٣٧٩) - حيث استقصى حججهم كما ذكرها الرازي وناقشها، وانظر أيضًا: منهاج السنة (١/٩٧-٩٨، ٣٩٨-٣٠١) - ط دار العروبة المحققة، ونقض التأسيس - مطبوع - (١/١٩٩-٢١٧)، والنبوات (ص:١٣١-١٣٤، ٣٥٧-٣٦١) - ط دا رالكتب التعليمية، ومجموع الفتاوى (١٦/١٣٠-١٣٢)، والجواب الصحيح (٤/٢٥٧-٢٥٩) .
(٤) انظر: أمثلة على ذلك في الاستغاثة (٢/٢٢٨)، ومجموع الفتاوى (١٤/١٨٣-١٨٤) .
(٥) انظر: شرح الأصفهانية (ص:١٥٧-١٥٩) - ت السعوي.
[ ٣ / ١٣١٥ ]
بغلاة الصوفية إلى أن اعتقدوا "أنه ليس في مشهدهم لله محبوب مرضى مراد إلا ما يقع، فما وقع فالله يحبه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه، والواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فهم من غلب كانوا معه، لأن من غلب كان القدر معه، والمقدور عندهم هو محبوب الحق، فإذا غلب الكفار كانوا معهم، وإذا غلب المسلمون كانوا معهم" (١)، وعلى هذا فإبليس وجميع الكفار والملاحدة والعصاة مطيعون لله، لموافقتهم للقدر، ولعل هذا سر ما يؤثر عن غلاة الصوفية من انحرافات أخلاقية سافة، ومن أقوال كفرية لم تؤثر حتى عن الكافرين والملاحدة.
والخلاف في هل الإاردة تستلزم الرضى والمحبة وقع على قولن:
القول الأول: أن الإاردة تستلزم الرضى، وهذا قول المعتزلة والجهمية وأغلب الأشاعرة (٢) .
وبعض الأشاعرة لهمع بارات تخفف من هذه المقالة، مثل قول بعضهم يحمل المحبة والرضا على الإرادة، ولكنه يقول: إذا تعلقت الإاردة بنعيم ينال عبدا فإنها تسمى محبة ورضى، وإذا تعلقت بنقمة تنال عبدا فإنها تسمى سخطا" (٣)، فمن جوز إطلاق المحبة على الإاردة قالوا: إن الله يحب الكفر ويرضاه كفرا معاقبا عليه (٤) .
ولكن هؤلاء الذين اتفقوا على أن الإرادة بمعنى الحبة والرضى - اختلفوا فيما بينهم على قولين جعلت أقوالهم تتباين كثيرا في مسألة القدر:
؟- فالمعتزلة القدرية قالوا: قد علم بالدليل أن الله يحب الإيمان والعمل الصالح، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ويكره الكفر والفسوق والعصيان، ولما كان هذا ثابتا لزم أن تكون المعاصي ليست مقدرة له ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه، قالوا: ولما كنا مأمورين بالرضى بالقضاء، ومأمورين بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها، فإذن يجب أن لا تكون واقعة بقضاء الله وقدره فأنكروا لذلك مرتبة المشيئة والخلق (٥) .
؟- وأما الأشاعرة - ومن معهم - فقالوا قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولما ثبت عندهم أن المشيئة والإرادة والمحبة والرضى كلها بمعنى واحد
_________________
(١) رسالة الاحتجاج بالقدر (ص:٨٠-٨١) - المكتب الإسلامي.
(٢) انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل (ج-٦ - قسم ٢- ص: ٥١-٦)، والحر - المطبوعة باسم باسم الانصاف - للباقلاني (ص:٤٤-٤٥)، ولباب العقول للمكلاتي (ص:٢٨٨) .
(٣) الإرشاد للجويني (ص:٢٣٩) وشرح المواقف (ص:٢٨٨) - جزء مستقل محقق.
(٤) انظر: لباب العقول (ص:٢٨٨) .
(٥) انظر: الاحتجاج بالقدر (ص:٦٦-٦٧) - ط المكتب الإسلامي.
[ ٣ / ١٣١٦ ]
- قالوا: فالمعاصي والكفر كلها محبوبة لله لأن الله شاءها وخلقها (١) .
وهكذا انتهى الأمر بهاتين الطائفتين إلى قولين باطلين: إما إخراج بعض المقدورات أن تكون مقدرة ومرادة لله كما فعل المتزلة، وإما بالقول بأن الله يحب الكفر والمعاصي كما فعلت الأشعرية الذين خالفوا نصوص الكتاب والسنة (٢) .
القول الثاني: أن الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبة، بل بينهما فرق، وهذا قول عامة أهل السنة المثبتين للقدر، وهؤلاء يقولون إن قول المعتزلة والأشاعرة مخالف للكتاب والسنة والإجماع، فإنهم متفقون على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وعلى أن الله لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأن الكفار يبيتون مالا يرضى من القول. كما هو صريح النصوص.
ولكن هل بين النصوص تعارض كما توهمه أولئك؟ أهل السنة يرون أن النصوص الواردة في المشيئة والإرادة، وفي المحبة ليس بينهما تعارض مطلقا إذا أعطيت حقها من الفهم والتفسير الصحيح.
وذلك أن أهل السنة يقولون إن الخطأ الذي وقع فيه المخالفون لهم من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، هو ظنهم أن الإاردة في النصوص كلها بمعنى واحد.
_________________
(١) انظر: الاحتجاج بالقدر (ص:٦٧)، ومدارج السالكين لابن القيم (١/٢٢٨، ٢٥١، ٢/١٨٩) .
(٢) انظر: الرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى - (٦/١١٥-١١٦)، ومنهاج السنة (١/٣٥٨-٣٥٩) - ط مكتبة الرياض الحديثة.
[ ٣ / ١٣١٧ ]
والحق أن الإرادة نوعان:
أحدهما: نوع بمعنى المشيئة العامة، وهذه هي الإاردة الكونية القدرية، فهذه الإاردة كالمشيئة شاملة لكل ما يقع في هذا الكون، وأدلة هذا النوع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (الأنعام: من الآية١٢٥) .
فهذه الإرادة لا تستلزم المحبة، وليست بمعناها.
والثاني: نوع بمعنى المحبة والرضى، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية١٨٥) وهذه هي الإرادة الدينية الشرعية.
وهذه الإرادة هي المستلزمة للمحبة والرضى، وهي المستلزمة للأمر (١) . وعلى هذا فبالنسبة لوقوع المراد، وفي أي النوعين يتعلق - تكون الأقسام أربعة:
أحدها: ما تعلقت بن الإرادتان الكونية والدينية، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فهذه مرادة دينا لأنها أعمال صالحة مأمور بها، ومرادة كونا لأنها وقعت.
الثاني: ما تعلقت به الإاردة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الطاعات والأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار ولم يأتوا به، فهذا مراد شرعا لأنها من الأعمال الصالحة، وغير مرادا كونا لأنه لم يقع م الكفار والعصاة.
الثالث: ما تعلقت به الإاردة الكونية فقط، كالمباحات والمعاني التي لم يأمر بها الله إذا فعلها العصاة. فهي غير مرادة دينا، ولكنها مرادة كونا لأنها وقعت.
_________________
(١) انظر: في ذلك مراتب الإاردة - مجموع الفتاوى - (٨/٨٨-١٩٠، ١٩٧)، ومجموع الفتاوى (٨/٢٢-٢٣، ٤٤، ٤٧٤-٤٧٦)، والرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى - (٦/١١٥-١١٦)، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (١٧/١٠١)، ومنهاج السنة (١/٣٦٠)، مكتبة الرياض الحديثة - (٣/٩٠، ١٠٢) ط بولاق ومجموع الفتاوى (١٨/١٣٢)، وما بعدها، والتسعينية (ص:٢٧٠) .
[ ٣ / ١٣١٨ ]
الرابع: ما لم تتعلق به الإرادتان، وذلك مما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي (١) .
وبهذا التفصيل (٢) - الذي دلت عليه النصوص - يتبين رجحان مهب أهل السنة والجماعة.
أما محاولة بعض الأشاعرة أن يجيبوا عن النصوص التي دلت على أن الله لا يحب الكفر ولا الفساد - بأن هذا خاص بمن لم يقع منه الكفر والفساد، والمعنى أن الله لا يحب الفساد لعباده المؤمنين ولا يرضاه لهم - فهذا جواب فاسد لأن لازم هذا أن الله لا يحب الإيمان ولا يرضاه من الكفار، لأنه لم يقع منهم، لأن المحبة عندهم كالإرادة إنما تتعلق بما وقع دون ما لم يقع. وهذا من أعظم الباطل (٣) .
ولا شك أن تخبط الأشاعرة ومعهم المعتزلة في هذه المسائل أدى بهم إلى الانحراف في مسألة القدر وأفعال العباد.
ثالثا: التحسين والتقبيح:
أول من اشتهر عنه بحث هذا الموضوع الجهم بن صفوان الذي وضع قاعدته المشهورة: "إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع" (٤)، وبنى على ذلك أن العقل يوبج ما في الأشياء من صلاح وفساد، وحسن وقبح، وهو يفعل هذا قبل نزول الوحي، وبعد ذلك يأتي الوحي مصدقا لما قال به العقل من حسن بعض الأشياء وقبح بعضها، وقد أخذ المعتزلة بهذا القول ووافقهم عليه الكرامية (٥) .
_________________
(١) انظر: مراتب الإرادة - مجموع الفتاوى - (٨/١٨٩) .
(٢) ومثل الإرادة ما ورد في القرآن من الأمر والحكم، والقضاء، والأذن، والكتاب، والكلمات، والبعث، والإرسال، والتحريم، والجعل، فإنها كلها تنقسم إلى كونية ودينية، انظر: مجموع الفتاوى (٨/٦١)، التحفة العراقية في الأعمال القلبية - مجموع الفتاوى - (١٠/٢٤-٢٦)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان - مجموع الفتاوى - (١١/٢٦٥-٢٧٠)، والحسينة والسيئة - مجموع الفتاوى (١٤/٣٨٣-٣٨٤)، ونقض التأسيس - مخطوط - (٢/٢٩٣-٢٩٨) .
(٣) انظر: رسالة الاحتجاج بالقدر (ص:٦٨) - ط المكتب الإسلامي.
(٤) الملل والنحل (١/٨٨) ت كيلاني.
(٥) انظر: نشأة الفكر الفلسفي للنشار (١/٣٤٦)، والتجسيم عند المسلمين - مذهب الكرامية - سهير مختار - (ص:٣٦٣) .
[ ٣ / ١٣١٩ ]
ومن ثم وقع الخلاف حوله على ثلاث أقوال:
١- أن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان في الأشياء، والحاكم بالحسن والقبح هو العقل، ولافعل حسن أو قيح إما لذاته، وإما لصفة من صفاته لازمة له وإما لوجوه واعتبارات أخرى، والشرع كاشف ومبن لتلك الصفات فقط. وهذا هو مذهب المعتزلة والكرامية ومن قال بقولهم من الرافضة والزيدية وغيرهم (١) .
٢- أنه لا يجب على الله شيء من قبل العقل، ولا يجب على العباد شيء قبل ورود السمع، فالعقل لا يدل على حسن شيء، ولا على قبحه قبل ورود الشرع، وفي حكم التكليف، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع. قالوا: ولو عكس الشرع فحسن ما قبحه، وقبحا ما حسنه لم يكن ممتنعا. وها قول الأشاعرة ومن وافقهم (٢) .
٣- التفصيل، لأن إطلاق التحسين والتقبيح على كل فعل من جهة العقل وحده دون الشرع، أو نفي أي دور للعقل في تحسين الأفعال أو تقبيحها، غير صحيح، ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل الحق في هذا توضيحًا كاملًا، فيقسم الأفعال إلى ثلاثة أنواع:
"أحدها: أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن أو قبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنه ثبت للفعل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك، وهذا ما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث الله إليهم رسولا، وهذا خلاف النص، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا
_________________
(١) انظر المغني لعبد الجبار ج٦ - القسم الأول - (ص:٢٦-٣٤، ٥٩-٦٠)، والمعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري (١/٣٦٣)، والبحر الزخار لابن المرتضى (١/٥٩)، والعقل عند المعتزلة (ص:٩٨-١٠٠)، والمعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية (ص:١٣٧) .
(٢) انظر الإرشد (ص:٢٥٨) وما بعدها، والمحصل للرازي (ص:٢٠٢)، وشرح المواقف (٨/١٨١-١٨٢) .
[ ٣ / ١٣٢٠ ]
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الاسراء: من الآية١٥) .
النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.
النوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِين﴾ (الصافات:١٠٣) حصل المقصود، ففداه بالذبح وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى، فلما أجاب الأعمى قال الملك: أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فرضى عنك وسخط على صاحبيك" (١) . فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس الأمور به.
وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع. وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب" (٢) .
وشيخ الإسلام يزيد الأمر تحقيقًا فيبين أن التحسين والتقبيح قسمان:
أحدهما: كون الفعلا ملائما للفاعل نافعا له أو كونه ضارا له منافرا فهذا قد اتفق الجميع على أنه قد يعلم بالعقل (٣) .
الثاني: كونه سببا للذم والعقاب، فهذا هو الذي وقع فيه الخلاف:
- فالمعتزلة قالوا قبح الظلم والشرك والكذب والفواحش معلوم بالعقل، ويستحق عليها العذاب في الآخرة وإن لم يأت رسول.
_________________
(١) متفق عليه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع ورقمه (٣٤٦٤) الفتح (٦/٥٠٠)، ومسلم كتاب الزهد ورقمه (٢٩٦٤) .
(٢) مجموع الفتاوى (٨/٤٣٤-٤٣٦) .
(٣) انظر: المصدر السابق (٨/٩٠، ٣٠٩-٣٠١)، ومنهاج السنة (١/٣٦٤) - مكتبة الرياض الحديثة.
[ ٣ / ١٣٢١ ]
- والأشاعرة قالوا: لا حسن ولا قبح ولا شر قبل مجيء الرسول، وإنما الحسن ما قييل فيه الفعل، والقبيح ما قيل فيه لا تفعل. ولم يجعلوا أحكام الشرع معللة، وهذا يوافق مذهبهم في التعليل.
- جمهور أهل السنة قالوا: الظلم والشرك والكذب والفواحش كل ذلك قبيح قبل مجيء الرسول، لكن العقوبة لا تستحق إلا بمجيء الرسول (١) .
وما فصله شيخ الإسلام هو الموافق لمذهب السلف، وهو الذي دلت عليه النصوص، أما الكلام في هذه المسألة كاصطلاح فإنما نشأ في المائة الثالثة من الهجرة (٢) .
والأشاعرة لأنهم يميلون إلى "الجبر" في القدر، قالوا بالتحسين والتقبيح الشرعي فقد. ولذلك احتج الرازي صراحة عليه بالجبر، فإنه أثبت أن العبد مجبور على فعله القبيح، فلا يكون شيء من أفعال العباد قبيحا.
ويرى شيخ الإسلام أن هذه الحجة هي في الأصل حجة المشركين المكذبين بالرسول الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: من الآية١٤٨)، فإنهم نفوا قبح الشرك وتحريم ما لا يحرمه الله من الطيبات بإثبات القدر، لكن شيخ الإسلام يستدرك - انصافا لخصومه - فيقول: "لكن هؤلاء الذين يحتجون بالجبر على نفي الأحكام إذا أقروا بالشرع لم يكونوا مثل المشركين من كل وجه، ولهذا لم يكن المتكلمون المقرون بالشريعة كالمشركين وإن كان فيهم جزء من باطل المشركين.
لكن يوجد في المتكلمين من المتصوفة طوائف يغلب عليهم الجبر حتى يكفروا حينئذ بالأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب، إما قولا وإما حالًا وعملا " (٣) .
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/٦٧٧-٦٨٦، ١١/٦٧٦-٦٧٧) .
(٢) انظر: التسعينية (ص:٣٤٧) .
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/٦٧٧-٦٨٦، ١١/٦٧٦-٦٧٧) .
[ ٣ / ١٣٢٢ ]
ولا شك أن الأشاعرة - وكذلك المعتزلة - ليسهم له حجة على قولهم في التحسين والتقبيح، سوى أخذهم ببعض النصوص دون بعض، وشيخ الإسلام كثيرا ما يفصل الخلاف في ذلك مبينا المذهب الحق (١) .
رابعًا: معنى "الظلم":
القول في معنى "الظلم" مبنى على مسألة التحسين والتقبيح، وقد وقع الخلاف في معنى الظلم على ثلاثة أقوال:
١-قول الجهمية والأشاعرة، وهؤلاء قالوا في تعريف الظلم: إما أنه التصرف في ملك الغير، أو أنه مخالفة الآم الذي تجب طاعته، وهؤلاء يقولون: الظلم بالنسبة لله غير ممكن الوجود، بل كل ممكن إذا قدر وجوده فإنه عدل، والظلم منه ممتنع غير مقدور، وهو محال لذاته كالجمع بين الضدين، وكون الشيء موجودًا معدومًا.
وهؤلاء يقولون لو عذب الله المطيعين ونعم العاصين لم يكن ظالما، لأن الظلم عندهم إنما هو التصرف في ملك الغير، والله تعالى مالك الملك، فأي فعل فعله ولو كان تعذيب أنبيائه وملائكته وأهل طاعته، وتكريم أعدائه من الكفار والشياطين لم يكن ظالما، لأنه لم يتصرف إلا في ملكه، وكذلك فليس هناك آمر فوقه حتى يخالفه.
وهذا قول جمهور الأشاعرة، وهو قول كثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، كالقاضي أبي يعلي، وأتباعه، وأبي المعالي الجويني وأتباعه، وأبي الوليد الباجي وأتباعه وغيرهم (٢) .
_________________
(١) انظر: أقوم ما قيل ي القضاء والقدر - مجموع الفتاوى - (٨/٩٠)، قاعدة في المعجزات والكرامات - مجموع الفتاوى - (١١/٣٤٧-٣٥٥)، منهاج السنة (١/٣١٦-٣١٧)، ط دار العروبة المحققة، الدرء (٨/٢٢، ٤٩٢، ٩/٤٩-٦٢)، شرح الأصفهانية (ص:١٦١) ت مخلوف، الرد على المنطقيين (ص:٤٢٠-٤٣٧)، النبوات (ص:١٣٩) وما بعدها، ط دار الكتب العلمية، الجواب الصحيح (١/٣١٤-٣١٥)، مجموع الفتاوى (١٦/٤٩٨) .
(٢) انظر: منهاج السنة (١/٩٠، ٢/٢٣٢) ط دار العروبة المحققة. وجامع الرسائل - رسالة في معنى كون الرب عادلا، وي تنزهه عن الظلم - (١/١٢١-١٢٢)، ورسالة في شرح حديث أبي ذر - مجموعة الرسائل المنيرية (٣/٢٠٧) .
[ ٣ / ١٣٢٣ ]
٣- قول المعتزلة، وهؤلاء يقولون: إن الظلم مقدور لله تعالى، ولكنه منزه عنه، وهذا حق، ولكنهم يجعلن الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، وشبهوه في الأفعال ما يحسن منها وما لا يحسن بعباده، فضربوا له من أنفسهم الأمثار، ولذلك فهم يسمون مشبهة الأفعال.
وبناء على هذا قالوا: "إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالما له، والتزموا أنه لا يقدر أن يهدي ضالا كما قالوا: إنه لا يقدر أن يضل مهتديا، وقالوا عن هذا: إذا أمر اثنين بأمر واحد، وخص أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالما إلى أمثال ذلك من الأمور التي هي من باب الفضل والإحسان، جعلوا تركه لها ظلما، وكذلك ظنوا أن التعذيب لمن كان فعله مقدرا ظلم له، ولم يفرقوا بين التعذيب لمن قام به سبب استحقاق ذلك ومن لم يقم" (١) .
فالله عند المعتزلة عدل لا يظلم لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب، لا الكفر ولا الفسوق ولا العصيان، بل العباد يفعلون ذلك بغير مشيئته، والله لم يخلق شيئًا من أفعال العباد لا خيرًا ولا شرًا، لأنه لو كان خالقا لها ثم عاقب العاصين لكان ظالما لهم (٢) .
٤- قول أهل السنة، قالوا: الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهذا معناه في اللغة، يقال: من أشبه أباه فما ظلم، ومن استرعى الذئب فقد ظلم (٣)، وعلى هذا المعنى بنى أهل السنة تعريفهم للظلم الذي نزه الله نفسه عنه فقالوا: إن الله تعالى حكم عدل يضع الأشياء مواضعها، فلا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يناسبه، ولا يفرق بين متماثلين، ولا يسوي بين مختلفين (٤) .
وعلى هذا فالظلم الذي حرمه الله على نفسه، وتنزه عنه فعلا وإرادة هو ما فسره به سلف الأمة وأئمتها أنه لا يحمل المرء سيئات غيره، ولا يعذب بما لم تكسب يداه،
_________________
(١) شرح حديث أبي ذر - مجمو الرسائل المنيرية (٣/٢٠٦) .
(٢) انظر: جامع الرسائل (١/١٢٣) .
(٣) انظر: الصحاح، ولسان العرب مادة - ظلم - وانظر: تأويل مشكل القرن (ص: ٤٦٧) .
(٤) انظر: جامع الرسائل (١/١٢٤) .
[ ٣ / ١٣٢٤ ]
وأنه لا ينقص من حسناته فلا يجازي بها أو ببعضها، وهذا هو الظلم الذي نفي الله خوفه عن العبد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ (طه:١١٢)، قال المفسرون لا يخاف أن يحمل عليه من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وقيل: يظلم بأن يؤاخذ بما لم يعمل (١) .
والله تعالى قادر على الظلم، ولكنه تعالى نزه نفسه عنه، وحرمه على نفسه، كما ورد في ذلك الأدلة الكثيرة، وأشهرها حديث أبي ذر: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم مكرما فلا ظالموا" (٢) . وغيره.
ويلاحظ أن الأشاعرة جاء تفسيرهم للظلم مواكبا لمذهبهم في القدر، فهم لميلهم إلى مذهب الجبرية، إذا قيل لهم إن قولكم إن للعبد قدة غير مؤثرة، نتيجته الجبر، فكيف يعذب الله العباد على ما جبرهم عليه، هذا ظلم، قالوا ليس هذا ظلمًا لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وهذا منتفق بالنسبة لله.
ولا شك أن هذا التفسير للظلم مخالف للمعروف من لغة العرب، ولما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة التي ورد فيها هذا اللفظ، كما أن قولهم بأن الظلم ممتنع عليه ليسه فيه مدح ولا كمال، وإنما المدح والكمال أن يقال: إن الله سبحانه منزه عنه، لا يفعله لعدله، والمدح إنما يكون بترك المقدور عليه، لا بترك الممتنع (٣) .
خامسًا: تكليف ما لا يطاق:
الطاقة هي الإستطاعة، والخلاف بين الطوائف قائم حول تحديد المقصود با لا يطاق، هل هو الممتنع عادة، أو المستحيل كالجمع بين الضدين، أو هو كتكليف الكافر وهو لا يؤمن.
_________________
(١) انظر: زاد المسير - سورة ط آية: ١١٢- شرحح الطحاوية (ص:٥٠) ط المكتب الإسلامي، ومنهاج السنة (١/٩٠-٩٢) . ط دار العروبة المحققة.
(٢) سبق تخريجه (ص:٧٢٨) .
(٣) انظر: في مسألة الظلم والأقوال فيه: جامع الرسائل (١/٢٧-١٢٩)، والجواب الصحيح، (١/٢١٩)، النبوات (ص:١٤٣) - ط دار الكتب العلمية، منهاج السنة (١/٣١٨) ط دار العروبة المحققة، (١/٣٦١) - مكتبة الرياض الحديثة، (٣/٢٣-٢٦) - ط بولاق، مجموع الفتاوى (٨/٥٠٥-٥١٠، ١١/٦٧٥-٦٧٦)، درء التعارض (١٠/٢٨) .
[ ٣ / ١٣٢٥ ]
وشيخ الإسلام يبين أن هذا الخلاف ناتج عن عدم التفريق بين أمرين متعلقين بالنزاع في هذه المسألة:
١- ما يرجع إلى الفعل المأمور به، وهذا فيما يتعلق بالقضاء والقدر.
٢- وما يرجع إلى جواز الأمر بالشيء، وهذا فيما يتعلق بمسائل الأمر والنهي.
والذين خلطوا بين هذين القسمين وقعوا في المحذور، مثل قياس بعضهم أمر الله الكافر بالإيمان مع علمه تعالى أنه لا يفعل، بمسألة العاجز الذي لو أراد الفعل لم يقدر عليه، وجعلهم القسمين قسما واحدًا وأنه تكليف بما لا يطاق.
فهذا جمع مخالف لما يعلم بالإضطرار من الفرق بينهما، وهو من مثارات الأهواء بين القدرية والجبرية (١) .
ولذى يرى شيرخ الإسلام أن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام (٢) .
وقد وقع الخلاف في تكليف ما لا يطاق على أقوال:
١- جواز تكليف ما لا يطاق، ومنه تكليف الأعمى البصر، والزمن أن يسير إلى مكة. وهذا قول جهم بين صفوان (٣) .
٢- عدم جواز تكليف ما لا يطاق، وقد معونه لقبحه عقلا، وهذا مبني على مذهبهم في أن القدرة تكون قبل الفعل فقط، حتى يتحقق التكليف، ومن ثم يترتب عليه الثواب والعقاب، ولذلك منعوا أن تكون القدرة مقارنة لمقدورها، لأن معنى ذلك أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفًا بما لا يطاق؛ إذ لو أطاقه لوقع منه، فلما يقع منه دلي على أنه غير قادر عليه، وتكليف ما لا يطاق قبيح، وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم (٤) .
_________________
(١) انظر: درء التعارض (١/٦٤-٦٥) .
(٢) انظر: المصدر السابق (١/٦٥) .
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/٢٩٧) .
(٤) انظر: شر ح الأصول الخمسة (ص:٣٩٦)، والمختصر في أصول الدين لعبد الجبار الهمذاني (ص:٢١٨)، ونظرية التكليف، عبد الكريم عثمان (ص:٣٠١)، وشرح المواقف (ص:٣٣١) - الجزء المحقق.
[ ٣ / ١٣٢٦ ]
٣- أن تكليف ما لا يطاق جائز، وهذا مذهب الأشاعرة، وبنوا ذلك على ما في مذهبهم من أنه لا يجب على الله شيء ولا يقبح منه شيء. لكن الأشاعرة يقولون، إن ما لا يطاق أقسام:
؟- أن يمتنع الفعل لعلم الله بعدم وقوعه، كتكليف الكافر الإيمان في حالة كفره، وهذا جائز عند جميع الأشاعرة، وهذا النوع هو مالا يستطيعه المكلف لاشتغاله بضده فقط وهو الذي منعه المعتزلة (١) .
؟- أن يمتنع الفعل لنفسه، بكون محالا كالجمع بين الضدين. وهذا اختلف فيه الأشاعرة، منهم من أجازه كالرازي ومنهم من منعه (٢) .
؟- ألا تتعلق به القدرة الحادثة عادة، كحمل الجبل، والطيران، فهذا يجوزه بعض الأشاعرة وإن لم يقع من خلال الإستقراء، وبعض المجوزين يحتج لذلك بتكليف أبي لهب الإيمان مع ورود الخبر أنه لا يؤمن (٣) .
٤- مذهب السلف، التفصيل، وذلك أن يقال: تكليف مالا يطاق على وجهين:
أحدهما: مالا يقدر على فعله لاستحالته، وهو نوعان:
أما وقع ممتنع عادة كالمشي على الوجه والطيران، وكالمقعد الذي لا يقدر على القيام، والأخرس الذي لا يقدر على الكلام.
ب وما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين، وجعل المحدث قديما، والقديم محثدا، ونحو ذلك.
فهذا النوعان قد اتفق حملة الشريعة على أن مثل هذا ليس بواقع، وأنه لا يجوز تكليفه (٤) .
_________________
(١) انظر: شرح المواقف (ص:٣٣١-٣٣٢) الجزء المحقق.
(٢) انظر: الإرشاد (ص:٢٢٦) ما بعدها، معالم أصول الدين للرازي (ص:٨٥-٨٦)، ط مكتبة الكليات الأزهرية، وشرح المواقف (ص:٣٣٢) الجزء المحقق.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/٢٩٥)، وشرح المواقف (ص:٣٣٣) الجزء المحقق.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/٣٠١) .
[ ٣ / ١٣٢٧ ]
والثاني: ما لا يقدر عليه لإستحالته، ولا للعجز عنه، لكن لتركه والاشتغال بضده، مثل تكليف الكافر الإيمان في حال كفره، فهذا جائز خلافا للمعتزلة، لأنه من التكليف الذي اتفق المسلمون على وقوعه في الشريعة. ولكن إطلاق تكليف ما لا يطاق على هذا مما منعه جمهور أهل العلم، وإن كان بعض المنتسبين إلى السنة قد أطلقه في ردهم على القدرية (١) .
بقي الكلام في احتج به بعض الأشاعرة من جواز تكليف الممتنع عادة، بقصة أبي لهب (٢)، فشيخ الإسلام يرى أن هذا خطأ، لأن من أخبر الله أنه لا يؤمن وأنه يصلي النار، بعد دعاء النبي - ﷺ - له إلى الإيمان، فهذا حق حققت عليه كلمة العذاب، فهو كالذي يعاين الملائكة وقت الموت، فلم يبق هذا مخاطبًا من جهة الرسول بالأمرين المتناقضين. وهو أيضًا كقوم نوح حين أخبر الله نوحًا - ﵇ - أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فلم يكن بعد هذا يأمرهم بالإيمان بهذا الخطاب (٣) .
"بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار المستلزم لموته على الكفر وأنه سمع هذا الخطاب ففي هذا الحال انقطع تكليفه، ولم ينفعه إيمانه حينئذ، كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (غافر: من الآية٨٥) (٤) .
فأبو لهب قد حقت عليه كلمة العذاب، فلا ينفعه الإيمان (٥) .
وهكذا فالقول الراجح هو التفصيل فيها. ومن ذلك يتبين خطأ المعتزلة والجهمية وبعض الأشاعرة علما بأن من الأشاعرة من ذلك القول الحق بتفصيله
_________________
(١) انظر: المعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى (ص:٤٦-١٤٧)، ومجموع الفتاوى (٨/٢٩٨-٣٠٢)، ودرء التعارض (١/٦٠) .
(٢) كالرازي في معالم أصول الدين (ص:٨٥)، ط مكتبة الكليات الأزهرية، وانظر: مجموع الفتاوى (٨/٣٠٣) .
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/٣٠٢)، ودرء التعارض (١/٦٣) .
(٤) انظر: درء التعارض (١/٦٣-٦٤) .
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٨/٤٣٨، ٤٧٣-٤٧٤) .
[ ٣ / ١٣٢٨ ]
في هذه المسألة (١) .
هذه أهم المسائل المتعلقة بالقدر، وهي وإن كانت مسائل فرعية إلا أنها ذات صلة قوية بموضوع القدر، أو هي جزء منه، ولا شك أن الأشاعرة لم يسلكوا فيها المسلك الصحيح الذي هو مسلك السلف - ﵏ - ولذلك جاء مذهبهم في القدر وفي أفعال العباد، منحرفا عن المذهب الحق.
_________________
(١) انظر: المعتمد في أصول الدين (ص:١٤٦)، والاقتصاد للغزالي (ص:١١٢-١١٤) ط دار الكتب العلمية، ومجموع الفتاوى (٨/٢٩٦، ٤٦٩-٤٧٠) .
[ ٣ / ١٣٢٩ ]
الفرع الثاني: أفعال العباد ومسألة "الكسب":
هذه المسألة هي لب الخلاف في القدر، ولأجلها صار الناس فيه فرقا وأحزابا، ولكي تتضح الصورة، وتحديد موضع الخلاف، ينبغي أن يلاحظ ما يلي:
١- القدر له أربع مراتب هي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، فأما مرتبتا العلم والكتابة فلم ينكرهما إلا غلاة القدرية الذين يقولون إن الأمر أنف، أي لم يسبق الله فيه علم، وقد تبرأ منهم الصحابة - ﵁ -.
أما بقية الطوائف فهم مقرون بهاتين المرتبتين.
٢- أما مرتبنا: المشيئة والإرادة، والخلق، فقد وقع فيهما الخلاف على قولين:
أحدهما: إنكار هاتين المرتبتين، وهذا مذهب المعتزلة - ومن وافقهم - الذين يقولون إن الله لا يريد الكفر والمعاصي، ويقولون إن الله لا يخلق أفعال العباد، وإنما هم الخالقون لأفعالهم.
والثاني: الإقرار بهاتين المرتبتين. بإثبات الإرادة والمشيئة الشاملة، والقول بأن الله خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد. وهذا قول الجمهور من أهل السنة، والجهمية، والأشاعرة والماتريدية ومن وافق هؤلاء.
ولكن أفعال العباد لها متعلقان:
أحدهما: بالخالق تعالى، فهذا قد اتفق فيه أهل السنة والأشاعرة على أن الله خالق أفعال العباد.
والثاني: بالعبد، وله له قدرة أو لا، وهل قدرته مؤثرة أو غير مؤثرة. وهذه وقع فيها الخلاف بين الطوائف إلى حد كبير.
وهذه القدرة التي بها يتمكن العبد من الفعل، هي التي تسمى بالاستطاعة.
ولتوضيح هذه المسألة - مسألة علاقة أفعال العباد بهم - لا بد من عرض الخلاف من خلال أمرين:
[ ٣ / ١٣٣٠ ]
أحدهما: الاستطاعة أو القدرة، وهل تكون قبل الفعل أو بعده.
والثاني: هل هذه القدرة موجودة أو معدومة، وهل هي مستقلة أو غير مستقلة، وهل إذا كانت غير مستقلة تكون مؤثرة أو غير مؤثرة.
أولًا: الاستطاعة:
الاستطاعة، والقدرة، والقوة، والوسع، والطاقة، كلها متقاربة المعنى. وقد عرف الجرجاني الاستطاعة بأنها: "هي عرض يخلقه الله في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية" (١)، وهي في عرف المتكلمين: عبارة عن صفة بها يتمكن الحيوان من الفعل والترك (٢) .
وقد وقع الخلاف فيها على أقوال:
١- قول الجهمية، وهو أنه ليس للعبد أي استطاعة، لا قبل الفعل ولا معه، بل له قدرة شكلية غير مؤثرة في الفعل أصلا، وتسمى فعلا له تجوزا (٣) .
٢- قول المعتزلة ومن وافقهم: وهو أن الله تعالى قد مكن الإنسان من الاستطاعة، وهذه الاستطاعة قبل الفعل، وهي قدرة عليه وعلى ضده، وهي غير موجبة للفعل (٤) .
٣- قول الأشاعرة ومن وافقهم: وهو أن الاستطاعة مع الفعل لا يجوز أن تتقدمه ولا أن تتأخر عنه، بل هي مقارنة له، وهي من الله تعالى، وما يفعله الإنسان بها فهو كسب له (٥) .
_________________
(١) انظر: التعريفات (ص:١٢) .
(٢) انظر: المصدر السابق، نفس الصفحة.
(٣) انظر: الملل والنحل (١/٨٥)، والبحر الزخار (١/١٢٣)، والفرق بين الفرق (ص:٢١١)، والإرشاد (ص:٢١٥) .
(٤) انظر: مقالات الإسلاميين (١/٣٠٠) - ت عبد الحميد، والفرق بين الفرق (ص:١١٦)، ونظرية التكليف (ص:٣١٧) ونما بعدها. وانظر: شرح الأصول الخمسة (ص:٣٩٨)، وفي الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه (٢/١٠٦-١٠٧) .
(٥) انظر: الإرشاد (ص:٢١٩-٢٢٠)، والحرة - المطبوعة باسم الإنصاف (ص:٤٦)، ومعالم أصول الدين للرازي (ص:٨٣)، ط مكتبة الأزهرية، والمعتمد لأبي يعلى (ص:١٤٢) .
[ ٣ / ١٣٣١ ]
٤- قول أهل السنة - وهو الذي عليه محققو المتكلمين وأهل الفقه والحديث والتصوف وغيرهم - وهو التفصيل:
أفهناك استطاعة للعبد بمعنى الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات، وهي التي تكون مناط الأمر والنهي، وهي المصححة للفعل، فهذه لا يجب أن تقارن الفعل، بل تكون قبله متقدمة عليه، وهذه الاستطاعة المتقدمة صالحة للضدين ومثالها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: من الآية٩٧)، فهذه الاستطاعة قبل الفعل ولو لم تكن إلا مع الفعل لما وجب الحج إلا على من حج، ولما عصى أحد بترك الحج.
وهذه الاستطاعة هي مناط الأمر والنهي، ويه التي يتكلم فيها الفقهاء وهي الغالبة في عرف الناس.
ب وهناك الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل، وهذه هي الاستطاعة المقارنة للفعل، الموجبة له، ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (هود: من الآية٢٠) وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ (الكهف:١٠١) "فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم وصعوبته على نفسوهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه. وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك، وهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة له" (١)، وهي الاستطاعة الكونية التي هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل (٢) .
وبهذا التفصيل - الوسط - الذي شرحه شيخ الإسلام يحل الاشكال، ويتضح الأمر. والذين حاولوا أن يوجدوا حلا للخلاف القائم بين المعتزلة والأشاعرة لم يجدوه إلا بالرجوع إلى هذا التفصيل الموافق لمذهب أهل
_________________
(١) درء التعارض (١/٦١) .
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/١٢٩-١٣٠، ٢٩٠-٢٩٢، ٣٧١-٣٧٦، ٤٤١)، ومنهاج السنة (١/٧-٨، ٣٦٩-٣٧٣) مكتبة الرياض الحديثة، والتحفة العراقية - مجموع الفتاوى - (١٠/٣٢)، وشرح حديث أني حرمت الظلم - مجموع الفتاوى - (١٨/١٧٢-١٧٣)، ودرء التعارض (٩/٢٤١) .
[ ٣ / ١٣٣٢ ]
السنة (١) .
أما من خالفهم فقد وقع في الانحراف، فالمعتزلة حصروا القدرة والاستطاعة عند الإنسان بأنها تكون قبل الفعل، وأنكروا الاستطاعة الكونية المقارنة. والأشاعرة جعلوا الاستطاعة كلها مقارنة للفعل فلم يجدوا حلا صحيحًا للاستطاعة والقدرة التي هي شرط للعمل والتي هي بمعنى الصحة وسلامة الآلات. أما أهل السنة فجعلوا الاستطاعة نوعين، نوعا قبل الفعل وهو سلامة الجوارح، ونوعا معه وهو ما يجب به وجود الفعل.
ثانيًا: مدى قدرة العباد على أفعالهم:
وكثيرا ما يعرض الخلاف حولها باسم الأقوال في أفعال العباد، وهي أهم قضية وقع فيها الخلاف، ويمكن عرض الأقوال فيها - مع شرح واضح لمذهب الأشاعرة - كما يلي:
القول الأول: إن العباد مجبورون على أعمالهم، لا قدرة لهم ولا إرادة ولا اختيار، والله وحده هو خالق أفعال العباد، وأعمالهم إنما تنسب إليهم مجازًان وحركتهم واختيارهم كورق الشجر تحركه الرياح، وكحركة الشمس والقمر والأفلاك. وهذا هو مذهب الجبرية وأشهر فرقهم الجهمية (٢) .
القول الثاني: إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، وإنما العباد هم الخالقون لها، ولهم إرادة وقدرة مستقلة عن إرادة الله وقدرته، فأفعالهم لا فاعل لها ولا محدث سواهم، ومن قال: إن الله خالقها ومحدثها فقد عظم خطؤه - كما يقول عبد الجبار الهمذاني (٣) .
_________________
(١) انظر: محاولة الرازي في معالم أصول الدين (ص:٨٣)، ط الأزهرية، وانظر: حاشية محقق رسالة الحرة - المطبوعة باسم الأنصاف (ص:٤٦) .
(٢) انظر: الفرق بين الفرق (ص:٢١١)، والملل والنحل للشهرستاني (١/٨٧)، ومقالات الإسلاميين (١/٢٣٨)، ت عبد الحميد، واعتقادات فرق المسلمين للرازي (ص:١٠٣)، وانظر "جهم بن صفوان ومكانته في الفكر الإسلامي" تأليف خالد العسلي، (ص:١١٤-١٧٧) .
(٣) انظر: المغنى لعبد الجبار (٨/٨، ١٦، ٤٣، ٩/٩٥) وما بعدها، وشرح الأصول الخمسة (ص:٣٣٦) وما بعدها، وإنقاذ البشر من الجبر والقدر (ص:٤٩) .
[ ٣ / ١٣٣٣ ]
والمعتزلة قالوا إن العبد يخلق، فعله، ليصح ثوابه وعقابه على أعماله (١) .
القول الثالث: قول الماتريدية، وهم يقولون: إن الله تعالى خالق أفعال العباد كلها، ولا خالق إلا هو، كما يقول الأشاعرة وجميع أهل السنة (٢)، يقول الماتريدي: - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة: من الآية١٥) رادا على المعتزلة: "وفي هذا أنه إذا كان هو الذي يمدهم في الطغيان قدر على ضده من فعل الإيمان، فدل أن الله خالق فعل العباد، إذ من قولهم: إن القدرة التامة هي التي إذا قدر على شيء قدر على ضده" (٣)، ويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ (البقرة: من الآية١٠٩) بعد رده على المعتزلة "ولكن نقول: خلق فعل الحسد من الخلق، وكذلك يقال في الأنجاس والأقذار والحيات والعقارب ونحوها: إنه لا يجوز أن تضاف إلى الله تعالى، فيقال يا خالق الأنجاس والحيات والعقارب، وإن كان ذلك كله خلقه، وهو خالق كل شيء" (٤) .
ويقول النسفي:
"والله ﷾ خالق لأفعال العباد من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان لا كما زعمت المعتزلة أن العبد خالق لأفعاله" (٥) .
_________________
(١) انظر: كتاب العدل والتوحيد للرسي - ضمن رسائل العدل والتوحيد (١/١١٨) .
(٢) انظر: شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة: أعداد عبد الكريم تتان (ص:٢٨-٢٩) . نشر مكتبة الغزالي ومكتبة ابن الفارض - حماة، وانظر: شرح الفقه الأكبر ملا علي قاري (ص:٤٤)، والوصية لأبي حنيفة (ص:٧٤)، بقلم فؤاد علي رضا، مكتبة الجماهير - بيروت، مكتبة مدبولي - القاهرة، ط الأولى ١٩٧٠م.
(٣) تفسير الماتريدي: المسمى: تأويلات أهل السنة ج١ (ص:٥١-٥٢) طبعة ١٣٩١هـ.
(٤) تفسير الماتريدية (١/٢٤٩) .
(٥) شرح العقائد النسفية: سعد الدين التفتاراني (ص:٧٧-٧٨)، تحقيق: كلود سلامة ط دمشق، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ١٩٧٤م. وانظر: كتاب بحر الكلام في علم التوحيد" تأليف: أبي المعين النسفي (ص:٤١) .
[ ٣ / ١٣٣٤ ]
فالماتريدية - وجمهور الحنفية منهم - موافقون لأهل السنة في أن الله ﷾ خالق أفعال العباد، ولكن تعلق العباد بأفعالهم لهم فيه رأي خاص اشتهروا به وهو: أنهم يثبتون للعباد إرادة جزئية، ويه غير مخلوقة، وأمرها بأيديهم، فهم "جعلوا كسب العباد عبارة عن إرادتهم الجزئية وربما عبروا عنها بالقصد وصرف الإرادة الكلية نحو الفعل، قالوا: إن هذه الإرادة الجزئية صادرة من العباد، وهي لا موجودة ولا معدومة، وإما من قبيل الحال المتوسط بينهما أو من الأمور الاعتبارية، فلا يتضمن صدورها منهم معنى الخلق، إذ الخلق يتعلق بالموجود" (١)، فالعبد عند الماتريدية له قدرة يخلقها الله تعالى فيه عنده قصده الفاعل قصدًا مصمما، طاعة كان أو معصية، وإن لم تؤثر قدرته في وجود الفعل لمانع هو تعلق قدرة الله التي لا يقاومها شيء في إيجاد ذلك (٢) .
ويلاحظ أن مذهب الماتريدية هذا قربهم قليلًا من مذهب المعتزلة، كما أن مذهب جمهور الأشاعرة قريب من قول الجهمية، فكلا قولي الأشاعرة والماتريدية متفق على أن الله هو الخالق والعبد كاسب، بمعنى أنه متسبب بعزمه في أن يخلق الله الفعل ويجريه على يديه، لكن اختلفوا في هذا العزم، أمن عمل العبد هو أم من عمل الرب؟ بمعنى: هل العبد هو الذي يوه إرادة نفسه مختارا في هذا التوجيه؟ أم الله هو الذي يوجه إرادة العبد إلى الشيء أو ضده ولا يملك العبد لذلك نقضا ولا تحويلا؟ قال بالأول الماتريدية، وبالثاني الأشاعرة (٣) .
القول الرابع: قول الأشاعرة وأتباعهم:
وهؤلاء يقولون: إن الله - ﷾ - خالق أفعال العباد، وبهذا الأصل خالفوا المعتزلة القائلين بأن الله لا يخلق أفعال العباد بل هم الخالقون لها،
_________________
(١) موقف البشر تحت سلطان القدر: مصطفى صبري (ص:٦٩)، وانظر الإنسان هل مسير أم مخير؟ الدكتور فؤاد العقلي (ص:٥٠) - طبعة أولى ١٩٨٠م.
(٢) انظر: شرح الفقه الأكبر: علي قاري (ص:٤٦ - وانظر: شرح العقائد النسفية (ص:٨٦-٨٧-٨٨)، تحقيق كلود سلامة.
(٣) انظر: المختار من كنوز السنة النبوية: الدكتور: محمد عبد الله دراز (ص:٢٤٧)، وانظر أيضًا: "شيخ الإسلام الهروي" للدكتور محمد سعيد الأفغاني (ص:١٥٤-١٥٥) . وانظر في مذهب الماتريدية: في الفلسفة الإسلامية (٢/١٢٣-١٢٤) .
[ ٣ / ١٣٣٥ ]
وبتميز هذا الجانب عند الأشاعرة والماتريدية صار مذهبهم مشهورًا بأنه مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا حق.
ولكن عند عرض مذهبهم في الجاني الثاني من قضية خلق أفعال العباد وهو جانب تعلق أفعال العباد بهم، وهل هم الفاعلون لها؟ أم هي كسب لهم، وما مدى تعلق قدرة العباد بأفعالهم الخ.
أقول: عند عرض مذهبهم في هذا يتضح مدى اختلافهم وبعدهم عن مذهب أهل السنة والجماعة الحقيقي.
وهناك آمر آخر، وهو أن بعض كبار الأشاعرة قد رجعوا عن آرائهم التي كانوا يقولون بها في القدر إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا يستلزم الدقة في عرض الآراء، وخاصة في نسبة الأقوال إلى أصحابها من الناحية التاريخية.
وقد عرض آراء الأشاعرة - من خلال كتبهم - نورد ما أورده الشهرستاني حول مذهب الأشاعرة في القدر، وتطور آرائهم على يد كبار علمائهم، الواحد تلو الآخر، يقول: "قال (أي أبو الحسن الأشعري): والعبد قادر على أفعاله إذ الإنسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين حركات الرعدة والرعشة، وبين حركات الاختيار والإرادة، والتفرقة راجعة إلى أن الحركات الاختيارية حاصلة تحت القدرة، متوقفة على اختيار القادر، فمن هذا قال: المكتسب هو المقدور بالقدرة الحاصلة، والحاصل تحت القدرة الحادثة.
ثم على أصل أبي الحسن: لا تأثير للقدرة الحادثة في الإحداث، لأن جهة الحدوث قضية واحدة لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر والعرض، فلو أثرت في قضية الحدوث لأثرت في حدوث كل محدث حتى تصلح لإحداث الألوان والطعوم والروائح وتصلح لإحداث الجواهر والأجسام، فيؤدي إلى تجويز وقوع السماع على الأرض بالقدرة الحادثة، غير أن الله تعالى أجرى سننه بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة أو تحتها، أو معها: الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له، ويسمى هذا الفعل كسبًا، فيكون خلقا من الله تعالى إبداعًا وإحداثًا، وكسبا من العبد: حصولا تحت قدرته.
[ ٣ / ١٣٣٦ ]
والقاضي أبو بكر الباقلاني تخطى عن هذا القدر قليلا، فقال: الدليل قد قام على أن القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد، لكن ليست تقتصر صفات الفعل أو وجوهه واعتباراته على جهة الحدوث فقط، بل ها هنا وجوه أخرهن وراء الحدوث من كون الجوهر جوهرا متحيزًا، قابلًا للعرض، ومن كون العرض عرضا، ولونا، وسوادا، وغير ذلك قال: فجهة كون الفاعل حاصلا بالقدرة الحادثة أو تحتها نسبة خاصة، ويسمى ذلك كسبا، وذلك هو أثر القدرة الحادثة فأثبت القاضي تأثيرًا للقدرة الحادثة وأثرها .
ثم إن إمام الحرمين أبو المعالي الجويني تخطى عن هذا البيان قليلا، قال: أما نفي هذه القدرة والاستطاعة فمما يأباها العقل والحس، وأما إثبات قدرة لا أثر لها يوجه فهي كنفي القدرة أصلًا، وأما إثبات في حالة لا يفعل فهو كنفي التأثير، خصوصا والأحوال على أصلهم لا توصف بالوجود والعدم، فلا بد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة لا على وجه الإحداث والخلق، فإن الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار يحس من نفسه أيضًا عدم الاستقلال " (١) .
فهذا النص - عن الشهرستاني - يوضح كيف أن قول الأشاعرة في أفعال العباد لم يثبت على قدم الإستقرار، ولم يكن مقنعا لكبار علمائهم الذين بحثوا هذه المسألة، ويلاحظ في عرض هذا التطور لمذهب الأشاعرة أنهم يسرون نحو القول الحق الذي يقول به أهل السنة والجماعة - كما سيأتي - مع العلم بأن الذي استقر عليه مذهب الأشاعرة موافق لما قالوه أولا، والذي ذكر الشهرستاني أنه قول أبي الحسن الأشعري، وأنه لا تأثير للقدرة الحادثة.
ونعرض لأهم أقوال الأشاعرة:
١- قول جمهور الأشاعرة ومتأخريهم، وهؤلاء يقولون إن الله خالق أفعال العباد فيثبتون مرتبتي المشيئة والخلق، ولكن يقولون: "إن أفعال العباد
_________________
(١) الملل والنحل للشهرستاني (١/٩٦-٩٩)، وانظر: نهاية الأقدام له (ص:٧٢-٧٨)، وانظر: مذهب الإسلاميين: عبد الرحمن بدوي (١/٥٥٧-٥٦١) .
[ ٣ / ١٣٣٧ ]
الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيهان بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون الفعل مخلوقًا لله إبداعاص وإحداثًا، ومكسوبًا، للعبد، والمراد بكسبه إياه: مقارنته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له" (١) .
فأفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، وهي كسب للعباد، وعلى ذلك يترتب الثواب والعقاب، ولا تأثير لقدرة العبد في الفعل، وهذا قول جمهور الأشاعرة وهو القول الذي شنع بسببه المعتزلة على الأشاعرة لأنهم لما لم يثبتوا للعبد قدرة مؤثرة لم يكونوا بعيدين عن قول الجبرية (الجهمية) .
وللكسب عند هؤلاء تعريفات، أهمها:
١- ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به (٢) .
٢- ما يقع به المقدور في محل قدرته (٣) .
٣- وبعض الأشاعرة يعرف الكسب بأنه: "ما وجد بالقادر وله عليه قدرة محدثة" (٤) . ويضرب بعضهم للكسب مثلا "في الحجر الكبير قد يعجز عن حمله رجل، ويقدر آخر على حمله منفردا به، إذا اجتمعا جميعًا على حمله كان حصول الحمل بأقواهما ولا خرج أضعفهما بذلك عن كونه حاملا، كذلك العبد لا يقدر على الانفراد بفعله ولو أراد الله الانفراد بإحداث ما هو كسب للعبد
_________________
(١) شرح المواقف: للجرجاني (٢٣٧)، تحقيق الدكتور أحمد المهدي، وانظر: عيون المناظرات لأبي علي عمر السكوني (ص:١٦٤، ١٧٦، ٢٢٤) .
(٢) الإنسان هل هو مسير أم مخير؟ الدكتور فؤاد العقلي (ص:١١)، الطبعة الأولى ١٩٨٠م، مكتبة الخانجي القاهرة. وانظر: شرح جوهرة التوحيد للباجوري (ص:٢١٩)، ط ١٣٩٢هـ.
(٣) شرح جوهرة التوحيد (ص:٢١٩) .
(٤) المعتمد في أصول الدين: (ص:١٢٨)، وانظر: التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية: لجمال الدين الأفنغاني (ص:٣٠٩) من الجزء الأول، ضمن الأعمال الكاملة لمؤلفات جمال الدين الأفغاني، تحقيق محمد عمارة، ط الأولى ١٩٧٩م.
[ ٣ / ١٣٣٨ ]
قدر عليه ووجد مقدوره، فوجوده على الحقيقة بقدرة الله تعالى ولا يخرج مع ذلك المكتسب من كونه فاعلا وإن وجد الفعل بقدرة الله تعالى" (١) .
وكسب الأشعري هذا هو الذي قيل فيه: ثلاثة أشياء لا حقيقة لها ومنها كسب الأشعري (٢)، وقد دار حوله نقاش طوي لوعريض، ولم ينته الأشاعرة فيه إلو قول مستقيم (٣) .
٢- قول أبي بكر الباقلاني: وهو كقول جمهور الأشاعرة إلا أنه خالفهم بأن الأفعال واقعة بمجموع القدرتين "على أن تتعلق قدرة الله بأصل الفعل وقدرة العبد بصفته، أعين بكونه طاعة ومعصية، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا توصف بها أفعال تعالى، كما في لطم اليتيم تأديبا أو إيذاء، فإن ذات اللطم واقعة بقدرة الله وتأثيره، وكونه طاعة على الأول، ومعصية على الثاني بقدرة العبد وتأثيره" (٤)، يقول الباقلاني في رسالة الحرة: "ويجب أن يعلم أن العبد له كسب وليس مجبورًا، بل مكتسب لأفعاله من طاعة ومعصية لأنه تعالى قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَت﴾ (البقرة: من الآية١٣٤) يعني من ثواب طاعة ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾ (البقرة: من الآية٢٨٦) يعني من عقاب معصية ويدل على صحة هذا أيضًا: أن العاقل منا يفرق بين تحرك يده جبرا وسائر بدنه عند وقوع الحمى به، أو الارتعاش، وبين أن يحرك هو عضوا من أعضائه قاصدا إلى ذلك باختياره، فأفعال العباد هي كسب لهم وهي خلق الله تعالى، فما يتصف به الحق لا يتصف به الخلق، وما يتصف به الخلق لا يتصف به الحق، وكما لا يقال لله تعالى إنه مكتسب، كذلك لا يقال للعبد إنها خالق" (٥) .
_________________
(١) أصول الدين للبغدادي (ص:١٣٣-١٣٤)، وانظر: نشأة الأشعرية وتطورها، دكتور: جلال محمد موسى (ص:٢٣٨) .
(٢) وطفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، انظر: مجموع الفتاى (٨/١٢٨*.
(٣) انظر: مثلا: النشر الطيب على شرح الطيب، ادريس بن أحمد الوزاني الفاسي، (١/٤٦١)، ط الأولى ١٣٤٨هـ، وانظر: كتاب المسامرة، للكمال بن أبي شريف، بشرح المسايرة لابن الهمام (ص:١٠٧)، ط الأولى، بولاق، ١٣١٧هـ، وانظر: حاشية الكلنبوي على شرح الدواني، مع حاشية المرجاني والخلخاني (١/٢٥١)، ط ١٣١٧هـ.
(٤) شرح المواقف (ص:٢٣٩) - الجزء المحقق.
(٥) رسالة الحرة - المطبوعة باسم الإنصاف (ص:٤٣-٤٤) .
[ ٣ / ١٣٣٩ ]
إذن فمذهب الباقلاني أن الفعل واقع بقدرة العبد بوصفه طاعة أو معصية يترتب عليه الثواب والعقاب.
٣- قول أبي المعالي الجويني: كان في الو أمره يقول بقول عامة الأشاعرة وقد صرح بمذهبه هذا في الإرشاد: قال "اتفق سلف الأمة قبل ظهور البدع والأهواء واضطراب الآراء على أن الخالق المبدع رب العالمين، ولا خالق سواه، ولا مخترع إلا هو، فهذا هو مذهب أهل الحق، فالحوادث كلها حدثت بقدرة الله تعالى، ولا فرق بين ما تعلقت قدرة العباد به، وبين ما تفرد الرب بالاقتدار عليه ويخرج من مضمون هذا الأصل أن كل مقدور لقادر فالله تعالى قادر عليه وهو مخترعه ومنشئه" (١) . ثم قال: "فالوجه القطع بأن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها أصلا، وليس من شرط تعلق الصفة أن تؤثر في متعلقها، إذ العلم معقول تعلقه بالمعلوم مع أنه لا يؤثر فيه، وكذلك الإرادة المتعلقة بفعل العبد لا تؤثر في متعلقها" (٢) . وواضح من هذا الكلام تمسك الجويني بمذهب الأشاعرة، وكلننا نجد في "العقيدة النظامية" وهي آخر ما كتب في العقيدة يرد قوله هذا وقول عموم الأشاعرة (٣) وقد أطال الكلام في هذه المسألة ووضح مذهبه الذي انتهى إليه، وهو موافق لمذهب أهل السنة والجماعة.
_________________
(١) الإرشاد (ص:١٨٧) .
(٢) المصدر السابق (ص:٢١٠) .
(٣) انظر: العقيدة النظامية (ص:٤٣-٥٦)، تحقيق أحمد حجازي السقا، ط الأولى ١٣٩٨هـ، وانظر في مذهب الجويني: النشر الطيب (١/٤٦٤)، والملم والنحل للشهرستاني (١/٩٨)، ونهاية الأقدام (ص:٧٨) وما بعدها. وفي الفلسفة الإسلامية (٢/١١٨) وما بعدها، ومذاهب الإسلاميين (١/٧٣٩) وما بعدها.
[ ٣ / ١٣٤٠ ]
٤- قول أبي حامد الغزالي، وهو أن أفعال العباد واقعة بمجموع القدرتين على فعل واحد، وجوز اجتماع المؤثرين على فعل واحد، يقول "وإنما الحق إثبات القدرتين على فعل واحد، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين فلا يبقى إلا استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد، وهذا إنما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما، فتوارد التعلقين على شيء واحد غير محال" (١)، فالمؤثر عنده مجموع القدرتين، قدرة الله وقدرة العباد (٢) .
القول الخامس: قول أهل السنة والجماعة، وهؤلاء يقرون بالمراتب الأربع الثابتة والتي دلت عليها النصوص، وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة والخلق، أما أفعال العباد فهي داخلة في المرتبة الرابعة، ولذلك فهم يقولون فهيا: إن الله خالق أفعال العباد كلها، والعباد فاعلون حقيقة، ولهم قدرة حقيقة على أعمالهم ولهم إرادة، ولكنها خاضعة لمشيئة الله الكونية فلا تخرج عنها.
منهج شيخ الإسلام في الرد على الأشاعرة في القدر:
أولًا: يوافق الأشاعرة أهل السنة في إثبات القدر، وأن الله خالق أفعال العباد.
ثانيًا: أما قولهم بإثبات قدرة للعبد غير مؤثرة، وتسمية فعله كسبا، فشيخ الإسلام يرجع أصل قولهم هنا إلى قضية سبق شرحها في باب الصفات وهي قولهم: إن الفعل هو المفعول، والخلق هو المخلوق، وعدم تفريقهم بين ما يقوم بالله من الأفعال، وما هو منفصل عنه، وجعلهم كل أفعال الله مفعولة له منفصلة عنه.
فلما جاءوا إلى مسألة القدر وأفعال العباد واعتقدوا أنها مفعولة لله، قالوا: هي فعله، لأن الفعل عندهم هو المفعول، فيقيل لهم في ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا في الإجابة، وانقسموا حيالها إلى أقوال ثلاثة:
_________________
(١) الاقتصاد (ص:٥٨-٥٩)، ط دار الكتب العلمية.
(٢) انظر: الأربعين للرازي (ص:١٣)، ط دار الآفاق.
[ ٣ / ١٣٤١ ]
- جمهورهم قالوا: هي كسب العبد لا فعله، ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق.
- ومنهم من قال: بل هي فعل بين فاعلين. وهو قول الغزالي الذي سبق.
- ومنهم من قال: بل الرب فعل ذات الفعل والعبد صفته وهذا قول الباقلاني - كما سبق - (١) .
"والتحقيق الذي عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق. فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، ما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعول لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله، بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به، ليست قائمة بالله ولا يتصف بها، فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال وهو المتصف بها، وله عليها قدرة، وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق لله، فهي فعل العبد، وهي مفعول للرب" (٢) .
وبهذا التفصيل الجيد يتبين غلط الأشاعرة حين جعلوا الفعل هو المفعول، فأوقعهم هذا في مأزق الكسب الذي اشتهروا به ولم يستطيعوا التخلص منه.
ومع هذا الرد المجمل فإن لشيخ الإسلام كثيرًا من الردود التفصيلية، وأهمها:
١- أن كسب الأشعري لا حقيقة له، لأنهم فسروه بأنه عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، وقالوا: الخلق هو المقدور بالقدرة القديمة. وما دام العبد ليس بفاعل، ولا له قدرة مؤثرة في الفعل فالزعم بأنه كاسب، وتسمية فعله كسبا لا حقيقة له، لأنه القائل بذلك لا يستطيع أن يوجد فرقا بين الفعل الذي نفاه عن العبد، والكسب الذي أثبته له. وكثيرا ما يشير شيخ الإسلام إلى أن قول
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢/١١٩) .
(٢) المصدر السابق (٢/١١٩-١٢٩)، وانظر: منهاج السنة (١/٣٢٢-٣٢٦) - ط دار العروبة المحققة.
[ ٣ / ١٣٤٢ ]
الأشاعرة هذا قريب من قول الجهم الذي يصرح بالجبر (١) .
٢- أما زعمهم بأنهم يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه وبين الخلق بأن الكسب: عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة، وقولهم أيضًا: الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه، والخلق هو الفعل الخارج عن محل القدرة عليه، وزعمهم أن هذا يبعد قولهم عن قول الجهم الذي يقول بالجبر المحض (٢) أما مزاعمهم هذه فمردودة بما يلي:
أأن قولهم هذا "لا يوجب فرقًا بين كون العبد كسب، وبين كونه فعل، وأوجد، وأحدث، وصنع، وعمل، ونحو ذلك، فإن فعله وإحداثه وعمله وصنعه هو أيضًا مقدور بالقدرة الحادثة، وهو قائم في محل القدرة الحادثة" (٣) .
ب "وأيضًا فإنه لا فرق لا حقيقة له، فإن كون المقدور في محل القدرة أو خارجًا عن محلها لا يعود إلى نفس تأثير القدرة فيه، وهو مبني على أصلين: أن الله لا يقدر على فعل يقوم بنفسه، وأن خلقه للعالم هو نفس العالم، وأكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم على خلاف ذلك، والثاني أن قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا في كل وجودها، ولا يكون شيء من مقدورها خارجا عن محلها. وفي ذلك نزاع طويل" (٤) .
فالأشاعرة بنوا أقوالهم في الكسب وقدرة العبد على أصول غير مسلمة.
_________________
(١) انظر في مناقشة شيخ الإسلام لمسألة الكسب وإنه لا حقيقة له، وإنه كطفرة النظام وأحوال أبي هاشم، والرد عليهم في مسألة القدرة الحادثة: الصفدية (١/١٤٩-١٥٣)، والنبوات (ص:١٩٩) - ط دار الكتب العلمية -، ومجموع الفتاوى (٨/٣٨٧، ٤٠٣-٤٠٧، ٤٦٧-٤٦٨)، وشرح الأصفهانية (ص:١٤٩-١٥٠، ٣٥٠) ت السعوي، والاستغاثة (٢/١٧٣)، ومنهاج السنة (١/٣٢٣) ط دار العروبة المحققة (١/٣٥٨، ٢/٥١)، مكتبة الرياض الحديثة، أقوم ما قيل في القضاء والقدر - مجموع الفتاوى - (٨/١٢٨، ١٣٦-١٣٧)، درء التعارض (١/٨٢-٨٤، ٤/٦٥، ٦/٤٩، ٧/٢٤٧-٢٤٨، ٩/١٦٧، ١٠/١١٤-١١٥) .
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/١١٨-١١٩) .
(٣) المصدر السابق (٨/١١٩) .
(٤) المصدر نفسه، نفس الجزء والصفحة.
[ ٣ / ١٣٤٣ ]
جـ - وتفسيرهم التأثير بمجرد الاقتران يقتضي أن لا يكون هناك فرق بين أن يكون الفارق في المحل أو خارجًا عن المحل (١) .
ح أن "من المستقر في فطر الناس، أن من فعل العدل فهو عادل، ومن فعل الظلم فهو ظالم، ومن فعل الكذب فهو كاذب، فإذا لم يكن العبد فاعلا لكذبه وظلمه وعدله، بل الله فاعل ذلك لزم أن يكون هو المتصف بالكذب والظلم" (٢)، وهذا من أعظم الباطل. ويقال للأشاعرة أيضًا: يقال لكم هنا ما تقولونه أنتم للمعتزلة في مسألة الكلام وأن من قام به الكلام فهو المتكلم، وأن الكلام إذا كان مخلوقًا كان كلامًا للمحلى الذي خلقه فيه. فكذلك إرادة العبد وقدرته (٣) .
خ أن القرآن مملوء بذكر إضافة أفعال العباد إليهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (السجدة: من الآية١٧) وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ (فصلت: من الآية٤٠) وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ (التوبة: من الآية١٠٥) وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (البقرة: من الآية٢٧٧) وغيرها كثير جدًا (٤) .
د "أن الشرع والعقل متفقان على أن العبد يحمد ويذم على فعله، ويكون حسنة له أو سيئة، فلو لم يكن إلا فعل غيره لكان ذلك الغير هو المحمود المذموم عليها" (٥) .
ثالثًا: أن التفصيل الذي ذكره السلف، هو الحق وبه يزول الإشكال الذي توهمه هؤلاء في مسألة العباد، وكونها مخلوقة لله تعالى، وفي فعل للعباد حقيقة. وقد بنى السلف ذلك على أن الفعل غير المفعول والخلق غير المخلوق.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/١١٩) .
(٢) المصدر السابق (٨/١١٩-١٢٠) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (٨/١٢٠) .
(٤) انظر: المصدر نفسه، نفس الجزء والصفحة.
(٥) المصدر نفسه، نفس الجزء والصفحة.
[ ٣ / ١٣٤٤ ]
ومع وضوح مذهب السلف فإن شيخ الإسلام شرح بعض القضايا الغامضة حول مذهبهم، ومنها:
١- ما يقال من أنه إذا كانت أفعال العباد مخلوقة لله، وهي فعل لهم حقيقة، فكيف نجمع بين هذين الأمرين؟
يجيب عن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول: "قول القائل: هذا فعل هذا، وفعل هذا: لفظ فيه إجمال، فإنه تارة يراد بالفعل نفس الفعل، وتارة يراد به مسمى المصدر، فيقولك فعلت هذا أفعله فعلا، وعملت هذا أعمله عملا، فإذا أريد بالعمل نفس العمل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان وصيامه ونحو ذلك، فالعمل هنا هو المعمول، وقد اتحد هنا مسمى المصدر والفعل، وإذا أريد بذلك ما يحصل بعمله كنساجة الثوب وبناء الدار ونحو ذلك، فالعمل هنا غير المعمول، قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَات﴾ (سبأ: من الآية١٣) فجعل هذه المصنوعات معمولة للجن، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات:٩٦) أي والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها والمقصود أن لفظ "الفعل" و"العمل" و"المصنع" أنواع وذلك كلفظ البناء والخياطة والتجارة تقع على نفس مسمى المصدر، وعلى المفعول وكذلك لفظ "التلاوة" و"القراءة" و"الكلام" و"القول" يقع على نفس مسمى المصدر، وعلى ما يحصل بذلك من نفس القول والكلام، فيراد بالتلاوة والقراءة نفس القرآن المقرؤ المتلو، كما يراد بها مسمى المصدر.
والمقصود أن القائل إذا قال: هذه التصرفات فعل الله أو فعل العبد، فإن أراد بذلك أنها فعل الله بمعنى المصدر فهذا باطل باتفاق المسلمين، وبصريح العقل، ولكن من قال هي فعل الله وأراد به أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر المخلوقات فهذا حق"، ثم وضح المسألة فقال: "وأما من قال (وهم جمهور أهل السنة): خلق الرب تعالى لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته، قال: إن أفعال العباد مخلوقة كسائر المخلوقات، ومفعولة للرب كسائر المفعولات، ولم يقل: إنها نفس فعل الرب وخلقه، بل قال: إنها نفس فعل العبد، وعلى هذا تزول الشبهة، فإنه يقال:
[ ٣ / ١٣٤٥ ]
الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلا له، كما يفعلها العبد، وتقوم به، ولا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال والمقادير والحركات وغير ذلك، فإن كان قد خلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به، وإذا خلق رائحة منتنة أو طعما مرا أو صورة قبيحة ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم مستقبح، لم يكن هو متصفا بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة المكروهة والأفعال القبيحة، ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها، وسببا لذمه وعقابه، وجالبة لألمه وعذابه، وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به لا على الخالق الذي خلقها فعلا لغيره" (١) .
٢- ومن الأمور التي تحتاج إلى بيان: مسألة قدرة العبد وهل لها تأثير أولا؟ يوضح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية: فيقولك "إن التأثير إذا فسر بوجود شرط الحادث أو سبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر، وانتفاء موانع - وكل ذلك بخلق الله تعالى - فهذا حق، وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار، وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع، فليس شيء من المخلوقات مؤثرا، بل الله وحده خالق كل شيء لا شريك له ولاند له، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإذا عرف ما في لفظ "التأثير من الإجمال والاشتراك ارتفعت الشبهة، وعرف العدل المتوسط بين الطائفتين" (٢)، ويقول في موضع آخر: "الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أله السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر، المخالفون للمعتزلة: إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخر تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سحبانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/١٢١-١٢٣) .
(٢) المصدر السابق (٨/١٣٤-١٣٥) .
[ ٣ / ١٣٤٦ ]
الجازمة مع القدرة، وإذا أريد بالقدرة القوة بالإنسان فلا بد من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصاد عن السبيل كالعدو وغيره" (١) .
وقد وضع شيخ الإسلام هذه القضية توضيحاص تاما فقال: "التأثير اسم مشترك، قد يراد بالتأثير الانفراد بالابتداع والتوحيد (٢) بالاختراع فإن أريد بتأثير قدرة العبد هذه القدرة فحاشًا الله، لم يقله سني، وإنما هو المعزو إلى أهل الضلال. وإن أريد التأثير في ذات الفعل، إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله سبحانه في ذرة أو فيل، وهل هو إلا شرك دون شرك وإن كان قائل هذه المقالة ما نحا إلا نحو الحق.
وإن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان يتوسط القدرة المحدثة، بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق الله ﷾ الفعل بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، وكما خلق الغيث بالسحاب، وكما خلق جميع المسببات والمخلوقات بوسائط وأسباب، فهذا التفسير إلى قدرة العبد شركا، وإلا فيكون إثبات جميعا لأسباب شركًا" (٣) .
وكلام ابن تيمية في هذين الموضوعين واضح تمام الوضوح، وفيه حل لاشكالات كثيرة، وما وجدت أحدًا قبل شيخ الإسلام -﵀- بين هذا البيان في هذه القضايا المهمة التي كثر فيها الكلام، واختلط فيها الحق بالباطل. فلقد كان شرحه وافيًا، شافيًان دقيقًا. وما وجدت من كتب في القدر ككتابة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله تعالى.
٣- ومن الأمور التي ينبغي الإشارة إليها: معنى الكسب عند أهل السنة، فكثيرًا ما يذكر علماء السنة أن أفعال العباد كسب لهم، وقد يقع إيهام في ذلك
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/٤٨٧-٤٨٨) .
(٢) هكذا في النص ولعلها: التوحيد.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/٣٨٩-٣٩٠) .
[ ٣ / ١٣٤٧ ]
خاصة وإن الأشاعرة يعبرون عن مذهبهم في هذا الموضوع بالكسب، فيقع الإيهام أحيانًا، ونوضح هنا أن أهل السنة عندما يقولون: أن أفعال العباد كسب لهم، معناه: أنها أفعالهم التي تعود على فاعليها بنفع أو ضر، ما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: من الآية٢٨٦) "فبين سبحانه أن كسب النفس لها أو عليها، ولما كان العباد يكملون بأفعالهم ويصلحون بها، إذ كانوا في أول الخلق خلقوا ناقصين، صح إثبات السبب، إذ كمالهم وصلاحهم من أفعالهم". فمقصود أهل السنة أنها كسب لهم واقعة بقدرتهم وإرادتهم وكل أفعالهم مخلوقة لله ﷾.
[ ٣ / ١٣٤٨ ]
المبحث الرابع: الإيمان
مقدمة
اشتهر عن الأشاعرة ميلهم إلى مذاهب المرجئة في الإيمان، وقولهم فيه يشبه كثيرا قولهم في مسألة الكلام، حين حصروه بالكلام النفسي دون الألفاظ، وفي الإيمان جعلوا معناه المعرفة أو التصديق، ولم يدخلوا فيه القول ولا الأعمال.
وشيخ الإسلام رد عليهم وعلى غيرهم من أصناف المرجئة، ما رد على من قابلهم في الانحراف كالمعتزلة والخوارج. وحتى لا يتشعب الكلام ويطول يمكن عرض هذه المسألة كما يلي:
أولًا: الأقوال في الإيمان.
ثانيًا: مقدمات في عرض أصل الخلاف في الإيمان.
ثالثًا: ردود شيخ الإسلام على الأشاعرة في الإيمان.
أولًا: الأقوال في الإيمان:
وقع الخلاف بين الطوائف في حقيقة الإيمان، وهل الأعمال داخلة فيه وحكم مرتكب الكبيرة - على أقوال:
١- قول أهل السنة والجماعة وجماهير السلف، إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قالوا ومرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته وفي الآخرة تحت المشيئة.
٢- قول المعتزلة والخوارج، وهؤلاء يقولون: الإيمان قول واعتقاد وعمل، وأما مرتكب الكبيرة:
أ - فحكمه في الدنيا عند المعتزلة أنه ليس بمؤمن ولا كافر، بل هو في منزلة بين المنزلين، ومن ثم فليس مباح الدم. وأما عند الخوارج فهو كافر مباح الدم والمال.
[ ٣ / ١٣٤٩ ]
ب - وأما حكمه في الآخرة فقد اتفق الخوارج والمعتزلة على أنه مخلد في النار كالكفار.
٣- قول مرجئة الفقهاء - من أتباع أبي حنيفة - أن الإيمان قول واعتقاد، وأما الأعمال فغير داخلة فيه. وأما حكم مرتكب الكبيرة عندهم فهو موافق لمذهب أهل السنة.
٤- قول الجهمية: أن الإيمان هو المعرفة فقط، وما عداها من تصديق القلب وإقراره، ومن القول والعمل، فغير داخل في الإيمان، وهذا قول الجهم. ولازم قوله أن إبليس وفرعون ومن شابههم ممن عرف الله وعاند فسب الله ورسوله، وعاداهم، وقتل الأنبياء، وهدم المساجد، وأهان المصاحف - أنه مؤمن كامل الإيمان.
٥- قول الماتريدية: أن الإيمان هو التصديق، وأما قول اللسان فهو دليل عليه وليس داخلا فيه، وأما العمل فغير داخل فيه.
٦- قول الكرامية: أن الإيمان قول باللسان فقط. وهذا لإثبات إيمانه في الدنيا، أما في الآخرة فمن لم يوافق قوله ما في قلبه من الاعتقاد الصحيح - كالمنافق - فهو مخلد في النار.
٧- قول الكلابية والأشعرية: ولهم في الإيمان قولان:
أحدهما: قول أنه قول واعتقاد وعمل، وهذا قول أبي علي الثقفي، والقلانسي، وإليه مال ابن مجاهد، وهو أحد قولي أبي الحسن الأشعري، ذكره في المقالات (١) - ضمن مقالة أصحاب الحديث وأهل السنة، وقال إنه بكل ما قالوه يقول (٢) . قال شيخ الإسلام بعد نقله: "فهذا قوله في هذا الكتاب وافق فيه أهل السنة وأصحاب الحديث، بخلاف القول الذي نصره في الموجز" (٣) . وذكر إنه اختيار طائفة من أصحابه (٤) .
_________________
(١) انظر: المقالات (ص:٢٩٣-٢٩٤) ت ريتر.
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:٢٩٧) .
(٣) الإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى (٧/٥٥٠)، وانظر: الإيمان (ص:١١٥) ط المكتب الإسلامي.
(٤) انظر: المصدر السابق (٧/٥٠٩) .
[ ٣ / ١٣٥٠ ]
والثاني: القول الثاني لأبي الحسن الأشعري - الذي ذكره في الموجز - ووافقه عليه جمهور الأشاعرة، كالباقلاني، والجويني وغيرهما. وهو أن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته. ويختلف تعبير الأشاعرة هنا فتارة يقولون هو المعرفة كقول جهم، وتارة يقولون هو التصديق (١) .
أما مذهبهم في مرتكب الكبيرة فهو موافق لقول أهل السنة.
ويلاحظ أن القول الثاني هو الذي اشتهر عند الأشاعرة، وهو الذي نصره أئمتهم ممن جاء بعد الأشعري، وهو الذي استقر عليه المذهب.
هذه خلاصة الأقوال في الإيمان، ومنها يتبين أن للأشاعرة فيه قولين، أحدهما موافقا لمذهب السلف، والثاني موافقا للجهم.
ثانيًا: مقدمات في عرض أصل الخلاف في الإيمان:
لشيخ الإسلام تأصيلات وقواعد في باب الإيمان ذكر بعضها في كتاب الإيمان الكبير، وبناها على استقراء جيد لما ورد من النصوص في ألفاظ الإيمان وما شابهه، كما أن له تحقيقات دقيقة ذكر فيه أصول الخلاف وتفاوت الطوائف في مدى التزامها بلوازم أقوالها.
وليس القصد استيفاء هذه الأصول والقواعد، وإنما يمكن الإشارة إلى لمحات سريعة تتعلق بالخلاف في الإيمان فقط. ومن ذلك:
١- ما ذكره من أن الأصل الذي نشأ بسببه النزاع في الإيمان التزام بعضهم بمسألتين:
أحدهما: أن الإيمان كل لا يتجزأ إذا زال جزء منه زال باقيه.
والثانية: قولهم إنه لا يجتمع عند الإنسان طاعة ومعصية، وإيمان وكفر، وإسلام ونفاق، بل إذا وجد أحدهما انتفى الآخر.
_________________
(١) انظر: الإيمان (ص:١٨٩-٢٣٩)، ط المكتب الإسلامي، والإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى (٧/٥٠٩، ٥٤٣-٥٥٠)، والتسعينية (ص:١٦٠)، ومجموع الفتاوى (٢/٩٤) .
[ ٣ / ١٣٥١ ]
فلما استقرت هذه القواعد عندهم، وخالفهم فيها أهل السنة - صارت الأقوال في الإيمان ثلاثة:
القول الأول: قول الخوارج والمعتزلة، وهؤلاء قالوا ثبت بالأدلة أن الأعمال من الإيمان، ومن ثم فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، والقاعدة أن الإيمان إذا زال بعضه زال باقيهن ولا يكون في العبد إيمان ونفاق. ومن ثم لم يقولوا بجواز تبعيض الإيمان، لا في الاسم ولا في الحكم. فرفعوا عن صاحب الكبيرة الإيمان بالكلية - وهذا في الاسم - وأوجبوا له الخلود في النار - وهذا في الحكم.
والقول الثاني: قول الجهمية والمرجئة، وهؤلاء قالوا: قد علما يقينا أن أهل الذنوب من أهل القبلة، لا يخلدون في النار، بل يخرجون منها كما توارت بذلك الأحاديث، كما أن الإجماع حاصل على أنهم ليسوا كفارا مرتدين.
قالا فلو أدخلنا الأعمال في مسمى الإيمان - والقاعدة أن الإيمان كل لا يتجزأ، إذا ذهب بعضه ذهب باقيه - لو وجب إذا فعل المؤمن ذنبا وزال بعض إيمان أن يزول كله فيخلد في النار، وهذا خلاف ما تواتر في النصوص. لذلك أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان لئلا يؤدي ترك بعضها إلى زوال الإيمان كلية والخلود في النار، وهذا مخالف للنصوص.
فهؤلاء المرجئة نازعوا في الاسم لا في الحكم. فقالوا في الحكم يجوز أن يكون صاحب الكبيرة مثابا معاقبا، محمودا مذموما - وبعضهم يقف في نفوذ الوعيد، فلا يجوز نفوذ الوعيد في حق أحد من أرباب الكبائر كما قال ذلك من قاله من مرجئة الشيعة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره - هذا في حكمه في الآخرة. أما في اسمه في الدنيا فمنعوا التبعض في الإيمان، وقالوا لا يجوز أن يكون معه بعض الإيمان دون بعض.
القول الثالث: قول أهل السنة، فقالوا بجواز التبعيض في الاسم والحكم، "فيكون مع الرجل بعض الإيمان لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم
[ ٣ / ١٣٥٢ ]
بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحساب ما عليه" (١)، وقالوا إنه يجتمع عند الإنسان طاعة ومعصية وإيمان وكفر أصغر، وإسلام ونفاق عملي، كما تجتمع له الولاية والعدواة بحسب ما معه من الطاعات والمعاصي. فهو في الدنيا - إذا فعل كبيرة - مؤمن ناقص الإيمان، وفي الآخر تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. مع أنه لا بد من الوعيد المجمل لأهل الكبائر، فيدخل بعضهم النار لكن لا يخلدون فيها (٢) .
وهذا تحليل دقيق جدًا لمنشأ الخلاف كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ولا شك أن النصوص متواترة في إثبات أنه قد يجتمع عند الإنسان إيمان ونفاق، وآثار الصحابة والتابعين دلت على ذلك، بل أجمع السلف على ذلك. ومن العجيب أن الأشعري حكى في بعض كتبه الإجماع على أنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق، وتابع على ذلك أصحابه، يقول شيخ الإسلام: "والأصل الذي أوقعهم في هذا اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين، كما ذكر ذلك أبو الحسن وغيره، فلأجل اعتقادهم في هذا الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي، إجماع السلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة" (٣) . والنصوص الدالة على مذهب السلف وأنه يجتمع عند الإنسان طاعة ومعصية وإيمان ونفاق صريحة جدًا (٤) .
٢- أن من قال قولا في الإيمان، ثم لم يلتزم لوازمه الباطلة بقي بين أمرين، إما مناقضة قوله، أو التزام القول الباطل المجمع عليه.
_________________
(١) شرح الأصفهانية (ص:١٤٤) ت مخلوف.
(٢) انظر: في تفصيل ما سبق المصدر السابق (ص:١٣٧-١٣٨، ١٤٣-١٤٤) ت مخلوف، الفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى - (١٣/٤٨-٥٠)، وشرح حديث: إنما الأعمال بالنيات - مجموع الفتاوى ١٨/٢٧٠-٢٧١، ٢٧٦)، والإيمان (ص:٢٠٩-٢١٠، ٣٧٦) ط المكتب الإسلامي، والإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى - (٧/٥١٠-٥٢٠)، وفيه مناقشة مفصلة لهذه المسألة.
(٣) الإيمان (ص:٣٨٧) ط المكتب الإسلامي.
(٤) انظر: المصدر السابق (ص:٣٣٧-٣٨٧) ط المكتب الإسلامي، والإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى - (٧/٢١٥-٥٢٢)، والاستقامة (١/٤٣٠)، ومجموع الفتاوى (١١/١٧٣-١٧٥، ١٩/٢٩٥-٢٩٦) .
[ ٣ / ١٣٥٣ ]
ومن أوضح الأمثلة على ذلك مذهب الجهم في الإيمان، وأقوال من وافقه من الأشاعرة، فالإمام أحمد - في رده على الجهم - ألزمه بهذا الإلزام الذي قال فيه: "يلزمه أن يقول: إذا أقر ثم شد الزنار في وسطه، وصلى للصليب، وأتى الكنائس والبيع، وعمل الكبائر كلها، إلا أنه في ذلك مقر بالله، فيلزمه أن يكون عنده مؤمنًا، وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم" (١)، قال شيخ الإسلام معلقًا: قلت: هذا الذي ذكره الإمام أحمد من أحسن ما احتج الناس به عليهم. جمع في ذلك جملا، يقول غيره بعضها، وهذا الإلزام لا محيد لهم عنه، ولهذا لما عرف متكلمهم مثل جهم - ومن وافقه - أنه لازم التزموه، وقالوا: لو فعل ما فعل من الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافرًا في الباطن، لكن يكون دليلًا على الكفر في أحكام الدنيا، فإذا احتج عليهم بنصوص تقتضي أنه يكون كافرًا في الآخرة قالوا: فهذه النصوص تدل على أنه الباطن ليس معه من معرفة الله شيء، فإنها عندهم شيء واحد. فخالفوا صريح المعقول وصريح الشرع" (٢) .
ثم يقول شيخ الإسلام عن الأشاعرة الذي وافقوا الجهم: "ومن كان موافقًا لقول جهم في الإيمان بسبب انتصار أبي الحسن لقوله في الإيمان، يبقى تارة يقول بقول السلف والأئمة، وتارة يقول بقول المتكلمين الموافقين لجهم" (٣) .
ثم ضرب مثالًا بمسألة سب الله الرسول - ﷺ - فقال: "حتى في مسألة سب الله ورسوله: رأيت طائفة من الحنبليين والشافعيين والمالكيين إذا تكلموا بكلام الأئمة قالوا: إن هذا كفر باطنا وظاهرًا، وإذا تكلموا بكلام أولئك قالوا: هذا كفر في الظاهر، وهو في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا تام الإيمان، فإن الإيمان عندهم لا يتبعض. ولهذا لما عرف القاضي عياض هذا من قول بعض أصحابه أنكره، ونصر قول مالك وأهل السنة، وأحسن في ذلك
_________________
(١) الإيمان (ص٣٨٤) ط المكتب الإسلامي.
(٢) الإيمان (ص:٣٨٤-٣٨٤) .
(٣) المصدر السابق.
[ ٣ / ١٣٥٤ ]
وكذلك تجدهم في مسائل الإيمان يذكرون أقوال الأئمة والسلف، ويبحثون بحثا يناسب قول الجهمية؛ لأن البحث أخذوه من كتب أهل الكلام الذين نصروا قول جهم في مسائل الإيمان" (١) .
ثم ذكر شيخ الإسلام مثالًا على هذا وهو أن الفخر الرازي لما صنف مناقب الشافعي، وحكى مذهبه في الإيمان الذي هو موافق لمذهب السلف، استشكل معارضة ذلك لما يعرفه من مذهب أصحابه المرجئة وهو ممن يوافقهم على بدعتهم (٢) .
وفي الصارم المسلول لما عرض لهذه المسألة وذكر قولي القاضي أبي يعلي - أحدهما الموافق لجمهور السلف (٣)، والثاني الموافق لقول جهم في الإيمان حيث قال أبو يعلى: "إن من قتله بلا استتابة، فهو لم يره ردة، وإنما يوجب القتل فيه حدا، وإنما نقول ذلك مع إنكاره ما شهد عليه، أو إظهاره الإقلاع عنه والتوبة، ونقتله حدًا كالزنديق إذا تاب، قال: ونحن وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا نقطع عليه بذلك لإقراره بالتوحيد، وإنكاره ما شهد به عليه وأما من علم أنه سبه معتقدًا لاستحلاله فلا شك في كفره بذلك، وكذلك إن كان سبه في نفسه كفرًا كتكذيبه أو تكفيره ونحوه، فهذا مالا إشكال فيه، وكذلك من لم يظهر التوبة واعترف بما شهد به وصمم عليه فهو كافر بقوله واستحلاله هتك حرمة الله أو حرمة نبيه" قال شيخ الإسلام: "وهذا أيضًا تثبيت منه بأن السب يكفر به لأجل استحلاله، إذا لم يكن في نفسه تكذيبًا صريحًا. وهذا موضع لا بد من تحريره، ويجب أن يعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة، ويرحم الله القاضي أبا يعلى، قد ذكر في غير موضع ما يناقض ما قاله هنا، وإنما وقع من وقع في هذه المهواة بما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين - وهم الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق
_________________
(١) الإيمان (ص:٣٨٦) ط المكتب الإسلامي.
(٢) وانظر: المصدر نفسه، نفس الصفحة، وانظر: مناقب الشافعي للفخر الرازي (١٣١-١٣٢، ١٤٦-١٤٧) .
(٣) انظر: الصارم المسلول (ص:٥١٣) .
[ ٣ / ١٣٥٥ ]
الذي في القلب وإن لم يقترن به قول اللسان، ولم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح" (١) .
وقد أوضح شيح الإسلام بعد ذلك مأخذ هؤلاء المرجئة حيث إنهم رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به، ورأوا أن اعتقاد صدقه لا ينافي السب والشتم بالذات، كما أن اعتقاد وجوب طاعته لا ينافي معصيته، فلما رأوا أن الأمة كفرت الساب قالوا إنما كفر لأن سبه دليل على عدم اعتقاده لحرمة السب، فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة. وهذا قول عجيب مخالف لإجماع السلف، وقد أطال شيخ الإسلام في الرد على أصناف المرجئة في هذا (٢) .
ثالثًا: ردود شي الإسلام على جمهور الأشاعرة في الإيمان:
سبق - عند عرض الخلاف - في الإيمان أن الرأي الثاني للأشاعرة والذي عليه جمهورهم أن الإيمان هو التصديق أو المعرفة، وأن الأعمال غير داخلة في الإيمان. وقد جاءت ردود شيخ الإسلام عليهم حسب المسائل التالية:
المسألة الأولى: هل الإيمان التصدق فقط؟
يقول شيخ الإسلام عن أبي الحسن الأشعري: "وأبو الحسن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان، مع أنه نصر المشهور عن أهل السنة من إنه يستثنى في الإيمان، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنه نصر مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، ولا يخلدون في النار وتقبل فيهم الشفاعة، ونحو ذلك، وهو دائمًا ينصر في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم قول أهل الحديث، لكنه لم يكن خبيربًا بمآخذهم، فنصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم فيقع في ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء، كما فعل في مسالة الإيمان، ونصر فهيا قول جهم مع نصره للإستثناء. ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الإستثناء وأتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ذلك.
_________________
(١) الصارم المسلول (ص: ٥١٤-٥١٥) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:٥١٧-٥٢٥) .
[ ٣ / ١٣٥٦ ]
ومن لم يقف إلا على كتب الكلام، ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب، فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة، وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة، بل قد كفر كأحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان الذي نصره أبو الحسن، وهو عندهم شر من قول المرجئة" (١) أي مرجئة المتكلمون.
ويلاحظ من هذا النص لشيخ الإسلام أن مذهب الأشاعرة في الإيمان قد تطور في بعض مسائله، فمثلًا كان للأشعري قولان، أحدهما موافق للسلف - كما سبق - وقول آخر وافق فيه جهما، ومع ذلك فهو في الاستثناء في الإيمان موافق لمذهب السلف. فلما جاء أصحابه من بعده نصورا قوله الموافق لجهم دون أقواله الأخرى الموافقة لمذهب السلف.
أما أدلة الأشاعرة على قولهم في الإيمان فقد ذكر شيخ الإسلام عمدتهم في ذلك - كما ذكره الباقلاني في التمهيد، فقالك "قال القاضي أبو بكر في التمهيد: "فإن قالوا: فخبرونا ما الإيمان عندكم؟ قيل: الإيمان هو التصديق بالله وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب. فإن قال: فما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن وبعثه النبي - ﷺ - هو التصديق، لا يعرفون في اللغة إيمانا غير ذلك، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (يوسف: من الآية١٧) أي: بمصدق لنا، ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب العبر، أي لا يصدق بذلك، فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان في اللغة " (٢) إلى آخر قول الباقلاني الذي نقله شيخ الإسلام ثم قال: "هذا عمدة من نصر قول الجهمية في مسألة الإيمان" (٣) .
_________________
(١) الإيمان (ص:١١٥) ط المكتب الإسلامي.
(٢) المصدر السابق (ص:١١٥-١١٦) ط المكتب الإسلامي، وقارن بالتمهيد للباقلاني (ص: ٣٤٦) ت مكارثي.
(٣) الإيمان (ص:١١٦) ط المكتب الإسلامي.
[ ٣ / ١٣٥٧ ]
أما منهج شيخ الإسلام في مناقشة هذا القول فقد كان بطريقين: إجمالي، وتفصيلي.
أما الإجمالي: فإن شيخ الإسلام ذكر من خلاله ردود جمهور أهل السنة عليهم، حسب منطلق كل قول. فمن ذلك:
أ - "قول من ينازعه في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق، ويقول هو بمعنى الإقرار وغيره".
ب - "قول من يقول: وإن كان في اللغة هو التصديق، فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما قال النبي - ﷺ -: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (١) .
ت - "أن يقال: ليس هو مطلق التصديق، بل هو تصدق خاص مقيد بقيود اتصل اللفظ بها، وليس هذا نقلًا للفظ، ولا تغييرا له، فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص، وصفة وبينة".
ث - "أن يقال: وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام القائم مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح
ج - "قول م يقول: إن اللفظ باق على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا".
ح - "قول من يقول: إن الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية، مجاز لغوي".
_________________
(١) متفق عليه: البخاري: كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، ورقمه (٦٣٤٣) الفتح (١١/٢٦)، وفي القدر، باب (وحرام على قرية أهلكناها) ورقخ (٦٢١٢)، الفتح (١١/٥٠٢-٥٠٣)، ومسلم، كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى ورقمه (٢٦٥٧) بروايتين. ويلاحظ أن لفظ (أو يكذبه) لم ترد في جميع طبعات البخاري (التي مع الفتح، واستانبول، والحلبية، والمنيرية) لكنها وردت في إحدى نسخ البخاري كما في حاشية طبعة الحلبي (٨/٦٧، ١٥٦)، والمنيرية (٨/٩٨/٩٨، ٢٢٥)، وهي المذكورة في نفس شرح فتح الباري (١١/٥٠٤)، كما أنها وردت في إحدى روايتي مسلم. أما اللفظ الآخر الوارد في طبعات البخاري وفي الرواية الأخرى لمسلم فهو (ويكذبه) بدون الألف.
[ ٣ / ١٣٥٨ ]
خ - قول من يقول: إنه منقول (١) .
فكل واحد من هذه الأقوال مشتمل على الرد على قول هؤلاء أن الإيمان هو التصديق فقط، وهي - سوى الأول (٢) - لا تنازع في أن من معاني الإيمان التصديق، أو أن معناه في اللغة هو التصديق، ثم إن الشارع جعله تصديقًا بأمور معينة، وزاد عليه أمورا أخرى، كصلاة فإن معناها في اللغة الدعاء، وفي الشرع هذه الصلاة المعروفة المحددة بالأقوال والأفعال والأوقات. فهلا قال هؤلاء المرجئة في الصلاة مثل قولهم في الإيمان، فجعلوا مطلق الدعاء كاف في الإتيان بها، كما قالوا في الإيمان هو التصديق وهو كاف في حصول الإيمان؟.
أما الرد التفصيلي: على أقوال الأشاعرة وحججهم كما عرضها الباقلاني فقد رد عليها شيخ الإسلام من أوجه عديدة، جاءت كما يلي:
١- نقض دعواهم الإجماع على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن هو التصديق، وذلك بمطالبتهم بأن يذكروا من نقل هذا الإجماع، وفي أي كتاب ذكر، ثم من المقصود بأهل اللغة؟ هل المقصود نقلتها كأبي عمرو والأصمعي، والخليل ونحوهم، أو المتكلمون بها؟ أما علماء اللغة فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، أو ما سمعوه في دواوين الشعر وكلام العرب بالإسناد، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان، فضلا عن أن يكونوا أجمعوا عليه.
أما إن كان المقصود بأهل اللغة أنفسهم فهؤلاء لم ينقل عنهم ذلك.
ثم لو فرض أنه نقل عن واحد أو اثنين أن الإيمان التصديق فكيف بعد هذا إجماعًا؟ ثم إن العرب لا يقولون: معنى الإيمان كذا، ولو فرض أنه نقل في الكلام المسموع عن العرب ما يدل على أنهم قصدوا بالإيمان التصديق فليس ذلك بأبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي - ﷺ - (٣) .
_________________
(١) الإيمان (ص:١١٦-١١٧) ط المكتب الإسلامي.
(٢) يرى أصحاب هذا القول أن الإيمان مأخوذ من الأمن. انظر: الإيمان (ص:١٢١) .
(٣) انظر: الإيمان (ص:١١٧-١١٩) ط المكتب الإسلامي.
[ ٣ / ١٣٥٩ ]
٢- أن دعواهم أن الإيمان في اللغة هو التصديق لم يؤيده بشاهد من كلام العرب، وإنما دعمه بما ينقض دعواه، وذلك أنه قال: ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، وهذا - قطعًا - ليس من ألفاظ العرب قبل نزول القرآن. ثم بعد ذلك فمن قال هذا ليس مراده مجرد التصديق - كما يدعي هؤلاء - وإنما مراده التصديق بالقلب واللسان، لأن إيمانه لا يمكن أن يعلم حتى يخبر عنه.
وأيضًا فإن التصديق بالشفاعة وعذاب القبر وغيرهما مما يرجى ويخاف، لا يتم تصدقه إلا مع الخوف من عذاب القبر، والرجاء للشفاعة، ولو صدق بهما من غير خوف ولا رجاء لم يكن مؤمنًا. كما أن إبليس لا يسمى مؤمنًا وإن كان مصدقًا بوجود الله وربوبيته، كما أن فرعون لا يسمى مؤمنًا وإن كان عالمًا بأن الله أرسل موسى، ولا يسمون اليهود مؤمنين بالقرآن والرسول، وإن كانوا يعرفون أنهما حق وهكذا (١) .
٣- أنه لو فرض أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فمن المعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بلك شيء، بل بشيء مخصوص وهو ما أخبر به النبي - ﷺ -، وحينئذ فالإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة. والخاص تضم إليه قيود لا توجد في جميع العام، كقول اللسان وعمل القلب، فيكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفًا من العام والخاص (٢) .
٤- وإذا كان الإيمان له في الشرع معان خاصة، فلا بد من الرجوع إلى المقصود به في الكتاب والسنة، مثلا الصلاة، والزكاة، والحج. وفي القرآن لم يرد ذكر إيمان مطلق غير مفسر، وإنما ورد لفظ الإيمان فيه إما مقيدًا، وإما مطلقا مفسرًا:
فالمقيد قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: من الآية٣)، وقوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ (يونس: من الآية٨٣) .
_________________
(١) انظر: الإيمان (ص:١١٩-١٢٠) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:١٢١) .
[ ٣ / ١٣٦٠ ]
والمطلق المفسر كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (لأنفال: من الآية٢) وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات:١٥)، وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:٦٥) وأمثال هذه الآيات "وكل إيمان مطلق في القرآن فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنا إلا بالعمل مع التصديق، فقد بين في القرآن أن الإيمان لا بد فيه من عمل مع التصديق، كما ذكر ذلك في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج" (١) .
وقد أورد شيخ الإسلام هنا اعتراضا - ذكره القاضي أبو يعلي وغيره - يزعم فيه أن هناك فرقًا بين هذه العبادات - التي هي الصلاة والزكاة والصيام والحج - وبين الإيمان، بأن هذه الأسماء باقية، ولكن ضم إلى المسمى أعمال في الحكم لا في الاسم أي أن اسم الصلاة - مثلا - باق أن المقصود به الدعاء، ولكن ضم إليه أعمال في حكم الصلاة لا في اسمها، وبهذا تكون قد فارقت الإيمان. ولن شيخ الإسلام يجيب بأن هذا إن كان صحيحًا في الصلاة وغيرها فيقال مثله في الإيمان، حيث وردت النصوص بضم العمل إليه. أما من زعم أن القرآن لم يذكر فيه العمل - ليفرق بين الإيمان والصلاة - فليس كما زعم، "بل القرآن والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق، وهذا في القرآن أكثر بكثير من معنى الصلاة والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها السنة، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة وإجماع السلف" (٢) .
والخلاصة أن الإيمان كالصلاة، قد يكون له أصل في اللغة، ولكن الشارع أضاف إليه أمورًا من أعمال القلوب واللسان والجوارح، وإذا كان في أعمال الصلاة ما تبطل الصلاة يتركه، وفيها ما تنقص الصلاة بتركه فكذلك الإيمان في شعبه. وهذا واضح.
_________________
(١) الإيمان (_ص:١٢٢) .
(٢) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
[ ٣ / ١٣٦١ ]
٥- أن من المعلوم علما ضروريا - أن من قيل: "إنه صدق، ولم يتكلم بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك، ولا صلى ولا صام، ولا أحب الله ولا رسوله، ولا خاف الله، بل كان مبغضا للرسول، معاديا له، يقاتله - أن هذا ليس بمؤمن، كما قد علمنا أن الكفارة من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يعلمونه أنه رسول الله، وفعلوا ذلك مع، كانوا عنده كفارا لا مؤمنين، فهذا معلوم عندنا بالاضطرار أكثر من علمنا بأن القرآن كله ليس فيه لفظ غير عربي.
فإن قالوا: من علم أن الرسول كفره، علم انتفاء التصديق من قبله.
قيل لهم: هذه مكابرة إن أرادوا أنهم كانوا شاكين مرتابين، وأما إن عنى التصديق الذي لم يحصل معه عمل، فهو ناقص كالمعدوم، فهذا صحيح" (١)، وهو مبطل لدعواهم. فهؤلاء غلطوا في أصلين:
"أحدهما: ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية في القلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقًا ".
والثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة، وجماهير النظار " (٢)، وأدلة هذا من واقع الإنسان نفسه، ومن حياة الأمم مع رسلها كثيرة جدًا (٣) .
وفي الإيمان الأوسط أضاف شيخ الإسلام إلى خطئهم في هذين الأصلين خطأ ثالثا ورابعًا.
_________________
(١) الإيمان (ص:١٢٥) ط المكتب الإسلامي.
(٢) المصدر السابق (ص:١٨٠) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (ص:١٨٠-١٨٣) .
[ ٣ / ١٣٦٢ ]
أما الثالث: فهو "أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر، من سب الله ورسوله والتثليث، وغير ذلك، قد يكون مجامعا لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحبه ذلك مؤمنا عند الله حقيقة، سعيدا في الدنيا والآخرة، وهذا يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام".
وأما الرابع فهو: "أنهم جعلوا من لم يتكلم قط بالإيمان مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة، مع وجوب ذلك عليه وقدرته - يكون مؤمنا بالله، تام الإيمان، سعيدًا في الدنيا والآخرة" (١) .
قال شيخ الإسلام بعد هذا: "وهذه الفضائح تختص بها الجهمية، دون المرجئة من الفقهاء وغيرهم" (٢)، أي الذين يوجبون القول مع التصديق، أما الجهمية ومن وافقهم من الأشعرية فيحصرون الإيمان بالتصديق القلبي فقط الذي يفسرونه بالعلم أو المعرفة.
ثم ذكر أخطاءا أخرى تلزم الجهمية ومن افقهم، كما تلزم مرجئة الفقهاء ومنها:
الخامس: "أن العبد قد يكون مؤمنا تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين، ولو لم يعمل خيرًا، لا صلاة، ولا صلة، ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء" (٣) وهذا بين البطلان.
وقد اعترف الأشاعرة بما في أقوالهم من التناقض، فالتزموا أن كل من حكم الشرع بكفره فإنه ليس في قلبه شيء من معرفة الله ولا معرفة رسوله. وقد أنكر عليهم هذا جماهير العقلاء، وقالوا هذه مكابرة وسفسطة (٤) .
_________________
(١) الإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى - (٧/٥٨٢-٥٨٣) .
(٢) المصدر السابق (٧/٥٨٣) .
(٣) المصدر نفسه، نفس الجزء والصفحة.
(٤) انظر: الإيمان (ص:١٤٠-١٤٣) ط المكتب الإسلامي.
[ ٣ / ١٣٦٣ ]
٦- أن التصديق نوع من أنواع الكلام، واستعماله في اللغة دالا على اللفظ والمعنى، أكثر من استعماله في المعنى المجرد عن اللفظ الذي هو تصديق القلب.
وهذا المبحث هو نفسه مبحث الكلام النفسي - الذي سبق - حيث زعموا أن الكلام معنى قائم بالنفس فقط، دون الحروف والألفاظ، وقد سبق عرض أدلتهم ومناقشتها في مبحث كلام الله، والعجيب أن شيخ الإسلام استوفى مباحث هذه المسألة - مسألة الكلام النفسي والرد على الأشاعرة فيه - في كتاب الإيمان أكثر من غيره من كتبه ورسائله. وهذا يبين أن مأخذ الأشاعرة في المسألتين واحد (١) .
٧- أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (يوسف: من الآية١٧) أي بمصدق لنا، وقولهم إن الإيمان مرادف للتصديق. فقد رد عليهم شيخ الإسلام من عدة وجوه، منها:
أ - أن لفظ الإيمان تكرر في القرآن والحديث أكثر من غيره من الألفاظ، والإيمان أصل الدين، وكل مسلم يحتاج إلى معرفته، فلا بد أن يؤخذ معنى الإيمان من جميع موارده، لا من آية واحدة (٢) .
ب - أن الإيمان ليس مرادفا للتصديق من وجوه: منها:
أحدها: أنه يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه، ولا يقال: آمنه وآمن به، بل يقال آمن له، كما قال: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ (العنكبوت: من الآية٢٦)، وقال: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ (يونس: من الآية٨٣)، وقال فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ (الشعراء: من الآية٤٩)، فلفظ الإيمان يتعدى إلى الضمير باللام دائما، لا يقال آمنته، وإنما يقال آمنت له، كما يقال أقررت له.
الثاني: وليس مرادفا له في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت. أما لفظ الإيمان فلا يستعمل
_________________
(١) انظر: الإيمان (ص:١٢٦-١٣٤) ط المكتب الإسلامي.
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:٢٧٤) .
[ ٣ / ١٣٦٤ ]
إلا في الخبر عن غائب. فلو قال: طلعت الشمس أو غربت فلا يقال: آمناه كما يقال: صدقناه، لأن الإيمان مشتق من الأمن فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب، ولهذا لم يوجد في القرآن وغيره قط، آمن له، إلا في هذا النوع.
وفي الآية المذكورة قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (يوسف: من الآية١٧)، ومعناها: أنك لا تقر بخبرنا، ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك. فلو صدقوا لم يأمن لهم.
الثالث: أن لفظ الإيمان لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، وإنما مقابل الإيمان: الكفر، لأن الكفر ليس هو التكذيب فقط، فكذلك ما يقابله وهو الإيمان ليس هو التصديق فقط (١) .
ج- أنه لو فرض أن الإيمان مرادف للتصديق، فقولهم: إن التصديق لا يكون بالقلب أو اللسان عنه جوابان:
أحدهما: المنع، لأن الأعمال تسمى تصديقا كحديث: "العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (٢)، وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف (٣) .
والثاني: أنه إذا كان أصله التصديق، فهو تصديق مخصوص كما أن الصلاة دعاء مخصوص، فالتصديق له لوازم صارت داخلة في مسماه (٤) .
المسألة الثانية: أدلة دخول الأعمال في مسمى الإيمان والرد على المرجئة:
العمل الذي أنكر جمهور الأشاعرة دخوله في الإيمان نوعان:
١- عمل القلب.
٢- وعمل الجوارح.
_________________
(١) انظر: الإيمان (ص: ٢٧٥-٢٧٧)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٠/٢٦٩-٢٧٤) .
(٢) متفق عليه، وتقدم قريبًا.
(٣) انظر: الإيمان (ص:٢٧٨-٢٨١) .
(٤) انظر: المصدر السابق (ص:٢٨١) .
[ ٣ / ١٣٦٥ ]
أما عمل القلب من الحب والخوف والخشية والرغبة والرهبة وغيرها فقد سبق بيان أن مجرد تصديق القلب مع عدم عمله لا يمكن أن يكون إيمانا، وإلا لصار إبليس وفرعون من المؤمنين لوجود المعرفة في قلوبهم. وقد زاد شيخ الإسلام مسألة دخول أعمال القلوب في الإيمان إيضاحًا فقال: "وفي الجملة، فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحب الله ورسوله، وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ولرسوله، ومعاداة الله ورسوله، ليس إيمانا بإتفاق المسلمين، وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب، إلا إذا كان القلب سليما من المعارض، كالحسد والكبر، لأن النفس مفطورة على حب الحق، وهو الذي يلائمها، ولا شيء أحب إلى القلوب السليمة من الله وهذا هو الحنيفية ملة إبراهيم ﵇ الذي اتخذه الله خليلًا
ثم الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والعمل الظاهر ضرورة فمن جعل مجرد العلم والتصديق موجبا لجميع ما يدخل في مسمى الإيمان، وكل ما سمي إيمانًا فقد غلط، بل لا بد من العلم والحب، والعلم شرط في محبة المحبوب، كما أن الحياة شرط في العلم، ولكن لا يلزم من العلم بالشيء والتصديق بثبوته محبته إن لم يكن بين العالم والمعلوم معنى في المحب أحب لأجله، ولهذا كان الإنسان يصدق بثبوت أشياء كثيرة ويعلمها، وهو يبغضها كما يصدق بوجود الشياطين والكفار ويبغضهم
وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه، ودليله ومعلومه، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضًا تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه" (١) .
_________________
(١) الإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى (٧/٥٣٧-٥٤١) .
[ ٣ / ١٣٦٦ ]
وقد بين شيخ الإسلام أن جماهير المرجئة يقرون بأن عمل القلب داخل في الإيمان، كما نقله أهل المقالات عنهم (١) .
وأما عمل الجوارح: ودخوله في الإيمان فقد بينه شيخ الإسلام ورد فيه على الأشاعرة وغيرهم من المرجئة كما يلي:
أسياق أدلة دخول الأعمال في مسمى الإيمان، من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وأئمة السلف،
١- أما نصوص القرآن والسنة فقد أورد بعضها (٢)، ونقل عن المروزي، والإمام أحمد ما استشهدا به منها (٣) .
٢- كما نقل كلام العلماء وأئمة السلف، الذين حكوا الإجماع، الذي ذكره الشافعي، وابن عبد البر (٤) .
وليس بعجيب أن يخالف المرجئة هذه النصوص وتلك الأقوال التي سطرها أئمة السنة، فلهم في مسائل الصفات والقدر أمثلة كثيرة مشابهة. والله المستعان.
ب أما من قال من المرجئة إن الإيمان يتناول الأعمال مجازا فقد رد شيخ الإسلام هذا القول من وجهين:
أحدهما: كلامه في الحقيقة والمجاز - ولشيخ الإسلام في ذلك رأي في ذلك وهو منع المجاز في اللغة والقرآن، وقد سبق بيان ذلك في مبحث الصفات. على رأي شيخ الإسلام يكون القول بأن الأعمال داخلة في الإيمان مجازا، باطل (٥) .
_________________
(١) انظر: المصدر السابق حيث نقل أقوال المرجئة (٧/٥٤٣-٥٥٥) .
(٢) انظر: الإيمان (ص:١٥٢-١٥٣) .
(٣) انظر: المصدر السابق (ص:٣٠٠-٣٠٢، ٣٨٣-٣٨٤) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (ص:٢٩٢-٣١٥)، وانظر التمهيد لابن عبد البر: (٩/٢٣٨) وما بعدها، (٢٤٣) وما بعدها، (٢٥١) وما بعدها.
(٥) انظر: الإيمان (ص:٨٣-١١٢) .
[ ٣ / ١٣٦٧ ]
والثاني: أنه على فرض صحة التقسيم إلى حقيقة ومجاز فهو لا ينفعكم، "بل هو عليكم لا لكم، لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة، وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال" (١) .
وأيضًا فلفظ الإيمان ليس بأقل من لفظ الصلاة والصيام والحج في دلالتها على الصلاة الشرعية، والصيام الشرعي، والحج الشرعي (٢) .
ج- أما دليل المرجئة المشهور على عدم دخول الأعمال في الإيمان وهو قولهم: إن الله عطف الأعمال على الإيمان في مواضع كثيرة من القرآن منها: قوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ (البقرة: من الآية٢٥) قالوا: والعطف يقتضي المغايرة.
فقد أجاب شيخ الإسلام أولا بعض أنواع المغايرة بين المعطوفين، وأنها في القرآن وسائر الكلام على أربع مراتب:
١- أعلاها: أن يكونا متباينين، ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزؤه ولا يعرف لزومه له كقوله ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ (الأنعام: من الآية١) ونحو ذلك.
٢- ويليه أن يكون بينهما لزوم كقوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقّ﴾ (البقرة: من الآية٤٢) .
٣- والثالث: عطف بعض الشيء عليه، كقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ (البقرة: من الآية٢٣٨) .
٤- والرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين: كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ (الأعلى: من الآية ١-٤) (٣) .
_________________
(١) الإيمان (ص:١١٢) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:١١٢-١١٣)، وانظر: الإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى - (٧/٥٧٦-٥٨٠) .
(٣) انظر: الإيمان (ص:١٦٣-١٦٨) .
[ ٣ / ١٣٦٨ ]
ولكن من أيها عطف العمل على الإيمان؟ يقول شيخ الإسلام بعد كلام طويل بين فيه أن لفظ "الإيمان" إذا أطلق في القرآن يراد به ما يراد بلفظ "البر" و"التقوى"، و"الدين"، وشعب الإيمان هي شعب البر والتقوى والدين (١) - يقول:
"أما قولهم: إن الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع، فهذا صحيح، وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله في الأعمال المأمور بها، وقد يقرن به الأعمال وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود القلب الواجب، مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولا للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب بل لا بد معه من الأعمال الصالحة" (٢) .
وهذا تنبيه لطيف جدا إلى منزلة الأعمال الصالحة مع إيمان القلب، وأن في ذكرها معه إشارة إلى أنه لا يكتفي بإيمان القلب. ولعل ذلك راجع إلى أن الأعمال من دلائل الإيمان الظاهرة، وأنها لازمة له، فكلما وجد الإيمان فلا بد أن يوجد العمل معه.
ثم بين أن للناس في هذا العطف قولين:
أحدهما: أنه من باب عطف الخاص على العام، وأن إفراده بالذكر لأهميته وتخصيصا له لئلا يظن أنه لا يدخل في الأول. وأمثلة هذا النوع كثيرة. فذكر الإيمان أولا لبيانه أنه الأصل الذي لا بد منه، ثم ذكر العمل لبيان أنه من تمام الدين، ولئلا يظن الظان أن الإيمان يكفي بدون العمل الصالح (٣) .
_________________
(١) انظر: الإيمان (ص:١٧٠) وما بعدها.
(٢) المصدر السابق (ص:١٨٦-١٨٧) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (١٨٧-١٩٠) .
[ ٣ / ١٣٦٩ ]
والثاني: قول من يقول: إن الأعمال في الأصل ليست من الإيمان، فإن أصل الإيمان هو ما في القلب، ولكن الأعمال لازمة له، فمن لم يعمل انتفى إيمانه، لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم. ثم إنها صارت في عرف الشارع جزاءا من الإيمان (١) .
وبما سبق يتبين أن الأعمال داخلة في الإيمان خلافا للمرجئة.
المسألة الثانية: الاستثناء في الإيمان:
وهو قول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله (٢) . والأقوال فيه ثلاثة:
١- قول من يحرمه، وهم الجهمية والمرجئة وغيرهم الذين يجعلون الإيمان شيئًا واحدا يعلمه الإنسان من نفسه. ومن استثنى فقد شك، وسموا المستثنين الشكاكة.
٢- قول من يوجبه، ولهم فيه مأخذان:
أحدهما: مأخذ الكلابية والأشعرية، الذين يقولون بالموافاة، وهو أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، وكذلك الكفر هو ما مات عليه الإنسان، أما قبل ذلك فلا عبرة به.
فعند هؤلاء بالنسبة لما مضى من إيمان الإنسان لا يجوز له أن يستثنى فيه، ثم لما رأوا المشهور عن أهل الحديث الاستثناء في الإيمان، جعلوا الاستثناء في المستقبل لأنه هو الذي يشك فيه الإنسان فأوجبوه لهذا.
ودعم هذا من مذهبهم منع حلول الحوادث بذات الله، ومن ثم قالوا إن الحب والرضا، والسخط والغضب ونحو ذلك صفات أزلية قديمة. قالوا: والله يحب في أزله من كان كافرا إذا علم أنه يموت مؤمنا، ويبغض في أزله من كان مؤمنا إذا علم أنه يموت كافرًا.
_________________
(١) انظر: الإيمان (ص:١٩٠) .
(٢) أما الاستثناء في الإسلام وقول الإنسان: أنا مسلم إن شاء الله، فالمشهور عن أهل الحديث أنه لا يستثنى فيه، وهو المشهور عن الإمام أحمد. وروى عنه الاستثناء فيه. انظر: الفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى - (١٣/٤٣)، والإيمان (ص:٢٣٩، ٢٤٣) ط الكتب الإسلامي.
[ ٣ / ١٣٧٠ ]
ومن ثم ربطوا مسألة الاستثناء في هذا القول، وأوجبوه، بناء على أن الإنسان لا يعلم على أي شيء يموت (١) .
وهم متناقضون في هذا لأنهم يقولون إن الإيمان هو التصديق، ثم يقولون إن الإيمان في الشرع هو ما يوافي به العبد ربه، وأوجبوا الاستثناء لذلك، فهذا عدول منهم عن الإيمان في اللغة إلى معنى آخر، فهلا فعلوا ذلك في الأعمال؟ (٢) .
والأشاعرة يحتجون لقولهم في الموافاة بما روى عن ابن مسعود لما قيل له: إن قوما يقولون: إنا مؤمنون؟ فقال: أفلا سألتموهم أفي الجنة هم؟ فلما سألوا أحدهم قال: الله أعلم، قال ابن مسعود: فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟ (٣) .
السلف - ﵏ - كأحمد وغيره، لم يكن مقصودهم الموافاة، وإنما كان مقصدوهم ن الإيمان المطلق يتضمن فعل جميع المأمورات، وهذا لا يضمنه الإنسان.
أما قول ابن مسعود فواضح لأنه "لم يكن يخفى عليه أن الجنة لا تكون إلا لمن مات مؤمنا، وأن الإنسان لا يعلم ماذا يموت، فإن ابن مسعود أجل قدرا من هذا، وإنما أراد: سلوه هل هو في الجنة إن مات على هذه الحال؟ كأنه قال: سلون أيكون من أهل الجنة على هذه الحال؟ فلما قال: الله ورسوله أعلم. قال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية. يقول: هذا التوقف يدل على أنك لا تشهد لنفسك بفعل الواجبات وترك المحرمات، فإنه من شهد لنفسه بذلك شهد أنه من أهل الجنة إن مات على ذلك" (٤) .
_________________
(١) انظر: الإيمان (ص:٤١٠-٤١١) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:١٣٧-١٣٨) .
(٣) انظر: المصدر نفسه (ص:٣٩٩) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (ص:٤٠٠) .
[ ٣ / ١٣٧١ ]
وقد تدرج الأمر بهؤلاء الذين يوجبون الاستثناء باعتبار الموافاة، أن صار بعض أتباعهم المتأخرين يستثنون في كل شيء فيقول الواحد منهم: هذا ثوب إن شاء الله، وهذا حبل إن شاء الله، وهذا حبل إن شاء الله، وإذا ما اعترض عليهم بأن هذا لا شك فيه، قالوا: إن الله قادر على أن يغبره (١) .
هذا هو المأخذ الأول لمن يوجب الاستثناء، وهو مأخذ الكلابية (٢)، وهو مخالف لما عليه السلف.
المأخذ الثاني: لمن أوجب الاستثناء، وهو مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر، فهؤلاء يقولون: إن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار، فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه " (٣) .
٣- القول الثالث: من يجوز الأمرين باعتبارين؛ فإن أراد المستثنى الشك في أصل إيمانه منع من الاستثناء، وهذا مما لا خلاف فيه. وإن أراد به اعتبارات أخرى:
- مثل أنه لم يقم بجميع ما وجب عليه ولم يترك جميع ما نهى عنه.
- ومثل: عدم علمه بالعاقبة، لأنه لا يدري على ما يموت عليه.
- ومثل أن يستثنى خوفا من تزكية النفس.
فهذا جائز (٤)، وهو الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف (٥) .
_________________
(١) انظر: الإيمان (ص:٤١٣) .
(٢) انظر أيضًا: مجموع الفتاوى (٣/٢٨٩)، والاستقامة (١/١٥٠)، والإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى - (٧/٥٠٩-٥١٠) .
(٣) انظر: الإيمان (ص:٤٢٦) .
(٤) مجموع الفتاوى (٨/٤٢٧) .
(٥) انظر: الإيمان (ص:٤٣٠)، وما بعدها.
[ ٣ / ١٣٧٢ ]
هذه خلاصة الأقوال في الاستثناء (١) . ومنه يتبين رجحان ما عليه أئمة السنة، وضعف مأخذ الكلابية، وتناقضهم فيه، وغاية ما يدل عليه مأخذهم جواز الاستثناء، ولذلك سماه شيخ الإسلام وجها حسنا (٢) .
أما مسألة زيادة الإيمان ونقصانه فقد منع منه المرجئة، وفسروا ما ورد من زيادة الإيمان بتجدد أمثاله، وهو قول باطل ترده النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف (٣) .
وكذلك مسألة الإسلام والإيمان، أخطأ الأشاعرة حين جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام. ورد عليهم شيخ الإسلام وبين تناقضهم (٤) . والأقوال في ذلك ثلاثة:
١- أن الإسلام هو الإيمان (٥) .
٢- الإسلام الكلمة والإيمان والعمل (٦) .
٣- التحقيق والتفصيل، وأن الإيمان والإسلام كالشهادتين، إذا اجتمعا افترقا، فصار الإيمان الأعمال الباطنة، والإسلام الأعمال الظاهرة، وإذا افترقا اجتمعا، فيدخل الإيمان في الإسلام إذا ذكر مفردا، كما يدخل الإسلام في الإيمان إذا ذكر مفردا، والأصل في الفرق بينهما وبيان درجاتهما مع الإحسان حديث جبريل المشهور (٧) .
_________________
(١) انظر: الإيمان (ص:٤١٠)، ومجموع الفتاوى (٧/٦٨١)، والفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى - (١٣/٤٠-٤٧) .
(٢) انظر: الاستقامة (١/١٥٠) .
(٣) انظر: الإيمان (ص:١٣٩، ٢١١-٢٢٤، ٣٨٣، ٣٩٠-٣٩١)، والإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى - (٧/٥٦٢-٥٧٤)، ومجموع الفتاوى (٦/٤٧٩-٤٨٠)، والفرقان بين الحق والباطل - ومجموع الفتاوى (١٣/٥١-٥٥) .
(٤) انظر: قول الباقلاني ومناقشته في الإيمان (ص:١٤٧-١٥١) .
(٥) انظر: الإيمان (ص:٢٢٧-٢٢٩) .
(٦) انظر: المصدر السابق (ص:٢٤٥) .
(٧) انظر: المصدر نفسه (ص:٢٤٦-٢٧١)، وانظر أيضًا (ص:٣٠١-٣٤٧، ٣٥٩) .
[ ٣ / ١٣٧٣ ]
أما حكم مرتكب الجريمة فإن جمهور الأشاعرة موافقون لأهل السنة في أن صاحبها تحت مشيئة الله إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له (١)، وإن كان قد مال منهم من مال - كالباقلاني - إلى التوقف في حال أهل الكبائر حيث جوزوا أن لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد، وهذا مخالف لما عليه السلف من القول بالوعيد المجمل، وأنه قد تواترت النصوص الدالة على أنه لا بد أن ينفذ الوعيد في بعض العصاة، لكن أهل التوحيد منهم لا يخلدون في النار (٢) .
_________________
(١) انظر: الإيمان (ص: ٣٣٨) .
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/١٩٦-١٩٧)، وانظر: التسعينية (ص:٢٦٩-٢٧٠) .
[ ٣ / ١٣٧٤ ]
المبحث الخامس: مسائل متفرقة
سبق في المباحث السابقة عرض ردود شيخ الإسلام على الاشاعرة في مسائل العقيدة الكبار التي خالفوا فيها مذهب أهل السنة، وهي:
١- توحيد الربوبية والإلوهية.
٢- توحيد الأسماء والصفات.
٣- القضاء والقدر.
٤- الإيمان.
وكما هو واضح مما سبق فإن مسألة الأسماء والصفات هي أهم المسائل وأكثرها تفريعا، وطول مناقشة.
وفي هذا المبحث - المختصر جدًا - سيتم عرض بعض المسائل المتفرقة، والكلام عنها بإيجاز.
[ ٣ / ١٣٧٥ ]
أولًا: الرؤية:
مذهب السلف إثبات الرؤية، وأن المؤمنين يرون ربهم في الجنة كما دل على ذلك الكتاب والسنة والعقل والإجماع، ووافقهم على ذلك الاشاعرة، خلافا للمعتزلة ومن وافقهم.
ولكن الاشاعرة لما كانوا يؤولون الصفات الاختيارية القائمة بالله ومنها المحبة، والرضا، وأن الله يحب ويحب، وكذلك لما كان متأخروهم ينفون صفة العلو والاستواء لله تعالى - لما كان الأشاعرة على هذا وهم يثبتون الرؤية، وقعوا في التناقض، وخالفوا مذهب السلف في أمرين:
أحدهما: قولهم إن الله يرى لا في جهة، لا أمام الرائي، ولا خلفه ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا فوقه، ولا تحته. وقالوا. ليس من شرط الرؤية المقابلة والجهة، واحتجوا بما ذكره الأشعري من أن كل موجود يصح أن يرى (١)، وقد يحتجون بالمرآة فإن الإنسان يرى نفسه فيها لا في جهة (٢) .
الثاني: أن بعض الأشاعرة - مع إقرارهم بالرؤية - أنكروا أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤية ربه، لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم (٣)، وهذا مخالف لمذهب جمهور السلف.
أما الأمر الثاني: فهو مبني على إنكار هؤلاء أن الله يحب ويحب، ولا شك أن نصوص الرؤية المتواترة دلت على أن المؤمنين يتلذذون بالنظر إلى ربهم ﵎ في الجنة، وأن ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، والنصوص التي دلت على الرؤية، دلت في بعض رواياتها على ذلك (٤) .
_________________
(١) انظر: الإرشاد للجويني (ص:١٨٠-١٨١) .
(٢) انظر: الاقتصاد للغزالي (ص:٤٢) ط دار الكتب العلمية.
(٣) انظر: النظامية للجويني (ص:٣٩-٤٠)، ومنهاج السنة (٣/٩٧) ط بولاق، والاستقامة (٢/٩٦-٩٧) وهو أيضًا في مجموع الفتاوى (١٠/٦٩٥) .
(٤) من ذلك رواية مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم ورقمه (١٨١)، ورواية النسائي، كتاب السهر، باب الدعاء بعد الذكر، ورقمه (١٣٠٥) سنن النسائي (٣/٥٤-٥٥) . ومسند الإمام أحمد (٥/١٩١)، وانظر الاستقامة (٢/٩٨-١٠٦) .
[ ٣ / ١٣٧٦ ]
وأما الأمر الأول: وهو قولهم بالرؤية بلا جهة، فقد ناقشه شيخ الإسلام طويلا، وفي مناسبات متعددة، ويمكن تلخيص ردوده عليهم كما يلي:
١- أن النصوص الواردة في الرؤية - وهي كثيرة، وقد أفردها بعض علماء السنة بمؤلفات - دالة على أن رؤية المؤمنين لربهم إنما تكون في جهة، وإذا كانت نصوص الرؤية متواترة، فكذلك دلالتها على أنها في جهة، وتشبيه الرؤية برؤية الشمس ليس دونها سحاب، أو رؤية القمر ليلة البدر صحوا، أو أن الله يكشف الحجاب من فوقهم. وقد أورد شيخ الإسلام أربعة وجوه قاطعة تدل - من خلال حديث واحد فقط من أحاديث الرؤية - على أن الرؤية إنما تكون في جهة (١) .
٢- أن كون الله يرى بجهة من الرائي ثبت بإجماع السلف والأئمة، ونصوصهم في ذلك متواترة (٢) .
٣- أن أئمة هؤلاء المتأخرين كالأشعري وغيره، هم ممن يثبت الرؤية والاحتجاب والعلو وأن الله فوق العرش - وقد سبق بيان ذلك - (٣) .
٤- أن الأشاعرة - مع كونهم أقرب إلى الحق من المعتزلة، لأنهم أقروا بالرؤية، وإن كانوا قد نفوا العلو - بخلاف المعتزلة الذين نفوا الأمرين - إلا أنهم متناقضون، لأن إثباتهم للرؤية يقتضي إثباتهم للعلو، كما أن نفيهم للعلو يقتضي نفيهم للرؤية أيضًا. فيلزمهم أحد أمرين: إما نفي الرؤية أو اللحاق بأهل السنة في إثباتهما. وأحد الأمرين لازم لهم.
٥- أن بعض محققي الأشاعرة كالرازي - والغزالي في بعض أقواله - رأوا أن الإلزام السابق لازم لهم، ومن ثم حرصوا بأن المقصود بالرؤية - التي أثبتوها - زيادة انكشاف بخلق مزيد من الإدراك لهم، أي أنهم فسروها بنوع
_________________
(١) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٤٠٩-٤١١)، وانظر أدلة أخرى (ص: ٤١١ إلى ص:٤١٥) .
(٢) انظر: المصدر السابق (٢/٤١٥-٤٢١)، ومجموع الفتاوى (١٦/٨٢-٨٩) .
(٣) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (٢/٤٢٠-٤٢٣)، ومنهاج السنة (٢/٢٥٠-٢٥٢) ط دار العروبة المحققة، درء التعارض (١/٢٥٠) .
[ ٣ / ١٣٧٧ ]
من العلم، ومن ثم أقروا بأن الخلاف بينهم وبين المعتزلة لفظي أو قريب من اللفظي (١) .
ولا شك أن هذا اعترف منهم بفشلهم في الجمع بين نفي العلو والزعم بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وبين إثبات الرؤية.
٦- أما احتجاجهم بأن كل موجود يصح أن يرى، فهو دليل ضعف لأنه يلزم منه أن ترى الأصوات والروائح وهي موجودة. أما دليل المرآة فهو باطل لأن الذي في المرآة الخيال والصورة وليس الذات.
وقد أورد شيخ الإسلام ردودا أخرى عديدة (٢)، ولا شك أن قول الاشاعرة بالرؤية مع نفي العلو في غاية التناقض، وجميع أجاباتهم ومحاولاتهم لإزالة هذا التناقض لم تفلح إلا بأن تفسر الرؤية بما يقربها إلى مذهب المعتزلة، وهذا ما فعله بعض المتأخرين منهم. وهو ما استقر عليه مذهبهم كما في شرح المواقف (٣) .
ثانيًا: النبوات والمعجزات:
يوافق الأشاعرة أهل السنة في مسألة النبوات والمعجزات الدالة عليها. ولكنهم - لمذاهبهم المنحرفة في الصفات والقدر - خالفوا أهل السنة في بعض تفاصيل مسألة النبوات والمعجزات والكرامات.
وأول من فصل القول في ذلك من الأشاعرة الباقلاني، حيث أفرد لذلك كتابا مستقلا، وهو رأس الذين اتبعوه كالقاضي أبي يعلى والجويني والرازي والآمدي وغيرهم (٤) . وقد سبق عرض مذهبه في ذلك مفصلا (٥) .
_________________
(١) انظر:،قض التأسيس - مطبوع - (١/٣٦٠، ٢/٣٩٦، ٤٠٤، ٤١٨، ومجموع الفتاوى (٦/٣٢، ٤١، ١٦/٨٥)، ودرء التعارض (١/٢٥٠)، والمسألة المصرية - مجموع الفتاوى - (١٢/١٧٥) .
(٢) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (١/٣٥٧-٣٦٨، ٢/١٠١-١٠٦، ٤٢١-٤٣١)، والتسعينية (ص:٢٥٩، ٢٦٢)، ودرء التعارض (١/٢٤٧-٢٤٨، ٧/٢٣٩-٢٤٠) .
(٣) (٨/١١٥-١١٦) .
(٤) انظر: النبوات (ص:٣٩٥٩) .
(٥) انظر: (ص:٥٤٣-٥٤٥) في ترجمة الباقلاني.
[ ٣ / ١٣٧٨ ]
وكتاب النبوات أفرده شيخ الإسلام للرد على الباقلاني وغيره من الأشاعرة، ومجمل ملاحظات وردود شيخ الإسلام عليهم يمكن عرضها - باختصار - كما يلي:
١- حصرهم دلائل النبوة بالمعجزات التي هي خوارق، وهذا موافق لرأي المعتزلة، وإن اختلوفا معهم في كيفية دلالتها على صدق النبي. أم رأي جمهور أهل السنة، فهو أن دلائل ثبوت نبوة الأنبياء كثيرة، ومنها المعجزات (١) .
٢- قول بعض الاشاعرة: إن المعجزة تدل على صدق النبي لئلا يفضي إلى تعجيز الرب، لأنه لا دليل على الصدق إلا خلق المعجز، فلو لم يكن دليلا لزم أن يكون الرب غير قادر على تصديق الرسول الصادق. وهذه طريقة الأشعري - في أحمد قوليه - والقاضي أحيانا، والاسفراييني وابن فورك، وأبو يعلى وغيرهم.
وبعض الأشاعرة قالوا العلم بصدق المعجز يحصل ضرورة، وهذه طريقة الجويني والرازي، لأنهم عرفوا ضعف مسلك أولئك، بسبب أنهم يقولون بتجويز أن يفعل الله كل شيء ولو كان قبيحا، ومن ذلك إظهار المعجزة على يد كذاب. فلما علم أن هذا قد يؤدي إلى عدم التفريق بين الصادق والكاذب، جعلوا المعجزة تدل على صدق النبي، وأن الله لا يظهرها على يد كاذب لئلا يفضي إلى ذلك إلى تعجيز الرب عن إثبات صدق أنبيائه. وهذا تناقض منهم. والحق أن الله لا يظهرها على يد كاذب لأنه يفعل لحكمة ولأنه منزه عن ذلك. أما من جز على الله كل قبيح فقوله باطل ومتناقض كما فعلوا هنا (٢) .
٣- وعلى مذهبهم في تعريف المعجزة، وأنها أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي يظهر على يد نبي، سالم من المعارضة - يجعل الفرق بين المعجزة وبين السحر والشعوذة هو فقط عدم المعارضة، وكونها جاءت على يد مدعي النبوة - وهذا فرق ضعيف جدا، لأن مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي وغيرهما لم يعارضوا، فلو أنهم أتوا بسحر وكهانة وادعوا النبوة، فما الفرق بينهم وبين
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٩/٤٠) .
(٢) انظر: النبوات (ص:٥١-٥٧، ١٤٨-١٤٩) ط دار الكتب العلمية، والجواب الصحيح (٤/٢٥٩-٢٦١)، ودرء التعارض (١/٨٩-٩٠، ٩٦، ٩/٥٢-٥٣)، وشرح الأصفهانية (ص:١٥٦-١٦٥) ت مخلوف.
[ ٣ / ١٣٧٩ ]
معجزة الأنبياء؟ (١) .
ومعلوم أن آيات الأنبياء الدالة على نبوتهم "هي التي تعلم أنها مختصة بالأنبياء، وأنها مستلزمة لصدقهم، ولا تكون إلا مع صدقهم، وهي لا بد أن تكون خارقة للعادة، خارجة عن قدرة الإنس والجن، ولا يمكن أحد أن يعارضها. لكن كونها خارقة للعادة، ولا تمكن معارضتها هو من لوازمها، ليس هو حدا مطابقا لها، والعلم بأنها مستلزمة لصدقهم قد يكون ضروريا كانشقاق القرم، وجعل العصا حية وخروج الناقة، فمجر العلم بهذه الآيات يوجب علما ضروريا بأن الله جعلها آية لصدق هذا الذي استدل بها وقد تكون الآيات على جنس الصدق، وهو صدق صاحبها، فيلزم صدقه إذا قال: أن نبي، ولكن يمتنع أن يكون لكاذب" (٢) .
٤- أنهم لم يفرقوا بين المعجزات والسحر، بل جعلوا الفرق فقط هو تحدي الرسول بالإتيان بمثله، قالوا ولو احتج الساحر بسحره وادعي به النبوة أبطله الله بوجهين: أحدهما: أن ينسبه عمل السحر، والثاني: أن تمكن معارضته. ولما طولب الباقلاني بالفرق بين السحر والمعجزات التي للأنبياء عول على أن المعجز لا يكون معجزا حتى يكون واقعا من فعل الله، على وجه خارق للعادة، مع تحدي الرسول بالإتيان بمثله (٣) .
وقد ناقش شيخ الإسلام هذا الكلام ورد عليه من وجوه عديدة منها:
أ - أن كون آيات الأنبياء مساوية في الحد والحقيقة لسحر السحرة معلوم الفساد بالإضطرار من دين الرسل.
ب - أن في هذا قدحا في الأنبياء حيث جعلت آياتهم من جنس السحر والكهانة.
ت - أنه على تقديم قولهم: يمكن للساحر أن يدعي النبوة، وما ذكر
_________________
(١) انظر: النبوات (ص:٢٨٢-٢٨٣) ط دار الكتب العلمية.
(٢) النبوت (ص:٢٨٣)، وانظر أيضًا (ص:٢٩٧-٢٩٨، ٣١٥-٣١٦، ٣٢٠) وما بعدها.
(٣) انظر: النبوات (ص:٤٧-٤٩) .
[ ٣ / ١٣٨٠ ]
من إبطال بدعواه بأمرين، منقوض بمذهبه الذي جوزوا فيه على الله فعل كل شيء ولو كان قبيحا كإظهار المعجزة على يد الكاذب.
ث - أنه، أي الباقلاني، جوز أن تظهر المعجزات على يد كاذب إذا خلق الله مثلها على يد من يعارضه فعمدته سلامته من المعارضة بالمثل.
ج - أن من الناس من اعدى النبوة، وكان كاذبا وظهرت على يده بعض هذه الخوارق، فلم يمنع منها، ولم يعارضه أحد، كما حدث للأسود العنسي ومسيلمة، وبابك وغيرهم. وإنما عرف كذبهم بطرق متعددة. فدعواهم أن الكذاب لا يأتي بمثل هذه الخوارق ليس كما يدعونه (١) .
٥- وأخيرا فإن أقوال الأشاعرة في هذه المسائل أدى بهم إلى بعض الأقوال - أو تجويز بعض الأمور - الباطلة، ومنها:
أ - تجويز بعضهم أن يقع الفسخ في شرائع الأنبياء في الأصول الجامعة، كالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبر الوالدين، والصدق، والعدل، وتحريم الفواحش. وهذا لأنهم جوزوا أن يأمر الله بكل شيء وينهى عن كل شيء، وأن مرد ذلك إلى محض المشيئة.
وهم وإن قالوا إن شيئا من ذلك لم يقع، إلا أن تجويزهم له خالفوا به قول جمهور السلف الذين لا يجوزون دخول النسخ في هذه الأمور (٢) .
ب - تجويز بعضهم - كالباقلاني - أن يكون النبي فاعلا للكبائر، بناء على نفيهم للتحسين والتقبيح العقلي (٣) .
ت - قولهم إن كرامات الأولياء ليست من آيات الأنبياء نظرا لمذهبهم
_________________
(١) انظر: النبوات (ص:٤٩-٥١) .
(٢) انظر: المصدر السابق (ص:٣٢١-٣٢٣) .
(٣) انظر: المصدر السابق (ص:١٤٦)، ومنهاج السنة (٢/٣٢٤-٣٢٧) ط دار العروبة المحققة.
[ ٣ / ١٣٨١ ]
في شروط المعجزة حيث جعلوا منها: أن تقارن دعوى النبوة. وهذا مخالف لمذهب الجمهور الذين جعلوا من آيات الأنبياء، لأنها مستلزمة لنبوتهم وتصديقهم فيهان ولولا تصديقهم للأنبياء واتباعهم لهم، لم تكن لهم كرامات (١) .
ث - تناقضهم في قولهم إن كل ممكن فهو جائز على الله، مع قولهم، إنه لا يظهر المعجزة على يد الكاذب (٢) .
ج - تناقضهم أيضًا، حيث جعلوا من شرط المعجزة أن تكون مما ينفرد الرب بالقدرة عليه، مع قولهم: كل ما في الوجود فهو مقدور لله، حتى قدرة العبد عندهم غير مؤثرة في مقدورها. فإذا صح هذا فما معنى الشرط السابق؟ (٣) .
ح - قول الباقلاني: إن الخوارق تدل على الولاية بالإجماع، مع تجويزه ظهورها على يدي الكفار والسحرة. وهذا تناقض (٤) .
هذه لمحات في مسألة المعجزات وما يتعلق بها، وهي تدل على تداخل أمور العقيدة، وتأثير الانحراف في بعضها على الانحراف في جوانبها الأخرى.
وفي ختام هذا المبحث الذي هو آخر مباحث هذا الفصل الذي اشتمل على ردود شيخ الإسلام التفصيلية على الأشاعرة، لا بد من الإشارة إلى أن هناك
_________________
(١) انظر: النبوات (ص:٣٠٦-٣٠٧) .
(٢) انظر: النبوات (ص:٣٧٢) .
(٣) انظر: المصدر السابق (ص:٢٠٦) .
(٤) انظر: المصدر نفسه (ص:١٨١) .
[ ٣ / ١٣٨٢ ]
بعض المسائل الفرعية التي قد تشتمل عليها كتب الأشاعرة، وهي مخالفة لمذهب السلف، ولكن هذه المسائل إما أن تكون متعلقة بمسألة من المسائل المشهورة كالصفات أو القدر أو الإيمان أو غيرها، أو تكون وردت في بعض كتب الأشاعرة رأيا لصاحب الكتاب، واجتهاد منه، فمناقشتها تكون ضمن بحوث مستقلة تفرد لتتبع هذا الكتاب أو آراء صاحبه.
والأشاعرة موافقون لأهل السنة فيما يتعلق بالسمعيات كالمعاد والحشر والحوض والصراط والجنة والنار، وعذاب القبر، ونحو ذلك. وكذلك في الإمامة والتفضيل وما يتعلق بهما. وكذلك في أنه لا يخلد أحد من أهل القبلة في النار. فهم - كما قال شيخ الإسلام - مخالفون للخوارج والشيعة، ومن ثم كانوا أقرب الطوائف إلى السلف وأهل السنة والحديث (١) .
_________________
(١) انظر: النبوات (ص:١٩٨) ط دار الكتب العلمية.
[ ٣ / ١٣٨٣ ]