أولا: التعريف بالسلف، أهل السنة والجماعة.
ثانيا: نشأة التسمية بأهل السنة والجماعة.
ثالثا: منهج السلف في العقيدة.
[ ١٧ ]
تمهيد
لما كان موضوع الرسالة يتعلق بشيخ الإسلام ابن تيمية﵀- وموقفه من الأشاعرة، وشيخ الإسلام يمثل في موقفه هذا مذهب السلف - ﵏ كان من المهم التمهيد ببيان التعريف بالسلف وهل لهم أسماء أخرى عرفوا بها، وكيف تميزوا عن الطوائف والفرق الأخرى؟، ثم لابد من بيان منهجهم في العقيدة وضرورة هذا المنهج لكل مسلم يبحث عن الحق، ويرجو الفوز برضوان الله والنجاة من عذابه يوم القيامة.
ومسألة الالتزام بمذهب السلف ليست مسألة اختيارية، من شاء سلكها ومن شاء سلك غيرها، بل هى مسألة تتعلق بالإيمان بالله وبما جاء به كتابه وسنة رسولهـ ﷺ - واتباعهما قولا وعملا، وهذا مما لا يختلف فيه أحد ممن ينتسب إلى الإسلام ولذا تجد الفرق المنحرفة- على اختلاف فيما بينها- كل واحدة تزعم أنها تسير على ما سار عليه الرسولﷺ- وأصحابه، وتحتج على أقوالها بالنصوص، وحينما تعدد رجالاتها السابقين تذكر في الطبقة الأولى منهم الرسول - ﷺ - وأصحابه وهي مع ذلك منحرفة انحرافا بينا، فهى تصادم النصوص، وأحيانا ترفض الاحتجاج ببعضها وغالبا ترفض فهنم الصحابة للنصوص وتفسيرهم لها.
ولذا فلابد للباحث المسلم أن ينطلق في بحثه من منطلقين:
أحدهما: الثقة المطلقة بمذهب السلف، أهل السنة والجماعة، وأن يكون عنده يقين في ذلك لا يتزعزع أبدا.
والآخر: تحديد المقصود بالسلف، من هم؟، وما منهجهم، حتى يسلك طريقتهم على بصيرة، ولا يتخبط في سيره بين المناهج الأخرى.
ولما كان المنطلق الأول مما لا يختلف! حوله أحد ولو بشكل مجمل، فإننا في هذا التمهيد نعرض للمنطلق الثافي من خلال المباحث التالية:
[ ١٩ ]
المبحث الأول: التعريف بالسلف، وأهل السنة والجماعة، وأهل الحديث.
المبحث الثاني: من المقصودون بالسلف، ونشأة التسمية بأهل السنة والجماعة؟.
المبحث الثالث: منهج السنف، أهل السنة والجماعة في العقيدة.
[ ٢٠ ]
المبحث الأول: التعريف بالسلف، وأهل السنة والجماعة وأهل الحديث
أولا: السلف:
قال ابن فارس: " سلف ": السين واللام والفاء أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون (١) .
هذا هو أصل هذه الكلمة لغويا، ولذا قال في العباب الزاخر: " وسلف يسلف سلفا- بالتحريك- مثال طلب يطلب طلبا أي: مضى قال الله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والقوم السلاف: المتقدمون، وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسلاف " (٢)، ثم نقل عن أبي عبيد الهروي معاني السلف ومنها: القرض، والسلم، ثم قال: " وللسلف معنيان آخران: أحدهما كل عمل صالح قدمه العبد أو فرط فرط له، والسلف من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك " (٣)، وهذان المعنيان ذكرهما أهل غريب الحديث، ففي مشارق الأنوار: "والسلف: كل عمل صاع تقدم للعبد، ومنه قوله في الدعاء للطفل:"اجعله لنا فرطا وسلفا " (٤) أي خيرا متقدما نجده في الآخرة، والسلف أيضا: من تقدمك من آبائك وقرابتك (٥)، ومثله في النهاية، ومجمع بحار الأنوار (٦)،
ويشهد للمعنى الأخير: من تقدمك من آبائك وقرابتك،
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة، مادة: سلف، (٩٥/٣) .
(٢) العباب الزاخر: للحسن بن محمد الصفاني. حرف الفاء، مادة: " سلف "
(٣) المصدر السابق.
(٤) هذا الأثر مروى عن الحسن، وقد علقه البخارى في صحيحه: باب الجنائز- باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة (فتح الباري: ٣/٣ ٠ ٢)، وذكره البخارى قبل حديث رقم (١٣٢٥) - وقد وصله ابن حجر كا في تغليق التعليق (٢/٤٨٣-٤٨٤) - وقد روى مسلم لفظة (فرطا وسلفا) من حديث آخر مرفوع ونصه: " إن اللة تعالى (ذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبها قبلها فجحله لها فرطا وسلفا بين يديها٠٠٠) (مسلم، كتاب الفضائل: باب إذا أراد اللة رحمة أمة قبض نبها قبلها، ورقمه: ٢٢٨٨) .
(٥) مشارق الأنوار (٢/٢١٩) .
(٦) انظر النهاية لابن الأثير، مادة: "سلفا " (٢/ ٣٩٠) ..وانظر أيضا: مجمع بحار الأنوار: محمدطاهر الصديقي، مادة: (سلف) (٣/ ١٠٠) . وانظر: لسان العرب، مادة: (سلف) .
[ ٢١ ]
حديث فاطمة﵂- أن النبيﷺ- قال لها " ولا أراني إلا قد حضر أجلي وأنك أول أهلي لحوقا بى، ونعم السلف أنا لك" (١)،أي المتقدم.وكذا لما ماتت ابنته قال:"الحقي بسلفنا الصالح الخير، عثمان بن مظعون" (٢) ومنه الدعاء لأهل القبور: " أنتم سلفنا ونحن بالأثر " (٣) . أي: المتقدمون.
ونستخلص من هذا أن من معاني السلف: التقدم والسبق سواء كان بالعمل الصاع، أو من تقدم من الآباء وذوي القرابة وغيرهم، ومن هذا المعنى سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح (٤) .
ولما حدث الافتراق ونشأت البدع بدأ يتحدد مصطلح السلف في عرف المتأخرين بأنهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان. وسيأتي مزيد إيضاح ومناقشة لهذا بعد التعريف بالمصطلحات المرادفة لمصطلح: " السلف "، مثل: أهل السنة، والجماعة، وأهل الحديث، والأثر، لأن هذه المصطلحات اشتهرت وكثر استعمالها، وخاصة في مجال أصول العقائد.
ثانيا: أهل السنة:
السنة لغة: السيرة والطريقة، قال ابن فارس: " سن ": السين والنون أصل واحد مطرد، وهو جريان الشىء واطراده في سهولة، والأصل قولهم: سننت الماء على وجهي أسنه سنا، إذا أرسلت إرسالا، ومما اشتق منه السنة، وهى السيرة، وسنة رسول الله ﵇ سيرته (٥)، فالسنة هي الطريقة،
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة- باب فضائل فاطمة، ورقمه (٢٤٥٠) مكرر، ورواه أحمد (٦/٢٨٢) .
(٢) رواه أحمد (١/٢٣٧)، ورقمه عند أحمد شاكر (٢٧ ١ ٢) وفيه: أنها زينب، ورواه أحمد أيضا (١/٣٣٥) ورقمه عند أحمد شاكر (٣١٠٣) وفيه: أنها رقية.
(٣) رواه الترمذي، كتاب الجنائز- باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر، ورقمه (١٠٥٣) تحقيق: فؤاد عبد الباقي.
(٤) النهاية مادة " سلف " (٢/ ٣٩٠)، وتاج العروس مادة: " سلف ".
(٥) معجم مقاييس اللغة، مادة: " عن " (٣/٦٠-٦١)، وانظر: مجمل اللغة له (٣/٥٤- ٥٥) . ط معهد المخطوطات- الكويت.
[ ٢٢ ]
محمودة كانت أو مذمومة، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق (١)، ومنه الحديث: " من سن في الاسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شىء، ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شىء " (٢)، يقول ابن الأثير: " وقد تكرر في الحديث ذكر " السنة " وما تصرف منها، والأصل فيها الطريقة والسيرة (٣)، وفي الحديث: " لتتبعن سنن من كان قبلكم " (٤)، أي طريقهم، وقولهم: " هي السنة " (٥) أى الطريقة التي سنها النبي ﵊ وأمر بها (٦)، ولذلك صار لفظ السنة يطلق على ما كان محمودا فيقال: فلان من أهل السنة، معناه، من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة (٧) .
أما السنة في الاصطلاح فلها عدة إطلاقات:
أ) ففى اصطلاح المحدثين: عرفها ابن حجر بأنها: " ما جاء عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريره وما هم بفعله " (٨)، وعرفها البعض بأنها: " كل ما أثر عن النبيﷺ - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية، أو سيرة، سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها " (٩)،
_________________
(١) انظر: لسان العرب، مادة: "سنن ".
(٢) رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة، ورقمه (١٠١٧) .
(٣) النها ية، ما د ة: " سنن " (٢/٢٢٣) .
(٤) رواه البخارى، كناب أحاديث الأنبياء- باب ما ذكر عن بني اسرائيل ورقمه (٣٤٥٦)، فتح البارى (٦/٤٩٥) - السلفية، ورواه مسلم كاب العلم- باب اتباع سنن اليهود والنصارى، ورقمه (٢٦٦٩) .
(٥) ترد كثيرا على لسان الصحابة والتابعين، انظر مثلا: صحيح مسلم، كتاب المساجد- باب جواز الاقعاء على العقبير، ورقمه (٥٣٦) .
(٦) مشارق الأنوار (٢/٢٢٣)
(٧) انظر: لسان العرب، مادة:" سنن".
(٨) فتح الباري (١٣/٢٤٥) . السلفية، وانظر: توجيه النظر (ص: ٣) .
(٩) السنة ومكانتها في التشريع الاسلامى للسباعي (ص: ٤٧)، وانظر السنة قبل التدوين (ص: ١٦)، دراسات في الحديث النبوي للأعظمى (١/١) .
[ ٢٣ ]
فهي بهذا مرادفة للحديث.
ب) وفي اصطلاح علماء أصول الفقه يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولا عن النبي ﷺ على الخصوص، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز، بل إن ما نص عليه من جهته ﵊، كان بيانا لما في الكتاب أولا " (١)، فهي مختصة بما صدر عن النبيﷺ - من غير القرآن مما يصلح أن يكون دليلا شرعيا (٢) .
ج-) وفي اصطلاح الفقهاء فهي: ما ثبت عن النبىﷺ- ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب (٣) . فهى مرادفة للمندوب.
د) وقد تطلق السنة على كل ما دل عليه دليل شرعي، سواء كان ذلك في الكتاب العزيز أو مأثورا عن النبىﷺ -، أو اجتهد فيه الصحابة كجمع المصحف، وتدوين الدواوين (٤)، ودخول ما اجتهد فيه الصحابة يدل عليه حديث: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " (٥)، وقول على في الخمر: " جلد النبيﷺ- أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة " (٦) .
هـ) كما تطلق السنة في مقابل البدعة، " فيقال: فلان على سنة، إذا عمل على وفق ما عمل ﵇، كان ذلك مما نص عليه الكتاب أو لا " (٧) .
_________________
(١) الموافقات للشاطبي (٤/٣)، وانظر: النهاية لابن الأثير (٢/٤٠٩) .
(٢) انظر: السنة قبل التدوين (ص: ١٦) .
(٣) انظر: إرشاد الفحول (ص: ٣١) .
(٤) السنة للسباعي (ص: ٤٨)، وانظر: المرافقات (٤/٤-٦) .
(٥) رواه الترمذى، كتاب العلم- باب ما جاء في الأخذ بالسنة اجتناب البدع، ورقمه (٢٦٧٦)، تحقيق عطوه. ورواه أبو داود، كتاب السنة- باب لزوم لزوم السنة، ورقمه (٤٦٠٧) . ط الدعاس.
(٦) رواه مسلم، كتاب الحدود- باب حد الخمر، ورقمه (١٧٠٧) . وأحمد (٨٢/١)، ورقمه عند أحمد شاكر (٦٢١) .
(٧) الموافقات (٤/ ٤) .
[ ٢٤ ]
هذه أهم إطلاقات السنة عند العلماء (١)، والذي يهمنا هنا اصطلاح " السنة " حينما يقال: " أهل السنة " في مجال العقائد، خاصة لما حدث الافتراق في الأمة الإسلامية. يقول ابن رجب: " وعن سفيان الثوري قال: " استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء " (٢)، ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة طريقة النبي - ﷺ - التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات، ولهذا كان الفضيل بن عياض يقول: " أهل السنة من عرف ما يدخل في بطنه من حلال " (٣)، وذلك لأن أكل الحلال من أعظم خصال السنة التى كان عليها النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃. ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم: السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر، وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة، وأما السنة الكاملة فهي الطريقة السالمة من الشبهات والشهوات " (٤) .
وهذا الذي ذكره ابن رجب﵀- استقر عليه مصطلح أهل السنة، ولذلك لما وصل السمعافي في الأنساب إلى ذكر من نسب إلى السنة فقيل: " السني " قال: " السني: بضم السين المهملة، وتشديد النون المكسورة، هذه النسبة إلى السنة التي هي ضد البدعة، ولما كثر أهل البدع
_________________
(١) يطلق لفظ: " أهل السنة " في مقابل الرافضة، كما أن الرافضة يعنون به من عداهم، يقول ابن تيمية في منهاج السنة (٢/١٦٣)، المحققة: " فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فبدخل في ذلك جميع الطواثف إلا الرافضة وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه الا من يثبت الصفات لله تعالى وهذا الرافضي- يعني المصنف- جعل أهل السنة بالاصطلاح الأول وهو اصطلاح العامة: كل من ليس يرافضي قالوا: هو من أهل السنة".
(٢) رواه اللالكائي في شرح السنة رتم (٤٩) .
(٣) رواه بلفظ مقارب اللالكائي في شرح السنة رقم (٥١)، وأبو نعيم في الحلية (٨/١٠٤) .
(٤) كشف الكربة (ص: ١٩-. ٢) .
[ ٢٥ ]
خصوا بها جماعة بهذا الانتساب" (١)، ولما سأل عمر بن عبد العزيز رجل عن القدر أجابه بجواب طويل أوله: " أما بعد، أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره (٢)، واتباع سنة نبيه - ﷺ -، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة، فإنها لك- بإذن اللهـ عصمة " (٣) . فأمرهـ وهو يجيبه عن موضوع القدر وما أحدث فيه أهل البدع- بلزوم السنة وأن فيها وحدها العصمة من الانحراف.
ثا لثا: الجما عة:
يقال: " أهل السنة والجماعة "، وقد ورد الأمر بلزوم الجماعة في عدة أحاديث، منها ما رواه ابن عمر﵄- أن عمر بن الخطاب - ﵁ خطب بالجابية (٤)، فقال: قام فينا رسول الله - ﷺ - مقامي فيكم فقال: " استوصوا بأصحابي خيرا، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى إن الرجل ليبتدىء بالشهادة قبل أن يسألها، فمن أراد منكم بحبحة (٥) الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد٠٠٠" (٦)، وفي بعض روايات حديث الافتراق أن الفرقة الناجية: الجماعة (٧)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - " الصلاة المكتوبة إلى الصلاة المكتوبة التي بعدها كفارة
_________________
(١) الأنساب (٧/١٧٥) ط لبنان.
(٢) أي التوسط بين الإفراط والتفريط. حاشية سنن أبي داود (٥/١٩)، ط الدعاس.
(٣) رواه أبو داود، كتاب السنة- باب لزوم السنة، ورقمه (٤٦١٢)، ط الدعاس.
(٤) الجابية: قرية بدمشق. تحفة الأحوذى (٣/٢٠٧) هندية.
(٥) في بعض الألفاظ- منها لفظ الترمذى- بحبوحة الجنة- والمعنى: وسطها وخيارها. تحفة الأحوذ ى (٣/٢٠٧) هندية.
(٦) رواه أحمد (١/١٨، ٢٦)، وهو في المسند تحقيق شاكر برقم (١١٤،١٧٧) . ورواه الترمذى في الفتن- باب ما جاء في لزوم الجماعة، ورقمه (٢١٦٥) تحقيق: (براهيم عطوة، وقال فيه الترمذى: " هذا حديث حسن صحيح غريب". ورواه الحاكم في المستدرك (١/١١٤-١١٥)، من طرق وصححه ووافقه الذهبي. ورواه ابن أبي عاصم في السنة (١/٤٢) من عدة طرق وصححه الألباني.
(٧) منها: رواية معاويةرضي الله عنهـ رواه الإمام أحمد (٤/١٠٢)، وأبو داود، =
[ ٢٦ ]
لما بينهما، قال: والجمعة إلى الجمعة، والشهر إلى الشهر- يعني رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما- قال: ثم قال بعد ذلك: إلا من ثلاث- قال: فعرفت أن ذلك الأمر حدث- إلا من الاشراك بالله، ونكث الصفقة، وترك السنة، قال: أما نكث الصفقة أن تبايع رجلا ثم تخالف إليه تقاتله بسيفك، وأما ترك السنة فالخروج من الجماعة " (١)،
وعن ابن عباس﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: (من رأى من أميره شيئا فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية" (٢)، وغيرها من الأحاديث التي وردت بالأمر بلزوم الجماعة، والنهي عن الخروج عليها.
وقد اختلف العلماء في المقصود بالجماعة على أقوال أهمها:
أ- أن الجماعة هم الصحابة دون من بعدهم، " فإنهم الذين أقاموا عماد الدين، وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أبدا " (٣)، وهذا القول مروى عن عمر بن عبد العزيز﵀- فمما روى عنه
_________________
(١) = كتاب السنة رقم (٤٥٩٧) - ط الدعاس، والحاكم في المستدرك (١/١٢٨)، والدارمي (٢/ ١٥٨) برقم (٢٥٢١) - ط اليماني، والآجري في الشريعة (ص: ١٨)، وابن أبي عاصم (١/٣٤-٣٥)، واللالكائي في شرح السنة (١/ ٠١ ا-١٠٢)، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر أحاديث الكشاف (ص: ٦٣)، " ملحق في آخر الكشاف للزمخشري ". وجود اسناده العراقي- إحياء علوم الدين (٣/٢٥٥)، وقال عنه ابن تيمية: " هذا حديث محفوظ " اقتضاء الصراط المستقيم (١/١١٨)، المحققة. وصححه الألباني: سلسلة الصحيحة، رقم (٢٠٤) . ومنها: رواية عوف بن مالكرضي الله عنهـ رواها ابن ماجه، كتاب الفتن، رقم (٣٩٩٢)، وابن أبي عاصم (١/٣٢)، واللالكائي (١/ ١٠١)، وإسناده حسن، وذكره الألباني في الصحيحة رقم (١٤٩٢) . ومنها: رواية أنس بن مالك﵁ رواها الامام أحمد (٣/ ١٢٠، ١٤٥)، وابن ماجه في الفتن، ورقمه (٣٩٩٣)، واللالكائي (١/ ٠ ٠ ١)، والآجرى في الشريعة (ص: ١٦-١٧)، والطبرافي في الصغير (١/٢٥٦)، والعقيلى في الضعفاء الكبير (٢/٢٦٢)، ويصح بمحموع طرقه.
(٢) رواه أحمد (٢/٢٢٩)، وهو في مسند شاكر، برقم (٧١٢٩) وصححه، ورواه الحاكم (١/١١٩ - ١٢٠) وقال: " صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة لا ووافقه الذهبي.
(٣) رواه البخارى في الفتن، ورقمه (٧٠٥٤)، وفي الأحكام ورقمه (٤٣ ٧١)، ورواه مسلم في الإمارة، ورقمه (١٨٤٩) .
(٤) الاعتصام (٢/٢٦٢)، وانظر: فتح الباري (١٣/٣٧) .
[ ٢٧ ]
أنه قال: (سن رسول الله - ﷺ - وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتدى، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى وصلاه جهنم وساءت مصيرا" (١)، قال مالك: (فأعجبني عزم عمر على ذلك" (٢)، فعلى هذا القول فلفظ الجماعة مطاب للرواية الأخرى لحديث الافتراق حيث قال: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعبن ملة كلهم في النار الا ملة واحدة قالوا: ومن هي يارسول الله؟، قال: ما أنا عليه وأصحابي" (٣)،
والصحابة لهم خصوصيات كثيرة، فهم الذين شاهدوا التنزيل،- وسمعوا من الرسول، فلهم من العلم والفضل، والاقتداء ما ليس لغيرهم ممن جاء بعدهم.
٢- وقيل: إن الجماعة هم أهل الحديث، أو أهل العلم (٤) المجتهدون " لأن الله جعلهم حجة على الخلق، والناس تبع لهم في أمر الدين" (٥)،
_________________
(١) روا. ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/٢٢٨) بسنده الى مالك عن عمر بن عبد العزيز، وأيضا رواه أبو نعيم في الحلية (٦/٣٦٤)، والآجرى في الشريعة في عدة مواضع (ص: ٤٨،٦٥، ٣٠٧)، واللالكالي في شرح السنة رقم (١٣٤) . ولكن هذا الكلام مروى عن مالك، رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص: ٧)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٨/٨٨) .
(٢) الاعتصام (٢/٢٦٣) .
(٣) رواه الترمذى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، كتاب الإيمان، ورقمه (٢٦٤١)، ورواه الحاكم (١/١٢٨-١٢٩)، والآجرى في الشريعة من طريقين (ص: ٥ ا-١٦)، واللالكائي شرح السنة، رقم (٤٥ ١-١٤٧)، والعقيلى في الضعفاء الكبير (٢/٢٦٢)، وابن وضاح في البدع والنهى عنها (ص:٨٥) . وقال فيه الترمذى: " هذا حدث حسن، غريب مفسر لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه، قال في تحفة الأحوذى (٣/٣٦٨)، هندية: (في سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف، فتحسين الترمذى له لاعتضاده بأحاديث الباب". قول النرمذى " مفسر" اسم مفعول من التفسير، أى: مبين، بين فيه ما لم يبين في حديث أبي هريرة المتقدم (تحفة الأحوذى: ٣/٣٦٨- هندية)، وذكره ابن تيمية محتجا به، حيث نقل تحسين الترمذي له. اقتضاء الصراط المستقيم (١/١١٦) المحققة.
(٤) يلاحظ أن بعض العلماء عبر عن الحديث بالعلم، فالخطيب البغدادى سمى كتابه: تقييد العلم، واين عبد البر سمى كتابه:: جامع بيان العلم وفضله، وقصدهم الحديث.
(٥) فتح الباري (١٣/٣٧) .
[ ٢٨ ]
وهذا رأى الإمام البخاري قال: " باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، وما أمر النبي - ﷺ - بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم " (١)، وهو رأى الإمام أحمد﵀-، فإنه قال عن الجماعة: " إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم (٢)؟ "، وهو رأي الترمذي الذي قال: " وتفسر الجماعة عند أهل العلم: هم أهل الفقه والعلم والحديث " (٣)، وهو رأي ابن المبارك وعلي بن المديني، وأحمد بن سنان الذي قال: " هم أهل العلم وأصحاب الآثار" (٤) .
فعلى هذا القول فالجماعة هم أهل السنة العالمون المجتهدون، فيخرج منهم المبتدعة، كا يخرج العامة المقلدة لأن الغالب فيهم أنهم تبع للعلماء.
٣- وقيل: إن الجماعة هم السواد الأعظم، وعليه رواية الافتراق التي أخبر النبي - ﷺ - فيها أن الفرقة الناجية هم السواد الأعظم (٥)، قال في النهاية: " عليكم بالسواد الأعظم (٦): أى جملة الناس ومعظمهم، الذين يجتمعون على طاعة السلطان وسلوك النهج القويم " (٧)، يقول عبد اللة مسعود - ﵁ في إحدى خطبه: "يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنهما السبيل في الأصل الى جبل الله الذى أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة " (٨)، ويقول أبو غالب -﵀-:
_________________
(١) صحيح البخاري: فتح الباري (١٣/٣١٦) .
(٢) شرف أصحاب الحديث (ﷺ:٢٥) .
(٣) سنن الترمذي (٤/٤٦٥) .
(٤) شرف أصحاب الحديث (ﷺ:٢٦ - ٢٧) .
(٥) رواه الطبراني في الكبير من طرق (٨/٣٢١-٣٢٨)، وأرقامه (٨٠٣٥، ٥١ ٨٠،٥٣ ٨٠، ٨٠٥٤)، ورواه اللالكائي في شرح السنة من طريقين، رقمها (١٥١-١٥٢)، ورواه ابن أبي زمنين في أصول السنة (ص: ٣٦)، من المخطوطة، والحارث ابن أبي أسامة كا في المطالب العالية (٣/٨٦)، كا رواه مختصرا بدون ذكر الافتراق: أحمد والترمذي وابن ماجه في قصة الخوارج. قال فى مجمع الزوائد (٦/٢٣٤):" ورواه الطبراني ورجاله ثقات ".
(٦) رواه ابن ماجهـ مرفوعا- في الفتن، رقمه (٣٩٥٠)، وإسناده ضعيف، رروى موقوفا عن أبي أمامة. مسند أحمد (٤/ ٢٧٨)، وعن عبد الله بن أبي أوفى- المسند أيضا (٤/٣٨٣) .
(٧) النهاية (٦/٤١٩) .
(٨) رواه اللالكائي، رقم (١٥٨-١٥٩)، والآجري في الشريعة (ص: ١٣) .
[ ٢٩ ]
" إن السواد الأعظم هم الناجون من الفرق، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية سواء خالفهم في شىء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم فهو مخالف! للحق " (١)، ويقول أبو مسعود الأنصاري - ﵁ حين خرج ونزل في طريق القادسية وقال له أصحابه: اعهد إلينا، فإن الناس قد وقعوا في الفتنة فلا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا. فقال: " اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع أمته على الضلالة " (٢)، يقول الشاطبي معقبا: فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها، وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان، ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع؟ لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال " (٣) . ويقول الآجري: " فمن أراد الله تعالى به خيرا فتح له باب الدعاء، والتجأ إلى مولاه الكريم وخاف على دينه، وحفظ لسانه، وعرف زمانه، ولزم الحجة الواضحة السواد الأعظم " (٤) .
٤- وقيل: إن الجماعة هم جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر من أمور الشرع سواء في أمور الأحكام أو المعتقدات، يقول الكرماني: " يلزم على المكلف متابعة حكم الجماعة والاعتصام به، وهو اتفاق المجتهدين من الأمة في عصر على أمر ديني (٥) فهذا القول يفسر الجماعة بأهل الإجماع، ولذا فهو قريب من القول الثاني.
٥- إن الجماعة: هم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، وهذا رأي الطبري الذي ذكر الأقوال السابقة، ثم قال: " والصواب أن المراد من الخبر
_________________
(١) الاعتصام (٢/٢٦٠) .
(٢) رواه اللالكائي، ورقمه (١٦٢ - ١٦٣) .
(٣) الاعتصام (٢/ ٢٦١) .
(٤) الشريعة (ص: ٤٤) .
(٥) شرح الكرماني على البخاري (٢٥/٧٥) .
[ ٣٠ ]
لزوم الجماعة الذين لط طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة" (١)، ولذا أمر النبي - ﷺ - بلزومه، ونهى عن الخروج عليه، وفراق الأمة فيما أجمعوا عليه من تأميره وتقديمه عليهم (٢) .
هذه أهم الأقوال في الجماعة وحاصلها أن الجماعة ترجع إلى أمرين:
أحدهما: أن الجماعة هم الذين اجتمعوا على أمير على مقتضى الشرع، فيجب لزوم هذه الجماعة، ويحرم الخرو! عليها وعلى أميرها.
الثاني: أن الجماعة ما عليه أهل السنة من الاتباع وترك الابتداع، وهو المذهب الحق الواجب اتباعه والسير على منهاجه، وهذا معنى تفسير الجماعة بالصحابة، أو أهل العلم والحديث، أو الاجماع، أو السواد الأعظم، فهي كلها ترجع إلى معنى واحد هو: ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فيجب الاتباع حينئذ ولو كان المتمسك بهذا قليلا، ولهذا قال عبد الله ابن مسعود - ﵁ إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك " (٣)، وروى عنه أنه قال: " إنما الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك " (٤)، يقول أبو شامة: " حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وأتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلا والمخالف كثيرا، لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي - ﷺ - وأصحابهـ ﵃- ولا تنظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم " (٥)، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله - ﷺ - باطنا وظاهرا، واتباع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله - ﷺ - حيث قال: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ،
_________________
(١) فتح الباري (١٣/٣٧) .
(٢) انظر الاعتصام (٢/٢٦٤-٢٦٥) .
(٣) رواه اللالكائي في شرح السنة، ورقمه (١٦٠) .
(٤) الحوادث والبدع لأبي شامة (ص: ٢٢) .
(٥) المصدر السابق (ص: ٢٢) .
[ ٣١ ]
وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " (١)، ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد - ﷺ - ويوثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد - ﷺ - على هدى كل أحد، وبهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة، وان كان لفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين، و" الإجماع " هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة وظاهرة مما له تعلق بالدين " (٢) . ولهذا نجد أحيانا بعض العلماء يفسرون الجماعة بأشخاص تمثل فيهم المنهج الحق والاتباع، فعبد الله ابن المبارك لما سئل عن الجماعة قال: " أبو بكر وعمر، فقيل له: قد مات أبو بكر وعمر، قال: ففلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان، قال ابن المبارك: أبو حمزة السكري جماعة " (٣) . فأراد ابن المبارك أن يفسر الجماعة بمن اجتمعت فيه صفات الاتباع الكامل للكتاب والسنة.
رابعا: أهل الحديث
تقدم في القول الثاني من الأقوال في المقصود بالجماعة: أنهم أهل الحديث، وأن هذا قال به جماعة من أهل العلم كالبخاري والإمام أحمد، والترمذي، وابن المبارك، وابن المديني، وأحمد بن سنان، وغيرهم. ولذلك صار عند كثير من العلماء أن الفرقة الناجية والتي يجب السير على منهاجها هم أهل الحديث. ولذلك فسنعرف بهم هنا:
الحديث في اللغة ضد القديم (٤)، وفي الاصطلاح: عرفه بعضهم بأنه:
_________________
(١) سبق تخريجه عند الكلام عن معنى " أهل السنة ".
(٢) مجموع الفتاوى - ط الرياض (٢/ ١٥٧) .
(٣) سنن الترمذي (٤/٤٦٧) بعد حديث رقم (٢١٦٧)، تحقيق: عطوة، وشرح السنة للبغوي (١/٢٠٥) ت: السيد صقر.
(٤) الصحاح للجوهري، مادة: حدث.
[ ٣٢ ]
" ما أضيف إلى النبي - ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي " (١)، وعلى هذا فلا يشمل الموقوف والمقطوع (٢)، ولكن جمهور العلماء ذهبوا إلى أنهما من الحديث (٣) .
علم الحديث:
علم الحديث قسمان:
أ) علم الحديث رواية: وهو: " علم يشتمل على أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وتقريراته، وصفاته، وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها " (٤) .
ب) علم الحديث دراية: وهو: " علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن " (٥)، وهو ما يعرف بمصطلح الحديث.
واذا قيل: " أهل الحديث " فالمقصود بهم الذين يعنون بحديث رسول الله - ﷺ - رواية ودراية، ولكن لابد لهؤلاء- حتى يكونوا من أهل الحديث حقا- أن يكونوا عالمين وعاملين، وأن يكونوا مطبقين لما يتعلمونه، متبعين للسنة مجانبين للبدعة، وبهذه الأمور يتميزون عن أهل الأهواء، أما إذا كانوا لا يعملون بعلمهم- كا يحدث من بعض من ينتسب إلى الحديث- فقد اشتد نكير العلماء على مثل هؤلاء (٦) . وقد روى عن هارون الرشيد أنه قال: " طلبت أربعة فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته عند الرافضة،
_________________
(١) منهج النقد في علوم الحديث (ص: ٢٦) .
(٢) الموقوف: ما أضيف إلى الصحابي، والمقطوع: ما أضيف الى التابعي.
(٣) منهج النقد (ص: ٢٧)، وانظر: نزهة النظر (ص: ١٨) .
(٤) تد ريب الراوي (١/ ٤٠) .
(٥) المصدر السابق (١/ ٤١) .
(٦) انظر مثلا: جامع بيان العلم وفضله (٢٢٩٤١) وما بعدها، وشرف أصحاب الحديث (ص: ١٢٠) وما بعدها.
[ ٣٣ ]
وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث" (١) ويروى الخطيب عن أحمد بن سنان قال: " كان الوليد الكرابيسى خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهموني؟، قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟، قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم " (٢) .
فأهل الحديث مرادف لأهل السنة، يقول اللالكائي: " فلم نجد في كتاب الله وسنة رسوله وآثار صحابته إلا الحث على الاتباع، وذم التكلف والاختراع، فمن اقتصر على هذه الآثار كان من المتبعين، وكان أولاهم بهذا الاسم، وأحقهم بهذا الوسم، وأخلصهم بهذا الرسم " أصحاب الحديث " لاختصاصهم برسول الله - ﷺ - واتباعهم لقوله، وطول ملازمتهم له، وتحملهم علمه " (٣)، ثم يعلل وجه تسميتهم بأهل الحديث بأن اسمهم مأخوذ من الكتاب والسنة لاتباعهم ما فيهما، فهم حملة القرآن وأهله وقراؤه وحفظته، وهم نقلة حديث رسول الله - ﷺ - وحملته (٤) .
* * *
هذه تعريفات للمصطلحات التي تطلق على السلف، أصحاب المذهب الحق، والمنهج الحق، وهى كلها تدل على معنى واحد، ولذلك يمكن أن يفسر بعضها بما تدل عليه معاني البعض الآخر، فهم الجماعة، وهم أهل السنة، وهم أيضا أهل الحديث، وهم الطائفة المنصورة التى قال فيها رسول الله ﷺ:
_________________
(١) شرف أصحاب الحديث (ص: ٥٥) .
(٢) المصدر السابق (ص: ٥٦) .
(٣) شرح السنة للالكائي (١/٢٢) .
(٤) انظر: المصدر السابق (١/٢٤) .
[ ٣٤ ]
" لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس " (١) وفي لفظ " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " (٢) .
_________________
(١) راه مسلم، كتاب الامارة، ورقمه بعد حديث رقم (١٩٢٣) .
(٢) رواه مسلم، ورقمه (١٩٢٠)، عن ثوبان، ورواه البخارى عن المغيرة بن شعبة، ورقمه (٢٦٤٠)، وهذا الحديث مروى في جميع كتب السنة- تقرييا- عن عدد كبير من الصحابة، فهو متواتر.
[ ٣٥ ]
المبحث الثاني: من المقصود بالسلف؟ ونشأة التسمية بأهل السنة والجماعة
من المقصود بالسلف؟
لقد تنوعت الآراء والمذاهب حول المقصود بمذهب السلف، وعلى من ينطبق وصف " السلف " الذين يجب اتباع مذهبهم والسير على منهاجهم، والسبب أن كل فئة تنطلق من وضعها الخاص بها وتدعى أن ما معها هو المذهب الحق؟ لذلك نجد هذه الفئة تحدد المقصود بالسلف بما يتم مع ما عندها من أصول عقائدية، أو منهج ارتضته للوصول إلى ما يجب اعتقاده.
أ) فأحيانا يتجه البعض (١) - من المحدثين- إلى حصر مذهب السلف بفترة معينة لا يتعداها، ثم يزعم أن الفكر الإسلامي قد تطور بعد ذلك على يد رجاله، وهذا التطور لا ينحصر عنده في نطاق فئة معينة، وإنما كل ما ظهر من الآراء والفرق منتسبا بعمومه إلى الإسلام فهو جزء منه، ولو خالف ما كان عليه السلف في المنهج والفهم والاعتقاد، وعلى هذا فالمعتزلة والرافضة بل والجهمية والباطنية هم نتاج مذهب السلف بعد تطويره وبعثه، وتجريده من ثوبه التقليدي البسيط إلى لباس العقل الفلسفى والتأويل الكلامي والباطني.
ولذلك فكثيرا ما يزعم بعض هؤلاء أن عقيدتهم هي التعبير الصحيح عن مذهب السلف، وأن مذهب السلف- بشكله المعروف- إنما ناسب الزمن الذي نشأ فيه، وأن رجاله الأوائل لو عاشوا إلى الزمن الذي بعدهم لطوروه إلى المستوى الذي وجد عليه فيما بعد.
ب) وبعضهم يفهم أن السلف نصيون، يعتمدون على النصوص فقط، أما العقل فلا يعتمد عليه في شيء أبدا، فهم يسلمون فقط لظاهر النصوص دون فهم لها، ويكلون علمها- معانيها وكيفيتها- إلى الله تعالى،
_________________
(١) أمثال مصطفى غالب وعارف تامر، وغيرهم، ممن يعنون ويميلون الى الأفكار الباطنية والفلسفية.
[ ٣٦ ]
ولذلك فقد شغلوا أنفسمهم بما يرون أنه أنفع، من العبادة والجهاد في سبيل الله، وإقراء القرآن، ونقل الحديث وروايته.
والعجيب أن مفهوم هؤلاء عن السلف ومنهجهم منتشر بين جمهرة كبيرة من العلماء الذين نحوا منحى كلاميا- في عقائدهم أو في كتبهم حول العقيد ة- وأيضا من الذين كتبوا حول الفلسفة وعلم الكلام، أو أية قضية من قضاياه، ولذلك انتشرت بين هؤلاء-جميعا عبارة: أن مذهب السلف هو التفويض، أو عبارة بعض السلف: " أمروها كا جاءت "، أو أن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم (١) .
أما العقل عند السلف- على رأي هؤلاء- فلا يعتمد عليه مطلقا، ولا أدري ما يصنع هؤلاء بالدلائل العقلية التى جاء بها القرآن والسنة، والتى استخدمها علماء السلف في العصر الأول؟.
ويعلل هؤلاء نشوء ما يسمى بمذهب " الخلف " أو " علم الكلام " بأنه لما كثرت الشبهات التي تثار ضد العقيدة الإسلامية، رأى علماء الإسلام أنه لا يكفى للرد عليها وإبطالها وحماية الناس- وخاصة العامة منهم- من شرورها وآثارها لا يكفي في ذلك الاعتماد على مذهب السلف النصي، فنشأ علم الكلام بمباحثه العقلية والكلامية ليرد الشبهات ويثبت العقيدة ويظهر الحجاج لها في أجواء سادت فيها مذاهب الفلاسفة والجهممية والمعتزلة والقرامطة.
فهل فهم هؤلاء لمذهب السلف كان صحيحا؟ حين قصروه على الإيمان بالنصوص والتسليم دون فهم أو اقتناع؟
ج-) وتأتي فئة أخرى تزعم أن ما نشأ من الدراسات العقلية في علم الكلام لم ينشأ من المؤثرات الخارجية والشبهات التى أثارها أعداء العقيدة- وإن كان قد تطور بسببها- وإنما نشأ من مذهب السلف نفسه وأن بواكير الفلسفة الاسلامية وعلم الكلام إنما جاءت من القرآن الكريم، ففيه المجادلة للمخالفين من أهل الديانات الأخرى وغيرهم، وفيه ذكر الحكمة التي كانت
_________________
(١) كما هو منتشر في كتب كثير من الأشعرية وغيرهم.
[ ٣٧ ]
معروفة عند العرب وكان يفتخر بأصحابها، وأن ما نشأ من البحث حول الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وذلك بما يسمى بأصول الفقه إنما هو بداية ظهور الاتجاه العقلي عند المسلمين (١) .
فالذي يفهم من هذا أن السلف- رحمهم الله تعالى- كانوا يحترمون النصوص، ولكن من خلال منظار عقلي استخدموه ونشأ على أثره علم الكلام، فكيف يصح هذا على إطلاقه مع ما هو متواتر عن السلف من الإيمان والتسليم والثقة المطلقة بما جاءت به النصوص، وأن هذه الثقة توجد على أتمها حين ترد على النفس أو يورد بعض الناس- شبهات أو وساوس حولها؟.
د) وإذا كانت الآراء السابقة تنحو منحى خاصا في فهم المقصود بمذهب السلف، فإن هناك اتجاها آخر يزعم أصحابه أن مذهب السلف يشتمل على عدة اتجاهات وتيارات، وأن هذه التيارات وإن تباينت في المنهج- إلأ أنها تلتقى في أنها قامت ونشأت على يد علماء الإسلام ممن هم من أهل الدين والفضل والعلم بالأحكام، يقول ابن السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: " اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل وإن اختلفوا في الطرق والمبادى الموصلة لذلك، وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف:
الأولى: أهل الحديث، ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية: الكتاب والسنة والإجماع.
الثانية: أهل النظر العقلي، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسمن الأشعري، وشيخ الحنفية: أبو منصور الماتريدي، وهم متفقون في المبادئ السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسائل.
_________________
(١) انظر: تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية، مصطفى عبد الرازق، (ص: ١٥ ا-١٢٣)، وانظر: المدرسة السلفية، حسين نصار، (ص: ٦٢٤- هـ ٦٢) .
[ ٣٨ ]
الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومبادئهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية والكشف والإلهام في النهاية " (١)، وهكذا يخلط بين اتجاه أهل الحديث، والاتجاه التأويلي للأشعرية والماتريدية، واتجاه الكشف عند المتصوفة ليصبح كل اتجاه منها هو مذهب أهل السنة والجماعة.
* * *
وهذه الاتجاهات والآراء حول تحديد المقصود بالسلف نشأ الخطأ في كل واحد منها من جهة أنه لم ينطلق أصحابها من منطلق شرعي واضح، مبني على الكتاب والسنة اللذين أمرا بالاتباع ونهيا عن الابتداع، وحددا معا لم المنهج والطريق الذي يجب السير فيه، ومن ثم يجب اتباع من سار على هذا الطريق المستقيم.
ومما ينبغي ملاحظته أنا إذا أردنا أن نبين القول الصحيح في تحديد من هم الذين يصدق علهم اسم السلف، تبرز بعض الملاحظات والاعتراضات:
أ) فمثلا: حين نقول: إن السلف هم الصحابة والتابعون والتابعون لهم للحديث الوارد: " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم.. " (٢)،
يرد الاعتراض بأن التفرق والاختلاف نشأ في عهد هؤلاء، فالخوارج والشيعة والقدرية وجدوا في عهد الصحابة، وكذا بقية الفرق بعد هؤلاء بقليل، فهل وجود هؤلاء في هذه الفترة الزمنية التى هي خير القرون يعطيهم صفة السلفية المفضلة؟، وإذا كان الجواب قطعا بالنفي فلابد من التقييد لمثل هذا الاطلاق في تحديد من هم السلف بحيث لا يقتصر على التحديد الزمني فقط.
_________________
(١) إشارات المرام للبياضي- الحاشية- (ص: ٢٩٨) .
(٢) رواه البخاري، في الشهادات، ورقمه (٢٦٥١)، وانظر أطرافه بعد ذكر الحديث. ورواه مسلم في فضائل الصحابة، وأرقامه (٥٣٣ ٢-٥٣٦ ٢) .
[ ٣٩ ]
ب) وكذلك حينما يقال: إن السلف هم الذين يعتمدون في أقوالهم على الكتاب والسنة، يبرز اعتراض خلاصته: من الذي يعتمد عليه في فهم الكتاب والسنة؟ خاصة وأن الفرق كلها تدعي الاعتماد على القرآن والسنة؟، فالإطلاق هكذا يحتاج إلى بيان وإيضاح.
ج-) وكذلك حين يحصر البعض مذهب السلف! بالأئمة الأربعة:
أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فمن كان قبل هؤلاء من الصحابة والتابعين أليسوا أوفى بوصف السلف!؟.
لذلك لابد من التحديد الدقيق للتعريف بالسلف بحيث يشمل:
أولا: التحديد الزمني: ليشمل الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان، وهذا لبيان المنطلق والبداية لمذهب السلف، وفائدة هذا التحديد الرجوع إلى أقوال رجال هذا الزمن وإلى فهمهم عند الاختلاف الذي قد ينشأ فيمن بعدهم. وهذه مسألة مهمة جدا؟ إذ الخلاف الحاصل بعد القرون المفضلة بين من يتمسك بمذهب السلف ومن عداهم من أهل الأهواء والبدع لا يمكن حسمه إلا بالاتفاق على مثل هذا التحديد التاريخي ليحتكم إلى إجماعهم- إذا أجمعوا- أو أقوالهم، أو فهمهم للنصوص.
ولا يعني هذا حصر مذهب السلف في هؤلاء، لأن كل من قال بقولهم فهو على السلف وإن تأخر.
ثانيا: ثم يأتي بعد ذلك بيان أن الفهم والمنطلق يجب أن يكون بما يوافق الكتاب والسنة، فمن ابتدع في أمر من الأمور واتخذ لبدعته منهاجا خاصا، لا يكون قوله قولا للسلف، ولو كان هذا في القرون الأولى، لأن وجوده في هذا الزمن لا يكفي للحكم عليه بأنه سائر على مذهب السلف.
ثالثا: بعد ظهور الافتراق يصبح مدلول " السلف " منطبقا على من حافظ " على العقيدة والمنهج الإسلامي، طبقا لفهم الأوائل الذين تلقفوه جيلا
[ ٤٠ ]
بعد جيل " (١)، فمن سار على طريقة الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، الذين اتبعوا ولم يبتدعوا فهو سائر على مذهب السلف، وهو أيضا بالنسبة لمن بعده من السلف.
والخلاصة أن مصطلح السلف صار له مدلولان:
* مدلول خاص: وهذا ينطق على مذهب الصحابة والتابعين، والتابعين لهم بإحسان، ممن لم يبتدعوا، وهذا فيه حصر تاريخي.
* ومدلول أعم: يشمل ما بعد هذه القرون المفضلة، وهذا شامل لكل من سار على طريقة ومنهج خير القرون، والتزم النصوص والفهم الذي فهموه (٢) .
نشأة التسمية بأهل السنة والجماعة:
إذا كان مذهب أهل السنة والجماعة هو ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فإطلاق القول بنشأة أهل السنة كا يقال نشأة المعتزلة، الجهمية أو نشأة الرافضة؟ لا معنى له؟ لأنه واضح تمام الوضوح، ولذلك آثرنا أن يكون العنوان: نشأة التسمية بأهل السنة والجماعة كمصطلح عليهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم، معروف، قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم، ومن خالف ذلك كان مبتدعا عند أهل السنة والجماعة فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة، ومتنازعون في إجماع من بعدهم " (٣) .
والمتتبع لنشأة التسمية بأهل السنة يلاحظ أنها ربطت بالإمام أحمد﵀- وليس ذلك لأن الإمام أحمد هو الذي أنشأه، وإنما لأنه هو الإمام الذي امتحن فيه فصبر فصار إماما من أئمة أهل السنة يقول شيخ الاسلام ابن تيمية
_________________
(١) قواعد المنهج السلفي، مصطفى حلمي (ص: ٢٣) ط ثانية.
(٢) انظر: المصدر السابق، نفس الصفحة.
(٣) منهاج السنة (٢/٤٨٢) تحقيق محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى.
[ ٤١ ]
بعد الكلام السابق: " وأحمد بن حنبل وإن كان قد اشهر بإمامة السنة والصبر في المحنة، فليس ذلك لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولا، بل لأن السنة التي كانت موجودة معروفة قبله علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة، فلما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل المئة الثالثة- عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق- ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى، وهو المذهب الذى ذهب إليه متأخرو الرافضة، وكانوا قد أدخلوا معهم من أدخلوه من ولاة الأمور، فلم يوافقهم أهل السنة حتى تهددوا نجعضهم بالقتل، وقيدوا بعضهم، وعاقبوهم، وأخذوهم بالرغبة والرهبة، وثبت الإمام أحمد على ذلك الأمر حتى حبسوه مدة، ثم طلبوا أصحابهم لمناظرته، فانقطعوا معه في المناظرة يوما بعد يوم [وذكر المحنة] ثم قال: " ثم صارت هذه الأمور سببا في البحث عن مسائل الصفات وما فيها من النصوص والأدلة والشبهات من جانبي المثبتة والنفاة، وصنف الناس في ذلك مصنفات، وأحمد وغيره من علماء السنة والحديث ما زالوا يعرفون فساد مذهب الروافض والخوارج والقدرية والجهمية والمرجئة، ولكن بسبب المحنة كثر الكلام، ورفع الله قدر هذا الإمام، فصار إمامًا من أئمة السنة، وعلما من أعلامها، لقيامه بإعلامها وإظهارها، واطلاعه على نصوصها وآثارها، وبيانه لخفي أسرارها، لا لأنه أحدث مقالة أو ابتدع رأيا، ولهذا قال بعض شيوخ المغرب: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد، يعني أن مذاهب الأئمة في الأصول مذهب واحد، وهو كما قال " (١) .
فمن هذا النص يتبين أن مذهب أهل السمنة والجماعة امتداد لما كان عليه الرسول - ﷺ - وأصحابه، فإذا ما قام إمام من الأئمة في زمن البدع بالدعوة إلى العقت ة السليمة وإلى منهج أهل السنة، ومحاربة ما يخالفها فهذا الإمام لم يأت بجديد، وإنما جدد ما اندرس من مذهب أهل السنة وأحيا ما مات منه، وإلا فالعقيدة لم تتغير، فإذا ما نسب - في بعض الأزمان أو الأمكنة - مذهب
_________________
(١) منهاج السنة (٢/٤٨٢ - ٤٨٦) تحقيق: محمد رشاد سالم.
[ ٤٢ ]
أهل السنة إلى عا لم من العلماء، أو مجدد من المجددين فلأنه دعا اليه لا لأنه ابتدعه أو اخترعه.
ومما سبق يتبين أن طرح النشأة لمذهب أهل السنة ينبغي أن ينصب على التسمية، أما النشأة ذاتها فواضحة لأنها كانت مع مجيء الإسلام الذي وضح وكمل أتم كمال وأبينه في عهد الرسول - ﷺ - فمن جاء بعده إذا قيل عنه: إنه إمام أهل السنة- في زمنه أو بعد زمنهـ فلأنه دعا إلى الأصول الأولى لمذهب أهل السنة وجدد ما اندرس منها.
وبدء التسمية مرتبط بنشأة الفرق؟ لأن من الطبيعي أن يتميز أهل السنة عن بقية أهل الأهواء من أهل الفرق الذين انحرفوا عن المنهج السوي والذين ابتدعوا أقوالا وآراء مخالفة لما كان عليه أهل الصدر الأول.
والكلام حول بدء الفتنة ونشوء الفرق يطول، ولكن نشير إلى لمحات في هذا الأمر لنصل إلى حقيقة تميز أهل السنة عن غيرهم:
ا- من المعلوم أن الفتنة وقعت في آخر عهد عثمان بن عفان﵁ وكان من آثارها استشهاده، ثم نشأت على أثر ذلك الفرق، وكان أول بدعة نشأت بدعة الخوارج والروافض، فالخوارج كفروا عليا﵁ وخرجوا عليه، والروافض ادعوا إمامته وعصمته، أو نبوته أو إلهيته.
ثم بعد ذلك أخذت البدع تتوالى في الظهور ف-" لما كان في آخر عصر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك حدثت بدعة المرجئة والقدرية، ثم لما كان في أول عصر التابعين- في أواخر الخلافة الأموية- حدثت بدعة الجهمية والمشبهة والممثلة، ولم يكن على عهد الصحابة شيء من ذلك " (١)
٢- كانت بدعتا الروافض والخوارج- من أول البدع ظهورا- كما سبق- وكانتا من المعالم الرئيسة في تميز أهل السنة والجماعة أو أهل الحديث:
_________________
(١) المنتقى (ص: ٣٨٧) .
[ ٤٣ ]
أ) ففي أجواء هذه الفتنة بدأ المسلمون يعنون بالبحث عن الإسناد، والكلام في الرجال، وذلك لأن السلف خافوا من الكذب على رسول الله - ﷺ -، خاصة وأن دواعي ذلك موجودة في مثل هذه الظروف، فقد روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين أنه قال: " لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم " (١)، وابن سيرين كان يقول: " إن هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" (٢) .
وهنا بدأ التميز لأهل السنة والجماعة، وذلك بتمييز من تقبل روايته ممن لا تقبل؟ فمن كان من أهل السنة والاتباع، ولم يقل بقول طائفة من الطوائف المنحرفة بل ثبت على الهدى الصحيح، هدي الصحابة والتابعين، فهذا له تميز عند علماء الحديث، وروايته مقبولة- مع الاعتراف بتفاوت الرجال الذين لهم هذه الصفة من ناحية الحفظ والضبط- وأما من كان من أهل البدعة فروايته مردودة إلا بشروط دقيقة (٣) .
ومما يلاحظ أن الكذب قد اشتهر عند الرافضة، ولذلك قال عنهم الإمام الشافعي﵀-: " لم أر من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة " (٤)، ولما وقعت فتنة المختار - ذى الميول الشيعية (٥) - اشتهر في زمنه الكذب ووضع
_________________
(١) صحيح مسلم، المقدمة (ص: ١٥)، وانظر: الكفاية (ص: ١٦٢-١٦٣) هندية، وشرح علل الترمذى (١/٥١) .
(٢) الكفاية (ص: ١٦٢) .
(٣) حكم الرواية عن أهل البدع تكلم عنها العلماء: انظر: الكفاية (ص: ١٥٩) وما بعدها، وشرح علل الترمذى (١/٥٣) وما بعدها، وتدريب الراوي (١/٣٢٤) وما بعدها.
(٤) الكفاية (ص: ١٦٧)، وقال يزيد بن هارون [توفي سنة: ٢٦ هـ] سير أعلام النبلاء: ٩/٣٥٨: " يكتب عن كل مبتدع- إذا لم يكن داعية- إلا الرافضة فإنهم يكذبون " (المنتقى ص: ٢٢) .
(٥) من العجيب أن هذا الكذاب كان أول أمره ناصبيا، فأبغضته الشيعة، ثم تشيع. انظر ترجمته في: البداية والنهاية (٨/٢٨٩-٢٩٢)، وانظر سير أعلام النبلاء (٣/٥٣٨)، وميزان الاعتدال (٤/ ٨٠)، وكان المختار يزعم أنه يوحي إليه. انظر: المسند للإمام أحمد (٥/٢٢٣-٢٢٤) قتل المختار سنة: ٦٧ هـ.
[ ٤٤ ]
الحديث على رسول الله - ﷺ -، ولهذا روى الإمام أحمد عن جابر بن نوح عن الأعمش عن إبراهيم [النخعي] قال: " إنما سئل عن الإسناد أيام المختار " (١)، والمختار نفسه كان يأمر بأن توضع له الأحاديث المكذوبة، فقد أمر رجلا- من أصحاب الحديث- قائلا: " ضع لي حديثا عن النبي - ﷺ - أني كائن بعده خليفة "، فرفض الرجل (٢)، بل أمر محمد بن عمار بن ياسر أن يحدث عن أبيه بحديث كذب فأبى فقتله (٣) . ولذلك فشا الكذب في عهده، كما روى شريك عن أبي إسحاق: سمعت خزيمة بن نصر العبسى- أيام المختار- وهم يقولون ما يقولون من الكذب- وكان من أصحاب علي- قال: " ما لهم قاتلهم الله، أي عصابة شانوا وأي حديث أفسدوا " (٤) . وإذا كان الرافضة أهل كذب فقد ضموا إليه الطعن في أصحاب رسول الله - ﷺ - ورميهم بالكفر والردة إلا أعدادا قليلة.
وليس الغرض استقصاء هذه الأمور- فالموضوع فيها طويل- ولكن نشير هنا إلى أن تميز أهل السنة واكب ظهور الرافضة من جهتين:
الأول: انتشار الكذب عندهم (٥)، مما أثار علماء السنة للبحث عن الرجال والأسانيد، فبدأ بتميز أهل الحديث عن غيرهم، وسبق أن ذكرنا أقوال العلماء بأن الفرقة الناجية هم أهل الحديث.
الثانية: طعنهم في الصحابة، ونشوء البدع وكئرتها لديهم، حتى أصبح شعار " أهل السنة " كثيرا ما يستعمل في مقابل الرافضة، وسفيان الثوري﵀-
_________________
(١) شرح علل الترمذيا (١/٥٢)، ورواه الخطيب في الجامع عن خثيمة بن عبد الرحمن. (الجا مع: ١/ ١٣٠) تحقيق: الطحان.
(٢) التاريخ الكبير للبخاري (٨ / ٤٣٤- ٤٣٥)، والصغير (١ / ٤٧)، والموضوعات لابن الجوزي (١/٣٩) .
(٣) الجامع للخطيب (١/١٣١)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٨/٤٣) .
(٤) رواه البيهقى في المدخل، رقم (٨٣)، وانظر علل الترمذى (١/٥٢) .
(٥) بل الكذب أحد أصولهم وذلك بما يسمى " التقية "! عندهم.
[ ٤٥ ]
فسر موافقة السنة ب- " تقدمة الشيخين أبو بكر وعمر﵄- " (١) .
ب) وفي مقابل فتنة الروافض جاءت فتنة الخوارج، والذي يلاحظ أن الخوارج اشتهر عنهم الصدق، ولعل مرد ذلك اعتقادهم أن مرتكب الكبيرة كافر، والكذب كبيرة من الكبائر، ولهذا روي عن أبي داود سليمان بن الأشعث أنه قال: " ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثا من الخوارج " (٢) . ولذلك روى البخاري وغيره عن دعاتهم، ولكن صدقهم وحماستهم لم يكن حائلا دون أن تكون فتنتهم وضلالهم شديدة الوطأة على المسلمين، لأنهم كفروا من عداهم، ولم يكتفوا بذلك، بل ميزوا صفوفهم عن صفوف غيرهم من المسلمين، وحاربوا وقاتلوا، فصارت بدعتهم وانحرافهم أشد من غيرها، ولذلك قاتلهم علي﵁ وأجمع الصحابة على قتالهم.
فالخوارج خرجوا على الجماعة الذين لهم إمام شرعي، ومع ظهور فتنة هؤلاء برز أهل السنة بحرصهم على الجماعة وعدم الخروج على الإمام الشرعي - ولو كان جائرا- وصاروا يذكرون هذا الاعتقاد ويدعون إليه ويحذرون من مخالفته، وحرص المسلمون على الجماعة ونبذ الفرقة، ولما اجتمعوا على معاوية - ﵁ عام إحدى وأربعين بعد تنازل الحسنرضي الله عنهـ سموا هذا العام عام الجماعة.
_________________
(١) شرح السنة للالكائي (١/١٥٢)، ومما يلاحظ أن سفيان الثورى في اعتقاده هذا الذى سأله عنه شعيب بن حرب- لما ذكر بعض أمور الاعتقاد التى تميز أهل السنة ذكر مسألة المسح على الخفين وعدم الجهر بالبسملة- مع أن مسألة الجهر بالبسملة من المسائل الفرعية التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة. وقد علل ذلك ابن تيمية في منهاج السنة (٢/١٨٤) ط مكتبة الرياض الحديثة، بقوله: " حتى أن سفيان الثورى وغيره من الأئمة يذكرون في عقائدهم ترك الجهر بالبسملة، لأنه كان عندهم من شعار الرافضة؟ يذكرون المسح على الخفين لأن تركه عندهم من شعار الرافضة.. ".
(٢) الكفاية (ص:١٧٢ - ١٧٣) هندية - ولكن وردت روايات أن الخوارج ربما يضعون الأحاديث، فقد روى عن أحد شيوخهم أنه قال: " إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا". (رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص: ٤١٥-٤١٦)، =
[ ٤٦ ]
فظهور بدعة الخوارج ميزت أهل السنة من جانبين:
الأول: خروج الخوارج عن المذهب الحق بالتكفير لمن عداهم من المسلمين، ولا شك أن هذه بدعة شنيعة، وقد حرص المسلمون على الرد على أصحابها، وتحذير الناس أشد التحذير فهم. وصار من معا لم مذهب أهل السنة عدم التكفير لمرتكب الكبيرة.
والثاني: خروجهم على الجماعة وعلى الإمام الشرعي وقتالهم للمسلمين بناء على أصل مذهبهم التكفير، وقد قابل أهل السنة هذا بمقاتلتهم حتى يقضي عليهم أو يكفوا شرهم وبالتحذير منهم وإعلان وجوب اتباع النصوص التي حذرت من الخروج على أئمة المسلمين وإن جاروا وظلموا، ولذا كان أحد المعاني المهمة للجماعة أنها الجماعة الذين اجتمعوا على أمير.
٣- وبعد ظهور فتنة الروافض والخوارج أخذت بقية البدع تظهر بين المسلمين كبدعة القدر، والإرجاء، والتجهم، فقاومها أهل السنة وحذروا فها ومن أصحابها، حتى صار أهل البدع نشازا في المجتمع الإسلامي يأوي إليهم ويسمع أقوالهم إما أهل الزندقة والنفاق، ممن يكيدون لهذا الدين في الخفاء، وإما أصحاب الإيمان الضعيف ممن تؤثر فيهم وتستهويهم هذه البدع وما فيها من آراء وأفكار جديدة على المسلمين، أما السواد الأعظم من المسلمين فإنهم يتبعون علماء الآفاق من أهل السنة في كل مكان.
وحذر علماء أهل السنة من أصحاب الأهواء، حتى كان الحسن يقول: " لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم " (١)، ولما جاءه رجل فقال: " يا أبا سعيد أني أريد أن أخاصمك "، فقال الحسن: " إليك عني
_________________
(١) = والخطيب في الكفاية (ص:٦٣ ١) هندية، وابن الجوزي في الموضوعات (١/٣٨-٣٩)، وانظر مناقشة الموضوع بشكل موسع في كتاب: " الوضع في الحديث (١/٢٢٩-٢٣٨)، حيث رجح الدكتور عمر فلاتة في رسالته هذه أن الخوارج ليس لهم دور في الوضع في الحديث.
(٢) شرح السنة للالكائي، رقم (٢٤٠)، ورواه الدارمى في السنن، رقم (٤٠٧) - ط اليماني - عن الحسن وابن سرين.
[ ٤٧ ]
فإني قد عرفت ديني، وإنما يخاصمك الشاك في دينه " (١) . واستمر تحذير العلماء من أهل الكلام والبدع، وصار مذهب أهل السنة متميزا بالاتباع والسير على منهاج الصحابة - ﵃ - مع البعد عن أهل البدع والإنكار عليهم - فصار لقب أهل السنة مقابل: أهل البدع والأهواء والكلام.
ولما وقعت محنة القول بخلق القرآن - وصار للمعتزلة دولة وصولة امتحن أهل السنة وثبت الله الإمام أحمد -﵀- فصار وقوفه وثباته مثالًا شامخًا للثبات على مذهب أهل السنة في مقابل أهل البدعة، فصار الإمام أحمد إمام أهل السنة لذلك.
هذه خطوط عريضة لعلها تكون قد أوضحت كيف نشأت التسمية بأهل السنة والجماعة، أو اهل الحديث، وإن ذلك كان مع ظهور البدع ونشوء الفرق، وما صاحب ذلك من الاستهانة بحديث رسول الله - - ﷺ - -، وبنقلته من الصحابة، فبدأ أهل السنة يعلنون تميزهم من خلال:
١ - العناية بالحديث رواية ودراية، والكلام في الرجال، والسبب في ذلك نشوء الكذب مع كثرة أهل الأهواء.
٢ - المحافظة على السنة وعلى ما كان عليه رسول الله - - ﷺ - - وأصحابه، من غير ابتداع في الدين أو اتباع لأهل الأهواء والكلام المذموم على اختلاف مذاهبهم وأقوالهم.
٣ - المحافظة على الجماعة التي تعني الاتباع والسير على المنهج الحق، وتعني أيضًا المحافظة على وحدة الأمة وعدم الخروج على الجماعة التي لها إمام شرعي.
أما التحديد الدقيق لنشأة التسمية بأهل السنة والجماعة، وربط ذلك بزمن محدد أو بعلم من أعلام أهل السنة، أو نشوء فرقة من الفرق، فلا أظن أن ذلك ممكن إلا من خلال خطوط عريضة كما أسلفنا - والله أعلم -.
_________________
(١) شرح السنة، رقم (٢١٥)، والآجري في الشريعة (ص: ٥٧) بلفظ مقارب.
[ ٤٨ ]
المبحث الثالث: منهج السلف في العقيدة
سنعرض في هذا المبحث- بشكل مختصر- لمنهج السلف في العقيدة، وتميزهم بهذا عن غيرهم من أهل البدع والأهواء، وهذا الموضوع قد كتب حوله الكثير، ولكن أغلب ما كتب جاء مقدمة لبعض النصوص المحققة في عقيدة أهل السنة، أو لبعض البحوث المتعلقة بجانب من جوانبها، وكان من الواجب أن يفرد برسالة جامعة تستقصي ما يتعلق بهذا الموضوع، وتبين الشبهات المثارة حول مذهب السلف، وترد عليها، كما ترد على دعاوى المنتسبين إليها ممن ليس من أهلها أو ممن انحرف عنها- وعلى حد علمي لم يكتب في ذلك رسالة- (١) .
والكتابة حول هذا الموضوع من خلال التمهيد لهذا البحث المتعلق بموقف ابن تيمية من الأشاعرة لا يمكن التوسع فيها إلا من خلال ما يتعلق بالموضوع، وقد ناقش ابن تيمية﵀- كثيرا من الأشاعرة في هذه المسألة، وبين غلطهم في بعض القضايا المتعلقة بحقيقة مذهب السلف أو بحقيقة منهجهم - ﵏ وسنشير إلى ذلك في موضعه من هذه الرسالة- إن شاء اللهـ.
أما هنا فسنذكر لمحات في هذا الموضوع تكملة للمبحثين السابقين، والشىء الواضح في هذا أن السلف تميزوا عن أصحاب الأهواء والفرق بميزة الرجوع إلي الكتاب والسنة والاعتصام بهما، وبذلك سلموا من الانحراف، أما من عداهم فلابد أن تجد في انحرافهم أو بدعهم ما كان سببه وقوعهم في مخالفة أمر الله وأمر رسوله - ﷺ -، أو ارتكاب ما نهى عنه الله ونهى عنه رسوله - ﷺ -، ومن أمثلة ذلك:
* نهى الله ونهى رسوله - ﷺ - عن اتباع المتشابه، فجاءت فرق عديدة تتبع ما تشابه من القرآن، وتضرب كتاب الله بعضه ببعض.
_________________
(١) في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سجلت رسالة بعنوان: العقيدة السلفية فى مسيرتها التاريخية وقدرتها على مواجهة التحديات. للباحث محمد المغراوى.
[ ٤٩ ]
* نهى الرسول - ﷺ - عن سب الصحابة وبين فضلهم، فجاءت فرق الرافضة وغيرهم لتسب الصحابة﵃- وتنتقص من شأنهم.
* أمر الرسول - ﷺ - بطاعة الأمير- وإن جار أو ظلم- فجاءت الخوارج ليخرجوا على أئمة المسلمين ويثيروا الفتنة بين المسلمين.
* نهى الرسول - ﷺ - عن الخوض في القدر، فجاءت القدرية وغيرهم ليخوضوا فيه بالباطل.
* أمر الرسول - ﷺ - بابتاع سنته، وأخبر أنه سيأتي أناس من أمته لا يحتجون بسنته، ونشأ بعد ذلك من لا يحتج بخبر الآحاد في العقيدة.
* وأمر الرسول - ﷺ - باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، فجاء أقوام يضربون بأقوالهم عرض الحائط ويقولون: نحن رجال وهم رجال.
* وأخبر النبي - ﷺ - وهو الصادق المصدوق- أن هذه الأمة ستفترق إلى فرق عديدة، وذكر أن هناك فرقة هي الفرقة الناجية، وهي الطائفة المنصورة، ثم وجد بعد ذلك من يتزعم الفرق الضالة، أو يتبعها ويترك الاعتصام بالسنة وما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.
والسلف الذين لم يخوضوا في شيء مما خاض فيه أهل الأهواء استقام أمرهم لموافقتهم الكتاب والسنة، ولوعيهم- خاصة أثناء وقوع الفتن وانتشار البدع- وتذكرهم لمثل هذه النصوص التي حذر فيها المصطفى - ﷺ - أمته من الوقوع فيما نهى عنه:
وسنعرض لمنهج السلف من خلال مايلي:
أولا: منهج السلف في العقيدة.
ثانيا: المميزات التى تميزوا بها عن غيرهم.
[ ٥٠ ]
أولا: منهج السلف في العقيدة
ا- أول قاعدة في منهج السلف هي اقتصارهم في مصدر التلقي على الوحي: كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - الصحيحة، وقد تمثلت هذه القاعدة في عدة ركائز:
أ) الاعتقاد الجازم أنه لا يتحقق رضا الله ﵎ والفوز بجنته والنجاة من عذابه إلا بالإيمان بهما والعمل بما جاءا به، وما يترتب على هذا من وجوب أن يعيش المسلم حياته كلها اعتقادا وعملا وسلوكا، مستمسكا ومعتصما بهما، لا يزيغ عنهما ولا يتعدى حدودهما. ومن مستلزمات هذا أن يتحاكم إليهما عند التنازع والاختلاف، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] ولقد تربى الصحابة على ذلك، فعاشوا لا يلتفتون إلى غير الكتاب والسنة، وكان رسول الله - ﷺ - يحذرهم كل التحذير من أن يلتفتوا إلى كتب السابقين التي نزلت على الأنبياء ودخلها التحريف- فضلا عن غيرها من كتب الفلاسفة والملاحدة، فقد روى عبد الله بن ثابت قال: " جاء عمر بن الخطاب إلى النبي - ﷺ - فقال: يارسول الله، إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوارة ألا أعرضها عليك، قال: فتغير وجه رسول الله - ﷺ - قال عبد الله: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله - ﷺ -، فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد - ﷺ - رسولا، قال: فسرى عن النبي - ﷺ -، ثم قال: والذي نفسى بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين " (١)،
_________________
(١) رواه الامام أحمد في مسنده (٣/٤٧٠- ا ٤٧)، وعبد الرزاق الصنعاني في المصنف (٦/١١٣) ورقمه (١٠١٦٤) .
[ ٥١ ]
وفي رواية جابر أنه قال لما غضب على عمر: أمتهوكون (١) فيها يا ابن الخطاب، والذى نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى﵇- كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " (٢)، وقد طبق هذا عمر﵁ عمليا، فقد ضرب رجلا من عبد القيس لأنه انتسخ أحد الكتب السابقة وأمره بمحوه (٣) .
والاستغناء بالكتاب والسنة والاعتماد عليهما نابع من اليقين القاطع أن ما جاء به فهو حق وصدق، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية: " وأما خبر الله ورسوله فهو صدق، موافق لما الأمر عليه في نفسه، لا يجوز أن يكون شيء من أخباره باطلا ولا مخالفا لما عليه في نفسه، ويعلم من حيث الجملة أن كل ما عارض شيئا من أخباره وناقضه فإنه باطل من جنس حجج السوفسطائية (٤)، وإن كان العالم بذلك لا يعلم وجه بطلان تلك الحجج المعارضة لأخباره، وهذه حال المؤمنين للرسول الذين علموا أن رسول اللة الصادق فيما يخبر به، ويعلمون
_________________
(١) أى: أمتحيرون، هكذا فسره الحسن وأبو قلابة،؟ في شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٤٨١) والمر اسيل (ص: ٢٢٤) .
(٢) رواه الإمام أحمد (٣/٣٨٧)، والدارمي في سننهـ باب ما يتقى من تفسير حديث النبي - ﷺ - (١/٩٥) ورقمه (٤٤١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/٤٧٩) - ط الدار السلفية في الهند. وهذا الحديث رواه أبو داود في المراسيل عن أبي قلابة في كتاب العلم (ص: ٢٢٣) ت السيروان كما رواه ابن أبي حاتم مختصرا كما في تفسر ابن كثير (سورة يوسف: ٣) . وانظر التعليق القادم.
(٣) ثم ذكر عمر قصته مع النبي - ﷺ - رواه أبو يعلى الموصلي، وأبو بكر الاسماعيلي، كما نقله عنهما ابن كثير في تفسيره (سورة يوسف: ٣) . والحديث حسنه الألباني كا في تخريج المشكاة رقم (١٧٧،١٩٤)
(٤) السوفسطائية: السفسطة: قياس مركب من الوهميات، والغرض منه تغليط الخصم وإسكاته، والسوفسطائيون: جماعة من فلاسفة اليونان، وزعيمهم بروتاجوراس الذى ولد سنة (٤٨٠ ق. م) . ونظريتهم تقوم على أنه ليس هناك وجود خارجى مستقل عما في أذهاننا، فما يظهر للشخص أنه الحقيقة يكون هو الحقيقة له، فإذا رأى السراب ماء فهو عنده حقيقة ماء. انظر: التعريفات (ص:٦٣)، وكشاف اصطلاح الفنون (١٧٣١٣)، وقصة الفلسفة اليونانية (ص: ٦٢-٧٢)، وربيع الفكر اليوناني (ص: ٦٥)، والمعجم الفلسفى (١/٦٥٨) .
[ ٥٢ ]
من حيث الجملة أن ما ناقض خبره فهو باطل، وأنه لا يجوز أن يعارض خبره دليل صحيح لا عقلي ولا سمعي " (١) .
ويقول: " وما أحد شذ بقول فاسد عن الجمهور إلا وفي الكتاب والسنة ما يبين فساد قوله، وإن كان القائل كثيرا ، وأما القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة فلا يكون شاذا وإن [كان] (٢) القائل به أقل من القائل بذاك القول، فلا عبرة بكثرة القائل باتفاق الناس " (٣) .
ب) أن هذا الدين كامل، والله ﵎ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ويقول أيضا: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦] . يقول ابن تيمية بعد ذكره لهذه الآيات وغيرها: " ومثل هذا في القرآن كثير، مما يبين الله فيه أن كتابه مبين للدين كله، موضح لسبيل الهدى، كاف لمن اتبعه، لا يحتاج معه إلى غيره يجب اتباعه دون اتباع غيره من السبل " (٤)، ومسألة كمال الدين من المسائل المهمة في بيان منهج السلف- رحمهم الله تعالى-، فقد انطلقوا بقوة من هذا المنطلق، وهذا لا يعني أنه لم يكن في عهد الصحابة ومن بعدهم ديانات ومذاهب، بل كانت موجودة، لكن من الذى يلتفت إليها وهو مقتنع تمام الاقتناع بكمال ما لديه من كتاب وسنة وأن فيهما ما يغني ويكفي، وأن ما فيهما حق وصدق لا يأتيه الباطل أبدا، ف-" متى ذكرت ألفاظ القرآن والحديث وبين معناها
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٥٥) .
(٢) في طبعة النبوات لدار الكتب العلمية (ص: ٤ ٠ ٢)، ودار الفكر (ص: ٣٨ ١) بدون " كان"، والسياق يقتضيها.
(٣) النبوات (ص: ٢٠٤) ط دار الكب العلمية.
(٤) درء تعارض العقل والنقل (١٠/٣٠٤) .
[ ٥٣ ]
بيانا شافيا فإنها تنظم (١) جميع ما يقوله الناس من المعافي الصحيحة، وفيها زيادات عظيمة لا توجد في كلام الناس، وهي محفوظة مما دخل في الكلام من الباطل كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١،٤٢]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، وقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان:٢]، وفيه من دلائل الربوبية والنبوة والمعاد ما لا يوجد في كلام أحد من العباد، ففيه أصول الدين المفيدة لليقين، وهو أصول دين الله لا أصول دين محدث ورأي مبتدع" (٢) .
ج-) وجوب تقديم الشرع على العقل عند توهم التعارض، وإلا ففي الحقيقة والواقع لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح، ولقد كان تقديم ما في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - على ما فى غيرهما من معقول أو غيره يعارضها من مسلمات منهج السلف رحمهم الله تعالى.
وليس هذا موضع تفصيل الأدلة لذلك، ولكن نشير إلى أن الأنبياء أعلم بالله وأسمائه وصفاته واليوم الآخر من غيرهم فيجب رد الأمر إليهم، وهذا كما أن العامة يردون ما يختلفون فيه مما يتعلق بالطب وغيره من أمور الدنيا إلى من هو أعلم به منهم، "وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله، وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه على قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم بالله وأسماائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت
_________________
(١) في الأصل: "فإنها لا تنظم" ط دار الكتب العلمية، وكذا في مصورة دار الفكر، (ص: ٢٢١)، ولعل الصواب حذف " لا".
(٢) النبوات (ص: ٣٣٤) ط دار الكتب العلمية.
[ ٥٤ ]
الذي بين العامة وأهل العلم بالطب" (١) .
د) الأدب مع نصوص الكتاب والسنة، وذلك بأن تُراعى ألفاظهما عند بيان العقيدة، وأن لا تستخدم الألفاظ والمصطلحات الموهمة غير الشرعية، ف- "أهل السنة والحديث فيهم رعاية النصوص لألفاظ النصوص وألفاظ السلف" (٢) .
٢- عدم الخوض في علم الكلام والفلسفة، والاقتصار في بيان وفهم العقيدة على ما في الكتاب والسنة، وقد تجلي هذا في منهج السلف من خلال عدة أمور:
أ) الحرص على العلم النافع مع العمل. فالعلم علمان: علم نافع يولد عملا، وينفع صاحبه فى الدنيا والآخرة، وعلم غير نافع، لا ينفع صاحبه في الدنيا أو لا ينفع صاحبه في الآخرة " ولذلك جاءت السنة بتقسيم العلم إلى نافع وغير نافع، والاستعاذة من العلم الذي لا ينفع، وسؤال العلم النافع، ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن النبي - ﷺ - كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" (٣) " (٤) . وقال معروف الكرخي (٥): "إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل" (٦) . وللعلم النافع علامات ذكرها بعض العلماء (٧) .
ب) النهي عن البدع، ومن ذلك علم الكلام، وقد كان موقف السلف
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/١٤١)، وانظر: قواعد المنهج السلفي مصطفى حلمى (ص: ٢٥٣-٢٥٧) ط ثانية.
(٢) نقض التأسيس المطبوع (٢/١١٠) .
(٣) رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، ورقمه (٢٧٢٢) .
(٤) بيان فضل علم السلف على علم الخلف لابن رجب (ص: ١٧) ط دار الأرقم.
(٥) هو معروف بن فيروز أو فيرزان، أبو محفوظ البغدادى الكرخي، أحد الزهاد، مدحه الإمام أحمد. انظر ترجمته في: مناقب معروف الكرخي وأخباره لابن الجوزى، وتاريخ بغداد (١٣/١٩٩) وطبقات الحنابلة (١/ ١ ٣٨)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ٥ ٣٣) .
(٦) رواه أبو نعيم في الحلية (٨/٣٦١)، وابن الجوزى في مناقب معروف الكرخي (ص: ١٢٢-١٢٣) .
(٧) انظر مثلا: بيان فضل علم السلف على الخلف (ص: ٥١-٥٤) .
[ ٥٥ ]
واضحا ومشهورا من علم الكلام، فقصة عمر﵁ مع صبيغ ابن عسل (١) لما علم أنه يتتبع متشابه الكلام ويسأل عنه، فضربه عمر ونفاه إلى البصرة- قصة مشهورة (٢) -، لذلك لما حدث يزيد بن هارون بحديث الرؤية، فقال له رجل: يا أبا خالد، ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد (٣) وقال: ما أشبهك بصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به (٤) . وعمر﵁ روي عنه أنه قال: " إنه سيأقي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله " (٥) .
وقد استمر السلف على هذا المنهج من التحذير من البدع وعلم الكلام وما عليه أهل الأهواء، فالشافعي أثر عنه الكثير في التحذير من أهل الكلام حتى قال: " لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بشيء من الأهواء " (٦)، والإمام أحمد﵀- يقول في رسالتهـ الثابتة عنه - الى عبد الله بن يحيى بن خاقان - لما طلب منه المتوكل أن يكتب له حول مسألة "خلق القرآن ": وقد روى غير واحد ممن مضى من سلفنا - ﵏ أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله ﷿ وليس بمخلوق،
_________________
(١) هو صَبيغ بن شريك بن المنذر بن قشع بن عسل التميمي، ويقال صبيغ بن عسل، نسبة إلى جده. ترجمته في: الإكمال لابن ماكولا (٥/ ٢٢١،٦/٢٠٦-٢٠٨)، والإصابة (٣/٤٥٨)، ترجمة رقم (٢٧ ١ ٤)، وتبصير المنتبه (٣/٤ ٩٥)، والوافي في الوفيات (١٦/٣٨٣) .
(٢) رواها: الدارمى في سننه، رقم (٤٦ ١)، والآجرى في الشريعة (ص: ٧٣)، واللالكائي في شرح السنة، رقم (١٣٦ - ١٤٠)، والصابوني في عقيدة السلف، رقم (٨٣-٨٥)، تحقيق: بدر البدر، ورواها غيرهم. انظر: الإصابة (٣/٤٥٨)، رقم الترجمة (٢٧ ٤١) ت البجاوى، والدر المنثور للسيوطي. أول سورة الذاريات.
(٣) " حرد " أي غضب واغتاظ وهم به. انظر: الصحاح، والمعجم الوسيط، مادة:"حرد".
(٤) عقيدة السلف للصابوني، رقم (٨٢) .
(٥) رواه الدارمي رقم (١٢١)، واللالكائي رقم (٢٠٢)، والآجري في الشريعة (ص: ٥٢) .
(٦) رواه البيهقي في: مناقب الشافعي (١/٤٥٢)، وفي الاعتقاد (ص: ٣٩)، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، وأبو نعيم في الحلية (٩/١١١)، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص: ٣٣٧)، واللالكائي في شرح السنة، رقم (٣٠٠)، وابن أبي حاتم: كما في توالي التأسيس لابن حجر (ص:١١٠) .
[ ٥٦ ]
وهو الذي أذهب إليه، ولست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شىء من هنا، إلا ما كان في كتاب الله عر وجل أو في حديث النبى - ﷺ - أو عن أصحابه أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود " (١) .
واشتهر هذا الموقف من علم الكلام ومن المنطق عن أعلام السلف﵏ وصارت دواوين السنة تذكر كثيرا من الآثار عنهم في موقفهم هذا. بل وصل الأمر في إحدى الحالات أن النساخ كانوا يقسمون أنهم لم ينسخوا كتابا في المنطق (٢) .
وموقف السلف من علم الكلام كان لأسباب (٣)، وليس لأنهم عجزوا أو جهلوا أو شغلوا عنه كما يحلو للبعض أن يفسر ذلك، ولا شك أن منهج علم الكلام يقوم على أسس غريبة على المنهج الذي كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه. وأية محاولة للعودة بالمسلمين إلى الإسلام فلابد أن تكون أولى مسلماته العودة إلى صفاء العقيدة وتخليصها مما ران عليها من شوائب علم الكلام والفلسفة، يقول سيد قطب﵀- في معرض كلامه عن المنهج الذي يراه في العقيدة: " ولما كانت هناك جفوة أصيلة بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة، وبين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة، وبين الحقائق الإيمانية الإسلامية وتلك المحاولات الصغيرة المضطربة المفتعلة التي تتضمنها الفلسفات والمباحث اللاهوتية البشرية فقد بدت " الفلسفة الاسلامية- كما سميت - نشازا كاملا في لحن العقيدة المتناسق، ونشأ من هذه المحاولات تخليط كثير، شاب صفاء التصور الإسلامي، وصغر مساحته،
_________________
(١) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/١٣٩-١٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٩/٢١٦)، وابن الجوزى في المناقب (ص: ٤٦٢) باختصار، والذهبي في تاريخ الإسلام (ترجمة الامام أحمد مفردة - ط: دار الوعي بحلب) (ص: ٧٠- ٧١)، وقال الذهبي في آخرها: " قلت: رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات أشهد بالله أنه أملاها على ولده"، وذكرها فى سير أعلام النبلاء (١١/٢٨٦)، وقال: " إسنادها كالشمس".
(٢) انظر: الكامل لابن الأثير حوادث سنة: ٢٧٩ (٧/٤٥٣) دار صادر.
(٣) انظر: بيان فضل علم السلف لابن رجب (ص: ٥٥-٥٨)، ومنهج علماء الحديث والسنة مصطفى حلمي (ص: ٠ ٦- ا ٦)، ومنطق ابن تيمية (ص: ٢٧٧) .
[ ٥٧ ]
وأصابه بالسطحية، ذلك مع التعقيد والجفاف والتخليط، مما جعل تلك الفلسفة الإسلامية ومعها مباحث علم الكلام غريبة غربة كاملة على الإسلام وطبيعته، وحقيقته، ومنهجه وأسلوبه ".
" وأنا أعلم أن هذا الكلام سيقابل بالدهشة- على الأقل- سواء من كثير من المشتغلين عندنا بما يسمى " الفلسفة الاسلامية " أو من المشتغلين بالمباحث الفلسفية بصفة عامة ولكني أقرر وأنا على يقين جازم بأن " التصور الإسلامي " لن يخلص من التشويه والانحراف والمسخ إلا حين نلقي عنه جملة بكل ما أطلق عليه اسم الفلسفة الاسلامية، وبكل مباحث علم الكلام، وبكل ما ثار من الجدل بين الفرق الإسلامية المختلفة في شتى العصور أيضا، ثم نعود إلى القرآن الكريم " (١) .
ج-) الرد على المنحرفين وأصحاب الأهواء بمنهج متميز، فالسلف - ﵏ لما حذروا من المنطق ومن علم الكلام لم يكتفوا بهذا، وإنما ردوا وناقشوا أصحاب البدع بالأدلة النقلية والعقلية المبنية على الكتاب والسنة.
والسلف كانوا أصحاب منهج واضح، مقنع، وليس كما يزعم بعض أهل الكلام من أن السلف أو أهل الحديث لا يعرفون الرد ومجادلة الخصوم ويذكرون في ذلك قصة لهارون الرشيد لما منع الجدال في الدين وحبس أهل الكلام، وخلاصتها: أن ملك السند بعث يطلب منه أن يرسل إليه من يناظره، فأرسل إليه قاضيا- أو رجلا من أهل الحديث- فعجز عن مناظرته، فغضب الرشيد وسأل من حوله: " أليس لهذا الدين من يناضل عنه؟، فقيل له: بلى، هم الذين نهيتهم عن الجدال، وفيهم من هو في الحبس. فأحضروهم، وأرسل واحدا منهم إلى ملك السند، فدس له السم قبل وصوله إليه (٢) . وهذه قصة باطلة لأن فتح السند وقتل ملكها كان سنة ٩٣ هـ وهارون الرشيد تولى الخلافة سنة ١٧٠ هـ.
_________________
(١) خصائص التصور الاسلامي: كلمة في المنهج (ص:١٠ - ١١) .
(٢) المصدر المعروف لهذه القصة- التي وردت بعدة روايات - هو كتاب المنية والأمل- لابن المرتضي المعتزلي (ص: ٥٥ ا - ١٥٨) ت: محمد جواد مشكور، وهي في طبعة أرنلد التى أفرد فيها ذكر المعتزلة (ص: ٣١-٣٣)، وذكرها النشار في نشأة الفكر الإسلامي (١/٥٠٤-٥٠٥)، وردها، وانظر قواعد المنهج السلفي (ص: ٨٠-٨٢) الطبعة الثانية.
[ ٥٨ ]
وهذه القصة كما يظهر من مصدرها ليس لها سند صحيح، وسياق القصة يدل على الهدف من وضعها، واذا كان مصدر السلف الأول هو كتاب الله وفيه الحجج والبراهين الدامغة فكيف يخطر على البال أنهم يعجزون عن المناقشة والرد على أهل البدع. أما إن كان القصد المناقشة ببدع وأصول أهل الكلام فلا ريب أن السلف كانوا بعيدين عنها ولا يعرفونها لأنهم في غنى عنها، لكن من عاش منهم مع أهل الكلام ثم رجع إلى منهج ومذهب أهل الحديث فهذا قد تكون له خبرة بهم، ولذلك قال نعيم بن حماد (١) - الذى امتحن في مسألة القرآن فأبى أن يجيب، فحبس ومات في السجن- يقول عن نفسه: " أنا كنت جهميا، ولذلك عرفت كلامهم، فلما طلبت الحديث عرفت أن أمرهم يرجع إلى التعطيل " (٢) .
والسلف﵏ لم ينهوا عن جنس النظر والاستدلال، ولكن معارضتهم تركزت على الأساليب الكلامية المبنية على غير الكتاب والسنة (٣) . ولذلك روى الآجرى عن محمد بن سيرين لما ماراه (٤) رجل في شيء، فقال له محمد: " إني أعلم ما تريد، وأعلم بالمماراة منك ولكني لا أماريك" (٥)، فهو لا يريد الممارأة والجدل، ولو جادله لجادله بمنهج القرآن والسنة لا بمنهج المتكلمين.
_________________
(١) هو نعيم بن حماد بن معاوية، أبو عبد الله الخزاعي - ت: ٢٢٨ هـ، طبقات ابن سعد (٧ / ٥١٩)، وتاريخ بغداد (١٣ / ٣٠٦)، وتهذيب المزي- المخطوط (ص: ١٤١٩)، وسير أعلام النبلاء (١٠/٥٩٥) .
(٢) تاريخ بغداد (١٣/٣٠٧)، وتهذيب المزى (ص: ١٤٢٠)، وسير أعلام النبلاء (١٠/٥٩٧) .
(٣) انظر: قواعد المنهج السلفى: مصطفى حلمي (ص: ٨٥)، ومنهج علماء الحديث والسنة له (ص:٤٠) .
(٤) من المماراة: تقول ماريت الرجل، أى: جادلته. انظر: الصحاح مادة:" مرا" من حرف الياء، وقد وردت اللفظة في الشريعة وفي طبعتى فضل علم السلف " ومارآه" وهر تحريف.
(٥) الشريعة للآجري (ص: ٦١ - ٦٢)، وانظر: بيان فضل علم السلف لابن رجب (ص: ٣٧) ط دار الأرقم.
[ ٥٩ ]
وهذا يدل على أن السلف لا يناظرون إلا عند الحاجة، ومناظرتهم لا تكون بمنهج المتكلمين، يقول الآجري: " فإن قال قائل: فإن اضطر في الأمر- وقتا من الأوقات- إلى مناظرتهم وإثبات الحجة عليهم، ألا يناظرهم؟، قيل: الاضطرار إنما يكون مع إمام له مذهب سوء، فيمتحن الناس ويدعوهم إلى مذهبه، كفعل من مضى في وقت أحمد بن حنبل﵀-: ثلاثة خلفاء امتحنوا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم السوء، فلم يجد العلماء بدا من الذب عن الدين، وأرادوا بذلك معرفة العامة الحق من الباطل، فناظروهم ضرورة لا اختيارا، فأثبت الله ﷿ الحق مع أحمد بن حنبل ومن كان على طريقته وأذل الله العظيم المعتزلة وفضحهم وعرفت العامة أن الحق ما كان عليه أحمد ابن حنبل ومن تابعه إلى يوم القيامة " (١) .
٣- حجية السنة في العقيدة ومن ذلك خبر الآحاد، وهذه من القواعد الكبرى في منهج السلف﵏ تميزوا بها عن كثير من أهل الأهواء والبدع، وما عني أهل السنة بجمع السنة والكلام في متونها وأسانيدها، ونشأة هذا العلم الذى تميزت به الأمة الاسلامية عن غيرها من الأمم، وبذلوا في سبيل ذلك جهودا منقطعة النظير، كل ذلك إنما كان منهم حفاظا على المصدر الثاني الذى هو وحي يوحى من الله تعالى، ولم يميزوا بين الأحاديث المتعلقة بالأحكام والأحاديث المتعلقة بالعقائد.
وقد كان اعمادهم على السنة وتعظيمهم لها مبنيا على أمور منها:
أ) أن من مقتضيات شهادة أن محمدا رسول الله التى لا يتم الايمان إلا بها، ولذلك قرنت بشهادة أن لا إله إلا الله وجوب تصديقه فيما أخبر، سواء كان عن الله أو صفاته أو مخلوقاته أو ما يستقبل من أمور الآخرة وغيرها من المغيبات.
ب) أن أعرف العباد بما صلح لهم رسول الله - ﷺ -، وأنه أرغب الناس في نشرالخير وتعريف الخلق به، ولذلك فما من خير إلا ودل أمته عليه،
_________________
(١) الشريعة (ص: ٦٢) .
[ ٦٠ ]
وما من شر إلا وحذرها منه، ومن المعلوم أن أهم الأمور بالنسبة للعباد ما يتعلق بالعقيدة من الأمور الإلهية والمعارف الدينية، والعلم في هذه " مأخذه عن الرسول، فالرسول أعلم الخلق بها، وأرغبهم في تعريف الخلق بها، وأقدرهم علي بيانها وتعريفها، فهو فوق كل أحد في: العلم، والقدرة، والإرادة، وهذه الثلاثة بها يتم المقصود. ومن سوى الرسول: إما أن يكون في علمه بها نقص أو فساد، وإما أن لا يكون له إرادة فيما علمه من ذلك فلم يبينه، إما لرغبة وإما لرهبة، وإما لغرض آخر. وإما أن يكون بيانه ناقصا، ليس بيانه البيان عما عرفه الجنان ".
" وبيان الرسول على وجهين: تارة: يبين الأدلة العقلية الدالة عليها.
والقرآن مملوء من الأدلة العقلية والبراهين اليقينية على المعارف الالهية والمطالب الدينية. وتارة: يخبر بها خبرا مجردا، لما قد أقامه من الآيات البينات، والدلائل اليقينيات على أنه رسول الله المبلغ عن الله، وأنه لا يقول عليه إلا الحق، وأن الله شهد له بذلك، وأعلم عباده وأخبرهم أنه صادق مصدوق فيما بلغه عنه، والأدلة التي بها نعلم أنه رسول الله كثيرة متنوعة، وهي أدلة عقلية تعلم صحتها بالعقل، وهي أيضا شرعية سمعية " (١) .
ب) أن الرسول بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه، لم يكتم شيئا من ذلك، وأنه ﵊ قد بلغ ذلك أتم بلاغ وأبينه حتى ترك أمته على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقد تمثلت هذه الأمور- السابقة- في موقف السلف من السنة وتعطمهم لها، وإنزالها منزلتها اللائقة بها، وذلك بكونها وحيا من الله تعالى وبكونه - ﷺ - لا ينطق عن الهوى. وبدا هذا واضحا من خلال:
أ) الخضوع لحديث الرسول - ﷺ - إذا صح - وتعظيمه وعدم الاعتراض عليه بأي نوع من أنواع الاعتراض، ومن ذلك ما روي أن أبا معاوية
_________________
(١) رسالة الفرقان دين الحق والباطل- مجموع الفتاوى (١٣/١٣٦) .
[ ٦١ ]
الضرير (١) كان يحدث " هارون الرشيد " فحدثه بحديث أبي هريرة﵁: " احتج آدم وموسى " (٢)، فقال عيسى بن جعفر: " كيف هذا، وبين آدم وموسى ما بينهما؟، قال: فوثب به هارون وقال: يحدثك عن الرسول - ﷺ - وتعارضه بكيف!، قال: فما زال يقول حتى سكت عنه" (٣)، وفي رواية أنه حبسه، ولم يطلقه حتى حلف الأيمان المغلظة أنه ما سمعه من أحد وما جرى بينه وبينه كلام (٤)، أي لم يتلق هذه الشبهة عن أحد، يقول الصابوني معلقا على هذا: " هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله - ﷺ - ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد﵀- مع من اعترض على الخبر الصحيح الذى سمعه، - بكيف،- على طريق الإنكار والاستبعاد له، ولم يتلقه بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما يرد من الرسول - ﷺ - " (٥) .
ولما سئل ابن المبارك- حين روى حديث النزول- كيف ينزل؟ أجاب: " ينزل كيف يشاء " (٦)، وفي رواية أنه قال: " إذا جاءك الحديث عن رسول الله - ﷺ - فاخضع له " (٧) .
_________________
(١) هو: محمد بن خازم أبو معاوية الضرير- روى له الجماعة. تهذيب التهذيب (٩/١٣٧)، وتاريخ بغداد (٥/٢٤٢) .
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب القدر، ورقمه (٦٦١٤)، الفتح (١١/٥٠٥)، مسلم في القدر، ورقمه (٢٦٥٢) .
(٣) رواه الصابوني: عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص: ١٦ ا-١١٧) ط: بدر البدر، وانظر الفقرة التالية.
(٤) رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٨١-١٨٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/٢٤٣)، [ومختصرا فى (١٤/٧-٨]، وانظر سير أعلام النبلاء (٩/٢٨٨)]، وقد أوردوا القصة بطولها وهي قصة عجيبة تدلءلى مدى حرص الرشيد على السنة وحرب أهل البدع.
(٥) عقيدة السلف للصابوني (ص: ١١٧) وهو آخر الرسالة.
(٦) رواه الصابوني في عقيدة السلف (ص: ٢٩)، البيهقي في الأسماء والصفات (ص: ٤٥٣) عن الصابوني.
(٧) الصابوني في عقيدة السلف (ص: ١٧٢) تحقيق: الأخ ناصر الجديع- مطبوع على الآلة الكاتبة وهو في طبعة بدر البدر (ص: ٢٩)، لكن عبارته " فاصغ له".
[ ٦٢ ]
ب) اعتمادهم على الأحاديث الصحيحة، ونبذ الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد تمثل هذا عندهم بالإنكار على من اعترض على الأحاديث الصحيحة الثابتة، وتمثل أيضا بذكرهم للأسانيد فيما يروونه، ومعلوم أنه إذا أسند الراوي فلابد من النظر في إسناده والحكم على الحديث صحة وضعفا بعد جمع طرقه ورواياته، ومن الملاحظ على كتب السنة- التي اختصت بالعقيدة- ورود بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة فيها، ولا شك أن الناظر فيها- في العصور المتأخرة- يحس أنه كان من المفروض تمييز صحيحها من غيره، أو يراد ما صح منها فقط، أما إدخال هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة فيها فله سلبيات لعل من أهمها التشهير بأهل السنة من جانب أهل التعطيل ووصفهم لهم بالحشو والتشبيه، والتندر بهم بذكر نماذج من هذه الأحاديث. ولكن لو رجعنا إلى هذا الزمن الذي دونت فيه لوجدنا ما يبرر فعلهم هذا، فالعناية بالحديث كانت شديدة، ومعرفة الضعفاء والوضاعين كانت مشهرة، ثم إن هذه الروايات التي أوردوها- ويعلمون أحيانا أنها ضعيفة- قد تكون وردت عند أحد أعلام المحدثين بطريق أو بطرق أخرى صحيحه، فليس هناك ما يضمن مع كثرة المحدثين والرواة في مختلف أمصار المسلمين أن هذه الأحاديث لم ترد إليهم بطرق أخرى.
ج-) حجية خبر الآحاد في العقيدة إذا صح، وهذا من المعالم الرئيسة لمنهج السلف، والقول بأن أخبار الآحاد لا تفيد العلم ومن ثم فلا يحتج بها في العقيدة بدعة كبرى تلقفها أو أحدثها المعتزلة، ولكن من المؤسف أن كثيرا من العلماء ممن ينتسبون إلى السنة- وخاصة في كتبهم في أصول الفقهـ ظنوا أنها لا تفيد العلم وإنما تفيد الظن، وانتشرت هذه المقالة بنسبة القول بها إلى الجمهور، ومما يلاحظ أن كثيرا ممن ألف في أصول الفقه هم، إما من المعتزلة أو الأشاعرة أو الماتريدية، فأدخل هؤلاء هذه المسألة وصاروا يذكرون فيها أن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن فيحتج بها في الأمور العملية من الأحكام لا العلمية، ويقصدون بها أمور العقائد بينما لو تتبعنا نصوص السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم لوجدنا الإجماع منهم- تقريبا- على عدم التفريق في أخبار الآحاد بين الأحكام والعقائد،
[ ٦٣ ]
ولذا يحسن هنا أن نذكر قصة إسحاق بن راهويه (١) مع عبد الله بن طاهر (٢)،
فقد روى عن إسحاق بن راهويه قال: " دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال لي: يا أبا يعقوب، تقول: إن الله ينزل كل ليلة؟، فقلت: أيها الأمير، إن الله تعالى بعث إلينا نبيا نقل إلينا عنه أخبار، بها نحلل الدماء وبها نحرم، وبها نحلل الفروج وبها نحرم، وبها نبيح الأموال وبها نحرم، فإن صح ذا صح ذاك، وإن بطل ذا بطل ذاك، قال: فأمسك عبد الله " (٣) .
هذا مذهب السلف ومنهجهم لم يؤثر عن أحد منهم ممن يعتد بقوله إذا ورد عليه حديث صح عنده ثبوته أن رد ما دل عليه من أمور العقيدة بأنه خبر آحاد- وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة المهمة، وإنما الغرض الإشارة المجملة.
٤- أن الصحابة أعلم الناس- بعد الرسول - ﷺ - بالعقيدة، لذلك فأقوالهم وتفاسيرهم للنصوص حجة لأنهم﵃- قد اكتمل فيهم الفهم والمعرفة لأصول الدين التي دل عليها كتاب الله المنزل وسنة رسوله - ﷺ -.
والعجب أن بعض من يدعي الانتساب إلى مذهب أهل السنة يشتد غضبه حينما يعرض لرأي الرافضة في الصحابة وتنقيصهم لهم، ولكن لا يرى بأسا في أن يقرأ أو يسمع لبعض شيوخه من المنتسبين للسنة في مقابل الرافضة والمعتزلة كلاما يؤول إلى تنقيص الصحابة والطعن في فهمهم وعقولهم، مثل عبارة: أن الصحابة لم يعلموا - علم الكلام - لأنهم كانوا مشغولين بالجهاد،
_________________
(١) هو: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلى، أبو محمد بن راهويه المروزى، قرين أحمد بن حنبل حياته (١ ٦ ا-٢٣٧) أو (٢٣٨ هـ)،. تاريخ بغداد (٥/٦ ٣٤)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٣٥٨)، والتهذيب (١/٦ ١ ٢)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص: ٨٨ ١) .
(٢) عبد الله بن طاهر، أبو الحسين بن مصعب، الأمير العادل، أبو العباس، حاكم خراسان، توفى سنة: ٢٣٠ هـ وله (٤٨) سنة. تاريخ بغداد (٩/٤٨٣)، وولاة مصر للكندي (ص: ٤ ٠ ٢-٠٨ ٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٨٤)، والفرج بعد الشدة (١/٣٣٩) .
(٣) ذكره البيهقى في الأسماء والصفات (ص: ٤٥٢) .
[ ٦٤ ]
ومثل قول بعضهم: إن الصحابة كانوا يقرؤون القرآن ولكنهم يمرون النصوص المتعلقة بالصفات وغيرها دون فهم لها ولمعناها ، أو أن الصحابة لو واجهوا الشبهات التي واجهها من بعدهم لتأولوا كما تأولنا الخ.
وهذا- بلا شك- منهج خطير، لا يقف الانحراف فيه عند حد الصحابة، بل قد يلزم منه اتهام الرسول - ﷺ - وهو الرسول المبلغ عن الله - بمثل هذه التهم التي توجه إلى الصحابة﵃ أجمعين-.
والصحابة- في نظر أهل السنة، الذين هم أهل الحديث- كلهم عدول، ومن ثبتت صحبته ثبتت له العدالة بمجرد الصحبة، ولا شك أن هذه الأفضلية- أعني أفضلية الصحبة التى اختصوا بها، ولا يمكن أن ينال فضلها أحد ممن جاء بعدهم- تجعل لهم منزلة في فهم العقيدة وإدراكها، لا يمكن أن ينالها من جاء بعدهم. ولذلك كان السلف يفتخرون في أن دينهم أخذوه عن التابعين عن الصحابة، فشريك بن عبد الله (١) لما قيل له: إن قوما من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث أى أحاديث النزول، حدث بنحو عشرة أحاديث في هذا، وقال: " أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين عن أصحاب رسول الله - ﷺ - فهم عمن أخذوا؟ " (٢) .
ولمكانة الصحابة عند السلف حرصوا على تدوين أقوالهم وآرائهم في مختلف المسائل، فقد روى صالح بن كيسان (٣) قال: " اجتمعت أنا والزهري (٤)
_________________
(١) هو: شريك بن عبد الله النخعى الكوفي، القاضي، أبو عبد الله، صدوق، بخطئ كثيرا، كان عارفا عابدا، شديدا على أهل البدع، ولد سنة (٩٠ هـ) وتوفى سنة ١٧٨ هـ. ميزان الاعتدال (٢/٢٧٠)، سير أعلام النبلاء (٨/١٧٢)، تهذيب التهذيب (٤/٣٣٣)، التقريب (١/ ٣٥١) .
(٢) رواه الصاغاني- كما في: سر أعلام النبلاء (٨/١٥٨)، والبيهقي فى الأسماء والصفات عن الصاغاني (ص: ٤٥١) .
(٣) هو: صالح بن كيسان المدني، أبو محمد أو أبو الحارث، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة، ثبت، فقيه، مات بعد سنة: ١٤٠ هـ. تهذيب تاريخ دمشق (٦/٣٨٠)، وتذ كرة الحفاظ (١١/٤٨)، وسير أعلام النبلاء (٥/٤٥٤)، والتقريب (١/٣٦٢)، وطبقات الحفاظ (ص: ٦٣) .
(٤) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله، أبو بكر القرشي الزهري المدني، أحد الأعلام، =
[ ٦٥ ]
- ونحن نطلب العلم- فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبى - ﷺ -، قال: ثم قال الزهري: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة. قال: فقلت أنا: لا، ليس بسنة، لا نكتبه. قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت " (١) .
والصحابة تميزوا في العقيدة وفهمها بعدة ميزات، أهمها:
أ) أنهم شاهدوا التنزيل، وعاشوا مع النبى - ﷺ - وهو يتلقى هذا الوحى من ربه الذي ينزل عليه مفرقا حسب الوقائع والأحداث، فعاصروها جميعا، واحدة فواحدة، فكيف لا يكونون وهم كذلك- أعلم الناس بالتنزيل وأسباب نزولهـ إن كانت له أسباب- وأعلم الناس- من ثم- بمراد الله ومراد رسوله - ﷺ -. ولا يقول عاقل: إن من حضر الواقعة أو الحادثة- أيا كانت- أقل علما بها ممن لم يحضرها ولم يشارك فيها.
ب) من المعلوم أن حواري الرسل وصحابتهم الذين اتبعوهم وآمنوا بهم هم اكثر الناس فهما لرسالتهم وما يتلعق بها من أحكام سواء في العقيدة أو الشريعة؛ فهم العارفون بدقائقها المدركون لحقائقها، وهم اكمل الناس علما وعملا، ولا يكون من بعدهم اكمل منهم في شيء من ذلك، ولذلك روى عبد الله ابن مسعودرضي الله عنهـ عن النبى - ﷺ - أنه قال: " ما من نبى بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه
_________________
(١) = توفي سنة: ١٢٤ هـ. طبقات ابن سعد- الجزء المتمم (ص: ١٥٧)، وتاريخ دمشق- طبعت ترجمته مفردة- ووفيات الأعيان (٤/١٧٧)، وغاية النهاية في طبقات القراء (٢/٢٦٢)، وسير أعلام النبلاء (٥/٣٢٦)، والواي للصفدي (٥/٢٤)، وتهذيب الهذيب (٩/٤٤٥) .
(٢) رواه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢٥٨) ورقمه (٤٨٧ ٠ ٢)، والخطيب في تقييد العلم (ص: ٦ ٠ ا- ١٠٧)، وابن سعد في الطبقات (٢/٣٨٨)، وفي الجزء المتمم (ص: ٦٨ ١)، والفسوى في المعرفة (١/٦٣٧، ٦٤١)، وابن عساكر- ترجمة الزهري مفردة- (ص: ٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (٣/٣٦٠) .
[ ٦٦ ]
فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " (١)، فمن سار على نهج الصحابة سلم من هذه الصفة الذميمة. ومع كل ذلك فمن أتى بعد الصحابة فلن يكون مثلهم في الفهم والعلم.
ج-) لم يكن بين الصحابة خلات في العقيدة، فهم متفقون في أمور العقائد التى تلقوها عن النبي - ﷺ - بكل وضوح وبيان، وهذا بخلاف مسائل الأحكام الفرعية القابلة للاجتهاد والاختلاف، يقول ابن القيم﵀-: " إن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الايمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيمانا. ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة، من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، ولم يبدوا لشىء منها إبطالا، ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم: يجب صرفها عن حقائقها، وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرا واحدا، وأجروها على سنن واحدة " (٢) .
والأمور اليسيرة التى اختلفوا فيها- كرؤية النبي - ﷺ - ربه، وغيرها لا تؤثر في هذه القاعدة العامة، لأن الخلاف فيها كان لأسباب وقد يكون لبعض الصحابة من العلم ما ليس عند الآخر، لكنهمرضي الله عنهم- إذا جاءهم الدليل خضعوا له بلا تردد.
د) كان الصحابة يسألون عما يشكل عليهم، وهذا أمر مشهور عنهم - ﵃ - فأم المؤمنين عائشة - ﵂ - رُوي عنها أنها
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الايمان- باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، ورقمه (٨٠) .
(٢) إعلام الموقعين (١/ ٥١-٥٢) ت: الوكيل.
[ ٦٧ ]
" كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه " (١) ولذلك سألت رسول الله - ﷺ - عندما قال: " من نوقش الحساب عذب " عن الآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧،٨]، فأجابها: " إنما ذلك العرض " (٢)، كذلك سأل الصحابة عن رؤية الله فمثل لهم برؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب (٣)، وكذلك قدرة الله على البعث ضرب لها مثالا بالنبات (٤) .
ومن هذه الميزات تتضح بجلاء مكانة الصحابة وعلمهم وفهمهم﵃ أجمعين- كما يتبين فضلهم- في هذه الأمور وغيرها- على من جاء بعدهم، وأن أي تجهيل لهم بأسلوب صريح أو غير صريح يعتبر ضلالا وانحرافا، لا يتوقف عند حد اتهام الصحابة أنفسهم بل يتعداه إلى ما بلغوه عن رسول الله - ﷺ - من أمور الدين كلها. وإن العجب ليأخذ الإنسان وهو يقرأ مثل هذا الكلام لأحد الكتاب وهو يعرض لمذهب السلف ومدرستهم، يقول: " ولعلنا نلمح- من خلال هذا العرض- الفرق الواضح بين الايمان والمعرفة، فالأول محله القلب، والثانية محلها العقل. ومن ثم نستطع أن نقرر أن المتديني ن في الصدر الأول قد فقهوا النص الديني- وخاصة ما يتعلق بأمور العقيدة- بقلوبهم، قبل إدراكه بمقاييس العقل، كالذي عرف فيما بعد لدى بعض فرق المتكلمين، وتخريجهم نصوص العقيدة على مقتضى ما وضعوه من مقامات عقلية "
_________________
(١) رواه البخارى عن ابن أبي مليكة في العلم، رقم (١٠٣)، واسمه: عبد الله بن عبيد الله ابن عبد الله بن أبي مليكة بن عبد بن جدعان ثقة، فقيه، روى عن مجموعة من الصحابة- منهم عائشة - روى له الجماعة. انظر: التهذيب (٥/٣٠٦)، والتقريب (١/٤٣١) .
(٢) متفق عليه: رواه البخارى عن ابن أبي مليكة عن عائشة، كما رواه عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة، وأرقامه (٣ ٠ ١، ٤٩٣٩،٦٥٣٦،٦٥٣٧)، ومسلم في الجنة، ورقمة (٢٨٧٦) .
(٣) رواه أحمد - عن أبي رزين العقيلى ابن المنتفق - المسند (٤/١١)، ورواه أبو داود في السنة، رقمه (٤٧٣١)، وابن ماجه في المقدمة، رقمه (١٨٠)، وابن أبي عاصم في السنة، رقمه (٤٥٩- ٤٦٠)، وحسنه الألباني.
(٤) رواه أحمد عن أبي رزين العقيلى، واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق، وهو الذي سأله. المسند (٤/١١) .
[ ٦٨ ]
ثم يعقب قائلا:" وليس في هذا القول نسبة لهم- أي المتدينين- إلى التجهيل كما فهم تقي الدين ابن تيمية " (١) .
هكذا يقول الكاتب عن الصدر الأول- وفيهم الصحابة- إنهم كانوا يؤمنون بأمور العقيدة بقلوبهم، ولكنهم لا يعرفونها بعقولهم، وإنما عرفها أهل الكلام من بعد لما جاءوا بالمقدمات العقلية، ومع ذلك فليس في هذا تجهيل للصحابة والصدر الأول (٢) .
٥- ومن منهج السلف: التسليم لما جاء به الوحي، مع إعطاء العقل دوره الحقيقي، وعدم الخوض في الأمور الغيبية مما لا مجال للعقل فيه، فالسلف - ﵏ - لم يلغوا العقل كا يزعم خصومهم من أهل الكلام، أو من لا خبرة له بمذهب السلف من غيرهم، كما أنهم لم يحكموه في جميع أمورهم كما فعل أهل الضلال، وإنما وزنوا الأمر بموازين الشرع: فما جاء به الوحي فهو حق وصدق ولا يمكن أن يخالف معقولا صريحا أبدا، إذ كيف يخالفها والوحي من الله والعقول مخلوقة لله، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك والمقصود هنا بيان أن من منهجهم التسليم لما ورد في النصوص وعدم معارضتها بشيء من الأهواء أو العقول، مع إعطاء العقل دروه المناسب له (٣) .
٦- لم يكونوا يتلقون النصوص ومعهم أصول عقلية يحاكمون النصوص إليها،؟ فعل المعتزلة وغيرهم الذين وضعوا أصولأ عقلية، ثم لما جاءوا إلى القرآن والسنة وما فيهما من دلالات في الاعتقاد، نظروا فما وجدوه موافقا لتلك الأصول العقلية أخذوا به، وما وجدوه مخالفا لشيء نها أولوه أو أنكروا الاحتجاج به، وقد كان سيد قطب﵀- من الدعاة إلى هذا المنهج في العودة إلى العقيدة والتصور الإسلامي، يقول في كلامه حول المنهج الصحيح لذلك: " ومنهجنا
_________________
(١) المدرسة السلفية، تأليف: محمد عبد الستار نصار (ص: ٤٧٨) .
(٢) انظر: في موضوع منزلة الصحابة، قواعد المنهج السلفي (ص: ٥١-٦٨) الطبعة الثانية.
(٣) انظر: علاقة الاثبات والتفويض (ص: ٢٣-٢٦)، ومنهج علماء الحديث والسنة (ص: ٤٠)، وانظر: نقض التأسيس المطبوع (١/٢٤٦-٢٤٧) .
[ ٦٩ ]
في استلهام القرآن الكريم، ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقا، لا مقررات عقلية، ولا مقررات شعورية- من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاتهـ نحام إليها نصوصه، أو نستلهم معافي هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة ".
" لقد جاء النص القرآني- ابتداء- لينشىء المقررات الصحيحة التي يريد الله أن تقوم عليا تصورات البشر، وأن تقوم عليها حياتهم، وأقل ما يستحقه هذا التفضل من العلى الكبير، هذه الرعاية من الله ذي الجلال- وهو الغني عن العالمين- أن يتلقوها وقد فرغوا لها قلوبهم وعقولهم من كل غبش دخيل، ليقوم تصورهم الجديد نطفا من كل رواسب الجاهليات- قديمها وحديثها على السواء- مستمدا من تعليم الله وحده، لا من ظنون البشر، التي لا تغنى من الحق شيئا ".
" ليست هناك إذن مقررات سابقة نحاكم إليها كتاب الله تعالى، إنما نحن نستمد مقرراتنا من هذا الكتاب إبتداء، ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا، وهذا- وحدهـ هو المنهج الصحيح، في مواجهة القرآن الكريم، وفي استلهامه خصائص التصور الإسلامي ومقوماته " (١) .
٧- الرجوع إلى النصوص الواردة في مسألة معينة، وعدم الاقتصار على بعضها دون البعض الآخر، وهذا ناشيء من أنهم لا يفرقون بين النصوص وليس لديهم أصول عقلية متقررة سلفا عندهم ليأخذوا من النصوص ما وافقها ويدعوا ما خالفها، كما وقع فيه أهل الأهواء كلهم، إذ ما من طائفة من طوائفهم إلا وأخذت بجزء من النصوص مما يوافق مذهبها ثم تأتي طائفة تطعن في أدلة الطائفة الأخرى وهكذا في جميع مسائل العقيدة.
أما السلف- ومذهبهم هو الوسط- فلا يسلكون مثل هذا المنهج، بل يأخذون بجميع النصوص، فيكون معهم الحق الذي مع كل من الطائفتين المنحرفتين،
_________________
(١) خصائص التصور الإسلامي (ص: ١٤-١٥)، ومع هذا المنهج الواضح لسيد قطب فلا يخلو كتابه " في ظلال القرآن " من بعض الهفوات التي وقع بها، خاصة في بعض الصفات كالاستواء وغيره.
[ ٧٠ ]
ويسلمون من الباطل الذي معهما. والأمثلة على ذلك كثيرة وواضحة والحمد لله. فالسلف يجمعون النصوص في المسألة الواحدة من مسائل العقيدة وغيرها، ثم يأخذون بها جميعا فيخلصون إلى مذهب وسط هو المذهب الحق والعدل.
٨- التزام العدل والإنصاف مع أعدائهم، فهم يعترفون بما عند الخصوم من حق، ولا يعميهم ما يجدونه عندهم من ضلال فيصدهم عن قول الحق فيهم، أو يدعوهم إلى رميهم بما ليس فيهم من الباطل. وهذا بخلاف منهج أهل الأهواء الذين يرمون كل من لم يقل بمقالتهم بشتى أنواع التهم، ويحملون أقوال من يخالفهم أسوأ الاحتمالات، ولا يعترفون له بحق أبدا. أما أهل السنة فيلتزمون الإنصاف مع أنفسهم ومع من يخالفهم، ولذلك فهم يقسمون من عداهم إلى قسمين:
أ) أهل كفر وعناد فهؤلاء يجاهدونهم ويكشفون باطلهم.
ب) أهل بدعة وعصيان. فهؤلاء يحمدون لهم ما عندهم من إيمان وجهاد وخير وخدمة للإسلام، ويردون ما هم عليه من بدعة، ويبينون ما فيها من ضلال ومخالفة لمذهب أهل السنة، ومن كان داعيا إلى بدعته فالموقف منه يشتد حسب خطورة المقالة الضالة التي أتى بها، وحسب المصلحة التى تنجم عن كشف البدعة وتفسيق صاجها.
٩- لا يتعصبون لشخص إلا للرسول - ﷺ -، فعندهم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا الهادي البشير ﵊، لأنه الذي لا ينطق عن الهوى. وهذا بخلاف أهل الأهواء الذين يتعصبون لطائفتهم أو إلى رجل من رجالهم، ويجعلون أقوال هؤلاء كالنصوص، لا تقبل الرد ولا التأويل، ومن ثم يردون نصوص الكتاب والسنة لأجلها. أما أهل السنة فإمامهم وقائدهم الذي يتبعون ما جاء به ويزنون جميع أقوال الناس بأقواله؛ رسول الله - ﷺ -.
ثانيا: تميز السلف " أهل السنة والجماعة " عن غيرهم:
والقصد من هذا بيان الميزات التى تميز بها أهل السنة عن غيرهم ومن أهمها:
ا- أن أهل السنة ليس لهم اسم يسمون به إلا اسم " أهل السنة والجماعة "، أو " أهل الحديث " فهو الاسم الذي عرفوا به، وهذا بخلاف
[ ٧١ ]
أصحاب البدع الذين تسموا بأسماء وألقاب أو عرفوا بها فصارت علما عليهم، ومن المعلوم أن أهل السنة قد يسميهم غيرهم بأسماء وألقاب أخرى، إذ ما من فرقة إلا وسمت أهل السنة باسم يناسب ما خالفها فيه أهل السنة، ولكن بقي أهل السنة لم يلزمهم شىء من هذه الألقاب الباطلة. ولذلك ذكر ابن عبد البر أن رجلا جاء إلى الامام مالك فقال: " يا أبا عبد الله، أسألك عن مسألة أجعلك حجة فيما بينى وبين الله ﷿، قال مالك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، سل. قال: من أهل السنة؟، قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمى، ولا قدري، ولا رافضي (١)، ويقول الشيخ عبد القادر الجيلى (٢)
في الغنية: " واعلم أن لأهل البدع علامات يعرفون بها فعلامة أهل البدعة الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر بالحشوية، ويريدون إبطال الآثار، وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة، وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، وعلامة الرافضة تسميتهم أهل الأثر ناصبة، وكل ذلك عصبية وغياض لأهل السنة، ولا اسم لهم إ، اسم واحد وهو: أصحاب الحديث، ولا يلتصق بهم ما لقبهم به أهل البدع، كمالم يلتصق بالنبي - ﷺ - تسمية كفار مكة ساحرا وشاعرا ومجنونا ومفتونا وكاهنا، ولم يكن اسمه عند الله وعند ملائكته وعند إنسه وجنه ولسائر خلقه إلا رسولا نبيًا " (٣) .
٢- توسطهم بين الناس، وعدم الافراط أو التفريط، وهذا مبني على أن مذهبهم هو المذهب الوسط. وقد حرص السلف على أن يكونوا وسطا.
_________________
(١) الانتقاء لابن عبد البر (ص: ٣٥) .
(٢) أو الجيلاني، وهو الشيخ عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله الجيلي الحنبلي، وفي مقدمة الغنية في ترجمته (ص: ٣) عبد القادر بن موسى وكذا في الأعلام (٤/٤٧) - الطبعة الأخيرة-، ولد الشيخ عبد القادر سنة ٤٧٠ هـ، وتوفى سنة ٥٦١هـ. قال عنه الذهبى: " وفي الجملة: الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه"، وسماه في بداية الترجمة شيخ الاسلام وعلم الأولياء. سير أعلام النبلاء (٢٠/٤٣٩- ٤٥١)، وانظر الأنساب (٣/٤١٤)، ط لبنان والمنتظم (١٠/٢١٩)، وذيل طبقات الحنابلة (١/٢٩٠-٣٠١) ..
(٣) الغنية (١/٨٠) .
[ ٧٢ ]
في الأمور كلها وأن لا ينساق أحد منهم مع أحد القولين المتطرفين، ولذلك كان الشعبي (١) يقول: " أحب أهل بيت نبيك ولا تكن رافضيا، واعمل بالقرآن ولا تكن حروريا، واعلم أن ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، ولا تكن قدريا، وأطع الامام وإن كان عبدا حبشيا ولا تكن خارجيا، وقف عند الشهات ولا تكن مرجيا، وأحب صاع بنى هاشم ولا تكن خشبيا (٢)، وأحب من رأيته يعمل الخير وإن كان أخرم سنديا " (٣) .
٣- ثباتهم على منهجهم لقناعتهم أنه الحق، وعدم تقلبهم كما هي عادة أهل الأهواء، ولذلك روى عن عمر بن عبد العزيز﵀- أنه قال: " من جعل دينه غرضا للخصومات اكثر التنقل " (٤)، كما روى عن الامام مالك أنه قال: " كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد - ﷺ - لجدله " (٥)، وروى معن بن عيسى قال: " انصرف مالك بن أنس - ﵁ - يوما من المسجد وهو متكىء على يدي، فلحقه رجل يقال له أبو الحورية- كان يتهم بالإرجاء- فقال: يا عبد الله، اسمع منى شيئا أكلمك به وأحاجك، وأخبرك رأي، قال: فإن غلبتني؟ قال: إن غلبتك اتبعني. قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال نتبعه. قال مالك﵀- تعالى -: يا عبد الله، بعث الله ﷿ محمدا - ﷺ - بدين واحد، وأراك تنتقل
_________________
(١) هو: الامام المشهور: عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار، أبو عمرو الهمذاني الشعبى، روى له الجماعة. توفى سنة ٠٥ ١ هـ، وقيل غير ذلك. انظر: أخبار القضاة (٢/٤١٣-٤٢٨) والحلية (٤/ ٠ ٣١)، وسير أعلام النبلاء (٤/٢٩٤)، والوافي في الوفيات (١٦/٥٨٧) .
(٢) هم أتباع المختار بن أبي عبيد، من الشيعة، وهم من الكيسانية وغيرهم، وسموا بذلك لاستعمالهم العكاكيز في الحرب. انظر: مروج الذهب (٣/ ٣١٠)، منشورات الجامعة اللبنانية، وانظر فهارس هذا الكتاب (٦/٣٠٦) .
(٣) تهذيب تاريخ دمشق (٧/١٤٣) .
(٤) رواه الد ارمي، رقم (٣١٠) - باب من قال: العلم الخشية وتقوى الله، والآجري في الشريعة (ص: ٥٦)، والبغوى في شرح السنة (١ / ٢١٧)، ط المكتب الإسلامي، ورواه اللالكائي في شرح السنة، رقم (٢١٦) .
(٥) رواه اللالكائي في شرح السنة، رقم (٢٩٣-٢٩٤) .
[ ٧٣ ]
من دين إلى دين، قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات اكثر التنقل " (١) .
ولذلك ما أكثر تنقل أهل الأهواء، بخلاف السلف الذين عرفوا الحق فثبتوا عليه، وأهل الكلام " لو اعتصموا بالكتاب والسنة لا تفقوا كما اتفق أهل السنة والحديث، فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شىء من أصول دينهم " (٢) .
٤- اتفاقهم على أمور العقيدة، وعدم اختلافهم مع اختلاف الزمان والمكان، وهذا ما يمكن أن يسمى به الوحدة الفكرية عندهم " فأهل السنة في أي قرن من القرون، وفي أي مكان لو اختبرت الواحد منهم لوجدته يحمل من العقيدة والمنهج- مع القناعة التامة بذلك- مثل ما يحمله الآخر يقول قوام السنة الأصبهاني (٣): " ومما يدل على أن أهل الحديث هم أهل الحق انك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار - وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافا ولاتفرقا في شيء ما وإن قل. بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ " (٤) .وهذا وصف دقيق لوحدة أهل السنة وعدم تباين واختلاف أقوالهم مثل ما حدث ويحدث لمن عداهم من أهل الأهواء والابتداع.
_________________
(١) الشريعة للآجري (ص: ٥٦-٥٧) .
(٢) درء تعارض العقل والنقل (١٠/٣٠٦) .
(٣) هو: الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشى، التيمي الأصبهاني، (ويقال له: الجوزي، نسبة إلى الجوزة، وهي الفرخة في لغة العجم)، وبها نسبه تلميذه صاحب الأنساب، وذكر أنه كان يكرهها، لكنه قال: ولولا اشتهاره بها ما نسبته إليها، ويلقب بقوام السنة، ولد سنة: ٤٥٧ هـ وتوفى سنة: ٥٣٥ هـ. الأنساب (٣/٣٦٨)، وطبقات الشافعية للأسنوي (١/٣٥٩) وشذرات الذهب (٤/١٠٥)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٠)، والأعلام (١/٣٢٣) .
(٤) الحجة في بيان المحجة- مخطوط- ورقمة (١٦٤) ب.
[ ٧٤ ]
٥- ردهم على أهل البدع- في كل زمان- حسب البدع التي نشأت فيه، وهذا لأنهم حريصون أتم الحرص على سلامة العقيدة من أن يشوبها شيء من كدر الهوى والابتداع، فكل ما حدثت بدعة ردوا عليها وبينوا فسادها، وهكذا في البدع التي تليها. ولا يفتعلون افتراضات وشبهات ثم يقومون بالرد عليها كما يفعل أهل البدع، وإنما يحرصون على تربية الناس على العقيدة الصحيحة من الكتاب والسنة، ويبينون للناس ذلك ويشرحونه، حتى تمتلىء قلوبهم بعظمة الله، وبعظمة الوحي من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -. وما يترتب على هذه التربية من الاعتزاز بهذا الدين وبمذهب أهل السنة والجماعة، وأنه طريق النجاح والفلاح. أما مجادلة أهل البدع والرد عليهم فإنما يأتي عرضا حسب خطورة البدعة والخوف من انتشارها، فيردون عليها فقط ولا يتعدى ذلك إلى افتراض بدع أخرى ثم الرد عليها، حتى توجد هذه البدعة، ولذلك فمن الواضح من منهج السلف أنه " قد يبين بعضهم في بعض الأوقات ما لا يبينه غيره لحاجته في ذلك، فمن ابتلي بمن يقول: ليس هذا كلام الله كالامام أحمد كان كلامه في ذم من يقول: هذا مخلوق، أكثر من ذمه لمن يقول: لفظي مخلوق. ومن ابتلى بمن يجعل بعض بعض صفات العباد غير مخلوق، كالبخاري صاحب الصحيح، كان كلامه في ذم من يجعل ذلك غر مخلوق أكثر. مع نص أحمد والبخاري وغيرهما على خطأ الفريقين " (١) .
٦- حبهم لسنة الرسول - ﷺ -، وموالاتهم لأهلها، وهذه ميزة بارزة لأهل السنة كما؟ أن ضدها من الإعراض عن السنة وعدم الاهتمام بها، والازراء أحيانا بمن يفنون أعمارهم في روايتها ونقلها وتعليمها للناس- إحدى علامات أهل البدع الكبرى. رُوي عن البخاري أنه قال: " كنا ثلالة أو أربعة على باب علي بن عبد الله فقال: إني لأرجو أن تأويل هذا الحديث عن النبي - ﷺ -: "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم" (٢)،
_________________
(١) الجواب الصحيح (٣/١٠٣) .
(٢) سبق تخريجه (ص: ٣٥) .
[ ٧٥ ]
إني لأرجو أن تأويل هذا الحديث أنتم، لأن التجار قد شغلوا أنفسهم بالتجارات، وأهل الصنعة قد شغلوا أنفسهم بالصناعات، والملوك قد شغلوا أنفسهم بالمملكة، وأنتم تحبون سنة النبي - ﷺ - (١)، ويقول قتيبة بن سعيد (٢): " إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويهـ وذكر قوما آخرين- فإنه على السنة، ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع " (٣)، ويقول الشيخ أبو اسماعيل الصابوني: " وإحدى علامات أهل السنة حبهم لأئمة السنة وعلمائها وأنصارها وأوليائها، وبغضهم لأئمة البدع الذين يدعون إلى النار، ويدلون أصحابهم على دار البوار، وقد زين الله سبحانه قلوب أهل السنة ونورها بحب علماء السنة فضلا منه ﷻ " (٤) .
٧- قبولهم عند الناس والتمكين لهم، فهم العدول الذين تقبل أقوالهم ويحتج برواياتهم. ولو استعرضنا تاريخ الاسلام لوجدنا البارزين فيه كل عصر هم أهل السنة الذين قاموا بالحق ودعوا إليه، وجددوا ما اندرس من أمور الاسلام، وجاهدوا في الله حق جهاده بالنفس والمال والقلم واللسان. يقول إسحاق ابن موسى الخطمي (٥): ما مكن لأحد من هذه الأمة ما مكن لأصحاب الحديث لأن الله ﷿ قال في كتابه: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥] فالذي ارتضاه الله قد مكن لأهله فيه، ولم يمكن لأصحاب
_________________
(١) شرف أصحاب الحديث (ص: ٥٢) .
(٢) هو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طربف الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، ولد سنة ١٤٩ هـ، وتوفى سنة ٢٤٠ هـ. روى له الجماعة. سير أعلام النبلاء (١١/١٣)، والأنساب (٢/٢٥٧)، والتقريب (٢/١٢٣) .
(٣) شرف أصحاب الحديث (ص: ٧١-٧٢)، ورواهـ مع اختلاف يسير- الصابوني في عقيدة السلف (ص: ١٠٩)، واللالكائي في شرح السنة، رقم (٥٩) .
(٤) عقيدة السلف للصابوني (ص: ٠٨ ا-١٠٩) .
(٥) هو: اسحاق بن موسى الخطمي، أبو موسى المدينى، ثقة متقن من رجال مسلم وبعض أصحاب السنن، توفي سنة ٢٤٤ هـ، تهذيب الكمال للمزي (٢/٤٨٠) مطبوعة، وسير أعلام النبلاء (١٠/٥٥٤)، والتقريب (١/ ٦١) .
[ ٧٦ ]
الأهواء في أن يقبل منهم حديث واحد عن أصحاب النبي - ﷺ -. وأصحاب الحديث يقبل منهم حديث رسول الله - ﷺ - وحديث أصحابه. ثم ان كان فيهم رجل أحدث بدعة سقط حديثه وإن كان من أصدق الناس " (١» . وهذا على العموم، وإلا فقد روى بعض العلماء عن بعض أهل البدع بشروط دقيقة حددوها.
٨- حرصهم على تنشئة الشباب على السنة، لأن الشاب إذا نشأ على قراءة القرآن ومحبة السنة ومدارستها، وما ينشأ عن ذلك من مجالسة أصحابها والتعلم منهم- أحرى أن يكون معهم وأن يكون صاحب سنة، مبغضا للبدعة وأصحابها. قال عمرو ابن قيس الملائي (٢): " إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، وإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه فإن الشاب على أول نشوئه " (٣)، وقال عبد الله بن شوذب (٤): " إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها " (٥)، وروى عن أيوب [السختياني] (٦) أنه قال: " إن من سعادة الحدث والأعجمى أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة " (٧) .
_________________
(١) شرف أصحاب الحديث (ص: ٣٢) .
(٢) أبو عبد اللة الكوفي، ثقة متقن، عابد، مات سنة بعض وأربعين ومئة حددها بعضهم بسنة ١٤٦ هـ. تهذيب التهذيب (٨/٩٢)، والتقريب (٢/٧٢) .
(٣) الإبانة لابن بطة (الصغرى) (ص: ١٣٣) رقم (٩٢) .
(٤) هو: عبد الله بن شوذب الخراساني، أبو عبد الرحمن، صدوق عابد، ولد سنة ٨٦ هـ، وتوفي سنة ١٤٤ هـ، وقيل: ١٥٦ هـ. الحلية (٦/١٢٩)، سير أعلام النبلاء (٧/٩٢)، تهذيب الهذيب (٥/ ٢٥٥)، التقريب (١/٤٢٣) .
(٥) شرح السنة للالكائي رقم (٣١)، وانظر: الإبانة (الصغرى) (ص: ١٣٣) .
(٦) هو: أيوب بن أبي تميمة، كيسان السختياني، أبو بكر البصرى، ثقة، ثبت، حجة، من كبار الفقهاء والعباد، توفي سنة ١٣١ هـ. سير أعلام النبلاء (٦/١٥)، تهذيب المزي (٣/٤٥٧)، رقم الترجمة: ٠٧ ٦- مطبوعة-، وتهذيب التهذيب (١/٣٩٧) (١/٣٩٧)، والتقريب (١/٨٩) .
(٧) رواه اللالكائي، رقم: ٣٠، وابن الجوزى في تلبيس (ص: ٩)، الطبعة المنيرية.
[ ٧٧ ]
٩- الحرص على جماعة المسلمين ووحدتهم، فهم دائما يحضون على الوحدة وينبذون الفرقة والتفرق. وهذا واضح في منهج السلف! القائم على أن أي اتفاق بين المسلمين لا يكون إ، على أساس الرجوع إلى الكتاب والسنة، وتحكيمها، فهم أهل السنة والجماعة المجتمعون على الحق، الحريصون على حمع الناس على كلمة الحق.
[ ٧٨ ]