مُقَدمَات:
مُقَدّمَة المشرف على التَّحْقِيق:
إِن الْحَمد لله نحمده، ونستعينه، وَنَسْتَغْفِرهُ، ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا، من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، سيد الْأَوَّلين والآخرين، قدوتنا وإمامنا صلى الله وَسلم وَبَارك عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه وَأَتْبَاعه وأعوانه.
أما بعد:
فَإِن الله تَعَالَى تولى حفظ كِتَابه بِنَفسِهِ الْكَرِيمَة، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ وَلم يكل ذَلِك إِلَى غَيره، فَهُوَ مَحْفُوظ بحفط الله تَعَالَى.
وَحفظ الله تَعَالَى لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم حفظ لهَذَا الدَّين، الَّذِي أَصله وأساسه الْإِيمَان بِاللَّه وبربوبيته وأسمائه وَصِفَاته وأفعاله، وتوحيد الله وإخلاص الدَّين لَهُ، وَصرف الْعباد بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا لله، وَالْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر والبعث بعد الْمَوْت، والحساب وَالْجَزَاء وَالْجنَّة وَالنَّار، والايمان بِقدر الله خَيره وشره.
وَمن حفظ الله تَعَالَى لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم حفظه للسّنة المطهرة، فَإِن السّنة
[ ١ / ١ ]
الْوَحْي الثَّانِي.. ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ حَيْثُ أَمر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْكَرِيم بِالْأَخْذِ بِالسنةِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواُ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِين﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم﴾ .
فَالله تَعَالَى حفظ دينه بِحِفْظ كِتَابه وَسنة نبيه مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَهَيَّأَ الله الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وقيضهم ووفقهم وهداهم لنصر دين الله، فحفظوا كتاب الله وَسنة نبيه، وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله لإعلاء كلمة الله، ففتحوا الْبلدَانِ، وكسروا ملك كسْرَى، وَقصرُوا ملك قَيْصر، ثمَّ نزحوا إِلَى الْبِلَاد الْمَفْتُوحَة، وانتقلوا إِلَيْهَا فَعَلمُوا النَّاس دين الله، ونشروا الْإِسْلَام فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا، ثمَّ تَبِعَهُمْ على ذَلِك التابعون وأتباعهم، وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء، يحيون مَا اندثر من الْإِسْلَام، ويجدون لهَذِهِ الْأمة دينهَا، وينصرون النَّاس بِالْحَقِّ، ويردون الْبدع والشبه والضلالات، ويكشفون للنَّاس زيفها وزيغها ولبسها الْحق بِالْبَاطِلِ.
كَمَا قَالَ الإِمَام أَحْمد -﵀- فِي خطْبَة كِتَابه الرَّد على الْجَهْمِية والزنادقة: "الْحَمد لله الَّذِي جعل فِي كل زمَان فَتْرَة من الرُّسُل بقايا من أهل الْعلم، يدعونَ من ضل إِلَى الْهدى، ويصبرون مِنْهُم على الْأَذَى، يحيون بِكِتَاب الله الْمَوْتَى، ويبصرون بِنور الله أهل الْعَمى، فكم من قَتِيل لإبليس قد أحيوه، وَكم من ضال تائه قد هدوه، فَمَا أحسن أَثَرهم على
[ ١ / ٢ ]
النَّاس، وأقبح النَّاس عَلَيْهِم، ينفون عَن كتاب الله تَحْرِيف الغالين، وانتحال المبطلين، وَتَأْويل الْجَاهِلين، الَّذين عقدوا ألوية الْبدع، وأطلقوا عقال الْفِتْنَة، فهم مُخْتَلفُونَ فِي الْكتاب، مخالفون للْكتاب، مجمعون على مُقَارنَة الْكتاب، يَقُول على الله وَفِي الله وَفِي كتاب الله بِغَيْر علم، يَتَكَلَّمُونَ بالمتشابه من الْكَلَام، ويخدعون جهال النَّاس بِمَا يشبهون عَلَيْهِم، فنعوذ بِاللَّه من فتن الضَّالّين" ا. هـ.
وَمن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء الأفذاذ الَّذين حفظ الله بهم العقيدة السلفية المستمدة من الْكتاب وَالسّنة الإِمَام الْحَافِظ النَّاقِد، وَأحد الْأَعْلَام الثِّقَات الْأَثْبَات: أَبُو سعيد عُثْمَان بن سعيد التَّمِيمِي الدَّارمِيّ السجسْتانِي: من عُلَمَاء الْقرن الثَّالِث الهجري، قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: "كَانَ لهجًا بِالسنةِ بَصيرًا بالمناظرة جذعًا فِي أعين المبتدعة" ا. هـ.
وَكتابه هَذَا -الَّذِي بَين أَيْدِينَا- الْمُسَمّى: بِالرَّدِّ على بشر المريسي، أَو نَقْضُ الْإِمَامِ أَبِي سَعِيدٍ، عُثْمَانَ بن سعيد، على المريسي الجهمي العنيد، فِيمَا افترى عَلَى اللَّهِ ﷿ مَنْ التَّوْحِيد- يعْتَبر هَذَا الْكتاب بأجزائه الثَّلَاثَة من أهم الْكتب المصنفة فِي العقيدة على مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، فَهُوَ يسْتَدلّ بِالْآيَاتِ القرآنية، وبالأحاديث النَّبَوِيَّة، وبالآثار السلفية، وبالآدلة الْعَقْلِيَّة فِي بَيَان المعتقد الْحق، وَفِي رد شبه المبتدعة، ودحض أباطيلهم.
وَيعْتَبر هَذ الْكتاب من الْكتب الحديثية، بِالْإِضَافَة إِلَى بَيَان العقيدة السلفية، حَيْثُ إِن الْمُؤلف يروي الاحاديث والْآثَار بِالْأَسَانِيدِ.
وَهَذَا الْكتاب يرد فِيهِ الْمُؤلف على بشر المريسي، وعَلى ابْن الثَّلْجِي، وعَلى الْمعَارض الَّذِي ينْقل أَقْوَاله المبتدعة، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة جهمية،
[ ١ / ٣ ]
فالكتاب رد على الْجَهْمِية والمبتدعة، مثل كِتَابه الآخر: الرَّد على الْجَهْمِية، وَقد أثنى الْعلمَاء على هذَيْن الْكِتَابَيْنِ، ونقلوا عَنْهُمَا، واستشهدوا بِمَا فيهمَا، كَمَا قَالَ الْعَلامَة ابْن قيم الجوزية رَحمَه الله تَعَالَى: "كتابا الدَّارمِيّ: النَّقْض على بشر المريسي، وَالرَّدّ عَليّ الْجَهْمِية، من أجل الْكتب المصنفة فِي السّنة وعلومها، وَيَنْبَغِي لكل طَالب سنة مُرَاده الْوُقُوف على مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة والتابعون وَالْأَئِمَّة أَن يقْرَأ الْكِتَابَيْنِ كِتَابيه، وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ يُوصي بِهَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ أَشد الْوَصِيَّة، ويعظمهما جدًّا، وفيهَا من تَقْرِير التَّوْحِيد والأسماء وَالصِّفَات بِالْعقلِ وَالنَّقْل مَا لَيْسَ فِي غَيرهمَا" ا. هـ.
وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ ينْقل من هَذَا الْكتاب الصفحات فِي مؤلفات وردوده، كَمَا فِي كِتَابه الَّذِي لَا نَظِير لَهُ فِي بَاب: "اجْتِمَاع الْعقل وَالنَّقْل"، وكما نقل عَنهُ الْعَلامَة ابْن الْقيم فِي كِتَابه: "اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية على غَزْو المعطلة والجهمية"، وكما نقل غيرههما من أهل الْعلم.
وَقد قَامَ الباحث: الشَّيْخ الدكتور/ رشيد بن حسن بن مُحَمَّد الألمعي/ بتحقيق هَذَا الْكتاب تَحْقِيقا علميًّا، نَالَ بِهِ دَرَجَة علمية من كُلية أصُول الدَّين بالرياض التابعة لجامعة الإِمَام مُحَمَّد بن سعود الإسلامية.
وَقد بذل الباحث فِي هَذَا الْكتاب جهدًا يشْكر عَلَيْهِ، حَيْثُ حقق نَص الْكتاب، وَذَلِكَ بِمُقَابلَة مخطوطات الْكتاب ومطبوعاته، وعلق على من يحْتَاج إِلَى تَعْلِيق، وَترْجم للرواة والأعلام، ومعظمهم من رجال الْكتب السِّتَّة؛ لِأَن الْمُؤلف يروي الْأَحَادِيث بِالْأَسَانِيدِ- وَخرج الْأَحَادِيث،
[ ١ / ٤ ]
وَعَزاهَا إِلَى مصادرها، وَنقل حكم الْعلمَاء عَلَيْهَا، وَإِذا لم يجد حكما للْعُلَمَاء، فَإِنَّهُ يدرس السَّنَد والمتن، ويتبعه بالشواهد والمتابعات، ثمَّ على الحَدِيث بِبَيَان دَرَجَته بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْنَاده وَمَتنه، وَقَامَ بِوَضْع خَاتِمَة موجزة ضمنهَا بعض الاقتراحات والملحوظات، ثمَّ فِي النِّهَايَة ختم الْكتاب بفهارس عديدة.
وَهَذَا الْكتاب كتاب عَظِيم، وطلاب الْعلم بحاجة ماسة إِلَيْهِ، وَقد نفد من الْأَسْوَاق، وَكثر السُّؤَال عَنهُ من كثير من طلبة الْعلم، وَهُوَ الْآن بطبع لأوّل مرّة محققًا تَحْقِيقا علميًّا، فأسال الله أَن ينفع بِهِ، وَأَن يُبَارك فِي الجهود، وَأَن يَجْعَل الْأَعْمَال خَالِصَة لوجهه الْكَرِيم، وَأَن يرزقنا الْعلم النافع وَالْعَمَل الصَّالح، وَالْإِخْلَاص فِي الْعَمَل، والصدق فِي القَوْل، وَأَن يخْتم لنا بِخَير، وَأَن يجعلنا هداة مهتدين، إِنَّه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ، وَصلى الله وَسلم على عَبده وَرَسُوله نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَأَصْحَابه وَأَتْبَاعه بِإِحْسَان.
المشرف على تَحْقِيق الْكتاب
عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الراجحي
عُضْو هَيْئَة التدريس بجامعة الإِمَام مُحَمَّد بن سعود الإسلامية
١٩/ ٦/ ١٤١٨هـ
[ ١ / ٥ ]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
مُقَدّمَة الْكتاب:
وَإِن الْحَمد لله، نحمده، ونستعينه، وَنَسْتَغْفِرهُ ونستهديه، ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَبعد:
لقد كَانَ من فضل الله وتوفيقه أَن حظيت بِالْقبُولِ لمواصلة الدراسات الْعليا بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة فِي كُلية أصُول الدَّين وأنهيت المرحلة التمهيدية بنجاح وَللَّه الْحَمد، وَكَانَ عَليّ بعد هَذَا أَن أتقدم بمخطط لرسالة أستكمل بهَا الْجُزْء المتبقي من هَذِه المرحلة.
وجال فِي ذهني جملَة من الموضوعات الْمُخْتَلفَة الَّتِي تعالج جَوَانِب العقيدة والمذاهب المعاصرة لَعَلَّ من أبرزها "القبوريون عقيدتهم وَحكم الْإِسْلَام فيهم" فَلَقَد أردْت أَن أَقف من خلال هَذَا الْمَوْضُوع على ضلال هَذِه الطوائف وشبهاتهم وَمَا يتعلقون بِهِ من أَوْهَام، وَمَا يعتقدونه من خرافات ضَالَّة مَا زَالَت حَتَّى يَوْمنَا هَذَا فِي كثير من الْبلدَانِ الإسلامية.
كَمَا بدا لي أَن أطرق مَوْضُوع "الحكم بِغَيْر مَا أنزل الله"؛ لأقف على مدى مَا يتْركهُ هَذَا الْمنْهَج السائد فِي كثير من الدول الإسلامية وَغير الإسلامية من أثر سيئ. كَمَا جال فِي ذهني غير هَذَا وَذَاكَ مِمَّا لَهُ صلَة بالعقيدة والمذاهب المعاصرة.
[ ١ / ٧ ]
وتجولت فِي جنبات المكتبات الجامعية وَغير الجامعية، وتأملت كثيرا مَا المخطوطات الَّتِي تزخر بهَا جامعاتنا وَللَّه الْحَمد، ووقفت على عدد من الْمَشَايِخ الأفاضل فِي الجامعة وَدَار الْإِفْتَاء لاستشارتهم والإفادة من توجيهاتهم، وَكَانَ لرحابة الصَّدْر لَدَى كثير مِنْهُم أثر جلي أَجِدهُ فِي نَفسِي وَلَا أنساه.
وَمن جملَة مَا حظيت بِهِ من توجيهات وآراء عقدت الْعَزْم على أَن يكون مَوْضُوع رسالتي تَحْقِيقا لمخطوط أعيش من خلاله على جهد علم من أَعْلَام الْمُسلمين الجهابذة، وَهُوَ ينافح عَن معتقده وَدينه فِي مُوَاجهَة المبتدعة.
وَلَا شكّ أَن إحْيَاء التراث الإسلامي الَّذِي يتَضَمَّن الْفَهم الصَّحِيح للعقيدة الإسلامية ضَرُورَة ملحة وخاصة فِي وقتنا هَذَا الَّذِي نلمس فِيهِ -وَللَّه الْحَمد- معالم يقظة إسلامية فِي شَتَّى أنحاء الْبِلَاد الإسلامية.
وَعَلِيهِ فَلَا بُد لهَذِهِ الْأمة من مفاهيم سليمَة ومعالم صَحِيحَة فِي طَرِيق عودتها إِلَى الله تبين لَهَا الْمنْهَج السَّلِيم فِي فهم الأَصْل الَّذِي تنبي عَلَيْهِ جَمِيع الْأَعْمَال وَالْقَاعِدَة الأساسية لبِنَاء الْمُجْتَمع الإسلامي السَّلِيم أَلا وَهِي العقيدة الصَّحِيحَة.
وَنحن نعتقد اعتقادًا جَازِمًا أَن الْمنْهَج السَّلِيم والاعتقاد الصَّحِيح الَّذِي يجب أَن نقدمه للْأمة، هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من الِاعْتِقَاد الصَّحِيح المستمد من الْفَهم الصَّحِيح لكتاب الله وَسنة رَسُوله.
ونعتقد أَيْضا أَنه لم ينل هَذِه الْأمة مَا نالها إِلَّا نتيجة انحرافها وعدولها عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ سلف هَذِه الْأمة من طَهَارَة الْقلب ونقاء السريرة وَصفاء الِاعْتِقَاد.
[ ١ / ٨ ]
فَلَقَد كَانَ للمخلفات الوثنية والمناهج الفلسفية، وانضواء عدد من المغرضين الَّذين اندسوا فِي صُفُوف الْمُسلمين وَالْإِسْلَام مِنْهُم برَاء، كَانَ لهَذَا وَلغيره الْأَثر الْبَالِغ على الآمة الإسلامية مُنْذُ فجر التَّارِيخ الإسلامي.
وَقد قيض الله الْأمة على فترات من الزَّمن من أبنائها المخلصين من يذود عَن حمى الْإِسْلَام وحرماته جهادًا بِالسَّيْفِ والقلم وَاللِّسَان مُنْذُ فجر الْإِسْلَام إِلَى الْيَوْم وَإِلَى أَن تقوم السَّاعَة بِمَشِيئَة الله.
وَقد كَانَ الإِمَام عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارَمِيُّ -﵀- أحد هَؤُلَاءِ الأفذاذ الَّذين حفظ الله بهم عقيدة هَذِه الْأمة، وَكتابه هَذَا يعد فِي أَوَائِل المصنفات الَّتِي صنفت فِي بَيَان حَقِيقَة مَا كَانَ عَلَيْهِ سلف هَذِه الْأمة من سَلامَة الِاعْتِقَاد، مَعَ مَا اشْتَمَل من الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة الشَّرِيفَة وآثار السّلف مُضَافا إِلَيْهِ الا ستدالال الْعقلِيّ فِي رد شبه الْمُخَالفين لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة ودحض أباطيلهم، وَلِهَذَا كَانَ على قدر كَبِير من الأهمية والنفع اللَّذين شهد بهما لَهُ المنصفون.
وَقد وَقع اخْتِيَاري على هَذَا الْكتاب لأَقوم بتحقيقه وَالتَّعْلِيق عَلَيْهِ بأجزائه الثَّلَاثَة ليَكُون مَوْضُوعا لرسالتي لنيل دَرَجَة التخصص فِي العقيدة" الماجستير" فِي كُلية أصُول الدَّين بالرياض.
وَقد قسمت الْعَمَل فِي تَحْقِيق هَذَا الْكتاب إِلَى قسمَيْنِ:
الْقسم الأول: وَقد اشْتَمَل على بَابَيْنِ:
الْبَاب الأول: عرفت فِيهِ بالمؤلف وخصميه المريسي وَابْن الثَّلْجِي:
وَيَقَع فِي ثَلَاثَة فُصُول:
الْفَصْل الأول: عرفت فِيهِ بالمؤلف فِي مبحثين:
[ ١ / ٩ ]
المبحث الأول: عصره السياسي والعملي.
المبحث الثَّانِي: حَيَاته:
تناولت فِيهِ التَّعْرِيف باسم الْمُؤلف وكنيته، وَنسبه ومولده، وَطَلَبه للْعلم، وشيوخه، وتلاميذه، وَمَا نقل عَنهُ من الْفَوَائِد والغرائب، واعتزازه بمكانته فِي الْعلم، والعلوم الَّتِي برز فِيهَا، وثناء الْعلمَاء عَلَيْهِ، وموقفه من المبتدعة، ثمَّ وَفَاته، وآثاره.
الْفَصْل الثَّانِي: عرفت فِيهِ بالمريسي فِي مبحثين:
المبحث الأول: عصر المريسي السياسي والعلمي.
المبحث الثَّانِي: حَيَاته:
تناولت فِيهِ التَّعْرِيف باسمه، وَنسبه، وكنيته، ومولده، ونشأته، وَصفته، وَطَلَبه للْعلم، وشيوخه، ومناظراته، وعقيدته، وموقف الْعلمَاء مِنْهُ، ووفاته واستبشار النَّاس بِمَوْتِهِ، وآثاره،
الْفَصْل الثَّالِث: عرفت فِيهِ بِابْن الثَّلْجِي فِي مبحثين:
المبحث الأول: عصر ابْن الثَّلْجِي السياسي والعملي.
المبحث الثَّانِي: حَيَاته:
وتناولت فِيهِ التَّعْرِيف باسمه، وكنيته، وَنسبه، ومولده، وَطَلَبه للْعلم وشيوخه، وتلاميذه، وَبَعض مَا نسب إِلَيْهِ من الرِّوَايَات، وعقيدته، وموقفه من الْعلمَاء، ثمَّ فَاتَهُ وآثاره.
الْبَاب الثَّانِي: عرفت فِيهِ بِالْكتاب المخطوطة فِي فصلين:
الْفَصْل الأول: التَّعْرِيف بِالْكتاب:
[ ١ / ١٠ ]
وَقد تضمن: اسْم الْكتاب، ونسبته إِلَى الْمُؤلف، وموضوعه، وَسبب التَّأْلِيف، وتاريخ تأليفه، ومنهج الْمُؤلف فِي هَذَا الْكتاب، وَقِيمَته العلمية.
الْفَصْل الثَّانِي: التَّعْرِيف بالمخطوطة:
ويتضمن: عدد نسخ المخطوطة، والتعريف بالنسخ، وتاريخ النّسخ وَالنُّسْخَة الأَصْل وَسبب اخْتِيَارهَا، والسماعات على النّسخ، ونماذج من المخطوطات.
الْقسم الثَّانِي: "الْكتاب محققًا".
والمنهج الَّذِي اتبعته فِي تَحْقِيقه وَالتَّعْلِيق عَلَيْهِ مَا يَلِي:
١- عزو الْآيَات إِلَى موَاضعهَا فِي كتاب الله الْكَرِيم.
٢- تَخْرِيج الْأَحَادِيث والْآثَار:
فقد أورد الْمُؤلف كثيرا مِنْهُ فِي كِتَابه هَذَا بأسانيدها، وَلم يذكر مخرجيها مِمَّا اضطرني إِلَى الْبَحْث عَنْهَا فِي مظان وجودهَا وَقد وقفت على أَكْثَرهَا وَللَّه الْحَمد وَاتَّبَعت فِي تخريخها وَالْحكم عَلَيْهَا مَا يَلِي:
أ- إِذا كَانَ الحَدِيث مخرجا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا اكتفيت بالعزو إِلَيْهِ فِي مَكَان وجوده مُبينًا اللَّفْظ الَّذِي ورد بِهِ إِن كَانَ فِيهِ اخْتِلَاف وَلَا أطيل بعد هَذَا فِي الْإِشَارَة إِلَى أَمَاكِن وجوده فِي غَيرهمَا.
ب- إِذا كَانَ فِي غَيرهمَا فِي كتب الصِّحَاح وَالْمَسَانِيد والجوامع والمستدركات وَنَحْوهَا، فَإِنِّي أُشير إِلَى مَكَان وجوده فِيهَا مستفيدًا من ذكر الحكم عَلَيْهِ من بعض الْمُحدثين كالترمذي وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا.
[ ١ / ١١ ]
ج- إِذا لم أَقف لأحد من الْمُحدثين على حكم الحَدِيث أَو الْأَثر فَإِنِّي أبين دَرَجَته بِالنّظرِ إِلَى إِسْنَاده وَمَتنه، ثمَّ أتبعه بِمَا أَقف عَلَيْهِ من الشواهد والمتابعات الَّتِي تعضده وتقوي مَعْنَاهُ إِن وجدت.
٣- شرح الْكَلِمَات الغريبة وَبَيَان مدلولاتها من خلال كتب اللُّغَة.
٤- التَّعْرِيف بالأماكن والبلدان الْوَارِدَة فِي الْكتاب.
٥- تَرْجَمَة الْأَعْلَام.
فقد أورد الْمُؤلف فِي كِتَابه هَذَا مئات الْأَشْخَاص ترجمت للكثرة الكاثرة مِنْهُم، وَلم يفتني إِلَّا النزر الْيَسِير جدًّا، وَلَا أَدعِي أَنِّي قد أصبت فِي كل الَّذين ترجمت لَهُم وحسبي أَنِّي بذلت الْجهد فِي ذَلِك.
وَلما كَانَ مُعظم المترجم لَهُم فِي هَذَا الْكتاب فِي تعريفهم عَمَدت إِلَى تقريب السِّتَّة، وَكنت بحاجة إِلَى الِاخْتِصَار فِي تعريفهم عَمَدت إِلَى تقريب التَّهْذِيب لِابْنِ حجر كمصدر أساسي للتَّرْجَمَة، إِذْ هُوَ من أَجود المختصرات النافعة فِي تراجم الرِّجَال خَاصَّة، وَهُوَ يُعْطي المراجع عصارة الْأَقْوَال فِي الشَّخْص المترجم لَهُ من حَيْثُ الْجرْح وَالتَّعْدِيل.
وَقد سرت على الِاصْطِلَاح الَّذِي اتبعهُ ابْن حجر فِي كِتَابه التَّقْرِيب من اسْتِعْمَال الرموز الدَّالَّة على الْأَلْفَاظ، وَهِي:
"خَ" للْبُخَارِيّ، فَإِن كَانَ الحَدِيث عِنْده مُعَلّقا"خت"، وللبخاري فِي الْأَدَب الْمُفْرد"بخ"، وَفِي خلق أَفعَال الْعباد"عخ" وَفِي جُزْء الْقِرَاءَة "ز"، فِي رفع الْيَدَيْنِ "ي"، وَلمُسلم "م"، وَلأبي دَاوُد "د"، وَفِي الْمَرَاسِيل "مد"، وَفِي فَضَائِل الْأَنْصَار "صد" وَفِي النَّاسِخ "خد"، وَفِي الْقدر
[ ١ / ١٢ ]
"قد"، وَفِي التفرد "ف"، وَفِي الْمسَائِل "ل"، وَفِي مُسْند مَالك "كد"، وللترمذي "ت"، وَفِي الشَّمَائِل لَهُ "تمّ"، وللنسائي "س"، وَفِي مُسْند عَليّ لَهُ "عس" وَفِي التَّفْسِير لَهُ "فق ".
كَمَا أَنه اسْتعْمل الرَّمْز "ع"‘ إِذا أخرج لَهُ أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة، وَالرَّمْز "ع" إِذا أخرج لَهُ الْأَرْبَعَة، وَلما كَانَ هَذَا الرَّمْز كِتَابَته بالآلة الكاتبة فقد صرحت فِيهِ بِذكر لفظ "الْأَرْبَعَة".
ثمَّ قَالَ: وَمن لَيست لَهُ عِنْدهم رِوَايَة مرقوم عَلَيْهِ "تَمْيِيز".
كَمَا أَنه سَار فِي الطَّبَقَات على اعْتِبَار أَن من كَانَ من الأولى وَالثَّانيَِة فهم قبل الْمِائَة، وَإِن كَانَ من الثَّالِثَة إِلَى آخر الثَّامِنَة فهم بعد الْمِائَة، وَإِن كَانَ من التَّاسِعَة إِلَى آخر الطَّبَقَات فهم بعد الْمِائَتَيْنِ وَمن ندر عَن ذَلِك بَينه.
وَقد سرت فِي تَحْدِيد الْوَفَاة لأغلب التراجم على اصْطِلَاح ابْن حجر هَذَا وَرُبمَا أثبت أَحْيَانًا سنة الْوَفَاة حسب مَدْلُول الِاصْطِلَاح.
وَلم أقتصر على تقريب ابْن حجر، فكثيرًا مَا أستعين بالمطولات فِي بَابه وبغيرها من كتب التراجم الْمُخْتَلفَة.
وَإِذا ترجمت لشخص أَو عرفت براو، وتكرر اسْمه مرّة أخري، أَشرت إِلَى مَوضِع تَقْدِيمه فِي الْكتاب.
٦- تناولت بالتعريف الْملَل والنحل وَالْفرق والأديان الَّتِي وَردت فِي الْكتاب.
٧- الْمُقَابلَة: وَاتَّبَعت فِيهَا مَا يَلِي:
أ- اعتمدت إِحْدَى النّسخ أصلا وَذكرت الفروق الَّتِي فِي النّسخ
[ ١ / ١٣ ]
الْأُخْرَى فِي الْحَاشِيَة، وَإِذا كَانَ مَا فِي النّسخ الْأُخْرَى هُوَ الْأَقْرَب للصَّوَاب أَو بِهِ يَتَّضِح الْمَعْنى ذكرت ذَلِك.
ب- إِذا كَانَ مَا فِي الأَصْل مِمَّا لَا يحْتَمل الصَّوَاب كَمَا لَو كَانَ خطأ فِي أَيَّة قرآنية أَو خطأ نحويًّا أَو نَحْو ذَلِك، فَإِنِّي أثبت الصَّوَاب وأشير إِلَى خطأ نُسْخَة الأَصْل فِي الْحَاشِيَة، وَإِن كَانَ مِمَّا يحْتَمل التَّوْجِيه أثْبته فِي الأَصْل وَذكرت تَوْجِيه ذَلِك فِي الْحَاشِيَة، وَقد أترك التَّوْجِيه فِي بعض الفروق لفظته الْقَارئ.
ج- عمد نَاسخ الأَصْل إِلَى اصْطِلَاحَات الْخط الْقَدِيم فِي كِتَابَته فَهُوَ يغْفل الْهمزَة فِي نَحْو لفظ الرُّؤْيَة وَقَائِل وَشَيْء وَنَحْو ذَلِك، وَيتْرك ألف الْمَدّ فِي نَحْو مُعَاوِيَة وَإِسْحَاق، وَيتْرك الإعجام لبَعض الْحُرُوف الْمُعْجَمَة إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يعرف مُرَاده بِهِ خلال السِّيَاق وَتَأمل النّسخ الْأُخْرَى، وَكتب التراجم، وَقد طوعت الْخط الْقَدِيم الَّذِي كتبه نَاسخ الأَصْل إِلَى اصْطِلَاحَات الْإِمْلَاء الحديثة من غير أَن أذكر فروق الأَصْل لِئَلَّا تطول بذلك الْحَوَاشِي.
٨- قُمْت بِوَضْع خَاتِمَة موجزة ضمنتها بعض الاقتراحات والملاحظات.
٩- قُمْت بِعَمَل فهارس اشْتَمَلت على مَا يَلِي:
أ- فهرس الْآيَات القرآنية.
ب- فهرس الْأَحَادِيث والْآثَار.
ج- فهرس الْفرق والأديان.
د- فهرس الْكَلِمَات الغريبة.
[ ١ / ١٤ ]
هـ- فهرس المصطلحات.
وفهرس الْأَشْعَار والأمثال، والقبائل، والبلدان واللغات وَنَحْوهَا.
ز- فهرس أَسمَاء الْكتب.
ح- فهرس الْأَعْلَام.
ط- فهرس المراجع.
ي- فهرس الموضوعات.
وَبعد: فَالْحق أَن مثلي يقصر بَاعه دون الْوُصُول إِلَى مَا يتطلع إِلَيْهِ ذَوُو النهم العلمي وَأَصْحَاب الهمم الْعَالِيَة، وحسبي أَنِّي قد بذلت الْجهد فَإِن أصبت فَمن الله، وَإِن أَخْطَأت فَمن نَفسِي وَمن الشَّيْطَان، وَالله وَرَسُوله بريئان مِنْهُ.
وَلَعَلَّ من أبرز مَا واجهته من صعوبات حصولي على النُّسْخَة المخطوطة الَّتِي اعْتمد عَلَيْهَا الشَّيْخ مُحَمَّد حَامِد الفقي فِي طبعه لهَذَا الْكتاب، وأحسب أَنَّهَا ضمن ممتلكات أحفاده فِي مصر، وَكنت قد بذلت مَا أمكنني للحصول عَلَيْهَا من بعض أحفاده واستعنت بِبَعْض من لَهُم بهم وجاهة وصلَة، إِلَّا أَن ذَلِك لم يجد بِشَيْء، وَقد أغناني عَن الْمَزِيد من الاستجداء أَن المطبوعة الَّتِي قَامَ بطبعها حَامِد الفقي مُقَابلَة عَلَيْهَا فاكتفيت بهَا مستعينًا بطبعة أُخْرَى قَامَ بطبعها ضمن مَجْمُوع عقائد السّلف كل من الأستاذين عَليّ سامي النشار وعمار الطَّالِبِيُّ.
كَمَا أَن من الصعوبات الَّتِي واجهتها هُوَ ذَلِك الْجهد الَّذِي كنت أبذله.
[ ١ / ١٥ ]
للحصول على تَرْجَمَة علم الْتبس عليّ، أَو أثر لم أَقف على من ذكره.
وَهَذَانِ الْأَمر من أظهر العقبات الَّتِي كَانَت تواجهني، وَكم كنت أسر عِنْدَمَا أظفر بِحَدِيث أَو أثر طَال بحثي عَنهُ، أَو تميز لي علم عَن غَيره مِمَّا يلتبس كثيرا على من بَاعه قصير مثلي فِي علم الرِّجَال.
وَلَقَد كَانَ لشيخي الْفَاضِل عبد الْعَزِيز الراجحي -بعد الله- أكبر الْأَثر فِي تذليل مَا واجهني من صعوبات، أفدت كثيرا من ثاقب رَأْيه، وَحسن درايته، وسديد توجيهات، مَعَ حرصه على الْوَقْت أَن يذهب سدى، فجزاه الله عني خير الْجَزَاء، وأجزل لَهُ المثوبة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِنَّه تَعَالَى سميع مُجيب.
كَمَا أتقدم بالشكر الجزيل لجامعة الإِمَام مُحَمَّد بن سعود الإسلامية ممثلة فِي كُلية أصُول الدَّين، على إتاحة هَذِه الفرصة لي، سَائِلًا الله تَعَالَى أَن يَجْعَل عَمَلي هَذَا خَالِصا لوجهه الْكَرِيم، إِنَّه تَعَالَى سميع قريب مُجيب، وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين وَصلى الله وَسلم على نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أجميعن.
[ ١ / ١٦ ]
الْقسم الأول:
الْبَاب الأول: التَّعْرِيف بالمؤلف والمريسي وَابْن الثَّلْجِي
الْفَصْل الأول: التَّعْرِيف بالدارمي
المبحث الأول: عصره السياسي والعلمي
أَولا: عصره السياسي:
عَاشَ الدَّارمِيّ -﵀- فِي الفترة مَا بَين بداية خلَافَة الْمَأْمُون إِلَى بداية خلَافَة المعتضد بِاللَّه، وسأتناول على سَبِيل الإيجاز جملَة من الْحَوَادِث السياسية، الَّتِى حدثت فِي هَذِه الفترة مبتدئًا بخلافة الْمَأْمُون.
١- الْمَأْمُون "١٩٨-٢١٨":
وَفِي عَهده واجه بعض الصعوبات، كَانَ من أبرزها اسْتِقْلَال الدولة الزيادية عَن الْخلَافَة العباسية، كَمَا قَامَ الزط بمناوأة السلطة مستفيدين من الْفِتْنَة الَّتِي قَامَت بَين الْأمين والمأمون، وَقَامَ أَبُو السَّرَايَا فِي الْكُوفَة سنة ١٩٩ بالدعوة لأحد العلويين، وقاد مؤيديه ضد وَالِي الْعرَاق الْحسن بن سهل، وأوقع بِهِ الْهَزِيمَة.
وَقَامَت فِي عَهده فتْنَة القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَأَرَادَ حمل النَّاس على القَوْل بذلك متأثرًا بخلصائه وأصفيائه من الْمُعْتَزلَة، إِلَى أَن توفّي بِبِلَاد بيزنطة فِي آخر غَزَوَاته سنة ٢١٨ موصيًا بالخلافة من بعده للمعتصم١.
٢- المعتصم "٢١٨-٢٢٧":
ولي الْخلَافَة بعد أَخِيه الْمَأْمُون، وَكَانَ من أبرز المشكلات الَّتِي واجهت
_________________
(١) ١ انْظُر: الطَّبَرِيّ: تَارِيخ الْأُمَم والمملوك "٨/ ٥٢٧-٦٦٦"، د. أَحْمد رَمَضَان فِي حضارة الدولة العباسية ص"٢٩-٣٢".
[ ١ / ٢١ ]
المعتصم فتْنَة الزط سبق ذكرهم، حَيْثُ استولوا على الْبَصْرَة وفرضوا المكوس الجائرة على السفن مِمَّا تسبب فِي منع وُصُول الأقوات والمؤن إِلَيّ بَغْدَاد، كَمَا تمّ فِي عهد محاربة ثورات بابك الخرمي وَمَا زيار والأفشين وَأسسَ مَدِينَة سامر. وَلَعَلَّ من أبرز الْأَحْدَاث فِي عصره فتح عمورية الْمَشْهُورَة، إِلَّا أَن من أظهر السلبيات الَّتِي وَقعت فِي عَهده هِيَ أَنه كَانَ يدني الْمُعْتَزلَة وينتصر لآرائهم١.
٣- الواثق "٢٢٧-٢٣٢":
ولي الْخلَافَة بعد وَالِده، وَلم تدم أَكثر من سِتّ سنوات فِيهَا سيرة وَالِده من الِانْتِصَار للمعتزلة، وتشدد فِي فرض آرائه مِمَّا أثار أهل بَغْدَاد عَلَيْهِ، كَمَا لَا حَظّ المؤرخون فِي عَهده الضعْف الَّذِي شَاب السياسة الإدارية إِلَى أَن توفّي سنة ٢٣٢ ٢.
٤- المتَوَكل على الله "٢٣٢-٢٤٧":
وَهُوَ أَخُو الواثق، تولى الْخلَافَة بعده ولقب بالمتوكل على الله، وَكَانَت خِلَافَته بداية لما يُسمى بعصر نُفُوذ الأتراك، وَكَانَ فِي أول أمره يدني مِنْهُ أَحْمد بن أبي دؤاد المعتزلي حَتَّى جعله كَبِير الْقُضَاة، وَفِي سنة ٢٣٧ غضب عَلَيْهِ وَقبض ضيَاعه وأمواله وحبسه، وَفِي عَهده أَمر بترك الجدل الَّذِي أثير فِي عهد الْمَأْمُون والمعتصم، وَكتب بذلك إِلَى الْأَمْصَار الإسلامية مِمَّا كَانَ لَهُ أكبر الْأَثر فِي نفوس الْمُسلمين، وَحدث فِي عَهده
_________________
(١) ١ انْظُر: تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٨/ ٦٦٧-٩/ ١٢٣"، حضارة الدولة العباسبة "٣٢-٣٣". ٢ تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٩/ ١٢٣-١٥٤"، حضارة العباسية "٣٤".
[ ١ / ٢٢ ]
مجاعات شَدِيدَة إِثْر عواصف شملت بَغْدَاد وَالْبَصْرَة والكوفة وَغَيرهَا، وأغار الرّوم على دمياط ثمَّ آسيا فغزوا قيلقيا، واغتيل سنة ٢٤٧ وَيُقَال: إِن ذَلِك كَانَ بتدبير من ابْنه والأتراك١.
٥- الْمُنْتَصر بِاللَّه "٢٤٧-٢٤٨":
تولى الْخلَافَة بعد أَبِيه فبادر بخلع أَخَوَيْهِ المعتز والمؤيد من ولَايَة الْعَهْد، وَمَال إِلَى العلويين وسمح لَهُم بزيارة قبر الْحُسَيْن، وَأدنى مِنْهُ الأتراك ثمَّ مَا لبث أَن قلب لَهُم ظهر الْمِجَن، فأرادو قَتله فتآمروا مَعَ طبيبه على قَتله بالسم وَكَانَ ذَلِك، فَمَاتَ سنة ٢٤٨ وعمره ٢٦ عَاما٢.
٦- المستعين بِاللَّه "٢٤٨-٢٥٢":
اجْتمع رَأْي التّرْك على تَوْلِيَة الْخلَافَة لِأَحْمَد بن مُحَمَّد بن المعتصم، وَكَانَ يبلغ من الْعُمر ٢٨ عَاما، ولقبوه بالمستعين بِاللَّه، وَلَعَلَّ ذَلِك رَاجع إِلَى اطمئنانهم إِلَيْهِ ففضلوه على أَبنَاء المتَوَكل إِلَّا أَنه أَرَادَ أَن يتَخَلَّص مِنْهُم، فَلَمَّا شعروا بذلك انقسموا إِلَى حزبين: حزب اتجه إِلَى بَغْدَاد وَأما الآخر فَأَرَادَ العودة إِلَى سامرا إِلَّا أَنه رفض فَقَامَ الَّذين عارضوه بخلعه وتولية ابْن عَمه المعتز بن المتَوَكل.
وَقَامَت الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ واستمرت عدَّة أشهر وانتهت بانتصار المعارضين للمستعين الْمَعْزُول، فَأخْرج إِلَى وَاسِط ثمَّ مَا لبث أَن قتل سنة
_________________
(١) ١ تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٩/ ١٥٤-٢٣٤"، الْكَامِل لِابْنِ الْأَثِير "٧/ ٥٩"، حضارة الدولة العباسية "٦٣-٦٤". ٢ تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٩/ ٢٣٤-٢٣٩"، حضارة الدولة العباسية "٦٤".
[ ١ / ٢٣ ]
٢٥٢ ١.
٧- المعتز بِاللَّه "٢٥٢-٢٥٥":
وَكَانَت فَتْرَة حكمه محكمَة الْقَبْض بأيدي الأتراك، يعزلون من يُرِيدُونَ ويصنعون مَا شَاءُوا، وَكَانَ متخوفًا مِنْهُم لَا يَأْمَن جانبهم، وَيذكر أَن جمَاعَة مِنْهُم دخلُوا عَلَيْهِ فِي حجرته، فضربوه بالدبابيس وعلقوه فِي الشَّمْس وَأشْهدُوا على خلعه وَأَعْطوهُ الْعَهْد والأمان، ثمَّ مَا لَبِثُوا أَن قَتَلُوهُ صبرا سنة ٢٥٥ ٢.
٨- الْمُهْتَدي بن الواثق "٢٥٥-٢٥٦":
تولى بعد مقتل أَخِيه وأبى أهل بَغْدَاد مبايعته وَقَامُوا ضِدّه إِلَّا أَنه اسْتَطَاعَ أَن يهدئ ثائرتهم إِلَى أَن بَايعُوهُ. كَمَا ثار فِي عَهده الْجند لتأخر عطائهم، وثار العلويون فِي أنحاء مُخْتَلفَة من الْخلَافَة، إِلَّا أَن أخطر الثورات فِي عَهده كَانَت ثورة الزنج، وَالَّتِي بدأت فِي عَهده واستمرت زهاء أَرْبَعَة عشر عَاما، ثمَّ مَا لبث أَن أسر ثمَّ خلع، ثمَّ عذب حتي مَاتَ سنة ٢٥٦ ٣.
_________________
(١) ١ تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٩/ ٢٥٦-٣٥٤"، حضارة الدولة العباسية "٦٤-٦٥". ٢ تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٩/ ٣٤٨-٣٩٠"، حضارة الدولة العباسية "٦٥"، الْكَامِل فِي التَّارِيخ "٧/ ٦٨-٦٩". ٣ تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٩/ ٣٩٢-٤٦٩"، السُّيُوطِيّ فِي تَارِيخ الْخُلَفَاء "٣٦١-٣٦٢"، حضارة الدولة العباسية "٦٥-٦٦".
[ ١ / ٢٤ ]
٩- الْمُعْتَمد على الله "٢٥٦-٢٧٩":
تولى الْخلَافَة بعد أَن أخرج فِي القلعة وَذَلِكَ سنة ٢٥٦، وَفِي عَهده شهِدت الدولة أحداثًا هَامة من أبرزها:
أ- ثورة الزنج.
ب- قيام طَائِفَة شِيعِيَّة جَدِيدَة هِيَ الشِّيعَة الاثنا عشرِيَّة.
كَمَا ظَهرت شخصية مُوسَى بن بغا على مسرح الْأَحْدَاث فِي التَّارِيخ العباسي، وَكَذَلِكَ كَانَ لشخصية أَحْمد بن طولون وَالِي مصر أَثَرهَا الْبَالِغ أَيْضا فِي هَذَا الْعَصْر١.
١٠- المعتضد بِاللَّه "٢٧٩-٢٨٩":
تولى الْخلَافَة بعد الْمُعْتَمد على الله حكمه بالميل إِلَى العلويين، وَكثر فِي عَهده الخارجون على الْخلَافَة، فَقَامَ عَمْرو بن اللَّيْث الصفار أحد زعماء الصفارية وَاسْتولى على كثير من بِلَاد الْفرس، كَمَا ظهر القرامطة بقيادة حمدَان قرمط فِي الْكُوفَة، وَفِي الْبَحْرين على يَد أبي سعيد الجنابي، كَمَا نشر ابْن حَوْشَب فِي الْيمن الدعْوَة للمهدي، وَأَبُو عبد الله الشيعي صَاحب الدعْوَة الفاطمية فِي الْمغرب، كَمَا منع فِي عَهده بيع كتب الفلسفة، وَمنع الْقصاص والمنجمين من الْجُلُوس فِي الطرقات اتقاء الْفِتْنَة والبلبلة فِي أوساط الْعَامَّة٢.
_________________
(١) ١ تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٩/ ٤٧٤-١٠/ ٢٩"، حضارة الدولة العباسية "٦٦-٦٨". ٢ تَارِيخ الطَّبَرِيّ "١٠/ ٣٠-٨٦"، حضارة الدولة العباسية "٦٨".
[ ١ / ٢٥ ]
ثَانِيًا: عصره العلمي:
عني الْإِسْلَام بِالْعلمِ ودعا إِلَيْهِ وحث على طلبه وَفِي ذَلِك أنزلت آيَات صَرِيحَة، تَدْعُو إِلَى التَّعَلُّم والتفكر والتدبر فِي ملكوت الله وآياته، وَفِي الْعَصْر العباسي حدث ازدهار ملموس فِي حَيَاة الْمُجْتَمع الإسلامي فِي النواحي العلمية والفكرية، وبرزت الْعِنَايَة باللغة الْعَرَبيَّة وفروعها الْمُخْتَلفَة واتجهت الْعِنَايَة بِصفة خَاصَّة إِلَى السّنة النَّبَوِيَّة دراسة وتدوينًا، وبرز فِي عُلُوم الحَدِيث رجال أَمْثَال: البُخَارِيّ، وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، كَمَا ظهر أَصْحَاب الْمذَاهب الْأَرْبَعَة: أَبُو حنيفَة وَمَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد بن حَنْبَل، وحظت السِّيرَة النَّبَوِيَّة بعناية المؤرخين الْمُسلمين واشتهر فِي مجَال التَّارِيخ كثير من الْمُسلمين من: ابْن سعد وَعبد الْملك بن هِشَام والطبري وَغَيرهم.
وَلم تقف عناية الْمُسلمين على حد الْعُلُوم الدِّينِيَّة واللغوية بل امتدت إِلَى أفرع الْعلم من فلك وطب وهندسة ورياضيات وَغَيرهَا.
وانتشرت دور الْعلم وخزائن الْحِكْمَة فِي عواصم الأقاليم الإسلامية، وَلَعَلَّ أول بَيت للحمكة عرفه الْمُسلمُونَ هُوَ بَيت الحكمه الَّذِي أسسه العباسيون فِي بَغْدَاد وازدهر بِصفة خَاصَّة فِي زمن الْمَأْمُون. وَفِي عهد المتَوَكل أنشئت خزانَة الْحِكْمَة، وَكَانَ الَّذِي انشأها الْفَتْح بن خاقَان وَزِير الْخَلِيفَة المتَوَكل.
وانتشرت دور الْكتب الْعَامَّة مِنْهَا والخاصة، وَكَانَت عامرة بالكتب فِي فروع الْعلم الْمُخْتَلفَة، وَبلغ عدد الْكتب فِي بَعْضهَا أَكثر من "مليون" كتاب، وَإِلَى جَانب هَذَا انتشرت محَال الوراقة وتجويد الْخط كمراكز
[ ١ / ٢٦ ]
للْعلم والثقافة، وَقد أحصى اليعقوبي فِي بَغْدَاد ٢٧٨هـ أَكثر من مائَة من محَال الوراقة١.
وَلَقَد كَانَ من أبرز السلبيات اتساع دَائِرَة التَّرْجَمَة فِي هَذَا الْعَصْر وخاصة فِي عصر الْمَأْمُون، فقد كَانَ مُولَعا بالعلوم والفلسفة وَترْجم فِي عَهده كثير من الْعُلُوم الفارسية واليونانية وَغَيرهَا، وطالعها النَّاس فتأثر بهَا من تأثر، وَفِي ذَلِك يَقُول الشهرستاني: "ثمَّ طالع بعد ذَلِك شُيُوخ الْمُعْتَزلَة كتب الفلاسفة حِين نشرت أَيَّام الْمَأْمُون، فخلطت مناهجها بمناهج الْكَلَام وأفردتها فنًّا من فنون الْعلم وسمتها باسم الْكَلَام"٢.
كَمَا ظهر من بعض الْخُلَفَاء العباسيين التأثر الشَّديد بآراء الْمُعْتَزلَة، فاستعانوا بهم وناصروهم، وَحَتَّى إِن ابْن أبي دؤاد المعتزلي كَانَ من كبار قُضَاة المعتصم والواثق، كَمَا أَن من أبرز السلبيات الَّتِي مني بهَا هَذَا الْعَصْر هُوَ مَا حدث من فتْنَة القَوْل بِخلق الْقُرْآن، حَيْثُ أَرَادَ الْمَأْمُون حمل النَّاس على القَوْل بِهَذِهِ الْمقَالة كَمَا يَقُول أَصْحَابه الْمُعْتَزلَة الَّذين اخْتَار مِنْهُم وزراءه وقضاته وخلصاءه وَأكْرمهمْ أبلغ الْإِكْرَام.
وَفِي سنة ٢١٨ بدا لَهُ أَن يَدْعُو النَّاس بِقُوَّة السُّلْطَان إِلَى اعتناق القَوْل بِخلق الْقُرْآن قهرا، وابتدأ ذَلِك بإرسال كتبه وَهُوَ بالرقة إِلَى إِسْحَاق ين إِبْرَاهِيم نَائِبه فِي بَغْدَاد بامتحان الْفُقَهَاء والمحدثين وليحملهم على أَن
_________________
(١) ١ بِتَصَرُّف من دراسات فِي الحضارة الإسلامية/ د. حسن الباشا/ الصفحات "٨٣، ٨٥، ٨٧، ٩٩، ١٠٠" وَانْظُر: اليعقوبي فِي الْبلدَانِ "ص١٣". ٢ الْملَل والنحل/ تَحْقِيق مُحَمَّد كيلاني/ ١/ ٣٠.
[ ١ / ٢٧ ]
يَقُولُوا: إِن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَكَانَ فِي مُقَدّمَة من ابْتُلِيَ بذلك الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ وَمُحَمّد بن نوح، حَيْثُ سيقا مكبلين بالحديد إِلَى طرطوس للقاء الْمَأْمُون، فَتوفي ابْن نوح فِي الطَّرِيق، ووافت الْمَأْمُون الْمنية قبل أَن يصل إِلَيْهِ الإِمَام أَحْمد، إِلَّا أَنه لم يودع الدُّنْيَا من غير أَن يُوصي أَخَاهُ المعتصم بالاستمساك بمذهبه فِي الْقُرْآن ودعوة النَّاس إِلَيْهِ بِقُوَّة السُّلْطَان.
وَبلغ الْبلَاء أشده والمحنة أقصاها فِي عهد المعتصم ثمَّ الواثق، وتحاوزت الْفِتْنَة الإِمَام أَحْمد إِلَى غَيره من الْفُقَهَاء أَمْثَال يُوسُف الْبُوَيْطِيّ الْفَقِيه الْمصْرِيّ صَاحب الإِمَام الشَّافِعِي الَّذِي مَاتَ فِي أصفاده لما امْتنع عَن القَوْل بِخلق الْقُرْآن، وأمثال نعيم بن حَمَّاد الَّذِي مَاتَ فِي سجن الواثق مُقَيّدا لذَلِك١.
إِلَى أَن جَاءَ عهد المتَوَكل وَفِي ذَلِك يَقُول المَسْعُودِيّ: "وَلما أفضت الْخلَافَة إِلَى المتَوَكل أَمر بترك النّظر والمباحثة فِي الْجِدَال، وَالتّرْك لما كَانَ عَلَيْهِ النَّاس فِي أَيَّام المعتصم والواثق والمأمون، وَأمر النَّاس بِالتَّسْلِيمِ والتقليد، وَأمر شُيُوخ الْمُحدثين بِالتَّحْدِيثِ وَإِظْهَار السّنة وَالْجَمَاعَة" ٢.
_________________
(١) ١ نقلت خبر المحنة بِتَصَرُّف من كتاب: ابْن حَنْبَل: حَيَاته وعصره- آراؤه الْفِقْهِيَّة تأليف: مُحَمَّد أَبُو زهرَة الصفحات من "٤٣-٤٨"، وَانْظُر: تَارِيخ الْأُمَم والملوك للطبري تَحْقِيق: مُحَمَّد أَبُو الْفضل إِبْرَاهِيم "ج/ ٦٣١-٦٤٦". ٢ مروج الذَّهَب "ج٤/ ٣".
[ ١ / ٢٨ ]
المبحث الثَّانِي: حَيَاته
اسْمه، وكنيته، وَنسبه:
هُوَ الإِمَام الْعَلامَة، الْحَافِظ النَّاقِد، شيخ تِلْكَ الديار١. وَأحد الْأَعْلَام الثِّقَات٢ أَبُو سعيد عُثْمَان بن سعيد بن خَالِد بن سعيد التَّمِيمِي الدَّارمِيّ٣ السجسْتانِي٤ مُحدث هراة وَتلك الْبِلَاد٥.
وِلَادَته:
قَالَ الذَّهَبِيّ: ولد قبل الْمِائَتَيْنِ بِيَسِير٦، وعاش فِي جرجان وهراة٧
_________________
(١) ١ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣١٩". ٢ طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكبري "٢/ ٣٠٢". ٣ نِسْبَة إِلَى دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن زيد بن مَنَاة بن تَمِيم بطن كَبِير من تَمِيم ينْسب إِلَيْهِ خلق كثير من الْعلمَاء وَالشعرَاء والفرسان. اللّبَاب "١/ ٤٨٤". ٤ نِسْبَة إِلَى سجستان الْبِلَاد الْمَعْرُوفَة، وَيُقَال فِي النِّسْبَة إِلَيْهَا: السجْزِي على غير قِيَاس اللّبَاب "٢/ ١٠٤-١٠٥". ٥ تذكرة الْحفاظ/ للذهبي/ ٢/ ٦٢١. ٦ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣١٩"، وَفِي تذكرة الْحفاظ "٢/ ٦٢٢": "مولده سنة مِائَتَيْنِ ظنًّا". ٧ تَارِيخ التراث الْعَرَبِيّ "٢/ ٣٠٧".
[ ١ / ٢٩ ]
رحلته فِي طلب الْعلم وشيوخه:
كَانَ الدَّارمِيّ وَاسع الرحلة طوف وَلَقي الْكِبَار١ وَسمع خلقا كثيرا بالحرمين، وَالشَّام ومصر وَالْعراق، والجزيزة وبلاد الْعَجم٢، أَخذ الْأَدَب عَن ابْن الْأَعرَابِي وَالْفِقْه عَن الْبُوَيْطِيّ٣، وَأخذ علم الحَدِيث وَعلله عَن عَليّ وَيحيى وَأحمد، وفَاق أهل زَمَانه٤.
ويتبين لنا من أَسَانِيد الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْكتاب أَن الْمُؤلف قد رُوِيَ عَن عشرات من الْعلمَاء، وَقد أَشَارَ الْعلمَاء الَّذين ترجموا لحياة الْمُؤلف ﵀ إِلَى أَنه قد تتلمذ وروى عَن عدد كَبِير من الجهابذة الْأَعْلَام وبرز فِي كثير من الْعُلُوم الْمُخْتَلفَة، وَكَانَ على رَأس من تلقى عَنْهُم: الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل٥ وَعلي بن الْمَدِينِيّ٦ ويحي بن معِين، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه٧ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ٨ وَغَيرهم.
ولشهرة هَؤُلَاءِ الْأَعْلَام وَكَثْرَة ورودهم فِي ثنايا الْكتاب، فقد عَمَدت إِلَى الْعزو إِلَى مَوَاضِع تَرْجَمَة جملَة مِنْهُم فِي حَوَاشِي هَذَا الْمُحَقق مكتفيًا بذلك عَن إِفْرَاد تَرْجَمَة لكل مِنْهُم فِي هَذَا الْمَوْضُوع.
_________________
(١) ١ طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكبري "٢/ ٣٠٢". ٢ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٠". ٣ شذرات الذَّهَب "٢/ ١٧٦"، طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الْكُبْرَى "٢/ ٣٠٢". ٤ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٠". ٥ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص٥٣٨". ٦ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص١٥١". ٧ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص٥٠٤". ٨ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص١٥٤".
[ ١ / ٣٠ ]
فقد سمع بالعراق سُلَيْمَان بن حَرْب١، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي٢ وَمُحَمّد بن كثير وَسُهيْل بن بكار٣ بِالْبَصْرَةِ وَكتب الحَدِيث بهَا مَعَ يحي بن معِين.
وَسمع أَبَا الرّبيع الزهْرَانِي٤ والهيثم بن خَارِجَة٥ نزيلًا بَغْدَاد، وَسمع بِالشَّام هِشَام بن عمار٦، وَسليمَان بن عبد الرَّحْمَن التَّمِيمِي، وَهِشَام بن خَالِد، وَحَمَّاد بن الحرستاني بِدِمَشْق.
وَسمع أَبَا توبه، وَالربيع بن نَافِع٧ بحلب.
وَأَبا الْيَمَان الْحِمصِي، وَيحيى بن صَالح الوحاظي، وحيوة بن شُرَيْح٨ وَإِبْرَاهِيم بن الْعَلَاء بن زبر، وَالربيع بن روح، وَيزِيد بن عبد ربه بحمص، وَأَبا جَعْفَر مُوسَى بن إِسْمَاعِيل النُّفَيْلِي بحران.
وَمُحَمّد بن عبد الله بن بكر الْخُزَاعِيّ الْمَقْدِسِي، ومحبوب بن مُوسَى الْأَنْطَاكِي٩.
وَكتب مَعَه بِالشَّام الْحسن بن عَليّ، أَبُو عَليّ الْخلال الْحلْوانِي،
_________________
(١) ١ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص٥٩٠". ٢ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص١٦٨". ٣ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص٣٣٦". ٤ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص٣١٧". ٥ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص٢٨١". ٦ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص١٨٠". ٧ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص١٥١". ٨ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص٣٧٦". ٩ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص١٥٠".
[ ١ / ٣١ ]
وَمُحَمّد بن صَالح كيلجة الْبَغْدَادِيّ.
وَسمع بخراسان إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه.
وروى أَيْضا فِي رحلاته هَذِه عَن خلائق، مِنْهُم: عبد الله بن رَجَاء الغداني الْبَصْرِيّ١ وفروة بن أبي المغراء، وَمُحَمّد بن الْمنْهَال الْحزَامِي، وَعمر بن عون الوَاسِطِيّ الْبَصْرِيّ٢، وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ. ومسدد بن مسرهد٣ وَغَيرهم٤.
تلاميذه:
روى عَنهُ ابْن خُزَيْمَة وَهُوَ من شُيُوخه، وروى عَنهُ أَبُو عَمْرو: أَحْمد بن الْحِيرِي، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم الصرام، ومؤمل بن الْحُسَيْن، وَأحمد بن مُحَمَّد بن الْأَزْهَر، وَمُحَمّد بن يُوسُف الْهَرَوِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق بن ياسين، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق الْهَرَوِيّ، وَأحمد بن مُحَمَّد بن عَبدُوس الطرائفي، وَأَبُو النَّضر مُحَمَّد بن مُحَمَّد الطوسي الْفَقِيه، وحامد الرفاء وَأحمد بن مُحَمَّد الْعَنْبَري وَأَبُو الْفضل يَعْقُوب القراب، وَخلق كثير من أهل هراة ونيسابور٥ وسأتناول جملَة مِنْهُم بالتعريف.
_________________
(١) ١ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص٤٢٥". ٢ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص١٥٧". ٣ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي "ص١٧٥". ٤ انْظُر شُيُوخه وسماعه عَنْهُم فِي: تذكرة الْحفاظ "٢/ ٦٢١-٦٢٢"، سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣١٩، ٣٢٠، ٣٢١. ٣٢٦"، طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكبري "٢/ ٣٠٢-٣٠٣"، وَانْظُر تَرْجَمَة الدَّارمِيّ فِي مُقَدّمَة تَارِيخ عُثْمَان الدَّارمِيّ عَن يحيى بن معِين/ تَحْقِيق د. مُحَمَّد نور يُوسُف "ص٨-١٠". ٥ تذكرة الْحفاظ "٢/ ٦٢٢"، طَبَقَات السُّبْكِيّ "٢/ ٣٠٣"، سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٠-٣٢١"، تَارِيخ الدَّارمِيّ عَن أبي زَكَرِيَّا يحيي بن معِين "ص١٦-١٧".
[ ١ / ٣٢ ]
١- ابْن خُزَيْمَة:
هُوَ الْحَافِظ الْكَبِير، إِمَام الْأَئِمَّة شيخ الْإِسْلَام، أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق ابْن حزيمة بن الْمُغيرَة النَّيْسَابُورِي. ولد سنة ٢٢٣ وعني فِي حداثته بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْه حَتَّى صَار يضْرب بِهِ الْمثل فِي سَعَة الْعلم والإتقان، وانتهت إِلَيْهِ الْإِمَامَة وَالْحِفْظ فِي عصره بخراسان، سمع من إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَمُحَمّد بن حميد، وَلم يحدث عَنْهُمَا لصغره، وَسمع من مَحْمُود بن غيلَان وَأحمد بن منيع وَغَيرهم، وَحدث عَنهُ الشَّيْخَانِ خَارج صَحِيحَيْهِمَا، وَمُحَمّد بن عبد الله بن عبد الحكم أحد شُيُوخه وَغَيرهم. قَالَ الْحَاكِم/ ومصنفاته تزيد على مائَة وَأَرْبَعين كتاب سوى الْمسَائِل، والمسائل المصنفة مائَة جُزْء. توفّي فِي ثَانِي ذِي الْقعدَة سنة٣١١ وَهُوَ فِي تسع وَثَمَانِينَ سنة١.
٢- أَبُو الْعَبَّاس السجْزِي:
الإِمَام الْحَافِظ، أَبُو الْعَبَّاس، أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْأَزْهَر بن حريق السجْزِي. روى عَن سعيد بن يَعْقُوب الطَّالقَانِي، وَعلي بن حجر وَأبي حَفْص الفلاس وَغَيرهم وَعنهُ أَبُو بكر بن عَليّ الْحَافِظ وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن مُسلم، وَطَائِفَة لكنه رَوَاهُ كَمَا قَالَ الذَّهَبِيّ. توفّي سنة ٣١٢ ٢.
٣- أَبُو عَمْرو الْحِيرِي:
الْحَافِظ الإِمَام الرّحال أَحْمد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَفْص بن مُسلم
_________________
(١) ١ تذكرة الْحفاظ "٢/ ٧٢٠-٧٣١"، سير أَعْلَام النبلاء "١٤/ ٣٦٥-٣٨٢"، تَارِيخ جرجان ص"٥٢٦". ٢ سير أَعْلَام النبلاء "١٤/ ٢٩٦"، ميزَان الِاعْتِدَال "١/ ١٣٠-١٣٢".
[ ١ / ٣٣ ]
النَّيْسَابُورِي الْحِيرِي كَانَ شيخ نيسابور فِي الحشمة والثروة والتزكية سمع مُحَمَّد بن رَافع، وَمُحَمّد بن سعيد الهطار، وطبقتهم بالعراق والحجاز وَالْجِبَال وخراسان، وارتحل الكهولة بالطلبة إِلَى عُثْمَان الدَّارمِيّ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمسند، مَاتَ فِي ذِي الْقعدَة سنة ٣١٧ وَهُوَ فِي عشر التسعين١.
٤- الطرائفي:
الشَّيْخ الْمسند الْأمين، أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد عَبدُوس بن سَلمَة الْعَنزي النَّيْسَابُورِي الطرائفي، سمع مُحَمَّد بن أشرش وَالسري ايْنَ خُزَيْمَة، وارتحل إِلَى عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ فَأكْثر عَنهُ.
حدث عَنهُ: أَبُو عَليّ الْحَافِظ، وَالْحَاكِم، وَابْن محمش، والسلمي وَغَيرهم.
قَالَ الْحَاكِم: كَانَ صَدُوقًا، قَالَ لي: أَقمت بِبَغْدَاد سنة٢٨٤ على التِّجَارَة فَلم أسمع بهَا شَيْئا قَالَ: وَتُوفِّي فِي رَمَضَان سنة٣٤٦ ٢.
تلطفه بتلاميذه:
لقد قيض الله لهَذَا الْأمة من سلفنا الصَّالح عُلَمَاء أجلاء ملؤوا الدُّنْيَا بعلمهم، وَمَعَ مَا يمتازون بِهِ من جد ونشاط وحيوية وحرص على الْوَقْت وَجهد فِي سَبِيل تعلم الْعلم وتعليمه، إِلَّا أَنهم كانو على قدر كَبِير من اللطف بتلاميذهم ومراعاة أَحْوَالهم، كَيفَ لَا وهم وَصِيَّة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،
_________________
(١) ١ تذكرة الْحَافِظ "٣/ ٧٩٨-٧٩٩"، سير أَعْلَام النبلاء "١٤/ ٤٩٢-٤٩٣"، شذرات الذَّهَب "٢/ ٢٧٥". ٢ سير أَعْلَام النبلاء "١٥/ ٥١٩-٥٢٠"، شذرات الذَّهَب "٢/ ٣٧٢".
[ ١ / ٣٤ ]
فَفِي سنَن ابْن مَاجَه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "سَيَأْتِيكُمْ أَقوام يطْلبُونَ الْعلم، فَإِذا رأيتموهم فَقولُوا لَهُم: مرْحَبًا بِوَصِيَّة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأقنوهم".
قلت للْحكم: مَا "أقنوهم؟ " قَالَ: علموهم١.
وَعَن أبي هَارُون الْعَبْدي قَالَ: كُنَّا إِذا أَتَيْنَا أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: مرْحَبًا بِوَصِيَّة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا وَصِيَّة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: قَالَ لنا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّه سَيَأْتِي من بعدِي قوم يسألونكم الحَدِيث عني، فَإِذا جاءوكم فالطفوا بهم وحدثوهم" ٢.
وَلَا شكّ أَن لهَذَا الاستئلاف والملاطفة أثر كَبِير فِي نفوس طلاب الْعلم، وحافز لَهُم على الإقبال عَلَيْهِ.
وللدارمي -﵀- مَوَاقِف تكشف عَن مدى وداعته ولطفه ومراعاته لأحوال تلاميذه. فَمن ذَلِك مَا أوردهُ الذَّهَبِيّ من طَرِيق ابْن عَبدُوس الطرائفي قَالَ: لما أردْت الْخُرُوج إِلَى عُثْمَان بن سعيد -يَعْنِي إِلَى هراة- أتيت بن خُزَيْمَة، فَسَأَلته أَن يكْتب إِلَيْهِ، فَدخلت هراة فِي ربيع الأول، سنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، فأوصلته الْكتاب، فقرأه ورحب بِي وَسَأَلَ عَن ابْن خُزَيْمَة، ثمَّ قَالَ: يَا فَتى! متي قدمت؟ قلت: غَدا، قَالَ:
_________________
(١) ١ سنَن ابْن مَاجَه/ تَحْقِيق وترقيم مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي/ الْمُقدمَة/ بَاب الوصاة بطلبة بِالْعلمِ حَدِيث "٢٤٧، ١/ ٩٠-٩١". ٢ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي شرف أَصْحَاب الحَدِيث/ تَحْقِيق مُحَمَّد سعيد أَو غلي "ص٢١".
[ ١ / ٣٥ ]
يَا بني! فَارْجِع الْيَوْم، فَإنَّك لم تقدم بعد حَتَّى تقدم غَدا١.
قلت: وَفِي تَارِيخ دمشق -وَإِن لم أكن وقفت عَلَيْهِ- قَالَ: فتسودت، فَقَالَ لي: لَا تخجل يابني فَإِنِّي أَقمت ببلدكم سِنِين فَكَانَ مشايخكم إِذْ ذَلِك يحْتَملُونَ عني ذَلِك٢.
بعض مَا نقل عَنهُ من الْأَقْوَال والفوائد والغرائب:
قَالَ عُثْمَان بن سعيد: من لم يجمع حَدِيث شُعْبَة وسُفْيَان، وَمَالك، وَحَمَّاد بن زيد، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَهُوَ مُفلس فِي الحَدِيث٣.
قَالَ الذَّهَبِيّ: يُرِيد أَنه مَا بلغ دَرَجَة الْحفاظ، وَلَا ريب أَن من جمع علم هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة، وأحاط بِسَائِر حَدِيثهمْ، وَكتبه عَالِيا ونازلًا، وَفهم علله، فقد أحَاط بِشَطْر السّنة النَّبَوِيَّة بل بِأَكْثَرَ من ذَلِك٤.
وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْأَزْهَر: سَمِعت عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ، يَقُول: أَتَانِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن السجْزِي، وَكَانَ قد كتب عَن يزِيد بن هَارُون، وجعفر بن عون، فَقَالَ: يَا أَبَا سعيد، إِنَّهُم يجيئوني فيسألوني أَن أحدثهم، وَأَنا أخْشَى أَلا يسعني ردهم. قلت: وَلم؟ قَالَ: لقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: "من سُئِلَ عَن علم فكتمه، ألْجم بلجان من نَار"، فَقَالَ: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن علم
_________________
(١) ١ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢١-٣٢٣". ٢ نقلته من آخر المخطوطات لنقض الدَّارمِيّ، وَقد عزتها إِلَى ابْن عَسَاكِر. ٣ عُلُوم الحَدِيث/ لِابْنِ الصّلاح/ "ص٣٢٩"، سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٣" طَبَقَات السُّبْكِيّ "٢/ ٣٠٣". ٤ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٣".
[ ١ / ٣٦ ]
تعلمه، وَأَنت لَا تعلمه١.
وَقَالَ الإِمَام تَاج الدَّين السُّبْكِيّ: وَمن غرائب أبي سعيد الدَّارمِيّ وفوائده: قَالَ أَبُو عَاصِم: أَن أَبَا سعيد ذهب إِلَى أَن الثَّعْلَب حرَام أكله وروى فِيهِ خَبرا. قَالَ: وروى بُرَيْدَة بن سُفْيَان أَن أهل الْمَدِينَة يسمون النَّبِيذ خمرًا، وَهَكَذَا رَوَاهُ عَليّ بن الْمَدِينِيّ.
قَالَ السُّبْكِيّ: قَوْله بِتَحْرِيم الثَّعْلَب غَرِيب٢.
اعتزازه بمكانته فِي الْعلم:
لم يكن الدَّارمِيّ -﵀- وَقد كرمه الله بِمَا هُوَ عَلَيْهِ من المكانة العلمية مِمَّن يَبْتَغِي الجاه والمكانة فِي الدُّنْيَا، فقد كَانَ مِثَالا لاعتدال الْعَالم الْعَامِل بِعَمَلِهِ مترفعًا بِتِلْكَ المكانة عَن الابتذال ومواطن الذلة وَالصغَار، أَو أَن يكون علمه سلما لمطمع دُنْيَوِيّ أَو مغنم زائل.
قَالَ أَبُو الْفضل القراب: كُنَّا فِي مجْلِس الدَّارمِيّ غير مرّة، وَمر بِهِ الْأَمِير عَمْرو بن اللَّيْث، فَسلم عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَعَلَيْكُم، حَدثنَا مُسَدّد
_________________
(١) ١ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٢". ٢ طَبَقَات الشَّافِعِيَّة للسبكي "٢/ ٣٠٦". قلت: وَلَعَلَّ وَجه الغرابة هُوَ مُخَالفَته لمَذْهَب الشَّافِعِي، وَقد سبق وَأَن نقل السُّبْكِيّ وَغَيره أَن الدَّارمِيّ أَخذ الْفِقْه عَن الْبُوَيْطِيّ الشَّافِعِي وَالْمَنْقُول عَن الشَّافِعِي أَنه رخص فِي أكل الثَّعْلَب، قَالَ ابْن قدامَة: وَرخّص فِيهِ عَطاء وَطَاوُس وَقَتَادَة وَاللَّيْث وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَالشَّافِعِيّ؛ لِأَنَّهُ يفدى فِي الْإِحْرَام وَالْحرم "الْمُغنِي بالشرح الْكَبِير١١/ ٦٧".
[ ١ / ٣٧ ]
وَلم يزدْ على رد السَّلَام١.
وَعَن عُثْمَان بن سعيد: وَقَالَ لَهُ رجل كَانَ يحسده: مَاذَا كنت لَوْلَا الْعلم؟ فَقَالَ لَهُ: أردْت شَيْئا فَصَارَ زينًا٢.
الْعُلُوم الَّتِي برز فِيهَا:
كَانَ لنباهة هَذَا الْعلم وفطنته الَّتِي من الله بهَا عَلَيْهِ أثرهما الْجَلِيّ فِي تَحْصِيله ونبوغه فقد كَانَ مِثَالا فِي الْحِرْص على طلب الْعلم وملازمة الْعلمَاء، وَكَانَ لرحلاته فِي الأقاليم الْمُخْتَلفَة والتقائه بالجهابذة الْأَعْلَام، الَّذين كَانَ لَهُم الْأَثر الْوَاضِح فِي إثراء المكتبة الإسلامية، ببديع المصنفات وَأُمَّهَات الْكتب على اخْتِلَاف موضوعاتها -كَانَ لهَذَا كُله أَثَره الْبَالِغ فِي ثقافة الدَّارمِيّ وتحصيله.
فقد جَالس يحيى بن معِين وَدون عَنهُ سؤالاته فِي الرِّجَال٣ وَأخذ عَن الإِمَام أَحْمد وَعلي بن الْمَدِينِيّ، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَغَيرهم.
قَالَ الذَّهَبِيّ: قَالَ الْحَاكِم: أَخذ الْأَدَب عَن ابْن الْأَعرَابِي، وَالْفِقْه عَن أبي يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ، والْحَدِيث عَن ابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ، وَتقدم فِي هَذِه الْعُلُوم رَحمَه الله٤.
_________________
(١) ١ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢١". ٢ تذكرة الْحفاظ "٢/ ٦٢٢"، سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٤". ٣ قلت: وَله فِي ذَلِك كِتَابه الْمَعْرُوف بتاريخ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ عَن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن معِين فِي تَخْرِيج الروَاة وتعديلهم "مطبوع". ٤ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢١"، وَانْظُر: شذرات الذَّهَب "٢/ ١٧٦".
[ ١ / ٣٨ ]
كَمَا برز هَذَا الْعَالم فِي علم الحَدِيث وَعلله وَرِجَاله وَفِي الْفِقْه والعربية، فَإنَّا لَا ننسى مَاله من دور بارز فِي المنافحة والدفاع بِلِسَانِهِ وبنانه فِي جَانب النُّصْرَة لعقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي الله وأسمائه وَصِفَاته، وَلَعَلَّ فِيمَا بَين أَيْدِينَا من مؤلفاته فِي هَذَا الْجَانِب مَا يُغني عَن الحَدِيث عَن مدى مَا كَانَ لَدَى هَذَا الرجل من الحماس والغيرة، وَالْجهَاد فِي سَبِيل الْحفاظ على صفاء هَذِه العقيدة وسلامتها والذود عَن حماها فرحمه الله رَحْمَة الْأَبْرَار.
ثَنَاء الْعلمَاء عَلَيْهِ:
قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الضَّبِّيّ، سَمِعت أَبَا الْفضل يَعْقُوب بن إِسْحَاق القراب يَقُول: مَا رَأينَا مثل عُثْمَان بن سعيد وَلَا رأى عُثْمَان مثل نَفسه١.
وَقَالَ أَبُو حَامِد الأعمشي: مَا رَأَيْت فِي الْمُحدثين مثل مُحَمَّد بن يحيي وَعُثْمَان بن سعيد، وَيَعْقُوب الْفَسَوِي. وَقَالَ آخر: هُوَ نَظِير إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ٢.
وَقَالَ الْمُحدث يحيى بن أَحْمد بن زِيَاد الْهَرَوِيّ صَاحب ابْن معِين: رَأَيْت فِي النّوم كَأَن قَائِلا يَقُول، إِن عُثْمَان -يَعْنِي الدَّارمِيّ- لذُو حَظّ عَظِيم٣.
_________________
(١) ١ تذكرة الْحفاظ "٢/ ٦٢١"، سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢١"، طَبَقَات السُّبْكِيّ "٢/ ٣٠٣". ٢ التَّذْكِرَة "٢/ ٦٢٢"، سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢١". ٣ سير أَعْلَام النبلاء "١٢/ ٣٢٤".
[ ١ / ٣٩ ]
وَقَالَ مُحَمَّد بن الْمُنْذر شكر: سَمِعت أَبَا زرْعَة الرَّازِيّ، وَسَأَلته عَن عُثْمَان بن سعيد فَقَالَ: ذَاك رزق حسن التصنيف١.
وَقَالَ أَبُو الْفضل الجارودي: كَانَ عُثْمَان بن سعيد إِمَامًا يقْتَدى بِهِ فِي حَيَاته وَبعد مماته٢.
وَقَالَ الْحسن بن صَاحب الشاسي: سَأَلت أَبَا دَاوُد السجسْتانِي عَن عُثْمَان بن سعيد: فَقَالَ مِنْهُ تعلمنا الحَدِيث٣.
وَقَالَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق: مَا رَأينَا أجمع مِنْهُ٤.
وَقَالَ الْعَبَّادِيّ: وَأَبُو سعيد كَانَ فِي الْعلم بِمحل لَو كَانَ فِي زمن الصَّحَابَة ﵃ لقدموه على أنفسهم، هَكَذَا حُكيَ٥.
موقفه من المبتدعة:
عَاشَ الدَّارمِيّ -﵀- فِي الْقرن الثَّالِث الهجري، وَذَلِكَ بعد أَن ظَهرت آراء المتبدعة وبدت ماثلة للعيان، وَكَانَ لَهُم فِي أثْنَاء هَذ الْقرن دولة وسلطان، جرت على عُلَمَاء الْمُسلمين من الويلات والأذى الشَّيْء الْكثير ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون﴾ .
وانبرى لهَذِهِ المحنة الجهابذة الْأَعْلَام من عُلَمَاء الْإِسْلَام وعَلى رَأْسهمْ
_________________
(١) "١، ٢" سير أَعْلَام النبلاء "١٢/ ٣٢٤". ٣ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٥". ٤ شذرات الْمَذْهَب "٢/ ١٧٦". ٥ طَبَقَات الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة للعبادي "ص٤٦".
[ ١ / ٤٠ ]
الإِمَام الْعلم أَحْمد بن حَنْبَل ﵀، وَمُحَمّد بن نوح، وعشرات غَيرهم يذودون عَن حمى الْإِسْلَام وعرينه وَعَن حرماته أَن تنتهك.
وَكَانَ لهَذَا الْبَصِير النَّاقِد ﵀ دوره الفعال فِي مُوَاجهَة المبتدعة بِلِسَانِهِ وَبَيَانه فِي ثبات وَقُوَّة وغيرة عَليّ دين الله.
وَمن تَأمل كِتَابيه: الرَّد على الْجَهْمِية، وَالرَّدّ على بشر المريسي، فسيقف على مدى مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذَا الرجل من مناصرة للسّنة ومحاربة للبدعة، مَعَ مَا تميز بِهِ من قُوَّة الرَّد وَشدَّة الْحِرْص على إِثْبَات صِفَات الله وأسمائه الَّتِي كَانَ بشر المريسي وَأَضْرَابه يبالغون فِي نَفيهَا.
قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: كَانَ لهجًا بِالسنةِ بَصيرًا بالمناظرة١ جذعًا فِي أعين المبتدعة٢.
وَهُوَ الَّذِي قَامَ على مُحَمَّد بن كرام الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الكرامية وطرده عَن هراة فِيمَا قيل٣.
وَقَالَ يَعْقُوب القراب: سَمِعت عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ يَقُول: قد نَوَيْت أَلا أحدث عَن أحد أجَاب إِلَى خلق الْقُرْآن إِلَّا أَن الْمنية عاجلته٤.
_________________
(١) ١ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٠". ٢ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٢". ٣ تذكرة الْحفاظ "٢/ ٦٢٢"، سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٣"، طَبَقَات السُّبْكِيّ "٢/ ٣٠٤". ٤ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٢".
[ ١ / ٤١ ]
قَالَ الذَّهَبِيّ: من أجَاب تقية فَلَا بَأْس وَترك حَدِيثه لَا يَنْبَغِي١.
وَيَقُول الدكتور مُحَمَّد نور يُوسُف مُعَلّقا على مَا ذكره القراب: "وتعليل القراب بِأَن الْمنية عاجلته، غير مستساغ؛ لِأَن وَفَاته تَأَخَّرت كثيرا عَن هَذِه الْفِتْنَة بِمَا يقرب خمسين عَاما. إِلَّا أَن يكون ذَلِك قد بدا لَهُ فِي آخر عمره، وَهَذَا بعيد، وَالَّذِي يَبْدُو أَن الَّذِي عدل بِهِ عَن ذَلِك، أَن الْكِبَار قد أجَاب مِنْهُم تقية كعلي بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَأَبُو مسْهر عبد الْأَعْلَى بن مسْهر وَغَيرهم. فَلَو رد حَدِيث هَؤُلَاءِ وأمثالهم، لرد حَدِيثا كثيرا من حَدِيث شُيُوخه. ثمَّ لَا يصلح ذَلِك مبررًا للرَّدّ كَمَا ذكر الذَّهَبِيّ"٢.
وَفَاته:
توفّي -﵀- فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقد ناهز الثَّمَانِينَ من عمره٣.
وَكَانَت وَفَاته بهراة٤.
قَالَ الذَّهَبِيّ: وَمَا رَوَاهُ أَبُو عبد الله الضَّبِّيّ عَن شُيُوخه، أَنه مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، فَوَهم ظَاهر٥.
_________________
(١) ١ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٢". ٢ تَارِيخ عُثْمَان الدَّارمِيّ عَن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن معِين "ص١٦". ٣ شذرات الذَّهَب "٢/ ١٧٦"، تذكرة الْحفاظ "٢/ ٦٢٢"، طَبَقَات السُّبْكِيّ "٢/ ٣٠٣". ٤ الْأَعْلَام "٤/ ٣٦٦". ٥ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٥-٣٢٦".
[ ١ / ٤٢ ]
آثاره:
قَالَ مُحَمَّد بن الْمُنْذر شكر: سَمِعت أَبَا زرْعَة الرَّازِيّ، وَسَأَلته عَن عُثْمَان بن سعيد فَقَالَ: ذَلِك رزق حسن التصنيف١.
وتشير المصادر الَّتِي بَين أَيْدِينَا عَنهُ إِلَى أَن لَهُ أَرْبَعَة مصنفات، هِيَ:
١- الْمسند الْكَبِير٢.
٢- النَّقْض على بشر المريسي٣ وَهُوَ كِتَابه هَذَا.
٣- الرَّد على الْجَهْمِية٤ وَقد طبع غير مرّة٥ وَلَدي صُورَة لَهُ مخطوطًا حصلت عَلَيْهَا مَعَ كتاب الرَّد على بشر المريسي.
٤ سؤالالت فِي الرِّجَال ليحيى بن معِين٦ وَهُوَ الْمَعْرُوف الْآن بـ" تَارِيخ
_________________
(١) ١ سير أَعْلَام النبلاء "١٣/ ٣٢٥". ٢ شذرات الذَّهَب "٢/ ١٧٦"، تذكرة الْحفاظ "٢/ ٦٢٢"، طَبَقَات السُّبْكِيّ "٢/ ٣٠٤"، إِيضَاح الْمكنون فِي الذيل على الْكَشْف عَن الظنون "٢/ ٤٨١"، هِدَايَة العارفين "٢/ ٦٥١"، مُعْجم المؤلفين "٦/ ٢٥٤"، الْأَعْلَام "٤/ ٣٦٦". ٣ طَبَقَات السُّبْكِيّ "٢/ ٣٠٤"، تَارِيخ التراث الْعَرَبِيّ "٢/ ٣٧١"، مُعْجم المؤلفين "٦/ ٢٤٥"، الْأَعْلَام "٤/ ٣٦٦". ٤ طَبَقَات السُّبْكِيّ "٢/ ٣٠٤"، تَارِيخ التراث الْعَرَبِيّ "٢/ ٣٧١"، مُعْجم المؤلفين "٦/ ٢٤٥"، الْأَعْلَام "٤/ ٣٦٦". ٥ مِنْهَا طبعة ليون سنة ١٩٦٠م نشره فيتسنام، وطبع ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف، جمعه د. عَليّ سامي النشار وعمار الطَّالِبِيُّ، ونشرته منشأة المعارف بالأسكندرية. وطبع أَيْضا بتحقيق زُهَيْر الشاويش وَتَخْرِيج الألباني، ونشره الْمكتب الإسلامي. ٦ تذكرة الْحفاظ "٢/ ٦٢٢".
[ ١ / ٤٣ ]
عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ، عَن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن معِين فِي تَخْرِيج الروَاة وتعديلهم" وَقد قَامَ بتحقيقه مُؤَخرا الدكتور: أَحْمد مُحَمَّد نور يُوسُف الْأُسْتَاذ المساعد فِي كُلية الشَّرِيعَة بِمَكَّة، وطبع ضمن مطبوعات مَرْكَز الْبَحْث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة الْملك عبد الْعَزِيز آنذاك.
وَيذكر إِسْمَاعِيل باشا الْبَغْدَادِيّ فِي هِدَايَة العارفين أَن من مصنفاته "الرَّد على الكرامية"١ وَلَعَلَّه يُرِيد كِتَابه الْمَعْرُوف بِالرَّدِّ على الْجَهْمِية فَوَهم. وَالله أعلم.
_________________
(١) ١ هِدَايَة العارفين "٢/ ٦٥١".
[ ١ / ٤٤ ]
الْفَصْل الثَّانِي: التَّعْرِيف بالمريسي
المبحث الأول: عصره السياسي والعلمي
١- عصره السياسي:
يتَّفق جُمْهُور المؤرخين على تَقْسِيم الدولة العباسية إِلَى عصرين متميزين:
الْعَصْر الأول:
ويعبرون عَنهُ بالعصر الزاهي ويمتد من نشأة الدولة سنة١٣٢هـ إِلَى آخر أَيَّام الْخَلِيفَة الواثق سنة٢٣٢هـ.
وَالْعصر الثَّانِي:
ويعبرون عَنهُ بعصر التدهور والانحطاط، وَالَّذِي ابْتَدَأَ بخلافة المتَوَكل سنة٢٣٢، وانْتهى بِسُقُوط الدولة العباسية تَمامًا على أَيدي التتار سنة ٦٥٦هـ.
وَلما كُنَّا بصدد الحَدِيث عَن عصر المريسي فَإِنَّهُ يُمكن القَوْل بِأَنَّهُ عايش بدايات الْعَصْر الأول العباسي، حَيْثُ كَانَت وِلَادَته أبان خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور تَقْرِيبًا، وَهُوَ الْخَلِيفَة العباسي الثَّانِي، وامتدت خِلَافَته من سنة "١٣٦هـ-١٥٨" وعاصر خلَافَة كل من الْمهْدي "١٥٨-١٦٩"، وَالْهَادِي "١٦٩-١٧٠" ثمَّ خلَافَة الرشيد "١٧٠-١٩٣"، والأمين "١٩٣-١٩٨هـ"، والمأمون "١٩٨-٢١٨هـ" حَيْثُ هلك فِي آخر خلَافَة الْمَأْمُون
[ ١ / ٤٧ ]
أَو أول خلَافَة المعتصم.
وَلست هُنَا بصدد تَفْصِيلًا عَن الْأَحْدَاث السياسية فِي عصر كل من ذكرت من خلفاء الدولة العباسية، وسأكتفي بِذكر عدد من الْأَحْدَاث السياسية على سَبِيل التَّمْثِيل لَا الْحصْر، إِذْ لَا يَتَّسِع المجال للْحَدِيث عَن كل الْحَوَادِث تَفْصِيلًا.
فقد تمّ فِي عصر أبي جَعْفَر الْمَنْصُور الْقَضَاء على عدد من المناوئين لَهُ وعَلى رَأْسهمْ عَمه عبد الله بن عَليّ، كَمَا قضى على أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي، وَقتل أَيْضا مُحَمَّدًا ذَا النَّفس الزكية فِي الْحجاز وأخاه فِي الْعرَاق، وَبنى بَغْدَاد واستوزر خَالِد بن برمك وَمن ثمَّ بدا دور البرامكة.
كَمَا تمّ فِي عهد الْمهْدي إخماد الثورات والفتن الَّتِي قَامَت فِي بِلَاد الشَّام سنة١٦١هـ بزعامة عبد الله بن مَرْوَان الْأمَوِي، والفتنة الَّتِي قَامَت فِي الجزيرة سنة١٦٢هـ بقيادة عبد السَّلَام الْيَشْكُرِي، وَلَعَلَّ من أبرز الْفِتَن جَمِيعًا فِي عَهده فتْنَة الزَّنَادِقَة دعاة الانحلال وَالشَّر وَالْفساد، وَلم يتَمَكَّن من الْقَضَاء عَلَيْهِم.
وَفِي عهد الْهَادِي اشْتَدَّ فِي طلب الزَّنَادِقَة وقتلهم، كَمَا اشْتَدَّ فِي محاربة الشِّيعَة خَاصَّة عِنْدَمَا ظهر الْحُسَيْن بن على بن الْحسن بن عَليّ ابْن أبي طَالب سنة١٦٩هـ.
وَلم تطل خِلَافَته، حَيْثُ توفّي فِي بَغْدَاد سنة ١٧٠هـ بعد أَن ظلّ فِي الْخلَافَة سنة وشهرًا واثنين وَعشْرين يَوْمًا.
[ ١ / ٤٨ ]
وَجَاء عهد الْخَلِيفَة هَارُون الرشيد، فاستمرت خِلَافَته زهاء ثَلَاث وَعشْرين سنة، اهتم خلالها بِأَمْر الحروب مَعَ البيزنطيين اهتمامًا كَبِيرا فنظم الْحُدُود مَعَهم وحصنها وَعين على جيوشه خيرة القادة، وانتصر على البيزنطيين، وَفتحت كثير من الْحُصُون والقلاع واضطرات ملكة الرّوم "إيريني" إِلَى دفع الْجِزْيَة.
ويقفنا التَّارِيخ على مدى مَا كَانَ للدولة الإسلامية فِي عَهده من قُوَّة، وَفِي شخصيته من عزة وأنفة، فقد حدث أَن عزلت الملكة "إيريني" وَتَوَلَّى عرش الإمبراطورية "نقفور" الَّذِي نقض الْعَهْد ورفض دفع الْجِزْيَة وَكتب إِلَى الرشيد رِسَالَة استطال فِيهَا عَلَيْهِ فَكَانَ رد الرشيد بالآتي:
"بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من هَارُون الرشيد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى نقفور كلب الرّوم، فقد قَرَأت كتابك وَالْجَوَاب مَا ترَاهُ دون أَن تسمعه وَالسَّلَام"١.
وبالفعل جهز جَيْشًا قَادَهُ بِنَفسِهِ وغزا دولة الرّوم وانتصر بِنَفسِهِ على "نقفور" وَأَعَادَهُ للهدنه وَدفع الْجِزْيَة.
وَلم يكن للمريسي فِي عهد الرشيد قبُول وَلَا لنحلته نُفُوذ وسلطان فقد تواعده وهم بقتْله شَرّ قَتله، وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يختفي طيلة عهد الرشيد وظل كَذَلِك فِي عهد الْأمين إِلَى أَن جَاءَ عهد الْمَأْمُون فَوجدَ الْمُعْتَزلَة مِنْهُ انتصارًا لمذهبهم.
وَلم تكن الْحَال بعد هَارُون الرشيد كَمَا كَانَت عَلَيْهِ فِي عَهده، فقد تولى
_________________
(١) ١ تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٨/ ٣٠٨".
[ ١ / ٤٩ ]
ابْنه عبد الله الْأمين الْخلَافَة من بعده، وَفِي عصره فسد حَال الرّعية وَخرجت بعض معالم الدولة العباسية، ونشبت الْحَرْب بَينه وَبَين أَخِيه حَتَّى أَنه أرسل جَيْشًا يَأْتِيهِ بالمأمون فَهزمَ عِنْد الرّيّ، فأعلن الْمَأْمُون نَفسه خَليفَة وقبلته فَارس بأجمعها، وحاصر بَغْدَاد إِلَى أَن وَافق الْأمين على تسلم نَفسه إِلَّا إِنَّه قتل قبل وُصُوله ذَلِك سنة ١٩٨، وَبِذَلِك آلت الْخلَافَة من بعده إِلَى الْمَأْمُون وَقد أَشرت إِلَى تِلْكَ الفترة بِشَيْء من الإيجاز فِي الحَدِيث عَن عصر الدَّارمِيّ السياسي١.
٢- عصره العلمي:
لقد عايش المريسي فَتْرَة من الازدهار العلمي قل أَن تتسنى لمثله وعاصره من الْعلمَاء الْأَعْلَام من يعدهم المنصفون جبال الدُّنْيَا وأئمة الْحِفْظ ومشاعل النُّور، ملؤوا الدُّنْيَا بعلمهم واستنارت البشرية بِنور آثَارهم حَتَّى يَوْمنَا هَذَا، فَمن منا لَا يعرف الإِمَام أَحْمد أوالشافعي وَمَالك بن أنس وَالْبُخَارِيّ وَمُسلمًا وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأَبا يُوسُف، وَغَيرهم من الْعلمَاء الَّذين أثروا المكتبات الإسلامية ببديع المصنفات. يَقُول أَحْمد أَمِين فِي كِتَابه ضحى الْإِسْلَام:
"نشط الْعلم فِي أحضان العباسيين نشاطًا كَبِيرا، وَإِن كَانَت بذرة النشاط بدأت فِي آخر الْعَصْر الْأمَوِي، فالتأليف فِي الْعَهْد العباسي شَمل كل فرع من فروع الْعُلُوم، وعد المؤلفون والمؤلفات بالمئات، واستعراض
_________________
(١) ١ وَانْظُر بسط الْكَلَام فِي تَارِيخ كل من هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء فِي: تَارِيخ الطَّبَرِيّ "٧/ ٤٧١-٨/ ٤٧٨"، وَانْظُر الإيجاز فِي ذَلِك فِي: حضارة الدولة العباسية د. أَحْمد رَمَضَان "٢١-٢٩".
[ ١ / ٥٠ ]
لفهرست ابْن النديم فِيمَا ألف فِي ذَلِك الْعَصْر يقفنا موقف الدهشة والاستغراب"١.
وَلست هُنَا بصدد الحَدِيث التفصيلي عَن منجزات هَذَا الْعَصْر العلمية، فَلَيْسَ هَذَا بَابه، إِلَّا أَنِّي أود الْإِشَارَة إِلَى أَن المريسي لم يكن مِمَّن يألف هَذَا الْوسط العلمي الزَّاهِر، فَلَقَد كَانَ يعِيش فِي جو آخر يألفه هُوَ وَأَضْرَابه من الْجَهْمِية الأشقياء، فوهب حَيَاته لعلم الْكَلَام حَتَّى أتقنه وبرع فِيهِ، وسلك مناهجه فِي الْحجَّة وَالِاسْتِدْلَال، مؤثرًا ذَلِك عَليّ النهج القرآني والمسلك النَّبَوِيّ فِي الْحجَّة وَالْبَيَان فضل وأضل، وَكَانَ خليق بِهِ إِن لم يرق إِلَى مَرَّات الْعلمَاء الأفذاذ مِمَّن ذكرنَا، أَن يَأْتِي على غير علم الْكَلَام والفلسفة، فيبدع فِي علم من عُلُوم الْعَرَبيَّة والآداب، أَو التَّارِيخ أَو غَيرهَا من الْعُلُوم، على أَنه إِن لم يكن أغفل جَانب الْفِقْه فتعلمه إِلَّا أَنه أوغل فِي اعتزاله وجهميته.
وَلَعَلَّ من أبرز السلبيات فِي مجَال الْحَيَاة العليمة فِي هَذَا الْعَصْر هُوَ اتساع دَائِرَة التَّرْجَمَة، حَيْثُ عرضت الْكتب اليوناينة والفارسية وَغَيرهَا، اخْتَلَط الغث بالسمين وَحصل بذلك أَنْوَاع من الْفساد وَالِاضْطِرَاب، وَفِي ذَلِك يَقُول شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية:
"ثمَّ إِنَّه لما عربت الْكتب اليونانية فِي حُدُود الْمِائَة الثَّانِيَة وَقبل ذَلِك وَبعد ذَلِك، وَأَخذهَا أهل الْكَلَام وتصرفوا فِيهَا من أَنْوَاع الْبَاطِل فِي الْأُمُور الإلهية مَا ضل بِهِ كثير مِنْهُم وَصَارَ النَّاس فِيهَا أشتاتًا: قوم
_________________
(١) ١ ضحي الْإِسْلَام "٢/ ٣٦٣".
[ ١ / ٥١ ]
يقبلونها، وَقوم يجلون مَا فِيهَا، وَقوم يعرضون مَا فِيهَا على أصولهم وقواعدهم، فيقبلون مَا وَافق ذَلِك دون مَا خَالفه، وَقوم يعرضونها على مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل من الْكتاب وَالْحكمَة.
وَحصل بِسَبَب تعريبها أَنْوَاع من الْفساد وَالِاضْطِرَاب، مَضْمُونا إِلَى مَا حصل من التَّقْصِير والتفريط فِي معرفَة مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل من الْكتاب وَالْحكمَة، حَتَّى صَار مَا مدح من الْكتاب وَالْحكمَة من مُسَمّى الْحِكْمَة، يظنّ كثير من النَّاس أَنه حِكْمَة هَذِه الْأمة أَو نَحْوهَا من الْأُمَم كالهند وَغَيرهم"١.
_________________
(١) ١ بَيَان تلبيس الْجَهْمِية "١/ ٣٢٣".
[ ١ / ٥٢ ]
المبحث الثَّانِي: حَيَاة المريسي
اسْمه وَنسبه وكنيته:
بشر بن غياث بن أبي كَرِيمَة المريسي١، ويكنى بِأبي عبد الرَّحْمَن٢، وَهُوَ من موَالِي زيد بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٣.
نسبته:
قَالَ فِي اللّبَاب: المريسي بِفَتْح الْمِيم وَكسر الرَّاء، وَبعدهَا الْيَاء المنقوطة بِاثْنَتَيْنِ من تحتهما، وَفِي آخرهَا السِّين الْمُهْملَة، هَذِه النِّسْبَة إِلَى مريس وَهِي قَرْيَة بِمصْر، هَكَذَا ذكره أَبُو سعد الآبي الْوَزير فِي كتاب النتف والطرف، ثمَّ قَالَ: وإليها ينْسب بشر المريسي٤.
قَالَ ابْن خلكان: وَسمعت أهل مصر يَقُولُونَ: إِن المريسي جنس من السودَان بَين بِلَاد النّوبَة وأسوان من ديار مصر. وَكَأَنَّهُم جنس من النّوبَة وبلادهم متاخمة لبلاد أسوان، وتأتيهم فِي الشتَاء ريح بَارِدَة من نَاحيَة الْجنُوب يسمونها المريسي، ويزعمون أَنَّهَا تَأتي من تِلْكَ الْجِهَة، وَالله
_________________
(١) ١ لَا تخْتَلف المصادر الَّتِي وقفت عَلَيْهَا على تَسْمِيَته بِهَذَا الِاسْم. ٢ تَارِيخ الميعاد بَغْدَاد "٧/ ٥٦"، الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة "١٠/ ٢٨١". ٣ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٥٦"، وفيات الْأَعْيَان "١/ ٢٥١". ٤ اللّبَاب "٣/ ٢٠٠".
[ ١ / ٥٣ ]
أعلم١.
ثمَّ قَالَ: "ثمَّ إِنِّي رَأَيْت بِخَط من يعتني بِهَذَا الْفَنّ أَنه كَانَ يسكن فِي بَغْدَاد بدرب المريس فنسب إِلَيْهِ، قَالَ: وَهُوَ بَين نهر الدَّجَاج ونهر البزازين، قلت: والمريسي فِي بَغْدَاد هُوَ الْخبز الرقَاق يمرس بالسمن وَالتَّمْر، كَمَا يصنعه أهل مصر بالعسل بدل التَّمْر، وَهُوَ الَّذين يسمونه البسيسة"٢.
وَقَالَ ابْن حجر: والمريسي نِسْبَة إِلَى باريس بِفَتْح الْمِيم وَكسر الرَّاء، بعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنة، ثمَّ مُهْملَة، نِسْبَة إِلَى مريسة بالصعيد، وَالْمَشْهُور بالخفة، وضبطها الصغاني بتثقيل الرَّاء٣.
قلت: ولعلها الْمَعْرُوفَة الْيَوْم بالمريس وَهِي قَرْيَة تقع فِي مُحَافظَة قِنَا جنوبي مصر.
مولده ونشأته:
ولد فِي الثلاثينات من الْقرن الثَّانِي الهجري وَيُشِير الْبَعْض إِلَى أَن وِلَادَته كَانَت سنة١٣٨هـ٤.
قلت: وَلَعَلَّ هَذَا عَليّ سَبِيل التَّقْرِيب بِالنّظرِ إِلَى مَا ذكر من أَنه توفّي، وَقد قَارب الثَّمَانِينَ من عمره٥، وَمن الْمَعْلُوم أَن وَفَاته كَانَت سنة ٢١٨هـ
_________________
(١) ١ وفيات الْأَعْيَان "١/ ٢٥١". ٢ وفيات الْأَعْيَان "١/ ٢٥١-٢٥٢". ٣ لِسَان الْمِيزَان "٢/ ٣١". ٤ مُعْجم المؤلفين "٣/ ٤٦". ٥ سير أَعْلَام النبلاء "١٠/ ٣٠٢".
[ ١ / ٥٤ ]
أَو ٢١٩هـ، فعلى هَذَا تكون وِلَادَته فِي أخريات العقد الثَّالِث من الْقرن الثَّانِي الهجري، وبالنظر إِلَى مَا نَقله ابْن حجر من أَنه كَانَ من أَبنَاء السّبْعين، فَعَلَيهِ تكون وِلَادَته فِي أخريات العقد الرَّابِع من الْقرن الثَّانِي.
قَالَ الْخَطِيب: كَانَ يسكن الدَّرْب الْمَعْرُوف بِهِ وَيُسمى درب المريسي، وَهُوَ بَين نهر الدَّجَاج ونهر البزازين١.
قلت: والمتأمل للنقول الَّتِي ذكرهَا المؤرخون فِي تَرْجَمَة بشر المريسي، والمناظرات الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين الْعلمَاء، وَمَال إِلَى ذَلِك من المواقف الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين عُلَمَاء بَغْدَاد وعامتها، يجد أَن جلّ حَيَاته إِن لم تكن كلهَا كَانَت بِبَغْدَاد.
وَيُقَال: إِن أَبَاهُ كَانَ يهوديًّا صباغًا بِالْكُوفَةِ، قَالَ أَبُو النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم: كَانَ وَالِد بشر المريسي يهوديًّا قصابًا صباغًا فِي سويقة نصر بن مَالك٢.
وَقَالَ الْمروزِي: سَمِعت أَبَا عبد الله ذكر بشرا فَقَالَ: كَانَ أَبوهُ يهوديًّا٣.
وَأخرج الْخَطِيب بِسَنَدِهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم لُؤْلُؤ قَالَ: مَرَرْت فِي الطَّرِيق فَإِذا بشر المريسي وَالنَّاس عَلَيْهِ مجتمعون، فَمر يَهُودِيّ فَأَنا سمعته يَقُول: لَا يفْسد عَلَيْكُم كتابكُمْ كَمَا أفسد أَبوهُ علينا التَّوْرَاة! يَعْنِي أَن أَبَاهُ
_________________
(١) ١ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٥٦". ٢ ميزَان الِاعْتِدَال "١/ ٣٢٢"، وَفِي سير أَعْلَام النبلاء "١٠/ ٢٠٠"، "قصارًا". ٣ ميزَان الِاعْتِدَال "١/ ٣٢٣".
[ ١ / ٥٥ ]
كَانَ يهوديًّا١.
قلت: وَلَا ريب أَن لهَذَا الْوسط الأسري الَّذِي نَشأ فِيهِ المريسي مَعَ مَا رافق هَذَا من ولعه واشتغاله بمناهج الْمُتَكَلِّمين المستمدة من أصُول جدلية فلسفية واعتناقه مَذْهَب الْجَهْمِية حَتَّى كَانَ رَأْسا فِي ذَلِك، كل هَذَا وَلَا ريب كَانَ لَهُ الْأَثر الْبَالِغ فِي تكوين فكر هَذَا الضال وزيغه وانحرافه.
صفته:
أخرج الْخَطِيب بِسَنَدِهِ إِلَى أبي مُسلم صَالح بن أَحْمد بن عبد الله بن صَالح الْعجلِيّ، حَدثنِي أبي قَالَ: رَأَيْت بشر المريسي -عَلَيْهِ لعنة الله- مرّة وَاحِدَة شَيخا قَصِيرا دميم المنظر، وسخ الثيات، وافر الشّعْر، أشبه شَيْء باليهود، وَكَانَ أَبوهُ يهوديًّا صباغًا بِالْكُوفَةِ فِي سوق المراضع، ثمَّ قَالَ: لَا يرحمه الله لقد كَانَ فَاسِقًا٢.
وَعَن الْقَاسِم بن بنْدَار، قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن الْحُسَيْن يَقُول: ركب عُثْمَان بن مُسلم يَوْمًا وَأَنا قَابض على عنان البغلة، فَاسْتقْبلنَا شيخ قصير، كَبِير الرَّأْس، كَبِير الْأُذُنَيْنِ، فَقَالَ: نح البغلة، نح البغلة، أما ترى الْكَافِر؟ فَقلت من هَذَا يَا أَبَا عُثْمَان؟ قَالَ: هَذَا بشر بن غياث، بشر المريسي٣.
طلبه للْعلم:
سبق وَأَن أَشَرنَا إِلَى مَا حظي بِهِ المريسي من معاصرة الْعَهْد العباسي
_________________
(١) ١ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦١". ٢ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦١". ٣ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٣".
[ ١ / ٥٦ ]
فِي أوج قوته وَفِي فَتْرَة ظَهرت آثَار النشاط العلمي، ماثلة للعيان فِي مُخْتَلف الْعُلُوم الدِّينِيَّة مِنْهَا والدنيوية، كَمَا ظهر للْعُلَمَاء دور بارز فِي التَّعْلِيم والتدوين عَاشَ الْمُسلمُونَ آثاره حَتَّى عصرنا هَذَا، وتزاحم الطلاب على أَبْوَاب الْعلم وَالْعُلَمَاء ينهلون من هَذَا الْمعِين الثر فأفادوا من ذَلِك غَايَة الإفادة.
إِلَّا أَن المريسي كَانَ صفر الْيَدَيْنِ من صُحْبَة هَؤُلَاءِ، إِذْ لم يكن بِالَّذِي يألفهم ويعيش وَسطهمْ ويتأدب بأدبهم ويتعلم علمهمْ، فَلَقَد جعل غَايَته الإبداع فِي الابتداع فَكَانَ رَأْسا فِي المرجئة، وَإِلَيْهِ تنْسب الطَّائِفَة المريسية مِنْهُم وَصرف اهتمامه إِلَى علم الْكَلَام حَتَّى أتقنه، وجرد القَوْل بِخلق الْقُرْآن ودعا إِلَيْهِ، وجاهد فِي سَبِيل بدعته جِهَاد المستميت.
وَلَئِن حظي بِالسَّمَاعِ والتعلم على أَيدي طَائِفَة من الْعلمَاء إِلَّا أَنه كَانَ على قدر من الشغب والمناظرة وَفَسَاد الِاعْتِقَاد الَّذِي أفسد بِهِ على نَفسه فَسَاءَتْ صُحْبَة الْعلمَاء لَهُ، فقد أخرج الْخَطِيب بِسَنَدِهِ إِلَى أَحْمد بن سلمَان حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد، قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول "كُنَّا نحضر مجْلِس أبي يُوسُف، فَكَانَ بشر المريسي يَجِيء فيحضر فِي آخر النَّاس فيشغب، فَيَقُول أيش تَقول وأيش قلت يَا أَبَا يُوسُف؟ فَلَا يزَال يَصِيح ويضج، فَكنت أسمع أَبَا يُوسُف يَقُول: اصعدوا بِهِ إِلَيّ، قَالَ أبي: وَكنت فِي الْقرب مِنْهُ، فَجعل يناظر فِي مَسْأَلَة فخفي بعض قَوْله، فَقلت للَّذي كَانَ أقرب مني: أيش قَالَ لَهُ؟ قَالَ: قَالَ لَهُ أَبُو يُوسُف: لَا تَنْتَهِي حَتَّى تصعد خَشَبَة"١ يَعْنِي تصلب.
_________________
(١) ١ عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السِّتَّة "ص٣٢-٢٣"، تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٣".
[ ١ / ٥٧ ]
وَقَالَ أَبُو عبد الله: مَا كَانَ صَاحب حجج بل كَانَ صَاحب خطب١. وَقَالَ الذَّهَبِيّ عَنهُ: هُوَ "الْمُتَكَلّم المناظر البارع، من كبار الْفُقَهَاء، أَخذ عَن القَاضِي أبي يُوسُف، وروى عَن حَمَّاد بن سَلمَة، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَنظر فِي علم الْكَلَام فغلب عَلَيْهِ وانسلخ من الْوَرع وَالتَّقوى، وجرد القَوْل بِخلق الْقُرْآن ودعا إِلَيْهِ حَتَّى كَانَ عين الْجَهْمِية فِي عصره وعالمهم، فمقته أهل الْعلم وكفره عدَّة"٢.
وَقَالَ عَنهُ فِي مَوضِع آخر: "هُوَ بشر الشَّرّ، وَبشر الحافي بشر الْخَيْر، كَمَا أَن أَحْمد بن حَنْبَل هُوَ أَحْمد السّنة، وَأحمد بن أبي دؤاد أَحْمد الْبِدْعَة"٣.
قلت: ونظرة إِلَيّ مَا يقفنا التَّارِيخ عَلَيْهِ من جملَة المصنفات المنسوبة إِلَيْهِ، يَبْدُو لنا من عناوينها أَنَّهَا فِي مجَال الِانْتِصَار لنحلته الْمُخَالفَة لما عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَلَئِن أبدع فِي بَعْضهَا وَأثْنى عَلَيْهِ من أثنى إِلَّا أَن ذَلِك لَا يشفع لَهُ عِنْد الْمُسلمين، لما هُوَ عَلَيْهِ من فَسَاد الأَصْل الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْعَمَل ويعقد عَلَيْهِ الْقلب الْمُؤمن أَلا وَهُوَ التَّوْحِيد.
عقيدته:
قَالَ الذَّهَبِيّ: مُبْتَدع ضال لَا يَنْبَغِي أَن يرْوى عَنهُ وَلَا كَرَامَة، أتقن علم الْكَلَام، ثمَّ جرد القَوْل بِخلق الْقُرْآن وناظر عَلَيْهِ، وَلم يدْرك الجهم بن صَفْوَان وَإِنَّمَا أَخذ مقَالَته وَاحْتج بهَا ودعا إِلَيْهَا٤.
_________________
(١) ١ سير أَعْلَام النبلاء "١٠/ ٢٠١". ٢ سير أَعْلَام النبلاء "١٠/ ١٩٩-٢٠٠". ٣ سير أَعْلَام النبلاء "١٠/ ٢٠٢". ٤ ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٣٢٢".
[ ١ / ٥٨ ]
وَقَالَ أَيْضا: "كَانَ عين الْجَهْمِية فِي عصره وعالمهم"١.
وَقَالَ عَنهُ ابْن كثير: شيخ الْمُعْتَزلَة، وَأحد من أضلّ الْمَأْمُون٢.
وَقَالَ ابْن خلكان: اشْتغل بِعلم الْكَلَام وجرد القَوْل بِخلق الْقُرْآن، وَحكى عَنهُ أَقْوَال شنيعة، وَكَانَ مرجئًا وَإِلَيْهِ تنْسب الطَّائِفَة المريسية من المرجئة٣.
قَالَ الْأَشْعَرِيّ: "الْفرْقَة الْحَادِيَة عشرَة من المرجئة: أَصْحَاب "بشر المريسي"، يَقُولُونَ: إِن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق؛ لِأَن الْإِيمَان فِي اللُّغَة هُوَ التَّصْدِيق، وَمَا لَيْسَ بِتَصْدِيق فَلَيْسَ بِإِيمَان.
وَيَزْعُم أَن التَّصْدِيق يكون بِالْقَلْبِ وباللسان جَمِيعًا، وَإِلَى هَذَا القَوْل كَانَ يذهب "ابْن الراوندي"، وَكَانَ ابْن الراوندي يزْعم أَن الْكفْر هُوَ الْجحْد وَالْإِنْكَار والستر والتغطية، وَلَيْسَ يجوز أَن يكون إِلَّا مَا كَانَ فِي اللُّغَة كفرا، وَلَا يجوز أَن يكون إِيمَانًا إِلَّا مَا كَانَ فِي اللُّغَة إِيمَانًا.
وَكَانَ يزْعم أَن السُّجُود للشمس لَيْسَ بِكفْر، وَلكنه علم على الْكفْر؛ لِأَن الله ﷿ بَين أَنه لَا يسْجد للشمس إِلَّا كَافِر٤.
قلت: وَذكر الْبَغْدَادِيّ فرق المرجئة فعد مِنْهُم المريسية، فَقَالَ:
_________________
(١) ١ سير أَعْلَام النبلاء "١٠/ ٢٠٠". ٢ الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة "١٠/ ٢٨١". ٣ وفيات الْأَعْيَان "١/ ٢٥١". ٤ مقالات الإسلاميين "١/ ٢٢٢-٢٢٣"، وَانْظُر: الشهرستاني فِي الْملَل والنحل "١/ ١٤٤".
[ ١ / ٥٩ ]
"هَؤُلَاءِ مرجئة بَغْدَاد من أَتبَاع المريسي وَكَانَ فِي الْفِقْه على رَأْي أبي يُوسُف القَاضِي غير أَنه لما أظهر قَوْله بِخلق الْقُرْآن هجره أَبُو يُوسُف وضللته الصفاتية١ فِي ذَلِك، وَلما وافقوا الصفاتية فِي القَوْل بِأَن الله تَعَالَى خَالق أكساب الْعباد، وَفِي أَن الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل، أكفرته المعتولة فِي ذَلِك، فَصَارَ مهجور الصفاتية والمعتزلة مَعًا"٢.
وَيَقُول الشَّهْر ستاني: إِن بشر بن غياث المريسي وَمُحَمّد بن عِيسَى الملقب ببرغوث، وَالْحُسَيْن النجار متقاربون فِي الْمَذْهَب، وَكلهمْ أثبتوا كَونه تَعَالَى مرِيدا لم يزل، لكل مَا علم أَنه سيحدث من خير وَشر وإيمان، وَكفر وَطَاعَة ومعصية، وَعَامة الْمُعْتَزلَة يأبون ذَلِك٣.
وَقَالَ أَيْضا: نقل عَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ أَنه قَالَ: إِذا دخل أَصْحَاب الْكَبَائِر النَّار فَإِنَّهُم سيخوجون عَنْهَا بعد أَن يعذبوا بِذُنُوبِهِمْ، وَأما التخليد فمحال، وَلَيْسَ بِعدْل٤.
وَأخرج الْخَطِيب، بِسَنَدِهِ عَن عمر بن عُثْمَان قَالَ: كنت عِنْد أبي فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ بشر المريسي. فَقلت: يَا أَبَت يدْخل عَلَيْك مثل هَذَا؟ فَقَالَ: يَا بني وَمَاله؟ قَالَ: قلت: إِنَّه يَقُول: الْقُرْآن مَخْلُوق، وَأَن الله مَعَه فِي الأَرْض، وَأَن الْجنَّة وَالنَّار لم يخلقا، وَأَن مُنْكرا ونكيرًا بَاطِل، وَأَن
_________________
(١) ١ مُرَاده بالصفاتية: الَّذين يثبتون لله الصِّفَات بِخِلَاف الْمُعْتَزلَة الَّذين ينفونها "انْظُر: الْملَل والنحلل للشهرستاني/ بتحقيق، مُحَمَّد سيد كيلاني ١/ ٩٢". ٢ الْفرق بَين الْفرق/ الطبعة الثَّالِثَة/ ص١٩٢-١٩٣. ٣ الْملَل والنحل "١/ ٩٠". ٤ الْملَل والنحل "١/ ١٤٣-١٤٤".
[ ١ / ٦٠ ]
الصِّرَاط بَاطِل، وَأَن السَّاعَة بَاطِل، وَأَن الْمِيزَان بَاطِل، مَعَ كَلَام كثير.
قَالَ: فَقَالَ: أدخلهُ عَليّ، فأدخلته عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا بشر ادنه، وَيلك يَا بشر ادنه -مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا- فَلم يزل يُدْنِيه حَتَّى قرب مِنْهُ، فَقَالَ: وَيلك يَا بشر من تعبد؟ وَأَيْنَ رَبك؟ قَالَ: فَقَالَ: وَمَا ذَاك يَا أَبَا الْحسن؟ قَالَ: "أخْبرت عَنْك أَنَّك تَقول: الْقُرْآن مَخْلُوق، وَأَن الله مَعَك فِي الأَرْض، مَعَ كَلَام كثير.
وَلم أر شَيْئا أَشد على أبي من قَوْله: إِن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَإِن الله مَعَه على الأَرْض. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحسن لم أجئ لهَذَا، وَإِنَّمَا جِئْت فِي كتاب خَالِد تقرؤه عَليّ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: لَا وَلَا كَرَامَة، حَتَّى أعلم مَا أَنْت عَلَيْهِ، أَيْن رَبك، وَيلك؟ فَقَالَ لَهُ: أَو تعفيني؟ قَالَ: مَا كنت لأعفيك، قَالَ: أَنا إِذا أَبيت فَإِن رَبِّي نور فِي نور. قَالَ فَجعل يزحف إِلَيْهِ وَيَقُول: وَيحكم اقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ وَالله زنديق، وَقد كلمت هَذَا الصِّنْف بخراسان١.
وَأخرج الْخَطِيب بِسَنَدِهِ أَيْضا عَن قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ: "دخل الشَّافِعِي على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعِنْده بشر المريسي! فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي: أدْخلك الله فِي أَسْفَل سافلين مَعَ فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون، فَقَالَ المريسي: أدْخلك الله فِي أَعلَى عليين مَعَ مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم وموسي. قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: فَذكرت هَذِه الْحِكَايَة لبَعض أَصْحَابنَا فَقَالَ لي: أَلا تَدْرِي أَي شَيْء أَرَادَ المريسي بقوله؟ كَانَ مِنْهُ طنزًا؛ لِأَنَّهُ يَقُول: لَيْسَ ثمَّ جنَّة وَلَا نَار"٢.
وَبِسَنَدِهِ أَيْضا عَن إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ يَقُولُ: "دخل حميد الطوسي على أَمِير الْمُؤمنِينَ -وَعِنْده بشر المريسي- فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ
_________________
(١) ١ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٥٨". ٢ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٠".
[ ١ / ٦١ ]
لحميد: أَتَدْرِي من هَذَا يَا أَبَا غَانِم؟ قَالَ: لَا قَالَ هَذَا بشر المريسي! فَقَالَ حميد: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! هَذَا سيد الْفُقَهَاء، هَذَا قد رفع عَذَاب الْقَبْر، وَمَسْأَلَة مُنكر وَنَكِير، وَالْمِيزَان، والصراط، انْظُر هَل يقدر أَن يرفع الْمَوْت؟ ثمَّ نظر إِلَى بشر، فَقَالَ: لَو رفعت الْمَوْت كنت سيد الْفُقَهَاء حقًّا".
وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب قَالَ: سَمِعت يحيى بن إِسْمَاعِيل الوَاسِطِيّ، يَقُول: سَمِعت عباد بن الْعَوام يَقُول: كلمت بشر المريسي وَأَصْحَاب بشر فَرَأَيْت آخر كَلَامهم يَنْتَهِي إِلَى أَن يَقُولُوا: لَيْسَ فِي السَّمَاء شَيْء١.
قلت: ويغني عَن بسط الْكَلَام فِي معرفَة مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذَا الجهمي من الضلال والزيغ والتأويل تَأمل كتاب الدَّارمِيّ عُثْمَان بن سعيد -﵀- فِي رده عَلَيْهِ، فقد بسط القَوْل فِي بَيَان مُعْتَقد هَذَا المريسي، وفند أَقْوَاله وفضحه على مَلأ من النَّاس، وَنقل هُوَ وَغَيره من الجهابذة الْأَعْلَام من أَئِمَّة الْعلم وَالدّين القَوْل بتكفيره وَقَتله، والتحذير من الْوُقُوع فِيمَا وَقع فِيهِ هُوَ وَأَتْبَاعه من الْإِلْحَاد فِي الله وَفِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته، وجنته وناره مدعومًا بالأدلة والبراهين النقلية والعقلية بِمَا يروي غلَّة الظمآن. فرحم الله الدَّارمِيّ رَحْمَة الْأَبْرَار.
مناظراته:
ذكر ابْن أبي حَاتِم فِي آدَاب الشَّافِعِي ومناقبه عَن أبي ثَوْر قَالَ: سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: ناظرت بشرا المريسي فِي الْقرعَة فَقَالَ: "الْقرعَة قمار" فَذكرت مَا بيني وَبَينه لأبي البخْترِي -وَكَانَ قَاضِيا- فَقَالَ: ايتني بآخر
_________________
(١) ١ عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة "ص٣٢"، تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٥٨".
[ ١ / ٦٢ ]
يشْهد مَعَك حَتَّى أضْرب عُنُقه١.
وَفِي تَارِيخ بَغْدَاد من طَرِيق الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي، وَفِيه: فَذكرت لَهُ حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْقرعَة. فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله هَذَا قمار٢.
وَعَن أبي ثَوْر أَيْضا قَالَ: سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: قلت لبشر المريسي: مَا تَقول فِي رجل قتل: وَله أَوْلِيَاء صغَار وكبار، هَل للأكابر أَن يقتلُوا دون الأصاغر فَقَالَ: لَا، فَقلت لَهُ: فقد قتل الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب -ابْن ملجم- ولعلي أَوْلَاد صغَار، فَقَالَ: أَخطَأ الْحسن بن عَليّ، فَقلت: أما كَانَ جَوَاب أحسن من هَذَا اللَّفْظ؟! فَقَالَ: وهجرته من يَوْمئِذٍ٣.
ونقف أَيْضا على تِلْكَ المناظرة العجيبة الَّتِي دارت فِي حَضْرَة الْمَأْمُون، حول خلق الْقُرْآن بَين بشر المريسي الضال، وَعبد الْعَزِيز بن يحيى الْكِنَانِي الشَّافِعِي المتوفي سنة٢٣٥ وَقيل: سنة ٢٤٠، دحض فِيهَا الْكِنَانِي شبه المريسي وأفحمه بالحجج القاطعة، مُسْتَندا فِي ذَلِك إِلَى النَّص القرآني الْوَاضِح الْجَلِيّ فِي إِثْبَات كَلَام الله صفة من صِفَاته، وَأَن الْقُرْآن كَلَام الله منزل غير مَخْلُوق.
وَهَذَا الْكتاب هُوَ الْمَعْرُوف بِكِتَاب "الحيدة" وحري بطالب الْعلم أَن يطلع على هَذَا الْكتب النافع، ليقف على مدى مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف الصَّالح من قُوَّة ودحض الْبِدْعَة والانتصار للسّنة، فَهُوَ مَعَ صغر
_________________
(١) ١ ابْن أبي حَاتِم فِي آدَاب الشَّافِعِي ومناقبه/ تَحْقِيق عبد الْغَنِيّ عبد الْخَالِق "ص١٧٥". ٢ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٠". ٣ آدَاب الشَّافِعِي: الْمصدر السَّابِق "ص١٧٥-١٧٦"، تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٠".
[ ١ / ٦٣ ]
حجمه كَبِير بِمَا احتواه، وَقد طبع غير مرّة وَللَّه الْحَمد.
موقف الْعلمَاء والحكام وَغَيرهم مِنْهُ:
لم يأل الْعلمَاء جهدًا فِي بذل النَّصِيحَة لهَذَا المريسي الضال، عله يرعوي عَن ضلال وَيَنْتَهِي بِنَفسِهِ إِلَى مَا انْتهى إِلَيْهِ سلف الْأمة الصَّالح من قبله، من الْإِيمَان بِاللَّه وبأسمائه وَصِفَاته وجنته وناره ووعده ووعيده وَسَائِر أمره وَنَهْيه، إِلَّا أَن نَفسه الأمارة بالسوء غلبت عَلَيْهِ فآثر هَوَاهُ على الانصياع إِلَى الْحق، وخلا قلبه إِلَّا من حبائل الشَّيْطَان ونزغاته، فأمكنت الشُّبْهَة من نَفسه واستقرت فِي شغَاف قلبه الْخَالِي من قُوَّة الْإِيمَان، فَلم يأبه لناصح ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
وَلَقَد حاولت أمه المسكينة معالجة أمره بِالْحُسْنَى واستعانت فِي ذَلِك بِالْإِمَامِ الشَّافِعِي -﵀- إِلَّا أَن ذَلِك لم يجد بِشَيْء، فقد أخرج الْخَطِيب الشَّافِعِي فَقَالَت: يَا أَبَا عبد الله، أرى ابْني يهابك ويحبك، وَإِذا ذكرت عِنْده أَجلك، فَلَو نهيته عَن هَذَا الرَّأْي الَّذِي هُوَ فِيهِ، فقد عَادَاهُ النَّاس عَلَيْهِ، وَيتَكَلَّم فِي شَيْء يواليه النَّاس عَلَيْهِ وَيُحِبُّونَهُ؟.
فَقَالَ لَهَا الشَّافِعِي: أفعل، فَشَهِدت الشَّافِعِي -وَقد دخل عَلَيْهِ بشر- فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي: أَخْبرنِي عَمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ أكتاب نَاطِق، أم فرض مفترض، أم سنة قَائِمَة، أم وجوب عَن السّلف الْبَحْث فِيهِ وَالسُّؤَال عَنهُ؟ فَقَالَ بشر: لَيْسَ فِيهِ كتاب نَاطِق وَلَا فرض مفترض، وَلَا سنة قَائِمَة، وَلَا وجوب عَن السّلف الْبَحْث فِيهِ،
_________________
(١) ١ سُورَة الْأَنْعَام، الْآيَة "١٢٥".
[ ١ / ٦٤ ]
إِلَّا أَنه لَا يسعني خِلَافه، فَقَالَ الشَّافِعِي: أَقرَرت على نَفسك بالْخَطَأ، فَأَيْنَ أَنْت عَن الْكَلَام فِي الْفِقْه وَالْأَخْبَار، يواليك النَّاس عَلَيْهِ وتترك هَذَا؟ قَالَ: لنا نهمة فِيهِ فَلَمَّا خرج بشر قَالَ الشَّافِعِي: لَا يفلح١.
كَمَا أَن الْعلمَاء أَيْضا وقفُوا مِنْهُ موقف الناصح المحذر لَهُ من مغبة مَا هُوَ عَلَيْهِ من فَسَاد الِاعْتِقَاد، مستندين فِي نصيحتهم لَهُ على الْحجَج الناصعة والبراهين القاطعة، والأدلة لكل من كَانَ لَهُ أدنى نظر أَو تَأمل.
فَعَن بشر بن مُوسَى قَالَ: سَمِعت أَبَا يُوسُف القَاضِي يَقُول لبشر المريسي: طلب الْعلم بالْكلَام هُوَ الْجَهْل، الْجَهْل بالْكلَام هُوَ الْعلم، وَإِذا صَار رَأْسا فِي الْكَلَام قيل، زنديق، أَو رمي بالزندقة، يَا بشر، بَلغنِي أَنَّك تَتَكَلَّم فِي الْقُرْآن، إِن أَقرَرت لله علما خصمت وَإِن جحدت الْعلم كفرت٢.
وَعَن سليم بن مَنْصُور بن عمار قَالَ: كتب بشر المريسي إِلَى أَبِيه مَنْصُور بن عمار: أَخْبرنِي الْقُرْآنُ خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: فَكتب إِلَيْهِ عَافَانَا الله وَإِيَّاك من كل فتْنَة، وَجَعَلنَا وَإِيَّاك من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، فَإِنَّهُ إِن يفعل فأعظم بهَا من نعْمَة، وَإِلَّا فَهِيَ الهلكة، وَلَيْسَت لأحد على الله بعد الْمُرْسلين حجَّة: نَحن نرى أَن الْكَلَام فِي الْقُرْآن بِدعَة، تشارك فِيهَا السَّائِل والمجيب، وتعاطى السَّائِل مَا لَيْسَ لَهُ، وتكلف الْمُجيب مَا لَيْسَ عَلَيْهِ، وَمَا أعرف خَالِقًا إِلَّا الله، وَمَا دون الله مَخْلُوق، وَالْقُرْآن كَلَام الله، فانته
_________________
(١) ١ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٥٩". ٢ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦١-٦٢" الْأَنْسَاب للسمعاني "ورقة ٥٢٤".
[ ١ / ٦٥ ]
بِنَفْسِك وبالمختلفين مَعَك، إِلَى أَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّاهُ الله بهَا تكن من المهتدين، وَلَا تسم الْقُرْآن باسم من عنْدك فَتكون من الضَّالّين، جعلنَا الله وَإِيَّاك من الَّذين يخشونه بِالْغَيْبِ وهم من السَّاعَة مشفقون١.
وَعَن حَامِد بن يحيى الْبَلْخِي قَالَ: لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة: إِن بشرا يَقُول: إِن الله لَا يرى يَوْم الْقيمَة، فَقَالَ: قَاتله الله، دويبة، ألم يسمع الله يَقُول: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، فَجعل احتجابه عَنْهُم عُقُوبَة لَهُم فَإِذا احتجب عَن الْأَوْلِيَاء والأعداء، فَأَي فضل للأولياء على الْأَعْدَاء٢.
وَعَن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: أخْبرت عَن بشر بن الْوَلِيد، قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد أبي يُوسُف القَاضِي فَدخل عَلَيْهِ بشر المريسي، فَقَالَ أَبُو يُوسُف حَدثنَا إِسْمَاعِيل، عَن قيس، عَن جرير، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذكر حَدِيث الرُّؤْيَا، ثمَّ قَالَ أَبُو يُوسُف: إِنِّي وَالله أُؤْمِن بِهَذَا الحَدِيث وَأَصْحَابك يكفرون بِهِ وَكَأَنِّي بك قد شغلتك عَن النَّاس خَشَبَة بَاب الجسر٣.
وَلَكِن هَيْهَات هَيْهَات فقد أمكنت الشُّبْهَة من نَفسه، وَاسْتولى الْهوى على قلبه فَلم يعد للنصيحة أثر فِي رده وَلَا للموعظة دور فِي إقناعه.
وَلما شاع أمره واشتهر خَبره أَسَاءَ الْعلمَاء قَوْلهم فِيهِ، وكفره أَكْثَرهم من أجل مقَالَته وحرضوا على قَتله. وَلست هُنَا بصدد الحَدِيث عَن كل مَا
_________________
(١) ١ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٢". ٢ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٥". ٣ السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد ص"٣٢"، تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦١-٦٢".
[ ١ / ٦٦ ]
نقل عَن الْعلمَاء فِي تكفيره وذمه لِئَلَّا يطول الْمقَام، وسأكتفي بِذكر جملَة مِمَّا أثر عَن الْعلمَاء أَنهم قَالُوهُ عَنهُ.
فَعَن الْفضل بن إِسْحَاق الدوري قَالَ: سَمِعت المعيطي يَقُول: كُنَّا عِنْد يزِيد بن هَارُون فَذكرُوا المريسي فَقَالَ: مَا يَقُول؟ قَالُوا: الْقُرْآن مَخْلُوق، فَقَالَ: هَذَا كَافِر١.
وَعَن حَامِد بن يحيى، عَن يزِيد بن هَارُون. قَالَ: المريسي حَلَال الدَّم يقتل٢.
وَعَن مُحَمَّد بن يزِيد قَالَ: قَالَ يزِيد بن هَارُون: حرضت أهل بَغْدَاد على قتل بشر المريسي غير مرّة٣.
وَعَن يحيى بن يُوسُف الزمي، قَالَ: سَمِعت شَبابَة بن سوار، يَقُول: اجْتمع رَأْيِي ورأي النّظر هَاشم بن الْقَاسِم، وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء على أَن بشر المريسي كَافِر جَاحد، أرى أَن يُسْتَتَاب، فَإِن تَابَ وَإِلَّا ضربت عُنُقه٤.
وَقَالَ الأ زدي: زائغ صَاحب رَأْي لَا يقبل وَلَا يخرج حَدِيثه، وَلَا كَرَامَة إِذْ كَانَ عندنَا على طَريقَة الْإِسْلَام٥.
_________________
(١) ١ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٢". ٢، ٣ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٣". ٤ السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد ص"٣١"، تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٣". ٥ لِسَان الْمِيزَان "٢/ ٣٠".
[ ١ / ٦٧ ]
وَعَن عبد الله بن الإِمَام أَحْمد قَالَ: سَمِعت سوار بن عبد الله القَاضِي سَمِعت أخي عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن سوار يَقُول: كنت عِنْد سُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَوَثَبَ النَّاس على بشر حَتَّى ضربوه وَقَالُوا: جهمي، فَقَالَ لَهُ. سُفْيَان: يَا دويبة ألم تسمع الله يَقُول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الْأَعْرَاف: ٥٤] فَأخْبر أَن الْخلق غير الْأَمر. قيل لسوار: فأيش قَالَ بشر، قَالَ: سكت لم يكن عِنْده حجَّة١.
وَلما ترامى إِلَى سمع الرشيد خَبره توعد بقتْله شَرّ قتلة، فَعَن المَسْعُودِيّ القَاضِي، سَمِعت هَارُون أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول: بَلغنِي أَن بشر المريسي يزْعم أَن الْقُرْآن مَخْلُوق لله، عَليّ إِن أَظْفرنِي الله بِهِ لأقتله قتلة مَا قتلتها أحدا قطّ٢.
وَنقل ابْن حجر عَن صَاحب الحافل قَوْله: وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي لما غلب على الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد٣ حبس بشرا وَجمع الْفُقَهَاء على مناظرته فِي بدعته فَقَالُوا: استتبه فَإِن تَابَ وَإِلَّا فَاضْرب عُنُقه، ذكر ابْن أبي حَاتِم فِي الرَّد على الْجَهْمِية.
وَذكر من وَجه آخر أَن هرثمة كَانَ قد قبض عَلَيْهِ سنة١٩٨هـ هُوَ وَإِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن علية فاختفى هُوَ وهرب إِبْرَاهِيم بِمصْر٤.
_________________
(١) "١، ٢" السّنة، الْمصدر السَّابِق ص"٣١". ٣ كَانَت بيعَته بِبَغْدَاد سنة ٢٠٢ وَذَلِكَ فِي عهد خلَافَة الْمَأْمُون. "انْظُر: تَارِيخ الطَّبَرِيّ ٨/ ٥٥٧" والكامل لِابْنِ الْأَثِير "٦/ ٣٤٢". ٤ لِسَان الْمِيزَان "٢/ ٣٠".
[ ١ / ٦٨ ]
وَفَاته واستبشار النَّاس بِمَوْتِهِ:
تُشِير المصادر الَّتِي وقفت عَلَيْهَا فِي تَرْجَمَة المريسي إِلَى أَن وَفَاته كَانَت سنة ٢١٨، ويضيف الْبَعْض بِصِيغَة التمريض إِلَى أَن وَفَاته كَانَت سنة ٢١٩ ١ وَقد قَارب الثَّمَانِينَ٢ وَنقل ابْن حجر أَنه كَانَ من أَبنَاء سبعين سنة٣.
وَذكر ابْن خلكان أَن وَفَاته كَانَت بِبَغْدَاد٤.
واستبشر بِمَوْتِهِ الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَعَامة النَّاس وشكروا الله تَعَالَى على ذَلِك، وَجعل الصّبيان يتعادون بَين يَدي الْجِنَازَة وَيَقُولُونَ: من يكْتب إِلَى مَالك من يكْتب إِلَى مَالك٥.
وَعَن بشر بن الْحَارِث، قَالَ: جَاءَ موت هَذَا الَّذِي يُقَال لَهُ: المريسي وَأَنا فِي السُّوق، فلولا أَنه كَانَ مَوْضُوع شهرة لَكَانَ مَوضِع شكر وَسُجُود وَالْحَمْد لله الَّذِي أَمَاتَهُ، هَكَذَا قُولُوا٦.
وَعند ابْن حجر أَنه قَالَ: فلولا أَنه لَيْسَ مَوضِع سُجُود سجدت
_________________
(١) ١ الْأَنْسَاب "٣/ ٢٠٠" وفيات الْأَعْيَان "١/ ٢٥١"، لِسَان الْمِيزَان "٢/ ٣٠"، تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٧". ٢ سير أَعْلَام النبلاء "١٠/ ٢٠٢". ٣ لِسَان الْمِيزَان "٢/ ٣٠". ٤ وفيات الْأَعْيَان "١/ ٢٥١". ٥ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٤". ٦ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٧".
[ ١ / ٦٩ ]
وَعَن عُثْمَان بن سعيد الرَّازِيّ قَالَ: حَدثنَا الثِّقَة من أَصْحَابنَا، قَالَ: لما مَاتَ بشر بن غياث المريسي لم يشْهد جنَازَته من أهل الْعلم وَالسّنة إِلَّا عبيد الشونيزي، فَلَمَّا رَجَعَ من جَنَازَة المريسي أقبل عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، قَالُوا: يَا عَدو الله، تنتحل السّنة وَالْجَمَاعَة وَتشهد جَنَازَة المريسي؟ قَالَ: أنظروني حَتَّى أخْبركُم، مَا شهِدت جَنَازَة رَجَوْت فِيهَا من الْأجر مَا رَجَوْت فِي جنَازَته. لما وضع مَوضِع الْجَنَائِز قُمْت فِي الصَّفّ فَقلت: اللَّهُمَّ عَبدك هَذَا كَانَ لَا يُؤمن برؤيتك فِي الأخرة، اللَّهُمَّ فاحجبه عَن النّظر إِلَى وَجهك يَوْم ينظر إِلَيْك الْمُؤْمِنُونَ، اللَّهُمَّ عَبدك هَذَا كَانَ لَا يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر، اللَّهُمَّ فَعَذَّبَهُ الْيَوْم فِي قَبره عذَابا لَا تعذبه أحدا من الْعَالمين، اللَّهُمَّ عَبدك هَذَا كَانَ يُنكر الْمِيزَان، اللَّهُمَّ فَخفف مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة، اللَّهُمَّ عَبدك هَذَا كَانَ يُنكر الشَّفَاعَة، اللَّهُمَّ فَلَا تشفع فِيهِ أحدا من خلقك يَوْم الْقِيَامَة، قَالَ فَسَكَتُوا وَضَحِكُوا٢.
آثاره:
قَالَ الذَّهَبِيّ: وللمريسي تصانيف جمة٣،
صنف كتابا فِي التَّوْحِيد، وَكتاب "الإرجاء"، وَكتاب "الرَّد على الْخَوَارِج"، وَكتاب "الِاسْتِطَاعَة"، و"الرَّد على الرافضة فِي الْإِمَامَة"،
_________________
(١) ١ لِسَان الْمِيزَان "٢/ ٣١". ٢ تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٦٦". ٣ سير أَعْلَام النبلاء "١٠/ ٢٢٠-٢٠١"، مُعْجم المؤلفين "٣/ ٤٦".
[ ١ / ٧٠ ]
وَكتاب "كفر المشبهة"، وَكتاب "الْوَعيد" وَأَشْيَاء غير ذَلِك فِي نحلته.
وَيذكر حاجي خَليفَة أَن لَهُ كتاب الْحجَج قَالَ: وَهُوَ أحسن من كتاب الْمُزنِيّ، وحجج عِيسَى بن أبان أدق علما وَأحسن ترتيبًا من كتاب الْمُزنِيّ١.
وَهل مصنفات المريسي مَا زَالَت مَوْجُودَة حَتَّى الْيَوْم أَو أَنَّهَا فقدت؟
يَقُول فؤاد سزكين: لقد ضَاعَت كل كتب المريسي إِلَّا إجاباته فِي مناقشة حول خلق الْقُرْآن دارت فِي حَضْرَة الْمَأْمُون، وَقد بقيت هَذِه الإجابات فِي كتاب الْحَيَوَان للجاحظ ٧/ ١١٦، وَفِي كتاب أدب الشَّافِعِي لِابْنِ أبي حَاتِم ١٧٥-١٧٦، وَوصل إِلَيْنَا كَذَلِك ردان على إجاباته هما:
١- النَّقْض على المريسي لعُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ المتوفي "٢٨٢هـ/ ٨٩٥م".
٢- كتاب الحيدة لعبد الْعَزِيز بن يحيى بن مُسلم الْكِنَانِي الْمَكِّيّ الشَّافِعِي المتوفي "٢٣٥هـ/ ٨٤٩م، وَقيل: ٢٤٠هـ" وَصِحَّة نِسْبَة هَذَا الْكتاب مَوضِع نظر٢.
قلت: وَقد حقق الدكتور عَليّ بن مُحَمَّد الفقيهي الْأُسْتَاذ بالجامعة الإسلامية بِالْمَدِينَةِ المنورة صِحَة نِسْبَة هَذَا الْكتاب للكناني فَلْيتَأَمَّل٣.
_________________
(١) ١ كشف الظنون ص"٦٣٢". ٢ تَارِيخ التراث الْعَرَبِيّ تَرْجَمَة د. مَحْمُود حجازي د. مَحْمُود أَبُو الْفضل "٢/ ٣٩٨". ٣ الحيدة والاعتذار فِي الرَّد من قَالَ بِخلق الْقُرْآن ص"٦-١٩".
[ ١ / ٧١ ]
الْفَصْل الثَّالِث: التَّعْرِيف بِابْن الثَّلْجِي
تَنْبِيه:
جدير بِالذكر أَن ابْن الثَّلْجِي لَيْسَ هُوَ الْمعَارض فِي ثنايا الْكتاب كَمَا يتَوَهَّم الْبَعْض، إِذْ إِن من تَأمل الْكتاب، فيسقف على أَن الْمَقْصُود بالمعارض غير المريسي وَابْن الثَّلْجِي، وَقد أَشرت إِلَى ذَلِك فِي مَوْضِعه فِي بداية الْقسم الثَّانِي.
وقيامي بترجمة ابْن الثَّلْجِي بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الواسعة يرجع إِلَى المريسي، وَكَثِيرًا مَا تَجِد فِي ثنايا الْكتاب ذكر ابْن الثَّلْجِي مُنْفَردا بِشُبْهَة أَو مَقْرُونا ببشر المريسي.
كَمَا أَن المخطوطات الَّتِي وقفت عَلَيْهَا فِيهَا تَرْجَمَة لِابْنِ الثَّلْجِي مُسندَة إِلَى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي تَارِيخه.
وَكَانَ لَا بُد من إِعْطَاء الْقَارئ صُورَة وَاضِحَة عَنهُ فَوضعت لَهُ هَذِه التَّرْجَمَة.
[ ١ / ٧٥ ]
المبحث الأول: عصره السياسي والعلمي
أَولا: عصره السياسي:
عَاشَ ابْن الثَّلْجِي فِي الفترة مَا بَين عَام ١٨١هـ إِلَى سنة ٢٦٦هـ، وتكاد تِلْكَ الفترة الَّتِى عاشها تتفق فِي كثير من الملامح الساسية مَعَ الفترة الَّتِي عاشها الدَّارمِيّ، فقد عاشا فِي عصر وَاحِد، إِلَّا أَن ابْن الثَّلْجِي كَانَ أسبق فِي وِلَادَته عَن الدَّارمِيّ بِنَحْوِ من ستعة عشر عَاما كَانَ فِيهَا فِي بداية نشأته وتعلمه.
وَيُمكن القَوْل بِأَن من أهم ملامح الْحَيَاة السياسية الَّتِي عاشها ابْن الثَّلْجِي فِي بداية نشأته أَنَّهَا فَتْرَة بلغت فِيهَا الدولة العباسية أوج قوتها، وتجلى عصرها الذَّهَبِيّ فِي أسمى مظاهره، وَلم يكن ثمَّة دولة تضاهيها فِي الدولة وَالسُّلْطَان وَالْقُوَّة والثروة. تِلْكَ هِيَ الفترة الَّتِي كَانَ الْقَائِم فِيهَا بِأَمْر الْخلَافَة هُوَ الْخَلِيفَة هَارُون الرشيد الَّذِي يعد من أبرز الْخُلَفَاء الَّذين عرفهم التَّارِيخ، فقد كَانَ تقيًّا محسنًا متمسكًا بِدِينِهِ ماهرًا فِي قيادة الجيوش، كثير التجوال فِي أملاكه بِقصد الْقَضَاء على الفوضى، موضعا لثقة أَبِيه مُنْذُ حداثته.
وَرَغمَ ماحدث من بعض الْفِتَن الداخلية والمنازعات الَّتِي كَانَ من أبرزها قيام دولة الأغالبة واستقلالها بالقيروان إِلَّا أَن هَذَا يتضاءل مَعَ مِقْدَار مَا تمّ فِي عهد الرشيد من فتوح ومنجزات فِي مُخْتَلف الميادين، إِلَى أَن توفّي سنة ١٩٣ عَن عمر يناهز ٤٤ عَاما.
[ ١ / ٧٧ ]
وَقد سبق وَأَن أَشرت إِلَى جملَة من الْأَحْدَاث الَّتِي وَقعت فِي عَهده فِي عصر المريسي السياسي.
ثَانِيًا: عصره العلمي:
لَا يخْتَلف الحَدِيث عَن الْحَالة العلمية فِي عصر ابْن الثَّلْجِي عَن الحَدِيث عَنْهَا فِي عصر الدَّارمِيّ، إِلَّا أَنه يجدر التَّنْبِيه إِلَى أَن ابْن الثَّلْجِي عاصر الفترة الذهبية الَّتِي حكم فِيهَا هَارُون الرشيد، ذَلِك الْعَهْد الَّذِي كَانَ لَهُ أكبر الْأَثر فِي قيام النهضة الدِّينِيَّة والعلمية والأدبية فِي جوانبها الْمُخْتَلفَة، حَيْثُ سَاد الرخَاء واستتب الْأَمْن وَعظم سُلْطَان الدولة وانتشرت الْمَسَاجِد والكتاتيب ودور الْعلم وأغدق الْعَطاء على الْعلمَاء وَالْكتاب، وَظَهَرت الْعِنَايَة بِالْقُرْآنِ وَالسّنة وعلوم اللُّغَة وآدابها، كَمَا ظهر للْعُلَمَاء دور بارز فِي مناهضة الْبدع والانتصار لمَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، والعناية بالتصنيف فِي مُخْتَلف الْعُلُوم، الدِّينِيَّة مِنْهَا والدنيوية.
[ ١ / ٧٨ ]
المبحث الثَّانِي: حَيَاة ابْن الثَّلْجِي
اسْمه وكنيته وَنسبه:
هُوَ الْفَقِيه الْبَغْدَادِيّ، الْحَنَفِيّ١ مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي٢ وَيُقَال: الْبَلْخِي٣ ويذكره الْبَعْض: مُحَمَّد بن شُجَاع بن الثَّلْجِي٤ ويكنى بِأبي عبد الله٥ وَيعرف أَيْضا بِابْن الثَّلْجِي٦ وبأبي بكر٧.
نسبته:
قَالَ ابْن الْأَثِير: "الثَّلْجِي" بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون اللَّام فِي آخرهَا الْجِيم قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: بَنو الثَّلج بن عَمْرو بن مَالك بن مَنَاة بن هُبل بن عبد الله بن بكر بن عَوْف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثوب بن كلب بن وبرة،
_________________
(١) ١ ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧٧". ٢ تجمع أَكثر المصادر الَّتِي اعتمدت عَلَيْهَا هَذِه التَّسْمِيَة. ٣ الْجَوَاهِر المضية "٢/ ٦٠". ٤ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان "٣/ ٥٧٧" وَتَذْكِرَة الْحفاظ "٢/ ١٨٤"، شذرات الذَّهَب "٢/ ١٥١". ٥ ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧٧"، الْفَوَائِد البهية فِي تراجم الْحَنَفِيَّة ص"١٧١"، الفهرست لِابْنِ النديم ص"٢٦٠". ٦ اللّبَاب "١/ ٢٤١"، سير أَعْلَام البنلاء "١٢/ ٣٧٩". ٧ الْكَامِل لِابْنِ الْأَثِير "٧/ ٣٣٧".
[ ١ / ٧٩ ]
بطن من كلب ثمَّ من قضاعة، وَلَهُم عدد وَفِيهِمْ كَثْرَة نسبوا إِلَى الْجد أبي الثَّلج أَو إِلَى الثَّلج، وَمِنْهُم أَبُو عبد الله بن أبي شُجَاع يعرف بِابْن الثَّلْجِي١.
وِلَادَته:
حكى أَبُو عبد الله الْهَرَوِيّ صَاحب الثَّلْجِي قَالَ: سَمِعت الثَّلْجِي يَقُول: ولدت فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة٢.
طلبه للْعلم وشيوخه:
قَالَ الذَّهَبِيّ: كَانَ من بحور الْعلم، وَكَانَ صَاحب تعبد وتهجد وتلاوة. سمع من ابْن علية ووكيع وَأُسَامَة وطبقتهم، وَأخذ الْحُرُوف عَن يحيى بن آدم وَالْفِقْه عَن الْحسن بن زِيَادَة٣.
وَقَالَ أَيْضا: وَكَانَ مَعَ هناته ذَا تِلَاوَة وَتعبد٤.
وَقَالَ: الْقرشِي: كَانَ فَقِيه الْعرَاق فِي وقته والمقدم فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَقِرَاءَة الْقُرْآن مَعَ ورع وَعبادَة٥.
وَقَالَ ابْن النديم: مبرز على نظرائه من أهل زَمَانه، وَكَانَ فَقِيها ورعًا وثباتًا على آرائه، وَهُوَ الَّذِي فتق فقه أبي حنفية وَاحْتج لَهُ وَأظْهر علله وَقواهُ بِالْحَدِيثِ وحلاه فِي الصُّدُور٦.
_________________
(١) ١ اللّبَاب "١/ ٢٤١". ٢ الْفَوَائِد البهية ص"١٧١". ٣ سير أَعْلَام النبلاء "١٢/ ٣٧٩". ٤ ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧٨". ٥ الْجَوَاهِر المضية فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة "٢/ ٦٠". ٦ الفهرست لِابْنِ النديم ص"٢٦٠".
[ ١ / ٨٠ ]
قَرَأَ على اليزيدي وروى عَن ابْن علية ووكيع، وتفقه على الْحسن بن زِيَادَة اللؤْلُؤِي وَغَيره، وَآخر من حَدِيث عَنهُ مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب بن شيبَة١.
وَقَالَ اللكنوي: أَخذ عَن الْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي وَحدث عَن يحيى بن آدم وَإِسْمَاعِيل بن علية ووكيع، وَأبي أُسَامَة وَعبيد الله بن مُوسَى، وَمُحَمّد بن عمر الْوَاقِدِيّ٢.
وسأتناول بالتعريف ثَلَاثَة من شُيُوخه:
١- الْحسن بن زِيَاد:
الْعَلامَة فَقِيه الْعرَاق، أَبُو عَليّ الْأنْصَارِيّ، مَوْلَاهُم، الْكُوفِي اللؤْلُؤِي صَاحب أبي حنيفَة، نزل بَغْدَاد وصنف وتصدر للفقه.
أَخذ عَنهُ: مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي وَشُعَيْب بن أَيُّوب الصيريفيني.
وَكَانَ أحد الأذكياء البارعين فِي الرَّأْي، ولي الْقَضَاء بعد حَفْص بن غياث ثمَّ عزل نَفسه.
قَالَ الذَّهَبِيّ: لينه ابْن الْمَدِينِيّ وَطول تَرْجَمته الْخَطِيب.
مَاتَ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ رَحمَه الله٣.
_________________
(١) ١ ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧". ٢ الْفَوَائِد البهية ص"١٧١". ٣ سير أَعْلَام النبلاء "٩/ ٥٤٣-٥٤٥"، تَارِيخ بَغْدَاد "٧/ ٣١٤"، شذرات الذَّهَب "٢/ ١٢".
[ ١ / ٨١ ]
٢- يحيى بن آدم:
هُوَ يحيى بن آدم بن سُلَيْمَان، الْعَلامَة، الْحَافِظ، المجود، أَبُو زكريَّا الْأمَوِي، مَوْلَاهُم الْكُوفِي، صَاحب التصانيف، من موَالِي خَالِد بن عقبَة بن أبي معيط.
ولد بعد الثَّلَاثِينَ وَمِائَة، وَلم يدْرك وَالِده، كَأَنَّهُ توفّي وَهَذَا حمل.
روى عَن عِيسَى بن طهْمَان، وسيفان الثَّوْريّ وَحَمَّاد بن سَلمَة وَغَيرهم، وَعنهُ أَحْمد وَإِسْحَاق وَيحيى وَعلي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيرهم.
وَثَّقَهُ يحيى بن معِين وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: كَانَ يحيى بن آدم من كبار أَئِمَّة الِاجْتِهَاد: توفّي غَرِيبا بِبَلَد فَم الصُّلْح فِي سنة ٢٠٣هـ١.
٣- اليزيدي:
شيخ الْقُرَّاء، أَبُو مُحَمَّد يحيى بن الْمُبَارك بن الْمُغيرَة الْعَدوي الْبَصْرِيّ النَّحْوِيّ، وَعرف باليزيدي لاتصاله بالأمير يزِيد بن مَنْصُور خَال الْمهْدي يُؤَدب وَلَده، جود الْقُرْآن على أبي عَمْرو الْمَازِني، وَحدث عَنهُ وَعَن ابْن جريج، وتلا عَلَيْهِ خلق مِنْهُم أَو عمر الدوري، وَأَبُو شُعَيْب السُّوسِي.
قَالَ الذَّهَبِيّ: "وَقد أدب الْمَأْمُون وَعظم حَاله وَكَانَ ثِقَة عَالما حجَّة فِي الْقِرَاءَة لَا يدْرِي مَا الحَدِيث لكنه إخباري نحوي، عَلامَة، بَصِير بِلِسَان الْعَرَب".
_________________
(١) ١ سير أَعْلَام النبلاء "٩/ ٥٢٢-٥٢٩"، تَهْذِيب التَّهْذِيب "١١/ ١٧٥"، شذرات الذَّهَب "٢/ ٨".
[ ١ / ٨٢ ]
عَاشَ ٧٤ سنة وَتُوفِّي بِبَغْدَاد سنة ٢٠٢، وَقيل: بل كَانَت وَفَاته بمرو فِي صحابة الْمَأْمُون١.
تلاميذه:
قَالَ اللكنوي: روى عَنهُ يَعْقُوب بن شيبَة وَابْن ابْنه مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب، وَعبد الْوَهَّاب بن أبي حَيَّة وَعبد الله بن أَحْمد ثَابت الْبَزَّار فِي آخَرين٢.
وسأتناول بالتعريف ثَلَاثَة مِنْهُم:
١- يَعْقُوب بن شيبَة:
هُوَ يَعْقُوب بن شيبَة، أَو الصَّلْت بن عُصْفُور الْحَافِظ الْكَبِير الْعَلامَة الثِّقَة، أَبُو يُوسُف السدُوسِي الْبَصْرِيّ ثمَّ الْبَغْدَادِيّ، صَاحب الْمسند الْكَبِير ولد فِي حُدُود سنة ١٨٠ وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الأول سنة ٢٦٢هـ٣.
٢- مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب:
هُوَ المعمر الصدوق، أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب بن شيبَة السدُوسِي الْبَغْدَادِيّ، سمع كثيرا من جده الْحَافِظ وَعلي بن حَرْب، وَمُحَمّد بن شُجَاع بن الثَّلْجِي، وَثَّقَهُ أَبُو بكر الْخَطِيب، ولد فِي أول سنة
_________________
(١) ١ سير أَعْلَام النبلاء "٩/ ٥٦٢-٥٦٣"، تَارِيخ بَغْدَاد "١٤/ ١٤٦"، شذرات الذَّهَب "٢/ ٤". ٢ الْفَوَائِد البهية ص"١٧١". ٣ تَارِيخ بَغْدَاد "١٤/ ٢٨١-٢٨٣"، تذكرة الْحَافِظ "٢/ ٥٧٧-٥٧٨"، سير أَعْلَام النبلاء "٢/ ٤٧٦-٤٧٩".
[ ١ / ٨٣ ]
٢٥٤، وَتُوفِّي فِي ربيع الآخر سنة ٣٣١ وَله ٧٨ سنة١.
٣- الْبَزَّار:
هُوَ عبد الله بن أَحْمد بن ثَابت بن سَلام، أَبُو الْقَاسِم الْبَزَّار، حدث عَن حَفْص بن عَمْرو وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي، وَعنهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن شاهين، ويوسف القواس وَغَيرهم، وَكَانَ ثِقَة، ولد سنة ٢٣٨ وَتُوفِّي سنة ٣٢٩ ٢.
عقيدته:
قَالَ اللكنوي: سُئِلَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل عَنهُ فَقَالَ: مُبْتَدع صَاحب هوى٣، وَبعث المتَوَكل إِلَى أَحْمد يسْأَله عَن ابْن الثَّلْجِي وَيحيى بن أَكْثَم فِي ولَايَة الْقَضَاء، فَقَالَ: أما ابْن الثَّلْجِي فَلَا، وَلَا حارس٤.
وَكَانَ من الواقفة على الْقُرْآن إِلَّا أَنه يرى رَأْي أهل الْعدْل والتوحيد٥ وَله ميل إِلَى مَذْهَب الْمُعْتَزلَة٦.
وَقَالَ ابْن عدي: كَانَ يضع الحَدِيث فِي التَّشْبِيه ينسبها إِلَى أَصْحَاب
_________________
(١) ١ تَارِيخ بَغْدَاد "١/ ٣٧٣-٣٧٥"، سير أَعْلَام النبلاء "١٥/ ٣١٢-٣١٣"، شذرات الذَّهَب "٢/ ٣٢٩". ٢ تَارِيخ بَغْدَاد "٩/ ٣٨٧-٣٨٨". ٣ اللكنوي فِي الْفَوَائِد البهية ص"١٧١". ٤ اللكنوي فِي الْفَوَائِد البهية ص"١٧١". ٥ ابْن النديم فِي الفهرست ص"٢٦٠". ٦ تَاج التراجم "٥٥"، الْجَوَاهِر المضية "٢/ ٦١"، الْفَوَائِد البهية ص"١٧١".
[ ١ / ٨٤ ]
الحَدِيث يثلبهم بذلك١.
وروى الْمروزِي: حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق الْهَاشِمِي، سَمِعت الزيَادي، يَقُول: أشهدنا ابْن الثلاج وَصيته، وَكَانَ فِيهَا: لَا يعْطى من ثُلثي إِلَّا من قَالَ: الْقُرْآن مَخْلُوق٢.
وَقَالَ الذَّهَبِيّ: جَاءَ من غير وَجه أَنه كَانَ ينَال من أَحْمد وَأَصْحَابه وَيَقُول: أيش قَامَ بِهِ أَحْمد؟! قَالَ الْمروزِي: أَتَيْته ولمته، فَقَالَ: إِنَّمَا أَقُول، الْقَضَاء، فَقيل لَهُ: هُوَ من أَصْحَاب بشر المريسي، فَقَالَ: نَحن بعد فِي بشر! فَقطع الْكتاب جزازات، فَسمِعت عَليّ بن الجهم يَقُول لأبي عبد الله، وَنحن بالعسكر: أَمر ابْن الثلاج أَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم -يَعْنِي مُتَوَلِّي بَغْدَاد- كلم المتَوَكل أَن يوليه الْقَضَاء، فَدخلت وَبَين يَدَيْهِ كتب يُرِيد أَن يختمها، وَبَين يَدَيْهِ بطيخ كثير، فجَاء رَسُول إِسْحَاق ينجز الْكتب، فَقَالَ لي المتَوَكل: يَا عَليّ، من مُحَمَّد بن شُجَاع هَذَا؟ فقد ألح على إِسْحَاق فِي سَببه! فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا من أَصْحَاب بشر المريسي، فَقَالَ: ذَلِك! وَقطع الْكتاب. فَانْصَرف الرَّسُول فجَاء إِسْحَاق فَقُمْت إِلَيْهِ فَرَأَيْت الْكَرَاهِيَة فِي وَجهه، فَكَانَ ذَلِك سَبَب تسييري إِلَى أسبيجاب٣.
قلت: وَمَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذَا الرجل من عبَادَة وتهجد وتلاوة وَفقه فِي
_________________
(١) ١ ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧٧"، شذرات الذَّهَب "٢/ ١٥١". ٢ ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧٨". ٣ ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧٧-٥٧٨".
[ ١ / ٨٥ ]
الدَّين، يكْشف عَنهُ ثَنَاء الْعلمَاء عَلَيْهِ وَالشَّهَادَة لَهُ بذلك، إِلَّا أَنه كَانَ مَعَ هَذَا متأثر بعقائد الْجَهْمِية متأولًا فِي الصِّفَات مُتَّفقا مَعَ المريسي الضال فِي كثير مِمَّا ذهب إِلَيْهِ من الزيغ والضلال فِي ذَات الله وأسمائه وَصِفَاته بِمَا يُفْضِي إِلَى تَعْطِيل الله عَن صِفَات الْكَمَال، ونعوت الْجلَال الَّتِي تلِيق بجلاله وعظمته، وَوَصفه بِصِفَات يتنزه عَنْهَا أدنى الْخلق فَمَا بالك بِرَبّ الْعَالمين.
وَقد قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وَقَالَ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
بعض مَا نسب إِلَيْهِ من الرِّوَايَات:
قَالَ ابْن عدي: كَانَ يضع الحَدِيث فِي التَّشْبِيه ينسبها إِلَى أَصْحَاب الحَدِيث يسابهم بذلك٣.
وَقَالَ ابْن عدي أَيْضا: روى ابْن الثَّلْجِي عَن حبَان بن هِلَال -وحبان ثِقَة- عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَزِّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ،
_________________
(١) ١ سُورَة الْأَعْرَاف، الْآيَة "١٨٠". ٢ سُورَة الْحَشْر، الأيات "٢٢، ٢٣، ٢٤". ٣ ميزَان الِاعْتِدَال ٣/ ٥٧٧، قلت: وَفِي شذرات الذَّهَب "٢/ ١٥١"، "يثلبهم بذلك".
[ ١ / ٨٦ ]
قَالَ: "إِن الله خلق الْفرس فأجراها فعرقت، ثمَّ خلق نَفسه مِنْهَا" ١.
قَالَ الذَّهَبِيّ: هَذَا مَعَ كَونه من أبين الْكَذِب هُوَ من وضع الْجَهْمِية ليذكروه فِي معرض الِاحْتِجَاج على أَن نَفسه شَيْء من مخلوقاته، فَكَذَلِك إِضَافَة كَلَامه إِلَيْهِ من هَذَا الْقَبِيل إِضَافَة ملك وتشريف، كبيت الله، وناقة الله، ثمَّ يَقُولُونَ: إِذا كَانَ نَفسه تَعَالَى إِضَافَة ملك فَكَلَامه بِالْأولَى. وَبِكُل حَال فَمَا عد مُسلم هَذَا فِي أَحَادِيث الصِّفَات، تَعَالَى الله عَن ذَلِك، وَإِنَّمَا أثبتوا النَّفس بقوله: ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [الْمَائِدَة: ١١٦] ٢.
قلت: قَالَ ابْن عراق الْكِنَانِي فِي تَنْزِيه الشَّرِيعَة المرفوعة عَن الْأَخْبَار الشبيعة الْمَوْضُوعَة: "ذكره ابْن عدي من طَرِيق مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي، وَأبي المهزم وَالْمُتَّهَم بِهِ الثَّلْجِي، فلعنة الله على وَضعه، إِذْ لَا يضع مثل هَذَا مُسلم بسيط وَلَا عَاقل"٣.
موقفه من الْعلمَاء:
قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: "كَانَ يقف فِي مَسْأَلَة الْقُرْآن وينال من الْكِبَار"٤.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: "جَاءَ من غير وَجه أَنه كَانَ ينَال من أَحْمد وَأَصْحَابه وَيَقُول: أيش قَامَ بِهِ أَحْمد!؟ "٥.
_________________
(١) ١ ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧٨-٥٧٩". ٢ ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧٩". ٣ تَنْزِيه الشَّرِيعَة "١/ ١٣٤". ٤ سير أَعْلَام النبلاء "١٢/ ٣٨٠". ٥ ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧٧".
[ ١ / ٨٧ ]
وَقَالَ الذَّهَبِيّ: وَجعل ابْن الثلاج يَقُول: أَصْحَاب أَحْمد بن حَنْبَل يَحْتَاجُونَ أَن يذبحوا. وَقَالَ لي أَحْمد مرّة: قَالَ لي حسن بن الْبَزَّاز: قَالَ لي عبد السَّلَام القَاضِي: سَمِعت ابْن الثلاج، يَقُول: عِنْد أَحْمد بن حَنْبَل كتب الزندقة١.
وروى ابْن عدي، مُوسَى بن الْقَاسِم بن الأشيب، قَالَ: كَانَ ابْن الثَّلْجِي يَقُول: وَمن كَانَ الشَّافِعِي؟ إِنَّمَا كَانَ يصحب بربرًا الْمُغنِي. فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة، قَالَ: رحم الله الشَّافِعِي، وَذكر علمه وَقَالَ: قد رجعت عَمَّا كنت أَقُول فِيهِ٢.
وَفَاته:
قَالَ الذَّهَبِيّ: مَاتَ سَاجِدا فِي صَلَاة الْعَصْر، وَيرْحَم إِن شَاءَ الله، مَاتَ سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ٣.
وَذكر اللكنوي أَن وَفَاته كَانَت سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَّا أَنه عزا إِلَى أبي عبد الله الْهَرَوِيّ صَاحب الثَّلْجِي قَوْله: إِن وَفَاته كَانَت سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ لأَرْبَع خلون من شهر ذِي الْحجَّة٤.
وَيذكر ابْن النديم أَن وَفَاته كَانَت سنة سبع، وَقيل: سِتّ وَخمسين
_________________
(١) "١، ٢، ٣" ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧٨". ٤ الْفَوَائِد البهية ص"١٧١".
[ ١ / ٨٨ ]
وَمِائَتَيْنِ، يَوْم الثُّلَاثَاء لعشر خلون من ذِي الْحجَّة١.
قلت: وَالَّذِي يظْهر أَنه وهم مِنْهُ أَو أَنه خطأ من النَّاسِخ.
قَالَ الذَّهَبِيّ: وَكَانَ عمره ٨٥ سنة٢، وَقَالَ الْحَاكِم: ٨٦ سنة٣، وَقيل: ٩٠ سنة٤.
قلت: إِن صَحَّ مَا حَكَاهُ أَبُو عبد الله الْهَرَوِيّ من أَن وِلَادَته كَانَت سنة ١٨١هـ٥ فعمره ٨٥ أَو ٨٦ سنة.
وَدفن فِي بَيته.
قَالَ أَبُو الْحسن، عَليّ بن صَالح: حكى لي جدي أَنه سمع الثَّلْجِي، يَقُول: ادفنوني فِي هَذَا الْبَيْت فَإِنَّهُ لم يبْق فِيهِ طابق إِلَّا ختمت فِيهِ الْقُرْآن٦.
آثاره:
تُشِير أَكثر المصادر الَّتِي وَقعت عَلَيْهَا إِلَى أَن لَهُ من المصنفات:
١- تَصْحِيح الْآثَار.
_________________
(١) ١ الفهرست ص"٢٦٠". ٢ سير أَعْلَام النبلاء "١٢/ ٣٨٠". ٣ ذكره الذَّهَبِيّ عَنهُ فِي الْمِيزَان "٣/ ٥٧٨". ٤ شذرات الذَّهَبِيّ "٢/ ١٥١"، مرْآة الْجنان "٢/ ١٨٠". ٥ انْظُر الْفَوَائِد البهية ص"١٧١". ٦ تَاج التراجم "٥٦"، الْجَوَاهِر المضية "٢/ ٦١".
[ ١ / ٨٩ ]
٢- النَّوَادِر.
٣- الْمَنَاسِك فِي نَيف وَسِتِّينَ جُزْءا.
٤- الْمُضَاربَة.
٥- الرَّد على المشبهة.
ويضيف صَاحِبي هِدَايَة العارفين، ومعجم المؤلفين إِلَى أَن لَهُ أَيْضا كتاب الْكَفَّارَات، كَمَا يذكر أَيْضا صَاحب هِدَايَة العارفين أَن لَهُ كتاب "التَّجْرِيد فِي الْفِقْه".
وَيَقُول صَاحب كشف الظنون أَن لَهُ أَيضًا "كتاب تَجْرِيد الْكَلَام" وَكتاب "النَّوَازِل" ذكر الإِمَام أبي اللَّيْث، نصر بن مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي المتوفي سنة ٣٧٦هـ أَنه جمع من كَلَام مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي، وَمُحَمّد بن مقَاتل الرَّازِيّ وَغَيرهمَا١.
_________________
(١) ١ انْظُر: المصادر الَّتِي أشارت إِلَيّ آثاره، وَهِي: هِدَايَة العارفين ص"١٧"، مُعْجم المؤلفين "١٠/ ٦٤"، تَاج التراجم "٥٥"، الفهرست ص"٢٦٠"، الْفَوَائِد البهية ص"١٧١"، ميزَان الِاعْتِدَال "٣/ ٥٧٨"، الْجَوَاهِر المضية "٢/ ٦١"، كشف الظنون "١/ ٣٤٦، ٤١٠، ٢/ ١٤٥٣، ١٤٥٩، ١٩٨١".
[ ١ / ٩٠ ]
الْبَاب الثَّانِي: التَّعْرِيف بِالْكتاب والمخطوطة
الْفَصْل الأول: التَّعْرِيف بِالْكتاب
أَولا: اسْم الْكتاب
تُشِير المصادر الَّتِي وقفت عَلَيْهَا إِلَى تَسْمِيَة هَذَا الْكتاب باسمين لَا ثَالِث لَهما، فَتَارَة يُسمى بِالرَّدِّ على بشر المريسي، وَتارَة بِالنَّقْضِ على بشر المريسي.
وَقد وقفت فِي نُسْخَة الأَصْل على تَسْمِيَته: "نَقْضُ الْإِمَامِ أَبِي سَعِيدٍ عُثْمَانَ بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فِيمَا افترى عَلَى اللَّهِ ﷿ مَنْ التَّوْحِيد"، وهما متقاربان.
وَقد وَقع اخْتِيَاري على هَذَا الِاسْم لموافقته الأَصْل، ولموافقته لُغَة لما تضمنه الْكتاب من النَّقْض لما أبرمه المريسي، وَأَضْرَابه من الْفِرْيَة فِي التَّوْحِيد. والمريسي يَدعِي تَوْحِيد الله بِمَا أورد من شبه كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك الدَّارمِيّ ﵀ انْظُر ص"٥٥١".
وَقد ذكره شيخ الْإِسْلَام، ابْن تَيْمِية بِهَذِهِ التَّسْمِيَة فِي كِتَابه الْمَشْهُور "دَرْء تعَارض الْعقل وَالنَّقْل" "٢/ ٤٩، ٦٦".
كَمَا سَمَّاهُ بِالنَّقْضِ على بشر المريسي أَيْضا ابْن الْقيم فِي اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية ص"٨٩"، والذهبي فِي الْعُلُوّ ص"١٤٤"، وَابْن حجر الْفَتْح "١١/ ٢١٥"، وَهِي التَّسْمِيَة الْغَالِبَة عَلَيْهِ فِي المراجع، وَلذَا أثبتها كَمَا فِي نُسْخَة الأَصْل.
[ ١ / ٩٣ ]
ثَانِيًا: نسبته إِلَى الْمُؤلف:
تجمع المصادر الَّتِي عنيت بترجمة الدَّارمِيّ وَذكر آثاره على نِسْبَة هَذَا الْكتاب إِلَى عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارَمِيُّ -﵀-، وشهرته واستفاضة النَّقْل عَنهُ فِي كتب الْعلمَاء تغني عَن الْإِفَاضَة فِي تَحْقِيق هَذَا١.
ثَالِثا: مَوْضُوع الْكتاب:
يتجلى من عنوان الْكتاب أَنه فِي الرَّد على المريسي الضال، الَّذِي ابتدع فِي التَّوْحِيد مَا لم ينزل بِهِ الله سُلْطَانا، وَهُوَ من الْجَهْمِية الَّذين عطلو الرب عَن صِفَات الْكَمَال ونعوت الْجلَال فوصفوه بِالنَّقْصِ والتعطيل.
وَلم يقْتَصر الْكتاب على مُوَاجهَة المريسي فَحسب بل عرض لمَذْهَب الْجَهْمِية بِوَجْه عَام فِيمَا يتَعَلَّق بتوحيد الله وأسمائه وَصِفَاته، كَمَا عرض لجملة من الْمسَائِل الحديثية، وَمَا يَدُور حول بعض الْمُحدثين من الصَّحَابَة من ذمّ أَو تَعْرِيض.
وَقد جعل الْمُؤلف كِتَابه فِي ثَلَاثَة أَجزَاء:
الْجُزْء الأول تنَاول فِيهِ:
١- الحَدِيث عَن الْمعَارض الجهمي والمنشئ لكَلَام المريسي المدلس على الْعَامَّة والأغمار.
٢- الْإِيمَانِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَأَنَّهَا غَيْرُ مخلوقة.
_________________
(١) ١ انْظُر على سَبِيل الْمِثَال: تَارِيخ التراث الْعَرَبِيّ "٢/ ٣٧١"، طَبَقَات السُّبْكِيّ "٢/ ٣٠٤"، مُعْجم المؤلفين "٦/ ٢٥٤"، دَرْء تعَارض الْعقل وَالنَّقْل "٢/ ٤٩٠"، اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية ص"٨٩"، الاسْتقَامَة "١/ ٧٠"، الْعُلُوّ للذهبي ص"١٤٤"، الْأَعْلَام "٤/ ٣٦٦".
[ ١ / ٩٤ ]
٣- دَعْوَى الْمُعَارِضُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُدْرَكُ بِشَيْء من الْحَواس.
٤- بَاب النُّزُول.
٥- بَاب الْحَد وَالْعرش.
٦- السّمع وَالْبَصَر.
٧- الرُّؤْيَة.
٨- أَصَابِع الرَّحْمَن.
الْجُزْء الثَّانِي وَتَنَاول فِيهِ:
١- الحَدِيث عَن قدم الرب ﷻ.
٢- بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَرْشِ.
٣- كَلَام الله، وَأطَال الْكَلَام فِي ذَلِك.
الْجُزْء الثَّالِث: وَتَنَاول فِيهِ:
١- الْحَثُّ عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يكْتب عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابه.
٢- الذَّبُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
٣- الذَّبُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَان ﵁.
٤- الذَّبُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁.
٥- مازعمه الْمعَارض من كَلَام السّلف فِي التَّرْغِيب عَن الحَدِيث وَرِوَايَته.
٦- تَكْفِير من يَقُول: كَلَام الله مَخْلُوق.
٧- رد مَا قَالَ المعرض فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا
[ ١ / ٩٥ ]
صَفًّا﴾ [الْفجْر: ٢٢] .
٨- دَعْوَى الْمعَارض أَن الزَّنَادِقَة وَضَعُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ.
٩- نقض كَلَام ابْن الثَّلْجِي فِي السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَغَيرهَا.
١٠- النَّقْضُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ الْمُعَارِضُ فِي الْوَجْه.
١١- الْحُجُبُ الَّتِي احْتَجَبَ اللَّهُ بِهَا.
١٢- بَاب اثبات الضحك.
١٣- قِيَاس الْمعَارض صِفَات الله بِالرَّأْيِ.
١٤- الْحبّ والبغض وَالْغَضَب وَالرِّضَا والفرح وَنَحْوهَا.
على أَن الْكتاب جمع مسَائِل أُخْرَى مُتَفَرِّقَة لَا غنية عَنْهَا لمن أَرَادَ الْفَائِدَة، وَقد وضعت لَهَا عناوين جانبية زِيَادَة فِي الْإِيضَاح.
رَابِعا: سَبَب التَّأْلِيف:
ذكر الْمُؤلف الدَّافِع لَهُ إِلَى تأليف هَذَا الْكتاب فِي أَوله، حَيْثُ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ قَبْلَ كُلِّ كَلَامٍ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ مَقَامٍ، وَعَلَى مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ رَبِّنَا وَعَلِيهِ أفضل السَّلَامُ، أَمَّا بَعْدُ.
فَقَدْ عَارَضَ مَذَاهِبَنَا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ من بَيْنَ ظَهْرَيْكُمْ مُعَارِضٌ، وَانْتَدَبَ لَنَا مِنْهُمْ مُنَاقِضٌ، يَنْقُضُ مَا رَوَيْنَا فِيهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، بِتَفَاسِيرِ الْمُضِلِّ الْمَرِيسِيِّ بِشْرِ بْنِ غياث الجهمي".
ثمَّ ذكر مَا أنشأه الْمعَارض من أَقْوَال وَمَا أذاعه من ضلالات المريسي ثمَّ قَالَ: "حَتَّى إِذا أَذَاعَهَا الْمُعَارِضُ فِيكُمْ وَبَثَّهَا بَيْنَ أظْهركُم،
[ ١ / ٩٦ ]
فَخَشِينَا أَن لَا يَسَعَنَا إِلَّا الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ بَثَّهَا وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا، مُنَافَحَةً عَن الله، وتثبيتًا لصفاته الْعليا، وَلِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى.
وَدَعَا إِلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى. وَمُحَامَاةً عَنْ ضُعَفَاءِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْغَفْلَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَن يضلوا بهَا، أَو أَن يفتنوا، إِذْ بَثَّهَا فِيهِمْ رَجُلٌ كَانَ يُشِيرُ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ فِقْهٍ وَبَصَرٍ وَلَا يَفْطنُون لعثراته إِن هُوَ غش، فَيَكُونُوا مِنْ أَخَوَاتِهَا مِنْهُ عَلَى حذر".
وَمن هَذَا يتَبَيَّن أَن غَرَضه كَانَ الرَّد على هَذَا الْمعَارض الجهمي المدلس، والدفاع عَن سَلامَة العقيدة من خلال فَضَح شُبُهَات هَذَا الجهمي الَّذِي اعْتمد على بشر المريسي، وَابْن الثَّلْجِي، وَتَقْرِير مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي تَوْحِيد الله وأسمائه وَصِفَاته من خلال هَذَا النَّقْض خشيَة أَن يضل بهؤلاء الْجَهْمِية ضعفاء النَّاس وذوو الْغَفْلَة مِنْهُم.
على أَن الدَّارمِيّ لم يكْشف النقاب عَن اسْم هَذَا الْمعَارض، وَلم أتمكن من الْوُقُوف على اسْمه -كَمَا أَشرت إِلَى ذَلِك فِي أول التَّحْقِيق لهَذَا الْكتاب-.
خَامِسًا: تَارِيخ التَّأْلِيف:
لم يشر الدَّارمِيّ -﵀- إِلَى تَارِيخ تأليفه لهَذَا الْكتاب، وَلم أَقف على من ذكر ذَلِك، إِلَّا أَنه يَبْدُو من صفحاته الأولى أَنه أَلفه بعد كِتَابه الْمَعْرُوف بِالرَّدِّ على الْجَهْمِية.
[ ١ / ٩٧ ]
سادسًا: مَنْهَج الْمُؤلف
لم يشر الْمُؤلف فِي استهلال حَدِيثه فِي هَذَا الْكتاب إِلَى الْمنْهَج الَّذِي سيسيرعليه فِي مناقضة الْخصم ودحض أباطيله، إِلَّا أَنه مَعَ التَّأَمُّل يتَبَيَّن لنا أهم المعالم الَّتِي سَار عَلَيْهَا الدَّارمِيّ -﵀- فِي كِتَابه هَذَا:
١- يتَنَاوَل الْمُؤلف شبه الْمعَارض بِالْعرضِ مُبينًا مَا اعْتمد عَلَيْهِ فِي دَعْوَاهُ من أَدِلَّة وحجج. وسنقف كثيرا على قَول الْمُؤلف: وَادعَة الْمعَارض كَذَا وَكَذَا.
٢- يبين الْمُؤلف طَريقَة الِاسْتِدْلَال الَّتِي ينهجها الْمعَارض فِي استناده إِلَى الْأَدِلَّة، ويعرض بِالشُّبْهَةِ أَحْيَانًا قبل الشُّرُوع فِي عرضهَا.
٣- بعد عرض الشُّبْهَة يقوم الْمُؤلف بِالرَّدِّ عَلَيْهَا مفندًا المزاعم الْبَاطِلَة وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة.
٤- عمد الْمُؤلف بشكل وَاضح إِلَى الِاسْتِدْلَال بِالْآيَاتِ القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة.
٥- اسْتندَ الْمُؤلف أَيْضا إِلَى الْآثَار الْوَارِدَة عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأقوال الْأَئِمَّة.
٦- نهج الْمُؤلف أَيْضا فِي رده شبه الْخُصُوم مَنْهَج الِاسْتِدْلَال الْعقلِيّ.
٧- كَمَا اعْتمد أَيْضا على دلالات اللَّفْظ اللُّغَوِيَّة وَبَيَان مَا يحْتَملهُ اللَّفْظ من الْمعَانِي وَمَا لَا يحْتَملهُ.
٨- كثيرا مَا يسْلك الْمُؤلف مَسْلَك التهكم والسخرية اللاذعة بالخصم.
٩- لَا يُشِير الْمُؤلف إِلَى الْفرق والطوائف الَّتِي توَافق المريسي أَو ابْن
[ ١ / ٩٨ ]
الثَّلْجِي فِي مَسْأَلَة مَا من الْمسَائِل إِلَّا فِي نطاق ضيق.
١٠- يشْتَد الْمُؤلف أَحْيَانًا فِي الرَّد على الْخصم، وَرُبمَا حَملته الْغيرَة على إِطْلَاق بعض الْعبارَات والألفاظ النابية.
١١- لم يقتصرالمؤلف فِي رده على الْمعَارض فَحسب، بل إِن رده ينصب كثيرا على المريسي إِذْ هُوَ رَأس الْفِتْنَة وعَلى ابْن الثَّلْجِي الَّذِي اعْتمد عَلَيْهِ الْمعَارض أَيْضا فِي دعاواه.
سابعًا: قِيمَته العلمية:
يعْتَبر هَذَا الْكتاب من أهم الْكتب المصنفة فِي العقيدة عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَكَثِيرًا مَا نقف على النقول الَّتِي أفادها الْعلمَاء من هَذَا المُصَنّف الْعَظِيم.
ونجد مثلا أَن شيخ الْإِسْلَام، ابْن تَيْمِية كَانَ ينْقل عَنهُ الصفحات لغَرَض تَقْرِير عقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، ونظرة إِلَى كتاب "دَرْء تعَارض الْعقل وَالنَّقْل" بتحقيق مُحَمَّد رشاد سَالم نجد أَن نقل عَنهُ فِي الْجُزْء الثَّانِي من ص"٤٩-٦٠"، وَمن ص"٦٦-٧٤"، وتليمذه الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ ص"١٤٤".
وَكَذَلِكَ تِلْمِيذه ابْن الْقيم فِي "اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية"، انْظُر الصفحات "٨٩-٩٠"، وأئمة الدعْوَة الْمُبَارَكَة. انْظُر: الدُّرَر السّنيَّة فِي الْأَجْوِبَة النجدية "٣/ ١٠٩-١١١".
كَمَا أَن من أبرز المميزات الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا هَذَا الْكتاب مَا يَلِي:
[ ١ / ٩٩ ]
١- اشتماله على مَا يزِيد على مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ مَا بَين حَدِيث وَأثر.
٢- يعْتَبر هَذَا الْكتاب من الْكتب الحديثة، إِذْ يُورد الحَدِيث، أَو الْأَثر بِسَنَدِهِ إِلَى قَائِله.
وَلَا شكّ أَن سلوك هَذَا المسلك سيؤدي إِلَى زِيَادَة أَو مُوَافقَة لَهَا فائدتها الحديثة.
٣- أَن هَذَا المُصَنّف نقل لنا عقائد جمَاعَة من السّلف ذكر فِي أَكْثَرهَا مواقفهم فِي الْمسَائِل العقائدية الْمُخْتَلفَة.
٤- امتاز هَذَا الْكتاب بعمقه وَقُوَّة أسلوبه فِي مُوَاجهَة الْخصم.
٥- اعْتمد الْمُؤلف فِيهِ غَايَة الِاعْتِمَاد على الِاسْتِدْلَال بِالنَّصِّ القرآني أَو السّنة النَّبَوِيَّة المطهرة وعلوم اللُّغَة الْعَرَبيَّة.
٦- نكتفي عَن الْإِضَافَة بِشَهَادَة الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام ابْن الْقيم -﵀- فِي كِتَابه "اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية"، حَيْثُ يَقُول عَن الدَّارمِيّ:
"وكتاباه من أجل الْكتب المصنفة فِي السّنة وأنفعها، وَيَنْبَغِي لكل طَالب علم مُرَاده الْوُقُوف على مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة والتابعون وَالْأَئِمَّة أَن يقْرَأ كِتَابيه، وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام، ابْن تيمة ﵀ يُوصي بِهَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ أَشد الْوَصِيَّة ويعظمهما جدًّا، وَفِيهِمَا من تَقْرِير التَّوْحِيد والأسماء وَالصِّفَات بِالْعقلِ وَالنَّقْل مَا لَيْسَ فِي غَيرهمَا"١.
_________________
(١) ١ اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية ص"٩٠".
[ ١ / ١٠٠ ]
الْفَصْل الثَّانِي: التَّعْرِيف بالمخطوطة
أَولا: عدد النّسخ
يُوجد لهَذَا الْكتاب ثَلَاث نسخ مخطوطة كَامِلَة، كَمَا أَنه يُوجد أَيْضا مطبوعًا، وَقد اعتمدت من مطبوعاته على مطبوعتين.
وسأتناول التَّعْرِيف بالمخطوط مِنْهَا والمطبوع فِي الْفَقْرَة التالية:
ثَانِيًا: التَّعْرِيف بالنسخ
الأولى: نُسْخَة مخطوطة كَامِلَة لهَذَا الْكتاب بأجزائه الثَّلَاثَة وتوجد بدار الْكتب الفطرية، وَهِي مصورة على ميكروفيلم عَن النُّسْخَة المخطوطة المحفوظة بمكتبة كوبر يَلِي باستانبول وَتحمل رقم "٨٥٠" فِي "٦٨" ورقة أَي "١٣٦" صفحة، وَفِي كل صفحة "٢٥" سطرًا تَقْرِيبًا، فِي كل سطر مَا يقرب من "١٥" كلمة، وَفِي آخرهَا سماعات النُّسْخَة وترجمة للمؤلف عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ منقولة عَن ابْن عَسَاكِر، وترجمة لكل من المريسي وَابْن الثَّلْجِي عَن الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي تَارِيخه، وَتَقَع هَذِه السماعات والتراجم فِي "٧" وَرَقَات أَي "١٤" صفحة وخطها جيد، وَعَلَيْهَا مَكْتُوب: ملك فضل بن يُوسُف بن عيد الْهَادِي. وَهِي الَّتِي اعتمدتها أصلا.
الثَّانِيَة: نُسْخَة مخطوطة لأجزاء الْكتاب الثَّلَاثَة مَوْجُودَة بالمكتبة السعودية بالرياض والتابعة لرئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة وَالْإِشَارَة وَتحمل رقم "٧٣٢/ ٨٦" وَتَقَع فِي "٢١٤" صفحة
[ ١ / ١٠٥ ]
وتختلف مسطراتها، فَفِي بعض الصفحات لَا تتجاوز "١٥" سطرًا وَفِي بَعْضهَا "٢٥" وَفِي بَعْضهَا "٣٠" سطرًا وكلماتها مَا بَين "٩-١٢" كلمة فِي السطر.
وَفِي آخرهَا تَرْجَمَة للدارمي منقولة عَن ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق، وترجمة لكل من: المريسي وَابْن الثَّلْجِي من تَارِيخ بَغْدَاد، وسماعات للنسخة، وَتَقَع هَذِه كلهَا فِي حوالي "٢٢" صفحة، وخطها جيد وَاضح، وَقد رمزت لَهَا بالرمز "س".
الثَّالِثَة: نُسْخَة مخطوطة لأجزاء الْكتاب الثَّلَاثَة مَوْجُودَة أَيْضا بمكتبة الرياض السعودية، وَتحمل الرقم "٤٨٧/ ٨٦" وَتَقَع فِي "٢٠٤" صفحات، صفحاتها مُخْتَلفَة المساطر كسابقتها وَفِي آخرهَا تَرْجَمَة لعُثْمَان الدَّارمِيّ والمريسي وَابْن الثَّلْجِي، وسماعات الْكتاب، وَتَقَع هَذِه كلهَا فِي نَحْو "٢٠" صفحة، وخطها جيد.
وَلم أعْتَمد على هَذِه النُّسْخَة مكتفيًا بسابقتها لما سأذكره قَرِيبا.
الرَّابِعَة: مطبوعة بتحقيق حَامِد الفقي عَن نُسْخَة قديمَة مَكْتُوبَة سنة ٧١١هـ وطبعت بمطبعة أنصار النسة المحمدية بِمصْر، عابدين، ١٠ حارة الدمالشة، وَذَلِكَ سنة ١٣٥٨هـ وَتَقَع فِي "٢٠٨" صفحات متوسطة المقاس، وَفِي كل صفحة نَحْو من "٢٢" سطرًا، وَفِي أَولهَا تَرْجَمَة لكل من: عُثْمَان الدَّارمِيّ عَن تَارِيخ دمشق، وبشرًا المريسي، وَابْن الثَّلْجِي عَن تَارِيخ بَغْدَاد، وَتَقَع فِي نَحْو "١٥" صفحة، وَفِي آخرهَا سماعات النُّسْخَة وَتَقَع فِي "٤" صفحات. وَقد رمزت لَهَا بالرمز "ط".
الْخَامِسَة: مطبوعة أَيْضا ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف، جمع د. عَليّ سامي النشار وعمار الطَّالِبِيُّ، ونشرته منشأة المعارف بالإسكندرية
[ ١ / ١٠٦ ]
سنة ١٩٧١م، وَتَقَع فِي "٢٠٥" صفحات متوسطة المقاس وَفِي كل صفحة نَحْو من "٢٢" سطرًا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا سماعات وَلَا تراجم للدارمي والمريسي وَابْن الثَّلْجِي. وَقد رمزت لَهَا بالرمز "ش".
ثَالِثا: النَّاسِخ وتاريخ النّسخ:
١- النُّسْخَة الأولى:
فِي آخر النُّسْخَة قبل السماعات نجد قَوْله: "فرغ من نسخه يَوْم السبت سلخ جُمَادَى الآخر سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بِالْمَدْرَسَةِ الضيائية رحم الله واقفها بسفح قاسيون ظَاهر دمشق المحروسة" وَلم يذكر اسْم النَّاسِخ.
٢- النُّسْخَة الثَّانِيَة:
جَاءَ فِي آخرهَا قَوْله: "نقلت هَذِه من نُسْخَة مَحْفُوظَة بكتبخانة شيخ الْإِسْلَام بِالْمَدِينَةِ المنورة وَعَلَيْهَا مَا صورته: وَافق الْفَرَاغ من تَعْلِيق جَمِيع الْكتاب والطبقة الْمَذْكُورَة يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس عشر شهر ذِي الْقعدَة من شهور ٧٢١. كتب هَذ النُّسْخَة برسم الْفَاضِل جناب الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن عبد الرَّحْمَن بن حسن بن الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب سنة ١٣٤٧هـ".
وَذكر قبل هَذَا أَن كتاب النُّسْخَة، هُوَ أَيُّوب بن صَخْر العامري فِي ثَالِث عشر ذِي الْقعدَة سنة٧٢١، فَلَعَلَّهُ قد نقلهَا من نسخته.
قلت: والناسخ هُوَ فَضِيلَة الشَّيْخ الْفَاضِل مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن عبد الرَّحْمَن بن حسن بن الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب، ولد فِي الرياض
[ ١ / ١٠٧ ]
سنة ١٢٧٣هـ. وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ الْقرَان فِي حَيَاة وَالِده الْعَلامَة الشَّيْخ عبد اللَّطِيف، طلب الْعلم على يَد عدد من الْمَشَايِخ فَصَارَ لَهُ الْيَد الطُّولى فِي التَّوْحِيد وَالتَّفْسِير، والْحَدِيث، وَالْفِقْه، وعلوم الْعَرَبيَّة، حَتَّى عدد من كبار الْعلمَاء فِي وقته، وعينه الْملك عبد الْعَزِيز قَاضِيا فِي الوشم، ثمَّ سيره دَاعيا ومرشدًا إِلَى عسير وبلاد الْحجاز، وتصدى للإفتاء والتدريس، وَتُوفِّي يَوْم الْأَحَد ثَانِي جُمَادَى الثَّانِيَة عَام ١٣٦٧هـ "انْظُر: عُلَمَاء نجد ٣/ ٨٤٩".
٣- النُّسْخَة الثَّالِثَة:
منقولة عَن نُسْخَة الشخ مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف -﵀- فِي ٨ صفر سنة ١٣٤٩هـ برسم الشَّيْخ الْمَذْكُور نَفسه، وَقد اسْتَغْنَيْت عَن هَذِه النُّسْخَة بِالَّتِي قبلهَا؛ لتقدمها ولاتفاق النَّاسِخ لَهما.
٤- النُّسْخَة الرَّابِعَة:
مطبوعة فِي غَزَّة أول الربيعين سنة ١٣٥٨هـ وَذَلِكَ عَن نُسْخَة منقولة بِخَط الشَّيْخ السلَفِي مَحْمُود شويل، خَادِم الْعلم بِمَسْجِد رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي صَبِيحَة الْأَرْبَعَاء١٤ ربيع الأول سنة١٣٥٠هـ، وَهُوَ نقلهَا عَن نُسْخَة مَكْتُوبَة بِخَط أَيُّوب بن صَخْر العامري فرغ من كتَابَتهَا فِي ١٣ ذِي الْقعدَة سنة ٧١١ مَحْفُوظَة بمكتبة شيخ الْإِسْلَام بِالْمَدِينَةِ المنورة.
٥- النُّسْخَة الْخَامِسَة:
مطبوعة كسابقتها، وَلم يبين هَل كَانَ فِي طبعها مُعْتَمدًا على نُسْخَة الشَّيْخ مَحْمُود شويل أَو أَنه اعْتمد على المطبوعة الآنفة الذّكر؟، كَمَا أَنه لم يبين تَارِيخ الطَّبْع.
[ ١ / ١٠٨ ]
رَابِعا: النُّسْخَة الأَصْل وَسبب اخْتِيَارهَا
يتَبَيَّن مِمَّا سبق أَن النّسخ الْمَذْكُورَة -مَا عدا الأَصْل- منقولة عَن نُسْخَة بِخَط أَيُّوب صَخْر العامري، وتذكر النّسخ أَنَّهَا مَحْفُوظَة بمكتبة شيخ الْإِسْلَام بِالْمَدِينَةِ المنورة، غير أَنِّي لم أعثر عَلَيْهَا فِي مكتبة شيخ الْإِسْلَام عَارِف حكمت وَلَا فِي مكتبة المحمودية وَلَا مكتبة الْأَوْقَاف.
كَمَا تعذر عَليّ الْحُصُول على النُّسْخَة الَّتِي اعْتمد عَلَيْهَا الشَّيْخ حَامِد الفقي فِي طبعه للْكتاب لما سبق وَأَن ذكرته فِي الْمُقدمَة.
وَقد وَقع اخْتِيَاري على النُّسْخَة الْمَوْجُودَة بدار الْكتب القطرية لتَكون أصلا، وَذَلِكَ للعوامل التالية:
أَولا: أَن تَارِيخ نسخهَا كَانَ قَدِيما.
ثَانِيًا: أَنَّهَا حظيت بِكَثْرَة السماعات من الْعلمَاء فَهِيَ لَا تقل عَن بَقِيَّة النّسخ فِي السماعات.
ثَالِثا: أَنَّهَا قَليلَة الأخطاء وَهَذَا من أبرز مَا يميزها، إِذْ إِن بَقِيَّة النّسخ اتّفقت على خطأ يقدر بصفحات، حَيْثُ تقدّمت صفحات فِي مَوضِع لَا يناسيها، ويستقيم السِّيَاق على مَا جَاءَت بِهِ هَذِه النُّسْخَة "انْظُر: الْقسم الثَّانِي من هَذَا الْمُحَقق ص٤٦٨، ٧٢٧، وَانْظُر فِي مزايا الأَصْل أَيْضا الصفحات: ٤٤٩، ٤٥٦، ٥٧٠، ٥٣٦، ٥٤٦، ٥٥٥، ٥٨٩، ٥٩٠، ٦٧٦، ٧٣٢، ٨٣٠، ٨٣٢، ٨٦٦".
رَابِعا: أَن خطها أَيْضا وَاضح.
خَامِسًا: سماعات الْكتاب:
وجدت فِي أول الأَصْل مَا يَلِي:
[ ١ / ١٠٩ ]
/ الْحَمد لله١.
كتاب النَّقْض لِلْحَافِظِ أَبِي سَعِيدٍ، عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ بن خَالِد الدَّارمِيّ على بشر بن غياث الجهمي العنيد.
سَمعه كُله على الشَّيْخ الإِمَام أبي الْعَبَّاس، أَحْمد بن أبي بكر بن الْعِزّ، أَحْمد بن عبد الحميد بن عبد الْهَادِي بإجازته من شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية٢ بِسَنَدِهِ فِيهِ، وبإجازته من الْحَافِظ أبي الْحجَّاج الْمزي بعد٣ ابْن لَهُ على أبي حَفْص بن القواس٤ بِسَنَدِهِ مِنْهُ، وعَلى عَليّ بن أَحْمد البُخَارِيّ بإجازته من أبي سعد عبد الله بن عمر الصفار.
ح وبإجازة من الْعِزّ أَيْضا فِي مُحَمَّد بن عبد المحسن بن أبي الْحسن الْخَرَّاط بن رعدوة الدواليبي، سَمَاعه من أم أُمِّيّه ضوء الصَّباح عَجِيبَة بنت
_________________
(١) ١ بِهَذَا كَانَت بداية الأَصْل، وَهَذِه السماعات إِلَى قواله: "وَأَجَازَ المستمع لكل منا" ص"١١٦" لَيست فِي ط، س. ٢ شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدَّين، أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن تَيْمِية الْحَرَّانِي، ثمَّ الدِّمَشْقِي الإِمَام الْفَقِيه الْمُحدث الْحَافِظ الْمُفَسّر الأصولي الزَّاهِد، علم الْأَعْلَام، شهرته تغني عَن الإطناب فِي ذكره والإسهاب فِي أمره، ولد يَوْم الْإِثْنَيْنِ عَاشر ربيع الأول سنة ٦٦١هـ، بحران، وَتُوفِّي سحر لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ عَاشر ذِي الْقعدَة سنة ٧٢٨هـ، سجينًا بالقلعة "بِتَصَرُّف من ذيل طَبَقَات الْحَنَابِلَة لِابْنِ رَجَب "٣/ ٣٨٧، ٤٠٥". وَانْظُر: شذرات الذَّهَب لِابْنِ الْعِمَاد "٦/ ٨٠-٨٦". ٣ كَذَا. ٤ أَبُو حَفْص، عمر بن عبد الْمُنعم بن عمر الطَّائِي الدِّمَشْقِي، سمع حضورًا من ابْن الحرستاني وَغَيره، وَكَانَ خيِّرًا دينا متواضعًا محبًّا للرواية، وَتُوفِّي فِي ثَانِي ذِي الْقعدَة سنة ٦٩٨هـ وَله ٩٣ سنة "شذرات الذَّهَب ٥/ ٤٤٢".
[ ١ / ١١٠ ]
أبي بكر الباقدارية١ بإجازتها من عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ٢ قَالَ هُوَ والصفار: إِلَى أبي نصر الْغَازِي، قَالَ أَبُو الْخَيْر: سَمَاعا وَقَالَ الصفار: إجَازَة، وبإجازة الصَّفَا أَيْضا من أبي نصر عبد الرَّحْمَن بن أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمد بن جَعْفَر الناصحي، سَمَّاعَة من ابْن الْأَحْنَف، بِسَنَدِهِ فِيهِ بِقِرَاءَة الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ شمس الدَّين مُحَمَّد بن خَلِيل بن مُحَمَّد المنصفي، وَمن خطه لحصة عَائِشَة بنت المستمع، وَوَلدهَا يُوسُف بن خَلِيل بن يُوسُف بن صَالح، حَاضر فِي الأولى وَغَيرهمَا ٣ فِي مجَالِس آخرهَا يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشر رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة بمنزل المسمع بالصالحية٤ ظَاهر دمشق، وَأَجَازَ لَهُم وَللَّه الْحَمد لصِحَّة مُحَمَّد بن الحنصري -عَفا الله عَنْهُم- ملزمة. هـ.
_________________
(١) ١ عَجِيبَة بنت الْحَافِظ، مُحَمَّد بن أبي غَالب الباقداري البغدادية، سَمِعت من عبد الْحق وَعبد الله بن مَنْصُور الْموصِلِي، وَهِي آخر من روى بِإِجَازَة عَن مَسْعُود والرستمي وَجَمَاعَة، توفيت فِي صفر سنة ٦٤٧هـ عَن ٩٣ سنة "شذرات ٥/ ٢٣٨"، أَعْلَام النِّسَاء لعمر رضَا كحالة "٣/ ٢٥٧". ٢ عبد الرَّحِيم بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حموية الْأَصْبَهَانِيّ، الرجل الصَّالح نزيل همذان، روى بالحضور مُعْجم الطَّبَرَانِيّ عَن عبد الصَّمد الْعَنْبَري عَن ابْن ريذة توفّي سنة ٦٠١هـ "الشذرات ٥/ ٣". ٣ كلمة لم تتضح. ٤ قَرْيَة كَبِيرَة ذَات أسواق، وجامع فِي سفح جبل قاسيون من غوطة دمشق يسكنهَا جمَاعَة من الصَّالِحين لَا تكَاد تَخْلُو مِنْهُم "مُعْجم الْبلدَانِ ٣/ ٣٩٠". قلت: وَعَن الشَّيْخ عبد الفتاح أبي غُدَّة أَنَّهَا مَا زَالَت مَعْرُوفَة حتي الْيَوْم، وَقد دخلت فِي دمشق.
[ ١ / ١١١ ]
"ألْحقُوا بِأَن جمَاعَة من شيوخها أجَازه١.
وَكتب يُوسُف بن حسن بن عبد الْهَادِي:
سمع بعضه من بعض أَوْلَادِي عبد الْهَادِي وَعبد الله وَحسن، وأجزت لَهُم ولبعض أَوْلَادِي٢ رِوَايَته.
وَكتب يُوسُف بن عبد الْهَادِي٣: الْحَمد لله. قَرَأَهُ كُله عَليّ بروايتي لَهُ عَن عدَّة من الشُّيُوخ مِنْهُم: المسندة أم عبد الرازق خَدِيجَة ابْنة عبد الْكَرِيم الأرموية، عَن أم عبد الله عَائِشَة ابْنة الْمُحْتَسب الصالحية عَن الْحَافِظ أبي الْحجَّاج يُوسُف بن الزكي عبد الرَّحْمَن الْمزي٤ بِسَنَدِهِ ترَاهُ أَعْلَاهُ وَعَن٥ الشَّيْخ شرف الدَّين مُوسَى بن مُوسَى بن عِيسَى بن٦ الصَّالِحِي الْحَنْبَلِيّ، فَسمع غالبه الشَّيْخ ابْن جميلَة بن أَحْمد٧ وَبَعضه جماعات مِنْهُم الشَّيْخ٨ الدَّين بن مُحَمَّد بن عبد الله الْكِنَانِي الجماعيلي
_________________
(١) ١ قَرِيبا من أَربع كَلِمَات لم تتضح ولعلها "عَن طلب الْمُحب وَغَيره". ٢ كلمة لم تتضح. ٣ الْعبارَة من قَوْله "ألْحقُوا بِأَن جمَاعَة" إِلَى قَوْله: "عبد الْهَادِي" رسمت بِخَط متميز أكبر مِمَّا قبله وَمَا بعده. ٤ أَو أَنَّهَا الْمُزنِيّ. ٥ كلمة لم تتضح. ٦ كَلِمَات لم تتضح لَعَلَّهَا "ابْن أَحْمد الْبَيْت لبدي". ٧ كلمة لَعَلَّهَا "الصورتاني". ٨ كلمة لم تتضح.
[ ١ / ١١٢ ]
الشَّافِعِي وَصَحَّ ذَلِك وَثَبت فِي مجَالِس مُتعَدِّدَة آخرهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس ذِي الْقعدَة من شهور سنة عشر وَتِسْعمِائَة بمدرسة شيخ الْإِسْلَام أبي عمر بصالحية دمشق المحروسة، وأجزت لَهُم رِوَايَته عني وَمَا يجوز لي وعني رِوَايَته بِشَرْطِهِ.
وَكتبه مُحَمَّد بن طولون الْحَنَفِيّ١.
وَبعد هَذَا قَالَ: كتاب فِيهِ نَقْضُ الْإِمَامِ أَبِي سَعِيدٍ عُثْمَانَ بن سعيد، على المريسي الجهمي العنيد فِيمَا افترى عَلَى اللَّهِ ﷿ مَنْ التَّوْحِيد.
رِوَايَة أبي عبد الله بن أبي الْفضل مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْمُزَكي رَحمَه الله٣ عَنهُ.
رِوَايَة أبي يَعْقُوب إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْقَرَّابُ الْحَافِظ رَحمَه الله٤ عَنهُ.
رِوَايَة أبي سيعد عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمد الْأَحْنَف رَحمَه الله٥ عَنهُ.
_________________
(١) ١ خمس كَلِمَات لم تتضح ولعلها بَقِيَّة نسبه. قلت: هُوَ شمس الدَّين أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَليّ بن مُحَمَّد الشهير بِابْن طولون الْحَنَفِيّ الصَّالِحِي، ولد بصالحية دمشق سنة ٨٨٠ تَقْرِيبًا، وَكَانَ ماهرًا فِي النَّحْو عَلامَة فِي الْفِقْه مَشْهُورا فِي الحَدِيث، توفّي سنة ٩٥٣، "انْظُر: "٢، ٣، ٤" لم أَقف لَهُم على تَرْجَمَة. ٥ أوردت لَهُ تَرْجَمَة فِي الْقسم الثَّانِي ص"١٣٧".
[ ١ / ١١٣ ]
رِوَايَة الْحَافِظ أبي نصر أَحْمد بن عمر بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ، الْغَازِي رَحمَه الله١ عَنهُ.
رِوَايَة أبي الْقَاسِم، عبد الصَّمد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الحرستاني القَاضِي٢ إجَازَة عَنهُ.
رِوَايَة أبي حَفْص، عمر بن عبد الْمُنعم بن عمر القواس٣ إجَازَة عَنهُ.
رِوَايَة شيخ الْإِسْلَام، تفي الدَّين أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن تَيْمِية رَحمَه الله٤ عَنهُ.
الْحَمد لله وَسَلام على عباده الَّذين اصطفي.
سمع جَمِيع ذَا الْكتاب على الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم زين الدَّين عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف بن أَحْمد الطَّحَّان الصَّالِحِي الْحَنْبَلِيّ. بِسَمَاعِهِ لَهُ على الإِمَام الْحَافِظ، أبي بكر مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمد بن الْمُحب بِإِجَازَة من مُحَمَّد بن عبد المحسن بن أبي الْحسن الْخَرَّاط إجازه فِي بَغْدَاد بِسَمَاعِهِ من عَجِيبَة
_________________
(١) ١ هُوَ الْحَافِظ، أَبُو نصر الْغَازِي أَحْمد بن عمر بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ: ثِقَة حَافظ مَا رَأَيْت فِي شيوخي أَكثر رحْلَة مِنْهُ، سمع أَبَا الْقَاسِم بن مَنْدَه وَالْفضل بن الْمُحب وطبقتهم، وَتُوفِّي فِي رَمَضَان، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عَاشَ ٨٣ سنة، وَتُوفِّي سنة ٥٣٢هـ "شذرات الذَّهَب ٤/ ٩٨". ٢ هُوَ ابْن الحرستاني القَاضِي جمال الدَّين أَبُو الْقَاسِم عبد الصَّمد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الْأنْصَارِيّ الخزرجي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي، ولد سنة ٥٢٠هـ، وَكَانَ صَالحا عابدًا من قُضَاة الْعدْل، ولي قَضَاء الشَّام آخر عمره، وَتُوفِّي فِي رَابِع ذِي الْحجَّة سنة ٦١٤ وَهُوَ ابْن ٩٥ سنة "شذرات الذَّهَب ٥/ ٦٠". ٣ ابْن القواس تقدّمت تَرْجَمته ص"١١٠". ٤ تقدم ص"١١٠".
[ ١ / ١١٤ ]
ابْنة الباقداري١ أَنبأَنَا عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَصْبَهَانِيّ ح قَالَا: إِنو٢ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية، وَأَخُوهُ عبد الله وَسيد الْحفاظ أَبُو الْحجَّاج الْمزي قَالُوا: نَا ابْن غَدِير بِسَنَدِهِ. ترَاهُ و٣ وَأخْبر بِأَن ٤ صَلَاح الدَّين بن أبي عمر وَأبي حَفْص بن أميلة وَزَيْنَب ابْنة قَاسم ابْن ٥ إجازه إِن لم يكن سَمَاعا بإجازتهم، وَسَمَاع الْمزي من أبي الْحسن البُخَارِيّ إِلَى أبي سعد الصفار، قَالَ: هُوَ والحرستاني وَعبد الرَّحِيم الْأَصْبَهَانِيّ٦: إِلَى أبي نصر أَحْمد بن عمر الْأَصْبَهَانِيّ٧ قَالَ الحرستاني٨ إجَازَة والآخران سَمَاعا بِسَنَدِهِ ترَاهُ. هـ. بِقِرَاءَة العَبْد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله الحنصري، الشَّافِعِي، الْمَقْدِسِي، صَاحب هَذِه النُّسْخَة الإِمَام الْفَاضِل شمس الدَّين مُحَمَّد بن الشَّيْخ، شهَاب الدَّين أَحْمد بن حسن بن عبد الْهَادِي ٩ الْمَقْدِسِي، وَسمع وَلَده عبد الله من أَوله إِلَى آخر الْمجْلس الثَّانِي وَهُوَ إِلَى قَوْله: "ادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ فِي قَوْله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الْأَعْرَاف: ٥٤]: قَالَ: استولى١٠" وَسمع وَلَده
_________________
(١) ١ تقدّمت ص"١١١". ٢ كلمتان لم تتضحا وَلَعَلَّهُمَا "أَن الْمُحب وإمامه". ٣ كلمة مطموسة. ٤ كلمة لم تتضح. ٥ كلمة لم تتضح أَيْضا. ٦ تقدم ص"١١١". ٧ تقدم ص"١١٤". ٨ تقدم ص"١١٤". ٩ كلمة لم تتضح. ١٠ انْظُر: ص"٤٥٤" من الْقسم الثَّانِي.
[ ١ / ١١٥ ]
أَيْضا عبد الرَّحْمَن الْمجْلس الثَّانِي، وَهُوَ من قَوْله: "وَادَّعَى الْمَرِيسِيُّ أَيْضًا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الْحَج: ٧٥] ١.
وَسمع الْفَقِيه القَاضِي شرف الدَّين مُوسَى بن عِيسَى بن أَحْمد٢.
من أول الْمجْلس الثَّانِي آخر الْكتاب، وَصَحَّ فِي خَمْسَة مجَالِس آخرهَا يَوْم الْجُمُعَة سادس شعْبَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ٣ بمنزل المستمع بصالحية دمشق٤ وَأَجَازَ المستمع لكل مِنْهَا٥.
وَفِي أخر الْكتاب قَالَ:
الْحَمد لله.
سمع النَّقْض للْإِمَام أَبِي سَعِيدٍ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارمِيّ على بشر المريسي الجهمي٦ كُله على الشَّيْخ أبي سَعِيدٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بن أَحْمد ابْن مُحَمَّد الْأَحْنَف عَن القراب٧ بِقِرَاءَة الْحَافِظ أبي نصر بن عمر بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ ٨،
_________________
(١) ١ انْظُر: ص"٣٠٠" من الْقسم الثَّانِي. ٢ كلمة لم تتضح وَيظْهر أَنَّهَا "نِسْبَة". ٣ كلمة لم تتضح لَعَلَّهَا "ثَمَانمِائَة". ٤ تقدم التَّعْرِيف بهَا ص"١١١". ٥ ثَلَاث كَلِمَات لم تتضح. ٦ فِي ط، س "سمع الْكتاب كُله على الشَّيْخ أبي سعيد" إِلَخ. ٧ انْظُر تَرْجَمته فِي الْقسم الثَّانِي ص"١٣٧". ٨ فِي الأَصْل "أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر" وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي ط، س، وَبِه جَاءَ أَيْضا عِنْد ابْن الْعِمَاد فِي شذرات الذَّهَب، وَقد تقدّمت تَرْجَمته س "١١٤" وَفِي ط "الْأَصْفَهَانِي" وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي الأَصْل وس وشذرات الذَّهَب.
[ ١ / ١١٦ ]
الْمَعْرُوف بالغازي١: أَبُو نصر، عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد الناصحي، وَآخَرُونَ فِي صفر سنة أَربع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة هـ.
وَسمع الْكتاب كُله على الْحَافِظ أبي طَاهِر حَمْزَة بن أَحْمد بن الْحُسَيْن الروذراوري٣ الصُّوفِي عِنْد أبي سعد٤ بن الْأَحْنَف بِقِرَاءَة أبي بكر مُحَمَّد ابْن أبي بكر اللفتواني٥: ابْنه أَبُو نصر٦، وَأَخُوهُ عَبَّاس٧، والحافظ أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن الْفضل، وَأَبُو رَجَاء بن أبي الْفرج بن أبي طَاهِر الثَّقَفِيّ فِي شهور سنة سِتّ وَخَمْسمِائة هـ.
_________________
(١) ١ فِي ط، س "بالقاري" وَالَّذِي يظْهر صَوَاب مَا فِي الأَصْل، وَبِه جَاءَ عِنْد ابْن الْعِمَاد فِي شذرات الذَّهَب، انْظُر تَرْجَمته: ص"١١٤". ٢ فِي حرف "هـ" الدَّال على الِانْتِهَاء لَيْسَ فِي ط، س. ٣ فِي ط "الروذراوردي" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، قَالَ فِي اللّبَاب ٢/ ٤١-٤٢: الراذراوري: بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو والذال الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَالْوَاو وَبَينهمَا ألف وَفِي آخرهَا رَاء أُخْرَى: هَذِه النِّسْبَة إِلَى بلد بنواحي همذان يُقَال لَهَا: روذاراور خرج مِنْهَا جمَاعَة من أهل الْعلم مِنْهُم أَبُو طَاهِر حَمْزَة بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن سعيد بن عَليّ بن الْفضل الروذراوري الصُّوفِي، سمع الْكثير وسافر فِي طلب الحَدِيث، وَسمع من أَحْمد بن خلف الشيرزاي وَخلق كثير، وَحدث وَكتب عَنهُ النَّاس، وَتُوفِّي سنة بضع عشرَة وَخَمْسمِائة. ٤ فِي ط، س "عَن أبي سعيد". ٥ فِي ط، س "مُحَمَّد بن أبي نصر بن أبي بكر"، وَفِي ط "اللقتواني" بدل اللفتواني وَصَوَابه بِالْفَاءِ الْمُوَحدَة بعْدهَا التَّاء المثناه، قَالَ فِي اللّبَاب "٣/ ١٣٢": "بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْفَاء وَضم التَّاء فَوْقهَا نقطتان وَفِي آخرهَا النُّون هَذِه النِّسْبَة لفتوان إِحْدَى قرى أَصْبَهَان". ٦ تكَرر لفظ "عمر" فِي س. ٧ فِي ط، س "وَأَخُوهُ أَبُو الْفضل عَبَّاس".
[ ١ / ١١٧ ]
وَسمع الْكتاب كُله على الشَّيْخ الإِمَام سيد١ الْأَئِمَّة أبي نصر، عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر٢ الناصحي عَن أبي سعيد٣ بن الْأَحْنَف بِقِرَاءَة أبي الْفَتْح عبد الرازق بن مُحَمَّد بن سهل الْأَصْبَهَانِيّ الشرابي: ابْن أَخِيه أَبُو الْفضل٤ هبة الله وَآخَرُونَ فِي سنة سِتّ عشرَة وَخَمْسمِائة هـ، وَمرَّة أُخْرَى فِي سنة عشْرين وَخَمْسمِائة وَالسَّمَاع بِخَط الْغَازِي٥هـ.
وَسمع الْكتاب كُله على الشَّيْخ أبي نصر عمر بن مُحَمَّد بن أبي نصر اللفتواني٦ عَن الروذراوري٧: أَوْلَاده أَبُو بكر عبد الله وَأَبُو البركات عبد الرَّحِيم وَأم الرِّضَا عفيفة، وَالْإِمَام أَبُو الْكَرم مُحَمَّد بن مَحْمُود بن مُحَمَّد٨ بن عبديل٩ بقرَاءَته، وَأَبُو الصخر١٠ سعيد بن عباد بن عَليّ، وَكَاتب السماع أَبُو بكر عربشاه بن عَليّ بن الْحسن بن عبد الله بن عبد الرازق الهمذانيون١١ وَأحمد بن عمر بن عَليّ، فِي الثَّانِي عشر من شَوَّال سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة بدار الشَّيْخ المسمع بأصبهان١٢هـ.
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل "سديد الْأَئِمَّة". ٢ فِي ط، س "أبي نصر". ٣ فِي ط، س "عَن أبي سعيد". ٤ فِي ط، س "أَبُو الْفَضَائِل". ٥ الْعبارَة من قَوْله: "وَمرَّة أُخْرَى" إِلَى قَوْله: "بِخَط الْغَازِي" لَيست فِي ط، س. ٦ فِي ط، س "اللقنواني". ٧ فِي ط "الروذراوردي" وَفِي س "الروذراودي". ٨ "ابْن مُحَمَّد" لَيست فِي ط، س. ٩ فِي ط، س "ابْن قنديل". ١٠ فِي ط، س "وَأَبُو الْفَخر". ١١ فِي ط "المهذبون" وَفِي س "الهذانيون". ١٢ فِي ط، س زِيَادَة "نقل من الأَصْل مُخْتَصرا"، قلت: وَمَا بعده إِلَى قَوْله: "الْمَكِّيّ الشَّافِعِي" لَيست فِي ط، س، والسطور من قَوْله: "الْحَمد لله بلغ السماع" إِلَى قَوْله: "الْمَكِّيّ الشَّافِعِي" نقلتها من هَامِش الأَصْل.
[ ١ / ١١٨ ]
نَقله كُله من خطّ الْحَافِظ شمس الدَّين مُحَمَّد بن خَلِيل المصنع الحديدي، العَبْد مُحَمَّد بن الحنصري الْمَقْدِسِي، وَهَذَا خطه، وَذكر أَنه نَقله من خطّ الْحَافِظ مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد١.
الْحَمد لله.
بلغ السماع فِي الْخَامِس على الشَّيْخ زين الدَّين عبد الرَّحْمَن بن الطَّحَّان الْحَنْبَلِيّ بداره فِي يَوْم الْجُمُعَة سادس شعْبَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة بِقِرَاءَة الحنصري هـ.
بلغت: وَالْجَمَاعَة سَمَاعا فِي الرَّابِع يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشر شعْبَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة بمدرسة شيخ الْإِسْلَام، أبي عمر بسفح قاسيون ظَاهر دمشق على الْمسند زين الدَّين أبي هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف بن أَحْمد بن الطَّحَّان بِقِرَاءَة الإِمَام الْعَالم شهَاب الدَّين أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد اللَّطِيف الْمَقْدِسِي المَخْزُومِي البنغاوي الْمَكِّيّ. وَكتب مُحَمَّد الْمَدْعُو عمر بن مُحَمَّد بن الْهَاشِمِي الْعلوِي الْمَكِّيّ الشَّافِعِي.
وفِي ط، س مُضَافا إِلَى مَا سبق مَعَ مُلَاحظَة الفروق نجد قَوْله:
سمع هَذَا الْكتاب٢ كُله وَهُوَ ثَلَاثَة أَجزَاء، من الأَصْل على الشَّيْخ الْجَلِيل الْمسند المعمر، نَاصِر الدَّين أبي حَفْص عمر بن عبد الْمُنعم بن عمر بن غَدِير٣ بن القواس الْأنْصَارِيّ بإجازته من القَاضِي جمال الدَّين أبي
_________________
(١) ١ كلمة لم تتضح لي ولعلها "البرزالي". ٢ هَذِه السماعات إِلَى أَخّرهَا من ط، س. ٣ فِي ط "عَزِيز".
[ ١ / ١١٩ ]
الْقَاسِم عبد الصَّمد بن مُحَمَّد بن الحرستاني١ عَن الْحَافِظ أبي نصر الْغَازِي الْأَصْبَهَانِيّ إجَازَة، بِقِرَاءَة كَاتب السماع يُوسُف بن الزكي عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف الْمُزنِيّ: ابْنه عبد الرَّحْمَن فِي الرَّابِعَة وَالْجَمَاعَة السَّادة صَاحب النُّسْخَة تَقِيّ الدَّين أَبُو حَفْص عمر بن عبد الله بن عبد الْأَحَد بن شقير، وفتاه صبيح، وَابْن عَمه الْقَاسِم بن أَحْمد بن عبد الْأَحَد، وَالشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة تَقِيّ الدَّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام بن تَيْمِية، وَأَخُوهُ شرف الدَّين عبد الله الحرانيون، وجمال الدَّين أَبُو اسحاق إِبْرَاهِيم بن غالي بن شاور الحيمري، وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد الخرزي، وشهاب الدَّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن هبة الله الرقي الْمُؤَدب، وَأَبُو بكر بن الْقَاسِم بن أبي بكر الرَّحبِي، وصفي الدَّين مهنا بن الْمفضل بن الْفضل الدِّمَشْقِي، وتقي الدَّين عبد الله بن أَيُّوب بن يُوسُف الْمَقْدِسِي، وَأَبُو بكر بن أَيُّوب بن سعد الزرعي، وَمُحَمّد بن مُوسَى بن عِيسَى بن دَاوُد التدمري المرحل، وَأَبُو الْحسن على بن مُحَمَّد عبد الله الختني، وَمُحَمّد بن عَليّ بن الرِّضَا الْحلَبِي، وظهير الدَّين أَبُو بكر بن عُثْمَان بن أبي بكر، وَعبد الْحَلِيم بن أبي سعد بن أبي الْعِزّ الْحَرَّانِي، وَأَخُوهُ أَحْمد، وتقي الدَّين عمر بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْحَرَّانِي، وَأَبُو الْحسن عَليّ بن سُلْطَان بن عَسْكَر الْهِلَالِي، وَابْنه مُحَمَّد، وَأَبُو الْقَاسِم
_________________
(١) ١ فِي ط "الخرستاني" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَفِي مَوضِع آخر يُورِدهُ بِالْحَاء الْمُهْملَة. انْظُر: ص"١٤"، وَالَّذِي يظْهر أَنَّهَا بِالْحَاء الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَيّ حرستا وَهِي قَرْيَة على بَاب دمشق، وَقد ينْسب إِلَيْهَا الحرستي "اللّبَاب ١/ ٣٥٦".
[ ١ / ١٢٠ ]
مُحَمَّد، وَأَبُو الطّيب مُحَمَّد ابْنا عَليّ بن أسعد بن عُثْمَان التنوخي.
"فصل"١.
وَسمع الْمجْلس الأول وَالثَّانِي أَحْمد بن عُثْمَان بن قَاسم النجار، وَأحمد بن مُوسَى بن يُوسُف الخوخي، وَمُحَمّد بن أبي الْفضل بن شما، وَإِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَليّ المارديني، وَعلي بن حُسَيْن بن يُوسُف الخباز، وَمُحَمّد بن الزين عمر بن إِبْرَاهِيم الْجريرِي٢ وبكمش فَتى شمس الدَّين طقسان٣، وَعبد الرَّزَّاق بن أَحْمد بن صَالح الدنيسري٤.
وَسمع الْمجْلس الثَّانِي وَالثَّالِث عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ الرَّسْعَنِي.
وَسمع الْمجْلس الأول وَالثَّالِث عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى بن حميه٥ الصحراوي، وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن عمر البعفوني٦ الدِّمَشْقِي.
وَسمع الْمجْلس الأول، أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد٧ بن أبي بكر الْبَيَانِي، ويوسف بن سليم بن نصر الزرعي، وَأحمد بن إِبْرَاهِيم بن اللَّيْث الأغري٨، وَأحمد بن مُحَمَّد صديق الْحَرَّانِي، وَأَخُوهُ أَحْمد، وَمُحَمّد
_________________
(١) ١ كلمة "فصل" أثبتها من س. ٢ فِي ط "الحريري" بِالْحَاء الْمُهْملَة. ٣ فِي ط "طقصان". ٤ فِي ط "الدنبسري" بالنُّون ثمَّ التَّاء الْمُوَحدَة. ٥ لم تعجم ولعلها "حميه"، وَفِي ط "جمعه". ٦ فِي ط "البيعفوني". ٧ "ابْن مُحَمَّد" لَيست فِي ط ولعلها سَقَطت. ٨ فِي ط "الأغيري".
[ ١ / ١٢١ ]
ابْن إِسْمَاعِيل بن دَاوُد المنيحي١، وَمُحَمّد بن يُوسُف بن صَدَقَة الْمصْرِيّ، والزين عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ الأربلي، وفتاه بلبان. وَأحمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان البالسي، وَمُحَمّد بن عَليّ بن عبد الله الميورقي، وَبدر بن عبد الله فَتى بيبرس الْمَجْنُون، وشمس الدَّين مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الشماع الْقرشِي، وابناه إِبْرَاهِيم وَأحمد حاضران، وَعبد الْعَزِيز بن عَليّ بن بشر الْحَرَّانِي، وَمُحَمّد بن عمر بن نصر الله بن القواس. وَأَبُو بكر بن عبد الله بن يحيى الصَّواف، وابناه مُحَمَّد وَعلي فِي الْخَامِسَة، وكيلكدي فَتى عمر التَّاجِر، وَأحمد بن أبي الْفضل بن شمسا فِي الْخَامِسَة.
وَسمع الْمجْلس الثَّانِي يُوسُف بن مُحَمَّد بن طقسان٢. وَأحمد بن مُسلم بن حَامِد البالسي، وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْحلَبِي، وَأحمد الْمُقدم الْمصْرِيّ، وَسَالم بن أبي الْقَاسِم البالسي، وَمُحَمّد بن يَعْقُوب البالسي، وَعلي بن عُثْمَان بن عبد الْوَالِي وَأَخُوهُ مُحَمَّد وَعلي بن أياس النَّوْفَلِي، وَمُحَمّد بن عَليّ بن غَالب الْأنْصَارِيّ، وَعبد الحميد بن إِسْمَاعِيل بن نصر البعلبكي.
وَسمع الْمجْلس الثَّالِث علم الدَّين أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن البرزالي، وشهاب الدَّين أَبُو الْفرج مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحسن الأربلي،
_________________
(١) ١ فِي ط "المنبجي" قلت: وَبِمَا أثبت نِسْبَة إِلَى المنيحة وَهِي من قرى دمشق "اللّبَاب ٣/ ٢٦٥" وَبِمَا فِي ط نِسْبَة إِلَى "منبج" وَهِي إِحْدَى قرى الشَّام بناها كسْرَى لما غلب على الشَّام وسماها "مُنَبّه" فعربت، وَقيل "منبح" وَنسب إِلَيْهَا كثير من الْعلمَاء "اللّبَاب ٣/ ٢٥٩". ٢ فِي ط "طقصان".
[ ١ / ١٢٢ ]
وفتاه بيليك، وعلاء الدَّين عَليّ بن عبد الْغفار بن عَليّ الْخَطِيب، وَمُحَمّد بن أَحْمد بن عَليّ بن غَدِير١ الوَاسِطِيّ، وناصر بن مُحَمَّد بن نَاصِر القرضي٢ وَعلي بن حمايل بن يُوسُف الأزروي٣، وَمُحَمّد بن عمر بن عُثْمَان الباوردي، وَمُحَمّد بن يحيى بن عَزِيمَة الكركي، وَعبد الْأَعْلَى بن نَاصِر بن مكي العرضي٤، وَعبد الله بن عبد الْكَرِيم بن الكبريت، وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن أخي المسمع مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بن القواس، وَعلي بن عُثْمَان المنيحي٥ وَأَخُوهُ أَحْمد.
وَصَحَّ ذَلِك فِي ثَلَاث مجَالِس، آخرهَا يَوْم الْجُمُعَة مستهل شعْبَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة بِدِمَشْق المحروسة بدرب مُحرز.
وَسمع الْجَمَاعَة الَّذين كمل لَهُم الْكتاب -سوى قَاسم بن شقير، وصبيح وَعلي الْهِلَالِي، وَمن ذكر بعده- على ربح بِالْقِرَاءَةِ والتاريخ تَرْجَمَة عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ المُصَنّف من تَارِيخ دمشق، لِلْحَافِظِ أبي الْقَاسِم، ابْن عَسَاكِر باجازته من أبي الْوَحْش عبد الرَّحْمَن بن أبي مَنْصُور ابْن نسيم بِسَمَاعِهِ مِنْهُ، وترجمة بشر بن غياث المريسي من تَارِيخ بَغْدَاد لِلْحَافِظِ أبي بكر الْخَطِيب باجازته من أبي الْيمن الْكِنْدِيّ عَن أبي مَنْصُور الْقَزاز عَنهُ.
وَسمع الَّذين كمل لَهُم الْكتاب وَالَّذين سمعُوا الْمجْلس الثَّالِث -مَا
_________________
(١) ١ فِي ط "عَزِيز". ٢ فِي ط "الفرضي". ٣ فِي ط "الأرنردي". ٤ فِي ط "الفرضي". ٥ فِي ط "المنبجي".
[ ١ / ١٢٣ ]
خلا الْهِلَالِي وَابْنه، وَابْني المنجا وَعلي بن عُثْمَان المنيحي١ عَليّ- إِلَيّ آخر تَرْجَمَة مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي من تَارِيخ الْخَطِيب، باجازته من الْكِنْدِيّ عَن الْقَزاز عَنهُ، وباجازته أَيْضا من أبي الْقَاسِم الحرستاني٢ عَن أبي الْحسن بن قيس عَنهُ.
وَأَجَازَ المسمع للْجَمَاعَة الْمَذْكُورين كلهم رِوَايَة جَمِيع مَا يجوز لَهُ رِوَايَته.
ونقلب الطَّبَقَة بخطي. وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين، وصلواته على مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ، وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدَّين.
نقلت هَذِه من نُسْخَة مَحْفُوظَة بكتبخانة شيخ الْإِسْلَام بِالْمَدِينَةِ المنورة وَعَلَيْهَا مَا صورته٣.
وَافق الْفَرَاغ من تَعْلِيق جَمِيع الْكتاب والطبقة الْمَذْكُورَة يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس شهر ذِي الْقعدَة من شهور سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسَبْعمائة.
كتب هَذِه النُّسْخَة برسم الْفَاضِل جناب الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن عبد الرَّحْمَن بن حسن بن الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب سنة ١٣٤٧هـ ٤.
_________________
(١) ١ فِي ط "وَأبي المنجاد عَليّ بن عُثْمَان المنبجي". ٢ فِي س "الخرستاني" وَمرَّة يذكرهُ بِالْحَاء الْمُهْملَة كَمَا فِي الأَصْل، وَهُوَ الصَّوَاب فِيمَا يظْهر لي، وَانْظُر ص"١١٤". ٣ الْعبارَة من قَوْله: "نقلت هَذِه النُّسْخَة" إِلَى قَوْله: "ماصورته" لَيست فِي ط. ٤ الْعبارَة من قَوْله: "كتب هَذِه النُّسْخَة" إِلَى قَوْله: "سنة ١٣٤٧هـ" لَيست فِي ط، حَيْثُ قَالَ فِي ط: "كِتَابَة الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى أَيُّوب بن أَيُّوب بن صَخْر العامري بِمَدِينَة حمص المحروسة فِي تَارِيخه".
[ ١ / ١٢٤ ]
مدخل
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْقسم الثَّانِي: الْكتاب محققا
الْجُزْء الأول:
"رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ بِرَحْمَتِكَ"١.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَحْنَفِ٢ قَالَ: أبنا٣ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْقَرَّابُ الْحَافِظ٣ قَالَ: أبنا٥ أَبُو بكر بن
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش، "رب يسر وأعن يَا كريم". ٢ فِي ش "بن الأحف" وَلم أجد لَهُ تَرْجَمَة. ٣ كَذَا فِي الأَصْل وَلم تعجم، وَالَّذِي أرجحه أَنَّهَا "أبنا" بِالْهَمْزَةِ، ثمَّ الْبَاء الْمُوَحدَة وَالضَّمِير وَقد استعملها النَّاسِخ مرَارًا مِمَّا سنشير إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله فِي مَوْضِعه، وَفِي ط، س، ش "أخبرنَا" وَكِلَاهُمَا بِمعين وَاحِد، إِذْ أَن مَا فِي الأَصْل هُوَ مِمَّا ورد فِي الرموز الَّتِي اصْطلحَ عَلَيْهَا بعض الْمُحدثين كالبيهقي وَغَيره للدلالة على لفظ "أخبرنَا" إِلَّا أَنه اصْطِلَاح ضَعِيف، قَالَ فِي تدريب الرَّاوِي: "وَلَا تحسن زِيَادَة الْبَاء قبل النُّون -وَإِن فعله الْبَيْهَقِيّ وَغَيره- لِئَلَّا تَلْتَبِس برمز حَدثنَا"، انْظُر: تقريب النواوي وَشَرحه تجريب الرَّاوِي، تَحْقِيق عبد الْوَهَّاب عبد اللَّطِيف ط. الأولى ص"٣، ٢" وألفية السُّيُوطِيّ فِي عُلُوم الحَدِيث، شرح وَتَصْحِيح أَحْمد شَاكر ص"١٥٧" والمصباح فِي أصُول الحَدِيث تأليف السَّيِّد قَاسم أندجاني ص"١٧٣". ٤ هُوَ الْحَافِظ الإِمَام، مُحدث خُرَاسَان، أَبُو يَعْقُوب، إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السَّرخسِيّ، ثمَّ الْهَرَوِيّ، لَهُ المصنفات الْكَثِيرَة الدَّالَّة على حفظه وسعة علمه، ولد سنة ٣٥٢هـ، وَقَالَ أَبُو النَّصْر الفامي: زَاد الْحفاظ للذهبي طبعة دَار إحْيَاء التراث الْعَرَبِيّ "٣/ ١١٠٠-١١٠٣" انْظُر: الْأَعْلَام للزركلي "١/ ٢٩٣". ٥ فِي ط، ش "أخبرنَا" وَفِي س "أَنا".
[ ١ / ١٣٧ ]
مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُزَكِّي١ قَالَ: أبنا٢ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّرَّامُ٣ قَالَ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارَمِيُّ٤ ﵀ قَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ قَبْلَ كُلِّ كَلَامٍ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ مَقَامٍ٥ وَعَلَى مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ رَبِّنَا وَعَلِيهِ السَّلَام٦.
_________________
(١) ١ لم أجد لَهُ تَرْجَمَة. ٢ فِي ط، ش "أخبرنَا" وَفِي س "أَنا". ٣ لم أجد لَهُ تَرْجَمَة. ٤ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ تقدّمت تَرْجَمته ص"٢١-٤٤". ٥ قَوْله: "وَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ مَقَامٍ "لَيست فِي س. ٦ فِي ط، س، ش "وَعَلِيهِ أفضل السَّلَام".
[ ١ / ١٣٨ ]
سَبَب تأليف الْكتاب:
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَارَضَ مَذَاهِبَنَا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ١ مِمَّنْ بَين سَبَب تأليف الْكتاب
_________________
(١) ١ الْجَهْمِية: أَصْحَاب جهم بن صَفْوَان تلميذ الْجَعْد بن دِرْهَم الَّذِي قَتله خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ سنة ١٢٤هـ على الزندقة والإلحاد، وَهُوَ أول من ابتدع القَوْل بِخلق الْقُرْآن وتعطيل الله عَن صِفَاته، وَمن الجبرية الْخَالِصَة، ظَهرت بدعته بترمذ وَقَتله سلم بن أحوز الْمَازِني بمرو فِي آخر ملك بني أُميَّة، وَوَافَقَ الْمُعْتَزلَة فِي نفي الصِّفَات الأزلية وَزَاد عَلَيْهِم بأَشْيَاء. مِنْهَا قَوْله: لَا يجوز أَن يُوصف الْبَارِي تَعَالَى بِصفة يُوصف بهَا خلقه؛ لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي تَشْبِيها، فنفى كَونه حيًّا عَالما، وَأثبت كَونه: قَادِرًا فَاعِلا خَالِقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوصف شَيْء من خلقه بِالْقُدْرَةِ وَالْفِعْل والخلق. وَمِنْهَا إثْبَاته علومًا حَادِثَة للباري تَعَالَى لَا فِي مَحل قَالَ: لَا يجوز أَن يعلم الشَّيْء قبل خلقه. وَمِنْهَا قَوْله فِي الْقُدْرَة الْحَادِثَة: إِن الْإِنْسَان لَا يقدر على شَيْء وَلَا يُوصف بالاستطاعة، وَإِنَّمَا هُوَ مجبور فِي أَفعاله لَا قدرَة لَهُ، وَلَا إرداة، وَلَا اخْتِيَار، وَنسبَة الْأَفْعَال إِلَى الْمَخْلُوق على سَبِيل الْمجَاز كَمَا يُقَال: أثمرت الشَّجَرَة =
[ ١ / ١٣٨ ]
ظَهْرَيْكُمْ مُعَارِضٌ١ وَانْتَدَبَ لَنَا مِنْهُمْ مُنَاقض ينقص مَا رَوَيْنَا فِيهِمْ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَصْحَابِهِ٢ بِتَفَاسِيرِ الْمُضِلِّ الْمَرِيسِيِّ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ٣ الْجَهْمِيِّ. فَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لَنَا فِي ذَلِكَ اعْتِمَادُ٤ هَذَا الْمُعَارِضِ عَلَى كَلَام
_________________
(١) = وَجرى المَاء وتغيبت الشَّمْس. وَمِنْهَا قَوْله: إِن حركات أهل الخلدين تَنْقَطِع، وَالْجنَّة وَالنَّار تفنيان بعد دُخُول وَمِنْهَا قَوْله: وتلذذ أهل الْجنَّة بنعيمها وتألم أهل النَّار بجحيمها، إِذْ تتَصَوَّر حركات لَا تتناهى آخرا، كَمَا لَا تتَصَوَّر حركات لَا تتناهى أَولا، وحملت الْآيَات الدَّالَّة على الْمُبَالغَة والتأكيد دون الْحَقِيقَة وَالتَّخْلِيد. وَمِنْهَا قَوْله: من أَتَى بالمعرفة ثمَّ جحد بِلِسَانِهِ لم يكفر بجحده؛ لِأَن الْعلم والمعرفة لَا يزولان بالجحد فَهُوَ مُؤمن. قَالَ: وَالْإِيمَان لَا يَتَبَعَّض أَي لَا يَنْقَسِم إِلَى عقد وَقَول وَعمل. وَقَالَ: وَلَا يتفاضل أَهله فِيهِ، فإيمان الْأَنْبِيَاء وإيمان الْأمة على نمط وَاحِد، إِنَّمَا المعارف تتفاضل. قيل: وَكَانَ جهم يخرج بِأَصْحَابِهِ فيقفهم على المجذومين، وَيَقُول: انْظُرُوا، ارْحَمْ الرَّاحِمِينَ يفعل مثل هَذَا؟ "إنكارًا لِرَحْمَتِهِ كَمَا أنكر حكمته" انْتهى بِتَصَرُّف ص"٨٦-٨٨" جـ١ من الْملَل والنحل للشهرستاني، قَالَ الْبَغْدَادِيّ فِي الْفرق بَين الْفرق ص"٢٠٠": "وَكَانَ مَعَ ضلالاته يحمل السِّلَاح وَيُقَاتل السُّلْطَان، وَخرج مَعَ شُرَيْح بن الْحَرْث على نصر بن سيار، وَقَتله سلم بن أجون "كَذَا" الْمَازِني فِي آخر زمَان بني مَرْوَان، وَأَتْبَاعه الْيَوْم بنهوند" انْتهى بِتَصَرُّف ص"٢٠٠". ١ قلت: وَمَعَ التَّأَمُّل والبحث فِيمَا بَين يَدي من المصادر لم يتَبَيَّن لي من يكون هَذَا الْمعَارض الْمُنْتَصر لآراء الْجَهْمِية: والناقل لآراء المريسي وَمُحَمّد بن شُجَاع الثَّلْجِي، وَلَيْسَ الْمعَارض هُوَ الثَّلْجِي كَمَا يظنّ الْبَعْض، فَإِن فِي سِيَاق الدَّارمِيّ فِي كِتَابه هَذَا مَا يدل صَرَاحَة على أَنه لَيْسَ هُوَ ابْن الثَّلْجِي، انْظُر مثلا: ص"٤٣٢". ٢ فِي ط، س، ش "وعَلى آله وَأَصْحَابه". ٣ بشر المريسي تقدّمت لَهُ تَرْجَمَة ص"٤٧-٧١". ٤ لفظ "اعْتِمَاد" لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ١ / ١٣٩ ]
بشر إِذْ كَانَ مَشْهُور عِنْدَ الْعَامَّةِ بِأَقْبَحِ الذِّكْرِ مُفْتَضَحًا بِضَلَالَاتِهِ فِي كُلِّ مِصْرٍ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْوَنَ لَنَا عَلَى الْمُعَارِضِ عِنْدَ الْخَلْقِ، وَأَنْجَعَ١ فِي قُلُوبِهِمْ لِقَبُولِ الْحَقِّ وَمَوَاضِعِ الصِّدْقِ. وَلَوْ قَدْ كَنَّى فِيهَا عَنْ بِشْرٍ كَانَ جَدِيرًا أَنْ يَنْفُذَ٢ عَلَيْهِمْ بَعْضهَا فِي خَفَاءٍ٣ وَسِتْرٍ، وَلَمْ يَفْطُنْ لَهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا كُلُّ مَنْ تَبَصَّرَ، غَيْرَ أَنَّهُ أَفْصَحَ بِاسْمِ الْمَرِيسِيِّ وَصَرَّحَ، وَحَقَّقَ عَلَى نَفسه بن الظَّنِّ وَصَحَّحَ، وَلَمْ يَنْظُرْ لِنَفْسِهِ وَلَا لأهل بِلَاده وَلم تنصح، فَحَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الْخَيْبَةِ وَالْحِرْمَانِ، وَفَضْحِهِ٤ فِي الْكُوَرِ٥ وَالْبُلْدَانِ، أَنْ يَكُونَ إِمَامَهُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى٦ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيُّ، الْمُلْحِدُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْمُفْتَرِي٧ الْمُعَطل٨ لصفات ربه الجهمي.
_________________
(١) ١ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح "٢/ ٤٣" مَادَّة "نَجَعَ" "نجع الطَّعَام يَنْجَع ويَنْجِع نُجُوعًا أَي هَنأ آكِلُه" وَقَالَ: "وَقد نجع فِيهِ الْخطاب، والوعظ والدواء، أَي دخل فِيهِ وأثَّر". ٢ فِي س "ينْقد" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ فِي ط، ش "فِي خَفَاء وَفِي ستر: ٤ فِي ط، س، ش "وفضيحة". ٥ فِي ط، س، ش "الْكَوْن"، قلت: والكور جمع كورة وَهِي الْمَدِينَة والصقع، انْظُر: الصِّحَاح للجوهري "٢/ ٤١٧". ٦ لَفْظَة: "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. "٧، ٨" فِي ط، س، ش "الْمُعَطل المفتري"، قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح "٢/ ٢٤٠-٢٤١" مَادَّة "فرا": "وفرى فلَان كذبا، إِذا خلقه وافتراه واختلقه وَالِاسْم الْفِرْيَة" وَفِي الصِّحَاح أَيْضا "٢/ ١٢٩" مَادَّة "عطل": "العطل مصدر عطلت الْمَرْأَة وتعطلت إِذا خلا جيدها من القلائد فَهِيَ عُطُل بِالضَّمِّ وعاطل ومعَطَال، ويستمعل العطل فِي الْخُلُو من الشَّيْء وَإِن كَانَ أَصله فِي الْحلِيّ، وَيُقَال: عطل الرجل من المَال وَالْأَدب فَهُوَ عُطُلٌ والتعطيل التفريغ وبئر معطلة لِبُيُود أَهلهَا" انْتهى بِتَصَرُّف.
[ ١ / ١٤٠ ]
أَنْشَأَ هَذَا الْمُعَارِضُ يَحْكِي فِي كِتَابٍ لَهُ عَنِ الْمَرِيسِيِّ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّلَالِ وَشَنِيعِ١ الْمَقَالِ وَالْحُجَجِ الْمِحَالِ، مَا لَمْ يَكُنْ بِكُلِّ ذَلِكَ نَعْرِفُهُ، وَنَصِفُهُ فِيهِ بِرَثَاثَةِ مُنَاقَضَةِ الْحُجَجِ، مَا لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ٢ أَنْ يَصِفَهُ، فَتَجَافَيْنَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مُنَاقَضَةِ الْمُعَارِضِ وَقَصَدْنَا قَصْدَ الْمَرِيسِيِّ الْعَاثِرِ٣ فِي قَوْلِهِ الدَّاحِضِ٤، لَمَّا أَنَّهُ أَمْكَنُ فِي الْحِجَاجِ مِنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَفْطِنْ لِغَوْرِ٥ مَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ من الْكَلَام،
_________________
(١) ١ التعطيل اصْطِلَاحا يُطلق وَيُرَاد بِهِ إِنْكَار مايجب لله تَعَالَى من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات أَو إِنْكَار بَعْضهَا، فَهُوَ نَوْعَانِ:
(٢) تَعْطِيل كلي، كتعطيل الْجَهْمِية الَّذين أَنْكَرُوا الصِّفَات وغلاتهم يُنكرُونَ الْأَسْمَاء أَيْضا.
(٣) تَعْطِيل جزئي، كتعطيل الأشعرية الَّذين يُنكرُونَ بعض الصِّفَات دون بعض، انْظُر: الْملَل والنحل للشهرستاني، تَحْقِيق مُحَمَّد سيد كيلاني ط. الثَّانِيَة١/ ٨٦، ٩٤، وتلخيص الحموية لِابْنِ عثيمين ص"١٠". ١ فِي س "تشنيع" وَفِي لِسَان الْعَرَب "الشناعة الفظاعة شنع الْأَمر أَو الشَّيْء شناعة وشنعًا وشنوعًا: قبح فَهُوَ شنيع وَالِاسْم الشنعة وشنع عَلَيْهِ الْأَمر تشنيعًا قبحه" بِتَصَرُّف من لِسَان الْعَرَب لِابْنِ مَنْظُور، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ٢/ ٣٦٨. ٢ فِي س "يقدرُونَ". ٣ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح "٢/ ٧٩" مَادَّة "عثر": "العثرة الزلة وَقد عثر فِي ثَوْبه يعثر عثارًا، يُقَال: عثر بِهِ فرسه فَسقط" وَقَالَ: "وتعثر لِسَانه: تلعثم" بِتَصَرُّف. ٤ فِي لِسَان الْعَرَب لِابْنِ مَنْظُور، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ١/ ٩٥٢ مَادَّة "دحض": "ودحضت حجَّته دحوضًا: كَذَلِك على الْمثل إِذا بطلت وأدحضها الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ [الشورى: ١٦] وأدحض حجَّته إِذا أبطلها". ٥ الَّذِي يظْهر من رسم الأَصْل وس أَنَّهَا بالغين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الَّذِي أثْبته، وَفِي ط، ش "لفور" بِالْفَاءِ وكل مِنْهُمَا يحْتَملهُ السِّيَاق، قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح "٢/ ٢١٢" مَادَّة "غور": "غور كل شَيْء: قَعْره، يُقَال: فَلَا بعيد الْغَوْر" بِتَصَرُّف. وَقَالَ فِي مُجَلد ٢/ ٢٦٤ مَادَّة "فَور": "فارت الْقدر تَفُور فَوْرًا وفورانًا: جَاشَتْ، وَمِنْه قَوْلهم: ذهب فِي حاجه ثمَّ أتيت فلَانا فوري، أَي قبل أَن أسكن، وفار فائره، لُغَة فِي ثار ثائره، إِذا جاش غَضَبه، وفوره الْحر: شدته "انْتهى بِتَصَرُّف، وعَلى هَذَا فَهُنَا تَشْبِيه.
[ ١ / ١٤١ ]
الْمُدَلَّسِ١ الْمَنْقُوضِ، وَالْكُفْرِ الْوَاضِحِ الْمَرْفُوضِ. وَكَيْفَ يَهْتَدِي بِشْرٌ لِلتَّوْحِيدِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَكَانَ وَاحِدِهِ٢ وَلَا هُوَ بِزَعْمِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِوَاجِدِهِ، فَهُوَ إِلَى التَّعْطِيلِ٣ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَوَاحِدُهُ بِالْمَعْدُومِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْمَوْجُودِ. وَسَنُعَبِّرُ لَكُمْ عَنْهُ مِنْ نَفْسِ كَلَامِهِ مَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْجُحُودِ٤ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْمَجِيدِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ.
وَلَوْلَا مَا بَدَأَكُمْ هَذَا الْمُعَارِضُ بِإِذَاعَةِ ضَلَالَاتِ الْمَرِيسِيِّ وَبَثِّهَا فِيكُمْ، مَا اشْتَغَلْنَا بِذِكْرِ كَلَامِهِ، مَخَافَةَ أَنْ يَعْلَقَ بَعْضُ كَلَامِهِ بِقُلُوبِ بَعْضِ٥ الْجُهَّالِ، فَيُلْقِيهِمْ فِي شَكٍّ مِنْ خَالِقِهِمْ وَفِي ضَلَالٍ، أَوْ أَنْ يَدعُوهُم إِلَى تَأْوِيله٦
_________________
(١) ١ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح مُجَلد ١/ ٤١١ مَادَّة "دلّس": "التَّدْلِيس فِي البيع، كتمان عيب السّلْعَة عَن المُشْتَرِي، والمدالسة كالمخادعة، يُقَال: فلَان لَا يدالسك أَي لَا يخادعك، وَلَا يخفي عَلَيْك الشَّيْء، فَكَأَنَّهُ يَأْتِيك بِهِ فِي الظلام، والدلس بِالتَّحْرِيكِ الظلمَة" بِتَصَرُّف. ٢ فِي س "واجده" بِالْجِيم. ٣ التعطيل تقدم ص"١٤٠". ٤ فِي س "بالجمود" وَمَا فِي الأَصْل أنسب للسياق. ٥ كلمة "بعض" لَيست فِي ط، ش. ٦ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح ١/ ٥٩ مَادَّة "أول": "التَّأْوِيل: تَفْسِير مَا يؤول إِلَيْهِ الشَّيْء، وَقد أولته وتأولته بِمَعْنى". وَحَقِيقَة التَّأْوِيل الَّذِي عَلَيْهِ أهل الْبدع هُوَ أَنهم يتأولون النُّصُوص على غير تَأْوِيلهَا، وَيدعونَ صرف اللَّفْظ عَن مَدْلُوله بِغَيْر دَلِيل يُوجب ذَلِك، ويزعمون أَن مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيِّ -ﷺ- من نُصُوص الصِّفَات لم يقْصد بِهِ الظَّاهِر، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود بِهِ معَان تخَالفه لَا يعلمهَا إِلَّا النَّبِيِّ ﷺ، وَقد تَركهَا للنَّاس يستنبطونها بعقولهم. انْظُر: التدمرية لَا بن تَيْمِية ط. كُلية الشَّرِيعَة ص"٧١".
[ ١ / ١٤٢ ]
الْمُحَالِ؛ لِأَنَّ جُلَّ١ كَلَامِهِ تَنَقُّصٌ وَوَقِيعَةٌ فِي الرَّبِّ، وَاسْتِخْفَافٌ بِجَلَالِهِ وَسَبٌّ، وَفِي التَّنَازُعِ فِيهِ يُتَخَوَّفُ الْكُفْرُ وَيُرْهَبُ.
وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ٢ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٣: "لَأَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ٤،
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "كل". قلت "جلّ الشَّيْء معظمه. انْظُر: الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح ١/ ٢٠١ مَادَّة "جلل". ٢ عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، مولى بني حَنْظَلَة، ثِقَة ثَبت، فَقِيه عَالم جواد، مُجَاهِد، جمعت فِيهِ خِصَال الْخَيْر، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٨١ وَله ٦٣/ ع. انْظُر: تقريب التَّهْذِيب "١/ ٤٤٥". ٣ قَوْله: "﵁" لَيست فِي ط، س، ش، قلت: ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن قَول: "﵁" مَخْصُوص بالصحابة، وَيُقَال فِي غَيرهم: "﵀" وَاخْتَارَ الإِمَام النَّوَوِيّ وَعَزاهُ إِلَى جُمْهُور الْعلمَاء أَن قَول: "﵁" غير مُخْتَصّ بالصحابة بل هُوَ عَام للصحابة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ من الْعلمَاء والعباد وَسَائِر الأخيار، وَقَالَ: "وَأما مَا قَالَه بعض الْعلمَاء" أَن قَوْله: "﵁" مَخْصُوص بالصحابة، وَيُقَال فِي غَيرهم: "﵀": فَقَط فَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَلَا يُوَافق عَلَيْهِ، بل الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور اسْتِحْبَابه، ودلائله أَكثر من أَن تحصر، فَإِن كَانَ الْمَذْكُور صحابيًّا ابْن صَحَابِيّ قَالَ: قَالَ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَكَذَا ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَابْن جَعْفَر وَأُسَامَة بن زيد وَنَحْوهم لتشمله وأباه جَمِيعًا". انْظُر الْأَذْكَار للنووي، تَحْقِيق عبد الْقَادِر الأرناؤوط ص"١٠٠". ٤ يُقَال: هاد الرجل أَي رَجَعَ وَتَابَ، اخْتلف فِي اشتقاق اسْم الْيَهُود، فَقيل من الهود أَي التَّوْبَة، وَقيل: لأَنهم نسبو إِلَى يهود أكبر ولد يَعْقُوب وقلبت الذَّال دَالا، وَقيل: لأَنهم هادوا أَي مالوا عَن الْإِسْلَام وَعَن دين مُوسَى، وَقيل غير ذَلِك، =
[ ١ / ١٤٣ ]
وَالنَّصَارَى١ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أحكي كَلَام الْجَهْمِية"٢.
_________________
(١) = وهم أمة مُوسَى، وكتابهم التَّوْرَاة، ويحدثنا الْقُرْآن عَنْهُم أَنهم لم يتبعوا النُّور الَّذِي أنزل لَهُم، وَأَنَّهُمْ حرفوا التورة وآذوا مُوسَى وغلوا فِي عداوتهم، واغتالوا عديد من أنبياهم، وصدوا عَن دين الله حَتَّى كتب الله عَلَيْهِم التيه والتشريد ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَة: ٦١]، وَقد ورد ذكرهم فِي الْقُرْآن كثيرا، وَاخْتلفُوا نيفًا وَسبعين فرقة من أشهرها العنانية، العيسوية، المقاربة، اليوذعانية، الموشكانية، السامرة، انْظُر: الْملَل والنحل للشهرستاني ٢/ ٩-٣٢، والفصل لِابْنِ حزم بهامشه الْملَل والنحل ١/ ٩٨-١٠٥، والأديان فِي الْقُرْآن، تأليف د. مَحْمُود بن الشريف ط. الرَّابِعَة ص"٩٥-١٥٠". ١ النَّصَارَى لُغَة: نصران كالندامى، جمع ندمان، أَو جمع نصرى. والنصرانية والنصرانة وَاحِدَة النَّصَارَى، وهم أمة الْمَسِيح بن مَرْيَم ﵇ الْمَبْعُوث حقًّا بعد مُوسَى ﵇، ورد ذكرهم فِي الْقُرْآن كثيرا وأغلب ذكرهم بالْعَطْف على الْيَهُود أَو عطف الْيَهُود عَلَيْهِم، وافترقوا إِلَى اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرفة، قَالَ الشهرستاني: وكبار فرقهم ثَلَاث: الملكائية، والنسطورية، واليعقوبية، وَذكر ابْن حزم أَن النَّصَارَى لَا يدعونَ أَن الأناجيل منزلَة من عِنْد الله على الْمَسِيح وَلَا أَن الْمَسِيح أَتَاهُم بهَا، بل كلهم أَوَّلهمْ عَن أخرهم لَا يَخْتَلِفُونَ من أَنَّهَا أَرْبَعَة تواريخ ألفها رجال معروفون فِي أزمان مُخْتَلفَة، وهم: مَتى اللاواني ومارقس الهاوروني ولوقا الطَّبِيب ويوحنا بن سيذاي، انْظُر: الْملَل والنحل للشهرستاني ٢/ ٣٢-٥٢، والفصل لهامشه الْملَل ٢/ ٢-٣ والقاموس الْمُحِيط للفيروزآبادي ٣/ ١٤٣، وإغاثة اللهفان لِابْنِ الْقيم ٢/ ٢٦٩-٢٩٨. ٢ أخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"٧" قَالَ: "حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، حَدثنِي عَليّ بن الْحُسَيْن "كَذَا" بن شَقِيق، سَمِعت عبد الله بن الْمُبَارك يَقُول: إِنَّا نستجيز أَن نحكي كَلَام الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا نستجيز أَن نحكي كَلَام الْجَهْمِية". وَفِي الْمصدر نَفسه أَيْضا ص"٣٥" من طَرِيق آخر عَن عَليّ بن الْحسن عَن ابْن الْمُبَارك بِنَحْوِهِ، وَأخرجه الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة، تَحْقِيق حَامِد الفقي، ص"٢٥٥" من طَرِيق عَليّ بن الْحسن، عَن ابْن الْمُبَارك بِنَحْوِهِ وَأوردهُ ابْن الْقيم فِي اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية ص"٥٤" عَن ابْن الْمُبَارك وَصَححهُ.
[ ١ / ١٤٤ ]
حَدثنَا١ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ٢ قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ٣ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ٤.
فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَرِهْنَا الْخَوْضَ فِيهِ، وَإِذَاعَةَ نَقَائِصِهِ٥ حَتَّى أَذَاعَهَا الْمُعَارِضُ فِيكُمْ، وَبَثَّهَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَخَشِينَا أَلَّا يَسَعَنَا إِلَّا الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ بَثَّهَا، وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا، مُنَافَحَةً٦ عَنِ اللَّهِ، وَتَثْبِيتًا لِصِفَاتِهِ الْعُلَى٧ وَلِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَدَعَا إِلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى، وَمُحَامَاةً عَنْ ضُعَفَاءِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْغَفْلَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصبيان أَن يضلوا بهَا، ويفتنوا٨ إِذْ بَثَّهَا فِيهِمْ رَجُلٌ كَانَ يُشِيرُ٩ بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ فِقْهٍ وَبَصَرٍ، وَلَا يَفْطنُون لعثراته إِذْ هُوَ عَثَرَ١٠، فَيَكُونُوا مِنْ أَخَوَاتِهَا مِنْهُ على حذر.
_________________
(١) ١ فِي ط، س "حدّثنَاهُ". ٢ فِي ط، س، ش "الْبَزَّاز" آخِره مُعْجمَة وَالصَّوَاب بِالْمُهْمَلَةِ، كَمَا فِي الأَصْل، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٦٧: الْحسن بن الصَّباح الْبَزَّار، آخِره رَاء، أَبُو عَليّ الوَاسِطِيّ نزيل بَغْدَاد، صَدُوق يهم، وَكَانَ عابدًا فَاضلا من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٤٩/ ح م د ت س، وَانْظُر: الْخُلَاصَة للخزرجي ص"٧٨". ٣ فِي ط، س، ش "عَليّ بن الْحُسَيْن" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٤: عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي، ثِقَة حَافظ من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ١٥ وَقيل: بعد ذَلِك/ ع، وَانْظُر الكاشف ٢/ ٢٨١، وَالْخُلَاصَة ص"٢٧٢". ٤ عبد الله بن الْمُبَارك تقدم ص"١٤٣". ٥ فِي ش "نقائضه". ٦ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح ١/ ٥٩٢ مَادَّة "نفح": "ونافحت عَن فلَان: خَاصَمت عَنهُ ونافحوهم مثل خاصموهم" بِتَصَرُّف. ٧ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "الْعليا". ٨ فِي ط، س، ش "أَو أَن يفتنوا". ٩ فِي ط، س، ش "يُشِير إِلَيْهِ بَعضهم" وَهُوَ أوضح. ١٠ فِي ط، س، ش "غش" وَمَا فِي الأَصْل أنسب.
[ ١ / ١٤٥ ]
بَيَان مَا افْتتح بِهِ الْمعَارض كِتَابه ومناقشته فِي ذَلِك:
قد كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ١ أَنَّهُ سَمِعَ عِيسَى بْنَ يُونُسَ٢ يَقُولُ: "لَا تُجَالِسُوا الْجَهْمِيَّةَ٣ وَبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ كَيْ يَعْرِفُوهُمْ فَيَحْذَرُوهُمْ"٤.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: افْتَتَحَ هَذَا الْمُعَارِضُ كِتَابَهُ بِكَلَامِ نَفْسِهِ مُثَنِّيًا٥ بِكَلَام إِن مَا افْتتح بِهِ مؤلف كِتَابه مناقشته فِي
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٦: عَليّ بن خشرم بمعجمتين، وزن جَعْفَر، الْمروزِي ثِقَة من صغَار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٥٧هـ أَو بعْدهَا، وَقد قَارب الْمِائَة، م ت س. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٠٣: عِيسَى بن يُونُس ين أبي إِسْحَاق، السبيعِي، بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسر الْمُوَحدَة، أَخُو إِسْرَائِيل، كُوفِي نزل الشَّام مرابطًا، ثِقَة مَأْمُون، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ، وَقيل: سنة إِحْدَى وَتِسْعين، ع، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ٢/ ١٠٨٦ أَن عَليّ بن خشرم روى عَنهُ. ٣ الْجَهْمِية تقدّمت ص"١٣٨". ٤ قلت: وَنقل أَيْضا عَن ابْن عُيَيْنَة أَنه قَالَ: "لَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تسمعوا كَلَامهم"، انْظُر: خلق أَفعَال الْعباد، للْبُخَارِيّ ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف، لعَلي النشار ص"١٢٣"، وَعَن ابْن عيينه: أَيْضا قَالَ: "فَمَا نَعْرِف الْقُرْآن إِلَّا كَلَام الله ﷿. وَمن قَالَ غير هَذَا فَعَلَيهِ لعنة الله، لَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تسمعوا كَلَامهم"، انْظُر الْأَسْمَاء وَالصِّفَات للبيهقي ص"٢٥٣" وَقَالَ إِسْحَاق: وَسَأَلت أَبَا بكر بن عُثْمَان، عَن شَهَادَة من قَالَ: الْقُرْآن مَخْلُوق، فَقَالَ: "مَالِي وَلَك قد أدرت فِي صماخي شَيْئا لم أسمع بِهِ قطّ، لَا تجَالس هَؤُلَاءِ وَلَا تكلمهم وَلَا تناكحهم" قلت: وَعَن بشر بن الْحَارِث نَحوه وَزِيَادَة "وَإِن مرضوا فَلَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا فَلَا تشهدوهم"، انْظُر: السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد ص"١٢" والأسماء وَالصِّفَات للبيهقي ص"٢٥٠". ٥ فِي ط، س، ش "منشئًا".
[ ١ / ١٤٦ ]
الْمَرِيسِيِّ، مُدَلِّسًا عَلَى النَّاسِ بِمَا يَهِمُّ١ أَنْ يَحْكِيَ٢ وَيَرَى٣ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْجُهَّالِ وَمَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ الْأَغْمَارِ٤: أَنَّ مَذَاهِبَ جَهْمٍ٥ وَالْمَرِيسِيِّ فِي التَّوْحِيدِ كَبَعْضِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْإِيمَانِ٦ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَكَاخْتِلَافِهِمْ٧ فِي التَّشَيُّعِ وَالْقَدَرِ، وَنَحْوِهَا كَيْ لَا تنفرُوا مِنْ مَذَاهِبِ جَهْمٍ وَالْمَرِيسِيِّ أَكْثَرَ مِنْ نُفُورِهِمْ مِنْ كَلَامِ الشِّيعَةِ٨،
_________________
(١) ١ فِي س "يُوهم". ٢ فِي ط "نحكي" وَفِي ش "تحكي". ٣ فِي س "ويروى". ٤ الأغمار جمع غمر. قَالَ الفيروزأبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط "٢/ ١٠٤" مَادَّة "الْغمر": "الْغمر من النَّاس جَمَاعَتهمْ ولفيفهم كغمرهم محركة، وغمرتهم وغمارتهم بِالضَّمِّ وَيفتح، وَمن لم يجرب الْأُمُور ويثلث ويحرك". ٥ جهم بن صوفان تلميذ الْجَعْد بن دِرْهَم، وَهُوَ الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ مَذْهَب الْجَهْمِية المعطلة؛ لِأَنَّهُ نشره، وَقَتله سلم بن أحوز الْمَازِني صَاحب شرطة نصر بن سيار وَذَلِكَ فِي مرو سنة ١٢٨هـ، وَقَالَ عَنهُ الشهرستاني: "وَهُوَ من الجبرية الْخَالِصَة ظَهرت بدعته بترمذ، قَتله سلم بن أحوز الْمَازِني بمرو فِي آخر ملك بني أُميَّة، وَافق الْمُعْتَزلَة فِي نفي الصِّفَات الأزلية وَزَاد عَلَيْهِم بأَشْيَاء"، وَذكر الطَّبَرِيّ فِي تَارِيخه: "أَنه كَانَ كَاتبا لِلْحَارِثِ بن سريح الَّذِي خرج فِي خُرَاسَان فِي آخر دولة بني أُميَّة"، انْظُر: الْملَل والنحل للشهرستاني ١/ ٨٦، وتاريخ الطَّبَرِيّ حوادث سنة ١٢٨هـ، ولسان الْمِيزَان ٢/ ١٤٢". ٦ فِي س "بِالْإِيمَان". ٧ فِي ط، س، ش "كاختلافهم" بِدُونِ وَاو. ٨ الشِّيعَة هم الَّذين شايعوا عليًّا ﵁ على الْخُصُوص،،قَالُوا بإمامته وخلافته نصًّا وَوَصِيَّة، إِمَّا جليًّا، وَإِمَّا خفيًّا، واعتقدوا أَن الْإِمَامَة لَا تخرج عَن أَوْلَاده وَإِن خرجت فبظلم يكون من غَيره، وبتقية من عِنْده، وَقَالُوا: لَيست الْإِمَامَة قَضِيَّة مصلحية تناط بِاخْتِيَار الْعَامَّة وينتصب الإِمَام بنصبهم بل هِيَ قَضِيَّة أصولية، وَهِي ركن الدَّين لَا يجوز للرسل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام إغفاله وإهماله وَلَا تفويضه إِلَى الْعَامَّة وإرساله. يجمعهُمْ القَوْل بِوُجُوب التَّعْيِين والتنصيص، وَثُبُوت عصمَة الْأَنْبِيَاء وَالْأَئِمَّة وجوبا عَن الْكَبَائِر والصغائر، وَالْقَوْل بالتولي والتبري قولا وفعلًا وعقدًا إِلَّا فِي حَالَة التقية، ويخالفهم بعض الزيدية فِي ذَلِك، وَلَهُم فِي تَعديَة الإِمَام كَلَام وَخلاف كثير، وَعند كل تَعديَة وَتوقف مقَالَة، وَمذهب وخبط. "انْظُر الْملَل والنحل للشهرستاني، بتحقيق مُحَمَّد سيد، ط. الثَّانِيَة ١/ ١٤٦-١٤٧ وَانْظُر أَيْضا: فجر الْإِسْلَام، أَحْمد أَمِين، ط. الْعَاشِرَة، ١/ ٢٦٦-٢٧٨".
[ ١ / ١٤٧ ]
والمرجئة١ والقدرية٢.
_________________
(١) ١ الإرجاء على مَعْنيين: أَحدهمَا: بِمَعْنى التَّأْخِير كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَرْجِهِ وَأَخَاهُ﴾ [الْأَعْرَاف أَيَّة: ١١١"- أَي أمهله وأخره] . وَالثَّانِي: إعطاه الرَّجَاء. أما الطَّلَاق اسْم المرجئة على الْجَمَاعَة بِالْمَعْنَى الأول فَصَحِيح؛ لأَنهم كَانُوا يؤخرون الْعَمَل عَن النِّيَّة وَالْعقد. وَأما بِالْمَعْنَى الثَّانِي، فَظَاهر، فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: لَا تضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة كَمَا لَا تَنْفَع مَعَ الْكفْر طَاعَة. وَهَذَانِ المعنيان هما أشهر مَا قيل فِي المرجئة، وَهُنَاكَ معَان وتقسيمات أُخْرَى لَا أطيل بذكرها، انْظُر الْملَل والنحل للشهرستاني، تَحْقِيق مُحَمَّد سيد كيلاني، ط. الثَّانِيَة ١/ ١٣٩. ٢ الْقَدَرِيَّة هم نفاة الْقدر، وَفِي الحَدِيث: "لكل أمة مجوس ومجوس أمتِي الَّذين يَقُولُونَ لَا قدر"، وَقد ظَهرت بِدعَة وَالْقدر بشكل وَاضح فِي أَوَاخِر زمن الصَّحَابَة، وَيُقَال: إِن أول من تكلم بِالْقدرِ نَصْرَانِيّ من أهل الْعرَاق أسلم ثمَّ تنصر، وَأخذ عَنهُ معبد الْجُهَنِيّ، وروى مُسلم عَن يحيى بن يعمر قَالَ: "كَانَ أول من تكلم فِي الْقدر بِالْبَصْرَةِ معبد الْجُهَنِيّ"، وَحَاصِل قَوْلهم فِي الْقدر هُوَ إِنْكَار علم الله السَّابِق بالحوادث، وَأَن العَبْد هُوَ الَّذِي يخلق فعل نَفسه، فأثبتوا بذلك مَعَ الله خَالِقًا آخر، وهم ضد الجبرية، وَيرى الشهرستاني أَن الْقَدَرِيَّة من ألقاب الْمُعْتَزلَة، وَقَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: "وَقد حكى المصنفون فِي المقالات =
[ ١ / ١٤٨ ]
وَقَدْ أَخْطَأَ الْمُعَارِضُ مَحَجَّةَ١ السَّبِيلِ وَغلط كَثِيرًا فِي التَّأْوِيلِ لَمَّا أَنَّ هَذِهِ الْفِرَقَ لَمْ يُكَفِّرْهُمُ الْعُلَمَاءُ بِشَيْءٍ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ، وَالْمَرِيسِيُّ وَجَهْمٌ وأصحابهم٢،
_________________
(١) = عَن طوائف من الْقَدَرِيَّة إِنْكَار كَون البارئ عَالما بِشَيْء من أَعمال الْعباد قبل وُقُوعهَا مِنْهُم، وَإِنَّمَا يعلمهَا بعد كَونهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيره: قد انقرض هَذَا الْمَذْهَب، وَلَا نَعْرِف أحدا ينْسب إِلَيْهِ من الْمُتَأَخِّرين. قَالَ -أَي الْقُرْطُبِيّ: والقدرية الْيَوْم مطبقون على أَن الله عَالم بِأَفْعَال الْعباد قبل وُقُوعهَا، وَإِنَّمَا خالفوا السّلف فِي زعمهم بِأَن أَفعَال الْعباد مَقْدُور لَهُم مواقع وواقعة مِنْهُم على جِهَة الِاسْتِقْلَال، وَهُوَ مَعَ كَونه مذهبا بَاطِلا إِلَّا أَنه أخف من الْمَذْهَب الأول، وَأما الْمُتَأَخّرُونَ مِنْهُم فأنكروا تعلق الْإِرَادَة بِأَفْعَال الْعباد قرارًا من تعلق الْقَدِيم بالمحدث، وهم مخصومون بِمَا قَالَ الشَّافِعِي: إِن سلم القدري الْعَلِيم خصم يَعْنِي: يُقَال لَهُ: أَيجوزُ أَن يَقع فِي الْوُجُود خلاف مَا تضمنه الْعلم؟ فَإِن منع وافقًا قَول أهل السّنة وَإِن جَازَ لزمَه نِسْبَة الْجَهْل: تَعَالَى الله عَن ذَلِك "انْتهى، انْظُر: فتح الْبَارِي "١/ ١٩". قلت: وَعَن معبد الْجُهَنِيّ أَخذ غيلَان الدِّمَشْقِي فَكَانَ معبد بالعراق وغيلان بِدِمَشْق، وَفِي عهد هِشَام بن عبد الْملك انتدب الْأَوْزَاعِيّ لمناقشة غيلَان فأفحمه وَأفْتى بقتْله، فصلب على بَاب كيسَان بِدِمَشْق، وَأما معبد فَذكر أَنه خرج مَعَ مَرْوَان بِدِمَشْق على القَوْل بِالْقدرِ ثمَّ قَتله. انْظُر: مُسْند الإِمَام أَحْمد بهامشه الْمُنْتَخب ٢/ ٨٦، ٥/ ٤٠٧، وصحيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١/ ١٥٠، ١٥٤، والملل والنحل للشهرستاني، تَحْقِيق مُحَمَّد سيد ١/ ٤٣، وفجر الْإِسْلَام، لِأَحْمَد أَمِين، ط. الْعَاشِرَة ١/ ٢٨٣-٢٨٨، وأهم الْفرق الإسلامية، تأليف مُحَمَّد الطَّاهِر النيفر ص"٤٨-٥٠" والأعلام للزركلي ط. الرَّابِعَة ٥/ ١٢٤، ٧/ ٢٦٤. ١ فِي ط، ش "وَفِي محجة". ٢ فِي ط، ش "والمريسي وجهم وأصحابهما يكفرهم أهل الْفرق "وَفِي س" يكفرونهم" بدل "يكفرهم". قلت: وَظُهُور عَلامَة على الْجمع على الْفِعْل كَمَا فِي "س" هِيَ لُغَة "أكلوني البراغيث" وَالْجُمْهُور على تَجْرِيد الْفِعْل مِنْهَا.
[ ١ / ١٤٩ ]
لَمْ يَشُكَّ١ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي إِكْفَارِهِمْ.
سَمِعْتُ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَى الْأَنْطَاكِيَّ٢ أَنَّهُ سَمِعَ وَكِيعًا٣ يُكَفِّرُ الْجَهْمِيَّةَ٤.
وَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ٥ أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ٦ كَانَ يُخْرِجُ الْجَهْمِيَّةَ مِنْ عِدَادِ الْمُسْلِمِينَ٧.
_________________
(١) ١ فِي س "وَلم يشك". ٢ مَحْبُوب بن مُوسَى، أَبُو صَالح الْأَنْطَاكِي الْفراء، صَدُوق، من الْعَاشِرَة، لم يَصح أَن البُخَارِيّ أخرج لَهُ، مَاتَ سنة ٣١هـ وَله ٨٠ سنة، دس، "التَّقْرِيب ٢/ ٢٣١". ٣ وَكِيع بن الْجراح بن مليح الرُّؤَاسِي، بِضَم الرَّاء وهمزة ثمَّ مُهْملَة، أَبُو سُفْيَان الْكُوفِي، ثِقَة حَافظ عَابِد، من كبار التَّاسِعَة، مَاتَ فِي آخر سنة ١٩٦هـ أَو أول ٩٧هـ وَله ٧٠ سنة، ع "التَّقْرِيب ٢/ ٣٣١". ٤ انْظُر: كتاب السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد ١/ ٩ حَيْثُ أخرج بأسنيد إِلَى وَكِيع مَا يدل على تَكْفِير من قَالَ بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق، سُئِلَ عَن ذَبَائِح الْجَهْمِية فَقَالَ: لَا تُؤْكَل. هم مرتدون.
(٢) وَنقل البُخَارِيّ فِي خلق أَفعَال الْعباد عَن وَكِيع أَنه قَالَ "أَحْدَثُوا -كَذَا- هَؤُلَاءِ المرجئة، الْجَهْمِية، والجهمية كفار، والمريسي جهمي، وعلمتم كَيفَ كفرُوا، قَالُوا: يَكْفِيك المفرفة، وَهَذَا كفر. والمرجئية يَقُولُونَ: الْإِيمَان قَول بِلَا فعل وَهَذَا بِدعَة، فَمن قَالَ: إِن الْقُرْآن مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر بِمَا أنزل عَلَى مُحَمَّدٍ -ﷺ- يُسْتَتَاب وَإِلَّا ضربت عُنُقه "انْظُر" خلق أَفعَال الْعباد ضمن مَجْمُوع عقائد السّلف لعَلي النشار ص"١٢٤". ٦ عبد الله بن الْمُبَارك تقدم ص"١٤٦". ٧ أخرج عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"٦-٧" من طَرِيق الْحسن بن عِيسَى مولى عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ: كَانَ ابْن الْمُبَارك يَقُول: الْجَهْمِية كفار. وَمن طَرِيق آخر عَن ابْن الْمُبَارك، قَالَ: لَيْسَ تعبد الْجَهْمِية شَيْئا، قَالَ: وَذكر أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي عتاب الْأَعْين، حَدثنَا حَمْزَة شيخ من أهل مرو، سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: الْقُرْآن مَخْلُوق فَهُوَ زنديق.
[ ١ / ١٥٠ ]
وَسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ يَحْيَى١ وَأَبَا تَوْبَة٢ وَعلي بن الْمَدِينِيِّ٣ يُكَفِّرُونَ الْجَهْمِيَّةَ وَمَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ٤.
فَلَا يَقِيسُ الْكُفْرَ بِبَعْضِ اخْتِلَافِ هَذِهِ الْفِرَقِ إِلَّا امْرُؤٌ جَهِلَ الْعِلْمَ وَلَمْ
_________________
(١) ١ يحيى بن يحيى بن كثير اللَّيْثِيّ مَوْلَاهُم، الْقُرْطُبِيّ، أَبُو مُحَمَّد، صَدُوق، فَقِيه قَلِيل الحَدِيث، وَله أهام، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٣٤هـ على الصَّحِيح، تَمْيِيز "التَّقْرِيب ٢/ ٣٦٠". ٢ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ الْحلَبِي، نزيل طرسوس، ثِقَة، حجَّة، عَابِد، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة٢٤١هـ/ خَ م د س ق. "التَّقْرِيب ١/ ٢٤٦". ٣ عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر بن نجيح، السَّعْدِيّ مَوْلَاهُم، أَبُو الْحسن بن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ، ثِقَة ثَبت إِمَام، أعلم أهل عصره بِالْحَدِيثِ وَعلله، حَتَّى قَالَ البُخَارِيّ: مَا استصغرت نَفسِي إِلَّا عِنْده، وَقَالَ فِيهِ شَيْخه ابْن عُيَيْنَة: كنت أتعلم مِنْهُ أَكثر مِمَّا يتعلمه مني وَقَالَ النَّسَائِيّ: كَأَن الله خلقه للْحَدِيث، عابوا عَلَيْهِ إجَابَته فِي المحنة، لكنه تنصل وَتَابَ، وَاعْتذر بِأَنَّهُ كَانَ خَافَ على نَفسه، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة٣٤ على الصَّحِيح، خَ د ت س فق، "التَّقْرِيب ٢/ ٤٠". ٤ وَنَقله أَيْضا البُخَارِيّ عَنْهُم، وَعَن غَيرهم فِي خلق أَفعَال الْعباد، قَالَ: قَالَ عَليّ بن عبد الله: "الْقُرْآن كَلَام الله، مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِر لَا يُصَلِّي خَلفه"، انْظُر: الْمصدر نَفسه ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف لعَلي سامي النشار ص: ١٢٢" وَقَالَ أَيْضا فِي ص"١٢٧-١٢٨: "وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة ومعاذ بن معَاذ وَالْحجاج بن مُحَمَّد وَيزِيد بن هَارُون، وهَاشِم بن الْقَاسِم وَالربيع بن نَافِع الْحلَبِي، وَمُحَمّد بن يُوسُف وَعَاصِم بن عَاصِم وَيحيى بن يحيى، وَأهل الْعلم: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِر" قلت: وَبسط الْكَلَام فِيمَا نقل عَن أَئِمَّة السّلف فِي إكفار الْجَهْمِية يضيق عَنهُ هَذَا الْمُخْتَصر وَانْظُر: إِن شِئْت الْمَزِيد: السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد، وَخلق أَفعَال الْعباد للْبُخَارِيّ، والشريعة للآجري، وَشرح السّنة لللالكائي، والأسماء وَالصِّفَات للبيهقي وَغَيرهَا.
[ ١ / ١٥١ ]
يُوَفَّقْ فِيهِ لِفَهْمٍ١.
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ النَّاسَ٢ تَكَلَّمُوا فِي الْإِيمَانِ، وَفِي التَّشَيُّعِ، وَالْقَدَرِ وَنَحْوِهُ، وَلَا يجوز لأحد أَن يتَنَاوَل فِي التَّوْحِيدِ غَيْرَ الصَّوَابِ إِذْ٣ جَمِيعُ خَلْقِ اللَّهِ يُدْرِكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ: اللَّمْسِ، وَالشَّمِّ، وَالذَّوْقِ، وَالْبَصَرِ بِالْعَيْنِ، وَالسَّمْعِ، وَاللَّهُ بِزَعْمِ٤ الْمُعَارِضِ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِ.
فَقُلْنَا لِهَذَا الْمُعَارِضِ، الَّذِي لَا يَدْرِي كَيْفَ يُنَاقِضُ٥: أَمَّا قَوْلُكَ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ فِي التَّوْحِيدِ غَيْرَ الصَّوَابِ، فَقَدْ صَدَقْتَ، وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْأمة وَصَوَابه قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ: "مَنْ جَاءَ بِهَا مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ" ٦ وَ٧ "أُمِرْتُ أَن
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "وَلَا يُوقف على كفرهم" وَفِي س "وَلم يُوقف فِيهِ على كفرهم". ٢ فِي ط، ش، س "أَن النَّاس قد تكلمُوا". ٣ فِي ط، ش "أَن" وَفِي س "إِن". ٤ فِي س "يزْعم". ٥ فِي ط، س "يتناقض". ٦ رَوَاهُ الْبَزَّار، انْظُر: زَوَائِد الْبَزَّار على الْكتب السِّتَّة، تَحْقِيق حبيب الأعظمي١/ ١١-١٢، وَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله مخلصًا دخل الْجنَّة"، وَأوردهُ الألباني فِي صَحِيح الْجَامِع الصَّغِير ٢/ ٥٤٢ وَعَزاهُ إِلَى الْبَزَّار عَن أبي سعيد، وَقَالَ عَنهُ: صَحِيح، وَذكر الألباني فِي صَحِيح الْجَامِع الصَّغِير أَنه أخرجه أَحْمد وَابْن حبَان، وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن جَابر وَأَبُو نعيم أَيْضا عَن أنس، وَذكر أَيْضا أَنه خرجه فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة برقم ٢٣٥٥، انْظُر: صَحِيح الْجَامِع الصَّغِير ٥/ ٣٣٢. قلت: وَلم أَقف من سلسلة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة على الْأَجْزَاء الْأَخِيرَة. ٧ حرف الْوَاو لَيْسَ فِي "ط، ش".
[ ١ / ١٥٢ ]
أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" ١ مَنْ قَالَهَا فَقَدْ وَحَّدَ اللَّهَ٢.
وَكَذَلِكَ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٣ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ فِي حَجَّتِهِ٤ فَقَالَ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ٥
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا: فقد أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه الْفَتْح، كتاب الِاعْتِصَام، بَاب الِاقْتِدَاء بسنن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيث رقم ٧٢٨٤ وَحَدِيث ٧٢٨٥، ١٣/ ٢٥٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة فِي آخِره. وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْإِيمَان، بَاب الْأَمر بِقِتَال النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله، الْأَحَادِيث: ٣٢، ٣٣، ٣٥، جـ١/ ٥١-٥٣ مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة فِي آخِره. ٢ فِي ش "من قَالَهَا فقد ﵀". ٣ قَوْله: "﵄" لَيْسَ فِي ط، س، ش، قلت: وَجَابِر هُوَ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حرَام بِمُهْملَة وارء، الْأنْصَارِيّ ثمَّ السّلمِيّ بِفتْحَتَيْنِ، صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ، غزا تسع عشرَة غَزْوَة، وَمَات بِالْمَدِينَةِ بعد السّبْعين، وَهُوَ ابْن أَربع وَتِسْعين ع. التَّقْرِيب ١/ ١٢٢. ٤ فِي ط، س، ش "فِي حجَّة الْوَدَاع" قلت: وَلم أَجِدهُ عِنْد مُسلم وَأبي دَاوُد وَابْن مَاجَه بِأَيِّهِمَا إِلَّا أَن الْمَعْنى وَاضح، إِذْ إِن حجَّة النَّبِيِّ ﷺ هِيَ حجَّة الْوَدَاع. ٥ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْحَج، بَاب حجَّة النَّبِيِّ ﷺ حَدِيث رقم ١٤٧ جـ٢ ص"٨٨٦-٨٩٢" قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر ابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم جَمِيعًا عَن حَاتِم، قَالَ أَبُو بكر: حَدثنَا حَاتِم ابْن إِسْمَاعِيل الْمدنِي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيه قَالَ: دَخَلنَا على جَابر بن عبد الله وَذكر الْقِصَّة -إِلَى أَن قَالَ: أَخْبرنِي عَن حجَّة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟، فَذكر جَابر الْقِصَّة وفيهَا" فَأهل بِالتَّوْحِيدِ لبيلك اللَّهُمَّ لبيْك، لبيْك لاشريك لَك لبيلك إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شريك لَك الحَدِيث". وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس، كتاب الْمَنَاسِك، بَاب صفة النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيث ١٩٠٥، ٢/ ٤٥٥-٤٦٤ من طَرِيق آخر عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل بِهَذَا السَّنَد فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ مقارب، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه، تَحْقِيق وترقيم مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْمَنَاسِك، بَاب حجَّة النَّبِي، حَدِيث ٣٠٧٤، ٢/ ١٠٢٢، من طَرِيق هِشَام بن عمار، ثَنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل بِهَذَا السَّنَد فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ مقارب.
[ ١ / ١٥٣ ]
حَدَّثَنَا١ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ٢ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ٣ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ٤ عَنْ أَبِيهِ٥ عَنْ٦ جَابِرٍ٧. فَهَذَا تَأْوِيلُ التَّوْحِيدِ وَصَوَابُهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ، فَمَنْ أَدْخَلَ الْحَوَاسَّ الْخَمْسَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِي صَوَابِ التَّأْوِيلِ مِنْ أُمَّةِ
_________________
(١) ١ فِي س "حدّثنَاهُ". ٢ هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة، إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان الوَاسِطِيّ الأَصْل، أَبُو بكر بن شيبَة الْكُوفِي، ثِقَة حَافظ، صَاحب تصانيف، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٣٥هـ/ خَ م د س ق. التَّقْرِيب ١/ ٤٤٥. ٣ خَاتم إِسْمَاعِيل الْمدنِي، أَبُو إِسْمَاعِيل الْحَارِثِيّ مَوْلَاهُم، أَصله من الْكُوفَة، صَحِيح الْكتاب، صدق يهم، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٨٦هـ أَو ٨٧هـ/ ع. التَّقْرِيب ١/ ١٣٧. ٤ فال فِي التَّقْرِيب ١/ ١٣٢: جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب الْهَاشِمِي، أَبُو عبد الله، الْمَعْرُوف بالصادق، صَدُوق فَقِيه، إِمَام، من السَّادِسَة مَاتَ سنة ٤٨هـ/ بخ م وَالْأَرْبَعَة، وَذكر ابْن حجر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٢/ ١٠٣ أَنه روى عَن أَبِيه وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر. ٥ هُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، أَبُو جَعْفَر الباقر، ثِقَة فَاضل، من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة بضع عشرَة/ ع. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٩٢. وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٩/ ٣٥٠ أَنه روى عَن جَابر وَأنس وَمِمَّنْ روى عَنهُ ابْنه جَعْفَر. ٦ لَيْسَ فِي س، ش، لَفْظَة "عَنْ". ٧ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السّلمِيّ تقدم ص"١٥٣".
[ ١ / ١٥٤ ]
مُحَمَّدٍ وَمَنْ عَدَّهَا١ فَأَشِرْ إِلَيْهِ! غير مَا ادعيتم فِي مِنَ الْكَذِبِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، وَنُظَرَائِهِ، وَلِمَنْ تَأَوَّلَ فِي التَّوْحِيدِ الصَّوَابَ لَقَدْ تَأَوَّلْتَ أَنْتَ فِيهِ غَيْرَ الصَّوَابِ، إِذِ٢ ادَّعَيْتَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُدْرَكُ وَلَمْ٣ يُدْرَكْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، إِذْ هُوَ فِي دَعْوَاكَ لَا شَيْءٌ. وَاللَّهُ مُكَذِّبٌ مَنِ ادَّعَى هَذِهِ الدَّعْوَى فِي كِتَابِهِ، إِذْ يَقُولُ ﷿ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤، ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ٥، و﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٦، فَأَخْبَرَ اللَّهُ ٧ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مُوسَى٨ أدْرك مِنْهُ.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "وَمن عَداهَا". ٢ فِي س، "إِذا". ٣ فِي ط، ش، "وَلنْ". ٤ سُورَة النِّسَاء، آيَة "١٦٤". ٥ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "١٧٤". ٦ سُورَة الْقِيَامَة، آيَة "٢٢-٢٣". ٧ فِي ط، س، "فَأخْبر الله تَعَالَى". ٨ هُوَ مُوسَى بن عمرَان ﵇ من رسل الله الْكِرَام أولي الْعَزْم، ولد من نسل لاوي سبط يَعْقُوب ﵇، وَكَانَت وِلَادَته بِمصْر وتربى فِي قصر فِرْعَوْن حَتَّى شب وَكبر واضطر إِلَى ترك مصر فِرَارًا من وَجه فِرْعَوْن لما اشتدت إساءته لبني إِسْرَائِيل، وَذهب إِلَى أَرض مَدين وَكَانَ لَهُ مَا كَانَ مَعَ نَبِي الله شُعَيْب، وَأوحى إِلَيْهِ فِي طور سيناء، وَكَانَ ذَلِك بَدْء نبوته وفاتحة رسَالَته، وَأمره ربه أَن يذهب إِلَى فِرْعَوْن فَطلب مُوسَى من ربه أَن يُؤَيّدهُ بأَخيه هَارُون فَاسْتَجَاب لَهُ، وآتاه الله من المعجزات مَا يدل على صدق نبوته، وَقد جَاهد فِي سَبِيل دَعوته وتبليغ رسَالَته، وَكَانَ لَهُ مَا كَانَ مَعَ فِرْعَوْن والسحرة وَبني إِسْرَائِيل، مَعَ الْخضر ﵇ وقصة السامري وعجله وقصة دُخُوله الأَرْض المقدسة مِمَّا هُوَ مشار إِلَيْهِ فِي موَاضعه من الْقُرْآن، وَقد ورد ذكره فِي الْقُرْآن أَكثر من مائَة مرّة فِي أَربع وَثَلَاثِينَ سُورَة، وَذكر أَن عمره كَانَ ١٢٠ سنة، "انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح كتاب الْأَنْبِيَاء، الْأَبْوَاب ٢١، ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٣١، ٦/ ٤٤٢-٤٤٦ والطبري فِي تَارِيخ الْأُمَم والملوك، تَحْقِيق مُحَمَّد أَبُو الْفضل ١/ ٣٦٥-٤٣٤، والكامل فِي التَّارِيخ لِابْنِ الْأَثِير ١/ ١٦٩-٢٠٠، ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرآنية، لمُحَمد إِسْمَاعِيل إِبْرَاهِيم ٢/ ٢١٥".
[ ١ / ١٥٥ ]
الْكَلَامَ بِسَمْعِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْحَوَاسِّ عِنْدَكَ وَعِنْدَنَا، وَيُدْرَكُ فِي الْآخِرَةِ بِالنّظرِ إِلَيْهِ بالأعين، هِيَ الْحَاسَّةُ الثَّانِيَةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى١ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٢، وَكَمَا ٣ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ جَهْرًا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ" ٤.
وَرَوَى عَنْهُ٥ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ٦ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "كَمَا قَالَ تَعَالَى". ٢ فِي ط، س، ش بِدُونِ "كَمَا". ٤ هَذَا الحَدِيث هُوَ فِي معنى مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّاس قَالُوا: يَا رَسُول الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ الحَدِيث، وَفِي البُخَارِيّ عَن جرير مَرْفُوعا: إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم عيَانًا انطر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب التَّوْحِيد، بَاب ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ حَدِيث رقم ٧٤٣٥، ٧٤٣٧، ١٣/ ٤١٩، وصحيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْإِيمَان، بَاب معرفَة طَرِيق الرُّؤْيَة حَدِيث ٢٩٩، ١/ ١٦٣. ٥ لَفْظَة "عَنهُ" لَيست فِي ط، ش، س. ٦ عدي بن حَاتِم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج: بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة آخِره جِيم، الطَّائِي أَبُو طريف، بِفَتْح الْمُهْملَة، وَآخره فَاء، صَحَابِيّ شهير، وَكَانَ مِمَّن ثَبت على الْإِسْلَام فِي الرِّدَّة، وَحضر فتوح الْعرَاق وحروب عَليّ وَمَات سنة ٦٨هـ وَقيل: ابْن ١٢٠ سنة، وَقيل ٨٠ سنة/ ع، التَّقْرِيب ٢/ ١٦، وَانْظُر: تَجْرِيد أَسمَاء الصَّحَابَة للذهبي ج١ ص"٣٧٦"، والإصابة لَا بن حجر بذيله الِاسْتِيعَاب ٢/ ٤٦٠-٤٦١، وتهذيب التَّهْذِيب ٧/ ١٦٦-١٦٧.
[ ١ / ١٥٦ ]
ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ" ١.
حَدَّثَنَاهُ عَمْرُو٢ بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ٣ عَنِ الْأَعْمَشِ٤ عَنْ خَيْثَمَةَ٥ عَنْ عَدِيٍّ٦ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. فَذَاكَ النَّاطِقُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ--رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَيُّ حَوَاسٍّ٧ أَبْيَنُ٨ مِنْ هَذَا؟ فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ الْمُعَارِضَ مَنْ تَأَوَّلَ فِيهِ غَيْرَ الصَّوَابِ.
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم، انْظُر "صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي/ كتاب التَّوْحِيد بَاب كَلَام الرب -﷿- يَوْم الْقِيَامَة مَعَ الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم، حَدِيث رقم ٧٥١٢، ١٣/ ٤٧٤ من طَرِيق عَليّ بن حجر، أخبرنَا عِيسَى بن يُونُس عَن الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ إِلَّا أَنه قَالَ: "سيكلمه ربه" وَفِي آخِره زِيَادَة. وَانْظُر: صَحِيح مُسلم، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الزَّكَاة، بَاب الْحَث على الصَّدَقَة وَلَو بشق تَمْرَة، حَدِيث رقم٦٧، ٢/ ٧٠٣ من طَرِيق عَليّ بن حجر وَغَيره حَدثنَا الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة آخِره. ٢ عَمْرو بن عون بن أَوْس الوَاسِطِيّ، أَبُو عُثْمَان الْبَزَّار، الْبَصْرِيّ، ثِقَة ثَبت من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٥هـ/ ع التَّقْرِيب ٢/ ٧٦. ٣ مُحَمَّد بن خازم، أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير الْكُوفِي، عمي وَهُوَ صَغِير، أحفظ النَّاس وَله ٨٢ سنة، وَقد رمي بالإرجاء ع/. التَّقْرِيب ٢/ ١٥٧. ٤ سُلَيْمَان بن مهْرَان الْأَسدي الْكَاهِلِي، أَبُو مُحَمَّد الْكُوفِي الْأَعْمَش، ثِقَة، حَافظ، عَارِف بِالْقِرَاءَةِ، ورع وَلكنه يُدَلس، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٤٧أو٤٨هـ وَكَانَ مولده أول ٦١ع/ التَّقْرِيب ١/ ٣٣١. ٥ خَيْثَمَة بن عبد الرَّحْمَن بن أبي سُبْرَة: بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة الْجعْفِيّ الْكُوفِي، ثِقَة، وَكَانَ يُرْسل، من الثَّالِثَة، مَاتَ بعد سنة ٨٠هـ/ ع. التَّقْرِيب ١/ ٢٣٠، وَانْظُر: فتح الْبَارِي ١١/ ٤٠٤. ٦ عدي بن حَاتِم تقدم ص"١٥٦". ٧ فِي ط، ش "فَأَي صَوَاب". ٨ فِي ط، س، ش "هُوَ أبين".
[ ١ / ١٥٧ ]
بَابُ الْإِيمَانِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَأَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ:
ثُمَّ اعْتَرَضَ الْمُعَارِضُ١ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْمُقَدَّسَةَ فَذَهَبَ فِي تَأْوِيلِهَا مَذْهَبَ إِمَامِهِ الْمَرِيسِيِّ. فَادَّعَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ، وَأَنَّهَا مستعارة مخلوقة كَمَا أَن قَدْ يَكُونُ شَخْصٌ بِلَا اسْمٍ. فَتَسْمِيَتُهُ لَا تَزِيدُ فِي الشَّخْصِ، وَلَا تَنْقُصُ، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ كَانَ مَجْهُولًا كَشَخْصٍ مَجْهُولٍ. لَا يَهْتَدِي لِاسْمِهِ. وَلَا يُدْرَى مَا هُوَ، حَتَّى خَلَقَ الْخَلْقَ فَابْتَدَعُوا لَهُ أَسْمَاءً مِنْ مَخْلُوقِ كَلَامِهِمْ. فَأَعَارُوهَا إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ اسْمٌ قَبْلَ الْخَلْقِ.
وَمَنِ ادَّعَى هَذَا التَّأْوِيلَ٢ فَقَدْ نَسَبَ اللَّهَ تَعَالَى إِلَى الْعَجْزِ وَالْوَهَنِ٣ وَالضَّرُورَةِ٤ وَالْحَاجَةِ إِلَى الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ مُحْتَاجٌ مُضْطَرٌّ، وَالْمُعِيرُ أَبَدًا أَعْلَى مِنْهُ وَأَغْنَى. فَفِي هَذِهِ الدَّعْوَى اسْتِجْهَالُ الْخَالِقِ. إِذْ كَانَ بِزَعْمِهِ هَمْلًا لَا يُدْرَى مَا اسْمُهُ وَمَا هُوَ وَمَا صِفَتُهُ٥ وَاللَّهُ الْمُتَعَالِي عَنْ هَذَا الْوَصْف
_________________
(١) ١ فِي ط، ش، س "الْمُعْتَرض". ٢ فِي ط، ش، س زِيَادَة "فِي أَسمَاء الله" بعد قَوْله: "وَمن ادّعى هَذَا التَّأْوِيل". ٣ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح ٢/ ٧١٧ مَادَّة "وَهن": "الوهن: الضعْف، وَقد وَهن الْإِنْسَان ووهنه غَيره، يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى ووهن وَهنا أَي ضعف، وأوهنته أَيْضا ووهنته توهينًا ". ٤ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح ٢/ ١٠ مَادَّة "ضَرَر": "وَرجل ذُو ضارورة وضرورة أَي ذُو حَاجَة، وَقد اضْطر إِلَى الشَّيْء أَي ألجئ إِلَيْهِ. قَالَ الشَّاعِر: أثيبى أَخا ضارورة أًصفق العدا عَلَيْهِ وَقلت فِي الصّديق أواصره ٥ فِي ط، ش، س "لَا يدْرِي مَا اسْمه وَهُوَ مَا وَصفته" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل.
[ ١ / ١٥٨ ]
الْمُنَزَّهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ هِيَ تَحْقِيقُ صِفَاتِهِ. سَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: عَبَدْتُ اللَّهَ أَوْ عَبَدْتُ الرَّحْمَنَ، أَوِ الرَّحِيمَ١، أَوِ الْمَلِكَ الْعَزِيزَ الْحَكِيمَ، وَسَوَاءٌ عَلَى الرَّجُلِ قَالَ: كَفَرْتُ بِاللَّهِ، أَوْ قَالَ: كفرت بالرحمن الرَّحِيم، أَو بالخالق الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. وَسَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: عَبْدُ اللَّهِ، أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَوْ عَبْدُ الْعَزِيزِ، أَوْ عَبْدُ الْمَجِيدِ، وَسَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: يَا الله٢ يارحمن، أَو يارحيم، أَو يام مَلِكُ يَا عَزِيزُ يَا جَبَّارُ بِأَيِّ اسْمٍ دَعَوْتَهُ مِنْ هَذِهِ٣ الْأَسْمَاءِ، أَوْ أَضَفْتَهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّمَا تَدْعُو اللَّهَ نَفْسَهُ، مَنْ شَكَّ فِيهِ فَقَدْ كَفَرَ.
وَسَوَاءٌ عَلَيْكَ قُلْتَ: رَبِّيَ اللَّهُ أَوْ رَبِّيَ الرَّحْمَنُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٤ ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ٥ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى٦: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ٧ وَقَالَ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٨ كَذَلِكَ قَالَ فِي الِاسْمِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ٩. كَمَا ١٠ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَلَوْ كَانَ١١٢ مَخْلُوقًا مُسْتَعَارًا غَيْرَ اللَّهِ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ أَنْ يُسَبِّحَ
_________________
(١) ١ فِي س "الرَّحْمَن الرَّحِيم" بِدُونِ "أَو". ٢ فِي ط، ش، س زِيَادَة "أَو" بعد لفظ الْجَلالَة. ٣ فِي ش "هذد" وَهُوَ خطأ مطبعي. ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ سُورَة الْأَنْبِيَاء، آيَة "١١٢". ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ سُورَة الْحَشْر، آيَة "١". وَسورَة الصَّفّ، آيَة "١". ٨ الْآيَة ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ الْأَحْزَاب آيَة "٤٢" وَسَقَطت الْوَاو فِي الأَصْل. ٩ سُورَة الْأَعْلَى، آيَة "١". ١٠ فِي ط، ش "كَمَا قَالَ: يسبح لله" قلت: وَهِي من الْآيَة رقم "١" فِي سُورَة الْجُمُعَة. ١١ فِي ط، ش "وَلَو كَانَ الِاسْم مخلوقًا".
[ ١ / ١٥٩ ]
مَخْلُوقٌ١ غَيْرَهُ. وَقَالَ: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢. ثُمَّ ذَكَرَ الْآلِهَةَ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ بِأَسْمَائِهَا الْمُسْتَعَارَةِ الْمَخْلُوقَةِ٣. فَقَالَ ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ٤ وَكَذَلِكَ قَالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ حِينَ قَالُوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٥ فَقَالَ لَهُمْ يَنْهَاهُمْ٦: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ٧ يَعْنِي أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ تَزَلْ، كَمَا لَمْ يَزَلِ اللَّهُ، وَأَنَّهَا بِخِلَافِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْمَخْلُوقَةِ الَّتِي أَعَارُوهَا لِلْأَصْنَامِ٨ وَالْآلِهَةِ٩ الَّتِي عَبَدُوهَا مِنْ دُونِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ١٠ أَسْمَاءُ اللَّهِ بِخِلَافِهَا، فَأَيُّ تَوْبِيخٍ١١ لِأَسْمَاءِ الْآلِهَةِ الْمَخْلُوقَةِ إِذْ كَانَت أسماءها وَأَسْمَاءُ اللَّهِ مَخْلُوقَةً مُسْتَعَارَةً عِنْدَكُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَكُلُّهَا مِنْ تَسْمِيَةِ الْعِبَادِ وَمِنْ تَسْمِيَةِ آبَائِهِمْ بِزَعْمِكُمْ١٢؟.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش، س "مخلوقًا" بِالنّصب ويتضح الْمَعْنى بِنَا فِي الأَصْل على أَنه نَائِب فَاعل. ٢ سُورَة الْحَشْر، آيَة "٢٤"، وَفِي ط، ش، فصل بَين قَوْله: " ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وَبَقِيَّة الْآيَة بمعكوفتين وأكمل نَص الْآيَة بقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . ٣ فِي ط، س، ش "المخلوقة المستعارة". ٤ سُورَة النَّجْم، آيَة "٢٣". ٥ سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة "٧٠". ٦ فِي ط، ش، س "فَقَالَ لَهُم نَبِيّهم". ٧ سُورَة الْأَعْرَاف آيَة "٧١". ٨ فِي ط، ش، س "أعاروها الْأَصْنَام". ٩ فِي س "فالآلهة" ويستقيم السِّيَاق بِمَا فِي الأَصْل. ١٠ فِي س "فَإِن لم يكن". ١١ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح ٢/ ٦٦١ مَادَّة "وبخ": "التوبيخ: التهديد والتأنيب". ١٢ فِي ط، ش "بزعمهم".
[ ١ / ١٦٠ ]
فَفِي دَعْوَى هَذَا الْمُعَارِضِ أَنَّ الْخَلْقَ عَرَّفُوا اللَّهَ إِلَى عِبَادِهِ بِأَسْمَاءٍ ابْتَدَعُوهَا، لَا أَنَّ اللَّهَ عَرَّفَهُمْ بِهَا نَفْسَهُ، فَأَيُّ تَأْوِيلٍ أَوْحَشَ١ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَتَأَوَّلَ رَجُلٌ أَنَّهُ كَانَ كَشَخْصٍ مَجْهُولٍ، أَوْ بَيْتٍ، أَوْ شَجَرَة، أَو بهمية، لَمْ يُشْتَقَّ٢ لِشَيْءٍ مِنْهَا اسْمٌ، وَلَمْ يُعْرَفْ مَا هُوَ، حَتَّى عَرَّفَهُ الْخَلْقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟!
وَلَا تُقَاسُ أَسْمَاءُ اللَّهِ بِأَسْمَاءِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْخَلْقِ مَخْلُوقَةٌ مُسْتَعَارَةٌ. وَلَيْسَت أَسْمَاءَهُم نَفْسَ صِفَاتِهِمْ بَلْ هِيَ٣ مُخَالِفَةٌ لِصِفَاتِهِمْ.
وَأَسْمَاءُ اللَّهِ صِفَاتُهُ، لَيْسَ شَيْءٌ مُخَالِفًا٤ لِصِفَاتِهِ وَلَا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مُخَالِفًا٥ لِلْأَسْمَاءِ٦.
فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مَخْلُوقَةٌ، أَوْ مُسْتَعَارَةٌ فَقَدْ كَفَرَ وَفَجَرَ؛ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: "اللَّهُ" فَهُوَ "اللَّهُ" وَإِذَا قُلْتَ: "الرَّحْمَنُ" فَهُوَ "الرَّحْمَنُ" وَهُوَ "اللَّهُ" وَإِذَا٧ قُلْتَ: الرَّحِيمُ فَهُوَ كَذَلِك، وَإِذا قلت:
_________________
(١) ١ أَي غير مألوف وَلَا يأنس لَهُ أحد، من الْوَحْش، قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب ٣/ ٨٩٠ مَادَّة "وَحش": "الْوَحْش كل شَيْء من دَوَاب الْبر مِمَّا لَا يسْتَأْنس، مؤنث، وَهُوَ وَحشِي وَالْجمع وحوش " وَقَالَ: "الوحشة: الْخلْوَة والهم، وأوحش الْمَكَان إِذا صَار وحشًا، وَكَذَلِكَ توحش" بِتَصَرُّف. ٢ ف ط، ش، س "يسْبق". ٣ لَفْظَة "هِيَ" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ فِي الأَصْل "مُخَالف" غير مَنْصُوبَة وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، س، ش، وَهُوَ الصَّوَاب؛ لِأَنَّهَا خبر لَيْسَ. ٥ فِي الأَصْل "مُخَالف" كسابقها وَفِي ط، س، ش "مُخَالفا" وَهُوَ الصَّوَاب؛ لِأَنَّهَا خبر لَيْسَ. ٦ فِي ط، ش، س "لأسمائه". ٧ فِي ط، ش "فَإِذا".
[ ١ / ١٦١ ]
"حَكِيمٌ، حَمِيدٌ، مَجِيدٌ، جَبَّارٌ، مُتَكَبِّرٌ، قاهر، قَادر" فَهُوَ كَذَلِك وَهُوَ١ "اللَّهُ" سَوَاءٌ. لَا يُخَالِفُ اسْمٌ لَهُ صِفَتَهُ وَلَا صِفَتُهُ اسْمًا.
وَقَدْ يُسَمَّى الرَّجُلُ حَكِيمًا وَهُوَ جَاهِلٌ، وَحَكَمًا وَهُوَ ظَالِمٌ، وَعَزِيزًا وَهُوَ حَقِيرٌ، وَكَرِيمًا وَهُوَ لَئِيمٌ، وصالحًا وَهُوَ طالح، وَسَعِيد وَهُوَ شَقِيٌّ، وَمَحْمُودًا وَهُوَ مَذْمُومٌ، وَحَبِيبًا وَهُوَ بَغِيضٌ، وَأَسَدًا، وَحِمَارًا، وَكَلْبًا، وَجِدْيًا٢ وَكُلَيْبًا، وَهِرًّا، وَحَنْظَلَةَ٣، وَعَلْقَمَةَ٤ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى٥ اسْمُهُ كَأَسْمَائِهِ٦ سَوَاءٌ، لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ وَلَا يَزَالُ، لَمْ تحدث لَهُ صفته، وَلَا اسْمٌ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ قَبْلَ الْخَلْقِ٧. كَانَ خَالِقًا قَبْلَ الْمَخْلُوقِينَ، وَرَازِقًا قَبْلَ الْمَرْزُوقِينَ، وَعَالِمًا قبل المعلومين، وسمعيًا قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ أَصْوَاتَ الْمَخْلُوقِينَ، وَبَصِيرًا قَبْلَ أَنْ يَرَى أَعْيَانَهُمْ مَخْلُوقَةً.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٨ وَقَالَ الله تَعَالَى:
_________________
(١) ١ فِي ش "هُوَ" دون أَن يسبقها وَاو، ولعلها سَقَطت سَهوا. ٢ فِي س "وجريًا" بالراء وَهُوَ غير وَاضح. ٣ قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح ١/ ٣٠٨ مَادَّة "حظل": الحنظل: الشري، وَالْوَاحد حَنْظَلَة، وَنقل عَن الْأَمِير الشهابي فِي "المصطلحات الزراعية" أَن الحنظل ثَمَرَته فِي حجم البرتقالة ولونها، فِيهَا لب شَدِيد المرارة كَانَ يسْتَعْمل فِي الطِّبّ للإسهال". ٤ فِي تَجْدِيد الصِّحَاح للجوهري ٢/ ١٥٠ مَادَّة "علقم" نقل عَن "مجمع اللُّغَة الْعَرَبيَّة فِي الْقَاهِرَة" علم النَّبَات: "العلقم هُوَ الحنظل وَمر الصحارى وقثا النعام، وقثاء الْحمار وشري" بِتَصَرُّف. ٥ فِي ط، س، ش "وَالله تَعَالَى وتقدس" بدل "﵎". ٦ فِي ط، ش "كل أَسْمَائِهِ". ٧ قَوْله: "قبل الْخلق" لم ترد فِي ط، ش. ٨ سُورَة طه، آيَة "٥".
[ ١ / ١٦٢ ]
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢، وَقَالَ مَرَّةً: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣، وَقَالَ مَرَّةً: "اللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى"٤؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد.
ولوكان كَمَا ادَّعَى الْمُعَارِضُ وَإِمَامُهُ الْمَرِيسِيُّ، لَكَانَ الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ اسْتَوَيَا جَمِيعًا على الْعَرْش، وَإِذ كَانَت أسماؤه مخلوقة عِنْدهم؛ لِأَنَّ لِحُدُوثِ الْخَلْقِ حَدًّا وَوَقْتًا، وَلَيْسَ لِأَزَلِيَّةِ اللَّهِ حَدٌّ وَلَا وَقْتٌ. لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ.
ثُمَّ احْتَجَّ الْمُعَارِضُ لِتَرْوِيجِ٥ مَذْهَبِهِ بِأَقْبَحِ قِيَاسٍ: فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَتَبْتَ اسْمًا فِي رُقْعَةٍ ثُمَّ احْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ، أَلَيْسَ إِنَّمَا تَحْتَرِقُ الرُّقْعَةُ وَلَا تَضُرُّ النَّارُ٦ الاسْمَ شَيْئًا؟ فَيُقَالُ لِهَذَا التَّائِهِ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَخْرُجُ من رَأسه:
_________________
(١) ١ سَقَطت "ثمَّ" فِي الأَصْل. ٢ سُورَة السَّجْدَة آيَة "٤"، وَفِي ط، ش زِيَادَة "الرَّحْمَن" بعد قَوْله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وَهُوَ خطأ؛ لِأَن الَّتِي فِيهَا ذَلِك هِيَ سُورَة الْفرْقَان آيَة "٥٩" ومطلعها ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ " الْآيَة. ٣ سُورَة طه، آيَة "٥". ٤ لم يقْصد أَنَّهَا آيَة وَإِنَّمَا قصد أَن وصف الرب بالاستواء على الْعَرْش، مرّة يرجع الضَّمِير إِلَى الله كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ الْآيَة انْظُر: سُورَة السَّجْدَة آيَة "٤"، وَمرَّة يعود الضَّمِير على الرَّحْمَن كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ انْظُر: سُورَة طه آيَة "٥". ٥ قَالَ فِي تَجْدِيد الصِّحَاح ١/ ٥١٧ مَادَّة "روج": "راج الشَّيْء يروج رواجًا: نفق. وروجت السّلْعَة وَالدَّرَاهِم. وَفُلَان مروج" انْتهى. ٦ لَفْظَة "النَّار" لَيست فِي ط، ش.
[ ١ / ١٦٣ ]
إِنَّ الرُّقْعَةَ وَكِتَابَةَ الِاسْمِ لَيْسَ كَنَفْسِ الِاسْمِ. إِذَا احْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ احْتَرَقَ الْخَطُّ وَبَقِيَ اسْمُ اللَّهِ لَهُ وَعَلَى لِسَانِ الْكَاتِبِ كَمَا١ لَمْ يَزَلْ قَبْلَ أَنْ يُكْتَبَ، لَمْ تُنْقِصِ النَّارُ مِنَ الِاسْمِ وَلَا مِمَّنْ لَهُ الِاسْمُ شَيْئًا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَسْمَاءَ الْمَخْلُوقِينَ، لَمْ تُنْقِصِ النَّارُ مِنْ أَسْمَائِهِمْ وَلَا مِنْ أَجْسَامِهِمْ شَيْئًا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبْتَ اللَّهَ بِهِجَائِهِ فِي رُقْعَةٍ٢ لَاحْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ وَكَانَ اللَّهُ بِكَمَالِهِ عَلَى عَرْشِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ صُوِّرَ رَجُلٌ فِي رُقْعَةٍ، ثُمَّ أُلْقِيَتْ فِي النَّارِ لَاحْتَرَقَتِ الرُّقْعَةُ، وَلَمْ يَضُرَّ الصُّورَةَ٣ شَيْئًا.
وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَوِ احْتَرَقَتِ الْمَصَاحِفُ كُلُّهَا لَمْ يَنْقُصْ مِنْ نَفْسِ الْقُرْآنِ حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ لَوِ احْتَرَقَتِ الْقَرَأَةُ٤ كُلُّهُمْ أَوْ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَبَقِيَ الْقُرْآنُ بِكَمَالِهِ كَمَا كَانَ لَمْ يُنْتَقَصْ٥ مِنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ عِنْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ بِكَمَالِهِ غَيْرَ مَنْقُوصٍ.
وَقَدْ كَانَ لِإِمَامِهِ٦ الْمَرِيسِيِّ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ مَذْهَبٌ كَمَذْهَبِهِ فِي الْقُرْآنِ.
كَانَ الْقُرْآنُ عِنْدَهُ مَخْلُوقًا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ لَمْ يَتَكَلَّمِ اللَّهُ بِحَرْفٍ مِنْهُ فِي دَعْوَاهُ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ اللَّهِ عِنْدَهُ مِنَ ابْتِدَاعِ الْبَشَرِ مِنْ غير أَن يَقُول الله٧:
_________________
(١) ١ لفقة "كَمَا" لَيست فِي ط، ش. ٢ فِي ط "ثمَّ أحرقت الرقعة لَا حترقت الرقعة" وَفِي ش "ثمَّ احترقت الرقعة" وفيهَا زِيَادَة وضوح. ٣ فِي ط، س، ش "وَلم تضر المصور شَيْئا" وَبِه يَسْتَقِيم الْمَعْنى. ٤ فِي ط، س، ش "لَو احْتَرَقَ الْقُرَّاء" وَكِلَاهُمَا جَائِز فِي اللُّغَة فهما جمعا كَثْرَة لقارئ. ٥ فِي ط، س، ش "لم ينقص". ٦ فِي ط، س، ش "لإِمَام المريسي" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٧ لفظ الْجَلالَة لم يرد فِي ط، س، ش.
[ ١ / ١٦٤ ]
﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ بِزَعْمِهِ قَطُّ.
وَزَعَمَ أَنِّي مَتَى اعْتَرَفْتُ بِأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ "بِأَنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ"٢ لَزِمَنِي أَنْ أَقُولَ: تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْقُرْآنِ. وَلَوِ اعْتَرَفْنَا بِذَلِكَ لَانْكَسَرَ عَلَيْنَا مَذْهَبُنَا فِي الْقُرْآنِ.
وَقَدْ كَسَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلَى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣ لَا يَسْتَحِقُّ مَخْلُوقٌ٤ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا. فَإِن ذَلِكَ كَانَ كَافِرًا، كَفِرْعَوْنَ٥ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ٦.
فَهَذَا الَّذِي ادَّعَوْا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ أَصْلٌ كَبِيرٌ مِنْ أُصُولِ الْجَهْمِية٧ الَّتِي
_________________
(١) ١ سُورَة الْقَصَص، آيَة "٣٠". ٢ قصد بذلك الْآيَة السَّابِقَة. ٣ سُورَة الْقَصَص، آيَة "٣٠" وَفِي ط، س، ش "إِنَّنِي أَنا الله رب الْعَالمين" وَالصَّوَاب مَا فِي الأَصْل. ٤ فِي ط، ش "لَاسْتَحَقَّ كل مَخْلُوق" ويستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٥ فِرْعَوْن لقب ملك مصر فِي التَّارِيخ الْقَدِيم وَأَصله باللغة المصرية الْقَدِيمَة "برعو" وَمَعْنَاهُ: الْبَيْت الْعَظِيم، وَذكر ابْن الْأَثِير أَن اسْمه الْوَلِيد بن مُصعب، وَأَنه أَخ لفرعون الْمُسَمّى قَابُوس بن مُصعب، وَفرْعَوْن لقب كل عَاد ومتجبر، واشتهر فِرْعَوْن مُوسَى بتماديه فِي طغيان وإنزاله الْخَسْف والهوان ببني إِسْرَائِيل حكى الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وَقَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾، وَأرْسل الله إِلَيْهِ مُوسَى وَهَارُون وَكَانَ مَعَهُمَا وَمَعَ بني إِسْرَائِيل مَا يطول ذكره، وأهلكه الله بِالْغَرَقِ، وَقد ورد ذكره فِي الْقُرْآن نَحوا من سِتّ وَسِتِّينَ مرّة، انْظُر: الْكَامِل فِي التَّارِيخ لِابْنِ الْأَثِير ١/ ١٦٩، ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرأنية لمُحَمد إِسْمَاعِيل إِبْرَاهِيم ٢/ ١٠٩. ٦ سُورَة النازعات، أَيَّة "٢٤". ٧ الْجَهْمِية تقدّمت ص"١٣٨".
[ ١ / ١٦٥ ]
بنوا عَلَيْهَا محنهم١ وأسسو بِهَا ضَلَالَتَهُمْ. غَالَطُوا بِهَا الْأَغْمَارَ٢ وَالسُّفَهَاءَ، وَهَمْ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُغَالِطُونَ بِهَا الْفُقَهَاءَ، وَلَئِنْ كَانَ السُّفَهَاءُ فِي، غَلَطٍ مِنْ٣ مَذَاهِبِهِمْ، إِنَّ٤ الْفُقَهَاء مِنْهُم لعلى يَقِين. ل ٤ أ.
أَرَأَيْتُمْ قَوْلَكُمْ: إِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ فَمَنْ خَلَقَهَا؟ أَوْ كَيْفَ خَلَقَهَا؟ أَجَعَلَهَا أَجْسَامًا وَصُوَرًا تَشْغَلُ أَعْيَانُهَا أَمْكِنَةً دُونَهُ مِنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ؟ أَمْ مَوْضِعًا دُونَهُ فِي الْهَوَاءِ؟.
فَإِنْ قُلْتُمْ: لَهَا أَجْسَامٌ دُونَهُ، فَهَذَا مَا تَنْفِيهِ٥ عُقُولُ الْعُقَلَاءِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: خَلَقَهَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْعِبَادِ، فَدَعَوْهُ بِهَا، وَأَعَارُوهَا إِيَّاهُ، فَهُوَ مَا ادَّعَيْنَا عَلَيْكُمْ: إِنَّ اللَّهَ بِزَعْمِكُمْ كَانَ٦ مَجْهُولًا لَا اسْمَ لَهُ حَتَّى حَدَثَ٧ الْخَلْقُ فَأَحْدَثُوا أَسْمَاءً ٨ مِنْ مَخْلُوقِ كَلَامِهِمْ. وَهَذَا٩ هُوَ الْإِلْحَادُ بِاللَّهِ وَفِي أَسْمَائِهِ١٠ وَالتَّكْذِيبِ بِهَا. قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "محنتهم". ٢ الأغمار جمع غمر تقدم مَعْنَاهَا ص"١٤٧". ٣ ف ط، ش "وَلَئِن كَانَ السُّفَهَاء وَقَعُوا فِي غلط مذاهبهم". ٤ فِي ط، ش "فَإِن". ٥ فِي ط، ش "تنقمه". ٦ لَفْظَة "كَانَ" لَيست فِي ط، ش. ٧ فِي ط، ش، س "حَتَّى أحدث". ٨ فِي ط، ش "وأحدثوا لَهُ اسْما من مَخْلُوق كَلَامهم"، وَفِي س "أَحْدَثُوا اسْما من مَخْلُوق كَلَامهم". ٩ فِي ط، س، ش "فَهَذَا". ١٠ فِي ط، س، ش "وبأسمائه".
[ ١ / ١٦٦ ]
يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١ كَمَا نُضِيفُهُ٢ إِلَى اللَّهِ٣ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ لَقِيلَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْمُسَمَّى الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ" وَكَمَا قَالَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ ٤ وَكَمَا قَالَ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ ٥، كَذَلِكَ قَالَ: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ٦، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٧، ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ٨، كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَكُلُّهَا هِيَ اللَّهُ، وَاللَّهُ هُوَ أَحَدُ أَسْمَائِهِ. كالعزيز، الْحَكِيم، الْجَبَّارِ، الْمُتَكَبِّرِ، كَذَلِكَ رَوَى زَعِيمُكُمُ الْأَوْسَطُ يَعْقُوبُ أَبُو٩ يُوسُفَ عَنِ
_________________
(١) ١ سُورَة الْفَاتِحَة، آيَة "٢-٣-٤". ٢ فِي ط، س، ش "كَمَا يضيفه". ٣ لَفْظَة الْجَلالَة لَيْسَ فِي ط، ش، س. ٤ سُورَة آل عمرَان، آيَة "١". ٥ سُورَة الزمر، آيَة "١". ٦ سُورَة فصلت، آيَة "٢". ٧ سُورَة فصلت، آيَة "٤٢". ٨ سُورَة النَّمْل، آيَة "٦". ٩ فِي ط، س، ش "يَعْقُوب بن يُوسُف" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، وَقد اتّفقت النّسخ فِي الْإِسْنَاد الَّذِي بعده على أَنه "أَبُو يُوسُف" وَالرَّاجِح أَن المُرَاد بِهِ أَبُو يُوسُف القَاضِي صَاحب أبي حنيفَة. ومراج الدَّارمِيّ بقوله: "زعيمكم الْأَوْسَط" أَي فِي الْفِقْه، قَالَ الْبَغْدَادِيّ فِي الْفرق بَين الْفرق ط. الثَّانِيَة ص"١٩٢": "وَكَانَ -أَي بشر المريسي- فِي الْفِقْه على رَأْي أبي يُوسُف القَاضِي غير أَنه لما أظهر قَوْله بِخلق الْقُرْآن هجره أَبُو يُوسُف" انْتهى، قلت: وَهُوَ يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم الْكُوفِي، تفقه على الإِمَام أبي حنيفه وَسمع من عَطاء بن السَّائِب وطبقته، وَقَالَ يحيى بن معِين: كَانَ القَاضِي أَبُو يُوسُف يحب أَصْحَاب الحَدِيث ويميل إِلَيْهِم، وَقَالَ مُحَمَّد بن سَمَّاعَة: كَانَ أَبُو يُوسُف يصلى بَعْدَمَا ولي الْقَضَاء كل يَوْم مِائَتي رَكْعَة، توفّي سنة ١٨٢، انْظُر: شذرات الذَّهَب لِابْنِ الْعِمَاد الْحَنْبَلِيّ ١/ ٣٠١-٣٠٣، وَتَذْكِرَة الْحفاظ للذهبي ١/ ٢٩٢.
[ ١ / ١٦٧ ]
الشَّعْبِيِّ١، إِنْ قَنَعْتُمْ بِرِوَايَتِهِ، حَدَّثَنَاهُ٢ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ٣ ثَنَا أَبُو يُوسُفَ٤ عَنْ مُجَالِدٍ٥ عَنِ الشَّعْبِيِّ٦ قَالَ: "اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ هُوَ الله"٧
_________________
(١) ١ عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ بِفَتْح الْمُعْجَمَة، أَبُو عَمْرو، ثِقَة، مَشْهُور، فَقِيه، فَاضل من الثَّالِثَة، قَالَ محكول: مَا رَأَيْت أفقه مِنْهُ، مَاتَ بعد الْمِائَة وَله نَحْو من ثَمَانِينَ سنة/ ع. انْظُر "التَّقْرِيب ١/ ٣٨٧. ٢ فِي ط، س، ش "حَدثنَا".
(٢) مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون، وَفتح الْقَاف، أَبُو سَلمَة التَّبُوذَكِي، بِفَتْح الْمُثَنَّاة وَضم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْمُعْجَمَة، مَشْهُور بكنيته وباسمه، ثِقَة ثَبت، من صغَار التَّاسِعَة، وَلَا الْتِفَات إِلَى قَول ابْن خرَاش: تكلم النَّاس فِيهِ، مَاتَ سنة ٢٣/ ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٨٠، وَفِي اللّبَاب لِابْنِ الْأَثِير ١/ ٢٠٧ أَن التَّبُوذَكِي نِسْبَة إِلَى بيع السماد وَالْمَشْهُور بهَا أَبُو سَلمَة مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي. ٤ أَبُو يُوسُف تقدم قَرِيبا. ٥ مجَالد بِضَم أَوله وَتَخْفِيف الْجِيم، ابْن سعيد بن عمر الْهَمدَانِي، بِسُكُون الْمِيم أَبُو عَمْرو الْكُوفِي، لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقد تغير فِي آخر عمره، من صغَار السَّادِسَة، مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين، م وَالْأَرْبَعَة، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٢٩، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف والخزرجي فِي الْخُلَاصَة أَنه روى عَن الشّعبِيّ ونقلا عَن ابْن معِين تَضْعِيفه، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقَالَ مرّة: ثِقَة، وَقَالَ الخزرجي أَيْضا: قَالَ ابْن عدي: عَامَّة مَا يرويهِ غير مخفوظ، انْظُر: الكاشف للذهبي ٣/ ١٢٠، وَالْخُلَاصَة للخزرجي ص"٣٦٩". ٦ الشّعبِيّ عَامر بن شرَاحِيل تقدم ص"١٦٨". ٧ هَذَا الْأَثر مَوْقُوف على الشّعبِيّ، وَفِي إِسْنَاده مجَالد بن سعيد، روى عَن الشّعبِيّ إِلَّا أَنه لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقد تغير آخر عمره، انْظُر تَرْجَمته، وَلم أَجِدهُ عَن الشّعبِيّ فِيهَا بَين يَدي من المصادر. وَقد أثر عَن جَابر بن زيد مثله، انْظُر: الْأَثر الَّذِي بعده، وَهَذَا الْمَأْثُور هُوَ مِمَّا ورد من الْأَقْوَال فِي تعْيين اسْم الله الْأَعْظَم، وَسَيَأْتِي ذكر بعض الْأَقْوَال الْوَارِدَة فِي اسْم الله الْأَعْظَم فِي تعليقنا على الْمَأْثُور عَن جَابر بن زيد بعده.
[ ١ / ١٦٨ ]
حَدثنَا هدبة بن حالد١ أَخْبَرَنَا٢ أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ٣ عَنْ حَيَّانَ الْأَعْرَجِ٤ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ٥ قَالَ: "اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ هُوَ اللَّهُ. أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا"٦.
_________________
(١) ١ هدبة، بِضَم أَوله وَسُكُون الدَّال، بعْدهَا مُوَحدَة، ابْن خَالِد بن الْأسود الْقَيْسِي، أَبُو خَالِد الْبَصْرِيّ، وَيُقَال لَهُ: هداب، بالتثقيل وَفتح أَوله، ثِقَة، عَابِد، تفرد النَّسَائِيّ بتليينه، من صغَار التَّاسِعَة، مَاتَ سنة بضع وَثَلَاثِينَ خَ م د/ التَّقْرِيب ٢/ ٣١٥. ٢ فِي س "أَنا". ٣ مُحَمَّد بن سليم، أَبُو هِلَال الرَّاسِبِي، بمهلمة ثمَّ مُوَحدَة، الْبَصْرِيّ، قيل: كَانَ مكفوفًا، وَهُوَ صَدُوق، فِيهِ لين، من السَّادِسَة، مَاتَ آخر سنة ٦٧هـ، وَقيل قبل ذَلِك، خت وَالْأَرْبَعَة. التَّقْرِيب ٢/ ١٦٦. ٤ حَيَّان الْأَعْرَج، وثق وروى عَن جَابر بن زيد، انطر: تَهْذِيب التَّهْذِيب ٣/ ٦٨. ٥ جَابر بن زيد، أَبُو الشعْثَاء الْأَزْدِيّ، ثمَّ الجوفي: بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا فَاء، والبصري، مَشْهُور بكنيته، ثِقَة فَقِيه من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ٩٣، وَيُقَال: وَمِائَة/ ع. التَّقْرِيب ١/ ١٢٢. ٦ الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد مَوْقُوف على جَابر بن زيد، وَأخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره الْجَامِع، الطبعة الثَّالِثَة ٢٨/ ٣٧ قَالَ: حَدثنِي يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم قَالَ: ثَنَا ابْن علية، قَالَ: أخبرنَا أَبُو رَجَاء قَالَ: ثني رجل عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: إِن اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ هُوَ اللَّهُ، ألم تسمع بقوله: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ الْآيَتَانِ. وَذكره النَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم بِصِيغَة التمريض فَقَالَ: "وَقد رُوِيَ أَن الله هُوَ اسْمه الْأَعْظَم، قَالَ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرِيّ: وَإِلَيْهِ =
[ ١ / ١٦٩ ]
_________________
(١) = ينْسب كل اسْم فَيُقَال: الرؤوف والكريم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَلَا يُقَال: من أَسمَاء الرؤوف الرَّحِيم أَو الْكَرِيم الله "انْظُر شرح النَّوَوِيّ على مُسلم ١٧/ ٥. وَأوردهُ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور بهامشه تنوير المقباس ٦/ ٢٠٢ وَعَزاهُ إِلَى ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس: قَالَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ هُوَ الله. وَذكره الألباني فِي ضَعِيف الْجَامِع الصَّغِير وزيادنه بِلَفْظ: "اسْم الله الْأَعْظَم فِي سِتّ أيات من آخر سُورَة الْحَشْر"، وَقَالَ: رَوَاهُ الديلمي فِي مُسْند الفردوس، عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الألباني: ضَعِيف، وَذكر أَنه خرجه فِي سلسة الْأَحَادِيث الضعيفة برقم ٢٧٧٣، قلت: وَقد ذكر ابْن حجر والمباركفوري وَغَيرهمَا الْخلاف فِي اسْم الله الْأَعْظَم وَأَن من الْعلمَاء من أنكرهُ كَأبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَجَمَاعَة بعدهمَا كَابْن حبَان وَالْقَاضِي أَبُو بكر الباقلاني، وَقَالُوا: لَا يجوز تَفْضِيل بعض الْأَسْمَاء على بعض، وحملوا مَا ورد من ذَلِك على أَن المُرَاد بالأعظم الْعَظِيم، وَأَن أَسمَاء الله كلهَا عَظِيمَة قَالَ: وَعبارَة أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ "اخْتلفت الْآثَار فِي تعْيين الِاسْم الْأَعْظَم. وَالَّذِي عِنْدِي أَن الْأَقْوَال كلهَا صَحِيحَة، إِذْ لم يرد فِي خبر مِنْهَا أَنه الِاسْم الْأَعْظَم وَلَا شَيْء أعظم مِنْهُ"، وَقَالَ ابْن حبَان: "المُرَاد بالأعظمية الْوَارِدَة فِي الْأَخْبَار إِنَّمَا يُرَاد بهَا مزِيد ثَوَاب الدَّاعِي بذلك" وَقَالَ آخَرُونَ: اسْتَأْثر الله بِعلم الِاسْم الْأَعْظَم وَلم يطلع عَلَيْهِ أحدا من خقله وَذهب المباكفوري إِلَى تَرْجِيح القَوْل بِثُبُوتِهِ فَقَالَ: "وَالْقَوْل الرَّاجِح قَول من أثْبته، وَأَحَادِيث الْبَاب حجَّة على المنكرين". وَقَالَ: ابْن ججر: "وأثبته آخَرُونَ معينا واضطربوا فِي ذَلِك. وَجُمْلَة مَا وقفت عَلَيْهَا أَرْبَعَة عشر قولا" وَذكرهَا مِنْهَا أَنه "الله"؛ لِأَنَّهُ اسْم لم يُطلق على غَيره؛ وَلِأَنَّهُ الأَصْل فِي الْأَسْمَاء الْحسنى وَمن ثمَّ أضفيت إِلَيْهِ وَمِنْهَا أَنه "الله الرَّحْمَن الرَّحِيم" وَمِنْهَا أَنه "الحنان المنان بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام الْحَيّ القيوم" وَمِنْهَا أَنه "اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كفوا أحد".
[ ١ / ١٧٠ ]
أَفَلَا يَسْتَحِي عَبْدٌ مِنْ خَالِقِهِ وَمِنْ خَلْقِ رَبِّهِ فَيَدَّعِي أَنَّ اللَّهَ اسْمٌ مَخْلُوقٌ مُسْتَعَارٌ١!
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ٢ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ٣ عَنْ عَلِيِّ بن أبي طَلْحَة٤
_________________
(١) = أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث بُرَيْدَة، وَقَالَ ابْن حجر عَن هَذَا الْأَخير: وَهُوَ أرجح من حَيْثُ السَّنَد من جَمِيع مَا ورد. وَقَالَ الشَّوْكَانِيّ: اخْتلف فِي تعْيين الِاسْم الْأَعْظَم على نَحْو أَرْبَعِينَ قولا، وَقد أفردها السُّيُوطِيّ، بالتصنيف، وَعزا الى ابْن الْقيم أَنه "الْحَيّ القيوم". انْظُر، فتح الْبَارِي ١١/ ٢٢٤-٢٢٥، والشوكاني فِي تحفة الذَّاكِرِينَ ط، الثَّانِيَة ص"٦٢"، والمباركفوري فِي تحفة الأحوذي شرح جَامع الترميذي ٩/ ٤٤٧-٤٤٨. ١ فِي س "فيدعي أَن الله اسْما مخلوقًا مستعارًا" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل. ٢ عبد الله بن صَالح بن مُحَمَّد بن مُسلم الجهمي، أَبُو صَالح الْمصْرِيّ، كَاتب اللَّيْث، صَدُوق كثير الْغَلَط، ثَبت فِي كِتَابَته وَكَانَت فِيهِ غَفلَة، من الْعَاشِرَة مَاتَ سنة ٢٢هـ وَله ٨٥ سنة/ خت د ت ق. التَّقْرِيب ١/ ٤٢٣، قَالَ فِي الكاشف: عَن مُعَاوِيَة بن صَالح ومُوسَى بن على إِلَخ ٢/ ٩٦. ٣ مُعَاوِيَة بن صَالح بن حدير، بِالْمُهْمَلَةِ، مُصَغرًا الْحَضْرَمِيّ، أَبُو عَمْرو، أَو أَبُو عبد الرَّحْمَن، الْحِمصِي، قَاضِي الاندلس، صَدُوق لَهُ أَوْهَام من السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٥٨هـ وَقيل: بعد السّبْعين، د م وَالْأَرْبَعَة، التَّقْرِيب ٢/ ٢٥٩، قَالَ فِي الكاشف ٣/ ١٥٧: وَعنهُ ابْن وهب وَابْن مهْدي وَأَبُو صَالح. ٤ عَليّ بن أبي طَلْحَة سَالم، مولى بني الْعَبَّاس، سكن حمص، أرسل عَن ابْن عَبَّاس وَلم يره، من السَّادِسَة، صَدُوق قد يُخطئ، مَاتَ سنة ٤٣/ م د س ق، التَّقْرِيب ٢/ ٣٩.
[ ١ / ١٧١ ]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ١ قَالَ: "كهيعص اسْم من اسماء الله"٢.
_________________
(١) ١ عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف، ابْن عَم رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولد قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين، ودعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالفهم فِي الْقُرْآن، فَكَانَ يُسمى الْبَحْر والحبر لسعة علمه، وَقَالَ عمر: لَو أدْرك ابْن عَبَّاس أسنانًا ماعشره منا أحد، مَاتَ سنة ٦٨هـ بِالطَّائِف، وَهُوَ أحد المكثرين من الصَّحَابَة وَاحِد العبادلة من فُقَهَاء الصَّحَابَة، ع. التَّقْرِيب ١/ ٤٢٥. وَانْظُر: أَسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ٣/ ١٩٢-١٩٥، والإصابة لِابْنِ حجر، بتحقيق عَليّ البجاوي ٤/ ١٤١-١٥٢، وتهذيب التَّهْذِيب ٥/ ٢٧٦-٢٧٩. ٢ فِي إِسْنَاد هَذَا الْأَثر ضَعِيف وَانْقِطَاع، وَقد أخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره الْجَامِع بهامشه تَفْسِير الغرائب ١٦/ ٣٥ قَالَ: "حَدثنِي عَليّ قَالَ: ثَنَا عبد الله قَالَ: ثَنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ قَالَ: فَإِنَّهُ قسم أقسم الله بِهِ وَهُوَ من أَسمَاء الله" انْتهى. قلت: وَعلي الَّذِي يروي عَن ابْن عَبَّاس فِي إِسْنَاد الطَّبَرِيّ هُوَ ابْن طَلْحَة كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ عِنْد ابْن حجر فِي الْفَتْح ٨/ ٤٢٧ حَيْثُ قَالَ: "وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ: كهيعص قسم، أقسم الله بِهِ وَهُوَ اسْم من أَسْمَائِهِ" وَسكت عَنهُ. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب ماجاء فِي حُرُوف المقطعات، ص"٩٤" من طَرِيق عُثْمَان بن سعيد، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ: "كهيعص، وطه، وطس، وطسم، وَيس، وص، وحم، عسق، وق، وَنَحْو ذَلِك قسم أقسم الله بِهِ، وَهِي من أَسمَاء الله ﷿" قلت وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي الْحُرُوف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن هَذَا علم مَسْتُور وسر مَحْجُوب اسْتَأْثر الله بِهِ، نؤمن بطاهرها وَنكل الْعلم فِيهَا إِلَى الله ﷿. الثَّانِي: أَن المُرَاد مِنْهَا مَعْلُوم، وَذكروا فِيهَا أقوالًا كَثِيرَة فَمِنْهَا الْقَرِيب وَمِنْهَا الْبعيد، وَانْظُر بسط الْكَلَام فِيمَا ورد فِي ذَلِك من الْأَقْوَال فِي مَوْضُوع الْمُتَشَابه من الْقُرْآن فِي كتب عُلُوم الْقُرْآن.
[ ١ / ١٧٢ ]
وَقَدْ رُوِيَ لَنَا فِي تَفْسِيرِهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ١ ﵄، حَدَّثَنَا٢ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ٣، ثَنَا٤ هُشَيْمٌ٥، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ٦ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ٧ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَافٌ مِنْ كَرِيمٍ وَعَيْنٌ مِنْ عَلِيمٍ وياء من
_________________
(١) = وَكَذَا مَا ذكره الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِير أول سُورَة الْبَقَرَة كتفسير الطَّبَرِيّ، والقرطبي والزمخشري والشوكاني وَغَيرهَا، وَجُمْلَة القَوْل فِي ذَلِك أَن مَا صَحَّ فِي تَفْسِير هَذِه الْحُرُوف نقلا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَخذنَا بِهِ، وَمَا لم يثبت فللعلماء فِيهِ قَولَانِ مشهوران: أَحدهمَا: أَن الأسلم هُوَ السُّكُوت عَن التَّعَرُّض لمعناها مَعَ الْجَزْم بِأَن الله لم ينزلها عَبَثا بل لحكمة لَا نعلمها. الثَّانِي: أَن هَذِه الْحُرُوف هِيَ نوع من التحدي وَالدّلَالَة على عجز المخاطبين، عَن الْإِتْيَان بمثلة مَعَ نُزُوله بالحروف المتعالمة بَينهم. ١ تقدّمت تَرْجَمته ص"١٧٢". ٢ فِي ط، ش "مَا حدّثنَاهُ" وَفِي س "حدّثنَاهُ". ٣ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس بن عبد الله بن قيس الْكُوفِي التَّمِيمِي، الْيَرْبُوعي ثِقَة، حَافظ من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٧ وَهُوَ ابْن ٩٤ سنة/ ع. التَّقْرِيب ١/ ١٩. ٤ فِي ط، ش "أَنبأَنَا". ٥ فِي ط، س، ش "هِشَام" وَصَوَابه "هشيم" وَانْظُر ص"٦٢٨". ٦ عَطاء بن السَّائِب، أَبُو مُحَمَّد، وَيُقَال: أَبُو السَّائِب، الثَّقَفِيّ الْكُوفِي، صَدُوق اخْتَلَط من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٣٦هـ/ خَ وَالْأَرْبَعَة. التَّقْرِيب ٢/ ٢. ٧ سعيد بن جُبَير الْأَسدي مَوْلَاهُم، الْكُوفِي، ثِقَة ثَبت فَقِيه، من الثَّالِثَة، وَرِوَايَته عَن عَائِشَة وَأبي مُوسَى وَنَحْوهمَا، قتل بَين يَدي الْحجَّاج ٩٥هـ وَلم يكمل الْخمسين. ع التَّقْرِيب ١/ ٢٩٢.
[ ١ / ١٧٣ ]
حَكِيمٍ وَهَا مِنْ هَادٍ وَصَادٌ من صدق"١ وَحَتَّى إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يُجْمِلُهَا فَيَقُولُ: "يَا كهيعص اغْفِرْ لِي"٢ كَمَا يَقُولُ: "يَا اللَّهُ اغْفِرْ لِي".
حَدَّثَنَا روح بن عبد الْمُؤمن الْمقري٣ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ٤، ثَنَا نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ٥، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ٦ أَنَّهَا سَمِعَتْ عليًّا يَقُول: "يَا كهيعص
_________________
(١) أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بهامشه التَّلْخِيص للذهبي، كتاب التَّفْسِير، تَفْسِير سُورَة مَرْيَم، ج٢ صـ"٣٧١" عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس بِلَفْظِهِ مَعَ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَآخره "صَادِق" بَدَلا من "صَدُوق" وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: "صَحِيح". ٢ سَيَأْتِي تَخْرِيجه قَرِيبا. ٣ روح بن عبد الْمُؤمن، الْهُذلِيّ مَوْلَاهُم، أَبُو الْحسن الْبَصْرِيّ، الْمُقْرِئ، صَدُوق من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٣٣هـ غير ذَلِك، خَ التَّقْرِيب ١/ ٢٥٣. ٤ مُحَمَّد بن مُسلم الْمدنِي، قدم الْبَصْرَة، صَدُوق، من الْعَاشِرَة، فق. التَّقْرِيب ٢/ ٢٠٨. قَالَ فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٩/ ٤٥٤: "روى عَن نَافِع بن عبد الرَّحْمَن بن أبي نعيم الْقَارِي وروى عَنهُ بن عبَادَة وروح بن الْمُؤمن..". ٥ نَافِع بن عبد الرَّحْمَن بن أبي نعيم الْقَارئ، الْمدنِي، مولى بني لَيْث، أَصله من أَصْبَهَان وَقد ينْسب لجده، صَدُوق ثَبت فِي الْقِرَاءَة، من كبار السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٦٩هـ/ فق. التَّقْرِيب ٢/ ٢٩٦. ٦ فِي ط، س، ش زِيَادَة "﵄" قلت: وَفَاطِمَة هِيَ ابْنة عَليّ بن أبي طَالب، ثِقَة من الرَّابِعَة، مَاتَت سنة ١٧هـ وَقد جَاوَزت الثَّمَانِينَ، س فق. التَّقْرِيب ٢/ ٦٠٩ فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١٢/ ٤٤٣ أَنَّهَا رَوَت عَن أَبِيهَا وَقيل: لم تسمعه، وعنها نَافِع بن أبي نعيم الْقَارئ.
[ ١ / ١٧٤ ]
اعفرلي"١ فَمَنْ خَلَقَ "كهيعص" فِي دَعْوَاكُمْ؟ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِهَا قَبْلَ اللَّهِ؟ وَمَنِ اهْتَدَى لَهَا غَيْرَ اللَّهِ؟ وَكَمَا قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ كَذَلِكَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ "أَنَا الرَّحْمَنُ" ٣ حَدَّثَنَاهُ مُسَدَّدٌ٤، ثَنَا٥ سُفْيَانُ٦، عَن الزُّهْرِيّ٧،
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "يَقُول: كهيعص اغفرلي" دون يَاء النداء، قلت: والْحَدِيث أخرجه الطَّبَرِيّ، فِي تَفْسِيره الْجَامِع بهامشه تَفْسِير الغرائب ١٦/ ٣٤ قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن خَالِد بن خِدَاش قَالَ: ثَنَا سَالم بن قُتَيْبَة، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ عَاتِكَة، عَن فَاطِمَة ابْنة عَليّ قَالَت: كَانَ عَليّ يَقُول: "يَا كهيعص اغفرلي" وَنَقله ابْن حجر فِي الْفَتْح ٨/ ٤٢٧ عَن الطَّبَرِيّ بِلَفْظِهِ وَسكت عَنهُ. ٢ سُورَة الْقَصَص، آيَة "٣٠". ٣ كَمَا فِي الحَدِيث الْقُدسِي بعده. ٤ مُسَدّد بن مسرهد بن مسربل بن مُسْتَوْرِد الْأَسدي، الْبَصْرِيّ، أَبُو الْحسن، ثِقَة، حَافظ يُقَال أَنه أول من صنف الْمسند بِالْبَصْرَةِ، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٨هـ وَيُقَال: اسْمه عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز، مُسَدّد لقبه/ خَ د ت س. التَّقْرِيب ٢/ ٢٤٢. ٥ فِي ط، س، ش، "عَن" بدل "ثَنَا". ٦ سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَقد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي إِسْنَاد التِّرْمِذِيّ "انْظُر: تَخْرِيج الْهِلَالِي، أَبُو مُحَمَّد، الْكُوفِي، ثمَّ الْمَكِّيّ، ثِقَة، حَافظ، فَقِيه، إِمَام حجية، إِلَّا أَنه تغير حفظه بِآخِرهِ، وَكَانَ ربمان دلّس، لَكِن عَن الثِّقَات، من رُؤُوس الطَّبَقَة الثَّامِنَة، وَكَانَ من أثبت النَّاس فِي عَمْرو بن دِينَار، مَاتَ فِي رَجَب سنة ٩٨ وَله ٩١ سنة، ع. وَفِي الكاشف للذهبي ١/ ٣٧٩ أَنه روى عَن الزُّهْرِيّ وَعَمْرو بن دِينَار، وَعنهُ أَحْمد وَعلي والزعفراني. ٧ مُحَمَّد بن مُسلم بن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن شهَاب بن عبد الله بن الْحَارِث بن زهرَة بن كلاب الْقرشِي الزُّهْرِيّ، وكنيته أَبُو بكر، الْفَقِيه، الْحَافِظ، مُتَّفق على جلالته، وإتقانه، وَهُوَ من رُؤُوس الطَّبَقَة الرَّابِعَة، مَاتَ سنة ٢٥ وَقيل: بعد ذَلِك بِسنة أَو سنتَيْن، ع انْظُر التَّقْرِيب ٢/ ٢٠٧.
[ ١ / ١٧٥ ]
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ١ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ٢ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ": أَنَا الرَّحْمَنُ، وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بتته" ٣
_________________
(١) ١ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْف الزُّهْرِيّ، الْمدنِي، قيل: اسْمه عبد الله وَقيل: إِسْمَاعِيل، ثِقَة مكثر، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ٩٤، وَكَانَ مولده سنة بضع وَعشْرين ع انْظُر التَّقْرِيب ٢/ ٤٣٠. ٢ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بن عبد الْحَارِث بن زهرَة الْقرشِي الزُّهْرِيّ أحد الْعشْرَة، أسلم قَدِيما، ومناقبه شهيرة، مَاتَ سنة ٣٢ وَقيل: غير ذَلِك، ع انْظُر التَّقْرِيب ١/ ٤٩٤، انْظُر الِاسْتِيعَاب ذيل الأصابة ٢/ ٣٨٥-٣٩٠، وَأسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ٣/ ٣١٣-٣١٧ والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٢/ ٤٠٨-٤١٠ وتهذيب التَّهْذِيب ٦/ ٢٤٤-٢٤٦. ٣ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس، كتاب الزَّكَاة، بَاب فِي صلَة الرَّحِم، حَدِيث رقم ١٦٩٤، ٢/ ٣٢٢ قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد وَأَبُو بكر ابْن أبي شيبَة قَالَا: حَدثنَا سيفان بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعا بِلَفْظ: "قَالَ اللَّهُ: أَنَا الرَّحْمَنُ، وَهِيَ الرَّحِم شققت لَهَا اسْما من اسْمِي، من وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ" وَفِي الحَدِيث بعده من طَرِيق معمر عَن الزُّهْرِيّ، حَدثنِي أَبُو سَلمَة، أَنا الرداد اللَّيْثِيّ أخبرهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنه سمع رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَعْنَاهُ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه تحفة الأحوذي، أبوب الْبر والصلة، بَاب مَا جَاءَ فِي قطيعة الرَّحِم، حَدِيث رقم ١٩٧٢، ٦/ ٣٣ من طَرِيق سيفان بن عُيَيْنَة بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف مَرْفُوعا قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث سيفان عَن الزُّهْرِيّ حَدِيث صَحِيح. وَنقل المباركفوري عَن الْمُنْذِرِيّ قَوْله: وَفِي =
[ ١ / ١٧٦ ]
فَيَقُولُ اللَّهُ: أَنَا شَقَقْتُ لَهَا من اسْمِي وَادعت الْجَهْمِية المكذبين١ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ أَنَّهُمْ أَعَارُوهُ الِاسْمَ الَّذِي شقها مِنْهُ!!
من أَيْنَ عَلِمَ الْخَلْقُ أَسْمَاءَ الْخَالِقِ قَبْلَ تَعْلِيمِهِ إِيَّاهُمْ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ آدَمُ٢ وَلَا الْمَلَائِكَةُ أَسْمَاءَ الْمَخْلُوقِينَ، حَتَّى عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِنْ عِنْده، وَكَانَ
_________________
(١) = تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ لَهُ نظر، فَإِن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن لم يسمع من أَبِيه شَيْئا قَالَ يحيى بن معِين وَغَيره، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث معمر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَن رداد اللَّيْثِيّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقد أَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَى هَذَا: ثمَّ حكى عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ: وَحَدِيث معمر خطأ وَالله أعلم. قلت: انْظُر تحفة الأحوذي شرح جَامع التِّرْمِذِيّ ٦/ ٣٤، وَالْمُنْذِرِي فِي التَّرْغِيب والترهيب، تَعْلِيق مصطفى عمَارَة ٣/ ٣٣٨. وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند تَحْقِيق شَاكر حَدِيث رقم ١٦٨٠، ٣/ ١٣٨-١٣٩ وحقق أَنه صَحِيح، انْظُر الْأَحَادِيث: ١٦٥٩، ١٦٨١، ١٦٨٦، وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد الطبعة الثَّانِيَة ص"٣٣": وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ٤/ ١٥٧. ١ فِي ط، س، ش "مكذبين". ٢ آدم أَبُو الْبشر ﵇، وَهُوَ أول بشر خلقه الله مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وَفِي الصَّحِيح أَن الله خلق آدم وَطوله سِتُّونَ ذِرَاعا، وَفِي الذّكر أَن الله نفخ فِيهِ من روحه وَعلمه الْأَسْمَاء كلهَا، اسْتَخْلَفَهُ فِي الأَرْض وَأمر الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لَهُ فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس أَبى فطرده الله من رَحمته وأبعده من جنته، أسكن الله آدم وزوجه الْجنَّة ونهاهما عَن الاقتراب من الشَّجَرَة فوسوس لَهما الشَّيْطَان فغوي آدم وأخطا فأكلا مِنْهَا، فَغَضب الله عَلَيْهِمَا وأنزلهما من الْجنَّة، وَبعد ذَلِك تلقى آدم من ربه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ وحذرهما ابليس وَجُنُوده، ورد ذكره فِي الْقُرْآن نَحوا من خمس وَعشْرين مرّة فِي تسع سور مِنْهُ، توفّي يَوْم الْجُمُعَة وَيُقَال أَن عمره كَانَ ألف سنة. انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ كتاب الْأَنْبِيَاء بَاب خلق أَدَم وَذريته، ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرآنية ١/ ٣٣، والكامل فِي التَّارِيخ ١/ ١٤-٥٣، والبداية وَالنِّهَايَة لِابْنِ كثير ١/ ٦٨-٩٩.
[ ١ / ١٧٧ ]
بَدْءُ١ عِلْمِهَا مِنْهُ٢ فَقَالَ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٣ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا وَحَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" ٤ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ٥ ثَنَا ٦ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ٧
_________________
(١) ١ فِي س "وَكَانَ بَدو". ٢ فِي ط، س، ش "من عِنْده" بدل "مِنْهُ". ٣ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "٣١، ٣٢، ٣٣". ٤ صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّوْحِيد، بَاب إِن لله مائَة اسْم إِلَّا وَاحِدَة، حَدِيث رقم جـ١٣ ص"٣٧٧" بِزِيَادَة "مائَة إِلَّا وَاحِدَة" فِي أَثْنَائِهِ وَدون لفظ "وحفظها" وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الشُّرُوط جـ١ صـ"٣٥٤" وَكتاب الدَّعْوَات جـ١ صـ"٢١٤" بِأَلْفَاظ مقاربة. ٥ عَليّ بن الْمَدِينِيّ تقدم صـ"١٥١". ٦ فِي ط، ش "حَدثنَا". ٧ سُفْيَان بن عُيَيْنَة بن أبي عمرَان مَيْمُون الْهِلَالِي، أَبُو مُحَمَّد، الْكُوفِي، ثمَّ الْمَكِّيّ، ثِقَة، حَافظ فَقِيه إِمَام حجَّة، إِلَّا أَنه تغير حفظه بِآخِرهِ وَكَانَ رُبمَا دلّس، لَكِن عَن الثِّقَات من رُؤُوس الطَّبَقَة الثَّامِنَة، وَكَانَ أثبت النَّاس فِي عَمْرو بن دِينَار مَا فِي رَجَب سنة ٩٨ هُوَ لَهُ ٩١ سنة، ع التَّقْرِيب ١/ ٣١٢ قَالَ فِي الكاشف ١/ ٣٧٩: عَن الزُّهْرِيّ وَعَمْرو بن دِينَار، وَعنهُ أَحْمد وَعلي والزعفراني.
[ ١ / ١٧٨ ]
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ١ عَنِ الْأَعْرَجِ٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٣ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعين اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا٤ لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وتر يحب الْوتر" ٥.
_________________
(١) ١ عبد الله بن ذكْوَان الْقرشِي، أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمدنِي، الْمَعْرُوف بِأبي الزِّنَاد، ثِقَة، فَقِيه من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٣٠هـ، وَقيل بعْدهَا، ع التَّقْرِيب ١/ ٤١٣، قَالَ فِي الكاشف ٢/ ٨٤: عَن أنس وَعمر بن أبي سَلمَة وَلم يرَاهُ فِيمَا قيل، وَسَعِيد بن الْمسيب، والأعرج وعدة وَعنهُ مَالك وَاللَّيْث والسفيانان. ٢ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج أَبُو دَاوُد الْمدنِي مولى ربيعَة بن الْحَارِث، ثِقَة ثَبت، عَالم من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١٧/ ع. التَّقْرِيب ١/ ٥٠١ وَذكر فِي الكاشف ٢/ ١٨٩ أَنه روى عَن أبي هُرَيْرَة، وَعبد الله بن بُحَيْنَة وَعنهُ الزُّهْرِيّ وَابْن لَهِيعَة. ٣ هُوَ الصَّحَابِيّ الْجَلِيل أَبُو هُرَيْرَة الدوسي حَافظ الصاحبة، اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه، قيل: ابْن عُمَيْر: وَقيل: عبد نهم، وَقيل: عبد شمس وَقيل: غير ذَلِك، وَقَالَ ابْن حجر: وَيقطع بِأَن عبد شمس وَعبد نهم غير بعد أَن أسلم، وَاخْتلف فِي أَيهَا أرجح فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، وَذهب جمع من النسابين إِلَى عَمْرو بن عَامر، مَاتَ سنة سبع، وَقيل، ثَمَان، وَقيل، تسع وَخمسين وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسبعين سنة، ع. بِتَصَرُّف من تقريب التَّهْذِيب ٢/ ٢٨٤، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٤/ ٢٠٠-٢٠٧ وَأسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ٥/ ٣١٥-٣١٧ والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٤/ ٢٠٠-٢٠٨ وتهذيب التَّهْذِيب ١٢/ ٢٦٢-٢٦٧. ٤ فِي الأَصْل "إِلَّا وَاحِد" وَبِمَا أثبتنا جَاءَ عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم، وَغَيرهمَا وَجَاء أَيْضا بِلَفْظ" وَاحِدَة". ٥ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحَة بشرحه الْفَتْح، كتاب الدَّعْوَات، بَاب لله مائَة اسْم إِلَّا وَاحِدَة، حَدِيث، رقم ٦٤١٠، ١١/ ٢١٤ قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن عبد الله بِهَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: "لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا -مائَة إِلَّا واحده- لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ" انْظُر: الْأَحَادِيث ٢٧٣٦، ٧٣٩٢. وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الذّكر وَالدُّعَاء، بَاب فِي أَسمَاء الله تَعَالَى، حَدِيث رقم ٥، ٤/ ٢٠٦٢ من طَرِيق آخر، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهَذَا السَّنَد بِنَحْوِهِ قَالَ: وَفِي رِوَايَة ابْن أبي عمر "من أحصاها".
[ ١ / ١٧٩ ]
حَدَّثَنَا هَاشِمُ١ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا٢ الْوَلِيد ين مُسلم٣ ثَنَا٤، خُلَيْد٥ ابْن دعْلج، عَن قَتَادَة٦،
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "هِشَام بن عمار" وَبِه جَاءَ نقل ابْن حجر لهَذَا الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ فِي الْفَتْح ١١/ ٢١٥. قلت: وَهُوَ الصَّوَاب قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٢٠ هِشَام بن عمار بن نصير، بنُون مُصَغرًا، السّلمِيّ الدِّمَشْقِي الْخَطِيب صَدُوق، وَقد سمع من مَعْرُوف الْخياط، لَكِن مَعْرُوف لَيْسَ بِثِقَة، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين على الصَّحِيح وَله ٩٢ سنة/ خَ وَالْأَرْبَعَة. ٢ فِي ط، س، ش "حَدثنَا". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٣٦: الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي مَوْلَاهُم، أَبُو الْعَبَّاس الدِّمَشْقِي، ثِقَة، لكنه كثير التَّدْلِيس والتسوية من الثَّامِنَة مَا آخر سنة أَربع أَو أول سنة ٩٥هـ/ ع قَالَ فِي التَّهْذِيب ١١/ ١٥٢: وَعنهُ هِشَام ابْن عمار إِلَخ. ٤ فِي ش، ط "حَدثنَا". ٥ فِي ط، ش "خَلِيل: وَالصَّوَاب "خُلَيْد" وَهُوَ خُلَيْد بن دعْلج السدُوسِي الْبَصْرِيّ، نزل الْموصل، ثمَّ بَيت الْمُقَدّس، ضَعِيف، من السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٦٦هـ، تَمْيِيز التَّقْرِيب ١/ ٢٢٧. ٦ قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي أَبُو الْخطاب الْبَصْرِيّ، ثِقَة ثَبت يُقَال: ولد أكمه، وَهُوَ رَأس الطَّبَقَة الرَّابِعَة، مَاتَ سنة بضع عشرَة، ع. التَّقْرِيب ٢/ ١٢٣.
[ ١ / ١٨٠ ]
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٢ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أحصاها كلهَا دخل الْجنَّة" ٣
_________________
(١) ١ مُحَمَّد بن سِيرِين الْأنْصَارِيّ، أَبُو بكر بن أبي عمْرَة الْبَصْرِيّ، ثِقَة ثَبت، عَابِد كَبِير الْقدر، كَانَ لَا يرى الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١١٠، ع التَّقْرِيب ٢/ ١٦٩. ٢ أَبُو هُرَيْرَة، صَحَابِيّ تقدم صـ"١٧٩". ٣ الحَدِيث بِهَذَا السَّنَد ضَعِيف، وَقَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح، وَقد اخْتلف فِي سَنَده على الْوَلِيد فَأخْرجهُ عُثْمَان الدَّارمِيّ فِي "النَّقْض على المريسي" عَن هِشَام بن عمار، عَن الْوَلِيد، فَقَالَ: عَن خُلَيْد بن دعيج، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة فَذكره بِدُونِ التَّعْيِين، قَالَ الْوَلِيد: وَحدثنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ: كُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وسرد الْأَسْمَاء انْظُر: الْفَتْح لِابْنِ حجر ١١/ ٢١٥. قلت: وَأخرجه مُسلم من طَرِيق آخر، عَن ابْن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة وَعَن همام ابْن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مائَة إِلَّا وَاحِد. من أحصاها دخل الْجنَّة"، انْظُر: صَحِيح مُسلم، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الذّكر وَالدُّعَاء، بَاب فِي أَسمَاء الله تَعَالَى، حَدِيث رقم ٦-٤/ ٢٠٦٣، وَانْظُر الْمسند للْإِمَام أَحْمد ٢/ ٢٦٧، ٤٢٧، ٤٩٩. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم ١٧/ ٥: "وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ فِي حصر لأسمائه ﷾ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ لَهُ أَسمَاء غَيره التِّسْعَة وَالتسْعين وَإِنَّمَا مَقْصُود الحَدِيث أَن هَذِه التِّسْعَة وَالتسْعين من أحصاها دخل الْجنَّة، فَالْمُرَاد الْإِخْبَار عَن دُخُول الْجنَّة بإحصائها لَا الْإِخْبَار بحصر الْأَسْمَاء، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث الآخر: "أَسأَلك بِكُل اسْم سميت بِهِ نَفسك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك"، وَقد ذكر الْحَافِظ أَبُو بكر الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي عَن بَعضهم أَنه قَالَ: لله تعالة ألف اسْم، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَهَذَا قَلِيل فِيهَا.. وَالله أعلم.
[ ١ / ١٨١ ]
قَالَ هِشَامٌ١: وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ٢، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ٣ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: كُلُّهَا فِي الْقُرْآن هُوَ الله لَا إِلَه هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ٤ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ٥، الْحَكَمُ، الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ، الْحَسِيبُ، الْجَلِيلُ، الْكَرِيمُ، الْمُحْصِي، الرَّقِيبُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الْحَقُّ، الْوَكِيلُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيّ، الحميد، المحصي، ٦ المبدئ، الْمُعِيدُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ، ٧ الْأَحَدُ ٨ الصَّمَدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْأَوَّلُ، الْآخِرُ، الظَّاهِر، الْبَاطِن
_________________
(١) ١ هِشَام، هُوَ ابْن عمار تقدّمت تَرْجَمته صـ"١٨٠". ٢ الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي مَوْلَاهُم، تقدم صـ"١٨٠" قَالَ فِي التَّهْذِيب ١٥١-١٥٢: روى عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز وَذكر مِمَّن روى عَنهُ هِشَام بن عمار. ٣ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ، الدِّمَشْقِي، ثِقَة إِمَام، سواهُ أَحْمد بالأوزاعي وَقدمه أَبُو مسْهر، وَلكنه اخْتَلَط فِي آخر عمره، من السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٦٧هـ وَقيل بعْدهَا، وَله بضع وَسَبْعُونَ سنة، بخ م وَالْأَرْبَعَة، التَّقْرِيب ١/ ٣٠١. ٤ "الرَّحْمَن الرَّحِيم" لَيست فِي ط، ش، س. ٥ قَوْله "السَّمِيع الْبَصِير" لَيست فِي ط، س، ش. ٦ "المحصي" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ فِي ط، ش، س "الْوَاجِد" بِالْمُعْجَمَةِ. ٨ فِي ط، ش، س "الْأَحَد الْفَرد".
[ ١ / ١٨٢ ]
الْوَالِي١ الْمُتَعَالِي٢، الْبَرُّ، التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ، الْعَفو، الرؤوف، مَالِكُ الْمُلْكِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ، الْجَامِعُ٤ الْمُعْطِي، الْمَانِعُ الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، الْهَادِي، الْبَدِيعُ، الْغَنِيُّ، ٥ الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ٦ فَهَذِهِ كُلُّهَا، أَسْمَاءُ اللَّهِ لَمْ تَزَلْ لَهُ كَمَا لم
_________________
(١) ١ فِي س "الوال". ٢ فِي ط، س، ش "المتعال". ٣ فِي ط، ش، س "الغفور". ٤ فِي ط، ش، س زِيَادَة "الْغَنِيّ الْمُغنِي" بعد "الْجَامِع". ٥ لفظ "الْغَنِيّ" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي ١١/ ٢١٥: "وَاخْتلفت الْعلمَاء فِي سرد الْأَسْمَاء هَل هُوَ مَرْفُوع أَو مدروج فِي الْخَبَر من بعض الروَاة؟ فَمشى كثير مِنْهُم على الأول واستدلو بِهِ على جَوَاز تَسْمِيَة الله تَعَالَى لما لم يرد فِي الْقُرْآن بِصِيغَة الِاسْم؛ لِأَن كثيرا من هَذِه الْأَسْمَاء كَذَلِك، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن التَّعْيِين مدرج لحمول أَكثر الرِّوَايَات عَنهُ، وَنَقله عبد الْعَزِيز النخشبي عَن كثير من الْعلمَاء "وَنقل ذَلِك عَنهُ المباركفوري فِي تحفة الأحوذي شرح جَامع التِّرْمِذِيّ ٩/ ٤٨٩. قلت: وَمِمَّنْ أخرج الحَدِيث بسرد الْأَسْمَاء التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه التُّحْفَة، أَبْوَاب الدَّعْوَات، بَاب رقم ٨٧، حَدِيث رقم ٣٥٧٤، ٩/ ٤٨٢-٤٩٠، وَابْن مَاجَه فِي سنَنه تَحْقِيق مُحَمَّد فؤاد/ كتاب الدُّعَاء، بَاب أَسمَاء الله ﷿، حَدِيث ٣٨٦١، ٢/ ١٢٦٩-١٢٧٠ وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ١/ ١٦-١٧ وَقَالَ: "هَذَا حَدِيث قد أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بأسانيد صَحِيحَة دون ذكر الْأَسَامِي، وَالْعلَّة فِيهِ عِنْدهمَا أَن الْوَلِيد تفرد بسياقته بِطُولِهِ وَذكر الْأَسَامِي فِيهِ وَلم يذكرهَا غَيره وَلَيْسَ هَذَا بعلة" وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ فِي التَّلْخِيص. وَأخرجه أَيْضا بسرد الْأَسْمَاء ابْن حبَان فِي صَحِيحه، تَحْقِيق عبد الرَّحْمَن عُثْمَان، كتاب الرَّقَائِق، ذكر تَفْضِيل الْأَسَامِي الَّتِي يدْخل الله محصيها الْجنَّة، حَدِيث ربم ٧٩٦، ٢/ ١٢٤، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات صـ"٤-٥"، وَالْبَيْهَقِيّ الشَّافِعِي فِي الِاعْتِقَاد، تَحْقِيق أَحْمد عِصَام الْكَاتِب صـ"٥٠-٥١". وَانْظُر: الْجَامِع الصَّغِير للسيوطي ١/ ٩٣. وَضَعِيف الْجَامِع الصَّغِير وزيادته للألباني ٢/ ١٧٧-١٨٠.
[ ١ / ١٨٣ ]
تَزَلْ١ بِأَيِّهَا دَعْوَتَ فَإِنَّمَا تَدْعُو اللَّهَ نَفْسَهُ. وَفِي أَسْمَاءِ اللَّهِ حُجَجٌ وَآثَارٌ مِمَّا ذَكَرْنَا تَرَكْنَاهَا مَخَافَة الطَّوِيل، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ بَيَانٌ بَيِّنٌ وَدِلَالَةٌ٢ ظَاهِرَةٌ عَلَى إِلْحَادِ هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدِينَ فِي أَسْمَائِهِ، الْمُبْتَدِعِينَ أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يَخْرُصُونَ، وَعَزَّ رَبُّنَا وَجَلَّ عَمَّا غَمَصُوهُ٣ وَتَبَارَكَ وَتَعَالَى عَمَّا تَنَقَّصُوهُ٤، وَهُوَ الْمُنْتَقِمُ مِنْهُمْ فِيمَا افْتَرَضُوهُ.
وَأَيُّ تَأْوِيلٍ أَوْحَشَ ٥ مِنْ أَنْ٦ يَدَّعِيَ رَجُلٌ أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا اسْمَ لَهُ؟! مَا مدعي
_________________
(١) ١ فِي ط، ش، س "كَمَا لم يزل" وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٢ فِي ط، ش، س "وَدلَالَة قَاطِعَة ظَاهِرَة". ٣ فِي ط، ش "غمطوه" والغمص والغمط متقاربات فِي اللَّفْظ وَفِي الْمَعْنى، قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب/ إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ٢/ ١٠١٧ مَادَّة "غمص": "غَمَصَه وغَمِصَه يغمصه غمصًا واغتمصه حقره واستصغره وَلم يره شَيْئا" وَقَالَ فِي ٢/ ١٠١٨ مَادَّة "غمط" غمط النَّاس: احتقارهم والإزراء بهم وَمَا أشبه ذَلِك وغمط النَّاس احترقهم واستصغرهم وَكَذَلِكَ غمصهم وَفِي الحَدِيث "إِنَّمَا ذَلِك من سفه الْحق وغمط النَّاس"، يَعْنِي أَن يرى الْحق سفهًا وجهلًا ويحتقر النَّاس، أَي إِنَّمَا الْبَغي فعل من سفه وغمط". ٤ فِي ط، ش، س "نقصوه". ٥ فِي س "بأوحش" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٦ فِي ط، س، ش "مِمَّا" بَدَلا من قَوْله: "من أَن".
[ ١ / ١٨٤ ]
هَذَا بِمُؤْمِنٍ١ وَلَنْ يَدْخُلَ الْإِيمَانُ قَلْبَ رَجُلٍ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ إِلَهًا وَاحِدًا، بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ، لَمْ يَحْدُثْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ كَمَا لَمْ تَزَلْ وَحْدَانِيَّتُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى٢.
_________________
(١) ١ فِي س "مَا يَدعِي هَذَا بِمُؤْمِن"، وَفِي ط، ش "مَا يَدعِي هَذَا مُؤمن". ٢ لفظ "﵎" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ١٨٥ ]
بَابٌ: وَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ
وَهِيَ فِي دَعْوَاهُ: اللَّمْسُ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَالْبَصَرِ بِالْعَيْنِ وَالسَّمْعِ، وَاحْتَجَّ لِدَعْوَاهُ بِحَدِيثٍ مُفْتَعَلٍ مَكْذُوبٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ١ مَعَهُ شَوَاهِدُ وَدَلَائِلُ كَثِيرَةٌ أَنَّهُ مَكْذُوبٌ مُفْتَعَلٌ٢؛ فَأَوَّلُ شَوَاهِدِهِ: أَنَّهُ رَوَاهُ الْمُعَارِضُ عَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ الْمُتَّهَمِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ، الْمُكَذِّبِ بِصِفَاتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَوَاهُ بِشْرٌ عَنْ قَوْمٍ لَا يُوثَقُ بِهِمْ، وَلَا يُعْرَفُونَ، رَوَاهُ الْمَرِيسِيُّ٣ عَنْ أَبِي شِهَابٍ الْخَوْلَانِيِّ٤ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ٥ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن مَيْمُون٦،
_________________
(١) ١ عبد الله بن عَبَّاس تقدم صـ"١٧٢". ٢ فِي ط، ش، س "مفتعل مَكْذُوب". ٣ فِي س "رَوَاهُ عَن المريسي". "٤، ٥" قلت: أَبُو شهَاب الْخَولَانِيّ ونعيم بن أبي نعيم لم أعثر لَهما على تَرْجَمَة فِيمَا بَين يَدي من المصادر وَيَكْفِي فِي الحكم عَلَيْهِمَا مَا ذكره الدَّارمِيّ عُثْمَان ابْن سعيد من الِاسْتِفْهَام عَنْهُمَا بِصِيغَة تفِيد أَنَّهُمَا مَجْهُولَانِ. ٦ قَالَ فِي ميزَان الِاعْتِدَال للذهبي ١/ ٦٩: "إِبْرَاهِيم بن مَيْمُون الْمروزِي الصَّائِغ روى عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَطَائِفَة وَثَّقَهُ ابْن معِين وَقَالَ أَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا يحْتَج بِهِ، قَتله أَبُو مُسلم الْخُرَاسَانِي ظلما سنة ١٣١هـ/ بِتَصَرُّف: وَقَالَ فِي ديوَان الضُّعَفَاء والمتروكين لشمس الدَّين الذَّهَبِيّ صـ"٣١" إِبْرَاهِيم بن مَيْمُون الصَّائِغ عَن عَطاء قَالَ أبوحاتم لَا يحْتَج بِهِ.
[ ١ / ١٨٦ ]
عَنْ عَطَاءٍ١ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٢.
فَمن أبي شِهَابٍ الْخَوْلَانِيُّ٣ وَمَنْ٤ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ فَيُحْكَمُ بِرِوَايَتِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٥ عَلَى رِوَايَةِ قَوْمٍ أَجِلَّةٍ مَشْهُورِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَدْ رَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ؟!
فَمِنْ ذَلِكَ: مَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ٦ عَنْ حَمَّادِ بن سَلمَة٧ عَن
_________________
(١) ١ عَطاء بن أبي رَبَاح بِفَتْح الرَّاء وَالْمُوَحَّدَة، وَاسم أبي رَبَاح أسلم الْقرشِي، مَوْلَاهُم، الْمَكِّيّ، ثِقَة، فَقِيه، فَاضل، لكنه كثير الْإِرْسَال من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١٤هـ، على الْمَشْهُور وَقيل: إِنَّه تغير بِآخِرهِ وَلم يكن ذَلِك مِنْهُ، ع التَّقْرِيب ٢/ ٢٢. ٢ ابْن عَبَّاس الصَّحَابِيّ، تقدم صـ"١٧٢". ٣ هَكَذَا فِي الأَصْل وَلم يَتَّضِح وَجه جر "أبي" فِي قَوْله "أبي شهَاب" وَفِي ط، ش، س "فَيُقَال، لهَذَا الْمعَارض: من بشر وَأَبُو شهَاب الْخَولَانِيّ؟ " وَهُوَ الصَّوَاب إعرابًا. ٤ فِي ط، ش، س، "ونعيم بن أبي نعيم "دون ذكر "من" الاستفهامية. ٥ فِي ط، س، ش "عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄" قلت: تقدّمت تَرْجَمته صـ"١٧٢". ٦ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، تقدم صـ"١٦٨". ٧ حَمَّاد بن سَلمَة بن دِينَار الْبَصْرِيّ، أَبُو سَلمَة، ثِقَة، عَابِد، أثبت النَّاس فِي ثَابت، وَتغَير حفظه بِآخِرهِ من كبار الثَّامِنَة مَاتَ سنة ٦٧هـ، خت م وَالْأَرْبَعَة التَّقْرِيب ١/ ١٩٧.
[ ١ / ١٨٧ ]
عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ١ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ٢ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٣ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "آتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابَ الْجَنَّةِ فَيُفْتَحُ لِي فَأَرَى رَبِّي وَهُوَ عَلَى كُرْسِيِّهِ -أَوْ سَرِيرِهِ- فَيَتَجَلَّى لِي، فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا" ٤ فَهَذَا أَحَدُ الْحَوَاسِّ وَهُوَ النَّظَرُ بِالْعَيْنِ وَالتَّجَلِّي، رَوَاهُ٥ هَؤُلَاءِ المشهورن عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى رَغْمِ بشر.
ون ذَلِك مَا حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيبَة٦
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٧: عَليّ بن زيد بن عبد الله بن زُهَيْر بن عبد الله بن جدعَان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ، أَصله حجازي، وَهُوَ الْمَعْرُوف بعلي بن زيد بن جدعَان": ينْسب أَبوهُ إِلَيّ جد جده، ضَعِيف من الرَّابِعَة مَاتَ سنة ١٣١هـ وَقيل قبلهَا، بخ م وَالْأَرْبَعَة. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٧٥: الْمُنْذر بن مَالك بن قِطْعَة، بِضَم الْقَاف وَفتح الْمُهْملَة الْعَبْدي، العوقي بِفَتْح الْمُهْملَة وَالْوَاو ثمَّ قَاف، الْبَصْرِيّ، أَبُو نَضرة، بنُون ومعجمة سَاكِنة، مَشْهُور بكنيته، ثِقَة، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١٠٨هـ أَو ١٠٩هـ/ خت م وَالْأَرْبَعَة. ٣ ابْن عَبَّاس الصَّحَابِيّ تقدم صـ"١٧٢". ٤ ورد فِي صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ حَدِيث رقم ٧٤٤٠، ٣/ ٤٢٢ من طَرِيق آخر عَن أنس فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "فَأَسْتَأْذِن على رَبِّي فِي دَاره فَيُؤذن لي، فَإِذا وَقعت سَاجِدا". ٥ فِي س "رووا". ٦ فِي ط، ش "عمر بن شبة" وَفِي س "عمر بن أبي شيبَة" وَصَوَابه فِيمَا ظهر لي هُوَ مَا فِي الأَصْل، إِذْ لم أجد فِي تَهْذِيب الْكَمَال أَن عمر بن شبة روى عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَلَا أَن عُثْمَان الدَّارمِيّ روى عَنهُ، وَأما الَّذِي فِي س فَلم أَجِدهُ، وَالَّذِي أَثْبَتْنَاهُ هُوَ عُثْمَان بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان الْعَبْسِي، أَبُو الْحسن ابْن أبي شيبَة الْكُوفِي، ثِقَة، حَافظ، شهير، وَله أَوْهَام وَقيل، كَانَ لَا يحفظ الْقُرْآن من الْعَاشِرَة مَاتَ سنة ٣٩ وَله ٨٣ سنة، خَ م د س ق، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٣-١٤ وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٢/ ٩١٩ أَنه روى عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ.
[ ١ / ١٨٨ ]
عَن جرير بن عبد الحيمد١ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ٢ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ٣ عَن ابْن عَبَّاس ٤ قَالَ: "إِذْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعُوا لَهُ مِثْلَ سِلْسِلَةِ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّفْوَانِ"٥.
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٢٧: جرير عَن عبد الحميد بن قرط، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا طاء مُهْملَة الضَّبِّيّ الْكُوفِي، نزيل الرّيّ وقاضيها، ثِقَة، صَحِيح الْكتاب قيل: كَانَ آخر عمره يهم من حفظه مَاتَ سنة ٨٨هـ وَله ٧١ سنة، ع وَقَالَ فِي الكاشف ١/ ١٨٢: مَاتَ سنة ١٨٨. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٦٥: يزِيد بن أبي زِيَاد الْهَاشِمِي، مَوْلَاهُم، الْكُوفِي، ضَعِيف، كبر فَتغير، صَار يَتَلَقَّن، وَكَانَ شيعيًّا، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٣٦هـ، خت م وَالْأَرْبَعَة، وَذكر فِي الكاشف ٣/ ٢٧٨ أَنه روى عَن مَوْلَاهُ عبد الله بن الْحَارِث وَأبي جُحَيْفَة وَابْن أبي ليلى. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٠٨: عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي، أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي أَمِير الْبَصْرَة لَهُ رُؤْيَة، ولأبيه وجده صُحْبَة قَالَ ابْن عبد الْبر: أَجمعُوا على توثيقه مَاتَ سنة ٩٩هـ وَيُقَال: سنة ٨٤هـ/ ع. ٤ ابْن عَبَّاس الصَّحَابِيّ، تقدم صـ"١٧٢". ٥ فِي ط، ش "صلصلة" بدل "سلسة"، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ، انْظُر صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي/ كتاب التَّوْحِيد/ بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ الْآيَة حَدِيث رقم ٧٤٨١ جـ١٣ صـ"٤٥٣" من طَرِيق آخر عَن أبي هُرَيْرَة يبلغ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "إِذا قضى الله الْأَمر فِي السَّمَاء ضربت الْمَلَائِكَة بأجنحتها خضعانًا لقَوْله كَأَنَّهُ سلسة على صَفْوَان". وَفِي سنَن أبي دَاوُد، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، كتاب السّنة، بَاب فِي الْقُرْآن، حَدِيث رقم ٤٧٣٨ جـ٥ صـ"١٠٥-١٠٦" من طَرِيق آخر عَن ابْن مَسْعُود بِنَحْوِ لفظ البُخَارِيّ مَعَ زِيَادَة فِي آخِره إِلَّا أَنه قَالَ: "صلصلة كجر السلسلة".
[ ١ / ١٨٩ ]
وَهَذَا الْحَوَاسُّ الثَّانِي، بِأَسْمَاعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى رَغْمِ بِشْرٍ وَرِوَايَةِ بِشْرٍ، فَمَا تُغْنِي عَنْ بِشْرٍ رِوَايَتُهُ عَن هَؤُلَاءِ المغمورين إِ١ ذَا مَا كَذَّبَ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الْمَشْهُورِينَ مَعَ تَكْذِيبِ اللَّهِ إِيَّاهُ قَبْلُ، وَفِي كِتَابِهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١ وَ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ٢، وَقَالَ: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٣، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مُوسَى نَفْسَ كَلَامِهِ، وَسَيُكَلِّمُ مَنْ يَشَاءُ٤ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَيَانًا بِأَعْيُنِهِمْ، قَالَ الله٥ وَرَسُوله، وَيحسن٦ الْمَلَائِكَةُ بِكَلَامِهِ٧ عِنْدَ نُزُولِ وَحْيِهِ يُصْعَقُوا مِنْ شِدَّةِ حَوَاسِّهِ٨ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ٩ وَابْنُ مَسْعُودٍ١٠
_________________
(١) "صلصلة كجر السلسلة". ١ سُورَة النِّسَاء، آيَة "١٦٤". ٢ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "٢٥٣". ٣ سُورَة الْبَقَرَة، أَيَّة "١٧٤". ٤ فِي ط، ش "شَاءَ". ٥ فِي ط، ش، س "كَمَال قَالَ الله تَعَالَى" وَهُوَ أوضح. ٦ فِي س "وتحس". ٧ قَوْله: "بِكَلَامِهِ" لَيْسَ فِي س. ٨ فِي ط، س، ش "صَوته" وَهِي أوضح. ٩ تقدم صـ"١٧٢". ١٠ هُوَ عبد الله، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٥٠: عبد الله بن مَسْعُود بن غافل بمعمجة وَفَاء حبيب الْهُذلِيّ، أَبُو عبد الرَّحْمَن، من السَّابِقين الْأَوَّلين، وَمن كبار الْعلمَاء من الصَّحَابَة، مناقبه جمة، وَأمره عَليّ على الْكُوفَة، وَمَات سنة٣٢ أَو فِي الَّتِي بعْدهَا.
[ ١ / ١٩٠ ]
وَتَأَوَّلَا فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى١ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢ فَهَلْ مِنْ حَوَاسٍّ أَقْوَى مِنَ السَّمْعِ وَالنَّظَرِ؟.
فَمَنْ يَلْتَفِتُ إِلَى بِشْرٍ وَتَفْسِيرِ بِشْرٍ، وَيَتْرُكُ النَّاطِقَ مِنْ، كِتَابِ اللَّهِ وَالْمَأْثُورِ مِنْ قَول رَسُول الله٢ إِلَّا كل مخبول مخذول؟. ك٥ ب
_________________
(١) ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ الْآيَة رقم "٢٣" من سُورَة "سبأ"، قلت: وَمِمَّا أثر عَن ابْن مَسْعُود فِي ذَلِك، مَا ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَول الله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [الْبَقَرَة: من الْآيَة ٢٥٥] الأية ١٣/ ٤٥٢-٤٥٣ قَالَ: "وَقَالَ جلّ ذكره: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وَقَالَ مَسْرُوق عَن ابْن مَسْعُود: إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَوَات شَيْئا فَإِذا فرغ عَن قُلُوبهم وَسكن الصوات عرفُوا أَنه الْحق، وَنَادَوْا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ: قَالُوا: الْحَقَّ"، وَقَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح ٨/ ٥٣٨ فِي شَرحه على حَدِيث البُخَارِيّ رقم ٤٨٠٠ فِي بَاب ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ الْآيَة: "وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَير عَنهُ: فَلَا ينزل على أهل سَمَاء إِلَّا صعقوا". وَانْظُر مَا أسْندهُ الطَّبَرِيّ إِلَيّ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة فِي تَفْسِيره الْجَامِع بهامشه تَفْسِير الغرائب للنيسابوري٢٢/ ٦٢-٦٣. ٣ فِي ط، س، ش "مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".
[ ١ / ١٩١ ]
ثُمَّ طَعَنَ الْمُعَارِضُ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَرُدَّهُ١ بِتَأْوِيلِ ضَلَالٍ وَبِقِيَاسِ مُحَالٍ، فَقَالَ: لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ فَتَسْتَوْصِفَهُ.
فَنَظَرْنَا إِلَى مَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ٢: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ٣ و﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤ وَرُوِيَ فِيهِ أَقَاوِيلُ مُسْنَدَةٌ، وَغَيْرُ مُسندَة، فلابد٥ مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ.
فَيَزْعُمُ الْمُعَارِضُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ٦ رَوَى عَنْ أَبِيهِ٧ عَن أبي حنيفَة٨،.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "ليردها" وَفِي س "ليرد". ٢ فِي ط، س، ش "قَوْله تَعَالَى". ٣ سُورَة الْأَنْعَام، أَيَّة "١٠٣". ٤ سُورَة الْقِيَامَة، آيَة "٢٢-٢٣". ٥ فِي ط، س، ش "ولابد". ٦ عُمَرَ بْنَ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حنيفَة، روى عَن أَخِيه إِسْمَاعِيل، تفقه على أَبِيه حَمَّاد رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا، "بِتَصَرُّف من الْجَوَاهِر المضيئة فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة لِابْنِ أبي الوفا ١/ ٣٩٠. ٧ قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ١/ ٥٩٠: حَمَّاد بن أبي حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت، ضعفه ابْن عدي وَغَيرهم من قبل حفظه، وَفِي الْجَوَاهِر المضيئة فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة ١/ ٢٢٦ ذكر أَنه تفقه على أَبِيه فَأفْتى فِي زَمَنه قَالَ: وَهُوَ فِي طبقَة أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَالْحسن بن زِيَاد، توفّي سنة ١٧٠هـ. ٨ فِي س "روى عَن أَبِيه حنيفَة" وَصَوَابه مَا أثبتاه كَمَا فِي الأَصْل وط، ش، قلت: وَأَبُو حنيفَة هُوَ النُّعْمَان بن ثَابت الْكُوفِي، وَأَبُو حنيفَة، الإِمَام يُقَال، أَصله من فَارس، وَيُقَال: مولى بن تيم، فَقِيه مَشْهُور، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ٥٠هـ على الصَّحِيح، وَله سَبْعُونَ سنة/ ت. س. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٣٠٣، وَانْظُر الكاشف ٣/ ٢٠٥.
[ ١ / ١٩٢ ]
"أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ كَمَا يَشَاءُ أَنْ يَرَوْهُ"١.
فَبَيَّنَ فِي ذَلِكَ٢ صِفَاتِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ: "لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ"، يَعْنِي الْمَرِيسِيَّ ونظرائه الَّذِينَ قَالُوا: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنَّ٣ تَفْسِيرَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَرَى يَوْمَئِذٍ آيَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: رَآهُ يَعْنِي٤ أَفْعَالَهُ، وَأُمُورَهُ وَآيَاتِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ٥ فَالْمَوْتُ لَا يُرَى وَهُوَ مَحْسُوسٌ إِنَّمَا يُدْرَكُ عَمَلُ الْمَوْتِ فَإِنْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ٦ أَرَادَ هَذَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِمَا أَرَادَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي وَوَكَّلْنَا تَفْسِيرَهَا وَصِفَتَهَا إِلَى الله٧.
_________________
(١) ١ هَذَا الْأَثر مَوْقُوف على أبي حنيفَة، وَفِي إِسْنَاده ضعف كَمَا أَنِّي لم أَجِدهُ بِمَا بَين يَدي من المصادر الَّتِي هِيَ مظان وجوده، وَلَعَلَّه مِمَّا احتلقه الْمعَارض وأسنده إِلَى أبي حنيفَة ﵀، يُؤَيّدهُ أَن الْمُؤلف يشكك فِي نِسْبَة هَذَا القَوْل إِلَى أبي حنيفَة كَمَا يَتَّضِح من سِيَاق كَلَامه. ٢ فِي ط، ش "فَبين فِي ذَلِك أَن صِفَات هَذِه الْأَحَادِيث". ٣ فِي الأَصْل وس "إِن" بِكَسْر الْهمزَة، وَفِي ط، ش بِفَتْحِهَا. ٤ فِي س "بِعَين". ٥ سُورَة آل عمرَان، آيَة "١٤٣". ٦ هُوَ النُّعْمَان بن ثَابت، تقدم ص"١٩٢". ٧ فِي ط، ش، ش "إِلَى الله تَعَالَى".
[ ١ / ١٩٣ ]
فَيُقَالُ لِهَذَا التَّائِهِ، الَّذِي لَا يدْرِي مايخرج مِنْ رَأْسِهِ وَيَنْقُضُ آخِرُ كَلَامِهِ أَوَّلَهُ: أَلَيْسَ قَدِ ادَّعَيْتَ فِي أَوَّلِ كَلَامِكَ أَنَّهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنَّهُ يَرَى آيَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: رَآهُ. ثُمَّ قُلْتَ فِي آخِرِ كَلَامِكَ: فَقَدْ وَكَّلْنَا تَفْسِيرَهَا إِلَى اللَّهِ، أَفَلَا وَكَّلْتَ التَّفْسِيرَ إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تُفَسِّرَهُ؟.
وَزَعَمْتَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ كلامك أَنه لابد مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعْتَ عَنْ قَوْلِكَ فَقُلْتَ: لَا، بَلْ١ نَكِلُهُ إِلَى اللَّهِ، فَلَوْ كَانَ لَكَ نَاصِحٌ يَحْجُرُ٢ عَلَيْكَ الْكَلَامَ!.
وَالْعَجَبُ مِنْ جَاهِلٍ فَسَّرَ لَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَفْسِيرَ الرُّؤْيَةِ مَشْرُوحًا مُخْلَصًا٣ ثُمَّ يَقُولُ: إِنْ كَانَ كَمَا فَسَّرَ٤ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَدْ آمَنَّا بِاللَّهِ.
وَلَوْ قُلْتَ: أَيُّهَا الْمُعَارِضُ: آمَنَّا بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفَسَّرَهُ، كَانَ أَوْلَى بِكَ٥ مِنْ أَنْ تَقُولَ: آمَنَّا بِمَا فَسَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ٦، وَلَا تَدْرِي قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ؟.
_________________
(١) ١ فِي س "لابد" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٢ فِي ط، س، ش "لحجر عَلَيْك الْكَلَام". ٣ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ١/ ٨٧٧ مَادَّة" خلص": "التخليص: التنجية من كل منشب، تَقول: خلصته من كَذَا تخليصًا أَي نجيته تنجية فتخلص، وتخلصه تخلصًا كَمَا يتَخَلَّص الْغَزل إِذا الْتبس". ٤ فِي س "كَمَا فسره". ٥ لَفْظَة "بك" لَيست فِي س. ٦ تقدّمت تَرْجَمته، ص"١٩٢".
[ ١ / ١٩٤ ]
وَهَلْ تَرَكَ النَّبِيُّ -ﷺ- الرُّؤْيَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ١ وَالْمَرِيسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُتَأَوِّلِينَ مَوْضِعَ تَأَوُّلٍ، إِلَّا وَقَدْ فَسَّرَهُ وَأَوْضَحَهُ بِأَسَانِيدَ أَجْوَدَ مِنْ عُمَرَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ.
رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ٢ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ٣ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ٤ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُمَا سَحَابٌ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ" ٥
_________________
(١) ١ تقدم صـ"١٩٢". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٦٨: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد الأحمسي مَوْلَاهُم البَجلِيّ، ثِقَة من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة ٤٦ع/. وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١/ ٢٩١ أَنه روى عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَأكْثر عَنهُ. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٢٧ -قيس بن أبي حَازِم البَجلِيّ، أَبُو عبد الله الْكُوفِي، ثِقَة، من الثَّانِيَة، مخضرم، وَيُقَال: لَهُ رُؤْيَة، وَهُوَ الَّذِي يُقَال إِنَّه اجْتمع لَهُ أَن يروي عَن الْعشْرَة، مَاتَ بعد التسعين، أَو قبلهَا، وَقد جَاوز الْمِائَة، وَتغَير، ع. ٤ جرير بن عبد الله بن جَابر البَجلِيّ، صَحَابِيّ مَشْهُور، مَاتَ سنة ٥١هـ، وَقيل بعْدهَا، ع. انْظُر التَّقْرِيب ١/ ١٢٧، انْظُر، الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ١/ ٢٣٤-٢٣٧، وَأسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ١/ ٢٧٩-٢٨٠، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ١/ ٢٣٣-٢٣٤، وتهذيب التَّهْذِيب ٢/ ٧٣-٧٥. ٥ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرح الْفَتْح، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ حَدِيث رقم ٧٤٣٤، ١٣/ ٤١٩ من طَرِيق إِسْمَاعِيل، عَن قيس، عَن جرير قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نظر إِلَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر قَالَ: "إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ هَذَا الْقَمَر لَا تضَامون فِي رُؤْيَته.. الحَدِيث " وَانْظُر "الحَدِيث بعده رقم ٧٤٣٦ جـ١٣ صـ"٤١٩". قلت: وسرد ابْن الْقيم ﵀ أَسمَاء من رووا هَذَا الحَدِيث عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي كِتَابه حادي الْأَرْوَاح صـ"٢٢٤-٢٢٥" فَوجدت أَنهم زادوا على =
[ ١ / ١٩٥ ]
وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١.
فَكَيْفَ تَسْتَحِلُّ أَنْ تَقُولَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة٢ وَلَا يحْتَمل أَنْ يَكُونَ٣ كَمَا فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَرَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ كَمَا يَشَاءُ، كَمَا رَوَيْتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ -إِنْ كَانَ قَالَهُ- وَلَكِنْ قَالَ: "كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهُمَا سَحَابٌ" ٤ فَالتَّفْسِيرُ مَقْرُونٌ بِالْحَدِيثِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ. فَمَنِ اضْطَرَّ النَّاسَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ إِلَى الْأَخْذِ بِالْمُبْهَمِ مِنْ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ -إِنْ كَانَ قَالَهُ- مَعَ تَرْكِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْمَنْصُوصِ الْمُفَسَّرِ؟
_________________
(١) = الْمِائَة ثمَّ قَالَ: "كَأَنَّكَ تَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَقُول ويبلغه لأمته وَلَا شَيْء أقرّ لأعينهم مِنْهُ، وَشهِدت الْجَهْمِية، والفرعونية والرافضة والقرامطة والباطنية وفروخ الصائبة وَالْمَجُوس، واليونان بِكفْر من اعْتقد ذَلِك وَأَنه من أهل التَّشْبِيه والتجسيم وتابعهم على ذَلِك كل عَدو للسّنة وَأَهْلهَا. وَالله تَعَالَى نَاصِر كِتَابه وَسنة رَسُوله وَلَو كره الْكَافِرُونَ". وَأوردهُ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي فَتَاوَاهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجلِيّ ﵁ وَقَالَ: "وَهَذَا الحَدِيث من أصح الْأَحَادِيث على وَجه الأَرْض المتلقاة بِالْقبُولِ، الْمجمع عَلَيْهَا عِنْد الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ وَسَائِر أهل السّنة" انْظُر: مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٦/ ٤٢١. ١ فِي س، ش "مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ". ٢ تقدّمت تَرْجَمته، ص"١٩٢". ٣ فِي ط، س، ش "وَلَا يحْتَمل أَن يكون عنْدك". ٤ انْظُر تَخْرِيج الحَدِيث قبله.
[ ١ / ١٩٦ ]
هَذَا إِذًا ظُلْمٌ عَظِيمٌ وَجَوْرٌ جَسِيمٌ.
وَأما قلولك: وَلَمْ تَرَهُ عَيْنٌ فَتَسْتَوْصِفَهُ. فَلَوِ احْتَجَّ بِهَذَا صَبِيٌّ صَغِيرٌ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا قُلْتَ: جَهَالَةً. أَفَرَأَى أَهْلَ١ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَمَا فِيهِمَا بِعَيْنِهِ٢ فَتَسْتَوْصِفَهُ؟! وَهَلْ يَصِفُهُمَا وَيَصِفُ٣ مَا فِيهِمَا إِلَّا بِمَا وَصَفَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ فِي الْجَنَّةِ حُورًا عِينًا وَطَعَامًا وَشَرَابًا وَنَخْلًا٤ ورمانًا وشجرًا قصورًا مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ، وَلِبَاسًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، وَحِريرًا٥ وَمَا أَشْبَهَهَا. وَكَذَلِكَ النَّارُ فِيهَا أَنْكَالٌ وَقُيُودٌ وَمَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، وَأَغْلَالٌ وَسَلَاسِلُ وَحَمِيمٌ٦ وَزَقُّومٌ. أَفَتَصِفُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ عَمَّنْ٧ رَآهَا٨ بِعَيْنِهِ٩ أَوْ عَمَّا١٠ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَخْبَرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١١؟ وَكَذَلِكَ تَصِفُ رُؤْيَةَ اللَّهِ وَتُفَسِّرُهَا عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ وَإِنْ لَمْ ترَاهُ
_________________
(١) ١ فَفِي ط، ش، س "أفرأى أحد الْجنَّة" وَهُوَ أوضح. ٢ فِي ط، ش، س "بِعَيْنيهِ". ٣ فِي ط، ش، س "وَهل نصفهما وَنصف مَا فيهمَا". ٤ فِي ط، ش، س "ونخيلا". ٥ فِي ط، ش، س "وحرير" بِالْجَرِّ، وَلكُل مِنْهُمَا وَجه، فبالجر عطفا على "سندس واستبرق"وَبِالنَّصبِ عطفا على "لباسًا" وَمَا قبلهَا. ٦ لَفْظَة "حميم" لَيست فِي ط، ش، س. ٧ فِي الأَصْل "عَن من". ٨ فِي ط، ش، س "رآهما". ٩ فِي ط، ش، س "بِعَيْنيهِ". ١٠ فِي ط، ش، س "أَو بِمَا". ١١ لَيْسَ فِي ط، ش، س لفظ النَّبِيِّ ﷺ.
[ ١ / ١٩٧ ]
عَيْنٌ تَسْتَوْصِفُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى١: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٢ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمُ اللَّهَ جَهْرًا ٣ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ٤ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" ٥ فَأَخَذْنَا هَذَا الْوَصْفَ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ كَمَا أَخَذْنَا صِفَةَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ عَنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ نَرَ شَيْئًا مِنْهُمَا بِأَعْيُنِنَا، وَلَا أَخْبَرَنَا عَنْهُمَا من رآهما بعينية. فَتَدَبَّرْ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ كَلَامَكَ ثُمَّ تكلم، فلوا احْتَجَّ بِمَا احْتَجَجْتَ بِهِ صَبِيٌّ لم يبلغ الْحِنْث٦ مازاد.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَيْتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ٧ -إِنْ صَدَقَتْ عَنْهُ رِوَايَتُكَ أَنَّهُ ذَهَبَ فِي الرُّؤْيَةِ إِلَى أَنْ ٨ يَرَوْا٩ لِآيَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأُمُورِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: رَآهُ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ حُجَجِ الصِّبْيَانِ لَمَّا أَنَّ آيَاتِهِ وَأُمُورَهُ وأفعاله١٠ مرئية
_________________
(١) ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، ش، س. ٢ سُورَة الْقِيَامَة، آيَة "٢٢-٢٣". ٣ فِي ط، ش "جهرة". ٤ لفظ: "يَوْم الْقِيَامَة" لَيْسَ فِي س. ٥ تقدم تَخْرِيجه، صـ"١٩٥". ٦ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ١/ ٧٣٤ مَادَّة "حنث"، قَالَ: "وَبلغ الْغُلَام الْحِنْث أَي الْإِدْرَاك وَالْبُلُوغ، وَقيل: إِذا بلغ مبلغا جرى عَلَيْهِ الْقَلَم بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَة" بِتَصَرُّف. ٧ تقدّمت تَرْجَمته، صـ"١٩٢". ٨ فِي ط، ش، "إِلَى أَنهم". ٩ فِي ش "يرَوْنَ "وَصَوَابه حذف النُّون. ١٠ من قَوْله: "فَيجوز أَن يُقَال: رَآهُ" إِلَى قَوْله: "وأموره وأفعاله" لَيست فِي س، ش وَلَعَلَّه سقط سَهوا وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى.
[ ١ / ١٩٨ ]
مَنْظُورٌ إِلَيْهَا فِي الدُّنْيَا كُلَّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ فَمَا مَعْنَى تَوْقِيتِهَا وَتَحْدِيدِهَا وَتَفْسِيرِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَقَدْ جَهِلَ، وَإِنْ١ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتَ وَرَوَيْتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ٢ مَا خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُونَ الْأَيَّامِ.
فَفِي دَعْوَاكَ: يَجُوزُ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَرَى رَبَّنَا فِي الدُّنْيَا كُلَّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ، لما أَنَّهُمْ يَرَوْنَ كُلَّ سَاعَةٍ وَكُلَّ لَيْلَةٍ وَكُلَّ يَوْمٍ٣ أُمُورَهُ وَآيَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ، فَقَدْ بَطُلَ فِي دَعْوَاكَ قَوْله٤: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ٥؛ لِأَنَّ الْأَبْصَارَ كُلَّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ تُدْرِكُ أُمُورَهُ وَآيَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَأَنْكَرْتُمْ عَلَيْنَا رُؤْيَتَهُ فِي الْآخِرَةِ وَأَقْرَرْتُمْ بِرُؤْيَةِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، لَمَّا أَنَّهُمْ جَمِيعًا لَا يَزَالُونَ يَرَوْنَ آيَاتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فخالقهم بِسُلُوكِ هَذِهِ الْمحُجَّةِ جَمِيعَ الْعَالَمِينَ، وَرَدَدْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى٦: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ إِذا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ رُؤْيَتَهُ يَعْنِي إِدْرَاكَ آيَاتِهِ وَأُمُورِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَأَمَّا دَعْوَاكَ: أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى٧: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ
_________________
(١) ١ كَذَا فِي جَمِيع النّسخ، والأوضح فِي هَذَا الْمقَام أَن يُقَال: "وَلَو" بدل: "وَإِن". ٢ أَبُو حنيفَة -﵀- تقدم ص"١٩٢". ٣ فِي ط، س، ش "وكل يَوْم وكل لَيْلَة". ٤ لفظ: "قَوْله" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ١٩٩ ]
الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ١ فَلَوْ قَدْ عَقَلْتَ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَفِيمَ٢ أُنْزِلَتْ، لَكَانَ احْتِجَاجُكَ إِقْرَارًا٣ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ عَيَانًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ كَانَتْ رُؤْيَةَ عَيَانٍ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ رُؤْيَةُ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ، فَقَدْ رَأَوْهُ بِأَعْيُنِهِمْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، فَلَمْ يَصْبِرُوا لَهُ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ غَابُوا عَنْ مَشْهَدِ بَدْرٍ فَقَالُوا: "لَئِنْ أَرَانَا اللَّهُ قِتَالًا لَيَرَيَنَّ مَا نَصْنَعُ، وَلَنُقَاتِلَنَّ" فَأَرَاهُمُ اللَّهُ الْقِتَالَ عَيَانًا، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِأَعْيُنِهِمْ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ وَلَمْ يَصْبِرُوا لِلْقِتَالِ، فَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ٤ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى٥: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ٦ فَكَانَ هَذَا
_________________
(١) ١ سُورَة آل عمرَان آيَة "١٤٣". ٢ فِي ط، ش "وَفِيمَا". ٣ فِي الأَصْل "إِقْرَار" بِالرَّفْع وَصَوَابه النصب؛ لِأَنَّهَا خبر كَانَ. ٤ فِي ط، س، ش "فَعَفَا عَنْهُم". ٥ لفظ "الله تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ سُورَة آل عمرَان، أَيَّة "١٤٣"، وَفِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة ذكر ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره أَن قوما مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّن لم يشهدو بَدْرًا. كَانُوا يتمنون قبل أحد يَوْمًا مثل يَوْم بدر فيبلوا الله من أنفسهم خيرا، وينالوا من الْأجر مثل مَا نَالَ أهل بدر، فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد فر بَعضهم وصبر بَعضهم حَتَّى أوفى بِمَا كَانَ عَاهَدَ الله قبل ذَلِك، فعاتب الله من فر مِنْهُم فَقَالَ، ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ الْآيَة، وَأثْنى على الصابرين مِنْهُم والموفين بعهدهم، ثمَّ ذكر الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي ذَلِك بأسنايد إِلَى مُجَاهِد وَقَتَادَة وَالربيع وَالْحسن وَابْن إِسْحَاق وَغَيرهم، وَانْظُر "جَامع الْبَيَان للطبري تَحْقِيق وَتَخْرِيج مَحْمُود شَاكر وَأحمد شَاكر ٧/ ٢٤٨-٢٥٠، قلت: وَكَانَ مِمَّن ثَبت فِي المعركة أنس بن النَّضر ﵁ كَمَا يدل لذَلِك الْخَبَر الْمَذْكُور بعده.
[ ١ / ٢٠٠ ]
رُؤْيَةَ عَيَانٍ لَا رُؤْيَةَ خَفَاءٍ. حَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ٢، عَنْ ثَابِتٍ٣، عَنْ أَنَسٍ٤ قَالَ: "تَغَيَّبَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ٥ عَنْ بَدْرٍ فَقَالَ: تَغَيَّبْتُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لإن أَرَانِي الله قتالًا
_________________
(١) ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم صـ"١٦٨". ٢ حَمَّاد بن سَلمَة، تقدم صـ"١٨٧". ٣ ثَابت بن أسلم الْبنانِيّ: تضم الْمُوَحدَة ونونين مخففين، أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ، ثِقَة، عَابِد، من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة بضع وَعشْرين وَله سِتّ وَثَمَانُونَ، ع، انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ١١٥، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٢/ ٢ أَنه روى عَن أنس وَعنهُ الحمادان. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٨٤: أنس بن مَالك بن النَّضر الْأنْصَارِيّ الخزرجي، خَادِم رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، خدمه عشر سِنِين، صَحَابِيّ مَشْهُور، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ، وَقيل ثَلَاث وَتِسْعين وَقد جَاوز الْمِائَة، ع، انْظُر الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر، ذيل الْإِصَابَة ١/ ٤٤-٤٥، وَأسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ١/ ١٢٧-١٢٩، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ١/ ٨٤-٨٥ وتهذيب التَّهْذِيب ١/ ٣٧٦-٣٧٩. ٥ فِي ط، ش، "أنيس" بِالتَّصْغِيرِ وصوابهما أَثْبَتْنَاهُ. وَهُوَ الَّذِي سمي بِهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فقد قَالَ: "عمي الَّذِي سميت بِهِ لم يشْهد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا" انْظُر: صَحِيح مُسلم ٣/ ١٥١٢، قلت: وَهُوَ أنس بن النَّضر بن ضَمْضَم الْأنْصَارِيّ الخزرجي عَم أنس بن مَالك قتل يَوْم أحد شَهِيدا، قَالَ أنس فَوَجَدنَا بِهِ بضعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَة بِسيف أَو طعنة بِرُمْح أَو رمية بِسَهْم، ووجدناه قد قتل وَمثل بِهِ الْمُشْركُونَ فَمَا عَرفته أُخْته الرّبيع بنت النَّضر إِلَّا ببنانه. "بِتَصَرُّف من أَسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ١/ ١٣١-١٣٢، والإصابة لِابْنِ حجر بهامشه الِاسْتِيعَاب ١/ ٧٤".
[ ١ / ٢٠١ ]
لَيَرَيَنَّ مَا أَصْنَعُ"١.
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ٢، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ٣، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ٥ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ ٦ قَالَ: كَانَ أُنَاسٌ لَمْ يَشْهَدُوا
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "لأرين الله مَا أصنع" وَفِي س" ليرين الله مَا أصنع" قلت: والْحَدِيث أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٣/ ٢٥٣ قَالَ: حَدثنَا عبد الله، حَدثنِي أبي، ثَنَا عَفَّان، ثَنَا حَمَّاد قَالَ: أَنا ثَابت عَن أنس بن النَّضر تغيب عَن قتال بدر فَقَالَ: "تغيب عَن أول مشْهد شهده النَّبِيِّ ﷺ لَئِن رَأَيْت قتالًا ليرين الله مَا أصنع " الحَدِيث وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الأمارة بَاب ثُبُوت الْجنَّة للشهيد، حَدِيث رقم ١٤٨، ٣/ ١٥١٢ عَن أنس بِنَحْوِهِ. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٠٠: الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن نصر النَّرْسِي: بِفَتْح النُّون وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا مُهْملَة، ثِقَة من الْعَاشِرَة مَاتَ سنة ٣٨/ خَ م س، وَفِي حَاشِيَة الكاشف ٢/ ٩٢ قَالَ: النَّرْسِي بِفَتْح النُّون وَسُكُون الرَّاء نِسْبَة إِلَى نرس نهر بِالْكُوفَةِ عَلَيْهِ عدَّة قرى. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ٣٦٤ يزِيد بن زُرَيْع بِتَقْدِيم الزَّاي مُصَغرًا، الْبَصْرِيّ أَبُو مُعَاوِيَة ثِقَة، ثَبت، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٨٢/ ع. ٤ هُوَ سعيد بن أبي عرُوبَة، مهْرَان: الْيَشْكُرِي، مَوْلَاهُم، أَبُو النَّضر الْبَصْرِيّ ثِقَة، حَافظ، لَهُ تصانيف، لكنه كثير التَّدْلِيس، وَاخْتَلَطَ، وَكَانَ من أثبت النَّاس فِي قَتَادَة، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ٥٦ وَقيل: ٧٥/ ع. انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٣٠٢، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٤/ ٦٣: روى عَن قَتَادَة وَعنهُ يزِيد بن زُرَيْع. ٥ قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي، تقدم ص"١٨٠" وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٨/ ٣٥٣ أَن سعيد بن أبي عرُوبَة روى عَنهُ. ٦ فِي ط، س، ش "زِيَادَة ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ وَالْآيَة من سُورَة آل عمرَان أَيَّة "١٤٣".
[ ١ / ٢٠٢ ]
بَدْرًا، وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَرَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا١ فَهَذِهِ رُؤْيَةُ عَيَانٍ لَا رُؤْيَةُ خَفَاءٍ.
فَإِنْ أَنْكَرْتَ مَا قُلْنَا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْمَوْتَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، قَالَ: "يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ" ٢.
_________________
(١) ١ سبق وَأَن أَشَرنَا إِلَى سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة صـ"٢٠٠" إِجْمَالا والمروي عَن قَتَادَة أخرجه ابْن جرير فِي تفسييره الْجَامِع ٤/ ٧١ قَالَ: حَدثنَا بشر قَالَ: ثَنَا يزِيد قَالَ: ثَنَا سعيد عَن قَتَادَة قَوْله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أنَاس من الْمُؤمنِينَ لم يشْهدُوا يَوْم بدر وَالَّذِي أعْطى الله أهل بدر من الْفضل والشرف وَالْأَجْر فَكَانُوا يتمنون أَن يرزقوا قتالًا فيقاتلوا فسيق إِلَيْهِم الْقِتَال حَتَّى كَانَ فِي نَاحيَة الْمَدِينَة يَوْم أحد. فَقَالَ الله كَمَا تَسْمَعُونَ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ -حَتَّى بلغ- الشَّاكِرِينَ﴾ . ٢ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحَة بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّفْسِير، بَاب الْخُدْرِيّ ﵁ مَرْفُوعا بِلَفْظ "يُؤْتى بِالْمَوْتِ كَهَيئَةِ كَبْش أَمْلَح فينادي مُنَاد: يَا أهل الْجنَّة، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُول هَل تعرفُون هَذَا؟ فَيَقُول: نعم هَذَا الْمَوْت وَكلهمْ قدرآه ثمَّ يُنَادي: يَا أهل النَّار، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُول: هَل تعرفُون هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نعم هَذَا الْمَوْت، وَكلهمْ قد رَآهُ فَيذْبَح ثمَّ يَقُول، يَا أهل الْجنَّة، خُلُود فَلَا موت، يَا أهل النَّار خُلُود فَلَا موت" إِلَخ وَانْظُر: الْمسند بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ٢/ ٣٧٧، ٣/ ٩.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وَلَوْلَا كَثْرَة مَا يستنكر الْحَقَّ وَيَرُدُّهُ١ بِالْجَهَالَةِ لَمْ نَشْتَغِلْ بِكُلِّ هَذِهِ الْمُنَازَعَةِ فِي الرُّؤْيَةِ لَمَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَّرَها تَفْسِيرًا لَمْ يَدَعْ فِيهِ لِمُتَأَوِّلٍ٢ فِيهَا مَقَالًا، إِلَّا أَنْ يُكَابِرَ رَجُلٌ غَيْرَ٣ الْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: " هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: هَلْ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ صَحْوًا؟ فَكَذَلِكَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَته " ٤ حدّثنَاهُ٥ نعيم٦
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش، "وَلَولَا كَثْرَة مَا تستنكر الْحق وترده بالجهالة" وَهُوَ الأولى. ٢ فِي ط، ش "لأحد فِيهَا مقَالا". ٣ فِي ط، س، ش "عين الْحق". ٤ أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا: انْظُر صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . حَدِيث رقم ٧٤٣٧، ١٣/ ٤١٩ من طَرِيق آخر عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعا أَن النَّاس قَالُوا: يَا رَسُول الله هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَل تضَارونَ فِي الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُول الله قَالَ: فَهَل تضَارونَ فِي الشَّمْس لَيْسَ دونهَا سَحَاب؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُول الله، قَالَ: فَإِنَّكُم تَرَوْنَهُ كَذَلِك " الحَدِيث، وَفِي الحَدِيث بعده رقم ٧٤٣٨ قَالَ عَطاء بن يزِيد وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ مَعَ أبي هُرَيْرَة: لَا يرد من حَدِيثه شَيْئا إِلَخ. وَانْظُر: صَحِيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْإِيمَان بَاب معرفَة طَرِيق الرُّؤْيَة، حَدِيث رقم ٢٩٩، ١/ ١٦٣-١٦٦. ٥ فِي س "حَدثنَا". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب بحاشية تعقيب التَّقْرِيب ٢/ ٥٢٥: نعيم بن حَمَّاد بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث الْخُزَاعِيّ، أَبُو عبد الله الْمروزِي، نزيل مصر، صَدُوق يُخطئ كثيرا، فَقِيه عَارِف بالفرائض، من الْعَاشِرَة مَاتَ سنة ٢٨ على الصَّحِيح وَقد تتبع ابْن عدي مَا أَخطَأ فِيهِ وَقَالَ: بَاقِي حَدِيثه مُسْتَقِيم، خَ فق د ق، وَانْظُر: تَهْذِيب التَّهْذِيب ١٠/ ٤٥٨.
[ ١ / ٢٠٤ ]
عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ١، عَنْ مَعْمَرٍ٢، عَنِ الزُّهْرِيِّ٣، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ٤، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٥ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ٦ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وحدثناه نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ٧، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سعيد٨
_________________
(١) ١ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم صـ"١٤٣". ٢ معمر بن رَاشد الْأَزْدِيّ مَوْلَاهُم، أَبُو عُرْوَة الْبَصْرِيّ، نزيل الْيمن، ثِقَة، ثَبت فَاضل، إِلَّا أَن فِي رِوَايَته عَن ثَابت وَالْأَعْمَش وَهِشَام بن عُرْوَة شَيْئا وَكَذَلِكَ فِيمَا حدث بِهِ بِالْبَصْرَةِ من كبار السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٥٤هـ وَهُوَ ابْن ٥٨ سنة، ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٦٦، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف: عَن الزُّهْرِيّ وَهَمَّام وَعنهُ غنْدر وَابْن الْمُبَارك وَعبد الرَّزَّاق، انْظُر: الكاشف ٣/ ١٦٤. ٣ الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن شهَاب، تقدم صـ"١٧٥". ٤ عَطاء بن زيد اللَّيْثِيّ، الْمدنِي، نزيل الشَّام، ثِقَة من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة خمس أَو سبع وَمِائَة وَقد جَاوز الثَّمَانِينَ، ع. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٣، وَقَالَ فِي الكاشف ٢/ ٢٦٧: وَعنهُ الزُّهْرِيّ وَسُهيْل وَأَبُو عبيد الْحَاجِب. ٥ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص”١٧٩". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٨٩: سعد بن مَالك بن سِنَان بن عبيد الْأنْصَارِيّ أَو سعيد الْخُدْرِيّ، لَهُ ولأبيه صُحْبَة واستصغر بِأحد ثمَّ شهد مَا بعْدهَا وروى الْكثير وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة ثَلَاث أَو أَربع أَو خمس وَسِتِّينَ، وَقيل: سنة أَربع وَسبعين، ع. وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٢/ ٤٤، وَأسد الغابة ٢/ ٢٨٩-٢٩٠، والإصابة ٢/ ٣٢-٣٣ وتهذيب التَّهْذِيب ٣/ ٤٧٩-٤٨٠. ٧ نعيم بن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ، تقدم ص”٢٠٤" وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١٤١٩ أَنه روى عَن إِبْرَاهِيم بن سعد. ٨ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَصَوَابه ابْن سعد، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٥: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيّ أَبُو إِسْحَاق الْمدنِي، نزيل بَغْدَاد، ثِقَة، حجَّة، تكلم فِيهِ بِلَا قَادِح، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٨٥/ ع، وَفِي ميزَان الِاعْتِدَال ١/ ٣٥ أَنه سمع من الزُّهْرِيّ، ثمَّ أَكثر عَن صَالح عَنهُ.
[ ١ / ٢٠٥ ]
عَنِ الزُّهْرِيِّ١، عَنْ عَطَاءِ بْنِ زيد اللَّيْثِيِّ٢، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٣، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَحَدَّثَنَا٤ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ٥، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ٦، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ٧، عَنْ عَطَاءِ بن يسَار٨
_________________
(١) ١ الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن شهَاب، تقدم ص"١٧٥" وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١٢٦٩ أَن إِبْرَاهِيم بن سعد روى عَنهُ. ٢ عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ، تقدم فِي الصفحة السَّابِقَة. ٣ فِي ط، س، ش "زِيَادَة" ﵁" قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص"١٧٩" والْحَدِيث تقدم تَخْرِيجه من طَرِيق أبي هُرَيْرَة قَرِيبا. ٤ فِي ط، س، ش "وحدثناه". ٥ عبد الله بن صَالح، تقدم ص"١٧١". ٦ اللَّيْث بن سعد بن عبد الرَّحْمَن الفهمي، أَبُو حَارِث، الْمصْرِيّ، ثِقَة، ثَبت فَقِيه، إِمَام مَشْهُور من السَّابِعَة، مَاتَ فِي شعْبَان سنة ٧٥/ ع انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٣٨. ٧ هِشَام بن سعد الْمدنِي، أَبُو عباد أَو أَبُو سعد، صَدُوق، لَهُ أَوْهَام وَرمي بالتشيع، من كبار السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٦٠ أَو قبلهَا خت م وَالْأَرْبَعَة، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٣١٨، وَفِي الْخُلَاصَة اللخزرجي ص"٤٠٦" أَنه روى عَن زيد بن أسلم فَأكْثر عَنهُ وَعنهُ اللَّيْث وَابْن مهْدي، قَالَ أَبُو دَاوُد: هُوَ أثبت النَّاس فِي زيد بن أسلم. ٨ عَطاء بن يسَار الْهِلَالِي، أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي، مولى مَيْمُونَة، ثِقَة فَاضل، صَاحب مواعظ وَعبادَة، من صغَار الثَّالِثَة، مَاتَ سنة٩٤ وَقيل: بعد ذَلِك/ ع. انْظُر التَّقْرِيب ٢/ ٢٦٧.
[ ١ / ٢٠٦ ]
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ١، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢.
وَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ٣ عَنْ أَبِي شِهَابٍ الْحَنَّاطِ ٤ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنُ أَبِي خَالِدٍ٥ عَنْ قَيْسِ بن أبي حَازِم٦
_________________
(١) ١ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، تقدم ص”٢٠٥". ٢ كَذَا ورد هَذَا الْإِسْنَاد فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَالَّذِي يظْهر أَن هُنَاكَ انْقِطَاعًا فِي السَّنَد بَين هِشَام بن سعد وَعَطَاء، إِذْ لم أجد هشامًا فِي تلاميذ عَطاء وَلَا أَن عَطاء من شُيُوخ هِشَام، وَقد جَاءَ عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يسَار، عَن أبي سعيد مَرْفُوعا "انْظُر: ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد بتحقيق هراس ص”١٥٦"، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الِاعْتِقَاد تَخْرِيج وَتَعْلِيق أَحْمد عِصَام ص”١٢٩"، قلت: وَأخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من طَرِيق يحيى بن بكر حَدثنَا اللَّيْث بن أسعد عَن خَالِد ين يزِيد عَن سعيد بن أبي هِلَال عَن زيد عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أبي سعيد مَرْفُوعا، وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من طَرِيق سُوَيْد بن سعيد قَالَ: حَدثنِي حَفْص بن ميسرَة عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سعيد مَرْفُوعا "انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه، الْفَتْح كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ حَدِيث رقم ٧٤٣٩، ١٣/ ٤٢٠، وَمُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْإِيمَان، بَاب معرفَة طَرِيق الرُّؤْيَة حَدِيث رقم ٣٠٢، ١/ ١٦٧. ٣ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس، تقدم ص"١٧٣". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٧١: عبد ربه بن نَافِع الْكِنَانِي، الحناط: بِمُهْملَة وَنون نزيل الْمَدَائِن، أَبُو شهَاب الْأَصْغَر، صَدُوق يهم، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٧١ أَو ٧٢، خَ م س ق. وَقَالَ فِي الكاشف ٢/ ١٥٤: وَعنهُ مُسَدّد وَأحمد بن يُونُس توفّي سنة ١٧٢هـ. ٥ فِي ط، ش "إِسْمَاعِيل بن خَالِد" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، تقدم ص”١٩٥". ٦ قيس بن أبي حَازِم، تقدم ص"١٩٥".
[ ١ / ٢٠٧ ]
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ١، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَحدثنَا٢ عَليّ بن الْمَدِينِيِّ٣، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ٤، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ٥. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ٦: لَا يَكُونُ مِنَ الْإِسْنَادِ شَيْءٌ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا٧.
وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ بَابًا كَبِيرًا فِي الْكتاب الأول٨ بأسنيدها، فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا وَلَمْ يَرْجُهَا كَانَ مِنَ الْمَحْجُوبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى٩.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش، س "﵁" قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص"١٩٥". والْحَدِيث من طَرِيق إِسْمَاعِيل، عَن قيس، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، تقدم تَخْرِيجه ص"١٩٥". ٢ فِي ط، ش، "وحدثناه". ٣ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، تقدم ص"١٥١". ٤ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، تقدم ص"١٧٥". ٥ إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، تقدم "١٩٥". ٦ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، تقدم ص"١٥١". ٧ وَفِي الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش ص"٥٤" عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ قَالَ: حَدثنَا بِهِ سِتَّة، عَن إِسْمَاعِيل: سُفْيَان، وهشيم، ووكيع، والمعتمر وَغَيرهم، قَالَ عَليّ: لَا يكون الْإِسْنَاد أَجود من هَذَا. ٨ هُوَ كِتَابه "الرَّد على الْجَهْمِية" وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك الْمُؤلف فِي مَوضِع آخر من هَذَا الْكتاب، حَيْثُ قَالَ: "وَقَدْ فَسَّرْنَا أَمْرَ الرُّؤْيَةِ وَرَوَيْنَا مَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الْآثَارِ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، الَّذِي أَمْلَيْنَاهُ فِي الْجَهْمِية" انْظُر، ص"٣٦٨"، وَانْظُر: الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف، بتحقيق زُهَيْر الشاويش ص"٥٣-٦٨". ٩ فِي ط، ش "قَالَ الله تَعَالَى فيهم".
[ ١ / ٢٠٨ ]
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: "مَنْ كَذَّبَ بِفَضِيلَةٍ لَمْ يَنَلْهَا"٢ وَقَدْ كَذَّبَتِ الْجَهْمِيَّةُ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ أَشَدَّ التَّكْذِيبِ.
وَكَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ٣ قَالَ: "من نَازع فِي الحَدِيث الرُّؤْيَة ظهر أَنه جهمي"٤.
_________________
(١) ١ سُورَة المطففين، آيَة "١٥". ٢ أوردهُ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِع الصَّغِير/ تَحْقِيق مُحَمَّد محيى الدَّين ٢/ ٥٠٦ بِلَفْظ "من بلغه عَن الله فَضِيلَة فَلم يصدق بهَا لم ينلها" وَعَزاهُ إِلَى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أنس، وَقَالَ عَنهُ: ضَعِيف. وَذكره أَيْضا السخاوي فِي الْمَقَاصِد الْحَسَنَة فِي تَعْلِيقه على حَدِيث رقم ١٠٩١ ص"٤٠٥" بِلَفْظ السُّيُوطِيّ، وَعَزاهُ إِلَى أبي يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُحَمَّد بن هِشَام الْمُسْتَمْلِي فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط. وَنَقله أَيْضا العجلوني فِي كشف الخفاء عَن السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِع الصَّغِير، بِمثل مَا ذكرنَا "انْظُر: كشف الخفاء ومزيل الألباس للعجلوني، تَصْحِيح وَتَعْلِيق أَحْمد القلاش ٢/ ٣٢٨. وَأوردهُ الألباني بِلَفْظ السُّيُوطِيّ وَقَالَ عَنهُ: مَوْضُوع النّظر: ضَعِيف الْجَامِع الصَّغِير وزيادته/ حَدِيث رقم ٥٥١٣، ٥/ ١٨١ وسلسلة الْأَحَادِيث الضعيفة حَدِيث رقم ٤٥٣ المجلد الأول ص"٤٥٨". ٣ عَليّ بن خشرم، تقدم ص"١٤٦". ٤ قلت: وَقد نقل أَيْضا عَن الإِمَام أَحْمد وَغَيره القَوْل بِأَن من أنكر الرُّؤْيَة فَهُوَ جهمي، وَنقل أَيْضا عَنْهُم القَوْل بتكفيرهم هم "انْظُر: البُخَارِيّ فِي خلق أَفعَال الْعباد ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف للنشار ص"١٢٩"، وَانْظُر من نَقله ابْن الْقيم أَيْضا فِي حادي الأوراح ص"٢٣٥-٢٤٠".
[ ١ / ٢٠٩ ]
بَابُ النُّزُولِ:
وَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ من دَاع. حدّثنَاهُ١ الْقَعْنَبِيُّ٢ وَابْنُ بُكَيْرٍ٣ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ٤ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ٥ عَن الْأَغَر٦
_________________
(١) ١ فِي ط، ش، س "حَدثنَا". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٥١: عبد الله بن مسلمة بن قعنب، القعْنبِي الْحَارِثِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن الْبَصْرِيّ، أَصله من الْمَدِينَة، وسكنها مُدَّة، ثِقَة، عَابِد، كَانَ ابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ لَا يقدمان عَلَيْهِ فِي الْمُوَطَّأ أحدا، من صغَار التَّاسِعَة، مَاتَ فِي أول سنة ٢١ بِمَكَّة، خَ م د ت س. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٥١: يحيى بن عبد الله بن بكير، المَخْزُومِي مَوْلَاهُم الْمصْرِيّ، وَقد ينْسب إِلَى جده، ثِقَة فِي اللَّيْث، وَتَكَلَّمُوا فِي سَمَاعه من مَالك، من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٣١هـ وَله ٧٧ خَ م ق. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب: مَالك بن أنس بن أبي عَمْرو والأصبحي، أَبُو عبد الله، الْمدنِي، الْفَقِيه، إِمَام دَار الْهِجْرَة، رَأس الْمُتَّقِينَ وكبير المثبتين، حَتَّى قَالَ البُخَارِيّ: أصح الْأَسَانِيد كلهَا: مَالك عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، من السَّابِعَة مَاتَ سنة ٧٩هـ وَكَانَ مولده سنة ٩٣هـ وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: بلغ ٩٠ سنة، ع. ٥ ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، تقدم ص"١٧٥". ٦ الْأَغَر هُوَ سلمَان الْأَغَر أَبُو عبد الله الْمدنِي مولى جُهَيْنَة، أَصله من أَصْبَهَان، ثِقَة، من كبار الثَّالِثَة، ع، انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٣١٥، قَالَ فِي الكاشف ١/ ٣٨٣: عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي أَيُّوب وَعنهُ الزُّهْرِيّ وَبُكَيْر بن الْأَشَج.
[ ١ / ٢١٠ ]
وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ١، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٢ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَنْزِلُ رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِينَ ٣ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخر فَيَقُول: من يدعني ٤ أستجيب ٥ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ ".
حَدَّثَنَا أَبُو عمر الحوضي٧
_________________
(١) ١ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، تقدم ص"١٧٦". ٢ "﵁" لم ترد فِي ط، ش، س، وَأَبُو هُرَيْرَة صَحَابِيّ تقدم ص"١٧٩". ٣ فِي ط، ش "حَتَّى". ٤ فِي ط، ش، س "يدعوني". ٥ فِي ط، ش، س "أستجيب" دون ذكر "لَهُ". ٦ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّهَجُّد، بَاب الدُّعَاء وَالصَّلَاة من آخر اللَّيْل، حَدِيث رقم ١١٤٥، ٣/ ٢٩ قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن مسلمة، عَن مَالك بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ: "ينزل رَبنَا ﵎ كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخر يَقُول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ". وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، كتاب السّنة، بَاب الرَّد على الْجَهْمِية، حَدِيث رقم ٤٧٣٣، ٥/ ١٠٠-١٠٣ قَالَ: حَدثنَا القعْنبِي عَن مَالك بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة فِي آخِره. ٧ جَاءَ فِي التَّقْرِيب تَحْقِيق وَتَعْلِيق عبد الْوَهَّاب عبد اللَّطِيف ١/ ١٨٧: "أَبُو عَمْرو" آخِره وَاو، وَفِي الطبعة الْهِنْدِيَّة "أَبُو عمر" وَهُوَ الصَّوَاب وَبِه جَاءَ عِنْد الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ٢٤١ والخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص"٨٧" وَفِي س، صحف "الحوضي" فَقَالَ: "الخرصي" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بعْدهَا رَاء ثمَّ الصَّاد الْمُهْملَة وَفِي الكاشف "الجوصي" بِالْجِيم ثمَّ الْوَاو وَالصَّاد الْمُهْملَة، وَصَوَابه "الحوضي" بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة كم أثبتنا وَبِه جَاءَ عِنْد ابْن الْأَثِير فِي اللّبَاب والخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص”١١٨": حَفْص بن عمر بن الْحَارِث بن سَخْبَرَة بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء وَفتح الْمُوَحدَة الْأَزْدِيّ النمري، بِفَتْح النُّون وَالْمِيم أَبُو عمر الحوضي وَهُوَ بهَا أشهر، عيب بِأخذ الْأُجْرَة على الحَدِيث، من كبار الْعَاشِرَة مَاتَ سنة ٢٥/ خَ د س انْتهى، فِي اللّبَاب ١/ ٤٠٢ أَن الحوضي نِسْبَة إِلَى الْحَوْض وَالْمَشْهُور بهَا أَبُو عمر حَفْص بن عمر بن الْحَارِث النمري الْمَعْرُوف بالحوضي.
[ ١ / ٢١١ ]
عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ١، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ٢ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ٣ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ٤ عَنْ رِفَاعَةَ الْجُهَنِي٥ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) ١ هِشَام بن أبي عبد الله سنبر، بِمُهْملَة ثمَّ نون مُوَحدَة، وزن جَعْفَر، أَبُو بكر الدستوَائي، بِفَتْح الدَّال وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفتح الْمُثَنَّاة ثمَّ مد، ثِقَة ثَبت وَقد رمي بِالْقدرِ، من كبار السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٥٤ وَله ٧٨ سنة، ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٣١٩. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٥٦: يحيى بن أبي كثير الطَّائِي، مَوْلَاهُم أَبُو نصر اليمامي، ثِقَة، ثَبت، لكنه يُدَلس وَيُرْسل، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٣٢، وَقيل قبل ذَلِك/ ع. ٣ هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٢٤: هُوَ ابْن عَليّ، وَقَالَ فِي نفس الْمصدر والصفحة: هِلَال بن عَليّ بن أُسَامَة العامري، الْمدنِي، وينسب إِلَى جده، ثِقَة من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة بضع عشرَة وَمِائَة/ ع. ٤ عَطاء بن يسَار، تقدم ص”٢٠٦". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٥١: رِفَاعَة بن عرابة: بِفَتْح الْمُهْملَة وَالرَّاء الْمُوَحدَة، الْجُهَنِيّ الْمدنِي، صَحَابِيّ لَهُ حَدِيث، س ق.
[ ١ / ٢١٢ ]
قَالَ: "إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ -أَوْ شَطْرُ اللَّيْلِ- يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَيّ السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي، فَمَنْ ١ يَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرْ لَهُ؟ مَنْ يَدْعُنِي ٢ أَسْتَجِبْ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي أُعْطِهِ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفجْر" ٣،
_________________
(١) ١ فِي ط، ش، س "من". ٢ فِي ط، ش، س "يدعوني". ٣ أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٤/ ١٦ قَالَ: حَدثنَا عبد الله حَدثنِي أبي، ثَنَا يحيى بن سعيد قَالَ حَدثنَا هِشَام -يَعْنِي الدستوَائي- بِهَذَا السَّنَد فِي آخِره بِلَفْظ: "إِذا مضى نصف اللَّيْل ينزل الله ﷿ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عبَادي أحدا غَيْرِي، من ذَا الَّذِي يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ من ذَا الَّذِي يدعوني فأستجب لَهُ؟ من ذَا الَّذِي يسألني فَأعْطِيه؟ حتي ينفجر الصُّبْح". وَأخرجه ابْن مَاجَه من طَرِيق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا مُحَمَّد بن مُصعب، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِسَنَد الدَّارمِيّ وَذكره، وَقَالَ، مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي: "فِي الزَّوَائِد مُحَمَّد بن مُصعب ضَعِيف، قَالَ صَالح بن مُحَمَّد: عَامَّة أَحَادِيث، عَن الْأَوْزَاعِيّ مَقْلُوبَة"، انْظُر: سنَن ابْن مَاجَه، بترتيب مُحَمَّد فؤاد، كتاب إِقَامَة الصَّلَاة، بَاب ماجاء فِي أَي سَاعَات اللَّيْل أفضل، حَدِيث رقم ١٣٦٧، ١/ ٤٣٥. قلت: وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد، بتحقيق مُحَمَّد خَلِيل هراس ص "١٣٢-١٣٣" من طَرِيق هِشَام وَمن طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعا. وَأخرجه اللالكائي فِي شرح السّنة، بتحقيق د. أَحْمد سعد ٣/ ٤٤١ من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا. وَأوردهُ ابْن الْقيم فِي مُخْتَصر الصَّوَاعِق ٢/ ٣٣٦ من طَرِيق ابْن الْمُبَارك قَالَ: حَدثنَا هِشَام -بِسَنَد عُثْمَان الدَّارمِيّ- قَالَ: "هَذَا حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده" وَفِيه رد على من زعم أَن الَّذِي ينزل من الْمَلَائِكَة فَإِن الْملك لَا يَقُول: "لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي" وَلَا يَقُول: "من يسألني أعْطه".
[ ١ / ٢١٣ ]
وَهَذا بَابٌ طَوِيلٌ قَدْ جَمَعْنَاهُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ١.
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِلُ بِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَنْزِلُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ بِكُلِّ٢ مَكَانٍ، مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ؛ لِأَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَالْقَيُّومُ بِزَعْمِهِ مَنْ لَا يَزُولُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ حُجَجِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ بَيَانٌ، وَلَا لِمَذْهَبِهِ بُرْهَانٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ يَنْزِلُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَوَقْتٍ وَأَوَانٍ، فَمَا بَالُ النَّبِيِّ ﷺ يَحُدُّ لِنُزُولِهِ اللَّيْلَ دُونَ النَّهَارِ؟
وَيُوَقِّتُ مِنَ اللَّيْلِ شَطْرَهُ أَوِ الْأَسْحَارَ؟ أَفَبِأَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ٣ يَدْعُو الْعِبَادَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ؟ أَوْ يُقَدِّرُ الْأَمْرَ وَالرَّحْمَةَ أَنْ يَتَكَلَّمَا دُونَهُ فَيَقُولَا: "هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فأعفر لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَ؟ "٤ فَإِنْ قَرَّرْتَ مَذْهَبَكَ لَزِمَكَ أَنْ تَدعِي أَن٥ الرَّحْمَة وَالْأَمْرَ اللَّذَيْنِ يَدْعُوَانِ إِلَى الْإِجَابَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِكَلَامِهِمَا دُونَ اللَّهِ. هَذَا مُحَالٌ عِنْدَ السُّفَهَاءِ، فَكَيْفَ عَنْدَ الْفُقَهَاءِ؟ وَقَدْ٦ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ وَلَكِنْ تُكَابِرُونَ.
وَمَا بَالُ رَحْمَتِهِ وَأَمْرِهِ يَنْزِلَانِ مِنْ عِنْدِهِ شَطْرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَا يَمْكُثَانِ إِلَّا إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ يُرْفَعَانِ؛ لِأَنَّ رِفَاعَةَ٧ يَرْوِيهِ يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ: "حَتَّى
_________________
(١) ١ يقْصد بذلك كتاب "الرَّد على الْجَهْمِية" وَقد أَشرت إِلَى ذَلِك ص”٢٠٨". ٢ فِي ط، ش، س "وَبِكُل مَكَان". ٣ فِي س "أفبرحمته وَأمره" وَفِي ط، ش "فبرحمته وَأمره". ٤ تقدم تَخْرِيجه فِي الصفحة السَّابِقَة. ٥ فِي ط، ش "أَن تدعوا الرَّحْمَة وَالْأَمر"، وَفِي س "أَن تَدعِي الرَّحْمَة وَالْأَمر". ٧ رِفَاعَة، تقدم ص”٢١٢".
[ ١ / ٢١٤ ]
يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ" ١.
وَقَدْ٢ عَلِمْتُمْ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ أَبْطَلُ بَاطِلٍ، لَا يَقْبَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ.
وَأَمَّا دَعْوَاكَ: أَنَّ تَفْسِيرَ "الْقَيُّومِ" الَّذِي لَا يَزُولُ مِنْ مَكَانِهِ وَلَا يَتَحَرَّكُ٣، فَلَا يُقْبَلُ مِنْكَ٤ هَذَا التَّفْسِيرُ إِلَّا بِأَثَرٍ صَحِيحٍ، مَأْثُورٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَوْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ٥ أَوِ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ الْقَيُّومَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ، ويهبط٦ ويرتفع إِذا شَاءَ، وينقبض وَيَبْسُطُ وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ إِذَا شَاءَ؛ لِأَنَّ أَمَارَةُ مَا بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ التَّحَرُّكَ.
كُلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ لَا مَحَالَةَ. وَكُلُّ مَيِّتٍ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لَا مَحَالَةَ٧.
وَمَنْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَفْسِيرِكَ وَتَفْسِيرِ صَاحِبِكَ مَعَ تَفْسِير نَبِي الرَّحْمَة
_________________
(١) ١ تقدم تَخْرِيجه ص"٢١٣". ٢ فِي ط، ش، س "قد علمْتُم". ٣ فِي ط، ش، س "فَلَا يَتَحَرَّك". ٤ فِي ط، ش "مثل هَذَا التَّفْسِير". ٥ قَوْله: "أَو عَن بعض أَصْحَابه" تَكَرَّرت فِي الأَصْل. ٦ فِي ط، ش "وَينزل" بدل "ويهبط" وَهُوَ أولى. ٧ ذكر حَامِد الفقي فِي تَعْلِيقه على المطبوعة "أَن هَذِه الْأَلْفَاظ لم ترد فِي الْقُرْآن وَلَا فِي السّنة فتوقف عَن وصف الله تَعَالَى بهَا" وَمرَاده بالألفاظ الَّتِي لم ترد هِيَ قَوْله: "يهْبط، وَيقوم وَيجْلس ويتحرك" قلت: وَقد ورد فِي بَعْضهَا نَص إِلَّا أَن فِي ثُبُوته نظر: ويغني عَنْهَا مَا ورد فِي النُّصُوص كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار﴾ [الْقَصَص: ٦٨] وَقَوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الْحَج: ١٨] وَقَوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٠] .
[ ١ / ٢١٥ ]
وَرَسُول رب الْعِزَّة إِذا١ فَسَّرَ نُزُولَهُ مَشْرُوحًا مَنْصُوصًا، وَوَقَّتَ لنزوله وقتا مَخْصُوصًا، لم يَدَعْ لَكَ وَلَا لِأَصْحَابِكَ فِيهِ لَبْسًا وَلَا عَوِيصًا٢؟.
ثُمَّ أَجْمَلَ الْمُعَارِضُ٣ مَا يُنْكِرُ الْجَهْمِيَّةُ٤ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَذَاتِهِ٥ الْمُسَمَّاةِ فِي كِتَابِهِ وَفِي آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَعَدَّ مِنْهَا بَعْضًا وَثَلَاثِينَ صفة نسقًا٦ وَاحِدًا، وَيحكم عَلَيْهَا وَيُفَسِّرُهَا بِمَا حَكَمَ الْمَرِيسِيُّ وَفَسَّرَهَا وَتَأَوَّلَهَا حَرْفًا حَرْفًا، خِلَافَ مَا عَنَى اللَّهُ، وَخِلَافَ مَا تَأَوَّلَهَا الْفُقَهَاءُ الصَّالِحُونَ، لَا يُعْتَمَدُ فِي أَكْثَرِهَا إِلَّا عَلَى الْمَرِيسِيِّ، فَبَدَأَ مِنْهَا بِالْوَجْهِ، ثُمَّ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَالْغَضَبِ، وَالرِّضَا، وَالْحُبِّ، وَالْبُغْضِ، وَالْفَرَحِ، وَالْكُرْهِ، وَالضَّحِكِ، وَالْعَجَبِ، وَالسَّخَطِ، وَالْإِرَادَةِ، وَالْمَشِيئَةِ، وَالْأَصَابِعِ، وَالْكَفِّ، وَالْقَدَمَيْنِ وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ٧، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "إِذْ فسر". ٢ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٢/ ٣٠٩ مَادَّة "عوص": "عوص الْكَلَام كفرح، وعاص يعاص عياصًا وعوصًا: صَعب، وَالشَّيْء اشْتَدَّ، وشَاة عائص لم تحمل أعومًا، جمعه عوص والعويص من الشّعْر مَا يصعب اسْتِخْرَاج مَعْنَاهُ كالأعوص، وَمن الْكَلم الغريبة". ٣ فِي ط، ش، س زِيَادَة "ثمَّ أجمل الْمعَارض جَمِيع مَا يُنكر الْجَهْمِية". ٤ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ٥ فِي الأَصْل وس "وذاوته" وَفِي ط، ش، "وذاته" وَهُوَ الَّذِي أثبتنا لصوابه. ٦ قَالَ الفيرووآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٣/ ٢٨٥ مَادَّة "نسق": "نسق الْكَلَام عطف بعضه على بعض، والنسق محركة مَا جَاءَ من الْكَلَام على نظام وَاحِد، وَمن الثغور المستوية وَمن الخرز المنظم، وكواكب الجوزاء وَهِي بِضَمَّتَيْنِ، وَمن كل شَيْء مَا كَانَ على طَريقَة نظام عَام". ٧ سُورَة الْقَصَص، آيَة "٨٨".
[ ١ / ٢١٦ ]
وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١، و﴿وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢، و﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣ وَ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ٤ وَ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٥ و﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ ٦ وَقَوله ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٧ وَ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ٨ وَ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٩ وَ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ١٠ وَ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١١ وَ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ ١٢ وَقَوله ١٣ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ١٤ و﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
_________________
(١) ١ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "١١٥". ٢ سُورَة الشورى آيَة "١١١". ٣ فِي ط، ش، س "خلقت آدم بيَدي" وَبِمَا فِي الأَصْل جَاءَ لفظ الْآيَة رقم "٧٥" من سُورَة ص. ٤ سُورَة الْمَائِدَة، آيَة "٦٤". ٥ سُورَة الْفَتْح، آيَة "١٠". ٦ سُورَة الزمر، أَيَّة "٦٧". ٧ سُورَة الطّور، آيَة "٤٨". ٨ سور الْبَقَرَة، آيَة "٢١٠". ٩ سُورَة الْفجْر، آيَة "٢٢". ١٠ سُورَة الحاقة، آيَة "١٧". ١١ سُورَة طه، آيَة "٥". ١٢ سُورَة غَافِر، آيَة "٧". ١٣ لَفْظَة: "قَوْله" لَيست فِي ط، س، ش. ١٤ سُورَة آل عمرَان، أَيَّة "٢٨".
[ ١ / ٢١٧ ]
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ ١ وَ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٢ وَ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ٣ وَ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ٤.
عَمِدَ الْمُعَارِضُ إِلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْآيَاتِ فَنَسَّقَهَا وَنَظَّمَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، كَمَا نَظَّمَهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ثُمَّ فَرَّقَهَا أَبْوَابًا فِي كِتَابِهِ، وَتَلَطَّفَ بِرَدِّهَا بِالتَّأْوِيلِ، كَتَلَطُّفِ الْجَهْمِيَّةِ٥، مُعْتَمِدًا، فِيهَا عَلَى تَفَاسِيرِ الزَّائِغِ الْجَهْمِيِّ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ٦ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، مُسْتَتِرًا عِنْدَ الْجُهَّالِ بِالتَّشْنِيعِ٧ بِهَا عَلَى قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَيُصَدِّقُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيهَا بِغَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا بِمِثَالٍ٨.
فَزَعَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِهَا٩ يُكَيِّفُونَهَا وَيُشَبِّهُونَهَا بِذَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ بِزَعْمِهِ قَالُوا: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اجْتِهَادُ رَأْيٍ لِنُدْرِكَ١٠ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ، أَوْ يُشَبَّهُ شَيْءٌ مِنْهَا١١ بِشَيْءٍ مِمَّا هُوَ فِي الْخلق مَوْجُود.
_________________
(١) ١ سُورَة آل عمرَان، آيَة "٧٧". ٢ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "١٢". ٣ سُورَة الْمَائِدَة، آيَة "١١٦". ٤ فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ، انْظُر: سُورَة الْبَقَرَة آيَة "٢٢٢". ٥ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ٦ فِي ط، ش، س زِيَادَة "المريسي" تقدّمت تَرْجَمته ص٤٧-٧١. ٧ تقدم مَعْنَاهَا، ص"١٤١". ٨ فِي ط، ش "وَلَا مِثَال". ٩ لَفْظَة "بهَا" لَيست فِي ط، س، ش. ١٠ فِي ط، س، ش "ليدرك". ١١ لفظ "مِنْهَا" لَيْسَ فِي س.
[ ١ / ٢١٨ ]
قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ لَمَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى١ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ، كَكَيْفِيَّتِهِ شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُلْنَا لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْمُدَلِّسِ بِالتَّشْنِيعِ٢.
أَمَّا قَوْلُكَ: "إِنَّ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَتَشْبِيهَهَا بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَلْقِ خَطَأٌ فَإِنَّا لَا نَقُولُ: إِنَّهُ خَطَأٌ كَمَا قُلْتَ٣ بَلْ هُوَ عِنْدَنَا كُفْرٌ٤ وَنَحْنُ لِكَيْفِيَّتِهَا٥، وَتَشْبِيهِهَا بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَلْقِ أَشَّدُ أَنَفًا٦ مِنْكُمْ، غَيْرَ أَنَّا كَمَا لَا نُشَبِّهُهَا، وَلَا نُكَيِّفُهَا، لَا نَكْفُرُ بِهَا، وَلَا نُكَذِّبُ، وَلَا نُبْطِلُهَا بِتَأْوِيلِ الضَّلَالِ، كَمَا أَبْطَلَهَا إِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ فِي أَمَاكِنَ مِنْ كِتَابِكَ، سَنُبَيِّنُهَا لِمَنْ غَفَلَ عَنْهَا٧
_________________
(١) ١ لفظ "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٢ التشنيع، تقدم مَعْنَاهَا ص"١٤١". ٣ قَوْله: "كَمَا قلت" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٤ وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة، قَالَ نعيم بن حَمَّاد شيخ البُخَارِيّ: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، وَمن أنكر مَا وصف بِهِ نَفسه فقد كفر، وَلَيْسَ مَا وصف الله بِهِ نَفسه وَلَا رَسُوله تَشْبِيها"، انْظُر: الْعُلُوّ للذهبي بتحقيق عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد عُثْمَان ص"١٢٦" واجتماع الجيوش الإسلامية لِابْنِ الْقيم نشر المكتبة السلفية ص"٨٦". ٥ فِي ط، ش "لتكييفها" وَهُوَ أوضح. ٦ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي جـ١ ص"١١٦" مَادَّة "أنف" قَالَ: "وأنف من الشَّيْء يأنف أنفًا وأنفةً حمي، وَقيل، استنكف. يُقَال: مَا رَأَيْت أحمى أنفًا وَلَا آنف من فلَان. وأنف الطَّعَام وَغَيره أنفًا كرهه، وَقَالَ أَبُو زيد: أنف من قَوْلك لي أَشد الْأنف أَي كرهت مَا قلت لي: انْتهى بِتَصَرُّف. ٧ فِي ط، ش "لمن غفل عَنْك".
[ ١ / ٢١٩ ]
مِمَّنْ حَوَالَيْكَ مِنَ الْأَغْمَارِ١ إِنْ شَاءَ اللَّهُ٢.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي تَكْيِيفِ صِفَاتِ الرَّبِّ٣، فَإِنَّا لَا نُجِيزُ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالْأَحْكَامِ، الَّتِي نَرَاهَا بِأَعْيُنِنَا، وَتُسْمَعُ فِي آذَانِنَا.
فَكَيْفَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَهَا الْعُيُونُ، وَقَصُرَتْ عَنْهَا الظُّنُونُ؟ غَيْرَ أَنَّا لَا نَقُولُ فِيهَا كَمَا قَالَ إِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ كُلُّهَا لِلَّهِ كَشَيْءٍ٤ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ السَّمْعُ مِنْهُ غَيْرَ الْبَصَرِ، وَلَا الْوَجْهُ مِنْهُ غَيْرَ الْيَدِ، وَلَا الْيَدُ مِنْهُ غَيْرَ النَّفْسِ، وَأَنَّ الرَّحْمَنَ لَيْسَ يَعْرِفُ لِنَفْسِهِ، سَمْعًا مِنْ بَصَرٍ، وَبَصَرًا مِنْ سَمْعٍ، وَلَا وَجْهًا مِنْ يَدَيْنِ، وَلَا يَدَيْنِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ بِزَعْمِكُمْ سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَوَجْهٌ٥ وَأَعْلَى وَأَسْفَلُ وَيَدٌ وَنَفْسٌ، وَعِلْمٌ وَمَشِيئَةٌ وَإِرَادَةٌ مِثْلُ خَلْقِ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاءِ الْجبَال٦ وَالتِّلَالِ وَالْهَوَاءِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ لِشَيْءٍ مِنْهَا شَيْءٌ٧ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالذَّوَاتِ، وَلَا يُوقَفُ لَهَا مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ٨ فَاللَّهُ الْمُتَعَالِي عندنَا أَن يكون كَذَلِك.
_________________
(١) ١ تقدم مَعْنَاهَا، ص”١٤٧". ٢ فِي ط، س، ش "تَعَالَى". ٣ فِي ط، س، ش "فِي تكييف صِفَات الله". ٤ فِي ط، س، ش "كلهَا لله غير شَيْء وَاحِد". ٥ فِي ط، س، ش، "هُوَ بزعمكم بصر وَسمع وَوجه". ٦ لَفْظَة "الْجبَال" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ فِي ط، ش "شَيْئا" بِالنّصب، وَصَوَابه الرّفْع؛ لِأَنَّهَا نَائِب فَاعل. ٨ من قَوْله: "من هَذِه الصِّفَات" إِلَى قَوْله: "على شَيْء" لَيْسَ فِي ط، س، ش ولعلها سَقَطت.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فَقَدْ مَيَّزَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ السَّمْعَ مِنَ الْبَصَرِ فَقَالَ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ١ و﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ٢ وَقَالَ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ ٣ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ دُونَ السَّمْعِ، فَقَالَ عِنْدَ السَّمْعِ وَالصَّوْتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٥ وَ﴿لَقَدْ ٦ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ ٧، وَلَمْ يَقُلْ: قَدْ رَأَى اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا.
وَقَالَ فِي مَوْضِعِ الرُّؤْيَةِ: ﴿الَّذِي يَرَاكَ٨ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ ٩ وَقَالَ: وَقَالَ ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ ١٠ وَلَمْ يَقُلْ: يَسْمَعُ اللَّهُ تَقَلُّبَكَ وَيَسْمَعُ عَمَلَكَ١١، فَلَمْ يَذْكُرِ الرُّؤْيَةَ فِيمَا يسمع، وَلَا
_________________
(١) ١ سُورَة ص، آيَة "٤٦". ٢ سُورَة الشُّعَرَاء، آيَة "١٥". ٣ فِي الأَصْل، ط، س، ش "لَا يكلمهم" بِدُونِ وَاو، وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا. ٤ سُورَة آل عمرَان، آيَة "٧٧". ٥ سُورَة المجادلة، آيَة "١". ٦ فِي الأَصْل "قد سمع الْآيَة" وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ. ٧ فِي ط، س، ش، زِيَادَة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ وَالْآيَة من سُورَة آل عمرَان آيَة "١٨١". ٨ فِي الأَصْل ط، س، ش "إِنَّه يراك" وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ. ٩ سُورَة الشُّعَرَاء، آيَة "٢١٨-٢١٩". ١٠ سُورَة التَّوْبَة، آيَة "١٠٥". ١١ فِي ط، س، ش "وَيسمع الله عَمَلكُمْ".
[ ١ / ٢٢١ ]
السَّمَاعَ فِيمَا يُرَى. لَمَّا أَنَّهُمَا عِنْدَهُ خِلَافُ مَا عِنْدَكُمْ.
وَكَذَلِكَ قَالَ: ﴿وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ١، و﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٢ ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٣ وَلَمْ يَقُلْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: عَلَى سَمْعِي.
فَكَمَا نَحْنُ لَا نُكَيِّفُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا نُكَذِّبُ بِهَا كَتَكْذِيبِكُمْ، وَلَا نُفَسِّرُهَا كَبَاطِلِ تفسيركم٤.
_________________
(١) ١ سُورَة الْقَمَر، آيَة "١٣-١٤". ٢ هَذِه الأية لم ترد فِي ط، س، ش، وَهِي فِي سُورَة الطّور، آيَة "٤٨". ٣ سُورَة طه، آيَة "٣٩". ٤ فِي ط، س، ش "وَلَا نفسرها كتفسيركم".
[ ١ / ٢٢٢ ]
بَابُ الْحَدِّ وَالْعَرْشِ:
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا نِهَايَةٌ. وَهَذَا هُوَ١ الْأَصْلُ الَّذِي بنى عَلَيْهِ جهم٢ ضَلَالَاتِهِ وَاشْتَقَّ مِنْهَا٣ أُغْلُوطَاتِهِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ سَبَقَ جَهْمًا إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ.
فَقَالَ/ لَهُ قَائِلٌ مِمَّنْ يُحَاوِرُهُ٤ قَدْ عَلِمْتُ مُرَادَكَ بِهَا٥ أَيُّهَا الأعجمي، وتعني أَن لله لَا شَيْءٌ، يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ إِلَّا وَلَهُ حَدٌّ وَغَايَةٌ٦ وَصِفَةٌ، وَأَنَّ لَا شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا صِفَةٌ، فَالشَّيْءُ أَبَدًا مَوْصُوفٌ لَا مَحَالَةَ وَلَا شَيْءٌ يُوصَفُ بِلَا حَدٍّ وَلَا غَايَةٍ وَقَوْلُكَ: لَا حَدَّ لَهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَا شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ حَدٌّ٧ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيره، وَلَا يجوز
_________________
(١) ١ لَفْظَة "هُوَ" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ هُوَ جهم بن صَفْوَان، تقدّمت تَرْجَمته ص”١٤٧". ٣ فِي ط، ش "مِنْهُ". ٤ فِي ط، ش، "مِمَّن حاوره". ٥ قَوْله: "بهَا" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ فِي س "حد أَو غَايَة". ٧ لفظ الْحَد من جنس لفظ الْجِهَة والجسم والحيز وَنَحْوهَا لم ترد فِي الْكتاب وَالسّنة نفيا وَلَا إِثْبَاتًا بل هِيَ من الْأَلْفَاظ الاصطلاحية الْحَادِثَة، فَمن أطلق لفظ الْحَد نفيا أَو إِثْبَاتًا سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ بِهِ فَإِن أُرِيد بالْقَوْل بِأَن لله حد أَنه مُنْفَصِل عَن الْخلق بَائِن مِنْهُم فَهَذَا حق كَمَا قَالَ ابْن الْمُبَارك لما قيل لَهُ: بِمَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: بِأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، قيل: بِحَدّ أَي أَنه مُنْفَصِل عَن الْخلق بَائِن مِنْهُم. وَإِذا أُرِيد بِنَفْي أَن الْعباد لَا يعلمُونَ لله حدًّا وَلَا يحدون صِفَاته وَلَا يكيفونها فَهَذَا أَيْضا حق، وَالْخُلَاصَة أَن لفظ الْحَد لم يرد فِي الْكتاب وَالسّنة بِنَفْي، وَلَا إِثْبَات، فَمن أطلقهُ سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ بِهِ، فَإِن قصد معنى حقًّا قبل، وَإِن قصد معنى بَاطِلا رد. انْظُر: مَجْمُوع الفتاوي لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ٣/ ٤١-٤٣، ٥/ ٢٩٨-٣٠٩، ٦/ ٣٨-٤٠، وَشرح الطحاوية تَخْرِيج الألباني ص"٢٣٨-٢٤٠".
[ ١ / ٢٢٣ ]
لأحد أَن يتَوَهَّم لحده فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ يُؤْمِنُ١ بِالْحَدِّ ويكل٢ علم ذَلِك إِلَى الله٣ أَيْضًا حَدٌّ٤ وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ فَهَذَانِ حَدَّانِ اثْنَانِ.
وَسُئِلَ٥ ابْنُ الْمُبَارَكِ: "بِمَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: بِأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. قِيلَ: بِحَدٍّ؟ قَالَ: بِحَدّ"٦.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "نؤمن". ٢ فِي ط، س، ش "وَنكل". ٣ فِي ط، س "والمكانة" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٤ فِي الأَصْل "أحد" وَفِي ط، س، ش "حد" وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٥ فِي ط، س، ش "وَسُئِلَ عبد الله بن الْمُبَارك" قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص"١٤٣". ٦ أخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"٧، ٣٥، ٧٢" من طرق عَن ابْن شَقِيق. وَأخرجه الدَّارمِيّ أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش ص"٥٠" من طَرِيق عَليّ بن الْحسن، عَن ابْن الْمُبَارك. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٤٢٦-٤٢٧" من طَرِيقين عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيق، عَن ابْن الْمُبَارك. وَصَححهُ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي الْفَتْوَى الحموية، انْظُر: مَجْمُوع الفتاوي ٥/ ٥١-٥٢. وَصَححهُ أَيْضا ابْن الْقيم فِي اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية ص"٥٤". وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه الْعُلُوّ وَصَححهُ، وَوَافَقَهُ الألباني، انْظُر، الْعُلُوّ للذهبي، تَصْحِيح ومراجعة عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد عُثْمَان ص"١١٠"، ومختصر الْعُلُوّ للألباني ص"١٥٢".
[ ١ / ٢٢٤ ]
حدّثنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ الصَّالِحِ الْبَزَّارُ١، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ٢ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ٣ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ حَدٌّ فَقَدْ رَدَّ الْقُرْآنَ، وَادَّعَى أَنَّهُ لَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ٤ حَدَّ مَكَانَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٦، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، ٧، ٨ ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٩ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ١٠ فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ شَوَاهِدُ وَدَلَائِل على الْحَد.
_________________
(١) ١ الْحسن بن الصَّباح، تقدم ص"١٤٥". ٢ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، تقدم، ص"١٤٥". ٣ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٤ فِي ط، س، ش "لِأَن الله وصف حد مَكَانَهُ". ٥ سُورَة طه أَيَّة "٥". ٦ سُورَة الْملك، آيَة "١١٦". ٧ سُورَة النَّحْل آيَة "٥٠". ٨ وَاو الْعَطف لَيست فِي ط، س، ش. ٩ سُورَة آل عمرَان، آيَة "٥٥". ١٠ فِي ط، س، ش "زِيَادَة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وَالْآيَة فِي سُورَة فاطر، آيَة "١٠".
[ ١ / ٢٢٥ ]
وَمَنْ لَا١ يَعْتَرِفُ بِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِتَنْزِيلِ اللَّهِ وَجَحَدَ آيَاتِ اللَّهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ" ٢، وَقَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: "أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: "فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" ٣.
فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" دَلِيلٌ٤ عَلَى أَنَّهَا لَوْ لَمْ تُؤْمِنْ بِأَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ لم تكن مُؤمنَة، وَأَنه لايجوز فِي الرَّقَبَة إِلَّا مَنْ يُحِدُّ اللَّهَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُوله.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَمن لم يعْتَرف". ٢ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس، وعادل السَّيِّد، كتاب السّنة، بَاب الْجَهْمِية، حَدِيث ٤٧٢٦، ٥/ ٩٤-٩٥ من رِوَايَة ابْن بشار بِسَنَدِهِ إِلَى جُبَير بن مطعم مَرْفُوعا بِلَفْظ: "إِن الله فَوق عَرْشه، وعرشه فَوق سمواته" وسَاق الحَدِيث. وَأخرجه البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الْكَبِير من رِوَايَة جُبَير بن مُحَمَّد بن جُبَير، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِن الله ﷿ على عَرْشه وعرشه فَوق سمواته.." إِلَخ، انْظُر: التَّارِيخ الْكَبِير قسم ٢، ١/ ٢٢٤. ٣ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْمَسَاجِد ومواضع الصَّلَاة، بَاب تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة وَنسخ مَا كَانَ من إِبَاحَته، حَدِيث ٣٣، ١/ ٣٨٢ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "فَقَالَ لَهَا": أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: فَمن أَنا؟ قَالَت: أَنْت رَسُول الله، قَالَ: أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة". وَأخرجه أَبُو دَاوُد، كتاب الصَّلَاة، بَاب تشميت الْعَاطِس فِي الصَّلَاة، حَدِيث ٩٣٠، ١/ ٥٧٠-٥٧٣ فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ مُسلم. ٤٧ قَوْله: "دَلِيل على" لَيست فِي ط، س، ش وَالَّذِي فِيهَا" وَأَنَّهَا لَو لم تؤمن " إِلَخ ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل.
[ ١ / ٢٢٦ ]
فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ الْبَغْدَادِيُّ الْأَصَمُّ١، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ٢، عَنْ شبيب ابْن شيبَة٣، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ٥ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ لِأَبِيهِ: "يَا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا؟ قَالَ سَبْعَةً، سِتَّة فِي الأَرْض وَوَاحِد فِي السَّمَاءِ، قَالَ فَأَيُّهُمْ تَعُدُّهُ لِرَغْبَتِكَ وَلِرَهْبَتِكَ؟ قَالَ: الَّذِي فِي
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٧: أَحْمد بن منيع بن عبد الرَّحْمَن، أَبُو جَعْفَر الْبَغَوِيّ، نزيل بَغْدَاد، الْأَصَم، ثِقَة، حَافظ، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٤٤هـ وَله ٨٤ سنة٨/ ع. ٢ أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير تقدم ص”١٥٧"، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٩/ ١٣٧ أَن أَحْمد بن منيع روى عَنهُ. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٤٦: شبيب بن شيبَة بن عبد الله التَّمِيمِي، الْمقري، أَبُو معمر الْبَصْرِيّ، الْخَطِيب البليغ، إخباري، صَدُوق، يهم فِي الحَدِيث، من السَّابِعَة، مَاتَ فِي حُدُود السّبْعين ت، قَالَ فِي التَّهْذِيب "٤/ ٣٠٧" روى عَن الْحسن وَابْن سِيرِين وَعَطَاء إِلَخ. ٤ هُوَ الْحسن الْبَصْرِيّ كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ عِنْد التِّرْمِذِيّ، انْظُر "الْجَامِع بشرحه التُّحْفَة ٩/ ٤٥٤ وَقَالَ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب ١/ ١٦٥: الْحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ، وَاسم أَبِيه يسَار، بالتحتانية والمهملة، الْأنْصَارِيّ مَوْلَاهُم، ثِقَة، فَقِيه، فَاضل، مَشْهُور، وَكَانَ يُرْسل كثيرا وَيُدَلس، قَالَ الْبَزَّار: كَانَ يروي عَن جمَاعَة لم يسمع مِنْهُم فيتجوز وَيَقُول: حَدثنَا وخطبنا، يَعْنِي قومه الَّذين حدثوا وخطبوا بِالْبَصْرَةِ، هُوَ رَأس أهل الطَّبَقَة الثَّالِثَة، مَاتَ سنة عشر وَمِائَة وَقد قَارب التسعين/ ع. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٨٢: عمرَان بن حُصَيْن بن عبيد بن خلف الْخُزَاعِيّ، أَبُو نجيد بنُون وجيم، مُصَغرًا، أسلم عَام خَيْبَر، وَصَحب، وَكَانَ فَاضلا وَقضى بِالْكُوفَةِ، مَاتَ سنة٥٢هـ بِالْبَصْرَةِ/ ع.
[ ١ / ٢٢٧ ]
السَّمَاءِ"١ فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى الْكَافِرِ إِذْ٢ عَرَفَ أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِينَ فِي السَّمَاءِ. كَمَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ.
فَحُصَيْنٌ الْخُزَاعِيّ فِي كفره يؤمئذ كَانَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ الْجَلِيلِ الْأَجَلِّ مِنَ الْمَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ مَعَ مَا٣ يَنْتَحِلُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، إِذْ مَيَّزَ بَيْنَ الْإِلَهِ الْخَالِقِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَبَيْنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ الْمَخْلُوقَةِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ٤.
وَقَدِ اتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ، وَحَدُّوهُ بِذَلِكَ إِلَّا الْمَرِيسِيَّ الضَّالَّ وَأَصْحَابَهُ، حَتَّى الصِّبْيَانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ٥ قَدْ عَرَفُوهُ بِذَلِكَ، إِذَا حَزَبَ الصَّبِي شَيْء٦ يرفع يَدَيْهِ٧
_________________
(١) ١ أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه تحفة الأحوذي/ أَبْوَاب الدَّعْوَات/ بَاب "٧٠" حَدِيث ٣٥٥٠، ٩/ ٤٥٤-٤٥٥ بِهَذَا الْإِسْنَاد عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا؟ قَالَ أبي: سَبْعَة سِتَّة فِي الأَرْض وَوَاحِد فِي السَّمَاء، قَالَ: فَأَيهمْ تعد لرغبتك ورهبتك؟ قَالَ الَّذِي فِي السَّمَاء، قَالَ: يَا حُصَيْن، أما أَنَّك لَو أسلمت علمتك كَلِمَتَيْنِ تنفعانك، فَلَمَّا أسلم حُصَيْن قَالَ: يَا رَسُول الله، عَلمنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدتنِي، فَقَالَ: قل: اللَّهُمَّ ألهمني رشدي، وأعذني من شَرّ نَفسِي" هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن عمرَان بن حُصَيْن من غير هَذَا الْوَجْه، قلت وَسكت عَنهُ المباركفوري. ٢ فِي ط، ش "أَن عرف". ٣ فِي الأَصْل "معما" وَفِي ش "ممع". ٤ فِي ط، س، ش "والأصنام الَّتِي فِي الأَرْض المخلوقة". ٥ تقدم مَعْنَاهَا ص”١٩٨". ٦ فِي س "إِذا جذب الصَّبِي شَيْء" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٧ فِي س "يَده".
[ ١ / ٢٢٨ ]
إِلَى رَبِّهِ يَدْعُوهُ فِي السَّمَاءِ دُونَ مَا سِوَاهَا١، فَكُلُّ أَحَدٍ بِاللَّهِ وَبِمَكَانِهِ أَعْلَمُ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ٢.
ثُمَّ انْتَدَبَ الْمُعَارِضُ لِتِلْكَ٣ الصِّفَاتِ الَّتِي أَلَّفَهَا وَعَدَّدَهَا فِي كِتَابِهِ: مِنَ الْوَجْهِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، يَتَأَوَّلُهَا، وَيَحْكُمُ عَلَى اللَّهِ٤ وَرَسُولِهِ فِيهَا حَرْفًا بَعْدَ حَرْفٍ، وَشَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، تَحَكُّمُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ، لَا يَعْتَمِدُ فِيهَا على إِمَام أقدمه، مِنْهُ٥، وَلَا أَرْشَدَ مِنْهُ عِنْدَهُ فَاغْتَنَمْنَا ذَلِكَ مِنْهَا، إِذْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ، وَسَلَّمَ فِيهَا بِحُكْمِهِ٦.
لَمَّا أَنَّ الْكَلِمَةَ قَدِ اجْتَمَعَتْ مِنْ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ فِي كُفْرِهِ، وَهُتُوكِ٧ سِتْرِهِ وَافْتِضَاحِهِ فِي مِصْرِهِ٨ وَفِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذِكْرِهِ.
_________________
(١) ١ حتي البهمية العجماء ترفع رَأسهَا إِلَى السَّمَاء إِذا أَصَابَهَا ضيم من أحد لما فطرها الله عَلَيْهِ من معرفَة رَبهَا وَأَنه فِي الْعُلُوّ. ٢ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ٣ فِي س "الْملك" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٤ فِي ط، س، ش "وعَلى رَسُوله". ٥ فِي س "أقدر مِنْهُ". ٦ فِي ط، س، ش "لحكمه". ٧ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ٣/ ٦٧٨ مَادَّة "هتك": "الهتك": خرق السّتْر عَمَّا وَرَاءه، وَالِاسْم الهتكة، بِالضَّمِّ والهتيكة: الفضيحة. والهتك أَن تجذب ستر فتقطعه من مَوْضِعه أَو تشق مِنْهُ طَائِفَة يرى مَا وَرَاءه، وَلذَلِك يُقَال: هتك الله ستر الْفَاجِر. وَرجل مهتوك السّتْر: مُتَهَتِّكَة. وتهتك: افتضح" انْتهى بِتَصَرُّف. ٨ قَالَ بن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط، ٣/ ٤٩٣ مَادَّة "مصر": "عَن ابْن السراج، والمصر، وَاحِد الْأَمْصَار. والمصر الكورة، وَالْجمع أَمْصَار، ومصَّروا الْمَوْضُوع: جَعَلُوهُ مصرا. وتمصر الْمَكَان: صَار مصرا. ومصر مَدِينَة بِعَينهَا، سمت بذلك لتمصرها" انْتهى بِتَصَرُّف.
[ ١ / ٢٢٩ ]
نقل الْمعَارض عَن المريسي تَأْوِيل الْيَدَيْنِ وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
فَرَوَى الْمُعَارِضُ عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ قِرَاءَةً مِنْهُ بِزَعْمِهِ -وَزَعَمَ أَنَّ بشر قَالَ لَهُ: ارْوِهِ عَنِّي- أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله اللَّهِ لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١ فَادَّعَى أَنَّ بِشْرًا قَالَ: يَعْنِي اللَّهَ بِذَلِكَ: أَنِّي وَلِيتُ خَلْقَهُ وَقَوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْخَلْقِ، لَا أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدٍ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمَرِيسِيِّ الْجَاهِلِ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ: فَهَلْ عَلِمْتَ شَيْئًا مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ وَلِيَ خَلْقَ ذَلِكَ غَيْرَهُ، حَتَّى خَصَّ آدَمَ مِنْ بَيْنِهِمْ أَنَّهُ وَلِيَ خَلْقَهُ من غير مَسِيس بِيَدِهِ فسمه٢؟ وَإِلَّا فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَلِ خَلْقَ شَيْءٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ٣ فَقَدْ كَفَرَ غَيْرَ أَنَّهُ وَلِيَ خَلْقَ الْأَشْيَاءِ بِأَمْرِهِ، وَقَوْلِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَوَلِيَ خَلْقَ آدَمَ بيد مَسِيسًا٤ لَمْ يَخْلُقْ ذَا رُوحٍ بِيَدَيْهِ٥ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ٦ خَصَّهُ٧ وَفَضَّلَهُ، وَشَرَّفَ بِذَلِكَ ذِكْرَهُ، لَوْلَا ذَلِكَ مَا كَانَتْ لَهُ فَضِيلَةٌ مِنْ ذَلِك على
_________________
(١) ١ سُورَة ص، آيَة "٧٥". ٢ فِي ط، س، ش "فمسه". ٣ فِي س، ش، "صغر أَو كثر". ٤ قَالَ حَامِد الفقي فِي تَعْلِيقه على المطبوعة ص”٢٥": "لَفْظَة الْمَسِيس والمس لَا نعرفها وَردت فِي الْقُرْآن وَلَا فِي الحَدِيث بل نقُول: خلقه بيدَيْهِ، على مَا يعلم الله ويليق بِذَاتِهِ الْعلية. وَلَا نعلم الْكَيْفِيَّة وَلَا نزيد على مَا ورد" قلت: وَمَا ذكره الشَّيْخ حَامِد هُوَ الْحق الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُول عَنهُ حَتَّى يثبت مَا يدل على ذَلِك. ٥ فِي ط، س، ش "بِيَدِهِ". ٦ فِي س "فَذَلِك". ٧ فِي ط، س، ش "خصّه بِهِ".
[ ١ / ٢٣٠ ]
شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، إِذْ خَلَقَهُمْ١ بِغَيْرِ مَسِيسٍ٢ فِي دَعْوَاكَ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: "تَأْكِيدٌ لِلْخَلْقِ" فَلَعَمْرِي إِنَّهُ لَتَأْكِيدٌ جَهِلْتَ مَعْنَاهُ فَقَلَبْتَهُ، إِنَّمَا هُوَ تَأْكِيد الْيَدَيْنِ وتحقيقها٣ وَتَفْسِيرُهُمَا، حَتَّى يَعْلَمَ الْعِبَادُ٤ أَنَّهَا تَأْكِيدُ مَسِيسٍ٥ بِيَدٍ، لَمَّا أَنَّ اللَّهَ٦ قَدْ خَلَقَ خَلْقًا كَثِيرًا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرَ مِنْ آدَمَ وَأَصْغَرَ. وَخَلَقَ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ. وَكَيْفَ لَمْ يُؤَكِّدْ فِي خَلْقِ شَيْءٍ مِنْهَا مَا أَكَّدَ فِي آدَمَ٧ إِذْ٨ كَانَ أَمْرُ الْمَخْلُوقِينَ فِي مَعْنَى يَدَيِ٩ اللَّهِ كَمَعْنَى آدَمَ عِنْدَ الْمَرِيسِيِّ.
فَإِنْ يَكُ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ فَلْيُسَمِّ شَيْئًا نَعْرِفُهُ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ الْجَاحِدُ بِآيَاتِ اللَّهِ الْمُعَطِّلُ لِيَدَيِ اللَّهِ١٠.
وَادَّعَى الْجَاهِلُ الْمَرِيسِيُّ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِ التَّأْكِيدِ مِنَ الْمُحَالِ مَا لَا نعلم
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "إِذْ كلهم خلقهمْ". ٢ انْظُر: الصفحة السَّابِقَة. ٣ فِي ط، س، ش "تحققهما". ٤ فِي ط، ش "أَنه" وَهُوَ أوضح وَسبق أَن أَشَرنَا إِلَى مَا يتَعَلَّق بالمسيس. ٥ انْظُر: الصفحة السَّابِقَة. ٦ فِي ط، س، ش زِيَادَة "تَعَالَى". ٧ تقدّمت تَرْجَمته ص”١٧٧". ٨ فِي ط، ش "إِذا". ٩ فِي ط، س، ش "يَد الله". ١٠ المُرَاد الْمُعَطل لصفة الْيَدَيْنِ لله ﷿.
[ ١ / ٢٣١ ]
أَحَدًا ادَّعَاهُ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ. فَقَالَ: هَذَا تَأْكِيدٌ لِلْخَلْقِ، لَا لِلْيَدِ كَقَوْلِ اللَّهِ٢١: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ ٢.
فَيُقَالُ لِهَذَا التَّائِهِ الَّذِي سَلَبَ الله عقله وَأكْثر جَهله: هُوَ تَأْكِيدٌ لِلْيَدَيْنِ٣ كَمَا قُلْنَا، لَا تَأْكِيدُ الْخَلْقِ٤ كَمَا أَنَّ قَوْله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌكاملة﴾ تَأْكِيدُ الْعَدَدِ٥ لَا تَأْكِيدُ الصِّيَامِ٦؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ غَيْرُ الصِّيَامِ، وَيَدَ اللَّهِ غَيْرُ آدَمَ فَأَكَّدَ اللَّهُ لِآدَمَ الْفَضِيلَةَ الَّتِي كَرَّمَهُ وَشَرَّفَهُ بِهَا، وَآثَرَهُ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ إِذْ كُلُّ عِبَادِهِ، خَلَقَهُمْ بِغَيْرِ مَسِيسٍ٧ بِيَدٍ، وَخَلَقَ آدَمَ بِمَسِيسٍ، فَهَذِهِ عَلَيْكَ لَا لَكَ وَقَدْ أَخَذْنَا فَالَكَ مِنْ فِيكَ مُحْتَجِّينَ بِهَا عَلَيْكَ كَالشَّاةِ الَّتِي تَحْمِلُ حَتْفَهَا بِأَظْلَافِهَا.
فَإِنْ أَجَابَ الْمَرِيسِيُّ أَعْلَمْنَاهُ٨ بِتَأْكِيدِ الْخَلْقِ -إِذْ كَانَ بِهِ جَاهِلا٩- وَهُوَ١٠
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "كَقَوْل الله تَعَالَى". ٢ سُورَة الْبَقَرَة آيَة "١٩٦". ٣ فِي س "هُوَ تَأْكِيد الْيَدَيْنِ". ٤ فِي ط، س، ش "لِلْخلقِ". ٥ فِي ط، ش "للعدد". ٦ فِي ط، س "للصيام". ٧ سبق الْكَلَام فِي الْمس والمسيس ص”٢٣٠". ٨ فِي ط، ش "أعلمناه أَن تَأْكِيد". ٩ فِي ط، ش "إِن كَانَ جَاهِلا بِهِ". ١٠ فِي ط، ش "هُوَ قَوْله" دون أَن يسبقها وَاو.
[ ١ / ٢٣٢ ]
قَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ١ وَ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ ٢ الآيَةَ وَقَوْلُهُ ﴿خَلَقَكُمْ٣ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ ٤ الْآيَة ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ ٥ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ٦ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٨، فَهَذَا تَأْكِيدُ الْخَلْقِ وتَفْسِيرُهُ لَا مَا ادَّعَى الْجَاهِلُ.
وَقَوْلُهُ لِإِبْلِيسَ٩ ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١٠ تَأْكِيدُ يَدَيْهِ لَا تَأْكِيدُ خَلْقِ
_________________
(١) ١ سُورَة النَّمْل آيَة "٨٨". ٢ سُورَة السَّجْدَة آيَة "٧-٩". ٣ فِي ط، ش "خَلَقْنَاكُمْ" وَصَوَابه كَمَا فِي الأَصْل. ٤ سُورَة غَافِر آيَة "٦٧". ٥ سُورَة غَافِر آيَة "٦٤". ٦ سُورَة التِّين آيَة "٤". ٧ فِي الأَصْل "من مطين" وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ، وَفِي س "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ من مَاء مهين" وَهُوَ خطأ. ٨ سُورَة الْمُؤْمِنُونَ الْآيَات "١٢-١٤". ٩ "لإبليس" لَيست فِي ط، س، ش. ١٠ سُورَة ص، آيَة "٧٥".
[ ١ / ٢٣٣ ]
آدَمَ، وَمَا كَانَ حَاجَةُ إِبْلِيسَ إِلَى أَنْ يُؤَكِّدَ اللَّهُ لَهُ خَلْقَ آدَمَ، وَقَدْ١ كَانَ مِنْ أَعْلَمِ الْخَلْقِ بِآدَمَ؟ رَآهُ قَبْلَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ طِينًا مُصَوَّرًا مَطْرُوحًا بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَمَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، ثُمَّ كَانَ مَعَه فِي الْجنَّة حيت وَسْوَسَ إِلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا، ثُمَّ كَانَ يَرَاهُ إِلَى أَنْ مَاتَ، فَإِنَّمَا أَكَّدَ اللَّهُ لَهُ مِنْ أَمْرِ آدَمَ مَا لَمْ يَرَ، لَا مَا رَأَى٢؛ لِأَنَّهُ لَمْ ير يَدي الله وهما تخلقناه٣ "كَذَا" فَلْيَعْلَمِ الْجَاهِلُ الْمَرِيسِيُّ، بِأَنَّا مَا ظَنَنَّا٤ عِنْدَهُ مِنْ رَثَاثَةِ الْحجَج وَالْبَيَانِ وَقِلَّةِ الْإِصَابَةِ وَالْبُرْهَانِ، قَدْرَ مَا كَشَفَ عَنْهُ هَذَا الْإِنْسَانُ، وَالْحَمْد لله الَّذِي نطق٥ لِسَانَهُ، وَعَرَّفَ النَّاسَ شَأَنَهُ، لِيَعْرِفُوهُ فيجاوز مَكَانَهُ٦.
ثُمَّ "لَمْ" يَرْضَ٧ الْجَاهِلُ المريسي مَعَ سخاقة هَذِهِ الْحُجَجِ، حَتَّى قَاسَ اللَّهَ فِي يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ، خَلَقَ بِهِمَا آدَمَ أَقْبَحَ الْقِيَاسِ، وَأَسْمَجَهُ، بَعْدَمَا زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُقَاسَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا بُشَيْءٍ هُوَ مَوْجُودٌ فِي خلقه، وَلَا
_________________
(١) ١ لَفْظَة "قد" لَيست فِي س. ٢ فِي الأَصْل "أما رآى" وَلَعَلَّه خطأ من النَّاسِخ. ٣ فِي ط، ش "وهما تخلقانه" وَهُوَ أوضح. ٤ فِي ط، س، ش "أَن عِنْده" وَلَعَلَّ "أَن" سَقَطت فِي الأَصْل. ٥ فِي ط، س، ش "أنطق" وَهُوَ أوضح. ٦ لم تعجم فِي الأَصْل وَالْأَقْرَب أَنَّهَا "فيجاوزوا مَكَانَهُ"، وَلذَا أثبتناها، وَفِي س، "فيخافه إِمْكَانه" وَهُوَ غير وَاضح وَفِي ط، ش "فيجافوا مَكَانَهُ". ٧ فِي الأَصْل "ثمَّ يرض"، وَلَعَلَّ "لم" سَقَطت سَهوا، فِي ط، س "ش" ثمَّ لم يرض" وَهُوَ أوضح.
[ ١ / ٢٣٤ ]
يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ، أَلَيْسَ يُقَالُ لِرَجُلٍ مُقَطَّعِ١ الْيَدَيْنِ مِنَ الْمِنْكَبَيْنِ إِذْ هُوَ كَفَرَ بِلِسَانِهِ إِنَّ كُفْرَهُ ذَلِكَ بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُفْرُهُ بِيَدَيْهِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الضَّالِ الْمُضِلِّ: أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُشَبَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يَتَوَهَّمُ الرَّجُلُ فِي صِفَاتِهِ مَا يَعْقِلُ مِثْلَهُ فِي نَفْسِهِ؟ فَكَيْفَ تُشَبِّهُ اللَّهَ فِي يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ خَلَقَ بِهِمَا آدَمَ بِأَقْطَعَ مَجْذُومِ٢ الْيَدَيْنِ مِنَ الْمِنْكَبَيْنِ؟ وَتَتَوَهَّمُ فِي قِيَاسِ يَدَيِ٣ اللَّهِ مَا تعلقه٤ فِي ذَلِكَ الْمَجْذُومِ الْمَقْطُوعِ، وَيَتَوَهَّمُ ذَلِكَ٥؟ فَقَدْ تَوَهَّمْتَ أَقْبَحَ مَا عِبْتَ عَلَى غَيْرِكَ، إِذِ٦ ادَّعَيْتَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَدَانِ لَهُ كَالْأَقْطَعِ الْمَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ مِنَ الْمِنْكَبَيْنِ، وَيْلَكَ! إِنَّمَا يُقَالُ٧ لِمَنْ كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَلَيْسَتْ لَهُ يَدَانِ: ذَلِكَ بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ مَثَلًا مَعْقُولًا، يُقَالُ ذَلِكَ لِلْأَقْطَعِ وَغَيْرِ الْأَقْطَعِ مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ هَذَا الْمَثَلُ وَلَا يُقَال ذَلِك
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "الْمَقْطُوع الْيَدَيْنِ". ٢ مجذوم الْيَدَيْنِ أَي مقطوعهما، قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ١/ ٢٤٦ مَادَّة "جذم": "الجذم: الْقطع جذمه يجذمه جذمًا: قطعه فَهُوَ جذيم، قَالَ والجذم سرعَة الْقطع، وَقَالَ: والأجذم الْمَقْطُوع الْيَد، وَقيل، هُوَ الَّذِي ذهبت أنامله" انْتهى بِتَصَرُّف. ٣ فِي ط، س، ش "يَد الله". ٤ فِي ط، س، ش، "تعلقته". ٥ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "وتتوهم ذَلِك" وَهُوَ أضح. ٦ فِي ش، س "إِذا ادعيت". ٧ فِي ط، ش "وَتلك إِنَّمَا تقال" وَفِي س "وَتلك إِنَّمَا يُقَال" وَهُوَ بعيد وَمَا فِي الأَصْل أوضح.
[ ١ / ٢٣٥ ]
إِلَّا لمن هُوَ ذَوِي الْأَيْدِي، أَوْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي قَبْلَ أَنْ تُقْطَعَا١ وَاللَّهُ بِزَعْمِكَ لَمْ يَكُنْ٢ قَطُّ مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي. فَيَسْتَحِيلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ لَيْسَ بِذِي يَدَيْنِ، أَوْ لَمْ يَكُ٣ قَطُّ ذَا يَدَيْنِ: إِنَّ كُفْرَهُ وَعَمَلَهُ بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: بِيَدِ فُلَانٍ أَمْرِي وَمَالِي، وَبِيَدِهِ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ وَالْأَمْرُ، وَمَا أَشْبَهَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَوْضُوعَةً فِي كَفِّهِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمُضَافُ إِلَى يَدِهِ٤ مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي، فَإِنْ لَمْ٥ يَكُنِ الْمُضَافُ إِلَى يَدِهِ مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي يَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ: بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ. وَقَدْ يُقَالُ: بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَا وَكَذَا، وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٧ وَكَقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ ٨، وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٩ ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ١٠ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: بَيْنَ يَدَيْ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا١١ لِمَا هُوَ مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي وَمن لَيْسَ من ذَوي الْأَيْدِي.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "يقطعهَا" وَفِي س "يقطعهَا". ٢ فِي ط، س، ش "لم يَك". ٣ فِي ط، س، ش "أَو لم يكن". ٤ فِي ط، ش "بعد أَن يكون الْمُضَافُ إِلَيْهِ مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي". ٥ فِي ط، س، ش "فَإِذا لم". ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، ش. ٧ سُورَة سبأ آيَة "٤٦". ٨ سُورَة الْبَقَرَة، أَيَّة "٦٦". ٩ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ١٠ سُورَة الْبَقَرَة آيَة "٩٧" وَكَذَلِكَ سُورَة آل عمرَان آيَة "٣". ١١ فِي ط، س، ش "كذ وَكَذَا وَكَذَا" ثَلَاثًا.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: بِيَدِهِ إِلَّا لِمَنْ هُوَ مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي؛ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ بِيَدِ١ السَّاعَةِ كَذَا وَكَذَا كَمَا قُلْتَ: بَيْنَ يَدَيْهَا، اسْتَحَالَ، وَبِيَدِ٢ الْعَذَابِ كذ وَكَذَا، وَبِيَدِ٣ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَذَا وَكَذَا، أَوْ بِيَدِ٤ الْقَرْيَةِ الَّتِي جَعَلَهَا نَكَالًا كَذَا وَكَذَا اسْتَحَالَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ: بَيْنَ يَدَيْكَ؛ لِأَنَّكَ تَعْنِي أَمَامه وقدامه وَبَيْنَ يَدَيْهِ. فَلِذَلِكَ٥ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْأَقْطَعِ إِذَا كَفَرَ بِلِسَانِهِ: إِنَّهُ بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي قُطِعَتَا٦ أَوْ كَانَتَا مَعَهُ.
وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ: بِمَا كَسَبَتْ يَدُ السَّاعَةِ٧ وَيَدُ الْعَذَابِ، وَيَدُ الْقُرْآنِ٨؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَال: بيد شَيْءٌ٩ إِلَّا وَذَلِكَ الشَّيْءُ مَعْقُولٌ فِي الْقُلُوبِ أَنَّهُ مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي، وَأَنْتَ أَوَّلُ مَا نَفَيْتَ١٠ عَنِ اللَّهِ يَدَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِذِي يَدَيْنِ.
وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ لَهُ يَدَانِ، ثُمَّ قُلْتَ: بِيَدِ اللَّهِ١١ كَذَا وَكَذَا، وَخَلَقْتُ آدَمَ١٢
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "بيَدي السَّاعَة". ٢ فِي ط، ش "وَبِيَدِي الْعَذَاب". ٣ فِي ط، ش "وَبِيَدِي". ٤ فِي ط، س، ش "وَبِيَدِي الْقرْيَة". ٥ فِي ط، س، ش "فَذَلِك" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٦ فِي ط، س، ش "فقطعنا". ٧ فِي ط، س، ش "يَدي السَّاعَة". ٨ فِي ط، ش "ويدي الْعَذَاب ويدي الْقُرْآن". ٩ فِي ط، ش "بيَدي شَيْء شَيْء". ١٠ فِي ط، س، ش "أول مَا نفيت". ١١ فِي ط، ش "بيَدي الله". ١٢ آدم ﵇، تقدّمت تَرْجَمته ص”١٧٧".
[ ١ / ٢٣٧ ]
بِيَدَيَّ وَلَا يَدَانِ لَهُ عِنْدَكَ، فَهَذَا مُحَالٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. لَا شَكَّ فِيهِ أَو سَمِّ شَيْئًا يُخَالِفُ دَعْوَانَا.
وَكَذَلِكَ الْحُجَّةُ عَلَيْكَ فِيمَا احْتَجَجْتَ بِهِ أَيْضًا فِي نَفْيِ يَدَيِ اللَّهِ عَنْهُ١ أَنَّهُ عِنْدَكَ كَقَوْلِ النَّاسِ فِي الْأَمْثَالِ: "يَدَاكَ أَوْكَتَا وَفُوكَ نَفَخَ"٢ وَكَقَوْلِ اللَّهِ ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ٣ فادعيت أَن العقيده بِعَينهَا لَيست موضوعية فِي كَفِّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ فَقُلْتُ لَكَ" أَجَلْ أَيُّهَا الْجَاهِلُ هَذَا يَجُوزُ لِمَا أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِهِمَا مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي. فَلِذَلِكَ جَازَ وَلَوْلَا ذَاك٤ لم يجز. لَو لَمْ يَكُنِ٥ الَّذِي٦ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَلَا لِلْمُوكِي وَلَا لِلنَّافِخِ يَدَانِ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ ذَوِي الْأَيْدِي كَمَعْبُودِكَ فِي نَفْسِكَ لم يجز
_________________
(١) ١ لَفْظَة "عَنهُ" لَيست فِي ط، ش. ٢ الوكاء: كل سير أَو خيط يشد بِهِ السقاء، أَو الْوِعَاء، وَقد أوكيته بالوكاء إيكاء إِذا شددته، وَفِي حَدِيث اللّقطَة "اعرف وكاءها وعفاصها" وَانْظُر "لِسَان الْعَرَب": إعداد وتصنيف خياط، ونديم مرعشلي٣/ ٩٧٨ مَادَّة "وكى". وَيضْرب هَذَا الْمثل لم يجني على نَفسه فيوقعها بِعَمَلِهِ فِي التَّهْلُكَة، قَالَ الميداني فِي مجمع الْأَمْثَال، الطبعة الثَّالِثَة، ٢/ ٤١٤ "قَالَ الْمفضل: أَصله أَن رجلا كَانَ فِي جزيزة من جزائر الْبَحْر فَأَرَادَ أَن يعبر على زق فِيهِ فَلم يحسن إحكامه، حَتَّى إِذا توَسط الْبَحْر خرجت مِنْهُ الرّيح فغرق، فَلَمَّا غشيه الْمَوْت اسْتَغَاثَ بِرَجُل، فَقَالَ لَهُ، يداك أوكتا وفوك نفخ". ٣ سُورَة الْبَقَرَة أَيَّة "٢٢٧". ٤ فِي ط، س، ش "لَوْلَا ذَلِك لم يجز". ٥ فِي ش "وَلم يكن" وَلَا يَسْتَقِيم بِهِ الْمَعْنى. ٦ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "للَّذي" وَهُوَ أوضح.
[ ١ / ٢٣٨ ]
أَنْ يُقَالَ: بِيَدِهِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ تَعَالَى يَدَانِ بِهِمَا خَلَقَ آدَمَ وَمَسَّهُ بِهِمَا مَسِيسًا١ كَمَا ادَّعَيْتَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَال: ﴿بيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ٢ ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ ٣ وَ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٤ لِلْمَذْهَبِ الَّذِي فَسَّرْنَا. فَإِنْ كُنْتَ لَا تُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فَسَلْ مَنْ يُحْسِنُهَا ثُمَّ تَكَلَّمْ.
وَقَدْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: بَنَيْتُ دَارًا، أَبُو قَتَلْتُ رَجُلًا وَضَرَبْتُ٥ غُلَامًا، وَوَزَنْتُ٦ لِفُلَانٍ مَالًا، وَكَتَبْتُ٧ لَهُ كِتَابًا، وَإِنْ لَمْ يَتَوَلَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِك بِيَدِهِ بل أَمر بِبِنَائِهِ وَالْكَاتِبَ بِكِتَابِهِ٨ وَالْقَاتِلَ بِقَتْلِهِ، وَالضَّارِبَ بِضَرْبِهِ، وَالْوَازِنَ بِوَزْنِهِ فَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ عَلَى الْمَجَازِ الَّذِي يَعْقِلُهُ النَّاسُ بِقُلُوبِهِمْ عَلَى مَجَازِ كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَإِذَا قَالَ: كَتَبْتُ بِيَدَيَّ كِتَابًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٩ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١٠
_________________
(١) ١ تقدم الْكَلَام فِي الْمَسِيس ص”٢٣٠". ٢ فِي الأَصْل وس "بِيَدِهِ الْخَيْر" وَبِمَا أَثْبَتْنَاهُ جَاءَ فِي ط، ش، قلت: وَهُوَ الوافق لما فِي آل عمرَان، أَيَّة "٢٦". ٣ سُورَة الْحَدِيد، آيَة "٢٩". ٤ سُورَة الْملك آيَة "١". ٥ فِي ط، ش "أَو ضربت". ٦ فِي ط، ش "أَو وزنت". ٧ فِي ط، ش "أَو كتبت". ٨ فِي ط، س، ش "بكتابته". ٩ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ١٠ فِي ط، س، ش "خلقت آدم بيَدي" وصواب الْآيَة مَا أَثْبَتْنَاهُ فِي الأَصْل، انْظُر: سُورَة ص آيَة "٧٥".
[ ١ / ٢٣٩ ]
أَوْ قَالَ: وَزَنْتُ بِيَدَيَّ، وَقَتَلْتُ بِيَدَيَّ، وَبَنَيْتُ بِيَدَيَّ، وَضَرَبْتُ بِيَدَيَّ، كَانَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِيَدَيْهِ، دُونَ يَدَيْ غَيْرِهِ، وَمَعْقُولٌ الْمَعْنَى عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، كَمَا أَخْبَرَنَا اللَّهُ أَنَّهُ خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِأَمْرِهِ، فَقَالَ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِأَمْرِهِ وإراته، وَكَلَامه وَقَوله ﴿كُن﴾ وَبِذَلِكَ كَانَتْ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.
فَلَمَّا قَالَ: خَلَقْتُ آدَمَ بِيَدَيَّ عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ٢ ليديه وَأَنَّهُ خَلَقَهُ بِهِمَا مَعَ أَمْرِهِ وَإِرَادَتِهِ. فَاجْتَمَعَ فِي آدَمَ تَخْلِيقُ الْيَدَيْنِ٣ نَصًّا وَالْأَمْرُ وَالْإِرَادَةُ وَلَمْ يجتمعا فِي غَيره من الروحانين؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ مَسَّ خَلْقًا ذَا رُوحٍ بيدَيْهِ٤ غَيْرَ آدَمَ، إِذْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي أَحَدٍ مِمَّنْ سِوَاهُ وَلم يخص بِهِ بشرا غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا تَأَوَّلْتَ أَنَّهُ أَرَادَ بِيَدَيْهِ٥ أَنَّهُ وَلِيَ خَلْقَهُ فَأَكَّدَهُ لَمَا كَانَ٦ عَلَى إِبْلِيسَ إِذا فِيمَا احْتَجَّ اللَّهُ بِهِ٧
_________________
(١) ١ فِي س ﴿إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَيْءٍ﴾ وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ، انْظُر سُورَة النَّحْل آيَة "٤٠"، والتصحيح فِي سُورَة يس ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ آيَة "٨٢" وَفِيه التَّصْرِيح بِلَفْظ الْأَمر. ٢ فِي الأَصْل "تَأْكِيدًا" بِالنّصب، وَفِي ط، س، ش "تَأْكِيد" بِالرَّفْع وَهُوَ الصَّوَاب؛ لِأَنَّهُ خبر "أَن". ٣ فِي ط، س "تخليق الْيَد". ٤ فِي ط، ش "بِيَدِهِ" وَتقدم الْكَلَام فِي الْمَسِيس ص”٢٣٠". ٦ فِي ط، ش "لَكَانَ لإبليس". ٧ فِي ط، ش "فِيمَا احْتج بِهِ الله عَلَيْهِ" وَفِي س "فِيمَا احْتج بِهِ عَلَيْهِ".
[ ١ / ٢٤٠ ]
عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْيَدَيْنِ لِآدَمَ١ فِي ذَلِكَ٢ فَضْلٌ وَلَا فَخْرٌ، إِذْ وَلِيَ خَلْقَ إِبْلِيسَ فِي دَعْوَاكَ كَمَا وَلِيَ خَلْقَ آدَمَ سَوَاء، وأكده كَمَا أكده، وَلم كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلْتَ لَحَاجَّ إِبْلِيسُ رَبَّهُ فِي ذَلِكَ٣ كَمَا حَاجَّهُ فِي أَنْ قَالَ٤ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٥ وَكَمَا قَالَ: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ٦ فَيَقُول: خلقتني أَيْضا يارب بِيَدَيْكَ، عَلَى مَعْنَى مَا خَلَقْتَ بِهِ آدَمَ أَيْ: وُلِّيتَ خَلْقِي، وَأَكَّدْتَهُ فِي دَعْوَاكَ٧ وَلَكِنْ كَانَ٨ الْكَافِرُ الرَّجِيمُ أَجْوَدَ مَعْرِفَةً بِيَدَيِ اللَّهِ مِنْكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ، بَلْ عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعَالَى٩ إِبْلِيسُ أَنْ لَوِ احْتَجَّ بِهَا عَلَى اللَّهِ كَذبهُ١٠.
وَأَمَّا دَعْوَاكَ أَيُهَّا الْمَرِيسِيُّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى١١: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١٢
_________________
(١) ١ فِي ش "لَا آدم" وَهُوَ خطأ. ٢ فِي ط، س، ش "بذلك". ٣ قَوْله "فِي ذَلِك: لَيْسَ فِي ط، ش. ٤ فِي ط، س "حِين قَالَ". ٥ سُورَة ص آيَة "٧٦". ٦ فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ "أأسجد لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حمأ مسنون" وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ انْظُر: سُورَة الْحجر آيَة "٣٣". ٧ فِي ط، ش "فأكذبه فِي دَعْوَاهُ" وَفِي س" فأكذبه فِي دعواك". ٨ لَفْظَة "كَانَ" لَيست فِي س ولعلها سَقَطت. ٩ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ١٠ فِي ط، ش "لأكذبه". ١١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ١٢ سُورَة الْمَائِدَة آيَة "٦٤".
[ ١ / ٢٤١ ]
فَزَعَمْتَ تَفْسِيرَهُمَا١ رِزْقَاهُ، رِزْقٌ مُوَسَّعٌ وَرِزْقٌ مَقْتُورٌ٢، وَرِزْقٌ حَلَالٌ وَرِزْقٌ حرَام. فَقَوله٣ ﴿يَدَاهُ﴾ عِنْدَكَ رِزْقَاهُ. فَقَدْ خَرَجْتَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ حَدِّ الْعَرَبِيَّةِ كُلِّهَا، أومن حَدِّ مَا يَفْقَهُهُ الْفُقَهَاءُ وَمِنْ جَمِيعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فَمِمَّنْ تَلَقَّفْتَهُ٤؟ وَعَمَّنْ رَوَيْتَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ؟ فَإِنَّكَ ٥ جِئْتَ بمحال لَا يعقله عجمي٦ وَلَا عَرَبِيٌّ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ سَبَقَكَ إِلَى هَذَا التَّفْسِيرِ. فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي تَفْسِيرِكَ هَذَا فَأَثَرُهُ مِنْ صَاحِبِ عِلْمٍ أَوْ صَاحِبِ عَرَبِيَّةٍ، وَإِلَّا فَإِنَّكَ مَعَ كُفْرِكَ بِهِمَا٧ مِنَ الْمُدَلِّسِينَ.
وَإِنْ كَانَ تَفْسِيرُهُمَا عِنْدَكَ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ كَذِبٌ مُحَالٌ، فَضْلًا عَلَى٨ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا؛ لِأَنَّكَ ادَّعَيْتَ أَنَّ لِلَّهِ رِزْقًا مُوَسَّعًا، وَرِزْقًا مُقَتَّرًا، ثُمَّ قُلْتَ: إِنَّ رِزْقَيْهِ جَمِيعًا مَبْسُوطَانِ، فَكَيْفَ يَكُونَانِ مَبْسُوطَيْنِ، وَالْمَقْتُورُ أَبَدًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ غَيْرُ مَبْسُوطٍ؟ وَكَيْفَ قَالَ اللَّهُ: إِن كلتيهما مبسوطتان
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فَزَعَمت أَن تَفْسِيرهَا عنْدك". ٢ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب/ إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ٣/ ١٦ مَادَّة "قتر": "القتر والتقتير الرمقة من الْعَيْش وقتر وأقتر كِلَاهُمَا كقتر وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الْفرْقَان: ٦٧] وَقَالَ اللَّيْث: القتر الرمقة فِي النَّفَقَة. وأقتر الرجل إِذا أقل فَهُوَ مقتر، وقتر فَهُوَ مقتور عَلَيْهِ". بِتَصَرُّف. ٣ فِي س "قبقوله". ٤ فِي ط، س، ش "تلقيته". ٥ فِي ط، س، ش "وَإنَّك" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٦ فِي س، ط، ش "أعجمي". ٧ فِي ط، س، ش "بهَا". ٨ فِي ط، ش "عَن أَن يكون".
[ ١ / ٢٤٢ ]
وَأَنت تزْعم إِحْدَاهُمَا١ مَقْتُورَةٌ؟ فَهَذَا أَوَّلُ كَذِبِكَ وجهالتك بالتفسير وَقد كفرنا الله مُؤْنَةَ تَفْسِيرِكَ هَذَا بِالنَّاطِقِ مِنْ كِتَابِهِ وَبِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢.
فَأَمَّا٣ النَّاطِقُ مِنْ كِتَابِهِ فَقَوْلُهُ ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٤ وَقَوْلُهُ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٥ وَقَوْلُهُ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٦ وَقَوله ﴿بِيَدِك الْخَيْر﴾ ٧ وَقَوْلُهُ ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ ٨ وَقَوْلُهُ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٩ وَقَوْلُهُ ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١٠ فَهَلْ يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَتَأَوَّلَ، فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابِهِ أَنَّهُ١١ رِزْقَاهُ، فَتَقُولَ بِرِزْقِهِ الْخَيْر وبرزقة الْفضل، وبرزفة الْمُلْكُ، وَلَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ رِزْقِ الله وَرَسُوله؟.
_________________
(١) ١ فِي س "أَن إحديهما" وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ؛ لِأَن "إِحْدَى" اسْم مَقْصُور تقدر عَلَيْهَا جيمع الحركات وَلَا تظهر. ٢ عبارَة "النَّبِيِّ ﷺ" لم ترد فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، س، ش "أما ". ٤ سُورَة ص آيَة "٧٥". ٥ سرة الْمَائِدَة آيَة "٦٤". ٦ سُورَة الْفَتْح آيَة "١٠". ٧ سُورَة آل عمرَان آيَة "٢٦". ٨ فِي الأَصْل "إِن الْفضل بيد الله" وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ انْظُر: سُورَة الْحَدِيد، آيَة "٢٩". ٩ سُورَة الْملك آيَة "١". ١٠ فِي ش، "لَا تضربوا بَين يَدي الله وَرَسُوله" وَهُوَ خطأ وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ انْظُر: سُورَة الحجرات آيَة "١". ١١ فِي س "أَن رزقاه" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وَأَمَّا الْمَأْثُورُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ: "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهَ يَمِينٌ" ١.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَدِينِيِّ٢ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ٣ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ٤، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ٥، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ٦، عَنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ٧، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو٨، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
_________________
(١) ١ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْإِمَارَة، بَاب فَضِيلَة الإِمَام الْعَادِل، حَدِيث ١٨٢٧، ٣/ ١٤٥٨ عَن عبد الله ابْن عَمْرو مَرْفُوعا بِلَفْظ: "إِن المقسطين عِنْد الله عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِين الرَّحْمَن -﷿- وكلتا يَدَيْهِ يَمِين الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهليتهم وَمَا ولوا" قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم ١٢/ ٢١١: "وَلَو: بِفَتْح الْوَاو وَضم اللَّام المخففة" وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي سنَنه بشرح السُّيُوطِيّ وحاشية السندي، كتاب آدَاب الْقُضَاة بَاب فضل الْحَاكِم الْعَادِل فِي حكمه، جـ٨ ص"٢٢١" من طَرِيق المقسطين عِنْد الله بِهَذَا السَّنَد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن الْعَاصِ بِلَفْظ: "إِن المقسطين عِنْد الله تَعَالَى على مَنَابِر من نور من على يَمِين الرَّحْمَن الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهليتهم وَمَا ولوا" قَالَ مُحَمَّد فِي حَدِيثه: "وكلتا يَدَيْهِ يَمِين". ٢ هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، تقدم ص"١٥١". ٣ نعيم بن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ، تقدم ص"٢٠٤". ٤ ابْن أبي شيبَة، تقدم ص"١٥٤". ٥ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، تقدم ص"١٧٥". ٦ قَالَ فِي الْقَرِيب ٢/ ٦٩: عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ، أَبُو مُحَمَّد الْأَثْرَم، الجُمَحِي مَوْلَاهُم، ثِقَة ثَبت من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة ٢٦/ ع. ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٦٦: عَمْرو بن أَوْس بن أبي أَوْس، الثَّقَفِيّ الطَّائِفِي، تَابِعِيّ كَبِير، من الثَّانِيَة وهم من ذكره، فِي الصَّحَابَة، مَاتَ بعد التسعين من الْهِجْرَة، ع. ٨ فِي ط، س، ش "عبد الله بن عمر" وَالَّذِي يتَرَجَّح أَنه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ المعاص لما ذَكرْنَاهُ فِي تَخْرِيجه قَرِيبا، وَانْظُر: تَرْجَمته ص"٢٥٦".
[ ١ / ٢٤٤ ]
فَتَفْسِيرُ قَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي تَأْوِيلِكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ: أَنَّهُمْ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ رِزْقَيِ الرَّحْمَنِ، وَكِلَا١ رِزْقَيْهِ يَمِينٌ!!.
حَدَّثَنَا٢ مَهْدِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّمْلِيُّ٣، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ٤، عَنْ أَبِيهِ٥، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ٦، عَن ابْن عمر٧: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ -وَقَبَضَ كَفَّيْهِ أَو قَالَ: يَدَيْهِ -
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وكلتا". ٢ فِي ط، ش "وَحدثنَا". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٧٩: مهْدي بن جَعْفَر بن حَيَّان: بتَشْديد التَّحْتَانِيَّة، الرَّمْلِيّ الزَّاهِد، صَدُوق، لَهُ أَوْهَام من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٣٠/ تَمْيِيز. ٤ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، سَلمَة بن دِينَار، الْمدنِي، صَدُوق، فَقِيه من الثَّامِنَة مَاتَ سنة ٨٤ وَقيل: قبل ذَلِك، ع انظز التَّقْرِيب ١/ ٥٠٨. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣١٦: سَلمَة بن دِينَار: أَبُو حَازِم الْأَعْرَج، الأثور، التمار الْمدنِي، القَاضِي، مولى الْأسود بن سُفْيَان، ثِقَة، عَابِد من الْخَامِسَة، مَاتَ فِي خلَافَة الْمَنْصُور، ع. ٦ فِي ط، س، ش "عبد الله بن مقسم" بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الصَّوَاب وَبِه جَاءَ عِنْد مُسلم جـ٤ ص٢١٤٨. وَقَالَ فِي التَّقْرِيب١/ ٥٣٩: عبيد الله بن مقسم الْمدنِي، ثِقَة، مَشْهُور، من الرَّابِعَة خَ م د س ق. ٧ هُوَ عبد الله بن عمر كَمَا ورد فِي مُسلم انْظُر: تَخْرِيج الحَدِيث بعده قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٣٥: عبد الله بن الْخطاب الْعَدوي، أَبُو عبد الرَّحْمَن، ولد بِهِ المبعث بِيَسِير، واستصغر يَوْم أحد، وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة، وَهُوَ أحد المكثرين من الصَّحَابَة، والعبادلة، وَكَانَ من أَشد النَّاس اتبَاعا للأثر مَاتَ سنة ٧٣هـ فِي آخرهَا أَو أول الَّتِي تَلِيهَا ع.
[ ١ / ٢٤٥ ]
فَجعل يقبضهَا ويبسطها ١ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمَلِكُ ٢ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ وَيَمِيلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ"؟ ٣.
فَيَجُوزُ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنْ تَتَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّهُ يَأْخُذُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ بِرِزْقَيْهِ بِمُوَسَّعِهِ، وَبِمَقْتُورِهِ٤ وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ؟ مَا أَرَاكَ إِلَّا وَسَتَعْلَمُ أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ بِالْمُحَالِ، لِتُغَاطَ٥ "كَذَا" بِهَا الْجُهَّالَ، وَتُرَوِّجَ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَنَفْسُ مُحَمَّد بِيَدِهِ، لَا تدْخلُوا
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "يقبضهَا ويبسطها" كَمَا فِي مُسلم. ٢ فِي ط، س، ش "أَنا الْملك أَنا الْجَبَّار". ٣ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب صِفَات المافقين حَدِيث ٢٧٨٨، ٤/ ٢١٤٨ قَالَ: حَدثنَا سعيد بن مَنْصُور حَدثنَا "يَعْنِي ابْن عبد الرَّحْمَن" حَدثنِي أَبُو حَازِم، عَن عبيد الله بن مقسم، أَنه نظر الى عبد الله بن عمر كَيفَ يَحْكِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَأْخُذ الله ﷿ سمواته وأرضيه بيدَيْهِ، فَيَقُول: أَنا الله "وَيقبض أَصَابِعه ويبسطها" أَنا الْملك، حَتَّى نظرت إِلَى الْمِنْبَر يَتَحَرَّك مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ". ٤ فِي ط، س، ش "موسوعة ومقتوره". ٥ فِي ط، س، ش "لتغالط" قلت: وغاط من غطا الشَّيْء غطوًا وغطاه تَغْطِيَة وأغطاه أَي: واراه وستره، انْظُر: لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ٢/ "٩٩٩". مَادَّة "غطى".
[ ١ / ٢٤٦ ]
الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا ١" ٢ الْحَدِيثُ.
حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ٣، ثَنَا٥ ابْن الْمُبَارك٥ أبنا٦، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمسيب٩
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "وَلَا تؤمنوا حَتَّى تحَابوا". ٢ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْإِيمَان، بَاب بَيَان أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، حَدِيث ١٩٣/ ٧٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَا تدخلون الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تحَابوا، أَولا أدلكم على شَيْء إِذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشو السَّلَام بَيْنكُم". وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه تحفة الأحوذي، أَبْوَاب صفة الْقِيَامَة، بَاب ٢٠ حَدِيث ٢٦٢٨، ٧/ ٢١٢-٢١٣ عَن الزبير بن الْعَوام مَرْفُوعا. ٣ تقدم ص"٢٠٤". ٤ "ثَنَا" لَيست فِي ط، ولعلها سَقَطت، وَفِي ش "عَن" بدل "ثَنَا" وَفِي س "نَا" بدل "ثَنَا". ٥ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"٤٣". ٦ فِي ط، س، ش: "أخبرنَا". ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٨٦: يُونُس بن يزِيد بن أبي النجاد الْأَيْلِي -بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بعْدهَا لَام. أَبُو يزِيد مولى آل أبي سُفْيَان، ثِقَة إِلَّا أَن فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ وهما قَلِيلا وَفِي غير الزُّهْرِيّ خطأ، من كبار السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٥٩ على الصَّحِيح وَقيل: سنة٦٠/ ع،، وَقَالَ فِي التَّهْذِيب ١١/ ٤٥١: روى عَن الزُّهْرِيّ وَعنهُ ابْن الْمُبَارك إِلَخ. ٨ تقدم، ص"١٧٥". ٩ سعيد بن الْمسيب بن حزن بن أبي وهب بن عَمْرو بن عَابِد بن عمرَان بن مَخْزُوم الْقرشِي المَخْزُومِي، أحد الْعلمَاء الْأَثْبَات، الْفُقَهَاء الْكِبَار، من كبار الثَّانِيَة اتَّفقُوا على أَن مرسلاته أصح الْمَرَاسِيل، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَا أعلم فِي التَّابِعين أوسع علما مِنْهُ، مَاتَ بعد التسعين، وَقد ناهز الثَّمَانِينَ، ع. انْظُر "التَّقْرِيب ١/ ٣٠٥-٣٠٦.
[ ١ / ٢٤٧ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ١، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَقْبِضُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْمُلُوكُ؟ " ٢.
أَفَيَجُوزُ أَنْ يَطْوِيَ٣ اللَّهُ السَّمَاءَ٤ بِأَحَدِ رِزْقَيْهِ؟ فَأَيُّهُمَا الْمُوَسَّعُ عِنْدَكَ مِنَ الْمَقْتُورِ؟ وَأَيُّهُمَا الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ؟ لِأَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ" ٥ وَادَّعَيْتَ أَنْتَ أَنَّ إِحْدَاهُمَا مُوَسَّعٌ وَالْآخَرُ مَقْتُورٌ.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ٦
_________________
(١) ١ أَبُو هُرَيْرَة، تقدم ص"١٧٩". ٢ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب تَفْسِير الْقُرْآن، تَفْسِير سُورَة الزمر، بَاب ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الْآيَة حَدِيث ٤٨١٢، ٨/ ٥٥١ من طَرِيق آخر، عَن ابْن شهَاب، عَن أبي سَلمَة أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "يقبض الله الأَرْض، ويطوي السَّمَوَات بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْن مُلُوك الأَرْض". وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه تَرْتِيب وَتَحْقِيق مُحَمَّد فؤاد كتاب صِفَات الْمُنَافِقين صفة الْقِيَامَة وَالْجنَّة وَالنَّار حَدِيث ٢٣، ٤/ ٢١٤٨ من طَرِيق يُونُس، عَن ابْن شهَاب حَدثنِي ابْن الْمسيب، أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يقبض الله ﵎ الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة، ويطوي السَّمَاء بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْن مُلُوك الأَرْض". ٣ فِي س "أَن يَقُول: يطوي". ٤ فِي ط، س "السَّمَوَات". ٥ انْظُر تَخْرِيجه ص"٢٤٤". ٦ تقدم ص"١٦٨".
[ ١ / ٢٤٨ ]
ثَنَا حَمَّاد بن سَلمَة١ أبنا٢ مُحَمَّد بن عَمْرو٣ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٥ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَقِيَ آدَمَ" ٦ مُوسَى ٧ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي خلقك الله بِيَدِهِ" ٨
_________________
(١) ١ حَمَّاد بن سملة، تقدم ص"١٨٧"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ١/ ٣٢٦ أَنه روى عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ. ٢ فِي ط، ش "أَنا" وَفِي س "ثَنَا". ٣ مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة بن وَقاص، اللَّيْثِيّ الْمدنِي، صَدُوق لَهُ أَوْهَام، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين على الصَّحِيح ع، انْظُر" التَّقْرِيب ٢/ ١٩٦. وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٩/ ٣٧٥ أَنه روى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن وَعنهُ حَمَّاد بن سَلمَة. ٤ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، تقدم ص"١٧٦". ٥ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص"١٧٩". ٦ آدم ﵇، تقدم ص"١٣٧". ٧ مُوسَى ﵇، تقدم ص"١٥٥". ٨ أخرجه مُسلم من طَرِيق آخر عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظ: "احْتج آدم ومُوسَى ﵉ عِنْد ربهما فحج آدم مُوسَى قَالَ: مُوسَى: أَنْت آدم الَّذِي خلقك الله بِيَدِهِ وَنفخ فِيك من روحه وأسجد لَك مَلَائكَته، وأسكنك جنته" الحَدِيث انْظُر: صَحِيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد كتاب الْقدر بَاب حجاج آدم ومُوسَى ﵉ حَدِيث ١٥، ٤/ ٢٠٤٣. وَانْظُر/ التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه التُّحْفَة أَبْوَاب الْقدر بَاب رقم ٢ حَدِيث ٢٢١٧، ٦/ ٣٣٦-٣٣٨ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعا. وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد مُرَاجعَة وَتَعْلِيق مُحَمَّد خَلِيل هراس ص"٥٣-٥٤" من طَرِيق آخر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدثنِي عمر بن الْخطاب مَرْفُوعا بِلَفْظ: "التقى آدم ومُوسَى فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ" الحَدِيث.
[ ١ / ٢٤٩ ]
أَفَيَجُوزُ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنْ تَتَأَوَّلَ قَوْلَ مُوسَى خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ١ بِأَحَدِ رِزْقَيْهِ بِحَلَالِهِ أَمْ حَرَامِهِ؟
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ٢ وَأَبُو عَمْرو بْنُ الْحَوْضِيِّ٣ وَعَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ٤ قَالُوا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ٥ عَنْ عَمْرِو بن مرّة٦
_________________
(١) ١ قَوْله: "بِيَدِهِ" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٤٤: مُسلم بن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ الفراهيدي، أَبُو عَمْرو الْبَصْرِيّ، ثِقَة مَأْمُون، مكثر عمي بِآخِرهِ، من صغَار التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٢٢، وَهُوَ أكبر شيخ لأبي دَاوُد ع. ٣ أَبُو عَمْرو الحوضي، تقدم ص"٢١١". ٤ فِي ش "عمر بن مَرْزُوق"، وَفِي الأَصْل، ط، س "عَمْرو بن مَرْزُوق" وَهُوَ الصَّوَاب، وَالرَّاجِح أَنه عَمْرو بن مَرْزُوق الْبَاهِلِيّ، أَبُو عُثْمَان، الْبَصْرِيّ، ثِقَة لَهُ أَوْهَام، من صغَار التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٢٤/ خَ د انْظُر التَّقْرِيب ٢/ ٧٨، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي٢/ ١٠٤٩ أَنه روى عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج. ٥ قَالَ فِي الْقَرِيب ١/ ٣٥١: شُعْبَة بن الْحجَّاج بن الْورْد الْعَتكِي مَوْلَاهُم أَبُو بسطَام، الوَاسِطِيّ، ثمَّ الْبَصْرِيّ، ثِقَة حَافظ متقن، كَانَ الثَّوْريّ يَقُول: هُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث، وَهُوَ أول من فتش بالعراق عَن الرِّجَال، وذب عَن السّنة، وَكَانَ عابدًا، من السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٦٠/ ع. وَذكر فِي التَّهْذِيب ٤/ ٣٣٨-٣٤٦ أَنه روى عَن عَمْرو بن مرّة وَذكر مِمَّن روى عَنهُ أَبُو عَمْرو الحوضي، وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم وَعَمْرو بن مَرْزُوق. ٦ فِي ط، س، ش "عمر بن مرّة" وَصَوَابه "عَمْرو بن مرّة" قَالَ فِي التَّهْذِيب ٢/ ٧٨: عمْرَة بن مرّة بن عبد الله بن طَارق، الْجملِي بِفَتْح الْجِيم وَالْمِيم، الْمرَادِي أَبُو عبد الله، الْكُوفِي، الْأَعْمَى، ثِقَة، عَابِد، وَكَانَ لَا يُدَلس، رمي بالإرجاء من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ١٨ وَقيل قبلهَا ع. وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٨/ ١٠٢ أَنه روى عَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود وروى عَنهُ شُعْبَة.
[ ١ / ٢٥٠ ]
عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ١، عَنْ أَبِي مُوسَى٢، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَار، وبيسط يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تطلع الشمسس مِنْ مَغْرِبِهَا" ٣ أَفَيَجُوزُ أَنْ٤ يَبْسُطَ حَلَالَهُ بِاللَّيْلِ وَحَرَامَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ الْمُسِيئَانِ؟.
حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ٥، ثَنَا٦ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا٧ عَنْبَسَةُ بن سعيد٨
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التقرييب ٢/ ٤٨: أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود بكنيته، وَالْأَشْهر أَن لَا اسْم لَهُ غَيرهَا، وَيُقَال: اسْمه عَامر، كُوفِي، ثِقَة، من كبار الثَّالِثَة، وَالرَّاجِح أَنه لَا يَصح سَمَاعه من أَبِيه مَاتَ بعد سنة ثَمَانِينَ/ الْأَرْبَعَة وَذكر فِي التَّهْذِيب ٥/ ٧٥ أَنه روى عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وروى عَنهُ عَمْرو بن مرّة. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٤١: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار، بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة، أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، صَحَابِيّ مَشْهُور، أمره عمر ثمَّ عُثْمَان، وَهُوَ أحد الْحكمَيْنِ بصفين، مَاتَ سنة ٥٠هـ وَقيل بعْدهَا/ ع. ٣ انْظُر: صَحِيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب التَّوْبَة، بَاب قبُول التَّوْبَة من الذُّنُوب وَإِن تَكَرَّرت التَّوْبَة، حَدِيث ٢٧٥٩/ جـ٤ ص"٢١١٣" بِسَنَد آخر فِيهِ شُعْبَة وَمن بعده إِلَى أبي مُوسَى مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ. ٤ فِي ط، س، ش "أَن يُقَال: يبسط". ٥ نعيم بن حَمَّاد، تقدم ص"٢٠٤". ٦ فِي ط، س، ش "عَن ابْن الْمُبَارك" قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص"١٤٣". ٧ فِي ط، ش "أَنا" وَفِي س "أبنا". ٨ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٨٨: عنسبة بن سعيد بن الضريسي، بضاد مُعْجمَة مُصَغرًا الْأَسدي، أَبُو بكر الْكُوفِي، قَاضِي الرّيّ، ثِقَة، من الثَّامِنَة ت خت س، وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٨/ ٥٥ أَنه روى عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ وَعنهُ ابْن الْمُبَارك.
[ ١ / ٢٥١ ]
عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ١ عَنْ مُجَاهِدٍ٢ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٣ عَنْ عَائِشَةَ٤ ﵂ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ ٥ فَأَيْنَ٦ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ" ٧، أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَرْضَ جَمِيعًا رِزْقُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ٢٢٩: مُجَاهِد بن جبر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمُوَحدَة، أَبُو الْحجَّاج، المَخْزُومِي مَوْلَاهُم الْمَكِّيّ، ثِقَة إِمَام فِي التَّفْسِير وَفِي الْعلم، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة إِحْدَى أَو اثْنَيْنِ أَو ثَلَاث أَو أَربع وَمِائَة، وَله ٨٣ سنة ع. ٣ عبد الله بن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ٦٠٦: عَائِشَة بنت أبي بكر الصّديق، أم الْمُؤمنِينَ، أفقه النِّسَاء مُطلقًا، وَأفضل أَزوَاج النَّبِيِّ ﷺ، إِلَّا خَدِيجَة فَفِيهَا خلاف شهير، مَاتَ سنة ٥٧ على الصَّحِيح ع وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة٤/ ٣٤٥-٣٥١ وَأسد الغابة٥/ ٥٠١-٥٠٤ والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب٤/ ٣٤٨-٣٥٠ وتهذيب التَّهْذِيب١٢/ ٤٣٣-٤٣٦. ٥ سُورَة الزمر، آيَة "٦٧". ٦ فِي ط، س، ش "فَأَيْنَ يكون النَّاس؟ ". ٧ أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه تحفة الأحوذي، أَبْوَاب التَّفْسِير، تَفْسِير سُورَة الزمر، حَدِيث٣٢٩٨/ جـ٩ ص"١٢٠-١٢١" قَالَ: حَدثنَا سُوَيْد بن نصر أخبرنَا عبد الله بن الْمُبَارك بِهَذَا السَّنَد، عَن مُجَاهِد قَالَ: ابْن عَبَّاس: "أَتَدْرِي مَا سَعَة جَهَنَّم؟ قلت: لَا، قَالَ: أجل وَالله مَا تَدْرِي "حَدَّثتنِي عَائِشَة: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن قَوْلُهُ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قَالَت: قلت: فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: على =
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِرِزْقِهِ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ وَمُوَسَّعِهِ١ وَمُقَتَّرِهِ؟ لَقَدْ عَلِمَ الْخَلْقُ٢ إِلَّا مَنْ جَهِلَ اسْتِحَالَةَ هَذَا التَّأْوِيلِ.
فَلَوْ أَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ مُعَانَدَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمُخَالَفَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ احْتَجَجْتَ بِكَلَامٍ أَسْتَرَ عَوْرَةً، وَأَقَلَّ اسْتِحَالَةً مِنْ هَذَا، كَانَ أَنْجَعَ٣ لَكَ فِي قُلُوبِ الْجُهَّالِ مِنْ أَنْ تَأْتِيَ بِشَيْءٍ لَا يَشُكُّ عَاقِلٌ وَلَا جَاهِلٌ فِي بُطُولِهِ٤ وَاسْتِحَالَتِهِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن صَالح٥ حَدثنِي لَيْث٦،
_________________
(١) = جسر جَهَنَّم". قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الحَدِيث قصَّة، وَهَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب من هَذَا الْوَجْه، وَقَالَ المباركفوري: وَأخرجه أَحْمد وَابْن جرير. قلت: انْظُر: الْمسند، بهامشه الْمُنْتَخب٦/ ١١٦-١١٧ وَانْظُر: تَفْسِير الطَّبَرِيّ بهامشه تَفْسِير الغرائب٢٤/ ١٩. وَأخرجه الْحَاكِم فِي آخر حَدِيث لَهُ فِي الْمُسْتَدْرك بذيله التَّلْخِيص كتاب التَّفْسِير٢/ ٤٣٦ من طَرِيق الْحسن بن حَلِيم الْمروزِي، ثَنَا أَبُو الموجه أنبأ عَبْدَانِ أنبأ عبد الله بن عَنْبَسَة بِهَذَا السِّيَاقَة، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: "صَحِيح". ١ فِي ط، س، ش "وموسوعة". ٢ فِي ط، س، ش: "الْخلق" وَمَا فِي الأَصْل هُوَ الصَّوَاب. ٣ "أنجع" تقدم مَعْنَاهَا ص”١٤٠". ٤ قلت: وَهِي صَحِيحَة: قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس٣/ ٣٣٥ مَادَّة "بَطل": "بَطل بُطْلًا وبُطُولًا وبطلانًا بضمهن" ذهب ضيَاعًا وخسرًا وأبطله وَفِي حَدِيثه بطالة هزل كأبطل". ٥ عبد الله بن صَالح، كَاتب اللَّيْث تقدم ص”١٧١". ٦ فِي ط، س، ش "اللَّيْث" قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ١٣٨- اللَّيْث بن سعيد بن عبد الرَّحْمَن الفهمي، أَبُو الْحَارِث الْمصْرِيّ، ثِقَة ثَبت فَقِيه، إِمَام مَشْهُور، من السَّابِعَة مَاتَ فِي شعْبَان سنة٧٥/ ع.
[ ١ / ٢٥٣ ]
حَدَّثَنِي ابْنُ عَجْلَانَ١، عَنْ أَبِيهِ٢، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٣ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي" ٤ فَهَلْ مِنْ بَيَانٍ أَشْفَى مِنْ هَذَا أَنَّهُ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي٥؟ أَفَيَجُوزُ لِهَذَا الْمَرِيسِيِّ أَنْ يَقُولَ: كَتَبَ بِرِزْقِهِ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ على نَفسه؟
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ١٩٠: مُحَمَّد بن عجلَان الْمدنِي، صَدُوق، إِلَّا أَنه اخْتَلَط عَلَيْهِ أَحَادِيث أبي هُرَيْرَة من الْخَامِسَة مَاتَ سنة٤٨/ خت م وَالْأَرْبَعَة. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ١٦: عجلَان، مولي فَاطِمَة بنت عتبَة، الْمدنِي، لَا بَأْس بِهِ، من الرَّابِعَة خت م وَالْأَرْبَعَة وَذكر فِي التَّهْذِيب٧/ ١٦٢ أَنه روى عَن مولاته وَأبي هُرَيْرَة وَعنهُ ابْنه مُحَمَّد، وَفِي تحفة الأحوذي٩/ ٥٢٨ قَالَ المباركفوري فِي شرحة على حَدِيث٣٦١١: هُوَ عجلَان الْمدنِي مولى فَاطِمَة بنت عتبَة، لَا بَأْس بِهِ من الرَّابِعَة. ٣ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص"١٧٩". ٤ أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَول الله تَعَالَى ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ حَدِيث ٧٥٥٤، ١٣/ ٥٢٢ من طَرِيق آخر عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِن الله كتب كتابا قبل أَن يخلق الْخلق: إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي فَهُوَ مَكْتُوب عِنْده فَوق الْعَرْش". أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه تحفة الأحوذي، كتاب الدَّعْوَات بَاب "١٠٩" حَدِيث ٣٦١١ جـ٩ ص"٥٢٨" قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة، حَدثنِي اللَّيْث بِهَذَا السَّنَد، عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظِهِ وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. ٥ قَوْله: "فَهَل من بَيَان أشفى" إِلَى قَوْله: "أَن رَحْمَتي تغلب غَضَبي" لَيْسَ فِي ط، س، ش وَفِيه زِيَادَة وضوح.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وَفِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، تَرَكْنَاهَا مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ بَيَانٌ بَيِّنٌ وَدِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي تَثْبِيتِ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ١ أَنَّهُمَا عَلَى خِلَافِ مَا تَأَوَّلَهُ هَذَا الْمَرِيسِيُّ الضَّالُّ، الَّذِي خَرَجَ بِتَأْوِيلِهِ هَذَا مِنْ جَمِيع لُغَات الْعَرَب والعجم، فليعرض هَذِه الأثار رجل على عقله: فَهَل يجوز لعربي أَو عجمي أَنْ يَتَأَوَّلَ أَنَّهَا أَرْزَاقُهُ، وَحَلَالُهُ، وَحَرَامُهُ؟ وَمَا أَحْسَبُ هَذَا الْمَرِيسِيَّ إِلَّا وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهَا تَأْوِيلُ ضَلَالٍ٢ وَدَعْوَى مُحَالٍ، غَيْرَ أَنَّهُ مُكَذِّبٌ الْأَصْلَ متطلف لِتَكْذِيبِهِ بِمُحَالِ التَّأْوِيلِ كَيْلَا يَفْطِنَ لِتَكْذِيبِهِ أَهْلُ الْجَهْلِ.
وَلَئِنْ كَانَ أَهْلُ الْجَهْلِ فِي غَلَطٍ مِنْ أَمْرِهِ، إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْهُ لَعَلَى يَقِينٍ.
فَلَا يَظُنَّ الْمُنْسَلِخُ مِنْ دِينِ اللَّهِ أَنَّهُ يُغَالِطُ بِتَأْوِيلِهِ هَذَا إِلَّا مَنْ قَدْ أَضَلَّهُ اللَّهُ٣ وَجَعَلَ عَلَى قَلْبِهِ وَبَصَرِهِ وَسَمْعِهِ٤ غِشَاوَةً.
ثُمَّ إِنَّا من عَرَفْنَا لِآدَمَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ابْنًا أَعَقَّ وَلَا أَحْسَدَ مِنْهُ، إِذْ يَنْفِي عَنْهُ أَفْضَلَ فَضَائِلِهِ وَأَشْرَفَ مَنَاقِبِهِ، فَيُسَوِّيهِ فِي ذَلِكَ بِأَخَسِّ٥ خلق الله؛ لِأَنَّهُ
_________________
(١) ١ لَفْظَة "﷿" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ فِي س "تَأْوِيل وضلال". ٣ لفظ الْجَلالَة لَيْسَ فِي ش. ٤ فِي ط، س، ش "وَجعل على قلبه وسَمعه وبصره غشاوة". ٥ أَي أَدْنَاهُم قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس٢/ ٢١٠ مَادَّة "الخس": "وخس نصِيبه جعله خسيسًا دنيئًا حَقِيرًا وخسست بِالْكَسْرِ خسة وخساسة إِذا كَانَ فِي نَفسه خسيسًا.. وَفُلَانًا وجدته خسيسًا واستخسه عده كَذَلِك، والمستخس وَيفتح الْخَاء الدون والقبيح الْوَجْه" بِتَصَرُّف.
[ ١ / ٢٥٥ ]
لَيْسَ لآدَم أفضل من أَن الله بِيَدِهِ وَمن بَيْنِ خَلَائِقِهِ، فَفَضَّلَهُ بِهَا عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْمَلَائِكَةِ١ أَلَا تَرَوْنَ مُوسَى٢ حِينَ الْتَقَى مَعَ آدَمَ٣ فِي الْمُحَاوَرَةِ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَشْرَفِ مَنَاقِبِهِ فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ٤؟ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مَخْصُوصَةً لِآدَمَ دُونَ من سوه مَا كَانَ يَخُصُّهُ بِهَا فَضِيلَةً دُونَ نَفْسِهِ، إِذْ هُوَ وَآدَمُ فِي خَلْقِ يَدَيِ اللَّهِ سَوَاءٌ فِي دَعْوَى الْمَرِيسِيِّ وَلِذَلِكَ٥ قُلْنَا إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِآدَمَ ابْنٌ أَعَقُّ مِنْهُ، إِذْ يَنْفِي عَنْهُ مَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرو بن الْعَاصِ٦ حَدَّثَنَا٧ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ٨ حَدثنِي اللَّيْث٩
_________________
(١) ١ مَقْصُودَة الْفَضِيلَة الَّتِي اختصه بِهِ وَهُوَ أَن الله خلقه بِيَدِهِ، وَلَا يلزمك من ذَلِك تَفْضِيل آدم على غَيره من الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ؛ لِأَن هَذِه الْفَضِيلَة تَشْمَل ذُريَّته فَإِن آدم أصل الْبشر فَهَذِهِ الْفَضِيلَة لجنس الْبشر، حَيْثُ إِن الله خلق أباهم بِيَدِهِ. ٢ تقدّمت تَرْجَمته ص"١٥٥". ٣ تقدم، ص"١٧٧". ٤ تقدم ص"٢٤٩". ٥ فِي ط، س، ش "فَلذَلِك". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب١/ ٤٣٦: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بن وَائِل بن هَاشم بن سعيد بِالتَّصْغِيرِ، ابْن سعد بن سهم السَّهْمِي، أَبُو مُحَمَّد وَقيل: أَبُو عبد الرَّحْمَن أحد السَّابِقين المكثرين من الصَّحَابَة، وَاحِد العبادلة الْفُقَهَاء، مَاتَ فِي ذِي الْحجَّة ليَالِي الْحرَّة على الْأَصَح بِالطَّائِف على الرَّاجِح/ ع. ٧ فِي ط، س، ش "حَدَّثَنَا". ٨ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كَاتب اللَّيْث: تقدم ص"١٧١". ٩ اللَّيْث بن سعيد تقدم ص"٢٠٦".
[ ١ / ٢٥٦ ]
حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْيدٍ١، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ٢ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ٣ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ٤ قَالَ: "لَقَدْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا، مِنَّا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، وَمِنَّا حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَمِنَّا الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ اللَّهَ٥ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا نسأم٦ وَلَا نفتر، خلقت بَين آدَمَ فَجَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيَا، وَجَعَلْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ٧ فَكَمَا جَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيَا فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ فَقَالَ: لن أفعل، ثمَّ عادو فاجتهدوا الْمَسْأَلَة فَقَالُوا مثل ذَلِك ٨ فَقَالَ: لن أفعل، ثمَّ عادو فاجتهدو الْمَسْأَلَة بِمثل ذَلِكَ، فَقَالَ: لَنْ أَجْعَلَ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ كَمَنْ قلت لَهُ: كن فَكَانَ "٩؟،
_________________
(١) ١ فِي س "هِشَام بن سعد" وَهُوَ الصَّوَاب، تقدّمت تَرْجَمته ص”٢٠٦"، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب١١/ ٣٩ أَنه روى عَن زيد بن أسلم وَعنهُ اللَّيْث وَالثَّوْري. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب١/ ٢٧٢: "زيد بن أسلم الْعَدوي مولى عمر، أَبُو عبد الله أَو أَبُو أُسَامَة الْمَدِين ثِقَة، عَالم، وَكَانَ يُرْسل، من الثَّالِثَة مَاتَ سنة٣٦/ ع. ٣ عَطاء بن يسَار، تقدم ص”٢٠٦". ٤ فِي ط، س، ش زِيَادَة "﵄ "وَقد تقدّمت تَرْجَمته قَرِيبا. ٥ فِي ط، س، ش "وَنحن نُسَبِّح اللَّيْل وَالنَّهَار". ٦ فِي ط، ش "وَلَا نسأم". ٧ فِي ط، ش "وَلَا تستريحون" وَفِي س: ويتبرجون". ٨ قَوْله: "فَقَالُوا مثل ذَلِك لَيْسَ فِي ط، وَفِي س: وَفِي ش، "فَقَالَ مثل ذَلِك" وَلَا يَسْتَقِيم الْمَعْنى بِمَا فِي س. ٩ فِي الأَصْل "كن فَكَانَ" وَلَعَلَّه سقط بعضه سَهوا وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، س، ش، وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. تَخْرِيجه: جَاءَ هَذَا الْخَبَر من طَرِيق أُخْرَى ضَعِيفَة أَن بَعْضهَا غَايَة فِي =
[ ١ / ٢٥٧ ]
_________________
(١) = الضعْف وَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط ونلقه الهيثمي فِي الْمجمع١/ ٨٢ وَقَالَ: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَفِيه إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن خَالِد المصِّيصِي وَهُوَ كَذَّاب مَتْرُوك، وَفِي إِسْنَاد الْأَوْسَط طَلْحَة بن زيد وَهُوَ كَذَّاب أَيْضا". وَذكره ابْن كثير فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ وَالْآيَة من سُورَة الْإِسْرَاء٥/ ٢٠٦ من طَرِيق عبد الرَّزَّاق وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن عَسَاكِر مُخْتَصرا عَمَّا هُنَا. وَذكره شَارِح الطحاوية عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَالَ: أخرجه الطَّبَرَانِيّ وآخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل عَن عُرْوَة بن رُوَيْم إِلَّا أَن الشَّارِح أعلهما سندًا ومتنًا. انْظُر شرح الطحاوية بتخريج الألباني ص”٣٤٢-٣٤٣" وَتعقبه أَحْمد شَاكر فِي إعلاله طَرِيق عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فَقَالَ بعد أَن ذكره بِإِسْنَادِهِ عَن عُرْوَة بن رُوَيْم يَقُول: أَخْبرنِي الْأنْصَارِيّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فَهَذَا إِسْنَاد ظَاهر الصِّحَّة أَيْضا وَإِن لم أستطع أَن أَجْزم بذلك؛ لِأَن عُرْوَة بن رُوَيْم لم يُصَرح فِيهِ بِأَن الْأنْصَارِيّ الَّذِي حَدثهُ بِهِ صَحَابِيّ، فجهالة الصَّحَابِيّ لَا تضر وَهُوَ يروي عَن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ فَإِن يكنه يكن الْإِسْنَاد صَحِيحا وَهَذَا مُحْتَمل جدًّا وَإِن كنت لَا أقطع بِهِ" انْظُر شرح الطحاوية بتخريج شَاكر ص”٢٤١-٢٤٢". وَقَالَ الألباني: حَدِيث عبد الله بن أَحْمد بِسَنَدِهِ إِلَى الْأنْصَارِيّ فَلَا شكّ فِي عَدَالَة رُوَاته باستثناء الْأنْصَارِيّ وَإِنَّمَا الْبَحْث فِي كَون الْأنْصَارِيّ إِنَّمَا هُوَ أنس ابْن مَالك ﵁؛ لِأَنَّهُ إِن كَانَ هُوَ فَالْحَدِيث بتخريج الألباني ص”٣٤٤" وَالسّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد ص”١٤٨". قلت: وَالَّذِي يظْهر لي أَن الْأنْصَارِيّ الَّذِي اخْتلف فِيهِ هُنَا هُوَ جَابر بن عبد الله =
[ ١ / ٢٥٨ ]
_________________
(١) = الْأنْصَارِيّ، وَقد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ عِنْد الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٣١٦-٣١٧"، حَيْثُ أوردهُ من طَرِيق عبد ربه بن صَالح الْقرشِي قَالَ: سَمِعت عُرْوَة بن رُوَيْم يحدث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، وَذكره مَرْفُوعا بِنَحْوِهِ، إِلَّا أَن عُرْوَة بن رُوَيْم يروي عَن جَابر مُرْسلا كَمَا قَالَ الخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص"٢٦٥"، ويشكك فِي الألباني فِي أَن يكون الْأنْصَارِيّ، هُوَ جَابر مشير إِلَيّ مَا أخرجه ابْن عَسَاكِر "٩/ ٤٠٧/ ٢" انْظُر: شرح الطحاوية بتخريج الألباني ص"٣٤٥". قلت: وَاخْتلف فِي طَرِيق عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارَمِيُّ -﵀- فَمنهمْ من قواه وَمِنْهُم من ضعفه فقد ذكره ابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة١/ ٥٤-٥٥ فَقَالَ: "فصل وَقد اخْتلف النَّاس فِي تَفْصِيل الْمَلَائِكَة على الْبشر على أَقْوَال -وَذكر الْخلاف- إِلَى أَن قَالَ وَأحسن مَا يسْتَدلّ بِهِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من رَوَاهُ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعا وَهُوَ أصح، قَالَ: "لما خلق الله الْجنَّة قَالَت الْمَلَائِكَة يَا رَبنَا اجْعَل لنا هَذِه نَأْكُل مِنْهَا وَنَشْرَب فَإنَّك خلقت الدُّنْيَا لبني آدم فَقَالَ الله: لَنْ أَجْعَلَ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كن فَكَانَ". ذكره أَحْمد شَاكر فِي تَخْرِيجه على شرح الطحاوية ص"٢٤١" معقبًا على الشَّارِح فِي إعلاله فَقَالَ: وَلَكِن الحَدِيث رَوَاهُ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ فِي كتاب الرَّد على بشر المريسي ص"٣٤" بِإِسْنَاد صَحِيح مطولا -وَذكر إِسْنَاد الدَّارمِيّ ثمَّ قَالَ: وَهَذَا إِسْنَاد لَا مغمز فِيهِ، وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَافِظ ابْن كثير فِي التَّارِيخ١/ ٥٥ مُخْتَصرا من رِوَايَة عُثْمَان بن سعيد وَأَشَارَ إِلَى صِحَّته". وَتعقبه الألباني فِي تَخْرِيجه على شرح الطحاوية ص"٣٤٢" فضعفه. وَيُمكن القَوْل بِأَن أجمع مَا قيل فِي إِسْنَاد عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ هُوَ مَا ذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ ص"٤٧"؛ حَيْثُ قَالَ: "وَصَحَّ إِلَى عبد الْوَارِث قَالَ: قَالَ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ فِي كتاب النَّقْض على بشر المريسي: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، ثمَّ ذكره بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ: إِسْنَاد صَالح".
[ ١ / ٢٥٩ ]
أَوَلَا تَرَى أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ، كَيْفَ ميز بَين آدم فِي خلقته١ بِيَدَيِ اللَّهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْخَلْقِ؟ وَلَوْ كَانَ تَفْسِيرُهُ عَلَى مَا ادَّعَيْتَ لَاحْتَجَّتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى رَبهَا إِذا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِيَدَيْهِ فِي آدَمَ، أَنْ يَقُولُوا: يَا رَبَّنَا، نَحْنُ وَآدَمُ فِي مَعْنَى خَلْقِهِ بِيَدَيْكَ٢ سَوَاءٌ وَلَكِنْ عَلِمَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ تَفْسِيرِ ذَلِكَ مَا عَمِيَ عَنْهُ الضَّالُّ الْمَرِيسِيُّ، وَاللَّهِ مَا رَضِيَ اللَّهُ لِذُرِّيَّةِ آدَمَ حَتَّى أَثْبَتَ لَهُمْ بِذَلِكَ عِنْدَهُ مَنْقَبَةَ آدَمَ، إِذْ خَلَقَ أَبَاهُمْ بِيَدِهِ خُصُوصًا مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ حَتَّى احْتَجَّ بِهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَفَضَّلَ وَلَدَهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَكَيْفَ آدَمُ نَفْسُهُ؟ لَقَدْ حَسَدْتَ أَبَاكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ كَمَا حَسَدَهُ إِبْلِيسُ، حَيْثُ قَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٣ وَأَيُّ عُقُوقٍ لِآدَمَ أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ: خَلَقْتُ أَبَاكَ آدَمَ بِيَدَيَّ دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْخَلَائِقِ فَيَقُولُ٤: لَا، وَلَكِنْ٥ خَلَقْتَهُ بِإِرَادَتِكَ، كَمَا خَلَقْتَ الْقِرَدَةَ والخنازير، وَالْكلاب الخنافس العقارب، سَوَاء٦.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش، "فِي خلقه". ٢ فِي الأَصْل "خلقَة يَديك" وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، س، ش: وَبِه نستقيم الْمَعْنى. ٣ سُورَة الْأَعْرَاف آيَة "١٢". ٤ فِي ط، س، ش "فَتَقول". ٥ لَفْظَة "لَكِن" لَيست فِي ط، س، ش. ٦ خلق الله القردة الْخَنَازِير والعقارب، والخنافس لحكم وأسرار، خلقهَا خير وَعدل وَحكمه وَرَحْمَة، إِن قد يحصل من هَذِه الْأَشْيَاء أضرار فَذَلِك لَا ينْسب إِلَى الله، بل الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الْخلق وَهُوَ مَبْنِيّ على الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة وَالْعدْل كَغَيْرِهَا من الْمَخْلُوقَات.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وَمِمَّا يَزِيدُكَ بَيَانًا لِاسْتِحَالَةِ دَعْوَاكَ: قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ١: "خَلَقَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الْخَلْقِ: كُنْ فَكَان"٢.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ٣، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ٤، ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مِهْرَانَ -وَهُوَ الْمُكْتِبُ٥- ثَنَا مُجَاهِدٌ٦ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ٧: "خَلَقَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ:- الْعَرْشُ، وَالْقَلَمُ، وَعَدْنٌ، وَآدَمُ ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الْخَلْقِ٨: كن فَكَانَ"٩.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "زِيَادَة ﵄". ٢ انْظُر: الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ بعده. ٣ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب١/ ٥٢٦: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، الْعَبْدي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ ثِقَة، فِي حَدِيثه، عَن الْأَعْمَش وَحده مقَال، من الثَّامِنَة مَاتَ سنة ٧٦ وَقيل بعْدهَا/ ع. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب١/ ٥٤٥" عبيد بن مهْرَان الْكُوفِي، الْمكتب ثِقَة من الْخَامِسَة، م خد س، وَذكر فِي التَّهْذِيب٤/ ٧٤ أَنه روى عَن مُجَاهِد وَعنهُ عبد الْوَاحِد بن زِيَاد. ٦ مُجَاهِد بن جبر، تقدم ص"٢٥٢" وَذكر فِي التَّهْذِيب١٠/ ٤٢ أَنه روى عَن العبادلة الْأَرْبَعَة. ٧ تقدم ص"٢٤٥". ٨ فِي س "الْخَلَائق". ٩ أخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره الْجَامِع بهامشه تَفْسِير الغرائب ٢٣/ ١١٩ من طَرِيق آخر عَن عبد الْمكتب قَالَ: سَمِعت مُجَاهدًا يحدث عَن ابْن عمر قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ: الْعَرْش وعدن والقلم وآدَم ثمَّ قَالَ لكل شَيْء: كن فَكَانَ". وَأخرجه اللالكائي فِي شرح السّنة تَحْقِيق أَحْمد سعد حمدَان =
[ ١ / ٢٦١ ]
أَفَلَا تَرَى أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ كَيْفَ مَيَّزَ ابْنُ عُمَرَ وَفَرَّقَ بَيْنَ آدَمَ وَسَائِرِ الْخَلْقِ فِي خَلْقِهِ الْيَد١؟! أَفَأَنْتَ أَعْلَمُ مِنِ ابْنِ عُمَرَ تبأويل الْقُرْآنِ وَقَدْ شَهِدَ التَّنْزِيلَ وَعَايَنَ التَّأْوِيلَ٢ وَكَانَ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ غَيْرَ جهول.
_________________
(١) = ٣/ ٤٢٩ من طَرِيق: نَا عبد الْوَاحِد -يَعْنِي ابْن زِيَاد- قَالَ: ثَنَا عبيد ابْن مهْرَان قَالَ: ثَنَا مُجَاهِد قَالَ: عبد الله، وَذكره. أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب مَا جَاءَ فِي إِثْبَات صفة الْيَدَيْنِ من٣١٨-٣١٩ قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ، ثَنَا أَبُو بكر بن إِسْحَاق، أَنا مُحَمَّد بن ربح السماك، ثَنَا يزِيد بن هَارُون، أَنا سُفْيَان بن سعيد، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "خلق الله ﵎ أَرْبَعَة أَشْيَاء بِيَدِهِ: الْعَرْش، وجنات عدن وآدَم، والقلم واحتجت من الْخلق بأَرْبعَة: بِنَار وظلمة وَنور وظلمة" وَقَالَ: هَذَا مَوْقُوف والحجاب يرجع الى الْخلق لَا إِلَى الْخَالِق. وَأخرجه أَبُو الشَّيْخ فِي العظمة مخطوط لوحة "٣٦" عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ ص”٤٨" من طَرِيق عبد الْوَاحِد بن زِيَاد بِهَذَا السَّنَد مَوْقُوفا على ابْن عمر بِلَفْظ: "خَلَقَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ: الْعَرْش والقلم وآدَم وجنة عدن ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الْخَلْقِ: "كُنْ فَكَانَ". وَقَالَ: إِسْنَاده جيد. وَقَالَ الألباني فِي مُخْتَصر الْعُلُوّ ص”١٠٥": أخرجه الدَّارمِيّ "٣٥، ٩٠" وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة٣٥/ ٢ ٢٠٩/ ٢ واللالكائي "١/ ٩٧/ ١" بِسَنَد صَحِيح على شرح مُسلم" قلت: قَول الألباني: أخرجه الدَّارمِيّ يَعْنِي من كتاب الرَّد على بشر المريسي" بتحقيق مُحَمَّد الفقي ط الأولى. ١ فِي ط، ش، "فِي حَلقَة الْيَد" وَهُوَ أوضح وَفِي س "خلقه الْيَد" وعلق بقوله "لَعَلَّه بِالْيَدِ". ٢ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "وعاين التَّنْزِيل".
[ ١ / ٢٦٢ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ٢، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ٣، عَنْ مَيْسَرَةَ٤ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَمَسَّ٥ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ غَيْرَ ثَلَاثٍ: خَلَقَ آدَمَ٦ بِيَدِهِ، وَكتب التوارة٧ بِيَدِهِ، وغرس جنَّة بِيَدِهِ٨.
_________________
(١) ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ٣٣١: وضاح، بتَشْديد الْمُعْجَمَة ثمَّ مُهْملَة، ابْن عبد الله الْيَشْكُرِي، بِالْمُعْجَمَةِ، الوَاسِطِيّ، الْبَزَّاز، أَبُو عوَانَة، مَشْهُور بكنيته، ثِقَة ثَبت، من السَّابِعَة مَاتَ سنة خمس أَو سِتّ وَسبعين، ع. ٣ عَطاء بن السَّائِب، تقدم ص"١٧٣". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ٢٩١: ميسرَة، أَبُو صَالح الْكِنْدِيّ الْكُوفِي، مَقْبُول من، الثَّالِثَة د/ س، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف٣/ ١٩٢: عَن عَليّ وَعَن سُوَيْد بن غَفلَة وَعنهُ بن خباب وَعَطَاء بن السَّائِب، وثق. ٥ سبق الْكَلَام عَن الْمَسِيس ص"٢٣٠". ٦ آدم ﵇ تقدّمت، تَرْجَمته ص"١٧٧". ٧ التوارة كتاب الله الْمنزل على مُوسَى ﵇، فِيهَا حكم الله، وفيهَا هدى وَنور وفيهَا الْبشَارَة بِالنَّبِيِّ الْأُمِّي قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ [الْأَعْرَاف: آيَة: ١٥٧] وَورد أَن الله تَعَالَى كتب التَّوْرَاة بِيَدِهِ وَهِي مُشْتَمِلَة على أسفار فيذكر مُبْتَدأ الْخلق فِي السّفر الأول، ثمَّ الْأَحْكَام وَالْحُدُود وَالْأَحْوَال والقصص إِلَخ ونالت فَمن تَحْرِيف الْيَهُود وعبثهم وافترائهم مَا نالته، وَقد ورد ذكرهَا صَرِيحًا وضمنًا فِي آي كَثِيرَة من الْقُرْآن الْكَرِيم يَتَّضِح ذَلِك لمن تَأمله انْظُر: الْفَصْل لِابْنِ حزم ط، الأولى١/ ١٨٦-٢١٧ والملل والنحل للشهرستاني بتحقيق مُحَمَّد سيد كيلاني١/ ٢١٠-٢١١. ٨ ورد فِي كتاب السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد صـ٦٨ من طَرِيق آخر عَن عِكْرِمَة قَالَ "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَمَسَّ بِيَدِهِ شَيْئا إِلَّا ثَلَاثًا: خلق آدم بِيَدِهِ وغرس الْجنَّة بِيَدِهِ، وَكتب =
[ ١ / ٢٦٣ ]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ١، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ٢، ثَنَا سَعِيدُ بن أبي
_________________
(١) = التَّوْرَاة بِيَدِهِ، وَمن طَرِيق حَكِيم بن جَابر وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْمس وغرس الْجنَّة. وَأخرجه الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة، بتحقيق مُحَمَّد حَامِد الفقي، ص"٣٠٣" قَالَ: حَدثنَا جَعْفَر الصندلي قَالَ: حَدثنَا زُهَيْر بن مُحَمَّد الْمروزِي قَالَ: حَدثنَا يعلى بن عبيد قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ حَكِيم بن جَابر قَالَ: "أخْبرت أَن ربكُم ﷿ لم يمس إِلَّا ثَلَاثَة أَشْيَاء: غرس الْجنَّة بِيَدِهِ وَجعل ترابها الورس والزعفران، وجبالها الْمسك وَخلق آدم ﵇ وَكتب التَّوْرَاة لمُوسَى ﵇" قلت: وَحَكِيم بن جَابر تَابِعِيّ وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره، أرسل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورور عَن أَبِيه وَعمر وَعُثْمَان وَابْن مَسْعُود وَغَيرهم وَعنهُ إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد وَغَيره "انْظُر: تَهْذِيب التَّهْذِيب٢/ ٤٤٤-٤٤٥"، وَذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ، مُرَاجعَة وَتَصْحِيح عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان ص"٩٥" عَن حَكِيم بن جَابر قَالَ: أخْبرت أَن ربكُم ﷿ لم يمس بِيَدِهِ إِلَّا ثَلَاث أَشْيَاء: غرس الْجنَّة بِيَدِهِ وَخلق آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ"، وَسكت عَنهُ قَالَ الألباني فِي مُخْتَصر الْعُلُوّ ص"١٣٠"، "وَأخرجه الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة ص"٣٠٣" وَإِسْنَاده صَحِيح" وَقَالَ أَيْضا "وَقد أخرجه عبد الله فِي السّنة ص"٦٨" بِنَحْوِهِ، لَكِن لَيْسَ فِيهِ ذكر الْمس وغرس الْجنَّة، وَصَححهُ الْمُؤلف أَيْضا فِي الْأَرْبَعين "ق١٧٩-٢"، وَرَوَاهُ بِتَمَامِهِ عَن عِكْرِمَة وَسَنَده ضَعِيف، وَعَن خَالِد بن معدان نَحوه، وَأخرج الدَّارمِيّ ص"٣٥" عَن ميسرَة قَالَ، فَذكره وَرِجَاله ثِقَات، وَعَن أنس، عَن كَعْب قَالَ، فَذكره وَسَنَده صَحِيح وَأخرجه الْآجُرِيّ أَيْضا". ١ مُحَمَّد بن الْمنْهَال الضَّرِير، أَبُو عبد الله، أَبُو جَعْفَر الْبَصْرِيّ، والتميمي ثِقَة ٤٧٥ أَنه روى عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَعنهُ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ. ٢ يزِيد بن زُرَيْع، تقدم ص"٢٠٢".
[ ١ / ٢٦٤ ]
عَرُوبَةَ١، عَنْ قَتَادَةَ٢، عَنْ أَنَسٍ٣، عَنْ كَعْبٍ٤ قَالَ: "لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ غَيْرَ ثَلَاثٍ/ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، قَالَتْ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ٥".
_________________
(١) ١ سعيد بن أبي عرُوبَة تقدم ص"٢٠٢". ٢ قَتَادَة، تقدم ص"١٨٠". ٣ أنس هُوَ أنس بن مَالك تقدم ص"٢٠١" قلت: وَلم أجد فِي تَهْذِيب الْكَمَال أَنه روى عَن كَعْب الْأَحْبَار. ٤ هُوَ كَعْب الْأَحْبَار كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ عِنْد الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة، انْظُر: تَخْرِيج الحَدِيث، بعده، وَقَالَ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب٢/ ١٣٥ كَعْب بن ماتع الْحِمْيَرِي أَبُو إِسْحَاق، الْمَعْرُوف بكعب الْأَحْبَار ثِقَة من الثَّانِيَة مخضرم، كَانَ من أهل الْيمن فسكن الشَّام، مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان وَقد زَاد على الْمِائَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ رِوَايَة، وَفِي مُسلم رِوَايَة لأبي هُرَيْرَة عَنهُ، من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح، خَ م د ت س فق. قلت: وَذكر ابْن الْأَثِير الْجَزرِي أَن كَعْبًا أدْرك عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلم يره وَكَانَ إِسْلَامه فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب، انْظُر: أَسد الغابة٤/ ٢٤٧، فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب٨/ ٤٣٨ أَن إِسْلَامه فِي عهد أبي بكر، وَقيل: فِي عهد عمر وَذكر أَنه رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عيله وَسلم مُرْسلا وَعَن عمر صُهَيْب وَعَائِشَة، وَلم أجد فِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي٣/ ١١٤٧ أَن أنسا روى عَنهُ. ٥ تقدم أول هَذَا الْخَبَر فِي الحَدِيث قبله، وَأخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة بِيَدِهِ أَرْبَعَة: خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وغرس الْجنَّة عدن بِيَدِهِ، ثمَّ قَالَ: "قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ" وَقَالَ: الرَّابِعَة أغفلها". وَأخرجه الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة، تَحْقِيق مُحَمَّد الفقي ص، "٣٠٣-٣٠٤" قَالَ: حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد الصندلي قَالَ: حَدثنَا زُهَيْر بن مُحَمَّد الْمروزِي قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمنْهَال الضَّرِير بِهَذَا السَّنَد، عَن أنس أَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ: "إِن الله =
[ ١ / ٢٦٥ ]
وَلَوْ كَانَ كَمَا ادَّعَى الْمَرِيسِيُّ لَكَانَ مَعْنَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَلِ خَلْقَ شَيْءٍ غير هَذِه الثَّلَاث، هَذَا كُفْرٌ١ بِاللَّهِ.
وَمَنْ يُحْصِي مَا فِي تَثْبِيتِ يَدِ اللَّهِ مِنَ الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ؟ غَيْرَ أَنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نَأْتِيَ مِنْهَا بِأَلْفَاظٍ إِذَا فَكَّرَ فِيهَا الْعَاقِلُ اسْتَدَلَّ عَلَى ضَلَالِ هَذَا الْجَاهِلِ.
حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ٢، ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ٣ أبنا٤ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ٥، عَنْ عَلِيِّ بن زيد٦،
_________________
(١) = ﷿ لم يمس بِيَدِهِ إِلَّا ثَلَاثَة: خلق آدم وَكتب التَّوْرَاة بِيَدِهِ وغرس الْجنَّة بِيَدِهِ، ثمَّ قَالَ: تكلمي: فَقَالَت: قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ". وَأخرج آخِره الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بذيله التَّلْخِيص، كتاب التَّفْسِير٣/ ٣٩٢ فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو عَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب، ثَنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الدوري، ثَنَا عَليّ بن عَاصِم أنبأ حميد الطَّوِيل، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خلق الله جنَّة عدن وغرس أشجارها بِيَدِهِ فَقَالَ لَهَا: تكلمي فَقَالَت: قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ" قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَتعقبه الذَّهَبِيّ فَقَالَ: "قلت: بل ضَعِيف". وَنَقله الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب مَا جَاءَ فِي إِثْبَات الْيَدَيْنِ ص"٣١٨" عَن الْحَاكِم بِمثل مَا ذكرنَا. وَانْظُر: الْبُرْهَان فوري فِي كتاب كنز الْعمَّال١/ ٥٥. ١ فِي ط، س، ش "هَذَا الْكفْر بِاللَّه". ٢ نعيم بن حَمَّاد تقدم ص"٢٠٤". ٣ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٤ فِي ط، ش "أخبرنَا". ٥ حَمَّاد بن سَلمَة تقدم ص"١٨٧". ٦ عَليّ بن زيد بن جدعَان، تقدم ص"١٨٨".
[ ١ / ٢٦٦ ]
عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ١ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٢ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٣ قَالَ: "كُلهنَّ بِيَمِينِهِ"٤.
وَحدثنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ٥، ثَنَا إِسْرَائِيلُ٦، عَن أبي يحيى٧، عَن
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّهْذِيب١/ ٣٨٠ طلق: بِسُكُون اللَّام، ابْن حبيب الْعَنزي: بِفَتْح الْمُهْملَة وَالنُّون، بَصرِي، صَدُوق عَابِد، رمي بالإرجاء، من الثَّالِثَة، مَاتَ بعد التسعين، بخ م وَالْأَرْبَعَة، وَذكر فِي التَّهْذِيب٥/ ٣١ أَنه روى عَن ابْن عَبَّاس. ٢ عبد الله بن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ٣ سُورَة الزمر، أَيَّة "٦٧". ٤ انْظُر: تَفْسِير الطَّبَرِيّ٢٣/ ١٧ الطبعة الثَّالِثَة من طَرِيق آخر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "قَوْلُهُ ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يَقُول قد قبض الْأَرْضين وَالسَّمَوَات جَمِيعًا بيمنيه، ألم تسمع أَنه قَالَ: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ يَعْنِي الأَرْض وَالسَّمَوَات بِيَمِينِهِ جَمِيعًا". وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور٥/ ٣٣٦: "وَأخرج عبد الله بن حميد وَابْن جرير عَن الضَّحَّاك ﵁ ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قَالَ: كُلهنَّ فِي يَمِينه". ٥ أَحْمد بن يُونُس، تقدم ص"١٧٣" وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال١/ ٢٨ أَنه روى عَن إِسْرَائِيل ابْن يُونُس. ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب١/ ٦٤: إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي الْهَمدَانِي، أَبُو يُوسُف الْكُوفِي، ثِقَة، تكلم فِيهِ بِلَا حجَّة، من السَّابِعَة، مَاتَ سنة سِتِّينَ وَقيل: بعْدهَا، ع، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال١/ ٩٢ أَنه روى عَن أبي يحيى القَتَّات وَعنهُ أَحْمد بن عبد الله يُونُس. ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ٤٨٩: أَبُو يحيى القَتَّات، بقاف ومثناة مثقلة، وَآخره مثناة أَيْضا، الْكُوفِي، اسْمه زَاذَان وَقيل: دِينَار، وقيا: مُسلم، وَقيل: يزِيد، وَقيل: زيان، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، لين الحَدِيث من السَّادِسَة، بخ د ت ق. وَقَالَ فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب١٢/ ٢٧٧: أَنه روى عَن مُجَاهِد بن جبر.. وَعنهُ إِسْرَائِيل
[ ١ / ٢٦٧ ]
مُجَاهِد١ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٢ وَكِلْتَا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ قَالَ: فَأَيْنَ النَّاس يؤمئذ؟ قَالَ: عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ٣.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ٤، أَخْبَرَنَا٥ سُفْيَانُ٦، عَنْ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ٧، عَنْ عبد الرَّحْمَن بن سابط٨
_________________
(١) ١ مُجَاهِد بن جبر، تقدم ص"٢٥٢". ٢ سُورَة الزمر آيَة "٦٧". ٣ تقدم تَخْرِيجه من طَرِيق آخر عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن عَائِشَة وَلَيْسَ فِيهِ قَوْله: "وكلتا يَدي الرَّحْمَن يَمِين" انْظُر ص"٢٥٢". ٤ مُحَمَّد بن كثير الْعَبْدي، الْبَصْرِيّ، ثِقَة لم يصب من ضعفه، من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَله تسعون سنة، ع. انْظُر: التَّقْرِيب٢/ ٣٠٢، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي٣/ ١٢٦٢ أَنه روى عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. ٥ فِي س "أبنا" وَهِي بِمَعْنى "أخبرنَا" انْظُر تعلقنا ص"١٣٧". ٦ سُفْيَان بن سعيد بن مَسْرُوق الثَّوْريّ، أَبُو عبد الله الْكُوفِي، ثِقَة، حَافظ، فَقِيه، عَابِد إِمَام حجَّة، من رُؤُوس الطَّبَقَة السَّابِعَة، وَكَانَ رُبمَا دلّس، مَاتَ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَله أَربع وَسِتُّونَ. انْظُر: التَّقْرِيب١/ ٣١١، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب٤/ ١١١ أَنه روى عَن قطر ابْن خَليفَة. ٧ فِي س "مطر بن خَليفَة" وَصَوَابه "فطر" قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ١١٤: فطر بن خَليفَة المَخْزُومِي مَوْلَاهُم، أَبُو بكر الحناط، بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون، صَدُوق رمي بالتشيع، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة خمسين وَمِائَة، خَ وَالْأَرْبَعَة. ٨ قَالَ فِي التَّقْرِيب١/ ٤٨٠: عبد الرَّحْمَن بن سابط، وَيُقَال: ابْن عبد الله بن سابط، وَهُوَ الصَّحِيح وَيُقَال "ابْن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الجُمَحِي، الْمَكِّيّ، ثِقَة كثير الْإِرْسَال، من الثَّالِثَة مَاتَ سنة١٨/ م د ت س ق قلت لم أجد فِي تَرْجَمته فِي تَهْذِيب الْكَمَال أَنه روى عَن أبي بكر الصّديق.
[ ١ / ٢٦٨ ]
عَن أبي بكرالصديق١ ﵁ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَكَانُوا فِي قَبْضَتِهِ، فَقَالَ لِمَنْ فِي يَمِينِهِ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ، وَقَالَ لِمَنْ فِي الْأُخْرَى: ادخلو النَّار وَلَا أُبَالِي، فَذهب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة"٢.
_________________
(١) ١ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامر بن عَمْرو بن كَعْب سعد بن تيم بن مرّة التَّيْمِيّ أَبُو بكر بن قُحَافَة، الصّديق الْأَكْبَر، خَليفَة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَاتَ فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث عشرَة وَله ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة/ ع. انْظُر: التَّقْرِيب١/ ٤٣٢، انْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الإصاببة٤/ ١٨، وَأسد الغابة فِي معرفَة الصَّحَابَة٣/ ٢٠٥-٢٢٤، وتهذيب الْكَمَال للمزي ٢/ ٧٠٩ والإصابة لِابْنِ حجر بذيله الِاسْتِيعَاب ٢/ ٣٣٣-٣٣٦. ٢ الَّذِي يظْهر أَن فِي سَنَد هَذَا الْخَبَر انْقِطَاعًا بَين عبد الرَّحْمَن بن سابط وَأبي بكر ﵁، إِذْ لم أجد أَنه روى عَن أبي بكر وَلَا أَن أَبَا بكر من شُيُوخه، يُؤَيّدهُ أَن بَين وفاتهما قرَابَة الْخمس سِنِين وَمِائَة. وَأخرجه اللالكائي فِي شرح السّنة، تَحْقِيق د. أَحْمد سعد حمدَان، ٤/ ٦٦٢-٦٦٣ من طَرِيق آخر عَن فطر، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عَن أبي بكر بِهِ. وَأوردهُ السُّيُوطِيّ فِي مُسْند أبي بكر الصّديق، تَحْقِيق عَزِيز بك، ط. الأول، حَدِيث ٥٤٩ ص"١٥٢" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَن أبي بكر بِهِ، وَقَالَ خرجه حُسَيْن بن أَصْرَم فِي الاسْتقَامَة واللالكائي فِي السّنة. ا. هـ. قلت: وَله شَوَاهِد كَثِيرَة مِنْهَا مَا أخرجه أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب عَن أبي نَضرة، عَن رجل يُقَال لَهُ أبي عبد الله، وَفِيه: "أَن الله ﷿ قبض بِيَمِينِهِ قَبْضَة وَأُخْرَى بِالْيَدِ الْأُخْرَى وَقَالَ: هَذِه لهَذِهِ وَهَذِه لهَذِهِ وَلَا أُبَالِي" انْظُر: الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب٤/ ١٧٦-١٧٧، وَفِي الْمسند أَيْضا عَن عبد الرَّحْمَن بن قَتَادَة السّلمِيّ مَرْفُوعا بِنَحْوِهِ، انْظُر: الْفَتْح الرباني لِأَحْمَد الْبَنَّا١/ ١٣٩، وَقَالَ عَنهُ الْحَاكِم: صَحِيح قد اتفقَا الِاحْتِجَاج برواته عَن آخرهَا إِلَى الصَّحَابِيّ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: "على شَرطهمَا إِلَى الصَّحَابِيّ"، انْظُر: الْمُسْتَدْرك بذيله التَّلْخِيص١/ ٣١، وَانْظُر: شَوَاهِد أَيْضا فِي الْمُجْتَمع للهيثمي٧/ ١٨٥-١٨٨، وَانْظُر: مشكاة المصابيح، بتحقيق الألباني١/ ٤٣ وسلسلة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة للألباني١/ ٧٦.
[ ١ / ٢٦٩ ]
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ١ أبنا٢ خَالِدٌ٣، عَنْ سُهَيْلٍ٤، عَنْ أَبِيهِ٥، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٦ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ: "إِنَّ العَبْد إِذْ ١ تَصَدَّقَ بِالتَّمْرَةِ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ فَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا، فَيَقْبَلُهَا اللَّهُ
_________________
(١) ١ عَمْرو بن عون الوَاسِطِيّ، تقدم ص"١٥٧". ٢ فِي ط، ش "أخبرنَا". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب١/ ٢١٥: خَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد الطَّحَّان الوَاسِطِيّ، الْمُزنِيّ، مَوْلَاهُم، ثِقَة ثَبت، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَكَانَ مولده سنة عشر وَمِائَة، ع. وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب٣/ ١٠٠: أَنه روى عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ وَعنهُ عَمْرو بن عون. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب١/ ٣٢٨: سُهَيْل بن أبي صَالح، ذكْوَان السمان، أَبُو يزِيد الْمدنِي، صَدُوق تغير حفظَة بِآخِرهِ، روى لَهُ البُخَارِيّ، مَقْرُونا وتعليقًا، من السَّادِسَة، مَاتَ فِي خلَافَة الْمَنْصُور، ع، وَقَالَ فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب٤/ ٢٦٢ أَنه روى عَن أَبِيه. ٥ فِي ط، ش، عَن أَبِيه صَالح، وَقَالَ فِي التَّقْرِيب١/ ٢٣٨: ذكْوَان، أَبُو صَالح السمان، الزيات، الْمدنِي ثِقَة، ثَبت وَكَانَ يجلب الزَّيْت إِلَى الْكُوفَة، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١٠١/ ع. وَذكر فِي الكاشف للذهبي١/ ٢٩٧ أَنه روى عَن أبي هُرَيْرَة عَنهُ أبناؤه وَمِنْهُم سُهَيْل. ٦ أَبُو هُرَيْرَة، تقدم ص"١٧٩".
[ ١ / ٢٧٠ ]
بِيَمِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ يُرْبِيهَا كَمَا يُربي أحد فِلُوَّهُ١ حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ جَبَلٍ" ٢.
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ٣، حَدَّثَنَا يَحْيَى-يَعْنِي٤
_________________
(١) ١ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ٤/ ٣٧٥ مَادَّة "فَلَا": "الفلو بِالْكَسْرِ وكعدو وسمو: الجحش وَالْمهْر فطما أَو بلغا السّنة، جمعه أفلاء وفلاوي" وَذكر ابْن الْأَثِير الْجَزرِي فِي النِّهَايَة فِي غَرِيب الْأَثر، تَحْقِيق مَحْمُود الطناحي ٣/ ٤٧٤ مَادَّة "فَلَا" قَالَ: وَمِنْه حَدِيث الصَّدَقَة: "كَمَا يرى أحدكُم فلوه" الفلو: الْمهْر الصَّغِير قيل: هُوَ الفطيم من أَوْلَاد ذَوَات الْحَافِر". ٢ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه الْفَتْح، كتاب الزَّكَاة، بَاب الصَّدَقَة من كسب طيب، حَدِيث ١٤١٠، ٣/ ٢٧٨ من طَرِيق آخر عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظ: "من تصدق بِعدْل تَمْرَة من كسب طيب -وَلَا يقبل الله إِلَّا الطّيب- فَإِن الله يتقبلها بِيَمِينِهِ، ثمَّ يُرَبِّيهَا لصالحه كَمَا يُربي أحدكُم فلوه مَتى تكون مثل الْجَبَل". وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الزَّكَاة، بَاب قبُول الصَّدَقَة من الْكسْب الطّيب وتربيتها، حَدِيث ٦٤، ٢/ ٧٠٢ من طَرِيق أخر عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظ: "لَا يتَصَدَّق أحد بتمرة من كسب طيب إِلَّا أَخذهَا الله بِيَمِينِهِ، فيربيها كَمَا يُربي أحدكُم فلوه أَو قلوصه حَتَّى تكون مثل الْجَبَل أَو أعظم". وَانْظُر: الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٢/ ٤٣١، وَابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد تَحْقِيق مُحَمَّد خَلِيل هراس ص"٦٢-٦٣"، والآجري فِي الشَّرِيعَة ص"٣٢٠"، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب الصِّفَات ص"٣٩". ٣ مُسَدّد، تقدم ص"١٧٥". ٤ لَفْظَة "يَعْنِي" لَيست فِي س.
[ ١ / ٢٧١ ]
الْقَطَّانَ١ -عَنْ شُعْبَةَ٢ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ٣ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ -رَجُلًا مِنْ مُحَارِبٍ٤- قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ٥
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٤٨: يحيى بن سعيد بن فروخ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الرَّاء المضمومة وَسُكُون الْوَاو ثمَّ مُعْجمَة، التَّمِيمِي أَبُو سعيد الْقطَّان الْبَصْرِيّ، ثِقَة، متقن حَافظ، إِمَام قدوة من كبار التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٩٨ وَله ٧٨/ ع. ٢ شُعْبَة بن الْحجَّاج، تقدم ص"٢٥٠". ٣ عبد الله بن السَّائِب الْكِنْدِيّ، أَو الشَّيْبَانِيّ، الْكُوفِي، ثِقَة من السَّادِسَة و/ م س انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٤١٨، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٥/ ٢٣٠: أَنه روى عَن عبد الله بن قَتَادَة الْمحَاربي. ٤ جَاءَ عِنْد الطَّبَرِيّ فِي إِسْنَاده مشكوكًا فِيهِ حَيْثُ جَاءَ بِلَفْظ: "قَتَادَة أَو ابْن قَتَادَة": وَمرَّة بِلَفْظ: "عبد الله بن أبي قَتَادَة" وَبِه جَاءَ عِنْد البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم، وَابْن حبَان، والهيثمي وَابْن حجر، قَالَ البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الْكَبِير قسم ١، ٣/ ١٧٥: "عبد الله بن قَتَادَة الْمحَاربي، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَوْله فِي الصَّدَقَة، قَالَه الثَّوْريّ عَن عبد الله بن السَّائِب". وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل جـ٢ قسم ٢/ ١٤١: "روى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، روى عَنهُ عبد الله بن السَّائِب سَمِعت أبي يَقُول ذَلِك"، وَانْظُر: الثِّقَات لِابْنِ حبَان ٥/ ٤٣ وتعجيل الْمَنْفَعَة لِابْنِ حجر ط. الأولى ص"٢٣٣". ٥ عبد الله بن مَسْعُود، تقدم ص"١٩٠".
[ ١ / ٢٧٢ ]
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ١ يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ إِلَّا وَقَعَتْ فِي يَدَيِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدَيِ السَّائِلِ، وَقَرَأَ ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ ٢، ٣.
حَدثنَا٤ مُحَمَّد بن كثير٥
_________________
(١) ١ قَوْله: "﵁" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ سَقَطت لَفْظَة "هُوَ" من الأَصْل، وَالْآيَة من سُورَة التَّوْبَة، آيَة "١٠٤" قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . ٣ أخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن يحيى قَالَ: أخبرنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ: أخبرنَا الثَّوْريّ، عَن عبد الله بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي قَتَادَة الْمحَاربي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "مَا تصدق رجل بِصَدقَة إِلَّا وَقعت فِي يَد اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَد السَّائِل، وَهُوَ يَضَعهَا فِي يَد السَّائِل، ثمَّ قَرَأَ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ انْظُر: تَفْسِير الطَّبَرِيّ، بتحقيق وَتَخْرِيج مَحْمُود شَاكر، الْأَثر رقم ١٧١٦٤، ١٤/ ٤٦٠، ١/ ١١١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: "وَرَاه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه عبد الله بن قَتَادَة الْمحَاربي وَلم يُضعفهُ أحد، بَقِيَّة رِجَاله ثِقَات". وأوره أَيْضا السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور بهامشة تنوير المقباس ٣/ ٢٧٥ عَن ابْن مَسْعُود وَعَزاهُ إِلَى عبد الرَّزَّاق والحكيم التِّرْمِذِيّ فِي توادر الْأُصُول وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ. ٤ فِي ط، س "وَحدثنَا الرّبيع حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير" وَلَعَلَّ قَوْله "حَدثنَا الرّبيع" سقط سَهوا من الأَصْل، وَفِي س "حَدثنَا الرّبيع مُحَمَّد بن كثير" وَلَا يَسْتَقِيم، وَالظَّاهِر أَن الرّبيع هَذَا هُوَ ابْن نَافِع، تقدّمت تَرْجَمته ص"١٥١". ٥ مُحَمَّد بن كثير، تقدم ص"٢٦٨".
[ ١ / ٢٧٣ ]
ثَنَا١ سُفْيَان٢، عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ٣، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ٤، عَنْ سَلْمَانَ٥ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ٦ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٧ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَمَّرَ طِينَةَ آدَمَ أَرْبَعِينَ
_________________
(١) ١ فِي س "أَنا" بدل "ثَنَا". ٢ سُفْيَان الثَّوْريّ، تقدم ص"٢٦٨". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٢٦: سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ، أَبُو الْمُعْتَمِر الْبَصْرِيّ، نزل فِي التيم، فنسب إِلَيْهِم، ثِقَة عَابِد، من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة ثلان وَأَرْبَعين وَهُوَ ابْن سبع وَتِسْعين، ع. وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١/ ٥٤٠ أَنه روى عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ وَعنهُ السُّفْيانَانِ. ٤ هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مَال، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٩٩: عبد الرَّحْمَن بن مل بلام ثَقيلَة وَالْمِيم مُثَلّثَة، أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء مَشْهُور بكنيته، مخضرم من كبار الثَّانِيَة، ثِقَة ثَبت عَابِد، مَاتَ سنة ٩٥، وَقيل بعْدهَا وعاش "٣٠" سنة، وَقيل: أَكثر/ ع. وَفِي اللبان ٣/ ٣٣٦: النَّهْدِيّ ينْسب إِلَى نهد بن زيد من قضاعة. وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ٢/ ٨١٩ أَنه روى عَن سلمَان الْفَارِسِي وَعنهُ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ. ٥ قَالَ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب ١/ ٣١٥: سلماان الْفَارِسِي، أَبُو عبد الله، وَيُقَال لَهُ: سلمَان الْخَيْر، أَصله من أَصْبَهَان، وَقيل "من رامهرمز، من أول مشاهده الخَنْدَق، مَاتَ سنة ٣٤، يُقَال: بلغ ثَلَاثمِائَة سنة، ع. وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١/ ٥٢٠ أَن أَبَا عُثْمَان النَّهْدِيّ روى عَنهُ، وَانْظُر فِي تَرْجَمته: الاستيعات ذيل الْإِصَابَة ٢/ ٥٣-٥٩ وَأسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ٢/ ٣٢٨-٣٣٢، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٢/ ٦٠-٦١، وتهذيب التَّهْذِيب ٤/ ١٣٧-١٣٩. ٦ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠". ٧ قَوْله: "﵄" لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٢٧٤ ]
يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا١ فَخَرَجَ فِي يَمِينِهِ كُلُّ طَيِّبٍ وَخَرَجَ فِي الْأُخْرَى كُلُّ خَبِيثٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ . قَالَ: يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَيخرج الْكَافِر من الْمُؤمن"٢.
_________________
(١) ١ لفظ" ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٢ أخرجه أَبُو الشَّيْخ فِي العظمة، مخطوط، جـ١١/ ورقة "٨" من طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أبي عُثْمَان، عَن ابْن مَسْعُود أَو عَن سلمَان قَالَ أَبُو مُحَمَّد: وأكبر ظَنِّي عَن سلمَان قَالَ: "خمر الله طِينَة آدم أَرْبَعِينَ لَيْلَة أَو أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ ضرب بيدَيْهِ فَخَرَجَ كُلُّ طَيِّبٍ بَيَمِينِهِ وَكُلُّ خَبِيث بِيَدِهِ الْأُخْرَى ثمَّ خلطها بَينهمَا فَمن ثمَّ خرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَالْمَيِّت من الْحَيّ". وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب مَا ذكر فِي الْيَمين والكف ص"٣٢٧" "قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن بن بَشرَان، أَنا إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الصفار، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك، ثَنَا يزِيد بن هَارُون، أَنا سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، عَن أبي عُثْمَان، عَن ابْن مَسْعُود أَو سلمَان ﵁ قَالَ: "إِنَّ الله ﵎ خمر طِينَة آدم ﵇ أَرْبَعِينَ يَوْمًا -أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً- شكّ يزِيد، ثمَّ ضرب يُبْدِهِ فَمَا كَانَ من طيب خرج بِيَمِينِهِ، وَمَا كَانَ من خَبِيث خرج بِيَدِهِ الْأُخْرَى، ثمَّ خلطه فَمن ثمَّ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّت من الْحَيّ". وَأخرجه أَيْضا من طَرِيق آخر عَن عُثْمَان النَّهْدِيّ، عَن ابْن مَسْعُود أَو سلمَان ﵄ بِلَفْظ مقارب وَقَالَ: هَذَا مَوْقُوف، وَرَوَاهُ غَيرهمَا عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ فَقَالَ: عَن سلمَان من غير شكّ، وَمَعْلُوم أَن سلمَان كَانَ قد أَخذ أَمْثَال هَذِه من أهل الْكتاب حَتَّى أسلم بعد، وَرُوِيَ ذَلِك من وَجه آخر ضَعِيف عَن التَّيْمِيّ مَرْفُوعا عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس ﵃ أَن الله -﷿- أَمر ملك الْمَوْت ﵇ بذلك فَأخذ من وَجه الأَرْض وخلط" انْتهى بِتَصَرُّف وَفِي الْفَوَائِد الْمَجْمُوعَة فِي الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة، للشوكاني، ط الثَّانِيَة ص"٤٥١" قَالَ: حَدِيث: "إِنَّ اللَّهَ خَمَّرَ طِينَةَ آدَمَ أَرْبَعِينَ صباحًا" قَالَ فِي الْمُخْتَصر ضَعِيف.
[ ١ / ٢٧٥ ]
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ١، ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ٢ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ٣ قَالَ: ثَنَا٤ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ الْبَكَّالِيُّ٥ أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدٍ السّلمِيّ٦.
_________________
(١) ١ الرّبيع بن نَافِع، تقدم ص"١٥١". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٥٩: مُعَاوِيَة بن سَلام، بِالتَّشْدِيدِ، ابْن أبي سَلام أَبُو سَلام الدِّمَشْقِي، وَكَانَ يسكن حمص، ثِقَة، من السَّابِعَة، مَاتَ فِي حُدُود سنة ٧٠/ ع. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٧٣: مَمْطُور الْأسود الحبشي، أَبُو سَلام، ثِقَة، يُرْسل من الثَّالِثَة، بخ وَالْأَرْبَعَة، انْظُر: الْخُلَاصَة للخزرجي ص"٣٩٨". ٤ فِي ط، س، ش "حَدثنِي". ٥ فِي ط، س، ش "البكائي" بِالْهَمْزَةِ وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، وَبِه جَاءَ صَرِيحًا عِنْد ابْن حَاتِم، وَقَالَ البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الْكَبِير ٦/ ٤٥٢: "عَامر بن زيد سمع عتبَة بن عبد، روى عَنهُ أَبُو سَلام فِي الشاميين" وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل ٦/ ٣٢٠: "عمر بن زيد الْبكالِي سمع عتبَة بن عبد، روى عَنهُ أَبُو سَلام سَمِعت أبي يَقُول ذَلِك"، وَعند ابْن حجر فِي تَعْجِيل الْمَنْفَعَة ص"٢٠٤" بِلَفْظ: "عَاصِم بن زيد الْبكالِي" وَظَاهر أَنه خطأ بِدَلِيل أَنه نقل فِيهِ مَال قَالَه البُخَارِيّ فِي "عَامر" بنصه. ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٥: عتبَة بن عبد، السّلمِيّ، أَبُو الْوَلِيد، صَحَابِيّ شهير، أول مُشَاهدَة قُرَيْظَة، مَاتَ سنة ٨٧، وَيُقَال: بعد التسعين، وَقد قَارب الْمِائَة/ د ق. انْظُر: أَسد الغابة ٣/ ٣٦٢-٣٦٣ وَتَجْرِيد أَسمَاء الصَّحَابَة للذهبي ١/ ٣٧١، والإصابة لِابْنِ حجر ٢/ ٤٤٧.
[ ١ / ٢٧٦ ]
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ رَبِّيَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ/ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَيَشْفَعُ كُلُّ أَلْفٍ لِسَبْعِينَ ١ أَلْفًا، يُحْثِي بِكَفِّهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، فَكَبَّرَ عمر" ٢.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "بسبعين" وَبِمَا فِي الأَصْل جَاءَ عِنْد ابْن كثير. انْظُر تَخْرِيج الحَدِيث. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٥٤: عمر بن الْخطاب بن نفَيْل، بنُون وَفَاء مُصَغرًا، ابْن عبد الْعُزَّى بن ريَاح بتحتانية، ابْن عبد الله بن قرط، بِضَم الْقَاف، ابْن رزاح، برَاء ثمَّ زَاي خَفِيفَة، ابْن عدي بن كَعْب الْقرشِي، الْعَدوي أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَشْهُور جم المناقب، اسْتشْهد فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين وَولي الْخلَافَة عشر سِنِين وَنصفا، ع. انْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ذيل الْإِصَابَة ٢/ ٤٥٠-٤٦٧ وَأسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ٣/ ٥٢-٧٨ والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٣/ ٥١١-٥١٢. والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه، بتحقيق مُحَمَّد فؤاد، كتاب الزّهْد، بَاب صفة أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، حَدِيث ٤٢٨٦، ٢/ ١٤٣٣، قَالَ: حَدثنَا هِشَام بن عمار، ثَنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، ثَنَا مُحَمَّد بن زِيَادَة الْأَلْهَانِي قَالَ: سَمِعت أَبَا أُمَامَة الْبَاهِلِيّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "وَعَدَني رَبِّي سُبْحَانَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سبعين ألفا لَا حِسَاب عَلَيْهِم وَلَا عَذَاب، مَعَ كل ألف سَبْعُونَ ألفا وَثَلَاث حثيات من حثيات رَبِّي ﷿". قلت: وَلم ينْقل الْمُحَقق عَن البوصيري فِيهِ شَيْئا. وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بشرحه الْفَتْح الرباني، حَدِيث ٤٩٠، ٢٤/ ١٩٧ عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا بِلَفْظ: "إِن الله ﷿ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ فَقَالَ يزِيد بن الْأَخْنَس: وَالله مَا أُولَئِكَ فِي أمتك إِلَّا كالذباب الأصهب فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَانَ رَبِّي قد وَعَدَني، سبعين ألفا =
[ ١ / ٢٧٧ ]
وَحَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ١، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ٢، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ٣ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ٤ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ٥ أَنَّ قيسا
_________________
(١) = مَعَ كل ألف سبعين ألفا وَزَادَنِي ثَلَاث حثيات": "زَاد فِي رِوَايَة "من حثيات رَبِّي"" وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب مَا ذكر فِي الْيَمين والكف، ص"٣٢٩" من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أبي أُمَامَة مَرْفُوعا فِيهِ ذكر الحثيات، قَالَ: "تَابعه بَقِيَّة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ رجل مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ بِالشَّكِّ، وروى غَيرهمَا عَنهُ بِلَا شكّ وَفِيه ضعف". وَذكره ابْن كثير فِي النِّهَايَة، تَحْقِيق د. طه الزينى، ط، الأولى ٢/ ١٥٧ قَالَ: قَالَ الطَّبَرَانِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن خُلَيْد، حَدثنَا أَبُو تَوْبَة، حَدثنَا مُحَمَّد بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُول: حَدثنِي عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ الْبَكَّالِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدٍ السُّلَمِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ رَبِّيَ وَعَدَني " إِلَخ وَفِيه "ثمَّ يشفع كُلُّ أَلْفٍ لِسَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ يحثي رَبِّي تَعَالَى بكفيه ثَلَاث حثيات فَكبر عمر " قَالَ الْحَافِظ فِي الضياء: لَا أعلم لهَذَا الْإِسْنَاد عِلّة وَالله أعلم. وَذكره الهيثمي فِي الْمجمع ١٠/ ٤٠٩ عَن عتبَة بن عبد مَرْفُوعا وَقَالَ: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير من طَرِيق عَامر بن زيد الْبكالِي وَقد ذكره ابْن أبي حَاتِم وَلم يجرحه وَلم يوثقه". ١ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ تقدم، ص"١٥١". ٢ مُعَاوِيَة بن سَلام، تقدم ص"٢٧٦". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٧٥: زيد بن سَلام بن أبي مَمْطُور، الحبشي، بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَة والمعجمة، ثِقَة، من السَّادِسَة، بخ م وَالْأَرْبَعَة. ٤ أَبُو سَلام مَمْطُور الحبشي، تقدم ص"٢٧٦". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٢٥: عبد الله بن عَامر بن يزِيد بن تَمِيم الْيحصبِي بِفَتْح الْيَاء التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْمُهْملَة وَفتح الْمُهْملَة بعْدهَا مُوَحدَة، الدِّمَشْقِي الْمُقْرِئ، أَبُو عمرَان، وَقيل غير ذَلِك فِي كنيته، ثِقَة، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١٨، وَله ٩٧ سنة على الصَّحِيح، م ت.
[ ١ / ٢٧٨ ]
الْكِنْدِيّ١ حدث الْوَلِيد٢
_________________
(١) ١ احتلف فِي قيس هَذَا، فقد ترْجم لَهُ البُخَارِيّ فِي قيس بن حجر الْكِنْدِيّ وَقَالَ: روى عَنهُ عبد الله بن عَامر، نَا عَن الْوَلِيد أَن الْأَنمَارِي حَدثهُ، قَالَ: مُحَمَّد بن يحيى: وَهُوَ عِنْدِي أَبُو سعيد الْخَيْر، وَلَعَلَّه أَن يكون ابْن الْحَارِث، انْظُر "التَّارِيخ الْكَبِير للْبُخَارِيّ ٧/ ١٥٣، وَجَاء فِي إِسْنَاد هَذَا الْخَبَر عِنْد ابْن الْأَثِير بِلَفْظ: "قيس بن حجر" وَعند ابْن حجر فِي الْإِصَابَة مثله أَيْضا إِلَّا أَن ابْن حجر نقل أَنه قيل فِي اسْمه: اسْمه "قيس بن الْحَارِث" انْظُر: أَسد الغابة ٥/ ٢٠٩، والإصابة بذيله الاستيعابت ٤/ ٨٩. وَالَّذِي يتَرَجَّح لَدَى أَن قيس المُرَاد هُنَا هُوَ ابْن الْحَارِث الْكِنْدِيّ كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ عِنْد الدَّارمِيّ عُثْمَان بن سعيد قي آخر هَذَا الْخَبَر، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ أَنه روى عَن أبي سعيد الْخَيْر وَعنهُ عبد الله بن عَامر الْيحصبِي قَالَ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٢٧: قيس بن الْحَارِث، أَو حَارِثَة الْكِنْدِيّ الْحِمصِي، ثِقَة من الثَّالِثَة، د س، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٢/ ٤٠٣": وَعنهُ عبد الله بن عَامر سعيد الْخَيْر، وَعنهُ عبد الله بن عَامر الْيحصبِي الْمقري. ٢ هُوَ الْوَلِيد بن عبد الْملك كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ عِنْد الْأَثِير عِنْدَمَا أورد هَذَا الْخَبَر فِي أَسد الغابة ٥/ ٢٠٩، قلت وَهُوَ الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان أَبُو الْعَبَّاس من خلفاء دولة بني أُميَّة فِي الشَّام، ولد سنة ٤٨هـ وَولي الْخلَافَة بعد وَفَاة أَبِيه سنة ٨٦هـ، وَتمّ فِي عَهده كثير من الفتوحات الإسلامية والعمران، بنى مَسْجِد الْمَدِينَة بِنَاء جَدِيدا وَبنى الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَمَسْجِد دمشق الْكَبِير، واستمرت خِلَافَته تسع سِنِين وثماني أشهر، وَتُوفِّي سنة ٩٦هـ، وَدفن بِدِمَشْق. انْظُر: الطَّبَرِيّ فِي تَارِيخ الْأُمَم والملوك، تَحْقِيق مُحَمَّد أَبُو الْفضل ٦/ ٤٩٥، والكامل لِابْنِ الْأَثِير ٥/ ٨، والأعلام للزركلي ٩/ ١٤٠.
[ ١ / ٢٧٩ ]
أَن أَبَا سعيد الْخَيْر الْأَنْمَارِيَّ١ حدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَبِّيَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا، وَيَشْفَعُ كُلُّ أَلْفٍ لِسَبْعِينَ ٢ أَلْفًا، ثُمَّ يُحْثِي لِي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِكَفِّهِ، قَالَ قَيْسٌ: فَأَخَذْتُ بِتَلَابِيبِ٣ أبي سعيد فجذبته٤ فَقلت هَذِه مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ بِأُذُنِي ووعاه قلبِي"٥
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "أَبَا سعيد الْخَيْر الأيادي"، وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٤٢٨: أَبُو سعيد الْخَيْر، بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة، الْأَنمَارِي صَحَابِيّ لَهُ حَدِيث وَقد وهم من خلطه بِالَّذِي قبله، وَوهم أَيْضا من صحف الَّذِي قبله بِهِ/ تَمْيِيز. قلت: وَمرَاده بِالَّذِي قبله "أَبُو سعيد الحبراني" وَانْظُر أَيْضا: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٤/ ٩٢-٩٣، وَأسد الغابة ٥/ ٢٠٩ الْإِصَابَة بذيله الِاسْتِيعَاب ٤/ ٨٩. ٢ فِي ط، س، ش "بسبعين ألفا". ٣ فِي ط، س، ش "فَأخذت بمنكب أبي سعيد". ٤ فِي ط، س، ش "فجبذته". ٥ ذكره ابْن الْأَثِير فِي أَسد الغابة طبعة طهران ٥/ ٢٠٩ من طَرِيق ابْن أبي عَاصِم أخبرنَا مُحَمَّد بن سهل بن عَسْكَر، حَدثنَا الرّبيع بن نَافِع بِسَنَد الدَّارمِيّ مَرْفُوعا بِنَحْوِهِ وَزِيَادَة فِي آخِره إِلَّا أَن فِي إِسْنَاده "قيس بن حجر" بدل "قيس بن الْحَارِث" =
[ ١ / ٢٨٠ ]
وَهُوَ١ قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِنْدِيُّ.
حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ٢، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ٣، عَنْ حُمَيْدِ بن أبي
_________________
(١) = وَذكره ابْن كثير فِي النِّهَايَة تَحْقِيق د. طه الزيني ٢/ ١٥٨ عَن الطَّبَرَانِيّ قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن خُلَيْد، حَدثنَا أَبُو تَوْبَة بِسَنَد الدَّارمِيّ مَرْفُوعا بِزِيَادَة فِي آخِره وَقَالَ: "قَالَ الطَّبَرَانِيّ: لم يرو عَن أبي سعيد الْأَنمَارِي إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد، تفرد بِهِ مُعَاوِيَة بن سَلام" وَقَالَ أَيْضا قَالَ الْحَافِظ الضياء: "وَقد رَوَاهُ مُحَمَّد بن سهل بن عَسْكَر عَن أبي تَوْبَة الرّبيع بن نَافِع بِإِسْنَادِهِ" وَذكره الهيثمي فِي الْمجمع ١٠/ ٤٠٩ عَن أبي سعد الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا وَقَالَ: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير إِلَّا أَنه قَالَ فِي الْأَوْسَط: أَبُو سعيد الْأَنمَارِي وَرِجَاله ثِقَات". وَذكره ابْن حجر فِي الْإِصَابَة بذيله الِاسْتِيعَاب ٤/ ٨٩ من طَرِيق مَرْوَان بن مُحَمَّد، عَن مُعَاوِيَة بن سَلام أخي زيد بن سلان أَنه سمع جده أَبَا سَلام الْخُشَنِي "كَذَا" قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامر الْيحصبِي سَمِعت قيس بن حجر يحدث، عَن عبد الْملك بن مَرْوَان قَالَ: حَدثنِي أَبُو سعيد الْأَنمَارِي أَنه سمع رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُول، ثمَّ ذكره قَالَ ابْن حجر" "سَنَده صَحِيح وَكلهمْ من رجال الصَّحِيح إِلَّا قيس بن حجر وَهُوَ شَامي ثِقَة، وَلَكِن أخرجه الْحَاكِم وَأَبُو أَحْمد أَيْضا من طَرِيق أبي تَوْبَة عَن مُعَاوِيَة بن سَلام فَقَالَ: إِن قيس بن حجر الْكِنْدِيّ حدث الْوَلِيد بن عبد الْملك أَن أَبَا سعيد الْخَيْر حَدثهُ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أبي تَوْبَة عَن مُعَاوِيَة فَقَالَ أَن أَبَا سعيد الْأَنمَارِي وَقيل: قيس بن الْحَارِث، وَأخرجه أَيْضا من وَجه آخر، عَن الزبيدِيّ، عَن عبد الله بن عَامر فَقَالَ: عَن قيس بن الْحَارِث أَن أَبَا سعيد الْخَيْر الْأنْصَارِيّ حَدثهُ، فَذكر طرفا مِنْهُ، فَمن هَذَا الِاخْتِلَاف يتَوَقَّف فِي الْجَزْم بِصِحَّة هَذَا السَّنَد" انْتهى. ١ فِي ط، س، ش "هُوَ". ٢ قَالَ فِي التَّهْذِيب ٢/ ٣٢٦: الْهَيْثَم بن خَارِجَة الْمروزِي، أَبُو أَحْمد أَو أَبُو يحيى نزيل بَغْدَاد، صَدُوق من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٧ فِي آخر مِنْهَا، خَ س ق. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٧٣: إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش بن سليم الْعَنسِي، بالنُّون، أَبُو عتبَة الْحِمصِي، صَدُوق فِي رِوَايَته عَن أهل بَلَده، مخلط فِي غَيرهم، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة إِحْدَى أَو اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَله بضع وَتسْعُونَ سنة، ش وَالْأَرْبَعَة.
[ ١ / ٢٨١ ]
سُوَيْدٍ١، عَنْ عَطَاءٍ٢، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٣ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٤ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ٥: "مَنْ فَاوَضَ الْحَجَرَ فَإِنَّمَا يُفَاوِضُ كَفَّ الرَّحْمَنِ" ٦ يَعْنِي استلام الْحجر الْأسود.
_________________
(١) ١ قَالَ الخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص"٩٤": "حميد بن أبي سُوَيْد الْمَكِّيّ، عَن عَطاء وَعنهُ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش مُنكر الحَدِيث"، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ١/ ٦١٣: عَن عَطاء وَعنهُ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش أَحَادِيث مُنكرَة، لَعَلَّ النكارة من إِسْمَاعِيل وسَاق لَهُ ابْن عدي مَنَاكِير. ٢ هُوَ عَطاء بن أبي رَبَاح، تقدم ص"١٨٧" وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ٢/ ٩٣٣ أَنه روى عَن أبي هُرَيْرَة وَعنهُ حميد بن أبي سُوَيْد الْمَكِّيّ. ٣ أَبُو هُرَيْرَة الصَّحَابِيّ، تقدم ص"١٧٩". ٤ قَوْله: "﵁: لَيست فِي س. ٥ فِي ط، س، ش "فِي تَأْكِيد الْكَفّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُول". ٦ الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد ضَعِيف جدًّا وَلم أجد من خرجه، وعلته نَكَارَة حميد بن أبي سُوَيْد وتخليط إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، وَقد روى عَن غَيرهَا أهل الْبَلَد قَالَ عَنهُ عُثْمَان بن أبي شيبَة: "ثِقَة فِيمَا يروي عَن الشاميين، وَأما رِوَايَته عَن أهل الْحجاز فَإِن كِتَابه ضَاعَ فخلط فِي حفظه عَنْهُم، وَقَالَ مُضر بن مُحَمَّد الْأَسدي، وَإِذا حدث عَن الْحِجَازِيِّينَ الْعِرَاقِيّين خلط وَقَالَ ابْن عدي: إِذا روى عَن الْحِجَازِيِّينَ فَلَا يَخْلُو من غلط". انْظُر: تَهْذِيب التَّهْذِيب ١/ ٣٢٣-٣٢٤ قلت: وَقد ورد بِمَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا بِلَفْظ: "الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي الأَرْض، فَمن صافحه وَقَبله فَكَأَنَّمَا صَافح الله وَقبل يَمِينه" انْظُر تَخْرِيجه وَكَلَام شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية عَلَيْهِ ص"٦٩٤-٦٩٥".
[ ١ / ٢٨٢ ]
حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ١، ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ٢ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ٣ قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ٤ قَالَ: سَمِعت أَن إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ٥ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّوَاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ٦ يَقُولُ: سَمِعْتُ
_________________
(١) ١ نعيم بن حَمَّاد، تقدم ص"٢٠٤". ٢ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٣ قَالَ فِي ط، ش "عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَة" وَصَوَابه "بن جَابر" قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٥٠٢: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابر الْأَزْدِيّ، أَبُو عتبَة، الشَّامي الدَّارَانِي، ثِقَة من، السَّابِعَة، مَاتَ سنة بضع وَخمسين/ ع. قَالَ الخزرجي فِي الْخُلَاصَة، ص"٢٣٤": وَعنهُ ابْن الْمُبَارك. ٤ كَذَا فِي الأَصْل وط، وس وش بالشين الْمُعْجَمَة بن عبيد الله مُصَغرًا، وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد ٤/ ١٨٢ بسر بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ، وَفِي تقريب التَّهْذِيب ١/ ٩٧ بسر بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ الشَّامي ثِقَة حَافظ من الرَّابِعَة/ ع. قلت: وَصَوَابه بسر بِالسِّين الْمُهْملَة ابْن عبيد الله مُصَغرًا، الْحَضْرَمِيّ الشَّامي، كَمَا فِي التَّارِيخ الْكَبِير للْبُخَارِيّ ٢/ ١٢٤، وَالْجمع بَين رجال الصححين للكلاباذي ١/ ٥٦ والكاشف للذهبي ١/ ١٥٣، وتهذيب التَّهْذِيب لِابْنِ حجر ١/ ٤٣٨. وَبِه جَاءَ فِي سَنَد ابْن مَاجَه كَمَا سيتبين من تَخْرِيجه، وَذكر البُخَارِيّ والكلاباذي وَابْن حجر أَنه روى عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ وَعنهُ عبد الرَّحْمَن ابْن يزِيد بن جَابر. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٩٠: عَائِذ الله: بتحتانية ومعجمة، ابْن عبد الله الْخَولَانِيّ، ولد فِي حَيَاة النَّبِيِّ ﷺ يَوْم حنين، وَسمع من كبار الصَّحَابَة، وَمَات سنة ٨٠ قَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز، كَانَ عَالم الشَّام بعد أبي الدَّرْدَاء، ع. ٦ فِي ط، س، ش زِيَادَة "﵁" قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٠٨: النواس- بيشديد الْوَاو ثمَّ مُهْملَة -ابْن سمْعَان بن خَالِد الْكلابِي أَو الْأنْصَارِيّ، صَحَابِيّ مَشْهُور سكن الشَّام، بخ م وَالْأَرْبَعَة.
[ ١ / ٢٨٣ ]
رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "الْمِيزَانُ بِيَدَيِ الرَّحْمَنِ يرفع أقوامه وَيُخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ١.
وَإِنَّمَا جِئْتُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْقَوْمَ مُخَالِفُونَ لما قَالَ الله وسوله وَمَا مَضَى عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَرَضي الله عَنْهُم أجميعن٢، وَأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَحَجَّةِ الصَّادِقِينَ.
وَقَدِ ادَّعَى الْمَرِيسِيُّ أَيْضًا وَأَصْحَابُهُ أَنَّ يَدَ اللَّهِ نِعْمَتُهُ، قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ إِذًا يَسْتَحِيلُ فِي دَعْوَاكُمْ أَنْ يُقَالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِنِعْمَتِهِ، أم قَوْله٣ ﴿بَلْ
_________________
(١) ١ سنَن ابْن مَاجَه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، الْمُقدمَة، بَاب أنْكرت الْجَهْمِية حَدِيث ١٩٩، ١/ ٧٢ قَالَ: حَدثنَا هِشَام بن عمار، ثَنَا صَدَقَة بن خَالِد، ثَنَا جَابر قَالَ: سَمِعت بسر بن عبيد الله بِهَذَا السَّنَد فِي آخِره بِلَفْظ: "وَالْمِيزَان بيد الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيُخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة" قَالَ مُحَمَّد فؤاد: "فِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح". وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ٤/ ١٨٢ من طَرِيق بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُول الله صلى الله عيله وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَين أصبعين من أَصَابِع رب الْعَالمين إِلَى أَن قَالَ: وَالْمِيزَان بيد الرَّحْمَن ﷿ يخفضه وَيَرْفَعهُ". قلت: وَقد صوبت أَن بسر هُوَ ابْن عبيد الله مُصَغرًا. ٢ قَوْله: "﵃ أَجْمَعِينَ" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، ش "أقوله".
[ ١ / ٢٨٤ ]
يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١.
أنعمتاتن مِنْ أَنْعُمِهِ قَطُّ مَبْسُوطَتَانِ؟ فَإِنَّ أَنْعُمَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، أَفَلَمْ يَبْسُطْ مِنْهَا عَلَى عِبَادِهِ إِلَّا ثِنْتَيْنِ٢ وَقبض عَنْهُم من مَا سِوَاهُمَا فِي دَعْوَاكُمْ؟ فَحِينَ رَأَيْنَا كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ الْمَبْسُوطَاتِ عَلَى عِبَادِهِ ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٣ عَلِمْنَا أَنَّهَا٤ بِخِلَافِ مَا ادَّعَيْتُمْ، وَوَجَدْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى يَتَأَوَّلُونَهَا خِلَافَ مَا تَأَوَّلْتُمْ، وَمَحَجَّتُهُمْ أَرْضَى، وَقَوْلُهُمْ أَشْفَى.
حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ٥، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى٦، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ٧، عَن يزِيد النَّحْوِيّ٨
_________________
(١) ١ الْمَائِدَة آيَة "٦٤". ٢ فِي ط، س، ش "إِلَّا اثْنَتَيْنِ". ٣ سُورَة الْمَائِدَة، آيَة "٦٤". ٤ فِي ط، س، ش "أَنَّهُمَا". ٥ نعيم بن حَمَّاد، تَقْدِيم ص"٢٠٤". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١١١-١١٢" الْفضل بن مُوسَى السينَانِي، بِمُهْملَة مَكْسُورَة ونونين، أبوعبد الله الْمروزِي، ثِقَة ثَبت، وَرُبمَا أغرب من كبار التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٩٢ فِي ربيع الأول، ع. ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٨٠: الْحُسَيْن بن وَاقد الْمروزِي، أَبُو عبد الله القَاضِي، ثِقَة، لَهُ أَوْهَام، من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٥٩، وَيُقَال: ٧٥/ خت م وَالْأَرْبَعَة وَقَالَ الخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص"٨٥" وَعنهُ الْفضل بن مُوسَى. ٨ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٦٥: يزِيد بن أبي سعيد النَّحْوِيّ، أَبُو الْحسن، الْقرشِي مَوْلَاهُم، الْمروزِي، ثِقَة، عَابِد، من السَّادِسَة قتل ظلما ٣١/ بخ وَالْأَرْبَعَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٣/ ٢٧٨: وَعنهُ الْحُسَيْن بن وَاقد.
[ ١ / ٢٨٥ ]
عَنْ عِكْرِمَةَ١ قَالَ: قَوْلُهُ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٢ قَالَ: يَعْنِي الْيَدَيْنِ٣.
حَدثنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ٤، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ الْجُمَحِيِّ٥ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ٦، عَنْ يَدِ اللَّهِ٧ أَوَاحِدَةٌ٨ أَوِ اثْنَتَانِ قَالَ: بل اثْنَتَانِ٩.
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٠: عِكْرِمَة بن عبد الله مولى ابْن عَبَّاس أَصله بربري، ثِقَة ثَبت عَالم التَّفْسِير، لم يثبت تَكْذِيبه عَن ابْن عَمْرو وَلَا يثبت عَنهُ بِدعَة من الثَّالِثَة مَاتَ سنة ١٠٧، وَقيل بعد ذَلِك، ع. ٢ سُورَة المائد، أَيَّة "٦٤". ٣ مَعْنَاهُ صَحِيح وَهُوَ مَوْقُوف على عِكْرِمَة وَفِي إِسْنَاده ضعف، وَلم أجد من خرجه. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٩٣: سعيد بن الحكم بن مُحَمَّد بن سَالم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي بِالْوَلَاءِ أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ، ثِقَة ثَبت فَقِيه، من كبار الْعَاشِرَة مَاتَ سِتَّة ٢٤ وَله ٨٠ سنة، ع. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ٣٥٩: عَن مَالك وَنَافِع بن عمر. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٩٦: نَافِع بن عمر بن عبد الله بن جميل الجُمَحِي الْمَكِّيّ، ثِقَة ثَبت من كبار السَّابِعَة مَاتَ سنة ٦٩/ ع. وَقَالَ فِي الكاشف ٣/ ١٩٧: روى عَن ابْن أبي مليكَة وَعنهُ سعيد بن أبي مَرْيَم. ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٣١: عبد الله بن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي مليكَة بِالتَّصْغِيرِ، ابْن عبد جدعَان، يُقَال، اسْم أبي مليكَة زُهَيْر التَّيْمِيّ، الْمَدِين، أدْرك ثَلَاثِينَ مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ثِقَة، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١٧/ ع. ٧ فِي ط، س، ش "عَن يَد الله تَعَالَى". ٨ فِي ط، س، ش "وَاحِدَة أَو اثْنَتَانِ". ٩ مَوْقُوف على ابْن أبي مليكَة وَإِسْنَاده صَحِيح.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وَحدثنَا هدبة بن خَالِد١، ثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ٢، عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ٣ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٤ قَالَ: بِيَدَيْهِ٥.
فَمَنْ يَلْتَفِتُ بَعْدَ هَذَا إِلَى تَأْوِيلِ هَذَا الْمَرِيسِيِّ، وَيَدَعُ تَأْوِيلَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ٦؟.
أَرَأَيْتُمْ إِذَا٧ تَأَوَّلْتُمْ أَنَّ يَدَ اللَّهِ نِعْمَتُهُ أَفَيَحْسُنُ أَنْ تَقُولُوا٨ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "يطوي الله السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ٩ أَنَّهُ يطويها
_________________
(١) ١ هدبة بن خَالِد، تقدم ص"١٦٩". ٢ قَالَ الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال ٢/ ١٨١: "سَلام بن مِسْكين، أحد ثِقَات الْبَصرِيين، لكنه يَرْمِي بِالْقدرِ فِيمَا قيل وَثَّقَهُ أَحْمد، وَابْن معِين، وَقَالَ أَو حَاتِم: صَالح الحَدِيث قلت، روى عَن الْحسن وَعنهُ شَيبَان بن فروخ وهدبة وَخلق كثير، قَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ يذهب إِلَى الْقدر" انْتهى بِتَصَرُّف. ٣ قَالَ الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال ٢/ ٣٥٤: عَاصِم بن العجاج الجحدري الْبَصْرِيّ أَبُو المجشر الْمُقْرِئ، وَهُوَ عَاصِم بن أبي الصَّباح، قَرَأَ على يحيى بن يعمر، وَنصر بن عَاصِم، أَخذ عَنهُ سَلام أَبُو الْمُنْذر، وَجَمَاعَة قِرَاءَة شَاذَّة، فِيهَا مَا يُنكر. ٤ سُورَة ص آيَة "٧٥". ٥ مَوْقُوف على عَاصِم الجحدري وَإِسْنَاده ضَعِيف وَلم أجد من خرجه. ٦ فِي ط، س، ش "هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْعلمَاء الصَّالِحين". ٧ فِي ط، س، ش "إِذْ تأولتم". ٨ فِي ط، س، ش "أَن يَقُولُوا". ٩ رراه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب صفة الْمُنَافِقين، بَاب صفة الْقِيَامَة حَدِيث ٢٤، ٤/ ٢١٤٨ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَطْوِي اللَّهُ -﷿- السَّمَوَات يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يأخذهن بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثمَّ يَقُول: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المتكبرون؟ " الحَدِيث.
[ ١ / ٢٨٧ ]
بنعمنته؟ أَمْ قَوْلُهُ: "الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ" وَكِلْتَا نِعْمَتَيِ الرَّحْمَنِ نِعْمَةٌ وَاحِدَةٌ١؟ هَذَا أَقْبَحُ مُحَالٍ وَأَسْمَجُ ضَلَالٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ ضَحِكَةٌ وَسُخْرِيَةٌ مَا سَبَقَكُمْ إِلَى مِثْلِهَا أَعْجَمِيٌّ أوعربي، أَمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدَيِ ٢ اللَّهِ قَبْلَ يَدَيِ السَّائِلِ" ٣ أَنَّهَا تَقَعُ فِي نِعْمَتَيِ اللَّهِ؟ أَمْ قَوْلُ أَبِي بكر الصّديق٤ وَرَضي اللَّهُ عَنْهُ: خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَكَانُوا فِي، قَبْضَتِهِ أَيْ نِعْمَتِهِ٥ قَالَ لِمَنْ فِي نِعْمَتِهِ الْيُمْنَى" "ادْخُلُوا الْجَنَّةَ وَقَالَ لِمَنْ فِي نِعْمَتِهِ٦ الْأُخْرَى: ادْخُلُوا النَّارَ٧؟! أَمْ قَول ابْن عمر٨:
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "أَمْ قَوْلُهُ: "الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وكلتا يَدَيْهِ يَمِين" عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ نعْمَة الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا نِعْمَتَيِ الرَّحْمَنِ نِعْمَةٌ وَاحِدَة؟! قلت: تقدم تَخْرِيجه ص"٢٤٤". ٢ فِي ط، س، ش "تقع فِي يَد الله". ٣ تقدم تَخْرِيجه، ص"٢٧٣". ٤ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ تقدم ص"٢٦٩". ٥ فِي س "أَي نعمتيه". ٦ فِي الأَصْل: "وَقَالَ فِي نعمتيه الْأُخْرَى" ويتضح الْمَعْنى بِمَا أَثْبَتْنَاهُ. ٧ تقدم الحَدِيث ص"٢٦٩". ٨ فِي ط، س، ش زِيَادَة "﵄"، وانطر تَرْجَمته ص"٢٤٥".
[ ١ / ٢٨٨ ]
خَلَقَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الْأَشْيَاءِ: كُنْ فَكَانَ١ أَفَيَجُوزُ أَنْ تَقُولُوا٢ خَلَقَ الله أَرْبَعَة أَشْيَاء بنعمته ورزفه ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الْخَلْقِ: كُونُوا بِلَا نِعْمَةٍ وَلَا رِزْقٍ فَكَانُوا؟!
قَدْ عَلِمْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّ هَذِهِ تَفَاسِيرُ مَقْلُوبَةٌ، خَارِجَةٌ مِنْ كل مَعْقُول لَا يقبله إِلَى كُلُّ جَهُولٍ، فَإِذَا٣ ادَّعَيْتَ أَنَّ الْيَدَ عُرِفَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّهَا نِعْمَةٌ قُلْنَا لَكَ: أَجَلْ، وَلَسْنَا بِتَفْسِيرِهَا مِنْكَ أَجْهَلَ غَيْرَ أَن تسفير ذَلِكَ يَسْتَبِينُ فِي سِيَاقِ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ لَهُ مِثْلِكَ إِلَى تَفْسِيرٍ، إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: لِفُلَانٍ عِنْدِي يَدٌ أُكَافِئُهُ٤ عَلَيْهَا، عَلِمَ كُلُّ عَالِمٍ بِالْكَلَامِ أَنَّ يَدَ فُلَانٍ لَيْسَتْ بِبَائِنَةٍ مِنْهُ مَوْضُوعَةً عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا النِّعْمَةُ الَّتِي يُشْكَرُ عَلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ إِذْ قَالَ: فُلَانٌ لِي يَدٌ وَعَضُدٌ وَنَاصِرٌ، عَلِمْنَا أَنَّ فُلَانًا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ نَفْسَ يَدِهِ عُضْوَهُ، وَلَا عَضُدَهُ، فَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ٥ النُّصْرَة والمعونة وَالتَّقوى، فَإِذَا قَالَ: ضَرَبَنِي فُلَانٌ بِيَدِهِ وَأَعْطَانِيَ الشَّيْءَ بِيَدِهِ وَكَتَبَ لِي بِيَدِهِ اسْتَحَالَ أَنْ يُقَالَ: ضَرَبَنِي بنعمته علم كُلُّ عَالِمٍ بِالْكَلَامِ أَنَّهَا الْيَدُ الَّتِي بِهَا يَضْرِبُ وَبِهَا يَكْتُبُ وَبهَا يُعْطي لَا النِّعْمَة.
_________________
(١) ١ تقدم ص"٢٦١". ٢ فِي ط، س، ش "أَن يَقُولُوا". ٣ فِي س "فَإِن ادعيت". ٤ فِي س "يدا كافيه". ٥ قولة: "بِهِ" لَيست فِي س.
[ ١ / ٢٨٩ ]
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ ١ "أَيْ أُولِي الْبَصَرِ وَالْعُقُولِ بِدِينِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ النَّاسِ أُولِي أَيْدِي وَأَبْصَارٍ فَمَا خَصَّ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءَ بِهَا؟ "٢ عَلِمَ كُلُّ عَالِمٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِالْأَيْدِي٣ الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا وَيُكْتَبُ٤ لَمَّا أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أُولُو٥ أَيْدِي وَأَبْصَارٍ، الَّتِي هِيَ الْجَوَارِح٦ و٧ لَا يَجُوزُ لَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنْ تَنْفِيَ الْيَدَ الَّتِي هَيِ الْيَدُ لَمَّا أَنَّهُ وَجَدَ فِي فَرْطِ٨ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الْيَدَ قَدْ تَكُونُ نِعْمَةً وَقُوَّةً، وَلَكِنَّ هَذَا فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ مَعْقُولٌ٩ "وَذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ مَعْقُولٌ"١٠ فَلَمَّا قَالَ الله عز
_________________
(١) ١ فِي س: "أولي الأيد والأبصار" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، انْظُر سُورَة صـ آيَة "٤٥". ٢ مَا بَين القوسين من قَوْله: "أَي أولي الْبَصَر" إِلَى قَوْله: هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء بهَا" لَيْسَ فِي ط، س، ش وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٣ فِي ط، س، ش "بِالْيَدِ". ٤ فِي ط، س، ش "وَيكْتب بهَا". ٥ فِي الأَصْل ط، س، ش: "أولي" بِالنّصب وَفِي س "أولو" بِالرَّفْع، هُوَ الصَّوَاب؛ لِأَنَّهَا خبر "أنّ". ٦ فِي ط، ش "وَالْأَيْدِي والأبصار الَّتِي هِيَ الْجَوَارِح". ٧ فِي ط، س، ش زِيَادَة "لَا يجوز الْكَلَام فِي آيَات الصِّفَات وَأَحَادِيث الْإِثْبَات لَهَا وَنفي المثلية عَنْهَا وَالْإِيمَان بهَا بِمَا يعرف من اللُّغَة الْعَرَبيَّة على سِيَاق الْكَلَام وملازمته، وَالله أعلم، وَلَا يَجُوزُ لَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَن تَنْفِي الْيَد " إِلَخ. ٨ لَفْظَة "فرط" لَيست فِي ط، ش وحذفها أولى، إِذْ لَا معني لَهَا هُنَا. ٩ فِي ط، س، ش "زِيَادَة" وَلَا يَنْفِي المثلية إِلَّا من بَين موجودين بالإنصافات إِمَّا بمدح وَكَمَال وَإِمَّا بذم ونقصان". ١٠ مَا بَين القوسين لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وَجل١: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢ اسْتَحَالَ فِيهِمَا٣ كُلُّ مَعْنًى إِلَّا الْيَدَيْنِ. كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ حَكَيْنَا عَنْهُمْ.
فَلَيْسَ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَيْدِي شَيْءٌ إِلَّا وَالشَّاهِدُ بِتَفْسِيرِهَا يَنْطِقُ فِي نَفْسِ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ٤ فَإِنْ صَرَفْتَ مِنْهُ مَعْنًى مَفْهُومًا إِلَى غَيْرِ مَفْهُومٍ، اسْتَحَالَ وَإِنْ صَرَفْتَ عَامًّا إِلَى خَاصٍّ اسْتَحَالَ، وَإِنْ صَرَفْتَ خَاصًّا مِنْهُ إِلَى عَامٍّ اسْتَحَالَ أَوْ بَطُلَ مَعْنَاهُ وَأَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَ مِنَ الْجَهْلِ بِمَعَانِي الْكَلَامِ كُلُّ مَا لَا يُعْقَلُ٥ مَا قُلْنَا وَلَكِنَّكَ فِيهِ كَالْغَرِقِ٦ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ عُودٍ، وَقَدْ قُلْنَا: يَكْفِينَا فِي مَسِّ اللَّهِ آدَمَ٧ بِيَدِهِ بِأَقَلَّ مِمَّا ذَكَرْنَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنَّا لَا نَسْمَعُ فِي شَيْءٍ مِنْ كِتَابٍ٨ وَلَا عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَن الله خلق نوحًا٩
_________________
(١) ١ قَوْله: "﷿" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ سُورَة ص، آيَة "٧٥". ٣ فِي ط، س، ش "فِيهَا" ٤ فِي ط، س، ش "فَلَيْسَ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَيْدِي إِلَّا ذَلِك فِي سِيَاق الْكَلَام مَعْقُول وَالشَّاهِدُ بِتَفْسِيرِهَا يَنْطِقُ فِي نَفْسِ كَلَام الْمُتَكَلّم". ٥ فِي ط، س، ش: "تقبل". ٦ فِي ك، س "كالغريق". ٧ تقدم الْكَلَام عَن الْمَسِيس ص”٢٣٠"، وترجمة آدم ﵇ تقدّمت ص”١٧٧". ٨ فِي ط، س، ش "كتاب الله". ٩ هُوَ نوح ﵇ بن لامك بن متوشالح بن أَخْنُوخ من ذُرِّيَّة شِيث بن آدم أبي الْبشر، وَهُوَ أول الرُّسُل كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة عَن أبي هُرَيْرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ: "يَا نوح، أَنْت أول الرُّسُل إِلَى الأَرْض" أرْسلهُ الله إِلَى قوم =
[ ١ / ٢٩١ ]
بِيَدِهِ وهودا١
_________________
(١) = كَانُوا يعْبدُونَ الْأَصْنَام: ودًّا وسواعًا، ويغوث ويعوق، ونسرًا، وَغَيرهَا، فَحَذَّرَهُمْ وَأَنْذرهُمْ عَاقِبَة كفرهم فَكَذبُوهُ، وَلما يئس مِنْهُم دَعَا ربه أَن يُهْلِكهُمْ، فَاسْتَجَاب وَكَانَ مَا كَانَ من قصَّة السَّفِينَة والطوفان مِمَّا هُوَ مَعْرُوف مشتهر، وَخرج نوح وَمن مَعَه من السَّفِينَة وَبَارك الله فيهم فكثروا وملأوا الأَرْض، ورد ذكره فِي الْقُرْآن ثَلَاثًا وَأَرْبَعين مرّة فِي إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سُورَة من الْقُرْآن، وَانْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب الْأَنْبِيَاء، بَاب قَول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٦/ ٣٧٠-٣٧٣ وصحيح مُسلم، كتاب الْإِيمَان، بَاب أدنى أهل الْجنَّة منزلَة فِيهَا، حَدِيث، ٣٢٧، ١/ ١٨٤ والطبري فِي تَارِيخ الْأُمَم والملوك، تَحْقِيق مُحَمَّد أَبُو الْفضل ١/ ١٧٩-١٩٣، والكامل فِي التَّارِيخ لِابْنِ الْأَثِير ١/ ٦٣-٧٣، وَابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١/ ١٠٠-١٢٠ ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرآنية لمُحَمد إِسْمَاعِيل ٢/ ٢٤٨. ١ هُوَ نَبِي الله وَرَسُوله هود بن شالح بن أرفخشد بن سَام بن نوح ﵇ وَقيل: هُوَ ابْن عبد الله بن رَبَاح بن الْجُلُود بن عَاد بن عوض، أرْسلهُ الله ﷾ إِلَى قوم عَاد فِي أَرض الْأَحْقَاف شمَالي حَضرمَوْت وَكَانَ هُوَ من أوسطهم نسبا وأصبحهم وَجها فَدَعَاهُمْ إِلَى عبَادَة الله وَحده وَأَن لَا يظلم بَعضهم بَعْضًا وَلَكنهُمْ أَبُو وعتوا وكذبوه ووضربوه، وقالو: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾، وخفة عقل فَخرج من بَينهم ودعا عَلَيْهِم بِالْقَحْطِ والجدب ثمَّ عَاد يذكرهم ويعظهم لَعَلَّ الله يرفع الْبلَاء عَنْهُم وَلَكِن قُلُوبهم كَانَت كالحجارة أَو أَشد قسوة، واستعجلوا الْعَذَاب فَأرْسل الله عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم فأهلكتهم وأبادتهم، وَهَؤُلَاء هم عَاد الأولى ورد ذكره فِي الْقُرْآن نَحْو من سبع مَرَّات "انْظُر: سُورَة هود وَالشعرَاء والأعراف وانطر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، بَاب قَول الله تعالي ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ ٦/ ٣٧٦-٣٧٨ والكامل فِي التَّارِيخ جـ١ ص"٨٥-٨٩"، وَابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١/ ١٢٠-١٣٠ ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرآنية لمُحَمد إِسْمَاعِيل إِبْرَاهِيم ٢/ ٢٦٠.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وصالحا١ أَو إِبْرَاهِيم٢
_________________
(١) ١ هُوَ نَبِي الله وَرَسُوله صَالح ﵇ قيل: هُوَ ابْن عبيد بن آسَف بن مَا شج بن عبيد بن جادر بن ثَمُود، بَعثه الله تَعَالَى إِلَى ثَمُود وَهِي قَبيلَة مَشْهُورَة باسم جدهم ثَمُود أخي جديس، وَهُوَ من الْعَرَب العاربة يسكنون الْحجر بَين الْحجاز وتبوك، وَكَانُوا يعْبدُونَ الْأَصْنَام فَدَعَاهُمْ نَبِيّهم صَالح إِلَى عبَادَة الله وَحده فآمنت طَائِفَة وكفرت طَائِفَة وَمَا زَالَ ينصح لَهُم فآذوه بالمقال وَالْفِعْل وهموا بقتْله، ثمَّ إِنَّهُم طلبُوا مِنْهُ أَن يخرج لَهُم من قلب الْجَبَل نَاقَة كي يصدقوه فَسَأَلَ الله ذَلِك فَاسْتَجَاب وَلَكنهُمْ عقروا النَّاقة فَأنْزل الله عَلَيْهِم الصَّيْحَة فأهلكتهم ونجى صَالحا وَمن مَعَه، وَذكر أَن صَالحا ﵇ إِلَى الشَّام فَنزل فلسطين، ثمَّ انْتقل الى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا يعبد الله حَتَّى مَاتَ وَهُوَ ابْن ٥٨ سنة، ورد فَذكر فِي الْقُرْآن نَحْو من تسع مَرَّات فِي سور: الْأَعْرَاف وَهود وَالشعرَاء والنمل، وَانْظُر: البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، بَاب قَول الله تَعَالَى ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ٦/ ٣٧٨-٣٨١، والكامل فِي التَّارِيخ ١/ ٨٩-٩٣، وَابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١/ ١٣٠-١٣٨، ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرآنية لمُحَمد إِسْمَاعِيل إِبْرَاهِيم ٢/ ١٤. ٢ هُوَ نَبِي الله وَرَسُوله إِبْرَاهِيم ﵇ الْمَعْرُوف بخليل الله وبأبي الْأَنْبِيَاء؛ لِأَن من ذُريَّته الْأَنْبِيَاء بعده، ولد بِأَرْض بابل وَقيل: بغَيْرهَا وَكَانَ أهل بابل يعْبدُونَ الْكَوَاكِب والأصنام ويؤلهون النمرود، وَكَانَ آزر أَبُو إِبْرَاهِيم ينحت الْأَوْثَان لِقَوْمِهِ، فَدَعَاهُمْ إِبْرَاهِيم لعبادة الله وَحده وَترك عبَادَة مَا دونه وَكَانَ مَا كَانَ لَهُ مَعَ أَبِيه آزر وَمَعَ أصنام الْقَوْم، حَتَّى أَمر الْملك بحرقه، فَكَانَت عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا، وَهَاجَر إِلَى أَرض الشَّام إِلَى مصر ورحل إِلَى مَكَّة بهاجر وَوَلدهَا =
[ ١ / ٢٩٣ ]
أَو إِسْمَاعِيل١
_________________
(١) = فأسكن زوجه وَولده فِي ذَلِك الْوَادي ودعا لَهما، وزار مَكَّة مرَّتَيْنِ وَفِي الْمرة الثَّانِيَة أمره الله بِبِنَاء الْبَيْت وساعده ابْنه إِسْمَاعِيل وَأمره الله بِأَن يُؤذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ، وابتلاه بِذبح ابْنه، وابتلاه الله بِكَلِمَات فأتمهن، وأوتي الصُّحُف الْمَذْكُورَة فِي سورتي النَّجْم والأعلى ورد ذكره فِي الْقُرْآن نَحوا من ثَلَاث وَسِتِّينَ مرّة فِي أَربع مرّة فِي أَربع وَعشْرين سُورَة انْظُر صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب الْأَنْبِيَاء جـ٦ الْأَبْوَاب من ص"٣٨٦-٤١٣" والطبري فِي تَارِيخ الْأُمَم والملوك، تَحْقِيق مُحَمَّد أَبُو الْفضل ١/ ٢٣٣-٣١٣ والكامل لِابْنِ الْأَثِير ١/ ٩٤-١٢٤ وَابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١/ ١٣٩-١٧٥ ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرآنية لمُحَمد إِسْمَاعِيل إِبْرَاهِيم ١/ ٢٥-٢٦. ١ هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ وَأمه هَاجر، جَاءَ بهما أَبوهُ وَهِي ترْضِعه حَتَّى وَضعهَا عِنْد الْبَيْت، عِنْد دوحة قوق زَمْزَم بِأَمْر الله، وَلَيْسَ بِمَكَّة يَوْمئِذٍ أحد، وَلَيْسَ بِهِ مَاء ثمَّ قفى ودعا لَهُم حَتَّى إِذا نفد مَا فِي السقاء وَجعلت تنظر إِلَى ابْنهَا وَهُوَ يتلوى سعت بن الصَّفَا والمروة سَبْعَة أَشْوَاط إِلَى أَن أغاثهم الله بِمَاء زَمْزَم وَنَشَأ إِسْمَاعِيل بِمَكَّة وَكبر وَتزَوج من جرهم، وَهُوَ الَّذِي هم أَبوهُ بذَبْحه امتثالًا لأمر الله ثمَّ افتداه الله بكبش وساعد إِسْمَاعِيل أَبَاهُ فِي بِنَاء الْبَيْت، وَقيل أَن مِفْتَاح الْبَيْت وسدانتها فِي ولد إِسْمَاعِيل وَكَانَ من ذُريَّته ﵇ مُحَمَّدٍ ﷺ قيل أَنه عَاشَ ١٣٧ سنة وَدفن عِنْد قبر أمه هَاجر بِالْحجرِ، وَقد ورد ذكره فِي الْقُرْآن نَحوا من اثْنَتَيْ عشرَة مرّة فِي: الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَالنِّسَاء والأنعام، وَإِبْرَاهِيم وَمَرْيَم، والأنبياء، وص، انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب الأنيياء، بَاب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ ٦/ ٤١٣-٤١٤ وَبَاب "يزفون النسلان فِي المشى" ٦/ ٣٩٥-٣٩٩ والطبري فِي تَارِيخ الْأُمَم والملوك، تَحْقِيق مُحَمَّد أَبُو الْفضل، ١/ ٣١٤، وَابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١/ ١٥٣-١٥٧ وصـ "١٩١-١٩٣" ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرآنية ١/ ٣٨-٣٩.
[ ١ / ٢٩٤ ]
أَوْ إِسْحَاقَ١ وَمُوسَى٢ وَعِيسَى٣ وَمُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَكَانَ كَافِيًا.
_________________
(١) ١ هُوَ نَبِي الله إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵉ رزق بِهِ إِبْرَاهِيم، وَهُوَ فِي شيخوخته قَالَ تَعَالَى ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصِّفَات، آيَة "١١٢" وَمن أبنائه يَعْقُوب ﵇ ذكر ابْن الْأَثِير أَن إِسْحَاق مَاتَ بِالشَّام وعمره ١٦٠ سنة، وَدفن عِنْد أَبِيه إِبْرَاهِيم بِمَدِينَة الْخَلِيل، ورد ذكره فِي الْقُرْآن نَحْو من سبع عشرَة مرّة فِي الْقُرْآن وَآل عمرَان وَالنِّسَاء والأنعام وَهود ويوسف وَإِبْرَاهِيم وَمَرْيَم والأنبياء وَالْعَنْكَبُوت وَالصَّافَّات، انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب الْأَنْبِيَاء، بَاب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ٦/ ٤١٤، والطبري فِي تَارِيخ الْأُمَم والملوك، تَحْقِيق مُحَمَّد أَبُو الْفضل ١/ ٣١٦-٣٢١ وَابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١/ ١٩٣-٢٢٠. ٢ مُوسَى ﵇ ص"١٥٥". ٣ هُوَ نَبِي الله وَرَسُوله عِيسَى بن مَرْيَم ﵇، عبد الله وَرَسُوله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ، آخر أَنْبيَاء الله وَرُسُله من بني إِسْرَائِيل، وَلدته أمه مَرْيَم بنت عمرَان فِي بَيت لحم بفلسطين وعاش مُعظم أَيَّام حَيَاته فِي بَلْدَة الناصرة، علمه الله الْكتاب وَالْحكمَة والتوراة وَالْإِنْجِيل وأيده بالمعجزات الباهرة من إِبْرَاء الأكمه والأبرص وإحياء الْمَوْتَى بِإِذن الله وَأنزل عَلَيْهِ الْإِنْجِيل عَادَاهُ الْيَهُود ووشوا بِهِ وَسعوا إِلَى التَّخَلُّص مِنْهُ، وأقدموا على قَتله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شبه لَهُم، وَرَفعه الله إِلَيْهِ وَكَانَ فِي سنّ الثَّالِثَة وَالثَّلَاثِينَ، ينزل آخر الزَّمَان حكما عدلا فيكسر الصَّلِيب وَيقتل الْخِنْزِير وَيَضَع الْحَرْب وَيقتل الدَّجَّال، ورد ذكره فِي الْقُرْآن نَحْو من خمس وَعشْرين مرّة. انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ، كتاب الْأَنْبِيَاء ٦ الْأَبْوَاب من ص"٤٦٩-٤٩٤" وَابْن جرير فِي تَارِيخ الْأُمَم والملوك، تَحْقِيق مُحَمَّد أَبُو الْفضل، ٥٨٥-٦٠٥ وَابْن الْأَثِير فِي الْكَامِل ١/ ٣٠٧-٣٢٠ وَابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ٢/ ٥٦-١٠١ ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرآنية ٢/ ٨٢-٨٣.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ عَلَى مَا ادَّعَيْتَ١: أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ بِالْيَدَيْنِ تَأْكِيدَ الْخَلْقِ لَا تَأْكِيدَ الْيَدِ، لَأَكَّدَ أَيْضًا فِي خَلْقِ نَبِيٍّ أَوْ رَسُولٍ، كَمَا أَكَّدَ فِي خَلْقِ آدَمَ فِي دَعْوَاكَ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْآخِرَةِ يَعْرِفُونَ لِآدَمَ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ فِي الْمَوْقِفِ يَوْمَ/ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: "اذْهَبُوا بِنَا إِلَى آدَمَ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو النَّاسِ ٢ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ اشْفَعْ لَنَا إِلَيّ رَبك" ٣.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "كل مَا ادعيت" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٢ فِي ط، س، ش "أَبُو الْبشر" وَبِهِمَا ورد لفظ الحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي. ٣ صَحِيح مُسلم بترتب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْإِيمَان، بَاب أدنى أهل الْجنَّة منزلَة فِيهَا، حَدِيث٣٢٧، ١/ ١٨٤ عَن أبي هُرَيْرَة فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "ائْتُوا آدم فَيَأْتُونَ أَدَم فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبشر خلقك الله بِيَدِهِ وَنفخ فِيك من روحه وَأمر الْمَلَائِكَة فسجدو لَك، اشفع لنا إِلَى رَبك أَلا ترى إِلَى مَا نَحن فِيهِ" إِلَخ مطولا. وَفِي سنَن ابْن مَاجَه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الزّهْد، بَاب ذكر الشَّفَاعَة حَدِيث ٤٣١٢، ٢/ ١٤٤٢ عَن أنس بن مَالك فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "يجْتَمع الْمُؤْمِنُونَ يَوْم الْقِيَامَة يلهموا أَو يهمون -شكّ سعيد- فَيَقُولُونَ: لَو تشفعنا إِلَى رَبنَا فأراحنا من مَكَاننَا فيأتوتن آدم فَيَقُولُونَ: أَنْت آدم أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وأسجد لَهُ مَلَائكَته فاشفع لنا عِنْد رَبك يرحنا من مَكَاننَا هَذَا فَيَقُول: لَيست هُنَاكُم " إِلَخ مطولا.
[ ١ / ٢٩٦ ]
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ١، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ٢، عَنْ قَتَادَةَ٣، عَنِ أنس٤، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "ثُمَّ يَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ٥ وَمُوسَى ٦ وَعِيسَى ٧ " وَلَا يَقُولُونَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، كَمَا قَالُوا لِآدَمَ٨ بَلْ يَقُولُونَ لِإِبْرَاهِيمَ٩: اتَّخَذَكَ اللَّهُ خَلِيلًا، وَلِمُوسَى١٠ كَلَّمَكَ اللَّهُ تَكْلِيمًا، وَلِعِيسَى: كُنْتَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيَقُولُونَ لِآدَمَ مِنْ بَيْنِهِمْ: خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ١١ لَمَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِهِمْ، كَمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من هَؤُلَاءِ
_________________
(١) ١ مُسلم بن إيراهيم، تقدم ص"٢٥٠". ٢ هِشَام الدستوَائي، تقدم ص"٢١٢"، وَقَالَ الكاشف ٣/ ٢٢٣: عَن قَتَادَة وَيحيى بن أبي كثير وَعنهُ أَبُو نعيم وَمُسلم. ٣ قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي، تقدم ص"١٨٠". ٤ أنس بن مَالك، تقدم ص"٢٠١". ٥ إِبْرَاهِيم ﵇، تقدم ص"٢٩٣". ٦ مُوسَى ﵇ تقدم ص"١٥٥". ٧ فِي ط، س، ش، "يأْتونَ آدم ثُمَّ يَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى" وَهُوَ أوضح، وَعِيسَى ﵇ تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٩٥". ٨ آدم ﵇ تقدم ص"١٧٧". ٩ إِبْرَاهِيم ﵇ تقدم ص"٢٩٣". ١٠ مُوسَى ﵇ تقدم ص"١٥٥". ١١ فِي ط، س، ش "خلقك الله تَعَالَى بِيَدِهِ". قلت: وَهَذَا ثَابت يدل لَهُ حَدِيث الشَّفَاعَة الْمَشْهُور الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا فَفِي البُخَارِيّ "فَيَأْتُونَ آدم فَيَقُولُونَ: يَا آدم أما ترى النَّاس؟ خلقك الله بِيَدِهِ، وأسجد لَك مَلَائكَته " إِلَخ، وَعند مُسلم "فَيَأْتُونَ آدم فَيَقُولُونَ: أَنْت آدم أَبُو الْخلق، خلقك الله بِيَدِهِ وَنفخ فِيك من روحه وَأمر الْمَلَائِكَة فسجدوا لَك " إِلَخ. انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَول لله تَعَالَى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ حَدِيث ٧٤١٠، ١٣/ ٣٩٢ عَن أنس مَرْفُوعا. وَانْظُر: صَحِيح مُسلم، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْإِيمَان بَاب أدنى أهل الْجنَّة منزلَة فِيهَا، حَدِيث ٢٢٣، ١/ ١٨٠ عَن أنس مَرْفُوعا.
[ ١ / ٢٩٧ ]
الْأَنْبِيَاءِ مَخْصُوصٌ بِمَنْقَبَتِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ، فَأَيُّ ضَلَالٍ أَبْيَنُ مِنْ ضَلَالِ رَجُلٍ خَالَفَهُ فِي دَعْوَاهُ أَهْلُ الدُّنْيَا وَأَهْلُ الْآخِرَةِ١؟، وَلَكِنْ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ ٢ فَاحْتَجَّ مُحْتَجٌّ٣ عَنِ الْمَرِيسِيِّ فِي ابطاب مَسِّ اللَّهِ٤ آدَمَ بِيَدِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى٥ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٦ فَقَالَ: جَعَلَهُ مِثْلَ عِيسَى، وَعِيسَى لَمْ يَخْلُقْهُ بِيَدِهِ، فَقُلْنَا٧ لِهَذَا الْمُحْتَجِّ غَلِطْتَ فِي التَّأْوِيلِ وَضَلَلْتَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِيسَى مِثْلَ آدَمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ وَهَذَا أَنَّهُ كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَكَلِمَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، كَمَا أَنَّ آدَمَ
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "أهل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة". ٢ فِي سُورَة الزمر، أَيَّة "٣٦-٣٧". ٣ فِي ط، س، ش "فَإِن احْتج مُحْتَج". ٤ فِي ط، س، ش "فِي إبِْطَال أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ" وَهُوَ أولى. ٥ لَفْظَة: "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٦ لَفْظَة: فَيكون: لم ترد فِي ط، س، ش وَالْآيَة من سُورَة آل عمرَان، آيَة "٥٩". ٧ فِي ط، ش "لقلنا" وَفِي س "فَقُلْنَا".
[ ١ / ٢٩٨ ]
لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ، ثُمَّ هُوَ فِي سَائِرِ أَمْرِهِ مُخَالِفٌ١ لِآدَمَ أَوَّلُهُ: خَلَقَ اللَّهُ إِيَّاهُ بِيَدَيْهِ، وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ بِتَمَامِهِ مِنْ طِينٍ، لَمْ يَكُنْ صَغِيرًا فَيَكْبُرَ٢ وَلَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ ٣ بَطْنٌ وَلَا رَحِمٌ، وَلَمْ يَرْضَعْ بِلَبَنٍ صَغِيرًا فِي الْمَهْدِ، فَكَمَا هُوَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُخَالِفٌ لِآدَمَ فَهُوَ لَهُ مُخَالِفٌ فِي خَلْقِ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى٤ وَكَمَا٥ أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَيْسَ كَيَدِهِ يَدٌ.
فَافْهَمْ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّكَ تَأَوَّلْتَ فِي يَدَيِ اللَّهِ، أَفْحَشَ مِمَّا تَأَوَّلَتِ الْيَهُودُ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ٦ قَالُوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ٧ وَادَّعَيْتَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ وَلَمَّا ٨ أَنَّكَ تَأَوَّلْتَهَا النِّعَمَ وَالْأَرْزَاقَ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ، فَمَاذَا لَقِيَ اللَّهُ مِنْ عَمَايَتِكُمْ هَذِهِ؟ تَدَّعُونَ أَنَّ يَدَيِ الله مخلوقتان، إِنَّهُمَا عِنْدَكُمْ رِزْقَاهُ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ، وَمَوْسُوعُهُ٩ وَمَقْتُورُهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "مُخَالفا" بِالنّصب وَصَوَابه الرّفْع. ٢ فِي ط، ش: "فَكبر" وَهُوَ أولى. ٣ فِي س "على بطن"، ويستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ فِي ط، س، ش "كَمَا" دون وَاو الْعَطف. ٦ قَوْله: "لِأَن الْيَهُود": لَيست فِي ط، س، ش، وَبهَا يَتَّضِح الْمَعْنى. ٧ ورد مَا يدل على ذَلِك فِي سُورَة الْمَائِدَة آيَة "٦٤" ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الْآيَة. ٨ فِي ط، س "لما" دون الْوَاو. ٩ فِي س: "وموسعة".
[ ١ / ٢٩٩ ]
السَّمْعُ وَالْبَصَرُ ١:
وَادَّعَى الْمَرِيسِيُّ أَيْضًا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى٢ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٣ ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ٤ أَنَّهُ يَسْمَعُ الْأَصْوَاتَ، وَيَعْرِفُ الْأَلْوَانَ، بِلَا سَمْعٍ وَلَا بَصَرٍ، وَأَنَّ قَوْله ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ٥ يَعْنِي٦: عَالِمٌ بِهِمْ، لَا أَنَّهُ يُبْصِرُهُمْ بِبَصَرٍ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِعَيْنٍ، فَقَدْ يُقَالُ لِأَعْمَى٧: مَا أَبْصَرَهُ أَيْ: مَا أَعْلَمَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُبْصِرُ بِعَيْنٍ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمَرِيسِيِّ الضَّالِّ: الْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ إِلَهٍ٨ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْحِمَارَ يَسْمَعُ الْأَصْوَاتَ بِسَمْعٍ، وَيَرَى الْأَلْوَانَ بِعَيْنٍ، وَإِلَهُكَ بِزَعْمِكَ: أَعْمَى أَصَمُّ، لَا يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَلَا يُبْصِرُ بِبَصَرٍ. وَلَكِنْ يُدْرِكُ الصَّوْتَ كَمَا يُدْرِكُ٩ الْحِيطَانُ وَالْجِبَالُ الَّتِي لَيْسَ١٠ لَهَا
_________________
(١) ١ العنوان من المطبوعتين ط، ش. ٢ لَفْظَة: "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ انْظُر سُورَة الْحَج، آيَة "٧٥"، وَسورَة لُقْمَان آيَة "٢٨"، وَسورَة المجادلة آيَة "١". ٤ سُورَة آل عمرَان، آيَة "١٥" وَآيَة "٢٠". ٥ تقدم. ٦ فِي ط، س، ش "بِمَعْنى". ٧ فِي ط، س، ش "للأعمى". ٨ قَالَ مُحَمَّد حَامِد الفقي فِي تَعْلِيقه على المطبوعة: "فِي هَذِه الْجُمْلَة جفَاء كَانَ أولى غَيرهَا، فَإِن فِيهَا نبوًا". ٩ فِي ط، س، ش "كَمَا تدْرك". ١٠ فِي ط، س، ش "لَيست".
[ ١ / ٣٠٠ ]
أَسْمَاعٌ، وَيَرَى الْأَلْوَانَ بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا يُبْصِرُ فِي دَعْوَاكَ.
فَقَدْ جَمَعْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ فِي دَعْوَاكَ هَذِهِ جهلا وَكفرا، أم الْكُفْرُ فَتَشْبِيهُكَ اللَّهَ تَعَالَى١ بِالْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ وَلَا يَرَى. وَأَمَّا الْجَهْلُ فَمَعْرِفَةُ النَّاسِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَن يُقَال لشَيْء: سَمِيعٌ بَصِيرٌ، إِلَّا وَذَلِكَ الشَّيْءُ مَوْصُوفٌ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنْ ذَوِي الْأَعْيُنِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ، وَالْأَعْمَى مِنْ ذَوِي الْأَعْيُنِ وَإِنْ كَانَ قَدْ حُجِبَ٢.
فَإِنْ كُنْتَ تُنْكِرُ مَا قُلْنَا فَسَمِّ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا أَسْمَاعٌ وَأَبْصَارٌ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ؟ وَنَحْنُ نَقُولُ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. ثُمَّ نَفَيْتَ عَنْهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ اللَّذَيْنِ هُمَا السَّمْعُ وَالْبَصَر، ونفيت عَنهُ الْعين، كَمَا يَسْتَحِيلُ هَذَا فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا أَسْمَاعٌ وَأَبْصَارٌ فَهُوَ فِي الله السيمع الْبَصِيرِ أَشَدُّ اسْتِحَالَةً.
وَكَيْفَ اسْتَجَزْتَ أَنْ تُسَمِّيَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَأَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِصِفَاتِ اللَّهِ الْمُقَدَّسَةِ: مُشَبِّهَةً، إِذْ وَصَفُوا اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ٣ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي أَسْمَاؤُهَا مَوْجُودَةٌ فِي صِفَاتِ بني آدم تَكْيِيفٍ، وَأَنْتَ قَدْ شَبَّهْتَ إِلَهَكَ فِي يَدَيْهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ بِأَعْمَى وَأَقْطَعَ، وَتَوَهَّمْتَ فِي مَعْبُودِكَ مَا تَوَهَّمْتَ فِي الْأَعْمَى وَالْأَقْطَعِ فَمَعْبُودُكَ مجدع٤ مَنْقُوص،
_________________
(١) ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ فِي ط، ش "قد حجب بَصَره". ٣ فِي ط، ش "كَلَامه". ٤ فِي ط، س، ش "مُخْدج" والجدع: الْقطع قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب/ =
[ ١ / ٣٠١ ]
أَعْمَى لَا بَصَرَ لَهُ، وَأَبْكَمُ لَا كَلَامَ لَهُ، وَأَصَمُّ لَا سَمْعَ لَهُ، وَأَجْذَمُ١ لَا يَدَانِ لَهُ، وَمُقْعَدٌ لَا حِرَاكَ بِهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِصِفَةِ إِلَهِ الْمُصَلِّينَ؟ فَأَنْتَ٢ أَوْحَشُ مَذْهَبًا فِي تَشْبِيهِكَ إِلَهَكَ بِهَؤُلَاءِ الْعِمْيَانِ وَالْمَقْطُوعِينَ، أَمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيْتَهُمْ٣ مُشَبِّهَةً أَنْ وَصَفُوهُ٤ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ بِلَا تَشْبِيهٍ؟ فلولا
_________________
(١) = إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ١/ ٤١٧ مَادَّة "جدع" "الجدع: "الْقطع وَقيل: هُوَ الْقطع الْبَائِن فِي الْأنف وَالْأُذن والشفة وَنَحْوهَا، جدعه يجدعه جدعًا، فَهُوَ جادع إِلَخ" بِتَصَرُّف. والمخدج أَي النَّاقِص -تَعَالَى الله عَن ذَلِك- قَالَ فِي لِسَان الْعَرَب إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ١/ ٧٩٥ مَادَّة "خدج": "وَفِي الحَدِيث: "كل صَلَاة لَا يقْرَأ فِيهِ بِفَاتِحَة الْكتاب فهى خداج" أَي نُقْصَان وَيُقَال: أخدج الرجل صلَاته فَهُوَ مُخْدج وَهِي مخدجة وَيُقَال: أخدج فَلَا أمره إِذا لم يحكمه وأنضج أمره إِذا أحكمه، وَالْأَصْل فِي ذَلِك إخداج النَّاقة وَلَدهَا وانضاجها إِيَّاه" بِتَصَرُّف. ١ فِي ط، ش "أَجْزم" بالزاي، والجزم بِمَعْنى الْقطع كالجذم إِلَّا أَن الْجَزْم إِنَّمَا يرد كثيرا فِي الْأُمُور والجذم فِي الْأَشْيَاء المحسوسة، وَانْظُر التَّعْلِيق رقم١ ص"٢٣٥". وَقَالَ فِي مَادَّة جزم ١/ ٤٥٦، الْمرجع نَفسه: "الْجَزْم الْقطع" جزمت الشَّيْء أجزمه جزما قطعته وجزمت الْيَمين جزما أمضيتها، وكل أَمر قطعته قطعا لَا عودة فِيهِ فقد جزمته" بِتَصَرُّف. ٢ فِي ط، س، ش "أفأنت". ٣ فِي ط، س، ش "تسميهم". ٤ فِي س "إِذْ وصفوه" وَفِي ط، ش "إِذْ وصفوا الله".
[ ١ / ٣٠٢ ]
أَنَّهَا كَلِمَةٌ هِيَ مِحْنَةُ الْجَهْمِيَّةِ الَّتِي بِهَا يَنْبِزُونَ الْمُؤْمِنِينَ مَا سَمَّيْنَا١ مُشَبِّهًا غَيْرَكَ لِسَمَاجَةِ مَا شَبَّهْتَ وَمَثَّلْتَ. وَيْلَكَ! إِنَّمَا نَصِفُهُ بالأسماء لَا بالتكيف وَلَا بِالتَّشْبِيهِ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّهُ مَلِكٌ كَرِيمٌ، عَلِيمٌ، حَكِيمٌ، حَلِيمٌ، رَحِيمٌ لَطِيفٌ، مُؤْمِنٌ، عَزِيزٌ، جَبَّارٌ، مُتَكَبِّرٌ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى الْبَشَرُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِصِفَاتِهِمْ، فَالْأَسْمَاءُ فِيهَا مُتَّفِقَةٌ، وَالتَّشْبِيهُ وَالْكَيْفِيَّةُ مُفْتَرِقَةٌ: كَمَا يُقَالُ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الْأَسْمَاءَ، يَعْنِي فِي الشَّبَهِ وَالطَّعْمِ وَالذَّوْقِ، وَالْمَنْظَرِ، وَاللَّوْنِ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاللَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الشَّبَهِ٢ وَأَبْعَدُ. فَإِنْ كُنَّا مُشَبِّهَةً عِنْدَكَ أَنْ٣ وَحَّدْنَا اللَّهَ إِلَهًا وَاحِدًا بِصِفَاتٍ أَخَذْنَاهَا عَنْهُ وَعَنْ كِتَابِهِ٤ فَوَصَفْنَاهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، فَاللَّهُ فِي دَعْوَاكُمْ أَوَّلُ الْمُشَبِّهِينَ بِنَفسِهِ٥ ثمَّ رَسُول الله الَّذِي أَنْبَأَنَا ذَلِكَ عَنْهُ. فَلَا تَظْلِمُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تُكَابِرُوا٦ الْعِلْمَ، إِذْ جَهِلْتُمُوهُ فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ مِنَ التَّشْبِيه بعيدَة٧.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "مَا سميت". ٢ فِي ط، س، ش "التَّشْبِيه". ٣ فِي ط، س، ش "إِذا وجدنَا". ٤ فِي ط، س، ش "أخذناها عَنهُ من كِتَابه" وَهُوَ أولى. ٥ فِي ط، ش "أول المشبهين نَفسه". ٦ فِي س "وَلَا تكاثروا" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٧ فِي ط، س، ش "فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ مِنَ التَّشْبِيهِ بَعِيدَةٌ إِذا لزم الِاشْتِرَاك فِي الْأَسْمَاء مَا يلْزم الِاتِّحَاد فِي الذوات المحدثة والذات الْقَدِيمَة فِيمَا تقدم انْتَفَى الْقيَاس" وَفِي س "فِي الذوات الْقَدِيمَة والذات المحدثة" والعبارة غير وَاضِحَة.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وَأَمَّا مَا ادَّعَيْتَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١ أَنَّهُ إِنَّمَا عَنَى: عَالِمًا بِالْأَصْوَاتِ عَالما بالألوان، لَا يسمع، وَلَا يُبْصِرُ بِبَصَرٍ، ثُمَّ قُلْتَ: وَلم يجِئ خير عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِ: "أَنَّهُ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، ويبصر بصر، ولكنكمن قَضَيْتُمْ عَلَى اللَّهِ٢ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَجَدْتُمُوهُ فِي أَنْفُسِكُمْ.
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ: أَمَّا٣ دَعْوَاكَ عَلَيْنَا أَنَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَجَدْنَاهُ فِي أَنْفُسِنَا فَهَذَا لَا يَقْضِي بِهِ إِلَّا مَنْ هُوَ ضال مصلك. غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ٤ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ، يَسْمَعُ بِسَمْعٍ وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، وَاتَّصَلَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ أَخْبَارٌ مُتَّصِلَةٌ٥ فَإِنْ حَرَمَكَ اللَّهَ مَعْرِفَتَهَا فَمَا ذَنْبُنَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٦ لِمُوسَى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٧، وَقَالَ: ﴿وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٨ ﴿واصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٩ ثمَّ ذكر رَسُول الله
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ "إِنَّه كَانَ سميعًا بَصيرًا" وَهُوَ خطأ، وَلَعَلَّه أَرَادَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة النِّسَاء آيَة "٥٨" ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أَو قَوْله فِي نفس آيَة "١٣٤" ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . ٢ فِي ط، س، ش "زِيَادَة تَعَالَى". ٣ فِي ط، س، ش "إِنَّمَا دعواك". ٤ فِي ط، س، ش "﵎ اسْمه". ٥ فِي ط، س، ش "واتصلت بذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَار مُتَّصِلَة". ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ سُورَة طه، آيَة "٣٩". ٨ سُورَة الْقَمَر، الْآيَتَانِ "١٣-١٤". ٩ سُورَة هود، آيَة "٣٧".
[ ١ / ٣٠٤ ]
ﷺ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ" ١ وَالْعَوَرُ عِنْدَ النَّاسِ ضِدُّ الْبَصَرِ، وَالْأَعْوَرُ عِنْدَهُمْ ضِدُّ الْبَصِيرِ بِالْعَيْنَيْنِ.
وَرَوَيْتَ أَنْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى٢، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُحْتَجًّا لِمَذْهَبِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ أَصْحَابَهُ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا" ٣ فَالصَّمَمُ ضِدُّ السَّمْعِ الَّذِي هُوَ السَّمْعُ عِنْدَ النَّاسِ. وَهَذَا مِمَّا رَوَيْتَهُ وَثَبَتَّهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَحِيحًا فِي بَعْضِ٤ دَعْوَاكَ بِهِ، فَفِيمَا ذَكَرْنَا عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ بَيَانٌ أَنَّ السَّمْعَ غَيْرُ الْبَصَرِ، وَأَنَّ الْبَصَرَ غَيْرُ السَّمْعِ٥ وَأَنَّهُ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، غَيْرَ مكيف وَلَا ممثل.
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ "تغذى"، وَقَوله جلّ ذكره: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ حَدِيث ٧٤٠٧، ١٣/ ٣٧٩ عَن أنس مَرْفُوعا فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظِهِ. ٢ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، تقدم ص"٢٥١". ٣ رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب الدَّعْوَات، بَاب الدُّعَاء إِذا علا عقبَة، حَدِيث ٦٣٨٤، ١١/ ١٨٧ عَن أبي مُوسَى فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبا". وَرَوَاهُ مُسلم: انْظُر: صَحِيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الذّكر وَالدُّعَاء وَالتَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار، بَاب اسْتِحْبَاب خفض الصَّوْت بِالذكر، حَدِيث ٢٧٠٤، ٤/ ٢٠٧٦ عَن أبي مُوسَى فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظِهِ. ٤ فِي ط، س، ش "فِي نقض دعواك بِهِ" وَمَا فِي الأَصْل أولى. ٥ فِي س "وَأَن الْبَصِير غير السَّمِيع".
[ ١ / ٣٠٥ ]
وَمِمَّا يَزِيدُكَ بَيَانًا: قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، خَلِيلِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ لِأَبِيهِ ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ١ يَعْنِي إِبْرَاهِيمُ أَنَّ إِلَهَهُ بِخِلَافِ الصَّنَمِ، يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا أَوَّلْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ لَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ لِإِبْرَاهِيمَ: فَإِلَهُكَ أَيْضًا لَا يَسْمَعُ بِسَمْعٍ وَلَا يُبْصِرُ بِبَصَرٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي أَصْنَامِ الْعَرَبِ: ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ٢ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ بِخِلَافِهِمْ، لَهُ يَد يبطش بهَا، وَعين٣ بيصر بِهَا، وَسَمْعٌ يَسْمَعُ بِهِ.
وَادَّعَيْتَ أَيْضًا أَنَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، فَقَدِ ادَّعَيْنَا أَنَّ بَعْضَهُ عَاجِزٌ وَبَعضه قوي، وَبَعضه تَامّ، وبضعه نَاقِصٌ، وَبَعْضَهُ مُضْطَرٌّ، فَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ أَيُّهَا٤ الْمَرِيسِيُّ لَا يَجُوزُ هَذَا الْقِيَاسُ فِي صِفَةِ كَلْبٍ مِنَ الْكِلَابِ؟ فَكَيْفَ فِي صِفَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ بَلْ حَرَامٌ عَلَى السَّائِلِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا، وَحَرَامٌ عَلَى الْمُجِيبِ أَنْ يُجِيبَ فِيهِ٥ وَالْعَجَبُ مِنْ قَائِلِهِ، كَيْفَ لَمْ يَخْسِفِ اللَّهُ بِهِ؟ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ ذُو أَنَاةٍ وحلم٦ عَمَّن قَالَ:
_________________
(١) ١ سُورَة مَرْيَم آيَة "٤٢". ٢ سُورَة الْأَعْرَاف آيَة "١٩٥". ٣ فِي ط، س، ش "وَله أعين يبصر بهَا". ٤ فِي ط، س "فَإِن قُلْتُمْ أَيهَا المريسي". ٥ فِي ش "وَحرَام على الْمُجيب فِيهِ". ٦ فِي س "ذُو أناءة وحليم".
[ ١ / ٣٠٦ ]
﴿اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ ١، وَعَمَّنْ قَالَ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ ٢، وَعَمَّنْ قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ٣ وَمَنْ٤ قَالَ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ٥ وَكَذِلَكَ حَلِمَ عَنْ٦ هَذَا الْمَرِيسِيِّ، إِذْ لَمْ يَخْسِفْ بِهِ وَلَمْ يُعْجِزْهُ هَرَبًا.
وَيْلَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ! إِنَّا لَا نَدَّعِي فِيهِ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ الَّتِي احْتَجَجْتَ بِهَا مِمَّا لَيْسَ لِمِثْلِهَا جَوَابٌ، وَنُجِلُّهُ أَنْ نَلْفِظَ فِي صِفَاتِهِ بِهَذِهِ الْخُرَافَاتِ غَيْرَ أَنَّا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ"٧ وَ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ
_________________
(١) ١ أَرَادَ بذلك النَّصَارَى قَالَ تَعَالَى عَنْهُم فِي سُورَة الْمَائِدَة آيه "٧٣" ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ الْآيَة. ٢ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة، أَيَّة "١١٦" ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ﴾ الْآيَة، وَقَالَ فِي سُورَة يُونُس آيَة "٦٨": ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ وَقَالَ فِي سُورَة الْكَهْف آيَة "٤": ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ وَقَالَ فِي سُورَة مَرْيَم آيَة "٨٨": ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾، وَقَالَ فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء أَيَّة "٢٦": ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ . ٣ سُورَة النازعات آيَة "٢٤": وَالْمرَاد بِهِ فِرْعَوْن. ٤ فِي ط، س، ش "وَعَمن قَالَ". ٥ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْمَائِدَة آيَة "٦٤": ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ . ٦ فِي ط، س، ش "على هَذَا المريسي". ٧ أَرَادَ بذلك مَا ورد من مثل قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْإِسْرَاء آيَة "١": ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وَقَوله فِي سُورَة الْحَج آيَة "٧٥": ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وَقَوله تَعَالَى فِي سُورَة الشورى آيَة "١١": ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
[ ١ / ٣٠٧ ]
وَأَرَى﴾ ١ فَفَرَّقَ بَيْنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، فَأَخَذْنَا مِنَ اللَّهِ وَرَدَدْنَا عَلَيْكَ جَهْلَكَ وَخُرَافَاتِكَ.
أَوَ لَمْ تَقُلْ أَيُهَّا الْمَرِيسِيُّ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَوَهَّمَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ٢ بِمَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ فِي نَفْسِهِ، فَكَيْفَ نَسَبْتَ اللَّهَ إِلَى الْعَجْزِ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي تَعْرِفُهُ مِنْ٣ نَفْسِكَ؟ ثُمَّ قُلْتَ: فَكَمَا أَنَّكَ بِأَحَدِهِمَا مُضْطَرٌّ إِلَى الْآخَرِ كَذَلِكَ اللَّهُ -فِيمَا، ادَّعَيْتَ عَلَيْنَا- مُضْطَرٌّ إِلَى الْآخَرِ فَشَبَّهْتَ اللَّهَ فِي مَذْهَبِكَ بِالْإِنْسَانِ المجدع٤ المنقوص.
أَو لم تَسْمَعْ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى٥ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٦ وَكَمَا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَيْسَ كَسَمْعِهِ سَمْعٌ، وَلَا كَبَصَرِهِ بَصَرٌ وَلَا لَهُمَا عِنْدَ الْخَلْقِ قِيَاسٌ وَلَا مِثَالٌ، وَلَا شَبِيهٌ، فَكَيْفَ تَقِيسُهُمَا أَنْتَ بِشَبَهِ مَا تَعْرِفُ مِنْ نَفْسِكَ، وَقَدْ عِبْتَ عَلَى غَيْرك؟.
_________________
(١) ١ سُورَة طه، آيَة "٤٦". ٢ فِي ط، س، ش "فِي صِفَات الله تَعَالَى". ٣ فِي س، ش "تعرفه فِي نَفسك". ٤ فِي ط، ش "المخدج"، ومعناهما مُتَقَارب انْظُر ص”٣٠٢". ٥ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٦ سُورَة الشورى، آيَة "١١".
[ ١ / ٣٠٨ ]
وَأَمَّا دَعْوَاكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ١ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْأَصْوَاتَ وَيَعْلَمُ الْأَلْوَانَ فَقَدْ فَهِمْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ مَعْنَى كُفْرِ مَا تَقْصِدُهُ٢ بِهِ إِلَيْهِ. فَلَا يَجُوزُ لَكَ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ أُغْلُوطَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ٣: يَعْنِي٤ أَنَّ٥ إِلَهَكَ مُهْمِلٌ شَبَحٌ٦ هَوَاءٌ قَائِمٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ٧ لَا يُوصَفُ بِسَمْعٍ، وَلَا بَصَرٍ، وَلَا عِلْمٍ، وَلَا كَلَامٍ، وَلَا وَجْهٍ، وَلَا يَدٍ وَلَا نَفْسٍ، وَلَا حَدٍّ٨ فَالسَّمْعُ عِنْدَكَ مِنْهُ بَصَرٌ،
_________________
(١) ١ سُورَة الْحَج، آيَة "٦١" وَآيَة "٧٥" وَسورَة لُقْمَان، آيَة "٢٨" والمجادلة آيَة "١". ٢ فِي ش "مَا تقصد بِهِ إِلَيْهِ". ٣ فِي س زِيَادَة "تَعَالَى". ٤ لَفْظَة "يَعْنِي" لَيست فِي ط، ش. ٥ فِي ط، ش "إِن إلهك". ٦ فِي ط، س، ش "مهمل همج" قلت: وَمن مَعَاني الهمج، الهمل الَّذِي لانظام لَهُ: قَالَ فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلى ٣/ ٨٢٦: ٨٢٧ مَادَّة "همج": "والهمج: الرعاع من النَّاس، وَقيل: الأخلاط وَقيل: هم الهمل الَّذين لَا نظام لَهُم، وكل شَيْء ترك بعضه يموج فِي بعض فَهُوَ هامج". وَقَالَ فِي مَادَّة "شبح" ٢٦٢: "الشبح: مَا بدا لَك شخصه من النَّاس غَيرهم من الْخلق يُقَال: شبح لنا أَي مثل: وَأنْشد: رمقت بِعَين كل شبح وَحَائِل"، بِتَصَرُّف. ٧ فِي ط، س، ش "هُوَ قَائِم دَاخل فِي كل مَكَان". ٨ سبق الْكَلَام عَن الْحَد ص"٢٢٣".
[ ١ / ٣٠٩ ]
وَالْبَصَرُ مِنْهُ سَمْعٌ، وَالْوَجْهُ ظَهْرٌ، وَالْأَعْلَى مِنْهُ أَسْفَلُ، وَالْأَسْفَلُ مِنْهُ أَعْلَى، يَسْمَعُ الْأَصْوَاتَ بِزَعْمِكَ أَنَّهُ يَبْلُغُهُ الصَّوْتُ وَلَا يَفْهَمُهُ، كَمَا يَبْلُغُ الْجِبَالَ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا أَسْمَاعٌ وَلَا تَفْقَهُهُ١ وَيَعْرِفُ الْأَلْوَانَ بِالتَّرَائِي وَالْمُشَاهَدَةِ لَا أَنَّ لَهُ سَمْعًا يَسْمَعُ بِهِ فَيَفْقَهُهُ٢ وَلَا لَهُ بَصَرٌ يُبْصِرُ بِهِ فَيَرَاهُ وَيَعْرِفُهُ، كَمَا يُقَالُ لِلدُّورِ وَالْقُصُورِ: يَرَى بَعْضُهَا بَعْضًا، أَيْ تَتَرَاءَى وَلَيْسَتْ لَهَا أَبْصَارٌ، وَالْجِبَالُ: يَنْظُرُ بَعْضهَا إِلَى بَعْضًا بِلَا بصر، فَكَمَا يُقَال: ذهبت فُلَانٌ بَيْنَ سَمْعِ الْأَرْضِ وَبَصَرِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْأَرْضِ سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ هُوَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ، فَوَصَفْتَ رَبَّكَ بِمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَصْنَامَ، مَا تَقُولُ٣ ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ٤ كَمَا قَالَ لِلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ٥ وَلَوْ كَانَ مَعْنَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ: إِدْرَاكَ الْأَصْوَاتِ وَتَرَائِيَ الْأَجْسَامِ لَكَانَ ذَلِكَ٦ تُدْرِكُ الْأَصْنَامُ كَمَا يُدْرِكُ الله فِي
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَلَا نفقه". ٢ فِي س "فيفهمه". ٣ فِي س "مَاذَا تَقول" وَفِي ط، ش "كَمَا قَالَ". ٤ فِي ش "وَلَا سمعُوا مَا اسْتَجَابُوا لكم"، وَهُوَ خطأ وصواب الْآيَة مَا أَثْبَتْنَاهُ انْظُر: سُورَة الْأَعْرَاف آيَة "١٩٨". ٥ سُورَة فاطر آيَة "١٤". ٦ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "لَكَانَ كَذَلِك" وَهُوَ أوضح.
[ ١ / ٣١٠ ]
دَعْوَاكُمْ، وَلَكِنَّ مَا وَصَفْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ صِفَةُ الْأَصْنَامِ لَا صِفَةُ اللَّهِ، فَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى تَقْصِدُ فِي سَمْعِ اللَّهِ وَبَصَرِهِ، وَقَدْ سَمِعْنَاهُ١ مِنْ بَعْضِ خُطَبَائِكُمْ٢ يُغَالِطُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحُجَجِ أَنْبَاطَ٣٢ كُوثَى٤ أَوْ أَبْطَاطَا٥ أَوْ يَهُودَ الْحِيرَةِ٦ أهل مِلَّة أَبِيك وجيرانه.
_________________
(١) ١ فِي ش "وَقد سمعنَا". ٢ فِي ط، س، ش "من خطبائكم". ٣ الأنباط قوم من الْعَجم وينسب إِلَيْهِم مقَاتل بن حَيَّان النبطي وَغَيره، والنبطي بِفَتْح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة فِي آخرهَا طاء مُهْملَة نِسْبَة إِلَى "النبط" بِتَصَرُّف من اللّبَاب لِابْنِ الْأَثِير ٣/ ٢٩٥. ٤ قَالَ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم اللبلدان ٤/ ٤٨٧: "كوثى. بِالضَّمِّ ثمَّ سُكُون والثاء مُثَلّثَة، وَألف مَقْصُور تكْتب بِالْيَاءِ؛ لِأَنَّهَا رَابِعَة الِاسْم وكوثى فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع بسواد الْعرَاق فِي أَرض بابل وبمكة وَهُوَ منزل بنى عبد الدَّار خَاصَّة ثمَّ غلب على الْجَمِيع وكوثى الْعرَاق، كوثيان: أَحدهمَا كوثى الطَّرِيق وَالْآخر كوثى رَبِّي، وَبهَا مشْهد إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَبهَا مولده، وهما من أَرض بابل، وَبهَا طرح إِبْرَاهِيم فِي النَّار، إِلَخ "بِتَصَرُّف قلت: وَمرَاده هُنَا كوثى الْعرَاق. ٥ فِي ط، س، ش "أَو بطاطا" قلت: وَلَو أجد فِيمَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من معاجم الْبلدَانِ بَلْدَة بِهَذَا الِاسْم، وَلَعَلَّ صوابها "بطاطيا"، وَهِي نهر يحمل من دجيل ودجيل كزبير شعب من نهر دجلة الْمَعْرُوف، بِتَصَرُّف من الْقَامُوس للفيروزآبادي ٢/ ٣٥١، ٣/ ٣٧٤. ٦ قَالَ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم الْبلدَانِ ٢/ ٣٢٨: "الْحيرَة بالكسرة ثمَّ السّكُون وَرَاء مَدِينَة كَانَت على ثَلَاثَة أَمْيَال من الْكُوفَة" على مَوضِع يُقَال لَهُ: "النجف زَعَمُوا أَن بَحر فَارس كَانَ يتَّصل بِهِ، وبالحيرة الخورنق بِقرب مِنْهَا مِمَّا يَلِي الشرق، على نَحْو ميل، والسدير فِي وسط الْبَريَّة بَينهَا وَبَين الشَّام، وَكَانَت مسكن مُلُوك الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة من زمن نصر، ثمَّ لخم النُّعْمَان وآبائه" قلت: وَيُقَال: إِنَّهَا اندثرت وَلم يبْق لَهَا وجود الْيَوْم.
[ ١ / ٣١١ ]
فَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا هِشَامٍ الرِّفَاعِيَّ١ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا نُعَيْمٍ٢ يَقُولُ: إِنَّهُ رَأَى أَبَاكَ يَهُودِيًّا صَابِغًا٣ بِالْحِيرَةِ٤.
وَأَمَّا دَعْوَاكَ: أَنَّ مَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِالسَّمْعِ الَّذِي هُوَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ الَّذِي هُوَ الْبَصَر، ومير بَيْنَهُمَا، فَقَدْ نَسَبَهُ إِلَى الْعَجْزِ، فَمَا ظَنَنَّا أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّهُ بشك أَحَدٌ٥ مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَنَّ الْعَاجِز الضَّعِيف الْمُضْطَر الْمُحْتَاج
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢١٩: مُحَمَّد بن يزِيد بن مُحَمَّد بن كثير الْعجلِيّ، أَبُو هِشَام الرِّفَاعِي الْكُوفِي قَاضِي الْمَدَائِن، لَيْسَ بِالْقَوِيّ، من صغَار الْعَاشِرَة وَذكره ابْن عدي فِي شُيُوخ البُخَارِيّ، وَجزم الْخَطِيب بِأَن البُخَارِيّ روى عَنهُ، لَكِن قد قَالَ البُخَارِيّ: رَأَيْتهمْ مُجْمِعِينَ على ضعفه، مَاتَ سنة ٤٨/ م د ق. ٢ لم يَتَّضِح لي على التَّحْدِيد من هُوَ أَبُو نعيم هَذَا، وَالَّذِي اسْتَظْهرهُ أَنه الْفضل ابْن دُكَيْن الْكُوفِي، وَاسم دُكَيْن: عَمْرو بن حَمَّاد بن زُهَيْر التَّيْمِيّ مَوْلَاهُم الأخول أَبُو نعيم الْملَائي، بِضَم الْمِيم، مَشْهُور بكنيته، ثِقَة ثَبت، من التَّاسِعَة مَاتَ سنة ثَمَان عشرَة، وَقيل: تسع عشرَة، وَكَانَ مولده سنة ثَلَاثِينَ، هُوَ من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ، ع انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١١٠. ٣ فِي ط، س، ش "صباغًا". ٤ الْحيرَة، تقدّمت قَرِيبا، انْظُر مَا تقدم فِي تَرْجَمَة المريسي ص"٥٥". ٥ فِي س "يشكل أحدا" وَسِيَاق الأَصْل أنسب.
[ ١ / ٣١٢ ]
الَّذِي لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا بَصَرَ حَتَّى ادَّعَيْتَ أَنْتَ عَلَى جَهْلٍ مِنْكَ، وَمَا يَدْعُوكَ إِلَى ذِكْرِ الْعَاجْزِ١ وَالْقُوَّةِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ خُرَافَاتِكَ؟ صِفْهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ إِنَّهُ الْقَوِيُّ الْمَتِينُ الْغَنِيُّ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ وَجَمِيعِ الذَّوَاتِ٢ وَعَلَى كُلِّ الْحَالَاتِ٣ وَهُوَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمُتَعَالِي عَمَّا نَسَبْتَهُ إِلَيْهِ، قَاتَلَكَ اللَّهُ مَا أَكْفَرَكَ٤ وَلَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ بِكُفْرِكَ قَدِيمًا، وَحُكِيَ لِي بَعْضُهُ عَنْكَ وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ٥ تَعْتَقِدُ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ كُلَّ مَا رَوَى عَنْكَ الْمُعَارِضُ قُلْنَا٦ وَمَا إخَاله يعقل معَان كَلَامِكَ، وَمَا يُؤَدِّيكَ إِلَى صَرِيحِ الْكُفْرِ فَإِنْ هُوَ عَقِلَهُ وَأعْتَقَدَهُ فَهُوَ مِثْلُكَ، إِذْ يَعْتَقِدُهُ٧ ثُمَّ يَبُثُّهُ وَيَنْشُرُهُ لِلْعَوَامِّ، إِذْ لَمْ تَكُنْ أَنْتَ تَجْتَرِئُ٨ أَنْ تَنْشُرَهُ فِي بَلَدِكَ لِلْأَنَامِ إِلَّا مُنَاجَاةً بَيْنك وَبَين جهلة طغام٩.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "الْعَجز". ٢ قَوْله: "وجيمع الذوات" لم يظْهر لي مَعْنَاهَا فِي هَذَا السِّيَاق، وَلَيْسَت فِي ط، ش. ٣ فِي ط، ش "وعَلى كل حَال" وَفِي س "وعَلى كل حَالَة". ٤ فِي ط، س، ش "مَا أكفرك بِهِ". ٥ فِي ط، س، ش "وَمَا كنت أَظن". ٦ لَفْظَة "قُلْنَا" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ فِي س "إِذْ تعتقده". ٨ فِي س، ط، ش "إِذْ لم تكن تجترئ أَنْت". ٩ الطغام من النَّاس: أراذلهم وأوغادهم، قَالَ فِي لِسَان الْعَرَب إعداد ووتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلى ٢/ ٥٩٦ مَادَّة "طغم": "الطغام أزدال الطير وَالسِّبَاع، الْوَاحِدَة طغامة للذّكر الْأُنْثَى مثل نعَامَة ونعام وَلَا ينْطق مِنْهُ بِفعل وَلَا يعرف لَهُ اشتقاق، وهما أَيْضا أرذال النَّاس وأوغادهم، أنْشد أَبُو الْعَبَّاس: إِذا كَانَ اللبيب كَذَا جهولًا فَمَا فضل اللبيب على الطغام بِتَصَرُّف.
[ ١ / ٣١٣ ]
وَأَمَّا مَا ادَّعَيْتَ أَنَّهُ لَمْ يَجِئْ خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ١ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ. فَسَنَرْوِي لَكَ فِيهِ مَا قَدْ غَضِبْتَ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ٢.
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ٣، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ٤، عَنِ الْأَعْمَشِ٥، عَنْ تَمِيمِ بن سَلمَة٦، عَن عُرْوَة٧
_________________
(١) ١ فِي س، ط، ش "عَنِ الرَّسُولِ ﷺ". ٢ فِي ط، س، ش زِيَادَة "تَعَالَى". ٣ عُثْمَان بن أبي شية، تقدم ص"١٨٨". ٤ جرير هُوَ ابْن عبد الحميد بن قرط، تقدم ص"١٨٩"، وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٢/ ٧٥: أَنه روى عَن الْأَعْمَش، وَمِمَّنْ روى عَنهُ ابْنا أبي شيبَة. ٥ الْأَعْمَش سُلَيْمَان بن مهْرَان، تقدم ص"١٥٧". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١١٣: تَمِيم بن سَلمَة السّلمِيّ الْكُوفِي، ثِقَة، من الثَّالِثَة مَاتَ سنة مائَة، م د س ق، قَالَ فِي الكاشف ١/ ١٢٨ روى عَن عُرْوَة وَجَمَاعَة وَعنهُ مَنْصُور وَالْأَعْمَش. ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٩: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام بن خويلد الْأَسدي أَبُو عبد الله الْمدنِي ثِقَة، فَقِيه مَشْهُور، من الثَّانِيَة، مَاتَ سنة٩٤ على الصَّحِيح، ومولده فِي أَوَائِل خلَافَة عمر الْفَارُوق، ع وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٧/ ١٨١: أَنه روى عَن عَائِشَة، وَمِمَّنْ روى عَن تَمِيم بن سَلمَة السّلمِيّ.
[ ١ / ٣١٤ ]
قَالَ: قَالَتْ: عَائِشَةُ١ ﵂: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ كُلَّهَا، إِنَّ خَوْلَةَ٢ جَاءَتْ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَخْفَى عَلَيَّ أَحْيَانًا بَعْضُ مَا تَقُولُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ ٣
_________________
(١) ١ عَائِشَة ﵂، تقدّمت ص"٢٥٢". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٥٩٦: خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة بن أَصْرَم الْأَنْصَارِيَّة الخزرجية صحابية، هِيَ الَّتِي ظَاهر مِنْهَا زَوجهَا، فَنزلت سُورَة ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ﴾، وَيُقَال لَهَا: خُوَيْلَة، بِالتَّصْغِيرِ وَزوجهَا هُوَ أَوْس بن الصَّامِت، د. ٣ الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا فِي كتاب التَّوْحِيد، بَاب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١٣/ ٣٧٢ قَالَ: قَالَ الْأَعْمَش: عَن تَمِيم عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّنَن بشرح السُّيُوطِيّ، وحاشية السندي، كتاب الطَّلَاق، بَاب الظِّهَار ٦/ ١٦٨ قَالَ: أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ: أَنبأَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بن سَلمَة، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَات لقد جَاءَت خَوْلَة إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَشْكُو زَوجهَا، فَكَانَ يخفى عَليّ كَلَامهَا، فَأنْزل الله ﷿ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ﴾ الْآيَة. وَأخرجه أَيْضا ابْن مَاجَه وَأحمد وَالْحَاكِم، وَصَححهُ هُوَ والذهبي وَابْن جرير =
[ ١ / ٣١٥ ]
وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١ أَنَّ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ٢ حَدَّثَهُمْ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَزِيدَ الْمُزَنِيَّ٣ قَالَ: لَقِيَتِ امْرَأَةٌ عُمَرَ٤ يُقَالُ لَهَا خَوْلَة٥ بنت ثَعْلَبَة
_________________
(١) = وَالْبَيْهَقِيّ، كلهم من طَرِيق الْأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَن عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِنَحْوِهِ، انْظُر: سنَن ابْن مَاجَه بتحقيق مُحَمَّد فؤاد، الْمُقدمَة، بَاب فِيمَا أنْكرت الْجَهْمِية حَدِيث ١٨٨، ١/ ٦٧، وَكتاب الطَّلَاق، بَاب الظِّهَار، حَدِيث ٢٠، ٦٣، ١/ ٦٦٦ وَانْظُر: الْمسند بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ٦/ ٤٦، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بذيله التَّلْخِيص، كتاب التَّفْسِير، تَفْسِير سُورَة المجادلة ٢/ ٤٨١، وَابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره الْجَامِع بهامشه تَفْسِير الغرائب ٢٨/ ٥، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الِاعْتِقَاد، تَحْقِيق أَحْمد عِصَام الْكَاتِب ص"٢٨" وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة "مخطوط" لوحة. ٣٢، وَأوردهُ ابْن كثير فِي تَفْسِيره ٤/ ٣١٨. ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٢٧: جرير بن حَازِم بن زيد بن عبد الله الْأَزْدِيّ، أَبُو النَّضر، الْبَصْرِيّ، وَالِد وهب، ثِقَة لَكِن فِي حَدِيثه عَن قَتَادَة ضعف وَله أَوْهَام إِذا حدث من حفظه، وَهُوَ من السَّادِسَة، مَاتَ سنة سبعين بَعْدَمَا اخْتَلَط، وَلَكِن لم يحدث فِي حَال اخْتِلَاطه، ع. ٣ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَالرَّاجِح أَنه أَبُو يزِيد الْمدنِي، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٤٩٠: أَبُو يزِيد الْمدنِي، نزيل الْبَصْرَة مَقْبُول، من الرَّابِعَة، خَ س. وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١٢/ ٢٨٠: أَنه روى عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعنهُ جرير بن حَازِم. ٤ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، تقدم ص"٢٧٧". ٥ خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة، تقدّمت ترجمتها ص"٣١٥".
[ ١ / ٣١٦ ]
فَقَالَ عُمَرُ: هَذِهِ امْرَأَةٌ سَمِعَ اللَّهُ شَكْوَاهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ١.
حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ٢، ثَنَا أبوعبد الرَّحْمَن المقرى٣، ثَنَا حَرْمَلَة بن
_________________
(١) ١ أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب قَول اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وَقَول: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ص"٤٢٠" قَالَ: أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب، ثَنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصَّاغَانِي، ثَنَا يزِيد بن هَارُون، أَنا جرير بن حَازِم، عَن أبي يزِيد الْمَدِينِيّ -كَذَا- قَالَ: "إِن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مر فِي نَاس من أَصْحَابه فَلَقِيته عَجُوز فاستوقفته فَوقف عَلَيْهَا فَوضع يَده على منكبيها، حَتَّى قَضَت حَاجَتهَا، فَلَمَّا فرغت قَالَ رجل: حبست رجالات قُرَيْش على هَذِه الْعَجُوز، قَالَ: وَيحك، تَدْرِي من هَذِه؟ هَذِه عَجُوز سمع الله ﷿ شكواها من فَوق سبعه سموات، وَالله، لَو استوقفتني إِلَى اللَّيْل لوقفت عَلَيْهَا إِلَّا آتِي الصَّلَاة، ثمَّ أَعُود حَتَّى تقضي حَاجَتهَا". وَذكره الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ ص"٤٤" وَقَالَ: هَذَا إِسْنَاد صَالح فِيهِ انْقِطَاع، أَبُو يزِيد لم يلْحق عمر. وَذكره ابْن أبي الْعِزّ الْحَنَفِيّ فِي شرح الطحاوية، بتخريج الألباني ص"٣١٨" وَقَالَ: أخرجه الدَّارمِيّ، وَقَالَ عَنهُ الألباني: ضَعِيف. أخرجه أَبُو سعيد الدَّارمِيّ فِي "الرَّد على الْجَهْمِية" ص"٢٦" طبع الْمكتب الإسلامي، من طَرِيق أبي يزِيد الْمدنِي عَن عمر بِهِ. ٢ قَالَ: فِي التَّقْرِيب ١/ ٣١٤: سُلَيْمَان بن دَاوُد الْعَتكِي، أَبُو الرّبيع الزهْرَانِي الْبَصْرِيّ، نزيل بَغْدَاد، ثِقَة، لم يتَكَلَّم فِيهِ أحد بِحجَّة، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٣٤/ خَ م د س. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٦٢: عبد الله بن يزِيد المَخْزُومِي، الْمدنِي، الْمُقْرِئ الْأَعْوَر، مولى الْأسود بن سُفْيَان، من شُيُوخ مَالك، ثِقَة، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ٤٨/ ع.
[ ١ / ٣١٧ ]
عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ١ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ سُلَيْمُ بْنُ جُبَيْرٍ٢ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ٣، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَرَأَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٤ فَوضع أُصْبُعه الدعا٥ على عَيْنَيْهِ وإبهامه على
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٥٨: "حَرْمَلَة بن عمرَان بن قراد التجِيبِي: بِضَم الْمُثَنَّاة وَكسر الْجِيم بعْدهَا يَاء سَاكِنة ثمَّ مُوَحدَة، أَبُو حَفْص الْمصْرِيّ، يعرف بالحاجب، ثِقَة، من السَّابِعَة هُوَ جد الَّذِي بعده "يَعْنِي: حَرْمَلَة بن يحيى بن حَرْمَلَة بن عمرَان" مَاتَ سنة ٦٠ وَله ٨٠ سنة، بخ م د س ق، وَفِي اللّبَاب لِابْنِ الْأَثِير ١/ ٢٠٧ أَن التجِيبِي بِضَم التَّاء الْمُعْجَمَة نِسْبَة إِلَى تجيب وَهُوَ اسْم عدي وَسعد ابْني أَشْرَس بن شيب بن السّكُون وَإِلَى محلّة بِمصْر فَمن الْقَبِيلَة حَرْمَلَة بن عَمْرو" انْتهى بِتَصَرُّف. وَفِي الكاشف للذهبي ١/ ٢١٣ أَنه روى عَن أبي يُونُس مولى أبي هُرَيْرَة وَعنهُ ابْن وهب الْمقري. ٢ فِي ط، س، ش "سُلَيْمَان بن جُبَير" وَصَوَابه "سليم" كَمَا فِي الأَصْل. قَالَ فِي الْقَرِيب ١/ ٣٢٠: سليم بن جُبَير الدوسي، أَبُو يُونُس الْمصْرِيّ، ثِقَة من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ٢٣: بخ م د ت، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٤/ ١٦ أَنه مولى أبي هُرَيْرَة، روى عَنهُ وَعَن أبي أسيد السَّاعِدِيّ. ٣ تقدم ص"١٧٩". ٤ فِي الأَصْل ط، س، ش "أَنه كَانَ سميعًا بَصيرًا" وصواب الْآيَة مَا أَثْبَتْنَاهُ انْظُر: سُورَة النِّسَاء، آيَة "٥٨". ٥ فِي س "الْوُسْطَى".
[ ١ / ٣١٨ ]
أُذُنَيْهِ١.
_________________
(١) ١ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، كتاب السّنة، بَاب فِي الْجَهْمِية، حَدِيث ٤٧٢٨، ٥/ ٩٥-٩٧ قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن نصر، وَمُحَمّد بن يُونُس النَّسَائِيّ الْمَعْنى، قَالَا: حَدثنَا عبد الله بن يزِيد الْمُقْرِئ، حَدثنَا حَرْمَلَة -يَعْنِي ابْن عمرَان-، حَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ سُلَيْمُ بْنُ جُبَير مولى أبي هُرَيْرَة وَقَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يقْرَأ هَذِه الْآيَة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إِلَى قَول: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ - قَالَ: رَأَيْت رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يضع إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا على عينه، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة رَأَيْت رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يقْرؤهَا وَيَضَع أصبعيه. قَالَ أَبُو يُونُس: قَالَ الْمُقْرِئ: يَعْنِي "أَن الله سميع بَصِير" يَعْنِي أَن لَهُ سمعا وبصرًا قَالَ أَبُو دَاوُد وَهَذَا رد على الْجَهْمِية. قلت: وَذكر ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي ١٣/ ٣٧٣ أَن سَنَد أبي دَاوُد سَنَد قوي على شَرط مُسلم. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب ماجاء فِي إِثْبَات صفة الْبَصَر والرؤية ص"١٧٩" بِسَنَدِهِ إِلَى أبي دَاوُد وَذكره ثمَّ قَالَ: "وَالْمرَاد بِالْإِشَارَةِ المروية فِي هَذَا الْخَبَر، تَحْقِيق الْوَصْف لله ﷿ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر فأِشار إِلَى محلي السّمع وَالْبَصَر منا لإِثْبَات السّمع وَالْبَصَر لله تَعَالَى، كَمَا يُقَال: قبض فلَان على مَال فلَان، ويشار بِالْيَدِ على معنى أَنه حَاز مَاله، وَأفَاد هَذَا الْخَيْر أَنه سميع بَصِير، لَهُ سمع وبصر لَا على معنى أَنه عليم، إِذْ لَو كَانَ بِمَعْنى الْعلم لأشار فِي تَحْقِيقه إِلَى قلبه؛ لِأَنَّهُ مَحل الْعُلُوم منا، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَر إِثْبَات الْجَارِحَة تَعَالَى الله عَن شبه المخلوقين علوًّا كَبِيرا". قلت: وَلَفظ الْجَارِحَة لم يرد فِي الْكتاب وَالسّنة نفيا وَلَا إِثْبَاتًا، ويطلقها أهل الْبدع فَيَقُولُونَ: الله منزه عَن الْجَوَارِح، ويقصدون نفي الصِّفَات من الْيَد والسمع وَالْبَصَر وَغَيرهَا.
[ ١ / ٣١٩ ]
حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ١، ثَنَا الْمُبَارك٢، أبنا٣ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ٤، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ٥، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٦ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شُرُفًا٧ وَلَا نَهْبِطُ فِي وَاد٨ إِلَّا
_________________
(١) ١ نعيم بن حَمَّاد، تقدم ص"٢٠٤". ٢ عبد الله بن الْمُبَارك تقدم ص"١٤٣". ٣ فِي ط، ش "أخبرنَا" وهما بِمَعْنى وَاحِد: انْظُر تعليقنا ص"١٣٧". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢١٩: خَالِد بن مهْرَان أَبُو الْمنَازل: بِفَتْح الْمِيم، وَقيل بضَمهَا وَكسر الزَّاي، الْحذاء: بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة، قيل لَهُ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ كَانَ يجلس عِنْدهم، وَقيل: لِأَنَّهُ يَقُول: احذ على هَذَا النَّحْو، وَهُوَ ثِقَة يُرْسل، من الْخَامِسَة، وَقد أَشَارَ حَمَّاد بن زيد إِلَى أَن حفظه تغير لما قدم من الشَّام، وَعَابَ عَلَيْهِ بَعضهم دُخُوله عَن عمل السُّلْطَان، ع. ٥ هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مل تقدم ص"٢٧٤". ٦ قَوْله: "﵁" لَيْسَ فِي ط، س، ش، وَأَبُو مُوسَى ﵁ تقدم ص"٢٥١". ٧ فِي ط، ش زِيَادَة "أَو لَا نعلو شرفًا"، وَفِي س الزِّيَادَة بِلَفْظ "وَلَا نعلو شرفًا". ٨ فِي الأَصْل "فِي وَادي".
[ ١ / ٣٢٠ ]
رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، فَدَنَا مِنَّا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا" ١.
أَفَلَا تَرَى أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الْأَصَمَّ وَالسَّمِيعَ وَهُمَا مُتَضَادَّانِ٢ فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بِخِلَافِ الْأَصَمِّ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن كثير٣
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه الْفَتْح، كتاب الْغَازِي، بَاب غَزْوَة خَيْبَر، حَدِيث ٤٢٠٥، ٧/ ٤٧٠ قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، حَدثنَا عبد الْوَاحِد، عَن عَاصِم، عَن أبي عُثْمَان، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: "لما غزا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَر -أَو قَالَ: لما توجه رَسُولِ اللَّهِ ﷺ- أشرف النَّاس على وَاد فَرفعُوا أَصْوَاتهم بِالتَّكْبِيرِ: الله أكبر، الله أكبر. لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أربعوا على أَنفسكُم، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبا، إِنَّكُم تدعون سميعًا بَصيرًا قَرِيبا وَهُوَ مَعكُمْ " الحَدِيث. وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الدَّعْوَات، بَاب الدُّعَاء إِذا علا عقبَة، حَدِيث٦٣٨٤، ١١/ ١٨٧، وَفِي كتاب التَّوْحِيد، بَاب ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، حَدِيث ٧٣٨٦، ١٣/ ٣٧٢، وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الذّكر وَالدُّعَاء، بَاب اسْتِحْبَاب خفض الصَّوْت بِالذكر، حَدِيث ٤٤، ٤/ ٢٠٧٦ عَن أبي مُوسَى بِنَحْوِ لفظ البُخَارِيّ. ٢ فِي س "وهما متضادين"، وَالصَّوَاب وَمَا أَثْبَتْنَاهُ، إِذْ لَا مُوجب لنصبها. ٣ مُحَمَّد بن كثير، تقدم ص"٢٦٨".
[ ١ / ٣٢١ ]
أبنا١ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ٢، عَنِ الْأَعْمَشِ٣، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُمَيْرِ٤، عَنْ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ٥، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ٦ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٧ قَالَ: إِنِّي لَمُسْتَتِرٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ إِذْ جَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: ثَقَفِيٌّ وَخَتَنَاهُ٨ قُرَشِيَّانِ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيل
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "أخبرنَا" وهما بِمَعْنى وَاحِد، وَانْظُر: تعلقنا ص"١٣٧". ٢ سُفْيَان الثَّوْريّ، تقدم ص"٢٦٨". ٣ الْأَعْمَش، تقدم ص"١٥٧". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٥٠: عمَارَة بن عُمَيْر التَّيْمِيّ، كُوفِي ثِقَة، من الرَّابِعَة مَاتَ بعد الْمِائَة، وَقيل: قبلهَا بِسنتَيْنِ، ع، وَقَالَ فِي الكاشف ٢/ ٣٠٣: وَعنهُ الحكم وَالْأَعْمَش. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٣٨: وهب بن ربيعَة الْكُوفِي، مَقْبُول، من الثَّالِثَة، م ت. وَقَالَ فِي الكاشف ٣/ ٤٤: عَن ابْن مَسْعُود وَعنهُ عمَارَة بن عُمَيْر. ٦ ابْن مَسْعُود، تقدم ص"١٩٠". ٧ قَوْله: "﵁" لَيست فِي ط، ش. ٨ قَوْله: "وختناه" لَيست فِي ط، ش. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْفَائِق فِي غَرِيب الْأَثر، تَصْحِيح وَتَعْلِيق على البُخَارِيّ وَمُحَمّد أَبُو الْفضل ط. الأولي ١/ ٣٢٩: "الختن أَبُو امْرَأَة الرجل، والختنة: أمهَا. قَالَ الْأَصْمَعِي: الْأخْتَان من قبل الْمَرْأَة والأحماء من قبل الرجل والصهر يجمعهما، وخاتن الرجل إِذا تزوج إِلَيْهِ. وَعَن النَّضر بن شُمَيْل: سميت الْمُصَاهَرَة مخاتنة لَا لتقاء الختانين". انْظُر أَيْضا: النِّهَايَة فِي غَرِيب الْأَثر لِابْنِ الْأَثِير تَحْقِيق مُحَمَّد الطناحي وطاهر الزاوي ط. الأولى ٢/ ١٠.
[ ١ / ٣٢٢ ]
فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَحَدَّثُوا الْحَدِيثَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَى اللَّهَ يَسْمَعُ مَا قُلْنَاهُ١؟ فَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا رَفَعْنَا إِنَّهُ يَسْمَعُ٢ إِذَا خَفَضْنَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ، وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "لما قُلْنَا". ٢ فِي س "فَإِنَّهُ يسمع"، وَفِي ط، ش "فَإِنَّهُ لَا يسمع" قلت: وَفِي البُخَارِيّ "فَقَالَ أحدهم: أَتَرَوْنَ أَن الله يسمع مَا نقُول؟ قَالَ الآخر: يسمع إِن جهرنا، وَلَا يسمع إِن أخفينا، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جهرنا فَإِنَّهُ يسمع إِذا أخفينا. ٣ سُورَة فصلت، آيَة "٢٢، ٢٣". والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه الْفَتْح، كتاب التَّفْسِير، بَاب ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، حَدِيث ٤٨١٧، ٨/ ٥٦٢ قَالَ: حَدثنَا الْحميدِي، حَدثنَا سُفْيَان، حَدثنَا مَنْصُور، عَن مُجَاهِد، عَن أبي معمر، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: اجْتمع عِنْد الْبَيْت قرشيان وثقفي -أَو ثقفيان وقرشي- كَثِيرَة شَحم بطونهم قيلة قفه قُلُوبهم: فَقَالَ أحدهم: أَتَرَوْنَ أَن الله يسمع مَا نقُول؟ قَالَ الآخر: يسمع إِن جهرنا وَلَا يسمع إِن أخفينا، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جهرنا فَإِنَّهُ يسمع إِذا أخفينا، فَأنْزل الله ﷿ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ الْآيَة وَانْظُر أَيْضا: الْمصدر نَفسه، كتاب التَّفْسِير، بَاب ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ حَدِيث ٤٨١٦، ٨/ ٥٦١، وَكتاب التَّوْحِيد بَاب ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾، حَدِيث ٧٥٢١، ١٣/ ٤٩٥. وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب صِفَات الْمُنَافِقين، حَدِيث ٤٥/ ٢١١٤ عَن ابْن مَسْعُود مثله.
[ ١ / ٣٢٣ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ١ أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ الْمِصْرِيَّ٢، حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ٣، عَنْ دَرَّاجٍ٤، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْهَيْثَمِ٥، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ٦، وَعَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الْأَكْبَر٧، عَنْ أبي هُرَيْرَة٨
_________________
(١) ١ هُوَ عبد الله بن صَالح الْجُهَنِيّ، تقدم ص"١٧١". وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٥/ ٢٥٦: أَنه روى عَن يحيى بن أيواب وَغَيره. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٤٣: يحيى بن أَيُّوب الغافقي، بِمُعْجَمَة وَفَاء، وقاف، أَبُو الْعَبَّاس، الْمصْرِيّ، صَدُوق رُبمَا أَخطَأ، من السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٦٨/ ع. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٢١: عبد الله بن سُلَيْمَان بن زرْعَة الْحِمْيَرِي، أَبُو حَمْزَة الْبَصْرِيّ، الطَّوِيل، صَدُوق يُخطئ، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ٣٦/ د س، وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٥/ ٢٤٥: أَنه روى عَن دراج وَعنهُ يحيى بن أَيُّوب. ٤ درّاج بتثقيل الرَّاء وَآخره جِيم، ابْن سمْعَان، أَبُو السَّمْح، بمهملتين، الأولى مَفْتُوحَة وَالْمِيم سَاكِنة، قيل اسْمه عبد الرَّحْمَن،،ودرّاج لقب، السَّهْمِي مَوْلَاهُم، الْمصْرِيّ، الْقَاص، صَدُوق فِي حَدِيثه عَن أبي الْهَيْثَم، ضَعِيف، من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة ٢٦/ بخ وَالْأَرْبَعَة، التَّقْرِيب ٢/ ٢٣٥. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٢٩: سُلَيْمَان بن عَمْرو بن عبد أَو عبيد، اللَّيْثِيّ، أَبُو الْهَيْثَم الْمصْرِيّ ثِقَة من الرَّابِعَة، بخ وَالْأَرْبَعَة، ذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٤/ ٢١٣: أَنه روى عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة، وَمِمَّنْ روى عَنهُ دراج أَبُو السَّمْح. ٦ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، تقدم ص"٢٠٥". ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٧٧: عبد الرَّحْمَن بن حجيرة: بِمُهْملَة وجيم، مُصَغرًا، الْبَصْرِيّ، القَاضِي وَهُوَ ابْن حجيرة الْأَكْبَر، ثِقَة، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ٨٣ وَقيل: بعْدهَا/ م وَالْأَرْبَعَة. ٨ أَبُو هُرَيْرَة، تقدم ص"١٧٩".
[ ١ / ٣٢٤ ]
أَو أَحدهمَا١، عَن رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: "إِذْ كَانَ يَوْمٌ حَارٌّ أَلْقَى اللَّهُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَا أَشَدَّ حَرَّ هَذَا الْيَوْمِ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ، قَالَ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِيَ اسْتَجَارَنِي مِنْ حَرِّكِ فَإِنِّي أُشْهِدُكِ فَقَدْ أَجَرْتُهُ مِنْكِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمٌ شَدِيدُ الْبَرْدِ أَلْقَى اللَّهُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَا أَشَدَّ بَرْدَ هَذَا الْيَوْمِ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ زَمْهَرِيرِ جَهَنَّمَ، قَالَ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِيَ اسْتَجَارَنِي مِنْ زَمْهَرِيرِكِ، وَإِنِّي أُشْهِدُكِ أَنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ، قَالُوا: وَمَا زَمْهَرِيرُ جَهَنَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَيْتٌ يُلْقَى فِيهِ الْكُفَّارُ يَتَمَيَّزُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ بَعْضُهُ مِنْ بعض" ٢.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَأَحَدهمَا" قلت: وَبِمَا فِي الأَصْل جَاءَ عِنْد ابْن رَجَب فِي التخويف من النَّار، وَعند الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات بقوله: "إِن أَحدهمَا حَدثهُ عَن رَسُول الله" انْظُر: تَخْرِيج الحَدِيث. ٢ أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب مَا جَاءَ فِي إِثْبَات صفة السّمع، ص"١٧٧-١٨٧" من طَرِيق سُلَيْمَان عَن دراج أَنه قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْهَيْثَمِ، عَنْ أبي سعيد ﵁ أَو عَن أبي حُجَيْرَةَ الْأَكْبَر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: إِنَّ أَحدهمَا حَدثهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنه قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمٌ حَارٌّ " وَذكره بِنَحْوِهِ. وَأوردهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِقَاد، تَحْقِيق أَحْمد عِصَام الْكَاتِب، بَاب ذكر آيَات وأخبار وَردت فِي صِفَات زائدات على الذَّات وقائمات بِهِ، ص"٢٨". وَذكره ابْن رَجَب فِي التخويف من النَّار، قدم لَهُ وعلق عَلَيْهِ د. مُحَمَّد جميل غَازِي، ط. الأولى ص"٤٣" قَالَ: وروى أَبُو صَالح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا يحيى بن أَيُّوب بِسَنَد الدَّارمِيّ، عَن أبي الْهَيْثَم، عَن أبي سعيد أوعن أبي حُجَيْرَةَ الْأَكْبَر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَو أَحدهمَا حَدثهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمٌ حَار " وَذكره بِنَحْوِهِ. وَذكره السخاوى فِي الْمَقَاصِد الْحَسَنَة حَدِيث ١٢٨٣ ص"٤٥٨-٤٥٩"، وَقَالَ: "سَنَده ضَعِيف" وَذكره ابْن الديبغ فِي تَمْيِيز الطّيب من الْخَبيث ط. الأولى ص٢٣٢-٢٣٣ وَقَالَ: سَنَده ضَعِيف. وَذكره العجلوني فِي كشف الخفاء ٢/ ٣٤٧-٣٤٨، وَقَالَ: "رَوَاهُ ابْن السّني وَأَبُو نعيم فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَلَهُمَا بِسَنَد ضَعِيف، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي هُرَيْرَة رَفَعَاهُ بِلَفْظ: "إِذا كَانَ يَوْم حاء " وَذكره. وَانْظُر: مُخْتَصر الْمَقَاصِد للزرقاني، تَحْقِيق مُحَمَّد الصّباغ ص"٢١٣".
[ ١ / ٣٢٥ ]
قُلْتُ لِأَبِي الْيَمَانِ١: أَخْبَرَكَ شُعَيْبٌ٢، عَنِ الزُّهْرِيِّ٣؟ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ٤: قَالَ
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٩٣: الحكم بن نَافِع البهراني: بِفَتْح الْمُوَحدَة، أَبُو الْيَمَان الْحِمصِي، مَشْهُور بكنيته، ثِقَة ثَبت، يُقَال بِأَن أَكثر حَدِيثه عَن شُعَيْب مناولة، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٢/ ع. ذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٢/ ٤٤١ أَنه روى عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَغَيره. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٥٢: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْأمَوِي، مَوْلَاهُم، وَاسم أَبِيه دِينَار، أَبُو بشر الْحِمصِي، ثِقَة عَابِد، قَالَ ابْن معِين: من أثبت النَّاس فِي الزُّهْرِيّ، من السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٦٢ أَو بعْدهَا/ ع. ذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٤/ ٣٥١ أَنه روى عَن الزُّهْرِيّ وَعنهُ أَبُو الْيَمَان. ٣ الزُّهْرِيّ، تقدم ص"١٧٥". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٨٠: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب الْقرشِي الْعَدوي، أَبُو عمر، أوبو عبد الله الْمدنِي، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَكَانَ ثبتًا عابدًا فَاضلا، كَانَ يشبه بِأَبِيهِ فِي الْهَدْي والسمت، من كبار الثَّالِثَة، مَاتَ فِي آخر سنة سِتّ على الصَّحِيح/ ع.
[ ١ / ٣٢٦ ]
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ١ رَضِيَ اللَّهُ٢ عَنْهُمَا: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاس، فَأثْنى على اله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ٣: "إِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعْلَمُنَّ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ" ٤ فَأَخْبَرَنِي أَبُو الْيَمَانِ٥ أَنَّ شُعَيْبًا٦ أَخْبَرَهُ بِهِ.
فَفِي تَأْوِيل رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ" بَيَانٌ أَنَّهُ بَصِيرٌ ذُو عَيْنَيْنِ خلاف الْأَعْوَر.
_________________
(١) ١ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵁، تقدم ص"٢٤٥". ٢ لفظ "﵁" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، ش "ثمَّ قَالَ". ٤ صَحِيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْفِتَن وأشراط الشاعة بَاب ذكر ابْن صياد، حَدِيث ٩٥، ٤/ ٢٢٤٤-٢٢٤٥، وَفِي بعض أَلْفَاظه: "قَالَ سَالِمٌ: قَال عَبْدُ اللَّهِ بن عمر: فَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذكر الدَّجَّال فَقَالَ: "إِنِّي لأنذركموه. مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أنذر قومه. لقد أنذره نوح قومه. وَلَكِن أَقُول لكم فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تعلمُوا أَنه أَعور، وَأَن الله ﵎ لَيْسَ بأعور" قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه لهَذَا الحَدِيث ١٦/ ٥٥: "اتّفق الروَاة على ضبط تعملوا بِفَتْح الْعين وَاللَّام الْمُشَدّدَة وَكَذَا نَقله القَاضِي وَغَيره عَنْهُم قَالُوا: وَمَعْنَاهُ اعلموا وتحققوا". وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه تحفة الأحوذي، كتاب الْفِتَن، بَاب مَا جَاءَ فِي الدَّجَّال، حَدِيث ٢٣٣٦، ٦/ ٤٩٢ من طَرِيق آخر عَن الزُّهْرِيّ بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ مقارب، وَفِي أَثْنَائِهِ زِيَادَة: "فَقَالَ: "إِنِّي لأنذركموه. مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أنذر قومه". ٥ تقدم ص"٣٢٦". ٦ شُعَيْب، تقدم ص"٣٢٦".
[ ١ / ٣٢٧ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١، ثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ٢، عَنْ نَافِعٍ٣، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ٤ أَنَّ الدَّجَّالَ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ٥ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٦: "أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عينه عنبة طافية" ٧.
_________________
(١) ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٢ فِي س "جويرة" وَفِي ط، ش: "جَارِيَة"وَصَوَابه "جوَيْرِية"، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٣٦: جوَيْرِية: تَصْغِير جَارِيَة، ابْن أَسمَاء بن عبيد، الضبعِي بِضَم الْمُعْجَمَة وَفتح الْمُوَحدَة، الْبَصْرِيّ، صَدُوق من السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٧٣/ خَ م د س ق. وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ١٩٠ أَنه روى عَن نَافِع وَالزهْرِيّ. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٩٦: نَافِع، أَبُو عبد الله الْمدنِي، مولى ابْن عمر، ثِقَة ثَبت فَقِيه، مَشْهُور، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١٧ أَو بعد ذَلِك/ ع. وَذكر فِي الكاشف ٣/ ١٩٧، أَنه روى عَن مَوْلَاهُ ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَعنهُ أَيُّوب، وَمَالك وَاللَّيْث. ٤ عبد الله بن عمر، تقدم ص"٢٤٥". ٥ فِي س "قَالَ". ٦ عبارَة "ﷺ" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَول الله تَعَالَى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، وَقَوله جلّ ذكره ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ حَدِيث ٧٤٠٧، ١٣/ ٣٨٩. من هَذَا الطَّرِيق بِلَفْظ: ذكر الدَّجَّال عِنْد النَّبِي صلى الله عيله وَسلم فَقَالَ: "إِن الله لَا يخفى عَلَيْكُم، إِن الله لَيْسَ بأعور -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عينه- وَإِن الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَن عينه عنبة طافية". =
[ ١ / ٣٢٨ ]
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ١، ثَنَا شُعْبَةُ٢، عَنْ سِمَاكٍ٣، عَنْ عِكْرِمَةَ٤، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٥ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٦ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "أَعور
_________________
(١) = وَقَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح فِي شَرحه لهَذَا الحَدِيث ١٣/ ٣٨٩: "وَقد أخرجه عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ فِي كتاب الرَّد على بشر المريسي عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل مثله". انْتهى. وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْفِتَن وأشراط السَّاعَة، بَاب الدَّجَّال وَصفه مَا مَعَه، حَدِيث١٠٠، ٤/ ٢٢٤٧ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعا وَفِيه: "إِن الله تَعَالَى لَيْسَ بأعور، أَلا وَإِن الْمَسِيح الدَّجَّال أَعور الْعين الْيُمْنَى كَأَن عينه عنبة طافئة". ١ فِي ط، س، ش "مُسلم بن الْهَيْثَم" وَالرَّاجِح أَنه مُسلم بن إِبْرَاهِيم كَمَا فِي الأَصْل، وَقد تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٥٠"، وَذكر الخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص"٣٧٤" أَنه ورى عَن شُعْبَة وَخلق. ٢ شُعْبَة بن الْحجَّاج، تقدم ص"٢٥٠". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٣٢١: سماك: بِكَسْر أَوله وَتَخْفِيف الْمِيم، ابْن حَرْب بن أَوْس بن خَالِد الذهلي الْبكْرِيّ الْكُوفِي، أَبُو الْمُغيرَة، صَدُوق، وَرِوَايَته عَن عِكْرِمَة خَاصَّة مضطربة، وَقد تغير بِآخِرهِ، فَكَانَ رُبمَا يلقن، من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة ٢٣/ خت م وَالْأَرْبَعَة. ٤ عِكْرِمَة بن عبد الله مولى ابْن عَبَّاس، تقدم ص"٢٨٦". ٥ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، تقدم ص"١٧٢". ٦ قَوْله: "﵄" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٣٢٩ ]
جَعْدٌ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ" ١.
حَدثنَا عَليّ بن الْجَعْد٢، أبنا شريك٣
_________________
(١) ١ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، كتاب الْمَلَاحِم، بَاب خُرُوج الدَّجَّال، حَدِيث ٤٣٢٠ عَن عبَادَة بن الصَّامِت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي حدثتكم، عَن الدَّجَّال حَتَّى خشيت أَن لَا تعقلوا إِن مسيح الدَّجَّال رجل قصير أفحج جعد أَعور مطموس الْعين لَيْسَ بناتئة وَلَا حجراء فَإِن ألبس عَلَيْكُم فاعلموا أَن ربكُم لَيْسَ بأعور". وَأخرجه أَحْمد فِي الْمسند، عَن عبارَة بِمثل حَدِيث أبي دَاوُد، انْظُر: الْفَتْح الرباني ٢٤/ ٧٩ وَفِي الْمسند أَيْضا عَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة الْأَزْدِيّ قَالَ: ذهبت أَنا وَرجل من الْأَنْصَار إِلَى رجل مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: حَدثنَا مَا سَمِعت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يذكر فِي الدَّجَّال فَذكره مَرْفُوعا وَفِيه: "وَإنَّهُ جعد آدم مَمْسُوح الْعين الْيُسْرَى مَعَه جنَّة وناء " إِلَى أَن قَالَ فِي آخِره: "وَمَا يشبه عَلَيْكُم فَإِن ربكُم لَيْسَ بأعور". انطر: الْفَتْح الرباني ٢٤/ ٧٦، والمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٥/ ٤٣٤-٤٣٥، وَذكره الهيثمي فِي الْمجمع ٧/ ٣٤٣ وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٣: عَليّ بن الْجَعْد بن عبيد الْجَوْهَرِي الْبَغْدَادِيّ، ثِقَة، ثَبت، رمي بالتشيع، من صغَار التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٣٠/ خَ د. وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للموي ٢/ ٩٥٧ أَنه روى عَن شريك بن عبد الله. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٥١: شريك بن عبد الله النَّخعِيّ الْكُوفِي، القَاضِي بواسط، ثمَّ الْكُوفَة، أبوعبد الله، صَدُوق، يُخطئ كثيرا، تغير حفظه مُنْذُ ولي الْقَضَاء بِالْكُوفَةِ وَكَانَ عادلًا عابدًا، شَدِيد على أهل الْبدع، من الثَّامِنَة مَاتَ سنة سبع أَو ثَمَان وَسبعين، خت م وَالْأَرْبَعَة. وَفِي التَّهْذِيب الْكَمَال ٢/ ٥٨٠ أَنه روى عَن عَطاء بن السَّائِب وَعنهُ عَليّ بن الْجَعْد الْجَوْهَرِي.
[ ١ / ٣٣٠ ]
عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ١، عَنْ أَبِي الضُّحَى٢، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٣ فِي قَول الله ﴿آلمر﴾ ٤ قَالَ: "أَنا الله أرى"٥.
_________________
(١) ١ عَطاء بن السَّائِب، تقدم ص"١٧٣". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٤٥: مُسلم بن صبيح، بِالتَّصْغِيرِ، الْهَمدَانِي أَبُو الضُّحَى، الْكُوفِي، الْعَطَّار، مَشْهُور بكنيته، ثِقَة فَاضل، من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة مائَة/ ع. وَقَالَ فِي الكاشف ٣/ ١٤١: عَن عَبَّاس وعلقمة وَعنهُ مَنْصُور وَالْأَعْمَش. ٣ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، تقدم ص"١٧٢". ٤ سُورَة الرَّعْد، آيَة "١". ٥ سبق وَأَن أَشرت إِجْمَالا إِلَى مَا رَود فِي مَعَاني الْحُرُوف الْمُقطعَة، انْظُر ص: "١٧٢"، وَهَذَا الْأَثر الَّذِي ورد هُنَا أخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره بهامشه تَفْسِير الغرائب ١٣/ ٦١ تَفْسِير سُورَة الرَّعْد، من طَرِيق أَحْمد بن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنَا أَبُو أَحْمد قَالَ: حَدثنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَوْله ﴿آلمر﴾ قَالَ: "إِنَّا الله أرى". وَأوردهُ السُّيُوطِيّ أَيْضا فِي سُورَة المنثور بهامشه تنوير المقباس ٣/ ٤٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظِهِ، وَعَزاهُ إِلَى ابْن جرير وَأبي الشَّيْخ.
[ ١ / ٣٣١ ]
حَدَّثَنَا الزَّهْرَانِيُّ أَبُو الرَّبِيعِ١، ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ٢، عَنْ سَعِيدٍ -وَهُوَ الْمَقْبُرِيُّ٣- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٤ ﵁ قَالَ: قَالَ: رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ، حَتَّى نُوحٍ. وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْهُ بِشَيْءٍ مَا أَخْبَرَ بِهِ نَبِيٌّ كَانَ قَبْلِي: إِنَّه كَانَ أَعور ٥ وَإِن اللَّهَ لَيْسَ كَذَلِكَ ٦ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ. يَقْرَأُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ" ٧.
_________________
(١) ١ أَبُو الرّبيع الزهْرَانِي، تقدم ص"٣١٧". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٩٨: تجيح بن عبد الرَّحْمَن السندي، بِكَسْر الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون، الْمدنِي أَبُو معشر وَهُوَ مولى بني هَاشم، مَشْهُور بكنيته ضَعِيف، من السَّادِسَة، أسن وَاخْتَلَطَ، مَاتَ سنة ٧٠، وَيُقَال: كَانَ اسْمه عبد الرَّحْمَن بن الْوَلِيد بن هِلَال/ الْأَرْبَعَة. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٩٧: سعيد بن أبي سعيد كيسَان، المَقْبُري، أَبُو سعيد الْمدنِي، ثِقَة، من الثَّالِثَة، تغير قبل مَوته بِأَرْبَع سِنِين، وَرِوَايَته عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة مُرْسلَة، مَاتَ فِي حُدُود الْعشْرين، وَقيل: قبلهَا، وَقيل بعْدهَا/ ع. ٤ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص"١٧٩". ٥ فِي ط، س، ش "إِنَّه أَعور". ٦ فِي ط، س، ش "وَإِن الله لَيْسَ بأعور، كَذَلِكَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ يقرأه كل مُؤمن". ٧ فِي ط، س، ش، تقدم حَدِيث أَبُو الرّبيع الزهْرَانِي على الَّذِي قبله، وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم، انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب الْفِتَن، بَاب ذكر الدَّجَّال، حَدِيث ٧١٣١، ١٣/ ٩١- قَالَ: =
[ ١ / ٣٣٢ ]
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ١ -فِيمَا قَرَأَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ٢- عَنْ نَافِعٍ٣ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ٤ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ٥ كُلُّهُمْ يُحَدِّثُهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ٦ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إزَاره خُيَلَاء" ٧.
_________________
(١) = حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب، حَدثنَا شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا بعث نَبِي إِلَّا أنذر أمته الْأَعْوَر الْكذَّاب أَلا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بأعور، وَإِن بَين عَيْنِيَّة مَكْتُوب: كَافِر". انْظُر: الْمرجع نَفسه حَدِيث ٧٤٠٨، ١٣/ ٣٨٩. وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْفِتَن وأشراط السَّاعَة، بَاب ذكر صفة الدَّجَّال وَذكر مَا مَعَه، حَدِيث ٢٩٣٣، ٤/ ٢٢٤٨ بِلَفْظ: "مَا من نَبِي" وَآخره: "ومكتوب بَين عَيْنَيْهِ ك. ف. ر". ١ القعْنبِي، تقدم ص"٢١٠". ٢ مَالك بن أنس، تقدم ص"٢١٠". ٣ نَافِع مولى ابْن عمر، تقدم ص"٣٢٨". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤١٣: عبد الله بن دِينَار، الْعَدوي مَوْلَاهُم، أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمدنِي، مولى ابْن عمر، ثِقَة، من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة ٢٧/ ع. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٧٢: زيج بن أسلم الْعَدوي، مولى عمر، أبوعبد الله أَو أَبُو أُسَامَة، الْمدنِي، ثِقَة، عَالم، وَكَانَ يُرْسل، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ٣٦/ ع. ٦ عبد الله بن عمر، تقدم ص"٢٤٥". ٧ انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب اللبَاس، بَاب: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾، حَدِيث ٥٧٨٣، ١٠/ ٢٥٥ من طَرِيق إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدثنِي مَالك بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ: "لَا ينظر الله إِلَى من جر ثَوْبه خُيَلَاء". وَانْظُر: صَحِيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب اللبَاس، بَاب تَحْرِيم جر الثَّوْب خُيَلَاء، حَدِيث ٢٠٨٥، ٣/ ١٦٥١ قَالَ: حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ: قَرَأت على مَالك، بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ البُخَارِيّ.
[ ١ / ٣٣٣ ]
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ١ فِيمَا قَرَأَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ -عَنْ مَالِكٍ٢، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ٣، عَنِ الْأَعْرَجِ٤، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٥، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "جَرَّ، إِزَارَهُ بطرًا" ٦.
_________________
(١) ١ القعْنبِي، تقدم ص"٢١٠". ٢ مَالك بن أنس، تقدم ص"٢١٠". ٣ أَبُو الزِّنَاد، تقدم ص"١٧٩". ٤ تقدم ص"١٧٩". ٥ أَبُو هُرَيْرَة، تقدم ص"١٧٩". ٦ انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب اللبَاس، بَاب من جر ثَوْبه من الْخُيَلَاء، حَدِيث ٥٧٨٨، ١٠/ ٢٥٧ من طَرِيق عبد الله بن يُونُس أخبرنَا مَالك بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب اللبَاس والزينة، حَدِيث ٤٨، ٣/ ١٦٥٣ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظ: "إِن الله لَا ينظر إِلَى من يجر إزَاره بطرًا".
[ ١ / ٣٣٤ ]
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ١، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ٢، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ٣، عَنْ أَبِيهِ٤، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ٥ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٦، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مثله٧.
_________________
(١) ١ القعْنبِي، تقدم ص"٢١٠". ٢ مَالك بن أنس، تقدم ص"٢١٠" ٣قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٩٢-٩٣: الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب الحرقي بِضَم المهلمة، وَفتح الرَّاء بعْدهَا قَاف، أَبُو شبْل، بِكَسْر الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحدَة، الْمدنِي، صَدُوق رُبمَا وهم، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة بضع وَثَلَاثِينَ، زم وَالْأَرْبَعَة، وَفِي الكاشف ٢/ ٣٦٢ أَنه روى عَن أَبِيه وَعنهُ مَالك. ٤قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٥٠٣: عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب الْجُهَنِيّ، الْمدنِي، مولى الحرقة، بِضَم الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء بعْدهَا قَاف، ثِقَة، من الثَّالِثَة، زم وَالْأَرْبَعَة، وَذكر فِي الكاشف ٢/ ١٩٢ أَنه روى عَنهُ ابْنه الْعَلَاء. ٥ أبي سعيد الْخُدْرِيّ، تقدم ص"٢٠٥". ٦ قَوْله: "﵁" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ، تَصْحِيح وترقيم مُحَمَّد فؤاد، كتاب اللبَاس، بَاب مَا جَاءَ فِي إسبال الرجل ثَوْبه، حَدِيث ١٢، ٢/ ٩١٤-٩١٥ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَن أَبِيه أَنه قَالَ: سَأَلت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ عَن الْإِزَار فَقَالَ: أَنا أخْبرك بِعَمَل: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "إزرة الْمُؤمن إِلَى أَنْصَاف سَاقيه " وَذكره إِلَى أَن قَالَ فِي آخِره: "لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى من جر إزَاره بطرًا". وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، كتاب اللبَاس، بَاب فِي قدر مَوضِع الْإِزَار، حَدِيث ٤٠٩٣، ٤/ ٣٥٣ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مثله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه، تَحْقِيق وترقيم مُحَمَّد فؤاد، كتاب اللبَاس، بَاب الْإِزَار أَيْن هُوَ، حَدِيث ٣٥٧٣، ٢/ ١١٨٣ عَن أبي سعيد ﵁ مثله.
[ ١ / ٣٣٥ ]
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ١، ثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ أَبُو الْجَلِيلِ٢ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَةَ الْهَجِيمِيَّ٣ يُحِدِّثُ عَنْ أبي جري٤ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٣٥: سهل بن بكار بن بشر الدَّارمِيّ، الْبَصْرِيّ، أَبُو بشر، المكفوف، ثِقَة، رُبمَا وهم، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة سبع أَو ثَمَان وَعشْرين، خَ د س. ٢ فِي س "أَبُو الْخَلِيل" بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَفِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ بِالْجِيم وَبِهِمَا وَردت، كنيته. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال، الطبعة الأولي ٢/ ٦١٨: عبد السَّلَام بن عجلَان، كناه مُسلم أَبَا الْخَلِيل، وكناه غَيره أَبَا الْجَلِيل بِالْجِيم، حدث عَنهُ بدل فِي المحبر وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه، وَتوقف غَيره فِي الِاحْتِجَاج بِهِ. ٣ فِي ط، ش "سَمِعت الهُجَيْمِي أَبَا تَمِيمَة"، وَفِي س "سَمِعت الهُجَيْمِي" الهُجَيْمِي، الْبَصْرِيّ، مَجْهُول من السَّادِسَة، د س. وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٧/ ٨٦ أَنه روى عَن أبي جري، وَعنهُ عبد السَّلَام أَبُو الْخَلِيل. ٤ فِي س "عَن أبي جَابر" وَصَوَابه أَبُو جري قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٤٠٥: أَبُو جري، بِالتَّصْغِيرِ، العجيمي، بِالتَّصْغِيرِ أَيْضا، اسْمه جَابر بن سليم بن جَابر، صَحَابِيّ مَعْرُوف، بخ د ت س، انْظُر: الاستعياب ذيل الْإِصَابَة ١/ ٢١٣، ٢/ ٧٢، وَأسد الغابة ٢/ ٢٢٧-٢٢٩، ٢/ ٧٢، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ١/ ٢٣١، ١/ ٧٢، تَهْذِيب التَّهْذِيب ١٢/ ٥٤.
[ ١ / ٣٣٦ ]
فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: "وَعَلَيْكَ" ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ ١ قَبْلَكُمْ لَبِسَ بُرْدَيْنِ لَهُ فَتَبَخْتَرَ فِيهِمَا فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ فَمَقَتَهُ، فَأَمَرَ الْأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ بَيْنَ الْأَرْضين، فاحذروا وقائع ال لَهُ٢ ".
فَهَاكَ خُذْهَا أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ قَدْ جِئْنَاكَ بِهَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَأْثُورَةً صَحِيحَةً بَعْدَمَا ادَّعَيْتَ بِجَهْلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِيهِ أَثَرٌ عَنْ رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ. وَمَا تَصْنَعُ فِيهِ بِأَثَرٍ بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: "إِنَّهُ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا"٣؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِشَيْءٍ: إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ إِلَّا لِمَنْ هُوَ مِنْ ذَوِي
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "كَانَ مِمَّن كَانَ قبلكُمْ". ٢ رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن طَرِيق آخر، انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشر حه فتح الْبَارِي، كتاب اللبَاس، بَاب من جر ثَوْبه من الْخُيَلَاء، حَدِيث ٥٧٩٠، ١٠/ ٢٥٨ عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: "بَيْنَمَا رجل يمشي فِي حلَّة تعجبه نَفسه مرجل جمته إِذْ خسف الله بِهِ الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة". وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب اللبَاس، والزينة، بَاب تَحْرِيم التَّبَخْتُر فِي الْمَشْي مَعَ إعجابه بثيابه، حَدِيث ٢٠٨٨، ٣/ ١٦٥٣، عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: "بَيْنَمَا رجل يمشي قد أَعْجَبته جمته وبرداه إِذْ خسف بِهِ الأَرْض فَهُوَ يتجلجل فِي الأَرْض حَتَّى تقوم السَّاعَة". وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه بشرح السُّيُوطِيّ، وحاشية السندي، كتاب الزِّينَة التَّغْلِيظ فِي جر الْإِزَار ٨/ ٢٠٦ عَن ابْن عمر بِلَفْظ: "بَيْنَمَا رجل يجر إزَاره من الْخُيَلَاء خسف بِهِ فَهُوَ يتجلجل فِي الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة". ٣ لَيْسَ فِي الْقُرْآن آيَة بِهَذَا اللَّفْظ، وَلَعَلَّه أَرَادَ قَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ النِّسَاء، آيَة "٥٨"، أَو قَوْله ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ النِّسَاء آيَة "١٣٤".
[ ١ / ٣٣٧ ]
الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ، وَقَدْ يُقَالُ فِي مَجَازِ الْكَلَامِ: الْجِبَالُ وَالْقُصُورُ تَتَرَاءَى وَتَسْمَعُ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا يُقَابِلُ١ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَبْلُغُهَا الْأَصْوَاتُ وَلَا تفقه، وَلَا يُقَال: رجل سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَقَصْرٌ بَصِيرٌ؛ لِأَنَّ٢ سَمِيعٌ مُسْتَحِيلٌ ذَلِكَ إِلَّا لِمَنْ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، فَإِنْ أَنْكَرَ أَصْحَابُ الْمَرِيسِيِّ مَا قُلْنَا فَلْيُسَمُّوا شَيْئًا لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ أَجَازَتِ الْعَرَبُ أَنْ يَقُولُوا: هُوَ سيمع بَصِيرٌ فَإِنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ بِشَيْءٍ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ ذَلِكَ٣.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "تقَابل" بِالتَّاءِ. ٢ فِي س "لِأَنَّهُ"، ولايستقيم بِهِ الْمَعْنى. ٣ لَفْظَة "لَهُ" لَيست فِي س، ولعلها سَقَطت سَهوا.
[ ١ / ٣٣٨ ]
تَأْوِيل المريسي إتْيَان الله ومجيئه وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
وَادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّك﴾ ١، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ٢ فَادَّعَيْتَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْهُ بِإِتْيَانٍ لَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَحَرِكٍّ٣ عنْدك،
_________________
(١) ١ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "١٥٨". ٢ فِي ط، س، ش ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ الْآيَة من سُورَة الْبَقَرَة آيَة "٢١٠". ٣ تحدث ابْن تَيْمِية عَن لفظ الْحَرَكَة هَل يُوصف الله بِهِ أَو يجب نَفْيه؟ وَبَين أَقْوَال النَّاس فِي ذَلِك ثمَّ قَالَ: "وَذكر عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ إِثْبَات لفظ الْحَرَكَة فِي كتاب نقضه على بشر المريسي وَنَصره على أَنه قَول أهل السّنة والْحَدِيث، وَذكره =
[ ١ / ٣٣٨ ]
وَلَكِنْ يَأْتِي يَوْمُ الْقِيَامَةِ١ بِزَعْمِكَ، وَقَوْلُهُ ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ٢ وَلَا يَأْتِي هُوَ بِنَفْسِهِ٣، ثُمَّ زَعَمْتَ أَنَّ مَعْنَاهُ كَمَعْنَى قَوْلِهِ:
_________________
(١) = حَرْب إِسْمَاعِيل الْكرْمَانِي: لما ذكر مَذْهَب أهل السّنة والأثر عَن أهل السّنة والْحَدِيث قاطبة، وَذكر مِمَّن لَقِي مِنْهُم على ذَلِك: أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَعبد الله بن الزبير الْحميدِي، وَسَعِيد بن مَنْصُور، وَهُوَ قَول أبي عبد الله بن حَامِد وَغَيره. وَكثير من أهل الحَدِيث وَالسّنة يَقُول: الْمَعْنى صَحِيح، لَكِن لَا يُطلق هَذَا اللَّفْظ لعدم مَجِيء الْأَثر بِهِ، كَمَا ذكر ذَلِك أبوعمر بن عبد الْبر وَغَيره فِي كَلَامهم على حَدِيث النُّزُول". وَقَالَ أَيْضا: "وَالَّذِي يجب الْقطع بِهِ أَن الله لَيْسَ كمثله شَيْء فِي جَمِيع مَا يصف بِهِ نَفسه، فَمن وَصفه بِمثل صِفَات المخلوقين فِي شَيْء من الْأَشْيَاء فَهُوَ مُخطئ قطعا كمن قَالَ: إِنَّه ينزل فيتحرك وينتقل، كَمَا ينزل الْإِنْسَان من السَّطْح إِلَى أَسْفَل الدَّار، كَقَوْل من يَقُول: إِنَّه يَخْلُو من الْعَرْش فَيكون نُزُوله تفريغًا لمَكَان وشغلًا لآخر فَهَذَا بَاطِل يجب تَنْزِيه الرب عَنهُ، كَمَا تقدم "انْظُر: مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٥/ ٥٦٥-٥٧٨ وَقَالَ الْموصِلِي فِي مُخْتَصر الصَّوَاعِق الْمُرْسلَة ٢/ ٢٧٥: "وَأما الَّذين أَمْسكُوا عَن الْأَمريْنِ وَقَالُوا: لَا نقُول: يَتَحَرَّك، وينتقل وَلَا ننفي ذَلِك عَنهُ فهم أسعد بِالصَّوَابِ والاتباع، فَإِنَّهُم نطقوا بِمَا نطق بِهِ النَّص وسكتوا عَمَّا سكت عَنهُ" وَانْظُر: الْمَزِيد فِي: الاسْتقَامَة لِابْنِ تَيْمِية تَحْقِيق رشاد سَالم ٢/ ٧٠-٧٨. ١ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "يَأْتِي بالقيامة بزعمك". ٢ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "٢١٠". ٣ فِي ط، س، ش "يَأْتِي الله بأَمْره فِي ظلل من الْغَمَام وَلَا يَأْتِي هُوَ بِنَفسِهِ" ولعلها سَقَطت من الأَصْل.
[ ١ / ٣٣٩ ]
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ ١ وَ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ ٢ يُقَالُ لِهَذَا الْمَرِيسِيُّ: قَاتَلَكَ اللَّهُ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى كِتَابِهِ بِلَا عِلْمٍ وَلَا بَصَرٍ: أَنْبَأَكَ اللَّهُ أَنَّهُ إِتْيَانٌ، وَتَقُولُ لَيْسَ إيتيانًا٣ إِنَّمَا هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ ٤ لقد مَيَّزْتَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ، وَجَمَعْتَ بَيْنَ مَا مَيَّزَ اللَّهُ، وَلَا يجمع بَين هذَيْن التَّأْوِيلِ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْرُونٌ بِهِ٥ فِي سِيَاقِ الْقِرَاءَةِ لَا يَجْهَلُهُ٦ إِلَّا مِثْلُكَ.
وَقَدِ اتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى٧ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِعُقُوبَةِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَمْ يَشُكُّوا أَنَّهُ يَنْزِلُ يَوْم الْقِيَامَة بَيْنَ عِبَادِهِ، وَيُحَاسِبَهُمْ وَيُثِيبَهُمْ، وَتَشَّقَقُ
_________________
(١) ١ سُورَة النَّحْل، آيَة "٢٦". ٢ فِي الأَصْل، س "وأتاهم"، وَفِي ط، ش ﴿فَأَتَاهُمُ﴾ وَهُوَ الصَّوَاب، انْظُر: سُورَة الْحَشْر، آيَة "٢". ٣ فِي ط، ش "إتْيَان" وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ. ٤ تقدّمت قَرِيبا. ٥ لَفْظَة "بِهِ" لَيست فِي ط، س، ش. ٦ فِي ط، ش "بِمَا لَا يجهله إِلَّا مثلك". ٧ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٣٤٠ ]
السَّمَوَاتُ يَوْمَئِذٍ لِنُزُولِهِ، وَتُنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ ثَمَانِيَةٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَلَمَّا لَمْ يَشُكَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِشَيْءٍ مِنْ، أُمُور الدُّنْيَا، علمُوا يَقِينا، مَا يَأْتِي النَّاسَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ إِنَّمَا هُوَ أَمْرُهُ وَعَذَابُهُ١ فَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ ٢ يَعْنِي مَكْرَهُ مِنْ قِبَلِ قَوَاعِدِ بُنْيَانِهِمْ٣ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٤ فَتَفْسِيرُ هَذَا الْإِتْيَانِ خُرُورُ السَّقْفِ مِنْ فَوْقِهِمْ.
وَقَوْلُهُ ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ ٥، مَكَرَ بِهِمْ فَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤمنِينَ وهم بَنو قُرَيْظَة٦.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "إِنَّمَا هُوَ من أمره وعذابه". ٢ سُورَة النَّحْل آيَة "٢٦". ٣ فِي الأَصْل "من قبلت الْقَوَاعِد بنيانهم" وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، س، ش، وَبِه يَسْتَقِيم السِّيَاق. ٤ سُورَة النَّحْل، آيَة "٢٦". ٥ سُورَة الْحَشْر آيَة "٢". ٦ الَّذِي ورد فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَات من سُورَة الْحَشْر أَنَّهَا نزلت فِي يهود بني النَّضِير، انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّفْسِير، تَفْسِير سُورَة الْحَشْر، حَدِيث ٤٨٨-، ٨/ ٦٢٩- قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن مدرك حَدثنَا يحيى بن حَمَّاد أخبرنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَن سعيد، قلت لِابْنِ عَبَّاس ﵄: سُورَة الْحَشْر قَالَ: قل: سُورَة بني النَّضِير. انْظُر أَيْضا: جَامع التِّرْمِذِيّ بشرحه تحفه الأحوذي، الطبعة الثَّانِيَة، أَبْوَاب التَّفْسِير. تَفْسِير سُورَة الْحَشْر ٩/ ١٩٥. =
[ ١ / ٣٤١ ]
فَتَفْسِيرُ الْإِتْيَانِ١ مَقْرُونٌ بِهِمَا خُرُورُ السَّقْفِ وَالرُّعْبُ، وَتَفْسِيرُ إِتْيَانِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْصُوصٌ فِي الْكِتَابِ مُفَسَّرٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ، وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ، وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، -إِلَى قَوْلِهِ: هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ٢ فَقَدْ فَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَعْنَيَيْنِ تَفْسِيرا
_________________
(١) = وَذكر الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره، الطبعة الثَّانِيَة ٢٨/ ١٩ قَالَ: "وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ يَقُول تَعَالَى ذكره: فَأَتَاهُم أَمر اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أَنه يَأْتِيهم، وَذَلِكَ الْأَمر الَّذِي أَتَاهُم اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا قذف فِي قُلُوبهم الرعب بنزول رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بهم فِي أَصْحَابه يَقُول: جلّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدي الْمُؤْمِنِينَ﴾، يَعْنِي جلّ ثَنَاؤُهُ بقوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ بني النَّضِير من الْيَهُود، وَأَنَّهُمْ يخربون مساكنهم، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا ينظرُونَ إِلَى الْخَشَبَة فِيمَا ذكر فِي مناولهم مِمَّا يستحسنونه أَو العمود أَو الْبَاب فينزعون ذَلِك مِنْهَا بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك قَالَ أهل التَّأْوِيل". قلت: وَلَعَلَّ مَا ورد هُنَا من قَوْله" وهم بَنو قُرَيْظَة" وهم من النساخ، فَإِن قُرَيْظَة كَانَ قد حكم فيهم سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁ أَن تقتل مُقَاتلَتهمْ وَأَن تسبي ذَرَارِيهمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قضيت بِحكم الله" وَرُبمَا قَالَ: "بِحكم الْملك" انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب الْمَغَازِي، بَاب مرجع النَّبِيِّ ﷺ من الْأَحْزَاب ومخرجه إِلَى بني قُرَيْظَة، الحَدِيث ٤١٢١، ٤١٢٢، ٧/ ٤١١. ١ فِي ط، ش "الإتيانين". ٢ سُورَة الحاقة، من آيَة "١٣-٢٩".
[ ١ / ٣٤٢ ]
لَا لَبْسَ فِيهِ، وَلَا يُشْتَبَهُ عَلَى ذِي عَقْلٍ، فَقَالَ فِيمَا يُصِيبُ١ بِهِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ ٢ فحين قَالَ: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ عَلِمَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ أَمْرَهُ يَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ ٣ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ الْآيَاتِ٤ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَقَالَ أَيْضًا ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ ٥ ﴿يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ ٦ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ٧ وَ﴿دُكَّتْ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٥ عَلِمَ بِمَا قَصَّ اللَّهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وَبِمَا حَدَّ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ يَوْمَئِذٍ أَنَّ هَذَا إِتْيَانُ اللَّهِ بِنَفْسِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَلِيَ مُحَاسَبَةَ حلقه بِنَفْسِهِ، لَا يَلِي ذَلِكَ٩ أَحَدٌ غَيره، أَن مَعْنَاهُ مُخَالِفٌ لِمَعْنَى إِتْيَانِ الْقَوَاعِدِ، لاخْتِلَاف القضيتين
_________________
(١) ١ فِي س "فِيمَا يصبهُ من الْعُقُوبَات". ٢ سُورَة يُونُس، آيَة "٢٤". ٣ فِي الأَصْل "وَنفخ فِي الصُّور" وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ انْظُر: سُورَة الحاقة آيَة "١٣". ٤ فِي ط، س "الْآيَة الَّتِي ذكرنَا". ٥ سُورَة الْفرْقَان، آيَة "٢٥". ٦ قَوْلَهُ: ﴿يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ لم ترد فِي س. ٧ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "٢١٠". ٨ سُورَة الْفجْر، آيَة "٢١-٢٢". ٩ لَفْظَة "ذَلِك" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٣٤٣ ]
أَلَا تَرَى أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّهُ قَالَ١: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ ٢ وَلَمْ٣ يَذْكُرْ عِنْدَهَا نَفْخَ الصُّورِ، وَلَا تَشَقُّقَ السَّمَاءِ، وَلَا تَنَزُّلَ الْمَلَائِكَةِ وَلَا حَمْلَ الْعَرْشِ، وَلَا يَوْمَ الْعَرْضِ٤ وَلَكِنْ قَالَ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٥ فِي دُنْيَاهُمْ ﴿وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ٦ فَرَدَّ الْإِتْيَانَ إِلَى الْعَذَابِ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ مَا فَرَّقَ بِهِمَا مِنَ الدَّلَائِلِ وَالتَّفْسِيرِ. وَإِنَّمَا يَصْرِفُ كل معنى الْمَعْنَى الَّذِي يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ. وَيَحْتَمِلُهُ فِي سِيَاقِ الْقَوْلِ، إِلَّا أَنْ٧ يَجِدَ٨ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ فِي الْفَرْطِ يَجُوزُ فِي الْمَجَازِ بِأَقَلِّ الْمَعَانِي٩ وَأَبْعَدِهَا عَنِ الْعُقُولِ، فَيَعْمِدُ إِلَى أَكثر مَعَاني الْأَشْيَاء
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "أَنه حِين قَالَ". ٢ سُورَة النَّحْل، آيَة "٢٦". ٣ فِي ط، س، ش "لم يذكر". ٤ فِي ط، س، ش "وَلَا حمل الْعَرْش وَلَا إتْيَان الْملك صفًّا صفًّا وَلَا يَوْم الْعرض". ٥ سُورَة النَّحْل، آيَة "٢٦". ٦ سُورَة النَّحْل، آيَة "٢٦". ٧ كَذَا فِي الأَصْل، ط، ش، وَفِي س "إِلَى أَن". ٨ فِي ط، س، ش "يحد" بِالْحَاء الْمُهْملَة. ٩ كَذَا فِي الأَصْل، س، ش، وَفِي س "إِلَى أَن يحد الشَّيْء الْيَسِير فِي الفرط جوز فِي الْفَرْطِ يَجُوزُ فِي الْمَجَازِ بِأَقَلّ الْمعَانِي"، وَلم تظهر لى مُنَاسبَة "الفرط" للسياق هُنَا حَتَّى فِيمَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من المعاجم اللُّغَوِيَّة، وَكَأن الْمُؤلف يُرِيد أَن اللَّفْظ إِذا كَانَ لَهُ معنى مَشْهُور وَله معنى مغمور فَإِن المريسي يُرِيد أَن يحمل اللَّفْظ على الْمَعْنى المغمور، الَّذِي قد يحْتَملهُ اللَّفْظ وَلَو من بعيد.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وَأَغْلَبِهَا فَيَصْرِفُ الْمَشْهُورَاتِ مِنْهَا إِلَى الْمَغْمُورَاتِ الْمُسْتَحَالَاتِ١ يُغَالِطُ بِهَا الْجُهَّالَ، وَيُرَوِّجُ عَلَيْهِمْ بِهِ٢ الضَّلَالَ. فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا مِنْهُ عَلَى الظَّنَّةِ وَالرِّيبَةِ، وَمُخَالَفَةِ الْعَامَّةِ. وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، تُصْرَفُ مَعَانِيهِ إِلَى أَشْهَرِ مَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فِي لُغَاتِهَا، وَأَعَمِّهَا عِنْدَهُمْ. فَإِنْ تَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ مِثْلُكَ جَاهِلٌ فِي شَيْءٍ مِنْهُ خُصُوصًا، أَوْ صَرَفَهُ إِلَى مَعْنًى، بَعِيدٍ عَنِ الْعُمُومِ بِلَا أَثَرٍ، فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ عَلَى دَعْوَاهُ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ أَبَدًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٣ وَقَدْ كَفَانَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ٤ تَفْسِيرَ هَذَا الْإِتْيَانِ، حَتَّى لَا تحْتَاج لَهُ مِنْكَ إِلَى تَفْسِيرٍ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ٥ فِيهِ أَثَرٌ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ يَعْتَمِدُ عَلَى تَفْسِيرِكَ لَمَّا أَنَّكَ فِيهِ ظَنِينٌ٦ غَيْرُ أَمِينٍ.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "المستحيلات". ٢ لَفْظَة "بِهِ" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، س، ش "وَأَصْحَابه ﵃". ٥ فِي ط، س، ش "﵃". ٦ قَالَ فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلى، ٢/ ٦٥٤-٦٥٥ مَادَّة "ظن": "وَرجل ظنين مُتَّهم من قوم أظناء بيني الظنة والظنانة وَقَول الله ﷿: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: أَي بمتهم" بِتَصَرُّف.
[ ١ / ٣٤٥ ]
حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ١، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ٢، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ٣، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ٤ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٥ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يعَبْدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ قَالَ: فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا. فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبنَا فيتبعونه" ٦.
_________________
(١) ١ نعيم بن حَمَّاد، تقدم ص"٢٠٤". ٢ إِبْرَاهِيم بن سعد، تقدم ص"٢٠٥"، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال ١/ ٣٥ أَنه سمع من الزُّهْرِيّ ثمَّ أَكثر عَن صَالح عَنهُ. ٣ ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، تقدم ص"١٧٥". ٤ فِي ط، س، ش "عَطاء بن زيد" وَصَوَابه "ابْن يزِيد" وَبِه جَاءَ سَنَد البُخَارِيّ وَمُسلم. انْظُر: تَخْرِيج الحَدِيث، وَانْظُر: تَرْجَمته ص"٢٠٥". ٥ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص"١٧٩". ٦ انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، حَدِيث ٧٤٣٧، ١٣/ ٤١٩ من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن عبد الله، حَدثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيّ، عَن أبي هُرَيْرَة فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يعَبْدُ شَيْئًا فليتبعه فَيتبع من كَانَ يعبد الشَّمْس الشَّمْس، وَيتبع من كَانَ يعبد الْقَمَر الْقَمَر، وَيتبع من كَانَ يعبد الطواغيت الطواغيت، وَتبقى هَذِه الْأمة فِيهَا شافعوها، أَو منافقوها - شكّ =
[ ١ / ٣٤٦ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١، ثَنَا حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ٢، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ٣، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ٤، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٥ ﵄ فِي هَذِهِ الْآيَةِ:
_________________
(١) = إِبْرَاهِيم- فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ الله فِي صورته الَّتِى يعْرفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبنَا فيتبعونه " إِلَخ. وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا، انْظُر: الْمرجع السَّابِق، كتاب الرقَاق، بَاب الصِّرَاط جسر جَهَنَّم، حَدِيث ٦٥٧٣، ١٣/ ٤٤٤ من طَرِيق أبي الْيَمَان، أخبرنَا شُعَيْب بِهَذَا السَّنَد وَزِيَادَة سعيد مَعَ عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة. وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْإِيمَان بَاب معرفَة طَريقَة الرُّؤْيَة حَدِيث ١٨٢، ١/ ١٦٤ من طَرِيق زُهَيْر بن حَرْب، حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، حَدثنَا أبي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي أَثْنَائِهِ بِنَحْوِ لفظ البُخَارِيّ. ١ مُوسَى، بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٢ حَمَّاد بن سَلمَة، تقدم ص"١٨٧". ٣ عَليّ بن زيد بن جدعَان، تقدم ص"١٨٨". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٨٢: يُوسُف بن مهْرَان الْبَصْرِيّ، وَلَيْسَ هُوَ يُوسُف بن مَاهك، ذَاك ثِقَة، وَهَذَا لم يرو عَنهُ إِلَّا ابْن جدعَان، هُوَ لين الحَدِيث، من الرَّابِعَة/ بخ ت. وَقَالَ فِي الكاشف ٣/ ٣٠١: عَن ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَعنهُ عَليّ بن زيد. ٥ عبد الله بن عَبَّاس ﵄، تقدم ص"١٧٢".
[ ١ / ٣٤٧ ]
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ قَالَ: "يَنْزِلُ١ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَمِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْأَرْضِ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا، وَسَيَأْتِي. ثُمَّ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ -وَسَاقه إِلَى السَّمَاء السَّابِعَةِ قَالَ:- فَيَقُولُونَ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا وَسَيَأْتِي، ثُمَّ يَأْتِي الرُّبُّ ﵎ فِي الْكُرُوبِيِّينَ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض"٢.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "وتنزل" وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ، انْظُر: سُورَة الْفرْقَان، آيَة "٢٥". ٢ أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بذيله التَّلْخِيص، كتاب الْأَهْوَال، ٤/ ٥٦٩-٥٧٠ من طَرِيق حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بن زيد، عَن يُوسُف مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنه قَرَأَ ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ - قَالَ: تشقق سَمَاء الدُّنْيَا وتنزل الْمَلَائِكَة على كل سَمَاء وهم أَكثر مِمَّن فِي الأَرْض من الْجِنّ وَالْإِنْس فَيَقُولُونَ: أفيكم رَبنَا ، وَذكره بأطول من هَذَا، وَقَالَ: رُوَاة هَذَا الحَدِيث عَن آخِرهم مُحْتَج بهم غير عَليّ بن زيد بن جدعَان الْقرشِي وَهُوَ إِن كَانَ مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ عَجِيب بِمرَّة، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: إِسْنَاده قوي. وَأخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره الْجَامِع ١٩/ ٥-٦ من طَرِيق عَليّ بن زيد بِهَذَا السَّنَد مطولا، وَذكره الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٣/ ٢٤ عَن ابْن عَبَّاس بِنَحْوِهِ. وَذكره السُّيُوطِيّ أَيْضا فِي الدّرّ المنثور بهامشه تنوير المقباس ٥/ ٦٧، وَعَزاهُ إِلَى عبد بن حميد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي الْأَهْوَال، وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر أبي حَاتِم وَالْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس.
[ ١ / ٣٤٨ ]
حَدَّثَنَا١ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ٢، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ٣، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ٤، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَعْدٍ٥، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ٦ ﵁
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَحَدَّثَنَا". ٢ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمصْرِيّ، تقدم ص"١٧١". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٤٤: عبد الله بن لَهِيعَة: بِفَتْح اللَّام وَكسر الْهَاء، ابْن عقبَة الْحَضْرَمِيّ، أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمصْرِيّ القَاضِي، صَدُوق، من السَّابِعَة خلط بعد احتراق كتبه، وَرِوَايَة ابْن الْمُبَارك وَابْن وهب عَنهُ أعدل من غَيرهمَا، وَله فِي مُسلم بعض شَيْء مقرون، مَاتَ سنة ٧٤، وَقد ناف على الثَّمَانِينَ، م د ت ق. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٦٣: يزِيد بن أبي حبيب الْمصْرِيّ، أَبُو رَجَاء، وَاسم أَبِيه سُوَيْد، وَاخْتلف فِي ولائه، ثِقَة فَقِيه، وَكَانَ يُرْسل، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٢٨ وَقد قَارب الثَّمَانِينَ/ ع. وَذكر فِي الكاشف ٣/ ٢٧٥ أَنه روى عَنهُ اللَّيْث وَابْن لَهِيعَة. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٨٧: سعد بن سِنَان، وَيُقَال: سِنَان بن سعد الْكِنْدِيّ، الْمصْرِيّ، وَصوب الثَّانِي البُخَارِيّ وَابْن يُونُس، صَدُوق لَهُ أَفْرَاد من الْخَامِسَة بخ د ت ق، وَذكر فِي الكاشف ١/ ٣٥٢ أَنه روى عَن أنس وَعنهُ يزِيد بن أبي حبيب. ٦ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، تقدم ص"٢٠١".
[ ١ / ٣٤٩ ]
أَنَّهُ قَالَ:- وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ ١- قَالَ: يُبَدِّلُهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْضٍ مِنْ فِضَّةٍ لَمْ تُعْمَلْ عَلَيْهَا الْخَطَايَا، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الْجَبَّارُ"٢.
حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس٣
_________________
(١) ١ سُورَة إِبْرَاهِيم آيَة "٤٨". ٢ أخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره بهامشه تَفْسِير غرائب الْقُرْآن، الطبعة الثَّالِثَة ١٣/ ١٦٤، قَالَ: حَدثنَا أَبُو إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالح بِهَذَا السَّنَد، عَن أنس بن مَالك أَنه تَلا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ قَالَ: "يُبَدِّلُهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْض من فضَّة لم يعْمل عَلَيْهَا الْخَطَايَا يتزلها الْجَبَّار ﵎". وَذكره السُّيُوطِيّ فِي تَفْسِيره وَعَزاهُ إِلَى ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن أنس، انْظُر: الدّرّ المنثور بهامشه تنوير المقباس ٤/ ٩٠-٩١. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ: عَن سهل بن سعد قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: "يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة على أَرض بَيْضَاء عفراء كقرصة النقي" قَالَ سهل-أَو غَيره: لَيْسَ فِيهَا معلم لأحد. قَالَ ابْن حجر: قَوْله "كقرصة النَّقِي" بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف أَي الدَّقِيق النقي من الْغِشّ والنخال. قَالَه الْخطابِيّ"، انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب الرقَاق، بَاب "يقبض الله الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة" حَدِيث ٦٥٢١، ١١/ ٣٧٢، وصحيح مُسلم بترتيب وتبويب وَتَحْقِيق مُحَمَّد فؤاد، كتاب صِفَات الْمُنَافِقين، بَاب فِي الْبَعْث والنشور، حَدِيث ٢٨، ٤/ ٢١٥٠. ٣ فِي ط، س، ش "أَحْمد بن أبي شهَاب عَن عَوْف" وَالَّذِي يظْهر صَوَاب مَا فِي الأَصْل، وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة أَحْمد بن يُونُس ص"١٧٣".
[ ١ / ٣٥٠ ]
ثَنَا أَبُو شِهَابٍ١، عَنْ عَوْفٍ٢، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ٣، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ٤، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٥ ﵄ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مُدَّتِ الْأَرْضُ مَدَّ الْأَدِيمِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ قُبِضَتْ هَذِهِ السَّمَاءُ الدُّنْيَا عَلَى أَهْلِهَا فَنُثِرُوا٦ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَإِذَا أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا أَكْثَرُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِذَا رَآهُمْ أَهْلُ الْأَرْضِ فَزِعُوا، وَقَالُوا: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ فَيَقُولُونَ: "لَيْسَ فِينَا وَهُوَ آتٍ.
_________________
(١) ١ أَبُو شهَاب هُوَ عبد ربه بن نَافِع، تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٠٧"، وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٦٠/ ١٢٩ أَنه روى عَن عَوْف الْأَعرَابِي أَحْمد بن يُونُس. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٨٩: "عَوْف بن أبي جميلَة، بِفَتْح الْجِيم، الْأَعرَابِي، الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، ثِقَة رمي بِالْقدرِ وبالتشيع، من السَّادِسَة ٨/ ١٦٦ أَنه روى عَن أبي الْمنْهَال سيار بن سَلامَة. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٤٣: سيار بن سَلامَة الريَاحي: بالتحتانية، أَبُو الْمنْهَال الْبَصْرِيّ ثِقَة، من الرَّابِعَة وَله ٨٦/ ع. وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٤/ ٢٩١- أَن مِمَّن روى عَنهُ عَوْف الْأَعرَابِي. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٥٥: شهر بن حَوْشَب الْأَشْعَرِيّ، الشَّامي، مولى أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، صَدُوق كثير الْإِرْسَال والأوهام، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١٢/ بخ م وَالْأَرْبَعَة. ٥ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، تقدم ص"١٧٢". ٦ فِي ط، ش "فنشروا".
[ ١ / ٣٥١ ]
قَالَ: ثُمَّ يُقْبَضُ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ -وَسَاقَ إِلَى١ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ قَالَ:- فَلَأَهْلُ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَحْدَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ سِتِّ سَمَوَاتٍ وَمِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالضِّعْفِ قَالَ: وَيَجِيءُ اللَّهُ تَعَالَى٢ فِيهِمْ، وَالْأُمَمُ جِثِيًّا صُفُوفٌ قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ: سَتَعْلَمُونَ الْيَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الْكَرَمِ"٣.
وَمَنْ يَلْتَفِتُ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ إِلَى تَفْسِيرِكَ٤ الْمُحَالِ فِي إِتْيَانِ اللَّهِ٥ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَدَعُ تَفْسِيرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهُ٦ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ مَجْنُونٍ، خَاسِرٍ مَفْتُونٍ٧ لَمَّا أَنَّكَ مَغْبُونٌ فِي الدِّينِ مَأْبُونٌ٨ وَعَلَى تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ غَيْرُ مَأْمُونٍ، وَيْلَكَ؟ أَيَأْتِي اللَّهُ بِالْقِيَامَةِ وَيَتَغَيَّبُ هُوَ نَفْسُهُ؟ فَمَنْ يُحَاسِبُ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ؟ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَكَ هَذَا، وَأَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ لَا يُؤمن بِيَوْم الْحساب.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وسَاق الحَدِيث إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة". ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ أخرجه نعيم بن حَمَّاد فِي زَوَائِد الزّهْد برقم ٣٥٣ ص"١٠١" من طَرِيق شهر ابْن حَوْشَب قَالَ: حَدثنِي ابْن عَبَّاس قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مدت الأَرْض مد الْأَدِيم وَزيد فِي سعتها وَذكره بِمَعْنَاهُ مطولا. وَأخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ٦/ ٦٢ من طَرِيق أبي بكر بن خَلاد، ثَنَا الْحَارِث بن أبي أُسَامَة، ثَنَا هودة بن خَليفَة، ثَنَا عَوْف الْمِنْهَالِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَن ابْن عَبَّاس وَذكره بِمَعْنَاهُ. وَذكره ابْن حجر فِي المطالب الْعَالِيَة بزوائد المسانيد الثَّمَانِية، تَحْقِيق الأعظمي برقم ٤٦٢٩، ٤/ ٣٧٤-٣٧٥، عَن ابْن عَبَّاس مطولا، وَقَالَ فِي آخِره: "لِلْحَارِثِ" مَوْقُوف إِسْنَاده حسن. ٤ فِي ط، ش "إِلَى تَفْسِير الْمحَال". ٥ فِي ط، س، ش زِيَادَة لفظ "تَعَالَى". ٦ فِي ط، س، ش "وَأَصْحَابه ﵃". ٧ فِي ط، س "خاسر مغبون". ٨ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب إعداد وتصنيف يُوسُف خياط، ونديم مرعشلي، ١/ ٩ "أبن": "أبن الرجل يأبنه أبنًا: اتهمه وعابه، وَقَالَ اللحياني" أبنته بِخَير وَبشر آبُنُه وآبِنُه أبنًا وَهُوَ مأبون بِخَير أَو بشر فَإِذا أضربت عَن الْخَيْر وَالشَّر قلت: هُوَ مأبون لم يكن إِلَّا بشر" إِلَخ.
[ ١ / ٣٥٢ ]
تَأْوِيل المريسي لِمَعْنى "الْحَيّ القيوم" وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
وَادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ١ وَادَّعَيْتَ٢ أَنَّ تَفْسِيرَ الْقَيُّومِ عِنْدَكَ: الَّذِي لَا يَزُولُ، يَعْنِي الَّذِي لَا يَنْزِلُ وَلَا يَتَحَرَّكُ، وَلَا يَقْبِضُ وَلَا يَبْسُطُ وَأَسْنَدْتَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِكَ، غَيْرَ مُسَمًّى عَن الْكَلْبِيّ٣
_________________
(١) ١ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "٢٥٥". ٢ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "ادعيت" بِدُونِ الْوَاو وَهُوَ أوضح. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٦٣: مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشر، الْكَلْبِيّ، أَبُو النَّضر الْكُوفِي النسابة الْمُفَسّر، مُتَّهم بِالْكَذِبِ، وَرمي بالرفض، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ٤٦/ ت فق. وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٩/ ١٧٨ أَنه روى عَن أبي صَالح باذام مولى أم هَانِئ.
[ ١ / ٣٥٣ ]
عَنْ أَبِي صَالِحٍ١، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٢ أَنَّهُ قَالَ: "الْقَيُّومُ: الَّذِي لَا يَزُولُ"٣ وَعِنْدَ أَهْلِ الْبَصَرِ٤ وَمَعَ رِوَايَتِكَ هَذِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ دَلَائِلُ وَشَوَاهِدُ أَيْضًا بَاطِلٌ: إِحْدَاهَا: أَنَّك أَنْت رَوَيْتَهَا وَأَنْتَ الْمُتَّهَمُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّكَ رَوَيْتَهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِكَ غَيْرَ مُسَمًّى، وَأَصْحَابُكَ مثلك فِي الظنة والتهمة.
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٩٣: باذام -بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة- وَيُقَال: آخِره نون أَبُو صَالح مولى أم هَانِئ، ضَعِيف مُدَلّس، من الثَّالِثَة، الْأَرْبَعَة، وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١/ ٤١٦ أَنه روى عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة ومولاته أم هَانِئ وَمِمَّنْ روى عَنهُ الْكَلْبِيّ. ٢ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، تقدم ص"١٧٢". ٢ ذكر ابْن جرير فِي تَفْسِيره، تَحْقِيق مَحْمُود شَاكر وَأحمد شَاكر ٥/ ٣٨٨ معنى "القيوم فَقَالَ: "القيوم الْقَائِم برزق مَا خلق وَحفظ، وَعَن مُجَاهِد قَالَ": الْقَائِم عَليّ كل شَيْء وَعَن الرّبيع "القيوم" قيم كل شَيْء، يكلؤه، وَيَرْزقهُ ويحفظه، وَعَن السّديّ "القيوم" وَهُوَ الْقَائِم، وَعَن الضَّحَّاك ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قَالَ: الْقَائِم الدَّائِم" بِتَصَرُّف. وَذكر الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير الْجَامِع ٣/ ٢٧١ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: أَي الْقَائِم بتدبير مَا خلق، وَقَالَ الْحسن: مَعْنَاهُ الْقَائِم على كل نفس بِمَا كسبت حَتَّى يجازيها بعملها من حَيْثُ هُوَ عَالم بهَا لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهَا. وَقَالَ ابْن كثير فِي تَفْسِيره ١/ ٣٠٨ ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، أَي الْحَيّ فِي نَفسه الَّذِي لَا يَمُوت أبدا الْقيم لغيره". ٤ قَوْله: "وَعند أهل الْبَصَر" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٣٥٤ ]
وَالثَّالِثُ١: أَنَّهُ عَنِ الْكَلْبِيِّ٢ وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَثَرِ عَلَى أَنْ لَا يَحْتَجُّوا بِالْكَلْبِيِّ فِي أَدْنَى حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ. فَكَيْفَ فِي تَفْسِيرِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَفْسِيرِ كِتَابِهِ؟ وَكَذَلِكَ أَبُو صَالِحٍ٣.
وَلَوْ قَدْ٤ صَحَّتْ رِوَايَتُكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "الْقَيُّومُ: الَّذِي لَا يَزُول" نستنكره٥ وَكَانَ مَعْنَاهُ مَفْهُوم وَاضِحًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْبَصَر بِالْعَرَبِيَّةِ أَنه مَعْنَى "لَا يَزُولُ" لَا يَفْنَى وَلَا يَبِيدُ، لَا أَنَّهُ لَا يَتَحَرَّكُ٦ وَلَا يَزُولُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، إِذَا شَاءَ، كَمَا كَانَ يُقَالُ لِلشَّيْءِ الْفَانِي: هُوَ زَائِلٌ، كَمَا قَالَ لَبِيدُ بْنُ ربيعَة٧:
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "وَالثَّالِثَة". ٢ الْكَلْبِيّ مُحَمَّد بن السَّائِب، تقدم ص"٣٥٣". ٣ أَبُو صَالح، تقدم ص"١٧١". ٤ فِي ط، س، ش "وَلَو صحت". ٥ فِي س "لَو يسنكره"، وَفِي ط، ش "لم يستنكر". ٦ تقدم الْكَلَام عَن الْحَرَكَة ص"٣٣٨". ٧ قَوْله: "ابْن ربيعَة" لَيْسَ فِي ط، س، ش، قلت: وَهُوَ لبيد بن ربيعَة بن صعصعة الْكلابِي الْجَعْفَرِي، أَبُو عقيل الشَّاعِر الْمَشْهُور، قَالَ المرزباني فِي مُعْجَمه: كَانَ فَارِسًا شجاعًا شَاعِرًا سخيًّا، قَالَ الشّعْر فِي الْجَاهِلِيَّة دهرًا ثمَّ أسلم، عمر طَويلا، وَاخْتلف فِي سني عمره، وَهُوَ الْقَائِل القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي أَولهَا: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله بَاطِل، وَذكر أَنه عَاشَ١٦٠ سنة. بِتَصَرُّف من كتاب الْإِصَابَة لِابْنِ حجر بذيله الِاسْتِيعَاب ٣/ ٣٠٧-٣٠٩، وَانْظُر الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٣/ ٣٠٦-٣١٠، وَأسد الغابة ٤/ ٢٦٠-٢٦٣.
[ ١ / ٣٥٥ ]
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا محَالة زائل١
يَعْنِي فان، لَا أَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ، فَإِنَّ أَمَارَةَ مَا بَيْنَ الْحَيِّ، وَالْمَيِّتِ التَّحَرُّكُ، وَمَا لَا يَتَحَرَّكُ فَهُوَ مَيِّتٌ، لَا يُوصَفُ بِحَيَاةٍ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَصْنَامَ الْمَيِّتَةَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٢، فَالله الْحَيّ
_________________
(١) ١ الشّطْر الأول من هَذَا الْبَيْت ذكره البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب مَنَاقِب الْأَنْصَار، بَاب أَيَّام الْجَاهِلِيَّة حَدِيث ٣٨٤١، ٧/ ١٤٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أصدق كلمة قَالَهَا شَاعِر كلمة لبيد: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله بَاطِل، وَكَاد أُميَّة بن الصَّلْت أَن يسلم"، انْظُر: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ، كتاب الشّعْر المجلد الثَّامِن جـ٥ ص"١٢-١٣". عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا وَذكر الْبَغْدَادِيّ فِي خزانَة الْأَدَب، الطبعة الأولى ١/ ٣٧٧-٣٣٩ أَن هَذَا الْبَيْت من مطلع قصيدة رثى بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة أَولهَا: أَلا تَسْأَلَانِ الْمَرْء مَاذَا يحاول أنحب فَيقْضى أم ضلال وباطل وَمِنْهَا: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا محَالة زائل وكل أنَاس سَوف تدخل بَينهم دويهية تصفر مِنْهَا الأنامل وكل امْرِئ يَوْمًا سَيعْلَمُ سَعْيه إِذا كشفت عِنْد الْإِلَه الحصائل وَذكر الْبَغْدَادِيّ فِي الْمصدر نَفسه أَنه قَالَ شطره الأول لعُثْمَان، فَقَالَ: صدقت، فَلَمَّا قَالَ الشّطْر الثَّانِي قَالَ: كذبت، نعيم الْجنَّة لَا يزلول وَقيل: أَن الَّذِي قَالَ ذَلِك عمر، وَقيل: الرَّسُول انْظُر: الخزانة ص"٣٤١"، وَذكر ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي ٧/ ١٥٣ أَن الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِك هُوَ عُثْمَان بن مَظْعُون. ٢ سُورَة النَّحْل، آيَة "٢٠".
[ ١ / ٣٥٦ ]
الْقَيُّومُ الْقَابِضُ١ الْبَاسِطُ، يَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ٢ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، بِخِلَافِ الْأَصْنَامِ الْمَيِّتَةِ الَّتِي لَا تَزُولُ حَتَّى تُزَالَ.
وَاحْتَجَجْتَ أَيْضًا أَيُّهَا المريسي فِي نفي التحريك٣، عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ٤ وَالزَّوَالِ بِحُجَجِ الصِّبْيَانِ، فَزَعَمْتَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ "﵇"٥ حِينَ رَأَى كَوْكَبًا وَشَمْسًا وَقَمَرًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ٦ ثُمَّ قُلْتَ: فَنَفَى إِبْرَاهِيمُ الْمَحَبَّةَ من كل إِلَه زائل، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ إِذَا نَزَلَ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ أَوْ نَزَلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمُحَاسَبَةِ الْعِبَادِ فَقَدْ أفل زَوَال كَمَا أَفَلَ٧ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فَتَنَصَّلَ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِمَا إِبْرَاهِيمُ، فَلَوْ قَاسَ هَذِا الْقِيَاسَ تُرْكِيٌّ طُمْطُمَانِيٌّ٨ أَوْ رُومِيٌّ أَعْجَمِيٌّ٩ مَا زَادَ عَلَى مَا قست قبحًا
_________________
(١) ١ لَفْظَة "الْقَابِض" لَيست فِي ط، ش، ٢ فِي ط، س، ش "يَتَحَرَّك إِذا شَاءَ وَينزل إِذَا شَاءَ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ". ٣ فِي ط، ش "التحرك" وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ ص”٣٣٨". ٤ لَفْظَة "﷿" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ مَا بَين القوسين فِي ط، س، ش، وَقد تقدّمت تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم ﵇ ص”٢٩٣". ٦ سُورَة الْأَنْعَام آيَة "٧٦". ٧ فِي ط، ش "كَمَا أفلت". ٨ قَالَ الفيروزأبادي فِي الْقَامُوس، بَاب الْمِيم، فصل الطَّاء والظاء، مَادَّة "طم" ٤/ ١٤٥: "وَرجل طمطم طمطمي -بكسرهما- وطمطماني -بِالضَّمِّ- فِي لِسَانه عجمة". ٩ فِي س "أوري أعجمي" وَلَا يَتَّضِح بِهِ الْمَعْنى، وَفِي ط، ش "أَو ذِي أَعْجَمِيَّة".
[ ١ / ٣٥٧ ]
وسماحة١، وَيْلَكَ! وَمَنْ قَالَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى٢ إِذَا نَزَلَ أَوْ تَحَرَّكَ، أَوْ نَزَلَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ أَفَلَ فِي شَيْءٍ، كَمَا تَأْفُلُ الشَّمْسُ فِي عين حمئة؟.
إِن الله يَأْفُلُ فِي خَلْقٍ سِوَاهُ٣ إِذَا نَزَلَ أَوِ ارْتَفَعَ كَمَا تَأْفُلُ٤ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ، بَلْ هُوَ الْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْمُحِيطُ بِكُل شَيْء فِي جيمع أَحْوَالِهِ مِنْ نُزُولِهِ وَارْتِفَاعِهِ.
وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ٥ لَا يَأْفُلُ فِي شَيْءٍ، بَلِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا تَخْشَعُ لَهُ وَالْمَوَاضِعُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ خَلَائِقُ مَخْلُوقَةٌ، إِذَا أَفَلَتْ أَفَلَتْ فِي مَخْلُوقٍ، فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ٦ لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ، وَلَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ شَيْءٌ.
_________________
(١) ١ فِي س "أَو سماجة". ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، س، ش "لايأفل فِي شَيْء خلق سواهُ" وَفِي س، "لَا يأفل فِي شَيْء خلق سواءًا إِذا نزل أَو ارْتَفع". ٤ فِي ط، س، ش "كَمَا يأفل". ٥ وَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا وصف نَفسه بقوله ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ الْحَدِيد اية ٣ وَقَوله ﷺ: "اللَّهُمَّ أَنْت الأول فَلَيْسَ قبلك شَيْء، وَأَنت الآخر فَلَيْسَ بعْدك شَيْء، وَأَنت الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شَيْء، وَأَنت الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شَيْء " الحَدِيث، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الذّكر وَالدُّعَاء، بَاب مَا يَقُول عِنْد النّوم وَأخذ المضجع، حَدِيث ٦١، ٤/ ٢٠٨٤. ٦ قَالَ تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ سُورَة الْكَهْف آيَة "٨٦".
[ ١ / ٣٥٨ ]
الرُّؤْيَةُ ١:
ثُمَّ انْتَدَبَ الْمَرِيسِيُّ، الضَّالُّ لِرَدِّ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرُّؤْيَةِ فِي قَوْلِهِ: "سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ كَمَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" ٢، فَأَقَرَّ الْجَاهِلُ بِالْحَدِيثِ وَصَحَّحَهُ، وَثَبَتَ رِوَايَتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لِرَدِّهِ وَإِبْطَالِهِ بِأَقْبَحِ تَأْوِيلٍ، وَأَسْمَجِ تَفْسِيرٍ.
وَلَوْ قَدْ رَدَّ الْحَدِيثَ أَصْلًا كَانَ أَعْذَرَ لَهُ مِنْ تَفَاسِيرِهِ هَذِهِ٣ الْمَقْلُوبَةِ الَّتِي لَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَادَّعَى الْجَاهِلُ أَنَّ تَفْسَيرَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ" ٤ تَعْلَمُونَ أَنَّ لَكُمْ رَبًّا لَا تَشُكُّونَ فِيهِ كَمَا أَنَّكُمْ لَا تَشُكُّونَ فِي الْقَمَرِ أَنَّهُ قَمَرٌ، لَا عَلَى أَنَّ أَبْصَارَ الْمُؤْمِنِينَ تُدْرِكُهُ جَهْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ نَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٥ قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى قَوْلِ الْمُشَبِّهَةِ ٦ فَقَوْلُهُ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ" تَعْلَمُونَ أَنَّ لَكُمْ رَبًّا لَا يَعْتَرِيكُمْ فِيهِ الشكوك، الريب، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الْأَعْمَى يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَا أَبْصَرَهُ، أَيْ مَا أَعْلَمَهُ، وَهُوَ لَا يُبْصِرُ شَيْئًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: قد
_________________
(١) ١ العنوان من ط، ش. ٢ تقدم تَخْرِيجه ص"١٩٥". ٣ لفظ "هَذِه" لَيْسَ فِي س. ٤ تقدم قَرِيبا. ٥ الْأَنْعَام آيَة "١٠٣". ٦ أَرَادَ بالمشبهة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الَّذين يثبتون رُؤْيَة الله فِي الْآخِرَة.
[ ١ / ٣٥٩ ]
نَظَرْتُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَيْسَ لِلْمَسْأَلَةِ جِسْمٌ يُنْظَرُ إِلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: نَظَرْتُ فِيهَا، رَأَيْتُ فِيهَا، فَتَوَهَّمَتِ الْمُشَبِّهَةُ الرُّؤْيَةَ جَهْرَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْعَيَانِ.
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ: أَقْرَرْتَ بِالْحَدِيثِ وَثَبْتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ الْحَدِيثُ، بِحَلْقِكَ، لَمَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَدْ قَرَنَ التَّفْسِيرَ بِالْحَدِيثِ فَأَوْضَحَهُ وَلَخَّصَهُ يَجْمَعُهَا جَمِيعًا إِسْنَادٌ وَاحِدٌ١ حَتَّى لَمْ يَدَعْ لِمُتَأَوِّلٍ فِيهِ مَقَالًا.
فَأَخْبَرَ٢ أَنَّهُ رُؤْيَةُ الْعَيَانِ نَصًّا، كَمَا تَوَهَّمَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تُسَمِّيهِمْ بِجَهْلِكَ مُشَبِّهَةً، فَالتَّفْسِيرُ فِيهِ مَأْثُورٌ مَعَ الْحَدِيثِ، وَأَنْتَ تُفَسِّرُهُ بِخِلَافِ مَا فَسَّرَ الرَّسُولُ، مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ تَأْثِرُهُ عَمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، فَأَيُّ شَقِيٍّ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ، وَأَيُّ غَوِيٍّ مِنَ الْأَغْوِيَاءِ يَتْرُكُ تَفْسِيرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَقْرُونَ بِحَدِيثِهِ، الْمَعْقُولَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، الَّذِي يُصَدِّقُهُ نَاطِقُ الْكِتَابِ، ثُمَّ يَقْبَلُ تَفْسِيرَكَ الْمُحَالَ الَّذِي لَا تَأْثِرُهُ إِلَّا عَمَّنْ هُوَ أَجْهَلُ مِنْكَ وَأَضَلُّ؟
أَلَيْسَ قَدْ أَقْرَرْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ لَا تُضَامُونَ فِيهِ كَمَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ" ٣، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَشُكُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ٤ وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَعَ مَا فِيهِ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "لجمعها جَمِيعًا فِي إِسْنَاد وَاحِد". ٢ فِي ط، س، ش "وَأخْبر". ٣ انْظُر تَخْرِيجه ص”١٩٥". ٤ فِي ط، س، ش "فِي رُؤْيَته".
[ ١ / ٣٦٠ ]
مِنْ مُعَانَدَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١ مُحَالٌ٢ خَارِجٌ عَنِ الْمَعْقُولِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ ﷿ زَائِلٌ عَنِ الْمُؤمن وَالْكفَّار يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ يَوْمئِذٍ يعلم أَنه ربه٣ لايعتريهم فِي ذَلِكَ شَكٌّ، فَيَقْبَلُ اللَّهُ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَقْبَلُهُ من الْكَافرين، ولايعذرهم يَوْمَئِذٍ٤ بِمَعْرِفَتِهِمْ وَيَقِينِهِمْ بِهِ٥، فَمَا فَضْلُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَكَ فِي مَعْرِفَةِ الرَّبِّ تَعَالَى٦؟ إِذْ مُؤْمِنُهُمْ، وَكَافِرُهُمْ لَا يَعْتَرِيهِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ شَكٌّ.
أَوَمَا عَلِمْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ قَبْلَ مَوْتِهِ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ فِي حَيَاتِهِ، حَتَّى يَعْرِفَهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ كَافِرًا وَمَصِيرُهُ النَّارُ أَبَدًا؟ وَلَنْ يَنْفَعَهُ الْإِيمَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا يَرَى مِنْ آيَاتِهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ آمَنَ بِهِ مِنْ قَبْلُ، فَمَا مَوْضِعُ بُشْرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنِينَ بِرُؤْيَةِ رَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
إِذْ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ فِي الرُّؤْيَةِ يَوْمَئِذٍ سَوَاءٌ عِنْدَكَ، إِذْ كُلٌّ لَا يَعْتَرِيهِ فِيهِ شَكٌّ وَلَا رِيبَةٌ.
أوَلَمْ تَسْمَعْ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى٧: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾
_________________
(١) ١ عبارَة ﷺ لَيست فِي س. ٢ فِي ط، ش "فَهُوَ محَال". ٣ فِي ط، س، ش "أَنه رَبهم". ٤ لَفْظَة "يَوْمئِذٍ" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ فِي ط، ش "ويقينهم بِهِ فِي ذَلِك الْيَوْم". ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ فِي ط، س، ش "قَوْله تَعَالَى".
[ ١ / ٣٦١ ]
فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ١، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ ٢؟ فقد أخبرنَا الله عزوجل٣، عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ بِهِ يَوْمَئِذٍ مُوقِنُونَ، فَكَيْفَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ سَأَلُوهُ: هَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ وَقَدْ عَلِمُوا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلُوهُ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ لَا يَعْتَرِيهِمْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ وَلَا رَيْبٌ٤.
أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٥: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ٦؟ يُقَالُ فِي تَفْسِيرِهِ: إِنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهِا٧ فَإِذَا لَمْ ينفع الرجل إيمَانه عِنْد
_________________
(١) ١ سُورَة السَّجْدَة آيَة "١٢". ٢ سُورَة الْأَنْعَام آيَة "٣٠". ٣ لفظ "﷿" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، س، ش "وَلَا رِيبَة". ٥ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٦ سُورَة الْأَنْعَام آيَة "١٥٨". ٧ أخرج البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّفْسِير، تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام بَاب ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ حَدِيث ٤٦٣٦، ٨/ ٢٩٧ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذا طلعت وَرَآهَا النَّاس آمنو أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِين لَا ينفع نفسا إيمَانهَا" ثمَّ قَرَأَ الْآيَة، انْظُر شَرحه مفصلا فِي الْمصدر السَّابِق، كتاب الرقَاق، بَاب لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، على حَدِيث ٦٥٠٦، ١١/ ٣٥٢، فَدلَّ هَذَا الحَدِيث على أَن الْآيَة نَص فِي طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا، لَا كَمَا توهم عبارَة الْمُؤلف الَّتِي هِيَ بِصِيغَة التمريض.
[ ١ / ٣٦٢ ]
الْآيَاتِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَسْتَحِقُّ بِهَا١ النَّظَرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى٢؟ فَاعْقِلْ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ مَا يَجْلِبُ عَلَيْكَ كَلَامُكَ مِنَ الْحُجَجِ الْآخِذَةِ بِحَلْقِكَ.
وَأَمَّا إِدْخَالُكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا حَقَّقَ مِنْ رُؤْيَةِ الرَّبِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَوْلَهُ٣ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ٤ فَإِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَزَلَ، وَقَدْ عَرَفَ مَا أَرَادَ اللَّهُ٥ بِهِ وَعَقِلَ فَأْوَضَحَهُ تَفْسِيرًا، وَعَبَّرَهُ تَعْبِيرًا فَفَسَّرَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا تَفْسِيرًا شَافِيًا كَافِيًا، سَأَلَهُ أَبُو ذَرٍّ٦: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ -يَعْنِي فِي الدُّنْيَا-؟ فَقَالَ: "نُورٌ أَنَّى أرَاهُ؟ " ٧.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، "فَيسْتَحق بِهِ". ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، س، ش، "قَوْله تَعَالَى". ٤ سُورَة الْأَنْعَام آيَة "١٠٣". ٥ فِي ط، س، ش "مَا أَرَادَ الله تَعَالَى". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٤٢٠: أَبُو ذَر الْغِفَارِيّ، الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، اسْمه: جُنْدُب بن جُنَادَة على الْأَصَح، وَقيل: بريد -بموحدة- مُصَغرًا ومكبرًا وَاخْتلف فِي أَبِيه فَقيل: جُنْدُب، أَو عشرقه، أَو عبد الله، أَو السكن، تقدم إِسْلَامه وتأخرت هجرته، فَلم يشْهد بَدْرًا، ومناقبه كَثِيرَة جدًّا، مَاتَ سنة ٣٢ فِي خلَافَة عُثْمَان، ع. وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٤/ ٦٢-٦٥، وَأسد الغابة لِابْنِ الْأَثِير ٥/ ١٨٦-١٨٨ والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٤/ ٦٣-٦٥، وتهذيب التَّهْذِيب ١٢/ ٩٠-٩١. ٧ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي/ كتاب =
[ ١ / ٣٦٣ ]
حَدَّثَنَا الْحَوْضِيُّ١ وَغَيْرُهُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ٢، عَنْ قَتَادَةَ٣، عَنْ عبد الله بن شَقِيق٤
_________________
(١) = الْإِيمَان بَاب قَوْله ﵇: "نور أَنى أرَاهُ"؟ حَدِيث ١٧٨، ١/ ١٦١ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيبَة، حَدثنَا وَكِيع، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيق، عَن أبي ذَر قَالَ: سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ "نور أَنى أرَاهُ؟ ". وَأخرجه التِّرْمِذِيّ، انْظُر: جَامع التِّرْمِذِيّ بشرحه تحفة الاحوذي، أَبْوَاب التَّفْسِير، تَفْسِير سُورَة النَّجْم، حَدِيث ٣٣٣٦، ٩/ ١٧٠ قَالَ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان، أخبرنَا وَكِيع، عَن يزِيد بن إِبْرَاهِيم التسترِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن شَقِيق قَالَ: قلت لأبي ذَر: لَو أدْركْت النَّبِيِّ ﷺ لسألته، فَقَالَ: عَمَّا كنت تسأله؟ قلت: أسأله هَل رأى مُحَمَّد ربه؟ فَقَالَ: قد سَأَلته فَقَالَ "نور أَنى أرَاهُ" هَذَا حَدِيث حسن. وَانْظُر: مُسْند الإِمَام أَحْمد بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ٥/ ١٧١ عَن أبي ذَر بِنَحْوِهِ، و٥/ ١٧٥ عَن أبي ذَر مَرْفُوعا. ١ تقدم ص"٢١١". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٦١: يزِيد بن إِبْرَاهِيم التسترِي، بِضَم المثناه وَسُكُون الْمُهْملَة وَفتح المثناه ثمَّ رَاء، نزيل الْبَصْرَة، أَبُو سعيد ثِقَة ثَبت إِلَّا فِي رِوَايَته عَن قَتَادَة، فَفِيهَا لين، من كبار السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٦٣ عَليّ الصَّحِيح، ع. ٣ هُوَ قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي، تقدم ص"١٨٠"، وَذكر ابْن حجر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٨/ ٣٥٢ أَنه روى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ العقيل، وَمِمَّنْ روى عَنهُ يزِيد بن إِبْرَاهِيم التسترِي. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٢٢: عبد الله بن شَقِيق العقيلى، بِالضَّمِّ، بَصرِي ثِقَة فِيهِ نصب، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ١٠٨/ بخ م وَالْأَرْبَعَة، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٢/ ٩٦: عَن عمر وَأبي ذَر والكبار وَعنهُ قَتَادَة وَأَيوب.
[ ١ / ٣٦٤ ]
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ١، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٢ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَحِينَ سُئِلَ عَنْ رُؤْيَتِهِ فِي الْمَعَادِ قَالَ: "نَعَمْ، جَهْرَةً كَمَا تَرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" ٣، فَفَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى خِلَافِ مَا ادَّعَيْتَ.
وَالْعَجِيبُ مِنْ جَهْلِكَ بِظَاهِرِ لَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ تَتَوَهَّمُ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ جَهْرَةً كَرُؤْيَةِ٤ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، ثُمَّ تَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ تَوَهُّمِ مَنْ سَمَّيْتَهُمْ بِجَهْلِكَ٥ مُشَبِّهَةً، فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دعواك أَو الْمُشَبِّهِينَ٦ إِذْ شَبَّهَ رُؤْيَتَهُ٧ بِرُؤْيَةِ الشَّمْس وَالْقَمَر كَمَا شبهه هَؤُلَاءِ الْمُشَبِّهُونَ فِي دَعْوَاكَ.
وَأَمَّا أُغْلُوطَتُكَ الَّتِي غَالَطْتَ بِهَا جُهَّالَ أَصْحَابك فِي رُؤْيَة الله
_________________
(١) ١ تقدّمت تَرْجَمته ص"٣٦٣". ٢ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "١٠٣". ٣ قلت: هُوَ معنى مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحهمَا عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّاس قَالُوا: يَا رَسُول الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَل تضَارونَ فِي الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُول الله، قَالَ: فَهَل تضَارونَ فِي الشَّمْس لَيْسَ دونهَا سَحَاب؟. قَالُوا: لَا يَا رَسُول الله، قَالَ: فَإِنَّكُم تَرَوْنَهُ كَذَلِك" الحَدِيث وَانْظُر: تَخْرِيجه ص"٢٠٤". ٤ فِي ط، ش "أَنَّهَا كرؤية" وَهُوَ أوضح. ٥ لَفْظَة "بجهلك" لَيست فِي ط، ش، وَفِي س "سميتهم بجهلك أَنهم مشبهة". ٦ فِي س "أول الْمُشبه" وَلَا يَسْتَقِيم بِهِ الْمَعْنى، وَفِي ط، ش "أول المشبهة". ٧ فِي ط، ش "رُؤْيَته تَعَالَى".
[ ١ / ٣٦٥ ]
تَعَالَى١ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقُلْتَ: أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْمَ مُوسَى حِينَ قَالُوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٢ أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، وَقَالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٣ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، وَقَالُوا: ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدْ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ ٤ فَادَّعَيْتَ أَنَّ اللَّهَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَعَابَهُمْ بِسُؤَالِهِمُ الرُّؤْيَةَ.
فَيُقَالَ لِهَذَا، الْمَرِيسِيِّ: تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ وَقَلْبُكَ غَافِلٌ عَمَّا يُتْلَى عَلَيْكَ؟ ٥ أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ مُوسَى٦ سَأَلُوا مُوسَى رُؤْيَةَ اللَّهِ٧ فِي الدُّنْيَا إِلْحَافًا، فَقَالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٨؟ وَلَو يَقُولُوا: حَتَّى نَرَى اللَّهَ فِي الْآخِرَةِ وَلَكِنْ فِي الدُّنْيَا.
وَقَدْ سبق من الْقَوْلُ بِأَنَّهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٩ أَبْصَارُ أَهْلِ الدُّنْيَا١٠ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ عَمَّا حَظَرَهُ اللَّهُ على أهل
_________________
(١) ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ سُورَة النِّسَاء، آيَة "١٥٣". ٣ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "٥٥". ٤ فِي ش "فقد استكبروا" وَهُوَ خطأ وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل انْظُر: سُورَة الْفرْقَان آيَة "٢١". ٥ فِي ط، س، ش "عَمَّا يُتْلَى عَلَيْك فِيهِ". ٦ تقدّمت تَرْجَمته ص”١٥٥". ٧ فِي ط، س، ش "رُؤْيَة الله تَعَالَى". ٨ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة "٥٥". ٩ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "١٠٣". ١٠ عبارَة "وَقد سبق -إِلَى قَوْله- أهل الدُّنْيَا" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٣٦٦ ]
الدُّنْيَا، وَلَوْ قَدْ سَأَلُوهُ رُؤْيَتَهُ فِي الْآخِرَةِ كَما سَأَلَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدٍ ﷺ، لَمْ تُصِبْهُمْ تِلْكَ الصَّاعِقَةُ، وَلَمْ يقل لَهُم إِلَّا مَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِأَصْحَابِهِ إِذْ سَأَلُوهُ١: هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ" ٢ فَلَمْ يَعِبْهُمُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ بِسُؤَالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ حَسَّنَهُ لَهُمْ وَبَشَّرَهُمْ بِهَا٣ بُشْرَى جَمِيلَةً، كَمَا رَوَيْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ عَنْهُ.
وَقَدْ بَشَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى٤ بِهَا قَبْلَهُ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى٥ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٥ وَقَالَ لِلْكُفَّارِ ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٦ فقوم مُوسَى سألو نَبِيَّهُمْ مَا قَدْ حَظَرَهُ٧ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٨، وَسَأَلَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ
_________________
(١) ١ فِي س "أَن سَأَلُوهُ". ٢ فِي الأَصْل "لَا تضَامون"، وَفِي ط، س، ش "لَا تضَارونَ"، وَبِهِمَا جَاءَت الرِّوَايَة، إِلَّا أَن الَّذِي جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄ "لَا تضَارونَ" بعد قَوْله "هَل نرى رَبنَا؟ " وَلِهَذَا أَثْبَتْنَاهُ. انْظُر تَخْرِيجه ص"٢٠٤"، وَأما رِوَايَة "لاتضامون" فقد جَاءَت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث قيس، عَن جرير بِلَفْظ "إِنَّكُم سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَته" انْظُر تَخْرِيجه ص"١٩٥". ٣ قَوْله "بهَا" لَيْسَ فِي ط، ش. ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ سُورَة الْقِيَامَة آيَة "٢٢-٢٣". ٦ سُورَة المطففين، آيَة "١٥". ٧ فِي ط، س، ش "مَا قد حظر الله". ٨ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "١٠٣".
[ ١ / ٣٦٧ ]
نَبِيَّهُمْ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيُعْطِيهِمْ وَيُثِيبُهُمْ بِهِ١ فَصُعِقَ قَوْمُ مُوسَى٢ بِسُؤَالِهِمْ مَا لَا يَكُونُ، وَسَلِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسُؤَالِهِمْ مَا يَكُونُ، وَمَتَى عَابَ اللَّهُ عَلَى قَوْمِ مُوسَى سُؤَالَ الرُّؤْيَةِ فِي الْآخِرَةِ، فَتَفْتَرِيَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ؟ تَكْذِبُ٣ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَاذِبِينَ.
وَقَدْ فَسَّرْنَا أَمْرَ الرُّؤْيَةِ، وَرَوَيْنَا مَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الْآثَارِ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، الَّذِي أَمْلَيْنَاهُ فِي الْجَهْمِيَّةِ٤، وَرَوَيْنَا مِنْهَا صَدْرًا فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا، فَالْتَمِسُوهَا هُنَالِكَ٥ وَاعْرِضُوا أَلْفَاظَهَا عَلَى قُلُوبِكُمْ وَعُقُولِكُمْ، تَتَكَشَّفْ لَكُمْ عَوْرَةَ كَلَامِ هَذَا الْمَرِيسِيِّ، وَضَلَالِ تَأْوِيلِهِ وَدُحُوضِ حُجَّتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى٦، وَلَوْلَا أَنْ يَطُولَ بِهِ الْكِتَابُ لَأَعَدْتُ الْبَابَ٧ بِطُولِهِ وَأَسَانِيده.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "ويثيبهم بِهِ يَوْم الْقِيَامَة". ٢ مُوسَى ﵇، تقدم ص"١٥٥". ٣ فِي س "بكذب على الله وَرَسُوله". ٤ نقدك التَّعْرِيف بالجهمية ص"١٣٧"، وَمرَاده بِالْكتاب الأول هُوَ كِتَابه الْمَشْهُور"الرَّد على الْجَهْمِية" وَانْظُر مَا رَوَاهُ فِيهِ من الْآثَار فِي مَبْحَث: الرُّؤْيَة من ص"٥٣-٦٨"، طبعة الْمكتب الإسلامي. ٥ فِي ط، س، ش "هُنَالك" قلت: انْظُر مَا أوردهُ الْمُؤلف فِي الرُّؤْيَة من ص"١٩٢-٢٠٩". ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ فِي ط، س، ش "لأعدت الْبَاب بِطُولِهِ هَاهُنَا وَأَسَانِيده".
[ ١ / ٣٦٨ ]
أَصَابِعُ الرَّحْمَنِ ١:
وَرَوَيْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "الْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ" ٢ فَأَقْرَرْتَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ، ثُمَّ رَدَدْتَهُ بِأَقْبَحِ مُحَالٍ، وَأَوْحَشِ ضَلَالٍ. وَلَوْ قَدْ دَفَعْتَ الْحَدِيثَ أَصْلًا لَكَانَ أَعْذَرَ لَكَ مِنْ أَنْ تُقِرَّ بِهِ، ثُمَّ تَرُدَّهُ بِمُحَالٍ مِنَ الْحُجَجِ، وَبِالَّتِي هِيَ أَعْوَجُ، فَزَعَمْتَ أَنَّ أُصْبُعِي الله قدرتيه، وَكَذَلِكَ٣ قَوْلُهُ ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤ أَيْ فِي مُلْكِهِ.
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا الْمُعْجَبُ بِجَهَالَتِهِ: فِي أَيِّ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَجَدْتَ أَنَّ أُصْبُعَيْهِ قدرتيه؟ فَأَنْبِئْنَا بِهَا، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَاهَا خَارِجَة من جَمِيع لغاتهم٥
_________________
(١) ١ العنوان من المطبوعتين. ٢ فِي ط، س، ش "كَيفَ شَاءَ" والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه، بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْقدر، بَاب تصريف الله تَعَالَى الْقُلُوب كَيفَ يَشَاء، حَدِيث ٣٦٥٤، ٤/ ٢٠٤٥ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن الْعَاصِ يَقُول: إِنَّه سمع رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "إِن قُلُوبُ بَنِي آدَمَ كُلُّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِد، يصرفهُ حَيْثُ يَشَاء" ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صرف قُلُوبنَا على طَاعَتك". فِي سنَن ابْن مَاجَه، بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الدُّعَاء، بَاب دُعَاء رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَدِيث ٣٨٣٤، ٢/ ١٢٦٠ عَن أنس فِي آخِره بِلَفْظ "إِن الْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَن ﷿ يقلبها". ٣ فِي ط، س، ش "قلت: وَكَذَلِكَ". ٤ سُورَة الزمر آيَة "٦٧". ٥ فِي ط، س، ش "خَارِجَة من جَمِيع اللُّغَات" وَفِي ش "فِي جَمِيع اللُّغَات".
[ ١ / ٣٦٩ ]
إِنَّمَا هِيَ قُدْرَةٌ وَاحِدَةٌ قَدْ كَفَتِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا وَمَلَأَتْهَا وَاسْتَنْطَقَتْهَا، فَكَيْفَ صَارَتْ لِلْقُلُوبِ مِنْ بَيْنِ الْأَشْيَاءِ قُدْرَتَانِ١؟ وَكَمْ تَعُدُّهَا قُدْرَةً؟ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ" ٢، وَفِي دَعْوَاكَ: هِيَ أَكْثَرُ مِنْ قُدْرَتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ. وَحَكَمْتَ فِيهَا لِلْقُلُوبِ قدرتين٣ وَسَائِرُهَا لِمَا سِوَاهَا، فَفِي دَعْوَاكَ هَذَا أَقْبَحُ مُحَالٍ، وَأَبْيَنُ ضَلَالٍ، فَكَيْفَ ادَّعَيْتَ أَنَّ الْأَرْضَ قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ: أَنَّهَا صَارَتْ٤ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ملكه؟ كَأَنَّهُمَا كَانَت قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي مُلْكِ غَيره، خَارِجَة٥ عَن مكله، فَكَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهَا فِي دَعْوَاكَ، حَتَّى صَارَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مُلْكِهِ!! وَمَا بَالُهَا٦ تَصِيرُ فِي مُلْكِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَطْوِيَّاتٍ وَلَا تكون فِي مكله٧ منشورات؟ وَمَا أرك إِلَّا سَتَدْرِي أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ نَاقِضٌ لِتَأْوِيلِكَ.
وَمِمَّا يَزِيدُهُ نَقْضًا: قَوْلُهُ الْآخَرُ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ ٨ وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاءَ يَوْم الْقِيَامَة
_________________
(١) ١ فِي س "فَكيف صَارَت الْقُلُوب من بَين الْأَشْيَاء قدرتين؟ " وَلَا تتضح بِهِ الْمَعْنى، وَفِي ط، ش "فَكيف صَارَت الْقُلُوب من بَين الْأَشْيَاء بَين قدرتين". ٢ فِي ط، س، ش "بَين أصبعين من الْأَصَابِع". ٣ فِي ط، ش "بقدرتين". ٤ فِي ط، ش "أَنَّهُمَا صارتا". ٥ فِي ط، ش "خارجتان". ٦ فِي ط، ش "وَمَا بالهما". ٧ فِي ط، ش "وَلَا تَكُونَانِ فِي يَده منشورات". ٨ الْآيَة من سُورَة الْأَنْبِيَاء "١٠٤" وَفِي ط، ش، س "للْكتاب" قلت: وهما =
[ ١ / ٣٧٠ ]
بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ١ فَفِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾، وَحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢ بَيَانٌ وَمَعْنًى مُخَالِفٌ قِيلَكَ٣ لَا شَكَّ فِيهِ٤ وَكَيْفَ أَقرَرت بِالْحَدِيثِ فِي الأصبيعن مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ وَفَسَّرْتَهُمَا قُدْرَتَيْنِ؟ وَكَذَّبْتَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ٥ فِي خَمْسِ أَصَابِعَ، وَهُوَ أَجْوَدُ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ الْأُصْبُعَيْنِ؟ أَفَلَا أَقْرَرْتَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ تَأَوَّلْتَهُ: الْقُدْرَةُ خَمْسُ قُدْرَاتٍ كَمَا تَأَوَّلْتَ فِي الْأُصْبُعَيْنِ٦ بِقُدْرَتَيْنِ؟. فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "بَين أصبعين من الْأَصَابِع" ٧.
_________________
(١) = قراءتان، فعلى الْجمع بِضَم الْكَاف وَالتَّاء من غير ألف قَرَأَ حَفْص وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ، وعَلى الْإِفْرَاد بِكَسْر الْكَاف وَفتح التَّاء بعْدهَا ألف قَرَأَ الْبَاقُونَ انْظُر: شرح الشاطبية للعلامة ابْن القاصح وبهامشه غيث النَّقْع فِي الْقرَاءَات السَّبع، ص"٣٤٤-٣٤٥" وَانْظُر: البدور الزاهرة فِي الْقرَاءَات الْعشْر المتواترة تأليف عبد الفتاح القَاضِي ص"٢٠٩" قَالَ الشَّوْكَانِيّ: "وعَلى قِرَاءَة الْجمع يكون مُتَعَلقا بِمَحْذُوف حَال من السّجل، أَي كطي السّجل كَائِنا مصدر وَاللَّام للتَّعْلِيل أَي: كَمَا يطوي الطومار للكتابة، أَي ليكتب فِيهِ". ١ تقدم ص"٢٨٧". ٢ لفظ "ﷺ" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، س، ش "مُخَالف لِقَوْلِك". ٤ قَوْله "لَا شكّ فِيهِ" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٥ فِي ط، س، ش زِيَادَة "﵁" وَتَقَدَّمت تَرْجَمته ص"١٩٠". ٦ فِي ش "من الأصبعين" ويستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٧ تقدم ص"٣٦٩".
[ ١ / ٣٧١ ]
فَأَمَّا تَكْذِيبُكَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ١، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ قَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَبَلَغَكَ أَنَّ اللَّهَ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ السَّمَوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى أُصْبُعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ وَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ؟، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ الْحَبْرُ، وَتَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٢ فَادَّعَيْتَ أَنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَ الْحَبْرُ، ثُمَّ قُلْتَ: أفتحتجون بقول الْيَهُود؟
_________________
(١) ١ تقدّمت تَرْجَمته ص"١٩٠". ٢ الْآيَة من سُورَة الزمر، آيَة "٦٧"، والْحَدِيث مَرْوِيّ فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا، انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّفْسِير، تَفْسِير سُورَة الزمر، بَاب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حَدِيث ٤٨١١ـ٨/ ٥٥٠ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "جَاءَ حبر من الْأَحْبَار إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يامحمد، إِنَّا نجد أَن الله يَجْعَل السَّمَوَات على أصْبع وَالْأَرضين عَلَى أُصْبُعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْمَاء وَالثَّرَى على أصْبع وَسَائِر الْخَلَائق على أصْبع، فَيَقُول: أَنا الْملك، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه تَصْدِيقًا لقَوْل الحبر، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وبلفظ مقارب ورد فِي الْمرجع السَّابِق ١٣، حَدِيث "٧٤١٤، ٧٤١٥" و١٣/ ٤٣٨ حَدِيث ٧٤٥١، و١٣/ ٤٧٤ حَدِيث ٧٥١٣، وَفِي صَحِيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْمُنَافِقين، كتاب صفة الْقِيَامَة وَالْجنَّة وَالنَّار، حَدِيث ٢٧٨٦، ٤/ ٢١٤٧ قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس حَدثنَا فُضَيْل "يَعْنِي ابْن عِيَاضٍ" عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ حبر إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد -أَو يَا أَبَا الْقَاسِم: إِن الله يمسك السَّمَوَات يَوْم الْقِيَامَة على أصْبع والأَرضين على أصْبع وَالْجِبَال وَالشَّجَرَ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْمَاءَ وَالثَّرَى على أصْبع، وَسَائِر الْخلق على أصْبع، ثمَّ يَهُزهُنَّ فَيَقُول: أَنا الْملك، أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الحبر تَصْدِيقًا لَهُ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
[ ١ / ٣٧٢ ]
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ: قَلَّمَا رَأينَا مُفَسرًا ومتكلمًا أَشد مناقضًا١ لِكَلَامِهِ مِنْكَ مَرَّةً تَقُولُ: الْحَدِيثُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَتُفَسِّرُهُ قُدْرَتَيْنِ، وَمَرَّةً تَقُولُ: هُوَ كَذِبٌ. وَقَوْلُ الْيَهُودِ تقر بِهِ٢ مرّة تنكر أُخْرَى، وَلَوْ قَدْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَرُوَاتِهِ لَعَلِمْتَ أَنَّ الْأَثَرَ قَدْ جَاءَ بِهِ تَصْدِيقًا لِلْيَهُودِيِّ، لَا تَكْذِيبًا لَهُ كَمَا ادَّعَيْتَ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ٣، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ٤، عَنْ مَنْصُور٥،
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "مناقضة" وَهُوَ أوضح. ٢ فِي ط، س، ش "وتقربه" ٣ هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس، تقدم ص"١٧٣". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١١٣: فُضَيْل بن عِيَاض بن مَسْعُود التَّيْمِيّ، أَبُو عَليّ الزَّاهِد الْمَشْهُور، أَصله من خُرَاسَان، وَسكن مَكَّة ثِقَة، عَابِد إِمَام، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٨٧ وَقيل: قبلهَا، خَ م د ت س، وَفِي تهذي الْكَمَال ٢/ ١١٠٣ أَنه روى عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَعنهُ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٧٦-٢٧٧: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر بن عبد الله السّلمِيّ أَبُو عثاب بمثلثة ثَقيلَة، ثمَّ مُوَحدَة، الْكُوفِي، ثِقَة ثَبت، وَكَانَ لَا يُدَلس، من طبقَة الْأَعْمَش، مَاتَ سنة اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، ع، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١٣٧٦ أَنه روى عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعنهُ فُضَيْل بن عِيَاض.
[ ١ / ٣٧٣ ]
عَنْ إِبْرَاهِيمَ١، عَنْ عُبَيْدَةَ٢، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ٣ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٤، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ٥: "ضَحِكَ مِنْ قَوْلِ الْحَبْرِ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ وَتَصْدِيقًا لَهُ"٦.
فَعَمَّنْ رَوَيْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ قَالَ تَكْذِيبًا لَهُ، فَأَنْبِئْنَا بِهِ وَإِلَّا فَإِنَّكَ فِيهَا من الْكَاذِبين.
وَأَمَّا تَشْنِيعُكَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُقِرِّينَ بِصِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ٧ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا قَالَ اللَّهُ: أَنَّهُمْ يَتَوَهَّمُونَ فِيهَا جَوَارِحَ وَأَعْضَاءً، فَقَدِ ادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ زُورًا، بَاطِلًا، وَأَنت من أعلم النَّاس بِمَ يُرِيدُونَ بِهَا، إِنَّمَا يُثْبِتُونَ مِنْهَا
_________________
(١) ١قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٦: إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن قيس بن الْأسود النَّخعِيّ، أَبُو عمرَان الْكُوفِي الْفَقِيه، ثِقَة، إِلَى أَن يُرْسل كثيرا من الْخَامِسَة "كَذَا" مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين، وَهُوَ ابْن خمسين أَو نَحْوهَا/ ع. وَتعقبه الْمُحَقق بِأَن صِحَة الْعبارَة أَنه من الثَّانِيَة وفقًا لاصطلاح ابْن حجر، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١/ ٦٧ أَنه روى عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي وَعنهُ مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر. ٢ عُبَيْدَة هُوَ السلمانية كَمَا فِي مُسلم، انْظُر: الحَدِيث السَّابِق، قَالَ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب ١/ ٥٤٧: عُبَيْدَة بن عمْرَة السَّلمَانِي، بِسُكُون اللَّام، وَيُقَال: بِفَتْحِهَا الْمرَادِي، أَبُو عَمْرو الْكُوفِي، تَابِعِيّ كَبِير، مخضرم، ثِقَة ثَبت، كَانَ شُرَيْح إِذا أشكل عَلَيْهِ شَيْء سَأَلَهُ، مَاتَ سنة ٧٢ أَو بعْدهَا، وَالصَّحِيح أَنه مَاتَ قبل ٧٠ سنة/ ع. ٣ عبد الله بن مَسْعُود، تقدم ص"١٩٠". ٤ عبارَة "﵁" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ فِي ط، س، ش "أَنه قَالَ". ٦ ورد بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي صَحِيح مُسلم، انظرالحديث السَّابِق ص"٣٧٢". ٧ لفظ "﷿" لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٣٧٤ ]
مَا أَنْتَ لَهُ مُعَطِّلٌ١ وَبِهِ مُكَذِّبٌ، وَلَا يَتَوَهَّمُونَ فِيهَا إِلَّا مَا عَنَى اللَّهُ تَعَالَى٢ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣، وَلَا يدعونَ جوارح، وَلَا أعطاء كَمَا تَقَوَّلْتَ عَلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّكَ لَا تَأْلُو فِي التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِالْكَذِبِ، لَيَكُونن أَرْوَجَ لِضَلَالَتِكَ عِنْدَ الْجُهَّالِ، وَلَئِنْ جَزِعْتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ٤ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْحَبْرِ، مَالَكَ٥ رَاحَةٌ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ٦ وَأُمِّ سَلَمَةَ٧ وَغَيْرِهِمْ٨ مِمَّا يُحَقِّقُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيُثْبِتُ رِوَايَتَهُ.
حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل٩
_________________
(١) ١ فِي ط، ش: "مَا أَنْت معطل". ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ عبارَة "ﷺ" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠". ٥ فِي ط، ش "فمالك". ٦ عَائِشَة ﵂، تقدّمت ترجمتها ص"٢٥٢": ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٦١٧: هِنْد بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن الْمُغيرَة بن مَخْزُوم المخزومية، أم سَلمَة، أم الْمُؤمنِينَ، تزَوجهَا النَّبِيِّ ﷺ بعد أبي سَلمَة، سنة أَربع، وَقيل: ثَلَاث، وَعَاشَتْ بعد ذَلِك سِتِّينَ سنة، مَاتَت سنة ٦٢، وَقيل: ٦١، وَقيل ذَلِك، وَالْأول أصح، ع. وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٤/ ٤٠٥-٤٠٨، وَأسد الغابة ٥/ ٥٦٠ والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٤/ ٤٠٧-٤٠٨ وتهذيب التَّهْذِيب ١٢/ ٤٥٥-٤٥٧. ٨ فِي ط، ش "غَيرهمَا" فَهِيَ على اعْتِبَار الْعَطف على عَائِشَة وَأم سَلمَة وبصيغة الْجمع بالْعَطْف عَلَيْهِمَا، وعَلى ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁. ٩ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، تقدم ص"١٦٨".
[ ١ / ٣٧٥ ]
أَبُو سَلَمَةَ١، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ٢، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ٣، عَنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ٤، عَنْ عَائِشَةَ٥ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّبَ قَلْبَ عَبْدٍ قَلَبَهُ" ٦.
وَحَدَّثَنَا٧ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ٨، ثَنَا ابْن الْمُبَارك٩ أخبرناه١٠ حَيْوَة بن شُرَيْح١١، أَخْبرنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ١٢ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عبد الرَّحْمَن
_________________
(١) ١ لفظ "أبي سَلمَة" لَيْسَ فِي ط، ش وَهُوَ كنية مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. ٢ عَليّ بن زيد بن جدعَان، تقدم ص"١٨٧". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٥٩٠: أُميَّة بنت عبد الله، وَيُقَال: أمينة، وَهِي أم مُحَمَّد امْرَأَة وَالِد عَليّ بن زيد بن جدعَان وَلَيْسَت بِأُمِّهِ، من الثَّالِثَة/ ت، قَالَ فِي الكاشف ٣/ ٤٦٥: عَن عَائِشَة وعنها عَليّ بن جدعَان. ٥ عَائِشَة ﵂، تقدّمت ترجمتها ص"٢٥٢". ٦ انْظُر: مُسْند الإِمَام أَحْمد بهامشه منتخب الْكَنْز ٦/ ٢٥١، عَن عَائِشَة فِي آخِره بِلَفْظ "وَإِنَّمَا قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِع الرَّحْمَن، إِنَّه إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّبَ قَلْبَ عبد قلبه. قَالَ عَفَّان: بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ ﷿. ٧ فِي ط، س، ش "حَدثنَا" دون وَاو الْعَطف. ٨ تقدم ص"٢٠٤". ٩ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ١٠ فِي ط، س، ش "أخبرنَا". ١١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٠٨: حَيْوَة: بِفَتْح أَوله وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَفتح الْوَاو، ابْن شُرَيْح بن صَفْوَان التجِيبِي، أَبُو زرْعَة الْمصْرِيّ، ثِقَة ثَبت فَقِيه زاهد، من السَّابِعَة، مَاتَ سنة ثَمَان، وَقيل: تسع وخسمين/ ع. ١٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٠٤: حميد بن هَانِئ، أَبُو هَانِئ الْخَولَانِيّ الْمصْرِيّ، لَا بَأْس بِهِ، من الْخَامِسَة، وَهُوَ أكبر شيخ لِابْنِ وهب، مَاتَ سنة ٤٢/ بخ م وَالْأَرْبَعَة. وَقَالَ فِي الكاشف: عَن على بن رَبَاح والحبلي وَعنهُ حَيْوَة بن شُرَيْح إِلَخ نظر الكاشف ١/ ٢٥٨.
[ ١ / ٣٧٦ ]
الْحُبُلِّيَّ١ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ٢ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قُلُوبُ ٣ بَنِي آدَمَ كُلُّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِع الرَّحْمَن كقلب وَاحِد يصرف ٤ كَيفَ شَاءَ ٥ ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ" ٦.
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٦٢: عبد الله بن زيد الْمعَافِرِي، أَبُو عبد الرَّحْمَن الحبلي، بِضَم الْمُهْملَة وَالْمُوَحَّدَة، ثِقَة، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة "١٠٠" بأفريقية، بخ م وَالْأَرْبَعَة. انْتهى. وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٢/ ١٤٤ أَنه روى عَن أبي ذَر وَأبي أَيُّوب وَعنهُ حميد بن هَانِئ وَابْن أنعم، وَفِي حَاشِيَة الكاشف قَالَ: "الحبلى بِضَم الْمُهْملَة وَالْمُوَحَّدَة نِسْبَة إِلَى بني الحبلى حَيّ من الْيمن". ٢ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، تقدم ص"٢٥٦". ٣ فِي ط، س، ش "أَن قُلُوب بني آدم". ٤ فِي ط، ش "يصرفهَا" وَالَّذِي فِي مُسلم "يصرفهُ" انْظُر ص"٣٦٩". ٥ فِي ط، س، ش "كَيفَ يَشَاء" وَالَّذِي فِي مُسلم "حَيْثُ يَشَاء" وَانْظُر ص"٣٦٩". ٦ أخرجه مُسلم من طَرِيق عبد الله بن يزِيد الْمقري قَالَ: حَدثنَا حَيْوَة، بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَانْظُر لفظ الحَدِيث ص"٣٦٩". وَأخرجه أَيْضا الإِمَام أَحْمد من طَرِيق أبي عبد الرَّحْمَن، حَدثنَا حَيْوَة بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظ مقارب جدًّا انْظُر: الْمسند بتخريج أَحْمد شَاكر حَدِيث ٦٥٦٩، ١٠/ ١٠٢-١٠٣.
[ ١ / ٣٧٧ ]
حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ١، ثَنَا ابْن الْمُبَارك٢ أبنا٣ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ٤ قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ٥ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ٦ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّوَاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ٧ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَين أصبيعن مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ" وَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبت قُلُوبنَا على دينك" ٨.
_________________
(١) ١ نعيم بن حَمَّاد، تقدم ص"٢٠٤". ٢ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٣ لم تعجم فِي الأَصْل، وَالرَّاجِح أَنَّهَا "أبنا"، وَفِي ط، س، ش "أخبرنَا". وهما بِمَعْنى وَاحِد انْظُر تعليقنا على ص"١٣٧" هَامِش رقم "٣". ٤ عبد الرَّحْمَن بن يزِيد، تقدم ص"٢٨٣". ٥ كَذَا فِي الأَصْل، ط، س، ش، وَقد سبق أَن صوبت أَن اسْمه بسر -بِالسِّين الْمُهْملَة- بن عبيد الله مُصَغرًا، انْظُر ص"٢٨٣" وَيُؤَيِّدهُ أَنه جَاءَ عِنْد ابْن مَاجَه وَأحمد وَابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي مَوضِع بِلَفْظ "بسر بن عبيد الله" انْظُر، المصارد فِي تَخْرِيجه. ٦ أَبُو إِدْرِيس الْخَولَانِيّ، تقدم ص"٢٨٣". ٧ النواس بن سمْعَان الْكلابِي، تقدم ص"٢٨٣". ٨ أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه، تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، الْمُقدمَة، بَاب فِيمَا أنْكرت الْجَهْمِية حَدِيث ١٩٩، ١/ ٧٢ من طَرِيق بسر بن عبيد الله يَقُول: سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ: حَدثنِي النواس بن سمْعَان الْكلابِي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ" وَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "يَا مُثبت الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ"، وَنقل مُحَمَّد فؤاد عَن الزَّوَائِد أَن إِسْنَاده صَحِيح. وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٤/ ١٨٢، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ٤/ ٣٢١، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم، وَأقرهُ الذَّهَبِيّ وَالْحَاكِم أَيْضا ٢/ ٢٨٩ وَصَححهُ، وَابْن أبي عَاصِم فِي السّنة بتخريج الألباني ط. الأولى ١/ ٨٩، وَابْن حبَان فِي الزَّوَائِد حَدِيث ٢٤١٩ ص"٦٠٠"، والآجري فِي الشَّرِيعَة ص"٣١٧".
[ ١ / ٣٧٨ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ١، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ٢، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ٣، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ٤، عَنْ أَبِي عَيَّاش٥ بن أبي مهْرَان،
_________________
(١) ١ عبد الله بن صَالح تقدم ص"١٧١". ٢ لَيْث بن سعد، تقدم ص"٢٠٦"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١١٥٣ أَنه روى عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَعنهُ كَاتبه أَبُو صَالح بن صَالح. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب، النُّسْخَة الْهِنْدِيَّة ص"٥٤٩": "يحيى "ع"" بن سعيد بن قيس الْأنْصَارِيّ، الْمدنِي أَبُو سعيد القَاضِي، ثِقَة، ثَبت من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٤٤ أَو بعْدهَا. ا. هـ، قلت: وَقد سقط فِي نُسْخَة التَّقْرِيب بتحقيق عبد الْوَهَّاب عبد اللَّطِيف عبارَة "أَبُو سعيد القَاضِي ثِقَة ثَبت" وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١٥٠١ أَنه روى عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ وَعنهُ اللَّيْث بن سعد. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢١٧ خَالِد بن أبي عمرَان التجِيبِي، أَبُو عَمْرو، قَاضِي أفريقية، فَقِيه صَدُوق، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة خمس، وَيُقَال: تسع وَعشْرين، م د ت س، وَفِي التَّهْذِيب الْكَمَال ١/ ٣٦١ أَنه روى عَن أبي عَيَّاش الْمصْرِيّ. ٥ لم يعجم فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "عَن أبي عَبَّاس" وَالَّذِي أرجحه أَنه "أَبُو عَيَّاش" بالمثناه بعْدهَا ألف، وَبِه جَاءَ عِنْد أبي عَاصِم فِي السّنة، كَمَا سيتبين من تَخْرِيجه، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٤٥٨: أَبُو عَيَّاش بن النُّعْمَان الْمعَافِرِي الْمصْرِيّ، مَقْبُول، من الثَّالِثَة/ د ق. وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١٢/ ١٩٤ أَنه روى عَن أبي هُرَيْرَة وَعنهُ خَالِد بن أبي عمرَان.
[ ١ / ٣٧٩ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ١ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّمَا قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ" ٢.
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الْحِمْصِيُّ٣، ثَنَا٤ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ٥، عَن عتبَة
_________________
(١) ١ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص"١٧٩". ٢ أخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي السّنة بتخريج الألباني ط، الأولى ١/ ١٠٣ قَالَ: ثَنَا عمر بن الْخطاب، ثَنَا أَبُو صَالح، ثَنَا اللَّيْث، ثَنَا يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ خَالِدِ بن عمرَان، حَدثنِي أَبُو عَيَّاش، عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظِهِ، وَذكره الهيثمي فِي الْمجمع ٧/ ٢١١ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ، وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط، وَفِيه عبد الله بن صَالح، وَثَّقَهُ عبد الْملك بن شُعَيْب وَضَعفه غَيره. وَقَالَ الألباني فِي تَخْرِيجه للسّنة -الْمصدر السَّابِق: "حَدِيث صَحِيح بِمَا تقدم لَهُ فِي الْبَاب من شَوَاهِد، وَرِجَاله ثِقَات على ضعف فِي أبي صَالح -واسْمه عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث- غير أبي عَيَّاش، وَهُوَ ابْن النُّعْمَان الْمعَافِرِي الْمصْرِيّ روى عَنهُ جمع، وَلَكِن لم يوثقه أحد". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٦٧: يزِيد بن عبد ربه الزبيدِيّ، بِالضَّمِّ، أَبُو الْفضل الْحِمصِي، الْمُؤَذّن، يُقَال لَهُ: الجرجسي، بجيمين مضمومتين بَينهمَا رَاء سَاكِنة، ثمَّ مُهْملَة، ثِقَة، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٤، لَهُ ٥٦ سنة/ م د س ق، وَذكر فِي الكاشف ٣/ ٣٨٢ أَنه ورى عَن بَقِيَّة بن الْوَلِيد. ٤ فِي ط، س "أخبرنَا". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٠٥: بَقِيَّة بن الْوَلِيد بن صائد بن كَعْب الْكلابِي، أَبُو يحمد بِضَم التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْمُهْملَة وَكسر الْمِيم، صَدُوق، كثير التَّدْلِيس عَن الضُّعَفَاء، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٩٧، وَله ٨٧ سنة، خت م وَالْأَرْبَعَة، وَقَالَ فِي الْحَاشِيَة: الكلَاعِي، ينْسب إِلَى الكلاع بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام المخففة قَبيلَة كَبِيرَة لنزلت حمص من الشَّام.
[ ١ / ٣٨٠ ]
ابْن أَبِي حَكِيمٍ١، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ٢، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ٣ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِذَا شَاءَ قَالَ بِهِ هَكَذَا -وَأَمَالَ يَدَهُ- وَإِذَا شَاءَ قَالَ بِهِ هَكَذَا -وَأَمَالَ يَدَهُ- وَإِذَا شَاءَ ثبته" ٤.
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٤: عتبَة بن أبي حَكِيم، الْهَمدَانِي، بِسُكُون الْمِيم، أَبُو الْعَبَّاس الأردني، بِضَم الْهمزَة وَالدَّال، بينهمان رَاء سَاكِنة، وَتَشْديد النُّون، صَدُوق يُخطئ كثيرا، من السَّادِسَة، مَاتَ بصور بعد الْأَرْبَعين، عخ وَالْأَرْبَعَة. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٦١: يزِيد بن أبان الرقاشِي، بتَخْفِيف الْقَاف ثمَّ مُعْجمَة، أَبُو عَمْرو الْبَصْرِيّ، الْقَاص، بتَشْديد الْمُهْملَة، زاهد، ضَعِيف، من الْخَامِسَة مَاتَ قبل الْعشْرين، بخ ت ق، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٣/ ٢٧٤ أَنه روى عَن الْحسن وَأنس. ٣ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، تقدم ص"٢٠١". ٤ أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه/ بترتيب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي/ كتاب الدُّعَاء بَاب دُعَاء رَسُولِ اللَّهِ ﷺ/ حَدِيث ٣٨٣٤، ٢/ ١٢٦٠ من طَرِيق الْأَعْمَش، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ مَرْفُوعا، وَفِي آخِره: "إِن الْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَن ﷿ يقلبها" وَأَشَارَ الْأَعْمَش بِأُصْبُعَيْهِ، وَنقل مُحَمَّد فؤاد عَن الزَّوَائِد أَنه قَالَ: "مدَار الحَدِيث على يزِيد الرقاشِي وَهُوَ ضَعِيف". قلت: وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٣/ ١١٢ من طَرِيق آخر عَن أنس مَرْفُوعا، فِي آخِره بِلَفْظ "إِن الْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الله ﷿ يقلبها".
[ ١ / ٣٨١ ]
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ١، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنِ بِهْرَامٍ٢، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ٣ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ٤ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا٥ تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ بَنِي آدَمَ بَشَرٌ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أزاغه" ٦.
_________________
(١) ١ عَمْرو بن عون الوَاسِطِيّ، تقدم ص"١٥٧". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٦٧: عبد الحميد بن بهْرَام الْفَزارِيّ، الْمَدَائِنِي، صَاحب شهر بن حَوْشَب، صَدُوق، من السَّادِسَة/ بخ د ق. ٣ شهر بن حَوْشَب، تقدم ص"٣٥١". ٤ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂، تقدّمت ص"٣٧٥". ٥ عبارَة "﵂" لَيست فِي ط، س، ش. ٦ أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ٦/ ٣٠٢ من طَرِيق آخر عَن عبد الحميد قَالَ: حَدثنِي شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أم سَلمَة تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يكثر فِي دُعَائِهِ أَن يَقُولُ: "اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قلبِي على دينك"، قَالَت: قلت: يَا رَسُول الله، أَو إِن الْقُلُوب لتقلب؟ قَالَ: "نعم، مَا من خلق الله من بني آدم من بشر إِلَّا أَن قلبه بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَإِن شَاءَ الله ﷿ أَقَامَهُ وَإِن شَاءَ الله أزاغه" إِلَخ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي سنَنه، بتعليق عزت الدعاس، أَبْوَاب الدَّعْوَات، بَاب "مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي" حَدِيث ٣٥١٧، ٩/ ١٨٢ من طَرِيق آخر عَن أبي كَعْب صَاحب الْحَرِير قَالَ: حَدثنِي شهر بن حَوْشَب قَالَ: قلت لأم سَلمَة يَا أم الْمُؤمنِينَ، مَا كَانَ دُعَاء رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذا كَانَ عنْدك؟ ثمَّ ذكره فِي آخر الحَدِيث بِنَحْوِهِ، وَقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن، وَقَالَ المباركفوري: وَأخرجه أَحْمد، انْظُر: تحفة الأحوذي شرح جَامع التِّرْمِذِيّ ٩/ ٥٠٥.
[ ١ / ٣٨٢ ]
فَهَذِهِ أَلْفَاظُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْتُهُ وَثَبَتُّهُ١ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فَفِي أَيِّ لُغَاتٍ وَجَدْتَ أَنَّهَا قُدْرَتَانِ٢ مِنَ الْقُدَرِ؟ وَهَلْ من شَيْء لَيْسَ قُدْرَةِ اللَّهِ٣ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى يَخُصَّ٤ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُلُوبَ مِنْ بَيْنِهَا٥ بِقُدْرَتَيْنِ؟ فَلَمْ تَدَّعِ٦ مَا إِذَا رَجَعْتَ فِيهِ إِلَى نَفْسِكَ عَلِمْتَ أَنَّهُ ضَلَالٌ وَبَاطِلٌ وضحكة وسخرية، مَعَ أَنَّ الْمُعَارِضَ٧ لَمْ يَقْنَعْ بِتَفْسِيرِ إِمَامِهِ الْمَرِيسِيِّ حَتَّى اخْتَرَقَ لِنَفْسِهِ/ فِيهِ مَذْهَبًا خِلَافَ مَا قَالَ٨ إِمَامه، وخلا مَا يُوجد فِي لُغَات وَالْعَجَمِ، فَقَالَ: أُصْبُعَاهُ: نِعْمَتَاهُ قَالَ: وَهَذَا جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
فَيُقَالُ: لِهَذَا الْمُعَارِضِ: فِي أَيِّ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَجَدْتَ إِجَازَتَهُ؟ وَعَنْ أَيِّ فَقِيهٍ أَخَذْتَهُ.؟ فَاسْتَنِدْ إِلَيْهِ١٠ وَإِلَّا فَإِنَّكَ مِنَ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَوْ كُنْتَ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ١١ ، أَوِ الْأَصْمَعِيَّ١٢ مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ١٣.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فِي الحَدِيث الَّذِي بَينته ورويته". ٢ فِي الأَصْل، ط، ش "أَنَّهَا قدرتين" وَبِمَا أَثْبَتْنَاهُ جَاءَ فِي س، وَهُوَ الصَّوَاب. ٣ كَذَا فِي الأَصْل س، وَفِي ط، ش "لَيْسَ تَحت قدرَة الله" وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٤ فِي ط، س، ش "خص". ٥ فِي س "من بَينهمَا": ويستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٧ لم يتَبَيَّن لي اسْم هَذَا الْمعَارض كَمَا سبق وَأَن أَشرت إِلَى ذَلِك. ٨ فِي ط، س، ش "خلاف مَا قَالَه". ٩ فِي ط، ش "فَفِي لِسَان الْعَرَب والعجم". ١٠ فِي ط، س، ش "فأسنده إِلَيْهِ". ١١ هُوَ الْخَلِيل، بن أَحْمد بن عَمْرو بن تَمِيم الفراهيدي الْأَزْدِيّ اليحمدي، من أَئِمَّة اللُّغَة وَالْأَدب وَوَاضِع علم الْعرُوض، وَهُوَ أستاذ سِيبَوَيْهٍ النَّحْوِيّ، ولد بِالْبَصْرَةِ سنة ١٠٠هـ، وَتُوفِّي بهَا سنة ١٧٠هـ وعاش فَقِيرا صَابِرًا. بِتَصَرُّف من كتاب الْأَعْلَام للزركلي، الطبعة الثَّانِيَة ٢/ ٣٦٣، وَانْظُر: وفيات الْأَعْيَان ١/ ١٧٢، وإنباه الر واة ١/ ٣٤١. ١٢ فِي س "والأصمعي". قلت: واسْمه عبد الْملك بن قريب بن عَليّ بن أصمع الْبَاهِلِيّ، أَبُو سعيد الْأَصْمَعِي، راوية الْعَرَب، وَأحد أَئِمَّة الْعلم باللغة وَالشعر والبلدان، كَانَ كثير التطواف فِي الْبَوَادِي، ولد بِالْبَصْرَةِ سنة ١٢٢ وَتُوفِّي بهَا سنة ٢١٦هـ، وَكَانَ يَقُول: احفظ عشرَة آلَاف أرجوزة وَله تصانيف. بِتَصَرُّف من كتاب الْأَعْلَام للزركلي، الطبعة الثَّانِيَة ٤/ ٣٠٧، وَانْظُر: جمهرة الْأَنْسَاب ص"٢٣٤"، ووفيات الْأَعْيَان ١/ ٢٨٨، وتاريخ بَغْدَاد ١٠/ ٤١٠. ١٣ ورد بعد هَذَا فِي ط، س، ش مَا يَلِي: "وَمعنى الْأَصَابِع مَفْهُوم وَمعنى النِّعْمَة مَفْهُوم، وَكَذَا وَافقه أَبُو حَامِد فِي نفي الْأَصَابِع فسماها نعْمَة، فَكفى خيبة وخسارة بِرَجُل يضاد قَوْله فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يكذب دَعْوَاهُ ويرجح تنزيهه على رَسُوله" وَفِي س "ويرجح بتنزيهه على تَنْزِيه رَسُوله" انْتهى.
[ ١ / ٣٨٣ ]
إِنْكَار المريسي حَدِيث الصُّورَة وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
وَأَمَّا إِنْكَارُكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَتَرَاءَى ١ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، ثُمَّ يَتَرَاءَى فِي صورته الَّتِي يعرفونها فيعرفونه، إِنْكَار المريسي حَدِيث الصُّورَة وَالرَّدّ عَلَيْهِ،
_________________
(١) ١ كَذَا بِلَفْظ "يتَرَاءَى" وَلم أَجِدهُ فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَأحمد وَغَيرهم بِهَذَا اللَّفْظ.
[ ١ / ٣٨٤ ]
فَيَتَّبِعُونَهُ" ١.
فَزَعَمْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَذَا فَهُوَ مُشْرِكٌ.
يُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ قَدْ عَرَفْتُمْ رَبَّكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ جَهِلْتُمُوهُ عِنْدَ الْعَيَانِ وَشَكَكْتُمْ فِيهِ؟
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) ١ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب الرقَاق، بَاب الصِّرَاط على جسر جَهَنَّم حَدِيث ٦٥٧٣، ١١/ ٤٤٥ قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان، أخبرنَا شُعَيْب، عَن الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي سعيد وَعَطَاء بن يزِيد أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهما، عَن النَّبِي صلى الله عيله وَسلم، وحَدثني مَحْمُود، حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، أخبرنَا مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "وَتبقى هَذِه الْأمة فِيهَا منافقوها، فيأتيهم الله فِي غير الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ، فَيَقُول: أَنا ربكُم، فَيَقُولُونَ: نَعُوذ بِاللَّه مِنْك، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذا أَتَانَا رَبنَا، عَرفْنَاهُ، فيأتيهم الله فِي الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبنَا، فيتبعونه"، وَلأبي سعيد الْخُدْرِيّ أَيْضا مثله، انْظُر: حَدِيث ٦٥٧٤، ١١/ ٤٤٦. وَرَاه مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي/ كتاب الْإِيمَان بَاب معرفَة طَرِيق الرُّؤْيَة حَدِيث ١٨٢، ١/ ١٦٤ قَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب، حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، حَدثنَا أبي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بن يزِيد اللَّيْثِيّ أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهُ أَن أُنَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ: يَا رَسُول الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَفِيه: "وَتبقى هَذِه الْأمة فِيهَا منافقوها" وَذكر بَاقِيه بِلَفْظ قريب جدًّا من لفظ البُخَارِيّ. وَأخرجه أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٣/ ٥٣٤.
[ ١ / ٣٨٥ ]
مِنْ١ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ٢، حَدَّثَنَا٣ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ٤، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ٥، عَنْ مَعْمَرٍ٦، عَنِ الزُّهْرِيِّ٧، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ٨، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٩ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ١٠ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كَأَنَّكَ تَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم١١ من جوده يَقُولُهُ١٢، فَاحْذَرْ أَنْ لَا يَكُونَ قَذْفُكَ بِالشِّرْكِ أَنْ يَقَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١٣، وَمَا ذَنْبُنَا إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ سَلَبَ عَقْلَكَ حَتَّى جَهِلْتَ مَعْنَاهُ؟
وَيْلَكَ! إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَكٍّ وَارْتِيَابٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى لَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي صُورَتِهِ الَّتِي عَرَّفَهُمْ صفاتهم فِي الدُّنْيَا لَاعْتَرَفُوا بِمَا عَرَفُوا، وَلم
_________________
(١) ١ فِي ش "عَن رِوَايَة الزُّهْرِيّ". ٢ الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن شهَاب، تقدم ص"١٧٥". ٣ فِي ط، س، ش "حَدثنَا". ٤ نعيم بن حَمَّاد، تقدم ص"٢٠٤". ٥ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٦ معمر بن رَاشد الْأَزْدِيّ، تقدم ص"٢٠٥". ٧ الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن شهَاب، تقدم ص"١٧٥". ٨ عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ، تقدم ص"٢٠٥". ٩ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص"٧٩". ١٠ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، تقدم ص"٢٠٥"، وَانْظُر تَخْرِيج الحَدِيث من طَرِيق أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ص"٢٠٤". ١١ عبارَة "ﷺ" لَيست فِي ط، س، ش. ١٢ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "يَقُوله من جودة إِسْنَاده". ١٣ لِأَنَّهُ يَقُول: إِن من أقرّ بِمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فَهُوَ مُشْرك.
[ ١ / ٣٨٦ ]
يَنْفِرُوا، وَلَكِنَّهُ يُرِي نَفْسَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، لِقُدْرَتِهِ وَلُطْفِ رُبُوبِيَّتِهِ فِي صُورَة غير من عرفهم الله صفاتهم فِي الدُّنْيَا، لِيَمْتَحِنَ بِذَلِكَ إِيمَانَهُمْ ثَانِيَةً فِي الْآخِرَةِ، كَمَا امْتَحَنَ فِي الدُّنْيَا١ لِيُثْبِتَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْتَرِفُونَ بِالْعُبُودِيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا لِلْمَعْبُودِ الَّذِي عَرَفُوهُ فِي الدُّنْيَا بِصِفَاتِهِ، الَّتِي أَخْبَرَهُمْ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَاسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا مُثِّلَ فِي أَعْيُنِهِمْ غَيْرُ مَا عَرَفُوا مِنَ الصِّفَةِ نَفَرُوا وَأَنْكَرُوا، إِيمَانًا مِنْهُمْ٢ بِصَفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ الَّتِي امْتَحَنَ قُلُوبَهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الَّتِي٣ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ٤ تَجَلَّى لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي عَرَّفَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوا، وَمَاتُوا، وَبُشِرُوا عَلَيْهِ٥، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَحَوَّلَ اللَّهُ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ، وَلَكِنْ يُمَثَّلُ ذَلِكَ فِي أَعْيُنِهِمْ بِقُدْرَتِهِ.
فَلَيْسَ هَذَا أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ بِشَكٍّ مِنْهُمْ فِي مَعْبُودِهِمْ، بَلْ هُوَ زِيَادَةُ يَقِينٍ وَإِيمَانٌ٦ بِهِ مَرَّتَيْنِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ٧ ﵁: "أَنَّهُ قَالَ لَهُم
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "كَمَا امتحن إِيمَانهم فِي الدُّنْيَا". ٢ فِي ط، س، ش "أَنْكَرُوا إِيمَانهم بِصفة ربوبيته.." إِلَخ ويستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ كَذَا فِي الأَصْل، وَيعود هُنَا إِلَى صفة الرب، وَفِي ط، س، ش "الَّذِي" وَيعود بِهَذَا إِلَى الرب ﷻ، الْمَفْهُوم من السِّيَاق. ٤ أَي بهَا، وَفِي ط، س، ش "امتحن الله قُلُوبهم". ٥ فِي ط، س، ش "ونشروا عَلَيْهِ" وَهُوَ أوضح. ٦ فِي ط، س، ش "بِإِيمَان". ٧ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠".
[ ١ / ٣٨٧ ]
يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَتَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ إِذَا اعْتَرَفَ١ لَنَا عَرَفْنَاهُ"٢ يَقُولُونَ: لَا نُقِرُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ إِلَّا لِمَنِ اسْتَشْعَرَتْهُ قُلُوبُنَا، بِصِفَاتِهِ الَّتِي أَنْبَأَنَا بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَحِينَئِذٍ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي صُورَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ، فَيَزْدَادُونَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَبِرُبُوبِيَّتِهِ، اغْتِبَاطًا وَطُمَأَنِينَةً، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الشَّكِّ عَلَى مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ يَقِينٌ بَعْدَ يَقِينٍ، وَإِيمَانٌ٣ بَعْدَ إِيمَان وَلَكِن الشَّك والربوبية كُلَّهَا مَا٤ ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ فِي تَفْسِيرِ الرُّؤْيَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ" ٥، فَادَّعَيْتَ أَنَّ رُؤْيَتَهُمْ تِلْكَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ أَنَّ لَهُمْ رَبًّا لَا يَعْتَرِيهِمْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ، كَأَنَّهُمْ فِي دَعْوَاكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ لَمْ يَعْلَمُوا فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ رَبُّهُمْ، حَتَّى يَسْتَيْقِنُوا بِهِ فِي الْآخِرَةِ.
فَهَذَا التَّفْسِيرُ إِلَى الشَّكِّ أَقْرَبُ مِمَّا ادَّعَيْتَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّكِّ وَالشِّرْكِ، لَا بَلْ هُوَ الْكُفْرُ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مؤمنهم وكافرهم
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "تعرف" وَهُوَ الْمُوَافق لما فِي سنَن الدَّارمِيّ. ٢ ورد فِي سنَن الدَّارمِيّ، كتاب الرَّقَائِق، بَاب فِي سجو، د عَن الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة حَدِيث ٢٨٠٦، ٢/ ٢٣٤ عَن أبي هُرَيْرَة فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "هَل تعرفونه؟ فَيَقُولُونَ: إِذا تعرف إِلَيْنَا عَرفْنَاهُ، فَيكْشف لَهُم عَن سَاقه فيقعون سجودًا " إِلَخ. ٣ فِي ش "وإيمانًا بعد إِيمَان" وَالصَّوَاب ماأثبتناه؛ لِأَن الْمَعْطُوف على الْمَرْفُوع مَرْفُوع. ٤ فِي ش "فِيمَا ادعيت". ٥ تقدم تخرجه ص"١٩٥".
[ ١ / ٣٨٨ ]
يَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، لَا يَعْتَرِيهِمْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ١ يَقُولُ: ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ٢؛ فَالشَّكُّ فِي اللَّهِ الَّذِي٣ تَأَوَّلْتَهُ أَنْتَ فِي الرُّؤْيَةِ لَا مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وَيْلَكَ! إِنَّ اللَّهَ لَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ وَلَا تَتَبَدَّلُ، وَلَكِنْ يُمَثَّلُ فِي أَعْيُنِهِمْ يَوْمَئِذٍ، أَوَلَمْ تَقْرَأْ كِتَابَ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ ٤؟ وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، كَمَا مُثِّلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ٥ مَعَ مُعظم صُورَتِهِ وَجَلَالَةِ خَلْقِهِ فِي عَيْنِ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "أَنه تَعَالَى يَقُول". ٢ سُورَة السَّجْدَة، آيَة "١٢". ٣ فِي ط، ش "هَذَا الَّذِي تأولته"، وَفِي س "هوالذي تأولته". ٤ سُورَة الْأَنْفَال، آيَة "٤٤". ٥ قَوْله: "﵇" لَيْسَ فِي ط، س، ش. قلت: جِبْرِيل أَو جِبْرَائِيل اسْم ملك الْوَحْي، وَهُوَ أقرب مَلَائِكَة الله المقربين إِلَيْهِ، وَهُوَ روح الْقُدس الَّذِي يُرْسِلهُ إِلَى رسله لتبليغ رسالاتهم، وَيُسمى بِالروحِ الْأمين، وبروح الْقُدس، لطهارته، وتنزهه عَن مُخَالفَة أَمر ربه وَهُوَ أحد رُؤَسَاء الْأَمْلَاك، أثنى الله عَلَيْهِ وَوَصفه بأجمل الصِّفَات مِنْهَا: أَنه رَسُوله، وَأَن كريم عِنْده وَأَنه ذُو قُوَّة ومكانة عِنْده، وَأَنه مُطَاع فِي السَّمَوَات، أَنه أَمِين الْوَحْي، وَقَالَ بعض السّلف: مَنْزِلَته من ربه منزلَة الْحَاجِب من الْملك، وَقَالَت الْيَهُود: ذَاك ينزل بِالْحَرْبِ والقتال عدونا، فَأنْزل الله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الْآيَة، وَفِي الصَّحِيح أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهُ على صورته لَهُ سِتّمائَة جنَاح سادًّا مَا بَين الْأُفق، ورد فِي ذكره فِي الْقُرْآن كثيرا، وَانْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، كتاب الْخلق، بَاب إِذا قَالَ أحدكُم آمين، حَدِيث ٣٢٣٢، ٣٢٣٤، ٦/ ٣١٦، وَانْظُر: إغاثة اللهفان لِابْنِ الْقيم ٢/ ١٢٧-١٢٩، انْظُر: أول سُورَة النَّجْم والمزمل والمدثر واقرأ وَمَا قَالَه الْمُفَسِّرُونَ فِي ذَلِك.
[ ١ / ٣٨٩ ]
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صُورَةَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ١ وَكَمَا مثله لِمَرْيَم٢ بشرا
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٣٥: دحْيَة بن خَليفَة بن فَرْوَة بن فضَالة الْكَلْبِيّ، صَحَابِيّ جليل، نزل المزة، وَمَات فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، د، وَفِي الْإِصَابَة قَالَ ابْن حجر: أَو مشاهده الخَنْدَق، وَقيل: أحد، وَلم يشْهد بَدْرًا، وَكَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي حسن الصُّورَة، وَكَانَ جِبْرَائِيل ينزل على صورته، جَاءَ ذَلِك من حَدِيث أم سَلمَة وَمن حَدِيث عَائِشَة، وروى النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، عَن يحيى بن يعمر، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "كَانَ جِبْرَائِيل يَأْتِي النَّبِيِّ ﷺ فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ" وَانْظُر: الْإِصَابَة بذيلة الِاسْتِيعَاب ١/ ٤٦٣-٤٦٤، والاستيعاب ذيل الْإِصَابَة ١/ ٤٦٣-٤٦٥ وَأسد الغابة ٢/ ١٣٠. قلت: وَلم أجد مَا ذكره ابْن حجر فِي سنَن النَّسَائِيّ، وَوَجَدته فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد بهامشه الْمُنْتَخب ٢/ ١٠٧ من طَرِيق يحيى بن يعمر، عَن ابْن عمر بِلَفْظ: "وَكَانَ جِبْرَائِيل ﵇ يَأْتِي النَّبِيِّ ﷺ فِي صُورَة دحْيَة" وَبِمَعْنَاهُ عَن جَابر مَرْفُوعا انْظُر: الْمسند ٣/ ٣٣٤، وَعَن عَائِشَة أَيْضا فِي الْمسند ٦/ ١٤٣، ١٤٦. ٢ مَرْيَم بنت عمرَان أحد عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل، أم عِيسَى ﵇، حملت بهَا أمهَا ونذرت أَن تهب مَا فِي بَطنهَا محررًا لخدمة الهيكل، فَلَمَّا وَضَعتهَا أُنْثَى اعتذرت إِلَى الله، ودعت لَهَا، فَأجَاب دعاءها وأنبتها نباتًا حسنا، وَمَات والدها وَهِي صَغِيرَة فكفلها زكريًّا، وَكَانَ كلما دخل عَلَيْهَا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا لَا يجده عِنْد النَّاس، ونشأت طَاهِرَة عفيفة مَحْفُوظَة بعناية الله، ثمَّ أرسل الله إِلَيْهَا جِبْرِيل فأعلمها أَنه رَسُول من الله ليهب لَهَا غُلَاما زكيًّا، وحملت بِعِيسَى ﵇ وَكَانَ لَهَا مَعَ قَومهَا مَا هُوَ مَعْرُوف لمن تَأمله فِي الْقُرْآن ذكر أَن عمرها كَانَ إِحْدَى وَخمسين سنة، ورد ذكرهَا فِي الْقُرْآن نَحْو من إِحْدَى وَثَلَاثِينَ مرّة انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ، كتاب الْأَنْبِيَاء الْأَبْوَاب من ص"٤٦٩٣-٤٩٠" جـ٦ والكامل فِي التَّارِيخ ١/ ٣٠٧-٣٢٠، وتاريخ الْأُمَم والملوك لِابْنِ جرير الطَّبَرِيّ ١/ ٥٨٥-٦٠٥، ومعجم الْأَلْفَاظ والأعلام القرآنية ٢/ ٢٠٢.
[ ١ / ٣٩٠ ]
سَوِيًّا١، وَهُوَ مَلَكٌ كَرِيمٌ فِي صُورَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَمَا شَبَّهَ فِي أَعْيُنِ الْيَهُودِ أَنْ قَالُوا٢: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ ٣ فَقَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ٣ وَمَا علملك٤ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ بِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ وَرَدَتْ عَلَيْكَ آثَارٌ لِرَسُولِ٥ اللَّهِ ﷺ أخذت بخلقك، وَنَقَضْتَ عَلَيْكَ مَذْهَبَكَ فَالْتَمَسْتَ الرَّاحَةَ مِنْهَا بِهَذَا الْمَغَالِيطِ وَالَأَضَالِيلِ، الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ٦ الْعِلْمِ وَالْبَصَرِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَأَنْتَ مِنْهَا فِي شُغُلٍ، كَمَا غَالَطْتَ بِشَيْءٍ أَخَذَ بِحَلْقِكَ شَيْءٌ٧ فَخَنَقَكَ حَتَّى تَلْتَمِسَ لَهُ أُغْلُوطَةً أُخْرَى، وَلِئِنْ جَزِعْتَ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ فَدَفَعْتَهَا بِالْمَغَالِيطِ مَالَكَ رَاحَةٌ فِيمَا يُصَدِّقُهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ٨ الَّذِي لَا تَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، وَكَيْفَ تَقْدِرُ عَلَى دفع
_________________
(١) ١ يدل لذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ سُورَة مَرْيَم آيَة "١٧". ٢ فِي ط، س، ش "إِذْ قَالُوا". ٣ سُورَة النِّسَاء آيَة "١٧٥". ٤ فِي، "وَمَا علمك". ٥ فِي ط، ش "آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ". ٦ لفظ "أهل" لَيْسَ فِي ط، س، ش، وَبِه يَسْتَقِيم الْمَعْنى. ٧ فِي ط، س، ش "أَخذ بحلقك" شَيْء آخر". ٨ لفظ "﷿" لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٣٩١ ]
هَذِهِ الْآثَارِ وَقَدْ صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلْفَاظُهَا بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، ناقضة١ لمذاهبك وتفاسيرك، وَقد تَدَاوَلَتْهَا أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وَتَنَاسَخُوهَا، يُؤَدِّيهَا الْأَوَّلُ إِلَى الْآخِرِ وَالشَّاهِدُ إِلَى الْغَائِبِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، ليقرعوا بهَا رُؤُوس الْجَهْمِيَّةِ٢ وَيُهَشِّمُوا بِهَا أُنُوفَهُمْ، وَيَنْبُذُ٣ تَأْوِيلَكَ فِي حَشِّ أَبِيكِ، وَيُكْسَرُ فِي حلقك كمن كُسِرَ فِي حُلُوقِ مَنْ كَانَ فَوْقَكَ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ فَوْقِكَ، مِثْلَ ابْنِ أبي دؤاد٤ وَعبد الرَّحْمَن٥
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "مناقضة لمذاهبك". ٢ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ٣ فِي ط، س، ش "وينبذوا". ٤ هُوَ أَحْمد بن أبي دؤاد القَاضِي، جهمي بغيض، قل مَا روى، قَالَ الْخَطِيب: ولي الْقَضَاء للمعتصم والواثق، وَكَانَ مَوْصُوفا بالجود وَحسن الْخلق ووفور الْأَدَب، غير أَنه أعلن بِمذهب الْجَهْمِية وَحمل النَّاس على امتحان النَّاس بِخلق الْقُرْآن، وَقَالَ النديم: كَانَ من كبار الْمُعْتَزلَة مِمَّن جرد فِي إِظْهَار الْمَذْهَب والذب عَن أَهله بِهِ، وَهُوَ من صنائع يحيى بن أَكْثَم، وَهُوَ الَّذِي وَصله بالمأمون، ثمَّ اتَّصل بالمعتصم، فَكَانَ لَا يقطع أمرا دونه، توفّي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ من فالج أَصَابَهُ بِتَصَرُّف من لِسَان الْمِيزَان ١/ ١٧١، وَانْظُر: تَارِيخ بَغْدَاد بترقيم مُحَمَّد أَمِين الخانجي ٤/ ١٤١-١٥٦ ووفيات الْأَعْيَان بتحقي د. إِحْسَان عَبَّاس ١/ ٨١-٩١ والأعلام للزركلي ١/ ١٢٤. ٥ عبد الرَّحْمَن بن كيسَان أَبُو بكر الْأَصَم فَقِيه معتزلي، مُفَسّر قَالَ ابْن المرتضى: كَانَ من أفْصح النَّاس وأفقههم وأورعهم، خلا أَنه كَانَ يُخطئ عليًّا ﵁ فِي كثير من أَفعاله ويصوب مُعَاوِيَة فِي بعض أَفعاله، وَله تَفْسِير الْأُصُول، ومناظرات مَعَ ابْن الْهُذيْل العلاف، وَقَالَ ابْن حجر: هُوَ من طبقَة ابْن الْهُذيْل، وأقدم مِنْهُ، قَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار: كَانَ جليل الْقدر يكاتبه السُّلْطَان، توفّي سنة ١٢٦، انْظُر: فرق وطبقات الْمُعْتَزلَة لعبد الْجَبَّار الْهَمدَانِي، تَحْقِيق على النشار وعصام الدَّين مُحَمَّد ص"٦٥"، ولسان الْمِيزَان ٣/ ٤٢٧، والأعلام للزركلي ٣/ ٣٢٣.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وَشُعَيْبٍ١ بَعْدَهُ، وَغَسَّانَ٢ وَابْنِ رَبَاحٍ الْمُفْتَرِي٣ عَلَى الْقُرْآنِ.
فَإِنْ كُنْتَ تَدْفَعُ هَذِهِ الْآثَارَ بِجَهْلِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِي الْقُرْآنِ، وَكَيْفَ تَحْتَالُ لَهُ؟ وَهُوَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، نَاقِضٌ لِمَذْهَبِكَ، وَمُكَذِّبٌ لِدَعْوَاكَ حَتَّى بَلَغَنِي عَنْكَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْمُعَارِضِ أَنَّكَ قُلْتَ: مَا شَيْءٌ أَنْقَضُ لِدَعْوَانَا مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِدَفْعِهِ إِلَّا مُكَابَرَة بالتأويل.
_________________
(١) ١ شُعَيْب بن سهل بن كثير الرَّازِيّ، أَبُو صَالح الملقب شعبويه، قَاض من الْجَهْمِية يَقُول بِخلق الْقُرْآن وَنفي الصِّفَات والرؤية وينتقص أهل السّنة، ولي قَضَاء الرصافة فِي أَيَّام المعتصم، وَكتب على بَاب مَسْجده: "الْقُرْآن مَخْلُوق" فأحرقت الْعَامَّة بَابه سنة ٢٢٧ وَنهب بَيته، وَقَالَ الْبَغْدَادِيّ: هُوَ أول قَاض أحرق بَابه، وانتهب منزله فِيمَا بلغنَا، وعزل من الْقَضَاء سنة ٢٢٨هـ، وَذكر أَنه توفّي سنة ٢٤٦هـ، انْظُر: تَارِيخ بَغْدَاد ٩/ ٢٤٣، ولسان الْمِيزَان ٣/ ١٤٧، والأعلام للزركلي ٣/ ١٦٦-١٦٧. ٢ الرَّاجِح أَنه غَسَّان الْكُوفِي المرجئ، زعم أَن الْإِيمَان هُوَ الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى وبرسوله والأقرار بِمَا أنزل الله، مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول دون التَّفْصِيل، وَالْإِيمَان يزِيد ولاينقص قَالَ الشهرستاني: "وَمن العجيب أَن غَسَّان كَانَ يَحْكِي عَن أبي حنيفَة -﵀- مذْهبه ويعده من المرجئة وَلَعَلَّه كذب" وَإِلَيْهِ ينْسب الغسانية من المرجئة انْظُر: الْملَل والنحل للشهرستاني تَصْحِيح وَتَعْلِيق الشَّيْخ أَحْمد فهمي ط، الأولى ١/ ٢٥٥، وَالْفرق بَين الْفرق للبغدادي ط. الثَّالِثَة ص"١٩١". ٣ أَحْمد بن رَبَاح من الْجَهْمِية، ذكر ابْن الْجَوْزِيّ أَن المتَوَكل أَمر بِمَسْأَلَة الإِمَام أَحْمد عَمَّن يتقلد الْقَضَاء، فَسئلَ عَن أَحْمد بن رَبَاح فَقَالَ فِيهِ: إِنَّه جهمي مَعْرُوف بذلك، وَإنَّهُ إِن قلد شَيْئا من أُمُور الْمُسلمين كَانَ ضَرَرا على الْمُسلمين تَحْقِيق وَتَعْلِيق د. عبد الله التركي، ومقابلة وَتَصْحِيح د. على مُحَمَّد عمر، ط الأولى، الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ ص"٣٢٧".
[ ١ / ٣٩٣ ]
تَأْوِيل الْمعَارض لصفة الْقدَم وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
ثُمَّ أَنْشَأْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ تَطْعَنُ فِي حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ، بَعْدَمَا صَدَّقْتَ بِهِ، وَعَرَفْتَ أَنَّهُ قَدْ قَالَهُ، ثُمَّ فَسَّرْتَهُ تَفْسِيرًا مُخَالِفًا لِتَفَاسِيرِ أَهْلِ الضَّلَالَة١، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ: "لَا تَزَالُ جَهَنَّمَ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ فتزوى ٢ قتقول ٣: قطّ قطّ" ٤.
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "أهل الصَّلَاة" وَلَعَلَّ الصَّوَاب الصّلاح. ٢ فِي س "فتنزوي" وَبِمَا فِي الأَصْل وَردت رِوَايَة الإِمَام أَحْمد. ٣ فِي ط، س، ش "وَتقول" وَبِمَا فِي الأَصْل وَردت رِوَايَة الإِمَام أَحْمد. ٤ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَول الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ - ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون﴾ - ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ حَدِيث ٧٣٨٤، ١٣/ ٣٦٩ عَن أنس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظ: "لَا يزَال يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مزِيد؟ حَتَّى يضع فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضهَا إِلَى بعض ثمَّ تَقول: قد قد، بعزتك وكرمك وَلَا تزَال الْجنَّة تفضل حَتَّى ينشئ الله لَهَا خلقا فيسكنهم فضل الْجنَّة". وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه، بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْجنَّة وَصفَة نعيمها وَأَهْلهَا، بَاب النَّار يدخلهَا الجباورن وَالْجنَّة يدخلهَا الضُّعَفَاء، أَحَادِيث ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٣٨ جـ٤ ص"٢١٨٦-٢١٨٨" عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس، وَفِي بَعْضهَا قَالَ: "لَا تَزَالُ جَهَنَّمَ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يضع رب الْعِزَّة فِيهَا قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتقول: قطّ قطّ، بعزتك وكرمك، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى ينشئ الله لَهَا خلقا فيسكنهم فضل الْجنَّة". وَانْظُر: مُسْند الإِمَام أَحْمد بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ٣/ ١٣، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "فَيلقى فِي النَّار أَهلهَا، فَتَقول: هَل من مزِيد؟ قَالَ: ويلقى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ويلقى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَأْتِيهَا ﵎ فَيَضَع قدمه عَلَيْهَا فتزوي فَتَقول: قدي قدي " إِلَخ.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وَادَّعَيْتَ١ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّ الْحَدِيثَ حَقٌّ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَكَ: أَنَّهَا لَا تَمْتَلِئُ٢ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ قَدَمَهُ فِيهَا، فَقُلْتَ: مَعْنَى "قَدَمَهُ" أَهْلُ الشِّقْوَةِ الَّذِينَ سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ٣ بِبَاطِلِ زَعْمِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى٤: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ٥ قَالَ: "مَا قَدَّمُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ"٦.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فادعيت". ٢ فِي ش "أَنَّهَا تمتلئ" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ عبد الله بن عَبَّاس ﵁، تقدم ص"١٧٢". ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ سُورَة يُونُس، آيَة "٢". ٦ قَالَ الطبريي فِي تَفْسِيره: وَاخْتلف أهل التَّأْوِيل فِي معنى قَوْله ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾، فَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أَن لَهُم أجرا حسنا بِمَ قدمُوا من الْأَعْمَال، وَقَالَ آخَرُونَ معنى ذَلِك أَن مُحَمَّدًا ﷺ شَفِيع لَهُم قدم صدق، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى القَوْل الأول عبد الله بن عَبَّاس، قَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ: حَدثنِي مُحَمَّد بن سعيد قَالَ: ثني أبي قَالَ: ثني عمي، قَالَ، ثني أبي، عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس قَوْله: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَقُول: أجرا =
[ ١ / ٣٩٥ ]
فَقَدْ رَوَيْنَا أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ عَنِ الثِّقَاتِ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ١ ﵄ فِي تَفْسِيرِ الْقَدَمِ خِلَافَ مَا ادَّعَيْتَ من تأويلك هَذَا٢.
_________________
(١) = حسنا بِمَا قدمُوا من أَعْمَالهم، وَمن طَرِيق آخر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "سبقت لَهُم السَّعَادَة فِي الذّكر الأول". قَالَ ابْن جرير: "وَأولى هَذِه الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَول من قَالَ: مَعْنَاهُ: أَن لَهُم أعمالًا صَالِحَة يستوجبون بهَا من الثَّوَاب" انْظُر: تَفْسِير الطَّبَرِيّ، الطبعة الثَّانِيَة ١١/ ٥٨-٥٩. وَفِي تَفْسِير ابْن كثير ٢/ ٤٠٦ قَالَ: وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ يُقَال: أجرا حسنا بِمَا قدمُوا، وَكَذَا الضَّحَّاك وَالربيع بن أنس، وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم. وَفِي تنوير المقباس من تَفْسِير ابْن عَبَّاس للفيروآبادي ص"١٣" قَالَ: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ ثَوَاب خير، يُقَال: إِيمَانهم فِي قدم صدق فِي الْآخِرَة عِنْد رَبهم، وَيُقَال: أَن لَهُم نَبِي صدق، وَيُقَال: شَفِيع صدق". ١ تقدّمت تَرْجَمته ص"١٧٢". ٢ سَيَأْتِي مَا يدل على ذَلِك فِي بداية الْجُزْء الثَّانِي.
[ ١ / ٣٩٦ ]
مدخل
الْجُزْء الثَّانِي
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ١ وَيَحْيَى الْحِمَّانِيُّ٢، عَنْ وَكِيعٍ٣، عَنْ سُفْيَانَ٤، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ٥، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ٦، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَير٧، عَن
_________________
(١) ١ كَذَا كَانَت بداية الْجُزْء الثَّانِي فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش بدأوا الْجُزْء الثَّانِي بقَوْلهمْ: "الْجُزْء الثَّانِي من نقض أَبِي سَعِيدٍ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارمِيّ على الضال المضل بشر المريسي الْجَبَّار العنيد. "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" رَبِّ يسر وأعن بِرَحْمَتك". ثمَّ أورد السَّنَد الَّذِي بَدَأَ بِهِ فِي الْجُزْء الأول فَقَالَ: أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَحْنَفِ، أخبرنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْقَرَّابُ الْحَافِظ، أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي الْفضل ابْن مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُزَكِّي قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيم الصوام، وَفِي س "الصرام" قَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شيبَة تقدم ص"١٥٤". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٥٢: يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن بشمين بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة، الْحمانِي بِكَسْر الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم، الْكُوفِي، حَافظ، إِلَّا أَنهم اتَّهَمُوهُ بِسَرِقَة الحَدِيث، من صغَار التَّاسِعَة مَاتَ سنة ٢٨/ م. ٣ وَكِيع بن الْجراح، تقدم ص"١٥٠". ٤ سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ عِنْد ابْن كثير فِي تَفْسِيره لآيَة الْكُرْسِيّ انْظُر: ١/ ٣٩ وَتَقَدَّمت تَرْجَمته ص"٢٦٨". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٤٨: عمار بن مُعَاوِيَة الدهني، بِضَم أَوله وَسُكُون الْهَاء بعْدهَا نون، أَبُو مُعَاوِيَة البَجلِيّ الْكُوفِي، صَدُوق يتشيع من الْخَامِسَة، م ع، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٢/ ٣٠١ أَنه روى عَن أبي الطُّفَيْل وَمُجاهد وعدة وَعنهُ شُعْبَة والسفيانان. ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٤٦: مسم بن عمرَان البطين، وَيُقَال: ابْن أبي عمرَان أَبُو عبد الله الْكُوفِي، ثِقَة من السَّادِسَة/ ع. ٧ سعيد بن جُبَير، تقدم ص"١٧٣".
[ ١ / ٣٩٩ ]
ابْنِ عَبَّاسٍ١ قَالَ: الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُهُ إِلَّا الله "﷿"٢.
_________________
(١) ١ عبد الله بن عَبَّاس ﵁، تقدم ص"١٧٢". ٢ لفظ "﷿" لَيْسَ فِي ط، س، ش، وَهَذَا الْأَثر أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد، مُرَاجعَة وَتَعْلِيق مُحَمَّد خَلِيل هراس ص"١٠٧-١٠٨" من طَرِيق، عَن سيفان، عَن عمار بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ "الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ وَالْعَرْشُ لَا يقدر قدره"، وَفِي إِحْدَى طرقه بِلَفْظ "الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ". وَأخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بذيله التَّلْخِيص للذهبي، كتاب التَّفْسِير جـ٢ ص"٢٨٢" قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد المحبوبي، ثَنَا مُحَمَّد بن معَاذ، ثَنَا أَبُو عَاصِم، ثَنَا سُفْيَان، عَن عمارالدهني، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "الْكُرْسِيُّ مَوضِع قَدَمَيْهِ وَالْعرش لَا يقدر قدره" هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي التَّلْخِيص "خَ م". وَقَالَ فِي فتح الْبَارِي شرح صَحِيح البُخَارِيّ جـ٨ ص"١٩٩": "وَقد روى ابْن أبي حَاتِم من وَجه آخر، عَن ابْن عَبَّاس أَن الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ، وروى ابْن الْمُنْذر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي موسي مثله". وَأخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره جَامع الْبَيَان، الطبعة الثَّانِيَة ٣/ ٩ بأسانيد عَن أبي مُوسَى وَعَن السّديّ، وَعَن الضَّحَّاك أَن الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ. وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب الصِّفَات حَدِيث ٣٦ ص"٣٠" من طَرِيق مُحَمَّد بن مخلد، حَدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور الرَّمَادِي، حَدثنَا أَبُو عَاصِم، الضَّحَّاك بن مخلد، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَفعه شُجَاع إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلم يرفعهُ الرَّمَادِي ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ قَالَ: الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ، ولايقدر قدر الْعَرْش شَيْء ". وَأخرجه ابْن مَنْدَه فِي الرَّد على الْجَهْمِية مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس، وَأخرجه مَرْفُوعا من طَرِيق شُجَاع بن مخلد، وَذكره أَيْضا من طَرِيق شُجَاع بن مخلد بن كثير فِي تَفْسِيره إِلَّا أَنه قَالَ: "سجاع" بِالسِّين المهلمة، وَصَوَابه بالشين الْمُعْجَمَة، "انْظُر: الرَّد على الْجَهْمِية لِابْنِ مَنْدَه بتحقيق د. مُحَمَّد على فقيهي ص”٤٤-٤٥" ، وَابْن كثير فِي التَّفْسِير ١/ ٣٠٩، وَذكره الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد ٦/ ٣٢٣، عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح.
[ ١ / ٤٠٠ ]
فَهَذَا الَّذِي عَرَفْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا مَشْهُورًا.
فَمَا بَالُكَ تَحِيدُ عَنِ الْمَشْهُورِ الْمَنْصُوصِ مِنْ قَوْله وتتعلق بالمغمور١ مِنْهُ، المتلبس٢ الَّذِي يتَحَمَّل الْمعَانِي.
وَكَيف تَدعِي أَنَّهَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يُلْقِيَ اللَّهُ فِيهَا الْأَشْقِيَاءَ الَّذِينَ هُمْ قَدَمُ الْجَبَّارِ عِنْدَكَ، فَتَمْتَلِئَ بِهِمْ فِي دَعْوَاكَ؟ وَهل استزادت بَعْدَ ذَلِكَ. أَفَيُلْقِيهُمْ فِيهَا ثَانِيَةً، وَقَدْ أَلْقَاهُمْ فِيهَا قَبْلُ، فَلَمْ تَمْتَلِئْ؟ كَأَنَّهُ فِي دَعْوَاكَ حَبَسَ عَنْهَا الْأَشْقِيَاءَ، وَأَلْقَى فِيهَا السُّعَدَاءَ، فَلَمَّا اسْتَزَادَتْ أَلْقَى فِيهَا الْأَشْقِيَاءَ بَعْدُ، حَتَّى مَلَأَهَا.
لَوِ ادَّعَى هَذَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْ حَرْفًا مِنَ الْقُرْآنِ مَا زَادَ.
ثُمَّ رَدَدْتَ الْحَدِيثَ بَعْدَمَا أَقْرَرْتَ بِهِ أَنَّهُ حَقٌّ فَقُلْتَ: يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشَبِّهَةِ: أَلَيْسَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الله يخلف وعده كَافِر. فَإِن قَالُوا: نعم، فَقيل لَهُمْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَهَنَّمَ تَمْتَلِئُ مِنْ غَيْرِ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ٣ فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى٤
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "المغمور". ٢ فِي ط، س، ش "المتلبس" وَمَا فِي الأَصْل أولى. ٣ فِي ط، س، ش "من غير الْجِنّ وَالْإِنْس". ٤ لَفْظَة "تَعَالَى لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٠١ ]
قَالَ: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ١.
وَيْلَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ! إِنَّمَا أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ٢ مَنْ أَنْزَلَ الَّتِي فِي "ق" ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٣ وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ لِمُمْتَلِئٍ: اسْتَزَادَ، كَمَا يَمْتَلِئُ الرَّجُلُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَيَقُولُ: قَدِ امْتَلَأْتُ وَشَبِعْتُ وَهُوَ يَقْدِرُ أَنْ يَزْدَادَ، كَمَا يُقَالُ: امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ مِنَ النَّاسِ، وَفِيهِ فَضْلٌ وَسَعَةٌ لِلرِّجَالِ بَعْدُ، وَامْتَلَأَ الْوَادِي مَاءً وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا" ٤ وَفِي الْأَرْضِ سَعَةٌ بَعْدُ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الظُّلْمِ، وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْقِسْطِ فَتَمْتَلِئُ جَهَنَّمُ بِمَا٥ يلقى
_________________
(١) ١ سُورَة هود، آيَة "١١٩". ٢ لفظ "الْآيَة" لَيْسَ فِي ط، ش. ٣ سُورَة ق آيَة "٣٠". ٤ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، كتاب الْمهْدي، الْبَاب الأول، حَدِيث ٤٢٨٥ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمهْدي مني، أجلى الْجَبْهَة أقنى الْأنف يمْلَأ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جورًا وظلمًا وَيملك سبع سِنِين". وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ٣/ ٣٧ عَن أبي سعيد، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَفْظ "أبشركم بالمهدي يبْعَث فِي أمتِي على اخْتِلَاف من النَّاس وزلازل فيلملأ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جورًا وظلمًا " إِلَخ. وبنحوه فِي الْمسند أَيْضا ٣/ ١٧، ٣٦، ٥٢، ٧٠ بأسانيد إِلَى أبي سعيد ﵁. ٥ فِي ط، ش، س "مِمَّا".
[ ١ / ٤٠٢ ]
فِيهَا مِمَّا وَعَدَهَا مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ. فَتَقُولُ١: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ لِفَضْلٍ فِيهَا غَضَبًا لِلَّهِ٢ عَلَى الْكفَّار، حَتَّى يفعل بِهَا مَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا شَاءَ٣ وَكَمَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ٤ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٥، فَحِينَئِذٍ تَقُولُ: "حَسْبِي، حَسْبِي" ٦.
وَكَيْفَ يَسْتَحِيلُ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ مَا وَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَضْعِ الْقَدَمِ فِي جَهَنَّمَ؟ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ بِكَمَالِهِ فِي جَهَنَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمْلَأَهَا، وَبَعْدَمَا مَلَأَهَا؛ لِأَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، فَجَهَنَّمُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمْكِنَةِ، فَأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ كَذَّبَ بِالْآيَةِ إِذْ تَدَّعِي أَنَّ جَهَنَّمَ مُمْتَلِئَةٌ مِنَ الْجَبَّارِ، ﵎ ﷿ عَنْ وَصْفِكَ٧.
ثُمَّ ادَّعَيْتَ أَنَّ مَنْ تَأَوَّلَ فِي هَذَا قَدَمَ الْجَبَّارِ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ مِنَ الْجِنَّةِ
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَتقول". ٢ فِي ش "غَضبا لله" وَلَا يَسْتَقِيم بِهِ الْمَعْنى. ٣ فِي ط، س، ش "كَمَا يَشَاء". ٤ لفظ "صلى الله" تكَرر فِي س. ٥ وَوضع قدمه ﷿ كَمَا يَلِيق بجلاله وعظمته كَسَائِر صِفَاته، لاشبيه لَهُ وَلَا مثيل فِي ذَلِك، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُنْفَصِل عَن خلقه لَيْسَ مختلطًا بهم وَلَا مخالطًا لَهُم، وَلَا ممازجًا، وَصِفَاته ثابته لَهُ كَمَا يَلِيق بجلاله وعظمته من غير تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل ولاتحريف وَلَا تكييف وَلَا تَعْطِيل. ٦ ورد فِي البُخَارِيّ أَنَّهَا تَقول: "قد قد"، وَفِي مُسلم أَنَّهَا تَقول: "قطّ قطّ". انْظُر: الْأَحَادِيث الْمُتَقَدّمَة ص"٣٩٤". ٧ فِي س عَن "وصفك بِهِ" وَلَا يسقيم بِهِ الْمَعْنى، وَفِي ط، ش "عَن وصفك بِمَا وَصفته بِهِ".
[ ١ / ٤٠٣ ]
وَالنَّاسِ وَمَنْ تَبِعَ١ إِبْلِيسَ. إِذْ رعم أَنَّ شَيْئًا مِنْهُ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٢.
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ: فَأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ جَعَلْتَهُ٣ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ وَمَنْ تَبِعَ٤ إِبْلِيسَ، إِذْ تزْعم أَنَّهُ لَا تَخْلُو مِنْهُ جَهَنَّمُ٥ وَلا شَيْءٌ مِنَ الأَمْكِنَةِ، أَفَبَعْضٌ أوحش أَمْ كُلٌّ؟.
وَيْلَكَ! إِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٦ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ. وَلَهَا خَزَنَةٌ يَدْخُلُونَهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ، غَيْرُ مُعَذَّبِينَ بِهَا، وَفِيهَا كِلَابٌ وَحَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ وَقَالَ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَلَا يدْفع هَذِه الْآيَة قَوْلُهُ: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٨ كَمَا لَا يَدْفَعُ هَذِهِ الْآيَةَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: "يَضَعُ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ" ٩ فَإِذَا كَانَتْ جَهَنَّمُ لَا تَضُرُّ الْخَزَنَةَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَهَا وَيَقُومُونَ عَلَيْهَا، فَكيف تضر الَّذِي١٠ سخرها
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَمن يتبع إِبْلِيس". ٢ سُورَة ص، آيَة "٨٥". ٣ فِي ط، س، ش "أول من جعله". ٤ فِي ط، ش "يتبع إِبْلِيس". ٥ فِي ط، ش "أَنه لَا يَخْلُو من جَهَنَّم"، وَفِي س "لَا يَخْلُو مِنْهُ جَهَنَّم". ٦ سُورَة هود، آيَة "١١٩". ٧ سُورَة المدثر آيَة "٣٠-٣١". ٨ سُورَة هود، آيَة "١١٩". ٩ تقدم تَخْرِيجه ص"٣٩٤". ١٠ فِي س "الَّذين سخرها لَهُم" ويستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل.
[ ١ / ٤٠٤ ]
لَهُمْ١ فَإِنْ أَنْتَ أَقْرَرْتَ بِالْخَزَنَةِ وَمَلَائِكَةِ الْعَذَابِ وَمَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ كَفَرْتَ فِي دَعْوَاكَ؛ لِأَنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ مَنِ ادَّعَى أَنَّ جَهَنَّمَ تَمْتَلِئُ مِنْ غَيْرِ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ فَقَدْ كَفَرَ. وَهَذِهِ الْآثَارُ الَّتِي رُوِيَتْ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي ذِكْرِ الْقَدَمِ مِمَّا أَنْتَ مُصَدِّقٌ مُحَقِّقٌ٢.
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَصْرِيُّ٣، ثَنَا أَبَانُ٤، عَنْ قَتَادَةَ٥، عَنْ أَنَسٍ٦ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٧ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فَيُدْلِي فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ ٨ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بعض.
_________________
(١) ١ هَذَا الْكَلَام يُوهم تَشْبِيه وضع قدم الرب بالمخلوق. وَالَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن صِفَات الرب لَا تشبه صِفَات المخلوقين بل تلِيق بجلاله وعظمته فَوضع الْقدَم كَسَائِر الصِّفَات نؤمن بِهِ، وَنثْبت مَعْنَاهُ وَلَا نعلم كيفيته. ٢ فِي ط، ش "مُصدق بِهِ مُحَقّق". ٣ فِي ط وس وش "سُهَيْل" وَفِي التَّقْرِيب لِابْنِ حجر وَفِي غَيره: سهل بن بكار، وَتَقَدَّمت تَرْجَمته ص"٣٣٦" وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب أَنه روى عَنْ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ الْعَطَّارِ ووهيب وَغَيرهم، وَانْظُر: التَّهْذِيب لِابْنِ حجر ٤/ ٤٢٧. ٤ الرَّاجِح أَنه ابان بن يزِيد الْعَطَّار الْبَصْرِيّ، أَبُو يزِيد، ثِقَة لَهُ أَفْرَاد، من السَّابِعَة، مَاتَ فِي حُدُود السِّتين، خَ م د ت س انطر: التَّقْرِيب ١/ ٣١، وَذكر الْحَافِظ الْمزي فِي تَهْذِيب الْكَمَال ١/ ٤٨ أَنه روى عَن قَتَادَة بن دعامة وَعنهُ سهل بن بكار. ٥ قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي، تقدم ص"١٨٠" وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٨/ ٣٥١ أَنه روى أَن أنس، مِمَّن روى عَنهُ أبان بن يزِيد الْعَطَّار. ٦ أنس "﵁" تقدم ص"٢٠١". ٧ قَوْله "﵁" لَيست فِي ط، س، ش. ٨ قَوْله "يُدْلِي فِيهَا رب الْعَالمين قدمه" وَهَذَا كَمَا يَلِيق بجلاله وعظمته كَسَائِر صِفَاته مَعَ قَطعنَا أَنه لَا يشبه الْمَخْلُوق فِي ذَلِك.
[ ١ / ٤٠٥ ]
فَتَقول: قطّ بعزتك، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فِيهَا" ١.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ٢، ثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ٣- عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ٤، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ٥، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ٦ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "افْتَخَرَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: يارب يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُلُوكُ وَالْأَشْرَافُ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: يَدْخُلُنِي الْفُقَرَاءُ وَالضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ. فَقَالَ اللَّهُ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي وَسِعْتِ كُلَّ شَيْءٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا ٧ فَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى يأيتها فَيَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهَا. وَتَقُولُ: قَدِي قدي ٨
_________________
(١) ١ تقدم تحريجه ص"٣٩٤". ٢ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٣ حَمَّاد بن سَلمَة، تقدم ص"١٨٧". ٤ عَطاء بن السَّائِب، تقدم ص"١٧٣". ٥ فِي ط، ش "عبيد الله بن عتبَة" وَصَوَابه مَا أثبت، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٥٣٥: عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبَة بن مَسْعُود الْهُذلِيّ، أَبُو عبد الله، الْمدنِي، ثِقَة فَقِيه، ثَبت، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ٩٤، وَقيل سنة ٩٨ وَقيل غير ذَلِك/ ع. ٦ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، تقدم ص"٢٠٥". ٧ فِي الأَصْل "ملأها" وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، س، ش هُوَ الصَّوَاب وَبِه جَاءَ عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم وَأحمد انْظُر تَخْرِيج هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث الَّذِي بعده، وَهُوَ الْمُوَافق أَيْضا لقواعد اللُّغَة الْعَرَبيَّة فَهُوَ مُبْتَدأ مُؤخر. ٨ كَذَا فِي الأَصْل بِالْيَاءِ، فِي ط، ش قد بِكَسْر الدَّال دون يَاء، وَبِمَا فِي الأَصْل ورد لفظ أَحْمد.
[ ١ / ٤٠٦ ]
ثَلَاثًا" ١.
وَقَرَأْتُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ الْمُؤَذِّنِ٢ أَنَّ عَوْفَ بْنَ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيَّ٣، حَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ٤، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٥ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَقَالَت النَّارُ ٦: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجنَّة: مَالِي لَا يدخلني إِلَّا سفلَة
_________________
(١) ١ ورد فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد بهامشه منتخب كنز الْعمَّال حـ ٣/ ١٣ من طَرِيق عبد الله حَدثنِي أبي، حَدثنَا حسن وروح قَالَا: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سعيد الْخُدْرِيّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "افْتَخَرَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّار فَقَالَت النَّار: يارب، يدخلني الْجَبَابِرَة والمتكبرين والملوك والأشراف، وَقَالَت الْجنَّة: أَي رب يدخلني الضُّعَفَاء والفقراء وَالْمَسَاكِين، فَيَقُول ﵎ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي وَسِعْتِ كُلَّ شَيْءٍ وَلِكُلِّ وَاحِدَة منكمنا ملؤُهَا فَيلقى فِي النَّار أَهلهَا، فَيَقُول: هَل من مزِيد؟ قَالَ: "ويلقى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَأْتِيهَا ﵎ فَيَضَع قدمه عَلَيْهَا فتنزوي فَتَقول: قدي قدي وَأما الْجنَّة فَيبقى فِيهَا أَهلهَا مَا شَاءَ الله أَن يبْقى فينشئ الله لَهَا خلقا مَا يَشَاء". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٥ عُثْمَان بن الْهَيْثَم بن جهم بن عِيسَى الْعَبْدي، أَبُو عَمْرو الْبَصْرِيّ الْمُؤَذّن ثِقَة، تغير فَصَارَ يَتَلَقَّن، من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ فِي رَجَب سنة ٢٠/ خَ س، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٢/ ٢٥٧: عَن عَوْف وَابْن جريج وَعنهُ البُخَارِيّ، والكجى وَأَبُو خَليفَة. ٣ عَوْف بن أبي جميلَة، تقدم ص”٣٥١". ٤ مُحَمَّد بن سِيرِين، تقدم ص: "١٨١". ٥ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص”١٧٩". ٦ فِي ط، ش "فَقَالَت" وَهُوَ الْمُوَافق لما فِي البُخَارِيّ وَمُسلم.
[ ١ / ٤٠٧ ]
النَّاسِ وَسِقَاطُهُمْ١؟ -أَوْ كَمَا قَالَتْ- فَقَالَ لَهُمَا: قَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أُسْكِنُكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ خَلْقِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا ٢.
وَأَمَّا جَهَنَّمُ فَإِنَّهَا لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ قَدَمَهُ فِيهَا فَيَنْزَوِيَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ قَدِ قَدِ قَدِ ٣ وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ الله ينشئ لَهَا مَا من خلقه" ٤.
_________________
(١) ١ فِي س "وسقاطتهم" وَفِي ط، ش "وسقطتهم" وَالَّذِي ورد فِي البُخَارِيّ وَمُسلم "وَسَقَطهمْ". ٢ فِي الأَصْل "ملأها" وَبِمَا أُثبتنا جَاءَ فِي ط، س، ش وَهُوَ الصَّوَاب إعرابًا؛ لِأَنَّهَا مُبْتَدأ مُؤخر، وَبِه جَاءَ لفظ البُخَارِيّ وَمُسلم انْظُر تَخْرِيج الحَدِيث. ٣ قَوْله: "قد قد قد" لَيْسَ فِي ط، س، ش، وَلَيْسَ فِي الْجَمِيع لفظ "فَتَقول" كَمَا فِي مُسلم ولعلها سَقَطت. ٤ فِي ط، س، ش "من شَاءَ من خلقه" وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. والْحَدِيث ورد فِي البُخَارِيّ وَمُسلم انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّفْسِير تَفْسِير سوة "ق"، بَاب "وَتقول هَل من مزِيد" حَدِيث ٤٨٥٠، ٨/ ٥٩٥ من طَرِيق آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيِّ ﷺ: "تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَت الْجنَّة: مَالِي لَا يدخلني إِلَّا ضعفاء النَّاس وَسَقَطهمْ؟ قَالَ الله تبَارك وتعالي للجنة: أَنْت رَحْمَتي أرْحم بك من أَشَاء من عبَادي، وَقَالَ للنار: إِنَّمَا أَنْت عَذَابي أعذب بك من أَشَاء من عبَادي وَلكُل وَاحِدَة مِنْهُمَا ملؤُهَا، فَأَما النَّار لَا تمتلئ حت يضع رجله فَتَقول: قطّ قطّ قطّ فنهالك تمتلئ ويزوى بَعْضهَا إِلَى بعض، وَلَا يظلم الله ﷿ من خلقه أحدا وَأما الْجنَّة فَإِن الله عزوجل ينشئ لَهَا خلقا". وَقَرِيب من هَذَا فِي الْمصدر نَفسه، كتاب التَّوْحِيد، بَاب ماجاء فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾ حَدِيث ٧٤٤٩، ١٣/ ٤٣٤ عَن أبي هُرَيْرَة. وبلفظ مقارب للفظ البُخَارِيّ ورد فِي صَحِيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْجنَّة، بَاب النَّار يدخلهَا الجبارون وَالْجنَّة يدخلهَا الضُّعَفَاء، حَدِيث ٣٥، ٣٦ جـ٤ ص"٢١٨٦-٢١٨٧" من طَرِيق أُخْرَى عَن أبي هُرَيْرَة.
[ ١ / ٤٠٨ ]
فَأخْبرنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ١، أَنَّ عَوْفًا٢ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ كَمَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ٣، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ٤، حَدَّثَهُ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ٥ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَطْوِي الْمَظَالِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَجْعَلُهَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَجْرِ الْأَجِيرِ، وَعَقْرِ الْبَهِيمَةِ وَفَضِّ خَاتَمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ" ٦ يُرِيدُ افْتِضَاضَ الْأَبْكَارَ.
فَانْظُرْ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ فِي أَلْفَاظِ مَا رَوَيْتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي أَقْرَرْتَ بِأَنَّهُ قَالَهُ هَلْ تَحْتَمِلُ٧ أَلْفَاظُهُ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ٨؟.
_________________
(١) ١ عُثْمَان بن الْهَيْثَم، تقدم ص"٤٠٧". ٢ عَوْف الْأَعرَابِي، تقدم ص"٣٥١". ٣ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، تقدم ص"١٧١". ٤ مُعَاوِيَة بن صَالح بن حدير، تقدم ص"١٧١". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب "١/ ٢٤٠ ": رَاشد بن سعد المقرائي -بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَفتح الرَّاء وَبعدهَا همزَة ثمَّ يَاء النّسَب- الْحِمصِي، ثِقَة كثير الْإِرْسَال من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ثَمَان وَقيل: "ثَلَاث عشرَة/ بخ وَالْأَرْبَعَة، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٣/ ٢٢٦-٢٢٧ أَنه روى عَن ثَوْبَان وَغَيره وَعنهُ مُعَاوِيَة بن صَالح. ٦ الحَدِيث ظَاهر الْإِرْسَال فراشد بن سعد لم يدْرك النَّبِيِّ ﷺ انْظُر: تَهْذِيب التَّهْذِيب ٣/ ٢٢٦. وَأخرجه ابْن مَنْدَه فِي الرَّد على الْجَهْمِية، تَحْقِيق وَتَعْلِيق د. مُحَمَّد على الفقيهي ص"٤٤" قَالَ: "أخبرنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان بن حذلم، ثَنَا أَبُو زرْعَة، ثَنَا أَبُو صَالح، ثَنَا مُعَاوِيَة بن صَالح، عَن رَاشد بن سعد، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِن الله ﷿ يطوي الْمَظَالِم يَوْم الْجُمُعَة، فيجعلها تَحت قدمه، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَجْرِ الْأَجِير وعقر الْبَهِيمَة وفض الْخَتْم -يَعْنِي الْأَبْكَار- " وَانْظُر مُشكل الْآثَار لِابْنِ فورك، الطبعة الثَّانِيَة ص"٩٧". ٧ فِي س "هَل يحْتَمل". ٨ فِي ط، س، ش "الَّذِي ذهبت إِلَيْهِ أَنْت".
[ ١ / ٤٠٩ ]
بَابُ: مَا جَاءَ فِي الْعَرْشِ
ثُمَّ انْتَدَبْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ مُكَذِّبًا بِعَرْشِ اللَّهِ وَكُرْسِيِّهِ، مُطْنِبًا فِي التَّكْذِيبِ بِجَهْلِكَ، مُتَأَوِّلًا فِي تَكْذِيبِهِ بِخِلَافِ مَا تَعْقِلُهُ الْعُلَمَاءُ١ فَرَوَيْتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٢ ﵄ قَالَ: "وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَعلمه"٣.
_________________
(١) ١ فِي س "بِخِلَاف مَا يعقله الْعُقَلَاء وَالْعُلَمَاء" وَفِي ط، س، ش. بِخِلَاف مَا تَفْعَلهُ الْعُقَلَاء وَالْعُلَمَاء". ٢ عبد الله بن عَبَّاس ﵄، تقدم ص"١٧٢". ٣ فِي ط، س، ش "وسع كرسيه السَّمَوَات وَالْأَرْض: علمه" قلت: والمروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كرسيه: علمه أخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره من طَرِيق جَعْفَر بن أبي الْمُغيرَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْن عَبَّاس ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ قَالَ: كرسيه: علمه انْظُر: تَفْسِير الطَّبَرِيّ، تَحْقِيق وَتَخْرِيج مَحْمُود شَاكر وَأحمد شَاكر ٥/ ٣٩٧. وَذكره ابْن مَنْدَه فِي الرَّد على الْجَهْمِية بتحقيق وَتَخْرِيج على الفقيهي، ص"٤٥-٤٦" من طَرِيق جَعْفَر بن أبي الْمُغيرَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ: كرسيه: علمه قَالَ ابْن مَنْدَه: وَلم يُتَابع عَلَيْهِ جَعْفَر وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيّ فِي سعيد بن جُبَير، وَذكر الْمَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن أبي مُوسَى أَن الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَرْشِ والكرسي ص"٣٩٢": وَقَالَ ﵎ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وروينا عَن سيعد بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنه قَالَ: "علمه" =
[ ١ / ٤١٠ ]
قُلْتَ: فَمَعْنَى الْكُرْسِيِّ الْعِلْمُ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى غَيْرِ الْعِلْمِ أَكْذَبَهُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى١.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمَرِيسِيِّ: أَمَّا مَا رَوَيْتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٢ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرٍ الْأَحْمَرِ٣ وَلَيْسَ جَعْفَرٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ، إِذْ قَدْ خَالَفَتْهُ٤ الرُّوَاةُ الثِّقَاتُ الْمُتْقِنُونَ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ الْبَطِينُ٥، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَير٦، عَن
_________________
(١) = وَسَائِر الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره تدل على أَن المُرَاد بِهِ الْكُرْسِيّ الْمَشْهُور الْمَذْكُور مَعَ الْعَرْش. وَضعف أَيْضا مَا نقل عَن بَعضهم أَن كرسيه علمه شيخ الْإِسْلَام ابْن تيميه ٦/ ٥٨٤ من مَجْمُوع الفتاوي، وَنقل الذَّهَبِيّ مَا نسب إِلَى ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: "كرسيه علمه" وَقَالَ: "فَهَذَا جَاءَ من طَرِيق الْأَحْمَر، لين، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: إِنَّمَا يرْوى هَذَا بِإِسْنَاد مطعون فِيهِ"، انْظُر: "الْعُلُوّ الذَّهَبِيّ، مُرَاجعَة وَتَصْحِيح عبد الرَّحْمَن عُثْمَان ص"٩١". وَقَالَ أَبُو مَنْصُور الْأَزْهَرِي فِي تَهْذِيب اللُّغَة، تَحْقِيق عَليّ حسن الْهِلَالِي، ومراجعة مُحَمَّد عَليّ النجار ١٠/ ٥٤: "وَالصَّحِيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْكُرْسِيِّ مَا رَوَاهُ الثَّوْريّ وَغَيره من عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ -وَذكره- ثمَّ قَالَ: وَهَذِه الرِّوَايَة اتّفق أهل الْعلم على صِحَّتهَا، وَالَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْكُرْسِيِّ أَنه الْعلم فَلَيْسَ مِمَّا يُثبتهُ أهل الْمعرفَة بالأخبار". ١ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ عبد الله بن عَبَّاس ﵄ تقدم ص"١٧٢". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٣٠: جَعْفَر بن زِيَاد الْأَحْمَر الْكُوفِي، صَدُوق يتشبع من السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٦٧هـ/ د ت س. ٤ فِي ك، ش "خَالفه" وَكِلَاهُمَا جَائِز لإسناد الْفِعْل إِلَى جمع التكسير. ٥ مُسلم البطين تقدم ص"٣٩٩". ٦ سعيد بن جُبَير، تقدم ص"١٧٣".
[ ١ / ٤١١ ]
ابْنِ عَبَّاسٍ١ فِي الْكُرْسِيِّ خِلَافَ مَا ادَّعَيْتَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
حَدثنَا يَحْيَى٢ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ٣، عَنْ وَكِيعٍ٤، عَنْ سُفْيَانَ٥، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ٦، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ٧، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ٨، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٩ قَالَ: "الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، الْعَرْش لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ"١٠.
فَأَقَرَّ الْمَرِيسِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَصَحَّحَهُ، وَزَعَمَ أَنَّ وَكِيعًا١١ رَوَاهُ إِلَّا أَنَّ تَفْسِيرَ الْقَدَمَيْنِ هَاهُنَا فِي دَعْوَاهُ: الثَّقَلَيْنِ قَالَ: يَضَعُ اللَّهُ عِلْمَهُ وَقَضَاءَهُ لِلثَّقَلَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَحْكُمُ بِهِ فِيهِمْ فَهَلْ سَمِعَ سَامِعٌ مِنَ الْعَالَمِينَ بِمِثْلِ مَا ادّعى هَذَا المريسي؟
_________________
(١) ١ فِي س "عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄" وَتَقَدَّمت تَرْجَمته ص"١٧٢". ٢ هُوَ يحيى الْحمانِي، تقدم ص"٣٩٩". ٣ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، تقدم ص"٣٩٩". ٤ وَكِيع، تقدم ص"١٥٠". ٥ سُفْيَان، هُوَ الثَّوْريّ كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك ابْن كثير فِي تفسره لآيَة الْكُرْسِيّ انْظُر: ١/ ٣٠٩ وَتَقَدَّمت تَرْجَمته ص"١٧٥". ٦ عمار الدهني، تقدم ص"٣٩٩". ٧ مُسلم البطين، تقدم ص"٣٩٩". ٨ سعيد بن جُبَير، تقدم ص"١٧٣". ٩ عبارَة "﵄" لَيست فِي ط، س، ش. ١٠ تقدم هَذَا الْأَثر سندًا ومتنًا ص"٣٩٩-٤٠٠". ١١ وَكِيع بن الْجراح، تقدم ص"١٥٠".
[ ١ / ٤١٢ ]
وَيْلَكَ! عَمَّنْ أَخَذْتَهُ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْطَانٍ تَلَقَّيْتَهُ؟ فَإِنَّهُ مَا سَبَقَكَ إِلَيْهَا آدَمِيٌّ نَعْلَمُهُ١.
أَيَحْتَاجُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ٢ أَنْ يَضَعَ مُحَاسَبَةَ الْعِبَادِ عَلَى كِتَابِ عِلْمِهِ، وَأَقْضِيَتِهِ يَحْكُمُ بِمَا فِيهِ بَيْنَهُمْ؟ وَلَا أَرَاكَ مَعَ كَثْرَةِ جَهْلِكَ إِلَّا وَسَتَعْلَمُ٣ أَنَّكَ احْتَجَجْتَ بِبَاطِلٍ، جَعَلْتَهُ أُغْلُوطَةً تُغَالِطُ بِهَا أَغْمَارَ ٤ النَّاسِ وَجُهَّالَهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٥ أَيْضًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَأَقْرَعُهُ فَيُفْتَحُ لِي، فَأَرَى رَبِّي وَهُوَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، فَيَتَجَلَّى لِي فَأَخِرُّ سَاجِدًا"٦ فَهَلْ يَجُوزُ لَكَ فِي تَأْوِيلِكَ أَنَّهُ يَأْتِي رَبَّهُ وَهُوَ عَلَى عِلْمِهِ؟ إِذْ
_________________
(١) ١ فِي س "بِعِلْمِهِ"، وَمَا أَثْبَتْنَاهُ أوضح. ٢ لفظ "﷿" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ فِي ش "وسنعلم" بالنُّون. ٤ الأغمار جمع غمر، تقدم مَعْنَاهَا ص"١٤٧". ٥ فِي ط، س، ش "﵄" وَتَقَدَّمت تَرْجَمته ص"١٧٢". ٦ ورد الحَدِيث فِي ط، س، ش بِلَفْظ: "آتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَيُفْتَحُ لِي، فَأَرَى رَبِّي وَهُوَ على كرسيه، تَارَة يكون بِذَاتِهِ على الْعَرْش وَتارَة يكون على الْكُرْسِيّ فيتجلى لي فَأخر سَاجِدا" وَفِي س "فيتجلى لي". وَهَذَا الحَدِيث ورد فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ١/ ٢٨١-٢٨٢ عَن ابْن عَبَّاس فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "فنأتي بَاب الْجنَّة فآخذ بِحَلقَة الْبَاب فأقرع الْبَاب فَيُقَال: من أَنْت فَأَقُول: أَنا مُحَمَّد فَيفتح لي، فَآتي رَبِّي ﷿ على كرسيه أَو سَرِيره -شكّ حَمَّاد- فَأخر لَهُ سَاجِدا". وَأخرجه أَيْضا البُخَارِيّ وَمُسلم انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَوْله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ حَدِيث ٧٤٤٠ جـ١٣ ص "٤٢٢" عَن أنس فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "فَيَأْتُوني فَأَسْتَأْذِن على رَبِّي فِي دَاره فَيُؤذن لي عَلَيْهِ، فَإِذا رَأَيْته وَقعت سَاجِدا". وَفِي مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْإِيمَان، بَاب أدني أهل الْجنَّة منزلَة فِيهَا، حَدِيث ١٩٣-١/ ١٨٠ عَن أنس أَثْنَائِهِ بِلَفْظ: "فَيَأْتُوني فَأَسْتَأْذِن على رَبِّي فَيُؤذن لي فَإِذا أَنا رَأَيْته وَقعت سَاجِدا".
[ ١ / ٤١٣ ]
ادَّعَيْتَ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْكُرْسِيَّ غَيْرُ الْعِلْمِ أَكْذَبَهُ الْقُرْآنُ بِمَا رَوَيْتَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ١، فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ نَفْسِهِ خِلَافَ مَا رَوَيْتَ فِيهِ: فَكَيْفَ تَحِيدُ عَنْ هَذَا الْمَشْهُورِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى الْمَغْمُورِ٢ عَنْهُ إِلَّا مِنْ ظَنَّةٍ وَرِيبَةٍ؟.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: مَنْ ذَهَبَ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَى غَيْرِ الْعِلْمِ أَكْذَبَهُ كِتَابُ اللَّهِ وَيْلَكَ! وَأَيُّ آيَةٍ٣ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تُكَذِّبُهُ؟ أَأَنْزَلَ عَلَى غِيَاثٍ الْيَهُودِيِّ فِي تَكْذِيبِهِ آيَةً٤ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ؟!
وَيْلَكَ! وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ إِلَّا وَقَدْ عَقِلَ أَمْرَ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ، وَآمَنَ بِهِمَا إِلَّا أَنْتَ وَرَهَطُكَ؟ وَلَيْسَ الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُسْنَدَ فِي تَثْبِيتِهِمَا الْآثَارُ وَيُؤَلَّفُ٥ فِيهِمَا الْأَخْبَارُ لَوْلَا أغلوطاتك٦ هَذِه. لما أَن٧
_________________
(١) ١ عبد الله بن عَبَّاس ﵄، تقدم ص”١٧٢". ٢ فِي ط، ش "المغموز" بالزاي. ٣ فِي ط، س، ش "وَآيَة آيَة". ٤ الْعبارَة من قَوْله "من كتاب الله إِلَى قَوْله: "فِي تَكْذِيبه آيَة" لَيست فِي ط، ش. ٥ فِي ط، ش "وتكيف"، وَفِي س "وتكف" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٦ فِي ط، س، ش "لَوْلَا أغلوطتك". ٧ فِي ط، س، ش "لما كَانَ".
[ ١ / ٤١٤ ]
عِلْمَهُمَا١ وَالْإِيمَانَ بِهِمَا٢ خَلُصَ إِلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، إِلَّا إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ، طَهَّرَ اللَّهُ مِنْكُمْ بِلَادَهُ، وأراح مِنْكُم عباده.
والعجيب مِنِ اسْتِطَالَتِكَ بِجَهَالَتِكَ٣ هَذِهِ وَأُغْلُوطَاتِكَ٤، إِذْ تَقول لمن هُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ مِنْكَ: إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا تَفْسِيرَ مَا قُلْنَا وَإِلَّا فَسَلُوا٥ الْعلمَاء ولاتعجلوا بِالْقَضَاءِ.
وَيْلَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ، قَدْ سَأَلْنَا الْعُلَمَاءَ، وَجَالَسْنَا الْفُقَهَاءَ، فَوَجَدْنَاهُمْ كُلَّهُمْ٦ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِكَ، فَسَمِّ عَالِمًا مِمَّنْ مَضَى وَمِمَّنْ غَبَرَ٧ يحْتَج بِمثل هَذِه العمايات يتَكَلَّم بهاحتى نَعْرِفَهُ فَنَسْأَلَهُ٨ فَإِنَّا مَا رَأَيْنَا مُتَكَلِّمًا يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ أَظْهَرَ كُفْرًا وَأَسْمَجَ كَلَامًا وَأَقَلَّ إِصَابَةً فِي التَّأْوِيلِ مِنْكَ.
وَقَدْ عَرَضْنَا كَلَامَكَ عَلَى كَلَامِ مَنْ مَضَى وَمَنْ غبر من الْعلمَاء فَمَا فَوَجَدنَا أَحَدًا عَلَى مَذْهَبِكَ وَعَرَضْنَاهُ عَلَى لُغَات الْعَرَب والعجم فَلم
_________________
(١) ١ فِي س "علمهَا". ٢ فِي ط، س، ش "بهَا". ٣ فِي ط، س، ش "وجهالتك". ٤ فِي ط، ش "وأغلوطتك". ٥ فِي س "وَإِلَّا فاسألوا". ٦ فِي ط، ش، "فَوَجَدنَا كلهم" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٧ "غبر" تطلق وَيُرَاد بهَا الْمكْث أَو الذّهاب وهما ضدان، قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط الطبعة الرَّابِعَة ٢/ ٩٩ فصل الْغَيْن بَاب الرَّاء مَادَّة "غبر": "غبر غبورًا مكث وَذهب، ضد، وَهُوَ غابر من غبر كركع، وغبر الشَّيْء بِالضَّمِّ بَقِيَّته كغبره". ٨ فِي ط، ش "ونسأله".
[ ١ / ٤١٥ ]
يَحْتَمِلْ شَيْءٌ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ كَلَامِكَ. وَلَوْ كَانَ عِنْدَكَ مَنْ يَنْصَحُكَ لَحَجَرَ عَلَيْكَ الْكَلَامَ فَضْلًا أَنْ يَفْتَخِرَ بِحُسْنِ الْكَلَامِ، وَسَنَذْكُرُ لَكَ آثَارًا مِمَّا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي الْكُرْسِيِّ لِتَنْظُرَ فِي أَلْفَاظِهَا: هَلْ تَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُغْلُوطَاتِكَ هَذِهِ؟
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ١، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ٢، عَنْ زَكَرِيَّا٣، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ٤، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَعْبَدٍ٥ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ بنت
_________________
(١) ١ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، تقدم ص"١٥٤". ٢ هُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة الْقرشِي مَوْلَاهُم، الْكُوفِي، أَبُو أُسَامَة، مَشْهُور بكنيته ثِقَة ثَبت، رُبمَا دلّس، وَكَانَ بِآخِرهِ يحدث من كتب غَيره، وَكَانَ من كبار التَّاسِعَة مَاتَ سنة احدى وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة، ع. انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ١٩٥، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١/ ٣٢٢ أَنه روى عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ وَعنهُ أَبُو بكر عبد الرَّحْمَن بن أبي شيبَة. ٣ الرَّاجِح أَنه زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة، خَالِد وَيُقَال: هبيره بن مَيْمُون بن فَيْرُوز الْهَمدَانِي، الوادعي، أَبُو يحيى الْكُوفِي، ثِقَة، وَكَانَ رُبمَا يُدَلس، وسماعه من أبي إِسْحَاق بِآخِرهِ من السَّادِسَة، مَاتَ سنة سبع أَو ثَمَان أَو تسع وَأَرْبَعين، ع انْظُر التَّقْرِيب ١/ ٢٦١، وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٣/ ٣٢٩ انه روى عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي وَعنهُ روى وَكِيع وَأَبُو أُسَامَة وَأَبُو نعيم. ٤ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، تقدم ص"١٤٦". ٥ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي، ط، س، ش "سعد بن معبد" وَلَعَلَّ مَا فِي الأَصْل خطأ وَلم يَتَّضِح لي من يكون إِلَّا أنني أستظهر أَنه سعد بن معبد التغلبي، قَالَ "البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الْكَبِير ٤/ ٦٥": سعد بن معبد التغلبي، قَالَ إِسْحَاق بن مَنْصُور، نَا أَبُو أُسَامَة، نَا زَكَرِيَّا، عَن أبي إِسْحَاق انْتهى انْظُر: الْجرْح وَالتَّعْدِيل لِابْنِ أبي حَاتِم جـ٢ قسم ١/ ٩٥.
[ ١ / ٤١٦ ]
عُمَيْسٍ١ "أَنَّ جَعْفَرًا٢ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٣ جَاءَهَا إِذْ هُمْ بِالْحَبَشَةِ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَتْ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ فَتًى مُتْرَفًا مِنَ الْحَبَشَةِ شَابًّا جَسِيمًا مَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ، فَطَرَحَ دَقِيقًا كَانَ مَعَهَا، فَنَسَفَتْهُ٤ الرِّيحُ، فَقَالَتْ: أَكِلُكَ إِلَى يَوْمٍ يَجْلِسُ الْمَلِكُ عَلَى الْكُرْسِيِّ فَيَأْخُذ للمظلوم من الظَّالِم"٥
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٥٨٩: أَسمَاء بنت عُمَيْس الخثعمية، صحابية، تزَوجهَا جَعْفَر بن أبي طَالب، ثمَّ أَبُو بكر، ثمَّ عَليّ وَولدت لَهُم، وَهِي أُخْت ميمونه بنت الْحَارِث، أم الْمُؤمنِينَ لأمها، مَاتَت بعد عَليّ، خَ وَالْأَرْبَعَة، انْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة جـ٤ ص"٢٣٠-٢٣٢" وَأسد الغابة ٥/ ٣٩٥-٣٩٦ والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٤/ ٢٥٥-٢٣٠ وتهذيب التَّهْذِيب ١٢/ ٣٩٨-٣٩٩. ٢ هُوَ جَعْفَر بن أبي طَالب الْهَاشِمِي، ذُو الجناحين، الصَّحَابِيّ الْجَلِيل، ابْن عَم رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، اسْتشْهد فِي غَزْوَة مُؤْتَة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة/ س، النّظر: التَّقْرِيب ١/ ١٣١، وَقَالَ الخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص"٥٣": أحد السَّابِقين الْأَوَّلين هَاجر الهجرتين، لَهُ أَحَادِيث وَعنهُ ابْنه عبد الله وَابْن مَسْعُود أم سَلمَة قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "دخلت الْجنَّة البارحة فَإِذا جَعْفَر يطير مَعَ الْمَلَائِكَة" وَاسْتشْهدَ فِي غَزْوَة مُؤْتَة سنة ثَمَان وَوجد فِيمَا أقبل من جسده بضع وَتسْعُونَ مَا بَين رمية وطعنة ﵁ عَن إِحْدَى وَأَرْبَعين أَو ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة. وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ١/ ٢١١-٢١٤ وَأسد الغابة ١/ ٢٨٦-٢٨٩ والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ١/ ٢٣٩-٢٤٠، وتهذيب التَّهْذِيب ٢/ ٩٨-٩٩. ٣ قَوْله: "﵄" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، ش "فسفته". ٥ أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد، مُرَاجعَة وَتَعْلِيق مُحَمَّد خَلِيل هراس ص"١٠٦-١٠٧" من طَرِيق أبي أُسَامَة قَالَ: ثَنَا زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة، عَن أبي إِسْحَاق، عَن سعد بن معبد، عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس بِنَحْوِهِ. وَذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ بتعليق عبد الرازق عفيف ص"٤٨" عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس، وَقَالَ: روى نَحوه خَالِد بن عبد الله الطَّحَّان، عَن عَطاء بن السَّائِب فَقَالَ: عَن محَارب بن دثار، عَن ابْن بُرَيْدَة وَعَن أَبِيه. قلت: وبنحوه مَا أخرجه ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم وَغَيرهم، وَانْظُر تَخْرِيج الحَدِيث بعده.
[ ١ / ٤١٧ ]
حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ١، ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ٢، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ٣، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ٤، عَنْ أَبِيهِ٥ قَالَ: لما قدم جَعْفَر٦ من
_________________
(١) ١ يحيى الْحمانِي، تقدم ص"٣٩٩" وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١٥٠٧ أَنه روى عَن خَالِد بن عبد الله الوَاسِطِيّ. ٢ خَالِد بن عبد الله تقدم ص"٢٧٠". ٣ عَطاء بن السَّائِب، تقدم ص"١٧٣". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٠٣-٤٠٤: عبد الله بن بُرَيْدَة -مُصَغرًا بن الْحصيب- بِضَم فَفتح فَسُكُون -الْأَسْلَمِيّ أَبُو سهل الْمروزِي، قاضيها، ثِقَة من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة خمس وَمِائَة وَقيل: بل خمس عشرَة لَهُ ١٠٠ سنة/ ع وَذكر فِي الكاشف ٢/ ٧٤ أَنه روى، عَن أَبِيه وَعمْرَان بن حُصَيْن وَعَائِشَة. ٥ هُوَ بُرَيْدَة بن الْحصيب: قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٩٦: بُرَيْدَة بن الْحصيب، بمهملتين مُصَغرًا، أَبُو سهل الْأَسْلَمِيّ، صَحَابِيّ أسلم قبل بدر، مَاتَ سنة ٦٣. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ١٥٢: وَعنهُ أبناه وَالشعْبِيّ وعدة. انْظُر: أَسد الغابة ١/ ١٧٥-١٧٦ والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ١/ ١٥٠، وتهذيب التَّهْذِيب ١/ ٤٣٢-٤٣٥. ٦ جَعْفَر بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، تقدم ص"٤١٧".
[ ١ / ٤١٨ ]
الْحَبَشَةِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ بِالْحَبَشَةِ؟ " قَالَ: رَأَيْتُ امْرَأَةً عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ فِيهِ طَعَام، فجَاء فَارس فأذراه، فجسلت تَجْمَعُهُ ثُمَّ الْتَفَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: وَيحك! كَيفَ لَوْ قَدْ وَضَعَ الْمَلِكُ كُرْسِيَّهُ فَأَخَذَ١ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ؟ فَضَحِكَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: "مَا قَدَّسَ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ شَدِيدِهَا غَيْرَ مُتَعْتَعٍ" ٢.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فَيَأْخُذ". ٢ أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه، تَرْتِيب وترقيم مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْفِتَن بَاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، حَدِيث ٤٠١٠، ٢/ ١٣٢٩ من طَرِيق سعيد بن سُوَيْد، ثَنَا يحيى بن سليم، عَن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خثيم، عَن أبي الزبير عَن جَابر قَالَ: لما رجعت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مهاجرة الْبَحْر قَالَ: "أَلا تحدثوني بأعاجيب مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْض الْحَبَشَة"، وَذكره بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنه ذكر أَن الَّذِي كَانَت تحمله قلَّة مَاء، وَقَالَ مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي فِي الزَّوَائِد: "إِسْنَاده حسن، وَسَعِيد بن سُوَيْد مُخْتَلف فِيهِ". وَأخرجه أَيْضا الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات "٤٠٤" من طَرِيق آخر عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ محَارب بن دثار، عَن ابْن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه ﵁، قَالَ: لما قدم جَعْفَر ﵁ من الْحَبَشَة.. وَذكره بِنَحْوِهِ فِيهِ أَن الَّذِي كَانَ على رَأسهَا من طَعَام. وَأخرجه آخِره الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بذيله التَّلْخِيص ٣/ ٢٥٦ عَن أبي سُفْيَان ﵁ بلفط: "وَإِن الله لَا يترحم على أمة لَا يَأْخُذ الضَّعِيف مِنْهُم حَقه من الْقوي غير متعتع" وأعل إِسْنَاده الْحَاكِم وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ. وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ، بتحقيق عبد الرَّزَّاق عفيفي ص"٤٩-٥٠" عَن أبي الزبير عَن جَابر، وَذكره بِنَحْوِهِ وَقَالَ: إِسْنَاده صَالح. وخرجه الألباني فِي مُخْتَصر الْعُلُوّ من طَرِيق مِنْهَا طَرِيق عَطاء بن السَّائِب، عَن محَارب بن دثار، عَن ابْن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه، وَقَالَ: إِسْنَاده صَحِيح لَوْلَا أَن عَطاء ابْن السَّائِب كَانَ اخْتَلَط وَلكنه يستشهد بِهِ فَالْحَدِيث صَالح إِن شَاءَ الله تَعَالَى، انْظُر: مُخْتَصر الْعُلُوّ للألباني ص"١٠٦-١٠٧". وَذكره آخر السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِع الصَّغِير حـ ٢/ ١٧٩ عَن بُرَيْدَة وَقَالَ: صَحِيح رَوَاهُ أَبُو يعلى فِي مُسْنده وَالْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن. وَأورد آخِره أَيْضا الألباني فِي صَحِيح الْجَامِع الصَّغِير وزيادته جـ٢/ ١٧٩ وَقَالَ عَنهُ صَحِيح.
[ ١ / ٤١٩ ]
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ١، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُور٢ أبنا٣ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غفرة٤ قَالَ: سعمت أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ٥: ﵁"٦ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عيله وَسَلَّمَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة من
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣١٨: هِشَام بن خَالِد بن يزِيد بن مَرْوَان الْأَزْرَق، أَبُو مَرْوَان الدِّمَشْقِي، صَدُوق، من الْعَاشِرَة مَاتَ سنة ٤٩. ٢ فِي ط، ش "ابْن سَابق"، وَفِي س "بن سَابُور" بِالْمُهْمَلَةِ وَصَوَابه من فِي الأَصْل، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٧٠: مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَة، الْأمَوِي مَوْلَاهُم، الدِّمَشْقِي، نزيل بيروت، صَدُوق صَحِيح الْكتاب من كبار التَّاسِعَة مَاتَ سنة ٢٠٠ وَله ٨٤ سنة، الْأَرْبَعَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٢/ ٥٣: قَرَأَ على يحيى الذمارِي وَسمع عمر مولى غفرة وَعنهُ ابْن الْمُبَارك. ٣ لم تعجم فِي الأَصْل وَالرَّاجِح أَنَّهَا "أبنا" وَفِي س "أخبرنَا" وهما بِمَعْنى وَاحِد، انْظُر: تعليقنا على ص"١٣٧" هَامِش "٣" وَفِي ط، س، "وَأخْبرنَا" بِزِيَادَة الْوَاو فِي أَوله. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٥٩: عمر بن عبد الله الْمدنِي، مولى غفرة، بِضَم الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْفَاء، ضَعِيف، وَكَانَ كثير الْإِرْسَال، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٤٥ أَو ٤٦/ د ت، قَالَ فِي الكاشف: يُقَال أدْرك ابْن عَبَّاس، سمع أنسا وَابْن الْمسيب وَعنهُ عِيسَى بن يُونُس وَبشر الْمفضل وعدة، عَامَّة حَدِيثه مُرْسل، ضعفه النَّسَائِيّ وَوَثَّقَهُ ابْن سعد. ٥ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، تقدم ص"٢٠١". ٦ مَا بَين المعكوفتين لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٢٠ ]
أَيَّامِ الْآخِرَةِ هَبَطَ الرَّبُّ مِنْ عَرْشِهِ ١ إِلَى كُرْسِيِّهِ، وَحَفَّ الْكُرْسِيَّ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا النَّبِيُّونَ، حف ٢ الْمَنَابِرَ بِكَرَاسِيَّ مِنْ ذَهَبٍ فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا الصديقون وَالشُّهَدَاء" ٣.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "عَن عَرْشه". ٢ فِي ط، س، ش "وحفت المنابر". ٣ أخرجه الشَّافِعِي فِي مُسْنده من طَرِيق آخر عَن أنس بن مَالك يَقُول: "أَي جِبْرِيل بِمِرْآة بَيْضَاء فِيهَا وكتة إِلَى النَّبِيِّ ﷺوَذكره إِلَى النَّبِي أَن قَالَ: "إِن رَبك اتخذ فِي الفرودس وَاديا أفيح.." إِلَخ بأطول، من هَذَا، انْظُر بَدَائِع المنن فِي جمع وترتيب مُسْند الشَّافِعِي وَالسّنَن لِأَحْمَد الْبَنَّا الطبعة الأولى ١/ ١٥٠. وَأخرجه أَيْضا عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"٤٨-٤٩" عَن أنس مطولا، وَأخرجه الْآجُرِيّ، فِي الشَّرِيعَة، بتحقيق حَامِد الفقي ص"٢٦٥" عَن أنس بن مَالك مطولا. وَذكر لَهُ طرقًا. وَأخرجه ابْن مَنْدَه فِي الرَّد على الْجَهْمِية تَحْقِيق وَتَخْرِيج، عَليّ مُحَمَّد الفقيهي ص"١٠١" عَن أنس مَرْفُوعا مُخْتَصرا. وَقَالَ ابْن مَنْدَه، هَذَا حَدِيث مَشْهُور، عَن عُثْمَان بن عُمَيْر. وَأوردهُ ابْن كثير فِي النِّهَايَة، تَحْقِيق د. طه مُحَمَّد الزيني ٢/ ٤٨١-٤٨٢ وَعَزاهُ إِلَى ابْن عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَالْبَزَّار والحافظ أبي يعلى فِي مُسْنده وَغَيرهم قَالَ: وَقد اعتنى بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ فَأوردهُ من طَرِيق. وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ ص"٣١" عَن أنس مطولا وَقَالَ: هَذَا حَدِيث مَشْهُور وافر، أخرجه الإِمَام عبد الله بن أَحْمد فِي كتاب السّنة لَهُ عَن عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد النَّرْسِي، عَن عمر بن يُونُس، ثمَّ ذكر الذَّهَبِيّ لَهُ طرقًا عدَّة وَقَالَ: وَهَذِه طرق يعضد بَعْضهَا بَعْضًا رزقنا الله لَذَّة النّظر إِلَى وَجهه الْكَرِيم. وَذكره الهيثمي فِي الْمجمع ١٠/ ٤٢١ عَن أنس مطولا قَالَ: رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِنَحْوِهِ، وَأَبُو يعلى بِاخْتِصَار، وَرِجَال أبي يعلى رجال الصَّحِيح وَأحد اسنادي الطَّبَرَانِيّ وَرِجَال الصَّحِيح غير عبد الرَّحْمَن بن ثَابت بن ثَوْبَان، وَقد وَثَّقَهُ غير وَاحِد وَضَعفه غَيرهم وَإسْنَاد الْبَزَّار فِيهِ خلاف. وَأوردهُ الْموصِلِي فِي مُخْتَصر الصَّوَاعِق الْمُرْسلَة ٢/ ٢٣٧ عَن عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ بِسَنَدِهِ عَن أنس مطولا وَذكر لَهُ بِنَحْوِهِ من عشر طرق ثمَّ قَالَ: وَقد جمع ابْن أبي دواد طرق هَذَا الحَدِيث. قلت: هُوَ أَبُو بكر بن أبي دَاوُد كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي الشَّرِيعَة للآجري الْمصدر السَّابِق ص"٢٦٦".
[ ١ / ٤٢١ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١، ثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ٢- عَنْ عَاصِمٍ٣، عَنْ زِرٍّ٤، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ٥ ﵁ قَالَ: "بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ إِلَى الْمَاءِ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَالْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ، وَاللَّهُ، فَوْقَ الْعَرْشِ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُم عَلَيْهِ"٦.
_________________
(١) ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٢ حَمَّاد بن سَلمَة، تقدم ص"١٨٧". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٨٣: عَاصِم بن بَهْدَلَة، وَهُوَ ابْن أبي النجُود -بنُون وجيم- الْأَسدي، مَوْلَاهُم الْكُوفِي، أَبُو بكر الْمُقْرِئ، صَدُوق، لَهُ أَوْهَام، حجَّة فِي الْقِرَاءَة، وَحَدِيثه فِي الصَّحِيحَيْنِ مقرون، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ٤٨/ ع. قَالَ فِي الكاشف ٢/ ٤٩: قَرَأَ على السّلمِيّ وزر وَحدث عَنْهُمَا وَعنهُ شُعْبَة والحمادان والسفيانان. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٥٩: زر: بِكَسْر أَوله وَتَشْديد الرَّاء، ابْن حُبَيْش بِمُهْملَة وموحدة ومعجمة، مُصَغرًا، ابْن حُبَاشَة: بِضَم الْمُهْملَة بعْدهَا مُوَحدَة ثمَّ مُعْجمَة الْأَسدي، الْكُوفِي، أَبُو مَرْيَم، ثِقَة جليل، مخضرم مَاتَ سنة إِحْدَى، أَو اثْنَيْنِ، أَو ثَلَاث وَثَمَانِينَ، وَهُوَ بَان ١٢٧ سنة/ ع. ٥ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠". ٦ رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد، مُرَاجعَة وَتَعْلِيق مُحَمَّد خَلِيل هراس ص"١٠٥-١٠٦" من طَرِيقين عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُود =
[ ١ / ٤٢٢ ]
حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ قَالَا: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ"١.
حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ٢، ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ٣، عَنْ عَاصِمٍ٤، عَنْ زر٥، عَن عبد الله٦
_________________
(١) = بِهِ، قَالَ الْمُعَلق فِي الْحَبَشَة: هَذَا أثر صَحِيح عَن ابْن مَسْعُود وافر الطّرق. وَأخرجه اللاكلائي فِي شرح السّنة، تَحْقِيق د. أَحْمد سعد حمدَان ٣/ ٣٦٩، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٤٠١" من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة بِسَنَد الدَّارمِيّ بأطول من هَذَا، وَذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ ص"٢٣-٢٤" نقلا عَن الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ: رَوَاهُ بِنَحْوِهِ المَسْعُودِيّ وَله طرق. وَذكره الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد ١/ ٨٦ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِهِ، وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرِجَاله رجال الصَّحِيح. وَفِي كتاب الرَّد على الْجَهْمِية لعُثْمَان الدَّارمِيّ، تَخْرِيج الألباني ص"٢٧" جَاءَ من هَذ الطَّرِيق، وَقَالَ عَنهُ الألباني: إِسْنَاده حسن لكنه مَوْقُوف. قلت: وَلابْن حجر ﵀ بحث جيد فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي معنى هَذَا الحَدِيث فِي الْفَتْح ١٣/ ٤١٣-٤١٤ بَين فِيهِ اخْتِلَاف الرِّوَايَات وَكَيْفِيَّة الْجمع بَينهَا. ١ تقدم هَذَا الاثر سندًا ومتنًا ص"٣٩٩-٤٠٠". ٢ يحيى الْحمانِي، تقدم ص"٣٩٩". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب "١/ ١٩١" الحكم بن ظهير: بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغرًا، الْفَزارِيّ أَبُو مُحَمَّد، وكنية أَبِيه أَبُو ليلى، وَيُقَال أَبُو خَالِد، مَتْرُوك، رمي بالرفض واتهمه ابْن معِين، من الثَّامِنَة مَاتَ قَرِيبا من سنة ثَمَانِينَ/ ت. ٤ عَاصِم بن أبي النجُود، تقدم ص"٤٢٢". ٥ زر بن حُبَيْش، تقدم ص"٤٢٢". ٦ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠".
[ ١ / ٤٢٣ ]
"﵁"١ قَالَ: "مَا السَّمَاوَات وَالْأَرْضُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ حَلقَة بِأَرْض فلاة"٢.
_________________
(١) ١ مَا بَين المعكوفتين فِي ط، س، ش. ٢ فِي ط، س، ش "فِي أَرض فلاة". تَخْرِيجه: الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد ضَعِيف؛ لِأَن فِي سَنَده الحكم بن ظهير، نقل الذَّهَبِيّ فِي الكاشف والخزرجي فِي الْخُلَاصَة عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ: تَرَكُوهُ وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب: "مَتْرُوك" انْظُر: الكاشف ١/ ٢٤٥، وَالْخُلَاصَة ص"٨٩"، وتقريب التَّهْذِيب ١/ ١٩١". قلت: وَأخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"٧١" من طَرِيق آخر عَن مُجَاهِد قَالَ: "مَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي الْكُرْسِيّ إِلَّا كحلقة فِي أَرض فلاة". وَأخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره، تَحْقِيق وَتَخْرِيج مُحَمَّد شَاكر وَأحمد شَاكر، الْأَثر رقم ٥٧٩٤، ٥/ ٣٩٩ من طَرِيق ابْن زيد حَدثنِي أبي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا السَّمَاوَات السَّبع فِي الْكُرْسِيّ إِلَّا كدراهم سَبْعَة ألقيت فِي ترس" وَقَالَ أَبُو ذَر: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "مَا الْكُرْسِيّ فِي الْعَرْش إِلَّا كحلقة من حَدِيد ألقيت بَين ظهراني فلاة من الأَرْض". وَعَن أبي ذَر أخرجه أَبُو الشَّيْخ فِي العظمة، مخطوط. لوحة رقم ٣٥ بِمثل مَا ذكرنَا. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٤٠٤-٤٠٥" من طَرِيق يحيى بن سعيد السَّعْدِيّ بِسَنَدِهِ، عَن أبي ذَر مَرْفُوعا، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ يحيى بن سعيد السَّعْدِيّ وَله شَاهد بِإِسْنَاد أصح، ذكره عَن أبي ذَر مَرْفُوعا بِلَفْظ مقارب. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من طَرِيق آخر عَن مُجَاهِد مَوْقُوفا عَلَيْهِ. وَأوردهُ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور ١/ ٣٢٨ عَن مُجَاهِد مَوْقُوفا وَنسبه إِلَى سعيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَأبي الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ. وَأوردهُ الألباني فِي سلسلة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المجلد الأول حَدِيث ١٠٩ ٢/ ١٣-١٦ وَعَزاهُ إِلَى مُحَمَّد بن أبي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق ضَعِيف ثمَّ قَالَ: "وَأخرجه ابْن جرير فِي تَفْسِيره ٥/ ٣٩٩ حَدثنِي يُونُس قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب قَالَ: قَالَ ابْن زيد ثمَّ قَالَ: وَهَذَا إِسْنَاد رِجَاله كلهم ثِقَات لكني أَظن أَنه مُنْقَطع إِلَى أَن قَالَ: وَجُمْلَة القَوْل: أَن الحَدِيث بِهَذِهِ الطّرق صَحِيح وَخَيرهَا الطَّرِيق الْأَخير وَالله أعلم" يُرِيد طَرِيق ابْن جرير.
[ ١ / ٤٢٤ ]
حَدَّثَنَا١ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ٢ أبنا٣ إِسْرَائِيلُ٤، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ٥، عَنْ
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش ذكر قبل هَذَا الحَدِيث حَدِيثا آخر قَالَ: حَدثنَا يحيى الْحمانِي، حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة، عَن الْأَعْمَش، عَن مُجَاهِد قَالَ: "مَا السَّمَاوَات وَالْأَرْضُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ حَلقَة فِي أَرض فلاة" وَلَعَلَّه سقط فِي الأَصْل. وَقد سبق تَخْرِيجه. انْظُر الحَدِيث قبله. وَأما رِجَاله فهم: أيحيى الْحمانِي، تقدم ص"٣٩٩". ب أَبُو مُعَاوِيَة، لَعَلَّه مُحَمَّد بن خازم أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير، تقدّمت تَرْجَمته ص"١٥٧". وَذكر الْمزي فِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١١٩٢ أَنه روى عَن الْأَعْمَش. ج الْأَعْمَش: تقدم: ص"١٥٧". د مُجَاهِد بن جبر، تقدم ص"٢٥٢". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤١٤: عبد الله رَجَاء بن عمر الغداني بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالتَّخْفِيف، بَصرِي، صَدُوق يهم قَلِيلا، من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٢٠، وَقيل قبلهَا، وَقَالَ فِي الْحَاشِيَة: الغداني ينْسب إِلَى غُدَانَة بن يَرْبُوع، من تَمِيم، كَمَا فِي اللّبَاب، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٥/ ٢٠٩ أَنه روى عَن عِكْرِمَة بن عمار وَإِسْرَائِيل وَمِمَّنْ روى عَنهُ البُخَارِيّ. ٣ لم تعجم فِي الأَصْل وَالرَّاجِح أَنَّهَا "أبنا" وَفِي ط، س، ش "أخبرنَا" وهما بِمَعْنى وَاحِد، وَانْظُر تعليقنا ص"١٣٧". ٤ إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، تقدم ص"٢٦٧"، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١/ ٢٦١ أَنه روى عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي أَنه قَالَ: "احفظ حَدِيث أبي إِسْحَاق كَمَا أحفظ السُّورَة". ٥ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، تقدم ص"١٤٦".
[ ١ / ٤٢٥ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ١ قَالَ: "أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ، فَعَظَّمَ الرَّبَ. فَقَالَ: إِنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَإِنَّهُ لَيَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَمَا يَفْضَلُ مِنْهُ إِلَّا قَدْرُ ٢ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَمَدَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ ٣، وَإِن لَهُ أطيطًا الرحل الْجَدِيد إِذْ رَكبه من يثقله" ٤.
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤١٢: عبد الله بن خَليفَة الْهَمدَانِي، مَقْبُول، من الثَّانِيَة، فق، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال ٢/ ٤١٤: تَابِعِيّ مخضرم لَهُ عَن عمر وَعنهُ أَبُو إِسْحَاق وَيُونُس بن أبي إِسْحَاق. ٢ كَذَا بِالِاسْتِثْنَاءِ. ٣ فِي س "وَمد أَصَابِعه الْأَرْبَعَة". ٤ الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد ضَعِيف، فِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ. قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ٢/ ٤١٤: "لَا يكَاد يعرف"، وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب ١/ ٤١٢: "مَقْبُول" وَقَالَ الألباني فِي سلسلة الْأَحَادِيث الضعيفة ٢/ ٢٥٧: "لم يوثقه غير ابْن حبَان وتوثيقه لَا يعْتد بِهِ كَمَا بيّنت ذَلِك مرَارًا"، وَقَالَ ابْن كثير فِي تَفْسِيره ١/ ٣١٠: "لَيْسَ بذلك الْمَشْهُور، وَفِي سَمَاعه من عمر نظر، ثمَّ مِنْهُم من يرويهِ عَن عمر، مَوْقُوفا، وَمِنْهُم من يرويهِ مُرْسلا، وَمِنْهُم من يزِيد فِي مَتنه زِيَادَة غَرِيبَة، وَمِنْهُم من يحذفها، وَأغْرب مِنْهُ حَدِيث جُبَير بن مطعم فِي صفة الْعَرْش كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كِتَابه السّنة من سنَنه وَالله أعلم" وَأوردهُ ابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد، مُرَاجعَة وَتَعْلِيق مُحَمَّد هراس ص"١٠٦"، بِصِيغَة التمريض من طَرِيق عبد الله بن خَليفَة وَقَالَ: "وَقد رَوَاهُ وَكِيع بن الْجراح، عَن إِسْرَائِيل، عَن أبي إِسْحَاق عبد الله بن خَليفَة وَقَالَ: "قد رَوَاهُ وَكِيع بن الْجراح، عَن إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عبد الله بن خَليفَة مُرْسلا لَيْسَ فِيهِ ذكر عمر بِيَقِين وَلَا ظن، وَلَيْسَ هَذَا الْخَبَر من شرطنا؛ لِأَنَّهُ غير مُتَّصِل الْإِسْنَاد، لسنا نحتج فِي هَذَا الْجِنْس من الْعلم بالمراسيل المنقطعات". وَأوردهُ الهيثمي فِي الْمجمع ١/ ٨٣ عَنْ عُمَرَ ﵁ بِلَفْظ. الأطيط وَلَيْسَ فِيهِ الْعُقُود وَمِقْدَار الْأَصَابِع وَقَالَ: رَوَاهُ الْبَزَّار وَرِجَاله رجال الصَّحِيح. وَتعقب فِي الْهَامِش بِأَن فِيهِ عبد الله بن خَليفَة وَهُوَ مَجْهُول. وَأوردهُ الألباني فِي سلسلة الْأَحَادِيث الضعيفة برقم ٨٦٦، ٢/ ٢٥٦ بِلَفْظ =
[ ١ / ٤٢٦ ]
دَعْوَى المريسي تَنْزِيه الله عَن المشابهة ومناقشته فِي ذَلِك:
فَهَاكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ خُذْهَا مَشْهُورَةً مَأْثُورَةً فَصُرَّهَا١، وَضَعْهَا بِجَنْبِ تَأْوِيلِكَ الَّذِي خلقت فِيهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢. ثُمَّ أَنْشَأْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ، وَاعِظًا لِمَنِ اتَّعَظَ قَبْلَكَ بِمَوَاعِظِ اللَّهِ وَقَبِلَهَا عَنِ اللَّهِ٣ وَصَدَّقَ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَانْتَهَى فِيهَا إِلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ. فَانْزَجَرَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ٤ فَقُلْتُ لَهُمْ: لَا تَعْتَقِدُوا فِي أَنْفُسِكُمْ٥ أَنَّ لِلَّهَ٦ شَبَهًا أَوْ مِثْلًا، أَوْ عدلا، أويدرك
_________________
(١) ١ من الصر الَّذِي هُوَ الْجمع والشد، قَالَ فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ٢/ ٤٢٩ قَالَ: "الصرة شرج الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وصررت الصرة شددتها وأصل الصر الْجمع والشد، وكل شَيْء جمعته فقد صررته: بِتَصَرُّف. ٢ عبارَة "ﷺ" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، ش "بمواعظ وَقبلهَا عَن الله". ٤ وهم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. ٥ فِي ط، ش "فِي نفوسكم". ٦ لفظ "أَن الله" لَيْسَ فِي س وَلَعَلَّه سقط سَهوا.
[ ١ / ٤٢٧ ]
بِحَاسَّةٍ، وَانْفُوا عَنِ اللَّهِ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَصِفُوهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، فَإِنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلَّهِ شَبَهًا وَعَدْلًا فَهُوَ كَافِرٌ.
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ الْمُدَّعِي فِي الظَّاهِرِ: لَمَّا أَنْتَ لَهُ مُنْتَفٍ١ فِي الْبَاطِنِ: قَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ كَمَا قَرَأْتَ٢ وَعَقِلْنَا عَنِ اللَّهِ أَن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَقَدْ نَفَيْنَا عَنِ اللَّهِ مَا نَفَى٣ عَنْ نَفْسِهِ، وَوَصَفْنَاهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فَلَمْ نَعْدُهُ، وَأَبَيْتَ أَنْ تَصِفَهُ بِمَا، وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ٤ وَوَصَفْتَهُ بِخِلَافِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ.
أَخْبَرَنَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ ذُو سَمْعٍ وَبَصَرٍ، وَيَدَيْنِ، وَوَجْهٍ، وَنَفْسٍ٥، وَعِلْمٍ، وَكَلَامٍ، وَأَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، فَآمَنَّا بِجَمِيعِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ كَمَا وَصفه بِلَا كَيفَ٦، وَنَفَيْتَهَا أَنْتَ عَنْهُ كُلَّهَا أَجْمَعَ بِعَمَايَاتٍ مِنَ الْحُجَجِ، وَتَكْيِيفٍ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ وَجْهَهُ: كُلُّهُ، وَأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِنَفْسٍ، وَأَنَّ سَمْعَهُ: إِدْرَاكُ الصَّوْتِ إِيَّاهُ، وَأَنَّ بَصَرَهُ: مُشَاهَدَةُ الْأَلْوَانِ كَالْجِبَالِ وَالْحِجَارَةِ وَالْأَصْنَامِ الَّتِي تَنْظُرُ إِلَيْكِ بِعُيُونٍ لَا تُبْصِرُ، وَأَنَّ يَدَيْهِ: رِزْقَاهُ: مُوَسَّعُهُ٧ وَمَقْتُورُهُ٨، وَأَنَّ عِلْمَهُ وَكَلَامَهُ مَخْلُوقَانِ مُحْدَثَانِ. وَأَن أسماءه
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "ناف" وَهُوَ أولى. ٢ فِي ط، ش "كَمَا قرأته". ٣ فِي ط، ش "مَا نَفَاهُ". ٤ فِي ط، س، ش زِيَادَة "فنفيت عَنهُ مَا وصف بِهِ نَفسه". ٥ وَمن أَدِلَّة ثُبُوت النَّفس قَوْله تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ سُورَة الْمَائِدَة، آيَة "١١٦". ٦ فِي ط، س، ش "بِلَا تكييف". ٧ فِي ط، س، ش "موسوعه". ٨ تقدم مَعْنَاهَا ص"٢٤٢".
[ ١ / ٤٢٨ ]
مُسْتَعَارَةٌ مَخْلُوقَةٌ مُحْدَثَةٌ، وَأَنَّ فَوْقَ١ عَرْشِهِ مِنْهُ مِثْلَ مَا هُوَ أَسْفَلِ سَافِلِينَ٢ وَأَنَّهُ فِي صِفَاتِهِ كَقَوْل النَّاس فِي كَذَا كَقَوْل وَالْعرب فِي كَذَا تَضْرِبُ لَهُ الْأَمْثَالَ تَشْبِيهًا بِغَيْرِ شَكْلِهَا، وَتَمْثِيلًا بِغَيْرِ مثله، فَأَيُّ تَكْيِيفٍ أَوْحَشَ٣ مِنْ هَذَا إِذْ نَفَيْتَ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَغَيْرَهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى٤ بِهَذِهِ الْأَمْثَالِ وَالضَّلَالَاتِ الْمُضِلَّاتِ؟.
وَادَّعَيْتَ٥ فِي تَأْوِيلِكَ أَنَّ مَعْبُودَكَ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ، أَبْكَمُ لَا يَتَكَلَّمُ، أَعْمَى لَا يُبْصِرُ، أَجْذَمُ لَا يَدَ لَهُ، مُقْعَدٌ لَا يَقُومُ وَلَا يَتَحَرَّكُ، جَاهِلٌ لَا يَعْلَمُ، مُضْمَحِلٌّ ذَاهِبٌ لَا يُوصَفُ بِحَدٍّ وَلَا بِنَفْسٍ٦ وَلَا يُدْرَكُ بِحَاسَّةٍ فِي دَعْوَاكَ. وَهَذَا خِلَافُ صِفَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ٧ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَتِهِ، وطبع على قَلْبك بجهالته، لَو قَرَأْتَ الْقُرْآنَ وَعَقِلْتَ عَنِ اللَّهِ مَعْنَاهُ لَعَلِمْتَ يَقِينًا أَنَّهُ يُدْرَكُ بِحَاسَّةٍ بَيِّنَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ مِنْهَ مُوسَى فِي الدُّنْيَا الصَّوْتَ٨ وَالْكَلَامَ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْحَوَاسِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٩
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "وَأَن مَا فَوق". ٢ فِي ش "مثل مَا هُوَ أَسْفَل سافلين". ٣ فِي الأَصْل وس "بأوحش" وَبِمَا أثبت فِي ط، ش وَبِه يَسْتَقِيم السِّيَاق. ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ فِي ش "وداعيت" وَلَعَلَّه خطأ مطبعي. ٦ قَوْله "وَلَا بِنَفس" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ فِي ط، ش، س "وَالْحَمْد لله". ٨ الْعبارَة فِي ط، ش "فقد أدْرك مُوسَى مِنْهُ الصَّوْت فِي الدُّنْيَا"، وَفِي س "فقد أدْرك مِنْهُ مُوسَى الصَّوْت فِي الدُّنْيَا". ٩ سُورَة النِّسَاء، آيَة "١٦٤".
[ ١ / ٤٢٩ ]
وَتُدْرَكُ مِنْهُ فِي الْمَعَادِ١ الرُّؤْيَةُ وَالْكَلَامُ وَالنَّظَرُ عَيَانًا، كَمَا قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَغْمِكَ، وَإِنْ كَرِهْتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٢ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣، ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ فَهَلْ مِنْ حَوَاسٍّ أَعْظَمَ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ؟ غَيْرَ أَنَّكُمْ جَعَلْتُمُ الْحَوَاسَّ٤ كَلِمَةً أُغْلُوطَةً تُغَالِطُونَ بِهَا الصِّبْيَانَ وَالْعُمْيَانَ؛ لِأَنَّ قَوْلَكُمْ: لَا تُدْرِكُهُ٥ الْحَوَاسُّ مَعْنَاهُ عِنْدَكُمْ أَنَّهُ لَا شَيْءٌ لِمَا قَدْ عَلِمْتُمْ وَجَمِيعُ الْعَالَمِينَ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَقع عَلَيْهِ اسْم لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُدْرَكَ كل الْحَوَاسِّ أَوْ بِبَعْضِهَا، وَأَنَّ لَا شَيْءَ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، فَجَعَلْتُمُوهُ لَا شَيْءَ. وَقَدْ كذبكم٦ الله تَعَالَى٧: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ﴾ ١١ فَجَعَلَ نَفْسَهُ أَعْظَمَ الْأَشْيَاءِ وَأَكْبَرَ١٢ الْأَشْيَاءِ وَخَالِقَ الْأَشْيَاءِ. فَإِنْ أَنْكَرْتَ مَا قُلْنَا، وَلم تعقله
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "فِي الميعاد". ٢ فِي ط، ض "وكما قَالَ الله" وَفِي س "قَالَ الله". ٣ سُورَة الْقِيَامَة آيَة "٢٢-٢٣". ٤ سُورَة آل عمرَان آيَة "٧٧". ٥ فِي س "لَا يدْرك بالحواس". ٦ فِي ط، س، ش "كَذبْتُمْ". ٧ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٨ فِي ط، ش "إِذْ قَالَ". ٩ سُورَة الْقَصَص، آيَة "٨٨". ١٠ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ١١ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة "١٩". ١٢ فِي ش "أَو أكبر" وَمَا فِي الأَصْل أولى.
[ ١ / ٤٣٠ ]
بِقَلْبِكَ فَسَمِّ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ -شَيْئًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا- يَقَعُ عيله اسْمُ الشَّيْءِ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، غَيْرَ مَا ادَّعَيْتُمْ عَلَى الْأَكْبَرِ الْأَكْبَرِ، وَالْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ، وَالْأَوْجَدِ الْأَوْحَدِ١ الَّذِي لَمْ يزل وَلَا يزل. فَجَعَلْتُمُ الْخَلْقَ الْفَانِيَ مَوْجُودًا وَالْقَيِّمَ الدَّائِمَ الْبَاقِيَ غَيْرَ مَوْجُودٍ، وَلَا يُدْرَكُ بِحَاسَّةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَادَّعَيْتُمْ عَلَى غَيْرِكُمْ مِمَّنْ لَا يكف التَّكْيِيفَ، وَعَلى مَنْ لَا يُشَبِّهُ التَّشْبِيه، وَأَنْتُم دَائِبُونَ تُكَيِّفُونَ، وَتُشَبِّهُونَ بِأَقْبَحِ الْأَشْيَاءِ. وَأَبْطَلِ الْأَمْثَالِ، فَمَرَّةً تُكَيِّفُهُ فَتُشَبِّهُهُ بِأَعْمَى، وَمَرَّةً بِأَقْطَعَ فَكَانَ وَعْظُكَ هَذَا لِهَؤُلَاءِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: كَلِمَةُ جق يُبْتَغَى بِهَا بَاطِلٌ٢.
وَالْعَجَبُ مِنْ إعجابك بِهَذِهِ المقلوبات من تفاسيرك، وَالْمُحَالَاتِ مِنْ شَرْحِكَ وَتَعْبِيرِكَ حَتَّى رَوَيْتَ عَنْ مُجَاهِدٍ٣ أَنَّهُ قَالَ: لِلْحَدِيثِ جَهَابِذَةُ كَجَهَابِذَةِ الْوَرِقِ"٤ وَصَدَقْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ، وَمَا أَنْتَ وَاللَّهِ مِنْهُمْ، لَا مِنْ رِجَالِهِمْ٥ وَلَا مِنْ رُوَاتِهِ وَلَا مِنْ جَهَابِذَتِهِ، فَقَدْ وَجَدْنَا الزُّيُوفَ٦ عِنْدَكَ٧ جَائِزَةً نَقَّادَةً٨، وَالنَّقَادَةَ نَفَايَةً٩، فَكَيْفَ تَسْتَطِيلُ بمعرفتها، وَأَنت المنسلخ عَنْهَا؟
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، ش "الأوجد الأوجد" وَفِي س "الأوحد الأوجد". ٢ هَذِه الْكَلِمَة تنْسب إِلَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَسَيَأْتِي ذكر الْمُنَاسبَة الَّتِي قيلت فِيهَا ص"٥٢٦". ٣ مُجَاهِد، تقدم ص"٢٥٢". ٤ هَذَا الْمَأْثُور من قَول الْمُجَاهِد مَعنا صَحِيح إِلَّا أَنِّي لم أجد فِيمَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من ذكره، قلت: والجهابذة جمع جهبذ، قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ١/ ٣٥٢: الجهبذ بِالْكَسْرِ النقاد الْخَبِير. ٥ فِي س، ش "وَلَا من رِجَاله". ٦ الزُّيُوف: الْمَغْشُوش من الدَّرَاهِم، قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ٢/ ٧١ مَادَّة"زيف": "الزيف من وصف الدَّرَاهِم، يُقَال: زافت عَلَيْهِ دَرَاهِمه أَي صَارَت مَرْدُودَة لغش فِيهِ وَقد زيفت إِذا ردَّتْ". ٧ فِي ط، س، ش "عنْدكُمْ". ٨ نقادة من النَّقْد ضد الزيف، قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب الْمرجع السَّابِق ٣/ ٧٠١ مَادَّة "نقد": "النَّقْد خلاف النَّسِيئَة، والنقد تَمْيِيز الدِّرْهَم وإخرج الزيف مِنْهَا، أنْشد سِيبَوَيْهٍ: تَنْفِي يداها الْحَصَى فِي كل هاجرة نفي الدَّنَانِير تنقاد الصياريف وَنقل عَن اللَّيْث: ونقدت الدَّرَاهِم وانتقدتها إِذا أخرجت مِنْهَا الزيف" انْتهى بِتَصَرُّف. ٩ النفاية رَدِيء الشَّيْء وبقيته، قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط الطبعة الرَّابِعَة ٤/ ٣٩٧: "ونفاية الشَّيْء وَيضم ونفاته ونفيه ونفاؤه بفتحهن ونفاوته بِالضَّمِّ رديه وبقيته".
[ ١ / ٤٣١ ]
ابْتِدَاء الْمعَارض فِي نقل حكايات ابْن الثَّلْجِي:
ثُمَّ ادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى هَاهُنَا السَّمَاعُ مِنْ بِشْرٍ. قَالَ ثُمَّ ابْتَدَأْنَا١ بِعَوْنِ اللَّهِ فِي حِكَايَاتِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ٢ الْمُعْجَبِ بِضَلَالَاتِ هَذَيْنِ الضَّالَّيْنِ: فَرَغْتَ مِنْ كَلَامِ بِشْرٍ بِسَخَطِ الرَّحْمَنِ٣، وَابْتَدَأْتَ فِي كَلَامِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ بِعَوْنِ الشَّيْطَانِ. وَمِثْلُ فَرَاغِكَ مِنْ كَلَامِ بِشْرٍ٤ وَشُرُوعِكَ فِي كَلَام ابْن الثَّلْجِي
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "قَالَ: ثمَّ ابتدأنا نقُول فِي حكايات ابْن الثَّلْجِي". ٢ لن يتَبَيَّن من هُوَ هَذَا الْمعَارض، وَقد سبق وَأَن أَشرت إِلَى هَذَا انْظُر ص”١٣٩". ٣ فِي ط، ش "بسخط من الرَّحْمَن". ٤ فِي ط، ش "وَمثل فراغك من بشر".
[ ١ / ٤٣٢ ]
كَمِثْلِ الْمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ١ فَرَغْتَ٢ مِنَ احْتِجَاجِ كَافِرٍ إِلَى احْتِجَاجِ جَهْمِيٍّ خَاسِرٍ، فَعَلَى أَيِّ جَنْبَيْكَ وَقَعْتَ مِنْهُمَا لَمْ تَنْجَبِرْ، وَبِأَيِّهِمَا اسْتَعَنْتَ لَمْ تَظْفَرْ، وَبِأَيِّهِمَا اسْتَنْصَرْتَ لَمْ تُنْصَرْ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ٣ لِبَعْضِ أَهْلِ الْبِدَعِ إِذَا انْتَقَلُوا مِنْ رَأْيٍ إِلَى رَأْيٍ: إِنَّكُمْ لَا تَرْجِعُونَ عَنْ بِدْعَةٍ إِلَّا تَعَلَّقْتُمْ بِأُخْرَى هِيَ أَضَرُّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا"٤.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ٥، عَنِ الْهِقْلِ بْنِ زِيَادٍ٦، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ٧ وَسَنَنْقُضُ عَلَى الثَّلْجِيِّ مِنْ٨ ضَلَالَاتِهِ، كَمَا نَقَضْنَا مِنْ ضَلَالَاتِ الْمَرِيسِيِّ٩ إِنْ شَاءَ الله، بعون الله وتوفيقه.
_________________
(١) ١ قَالَ الْبكْرِيّ فِي فصل الْمقَال تَحْقِيق الدكتور إِحْسَان عَبَّاس، والدكتور عبد الْمجِيد عابدين ص"٣٧٧": "أصل هَذَا الْمثل وَأول من تكلم بِهِ التكلام الضبعِي، وَذَلِكَ أَن جساس بن مرّة لمن طعن كليبًا، وَهُوَ كُلَيْب وَائِل، استسقى عَمْرو بن الْحَارِث مَاء فَلم يسقه وأجهز عَلَيْهِ، فَقَالَ التكلام فِي ذَلِك: المستغيث بِعَمْرو عِنْد كربته كالمستغيث من الرمضاء بالنَّار انْظُر: جمهورة الْأَمْثَال للعسكري ٢/ ١٦٠، والميداني فِي مجمع الْأَمْثَال ٢/ ١٤٩. ٢ فِي ط، ش، "فزعت". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٩٣: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أبي عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ، أَبُو عَمْرو الْفَقِيه، ثِقَة جليل، من السَّابِعَة، مَاتَ سنة ٥٧/ ع. وَقَالَ فِي الكاشف ٢/ ١٧٩: الْحَافِظ الْفَقِيه الزَّاهِد، عَن عَطاء وَمَكْحُول وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، وَرَأى مُحَمَّد بن سِيرِين، وَعنهُ قَتَادَة وَيحيى بن أبي كثير كثير شيخاه وَأَبُو عَاصِم وَالْفِرْيَابِي، وَكَانَ رَأْسا فِي الْعلم وَالْعِبَادَة، مَاتَ فِي الْحمام فِي صفر سنة ١٥٧. ٤ لم أَقف عَلَيْهِ عَن الْأَوْزَاعِيّ بنصه، وبنحوه جَاءَ أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ يسمعهُ فوافقه وَأثْنى عَلَيْهِ "انْظُر: شرح حَدِيث النُّزُول لِابْنِ تَيْمِية، طبع الْمكتب الإسلامي، ص٧٧". وَعَزاهُ إِلَى الْخلال فِي كتاب السّنة. وَانْظُر: السّنة للخلال، تَحْقِيق، عَطِيَّة الزهْرَانِي برقم ٨٦٩ ص٥٣١ ورقم ٩٣١ ص٥٥٤. ٥ هُوَ عبد الله بن صَالح الْجُهَنِيّ، كَاتب اللَّيْث تقدم ص"١٧١" وَذكر الذَّهَبِيّ فِي تذكرة الْحفاظ ١/ ٢٨٥ أَنه روى عَن الهقل بن زِيَاد. ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٢١: هِقْل بِكَسْر أَوله وَسُكُون الْقَاف ثمَّ لَام، ابْن زِيَاد السكْسكِي بمهملتين مفتوحتين بَينهمَا كَاف سَاكِنة الدِّمَشْقِي، نزيل بيروت قيل: هُوَ لقب واسْمه مُحَمَّد أَو عبد الله، وَكَانَ كَاتب الْأَوْزَاعِيّ، ثِقَة، من التَّاسِعَة مَاتَ سنة ٧٩ أَو بعْدهَا/ م ع. ٧ الْأَوْزَاعِيّ، تقدم قَرِيبا فِي الصفحة السَّابِقَة. ٨ حرف "من" لَيْسَ فِي ط، ش. ٩ فِي ط، ش "كَمَا نقضنا من قبل ضلالات المريسي"، وَلَعَلَّ "قبل" سَقَطت.
[ ١ / ٤٣٣ ]
حكايات الْمعَارض قَول ابْن الثَّلْجِي فِي الْفَوْقِيَّة وَالْعرض وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
حكيت أَيهَا المريسي عَنِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَاظَرْتُ بِشْرًا١ الْمَرِيسِيَّ فِي الْعَرْشِ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَهُ، فَقَالَ لِي بِشْرٌ: لَا أَقُولُ إِنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ، كَمَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقٍ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الثَّلْجِيِّ الْغَوِيِّ: أَوَّلُ غِوَايَتِكَ سُؤَالُكَ الْمَرِيسِيَّ عَنْ تَفْسِيرِ الْعَرْشِ، إِذْ عَقِلَ أَمْرَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ.
وَيْلَكَ! أَمَا وَجَدْتَ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ أَدْرَكْتَ أَجْوَدَ إِيمَانًا بِالْعَرْشِ مِنْ بِشْرٍ وَأَحْسَنَ مَعْرِفَةً لَهُ حَتَّى تُنَاظِرَهُ فِيهِ مِنْ بَيْنِهِمْ؟ تَسْتَحْسِنُ٢ تَفْسِيرَهُ وَتَرْوِيهِ لِأَهْلِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ، فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا، وَكَانَ أَكْفَرَ أَهْلِ زِمَانِهِ بِالْعَرْشِ، وَأَشَدَهُّمْ لَهُ إِنْكَارًا مِمَّنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ فَيَكْفِي بِهَذَا مِنْكَ٣ دَلِيلًا وَظَنَّةً عَلَى الرِّيبَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَارُ عِنْدَكَ من جَمِيع
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل، س "بشر" وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، ش وَهُوَ الصَّوَاب، إِذْ لَا مَانع لَهُ من الصّرْف. ٢ فِي ط، س، ش "ثمَّ تستحسن تَفْسِيره". ٣ لفظ "مِنْك" لَيْسَ فِي ط، ش.
[ ١ / ٤٣٤ ]
الْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ الْعَرْشِ بِشْرَ بن غياث المريسي.
أَو مَا سَمِعْتَ بِشْرًا١ وَسُوءَ مَذْهَبِهِ، وَافْتِضَاحَهُ فِي بَلَدِهِ، وَأَهْلِ مِصْرِهِ، وَأَنْتَ لَهُ جَارٌ قَرِيبٌ؟ وَلَكِنْ يَعْتَبِرُ٢ بِالْإِمَامِ الْمَأْمُوم، والصاحب بالصاحب.
أَو لم يَكْفِكَ أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ ذِكْرِ الْعَرْشِ وَتَفْسِيرِهِ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عيله وَسَلَّمَ٣ فَلَمْ تَقْنَعْ بِهِمَا حَتَّى اضْطُرِرْتَ إِلَى مُنَاظَرَةِ الْمَرِيسِيِّ؟ وَالْمُنَاظَرَةُ فِي الْعَرْشِ رِيبَةٌ لَا شَكَّ فِيهِ٤؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ قَدْ خَلُصَ إِلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَا فِقْهَ لَهُمْ وَلَا عِلْمَ٥، وَكَيْفَ٦ إِلَى مَنْ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْعِلْمِ؟
فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتَ إِلَّا مُنَاظَرَتَهُ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ٧: أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ، لَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ٨ كَمَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقٍ، وَلَكِنَّهُ مَلِكٌ كَرِيمٌ خَالِقٌ غَيْرُ مَخْلُوق
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل وس "بشر"، وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، ش، وَهُوَ الصَّوَاب، إِذْ لَا دَاعِي لمَنعه من الصّرْف. ٢ فِي ط، ش "وَلَكِن نعتبر" وَفِي س "تعتبره"، ولعلها "يعْتَبر" بِضَم أَوله. ٣ فِي ط، س، ش "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ". ٤ كَذَا فِي الأَصْل، س وَفِي ط، ش "وَالْعرش لَا شكّ فِيهِ" وَهُوَ أوضح. ٥ وَلَكنهُمْ على الْفطْرَة: فطروا على الْإِيمَان وعَلى الْإِقْرَار بعلو الله، وَأَنه تَعَالَى فَوق عَرْشه. ٦ فِي ط، س، ش "فَكيف" وَهُوَ أوضح. ٧ لفظ "لَهُ" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٨ فِي ط، ش "لَا يُقَال: الله أَنه على الْعَرْش كمخلوق على مَخْلُوق" وَفِي س "لَا يُقَال لله بِأَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ كَمَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقٍ".
[ ١ / ٤٣٥ ]
وَعَلَى١ عَرْشٍ عَظِيمٍ مَخْلُوقٍ جَسِيمٍ٢ عَلَى رَغْمِكَ وَأَنْتَ مَلُومٌ٣ فَمَنْ لمن يُؤْمِنْ٤ أَنَّهُ كَذَلِكَ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَجَحَدَ آيَاتِ اللَّهِ، وَرَدَّ أَخْبَارَ الرَّسُولِ ﷺ.
وَقَوْلُكَ: كَكَذَا عَلَى كَذَا، وَكَمَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقٍ" تَشْبِيهٌ٥ وَدِلْسَةٌ، وَكُلْفَةٌ لَمْ نُكَلَّفْ ذَلِكَ فِي دِينِنَا، وَلَكِنْ نَقُولُ كَمَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦.
وَكَمَا قَالَ الرَّسُولُ الْمُصْطَفَى ﷺ: "إِنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ الْأَعْلَى فَوْقَ سَمَوَاتِهِ الْعُلَى" ٧ وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، مَنِ انْتَهَى إِلَيْهَا اكْتَفَى، وَمَنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ اعْتَدَى.
ثُمَّ انْتَدَبَ الْمُعَارِضُ مُتَكَلِّمًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فِي الْعَرْشِ، مُتَأَوِّلًا فِي تَفْسِيرِهِ وَمَعْنَاهُ خِلَافَ مَا تَأَوَّلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللَّه وَكتابه وآياته، فَقَالَ
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "على" بِدُونِ وَاو. ٢ لفظ "جسيم" لَيْسَ فِي ط، ش، وَفِي س "جسم". ٣ وَهُوَ تَعَالَى مستو عَلَيْهِ اسْتِوَاء يَلِيق بجلاله وعظمته لَا يشبه الْمَخْلُوق فِي ذَلِك كَسَائِر صِفَاته. ٤ فِي ط، س، ش "فَمن لم يُؤمن بِهِ". ٥ فِي س "تشبه" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٦ سُورَة طه آيَة "٥". ٧ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، كتاب السّنة، بَاب الْجَهْمِية، حَدِيث ٤٧٢٦، ٥/ ٩٥ فِي آخِره بِلَفْظ: "إِن الله فَوق عَرْشه وعرشه فَوق سمواته" قلت: وَلَكِن ننفي مشابهته للمخلوقات كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .
[ ١ / ٤٣٦ ]
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١، لَيْسَ لَهُ تَأْوِيلٌ إِلَّا عَلَى أَوْجُهٍ نَصِفُهَا، وَنَكِلُ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَرْشُ أَعْلَى مَخْلُوق٢ وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَبِكُلِّ مَكَانٍ غَيْرَ مَحْوِيٍّ وَلَا مُلَازِقٍ، وَلَا مُمَازِجٍ، وَلَا بَائِنٍ بِاعْتِزَالٍ وَبِفُرْجَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، لَا يُتَوَهَّمُ٣ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ كَجِسْمٍ عَلَى جِسْمٍ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: مَا تَرَكْتَ أَنْتَ وَلَا٤ إِمَامُكَ هَذَا مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْعَرْشِ غَايَةً، وَلَا مِنَ الِافْتِرَاءِ عَلَى الله فِيهِ٥ نِهَايَة. أَوله يَقُول٦ وَحَكَيْتَ أَنَّ الْعَرْشَ أَعْلَى الْخَلْقِ. وَاللَّهُ مُكَذِّبُكَ فِي كِتَابِهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ٧ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنَّ الْعَرْشَ٨ أَعْلَى الْخَلْقِ وَكَانَ الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ الْخَلْقِ، إِذْ لَا أَرْضَ وَلَا سَمَاءَ، وَلَا خَلْقَ غَيْرُ الْعَرْش
_________________
(١) ١ سُورَة طه، آيَة "٥". ٢ مُرَاد الْمعَارض بقوله: "أَعلَى الْخلق" إِنْكَار أَن الْعَرْش مَخْلُوق مُسْتَقل اسْتَوَى عَلَيْهِ الرب، وَإِنَّمَا الْعَرْش جُزْء الْخلق إِلَّا أَنه أَعْلَاهُ. ٣ فِي ط، س، ش، "وَلَا يتَوَهَّم". ٤ فِي ط، س، ش "أَنْت وإمامك". ٥ فِي س "وَلَا من الافتراء على نِهَايَة"، ش "وَلَا مِنَ الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ نِهَايَة". ٦ فِي ط، س، ش "بقوله إِذْ يَقُول". ٧ سُورَة هود، آيَة "٧"، فقد أثبت الله أَن الْعَرْش مَخْلُوق مُسْتَقل. الْمعَارض يُنكر أَن يكون مخلوقًا مستقلًّا، وَسَيَأْتِي توضيح ذَلِك صَرِيحًا فِيمَا نَقَلْنَاهُ عِنْد آخر السِّيَاق، انْظُر: ص”٤٣٩-٤٤١". ٨ فِي ط، س، ش "أَن يكون الْعَرْش أَعلَى الْخلق".
[ ١ / ٤٣٧ ]
وَالْمَاءِ١؟ وَمِمَّا يَزِيدُكَ تَكْذِيبًا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى٢: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ ٣ وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ٤ أَفَتَحْمِلُ الْمَلَائِكَةُ فِي دَعْوَاكَ أَعْلَى الْخَلْقِ، أَوْ أَسْفَلَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْخَلْقِ؟ وَقَالَ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ٥ أَيَحْمِلُونَ يَوْمَئِذٍ أَعْلَى الْخَلْقِ وَيَتْرُكُونَ أَسْفَلَهُ؟ أَمِ الْمَلَائِكَةُ تَحْمِلُ النَّاسَ يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات؛ لِأَنَّهَا أعلا الْخَلْقِ؟ فَهَلْ سَمِعَ سَامِعٌ بِمُحَالٍ مِنَ الْحُجَجِ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا؟ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْعَرْشِ نَصًّا وَدَفْعِهُ رَأْسًا؛ لِأَنَّهُ إِنْ يَكُنِ الْعَرْشُ فِي دَعْوَاهُ أَعْلَى الْخَلْقِ فَقَدْ بَطُلَ الْعَرْشُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى٦؛ لِأَنَّ الْعَرْشَ غَيْرُ مَا سِوَاهُ مِنَ الْخَلْقِ، إِذْ كَانَ مَخْلُوقًا عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ الْخَلْقِ، فَفِي أَيِّ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَجَدْتَ هَذَا أَيُّهَا الْمُعَارِضُ: أَنَّ الْعَرْشَ أَعْلَى الْخَلْقِ فَبَيِّنْهُ لَنَا وَإِلَّا فَإِنَّكَ مِنَ الْمُبْطِلِينَ. وَاللَّهُ مُكَذِّبُكَ فِي كِتَابِهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٧ فَمَيَّزَ اللَّهُ بَيْنَ أَعْلَى الْخَلْقِ وَبَيْنَ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَجَعَلَهُ غَيْرَ السَّمَوَات السَّبع فَمَا دونهَا٨.
_________________
(١) ١ وَهَذَا يدل أَيْضا على أَن الْعَرْش مَخْلُوق مُسْتَقل وَالْمَاء مَخْلُوق مُسْتَقل. ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ سُورَة الزمر، آيَة "٧٥". ٤ سُورَة غَافِر، آيَة "٧". ٥ سُورَة الحاقة آيَة "١٧". ٦ فِي ط، س، ش "أَعلَى الْخلق". ٧ سُورَة الْمُؤْمِنُونَ آيَة "٨٦". ٨ فِي س "فَمَا دونهمَا".
[ ١ / ٤٣٨ ]
وَمِمَّا يَزِيدُكَ تَكْذِيبًا قَوْلُهُ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ١، وَ٢ ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ٣، وَأَيُّ مَجْدٍ وَكَرَمٍ لِأَعْلَى الْخَلْقِ مَا لَيْسَ لِأَوْسَطِهِ وَأَسْفَلِهِ؟ فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ تَأْوِيلَكَ هَذَا تَكْذِيبٌ بالعرش صراحًا وإنكاره نصًّا٤.
_________________
(١) ١ سُورَة البروج، آيَة "١٥". ٢ فِي ط، ش "وَقَوله". ٣ سُورَة الْمُؤْمِنُونَ، آيَة "١١٦". ٤ فِي ط، ش "وإنكار لَهُ نصًّا". قلت: هَذَا الْكَلَام غير وَاضح فِي الرَّد على الْمعَارض فِي إِنْكَاره الْعَرْش وأوضح مِنْهُ مَا ذكر الْمُؤلف فِي كِتَابه الأول "الرَّد على الْجَهْمِية" وأنقله بنصه ليتضح المُرَاد، حَيْثُ قَالَ: "بَاب الْإِيمَان بالعرش". وَهُوَ أحد من أنكرته المعطلة. قَالَ أَبُو سعيد: وَمَا ظننا أَنا نضطر إِلَى الِاحْتِجَاج على أحد من يَدعِي الْإِسْلَام فِي إِثْبَات الْعَرْش وَالْإِيمَان بِهِ، حَتَّى ابتلينا بِهَذِهِ الْعِصَابَة الملحدة فِي آيَات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تخْتَلف فِيهِ الْأُمَم قبلنَا، وَإِلَى الله نشكو مَا أوهت هَذِه الْعِصَابَة من عرى الْإِسْلَام، وَإِلَيْهِ نلجأ وَبِه نستعين. وَقد حقق الله الْعَرْش فِي آي كَثِيرَة من الْقُرْآن. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ هود آيَة "٧"، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه آيَة "٥"، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ الْفرْقَان آيَة ص"٥٩"، ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ الزمر آيَة "٧٥" فِي آي كَثِيرَة سواهَا. فادعت هَذِه الْعِصَابَة أَنهم يُؤمنُونَ بالعرش ويقرون بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَذْكُور فِي الْقُرْآن فَقلت لبَعْضهِم: مَا إيمَانكُمْ بِهِ إِلَّا كَإِيمَانِ ﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ الْمَائِدَة آيَة "٤١"، وكالذين ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ الْبَقَرَة آيَة "٤١"، أتقرون أَن لله عرشًا مَعْلُوما مَوْصُوفا فَوق السَّمَاء السَّابِعَة تحمله الْمَلَائِكَة، وَالله فَوق، كَمَا وصف نَفسه من خلقه؟ فَأبى أَن يقر بِهِ كَذَلِك، وتررد فِي =
[ ١ / ٤٣٩ ]
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ اللَّهَ غَيْرُ مَحْوِيٍّ وَلَا مُلَازِقٍ وَلَا مُمَازِجٍ، فَهُوَ كَمَا ادعيت.
_________________
(١) = الْجَواب، وخلط وَلم يُصَرح. قَالَ أَبُو سعيد: فَقَالَ لي زعيم كَبِير: لَا، وَلَكِن لما خلق الله، يَعْنِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ سمى ذَلِك كُله عرشًا لَهُ، واستوى على جَمِيع ذَلِك كُله. قلت: لم تدعوا من إِنْكَار الْعَرْش والتكذيب بِهِ غَايَة، قد أحاطت بكم الْحجَج من حَيْثُ لَا تَدْرُونَ، وَهُوَ تَصْدِيق مَا قُلْنَا: إِن إيمَانكُمْ بِهِ كَإِيمَانِ ﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ الْمَائِدَة آيَة "٤١"، فقد كذبكم الله تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابه، وكذبكم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، أَرَأَيْتُم قَوْلكُم: إِن عَرْشه سماواته وأرضه وَجَمِيع خلقه، فَمَا تَفْسِير قَوْله٩ عنْدكُمْ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ غَافِر آيَة "٧"؟ أحملة عرش الله أم حَملَة خلقه؟ وَقَوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ الحاقة آيَة "١٧"، أيحملون السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ، أم عرش الرَّحْمَن، فَإِنَّكُم إِن قُلْتُمْ قَوْلكُم هَذَا، يلزمكم أَن تَقولُوا: عرش رَبك خلق رَبك أجمع، وتبطلون الْعَرْش الَّذِي هُوَ الْعَرْش، وَهَذَا تَفْسِير لَا يشك أحد فِي بِطُولِهِ واستحالته، وَتَكْذيب بعرش الرَّحْمَن ﵎، فَقَالَ الله ﵎: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ هود آيَة "٧". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ، وَكَانَ عَرْشه على المَاء" فَفِي قَول الله تَعَالَى، وَحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دلَالَة ظَاهِرَة، أَن الْعَرْش كَانَ مخلوقًا على المَاء، إِذْ لَا أَرْضَ وَلَا سَمَاءَ فَلم تغالطون النَّاس بِمَا أَنْتُم لَهُ منكرون؟ وَلَكِنَّكُمْ تقرون بالعرش بألسنتكم تَحَرُّزًا من إكفار النَّاس إيَّاكُمْ بِنَصّ التَّنْزِيل فَتضْرب عَلَيْهِ رِقَابكُمْ، وَعند أَنفسكُم أَنْتُم بِهِ جاحدون، ولعمري لَئِن كَانَ أهل الْجَهْل فِي شكّ من أَمركُم، إِن أهل الْعلم لعلى يَقِين، أَو كَمَا قلت لَهُم، زَاد أَو نقص. ثمَّ أورد الدَّارمِيّ من طَرِيق حَدِيث النَّفر من بني تَمِيم الَّذين جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانِ بْنِ مِحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْن وَفِيه: ثمَّ دخل عَلَيْهِ نَاس من أهل الْيمن فَقَالَ: "اقلبوا البشري يَا أهل الْيمن إِذْ لم يقبلهَا إخْوَانكُمْ بَنو تَمِيم، قَالُوا: قبلنَا يارسول الله، أَتَيْنَاك لنتفقه فِي الدَّين، ونسألك عَن أول هَذَا الْأَمر، حَيْثُ كَانَ، قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض" قَالَ: ثمَّ أَتَانِي رجل فَقَالَ: أدْرك نَاقَتك فقد ذهبت، فَخرجت فَوَجَدتهَا قد يقطع دونهَا السراب، وأيم الله لَوَدِدْت أَنِّي تركتهَا. قَالَ أَبُو سعيد: "فَفِي هَذَا بَيَان أَن الله تَعَالَى خلق الْعَرْش قبل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ، وَتَكْذيب لما ادعوا من الْبَاطِل"، انْظُر: كتاب الرَّد على الْجَهْمِية لعُثْمَان بن سعيد، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش، تَخْرِيج الألباني، ط. الرَّابِعَة ص"١٢-١٤".
[ ١ / ٤٤٠ ]
قَول الْمعَارض فِي الْبَيْنُونَة والموضع ومناقشته
وَأَمَّا قَوْلُكَ: غَيْرُ بَائِنٍ بِاعْتِزَالٍ، وَلَا بِفُرْجَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، فَقَدْ كَذَبْتَ فِيهِ وَضَلَلْتَ١، عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، بَلْ هُوَ بِائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ بِفُرْجَةٍ بَيِّنَةٍ. وَالسَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا هُمْ عَامِلُونَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ٢ كَمَا أَنْبَأَنَا اللَّهُ تَعَالَى٣ وَرَسُوله وَأَصْحَاب رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: كَجِسْمٍ عَلَى جِسْمٍ، فَإِنَّا لَا نَقُولُ: إِنَّهُ كَجِسْمٍ عَلَى جِسْمٍ. لَكِنَّا نَقُولُ: رَبٌّ عَظِيمٌ، وَمَلِكٌ كَبِيرٌ٥ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَلَى عَرْشٍ مَخْلُوقٍ عَظِيمٍ٦ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَة
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فضللت". ٢ فِي ط، س، ش "خافية فِي الأَرْض". ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ عبارَة "ﷺ" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ فلي ط، س، ش "وَملك كريم عَظِيم". ٦ اسْتَوَى عَلَيْهِ اسْتِوَاء يَلِيق بجلاله وعظمته كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
[ ١ / ٤٤١ ]
دون مَا سواهَا مِنَ الْأَمَاكِنِ. مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِذَلِكَ كَانَ كَافِرًا بِهِ وَبِعَرْشِهِ.
وَالْأَنْوَارُ الْمَخْلُوقَةُ لَيْسَ مِنْهَا نُورٌ إِلَّا وَلَهُ ضَوْءٌ سَاطِعٌ، وَمَنْظَرٌ رائع فيكف النَّورُ الْأَعْظَمُ خَالِقُ الْأَنْوَارِ١ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؟!.
وَزَعَمْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ أَنَّهُ بِمَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، وَلَكِنَّهُ بِكُلِّ مَكَانٍ. وَتَأَوَّلْتَ فِي ذَلِكَ بِمَا تَأَوَّلَ٢ بِهِ جَهْمٌ٣ قَبْلَكَ، فَقُلْتَ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ٤ الآيَةَ ثُمَّ رَوَيْتَ عَنْ أَبِي مُوسَى٥، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَقَدْ رَفَعُوا الصَّوْتَ بِالتَّكْبِيرِ: "إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّه أقرب إِلَيْكُم من رُؤْس رَوَاحِلِكُمْ" ٦.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضُ: هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَوَصَفَهُ الرَّسُولُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٧
_________________
(١) ١ قَوْله: "الْأَعْظَم خَالق الْأَنْوَار" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٢ فِي ش "بِمَا تأولت" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ فِي ط، س، ش "جهم بن صَفْوَان" وَتَقَدَّمت تَرْجَمته ص"١٤٧". ٤ سُورَة المجادلة آيَة "٧". ٥ تقدم ص"٢٥١". ٦ رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الذّكر وَالدُّعَاء، بَاب اسْتِحْبَاب خفض الصَّوْت بِالذكر حَدِيث ٢٧٠٤ جـ٤ ص"٢٠٧٦-٢٠٧٧" عَن أبي مُوسَى بِلَفْظ "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سفر، فَجعل النَّاس يجهرون بِالتَّكْبِيرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَيُّهَا النَّاسُ، أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ. إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبا. إِنَّكُم تدعون سمعيًا قَرِيبا وَهُوَ مَعكُمْ " إِلَخ وَفِي لفظ: "وَالَّذِي تَدعُونَهُ أقرب إِلَى أحدكُم من عنق رَاحِلَة أحدكُم". ٧ عبارَة "ﷺ" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٤٢ ]
مَعَ كُلِّ ذِي نَجْوَى، وَأَقْرَبُ١ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَأَقْرَبُ مِنْهَا، بِعِلْمٍ وَمَنْظَرٍ وَمَسْمَعٍ٢ مِنْ فَوْقِ الْعَرْشِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، وَلَا يَحْجُبُهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، عِلْمُهُ بِهِمْ مِنْ فَوْقِ الْعَرْشِ٣ مُحِيطٌ. وَبَصَرُهُ فِيهِمْ نَافِذ، وَهُوَ بِكَمَالِهِ فَوق عَرْشِهِ. وَالسَّمَوَاتُ وَمَسَافَةُ مَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي الْأَرْضِ، فَهُوَ كَذَلِكَ مَعَهُمْ رَابِعُهُمْ وَخَامِسُهُمْ وَسَادِسُهُمْ، يَعْلَمُ مَا عَمِلُوا مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ يُثِيبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا عَمِلُوا. كَذَلِكَ هُوَ مَعَ كُلِّ ذِي نَجْوَى لَا كَمَا ادعيتم أَنه مَعَ كل نائل وَمُحْدِثٍ وَمُجَامِعٍ فِي كَنَفِهِمْ٤ وَحُشُوشِهِمْ٥ وَمَضَاجِعِهِمْ. وَإِنَّمَا يُعْرَفُ فَضْلُ الرُّبُوبِيَّةِ وَعِظَمُ الْقُدْرَةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ٦ فَوْقِ عَرْشِهِ وَبَعْدَ مَسَافَةِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْضِ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى٧ وَهُوَ مَعَ كُلِّ ذِي نَجْوَى، وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ٨ وَلَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ كَمَا ادَّعَيْتُمْ بِجَنْبِ كُلِّ ذِي نَجْوَى مَا كَانَ بِعَجَبٍ٩ أَنْ يُنَبِّئَهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَلَوْ كُنَّا نَحن بِتِلْكَ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش، س "وَهُوَ أقرب". ٢ فِي ط، ش "يعلم وَينظر وَيسمع". ٣ فِي ط، ش "وَمن فَوق عَرْشه". ٤ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٣/ ١٩٢ مَادَّة "كنف": "الكنيف كأمير وَهُوَ الستْرَة والساتر والترس والمرحاض وحظيرة من شَجَرَة لِلْإِبِلِ" إِلَخ. ٥ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ٢/ ٢٦٨ مَادَّة "حش": "والحش مُثَلّثَة الْمخْرج؛ لأَنهم كَانُوا يقضون حوائجهم فِي الْبَسَاتِين وَجمعه حشوش". ٦ حرف "من" لَيْسَ فِي ط، ش. ٧ فِي ط، س، ش "يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَمَا تَحت الثرى". ٨ انْظُر: سُورَة [الْأَنْعَام آيَة ١٣] و[التَّوْبَة آيَة ٩٤، ١٠٥]، [الرَّعْد آيَة ٩]، [الْمُؤْمِنُونَ آيَة ٩٢]، [السَّجْدَة آيَة ٦]، [الزمر آيَة ٤٦]، [الْحَشْر آيَة ٢٢]، [الْجُمُعَة آيَة ٨]، [التغابن آيَة ١٨] . ٩ فِي س "يعجب".
[ ١ / ٤٤٣ ]
الْمَنْزِلَةِ مِنْهُمْ لَنَبَّأْنَا كُلَّ عَامِلٍ مِنْهُمْ بِمَا عَمِلَ وَقَالَ، وَنَاجَى بِهِ أَصْحَابَهُ، فَمَا فَضْلُ عَلَّامِ الْغُيُوبِ عَلَى الْمَخْلُوقِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ فِي دَعْوَاكَ١؟.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ. فَإِنْ كُنْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ مِمَّنْ يَقْرَأُ٢ كِتَابَ اللَّهِ وَيَفْهَمُ٣ شَيْئًا مِنَ الْعَرَبِيَّةِ عَلِمْتَ أَنَّكَ كَاذِبٌ عَلَى اللَّهِ فِي دَعْوَاكَ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ٤ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ وَمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ. ذَكَرَ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ السَّمَوَاتِ٥٤ وَقَدْ عَرَفَ٦ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَكَيْفَ مِنَ الرِّجَالِ؟!
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٧، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٨، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٩، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ١٠، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ١١، ﴿ذِي الْمَعَارِجِ،
_________________
(١) ١ وَأَيْضًا فَالله منزه عَن الامتزاج بالخلق والاختلاط بهم، بل هُوَ سُبْحَانَهُ فَوق خلقه مستو على عَرْشه بَائِن من خلقه كَمَا دلّت على ذَلِك النُّصُوص وَقَررهُ عُلَمَاء السّلف. ٢ فِي ط، س، ش "مِمَّن تقْرَأ" وَلَو يعجم أَولهَا فِي الأَصْل، وَالْأَظْهَر أَنَّهَا بالمثناه التَّحْتَانِيَّة. ٣ فِي س "وتفهم" وَفِي ط، ش "أَو تفهم". ٤ فِي ط، ش "وصف نَفسه". ٥ فِي ش "فَوق سمواته". ٦ فِي ط، س، ش "قد عرف". ٧ سُورَة طه آيَة [٥] . ٨ سُورَة الْملك، آيَة [١٦] . ٩ سُورَة الْأَنْعَام، آيَة [١٨] . ١٠ سُورَة النَّحْل، آيَة [٥٠] . ١١ سُورَة آل عمرَان، آيَة [٥٥] .
[ ١ / ٤٤٤ ]
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ١ مِنَ الْأَرْضِ السَّافِلَةِ. وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٢ وَلَمْ يَقُلْ: يَنْزِلُ٣ إِلَيْهِ تَحْتَ الْأَرْضِ.
فَهَذِهِ الْآيُ كُلُّهَا تُنَبِّئُكَ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، وَأَنَّهُ عَلَى السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ، وَأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوَاضِعِ٤ قَدْ عَرَفَ ذَلِكَ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَآمَنَ بِهِ، وَصَدَّقَ اللَّهَ بِمَا فِيهِ. فَلِمَ تَحْكُمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى٥ أَيُّهَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ بِمَا٦ هُوَ مُكَذِّبُكَ فِي كِتَابِهِ؟ وَيُكَذِّبُكَ٧ الرَّسُولُ ﷺ. أَو لم يَبْلُغْكَ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عيله وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: "أَيْنَ اللَّهُ؟ فَقَالَتْ٨: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" ٩ فَهَذَا ينبئك أَنه
_________________
(١) ١ سُورَة المعارج، آيَة [٣، ٤] . ٢ سُورَة فاطر، آيَة [١٠] . ٣ فِي ط، س، ش "ينزل بِهِ إِلَيْهِ". ٤ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مستو عَلَيْهِ اسْتِوَاء يَلِيق بجلاله وعظمته. ٥ لفظ "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ فِي ط، ش "إِلَّا بِمَا هُوَ مكذبه فِي كِتَابه" ويستقيم الْمَعْنى بِهِ على اعْتِبَار أَن "لم" أَدَاة جزم وَنفي، وتستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل على اعْتِبَار أَن "لم" أَدَاة اسْتِفْهَام. ٧ فِي ط، س، ش "ويكذبك بِهِ". ٨ فِي س "قَالَت". ٩ رَوَاهُ مُسلم، انْظُر: صَحِيح مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْمَسَاجِد بَاب تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة، حَدِيث ١٥٣٧/ ٣٨٢ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ فِي آخِره بِلَفْظ "فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ من أَنا؟ قَالَت: رَسُول الله، قَالَ: اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة ". وَانْظُر موطأ مَالك بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْعتْق وَالْوَلَاء، بَاب مَا يجوز من الْعتْق من الرّقاب الْوَاجِبَة، حَدِيث ٨ عَن عمر بن الحكم فِي آخِره بِلَفْظ: "فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: من أَنا؟ فَقَالَت: أَنْت رَسُول الله، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أعْتقهَا ". وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه منتخب كنز الْعمَّال ٢/ ٢٩١ بِمَعْنَاهُ وَفِي ٣/ ٤٥٢ بِمَعْنَاهُ وَفِي ٤/ ٣٨٨ قَرِيبا مِنْهُ.
[ ١ / ٤٤٥ ]
فِي السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ، فَكَيْفَ تَتْرُكُ١ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٢ وَرَسُوله، وتختار٣ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ قَوْلَ بِشْرٍ وَالثَّلْجِيِّ ونظرائمها٤ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ٥؟.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَحْوِيٍّ وَلَا مُحَاطٍ بِهِ، فَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَنَا وَفِي مَذْهَبِنَا، لَمَّا أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ فِي هَوَاءِ الْآخِرَةِ، حَيْثُ لَا خَلْقَ مَعَهُ هُنَاكَ غَيْرَهُ٦ وَلَا فَوْقَهُ سَمَاءٌ. وَفِي قِيَاسِ مَذْهَبِكَ وَمَذَاهِبِ أَصْحَابِكَ مَحْوِيٌّ٧ مُحَاطٌ بِهِ، مُلَازِقٌ، مَاس، قَدِ اعْتَرَفْتَ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُ؛ لِأَنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالسَّمَوَاتُ فَوْقَ بَعْضِهِ، وَأَنَّهُ فِي كُلِّ بَيْتٍ مُغْلَقٍ، وَفِي كُلِّ صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ، فَهُوَ فِي دَعْوَاكُمْ مُحَاطٌ بِهِ مُمَاسٌّ. وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ فِي كُلِّ٨ مَكَانٍ إِلَّا وَذَلِكَ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "نَتْرُك". ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، ش "ونختار". ٤ فِي ش "ونظرائهم". ٥ انْظُر ص"١٣٨". ٦ الْعبارَة من قَوْله: "لما أَنه فَوق الْعَرْش" إِلَى قَوْله: "غَيره" غير وَاضِحَة، وَلَعَلَّ فِي الْكَلَام تحريفًا أَو سقطا من بعض النساخ وَالله أعلم. ٧ فِي ط، ش "وَهُوَ محوي". ٨ لفظ "كل" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٤٦ ]
الشَّيْءُ مِمَّا بَيْنَ الْأَمْكِنَةِ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِ الْأَرْضُ فِي دَعْوَاكُمْ وَالسَّمَاءُ وَحِيطَانُ الْبُيُوتِ، وَالْأَغْلَاقُ وَالْأَقْفَالُ١. وَنَحْنُ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ نَصِفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ هُوَ عَلَى عَرْشِهِ، فَوْقَ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ فِي أَعْلَى مَكَانٍ وَأَطْهَرِ مَكَانٍ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٢، يَعْلَمُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، يُدَبِّرُ مِنْهُ الْأَمر يعرج٣ إِلَيْهِ فِي كل يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، كَمَا قَالَ٤، لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ وَلَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَلَا سَقْفُ بَيْتٍ، وَلَا تُقِلُّهُ أَرْضٌ، وَلَا تُظِلُّهُ سَمَاءٌ كَمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُبْتَلَى أَنَّهُ فِي كُلِّ حَجَرٍ وَزَاوِيَةٍ، وَفِي كُلِّ حُشٍّ٥ وَكَنِيفٍ٦ وَمِرْحَاضٍ، حَيْثُ مقيل الشَّيْطَان ومبيتهم٧ تَعَالَى الله عَن وصفك
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش سطور لم ترد فِي الأَصْل ولعلها سَقَطت من النَّاسِخ، حَيْثُ ورد بعد قَوْله: "والأقفال" مَا يَلِي: "فَإِذا كَانَ فِي كل مَكَان "وَلَفْظَة مَكَان لَيست فِي س" يلْزم هَذَا الْجَاهِل على مَا ادَّعَاهُ أَن تكون ذَاته ملْء الْخَلَاء بأسره، "وَفِي س "أَن يكون"" فَيلْزمهُ أَن يكون ظرفا لحوادثه، وَتَعَالَى الله عَن ذَلِك علوًّا كَبِيرا أَن يكون ظرفا لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُحِيط بالأشياء لَا محاط بِهِ فَبَطل ماقاله" وَفِي سي مَا قَالَ" وَظهر فَسَاد مَا ادَّعَاهُ" وَفِي س "فَظهر"". وَنحن نبرأ إِلَى الله " إِلَخ. ٢ سُورَة الْأَنْعَام آيَة [١٨] . ٣ فِي ط، س، ش "ويعرج". ٤ وَذَلِكَ فِي الْآيَة الرَّابِعَة من سُورَة المعارج حَيّ يَقُول: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ . "٥، ٦" تقدم مناهما ص"٤٤٣". ٧ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي س، ش "ومبيته" وَبِه يَسْتَقِيم الْمَعْنى.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وَادَّعَى الْمُعَارِضُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ١: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى٢ مِنْ ذَاتِهِ. وَهُوَ فِي الْأَرْضِ بَائِنٌ مِنْهُ. فَإِنَّا لَا نَقُولُ كَمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ وَلَا نَقُولُ: إِنَّ بَعْضَ ذَاتِهِ فِي الْأَرْضِ مَنْزُوعٌ مُجَسَّمٌ بَائِنا٣ مِنْهُ. وَلَكنَّا نقُول: علمه وَكَلَامه مَعَهُ كَمَا لَمْ يَزَلْ، غَيْرُ بَائِنٍ مِنْهُ. فَهُوَ بِعِلْمِهِ الَّذِي كَانَ فِي نَفْسِهِ٤ عَالِمٌ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ بِكُلِّ ذِي نَجْوَى٥، أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْهُ بِمَنْظَرٍ وَمَسْمَعٍ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِمْ مِنْ حَبْلِ الوريد. لَا يخفي عيله مِنْ جَسَدٍ٦ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا قِيسَ٧ خردلة من مخ أوعظم أَوْ عِرْقٍ٨ دَاخِلٍ أَوْ خَارِجٍ٩ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ ١٠ أَيْ نَحْنُ نَعْلَمُ مِنْهُ مَا ظهر وَمَا بطن، مَا غِيبَ١١ مِنْهُ الْجُلُودُ، وَوَارَاهُ الْجَوْفُ، وأخفته
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَلَعَلَّه أَرَادَ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. ٢ مَا بَين القوسين لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، ش "بَائِن" بِالرَّفْع، وَمَا فِي الأَصْل جَائِزا أَيْضا على أَنه حَال من كلمة "بعض" المضافة إِلَى الْمعرفَة. ٤ المُرَاد بِعِلْمِهِ الَّذِي هُوَ متصف بِهِ. ٥ فِي ط، س "بِكُل ذِي نجوى وَمَعَ كل ذِي نجوى". ٦ فِي ط، س، ش "من جسدهم" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٧ أَي قدر خردلة، قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٢/ ٢٤٤ مَادَّة "قاسة": "وَقيس رمح بِالْكَسْرِ وقاسه قدره". ٨ فِي ط، س، ش "أوعظم أَو لحم أَو عرق". ٩ فِي ط، ش "دَاخل وخارج" قلت: بل يعلم مَا هُوَ أقل من ذَلِك بل إِنَّه ﷾ يعلم مَا كَانَ وَمَا يكون وَمَا لم يكن لَو كَانَ كَيفَ يكون. ١٠ سُورَة الْوَاقِعَة، آيَة [٨٥] . ١١ فِي ط، ش "وَمَا غيبت" وَهُوَ أوضح.
[ ١ / ٤٤٨ ]
الصُّدُور١ وَأَنْتُم لاتبصرون، فَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ بِالْعِلْمِ بِذَلِكَ، لَا بِأَنَّ عِلْمَهُ مَنْزُوعٌ مِنْهُ بَائِنٌ مُجَسَّمٌ فِي الْأَرْضِ، كَمَا ادَّعَيْتَ بِجَهْلِكَ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ نَدَّعِي٢ أَنَّ عِلْمَهُ فِي الْأَرْضِ، لَا مَا ادَّعَيْتَ عَلَيْنَا مِنَ الْبَاطِلِ، وَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ لِحُجَّةِ غَيْرِهِ مِمَّنْ٣ لَا يَتَوَجَّهُ لِحُجَّةِ نَفْسِهِ وَلَا يَدْرِي مَا يَنْطِقُ بِهِ "لِسَانُهُ؟، وَقَلَّ مَا رَأَيْتُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُتَكَلِّمًا فِي الْعَرْشِ أَكْثَرَ لَجَاجَةً فِي إِبْطَالِهِ"٤ وَإِدْخَالِ الْحَشْوِ مِنَ الْكَلَامِ وَالْحُجَجِ الدَّاحِضَةِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْمُعَارِضِ. وَكُلَّمَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَدْحَضَ لِحُجَّتِهِ وَأَكْشَفَ لِعَوْرَتِهِ.
فَأَقْصِرْ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ، فَإِنَّ الْعَرْشَ لَا يُعَطَّلُ بِإِكْثَارِ حَشْوِكَ وَخُرَافَاتِ كَلَامِكَ، وَكَلَامِ الْمَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ٥، إِذْ عَقِلَ أَمْرَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَكَيْفَ الرِّجَالُ٦؟.
وَيحك! هَذَا الْمَذْهَب أَنْزَهُ لِلَّهِ مِنَ السُّوءِ أَمْ مَذْهَبُ مَنْ يَقُولُ: فَهُوَ بِكَمَالِهِ٧ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَبَهَائِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوق سمواته، وَفَوق جَمِيع
_________________
(١) ١ بل إِنَّه سُبْحَانَهُ لَا يخفى عَلَيْهِ خافية فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الانعام آيَة ٥٩] . ٢ كلمة "تَقول" فِي هَذَا الْموضع أولى من "ندعي"، وَلَعَلَّ الْمُؤلف أَرَادَ الْمُقَابلَة لقَوْله: كَمَا ادعيتم". ٣ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي بَقِيَّة النّسخ "من" وَهُوَ أوضح. ٤ من بَين القوسين لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ فِي ش "فَكيف الدَّجَّال" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٧ فِي ط، ش "هُوَ بِكَمَالِهِ".
[ ١ / ٤٤٩ ]
الْخَلَائِقِ١ فِي أَعْلَى مَكَانٍ، وَأَطْهَرِ مَكَانٍ، حَيْثُ لَا خَلْقَ هُنَاكَ مِنْ إِنْسٍ وَلَا جَانٍّ، فَتَكْفُرُ٢؟ أَي الحزبين٣ أعلم بِاللَّه وبمكانه٤ وَأَشد لَهُ تَعْظِيمًا وإجلالًا؟.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَفَوق جَمِيع خلقه". ٢ فِي ط، س، ش "فيكفر" وَالْأَقْرَب أَنَّهَا "فتفكر". ٣ فِي ط، س، ش "فَأَي الحزبين أعلم بِاللَّه إِلَخ". ٤ قَوْله: "وبمكانه" لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٥٠ ]
نقُول الثلجي فِي تَفْسِير الاسْتوَاء وَالرَّدّ عَلَيْهِ
وَأَمَّا مَا رَوَيْتَ عَنِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ مِنْهُ من حَيْثُ السُّدِّيِّ١، عَنْ أَبِي مَالِكٍ٢، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٣ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٤ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى٥ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦ قَالَ: "ارْتَفَعَ ذِكْرُهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَى خَلْقِهِ" وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "اسْتَوَى لَهُ أَمْرُهُ وَقُدْرَتُهُ فَوق بريته".
_________________
(١) ١ قَالَ فِي الْقَرِيب ١/ ٧١-٧٢: إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن أبي كَرِيمَة السّديّ بِضَم الْمُهْملَة وَتَشْديد الدَّال، أَبُو مُحَمَّد الْكُوفِي، صَدُوق يهم، وَرمي بالتشيع من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة ٢٧/ م وَالْأَرْبَعَة. ٢ الرَّاجِح أَنه غَزوَان الْغِفَارِيّ، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٠٥ غَزوَان الْغِفَارِيّ أَبُو مَالك، الْكُوفِي، مَشْهُور بكنيته ثِقَة من الثَّالِثَة، خت د س ت. وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٨/ ٢٤٥ أَنه روى عَن ابْن عَبَّاس وَعنهُ إِسْمَاعِيل السّديّ. ٣ ابْن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ٤ عبارَة "﵄" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ لفظ "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ [سُورَة طه آيَة ٥] .
[ ١ / ٤٥٠ ]
عَنِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جُوَيْبِرٍ١، عَنِ الْكَلْبِيِّ٢، عَنْ أَبِي صَالِحٍ٣، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٤ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ قُلْتُ: ثُمَّ قَطَعَ الْكَلَامَ فَقَالَ: "اسْتَوَى٦ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض"، يَنْفِي عَنِ اللَّهِ الِاسْتِوَاءَ وَيَجْعَلُهُ لِمَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.
فَيُقَالُ لَك أَيهَا الْمعَارض: لَو سَمِعْتَ هَذَا مِنَ ابْنِ الثَّلْجِيِّ مَا قَامَتْ٧ لَكَ بِهِ حُجَّةٌ فِي قِيسِ٨ تَمْرَةٍ. وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا لَا تُسَاوِي بَعْرَةً، وَمَا يَحْتَجُّ بِهَا فِي تَكْذِيبِ الْعَرْشِ إِلَّا الْفَجَرَةُ. وَأَوَّلُ مَا فِيهِ مِنَ الرِّيبَةِ أَنَّكَ تَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ الْمَأْبُونِ٩ الْمُتَّهَمِ فِي دِينِ اللَّهِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ١٠ عَنِ الْكَلْبِيّ هُوَ بزعم١١ الثَّلْجِي١٢
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٣٦: جُوَيْبِر تَصْغِير جَابر، يُقَال اسْمه وجويبر لقب، ابْن سعيد الْأَزْدِيّ، أَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي، نزيل الْكُوفَة، رَاوِي التَّفْسِير ضَعِيف جدًّا من الْخَامِسَة، مَاتَ بعد الْأَرْبَعين، خد ق. ٢ الْكَلْبِيّ مُحَمَّد بن السَّائِب، تقدم ص"٣٥٣". ٣ أَبُو صَالح باذام، تقدم ص"٣٥٤". ٤ ابْن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ٥ سُورَة طه [آيَة ٥] . ٦ فِي ش "اسْتَوَى بِهِ". ٧ فِي ط، س، ش "لما قَامَت". ٨ قيس، تقدم مَعْنَاهَا ص"٤٤٨". ٩ تقدم مَعْنَاهَا ص"٣٥٣". ١٠ لفظ "أَنه لَيْسَ فِي ط، س، ش. ١١ فِي ط، ش "هُوَ ابْن عَم ابْن الثَّلْجِي": وَلَعَلَّ جملَة "هُوَ بزعم الثَّلْجِي" مُعْتَرضَة فَيكون المُرَاد عَن الْكَلْبِيّ وَعَن جُوَيْبِر بزعم ابْن الثَّلْجِي، وَأما مَا فِي ط، ش فَلَا يَتَّضِح مَعْنَاهُ، وَلَعَلَّ قَوْله: "ابْن عَم" تَصْحِيف من قَوْله: "بزعم". ١٢ فِي ط، س، ش "ابْن الثَّلْجِي".
[ ١ / ٤٥١ ]
وَعَنْ جُوَيْبِرٍ١ وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الْكَلْبِيِّ٢ وَجُوَيْبِرٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَان٣ وَشعْبَة٤ وَحَمَّاد ابْن زَيْدٍ٥ لَمْ يُكْتَرَثْ٦ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَغْمُوزَانِ فِي الرِّوَايَةِ لَا تَقُومُ٧ بِهِمَا الْحُجَّةُ فِي أَدْنَى فَرِيضَةٍ، فَكَيْفَ فِي إِبْطَالِ الْعَرْشِ وَالتَّوْحِيدِ؟.
وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَرَاهُ٨ إِلَّا مَكْذُوبًا عَلَى جُوَيْبِرٍ٩ وَالْكَلْبِيِّ١٠ وَلَكِنْ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الْمَحَجَّةِ١١ يَحْتَجُّ لِمَذْهَبِهِ بِمَا لَا تقوم١٢ بِهِ الْحجَّة.
_________________
(١) ١ تقدم ص"٤٥١". ٢ تقدم ص"٣٥٤". ٣ سُفْيَان الثَّوْريّ، تقدم ص"٢٦٨". ٤ شُعْبَة بن الْحجَّاج، تقدم ص"٢٥٠". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٩٧: حَمَّاد بن زيد بن دِرْهَم الْأَزْدِيّ، الْجَهْضَمِي، أَبُو إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ، ثِقَة ثَبت فَقِيه، قيل: إِنَّه كَانَ ضريرًا وَلَعَلَّه طَرَأَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ أَنه كَانَ يكْتب، من كبار الثَّامِنَة، مَاتَ سنة تسع وَسبعين وَله ٨١ سنة/ ع. قَالَ فِي الكاشف ١/ ٢٥١: وَكَانَ يحفظ حَدِيثه كَالْمَاءِ، وَعَن أبي عمرَان الْجونِي وثابت وَأبي جَمْرَة، وَعنهُ مُسَدّد وَعلي، قَالَ ابْن مهْدي: مَا رَأَيْت أحد لم يكن يكْتب أحفظ مِنْهُ، وَمَا رَأَيْت بِالْبَصْرَةِ أفقه مِنْهُ، وَلم أر أعلم بِالسنةِ مِنْهُ. ٦ فِي ط، س، ش "لم نكترث". ٧ فِي س "لَا يقوم". ٨ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "لَا نرَاهُ" وَهُوَ أولى. ٩ جُوَيْبِر، تقدم ص"٤٥١". ١٠ الْكَلْبِيّ تقدم ص"٣٤٥". ١١ فِي ط، س، ش "الْحجَّة" وَمَا فِي الأَصْل أولى. ١٢ فِي س "بِمَا لَا يقوم".
[ ١ / ٤٥٢ ]
وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَدْفَعُ مَا رَوَى الزُّهْرِيِّ١، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ٢، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٣ وَأَبِي سَعِيدٍ٤، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ مُسْلِمٍ٥، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ٦، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ٧ وَسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ٨ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ٩، مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ١٠ وَسُفْيَانَ١١ وَشُعْبَةَ١٢ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ١٣ وَحَمَّاد بن
_________________
(١) ١ الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، تقدم ص"١٧٥". ٢ عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ، تقدم ص"٢٠٥". ٣ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص"١٧٩". ٤ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، تقدم ص"٢٠٥". ٥ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "زيد بن أسلم" وَهُوَ الصَّوَاب فِيمَا يظْهر لي انْظُر: تَرْجَمته ص"٢٥٧". ٦ عَطاء بن يسَار الْهِلَالِي، تقدم ص: "٢٠٦" وَذكر صَاحب الكاشف ٢/ ٢٦٧ أَن زيد بن أسلم روى عَنهُ، وَانْظُر تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ٢/ ٩٣٨. ٧ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، تقدم ص"٢٠٥". قلت: يُرِيد الدَّارمِيّ إِلْزَام الْمعَارض بِالْأَخْذِ بِمَا ثَبت من طَرِيق هَؤُلَاءِ الْأَثْبَات من الْأَحَادِيث الدَّالَّة على صِفَات الله كَحَدِيث الرُّؤْيَة الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ من طَرِيق زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ﵁ وَقد تقدم تَخْرِيجه ذَلِك ص"٢٠٤-٢٠٨". ٨ سعيد المَقْبُري، تقدم ص"٣٣٢". ٩ ثَابت الْبنانِيّ، تقدم ص"٢٠١". ١٠ معمر بن رَاشد، تقدم ص"٢٠٥". ١١ سُفْيَان، تقدم ص"٢٦٨". ١٢ شُعْبَة بن الْحجَّاج، تقدم ص"٢٥٠". ١٣ مَالك بن أنس، تقدم ص"٢١٠".
[ ١ / ٤٥٣ ]
زَيْدٍ١ وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَعْلَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَعَلَّقُ، بِرِوَايَةِ الثَّلْجِيِّ٢ وَالْمَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الظَّنَّةِ فِي دِينِ اللَّهِ. إِذَا وَجَدَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا٣ أَدْنَى مُتَعَلِّقٍ يَدْخُلُ بِهَا دِلْسَةً٤ عَلَى الْجُهَّالِ.
وَسَنُبَيِّنُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا دُلِّسَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى٥.
ادَّعَى الْمُعَارِضُ أَن بضع النَّاسِ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قَالَ: استولى، قَالَ بَعْضُهُمْ: اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، أَيْ هُوَ عَالٍ عَلَيْهِ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ: عَلَا الشَّيْءَ أَيْ مَلَكَهُ، وَصَارَ فِي سُلْطَانِهِ، كَمَا يُقَالُ: غَلَبَ فُلَانٌ عَلَى مَدِينَةِ كَذَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى أَمْرِهَا، يُرِيدُ اسْتَوْلَى وَلَا يُرِيدُ الْجُلُوسَ. وَهَذِهِ تَأْوِيلَاتٌ مُحْتَمَلَةٌ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْعَامِهِ٦ التَّائِهِ الْمَأْبُونِ٧، الَّذِي يَهْذِي وَلَا يَدْرِي: هَذِهِ تَأْوِيلَاتٌ مُحْتَمَلَةٌ لِمَعَانٍ٨ هِيَ أقبح الضلال وأفحش الْمحَال،
_________________
(١) ١ حَمَّاد بن زيد، تقدم ص"٤٥٢". قلت: وَهَؤُلَاء الْأَئِمَّة الْأَعْلَام وَغَيرهم قد جَاءَ من طريقهم أَحَادِيث كَثِيرَة دَالَّة على صِفَات الله، وَكَانَ مَا دلّت عَلَيْهِ من الصِّفَات إِثْبَاتًا حقيقيًّا يَلِيق بِجلَال الله وعظمته. ٢ فِي ط، س، ش "ابْن الثَّلْجِي". ٣ فِي ط، ش "فِيهَا". ٤ من التَّدْلِيس، تقدم مَعْنَاهُ ص"١٤٢". ٥ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي س. ٦ قَالَ الفيرزوآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٤/ ٢٨٨ مَادَّة "العمه": "متحركة التَّرَدُّد فِي الضلال والتحرير فِي مُنَازعَة أَو طَرِيق أَو أَن يعرف الْحجَّة إِلَخ. ٧ المأبون، تقدم مَعْنَاهَا "٣٥٣". ٨ فِي ط، س، ش "لمعاني".
[ ١ / ٤٥٤ ]
وَلَا يَتَأَوَّلُهَا مِنَ النَّاسِ إِلَّا الْجُهَّالُ، وَكُلُّ رَاسِخٍ فِي الضَّلَالِ.
وَيحك! وَهل١ مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَسْتَوْلِ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي دَعْوَاكَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ حَتَّى خَصَّ الْعَرْشَ بِهِ مِنْ بَيْنِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ؟ وَهَلْ نَعْرِفُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْض لَيْسَ الله مَالِكه ولاهو فِي سلطاته، حَتَّى خَصَّ الْعَرْشَ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ من بَين الْأَشْيَاء٣ عَلَى مَا غَالَبَهُ عَلَيْهِ مُغَالَبَةً ومنازعة، وَمَعَ أَنَّكَ قَدْ صَرَّحْتَ بِمَا قُلْنَا، إِذْ قِسْتَهُ فِي عَرْشِهِ بِمُتَغَلِّبٍ عَلَى مَدِينَةٍ فَاسْتَوَى عَلَيْهَا بِغَلَبَةٍ٤؟.
فَفِي دَعْوَاكَ لَمْ يَأْمَنِ اللَّهُ أَنْ يُغْلَبَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ٥ الْمُسْتَوْلِيَ رُبَّمَا غَلَبَ وَرُبَّمَا غُلب.
فَهَلْ سَمِعَ سَامِعٌ بِجَاهِلٍ أَجْهَلَ بِاللَّهِ مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّ اللَّهَ اسْتَوْلَى عَلَى عَرْشِهِ مُغَالَبَةً، ثُمَّ يَقِيسُهُ فِي ذَلِكَ بِمُتَغَلِّبٍ٦ فَيَقُولُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لِلرَّجُلِ: غَلَبَ عَلَى مَدِينَةٍ وَاسْتَوْلَى عَلَى أَهْلِهَا؟ وَأَيْنَ مَا انْتَحَلْتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُشَبِّهَ اللَّهَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، أَوْ يَتَوَهَّمَ فِيهِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخلق وَقد شبهته بمتغلب غلب عَلَى مَدِينَةٍ بِغَلَبَةٍ٧ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا؟ لَو
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "هَل من شَيْء". ٢ فِي ط، س، ش "فغلبه الله". ٣ فِي ط، ش "ثمَّ اسْتَوَى". ٤ فِي ط، ش "بغلبته". ٥ فِي ط، س، ش "لِأَن الْغَالِب". ٦ فِي س "بتغلب". ٧ فِي ط، ش "بغلبته".
[ ١ / ٤٥٥ ]
وَلَدَتْكَ أُمُّكَ أَصَمَّ أَخْرَسَ كَانَ خَيْرًا١ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَأَوَّلَ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى وَفِي عَرْشِهِ٢.
فَأَقْصِرْ أَيُّهَا الْمَرْءُ الضَّعِيفُ. فَإِنَّكَ لَنْ تَدْفَعَ الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ بِمِثْلِ هَذَا الْحَشْوِ وَالْخُرَافَاتِ وَالْعَمَايَاتِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِهِمَا قَدْ خَلُصَ إِلَى كُلِّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ: مِنْ عَالِمٍ أَوْ جَاهِلٍ. وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ: قِيَاسُكَ اللَّهَ بِمِقْيَاسِ الْعَرْشِ وَمِقْدَارِهِ وَزنه من أَصْغَر أَوْ كِبَرٍ٣ وَزَعَمْتَ كَالصِّبْيَانِ الْعِمْيَانِ إِنْ كَانَ اللَّهُ٤ أَكْبَرَ مِنَ الْعَرْشِ أَوْ أَصْغَرَ مِنْهُ أَوْ مِثْلَهُ فَإِنْ كَانَ اللَّهُ أَصْغَرَ فَقَدْ صَيَّرْتُمُ الْعَرْشَ أَعْظَمَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْعَرْشِ٥ فَقَدِ ادَّعَيْتُمْ فِيهِ فَضْلًا عَلَى الْعَرْشِ. وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فَإِنَّهُ إِذَا ضَمَّ إِلَى الْعَرْشِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتْ أَكْبَرَ مَعَ خُرَافَاتٍ تكلم بهَا وترهات٦ تعلب٧ بهَا
_________________
(١) ١فِي الأَصْل "كَانَ خير" وَبِمَا أثبتنها جَاءَ فِي ط، س، ش وَهُوَ الصَّوَاب؛ لِأَنَّهَا خبر كَانَ وَاسْمهَا مَحْذُوف وَتَقْدِيره ذَلِك. ٢ فِي س "مِنْ أَنْ تَتَأَوَّلَ هَذَا وَمَا أشبهه وَفِي عَرْشه" وَهُوَ غير وَاضح وَلَعَلَّه سقط بعضه سَهوا وَفِي ط، ش: "مِنْ أَنْ تَتَأَوَّلَ هَذَا وَمَا أشبهه فِي عَرْشه تَعَالَى". ٣ فِي ط، س، ش "من صَغِير أَو كَبِير" مَا فِي الأَصْل أولى. ٤ فِي ط، س، ش "إِن كَانَ الله تَعَالَى". ٥ الْعبارَة من قَوْله: "أَو أَصْغَر مِنْهُ" إِلَى قَوْله: "أكبر من الْعَرْش" لَيست فِي ط، س، ش وَبهَا يزِيد الْمَعْنى وضوحًا. ٦ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٤/ ٢٨٢ مَادَّة "الترهة": "كقبرة الْبَاطِل كالترة وَالطَّرِيق الصَّغِيرَة المتشعبة من الجادة قَالَ: وَتجمع على ترهات وترارية " بِتَصَرُّف". ٧ فِي ط، س، ش "يلْعَب".
[ ١ / ٤٥٦ ]
ضلالات تَضِلُّ١ بِهَا. لَوْ كَانَ مَنْ يعْمل عَلَيْهِ لِلَّهِ٢ لَقَطَعَ ثَمَرَةَ لِسَانِهِ٣ وَالْخَيْبَةُ لِقَوْمٍ هَذَا فَقِيهُهُمْ، وَالْمَنْظُورُ إِلَيْهِ مَعَ هَذَا التَّمْيِيزِ كُلِّهِ، وَهَذَا الْبَصَرِ ٤ وَكُلِّ هَذِهِ الْجَهَالَاتِ وَالضَّلَالَاتِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْبَقْبَاقِ٥ النَّفَّاجِ٦: إِنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَكْبَرُ مِنْ كُلِّ خَلْقٍ، وَلَمْ يَحْتَمِلْهُ٧ الْعَرْشُ عِظَمًا/ وَلَا قُوَّةً، وَلَا حَمَلَةُ الْعَرْشِ احْتَمَلُوهُ٨ بِقُوَّتِهِمْ، وَلَا اسْتَقَلُّوا بِعَرْشِهِ بِشِدَّةِ أَسْرِهِمْ٩، وَلَكِنَّهُمْ حَمَلُوهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وتأييده لَوْلَا ذَلِك مَا أطاقوا حمله.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "يضل بهَا". ٢ فِي ش "الله" وَهُوَ بعيد، والأوضح أَن يُقَال: "لَوْ كَانَ مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهِ مخلصًا لله". ٣ أَي طرف لِسَانه، قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ١/ ٣٨٣: مَادَّة "الثَّمر": "وَالثَّمَرَة الشَّجَرَة وجلدة الرَّأْس وَمن اللِّسَان طرفه" بِتَصَرُّف. ٤ فِي ط، س، ش "وَهَذَا النّظر". ٥ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ١/ ٢٤٥: مَادَّة "بقق": "وَقَالَ بَعضهم: "رجل مبق وبقاق وبقباق كثير الْكَلَام أَخطَأ أَو أصَاب، وَقيل: كثير الْكَلَام مخلط، وَيُقَال بقبق علينا الْكَلَام أَي فرقة" بِتَصَرُّف. ٦ فِي س "النفاخ" ويتقاربان فِي الْمَعْنى، وَالْأَظْهَر أَنَّهَا النفاج بِالْجِيم، قَالَ فِي لِسَان الْعَرَب إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ٣/ ٦٧٥ مَادَّة "نفخ": "وَرجل ذُو نفخ وَذُو نفج بِالْجِيم أَي صَاحب فَخر وَكبر" وَقَالَ أَيْضا فِي ٣/ ٦٨٣ مَادَّة "نفج": "وَرجل نفاج إِذا كَانَ صَاحب فَخر وَكبر وَقيل: نفاج يفخر بِمَا لَيْسَ عِنْده" إِلَخ. ٧ فِي ط، س، ش "وَلم يحْتَمل الْعَرْش". ٨ كلمة "احتملوه" لَيست فِي ط، س، ش تزيد الْمَعْنى وضوحًا. ٩ عبارَة "وَلَا استقلوا بِعَرْشِهِ بشد ة أسرهم" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُمْ حِينَ حَمَلُوا الْعَرْشَ وَفَوْقَهُ الْجَبَّارُ فِي عِزَّتِهِ، وَبَهَائِهِ ضَعُفُوا عَنْ حَمْلِهِ وَاسْتَكَانُوا، وَجَثَوْا عَلَى رُكَبِهِمْ، حَتَّى لُقِّنُوا "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"١ فَاسْتَقَلُّوا بِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ. لَوْلَا ذَلِكَ مَا اسْتَقَلَّ بِهِ الْعَرْشُ، وَلَا الْحَمَلَةُ، وَلَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ٢ وَلَا مَنْ فِيهِنَّ. وَلَوْ قَدْ شَاءَ لَاسْتَقَرَّ عَلَى ظَهْرِ بَعُوضَةٍ فَاسْتَقَلَّتْ بِهِ بِقُدْرَتِهِ وَلُطْفِ رُبُوبِيَّتِهِ، فَكَيْفَ عَلَى عَرْشٍ عَظِيمٍ أَكْبَرَ مِنَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ٣؟ وَكَيْفَ يُنْكَرُ أَيُّهَا النفاج أَن عَرْشه يقلهُ٤ اوالعرش أَكْبَرَ مِنَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ؟ وَلَوْ كَانَ الْعَرْشُ فِي السَّمَوَات وَالْأَرضين مَا وسعته وكلنه فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.
فَكَيْفَ تُنْكِرُ هَذَا وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَفِي جَمِيعِ أَمْكِنَتِهَا، وَالْأَرْضُ دُونَ الْعَرْشِ فِي الْعَظَمَةِ وَالسَّعَةِ؟ فَكَيْفَ تُقِلُّهُ الْأَرْضُ فِي دَعْوَاكَ وَلَا يُقِلُّهُ الْعَرْشُ الَّذِي أَعْظَمُ٥ مِنْهَا وَأَوْسَعُ؟ وَأَدْخِلْ هَذَا الْقيَاس الَّذِي
_________________
(١) ١ سَيذكرُ مَا يدل على ذَلِك بعد سطور. ٢ فِي ط، ش "وَلَا السَّمَوَات وَلَا الأَرْض". ٣ قَوْله: "وَالْأَرضين السَّبع" لَيست فِي ط، س ولعلها سَقَطت من النَّاسِخ. ٤ هَذَا غير صَحِيح، فَلَيْسَ الْعَرْش حَامِلا للرب وَلَا يقلهُ، بل الرب ﷾ مستغن عَن الْعَرْش وَغَيره من الْمَخْلُوقَات وَهُوَ الْحَامِل للعرش ولحملة الْعَرْش بقوته وَقدرته، وَهُوَ الَّذِي "يمسك السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا وَلَئِن زالتا إِن أمسكهما من أحد من بعده إِنَّه كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" وَمن الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ من دين الْمُرْسلين أَن الله ﷾ غَنِي عَن جَمِيع الْمَخْلُوقَات عين فَمَا دونهَا إِلَّا بِهِ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْغَنِيّ الحميد. ٥ فِي ط، س "الَّذِي هُوَ أعظم مِنْهَا".
[ ١ / ٤٥٨ ]
أَدْخَلْتَ عَلَيْنَا فِي عِظَمِ الْعَرْشِ وَصِغَرِهِ وَكِبَرِهِ عَلَى نَفْسِكَ، وَعَلَى أَصْحَابِكَ فِي الْأَرْضِ وَصِغَرِهِا، حَتَّى تَسْتَدِلَّ عَلَى جَهْلِكَ وَتَفْطِنَ لِمَا تُورِدُ عَلَيْكَ حَصَائِدُ لِسَانِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَحْتَجُّ بِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ١ رَاجِعٌ عَلَيْكَ وَآخِذٌ بِحَلْقِكَ.
وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ٢، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ٣ أَنَّهُ ٤ قَالَ: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ حِينَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء حَملَة عَرْشه٥ فَقَالُوا: رَبنَا لما خَلَقْتَنَا؟ فَقَالَ: خَلَقْتُكُمْ لِحَمْلِ عَرْشِي، قَالُوا: رَبَّنَا، وَمَنْ يَقْوَى عَلَى حمل عرشك، وعيله عَظَمَتُكَ وَجَلَالُكَ وَوَقَارُكَ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ:٦ إِنِّي خَلَقْتُكُمْ لِذَلِكَ، قَالُوا: رَبَّنَا٧ وَمَنْ يَقْوَى عَلَى حَمْلِ عَرْشِكَ وَعَلِيهِ عظمتك وَوَقَارُكَ؟ قَالَ: فَيَقُولُ٨: خَلَقْتُكُمْ لِحَمْلِ عَرْشِي٩ قَالَ: فَيَقُولُونَ ذَلِكَ مِرَارًا، قَالَ: فَقَالَ١٠ قُولُوا: لَا حَوْلَ وَلَا
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "إِلَّا هُوَ" بِدُونِ وَاو. ٢ عبد الله بن صَالح، تقدم ص”١٧١". ٣ مُعَاوِيَة بن صَالح، تقدم ص”١٧١". ٤ لفظ "أَنه" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٥ فِي ش "حَملَة الْعَرْش". ٦ فِي ط، ش "فَقَالَ لَهُم" وَفِي س "فَقَالَ". ٧ فِي س "قَالَ: فَقَالُوا: رَبنَا". ٨ فِي س "قَالَ: فَقَالَ". ٩ الْعبارَة الثَّانِيَة من قَوْله "قَالُوا: رَبنَا" إِلَى قَوْله: "لحمل عَرْشِي" لَيست فِي ط، ش. ١٠ فِي ط، س، ش "قَالَ: فَقَالَ لَهُم".
[ ١ / ٤٥٩ ]
قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَيَحْمِلَكُمْ وَالْعَرْشَ قُوَّةُ اللَّهِ"١.
أَفَلَا تَدْرِي أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لَمْ يَحْمِلُوا الْعَرْشَ وَمَنْ عَلَيْهِ بِقُوَّتِهِمْ وَشِدَّةِ أَسْرِهِمْ٢ إِلَّا بِقُوَّةِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ؟.
وَقَدْ بَيَّنَّا لَكَ مَا جَهِلْتَ مِنْ أَمْرِ الْعَرْشِ بِشَوَاهِدِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى٣، وَشَوَاهِدِهِ مِنْ مَعْقُولِ٤ الْكَلَامِ، وَمِمَّا مَضَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَسَنَقُصُّ عَلَيْكَ فِيهِ آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عيله وَسَلَّمَ، الْمَأْثُورَةَ وَأَخْبَارَهُ الْمَشْهُورَةَ مَا لَوْ عَرَضْتَهَا عَلَى قَلْبِكَ وَتَدَبَّرْتَ أَلْفَاظُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا عَلِمْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى٥ أَنَّ مَا تَأَوَّلْتَهُ فِي تَفْسِيرِ الْعَرْشِ بَاطِلٌ.
_________________
(١) ١ الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطع من كَلَام مُعَاوِيَة بن صَالح، وَذكره الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره الْجَامِع بهامشه تَفْسِير الغرائب ٢٩/ ٣٧-٣٨ عَن ابْن زيد بنسبه لِلنَّبِيِّ ﷺ بأطول من هَذَا. وَذكره شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي التُّحْفَة العراقية بِصِيغَة التمريض مُخْتَصرا عَمَّا هُنَا "انْظُر: مَجْمُوع الفتاوي١٠/ ٣٣". وَأوردهُ ابْن الْقيم فِي اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية، طبعة السلفية ص"٩٠" نقلا عَن عُثْمَان الدَّارمِيّ، وَفِي الوابل الصيب أَيْضا، بتحقيق إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ ص"١٦٥-١٦٦" وَذكر أَنه سَمعه من شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية، ثمَّ قَالَ: حَتَّى رَأَيْت ابْن أبي الدُّنْيَا قد ذكر هَذَا الْأَثر بِعَيْنِه عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَة بن صَالح قَالَ: حَدثنَا مشيختنا أَنه بَلغهُمْ: أَن أول مَا خلق ﷿ حِينَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ حلمة عَرْشه قَالُوا: رَبنَا لم خلقتنا؟ قَالَ: خلقتكم لحمل عَرْشِي وَذكره بِلَفْظ مقارب. وَذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ، بتحقيق عبد الرازق عفيفي، ص"٧٦" من طَرِيق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بن صَالح، عَن بعض المشيخة مُخْتَصرا عَمَّا هُنَا وَسكت عَنهُ. ٢ فِي ط، س، ش "وبشدة أسرهم". ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ فِي س "من معول الْكَلَام". ٥ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٦٠ ]
نقل الْمُؤلف الْآثَار الْوَارِدَة فِي الْعَرْش وَحَمَلته:
حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى الْأَنْطَاكِيُّ١، أبنا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ٢.
عَنِ الْأَعْمَشِ٣، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ٤، عَنْ صَفْوَان مِحْرِزٍ٥، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ٦ رَضِي الله عَنْهُمَا٧: "أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالُوا: أَتَيْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ، كَيْفَ كَانَ؟ قَالَ: كَانَ الله لم يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ. وَكَانَ عَرْشُهُ
_________________
(١) ١ مَحْبُوب بن مُوسَى الْأَنْطَاكِي، تقدم ص"١٥٠". ٢ فِي ط، ش "الغزاوي" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤١: إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْحَارِث بن أَسمَاء بن خَارِجَة بن حَفْص بن حُذَيْفَة الْفَزارِيّ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق، ثِقَة حَافظ، لَهُ تصانيف من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة خمس وَثَمَانِينَ، وَقيل: بعْدهَا/ ع. ٣ الْأَعْمَش، تقدم ص"١٥٧". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٤: جَامع بن شَدَّاد الْمحَاربي، أَبُو صَخْرَة الْكُوفِي، ثِقَة من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة سبع وَيُقَال: سنة ثَمَان وَعشْرين، ع وَذكر فِي الكاشف ١/ ١٧٨ أَنه روى عَن صَفْوَان بن مُحرز وَجَمَاعَة " إِلَخ. ٥ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "صَفْوَان بن مُحرز" وَهُوَ الصَّوَاب، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٦٨: صَفْوَان بن مُحرز بن زِيَاد الْمَازِني والباهلي ثِقَة، عَابِد من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة ٧٤/ خَ م ت س ق وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٢/ ٣٠: ثِقَة بكاء خاشع واعظ، مَاتَ سنة ٧٤. ٦ عمرَان بن حُصَيْن، تقدم ص"٢٢٧". ٧ عبارَة "﵄" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٦١ ]
عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ "١.
فَهَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ عَرْشَهُ كَانَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، الَّتِي هِيَ أَعْلَى الْخَلْقِ٢ فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَكْذِيبٌ لِدَعْوَاكَ وَإِبْطَالٌ لِتَأْوِيلِكَ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ٣، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ٤، ثَنَا بِشْرُ بْنُ نمير٥
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب بَدْء الْخلق، بَاب جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ حَدِيث ٣١٩١ جـ٦ ص٢٨٦ من طَرِيق عمر بن حَفْص بن غياث، حَدثنَا أبي، حَدثنَا الْأَعْمَش، حَدثنَا جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانِ بن مُحرز أَنه حَدثهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: "دخلت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وعقلت نَاقَتي بِالْبَابِ فَأَتَاهُ نَاس من بني تَمِيم فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بني تَمِيم، قَالُوا: قد بشرتنا فَأَعْطِنَا "مرَّتَيْنِ" ثمَّ دخل عَلَيْهِ نَاس من أهل الْيمن فَقَالَ: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أهل الْيمن إِن لم يقبلهَا بَنو تَمِيم، قَالُوا: قد قبلنَا يَا رَسُول الله قَالُوا: جِئْنَا نَسْأَلك عَن هَذَا الْأَمر، قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَنَادَى مُنَاد ذهبت نَاقَتك يَا ابْن الْحصين. فَانْطَلَقت فَإِذا هِيَ يقطع دونهَا السراب، فوَاللَّه لَوَدِدْت أَنِّي كنت تركتهَا". ٢ يَعْنِي أَعلَى الْخلق الْمشَاهد. ٣ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، تقدم ص"١٥٤". ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٠٤: عبد الله بن بكر بن حبيب السَّهْمِي الْبَاهِلِيّ أَبُو وهب الْبَصْرِيّ نزيل بَغْدَاد، امْتنع من الْقَضَاء، ثِقَة حَافظ، من التَّاسِعَة، مَاتَ فِي الْمحرم سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ، ع. ٥ فِي الأَصْل "بسر" بِالسِّين الْمُهْملَة، وَفِي ط، س، ش بالشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ الصَّوَاب وَبِه جَاءَ فِي كتاب: الرَّد على الْجَهْمِية" للمؤلف، مخطوط ص"٨" وَانْظُر: المطبوع ص"١٥" قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٠٢: بشر بن نمير الْقشيرِي بَصرِي مَتْرُوك مُتَّهم، من السَّابِعَة، مَاتَ بعد الْأَرْبَعين وَمِائَة، ق، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ١٥٨: روى عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن وَمَكْحُول، وَعنهُ يزِيد بن زُرَيْع وَابْن وهب وَخلق تَرَكُوهُ، وَفِي الْخُلَاصَة للخزرجي ص"٤٩" قَالَ: وَعنهُ أَبُو عوَانَة تَركه.
[ ١ / ٤٦٢ ]
عَنِ الْقَاسِمِ١، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ٢ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٣ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ وَقَضَى الْقَضِيَّةَ وَأَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ وَعَرْشُهُ على المَاء ٤ ".
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١١٨: الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن الدِّمَشْقِي، أَبُو عبد الرَّحْمَن صَاحب أبي أُمَامَة، صَدُوق يُرْسل كثيرا من الثَّالِثَة مَاتَ سنة اثْنَتَيْ عشرَة، بخ وَالْأَرْبَعَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٢/ ٣٩١: وَقيل لم يسمع من صَحَابِيّ سوى أبي أُمَامَة. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٦٦: صدي، بِالتَّصْغِيرِ، ابْن عجلَان أَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ، صَحَابِيّ مَشْهُور، سكن الشَّام وَمَات بهَا سنة ٨٦/ ع. ٣ عبارَة "﵁" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد ضَعِيف جدًّا، فَإِن فِي سَنَده بشر بن نمير وَهُوَ مَتْرُوك، ذكر ذَلِك الذَّهَبِيّ وَابْن حجر والخزرجي "انْظُر تَرْجَمته" إِلَّا أَن لَهُ طرقًا، فقد أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير، تَحْقِيق وَتَخْرِيج حمدي السلَفِي، حَدِيث ٨٩٤٠ ٨/ ٢٨٧، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن صَالح الشِّيرَازِيّ، ثَنَا عُثْمَان بن الْهَيْثَم، ثَنَا جَعْفَر بن الزبير، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة فِي آخِره وَأخرجه وَانْظُر: الحَدِيث بعده ٨٩٤٣-٨/ ٢٨٩ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور آنِفا. وَأخرجه الدَّارمِيّ فِي الرَّد على الْجَهْمِية، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش وَتَخْرِيج الألباني ص"١٥" بِهَذَا السَّنَد عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا بأطول من هَذَا. وَأخرجه الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده ط. الأولى ص"١٥٤" قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا جَعْفَر بن الزبير الْحَنَفِيّ عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعا بِلَفْظ: "إِن الله =
[ ١ / ٤٦٣ ]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ١، أبنا٢ سُفْيَان الثَّوْريّ٣، ثَنَا أَبُو هَاشم٤، عَنْ مُجَاهِدٍ٥، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٦ ﵄ قَالَ: "إِنَّ الله كَانَ على
_________________
(١) = ﷿ خلق الْخلق وَأَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ وَعَرْشُهُ عَلَى المَاء، فَأهل الْجنَّة أَهلهَا وَأهل النَّار أَهلهَا" وَأخرجه أَبُو الشَّيْخ فِي العظمة مخطوط لوحة ٣٨ عَن أبي أُمَامَة. وَذكره الهيثمي فِي الْمجمع ٧/ ١٨٩ عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة فِي آخِره، وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير بِاخْتِصَار وَفِيه سَالم بن سَالم وَهُوَ ضَعِيف، وَفِي إِسْنَاد الْكَبِير جَعْفَر بن الزبير وَهُوَ ضَعِيف. وَذكره أَيْضا ابْن حجر فِي المطالب الْعَالِيَة بزوائد المسانيد الثَّمَانِية، تَحْقِيق حبيب الرَّحْمَن الأعظمي، حَدِيث ٢٩٤١، ٣/ ٨٣-٨٤: عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا بأطول من هَذَا وَعَزاهُ إِلَى أبي بكر، وَانْظُر: حَدِيث ٢٩٤٢ عَن أبي أُمَامَة وَعَزاهُ إِلَى الطَّيَالِسِيّ. ١ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٠٣: مُحَمَّد بن كثير الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، ثِقَة لم يصب من ضعفه، من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَله ٩٠ سنة/ ع. ٢ فِي ط، س، ش "أخبرنَا" وهما بِمَعْنى وَاحِد، وَانْظُر تعلقنا ص"١٣٧". ٣ سُفْيَان الثَّوْريّ، تقدم ص"٢٦٨". ٤ قلت: هُوَ الرماني بالراء وَالتَّشْدِيد، وَبِه قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح، حَيْثُ أورد هَذَا الحَدِيث من طَرِيق سُفْيَان بِهَذَا السَّنَد، عَن ابْن عَبَّاس إِلَّا أَنه أَخطَأ فَقَالَ: "أَبُو هِشَام" وَلَعَلَّه خطأ مطبعي، انْظُر: فتح الْبَارِي ١٣/ ٤٠٥. وَقَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٤٨٣: أَبُو هَاشم الرماني بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الْمِيم الوَاسِطِيّ، اسْمه يحيى بن دِينَار، وَقيل: ابْن الْأسود، وَقيل: ابْن نَافِع، ثِقَة، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين، وَقيل: خمس وَأَرْبَعين، ع. ٥ مُجَاهِد بن جبر، تقدم ص"٢٥٢". ٦ عبد الله بن عَبَّاس ﵁، تقدم ص"١٧٢".
[ ١ / ٤٦٤ ]
عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا"١، فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ٢ أَنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ.
وَادَّعَيْتَ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ أَنَّ الْعَرْشَ أَعْلَى الْخَلْقِ٣ تَكْذِيبًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَصْحَابِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ٤ أَنَّهُ قَالَ: "بَدْءُ الْخَلْقِ الْعَرْش"٥
_________________
(١) ١ أوردهُ الْمُؤلف أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش وَتَخْرِيج الألباني ص"١٤"، وَذكره ابْن حجر فِي الْفَتْح ١٣/ ٤٠٥ فِي معرض رده على من زعم أَن الْعَرْش لم يزل مَعَ الله، وَكَذَا من زعم أَن الْعَرْش هُوَ الْخَالِق الصَّانِع فَقَالَ: "وَرُبمَا تمسك بعشهم وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق الْهَرَوِيّ بِمَا أخرجه من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ، حَدثنَا أَبُو هِشَام، "كَذَا" هُوَ الرماني بالراء وَالتَّشْدِيد، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا فَأول مَا خلق الله الْقَلَم" وَهَذِه الأولية مَحْمُولَة على خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فيهمَا، فقد أخرج عبد الرازق فِي تَفْسِيره عَن معمر، عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قَالَ: هَذَا بَدْء خلقه قبل أَن يخلق السَّمَاء وعرشه من ياقوته حَمْرَاء" وَانْظُر: مَا ذكره الْعَيْنِيّ أَيْضا فِي عُمْدَة الْقَارئ شرح صَحِيح البُخَارِيّ ٢٥/ ١١١. ٢ فِي ط، ش "ثمَّ قَالَ ابْن عَبَّاس" بدل "فَهَذَا ابْن عَبَّاس". ٣ مُرَاد الْمعَارض إِنْكَار أَن يكون الْعَرْش مخلوقًا مستقلًّا، وَانْظُر مَا نَقَلْنَاهُ فِي بَيَان شُبْهَة الْمعَارض ص"٤٣٩-٤٤١". ٤ فِي ط، س، ش "وروى مُجَاهِد" بِدُونِ "عَن" وَانْظُر تَرْجَمته ص"٢٥٢". ٥ قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي فِي شَرحه على حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن فِي بَدْء الْخلق رقم ٣١٩١، ٦/ ٢٩٠: "وَأخرج سعيد بن مَنْصُور، عَن أبي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: بَدْءُ الْخَلْقِ الْعَرْشُ وَالْمَاء والهواء، وخلقت الأَرْض من المَاء". وروى ابْن جرير فِي تَفْسِيره الطبعة الثَّانِيَة جـ١٢ ص"٤" تَفْسِير سُورَة هود قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَمْرو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِم، ثَنَا عِيسَى، عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَول الله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئا. وَمن طَرِيق آخر عَن مُجَاهِد مثله، وَذكر عَن قَتَادَة أَنه قَالَ فِي قَوْله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قَالَ: هَذَا بَدْء خلقه قبل أَن يخلق شَيْئا، وَمن طَرِيق آخر عَن قَتَادَة بِمَعْنَاهُ.
[ ١ / ٤٦٥ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ٢، عَنْ أَبِي بِشْرٍ٣، عَنْ مُجَاهِدٍ٤ قَالَ: "بَدْءُ الْخَلْقِ الْعَرْشُ وَالْمَاءُ"٥.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ٦، ثَنَا وَكِيعٌ٧، عَنْ سُفْيَانَ٨، عَنِ الْأَعْمَشِ٩، عَنِ الْمنْهَال١٠
_________________
(١) ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٢ أَبُو عوَانَة تقدم ص"٢٦٣". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٢٩: جَعْفَر بن إِيَاس، أَبُو بشر بن أبي وحشية بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْمُهْملَة وَكسر الْمُعْجَمَة وتثقيل التَّحْتَانِيَّة، ثِقَة من أثبت النَّاس فِي سعيد بن جُبَير وَضَعفه شُعْبَة فِي حبيب بن سَالم وَفِي مُجَاهِد، من الْخَامِسَة مَاتَ سنة خمس، وَقيل: سنة سِتّ وَعشْرين، ع. ٤ مُجَاهِد بن جبر، تقدم ص"٢٥٢". ٥ تقدم ص"٤٦٥". ٦ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ تقدم ص"١٥٤". ٧ وَكِيع بن الْجراح، تقدم ص"١٥٠". ٨ سُفْيَان، لَعَلَّه ابْن عُيَيْنَة، تقدم ص"١٧٥". قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ٣٧٩: وَمن شُيُوخه الْأَعْمَش وَابْن جرير. ٩ الْأَعْمَش سُلَيْمَان بن مهْرَان، تقدم ص١٧٥. ١٠ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢٧٨: الْمنْهَال بن عَمْرو الْأَسدي، مَوْلَاهُم، الْكُوفِي، صَدُوق رُبمَا وهم من الْخَامِسَة/ خَ وَالْأَرْبَعَة وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٣/ ١٧٧: عَن ابْن الْحَنَفِيَّة وزر وَعنهُ الْأَعْمَش وَشعْبَة وَرِوَايَته عَنهُ فِي النَّسَائِيّ، ثمَّ تَركه بِآخِرهِ، وَثَّقَهُ ابْن معِين.
[ ١ / ٤٦٦ ]
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ١، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٢ ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ٣ قَالَ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ٤؟ قَالَ: على متن الرّيح٥.
_________________
(١) ١ سعيد بن جُبَير، تقدم ص"١٧٣". ٢ عبد الله، بن عَبَّاس ﵄، تقدم ص"١٧٢". ٣ سُورَة، هود [آيَة ٧] . ٤ فِي ط، ش "قَالَ: وَالْمَاء على أَي شَيْء؟ ". ٥ أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بذيله التَّلْخِيص من طَرِيق الْأَعْمَش، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ أَنه سُئِلَ عَن قَوْله ﷿: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ على أَي شَيْء كَانَ المَاء؟ قَالَ: على متن الرّيح، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح فِي شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ وَأخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي السّنة، بتخريج الألباني، حَدِيث ٥٨٤ ١/ ٢٥٨ من طَرِيق سُفْيَان، عَن الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظِهِ، وَقَالَ الألباني"إِسْنَاده جيد مَوْقُوف، وَلَيْسَ لَهُ حكم الْمَرْفُوع لاحْتِمَال أَن يكون ابْن عَبَّاس تَلقاهُ عَن أهل الْكتاب". وَأخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره الْجَامِع بهامشه تَفْسِير الغرائب ١٢/ ٥ من طرق عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْن عَبَّاس بِمثلِهِ. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٣٧٧-٣٧٨" من طَرِيق الْحَاكِم وبلفظه. وَذكره ابْن كثير فِي تَفْسِيره ٢/ ٤٣٧ عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظِهِ. وَأوردهُ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور بهامشه تنوير المقباس ٣/ ٣٢٢ عَن ابْن عَبَّاس وَرَضي الله عَنْهُمَا، وَعَزاهُ إِلَى عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَالْفِرْيَابِي، وَابْن جرير، وَابْن الْمُنْذر، وَابْن أبي حَاتِم، وَأبي الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات.
[ ١ / ٤٦٧ ]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ١ ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ٢ ثَنَا أَبِي٣ قَالَ:٤ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ٥ يُحَدِّثُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عتبَة٦ وَجبير بن
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب٢/ ١٤٧: مُحَمَّد بن بشار بن عُثْمَان، الْعَبْدي، الْبَصْرِيّ أَبُو بكر بنْدَار، ثِقَة من الْعَاشِرَة مَاتَ سنة ٥٢ وَله بضع وَثَمَانُونَ سنة، ع. وَفِي الْحَاشِيَة قَالَ: بنْدَار بِضَم الْبَاء وَفتحهَا وَسُكُون النُّون كَمَا فِي الْمُغنِي. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٣٨: وهب بن جرير بن حَازِم بن زيد، أَبُو عبد الله الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، ثِقَة من التَّاسِعَة مَاتَ سنة ٨٦/ ع وَفِي الكاشف ٣/ ٢٤٤ أَنه توفّي سنة ٢٠٦ وَهُوَ الْأَقْرَب للصَّوَاب، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ٤/ ٣٥٠ أَنه روى عَن أَبِيه. ٣ جرير بن حَازِم، تقدم ص٣١٦. ٤ فِي ط، س، ش، "قَالَ: سَمِعت فِي حَدِيثك من الْحِلْية والسكون والمعاينة" ثمَّ أورد كلَاما لَا يلتئم مَعَ مَا سبق وَيَقَع فِي حوالي صفحتين، ثمَّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يحدث عَن يقعوب.. إِلَخ كَمَا فِي الأَصْل، وَبعد النّظر والمراجعة وجدت أَن مَا ذكر إِنَّمَا يُنَاسِبه مَوضِع آخر فِي الْجُزْء الثَّالِث فِي الحَدِيث على "النَّقْضُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ الْمُعَارِضُ فِي الْوَجْه" وسنشير إِلَى ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى هُنَاكَ انْظُر ص"٧٢٧". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٤٤: مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار، أَبُو بكر المطلبي مَوْلَاهُم الْمدنِي نزيل الْعرَاق إِمَام الْمَغَازِي، صَدُوق يلدلس، وَرمي بالتشيع وَالْقدر، من صغَار الْخَامِسَة، مَاتَ سنة خمسين وَمِائَة وَيُقَال: بعْدهَا، خت م وَالْأَرْبَعَة، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٩/ ٣٩ أَنه روى عَن يَعْقُوب بن عتبَة الثَّقَفِيّ وَعنهُ جرير بن حَازِم. ٦ فِي ط، ش يَعْقُوب بن شيبَة وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ يُؤَيّدهُ أَن هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ ورد مرّة أُخْرَى بِلَفْظ يَعْقُوب بن عتبَة، انْظُر: ص"٥١٨"، وَبِه أَيْضا فِي سنَن أبي دَاوُد ٥/ ٩٤، وَيَعْقُوب هَذَا هُوَ: يَعْقُوب بن عتبَة بن الْمُغيرَة بن الْأَخْنَس الثَّقَفِيّ، ثِقَة، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ٢٨/ د س ق. انْظُر التَّقْرِيب ٢/ ٣٧٦. وَذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١١/ ٣٩٢ أَنه روى عَن جُبَير بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مطعم وَعنهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق.
[ ١ / ٤٦٨ ]
مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ١، عَنْ أَبِيهِ٢، عَنْ جَدِّهِ٣ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤: "إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ فَوْقَ أَرْضِهِ مِثْلُ الْقُبَّةِ -وَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ الْقُبَّةِ- وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بالراكب" ٥.
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٢٦: جُبَير بن مُحَمَّد بن مطعم. مَقْبُول من السَّادِسَة، د. قَالَ فِي الكاشف ١/ ٨٠: عَن أَبِيه وَعنهُ يَعْقُوب بن عتبَة وحصين فِي الأطيط. ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٥٠: مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ بن عدي بن نَوْفَل النَّوْفَلِي ثِقَة عَارِف بِالنّسَبِ، من الثَّالِثَة، مَاتَ على رَأس الْمِائَة، ع. قَالَ فِي الكاشف ٣/ ٢٧: عَن أَبِيه وَعَمه وَعنهُ الزُّهْرِيّ وعدة. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٢٦: جُبَير بن مطعم بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف الْقرشِي النَّوْفَلِي، صَحَابِيّ عَارِف بالأنساب مَاتَ سنة ثَمَان أَو تسع وَخمسين، ع، قَالَ فِي الكاشف ١/ ١٨٠ عَنهُ: ابناه مُحَمَّد وَنَافِع وَابْن الْمسيب. ٤ فِي ط، س، ش "قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ". ٥ الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد كتاب السّنة، بَاب فِي الْجَهْمِية، حَدِيث ٤٧٢٦، ٥/ ٩٤-٩٥ من طَرِيق مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ يَعْقُوب بن عتبَة، عَن جُبَير بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعا. قلت: وَاخْتلف فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث سندًا ومتنًا، وَعلة إِسْنَاده عِنْد من ضعفه عنعنة مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَهُوَ مُدَلّس وَمثله لَا يحْتَج بِهِ إِلَّا صرح بِالتَّحْدِيثِ، وَتفرد يَعْقُوب بن عتبَة بِهِ عَن جُبَير بن مُحَمَّد، وَفِيه أَيْضا جُبَير بن مُحَمَّد وَفِيه ضعف، وَعلة مَتنه عِنْد من أعله لفظ "الأطيط" وَقد أعله الْمُنْذِرِيّ وَنقل إعلاله سندًا ومتنًا فِي مُخْتَصر السّنَن ٧/ ٩٤، وَأعله ابْن كثير فِي تَفْسِيره الْآيَة الْكُرْسِيّ ١/ ٣١٠ فِي كَلَامه على حَدِيث عبد الله بن خَليفَة الْمُتَقَدّم، وَأعله أَيْضا الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ، تَصْحِيح ومراجعة عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد عُثْمَان، ص"٣٩" فَقَالَ: "هَذَا حَدِيث غَرِيب جدًّا وَابْن إِسْحَاق حجَّة فِي الْمَغَازِي وَله =
[ ١ / ٤٦٩ ]
_________________
(١) = مَنَاكِير وعجائب، فَالله أعلم أقَال النَّبِيِّ ﷺ هَذَا أم لَا؟، وَأما الله ﷿ فَلَيْسَ كمثله شَيْء ﷻ وتقدست أسماؤه وَلَا إِلَه غَيره، والأطيط الْوَاقِع بِذَات الْعَرْش، من جنس الأطيط الْحَاصِل فِي الرحل، فَذَاك صفة للرحل وللعرش، وَمعَاذًا الله أَن نعده صفة الله ﷿. ثمَّ لفظ الأطيط لم يرد بِهِ نَص ثَابت" وَضَعفه الألباني أَيْضا فِي تَخْرِيجه على السّنة لِابْنِ أبي عَاصِم ١/ ٢٥٢ وَفِي سلسلة الْأَحَادِيث الضعيفة ٢/ ٢٥٧، وَعلمت أَن لِابْنِ عَسَاكِر رِسَالَة سَمَّاهَا "بَيَان وُجُوه التغليط فِي حَدِيث الأطيط" ضعف فِيهَا هَذَا الحَدِيث وَلم أعثر عَلَيْهَا. وانتصر ابْن الْقيم ﵀ لِلْقَوْلِ بِثُبُوتِهِ سندًا ومتنًا وَبسط القَوْل فِي مناقشة من أعل إِسْنَاده ثمَّ قَالَ: "وَأما قَوْلكُم أَنه اخْتلف فِي لَفظه فبعضهم قَالَ: "ليئط بِهِ" وَبَعْضهمْ لم يذكر لَفْظَة "بِهِ" فَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَاف يُوجب رد الحَدِيث، فَإِذا زَاد بعض الْحَافِظ لَفْظَة لم ينفها غَيره، وَلم يرو مَا يُخَالِفهَا، فَإِنَّهَا لَا تكون مُوجبَة لرد الحَدِيث، فَهَذَا جَوَاب المنتصرين لهَذَا الحَدِيث". انْظُر: تَهْذِيب ابْن الْقيم على مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد ٧/ ٩٤-٩٨. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد كَمَا تقدم، وَابْن خُزَيْمَة فِي التَّوْحِيد، مُرَاجعَة وَتَصْحِيح مُحَمَّد هراس ص"١٠٣-١٠٤"، وَابْن أبي عَاصِم فِي السّنة بتخريج الألباني ١/ ٢٥٢ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الصِّفَات بتحقيق الغنيمان ص٣١، والآجري فِي الشَّرِيعَة تَحْقِيق حَامِد الفقي ص"٢٩٣"، واللالكائي فِي شرح السّنة بتحقيق د. أَحْمد سعد حمدَان جـ٣ ٣٩٤-٣٩٥، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٤١٧"، وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة، مخطوط، لوحة ٣٤ وَالْبَغوِيّ فِي شرح السّنة تَحْقِيق شُعَيْب الأرناؤوط وَزُهَيْر الشاويش ١/ ١٧٥. قلت: وَجُمْلَة القَوْل الَّذِي اخْتَارَهُ فِي الحَدِيث، وَمَا شاكله هُوَ مَا قَالَه الذَّهَبِيّ ﵀ فِي كِتَابه الْعُلُوّ، الْمصدر السَّابِق، ص"٣٩" حَيْثُ قَالَ: "وَقَوْلنَا فِي هَذِه الْأَحَادِيث: أننا نؤمن بِمَا صَحَّ مِنْهَا وَبِمَا اتّفق السّلف على إمراره وَإِقْرَاره، فَأَما مَا فِي إِسْنَاده مقَال واخلتف الْعلمَاء فِي قبُوله وتأويله فَإنَّا لَا نتعرض لَهُ بتقرير، بل نرويه فِي الْجُمْلَة ونبين حَاله، وَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا سقناه لما فِيهِ مِمَّا تَوَاتر من علو الله تَعَالَى فَوق عَرْشه بِمَا يُوَافق آيَات الْكتاب".
[ ١ / ٤٧٠ ]
وَهَذَا أَيُّهَا الْمُعَارِضُ نَاقِضٌ لِتَأْوِيلِكَ: أَنَّ الْعَرْشَ١ إِنَّمَا هُوَ أَعْلَى الْخَلْقِ، يَعْنِي السَّمَوَاتِ فَمَا دُونَهَا مِنَ السُّقُوفِ وَالْعُرُشِ وَأَعَالِي الْخَلَائِقِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُول: أَن فَوْقَ السَّمَوَاتِ الْعُلَى، فَكَفَى خَيْبَةً وخسارة بِرَجُل أَن يضاد قَوْله قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُكِذِّبَ دَعْوَاهُ.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ٢، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ٣، عَنْ عَاصِمٍ٤، عَنْ زِرٍّ٥، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٦ قَالَ: "مَا بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسمِائَة عَام، وَبَين كل سمائين مسيرَة٧ خَمْسمِائَة عَامٍ وَبَيْنَ السَّمَاءِ٨ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْكُرْسِيّ خَمْسمِائَة عَامٍ وَالْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ"٩.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَفَلَا تَرَى أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّ ابْن مَسْعُود١٠ كَيفَ ميز
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "أَن الْعَرْش". ٢ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٣ فِي ط، س، ش "وَهُوَ بن سَلمَة" تقدم ص"١٨٧". ٤ عَاصِم بن أبي النجُود، تقدم ص"٤٢٢". ٥ زر بن حُبَيْش، تقدم ص"٤٢٢". ٦ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠". ٧ فِي ط، س، ش "وَبَين كل سَمَاء مسيرَة" إِلَخ. ٨ فِي س "وَبَين السَّابِعَة"، وَلَعَلَّ لفظ "السَّمَاء" سقط سَهوا. ٩ تقدم تَخْرِيجه ص"٤٢٢". ١٠ ابْن مَسْعُود، تقدم ص"١٩٠".
[ ١ / ٤٧١ ]
بَيْنَ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ، وَبَيْنَ السَّمَوَاتِ فَمَا دُونَهَا الَّتِي هِيَ أَعْلَى الْخَلَائِقِ فِي دَعْوَاكَ وَسَمَّيْتَهَا عَرْشًا دون عرش الرَّحْمَن١ هُوَ الْعَرْشُ عَلَى أَلْسُنِ الْعَالَمِينَ.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ٢، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ٣، ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مِهْرَانَ وَهُوَ الْمُكْتِبُ٤، ثَنَا مُجَاهِدٌ٥ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله، بن عمر٦ "خلق أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ: الْعَرْشُ، وَالْقَلَمُ، وَعَدْنٌ، وَآدَمُ. ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الْخَلْقِ كُنْ فَكَانَ"٧ تَكْذِيبًا لِمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ إِذْ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ خُصُوصًا ثُمَّ قَالَ لِمَا هُوَ أَعْلَى الْخَلَائِقِ عِنْدَكَ: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ ٨ وَإِذَا كَانَ الْعَرْشُ فِي دَعْوَاكَ إِمَامِكَ: السَّمَوَاتِ، فَمَا بَالُ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَمَا يُصْنَعُ بِهِمْ فِي رَفْعِ السَّمَوَاتِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٩ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ١٠
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وسميتها عرشًا وعرش الرَّحْمَن" إِلَخ. ٢ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٣ عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، تقدم ص"٢٦١". ٤ عبيد بن مهْرَان، تقدم ص"٢٦١". ٥ مُجَاهِد بن جبر، تقدم ص"٢٥٢". ٦ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄، تقدم ص"٢٤٥". ٧ تقدم سندًا ومتنًا ص"٢٦١-٢٦٢" وَفِي ط، س، ش زِيَادَة "وَفِي قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْش بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الْخَلْقِ: كن فَكَانَ، تَكْذِيب لما ادعيت أَيهَا الْمعَارض". ٨ سُورَة فصلت، "آيَة: ١١". ٩ فِي ط، س، ش "وَقد قَالَ تَعَالَى". ١٠ الْآيَة من سُورَة الرَّعْد "٢" وَفِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ خطأ فِي الْآيَة، حَيْثُ وَردت بِلَفْظ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ وصوابها مَا أَثْبَتْنَاهُ وَالْآيَة الَّتِي فِيهَا ذكر "خلق" إِنَّمَا هِيَ فِي سُورَة لُقْمَان آيَة "١٠" حَيْثُ قَالَ: تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ الْآيَة.
[ ١ / ٤٧٢ ]
فَفِي مَعْرِفَةِ النَّاسِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ واستفاضته فيهم١ وعَلى ألستنهم تَكْذِيبُ دَعْوَاكَ وَدَعْوَى صَاحِبِكَ، ثُمَّ مَا ورى فِيهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ سَنَذْكُرُ مِنْهَا بَعْضَ مَا حَضَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ٢، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ٣، عَنْ سِمَاكٍ٤، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ٥، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ٦، عَنِ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب٧
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "مِنْهُم". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٧١: مُحَمَّد بن الصَّباح الدولابي، أَبُو جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ ثِقَة حَافظ من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين، ع. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٣٣: الْوَلِيد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْر الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَقَالَ الْكُوفِي وَقد ينْسب لجده، ضَعِيف، من الثَّامِنَة، مَاتَ سنة ٧٢/ بخ د ت ق. قَالَ الخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص"٤١٦": عَن زِيَاد بن علاقَة وَسماك وَعنهُ مُحَمَّد بن الصَّباح الدولابي. ٤ سماك بن حَرْب، تقدم ص"٣٢٩". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٣٨: عبد الله بن عميرَة بِفَتْح أَوله، كُوفِي مَقْبُول من الثَّانِيَة، د ت ق، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٢/ ١١٥ -عَن الْأَحْنَف وَعنهُ سماك، قَالَ: وَله حَدِيث الأوعال. ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٩: الْأَحْنَف بن قيس بن مُعَاوِيَة بن حُصَيْن التَّمِيمِي السَّعْدِيّ، أَبُو بَحر، اسْمه الضَّحَّاك، وَقيل: صَخْر، مخضرم، ثِقَة، قيل: مَاتَ سنة ٦٧، وَقيل ٧٢/ ع. ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٩٨: الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مَشْهُور، مَاتَ سنة ٣٢ أَو بعْدهَا وَهُوَ ابْن ٨٨/ ع ق. وَانْظُر: أَسد الغابة ٣/ ١٠٩-١١٢، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٢/ ٢٦٣.
[ ١ / ٤٧٣ ]
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ١ قَالَ: كُنْتُ بِالْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ٢ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّمَوَاتِ٣ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ قَالَ: وَفَوْقَ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ ٤ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ مَا بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَلَى ظُهُورهمْ الْعَرْش، أَسْفَله ٥ وَأَعلاهُ مابين السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ اللَّهُ فَوق ذَلِك" ٦.
_________________
(١) ١ عبارَة "﵁" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ هَذَا الحَدِيث ورد فِي س باخْتلَاف يسير سنبينه، وَأما فِي ط، ش فقد ورد بِلَفْظ "عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: كُنْتُ بِالْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فمرت سَحَابَة، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَتَدْرُونَ مَا هَذِه؟ قُلْنَا: السَّحَاب فَقَالَ: والمزن، قُلْنَا: والمزن قَالَ: والعنان قُلْنَا: والعنان، فسكتنا فَقَالَ: هَل تَدْرُونَ كم بَين السَّمَاء وَالْأَرْض؟ قُلْنَا الله وَرَسُوله أعلم، قَالَ: بَينهمَا مسيرَة خَمْسمِائَة سنة، وَكَذَلِكَ غلظ كل سَمَاء، ثمَّ ذكر السَّمَوَاتِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ قَالَ: وَفَوْقَ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ مَا بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاء، وعَلى ظهورهن الْعَرْش مَا بَين أَسْفَله وَأَعْلَاهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ اللَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ". ٣ فِي س "كنت بالبطحاء حَتَّى عد سبع سموات" وَسقط مَا بَينهمَا. ٤ لفظ "وَأَعلاهُ" لَيْسَ فِي س. ٥ فِي س "مَا بَين أَسْفَله". ٦ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، الطبعة الأولى، كتاب السّنة، بَاب الْجَهْمِية، حَدِيث ٧٤٢٣، ٥/ ٩٣: حَدثنَا مُحَمَّد بن الصَّباح بالسند الْمَذْكُور، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: كُنْتُ بِالْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فمرت سَحَابَة وَذكره بِنَحْوِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه تحفة الأحوذي، كتاب التَّفْسِير، تَفْسِير سُورَة الحاقة حَدِيث ٣٣٧٦، ٩/ ٢٣٣ وَقَالَ: هَذَا الحَدِيث حسن غَرِيب وَقَالَ المباركفوري: "وَأخرجه أَبُو دَاوُد من ثَلَاث طرق اثْنَتَانِ مِنْهَا قويتان". وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، الْمُقدمَة، حَدِيث ١٩٣، ١/ ٦٩.
[ ١ / ٤٧٤ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١، ثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ٢- عَنْ أَبِي عَبْدِ السَّلَامِ٣، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ٤ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ٥ قَالَ: "إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ. نُورُ السَّمَوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ وَإِن
_________________
(١) ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٢ حَمَّاد بن سملة، تقدم ص"١٨٧". ٣ فِي ط، ش "الزبير أَي عبد السَّلَام"، وَظَاهر أَنه خطأ مطبعي وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل وَبِه جَاءَ عِنْد البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَابْن حجر، قَالَ ابْن حجر فِي تَعْجِيل الْمَنْفَعَة ١٣٥: الزبير بن جواتشير أبوعبد السَّلَام الْبَصْرِيّ، روى عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن مكرز، عَن وابصة حَدِيثا فِي الْبر وَالْإِثْم، عَنهُ حَمَّاد بن سَلمَة، ذكره الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي الكنى وسمى أَبَاهُ وَلم أره لغيره وَهُوَ اسْم فَارسي أَوله جِيم مَضْمُومَة وَبعد الْألف مثناة فوقانية مَفْتُوحَة ومعجمة مَكْسُورَة وَانْظُر: التَّارِيخ الْكَبِير للْبُخَارِيّ ٣/ ٤١٣، وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل لِابْنِ أبي حَاتِم ٣/ ٥٨٤، وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات ٦/ ٣٣٣. ٤ هُوَ أَيُّوب بن عبد الله بن مكرز العامري، الْقرشِي الْخَطِيب، مَسْتُور، من الثَّالِثَة وَلم يثبت أَن أَبَا دَاوُد روى لَهُ، د، وَانْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٩٠، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ١/ ٢٩٠: "تَابِعِيّ كَبِير، قَالَ ابْن عدي: لَهُ حَدِيث لَا يُتَابع عَلَيْهِ، قلت: يرْوى عَن ابْن مَسْعُود ووابصة بن معبد، وَعنهُ شُرَيْح بن عبيد وَالزُّبَيْر أَبُو عبد السَّلَام وَلَعَلَّه، ابْن مكرز الرَّاوِي عَن أبي هُرَيْرَة". ٥ فِي ط، س، ش "عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁"، وَفِي س، "أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁" وَلَعَلَّ "أَن" سَقَطت مِنْهُ، وَابْن مَسْعُود تقدّمت تَرْجَمته ص"١٩٠".
[ ١ / ٤٧٥ ]
مِقْدَارَ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِكُمْ عِنْدَهُ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمْ بِالْأَمْسِ أَوَّلَ النَّهَارِ، الْيَوْمَ١ فَيَنْظُرُ فِيهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ فَيَطَّلِعُ فِيهَا عَلَى مَا يَكْرَهُ، فَيَغِيظُهُ ذَلِكَ، فَأَوَّلُ مَنْ يَعْلَمُ بِغَضَبِهِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ يَجِدُونَهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ، فَيُسَبِّحُهُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَسُرَادِقَاتُ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَسَائِرُ الْمَلَائِكَةِ"٢
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ٣، ثَنَا حَمَّادٌ٤، عَنْ عَلِيِّ بن زيد٥، عَن
_________________
(١) ١ لفظ "الْيَوْم" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٢ الحَدِيث بِهَذَا السَّنَد ضَعِيف وَفِي مَتنه غرابة وَهُوَ الثّقل الْمشعر باحتجاج الله إِلَى الْعَرْش، وَقد أخرج لَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٣١١" من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة، ثَنَا الزبير أَبُو عبد السَّلَام بِسَنَد الدَّارمِيّ بِلَفْظ "إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَار، نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ نُورِ وَجهه" وَقَالَ: هَذَا مَوْقُوف وَرَاوِيه غير مَعْرُوف. وَذكر أَوله أَيْضا ابْن كثير فِي تَفْسِيره ٣/ ٢٩٠ فِي تَفْسِير سُورَة النُّور، عَن ابْن مَسْعُود إِلَّا أَنه قَالَ: "نور الْعَرْش من نور وَجهه". وَأخرجه بِطُولِهِ أَبُو الشَّيْخ فِي العظمة، مخطوط، لوحة ٣٧ من طَرِيق حَمَّاد ابْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ أَبِي عبد السَّلَام، عَن أَيُّوب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَلَيْسَ فِيهِ: يجدونه يثقل عَلَيْهِم". وَأخرجه بِطُولِهِ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير، تَحْقِيق وَتَخْرِيج حمدي السلَفِي، حَدِيث ٨٨٨٦، ٩/ ٢٠٠ من طَرِيق حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي السَّلَام عَن عبد الله بن مكرز أَو عبيد الله بن مكرز قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُود، وَذكره، قَالَ الهيثمي فِي الْمجمع ١/ ٨٥: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه أَبُو عبد السَّلَام قَالَ أَبُو حَاتِم: مَجْهُول وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وَعبد الله بن مكرز أَو عبيد الله على الشَّك لم أجد من ذكره". ٣ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٤ حَمَّاد بن سَلمَة، تقدم ص"١٨٧". ٥ عَليّ بن زيد بن جدعَان، تقدم ص"١٨٨".
[ ١ / ٤٧٦ ]
يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ١، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٢ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٣ قَالَ: "لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ قُرُونٌ لَهَا كُعُوبٌ ككعوب القنا، مابين أَخْمَصِ٤ أَحَدِهِمْ إِلَى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسمِائَة عَامٍ. وَمِنْ كَعْبِهِ إِلَى رُكْبَتِهِ٥ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَمِنْ رُكْبَتِهِ إِلَى أَرْنَبَتِهِ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَمِنْ أَرْنَبَتِهِ إِلَى تُرْقُوَتِهِ٦ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَمِنْ تُرْقُوَتِهِ إِلَى مَوْضِعِ القرط٧ خَمْسمِائَة عَام"٨.
_________________
(١) ١ يُوسُف بن مهْرَان الْبَصْرِيّ، تقدم ص"٣٤٧". ٢ عبد الله بن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ٣ عبارَة "﵄" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، ش "إخمص" بِكَسْر الْهمزَة، ذكره الفيروزآبادي فِي قاموسه بِالْفَتْح، انْظُر ٢/ ٣٠٢ مَادَّة "خمص" قَالَ: "والأخمص من بَاطِن الْقدَم مَا لم يصب الأَرْض، وَكَانَ ﷺ خمصان الأخمصين". ٥ فِي ط، ش "إِلَى رُكْبَتَيْهِ". ٦ فِي ط، ش "وَمن رُكْبَتَيْهِ إِلَى ترقوته مسيرَة خَمْسمِائَة عَام" وَمَا بَينهمَا سَاقِط، وَكَذَلِكَ فِي س، إِلَّا أَنه قَالَ: "وَمن ركبته" بِالْإِفْرَادِ. ٧ فِي ط، ش "الْقرن". ٨ فِي ط، س، ش "مسيرَة خَمْسمِائَة عَام". قلت: والْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد ضَعِيف، فَإِن فِيهِ عَليّ بن زيد بن جدعَان وَهُوَ ضَعِيف: ويوسف، بن مهْرَان الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ٤/ ٤٧٤ عَن الإِمَام أَحْمد قَالَ: "لَا يعرف، وَلَا أعرف أحدا روى عَنهُ إِلَّا جدعَان". وَفِي الكاشف ٣/ ٣٠١: "وَثَّقَهُ أَبُو زرْعَة" وَفِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٨٣: "لم يرو عَنهُ إِلَّا ابْن جدعَان وَهُوَ لين الحَدِيث". وَقد أخرج أَبُو الشَّيْخ فِي العظمة مخطوط، لوحة ٣٢ نَحوه وَعَزاهُ إِلَى وهب ابْن مُنَبّه عَن كَعْب.
[ ١ / ٤٧٧ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١، ثَنَا حَمَّادٌ٢، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ٣، عَنْ عُرْوَةَ٤ قَالَ: "حَمَلَةُ الْعَرْشِ مِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ٥ وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ النِّسْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ الثَّوْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ الْأَسَدِ"٦
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ٧، ثَنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور السَّلُولي٨،
_________________
(١) ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، تقدم ص"١٦٨". ٢ حَمَّاد بن سَلمَة، تقدم ص"١٨٧". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣١٩: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الْأَسدي، ثِقَة، فَقِيه، رُبمَا دلّس، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة خمس أَو سِتّ وَأَرْبَعين وَله ٨٧/ ع. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٣/ ٢٢٣: سمع عَمه ابْن الزبير وأباه وَعنهُ شُعْبَة وَمَالك وَالْقطَّان. ٤ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، تقدم ص"٣١٤". ٥ قَوْله: "مِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ عَلَى صُورَةِ إِنْسَان" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٦ ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَرْشِ والكرسي ص"٣٩٩" مَوْقُوفا على عُرْوَة بِلَفْظ: "حَمَلَةُ الْعَرْشِ مِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ صُورَةِ النِّسْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ صُورَةِ الثَّوْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صُورَتُهُ صُورَة الْأسد". وَأوردهُ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور ٦/ ٢٦١، وَعَزاهُ إِلَى عبد الرَّزَّاق وَعبد ابْن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن وهب بن مُنَبّه. ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٧٨: عَمْرو بن مُحَمَّد بن بكير، النَّاقِد، أَبُو عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ، نزل الرقة، ثِقَة حَافظ وهم فِي حَدِيث، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة اثْنَيْنِ وثلاثنين، خَ م د س. ٨ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٦١: إِسْحَاق بن مَنْصُور السَّلُولي -بِفَتْح الْمُهْملَة واللامين مَوْلَاهُم، أَبُو عبد الرَّحْمَن، صَدُوق تكلم فِيهِ للتشيع، من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ، وَقيل: بعْدهَا، ع.
[ ١ / ٤٧٨ ]
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ١، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ٢، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٣ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ السَّابِعَةَ وَالْعَرْشُ عَلَى مِنْكَبِهِ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ أَيْنَ أَنْتَ أَوْ حَيْثُ تَكُونُ" ٤.
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقِّيُّ أَبُو الْحسن السكرِي٥
_________________
(١) ١ لَعَلَّه مُعَاوِيَة بن إِسْحَاق بن طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ، أَبُو الْأَزْهَر، صَدُوق رُبمَا وهم، من السَّادِسَة، خَ قد س ق، انْظُر: تقريب التَّهْذِيب ٢/ ٢٥٨، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١٣٤٢ أَنه روى عَن سعيد المَقْبُري. ٢ سعيد المَقْبُري، تقدم ص٣٣٢. ٣ أَبُو هُرَيْرَة ﵁، تقدم ص١٧٩. ٤ فِي ط، ش "سُبْحَانَكَ أَنْت وَحَيْثُ تكون". قلت: أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بذيله التَّلْخِيص ٤/ ٢٩٧ من طَرِيق مُعَاوِيَة بن إِسْحَاق، عَن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظ: "إِن الله أذن لي أَن أحدث عَن ديك رِجْلَاهُ فِي الأَرْض وعنقه مثنية تَحت الْعَرْش وَهُوَ يَقُول: سُبْحَانَكَ مَا أعظم رَبنَا، قَالَ: فَيرد عَلَيْهِ: مَا يعلم ذَلِك من حلف كَاذِبًا" قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ. وَذكره الهيثمي فِي مجمع الزاوئد ١/ ٨٠ عَن ابي هُرَيْرَة بِلَفْظ "ملك" وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرِيّ فِي الْأَوْسَط وَرِجَاله رجال الصَّحِيح، وَذكره أَيْضا فِي ٤/ ١٨٠ عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ "ديك"، وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرِجَاله رجال الصَّحِيح. وَأوردهُ ابْن حجر فِي المطالب الْعَالِيَة بزوائد المسانيد الثَّمَانِية حَدِيث ٣٤٤٩، ٣/ ٢٦٧ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَقَالَ: لأبي يعلى صَحِيح. وَأوردهُ الألباني فِي صَحِيح الْجَامِع الصَّغِير حَدِيث ١٧١٠، ٢/ ٩٤، وَفِي سلسلة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة حَدِيث ١٥٠، ٢/ ٧١-٧٢. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٧١: إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن خَالِد بن يزِيد الْعَبدَرِي أَبُو عبد الله أَو أَبُو الْحسن الرقي السكرِي، قَاضِي دمشق، صَدُوق نسب بِرَأْي جهم من الْعَاشِرَة، مَاتَ بعد الْأَرْبَعين، ق، وَقَالَ الْمُحَقق فِي الْحَاشِيَة "الْعَبدَرِي ينْسب إِلَى عبد الدَّار بن قصي والرقي بِفَتْح الرَّاء وَالْقَاف الْمُشَدّدَة ينْسب إِلَى الرقة: مَدِينَة على طرف الْفُرَات" انْتهى، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١/ ٣٠٨ أَنه روى عَن شريك.
[ ١ / ٤٧٩ ]
ثَنَا شَرِيكٌ١، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ٢، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ٣، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ٤، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ٥ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٦ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى٧ ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ٨ قَالَ: ثَمَانِيَةُ أَمْلَاكٍ عَلَى صُورَةِ الأوعال٩.
_________________
(١) ١ الرَّاجِح أَنه شريك بن عبد الله النَّخعِيّ، تقدم ص"٣٣٠" وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٤/ ٣٣٣ أَنه روى عَن سماك بن حَرْب. ٢ سماك بن حَرْب، تقدم ص"٣٢٩"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١/ ٥٤٩ أَنه روى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ صَاحب الْأَحْنَف بن قيس وَعنهُ شريك بن عبد الله القَاضِي. ٣ عبد الله بن عميرَة، تقدم ص"٤٧٣". ٤ الْأَحْنَف بن قيس، تقدم ص"٤٧٣". ٥ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁، تقدم ص"٤٧٣". ٦ عبارَة "﵁" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٨ سُورَة الحاقة آيَة ٧١. ٩ تقدم حَدِيث الأوعال بأطول من هَذَا عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، انْظُر تَخْرِيجه ص"٤٧٤". وَأخرجه أَيْضا الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بذيله التَّلْخِيص ٢/ ٥٠٠ من طَرِيق شريك عَن سماك بِسَنَد عُثْمَان الدَّارمِيّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ فِي قَول الله ﷿ ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قَالَ: ثَمَانِيَةُ أَمْلَاكٍ عَلَى صُورَةِ الأوعال مَا بَين أظلافهم إِلَى ركبهمْ مسيرَة ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة". وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ. =
[ ١ / ٤٨٠ ]
حَدَّثَنَا١ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْبَغْدَادِيُّ٢، ثَنَا الْهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ٣، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ٤ عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ٥ قَالَ: "حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، أَقْدَامُهُمْ فِي الأَرْض ورؤوسهم قَدْ جَاوَزَتِ السَّمَاءَ، وَقُرُونُهُمْ مِثْلُ طولهم عَلَيْهَا الْعَرْش"٦.
_________________
(١) = وَأخرجه الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره الْجَامِع بهامشه تَفْسِير الغرائب ٢٩/ ٣٧ عَن الضَّحَّاك وَعَن ابْن زيد بِنَحْوِهِ. وَأوردهُ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور بهامشه تنوير المقباس ٦/ ٢٦٠-٢٦١ وَعَزاهُ إِلَى عبد بن حميد وَعُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ فِي الرَّد على الْجَهْمِية، وَأَبُو يعلى وَابْن الْمُنْذر وَابْن خُزَيْمَة وَابْن مردوية وَالْحَاكِم، وَصَححهُ والخطيب فِي تالي التَّلْخِيص عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي قَوْله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قَالَ: "ثَمَانِيَةُ أَمْلَاكٍ عَلَى صُورَةِ الأوعال". ١ فِي ط، ش "وَحدثنَا". ٢ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٩٣: الحكم بن مُوسَى بن أبي هُرَيْرَة الْبَغْدَادِيّ، أَبُو صَالح الْقَنْطَرِي، صَدُوق من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، حت م مد س ق. وَذكر فِي الْحَاشِيَة التَّقْرِيب نفس الصفحة أَنه ينْسب إِلَى قنطرة بَغْدَاد، وَذكر الخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص"٩٠" أَنه روى عَن الهقل بن زِيَاد وَعنهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا، وَمُسلم وَأَبُو دواد فِي الْمَرَاسِيل. ٣ الهقل بن زِيَاد، تقدم ص"٤٣٣". ٤ الْأَوْزَاعِيّ، تقدم ص"٤٣٣". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٦٢: حسان بن عَطِيَّة الْمحَاربي، مَوْلَاهُم، أَبُو بكر الدِّمَشْقِي، ثِقَة فَقِيه، عَابِد من الرَّابِعَة، مَاتَ بعد الْعشْرين وَمِائَة، ع. وَذكر فِي الكاشف ١/ ٢١٧: أَنه روى عَن أبي أُمَامَة وَابْن الْمسيب وَعنهُ الْأَوْزَاعِيّ إِلَخ. ٦ الحَدِيث مَقْطُوع، وَعَن حسان أخرجه أَبُو الشَّيْخ فِي العظمة برقم ٤٨١ ص٢١٩. وَأَبُو نعيم فِي الْحِيلَة ٤/ ٧٥ من طَرِيق آخر وأروده الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ ص٩٨، وقوى إِسْنَاده الألباني فِي مُخْتَصر الْعُلُوّ ص١٠١، وَذكره الثعالبي فِي تَفْسِيره طبعة بيروت ٤/ ٤٣٣ عَن جمَاعَة من الْمُفَسّرين فِي تَفْسِير =
[ ١ / ٤٨١ ]
حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الْحَرَّانِيُّ١، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ٢، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ٣، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ٤، عَنْ رَجُلٍ٥ سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ٦ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ رَفَعَنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَعلَى غرفَة من
_________________
(١) = قَوْله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قَالُوا: هم على هَيْئَة النَّاس، أَرجُلهم تَحت الأَرْض السَّابِعَة ورؤوسهم وكواهلهم فَوق السَّمَاء السَّابِعَة. وَذكره السُّيُوطِيّ فِي تَفْسِيره بهامشه تنوير المقباس ٦/ ٢٦١ وَعَزاهُ إِلَى عبد بن حميد، عَن الضَّحَّاك ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ يُقَال: ثَمَانِيَة صُفُوف لَا يعلم عدتهمْ إِلَّا الله، وَيُقَال: ثَمَانِيَة أَمْلَاك رؤوسهم عِنْد الْعَرْش فِي السَّمَاء السَّابِعَة وأقدامهم فِي الأَرْض السُّفْلى، وَلَهُم قُرُون كقرون الوعلة. إِلَخ وَعَزاهُ أَيْضا إِلَى عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر، عَن ميسرَة قَالَ: أرجهلم فِي التخوم ورؤوسهم عِنْد الْعَرْش. ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٥١٤: عبد الْغفار بن دَاوُد مهْرَان، أَبُو صَالح، الْحَرَّانِي نزيل مصر، ثِقَة، فَقِيه، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٤ على الصَّحِيح وَله ٨٤ سنة، خَ د س ق. ٢ عبد الله بن لَهِيعَة، تقدم ص"٣٤٩". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٤٥: الْحَارِث بن يزِيد الْحَضْرَمِيّ، أَبُو عبد الْكَرِيم الْمصْرِيّ، ثِقَة ثَبت عَابِد، من الرَّابِعَة مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ، م د س ق، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٢/ ١٦٣ أَنه روى عَن عَليّ بن رَبَاح وَعنهُ ابْن لَهِيعَة. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٦-٣٧: عَليّ بن رَبَاح بن قصير، ضد الطَّوِيل، اللَّخْمِيّ أَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ، ثِقَة، وَالْمَشْهُور فِيهِ عُليّ بِالتَّصْغِيرِ وَكَانَ يغْضب مِنْهَا، من صغَار الثَّالِثَة، مَاتَ سنة بضع عشرَة وَمِائَة، بخ وَالْأَرْبَعَة. ٥ لم يظْهر لي من يكون من مبهمات الْمَتْن والإسناد للعراقي والإشارات إِلَى بَيَان أَسمَاء المبهمات للنووي وَغَيرهَا فَلم أَجِدهُ، وَأورد هَذَا الْخَبَر الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ من طَرِيق عَليّ بن رَبَاح وَلم يُصَرح فِيهِ باسم الرجل. ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٩٥: عبَادَة بن الصَّامِت بن قيس الْأنْصَارِيّ الخزرجي أَبُو الْوَلِيد الْمدنِي، أحد النُّقَبَاء، بَدْرِي مَشْهُور، مَاتَ بالرملة سنة ٣٤ وَله ٧٢ سنة، وَقيل: عَاشَ إِلَى خلَافَة مُعَاوِيَة، قَالَ سعيد بن عفير: كَانَ طوله عشرَة أشبار. ع، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٢/ ٤٤١-٤٤٣، وَأسد الغابة ٣/ ١٠٦-١٠٧، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٢/ ٢٦٠-٢٦١، وتهذيب التَّهْذِيب ٥/ ١١١-١١٢.
[ ١ / ٤٨٢ ]
جَنَّاتِ النَّعِيمِ لَيْسَ فَوْقِي إِلَّا حَمَلَةُ الْعَرْشِ" ١.
وَفِي الْعَرْشِ وَحَمَلَةِ الْعَرْشِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ اخْتَصَرْنَا مِنْهَا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ، لِيَعْلَمَ مَنْ نَظَرَ فِيهَا مخالفتكم رَسُول الله وَأَصْحَابَهُ وَالتَّابِعِينَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُؤْمِنْ بِهَا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، فَقَدْ آمَنَ بِهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ وَأَطْيَبُ، وَاعْلَمُوا٢ يَقِينًا٣ أَنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ أَلْهَمُ لَهُمْ وَأَصَحُّ٤ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّا يَرْوِي الْمَرِيسِيُّ٥ وَابْنُ الثَّلْجِيِّ، مِنْ خُرَافَاتِهِمْ٦ وَتُرَّهَاتِهِمُ٧ الَّتِي لَا تَنْقَاسُ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا فِي شَيْءٍ من لُغَات الْعَرَب والعجم.
_________________
(١) ١ الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد ضَعِيف، فَإِن فِيهِ ابْن لَهِيعَة قَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٤٤: "صَدُوق خلط بعد احتراق كتبه، وَرِوَايَة ابْن الْمُبَارك وَابْن وهب عَنهُ أعدل من غَيرهمَا" وَفِي إِسْنَاده أَيْضا مَجْهُول، روى عَنهُ بن رَبَاح، وَقد أورد هَذَا الحَدِيث الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ، بتحقيق عبد الرَّزَّاق عفيفي، ص"٣٦" قَالَ: حَدِيث أَبُو صَالح الْحَرْبِيّ -كَذَا- ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاح، عَن رجل، عَن عبَادَة بن الصَّامِت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِن الله تَعَالَى رَفَعَنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَعْلَى غرفَة فِي الْجنَّة لَيْسَ فَوْقِي إِلَّا حَمَلَةُ الْعَرْشِ" قَالَ: إِسْنَاده ضَعِيف. ٢ فِي ط، ش "وَعَلمُوا". ٣ لفظ "يَقِينا" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، ش "أَن قَول هَؤُلَاءِ الْقَوْم أصح عِنْد الله" وَفِي س "أَن قَول هَؤُلَاءِ الْقَوْم قَوْلهم أصح عِنْد الله" وَلَا يَسْتَقِيم بِهِ الْمَعْنى. ٥ فِي ط، س، ش "مِمَّا يرْوى عَن المريسي". ٦ فِي ط، س، ش "وَمن خرافاتهم". ٧ تقدم مَعْنَاهَا ص"٤٥٦".
[ ١ / ٤٨٣ ]
دَعْوَى الْمعَارض فِي المُرَاد بصفتي الْكَلَام وَالْعلم وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
وَادَّعَيْتَ أَيْضًا عَلَى قَوْمٍ أَعْلَمَ بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١ مِنْكَ وَمِنْ أَصْحَابِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: عِلْمُ اللَّهِ غَيْرُهُ، وَالْعِلْمُ بِمَعْزِلٍ مِنْهُ، الْعَالِمُ٢ فِي السَّمَاء وَالْعلم فِي الأربض مِنْهُ بِمَعْزِلٍ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْبَاهِتِ: مِثْلُ هَذَا لَا يَتَفَوَّهُ بِهِ إِلَّا جَاهِلٌ مِثْلُكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَهُ عَلَى مَعْنًى لَا يَتَوَجَّهُ لَهُ أَمْثَالُكَ، يَقُولُونَ: الْعَالِمُ بِكَمَالِهِ وبجميع علمه فَوق عَرْشه، وَعَمله غَيْرُ بَائِنٍ مِنْهُ، يَعْلَمُ بِعِلْمِهِ الَّذِي فِي نَفْسِهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ٣ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، عَلَى بُعْدِ مَسَافَةِ مَا بَيْنَهُنَّ، فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ عِلْمَهُ فِي الْأَرْضِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، لَا عَلَى مَا ادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ الزُّورِ٤ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ مَنْزُوعٌ مِنْهُ مُجَسَّمٌ فِي الْأَرْضِ، إِذا هُمْ فِي الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ مِثْلُكَ وَمِثْلُ أَئِمَّتِكَ الْمَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ.
وَادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَذَاتِهِ وَالْكَلَامُ هُوَ الْفِعْلُ بِزَعْمِكَ، وَزَعْمِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ مِنَ الذَّاتِ.
_________________
(١) ١ عبارَة "ﷺ" لَيست فِي ط، س، ش. ٢ فِي ط، ش "وَالْعلم فِي السَّمَاء" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ فِي ط، س، ش "مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض". ٤ فِي س "عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا عَلَى هَذَا التَّأْوِيل إِلَّا عَلَى مَا ادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ الزُّور" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل.
[ ١ / ٤٨٤ ]
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: أَمَّا مَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ مِنْ ذَلِكَ فَسَنُبَيِّنُهُ لَكَ، وَإِنْ جَهِلْتَ، غَيْرَ أَنَّكَ تَرَدَّدْتَ وَرَاوَغْتَ١ وَوَالَسْتَ٢ وَدَالَسْتَ٣، تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، كَيْفَ تُصَرِّحُ بِالْقُرْآنِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ؟ فَلَمْ تَزَلْ عَنْكَ وَدُونَكَ تَلَجْلَجُ بِهَا فِي صَدْرِكَ، حَتَّى صَرَّحْتَ، بِهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِعْلٌ. وَالْفِعْلُ عِنْدَكَ مَخْلُوقٌ وَلَا شَكَّ فِيهِ.
وَأَمَّا دَعْوَاكَ عَلَيْنَا أَنَّا نَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ، فَإِنَّا نَقُولُ عَلَانِيَةً غَيْرَ سِرٍّ، وَهُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مَخْلُوقًا٤ وَكُلُّ كَلَامٍ صِفَةُ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ بِهِ، خَالِقٍ أَوْ مَخْلُوقٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ بِهِ مِنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ سَائِرُ الصِّفَاتِ٥: مِنَ الْيَدِ وَالْوَجْهِ وَالنَّفْسِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي إِذَا بَانَتْ مِنَ الْمَوْصُوفِ وَاسْتَبَانَ مَكَانُهَا مِنْهُ٦
_________________
(١) ١ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط بَاب الْغبن فصل الرء ٣/ ١٠٧ مَادَّة "راغ": "راغ الرجل والثعلب روغًا وروغانًا مَال وحاد عَن الشَّيْء". ٢ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط بَاب السِّين فصل الْوَاو ٢/ ٢٥٨، مَادَّة "الوَلُوس": "ولس الحَدِيث وأولس بِهِ ووالس بِهِ عرض بِهِ وَلم يُصَرح والموالسة الخداع والمداهنة، وتوالسوا تناصروا فِي خب وخديعة". ٣ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس بَاب السِّين فصل الدَّال ٢/ ٢١٦ مَادَّة "الدَّلَس": "الدلس بِالتَّحْرِيكِ الظلمَة كالدسة بِالضَّمِّ واختلاط الظلام، والتدليس كتمان عيب السّلْعَة عَن المُشْتَرِي، وَمِنْه التَّدْلِيس فِي الْإِسْنَاد، وَلَا يدالس وَلَا يوالس لَا يظلم وَلَا يخون" بِتَصَرُّف. ٤ فِي الأَصْل، ط، ش "مَخْلُوق" وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي س وَهُوَ الصَّوَاب؛ لِأَنَّهَا خبر لَيْسَ. ٥ فِي ط، س، ش "بِسَائِر الصِّفَات" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ٦ فِي ط، س، ش "فِيهِ".
[ ١ / ٤٨٥ ]
قَامَ١ الْبَائِنُ مِنْهُ بِعَيْنِهِ فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ لِأَنَّكَ تَرَى الْمُتَكَلِّمَ مِنَ النَّاسِ يَتَكَلَّمُ نَهَارَهُ أَجْمَعَ، وَكَلَامُهُ يَخْرُجُ مِنْهُ وَصْفًا لَا يَنْقُصُ مِنْ كَلَامِهِ شَيْءٌ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ٢، مَتَى شَاءَ عَادَ٣ فِي مِثْلِهِ مِنَ الْكَلَامِ. وَلَا الْكَلَامُ يَقُومُ بِعَيْنِهِ جِسْمًا يُرَى وَيُنْظَرُ إِلَيْهِ دُونَهُ وَيَنْشُرُ كَلامَهُ فِي الآفَاقِ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ، فَيُنْسَبُ إِلَيْهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، كَمَا يَنْسِبُ الْيَوْمَ أَشْعَارَ الشُّعَرَاءِ فَيُقَالُ: شعر لبيد٤ والأعشى٥ وَلَوْ قَطَعْتَ يَدَهُ لَاسْتَبَانَ مَوْضِعُ قطعه مِنْهُ٦ واستبان المقطعوع فِي مَكَانٍ آخَرَ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ الْكَلَامَ لَهُ حَالٌ خِلَافُ حَالِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْأُخَرِ، لَا يُقَاسُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يُشَكُّ فِيهَا أَنَّهَا صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ خَرَجَ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: كَلَامُ اللَّهِ: فِعْلُهُ، فَقَدْ صَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَادَّعَيْتَ أَنَّ أَفَاعِيلَ اللَّهِ زَائِلَةٌ عَنْهُ مَخْلُوقَةٌ، وَالْكَلَامُ أَحَدُ أفاعليه عِنْدَكَ، فَقُلْتَ فِيهِ قَوْلًا أَفْحَشَ مِمَّا قَالَ٧ إِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ. زَعَمَ المريسي أَنه مجعول، وكل
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَقَامَ". ٢ فِي ط، س، ش "للَّذي يخرج مِنْهُ". ٣ فِي س "كَأَنَّهُ مَتى شَاءَ عَاد" وَفِي ط، ش "فَإِنَّهُ مَتى شَاءَ عَاد". ٤ تقدّمت تَرْجَمته ص"٣٥٥". ٥ هُوَ مَيْمُون بن قيس بن جندل، كنيته أَبُو بَصِير، الْمَعْرُوف بأعشى قيس، من شعراء الطَّبَقَة الأولى فِي الْجَاهِلِيَّة، وَأحد أَصْحَاب المعلقات، عَاشَ عمرا طَويلا وَأدْركَ الْإِسْلَام وَلم يسلم، مولده ووفاته فِي قَرْيَة: "منفوحة" بِالْيَمَامَةِ قرب الرياض. انْظُر: خزانَة الْأَدَب للبغدادي. ط. الأولى ١/ ٨٤-٨٦، وَانْظُر: الْأَعْلَام للزركلي ٨/ ٣٠٠-٣٠١. ٦ كَذَا فِي الأَصْل، وس، وَفِي ط، ش "قطعه مِنْهَا". ٧ فِي ط، ش "مِمَّا قَالَه".
[ ١ / ٤٨٦ ]
مَجْعُولٍ مَخْلُوقٌ، وَزَعَمْتَ أَنْتَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مَفْعُولٌ١ وَأَنْتُمَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ٢ مِنْكُمَا الْأَلْفَاظُ فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ مِنْكُمَا مُتَّفِقٌ، كَمَا اتَّفَقَ الْقَوْلُ مِنْ إِمَامِكَ الْمَرِيسِيِّ مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمُشْرِكِ الْمَخْزُومِيِّ٣ أَنْ قَالَ٤: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٥ وَكَذَا الَّذِي قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ ٦ فَزَعَمَ إِمَامُكَ أَنَّهُ مَجْعُولٌ، وَزَعَمْتَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ فَاتَّفَقَتِ الْمَعَانِي، وَاخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ مِنْكُمَا جَمِيعًا٧ وَلَئِنْ كَانَ أَهْلُ الْجَهْلِ مِنْ مُرَادِكُمْ فِي شكّ إِن أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْكُمْ لَعَلَى يَقِينٍ. فَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لِمَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ أَنْ صَرَّحْتَ بِالْمَخْلُوقِ بَعْدَ تَسَتُّرٍ٨ وَانْقِبَاضٍ مِنْهُ، مَخَافَةَ
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "وكل مفعول مَخْلُوق". ٢ فِي ش "وأنتما إِن اخْتلفت". ٣ فِي ط، ش "المَخْزُومِي الْمُشرك"، قلت: هُوَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن مَخْزُوم أَبُو عبد شمس، من قُضَاة الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة وَمن زعماء قُرَيْش وَمن زنادقتها، وَهُوَ الَّذِي جمع قُريْشًا وَقَالَ: إِن النَّاس يأتونكم أَيَّام الْحَج فيسألونكم عَن مُحَمَّد فتختلف أقوالكم فِيهِ، إِلَى أَن قَالَ: وَلَكِن أصلح مَا قيل فِيهِ" أَنه سَاحر، مَاتَ بعد الْهِجْرَة بِثَلَاثَة أشهر وَهُوَ ابْن ٩٥ سنة، وَهُوَ وَالِد سيف الله خَالِد بن الْوَلِيد "انْظُر: الْكَامِل لِابْنِ الْأَثِير ٢/ ٧١-٧٢ والأعلام ٩/ ١٤٤". ٤ فِي ط، ش "إِذْ قَالَ". ٥ سُورَة المدثر آيَة ٢٥. ٦سُورَة ص آيَة ٧: وَقَائِل ذَلِك هم أَشْرَاف قُرَيْش وَذكر أَن قَائِل ذَلِك عقبَة بن أبي معيط، انْظُر: تَفْسِير الطَّبَرِيّ بهامشه تَفْسِير غرائب الْقُرْآن للنيسابوري الطبعة الأولى ٢٣/ ٨٠. ٧ وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن قَول الْمعَارض كَقَوْل أَمَامه المريسي وَلَيْسَ أفحش؛ لِأَن كلمتي مجعول ومفعول مَعْنَاهَا وَاحِد. ٨ فِي س "صرحت بالمخلوق بعد بشر" وَفِي ط، ش "صرحت بالمخلوق بشر" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل.
[ ١ / ٤٨٧ ]
الْفَضِيحَةِ، حَتَّى صَرَّحْتَ بِهَا، فَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَذْهَبِكَ لِيَحْذَرُوا مِثْلَهَا مِنْ زلاتك ويجتنوا أَخَوَاتِهَا مِنْ سَقَطَاتِكَ، ثُمَّ صَرَّحْتَ بِهَا ثَانِيَةً فِي آخِرِ كِتَابِكَ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَدْ جَاءَ بِالْكُفْرِ عيَانًا.
أَو لم تَزْعُمْ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ هَذَا١ أَنَّ مَنْ قَالَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ كَافِرٌ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَافِرًا٢ عِنْدَكَ، إِنَّ الَّذِي يَقُولُ: مَخْلُوق مُؤمن مرفق، مُصِيبٌ؟ وَلَكِنَّكَ مَوَّهْتَ بِالْأَوَّلِ لِئَلَّا يَفْطِنَ الْجُهَّالُ مِنْكَ الْأُخْرَى٣ وَقَدْ صَرَّحْتَ وَأَوْضَحْتَ وَأَفْصَحْتَ بِهِ حَتَّى لَمْ تَدَعْ لِمُتَأَوِّلٍ عَلَيْكَ مَوْضِعَ شُبْهَة.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "أَوَلَمْ تَزْعُمْ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِي صدرك كِتَابِكَ هَذَا، أَنَّ مَنْ قَالَ: الْقُرْآن مَخْلُوق فقد ابتدع، ثمَّ ادعيت أَنَّ مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ كَافِر" وَلَعَلَّه سقط بعضه من الأَصْل، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله، فِيمَا بعد: "إِن الَّذِي يَقُول.." إِلَخ. ٣ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، ولعلها "لِلْأُخْرَى".
[ ١ / ٤٨٨ ]
قَول الْمعَارض فِي السُّؤَال عَن الله بأين وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
وَصَرَّحْتَ١ أَيْضًا بِمَذْهَبٍ كَبِيرٍ فَاحِشٍ مِنْ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ٢ فَقُلْتَ: إِذَا قَالُوا لَنَا: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَإِنَّا لَا نَقُولُ بِالْأَيْنِيَّةِ بِحُلُولِ الْمَكَانِ، إِذْ قِيلَ: أَيْنَ هُوَ؟ قِيلَ: عَلَى الْعَرْشِ وَفِي السَّمَاءِ.
فَيُقَالُ لَكَ، أَيُّهَا الْمُعَارِضُ: مَا أَبْقَيْتَ غَايَةً فِي نفي استوء الله على
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "ثمَّ صرحت". ٢ تقدم الْكَلَام عَنْهَا فِي ص"١٣٨".
[ ١ / ٤٨٨ ]
الْعَرْشِ وَاسْتِوَائِهِ إِلَى السَّمَاءِ، إِذْ قُلْتَ١: لَا نَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ وَفِي السَّمَاءِ بِالْأَيْنِيَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ إِلَهَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، فَإِنَّمَا يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ، وَيَقْصِدُ بِعِبَادَتِهِ إِلَى إِلَهٍ فِي الْأَرْضِ٢ وَمَنْ قَصَدَ بِعِبَادَتِهِ إِلَى إِلَهٍ٣ فِي الْأَرْضِ كَانَ كَعَابِدِ وَثَنٍ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَنَ عَلَى الْعَرْشِ وَالْأَوْثَانُ فِي الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ لِجِبْرِيلَ٤ ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ٥ فَفِي قَوْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى الْبَيْنُونَةِ وَالْحَدِّ بِقَوْلِهِ:٦ "ثَمَّ" لَا هَاهُنَا فِي الْكَنفِ٧ وَالْمَرَاحِيضِ كَمَا ادَّعَيْتُمْ.
وَإِنْ أَبَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنْ تُؤَيِّنَ اللَّهَ تَعَالَى٨ وَتُقِرَّ بِهِ أَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، دُونَ مَا سِوَاهُ، فَلَا ضَيْرَ عَلَى مَنْ أَيَّنَهُ، إِذْ رَسُولُهُ وَنَبِيُّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَدْ أَيَّنَهُ٩ فَقَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: "أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" ١٠ وَكَذَلِكَ أَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَلِيلُهُ إِبْرَاهِيمُ١١ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ.
_________________
(١) ١ فِي س "إِذا قلت". ٢ فِي ط، س "إِلَى إلهه فِي الأَرْض" وَفِي ش "إِلَى إلهه وَفِي الأَرْض". ٣ فِي ط، س، ش "إِلَى إلهه". ٤ فِي ط، ش "كَمَا قَالَ جِبْرِيل" قلت: تقدم الحَدِيث عَنهُ ص"٣٨٩". ٥ سُورَة التكوير آيَة ٢٠-٢١. ٦ لَفْظَة "بقوله" لَيست فِي ط، س، ش، وَبهَا يَتَّضِح الْمَعْنى. ٧ الكنيف: تقدم مَعْنَاهَا ص"٤٤٣". ٨ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٩ فِي ط، س، ش "إِذْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قد أينه". ١٠ تقدم تَخْرِيجه ص"٤٤٥". ١١ فِي ط، س، ش "إِبْرَاهِيم ﵇" قلت: تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٩٣".
[ ١ / ٤٨٩ ]
حَدَّثَنَا ١ أَبُو هَاشِمٍ الرِّفَاعِيُّ٢، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ٣، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ٤، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ٥، عَنْ أَبِي صَالِحٍ٦، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٧ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ٨ فِي النَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَأَنَا فِي الأَرْض وَاحِد أعبد"٩.
_________________
(١) ١ فِي ط، س "حدّثنَاهُ". ٢ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَالرَّاجِح أَنه أَبُو هِشَام الرِّفَاعِي يدل لذَلِك مَا ذكره الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال ٤/ ٦٨، كَذَا ابْن كثير فِي تَفْسِيره، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ٣/ ١٢٩٠ أَنه روى عَن إِسْحَاق بن سُلَيْمَان الرَّازِيّ انْظُر تَرْجَمته ص"٣١٨". ٣ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "إِسْحَاق بن سليم" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٥٨: إِسْحَاق بن سُلَيْمَان الرَّازِيّ، أَبُو يحيى، كُوفِي الأَصْل، ثِقَة فَاضل، من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٢٠٠ وَقيل: ع. وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١/ ٢٣٤ أَنه روى عَن جَعْفَر الرَّازِيّ. ٤ فِي ط، س، ش "عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ" وَبِمَا فِي الأَصْل ورد عِنْد الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان وَبِمَا فِي بَقِيَّة النّسخ ورد عِنْد ابْن كثير كَمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ التَّمِيمِي مَوْلَاهُم، مَشْهُور بكنيته واسْمه عِيسَى بن أبي عِيسَى عبد الله بن ماهان وَأَصله من مرو، وَكَانَ يتجر إِلَى الرّيّ، صَدُوق سيئ الْحِفْظ خُصُوصا عَن مُغيرَة، من السَّابِعَة، مَاتَ فِي حُدُود السِّتين، بخ وَالْأَرْبَعَة انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٤٠٦. ٥ عَاصِم بن بَهْدَلَة، تقدم ص"٤٢٢". ٦ الرَّاجِح أَنه أَبُو صَالح السمان، ذكر فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٥/ ٣٨ أَن عَاصِم بن بَهْدَلَة روى عَنهُ، وَانْظُر تَرْجَمته ص"٢٧٠". ٧ عبارَة "﵁" لَيست فِي ط، س، ش، تَرْجَمته تقدّمت ص"١٧٩". ٨ إِبْرَاهِيم ﵇، تقدم ص٢٩٣. ٩ فِي ط، ش "وَاحِد عَبدك". قلت: ذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ ص"٧" من طَرِيق أبي جَعْفَر الرَّازِيّ عَن =
[ ١ / ٤٩٠ ]
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ١، عَنْ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ الْعَطَّارِ٢، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ٣، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ٤، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ٥، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ٦ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ للْأمة السَّوْدَاء: "أَيْن الله؟
_________________
(١) عَاصِم، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا ألقِي إِبْرَاهِيم ﵇ فِي النَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ وَاحِد فِي السَّمَاء وَأَنَا فِي الْأَرْضِ وَاحِدٌ أَعْبُدُكَ" وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن الْإِسْنَاد، رَوَاهُ جمَاعَة عَن إِسْحَاق. وَذكره الذَّهَبِيّ أَيْضا فِي ميزَان الِاعْتِدَال ٤/ ٦٨ فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن يزِيد الرِّفَاعِي. وَذكره أَيْضا ابْن كثير فِي تَفْسِيره ٣/ ١٨٤، وَعَزاهُ إِلَى الْحَافِظ أبي يعلى، حَدثنَا أَبُو هِشَام، حَدثنَا إِسْحَاق بن سُلَيْمَان، عَن أبي جَعْفَر، عَن عَاصِم، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِهِ. وَذكره الهيثمي فِي الْمجمع ٨/ ٢٠١ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَقَالَ: رَوَاهُ الْبَزَّار وَفِيه عَاصِم بن عمر بن حَفْص وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَقَالَ: يُخطئ وَيُخَالف، وَضَعفه الْجُمْهُور. وَذكره السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور بهامشه تنوير المقباس ٤/ ٣٢٢ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظِهِ وَعَزاهُ إِلَى أبي يعلى وَأبي نعيم وَابْن مرْدَوَيْه الْخَطِيب. ١ مُسلم بن إِبْرَاهِيم، تقدم ص"٢٥٠". ٢ فِي ش "عَن أبان عَن يزِيد الْعَطَّار" وَصَوَابه مافي الأَصْل وترجمته تقدّمت ص"٤٠٥". ٣ يحيى بن أبي كثير، تقدم ص"٢١٢". ٤ هِلَال بن أبي مَيْمُونَة تقدم ص"٢١٢". ٥ عَطاء بن يسَار، تقدم ص"٢٠٦". ٦ مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ، صَحَابِيّ نزل الْمَدِينَة، ت م د س. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٥٨، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٣/ ٣٨٣-٣٨٤ وَأسد الغابة ٤/ ٣٨٤-٣٨٥، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٣/ ٤١١-٤١٢، وتهذيب التَّهْذِيب ١٠/ ٢٠٥.
[ ١ / ٤٩١ ]
قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" ١.
فَمَا نَصْنَعُ٢ بِقَوْلِكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ وَقَوْلِ إِمَامِكَ الْمَرِيسِيِّ مَعَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ٢وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ٤ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، إِلَّا أَنْ يُنْبَذَ فِي الْحُشِّ.
وَالْقُرْآنُ يُصَدِّقُ مَا قَالَا وَيُحَقِّقُهُ، مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، إِذْ يَقُولُ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٦ وَ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٧، ﴿ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ٨، وَ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٩ وَ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ١٠ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْقُرْآنِ.
وَزَعَمْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّكَ لَا تَصِفُ اللَّهَ بِحُلُولٍ فِي الْأَمَاكِنِ، فَلَوْ
_________________
(١) ١ تقدم تحريج الحَدِيث ص"٤٤٥". ٢ فِي س "فَمَا تصنع" بِالتَّاءِ، وَفِي ط، ش، "فَمَا نصْنَع" بالنُّون، وَلم تعجم فِي الأَصْل وَالظَّاهِر أَنَّهَا بالنُّون. ٣ فِي ط، س، ش زِيَادَة "ﷺ". ٤ تقدم لَهُ تَرْجَمته ص٢٩٣. ٥ تقدم مَعْنَاهُ ص٤٤٣. ٦ سُورَة الْملك آيَة ١٦. ٧ سُورَة فاطر ١٠. ٨ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ لم تذكر فِي النُّسْخَة س، والآيتان من سُورَة المعارج "٣-٤". ٩ سُورَة الْأَنْعَام آيَة ١٨، وَأَيْضًا آيَة ٦١. ١٠ سُورَة آل عمرَان آيَة ٥٥.
[ ١ / ٤٩٢ ]
شَعُرْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّكَ وَصَفْتَهُ بأقبح حُلُول فِي الْأَمَاكِن أفحش١ مِمَّا عِبْتَ عَلَى غَيْرِكَ؛ لِأَنَّا قد أَيّنَا لَهُ مَكَانا وَاحِدًا، أَعْلَى مَكَانٍ، وَأْطَهَرَ مَكَانٍ٢ وَأَشْرَفَ مَكَانٍ: عَلَى عَرْشِهِ الْعَظِيمِ الْمُقَدَّسِ الْمَجِيدِ، فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا، حَيْثُ لَيْسَ مَعَهُ هُنَاكَ إِنْسٌ وَلَا جَان٣ وَلَا بجنبيه حُشٌّ٤ وَلَا مِرْحَاضٌ وَلَا شَيْطَانٌ.
وَزَعَمْتَ أَنْتَ وَالْمُضِلُّونَ مِنْ زُعَمَائِكَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ حُشٍّ وَمِرْحَاضٍ، وَبِجَنْبِ كُلِّ إِنْسِيٍّ٥ وَجَانٍّ، أَفَأَنْتُمْ تُشَبِّهُونَهُ بِالْحُلُولِ٦ فِي الْأَمَاكِنِ، أَمْ نَحْنُ؟ هَذَا وَاضِحٌ بَيْنَ مَذْهَبِكُمْ وَدَعْوَاكُمْ، صَرَّحْتَ بِهَا أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِكَ، وَلَكِنَّكَ تَقُولُ الشَّيْءَ فَتَنْسَاهُ، ثُمَّ تَنْقُضُهُ٧ عَلَى نَفسك وَأَنت تَشْعُرُ بِهِ حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقِكَ. الْحَمد لِلَّهِ الَّذِي أَعَانَنَا عَلَيْكَ بِالنِّسْيَانِ، وكثيرة الهذيان.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "وأفحش". ٢ كَذَا فِي الأَصْل ولعلها "وَأظْهر" بِالْمُعْجَمَةِ. ٣ ترك هَذَا النَّفْي أولى وأليق بتنزيه الرب. ٤ تقدم معنى الحش ص”٤٤٣". ٥ فِي ط، "كل إنس" وَفِي ش "كل إِنْسَان". ٦ فِي ط، ش"أفأنتم تشبهونه، إِذْ قُلْتُمْ بالحلول" وَهُوَ أوضح. ٧ فِي ط، ش "ثمَّ تنقص".
[ ١ / ٤٩٣ ]
دفع الْمعَارض لصفة النُّزُول وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
ثمَّ ذهبت تنكرالنزول وَتَدْفَعُهُ بِضُرُوبٍ مِنَ الْأَبَاطِيلِ، وَالْأَضَالِيلِ مِنْ كَلَامِ الْمَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ١ وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَيْرِ خَبَرٍ، كَأَنَّكَ تَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ، وَقَلَّ٢
_________________
(١) ١ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". ٢ كَذَا بِلَفْظ "قل" وَالْمعْنَى يَقْتَضِي أَن يَقُول: "وَأقوى".
[ ١ / ٤٩٣ ]
حَدِيثٌ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لدعواكم من اللَّهَ١ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنْ حَدِيثِ النُّزُولِ، لَمَّا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: لَا يَخْلُو مِنْهُ فَكَيْفَ يَنْزِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ مَنْ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ٢؟! فَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ حُجَجِ الْمُعَارِضِ لِدَفْعِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي النُّزُولِ حِكَايَةٌ حَكَاهَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ٣ لَعَلَّهَا مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِ، أَنَّهُ قَالَ: نُزُولُهُ: أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَمَا أَشْبَهَهَا.
فَقُلْنَا لَهُ: أَيُّهَا الْمُعَارِضُ، أَمَّا لَفْظُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْقُضُ مَا حَكَيْتَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ٤ فَإِنْ قَالَهُ فَالْحَدِيثُ يُكَذِّبُهُ وَيُبْطِلُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ: "إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ شَطْرُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَأُجِيب؟ ٥ هَل من مُسْتَغْفِر أعفر لَهُ؟ ٦ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ٧ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ" ٨ وَقَدْ جِئْنَا بِالْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ. فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا حَكَيْتَ٩ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَادَّعَيْتَهُ أَنْتَ أَيْضًا أَنَّهُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ وَسُلْطَانُهُ، مَا كَانَ أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ يَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ هَذَا وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى اسْتِغْفَارِهِ وَسُؤَالِهِ دُونَ اللَّهِ، وَلَا الْمَلَائِكَة يدعونَ١٠
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "فِي أَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَان" وَهُوَ أوضح. ٢ النُّزُول وصف يَلِيق بجلاله وعظمته لَا نَعْرِف كنهه وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ مَعْلُوما وَسِيَاق الْكَلَام هُنَا يُوهم تكييف النُّزُول. ٣، ٤ أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير، تقدم ص"١٥٧". ٦ فِي ط، س، ش "فَأُجِيب لَهُ". ٧ فِي س "فَأغْفِر لَهُ". ٨ تقدم تَخْرِيجه ص"٢١٣". ٩ فِي ط، س، ش "فَلَو كَانَ ذَلِك على مَا حكيت". ١٠ فِي الأَصْل، س "يدعوا" بِمَا أثبت جَاءَ فِي ط، ش، وَهُوَ الصَّوَاب.
[ ١ / ٤٩٤ ]
النَّاسَ إِلَى إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَإِلَى الْمَغْفِرَةِ مِنْهَا لَهُمْ، وَإِلَى إِعْطَاءِ السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى١ وَلِيَ ذَلِكَ، دُونَ سِوَاهُ٢.
وَأُخْرَى أَنَّ أَمْرَهُ وَمَلَائِكَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَسُلْطَانَهُ٣ دَائِبًا٤ يُنَزَّلُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ٥ وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ لَا يَفْتُرُ وَلَا يَنْقَطِعُ٦ فَمَا بَالُ ثُلُثِ اللَّيْلِ خُصَّ بِنُزُولِهِ وَرَحْمَتِهِ٧ وَأَمْرِهِ مِنْ بَيْنِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؟ حَتَّى وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ٨ وَقْتًا آخَرَ. فَقَالَ: "إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ" ٩ فَفِي دَعْوَاكَ: تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ عَلَى النَّاسِ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَإِذَا انْفَجَرَ الْفَجْرُ رُفِعَتْ فِي دَعْوَاكَ، هَذَا وَاللَّهِ تَفْسِيرٌ مُحَالٌ، وَتَأْوِيلُ ضَلَالٍ، يَشْهَدُ عَلَيْهِ ظَاهِرُ لَفْظِ الْحَدِيثِ بِالْإِبْطَالِ.
وَأَمَّا مَا رَوَيْتَ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ عَنِ الْمَرِيسِيِّ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ مَكَانٍ عَن ابْن عُيَيْنَة١٠
_________________
(١) ١ لفظ "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٢ فِي ط، س، ش "دون من سواهُ". ٣ فِي س "سُلْطَانه وَأمره" فتكرر لفظ "أمره" مرَّتَيْنِ. ٤ فِي ط، ش "دَائِما". ٥ فِي ط، س، ش "آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار". ٦ فِي ط، س، ش "لَا يفتر فِي كل سَاعَة وَلَا يَنْقَطِع" قلت: والفتور هُوَ السّكُون بعد الحدة واللين بعد الشدَّة وفتره تفتيرًا وفتر المَاء سكن حره فَهُوَ فاتر، انْظُر الْقَامُوس للفيروزآبادي ٢/ ١٠٧ مَادَّة "فتر" بِتَصَرُّف. ٧ فِي ط، ش "بنزول رَحمته وَأمره" فِي ط، ش. ٨ قَوْله: "لذَلِك" لَيْسَ فِي ط، ش. ٩ تقدم تَخْرِيجه ص"٢١٣". ١٠ هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، انْظُر تَرْجَمته ص"١٧٥".
[ ١ / ٤٩٥ ]
عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ١، عَنِ ابْنِ عُمَرَ٢ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: "لَا تَقُلْ: اللَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَإِنَّهُ بِكُلِّ مَكَانٍ"٣.
وَعَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ٤، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ٥، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ٦ مِثْلَهُ. فَتَأْوِيلُ هَذَا أَيُّهَا الْمُعَارِضُ عَلَى مَا فَسَّرْنَا: أَنَّهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ٧
_________________
(١) ١ عَمْرو بن دِينَار، تقدم ص٢٤٤. ٢ ابْن عمر عبد الله عَنهُ، تقدم ص"٢٤٥". ٣ هَذَا من دَعْوَى الْمعَارض، وَلم أَجِدهُ فِيمَا بَين يَدي من المصادر، عَن ابْن عمر وعَلى فرض ثُبُوته فَهُوَ مَحْمُول على مَا ذكره الْمُؤلف من أَنه بِكُل مَكَان بِالْعلمِ بِهِ وَهُوَ تَعَالَى مستو على عَرْشه اسْتِوَاء يَلِيق بجلاله وعظمته. ٤ الَّذِي اسْتَظْهرهُ أَن المُرَاد بِهِ سَلام بن سليم الْحَنَفِيّ، مَوْلَاهُم، أَبُو الْأَحْوَص الْكُوفِي ثِقَة متقن، من السَّابِعَة، مَاتَ سنة تسع وَسبعين، ع، انْظُر: تقريب التَّهْذِيب ١/ ٣٤٣، وَانْظُر: التَّارِيخ الْكَبِير للْبُخَارِيّ ٤/ ١٣٥. ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٧٣: زيد بن جُبَير بن حرمل بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء الطَّائِي، ثِقَة من الرَّابِعَة، ع، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ٣٧٧: ثِقَة لَهُ سِتَّة أَحَادِيث، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١/ ٤٥٠، أَنه روى عَن أبي البخْترِي الطَّائِي. ٦ أَبُو البخْترِي بِفَتْح الْمُوَحدَة والمثناه بَينهمَا مُعْجمَة سَاكِنة، سعيد بن فَيْرُوز بن أبي عمرَان الطَّائِي مَوْلَاهُم، الْكُوفِي، ثِقَة ثَبت فِيهِ بتشيع قيل، كثير الْإِرْسَال من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ٨٣/ ع انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٣٣. قلت: وَهَذَا الْخَبَر أخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ٤/ ٣٨٠ فِي تَرْجَمَة سعيد بن فَيْرُوز قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس السراج، حَدثنَا هناد السّري، ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ لي أَبُو البخْترِي الطَّائِي: "لَا تَقُلْ: اللَّهُ حَيْثُ كَانَ فَإِنَّهُ بِكُل مَكَان". ٧ فِي ط، س، ش "أَنه فَوق عَرْشه".
[ ١ / ٤٩٦ ]
بِكُلِّ مَكَانٍ بِالْعِلْمِ بِهِ، وَمَعَ كُلِّ صَاحِبِ نَجْوَى، وَأَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. لَا عَلَى أَنَّ نَفْسَهُ١ فِي كُلِّ مَكَانٍ، مِمَّا بَيْنَ الْخَلْقِ فِي الْأَرْضِ وَالْأَمْكِنَةِ، وَبِجَنْبِ كُلِّ مُصَلٍّ وَقَائِمٍ وَقَاعِدٍ. فَهُوَ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَعَ مَنْ بِالْمَشْرِقِ، كَمَا هُوَ مَعَ مَنْ بِالْمَغْرِبِ، وَمَعَ مَنْ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، كَمَا هُوَ مَعَ مَنْ هُوَ٢ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ٣ وَلَا يَبْعُدُ٤ عَنْهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ خَلْقِهِ.
وَالْعَجَبُ مِنْكَ وَمِنْ إِمَامِكَ الْمَرِيسِيِّ إِذْ يَحْتَجُّ٥ فِي ضَلَالِهِ بِالتَّمْوِيهِ٦ عَنِ ابْنِ عُمَرَ٧ وَعَنِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ٨ وَيَدَعُ الْمَنْصُوصَ الْمُفَسَّرَ٩/ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْعَرْشِ خِلَافَ مَا مَوَّهَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَرِوَايَةِ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ١٠ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي النُّزُولِ، وَفِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى١١ فِي السَّمَاءِ دون الأَرْض١٢
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "لَا على أَنه بِنَفسِهِ". ٢ الضَّمِير "هُوَ" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ لَفْظَة "السَّابِعَة" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، س، ش "لَا يبعد". ٥ فِي ط، س، ش "أَن يحْتَج". ٦ فِي ش "بِالتَّوْبَةِ" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٧ فِي ط، ش "على ابْن عمر" انْظُر تَرْجَمته ص”٢٤٥". ٨ أَبُو البخْترِي، تقدم ص”٤٩٦". ٩ فِي س "من الْمُفَسّر". ١٠ لفظ "﵃ أَجْمَعِينَ" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ١١ لفظ "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ١٢ قلت: وَانْظُر مصداق ذَلِك بأسانيد إِلَى صحابة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي: السّنة =
[ ١ / ٤٩٧ ]
الِابْتِدَاعِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الِاتِّبَاعِ، وَإِلَى الْجَهْلِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْعَدْلِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُصِيبَ يَتَعَلَّقُ من الْآثَار وَاضِحٍ مَشْهُورٍ، وَالْمُرِيبَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مُتَشَابِهٍ مَغْمُورٍ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ فِيمَا ادَّعَيْتَ عَلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ١ فِي تَفْسِيرِ هَذَا النُّزُولِ، ثُمَّ قُلْتَ: وَيُحْتَمَلُ مَا قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: إِنَّ نُزُولَهُ أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ٢ كَمَا تَرَوْنَ الْقُرْآنَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا مُشَفَّعًا وَمَاحِلًا٣ مُصَدِّقًا، فَقَالُوا: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ ثَوَابُهُ فَإِنْ جَازَ لَهُمْ هَذَا التَّأْوِيلُ فِي الْقُرْآنِ جَازَ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ نُزُولَهُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: لَقَدْ قِسْتَ بِغَيْرِ أَصْلٍ وَلَا مِثَالٍ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامٌ. وَالْكَلَامُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ شَيْئًا قَائِمًا حَتَّى تُقِيمَهُ الْأَلْسُنُ وَيَسْتَلِينَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهُ بِنَفْسِهِ لَا يقدر عَلَى الْمَجِيءِ وَالتَّحَرُّكِ وَالنُّزُولِ بِغَيْرِ منزل وَلَا يَتَحَرَّك، إِلَّا أَن تُؤْتى بِهِ وَيُنْزَلَ. وَاللَّهُ تَعَالَى٤ حَيٌّ قَيُّومٌ، مَلِكٌ عَظِيمٌ، قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فِي عزه وبهائه يفعل مايشاء كَمَا يَشَاءُ وَيَنْزِلُ بِلَا مُنْزِلٍ ويرتفع بِلَا رَافع، وَيفْعل مايشاء بِغَيْر استعانة بِأحد، وَلَا
_________________
(١) ١ تقدم ص١٥٧. ٢ عبارَة "أَن نُزُوله أمره وسلطانه" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ أَي مجادلًا، قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ٤/ ٤٩ مَادَّة "الْمحل": "والمحال ككتاب الكيد وروم الْأَمر بالحيل وَالتَّدْبِير وَالْمَكْر وَالْقُدْرَة والجدال". ٤ لفظ "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٤٩٨ ]
حَاجَةَ فِيمَا يَفْعَلُ إِلَى أَحَدٍ، وَلَا يُقَاس الْحَيّ القيوم والفعال لِمَا يَشَاءُ بِالْكَلَامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمٌ١ حَتَّى تُقِيمَهُ الْأَلْسُنُ، وَلَا لَهُ أَمْرٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا إِرَادَةٌ وَلَا يَسْتَبِينُ إِلَّا بِقِرَاءَةِ الْقُرَّاءِ.
أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ نُزُولُهُ: أَمْرَهُ وَرَحْمَتَهُ فَمَا بَالُ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ لَا يَنْزِلُ٢ إِلَّا فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا؟ وَمَا بَالُ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي دَعْوَاكَ لَا يَنْزِلُ٣ إِلَى الْأَرْضِ حَيْثُ٤ مُسْتَقَرُّ الْعِبَادِ، مِمَّنْ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَهُ، وَيُجِيبَ وَيُعْطِيَ، فَمَا بَالُهَا تَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ لَا تَجُوزُهَا؟ وَمَا بَالُ رَحْمَتِهِ تَبْقَى عَلَى عِبَادِهِ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ إِلَى انْفِجَارِ الْفَجْرِ، ثُمَّ تَرْجِعُ مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ بِزَعْمِكَ؟
وَمَا باله إِذْ اللَّهُ بِزَعْمِكَ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا استرحمه٥ عباده واستغفروه وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ بَعَّدَ عَنْهُمْ رَحْمَتَهُ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا خَمْسمِائَة عَامٍ، وَلَا يُغَشِّيهِمْ إِيَّاهَا وَهُوَ مَعَهُمْ فِي الْأَرْضِ بِزَعْمِكَ؟ إِذْ زَعَمْتَ أَنَّ نُزُولَهُ تَقْرِيبُ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ كَقَوْلِهِ الْآخَرِ: "مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهَا باعًا" ٦ فَقلت: هَذَا التَّقْرِيب بِالرَّحْمَةِ.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "قَائِمَة". ٢، ٣ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "لَا تنزل". ٤ فِي ط، س، ش "من حَيْثُ". ٥ فِي س "استرحموه". ٦ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب التَّوْحِيد، بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وَقَوله جلّ ذكره ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، حَدِيث ٧٤٠٥، ١٣/ ٣٨٤ عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: "وَإِن تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعا، وَإِن تقرب مني ذِرَاعا تقربت إِلَيْهِ باعًا وَإِن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة". وَفِي مُسلم بترتيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الذّكر وَالدُّعَاء، بَاب فضل الذّكر والتقريب إِلَى الله تَعَالَى، حَدِيث ٢٦٨٧، ٤/ ٢٠٦٨ عَن أبي ذَر فِي أَثْنَائِهِ بِلَفْظ "وَمن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تقربت مِنْهُ باعًا".
[ ١ / ٤٩٩ ]
فَفِي دَعْوَاكَ فِي تَفْسِيرِ النُّزُولِ: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ شِبْرًا تَبَاعَدَ هُوَ عَنْهُ مَسِيرَةَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَكُلَّمَا١ ازْدَادَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ اقْتِرَابًا٢ تَبَاعَدَ هُوَ بِرَحْمَتِهِ عَنْهُمْ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِزَعْمِكَ.
لَقَدْ علمت أَيهَا الْمعَارض أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ مُحَالٌ يَدْعُو إِلَى ضَلَالٍ٣ وَالْحَدِيثُ نَفْسُهُ يُبْطِلُ هَذَا التَّفْسِيرَ وَيُكَذِّبُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ أَغْيَظُ حَدِيثٍ لِلْجَهْمِيَّةِ٤ وَأَنْقَضُ٥ شَيْءٍ لِدَعْوَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ٦ فِي الْأَرْضِ، كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ. فَكَيْفَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَنْ هُوَ تَحْتَهَا فِي الْأَرْضِ؟ وَجَمِيعُ الْأَمَاكِنِ مِنْهَا، وَنَفْسُ٧، الْحَدِيثِ نَاقِضٌ لِدَعْوَاهُمْ وَقَاطِعٌ لحججهم. ل ٣٢ ب.
وَأُخْرَى: أَنَّهُ قَدْ عَقِلَ كُلُّ ذِي عَقْلٍ وَرَأْيٍ٨ أَنَّ الْقَوْلَ لَا يتَحَوَّل صُورَة
_________________
(١) ١ فِي س "أَو كلما". ٢ فِي ط، س، ش "تَقْرِيبًا". ٣ فِي ط، س، ش "إِلَى الضلال". ٤ فِي س "على الْجَهْمِية"، وَتقدم لَهُم نوع بَيَان ص"١٣٨". ٥ فِي س "وَأبْغض". ٦ فِي ط، س، ش "لكنه". ٧ فِي ط، س، ش "وَلَفظ". ٨ فِي ط، ش "وَرَأى".
[ ١ / ٥٠٠ ]
لَهَا١ لِسَانٌ وَفَمٌ، يَنْطِقُ وَيَشْفَعُ، فَحِينَ اتَّفَقَتِ الْمَعْرِفَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ ثَوَابٌ فَيُصَوِّرُهُ٢ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ صُورَةَ رَجُلٍ يُبَشِّرُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ٣ صُورَةً كَصُورَةِ الْإِنْسَانِ لَمْ يَتَشَعَّبْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ صُورَةٍ، فَيَأْتِيَ أَكثر من ألف ألف شافعًا٤، وماحلًا؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ الْوَاحِدَةَ إِذَا هِيَ أَتَت وَاحِد زَالَتْ عَنْ غَيْرِهِ، فَهَذَا مَعْقُولٌ لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَهُولٍ. وَهَذَا كَحَدِيثِ الْأَعْمَشِ٥، عَنِ الْمِنْهَالِ٦، عَن زَاذَان٧
_________________
(١) ١ فِي س "لَهُ لِسَان" فَالضَّمِير هُنَا عَائِد لِلْقَوْلِ. ٢ فِي ط، س، ش "يصوره". ٣ فِي ط، س، ش "لِلْقُرْآنِ". ٤ فِي ط، ش "شَافِع وَمَا حل" بِالْجَرِّ وَكِلَاهُمَا مُحْتَمل، فبالجر على أَنه مُضَاف إِلَيْهِ، وَبِالنَّصبِ على أَنه حَال من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي "يَأْتِي" الْعَائِد على الْقُرْآن. قلت: والماحل تقدم مَعْنَاهَا ص"٤٩٨". قلت: ثَبت من حَدِيث بُرَيْدَة: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَة كَالرّجلِ الشاحب فَيَقُول: أَن الَّذِي أَسهرت ليلك وَأَظْمَأت نهارك" أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه بترتيب مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْأَدَب، بَاب ثَوَاب الْقُرْآن، حَدِيث ٣٧٨١، ٢/ ١٢٤٢، قَالَ مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي فِي الزاوئد: إِسْنَاده صَحِيح وَرِجَاله ثِقَات. وَأخرجه أَيْضا الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٥/ ٣٤٨، ٣٥٢ عَن بُرَيْدَة مَرْفُوعا، وَأخرجه الدَّارمِيّ فِي سنَنه تَحْقِيق وتخربج السَّيِّد عبد الله هَاشم يماني، كتاب فَضَائِل الْقُرْآن، بَاب فضل سُورَة الْبَقَرَة عمرَان، حَدِيث ٣٣٩٤، ٢/ ٣٢٤ عَن بُرَيْدَة مَرْفُوعا. ٥ الْأَعْمَش سُلَيْمَان بن مهْرَان، تقدم ص"١٥٧". ٦ الْمنْهَال بن عَمْرو، تقدم ص"٤٦٦". ٧ زَاذَان، أَبُو عمر الْكِنْدِيّ الْبَزَّاز، ويكنى أَبُو عبد الله أَيْضا، صَدُوق يُرْسل وَفِيه شِيعِيَّة، من الثَّالِثَة، مَاتَ سنة ٨٢/ بخ م وَالْأَرْبَعَة، انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٢٥٦ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ٣١٦: وَعنهُ بن عَمْرو بن مرّة، والمنهال بن عَمْرو ثِقَة.
[ ١ / ٥٠١ ]
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ١ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٢، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ تَأْتِيهِ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ فِي صُورَة رجل فِي أَحْسَنَ هَيْئَةٍ وَأَحْسَنَ لِبَاسٍ وَأَطْيَبَ رِيحٍ٣ فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ٤؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، كَانَ "حَسَنًا"٥ وَكَذَلِكَ تَرَانِي حَسَنًا٦ وَكَانَ طَيِّبًا فَكَذَلِكَ تَرَانِي طَيِّبًا٧ وَكَذَلِكَ الْعَمَل السيء يَأْتِي صَاحِبَهُ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِك٨ ويبشره بِعَذَاب الله"٩.
_________________
(١) ١ الْبَراء بن عَازِب بن الْحَارِث بن عدي الْأنْصَارِيّ، الأوسي، صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ نزل الْكُوفَة، استصغر يَوْم بدر وَكَانَ هُوَ وَابْن عمر لِدَة، مَاتَ سنة ٧٢/ ع، انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٩٤، وَانْظُر: الاستعياب ذيل الْإِصَابَة ١/ ١٤٣-١٤٥، وَأسد الغابة ١/ ١٧١-١٧٢، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ١/ ١٤٦-١٤٧، وتهذيب التَّهْذِيب ١/ ٤٢٥-٤٢٦. ٢ عبارَة: "﵄" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، س، ش "وَأطيب رَائِحَة"، وَعند الإِمَام أَحْمد "طيب الرّيح". ٤ عبارَة "فَيَقُول لَهُ من أَنْت" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ لَفْظَة "حسنا" لَيست فِي الأَصْل ولعلها سَقَطت. ٦ فِي ط، س، ش "فَكَذَلِك تراني طيبا". ٧ عبارَة "وَكَانَ طَيِّبًا فَكَذَلِكَ تَرَانِي طَيِّبًا" لَيست فِي ط، س، ش. ٨ قَوْله: "مثل ذَلِك" لَيست فِي ط، ش، وَفِي س "فَيَقُول لَهُ كَمثل". ٩ هَذَا هُوَ معنى مَا أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٤/ ٢٨٧-٢٨٨ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن منهال بن عَمْرو زَاذَانَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مَرْفُوعا مطولا، وَفِيه أَن الْمُؤمن يَأْتِيهِ رجل حسن الْوَجْه حسن الثِّيَاب طيب الرّيح فَيَقُول: أبشر بِالَّذِي يَسُرك هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت توعد، فَيَقُول: لَهُ من أَنْت؟ فوجهك الْوَجْه الَّذِي يَجِيء بِالْخَيرِ فَيَقُول: أَنا عَمَلك الصَّالح.." وَفِيه =
[ ١ / ٥٠٢ ]
وَإِنَّمَا عملهما الصَّلَاة وَالصِّيَامُ وَمَا أَشْبَهَهَا١ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَعَمَلُ الْآخَرِ الزِّنَا وَالرِّبَا وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَمَا أَشْبَهَهَا٢ مِنَ الْمَعَاصِي قَدِ اضْمَحَلَّتْ وَذَهَبَتْ فِي الدُّنْيَا، فَيُصَوِّرُ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْفَاجِرِ ثَوَابَهَا وَعِقَابَهَا يُبَشِّرُ بِهِمَا٣ إِكْرَامًا لِلْمُؤْمِنِ٤ وَحَسْرَةً عَلَى الْكَافِرِ٥.
وَهَذَا الْمَعْنَى أَوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ قَدْ٦ عَلِمْتُمُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَكِنْ٧ تُغَالِطُونَ وَتُدَلِّسُونَ، وَعَلَيْكُمْ أَوْزَارُكُمْ وَأَوْزَارُ مَنْ تضلون.
_________________
(١) = أَيْضا أَن "الْكَافِر" يَأْتِيهِ رجل قَبِيح الثِّيَاب منتن الرّيح فَيَقُول: أبشر بِالَّذِي يسوءك هَذَا يَوْمك الَّذِي توعد، فَيَقُول، من أَنْت؟ فوجهك الْوَجْه الَّذِي يَجِيء بِالشَّرِّ، فَيَقُول: أَنا عَمَلك الْخَبيث فَيَقُول: رب لَا تقم السَّاعَة. وَأخرجه الإِمَام أَحْمد أَيْضا فِي الْمصدر نَفسه ٤/ ٢٩٥-٢٩٦ من طَرِيق يُونُس بن خباب، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَاذَان، عَن الْبَراء مَرْفُوعا مطولا. ابْن خباب وَهُوَ ضَعِيف، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد "٤٧٥٣" نَحْو الرِّوَايَة الأولى"، انْظُر: مشكاة المصابيح بتخريج الألباني حَدِيث ١٦٣٠، ١/ ٥١٧. قلت: رِوَايَة أبي دَاوُد لم أجد فِيهَا تمثل الْعَمَل بِصُورَة رجل، انْظُر: سنَن أبي دَاوُد، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، كتاب السّنة، بَاب فِي الْمَسْأَلَة فِي الْقَبْر، حَدِيث ٤٧٥٣، ٥/ ١١٤-١١٦. ١ فِي ط، س، ش "وَمَا أشبههَا" وَالصَّوَاب مَا فِي الأَصْل. ٢ فِي ط، س، ش "وَمَا أشبههَا" وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ. ٣ فِي ط، س، ش "يبشرهما بِهِ". ٤ فِي ط، س، ش "للْمُؤْمِنين". ٥ فِي ط، س، ش "على الْكَافرين". ٦ فِي ط، س، ش "وَقد". ٧ فِي ط، س، ش "وَلَكِن".
[ ١ / ٥٠٣ ]
ثُمَّ أَكَّدَ الْمُعَارِضُ دَعْوَاهُ فِي أَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِقِيَاسٍ ضَلَّ بِهِ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل.
فَقَالَ: أَلا ترى أَن مَنْ صَعَدَ الْجَبَلَ لَا يُقَالُ لَهُ:١ إِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ؟
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْمُدَّعِي مَا لَا عِلْمَ لَهُ٢: مَنْ أَنْبَأَكَ أَنَّ رَأْسَ الْجَبَلِ لَيْسَ بِأَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى٣ مِنْ أَسْفَلِهِ؟؛ لِأَنَّهُ مَنْ آمَنَ بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ رَأْسَ الْجَبَلِ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ٤ مِنْ أَسْفَلِهِ، وَأَنَّ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ أَقْرَبُ إِلَى عَرْشِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ السَّادِسَةِ، وَالسَّادِسَةَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَامِسَةِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى الْأَرْضِ. كَذَلِكَ رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ٥، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ٦ أَنَّهُ قَالَ: "رَأْسُ الْمَنَارَةِ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَسْفَلِهِ٧ وَصَدَقَ ابْنُ الْمُبَارَكِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ إِلَى السَّمَاءِ أَقْرَبُ كَانَ إِلَى اللَّهِ أَقْرَبَ. وَقُرْبُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ أَقْصَاهُم وأدناهم وَاحِد لَا
_________________
(١) ١ لَفْظَة "لَهُ" لَيست فِي ط، ش. ٢ فِي ط، ش "مَا لَا علم لَهُ بِهِ" وَفِي س "مَا لَا علم بِهِ". ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، س، ش "أقرب إِلَى السَّمَاء". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٥٤: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مخلد الْحَنْظَلِي، أَبُو مُحَمَّد بن رَاهَوَيْه الْمروزِي، ثِقَة حَافظ مُجْتَهد، قرين أَحْمد بن حَنْبَل، ذكر أَبُو دَاوُد أَنه تغير قبل مَوته بِيَسِير، مَاتَ سنة ٣٨ وَله ٧٢ سنة/ خَ م د ت س. ٦ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٧ فِي ط، س، ش "من أَسْفَلهَا" وَبِه يَسْتَقِيم الْمَعْنى قلت: وَمعنى الْعبارَة صَحِيح إِلَّا أَنِّي لم أَقف على من نَسَبهَا إِلَى عبد الله بن الْمُبَارك أَو إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه.
[ ١ / ٥٠٤ ]
يَبْعُدُ عَنْهُ شَيْءٌ١ مِنْ خَلْقِهِ. وَبَعْضُ الْخَلْقِ أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ٢ عَلَى نَحْوِ مَا فَسَّرْنَا مِنْ أَمْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ قُرْبُ الْمَلَائِكَةِ مِنَ اللَّهِ، فَحَمَلَةُ الْعَرْشِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ فِي السَّمَوَاتِ٣، وَالْعَرْشُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَقُرْبُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ ذَلِكَ وَاحِدٌ هَذَا٤ مَعْقُولٌ مَفْهُومٌ إِلَّا عِنْدَ مَنْ لَا يُؤْمِنُ أَنَّ فَوْقَ الْعَرْشِ إِلَهًا وَلِذَلِكَ سَمَّى الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ ٥، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ كَمَا ادعيت الْجَهْمِيَّةُ٦ مَا كَانَ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مَعْنًى، إِذْ كُلُّ الْخَلْقِ عِنْدَهُ وَمَعَهُ فِي الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، وَمُطِيعُهُمْ وَعَاصِيهِمْ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ مَنْ لَا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَا يَسْجُدُ لَهُ. وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمَعَ كل أحد لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْآيَةِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَلَا يَسْجُدُ لَهُ وَيَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ٧ فَأَيُّ منقبة إِذا فِيهِ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "لَا يبعد عَن شَيْء من خلقه". ٢ فِي ط، س، ش "أقرب إِلَيْهِ من بعض". ٣ فِي ط، س، ش "فِي السَّمَوَات كلهَا". ٤ لَفْظَة "هَذَا" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ فِي الأَصْل "ويسبحون وَله يَسْجُدُونَ" وَالصَّوَاب مَا فِي الأَصْل، انْظُر: سُورَة الْأَعْرَاف آيَة ٢٠٦. ٦ فِي ش "كَمَا ادعيت الْجَهْمِية" ويستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل، وَسبق بَيَان للجهمية انْظُر ص”١٣٨". ٧ فِي ط، س، ش "لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يُؤمنُونَ بِهِ وَلَا يَسْجُدُونَ لَهُ ويستكبرون عَن عِبَادَته".
[ ١ / ٥٠٥ ]
لِلْمَلَائِكَةِ إِذْ كُلُّ الْخَلْقِ عِنْدَ الْجَهْمِيَّةِ١ فِي مَعْنَاهُمْ فِي٢ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ.
ثُمَّ فَسَّرَ الْمُعَارِضُ هَذَا الْمَذْهَب تَفْسِيرا من هَذ١، دَفْعًا بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاء. فَيُقَال: يُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ أَنْ يَكُونَ فِي السَّمَاء، على أَنَّهُنَّ مُدَبِّرُهَا وَمُتْقِنُهَا، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: هُوَ فِي صَلَاتِهِ وَعَمَلِهِ، وَتَدْبِيرِ معيشته، ولبيس هُوَ فِي نَفْسِهَا وَفِي جَوْفِهَا، وَفِي نَفْسِ الْمَعِيشَةِ بِالْحَقِيقَةِ وَلَكِنْ بِالْمَجَازِ عَلَى دَعْوَاهُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: قَدْ قُلْنَا لَكَ: إِنَّكَ تَهْذِي وَلَا تَدْرِي، تَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ تَنْقُضُهُ٣ عَلَى نَفْسِكَ، أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى٤ فِي السَّمَاءِ، وَفِي الْأَرْضِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ بِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعِي هَاهُنَا٥ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمَوَاتِ مِنْهُ إِلَّا تَدْبِيرُهُ وَإِتْقَانُهُ كَتَدْبِيرِ الرَّجُلِ فِي٦ مَعِيشَتِهِ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيهَا؟.
وَمَا أَوْلَاكَ٧ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنْ تَعُضَّ عَلَى لِسَانِكَ، وَلَا تَحْتَجَّ بِشَيْءٍ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَقُودَهُ. أَوْ تَتَخَلَّصَ٨ مِنْهُ بِحُجَّةٍ حَتَّى تَنْقُضَهُ عَلَى نَفْسِكَ بِنَفْسِ كَلَامِكَ، وَلَوْ كَانَ لَكَ نَاصِحٌ لَحَجَرَ عَلَيْكَ الْكَلَامَ، وَلَوْلَا أَنَّهُ يُشِيرُ إِلَيْكَ بَعْضُ النَّاسِ بِبَعْضِ النَّضْرَةِ فِي الْعِلْمِ مَا اشْتَغَلْنَا بِالرَّدِّ عَلَى مثلك.
_________________
(١) ١ الْجَهْمِية تقدّمت ص"١٣٨". ٢ "فِي" لَيست فِي س، وَفِي ط، ش "على بَدَلا من "فِي". ٣ فِي ط، ش "ثمَّ تنقض على نَفسك". ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ فِي ط، س، ش "فَكيف تَدعِي فِيهِ هَاهُنَا". ٦ لَفْظَة "فِي" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ كَذَا فِي الأَصْل وَفِي ط، س، ش "مَا أولى بك". ٨ فِي ط، س، ش "وتتخلص مِنْهُ".
[ ١ / ٥٠٦ ]
لِسَخَافَةِ كَلَامِكَ، وَرَثَاثَةِ حُجَجِكَ. وَلَكِنَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ جَهَالَتِكَ ضَرَرًا عَلَى الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نُبَيِّنَ١ لَهُمْ عَوْرَةَ كَلَامِكَ وَضَعْفَ احْتِجَاجِكَ كَيْ يَحْذَرُوا مِثْلَهَا مِنْ رَأْيِكَ، وَقَدْ فَضَحْنَاكَ فِي ذَلِكَ وَلَوِ اسْتَقْصَيْنَا عَلَيْكَ فِي٢ الِاحْتِجَاج لطال لَهُ الْكِتَابُ، غَيْرَ أَنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نُفَسِّرَ مِنْهَا قَلِيلًا يَدُلُّ عَلَى كثير. وَلَو أَنَّكَ بَدَأْتَنَا٣ بِالْخَوْضِ فِيهِ وَفِي إِذَاعَةِ كَلَامِ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، الْمُلْحِدِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى٤، الْمُعَطِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ بَيَانٍ أَوْ بُرْهَانٍ يكون ببلدة ينتشر فِيهَا كَلَامُ الْمَرِيسِيِّ فِي التَّوْحِيدِ ثمَّ لَا ينْقضه.
_________________
(١) ١ لفظ "أَن نبين" تكَرر فِي ش. ٢ لَفْظَة "فِي" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، س، ش "ابتدأتنا". ٤ لَفْظَة "الْمعَارض" لَيست فِي ش، ولعلها سَقَطت.
[ ١ / ٥٠٧ ]
عود لمناقشة الْمعَارض فِي السُّؤَال عَن الله بأين وَمَا ورد فِي ذَلِك:
ثُمَّ عَادَ الْمُعَارِضُ١ إِلَى مَذْهَبِهِ الْأَوَّلِ نَاقِضًا عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا تَأَوَّلَ٢ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَاحْتَجَّ بِبَعْضِ كَلَامِ جَهْمٍ٣ وَالْمَرِيسِيِّ، فَقَالَ: إِنْ قَالُوا لَكَ: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَالْجَوَابُ لَهُمْ: إِنْ أَرَدْتُمْ حُلُولًا فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، وَفِي مَكَانٍ يَعْقِلُهُ الْمَخْلُوقُونَ٤ فَهُوَ الْمُتَعَالِي عَن ذَلِك؛ لِأَنَّهُ على عود لمناقشة الْمُؤلف للمعارض فِي السُّؤَال عَن الله بأين وَمَا ورد فِي ذَلِك
_________________
(١) ١ لَفْظَة "الْمعَارض" لَيست فِي ش ولعلها سَقَطت. ٢ فِي س "فِيمَا تأولت". ٣ جهم بن صَفْوَان، تقدم ص”١٤٧". ٤ فِي ط، س، ش "الْمَخْلُوق".
[ ١ / ٥٠٧ ]
الْعَرْش، وَبِكُل مَكَانٍ لَا يُوصَفُ بِأَيْنَ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: أَمَّا قَوْلُكَ: كَالْمَخْلُوقِ. فَهَذِهِ كُلْفَةٌ١ مِنْكَ وَتَلْبِيسٌ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَلَكِنَّهُ بِمَكَانٍ يَعْقِلُهُ الْمَخْلُوقُونَ الْمُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، دُونَ مَا سِوَاهَا مِنَ الْأَمْكِنَةِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَبِمَنْ هُوَ فِي، كُلِّ مَكَانٍ. مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ، وَلَمْ يَدْرِ مَنْ يَعْبُدُ، وَمَنْ يُوَحِّدُ.
مَعَ أَنَّكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَقْرَرْتَ بِأَنَّكَ تَعْقِلُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّكَ ادَّعَيْتَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنْ سَمَاءٍ وَمن أَرض.
وَمَا اشْتِرَاطُكَ عَلَى مَنْ سَأَلَكَ: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَتَقُولُ لَهُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ كذ وَكَذَا، فَهَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ. لَمْ تشْتَرط ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ٢ عَلَى أَحَدٍ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِين سَأَلَ الْأمة السوادء "أَيْنَ اللَّهُ؟ " لَمْ تَشْتَرِطْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣ كَمَا اشْتَرَطْتَ أَنْتَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ حلولًا كحلول كذ وَكَذَا، وَلَكِنْ قَالَتْ: "فِي السَّمَاءِ: "٤ فَاكَتْفَى مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ لَهَا: كَيْفَ كَيْنُونَتُهُ فِي السَّمَاءِ، وَكَيْفَ حُلُولُهُ فِيهَا؟
وَأَمَّا قَوْلُكَ: لَا يُوصَفُ بِأَيْنَ. فَهَذَا أَصْلُ الْكَلَام جَهْمٍ٥ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَ اللَّهُ ﷿ وَرَسُولُهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿أَأَمِنْتُمْ
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "كذبة". ٢ فِي ط، س، ش "الْأَئِمَّة". ٣ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "لم يشْتَرط عَلَيْهَا النَّبِيِّ ﷺ". ٤ انْظُر تخرج الحَدِيث ص"٤٤٥". ٥ جهم بن صَفْوَان، تقدم ص"١٤٧".
[ ١ / ٥٠٨ ]
مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١، وَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٢، وَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣، فقد أخبرنَا اللَّهُ الْعِبَادَ أَيْنَ اللَّهُ٤ وَأَيْنَ مَكَانُهُ، وَأَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَمْ يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ" ٥.
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ٦، ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ٧، عَنْ أَبِي إِسْحَاق٨، عَن أبي
_________________
(١) ١ سُورَة الْملك آيَة ١٦. ٢ سُورَة النَّحْل آيَة ٥٠. ٣ سُورَة طه آيَة ٥. ٤ فِي ط، س، ش "أَيْن هُوَ". ٥ الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ أوردهُ الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ، تَصْحِيح ومراجعة عبد الرَّحْمَن عُثْمَان، ص"٢٠" من طَرِيق أبي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جرير مَرْفُوعا وَقَالَ: رُوَاته ثِقَات. قلت: وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه التُّحْفَة، أَبْوَاب الْبر والصلة، بَاب مَا جَاءَ فِي رَحْمَة النَّاس، حَدِيث ١٩٨٧، ٦/ ٤٩ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعا بِلَفْظ: "من لم يرحم النَّاس لَا يرحمه الله" وَقَالَ: هَذَا الحَدِيث حسن صَحِيح. وبمثل لفظ التِّرْمِذِيّ أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب عَن جرير مَرْفُوعا "انْظُر ٤/ ٣٥٨-٣٦٦". ٦ فِي س "حدّثنَاهُ مُسَدّد" قلت: انْظُر تَرْجَمته ص"١٧٥"، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ١٠/ ١٠٧ أَنه روى عَن أبي الْأَحْوَص. ٧ أَبُو الْأَحْوَص هُوَ سَلام بن سليم، قَالَ الدولابي فِي كتاب الكنى والأسماء الطبعة الأولى الْهِنْدِيَّة ١/ ١١١: "وَأَبُو الْأَحْوَص الَّذِي يروي عَن أبي إِسْحَاق، سَلام بن سليم" وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٤/ ٢٨٢-٣٨٣ أَنه روى عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي وَعنهُ مُسَدّد، انْظُر تَرْجَمته ص"٤٩٦". ٨ أَبُو إِسْحَاق هُوَ السبيعِي، تقدم ص"١٤٦"، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٨/ ٦٤ أَنه روى عَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود.
[ ١ / ٥٠٩ ]
عُبَيْدَةَ١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ٢، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ" ٣ فَلَوْ لَمْ يُوصَفْ بِأَيْنَ كَمَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ، لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِلْجَارِيَةِ "أَيْنَ اللَّهُ" فَيُغَالِطُهَا فِي شَيْءٍ لَا يُؤَيَّنُ، وَحِينَ قَالَتْ "هُوَ فِي السَّمَاءِ" لَوْ قَدْ أَخْطَأَتْ فِيهِ لَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عيله وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَعَلَّمَهَا، وَلَكِنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى إِيمَانِهَا بِمَعْرِفَتِهَا أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ لَنَا عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ٤.
حَدَّثَنَا٥ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ٦، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الشَّقِيقِيُّ٧ قَالَ: "قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ بِأَيِّ شَيْءٍ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: بِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى
_________________
(١) ١ أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود، تقدم ص"٢٥١". ٢ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، تقدم ص"١٩٠". ٣ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس وعادل السَّيِّد، كتاب الْأَدَب، بَاب الرَّحْمَة، حَدِيث، من طَرِيق آخر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن الْعَاصِ يبلغ بِهِ النَّبِي بِلَفْظ: "الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن. ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء". وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع بشرحه تحفة الأحوذي، أبوب الْبر والصلة، بَاب مَا جَاءَ فِي رَحْمَة النَّاس، حَدِيث ١٩٨٩، ٦/ ٥١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ مَرْفُوعا بِلَفْظ أبي دَاوُد وَزِيَادَة فِي آخِره، قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. ٤ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٥ فِي ش "حَدثنَا". ٦ الْحسن بن الصَّباح، تقدم ص"١٤٥". ٧ عَليّ بن الْحسن، تقدم ص"١٤٥".
[ ١ / ٥١٠ ]
الْعَرْشِ١ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. قُلْتُ: بِحَدٍّ؟ قَالَ: بِحَدٍّ"٢ فَهَذَا الْقُرْآنُ يَنْطِقُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى٣ يُوصَفُ بِأَيْنَ، وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ وَصَفَهُ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
فَمَنْ أَنْبَأَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ -غَيْرَ الْمَرِيسِيِّ٤- أَنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ٥ بِأَيْنَ؟ فَأَخْبِرْنَا بِهِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ، الْجَاهِل بِهِ وبمكانه.
ثمَّ نفضت عَلَى نَفْسِكَ دَعْوَاكَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى أَنَّهُ مُدَبِّرُهَا، كَمَا يَكُونُ الرَّجُلُ فِي عِمَارَةِ دَارِهِ خَارِجًا مِنْهَا، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيهَا، فَتَرَكْتَ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ ادَّعَيْتَ أَخِيرًا فَقُلْتَ: هُوَ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، تَحْتَجُّ بِالشَّيْءِ ثُمَّ تَنْسَاهُ حَتَّى تَنْقُضُهُ عَلَى نَفْسِكَ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ؟!.
وَسَنَذْكُرُ فِي إِبْطَالِ حُجَجِكَ٦ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَخْبَارًا صَحِيحَةً يَسْتَدِلُّ بِهَا مَنْ وَقَفَهُ٧ اللَّهُ تَعَالَى٨ عَلَى إِلْحَادِكَ فِيهَا إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "على عَرْشه". ٢ تقدم ص”٢٢٤". ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، س، ش: "غير المريسي وَأَصْحَابه". ٥ فِي ط، ش "أَنه لَا يُوصف"، وَفِي س "أَن لَا يُوصف". ٦ فِي ط، س، ش "حجتك". ٧ فِي ط، س، ش "وَفقه". ٨ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٥١١ ]
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ١، ثَنَا سُفْيَانُ٢، عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ٣- عَنْ أَبِي قَابُوسَ٤، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٥ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ" ٦.
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَم الْمصْرِيّ٧، أبنا٨ اللَّيْثُ٩، عَنْ زِيَادَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ
_________________
(١) ١ مُسَدّد بن مسرهد، تقدم ص"١٧٥". ٢ سُفْيَان، تقدم ص"٢٦٨". ٣ عَمْرو بن دِينَار، تقدم ص"٢٤٤". ٤ أَبُو قَابُوس مولى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، مَقْبُول، من الرَّابِعَة، د ت انْظُر: تحفة الأحوذي شرح جَامع التِّرْمِذِيّ ٦/ ٥١، والتقريب ٢/ ٤٦٣، وَذكر فِي الكاشف للذهبي ٣/ ٣٦٨ أَنه روى عَن مَوْلَاهُ عبد الله بن عَمْرو وَعنهُ عَمْرو بن دِينَار. ٥ لفظ "﵁" لَيْسَ فِي ط، س، ش وَعبد الله بن عَمْرو تقدم ص"٢٥٦". ٦ ورد هَذَا الحَدِيث فِي التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ "الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن، ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء" وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح انْظُر: جَامع التِّرْمِذِيّ بشرحه تحفة الأحوذي، أَبْوَاب الْبر والصلة، بَاب ماجاء فِي رَحْمَة النَّاس، حَدِيث ١٩٨٩، ٦/ ٥١ قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي عمر، حَدثنَا سُفْيَان، عَنْ أَبِي قَابُوسَ، عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرو مَرْفُوعا. وبلفظ التِّرْمِذِيّ ورد أَيْضا فِي سنَن أبي دَاوُد، كتاب الْأَدَب، بَاب الرَّحْمَة حَدِيث ٤٩٤١، ٥/ ٢٣١ من طَرِيق أبي بكر بن أبي شيبَة ومسدد، الْمَعْنى قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان. عَن عَمْرو، عَن أبي قَابُوس مولى لعبد الله بن عَمْرو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعا. ٧ سعيد بن أبي مَرْيَم، تقدم ص"٢٨٦". ٨ فِي ط، س، ش "أخبرنَا" وهما بِمَعْنى وَاحِد وَانْظُر تعليقنا ص"١٣٧". ٩ اللَّيْث بن سعد، تقدم ص"٢٠٦".
[ ١ / ٥١٢ ]
الْأَنْصَارِيِّ١، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ٢، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ٣، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٤ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الراحموان يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمكُمْ أهل السَّمَاء" ٥
_________________
(١) ١ زِيَادَة: بِكَسْر أَوله وهاء فِي آخِره، ابْن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ، مُنكر الحَدِيث، من السَّادِسَة، د س، انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٢٧١، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ٣٣٥ مِمَّن روى عَنهُ اللَّيْث وَابْن لَهِيعَة. ٢ هُوَ مُحَمَّد بن كَعْب بن سليم بن أَسد، أَبُو حَمْزَة القرضي، الْمدنِي وَكَانَ قد نزل الْكُوفَة مُدَّة، ثِقَة عَالم، من الثَّالِثَة، ولد سنة ٤٠ على الصَّحِيح، وَوهم من قَالَ ولد فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فقد قَالَ البُخَارِيّ بِأَن أَبَاهُ كَانَ مِمَّن لم ينْبت من بني قُرَيْظَة، مَاتَ سنة عشْرين، وَقيل: قبل ذَلِك. ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٠٣، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٩/ ٤٢١ أَنه روى عَن فضَالة بن عبيد، وَقَالَ البُخَارِيّ: أَن أَبَاهُ كَانَ مِمَّن لم ينْبت يَوْم قُرَيْظَة فَترك. ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٠٩: فضَالة بن عبيد بن نَافِذ بن قيس الْأنْصَارِيّ، أول مَا شهد أحد، ثمَّ نزل دمشق، ولي قضاءها وَمَات سنة ٥٨، وَقيل: قبلهَا، بخ م الْأَرْبَعَة، وَانْظُر: الاستعياب ذيل الْإِصَابَة ٣/ ١٩٢-١٩٣ أَسد الغابة ٤/ ١٨٢، والإصابة بذيلة الِاسْتِيعَاب ٣/ ٢٠١. ٤ عُوَيْمِر بن زيد بن قيس الْأنْصَارِيّ، أَبُو الدَّرْدَاء، مُخْتَلف فِي اسْم أَبِيه وَإِنَّمَا هُوَ مَشْهُور بكنيته، وَقيل: اسْمه عَامر وعويمر لقب، صَاحِبي جليل، أول مشاهده أحد وَكَانَ عابدًا مَاتَ آخر خلَافَة عُثْمَان، وَقيل: عَاشَ بعد ذَلِك، ع، انْظُر التَّقْرِيب ٢/ ٩١، وَانْظُر: أَسد الغابة ٥/ ١٨٥-١٨٦، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٣/ ٤٦ وتهذيب التَّهْذِيب ٨/ ١٧٥-١٧٧. ٥ هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ لم يرد فِي ط، س، ش وَلم أَجِدهُ فِي الْكتب السِّتَّة ومسند الإِمَام أَحْمد والتوحيد لِابْنِ خُزَيْمَة عَن أبي الدَّرْدَاء، وَالَّذِي يظْهر لي أَن نَاسخ الأَصْل نسي فَذكر متن الحَدِيث الَّذِي قبله مرّة أُخْرَى وَهُوَ يُرِيد حَدِيث "إِذا اشْتَكَى أحدكُم شَيْئا" الَّذِي سَيَأْتِي بعده، يُؤَيّدهُ تطابق الإسنادين تَمامًا. وَالله أعلم.
[ ١ / ٥١٣ ]
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمصْرِيّ١، أبنا اللَّيْثُ٢، عَنْ زِيَادَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيِّ٣، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ٤، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ٥، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٦ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا أَوِ اشْتَكَى أَخٌ لَهُ فَلْيَقُلْ: رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ. فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، وَاغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا ٧ وَخَطَايَانَا أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ شِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ، وَرَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ، فَيَبْرَأَ" ٨.
_________________
(١) ١ سعيد بن أبي مَرْيَم، تقدم ص"٢٨٦". ٢ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "أخبرنَا اللَّيْث" قلت: و"أنبا" و"أخبرنَا" بِمَعْنى وَاحِد كَمَا أَشَرنَا ص"١٣٧" وَانْظُر تَرْجَمَة اللَّيْث ص"٢٠٦". ٣، ٤، ٥ انْظُر ترجمتهم فِي التَّعْلِيق على إِسْنَاد الحَدِيث قبله. ٦ عبارَة "﵁" لَيست فِي ط، س، ش، وَانْظُر تَرْجَمَة أبي الدَّرْدَاء ص"٥١٣". ٧ الْحُوب المُرَاد بِهِ هُنَا الْإِثْم قَالَ ابْن الْأَثِير فِي مَادَّة "حوب": "وَمِنْه الحَدِيث "اغْفِر لنا حوبنا" أَي إثمنا، وتفتح الْحَاء وتضم، وَقيل: الْفَتْح لُغَة الْحجاز وَالضَّم لُغَة تَمِيم" انْظُر: النِّهَايَة فِي غَرِيب الحَدِيث والأثر لِابْنِ الْأَثِير تَحْقِيق طَاهِر الزاوي ومحمود الطناحي ١/ ٤٥٥. ٨ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، إعداد وَتَعْلِيق عزت الدعاس عَادل السَّيِّد، كتاب الطِّبّ، بَاب كَيفَ الرقى، حَدِيث ٣٨٩٢ ٤/ ٢١٨ من طَرِيق يزِيد بن خَالِد بن موهب الرَّمْلِيّ، حَدثنَا اللَّيْث بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ: "من اشْتَكَى مِنْكُم شَيْئا أَو اشتكاه أَخ لَهُ فَلْيقل: رَبنَا الَّذِي فِي السَّمَاء تقدم اسْمك-" ثمَّ ذكره بِلَفْظِهِ- إِلَّا أَن آخِره: "أنزل رَحْمَة من رحمتك وشفاء من شفائك على هَذَا الوجع فَيبرأ". قَالَ الْخطابِيّ فِي معالم السّنَن على مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد ٥/ ٣٦٦: "فِي إِسْنَاده زِيَادَة بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ، قَالَ أَبُو الحاتم الرَّازِيّ، هُوَ مُنكر الحَدِيث، =
[ ١ / ٥١٤ ]
أَفَلَا تَرَى أَيُّهَا الْمُعَارِضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ حَدَّهُ فِي السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ بِقَوْلِهِ: "رَبُّنَا الَّذِي فِي السَّمَاء" ١ وَكَذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٢.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ٣، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ٤، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ٥، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ٦، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
_________________
(١) = وَقَالَ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ ابْن حبَان: مُنكر الحَدِيث جدًّا يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير فَاسْتحقَّ التّرْك"، انْظُر: الضُّعَفَاء الصَّغِير للْبُخَارِيّ ص"٤٨" وَمَعَهُ الضُّعَفَاء والمتروكين للنسائي ص"٤٤"، وَانْظُر أَيْضا: ميزَان الِاعْتِدَال للذهبي ٢/ ٨٩، وَقَالَ: قد انْفَرد بِحَدِيث الرّقية -"رَبنَا الَّذِي فِي السَّمَاء"- بِالْإِسْنَادِ، وَانْظُر: تَهْذِيب التَّهْذِيب ٣/ ٣٩٢. وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٦/ ٢١ من طَرِيق آخر عَن أبي بكر بن أبي مَرْيَم، عَن الْأَشْيَاخ، عَن فضَالة بن عبيد الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا بِلَفْظ مقارب مَعَ زِيَادَة فِي آخِره. قلت: وَهِي ضَعِيفَة بِسَبَب رِوَايَة أبي بكر بن أبي مَرْيَم عَن مَجَاهِيل، وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ ص"١٢" من طَرِيق اللَّيْثُ عَنْ زِيَادَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ بِسَنَد الدَّارمِيّ وَقَالَ: أخرجه أَبُو دَاوُد، وَزِيَادَة فِيهِ لين. ١ كَذَا فِي الأَصْل وَهُوَ الْمُوَافق لما فِي سنَن أبي دَاوُد، وَفِي ط، س، ش "رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ" وَهُوَ الْمُوَافق لما عِنْد أَحْمد، انْظُر: الْجُزْء ٦/ ٢١. ٢ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، تقدم ص"٢٧٧" وَانْظُر مَا أثر عَنهُ بِإِسْنَادِهِ بعده. ٣ تقدم ص"١٥٤". ٤ وَكِيع بن الْجراح، تقدم ص"١٥٠". ٥ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ، تقدم ص"١٨٢". ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٧٢: "إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن المُهَاجر المَخْزُومِي مَوْلَاهُم، الدِّمَشْقِي، أَبُو عبد الحميد، ثِقَة من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَله ٧٠ سنة، خَ م د س ق. وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ١٢٦ أَن =
[ ١ / ٥١٥ ]
غَنْمٍ١ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٢: "وَيْلٌ لِدَيَّانِ الْأَرْضِ مِنْ دَيَّانِ السَّمَاءِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ"٣.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ٤، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ٥، حَدَّثَنِي عقيل٦، عَن ابْن
_________________
(١) ١ عبد الرَّحْمَن بن غنم بِفَتْح الْمُعْجَمَة، وَسُكُون النُّون، الْأَشْعَرِيّ مُخْتَلف فِي صحبته، وَذكره الْعجلِيّ فِي كبار ثِقَات التَّابِعين، مَاتَ سنة ٧٨/ خت وَالْأَرْبَعَة، انْظُر: التَّقْرِيب لِابْنِ حجر ١/ ٤٩٤، وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٢/ ٤١٦-٤١٧، وَأسد الغابة ٣/ ٣١٨-٣١٩ وَتَجْرِيد أَسمَاء الصَّحَابَة للذهبي ١/ ٣٨١، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٢/ ٤١٠. ٢ عبارَة "﵁" لَيست فِي ط، س، ش، وَعمر تقدم ص"٢٧٧". ٣ ذكره الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ ص"٤٥" نقلا عَن سمويه فِي فَوَائِد من طَرِيق أبي مسْهر، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِسَنَد الدَّارمِيّ بِلَفْظِهِ وَزِيَادَة فِي آخِره، وَقَالَ: رَوَاهُ بِنَحْوِهِ عقبَة بن عَلْقَمَة الْبَيْرُوتِي عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز عَالم أهل دمشق فِي عصر مَالك وَاللَّيْث والحمادين. وَقَالَ الألباني فِي مُخْتَصر الْعُلُوّ ص"١٠٣": "رَوَاهُ المُصَنّف بِإِسْنَادِهِ عَنهُ -أَي عَن سمويه فِي فَوَائده- وَأخرجه الدَّارمِيّ ص"١٠٤" مُخْتَصرا وإسنادهما صَحِيح، وَرِجَاله ثِقَات، إِن كَانَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ حَدِيث بِهِ قبل اخْتِلَاطه، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح عِنْدِي؛ لِأَن الرَّاوِي لَهُ عَنهُ أَبُو مسْهر، مَعَ أَنه هُوَ الَّذِي أخبرنَا باختلاطه. فغالب الظَّن أَنه لَا يروي عَنهُ فِي حَالَته هَذِه لَا سِيمَا وَهُوَ مُعظم لَهُ جدًّا". ٤ عبد الله بن صَالح، تقدم ص"١٧١". ٥ اللَّيْث بن سعد، تقدم ص"٢٠٦". ٦ عُقيل بِالضَّمِّ ابْن خَالِد بن عقيل بِالْفَتْح، الْأَيْلِي، بِفَتْح الْهمزَة بعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنة ثمَّ لَام، أَبُو خَالِد الْأمَوِي مَوْلَاهُم، ثِقَة ثَبت، سكن الْمَدِينَة ثمَّ الشَّام ثمَّ مصر، من السَّادِسَة، مَاتَ سنة ٤٤ على الصَّحِيح، ع. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٩، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف أَنه روى عَنهُ الذهري وَعنهُ اللَّيْث وضمام بن إِسْمَاعِيل وَخلق.
[ ١ / ٥١٦ ]
شِهَابٍ١، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ٢ أَنَّ كَعْبًا٣ قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٤: "وَيْلٌ لسطان الْأَرْضِ مِنْ سُلْطَانِ السَّمَاءِ" قَالَ عُمَرُ: "إِلَّا مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ"، قَالَ كَعْبٌ: "إِلَّا مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ". فَكَبَّرَ عُمَرُ وَخَرَّ سَاجِدًا٥.
فَفِي هَذَا بَيَانٌ بَيِّنٌ لِلْحَدِّ وَأَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ دُونَ الأَرْض؛ لِأَن هُنَاكَ عَلَى الْعَرْشِ دُونَ مَا سواهُ من الْأَمْكِنَة٦.
_________________
(١) ١ ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ، تقدم ص"١٧٥". ٢ سَالم بن عبد الله، تقدم ص"٣٢٦". ٣ هُوَ كَعْب الْأَحْبَار كَمَا صرح الدَّارمِيّ فِي كِتَابه الرَّد على الْجَهْمِية، حَيْثُ ذكر هَذَا الْأَثر بِهَذَا السَّنَد انْظُر ص"٢٩" طبعة الْمكتب الإسلامي، وَتَقَدَّمت تَرْجَمته ص"٢٦٥". ٤ عمر ﵁، تقدّمت تَرْجَمته ص"٢٧٧". ٥ فِي ط، س، ش "ثمَّ خر سَاجِدا". تجريجه: أخرجه الدَّارمِيّ أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش ص"٢٩" بِهَذَا السَّنَد وبلفظه. وَذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ ص"٤٤" من طَرِيق عقيل، عَن الزُّهْرِيّ بِهَذَا السَّنَد وبلفظه وَسكت عَنهُ. ٦ الْعبارَة فِي ط، س، ش كَمَا يَلِي "فَفِي هَذَا بَيَان بَين الْحَد، وَأَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ دُونَ الأَرْض؛ لِأَن الله ديان السَّمَوَات وَالْأَرْض جَمِيعًا وسلطانهما، وَلكنه حد مَكَانَهُ فِي السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ عَلَى الْعَرْشِ دُونَ مَا سواهُ من الْأَمْكِنَة" وَفِي س "دون مَا سواهَا".
[ ١ / ٥١٧ ]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ وَجُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَوَاتِهِ فَوْقَ أَرْضِهِ مِثْلُ الْقُبَّةِ، وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ" ١.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ٢، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ٣، عَنْ أَبِيهِ٤، عَنْ نَافِعٍ٥، عَنِ ابْنِ عُمَرَ٦ ﵄ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) ١ فِي ط، ش ورد بِلَفْظ: "إِن الله فَوق عَرْشه، وعرشه فَوْقَ سَمَوَاتِهِ فَوْقَ أَرْضِهِ مِثْلُ الْقُبَّةِ، وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرحل بالراكب" وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث سندًا ومتنًا ص"٤٦٩-٤٧٠" انْظُر تَخْرِيجه وترجمة رُوَاته هُنَاكَ. ٢ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ تقدم ص"١٥٤"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٢/ ٧٣٣ أَنه روى عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل بن غَزوَان. ٣ فِي ط، س، ش "مُحَمَّد بن الْفضل" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، وَهُوَ مُحَمَّد بن فُضَيْل بن غَزوَان، بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الزَّاي، الضَّبِّيّ مَوْلَاهُم، أَبُو عبد الرَّحْمَن الْكُوفِي، صَدُوق عَارِف، رمي بالتشيع، من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين، ع انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٠٠-٢٠١، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ٣/ ١٢٥٩ أَنه روى عَن أَبِيه فُضَيْل بن غَزوَان وَعنهُ أَبُو بكر عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١١٣: فُضَيْل بن غَزوَان بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الزَّاي، ابْن جرير الضَّبِّيّ مَوْلَاهُم، أَبُو الْفضل الْكُوفِي، ثِقَة من كبار السَّابِعَة، مَاتَ بعد سنة أَرْبَعِينَ، ع، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٨/ ٢٩٧ أَنه روى عَن نَافِع مولى ابْن عمر وَعنهُ ابْنه مُحَمَّد. ٥ نَافِع ابْن عمر، تقدم ص"٣٢٨". ٦ ابْن عمر ﵁، تقدم ص"٢٤٥".
[ ١ / ٥١٨ ]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ١: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ إِلَهَكُمُ الَّذِي تَعْبُدُونَ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَإِنْ كَانَ إِلَهُكُمُ اللَّهَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، فَإِنَّ إِلَهَكُمْ لَمْ يَمُتْ". ثُمَّ تَلَا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ٢ حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ ٣.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٤ قَالَ: "مَا بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا مسيرَة خَمْسمِائَة عَام، وَبَين كل سمائين٥ مسيرَة خَمْسمِائَة عَام، وَبَين السَّمَاء
_________________
(١) ١ أَبُو بكر، تقدّمت تَرْجَمته ص”٢٦٩". ٢ الْآيَة من سُورَة آل عمرَان، رقم ١٤٤. ٣ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه فتح الْبَارِي، كتاب الْمَغَازِي، بَاب مرض النَّبِيِّ ﷺ ووفاته، حَدِيث ٤٤٥٤، ٨/ ١٤٥ من طَرِيق آخر عَن عبد الله بن عَبَّاس أَن أَبَا بكر خرج وَعمر يكلم النَّاس فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عمر، فَأبى عمر أَن يجلس، فَأقبل النَّاس إِلَيْهِ وَتركُوا عمر، فَقَالَ أَبُو بكر: أما بعد، من كَانَ مِنْكُم يعبد مُحَمَّدًا ﷺ فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ، وَمن كَانَ مِنْكُم يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت، قَالَ الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ -إِلَى قَوْله:- الشَّاكِرِينَ﴾ الحَدِيث. وَأخرجه ابْن مَاجَه بِنَحْوِ لفظ البُخَارِيّ، انْظُر: سنَن ابْن مَاجَه تَحْقِيق وترتيب مُحَمَّد فؤاد، كتاب الْجَنَائِز، بَاب ذكر وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيث ١٦٢٧، ١/ ٥٢٠ عَن عَائِشَة. وَأخرجه الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند بهامشه الْمُنْتَخب ٦/ ٢١٩-٢٢٠ من طَرِيق يزِيد بن بَابا نوس عَن عَائِشَة مطولا. ٤ عبارَة "﵁" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ فِي ط، س، ش "وَبَين كل سَمَاء إِلَى سَمَاء".
[ ١ / ٥١٩ ]
السَّابِعَة وَبَين الْكُرْسِيّ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ إِلَى الْمَاءِ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَالْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ"١.
حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ٢، ثَنَا زُهَيْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ٣- ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ٤، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ٥ بْنِ أَبِي مَلِيكَةَ أَنه حَدثهُ.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَيعلم مَا أَنْتُم عَلَيْهِ" وَقد سبق هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ ص"٤٢٢-٤٢٣" انْظُر تَخْرِيجه وترجمة رِجَاله هُنَاكَ. ٢ هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد، بن عَليّ بن نفَيْل، بنُون وَفَاء، مُصَغرًا، أَبُو جَعْفَر النُّفَيْلِي الْحَرَّانِي، ثِقَة حَافظ، من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٣٤/ خَ وَالْأَرْبَعَة انْظُر: الْحَرَّانِي، ثِقَة حَافظ، من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٣٤/ خَ والأبعة انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٤٤٨، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٢/ ١٢٧ أَنه روى عَن زُهَيْر "وَهُوَ ابْن مُعَاوِيَة". ٣ زُهَيْر بن مُعَاوِيَة بن خديج، أَبُو خَيْثَمَة الْجعْفِيّ، الْكُوفِي، نزيل الجزيرة، ثِقَة ثَبت، إِلَّا أَن سَمَّاعَة عَن أبي إِسْحَاق بِآخِرهِ، من السَّابِعَة، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، أَو ثَلَاث، أَو أَربع وَسبعين، وَكَانَ مولده سنة مائَة/ ع. انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٢٦٥، والكاشف١/ ٣٢٨. ٤ فِي ط، ش "ابْن خَيْثَم" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل، قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٣٢: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خثيم، بِالْمُعْجَمَةِ والمثلثة، مُصَغرًا الْقَارِي الْمَكِّيّ، أَبُو عُثْمَان، صَدُوق من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة ٣٢/ خت م وَالْأَرْبَعَة، وَانْظُر الكاشف للذهبي ٢/ ١٠٨، وَالْخُلَاصَة للخزرجي ص"٢٠٦". ٥ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش، "عبد الله بن عبيد الله" بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الصَّوَاب، تقدم تَرْجَمته ص"٢٨٦"، وَانْظُر: الكاشف للذهبي ٢/ ١٠٦، وَالْخُلَاصَة للخزرجي ص"٢٠٥".
[ ١ / ٥٢٠ ]
ذَكْوَانُ١ حَاجِبُ عَائِشَةَ٢ "أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ٣ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٤ وَهِيَ تَمُوتُ، فَقَالَ لَهَا: كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ إِلَّا طَيِّبًا. وَأَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، جَاءَ بِهَا الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَأَصْبَحَ لَيْسَ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ إِلَّا وَهِي تتلى فِيهِ٥ آناءالليل وَآنَاءَ النَّهَارِ"٦.
حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّاد٧، ثَنَا ابْن الْمُبَارك٨
_________________
(١) ١ ذكْوَان: أَبُو عَمْرو مولى عَائِشَة، مدنِي ثِقَة، من الثَّالِثَة، خَ م د س، انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٢٣٨ وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ٢٩٧ أَنه روى عَن مولاته عَائِشَة وَعنهُ ابْن أبي مليكَة، توفّي ليَالِي الْحرَّة. ٢ فِي ط، س، ش "عَائِشَة ﵄"، وَتَقَدَّمت ترجمتها ص"٢٥٢". ٣ ابْن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ٤ فِي ط، س، ش "﵂". ٥ لَفْظَة "فِيهِ" لَيست فِي ط، س، ش. ٦ ذكره أَبُو نعيم فِي الْحِلْية الطبعة الأولى ٢/ ٤٥ من طَرِيق آخر عَن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خثيم، عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ: اسْتَأْذن ابْن عَبَّاس على عَائِشَة فَذكره بأطول من هَذَا. وَذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ ص"٧٤" بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: أخرجه عُثْمَان الدَّارمِيّ فِي الرَّد على بشر المريسي. وَقَالَ الألباني فِي مُخْتَصر الْعُلُوّ ص"١٣٠": أخرجه عُثْمَان الدَّارمِيّ فِي الرَّد على بشر بن غياث المريسي ص"١٠٥" طبع أنصار السّنة المحمدية فِي مصر، وَأخرجه فِي الرَّد على الْجَهْمِية ص"٢٧-٢٨" طبع الْمكتب الإسلامي وَسَنَده صَحِيح على شَرط مُسلم. ٧ نعيم بن حَمَّاد، تقدم ص"٢٠٤". ٨ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣".
[ ١ / ٥٢١ ]
أبنا١ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ٢، عَنْ ثَابِتٍ البنابي٣ قَالَ: ثَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ٤ وَكَانَ يَتْبَعُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ٥ وَيَسْمَعُ مِنْهُ قَالَ: "كُنْتُ مَعَهُ، فَلَقِيَ نَوْفًا٦، فَقَالَ نَوْفٌ: ذُكِرَ لَنَا أَن الله قَالَ للْمَلَائكَة" ادعوا لي عبَادي. قَالُوا: يارب فَكَيْفَ٧ وَالسَّمَوَاتُ السَّبْعُ دُونَهُمْ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فقد اسْتَجَابُوا"٨.
_________________
(١) ١ لم تعجم فِي الأَصْل وَسبق وَأَن رجحت أَنَّهَا "أبنا" وَهِي من رموز "أخبرنَا" عِنْد الْبَيْهَقِيّ وَغَيره، انْظُر تعليقنا على ص"١٣٧" هَامِش رقم "٣"، وَفِي ط، س، ش "حَدثنَا". ٢ هُوَ سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة الْقَيْسِي، مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ، أَبُو سعيد، ثِقَة، قَالَ يحيى بن معِين، من السَّابِعَة، أخرج لَهُ البُخَارِيّ مَقْرُونا وتعليقًا، مَاتَ سنة ٦٥/ ع انْظُر: التَّقْرِيب لِابْنِ حجر ١/ ٣٣٠، وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ٤٠٠ أَنه روى عَن الْحسن وثابت، وَقَالَ شُعْبَة: هُوَ سيد أهل الْبَصْرَة. ٣ ثَابت بن أسلم، تقدم ص"٢٠١". ٤ لم يظْهر لي فِيمَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من كتب المبهمات من هُوَ هَذَا الرجل. ٥ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، تقدم ص"٢٥٦". ٦ فِي ط، ش "نَوْفًا الْبكالِي"، قلت: هُوَ نوف بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْوَاو ابْن فضَالة بِفَتْح الْفَاء والمعجمة الْبكالِي بِكَسْر الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْكَاف، ابْن امْرَأَة كَعْب، شَامي مَسْتُور، وَإِنَّمَا كذب ابْن عَبَّاس مَا رَوَاهُ عَن أهل الْكتاب، من الثَّانِيَة، مَاتَ بعد التسعين، خَ م، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٣٠٩. ٧ فِي ط، س، ش "كَيفَ ندعوهم". ٨ أخرجه الدَّارمِيّ أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش ص"٢٨" بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ مقارب جدًّا وَفِي آخِره زِيَادَة. وَذكره ابْن الْقيم فِي اجمتاع الجيوش الإسلامية، طبعة السلفية، ص"١٠٢" عَن نوف الْبكالِي مُخْتَصرا وَعَزاهُ إِلَى الدَّارمِيّ. وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ، تَصْحِيح مُرَاجعَة عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد عُثْمَان، ص"٥٢" بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ مقارب وَزِيَادَة فِي آخِره وَسكت عَنهُ.
[ ١ / ٥٢٢ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ -أَبُو سَلَمَةَ١- ثَنَا أَبُو هِلَالٍ٢، ثَنَا قَتَادَةُ٣ قَالَ: "قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: يارب، أَنْتَ فِي السَّمَاءِ، وَنَحْنُ فِي الْأَرْضِ. فَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْرِفَ رِضَاكَ وَغَضَبَكَ؟ قَالَ: إِذَا رَضِيتُ عَنْكُمُ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ خِيَارَكُمْ. وَإِذَا غَضِبْتُ عَلَيْكُمُ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ"٤.
فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَاهُ أَبُو بَكْرٍ٥ وَعُمَرُ٦ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٧ وَخِيَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعِينَ حَتَّى بَنُو إِسْرَائِيلَ٨ كُلُّهُمْ قَدْ قَالُوا بِخِلَافِ مذهبك٩ فِي أَن لله فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهَذَا بَابٌ طَوِيلٌ وَالْآثَارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ١٠ يَكْفِي الْعَاقِل من ذكرنَا من ذَلِك.
_________________
(١) ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٢ أَبُو هِلَال الرَّاسِبِي، تقدم ص"١٦٩". ٣ قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي، تقدم ص"١٨٠". ٤ أخرجه الدَّارمِيّ عُثْمَان بن سعيد فِي الرَّد على الْجَهْمِية تَحْقِيق الشاويش ص"٢٨" بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظِهِ، وَذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ ص"٧٤" من هَذَا الطَّرِيق بِلَفْظِهِ إِلَّا أَنه قَالَ: "وَإِذا غضِبت اسْتعْملت عَلَيْكُم شِرَاركُمْ" -قَالَ: هَذَا ثَابت عَن قَتَادَة أحد الْحفاظ الْكِبَار. وَقَالَ الألباني فِي اختصاره لكتاب الْعُلُوّ ص"١٣٠": "أخرجه الدَّارمِيّ فِي الْكِتَابَيْنِ الْمشَار إِلَيْهِمَا وَسَنَده حسن" يَعْنِي بذلك كتاب الرَّد على الْجَهْمِية وَالرَّدّ على بشر المريسي. ٥ أَبُو بكر الصّديق، تقدم ص"٢٦٩". ٦ عمر بن الْخطاب، تقدم ص"٢٧٧". ٧ قَوْله: "﵄" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٨ فِي الأَصْل، س "حَتَّى بني إِسْرَائِيل" وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، ش وَهُوَ الصَّوَاب؛ لِأَن حَتَّى هُنَا ابتدائية وَلَيْسَت غائية؟. ٩ فِي ط، س، ش "مذهبكم". ١٠ قَوْله "لَكِن" لَيْسَ فِي ط، ش.
[ ١ / ٥٢٣ ]
الْقَوْلُ فِي كَلَامِ اللَّهِ ١:
ثُمَّ رَأَيْنَاكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ بَعْدَمَا٢ فَرَغْتَ مِنْ إِظْهَارِ حُجَجِ الْجَهْمِيَّةِ٣ مِنْ كَلَامِ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِ، تَقَلَّدْتَ كَلَامَ ابْنِ الثَّلْجِيِّ الَّذِي كَانَ يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ التَّجَهُّمِ بَعْدَمَا لَمْ تَدَعْ لِلْجَهْمِيَّةِ مِنْ كَبِيرِ حُجَّةٍ إِلَّا قُمْتَ بِهَا، وَأَظْهَرْتَهَا، وَزَيَّنْتَهَا فِي أَعْيُنِ الْجُهَّالِ وَدَعَوْتَهُمْ إِلَيْهَا، وَبَعْدَمَا صَرَّحْتَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِكَ هَذَا، وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَهُوَ عِنْدَكَ كَافِرٌ، وَأَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِزَعْمِكَ.
ثُمَّ أَنْشَأْتَ طَاعِنًا عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَسَطَّرْتَ فِيهِ الْأَسَاطِيرَ، وَأَكْثَرْتَ مِنَ الْمَنَاكِيرِ، وغلظت فِي كَثِيرٍ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ قَوْلَ النَّاسِ فِي الْقُرْآنِ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ غير مَخْلُوقٍ٤ بِدْعَةٌ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُخَاضُ فِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ٥ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْخَوْضَ فِي الْقُرْآنِ، فَحَكَمْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ عَلَى نَفْسِكَ بِالْبِدْعَةِ، وَشَهِدْتَ بِهَا على
_________________
(١) ١ العنوان من ط، ش. ٢ فِي ط، ش "من بَعْدَمَا". ٣ الْجَهْمِية، تقدم الْكَلَام عَنْهُم ص”١٣٨". ٤ فِي ط، ش "وَغير مَخْلُوق". ٥ فِي ط، س، ش "وَأَنَّهُمْ".
[ ١ / ٥٢٤ ]
نَفْسِكَ لَمَّا١ أَنَّكَ صَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ قَوْلُكَ: كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ أَفَاعِيلِهِ. وَالْأَفَاعِيلُ بِزَعْمِكَ زَائِلَةٌ عَنْهُ مَخْلُوقَةٌ٢ فحكمت على نَفسك بِمَا تخولت عَلَى غَيْرِكَ.
فَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْخَوْضَ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ صَدَقْتَ. وَأَنْتَ، الْمُخَالِفُ لَهُمْ لَمَّا أَنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِيهِ الْخَوْضَ، وَجَمَعْتَ عَلَى نَفْسِكَ كثير مِنَ النَّقْضِ. فَمِثْلُكَ فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ كَرَاهِيَةِ الْخَوْضِ فِيهِ كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٣ لِلْخَوَارِجِ٤ حِينَ قَالُوا:
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "كَمَا". ٢ فِي ط، س، ش "ومخلوقة". ٣ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٩: عَليّ بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب بن هَاشم الْهَاشِمِي ابْن عَم رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزوج ابْنَته، من السَّابِقين الْأَوَّلين، الْمُرَجح أَنه أول من أسلم، وَهُوَ أحد الْعشْرَة، مَاتَ فِي رَمَضَان سنة ٤٠، وَهُوَ يؤمئذ أفضل الْأَحْيَاء من بني آدم بِالْأَرْضِ، بِإِجْمَاع أهل السّنة، وَله ٦٣ سنة على الْأَرْجَح، ع. وَانْظُر: الِاسْتِيعَاب ذيل الْإِصَابَة ٣/ ٢٦-٦٧، وَأسد الغابة ٤/ ١٦-٤٠، والإصابة بذيله الِاسْتِيعَاب ٢/ ٥٠١-٥٠٣، وتهذيب ٧/ ٣٣٤-٣٣٩. ٤ الْخَوَارِج هم الَّذين خَرجُوا على عَليّ ﵁ مِمَّن كَانَ مَعَه فِي حَرْب صفّين، وكبار الْفرق مِنْهُم: المحكمة، والأزارقة، والنجدات والبهيسية، والعجاردة، والثعالبة، والإباضية، والصفرية، وَالْبَاقُونَ فروعهم. ويجمعهم القَوْل بالتبري من عُثْمَان وَعلي ﵄، ويكفرون أَصْحَاب الْكَبَائِر، ويرون الْخُرُوج على الإِمَام إِذا خَالف السّنة حقًّا وَاجِبا، إِلَى غير ذَلِك. بِتَصَرُّف من الْملَل والنحل للشهرستانتي ١/ ١١٤، وَانْظُر: الْفرق بَين الْفرق للبغدادي ص"٥٤-٩٢"، وَالْفرق الإسلامية للكرمانية تَحْقِيق سليمَة عبد رب الرَّسُول ص"٦٢-٨١"، واعتقادات فرق الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين لفخر الدَّين الرَّازِيّ ص"٤٦-٥١".
[ ١ / ٥٢٥ ]
"لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ" فَقَالَ: "كَلِمَةُ حَقٍّ يُبْتَغَى بِهَا بَاطِلٌ"١ فَقَدْ خُضْتَ فِيهَا أَيُّهَا الْمُعَارِضُ بِأَقْبَحِ خَوْضٍ٢ وَضَرَبْتَ لَهُ أَمْثَالَ السُّوءِ، وَصَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ، كَمَا قَالَ إِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ: مَجْعُولٌ٣ وَكُلُّ مَجْعُولٍ٤ عِنْدَكَ مَخْلُوقٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَيْحَكَ! إِنَّمَا كَرِهَ السَّلَفُ الْخَوْضَ فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يَتَأَوَّلَ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَأَغْمَارُ٥ الْجُهَّالِ مَا تَأَوَّلْتَ فِيهِ أَنْتَ وَإِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ، فَحِينَ تَأَوَّلْتُمْ فِيهِ خِلَافَ مَا أَرَادَ اللَّهُ، وَعَطَّلْتُمْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عِنْدَهُ بَيَانٌ أَنْ يَنْقُضَ عَلَيْكُمْ دَعْوَاكُمْ فِيهِ وَلَمْ يَكْرَهِ السَّلَفُ الْخَوْضَ فِي الْقُرْآنِ جَهَالَةً بِأَنَّ كَلَامَ الْخَالِقِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا جَهَالَةً أَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، حَتَّى لَوْ قَدِ ادَّعَى مُدَّعٍ فِي زَمَانِهِمْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَا كَانَ سَبيله
_________________
(١) ١ ذكر ابْن خلدون أَن الَّذِي قَالَ: "لَا حكم إِلَّا لله" هما زرْعَة بن البرح الطَّائِي وحرقوص بن زُهَيْر السَّعْدِيّ من الْخَوَارِج، وَذَلِكَ لما امْتنع عَليّ عَن موافقتهما على نقض الْعَهْد، فَقَالَ زرْعَة: لَئِن لم تدع تحكيم الرِّجَال لأقاتلنك أطلب وَجه الله فَقَالَ عَليّ: بؤسًا لَك، كَأَنِّي بك قَتِيلا تسفى عَلَيْك الرِّيَاح قَالَ: لَوَدِدْت لَو كَانَ ذَلِك، وخرجا من عِنْده يناديان: لَا حكم إِلَّا لله. وخطب عَليّ يَوْمًا كَامِلا فَتَنَادَوْا من جَوَانِب الْمَسْجِد بِهَذِهِ الْكَلِمَة، فَقَالَ على: "الله أكبر، كلمة حق أُرِيد بهَا بَاطِل" انْتهى بِتَصَرُّف، انْظُر: تَارِيخ ابْن خلدون المجلد الثَّانِي، الْقسم الْخَامِس ص"١١١٨"، وَانْظُر: تَارِيخ الْأُمَم والملوك، لأبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ ٦/ ٤٠-٤١. ٢ فِي ط، س، ش "الْخَوْض". ٣ فِي ط، ش "أَنه مجعول". ٤ فِي ط، س، ش "وكل مفعول". ٥ الأغمار، تقدم مَعْنَاهَا ص"١٤٧".
[ ١ / ٥٢٦ ]
عِنْدَهُمْ إِلَّا الْقَتْلَ، كَمَا هَمَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ١ ﵁ بِصُبَيْغٍ٢ أَنْ يَقْتُلَهُ، إِذْ تَعَمَّقَ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْقُرْآنِ، فِيمَا كَانَ أَيْسَرَ مِنْ كَلَامِكُمْ هَذَا، فَلَمَّا لَمْ يَجْتَرِئْ كَافِرٌ أَوْ مُتَعَوِّذٌ بِالْإِسْلَامِ أَنْ يُظْهِرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي عَصْرِهِمْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ٣ أَنْ يَتَكَلَّفُوا لِنَقْضِ٤ كُفْرٍ لَمْ يحدث بَين أظهرهم فَيكون سَبَبًا لِإِظْهَارِهِ وَإِنَّمَا٥ كَانَتْ هَذِهِ كَلِمَةَ كُفْرٍ تَكَلَّمَ بِهَا بَدْءًا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، مِنْهُمُ الْوَحِيدُ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ٦ فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَر﴾ ٧
_________________
(١) ١ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، تقدم ص"٢٧٧". ٢ فِي الأَصْل "ضبيع" بالضاد الْمُعْجَمَة وَآخره عين مُهْملَة وَلَعَلَّه خطأ من النَّاسِخ، وَفِي ط، س، ش "صبيغ" بالصَّاد الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة وَهُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ صبيغ بن عسل الْحَنْظَلِي التَّيْمِيّ، ورد أَنه كَانَ يسْأَل عَن الْمُتَشَابه فِي الْقُرْآن وَيكثر السُّؤَال فَضَربهُ عمر ﵁ وَكتب إِلَى أبي مُوسَى أَن ينْهَى النَّاس عَن مُجَالَسَته، فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى أَتَى أَبَا مُوسَى فَحلف لَهُ بالأيمان الْمُغَلَّظَة مَا يجد فِي نَفسه مِمَّا كَانَ شَيْئا فَكتب بذلك إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَكتب إِلَيْهِ: مَا أخاله إِلَّا قد صدق فَخَل بَينه وَبَين مجالسة النَّاس، انْظُر: الشَّرِيعَة للآجري، تَحْقِيق حَامِد الفقي، ص"٧٣-٧٤" وَانْظُر تَارِيخ عمر بن الْخطاب، لِابْنِ الْجَوْزِيّ تَقْدِيم وَتَعْلِيق د. أُسَامَة الرِّفَاعِي، ص"١٤٦-١٤٨" والطرق الْحكمِيَّة فِي السياسة الشَّرْعِيَّة، لِابْنِ الْقيم، تَحْقِيق د. مُحَمَّد جميل غَازِي ص"٢٤". ٣ لفظ "عَلَيْهِم" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، س، ش "النَّقْض لكفر" وَلكُل مِنْهُمَا يحْتَملهُ السِّيَاق. ٥ فِي ط، س، ش "إِنَّمَا" بِدُونِ وَاو. ٦ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي، تقدم ص"٤٨٧". ٧ الْآيَة ٢٥ من سُورَة المدثر، قلت: وَيُؤَيّد مَا ذهب إِلَيْهِ الدَّارمِيّ من أَن الوحيد =
[ ١ / ٥٢٧ ]
وَمِنْهُمُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ١ فَقَالَ٢: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ ٣ كَمَا قَالَ جَهْمٌ٤ وَالْمَرِيسِيُّ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْبَشَرِ مَخْلُوقٌ لَا شكّ فِيهِ
_________________
(١) = قَائِل هَذَا القَوْل هُوَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة مَا ذكره ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره بأسانيد إِلَى ابْن عَبَّاس وَمُجاهد، وَقَتَادَة وَابْن زيد وَالضَّحَّاك أَن المُرَاد بالوحيد هُوَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَعَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ عَن الْقُرْآن: هَذ سحر يأثره عَن غَيره فَنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قَالَ قَتَادَة: "خرج من بطن أمه وحيدًا فَنزلت هَذِه الْآيَة حَتَّى بلغ تِسْعَة عشر" انْظُر: تَفْسِير الطَّبَرِيّ بهامشه تَفْسِير غرائب الْقُرْآن، الطبعة الثَّالِثَة ٢٩/ ٩٦-٩٨ بِتَصَرُّف. ١ النَّضر بن الْحَارِث بن عَلْقَمَة بن كلدة بن علدة بن عبد منَاف، من بني عبد الدَّار، من قُرَيْش، صَاحب لِوَاء الْمُشْركين ببدر، كَانَ من شجعان قُرَيْش ووجوهها، وَمن شياطينها، لَهُ اطلَاع على كتب الْفرس، آذَى النَّبِيِّ ﷺ كثيرا وَهُوَ ابْن خَالَته، أسر ببدر وَذكر ابْن الْأَثِير أَن الَّذِي أسره الْمِقْدَاد وَأَن عليًّا قَتله صبرا بالأثيل قرب الْمَدِينَة، انْظُر: الْكَامِل لِابْنِ الْأَثِير، طبعة بيروت ٢/ ٧٣، والأعلام للزركلي ٨/ ٣٥٧. ٢ فِي ط، ش "قَالَ" وَفِي س "قَالُوا". ٣ فِي ط، س، ش زِيَادَة ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ وَالْآيَة من سُورَة الْأَنْفَال آيَة "٣١"، وَفِي سَبَب نُزُولهَا ذكر ابْن جرير الطَّبَرِيّ بأسانيد إِلَى ابْن جريج وَالسُّديّ وَسعد بن جُبَير أَنَّهَا نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث، من ذَلِك مَا رواهن بقوله: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ: ثَنَا شُعْبَة، عَن أبي بشر، عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: قتل النَّبِيِّ ﷺ يَوْم بدر صبرا عقبَة بن أبي معيط وَطعيمَة بن عدي وَالنضْر بن الْحَارِث، وَكَانَ الْمِقْدَاد أسر النَّضر فَلَمَّا أَمر بقتْله قَالَ الْمِقْدَاد: يَا رَسُول الله أسيري فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عيله وَسلم: "إِنَّه كَانَ يَقُول فِي كتاب الله مَا يَقُول" فَأمر النَّبِيِّ ﷺ بقتْله، فَقَالَ الْمِقْدَاد: أسيري فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ أغن الْمِقْدَاد من فضلك" فَقَالَ الْمِقْدَاد: هَذَا الَّذِي أردْت، وَفِيه أنزلنت هَذِه الْآيَة ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ الْآيَة انْظُر تَفْسِير الطَّبَرِيّ بهامشه تَفْسِير غرائب الْقُرْآن الطبعة الثَّالِثَة ٩/ ١٥٢. ٤ جهم، تقدم ص"١٤٧".
[ ١ / ٥٢٨ ]
وَكَذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ١ كَمَا قَالَ جَهْمٌ٢ وَالْمَرِيسِيُّ سَوَاءً٣ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى: إِنْ هَذَا إِلَّا مَخْلُوقٌ، فَأنْكر عَلَيْهِمْ٤ قَوْلَهُمْ: فَقَالَ لِلْوَحِيدِ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ٥ لَمَّا قَالَ٦: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٧ وَقَالَ لِلَّذِي قَالَ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٨: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٩ وَلنْ يَفْعَلُوا١٠.
_________________
(١) ١ الْآيَة من سُورَة الْأَنْفَال رقم "٣١" وَمثله من حَكَاهُ الله تَعَالَى عَن مُشْركي الْعَرَب، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ، لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ النَّحْل ٢٤-٢٥، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الْفرْقَان "٥-٦"، وَمثل مَا حكى الله تَعَالَى عَن الْكَافِر الجاحد، حَيْثُ قَالَ: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الْقَلَم "١٥". ٢ جهم، تقدم ص"١٤٧". ٣ فِي الأَصْل "سَوَاء" وَبِمَا أَثْبَتْنَاهُ جَاءَ فِي ط، س، ش وَهُوَ الصَّوَاب إملائيًّا. ٤ فِي ط، ش "فَأنْكر عَلَيْهِم". ٥ سُورَة المدثر آيَة ٢٦. ٦ قَوْله: "لما قَالَ" لَيْسَ فِي الأَصْل، وأثبته من بَقِيَّة النّسخ. ٧ سُورَة المدثر، آيَة ٢٥. ٨ سُورَة الْأَنْفَال آيَة ٣١. ٩ سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٢٣. ١٠ فِي ط، س، ش ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ وهوأول الْآيَة رقم "٢٤" من سُورَة الْبَقَرَة.
[ ١ / ٥٢٩ ]
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ هَذَا الْكُفْرُ بَعْدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ دَارِسًا طَامِسًا١، لَمَّا قَدْ طَمَسَهُ اللَّهُ بِتَنْزِيلِهِ، حَتَّى مَضَى النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ٢ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ٣ بِالْبَصْرَةِ٤، وَجَهْمٌ٥ بِخُرَاسَانَ٦ فَقَتَلَهُمَا اللَّهُ بِشَرِّ قِتْلَةٍ، وَفَطِنَ النَّاسُ لِكُفْرِهِمَا، حَتَّى كَانَ سَبِيل من أظهر
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "ثُمَّ لَمْ يَزَلْ هَذَا الْكُفْرُ دارسًا طامسًا بعد كفار قُرَيْش" قلت: والدارس والطامس متقاربان لفظا وَمعنى وَالْمعْنَى أَنه عَفا وانمحى، قَالَ والفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ٢/ ٢١٥ مَادَّة "درس": "درس الرَّسْم دروسًا عَفا" وَقَالَ فِي الْجُزْء نَفسه ص"٢٢٧" مَادَّة "الطُّموس": "الطموس: الدُّرُوس والامحاء يطمس، ويطمس وطمسته طمسًا محوته، وَالشَّيْء استأصلت أَثَره". ٢ فِي ط، س، ش "فِي آخر الزَّمَان فِي الْإِسْلَام". ٣ قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ١/ ٣٩٩: الْجَعْد بن دِرْهَم عداده فِي التَّابِعين مُبْتَدع ضال. زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى فَقتل على ذَلِك بالعراق يَوْم النَّحْر، والقصة مَشْهُورَة، وَانْظُر: لِسَان الْمِيزَان ٢/ ١٠٥ والأعلام للزركلي طبعة بيروت ٢/ ١٢٠. ٤ الْبَصْرَة هِيَ الْمَدِينَة الْمَعْرُوفَة من أَعمال الْعرَاق، وَتَقَع فِي الْجنُوب مِنْهُ أنشئت فِي عهد عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وينسب إِلَيْهَا عدد من الْعلمَاء الأجلاء مِنْهُم أَبُو الْحسن الْبَصْرِيّ انْظُر: مُعْجم الْبلدَانِ للحموي ١/ ٤٣٠-٤٤٢ وآثار الْبِلَاد وأخبار الْعباد للقزويني ص"١٤٧". ٥ جهم بن صَفْوَان، تقدم ص"٣٠٩-٣١٣". ٦ خُرَاسَان أَو بِلَاد الشَّمْس المشرقة مركبة من "خور" بِمَعْنى الشَّمْس و"آسان" بِمَعْنى مشرقة، وَيذكر ياقوت الْحَمَوِيّ أَن أول حدودهما مِمَّا يَلِي الْعرَاق وَآخر حدودهما مِمَّا يَلِي الْهِنْد وتشمل على أُمَّهَات من الْبِلَاد مِنْهَا نيسابور وهراة ومرو وطالقان وأبيورد وسرخس وَمَا يَتَخَلَّل من ذَلِك من المدن الَّتِي دون نهر جيجون. "هراة وبلخ" ومقاطعة تركمانيستان السوفياتية "مرو": "انْظُر: مُعْجم الْبلدَانِ للحموي ٢/ ٣٥٠-٣٥٤، ودائرة معارف الْقرن الْعشْرين لمُحَمد فريد وجدي ٣/ ٦٩٠، والمنجد فِي الْأَعْلَام ص"٢٦٧".
[ ١ / ٥٣٠ ]
ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ الْقَتْلَ صَبْرًا١، حَتَّى كَانُوا يُسَمُّونَهُمْ بِذَلِكَ الزَّنَادِقَةَ٢
_________________
(١) ١ أَي يحبس حَتَّى يَمُوت، قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٢/ ٦٦ مَادَّة "صبره": "صبره عَنهُ يصبره حَبسه، وصبر الْإِنْسَان وَغَيره على الْقَتْل أَن يحبس ويرمى حَتَّى يَمُوت، وَقد قَتله صبرا وَصَبره عَلَيْهِ وَرجل صبورة مصبور للْقَتْل". ٢ وَهَذَا من جملَة مَا أطلقهُ عُلَمَاء السّلف على الْجَهْمِية والمعتزلة الَّذين يَقُولُونَ بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق. قلت: وبالرجوع إِلَى المعاجم اللُّغَوِيَّة نجد أَن الزَّنَادِقَة جمع زنديق والمصدر مِنْهُ "زندقة" قَالَ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح: "الزنديق من الثنوية وَهُوَ مُعرب وَالْجمع بِبَقَاء الدَّهْر. فَارسي مُعرب وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ "زند كراي" يَقُول بدوام بَقَاء الدَّهْر زندق وزندقي‘ إِذا كَانَ شَدِيد الْبُخْل، فَإِذا أَرَادَت الْعَرَب معنى مَا تَقوله الْعَامَّة قَالُوا: ملحد ودهري". ويحدد المَسْعُودِيّ ظُهُور هَذِه الْكَلِمَة بِعَهْد "ماني" وَإِلَيْهِ أضيف الزَّنَادِقَة وَذَلِكَ أَن الْفرس أَتَاهُم "زرادشت" بِكِتَاب يُسمى "البستاه" وَعمل لَهُ تَفْسِيرا أسماه "الزند" وَعمل لهَذَا التَّفْسِير شرحًا سَمَّاهُ "البازند" فَكل من عدل عَن "البستاه" إِلَى "الزند" وَشَرحه "البازند" قَالُوا عَنهُ: "زندي"؛ لِأَنَّهُ مؤل ومنحرف عَن الظَّاهِر من الْمنزل، فَلَمَّا أَن جَاءَت الْعَرَب أخذت هَذَا الْمَعْنى عَن الْفرس وَقَالُوا: زنديق، والثنوية هم الزَّنَادِقَة. وَعند التَّأَمُّل لمن أطلق عَلَيْهِم وصف "الزندقة" نجد اخْتِلَافا ظَاهرا، فَمنهمْ من يُطلقهُ على ماني ومعتنقي مذْهبه، وَمِنْهُم من يُطلقهُ على فرقة خَاصَّة قرينَة للْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَمِنْهُم من يُطلقهُ على أهل المجون والخلاعة، وَمِنْهُم من يُطلقهُ على الْجَهْمِية والمعتزلة وَمن يَقُول بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَمِنْهُم من يُطلقهُ على غَيرهم، وَقد أجمل أَحْمد أَمِين فِي كِتَابه "ضحى الْإِسْلَام" القَوْل فِي ذَلِك، فَهُوَ يرى أَن "الزندقة" لم يكن مَعْنَاهَا وَاحِدًا عِنْد النَّاس على السوَاء فمعناها فِي أذهان الْخَاصَّة وَالْعُلَمَاء غير مَعْنَاهَا فِي أذهان الْعَامَّة، ويستخلص بعد بسط القَوْل فِي توضيح ذَلِك أَن "الزندقة" على معَان أَرْبَعَة: =
[ ١ / ٥٣١ ]
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ طَامِسًا دَارِسًا حَتَّى دَرَجَ١ الْعُلَمَاءُ، وَقَلَّتِ الْفُقَهَاءُ، وَنَشَأَ نَشْءٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْيَهُودِ٢ وَالنَّصَارَى٣ مِثْلُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِ فَخَاضُوا فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَأَظْهَرُوا طَرَفًا مِنْهُ٤، وَجَانَبَهُمْ أَهْلُ الدِّينِ وَالْوَرَعِ وَشَهِدُوا عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ حَتَّى هَمَّ بِهِمْ وَبِعُقُوبَتِهِمْ قَاضِي الْقُضَاة٥
_________________
(١) = ١- التهتك والاستهتار والفجور من تبجح فِي القَوْل يصل أَحْيَانًا إِلَى مَا يمس الدَّين، وَلَكِن قَائِله لم يقلهُ عَن نظر وَإِنَّمَا قَالَه عَن خلاعة ومجون.
(٢) اتِّبَاع دين الْمَجُوس، وخاصة دين "ماني" مَعَ التظاهر بِالْإِسْلَامِ كَالَّذي اتهمَ بِهِ الأفشين وَالَّذِي اتهمَ بِهِ بشار وَحَمَّاد بن المقفع. ٣ اتِّبَاع دين الْمَجُوس وخاصة "ماني" من غير تظاهر بِالْإِسْلَامِ كَالَّذي يرويهِ الجاحظ عَن كتب الزَّنَادِقَة. ٤ ملحدون لَا دين لَهُم، كَالَّذي يحكيه المعري. قَالَ: وَلَكِن يظْهر أَن الْكَلِمَة أَكثر مَا كَانَت تطلق على من اعتنق المانوية بَاطِنا وَالْإِسْلَام ظَاهرا، ثمَّ توسعوا فِي مَعْنَاهَا فأطلقوها على الإباحي والملحد الَّذِي لَا دين لَهُ. "انْظُر: الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح بتحقيق أَحْمد عبد الغفور عطار ٤/ ١٤٨٩، وَابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ٢/ ٥١، والمسعودي فِي مروج الذَّهَب، تَحْقِيق مُحَمَّد محيى الدَّين ١/ ٢٥٠-٢٥١، وَابْن حجر فِي الْفَتْح ١٢/ ٢٧٠-٢٧١، وَأحمد أَمِين فِي ضحى الْإِسْلَام ط، الثَّانِيَة ١/ ١٤٦. ١ درج الْعلمَاء أَي انقرضوا قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ١/ ١٨٧ مَادَّة "درج": "درج دروجًا مَشى، وَالْقَوْل انقرضوا كاندرجوا". ٢ الْيَهُود، انْظُر ص"١٤٣". ٣ النَّصَارَى، انْظُر ص"١٤٤". ٤ قَوْله: "وأظهروا طرفا مِنْهُ" لَيْسَ فِي ش. ٥ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ، وَنقل ابْن حجر فِي الْفَتْح عَن أبي مُحَمَّد بن أبي جَمْرَة أَنه اشْتهر فِي بِلَاد الشرق من قديم الزَّمَان إِطْلَاق قَاضِي الْقُضَاة على كَبِير الْقُضَاة، وَقد أسلم أهل الغرب من ذَلِك فاسم كَبِير الْقُضَاة عِنْدهم قَاضِي الْجَمَاعَة. انْتهى. =
[ ١ / ٥٣٢ ]
يَوْمَئِذٍ أَبُو يُوسُفَ١، حَتَّى فَرَّ، مِنْهُ الْمَرِيسِيُّ إِمَامُكَ وَلَحِقَ بِالْبَصْرَةِ٢، بزعمك، وبروايتك عَنهُ، فَلم يزالو أَذِلَّةً مَقْمُوعِينَ، لَا يُقْبَلُ لَهُمْ قَوْلٌ وَلَا يُلْتَفَتُ لَهُمْ إِلَى رَأْيٍ، حَتَّى رَكَنُوا إِلَى بَعْضِ السَّلَاطِينِ الَّذِينَ لَمْ يُجَالِسُوا الْعُلَمَاءَ، وَلَمْ يُزَاحِمُوا الْفُقَهَاءَ فَاخْتَدَعُوهُمْ٣ بِهَذِهِ المحنة الملعونة حَتَّى
_________________
(١) = قلت: وَهُوَ الأولى فَيُقَال: رَئِيس الْقُضَاة وكبير الْقُضَاة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يَقْتَضِي التَّعْظِيم وَالتَّقْدِيس الَّذِي لَا يكون إِلَّا لله، فَإِن ملك الْأَمْلَاك وحاكم الْحُكَّام وقاضي الْقُضَاة وَمَا فِي حكمهَا لَا يَنْبَغِي أَن تطلق على الْمَخْلُوق، لما وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: "أخنع اسْم عِنْد الله -وَقَالَ سُفْيَان غير مرّة: أخنع الْأَسْمَاء عِنْد الله- رجل تسمي بِملك الْأَمْلَاك"، انْظُر صَحِيح البُخَارِيّ وَشَرحه الْفَتْح، كتاب الْأَدَب، بَاب أبْغض الْأَسْمَاء إِلَى الله ١٠/ ٥٨٨-٥٩١، وَانْظُر: كتاب التَّوْحِيد لِابْنِ عبد الْوَهَّاب وشروحه، بَاب التسمي بقاضي الْقُضَاة، وَزَاد الْمعَاد ٢/ ٣٤٠-٣٤١. ١ أَبُو يُوسُف القَاضِي تقدم ص"١٦٧". ٢ الْبَصْرَة تقدّمت ص"٥٣٠" قلت: وَمِمَّا يُؤَيّد كَرَاهِيَة أبي يُوسُف ﵀ لبشر المريسي وفروخه مَا أوردهُ الذَّهَبِيّ قَالَ: "قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا الْحسن بن عَليّ بن مهْرَان، حَدثنَا بشار بن مُوسَى الْخفاف قَالَ: جَاءَ بشر بن الْوَلِيد الْكِنْدِيّ إِلَى القَاضِي أبي يُوسُف فَقَالَ لَهُ: تنهاني عَن الْكَلَام وَبشر المريسي وَعلي الْأَحول وَفُلَان يَتَكَلَّمُونَ؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: الله فِي كل مَكَان، فَقَالَ أَبُو يُوسُف: عَليّ بهم، فَانْتَهوا إِلَيْهِم وَقد قَامَ بشر فجيء بعلي الْأَحول وبالآخر شيخ، فَقَالَ أَبُو يُوسُف -وَنظر إِلَى الشَّيْخ: لَوْلَا أَن فِيك مَوضِع أدب لأوقعتك، فَأمر بِهِ إِلَى الْحَبْس، وَضرب الْأَحول وطوف بِهِ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم الْحَافِظ: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُسلم، حَدثنَا عَليّ بن الْحسن الكراعي: قَالَ: قَالَ أَبُو يُوسُف، ناظرت أَبَا حنيفَة سِتَّة أشهر فاتفق رَأينَا على أَنَّ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِر. وَقَالَ بشار الْخفاف: سَمِعت أَبَا يُوسُف يَقُول: من قَالَ: الْقُرْآن مَخْلُوق فَفرض منابذته". انْظُر: كتاب الْعُلُوّ للذهبي، مُرَاجعَة وَتَصْحِيح عبد الرَّحْمَن عُثْمَان، ص"١١٢". ٣ فِي ط، س، ش "فاخترعوهم".
[ ١ / ٥٣٣ ]
أَكْرَهُوا النَّاسَ عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَالسِّيَاطِ، فَلَمْ تَزَلِ الْجَهْمِيَّةُ١ سَنَوَاتٍ يَرْكَبُونَ فِيهَا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِقُوَّةِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ٢ الْمُحَادِّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ حَتَّى اسْتُخْلِفَ الْمُتَوَكِّلُ٣ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ٤ فَطَمَسَ اللَّهُ بِهِ آثَارَهُمْ وَقَمَعَ بِهِ أنْصَارَهُمْ حَتَّى اسْتَقَامَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ الْأُولَى، وَالْمِنْهَاجِ الْأَوَّلِ، وَاحْتَالَ٥ رِجَالٌ مِمَّنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاعْتِقَادِ التَّجَهُّمِ حِيلَةً لِتَرْوِيجِ ضَلَالَتِهِمْ فِي النَّاسِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْإِفْصَاحُ بِهِ مَخَافَةَ الْقَتْلِ وَالْفَضِيحَةِ وَالْعُقُوبَةِ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمُنكر لذَلِك، استتروا بِالْوَقْفِ مِنْ مَحْضِ التَّجَهُّمِ، إِذْ لم يكن
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فَلم تزل للجهمية"، وَتقدم الْكَلَام عَن الْجَهْمِية ص"١٣٨". ٢ أَحْمد بن أبي دؤاد، تقدم ص"٣٩٢". ٣ هُوَ جَعْفَر "المتَوَكل على الله" بن مُحَمَّد "المعتصم بِاللَّه" بن هَارُون الرشيد خَليفَة عباسي ولد ببغدادسنة ٢٠٦ وبويع بالخلافة بعد وَفَاة أَخِيه الواثق سنة ٢٣٢هـ، وَنقل أَنه لما اسْتخْلف كتب إِلَى أهل بَغْدَاد كتابا قرئَ على الْمِنْبَر بترك الجدل فِي الْقُرْآن وَأَن الذِّمَّة بريئة مِمَّن يَقُول بخلقه أَو غير خلقه، توفّي بسامراء غيلَة سنة ٢٤٦هـ، انْظُر: الْكَامِل لِابْنِ الْأَثِير طبعة بيروت ٧/ ٣٣، وتاريخ بَغْدَاد ٧/ ١٦٥، ومروج الذَّهَب للمسعودي بتحقيق مُحَمَّد محيي الدَّين ٤/ ٨٥-١٢٨، والأعلام للزركلي طبعة بيروت ٢/ ١٢٧. ٤ فِي ط، س، ش "﵀". ٥ فِي ط، س، ش "فاحتال".
[ ١ / ٥٣٤ ]
يَجُوزُ١ مِنْ إِظْهَارِهِ مَعَ الْمُتَوَكِّلِ٢ ماكان يَجُوزُ لَهُمْ مَعَ٣ مَنْ قَبْلَهُ. فَانْتَدَبُوا طَاعِنِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ التجهم بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَانْتَدَبَ هَؤُلَاءِ الْوَاقِفَةُ٤ مُنَافِحِينَ عَنِ الْجَهْمِيَّةِ٥ مُحْتَجِّينَ لِمَذَاهِبِهِمْ بِالتَّمْوِيهِ٦ وَالتَّدْلِيسِ٧ مُنْتَفِينَ فِي الظَّاهِرِ مِنْ بَعْضِ كَلَامِ الْجَهْمِيَّةِ، مُتَابِعِينَ لَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبَاطِنِ مُمَوِّهِينَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَالسُّفَهَاءِ بِمَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ أَيهَا
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "إِذْ لم يكن يجوز لَهُم من إِظْهَاره". ٢ تقدم ص"٥٣٤". ٣ لَفْظَة "مَعَ" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ الواقفة هم الَّذين يتوقفون فِي الْقُرْآن فَلَا يَقُولُونَ مَخْلُوق ولاغير مَخْلُوق وَقد ذمهم من لَا يُحْصى عَددهمْ من الْأَئِمَّة، كَالْإِمَامِ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ وَغَيرهم، "انْظُر: مَجْمُوع الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِية ١٢/ ٤٢٠"، وَقَالَ عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"٣٦": "سَمِعت أبي سُئِلَ عَن الواقفة فَقَالَ أبي: من كَانَ مِنْهُم يُخَاصم وَيعرف بالْكلَام فَهُوَ جهمي، وَمن لم يكن يعرف بالْكلَام يجانب حَتَّى يرجع، وَمن لم يكن لَهُ علم يسْأَل يتَعَلَّم. وَسمعت أبي مرّة أُخْرَى سُئِلَ عَن اللفظية والواقفة فَقَالَ: من كَانَ مِنْهُم يحسن الْكَلَام فَهُوَ جهمي. وَقَالَ مرّة أُخْرَى: هم شَرّ من الْجَهْمِية"، وَانْظُر: مَا نَقله الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة تَحْقِيق حَامِد الفقي ص"٨٧-٨٨" من أَقْوَال الْعلمَاء فيهم. ٥ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ٦ قَالَ ابْن مَنْظُور فِي لِسَان الْعَرَب، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ٣/ ٥٥١-٥٥٢: "موه الشَّيْء طلاه بِذَهَب أَو بِفِضَّة وَمَا تَحت ذَلِك مموه وَقد موه فلَان باطله إِذا زينه وَأرَاهُ فِي صُورَة الْحق". ٧ التَّدْلِيس، تقدم مَعْنَاهَا ص"١٤٢".
[ ١ / ٥٣٥ ]
الْمُعَارِضُ أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ١ وَأَبَا مُعَاوِيَةَ٢ وَبَعْضَ نُظَرَائِهِمْ كَرِهُوا الْخَوْضَ فِي الْمَخْلُوقِ وَغَيْرِ الْمَخْلُوقِ٣. فَقُلْنَا لَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ: إِنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الْخَوْضَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ -إِنْ صَحَّتْ رِوَايَتُكَ٤- لمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخُوضُ فِيهِ إِلَّا شِرْذِمَةٌ٥ أَذِلَّةٌ سِرًّا بِمُنَاجَاةٍ بَيْنَهُمْ وَإِذَا٦ الْعَامَّةُ مُتَمَسِّكُونَ مِنْهُمْ بالسنن الأولى ولأمر الْأَوَّلِ.
فَكَرِهَ الْقَوْمُ الْخَوْضَ فِيهِ، إِذْ لم يكن يخاض فِيهَا عَلَانِيَةً٧، وَقَدْ أَصَابُوا فِي تَرْكِ الْخَوْضِ فِيهِ، إِذْ لَمْ يُعْلَنْ. فَلَمَّا أَعْلَنُوهُ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ، وَدَعَوُا الْعَامَّةَ إِلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَالسِّيَاطِ٨ وَادَّعَوْا أَن كَلَام الله مَخْلُوق، وَأنكر ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَنْ غَبَرَ٩ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَبَقِيَ مِنَ الْفُقَهَاءِ١٠ فَكَذَّبُوهُمْ وَكَفَّرُوهُمْ وَحَذَّرُوا النَّاسَ أَمْرَهُمْ، وَفَسَّرُوا مُرَادَهُمْ مِنْ ذَلِكَ. فَكَانَ هَذَا مِنَ الْجَهْمِيَّةِ١١ خَوْضًا فِيمَا نَهَوْا عَنهُ، وَمن أَصْحَابنَا إِنْكَار للكفر الْبَين١٢،
_________________
(١) ١ أَبُو أُسَامَة حَمَّاد، تقدم ص"٤١٦". ٢ أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير، تقدم ص"١٥٧". ٣ فِي س "وَغير الْخَالِق" ويستقيم الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٤ فِي ط، س، ش "فَقُلْنَا: روايتك" وَسقط قرَابَة السطر بَين اللَّفْظَيْنِ، ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٥ الشرذمة بِالْكَسْرِ: الْقَلِيل من النَّاس. كَذَا قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس الْمُحِيط ٤/ ١٣٦ مَادَّة "الشرذمة". ٦ فِي ط، ش "وَأَن الْعَامَّة". ٧ فِي س "إِذا لم يكن يخاض عَلَانيَة". ٨ فِي ط، ش "بالسياط وَالسُّيُوف". ٩ غبر: أَي مضى، تقدم مَعْنَاهَا ص"٤١٥". ١٠ فِي ط، س، ش "وَمن بَقِي من الْفُقَهَاء". ١١ تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِم ص"١٣٨". ١٢ فِي ط، ش "للكفر الْمُبين".
[ ١ / ٥٣٦ ]
وَمُنَافَحَةً١ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ٢ كَيْلَا يُسَبَّ وَتُعَطَّلَ صِفَاتُهُ٣ وَذَبًّا عَنْ ضُعَفَاءِ النَّاسِ كَيْلَا يَضِلُّوا بِمِحْنَتِهِمْ٤ هَذِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا ضِدَّهَا مِنَ الْحُجَجِ الَّتِي تَنْقُضُ دَعْوَاهُمْ وَتُبْطِلُ حُجَجَهُمْ.
فَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ٥ أَنَّهُ سَمِعَ عِيسَى بْنَ يُونُسَ٦ يَقُول: "لَا تجالسوا الجهيمة٧، وَبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ، كَيْ يَعْرِفُوهُمْ فَيَحْذَرُوهُمْ"٨.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ٩: "لَأَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ١٠ وَالنَّصَارَى١١ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ"١٢.
فَحِينَ خَاضَتِ الْجَهْمِيَّةُ١٣ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَأَظْهَرُوهُ وَادَّعَوْا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، أَنْكَرَ ذَلِكَ١٤ ابْنُ الْمُبَارَكِ١٥ وَزَعَمَ١٦ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوق،
_________________
(١) ١ تقدم مَعْنَاهَا ص"١٤٥". ٢ لفظ "﷿" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، س، ش "وَلَا تعطل". ٤ فِي س "بمحنته". ٥ عَليّ بن خشرم، تقدم ص"١٤٦". ٦ عِيسَى بن يُونُس، تقدم ص"١٤٦". ٧ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٧". ٨ تقدم تَخْرِيجه ص"١٤٦". ٩ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ١٠ الْيَهُود، انْظُر ص"١٤٣". ١١ النَّصَارَى، انْظُر ص"١٤٣". ١٢ تقدم تَخْرِيجه ص"١٤٤". ١٣ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". ١٤ فِي ط، س، ش "أنكر ذَلِك". ١٥ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ١٦ زعم هُنَا بِمَعْنى قَالَ. قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ٤/ ١٢٤: "الزَّعْم مُثَلّثَة القَوْل الْحق وَالْبَاطِل، وَالْكذب ضد، وَأكْثر مَا يُقَال فِيمَا يشك فِيهِ".
[ ١ / ٥٣٧ ]
فَإِنَّ١ مَنْ قَالَ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ ٢، مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ٣.
حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ٤، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ٥، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ٦، فَكَرِهَ ابْنُ الْمُبَارَكِ حِكَايَةَ كَلَامِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُعْلِنُوهُ. فَلَمَّا أَعْلَنُوهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَعَابَهُمْ ذَلِكَ٧.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ٨: "كُنَّا نَرَى السُّكُوتَ عَنْ هَذَا قبل أَن يَخُوض فِيهِ هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا أظهروه وَلم نَجِدْ بُدًّا مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ وَالرَّدِّ عَلَيْهِم"٩.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وَأَن من قَالَ". ٢ فِي ط، س، ش "أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنا" وَفِي الأَصْل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ وَلم أجد أَنَّهَا قِرَاءَة فَالصَّوَاب ماأثبتناه، انْظُر سُورَة، طه آيَة ١٤. ٣ ذكر ذَلِك البُخَارِيّ فِي أَفعَال الْعباد، انْظُر: عقائد السّلف لعَلي سامي النشار، وعمار الطَّالِبِيُّ، كتاب أَفعَال الْعباد ص"١١٩". وَانْظُر: سنَن الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٢٤٨-٢٤٩"، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمقري بِسَنَدِهِ إِلَى أبي الْوَزير مُحَمَّد بن أعين وَصِيّ ابْن الْمُبَارك قَالَ: قلت لِابْنِ الْمُبَارك: قَالَ النَّضر بن مُحَمَّد الْمروزِي: يَقُول: من قَالَ: إِن هَذَا مَخْلُوق ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ فَهُوَ كَافِر، قَالَ ابْن الْمُبَارك: صَدُوق النَّضر عافاه الله، مَا كَانَ الله ليأمر مُوسَى ﵇ بِعبَادة مَخْلُوق. ٤ يحيى الْحمانِي، تقدم ص"٣٩٩". ٥ الْحسن بن الرّبيع البَجلِيّ أَبُو عَليّ الْكُوفِي البوراني، بِضَم الْمُوَحدَة، ثِقَة من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٠ أَو ٢١/ ع، انْظُر: التَّقْرِيب١/ ١٦٦. ٦ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٧ فِي ط، س، ش "وعابهم على ذَلِك" وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٨ أَحْمد بن حَنْبَل بن هِلَال بن أَسد الشَّيْبَانِيّ الْمروزِي، نزيل بَغْدَاد، أَبُو عبد الله أحد الْأَئِمَّة، ثِقَة حَافظ، فَقِيه حجَّة، وَهُوَ رَأس الطَّبَقَة الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٤١ وَله ٧٠ سنة، ع. انْظُر: التَّقْرِيب١/ ٢٤، انْظُر: طَبَقَات الْحفاظ للذهبي ٢/ ٤٣١-٤٣٢، تَهْذِيب التَّهْذِيب ١/ ٧٢-٧٦. ٩ قلت: وعَلى هَذَا كَانَ نهج الإِمَام أَحْمد شَأْنه فِي ذَلِك شَأْن السّلف الصَّالح =
[ ١ / ٥٣٨ ]
لَمْ يَقُلْ أَبُو أُسَامَةَ١ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ٢: أَنَّهُ مَتَى مَا أَظْهَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ٣ مِحْنَتَهُمْ وَأَذَاعُوا٤ كُفْرَهُمْ وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَيْهَا، فَأَمْسِكُوا عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَسْتَمِرَّ فِي النَّاسِ كُفْرُهُمْ وَتَدْرُسَ٥ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَلَكِنْ قَالُوا: أَمْسِكُوا عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ مَا لَمْ يُنَصِّبِ الْقَوْمُ الْكُفْرَ إِمَامًا، فَإِذَا نَصَّبُوهُ إِمَامًا فَمَنْ يَعْقِلُ تَدْلِيسَهُمْ٦ وَتَمْوِيهَهُمْ٧ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِبَعْضِ مَنْ نَاقَضَهُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ وَضَلَالَهُمْ.
فَالْمُبْتَدِعُ٨ الضَّالُّ مِنَ الْحِزْبَيْنِ مَنْ نَصَّبَ٩ رَأْيَ جهم١٠ إِمَامًا وأذاعه فِي
_________________
(١) = رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ كَانُوا يجانبون أهل الْبدع ويحذرونهم شَاكر ص"٣٣-٣٤" من طَرِيق حَنْبَل قَالَ: "سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول: من أحب الْكَلَام لم يفلح وَلَا يؤول أَمرهم إِلَى خير، وسمعته يَقُول: عَلَيْكُم بِالسنةِ والْحَدِيث وَإِيَّاكُم والخوض والجدال والمراء فَإِنَّهُ لَا يفلح من أحب الْكَلَام، وَقَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ من يحب الْكَلَام فَاحْذَرُوهُ"، إِلَّا أَنه لما انتشرت مَذَاهِب المتكلمة وخشي على النَّاس الافتتان لم يجد عُلَمَاء السّلف بدًّا من الرَّد عَلَيْهِم ومقارعتهم بالحجج الدامغة حَتَّى دحرهم الله ورد كيدهم فِي نحورهم. ١ أَبُو أُسَامَة، تقدم ص"٤١٦". ٢ أَبُو مُعَاوِيَة، تقدم ص"١٥٧". ٣ الْجَهْمِية انْظُر ص"١٣٨". ٤ فِي س "وَادعوا". ٥ درس الشَّيْء عَفا وانمحى انْظُر ص"٥٣٠". ٦ التَّدْلِيس، تقدم مَعْنَاهُ ص"١٤٢". ٧ التمويه، تقدم مَعْنَاهَا ص"٥٣٥". ٨ فِي ط، ش "فَمن المبتدع". ٩ فِي ط، س، ش "الَّذِي نصب". ١٠ جهم بن صَفْوَان، تقدم ص"١٤٧".
[ ١ / ٥٣٩ ]
النَّاسِ بَدْءًا. وَالْمُتَّبِعُ١ مَنْ أَنْكَرَ٢ عَلَيْهِ وَنَاقَضَهُ، فَمَنْ أَجْرَى النَّاقِضَ للبدعة وَالرَّدّ لِلْكُفْرِ مَجْرَى مَنْ شَرَعَهَا فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ. وَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسْمَعَ مِنْهُ وَيقبل.
أوطمعتم مَعْشَرَ الْجَهْمِيَّةِ٣ وَالْوَاقِفَةِ٤ أَنْ تُنَصِّبُوا الْكفْر للنَّاس إِمَام تَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ. وَيَسْكُتُوا٥ أَهْلُ السُّنَّةِ عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَيْكُمْ، حَتَّى يَتَرَوَّجَ٦ عَلَى النَّاسِ ضَلَالُكُمْ بِمَا حَكَيْتُمْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ٧
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "أَو المتبع للسّنة". ٢ فِي ط، ش "الَّذِي أنكر عَلَيْهِ". ٣ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". ٤ الواقفة، انْظُر ص"٥٣٥". ٥ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "تسكتوا" والأنسب أَن يُقَال: "وَسكت"، وَمَا فِي الأَصْل من الْجمع بَين الضَّمِير وَالظَّاهِر لُغَة بني الْحَارِث بن كَعْب، وَحكي ذَلِك عَن طَيء وَعَن أَزْد شنُوءَة وَهِي لُغَة "أكلوني البراغيث" وَمذهب جُمْهُور الْعَرَب أَن الْفِعْل إِذا أسْند إِلَى ظَاهر مثنى أَو مَجْمُوع وَجب تجريده من عَلامَة تدل على التَّثْنِيَة أَو الْجمع، فَيكون كحاله إِذا أسْند إِلَى مُفْرد، "انْظُر: أوضح المسالك إِلَى ألفية ابْن مَالك، طبعة دَار الْفِكر ص"٢٣٦"، شرح ابْن عقيل، شرح وَتَعْلِيق مُحَمَّد محيي الدَّين، الطبعة الْخَامِسَة ١/ ٤١٣. ٦ فِي ط، ش "حَتَّى يروج". ٧ أَبُو بكر بن عَيَّاش، بتحتانية ومعجمة، ابْن سَالم الْأَسدي الْكُوفِي الْمُقْرِئ الحناط بِمُهْملَة وَنون، مَشْهُور بكنيته، وَالأَصَح أَنَّهَا اسْمه، وَقيل: اسْمه مُحَمَّد وَقيل غير ذَلِك، ثِقَة عَابِد إِلَّا أَنه لما كبر سَاءَ حفظه، وَكتابه صَحِيح من السَّابِعَة، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين، وَقيل: قبل ذَلِك بِسنة أَو سنتَيْن وَقد قَارب الْمِائَة، وَرِوَايَته فِي مُقَدّمَة مُسلم، مق وَالْأَرْبَعَة، بِتَصَرُّف من تقريب التَّهْذِيب ٢/ ٣٩٩.
[ ١ / ٥٤٠ ]
وَأَبِي أُسَامَةَ١ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ٢ -إِنْ صَدَقَتْ دَعْوَاكُمْ- حَتَّى تَضْمَحِلَّ مَذَاهِبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَتَسْتَفِيضَ مَذَاهِبُ الْجَهْمِيَّةِ٣ فِي الْعَامَّةِ؟ لَقَدْ أَسَأْتُمْ بِأَهْلِ السُّنَّةِ الظَّنَّ، وَنَسَبْتُمُوهُمْ إِلَى الْعَجْزِ وَالْوَهَنِ٤.
وَإِنْ يَكُ أَبُو أُسَامَةَ٥ وَأَبُو بَكْرٍ٦ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ جَبُنُوا عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُخَاضُ فِيهِ فِي عَصْرِهِمْ٧، فَقَدْ جَسَرَ عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ مِثْلَ ابْنِ الْمُبَارَكِ٨ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ٩ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا مَا ادَّعَيْتَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ١٠ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ، لَمْ١١ يَقُمْ لَكَ بِهِ حُجَّةٌ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ نَسْمَعْهُ١٢؛ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوف فِي دينه١٣،
_________________
(١) ١ أَبُو أُسَامَة، تقدم ص"٤١٦". ٢ أَبُو مُعَاوِيَة، تقدم ص"١٥٧". ٣ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". ٤ الوهن، تقدم مَعْنَاهُ ص"١٥٨". ٥ أَبُو أُسَامَة، تقدم ص"٤١٦". ٦ أَبُو بكر بن عَيَّاش، تقدم الصفحة السَّابِقَة. ٧ الَّذِي يظْهر أَن سكوتهم لم يكن جبنا مِنْهُم بل لعدم الْحَاجة إِلَى الْخَوْض فِيهِ وَالله أعلم. ٨ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم "١٤٣". ٩ عِيسَى بن يُونُس، تقدم ص"١٤٦". ١٠ أَبُو يُوسُف، تقدم ص"١٦٧". ١١ فِي ط، ش "فَلم". ١٢ فِي ط، س، ش "إِذا لم تسمعه". ١٣ فِي س "المقرون" وَهُوَ غير وَاضح، وَفِي ط، ش "المطعون".
[ ١ / ٥٤١ ]
الْمَأْبُونُ١ فِي رِوَايَتِهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْهُ٢ بِذَلِكَ فَسَمِّ رَجُلًا صَالِحًا رَضِيَ بِالثَّلْجِيِّ٣ فِي الْفُتْيَا وَالرِّوَايَةِ إِمَامًا، أَوْ رَضِيَ٤ بِهِ فِي السُّنَّةِ نِظَامًا، أَوْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا، أَوْ حَمِدَ لَهُ مَذْهَبًا. فَإِنْ كُنْتَ مُحْتَجًّا بِحَقٍّ فَعَلَيْكَ بِغَيْرِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِ كَمَنْ٥ رَوَيْنَا عَنْهُمْ مِنْ أَعْلَامِ النَّاسِ وَأَئِمَّتِهِمْ. وَلَكِنَّ الْغَرِقَ٦ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ عُودٍ.
وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ٧ فَإِنْ صَحَّ فِيهِ٨ مَا رَوَى ابْنُ الثَّلْجِيِّ٩ فَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ. فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّابِعِينَ. وَلَا مِنْ أَجِلَّةِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فَيُنَصَّبُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يُنَاقِضُ الْجَهْمِيَّةَ١٠.
وَيَرُدُّ الْمُحْدَثَاتِ مِنْ كُفْرِهِمْ، وَيَزْعُمُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غير مَخْلُوق،
_________________
(١) ١ المأبون، تقدم ص"٣٥٣". ٢ فِي ط، س، ش "فَإِن لم تعرف". ٣ فِي ط، ش "رَضِي بِابْن الثَّلْجِي". ٤ قَوْله: "أَو رَضِي" لَيْسَ فِي ط، س، ش، وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٥ فِي ط، ش "مِمَّن". ٦ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "وَلَكِن الغريق" وَكِلَاهُمَا جَائِز، قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ٣/ ٢٧١: "غرق كفرح فَهُوَ غرق وغارق وغريق". ٧ أَبُو يُوسُف هُوَ القَاضِي، تقدم ص"١٦٧" ٨ فِي ط، ش "صَحَّ عَنهُ" وَهُوَ أوضح. ٩ فِي س "مَا روى عَنهُ ابْن الثَّلْجِي". ١٠ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨".
[ ١ / ٥٤٢ ]
فَبِجَهْدِ١ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يُقِيمَ حَدِيثَهُ فِي الْعُلَمَاءِ حَتَّى يَتَفَرَّعَ لِلنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْعُلَمَاءِ٢ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَكَيْفَ تَحْتَجُّ٣ بِأَبِي يُوسُفَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ٤، وَلَا تَحْتَجُّ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ فِيمَا رَوَيْتَ عَنِ المريسي من
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فبجهل". ٢ قَوْله: "حَتَّى يَتَفَرَّعَ لِلنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ خلف الْعلمَاء" لَيْسَ فِي ط، س، ش قلت: هَذَا الْكَلَام فِيهِ نظر فقد نقل السُّيُوطِيّ عَن ابْن معِين قَوْله: "لَيْسَ فِي أَصْحَاب الرَّأْي أحد أَكثر حَدِيثا وَلَا أثبت مِنْهُ، وَعنهُ أَيْضا: أَبُو يُوسُف مُحَمَّد بن عمر ط، الأولى ص"١٢٢". ٣ لم تعجم هَذِه الْكَلِمَة فِي الأَصْل ولعلها "تحتج" لمناسبة السِّيَاق لذَلِك، وَفِي ط، س، ش "تحتج" أَوله بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّة. ٤ لَا أَدْرِي على أَي شَيْء اسْتندَ الْمعَارض فِيمَا ادَّعَاهُ على أبي يُوسُف من أَنه يَقُول بترك الصَّلَاة خلف من يَقُول بِأَن الْقُرْآن غير مَخْلُوق، فَإِن الْمَنْقُول عَن أبي يُوسُف هُوَ ذمّ من قَالَ بِخلق الْقُرْآن وتكفيره "انْظُر مَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ ص"٥٣٣"، وَلَقَد تَأَمَّلت بعض أُمَّهَات كتب الأحناف فِي مَبْحَث الْإِمَامَة وإمامة المبتدع وإمامة الْمُخَالف فِي الْمَذْهَب فَلم أجد من نقل عَن أبي يُوسُف مَا نسبه إِلَيْهِ الْمعَارض، إِلَّا إِذا كَانَ اعْتِمَادًا الْمعَارض على بعض مَا نقل من الِاخْتِلَاف فِي الْفُرُوع. فَذَلِك مِمَّا لَا ينْهض حجَّة للمعارض فِي زَعمه هَذَا. وَأظْهر مَا لدي أَن دَعْوَى الْمعَارض هُنَا فِرْيَة اختلقها على أبي يُوسُف ﵀ لما رأى من عدائه للجهمية وَبشر المريسي وفروخه. "انْظُر: بَدَائِع الصَّنَائِع للكاساني ط، الثَّانِيَة ١/ ١٥٦-١٥٨، وحاشية ابْن عابدين ط، الثَّانِيَة ١/ ٥٦٠-٥٦٤، وَالْبَحْر الرَّائِق لِابْنِ نجيم بهامشه منحة الْخَالِق على الْبَحْر الرَّائِق ط، الثَّانِيَة ١/ ٣٧٠-٣٧٢، وَالْفِقْه على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة للجزيري ط، الثَّالِثَة، ٤١٤".
[ ١ / ٥٤٣ ]
ضَلَالَاتِهِ، وَقَدْ رَوَيْتَ، عَنْ أَبِي يُوسُف١ أَنه هُوَ بِعُقُوبَتِهِ وَأَخْذِهِ فِيهَا حَتَّى فَرَّ مِنْ مَجْلِسِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ٢، فَإِنْ كُنْتَ مُحْتَجًّا عَلَيْنَا بِأَبِي يُوسُفَ فَهُوَ عَلَيْكَ أَحَجُّ، لَمَّا أَنَّكَ بِهِ أعجب وبإمامته أرْضى من يَزْعُمُ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَيْقِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَمْ يُؤْمِنْ بَعْدُ بِأَنَّهُ نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ آمَنَ بِأَنَّهُ نَفْسُ كَلَامِ الله لعلم يَقِينا أَن كَلَام صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ، وَاللَّهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَإِنْ طَلَبْتُمْ مِنَّا فِيهِ آثَارًا مَأْثُورَةً مُسْنَدَةً مَنْصُوصَةً فِيهِ عَنِ الصَّحَابَةِ٣، وَالتَّابِعِينَ فقد أخبرناكمن أَنَّهُ كُفْرٌ لَمْ يَحْدُثْ فِي عَصْرِهِمْ، فَيُرْوَى عَنْهُمْ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ كُفْرٌ مَعْقُولٌ، تَكَلَّمَ بِهِ مُشْرِكُوا قُرَيْشٍ عِنْدَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٤ فَأَنْكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ طُمِسَ حَتَّى ظَهَرَ فِي الْعَصْرِ الَّذِي أَنْبَأْنَاكُمْ بِهِ، فِي عَصْرِ جَهْمٍ٥ وَالْجَعْدِ٦ ثُمَّ الْمَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ، فَرَوَيْنَا لَكُمْ عَمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَخَالَفَهُمْ فِيهِ مِنْ فُقَهَاءِ٧ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، مِثْلِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ٨. وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ٩ وَابْنِ
_________________
(١) ١ أَبُو يُوسُف القَاضِي، تقدم ص"١٦٧". ٢ الْبَصْرَة، تقدّمت، انْظُر ص"٥٣٠". ٣ فِي ط، س، ش "منصوصة عَن الصَّحَابَة". ٤ الْآيَة من سُورَة المدثر آيَة ٢٥ انْظُر الْكَلَام على هَذِه الْآيَة ص"٥٢٧-٥٢٨". ٥ جهم بن صَفْوَان، تقدم ص"١٤٧". ٦ الْجَعْد بن دِرْهَم، تقدم ص"٥٣٠". ٧ لفظ "فُقَهَاء" لَيْسَ فِي ط، ش. ٨ الرَّاجِح أَنه جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن، تقدم ص"١٥٤". ٩ عَمْرو بن دِينَار، تقدم ص"٢٤٤".
[ ١ / ٥٤٤ ]
الْمُبَارَكِ١ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ٢ وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ٣ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ٤ وَالْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ٥، وَبَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ٦ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا كُفْرٌ مَعْقُولٌ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أَثَرٍ وَلَا خَبَرٍ، كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى أَنَّ مُلْكَ اللَّهِ وَسُلْطَانَهُ وَقُدْرَتَهُ٧ وَعِلْمَهُ، وَمَشِيئَتَهُ، وَإِرَادَتَهُ، وَوَجْهَهُ، وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَيْهِ، أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا مَخْلُوقٌ.
قِيلَ لَهُ: كَفَرْتَ وَكَذَبْتَ، بَلْ كُلُّهَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَإِنْ طَلَبْتَ مِنَّا فِي شَيْء٨ مِنْهُ أَثَرًا مَنْصُوصًا بِتَسْمِيَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، قُلْنَا لَهُ: أَنْتَ مُرِيبٌ كَافِرٌ. وَمَنْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ هَذَا٩ وَمَا أَشْبَهَهُ حَتَّى يَطْلُبَ فِيهَا الْآثَارَ؟! وَكَذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ مِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سَوَاءً، غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَا يشْتَبه إِلَّا على
_________________
(١) ١ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٢ عِيسَى بن يُونُس، تقدم ص"١٤٦". ٣ وَكِيع بن الْجراح، تقدم ص"١٥٠". ٤ يزِيد بن هَارُون بن زَاذَان السّلمِيّ، أَبُو خَالِد الوَاسِطِيّ، ثِقَة، متقن عَابِد من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٢٠٦ وَقد قَارب التسعين، ع. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٣٧٢. ٥ الْمعَافى بن عمرَان الْأَزْدِيّ الفهمي أَبُو مَسْعُود الموصلى، ثِقَة عَابِد فَقِيه، من كبار التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٨٥هـ وَقيل: ٨٦/ خَ د س، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٥٨ والكاشف ٣/ ١٥٥، وَقَالَ الخزرجي فِي الْخُلَاصَة ص"٣٨٠" قَالَ ابْن قَانِع: مَاتَ سنة ٢٠٤". ٦ بَقِيَّة بن الْوَلِيد، تقدم ص"٣٨٠". ٧ فِي ش "أَن ملك الله قدرته وسلطانه " إِلَخ وَفِي ط، س "أَن ملك الله وَقدرته وسلطانه" إِلَخ. ٨ فِي ط، س، ش "فَإِن طلبت منا فِي كل شَيْء". ٩ فِي ش "وَمن أشبهه عَلَيْهِ هَذَا" وَهُوَ غير وَاضح.
[ ١ / ٥٤٥ ]
مَنْ لَا فَهْمَ لَهُ وَلَا عَقْلَ١.
وَأُخْرَى أَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٍ لَا شَكَّ فِيهِ. فَاللَّهُ بِزَعْمِكُمْ كَانَ بِلَا كَلَامٍ، حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ كَلَامًا٢، ثُمَّ انْتَحَلَهُ اضْطِرَارًا إِلَى كَلَامِ غَيْرِهِ، فَتَمَّتْ بِهِ رُبُوبِيَّتُهُ، وَوَحْدَانِيَّتُهُ، وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ بِزَعْمِكُمْ٣. فَمَنْ يَحْتَاجُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْقُول إِلَى أَثَرٍ؟!
وَأُخْرَى أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ شَيْئًا يُرَى ويحس إِلَّا بِلِسَانِ مُتَكَّلِمٍ بِهِ٤ فَالْكَلَامُ مِنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ صِفَتُهُمَا، فَالْخَالِقُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَالْمَخْلُوقُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ مَخْلُوقٌ. وَلَا شَكَّ فِيهِ٥.
فَلْينْظر هَذَا الشَّاكُّ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنْ كَلَام اللَّهُ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ عِنْدَهُ٦ فَلَا يَشُكَّنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَخْلُوقٍ مِنَ الْكَلَامِ. وَلَمْ يُضْطَرَّ إِلَى شَيْء مَخْلُوق يَشُكَّنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَخْلُوقٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَلَمْ يُضْطَرَّ إِلَى شَيْءٍ مَخْلُوقٍ قَطُّ مِنَ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ٧ حَاجَة. وَإِن ابتدعه٨ مَخْلُوق
_________________
(١) ١ فِي س "إِلَّا على من لَا لَهُ فهم وَلَا عقل". ٢ عبارَة الأَصْل وس وَاضِحَة، وَفِي ط، ش سقط ظَاهر وَاخْتِلَاف، حَيْثُ جَاءَ النَّص فيهمَا هَكَذَا "غير مَخْلُوق مُحدث لَا يشك فِيهِ، فَالله بزعمك كَانَ بِلَا كَلَامٍ حَتَّى خَلَقَ لنَفسِهِ كلَاما". ٣ فِي ط، س "بزعمك". ٤ هَذَا بِالنِّسْبَةِ للآدمي الْمُتَكَلّم فَإِن الْكَلَام يَقُول بِلِسَانِهِ، أما الرب سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ يتَكَلَّم بِكَلَام يَلِيق بجلاله وعظمته لَا يشبه كَلَام المخلوقين. ٥ فِي ش "لَا شكّ فِيهِ". ٦ فِي ط، س، ش "الْمُتَكَلّم بِالْقُرْآنِ عِنْده". ٧ لَفْظَة "بِهِ" لَيست فِي ط، س، ش. ٨ فِي ط، س، ش "وَإِن كَانَ ابتدعه" وَهِي أوضح فِي الْمَعْنى.
[ ١ / ٥٤٦ ]
وَأَضَافَهُ١ إِلَى اللَّهَ تَعَالَى٢. فَلَا يَشُكَّنَّ هَذَا الشَّاكُّ فِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَكَلَامِهِمْ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ كُلَّهَا، وَأَنَّ مُبْتَدِعَهَا وَالْمُتَكَلِّمَ بِهَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ كَافِرٌ٣ إِذْ يَقُولُ: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ ٤، ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٥، و﴿إِنِّي أَنَا رَبُّك﴾ ٦ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ غَيْرَ اللَّهِ كَافِرٌ، مِثْلُ فِرْعَوْنَ٧ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ٨، و﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٩.
وَادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ هُوَ اللَّهُ. فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ غَيْرُ اللَّهِ فَقَدْ أَصَابَ. وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَقَدْ جَهِلَ وَكَفَرَ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: لَمْ تَدَعْ مِنْ صَرِيحِ الْمَخْلُوقِ شَيْئًا، إِذْ١٠ زَعَمْتَ أَنَّ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ غَيْرُ اللَّهِ فَقَدْ أَصَابَ. وَمَنْ قَالَ: غير مَخْلُوق فقد
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "أَضَافَهُ إِلَى الله". ٢ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٣ فِي ش "من المخلوقين الْكَافرين كَافِر". ٤ سوةر الْقَصَص، آيَة ٣٠. ٥ فِي ط، س، ش ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ وَبِهِمَا ورد الْقُرْآن، فبمَا فِي الأَصْل قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء آيَة ٢٥: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وَبِمَا فِي بَقِيَّة النّسخ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة طه آيَة ١٤: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمُ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ . ٦ سُورَة طه آيَة ١٢. ٧ فِرْعَوْن، تقدم ص"١٦٥". ٨ سُورَة النازعات، آيَة ٢٤. ٩ سُورَة الْقَصَص، آيَة ٣٨. ١٠ فِي ط، ش "إِذا".
[ ١ / ٥٤٧ ]
جَهِلَ. لَمَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ اللَّهِ فَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَهُّ مَخْلُوقٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ١ مَخْلُوقٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَلَا يُقَالُ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ: إِنَّ الْقُرْآنَ هُوَ اللَّهُ فَيَسْتَحِيلَ. وَلَا هُوَ غَيْرُ اللَّهِ فَيُلْزِمَ الْقَائِلَ أَنَّهُ مَخْلُوق. وَلَكِن يُقَال: كلَاما لله عِلْمٌ مِنْ عِلْمِهِ٢، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاته، وَأَن الله٣ بجيمع صِفَاتِهِ إِلَهٌ وَاحِدٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَا شَكَّ فِيهِ. فَافْهَمْ وَمَا أَرَاكَ تَفْهَمُهُ٤؛ لِأَنَّكَ تَقُولُ: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ اللَّهُ، أَوْ غَيْرُ اللَّهِ. فَإِنْ قَالَ: رَجُلٌ: هُوَ اللَّهُ، أَكْفَرْتَهُ. وَإِنْ قَالَ: غَيْرُ اللَّهِ قُلْتَ لَهُ: أَقْرَرْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَصَوَّبْتَ مَذْهَبِي؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ.
فَيُقَالُ لَكَ: أَخْطَأْتَ الطَّرِيقَ، وَغَلِطْتَ فِي التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: الْقُرْآنُ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُ اللَّهِ، كَمَا لَا يُقَالُ: عِلْمُ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ، وَقُدْرَةُ اللَّهِ هِيَ اللَّهُ٥ وَكَذَلِكَ عِزَّتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُهُ وَقُدْرَتُهُ، لَا يُقَالُ لِشَيْءٍ مِنْهَا: هُوَ اللَّهُ بِعَيْنِهِ وَكَمَالِهِ، وَلَا غَيْرُ اللَّهِ، وَلَكِنَّهَا صِفَاتٌ مِنْ صِفَاتِهِ، غَيْرُ مَخْلُوق٦ وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ، فَافْهَمْ.
وَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ عُلَمَائِهِ وَزُعَمَائِهِ قَالَ: إِن كَلَام الله
_________________
(١) ١ لفظ "فَهُوَ" لَيْسَ فِي س. ٢ قَوْله "علم من علمه" غير وَاضِحَة وَالْأولَى إِسْقَاطهَا؛ لِأَن الْعلم صفة غير صفة الْكَلَام. ٣ فِي ط، س، ش "وَالله بِجَمِيعِ صِفَاته" وَهُوَ أوضح. ٤ فِي ط، س، ش "تفهمه وتعقله". ٥ فِي الأَصْل، س "وقدرة الله هُوَ الله" وَمَا أَثْبَتْنَاهُ أولى. ٦ فِي ط، ش "غير مخلوقه" وَهُوَ أضح.
[ ١ / ٥٤٨ ]
مُضَافٌ إِلَيْهِ كَمَا أُضِيفَ١ إِلَيْهِ رُوحُ اللَّهِ، وَبَيْتُ اللَّهِ٢، وَهَذَا مِنْ قَدِيمِ حُجَجِ الْجَهْمِيَّةِ٣، وَلَيْسَ فِي حُجَجِ الْوَاقِفِيَّةِ٤.
فَلْيَكْشِفِ الْمُعَارِضُ عَنِ اسْمِ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي قَالَ، فَإِنَّهُ لَا يَكْشِفُهُ٥ إِلَّا عَنْ جَهْمِيٍّ خَبِيثٍ. وَإِنَّهُ لَا يُقَاسُ رُوحُ اللَّهِ، وَبَيْتُ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ الْمُجَسَّمَاتُ الْمَخْلُوقَاتُ الْقَائِمَاتُ الْمُسْتَقِلَّاتُ بِأَنْفُسِهِنَّ اللَّاتِي كُنَّ بِكَلَامِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ٦ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْهَا مِنَ اللَّهِ. كَكَلَامِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَخْلُوقَ قَائِمٌ بِنَفسِهِ وعينه، وحليته وجسمه. لايشك أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ غير الله. وَأَنه لَيْسَ مِنْهُ لِلَّهِ صِفَةً.
وَالْقُرْآنُ كَلَامُهُ الَّذِي مِنْهُ خَرَجَ٧ وَبِهِ تَكَلَّمَ، لَمْ يَقُمْ بِنَفْسِهِ جِسْمًا غَيْرَ اللَّهِ، قَائِمًا يُحِسُّ أَوْ يُحَسُّ٨ حِينَ٩ تُقِيمُهُ الْقِرَاءَةُ وَالْأَلْسُنُ فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ خَفِيَ فَلَمْ يُحَسَّ مِنْهُ بِشَيْءٍ. فَلَمْ يَقُمْ لَهُ عَيْنٌ إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ بِكِتَابٍ يُكْتَبُ، فَبَيْنَ١٠ رُوحِ اللَّهِ وَبَيْتِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ، وَالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ نفس
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "كَمَا أضيفت". ٢ فِي ط، س، ش "وَبَيت الله وَخلق الله". ٣ الْجَهْمِية، تقدّمت، انْظُر ص"١٣٨". ٤ فِي ط، س، ش "الواقفة"، وَتقدم الْكَلَام عَنْهُم ص"٥٣٥". ٥ فِي ش "فَإِنَّهُ لَا يكْشف". ٦ لفظ "وَأمره" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٧ فِي ش "وَالْقُرْآن كَلَام الله الَّذِي خرج مِنْهُ" وَفِي ط "وَالْقُرْآن كَلَام الَّذِي خرج مِنْهُ". ٨ فِي ط، س، ش "يحس أَو لم يحس". ٩ فِي ط، س، ش "حَتَّى" وَهُوَ أوضح. ١٠ فِي ط، س، ش "وَبَين".
[ ١ / ٥٤٩ ]
كَلَامِ اللَّهِ الْخَارِجِ مِنْ ذَاتِهِ بَوْنٌ بَعِيدٌ.
فَكَيْفَ تَقَلَّدْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ كَلَامَ الْوَاقِفَةِ١ بَدْءًا ثُمَّ فَرَعْتَ٢ مِنْهُ إِلَى أَفْحَشِ كَلَامِ الْجَهْمِيَّةِ٣: أَنَّهُ كَعَبْدِ اللَّهِ، وَبَيْتِ اللَّهِ، ثُمَّ إِدْخَالِ الْحُجَجِ عَلَى تَعْطِيل ماسواها مِنَ الصِّفَاتِ؟ إِنَّمَا تَقُولُ الْوَاقِفَةُ: إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ. وَلَا تَقُولُ: مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، ثُمَّ تُعْرِضُونَ٤ لِهَذِهِ الْحُجَجِ الَّتِي عَرَضْتَ لَهَا وَاحْتَجَجْتَ بِهَا. فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّكَ تُشِيرُ٥ بِالْوَقْفِ، مُنَافِحٌ عَنِ التَّجَهُّمِ، حَتَّى صَرَّحْتَ بِهِ فِي غَيْرِ مَكَانٍ مِنْ كِتَابِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَشْبِيهُكَ إِيَّاهُ بِبَيْتِ اللَّهِ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ، وَبِقَوْلِكَ: إِنَّهُ غَيْرُ اللَّهِ، وَإِنَّهُ مَفْعُولٌ، وَإِنَّ مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَكَ، لاكتفينا لهَذَا دُونَ مَا سِوَاهُ.
ثُمَّ تَعَلَّقْتَ بعده بِالْوُقُوفِ مُسْتَتِرًا بِهِ عَنِ التَجَّهُّمِ، تَتَقَدَّمُ إِلَى، هَؤُلَاءِ بِرِجْلٍ وَتَتَأَخَّرُ عَنْهُمْ بِأُخْرَى، فَمَرَّةً تَحْتَجُّ بِحُجَجِ الْوَاقِفَةِ٦ وَمَرَّةً بِحُجَجِ الْجَهْمِيَّةِ، كَأَنَّكَ تُلَاعِبُ الصِّبْيَانَ٧ وَتُخَاطِبُهُمْ٨. وَكَذَلِكَ تَأَوَّلْتَ فِي
_________________
(١) ١ الواقفة، تقدّمت انْظُر ص"٥٣٥". ٢ كَذَا فِي الأَصْل بالراء وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَفِي ط، س، ش "ثمَّ فزعت" بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة. ٣ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". ٤ فِي ط، س، ش "ثمَّ لَا يعرضون" وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. ٥ فِي ط، س، ش "مستتر" وَهُوَ أوضح. ٦ الواقفة، تقدمُوا، انْظُر ص"٥٣٥". ٧ فِي ط، س، ش "فَمرَّة تحتج بِحُجَجِ الْجَهْمِيَّةِ كَأَنَّكَ تُلَاعِبُ الصِّبْيَانَ وَمرَّة تحتج بحجج الواقفة". ٨ لَفْظَة: وتخاطبهم" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٥٥٠ ]
الْعَرْشِ كَمَا تَأَوَّلَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ١، وَكَنَيْتَ٢ عَنْ بَعْضِ عُلَمَائِكَ وَزُعَمَائِكَ وَلَمْ تُصَرِّحْ بِاسْمِهِ: أَنَّ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ ٣، اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، تُرِي مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ أَنَّ٤ هَذَا الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ هَذَا التَّفْسِيرَ أَحَدُ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَدْرِي مَنْ حَوْلَكَ أَنَّهُ أَحَدُ السُّفَهَاءِ، وَقَدْ فَسَّرْنَا لَكَ تَفْسِيرَهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَبَيَّنَّا لَكَ فِيهِ اسْتِحَالَةَ هَذَا الْمَذْهَبِ وَبُعْدَهُ مِنَ الْحَقِّ وَالْمَعْقُولِ.
فَاكْشِفْ عَنْ رَأْسِ هَذَا الْمُفَسِّرِ حَتَّى نَعْرِفَهُ، أَمِنَ الْعُلَمَاءِ هُوَ أَمْ مِنَ السُّفَهَاءِ؟ فَإِنَّكَ لَا تأثره٥ إِلَّا عَنِ الْمَرِيسِيِّ أَوْ عَنْ مَنْ هُوَ أَخْبَثُ مِنْهُ.
وَالْعَجَبُ مِنَ الْمَرِيسِيِّ صَاحِبِ هَذَا الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ يَدَّعِي٦ تَوْحِيدَ اللَّهِ بِمِثْلِ هَذَا الْمَذْهَبِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَقَدْ عطل جَمِيع صِفَات الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، فَادَّعَى فِي قِيَاسِ مَذْهَبِهِ أَنَّ وَاجِدَهُ٧ الَّذِي يُوَحِّدُهُ إِلَهٌ مُجَدَّعٌ٨ مَنْقُوصٌ مُشَوَّهٌ مَشِيجٌ٩
_________________
(١) ١ جهم بن صَفْوَان، تقدم ص"١٤٧". ٢ فِي ط، س، ش "وكتبت". ٣ فِي ط، س، ش ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وَبِهِمَا ورد الْقُرْآن، فبمَا فِي الأَصْل ورد فِي سُورَة الْأَعْرَاف آيَة ٥٤، وَسورَة يُونُس آيَة ٣ وَغَيرهمَا، وَبِمَا فِي بَقِيَّة النّسخ ورد فِي سُورَة طه آيَة ٥. ٤ حرف "أَن" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٥ فِي ط، ش "فَإنَّك لَا تؤثره". ٦ فِي ط، س، ش "إِذْ يَدعِي". ٧ فِي ط، س، ش "وَاحِدَة" بِالْحَاء الْمُهْملَة. ٨ فِي ط، س، ش "مُخْدج" وَقد تقدم معنى المخدج والمجدع ص"٣٠٢". ٩ لم تعجم فِي الأَصْل ولعلها "مشيج" بِمَعْنى: مختلط، وَفِي س "بشج" وَلم ترد فِي ط، ش.
[ ١ / ٥٥١ ]
مقصوص١ لَا تتمّ وحدانية إِلَّا بِمَخْلُوقٍ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْ مَخْلُوقٍ: مِنَ الْكَلَامِ وَالْعِلْمِ وَالِاسْمِ.
وَيْلَكَ! إِنَّمَا الْمُوَحِّدُ الصَّادِقُ فِي تَوْحِيدِهِ الَّذِي يُوَحِّدُ اللَّهَ بِكَمَالِهِ وَبِجَمِيعِ صِفَاتِهِ فِي عِلْمِهِ٢ وَكَلَامِهِ وَقَبْضِهِ وَبَسْطِهِ وَهُبُوطِهِ وَارْتِفَاعِهِ، الْغَنِيَّ عَن جيمع خلقه صِفَاتِهِ: مِنَ النَّفْسِ وَالْوَجْهِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْيَدَيْنِ وَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ، وَالْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ وَالسُّلْطَانِ الْقَابِضَ الْبَاسِطَ، الْمُعِزَّ الْمُذِلَّ، الْحَيَّ الْقَيُّومَ، الْفَعَّالَ لِمَا يَشَاءُ. هَذَا إِلَى التَّوْحِيدِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا٣ الَّذِي يُوَحِّدُ إِلَهًا مُجَدَّعًا٤ مَنْقُوصًا مَقْصُوصًا، لَوْ كَانَ عَبْدًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يكن يُسَاوِي تمرين؟ فَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلُهُ إِلَهًا لِلْعَالَمِينَ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ٥.
وَاحْتَجَّ الْمُعَارِضُ أَيْضًا لِمَذْهَبِهِ بِبَعْضِ حُجَجِ الْجَهْمِيَّةِ٦ وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ حجج الواقفة٧ فَقَالُوا٨: أتقولون٩: يارب الْقُرْآنِ افْعَلْ بِنَا كَذَا وَكَذَا. أَمْ يُصَلِّي١٠ أَحَدٌ لِلْقُرْآنِ كَمَا يُصَلِّي لِلَّهِ؟ يَعْنِي أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوق
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي س "مَنْقُوص" وَلم ترد فِي ط، ش. ٢ فِي ط، س، ش "فِي جَمِيع صِفَاته وَعلمه". ٣ فِي ط، ش "أم هَذَا". ٤ فِي ط، س ش "مخدجًا" وَتقدم معنى المخدج والمجدع ص"٣٠٢". ٥ فِي ط، ش "تَعَالَى اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ علوًّا كَبِيرا". ٦ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". ٧ الواقفة، تقدمُوا ص"٥٣٥". ٨ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، ش "فَقَالَ". ٩ فِي ط، ش "تَقولُونَ". ١٠ فِي ط، ش "أيصلي".
[ ١ / ٥٥٢ ]
مَرْبُوبٌ.
فَيُقَالُ لِهَذَا التَّائِهِ الْحَائِرِ، الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَنْطِقُ بِهِ لِسَانُهُ: إِنَّهُ لَا يُصَلَّى لِلْقُرْآنِ وَلَكِنْ يُصَلَّى بِهِ لِلَّهِ الْوَاحِدِ، الَّذِي هَذَا الْقُرْآنُ كَلَامُهُ وَصفته، لَا يخص بِالصَّلَاةِ قُرْآن١ وَلَا غَيْرَهُ، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَسُلْطَانَهُ وَعِزَّهُ وَجَلَالَهُ لَا يُصَلِّي لِشَيْءٍ مِنْهَا مَقْصُودًا بِالصَّلَاةِ إِلَيْهَا وَحْدَهَا وَلَكِنْ يُصَلِّي لِلْوَاحِدِ الْأَحَدِ الَّذِي هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ: مِنَ الْعِلْمِ، وَالْكَلَامِ، وَالْملك وَالْقُدْرَة وَغَيرهَا، فَاعْقِلْهُ، وَأَنَّى لَكَ الْعَقْلُ مَعَ هَذَا الِاحْتِجَاجِ وَالْخُرَافَاتِ؟!
أَرَأَيْتَكَ إِنْ عَرَّضْتَ بِالْقُرْآنِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ لَمَّا أَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَا رَبَّ الْقُرْآنِ، فَجَعَلْتَهُ مَخْلُوقًا بِذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون﴾ ٢ أَفَتَحْكُمُ عَلَى عِزَّةِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ كَمَا حَكَمْتَ٣ عَلَى الْقُرْآنِ؟ وَيْحَكَ! إِنَّمَا قَوْله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ يَقُولُ: ذِي الْعِزَّةِ. وَكَذَلِكَ ذُو الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "قُرْآنًا" بِالنّصب، وَيُمكن تَوْجِيهه إِذا اعْتبرنَا أَن الْفِعْل "يخص" مَبْنِيّ للمعلوم و"قُرْآنًا" مفعول بِهِ، وَبِمَا أثنبتنا على اعْتِبَار أَن الْفِعْل "يخص" مَبْنِيّ للْمَجْهُول و"قُرْآن" نَائِب فَاعل مَرْفُوع. ٢ سُورَة الصافات، آيَة ١٨٠. ٣ فِي ش "كَمَا حكيت". ٤ سُورَة الرَّحْمَن، آيَة ٢٧.
[ ١ / ٥٥٣ ]
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اعْتِقَادِ هَذَا الْمُعَارِضِ رَأْيَ الْجَهْمِيَّةِ١ لَا رَأْيَ الْوَاقِفَةِ٢ أَنَّ ذَبَّهُ وَمُنَافَحَتَهُ٣ وَاحْتِجَاجَهُ عَنْ غَيْرِ الْوَاقِفَةِ٤، وَأَنَّهُ أَظْهَرَ بِلِسَانِهِ الْإِنْكَارَ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: عَلَى مَنْ يَقُولُ: مَخْلُوقٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ٥ تَمْوِيهًا بِهِ وَدُنُوًّا بِهِ٦ إِلَى الْعَامَّةِ، ثُمَّ لَمْ يُكْثِرِ الطَّعْنَ عَلَى مَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ كَمَا أَطْنَبَ فِي الطَّعْنِ عَلَى مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، حَتَّى جَاوَزَ فِيهِمُ الْحَدَّ وَالْمِقْدَارَ، فَنَسَبَهُمْ٧ فِيهِ إِلَى الْكُفْرِ الْبَيِّنِ وَالْبِدْعَةِ الظَّاهِرَةِ، وَالضَّلَالَةِ٨ وَالْجَهْلِ، وَقِلَّةِ الْعِلْمِ وَالتَّمَيُّز، وَسُوءِ الدِّيَانَةِ وَسُوءِ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ مُطِيعُونَ لِلشَّيْطَانِ وَجُنُودِهِ، مُقَدِّمُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، نَشْهَدُ٩ عَلَيْهِمْ بالْكفْر أَنْ قَالُوا١٠: الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَمْ يَنْسِبْ مَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ إِلَى جُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّا نَسَبَ إِلَيْهِ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ١١ حَتَّى بَلَغَ مِنْ شِدَّةِ طَعْنِهِ
_________________
(١) ١ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". ٢ الواقفة، انْظُر ص"٥٣٥". ٣ منافحة، تقدم ص"١٤٥". ٤ الواقفة، انْظُر ص"٥٣٥". ٥ فِي ط، س، ش "على من يَقُول: مَخْلُوق وعَلى من يَقُول: غير مَخْلُوق". ٦ لَفْظَة "بِهِ" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ فِي ش "فنسبهم". ٨ فِي ش "والضلال". ٩ فِي ط، س، ش "ليشهد" وَهُوَ أوضح فِي سِيَاق الْكَلَام. ١٠ فِي ط، ش "إِذْ قَالُوا". ١١ فِي ط، س، ش "وَلَمْ يَنْسِبْ مَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ إِلَى جُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّا نَسَبَ إِلَيْهِ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ مِمَّا شَاءَ اللَّهُ، وَلَكِنَّكُمْ تُغَالِطُونَ، وَالْعُلَمَاءُ بمغالطتكم عالمون" ثمَّ أورد كلَاما وآثارًا تقع فِي ثَلَاث صفحات تَقْرِيبًا ثمَّ قَالَ: "فَاجْتِهَادُ هَذَا الْمُعَارِضِ فِي الطَّعْنِ، عَلَى مَنْ يَقُولُ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ" إِلَخ. كَمَا فِي الأَصْل بعد سطور، قلت: وَمَكَان الَّذِي ورد فِي النّسخ الثَّلَاث إِنَّمَا يُنَاسِبه مَكَان آخر حسب مَا ورد فِي الأَصْل، انْظُر ص"٥٧١".
[ ١ / ٥٥٤ ]
عَلَيْهِمْ أَنْ رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ١ مِنْ رِوَايَاتِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ وَلَمْ يَسْمَعْهُ بِزَعْمِهِ مِنَ ابْنِ الثَّلْجِيِّ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي خَلْفَ من يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوقٍ. فَلَوْ سَمِعَ هَذَا الْمُعَارِضُ مِنْ أَبِي يُوسُفَ نَفْسِهِ لَمْ تَقُمْ لَهُ بِهِ حُجَّةٌ، وَجَرَّ إِلَى أَبِي يُوسُفَ بِهَا فَضِيحَةً٢. فَاجْتِهَادُ هَذَا الْمُعَارِضِ فِي الطَّعْنِ عَلَى مَنْ يَقُولُ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَصَفْحِهِ عَمَّنْ يَقُولُ: مَخْلُوقٌ، فَهَذَا يَدُلُّ مِنْهُ عَلَى أَسْوَإِ الرِّيبَةِ، وَأَقْبَحِ الظَّنَّةِ٣ وَأَنَّ أَلْبَهُ٤ وَمَيْلَهُ إِلَى من يفصح عَنْهُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ظَنَّتِهِ أَنَّ احْتِجَاجَهُ فِيهِ بِالْمَقْذُوفِينَ الْمُتَّهَمِينَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى٥ مِثْلِ المريسي٦ واللؤلؤي٧
_________________
(١) ١ أَبُو يُوسُف القَاضِي، تقدم ص"١٦٧". ٢ الْعبارَة من قَوْله: "حَتَّى بَلَغَ مِنْ شِدَّةِ طَعْنِهِ" إِلَى قَوْله: "وجر بهَا إِلَى أبي يُوسُف فضيحة" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، ش "وأقبح الظَّن". ٤ فِي س "وَأَن إِلَيْهِ" وَلَا يَتَّضِح بِهِ الْمَعْنى، وَفِي ط، ش "وَأَن إلبه" وَلم تهمز فِي الأَصْل. ولعلها بِفَتْح الْهمزَة وَمَعْنَاهَا ميل النَّفس، قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس جـ١ ص"٣٧" مَادَّة "ألب": "والألب بِالْفَتْح نشاط الساقي وميل النَّفس إِلَى الْهوى والعطش وَالتَّدْبِير على الْعَدو من حَيْثُ لَا يعلم" إِلَخ بِتَصَرُّف. ٥ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٦ المريسي بشر بن غياث تقدّمت لَهُ تَرْجَمَة أول الْبَحْث ص"٤٧-٧١". ٧ قَالَ اليافعي فِي مرْآة الْجنان ط، الثَّانِيَة ٢/ ٢٩ فِي حوادث سنة ٢٠٤: "وفيهَا توفّي الإِمَام أَبُو عَليّ بن الْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي قَاضِي الْكُوفَة صَاحب أبي حنيفَة وَكَانَ يَقُول: كتبت عَن ابْن جريج اثْنَي عشر ألف حَدِيث، وَكَانَ رَأْسا فِي الْفِقْه".
[ ١ / ٥٥٥ ]
وَابْنِ الثَّلْجِيِّ١ وَنُظَرَائِهِمْ، فَأَيْنَ هُوَ عَنِ٢ الزُّهْرِيِّ٣ وَالثَّوْرِيِّ٤ وَالْأَوْزَاعِيِّ٥، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ٦ وَشُعْبَةَ٧ وَمَعْمَرٍ٨ وَابْنِ الْمُبَارَكِ٩ وَوَكِيعٍ١٠ وَنُظَرَائِهِمْ؟ وَأَيْنَ هُوَ عَمَّنْ١١ كَانَ فِي عَصْرِ ابْنِ الثَّلْجِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ زَمَانِهِ، مِثْلِ ابْنِ حَنْبَلٍ١٢ وَابْنِ نُمَيْرٍ١٣ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ١٤ وَأَبِي عُبَيْدٍ١٥ وَنُظَرَائِهِمْ إِنْ كَانَ مُتَّبِعًا مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ؟، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ عَنْ
_________________
(١) ١ ابْن الثَّلْجِي مُحَمَّد بن شُجَاع، تقدّمت لَهُ تَرْجَمَة أول الْبَحْث ص"٧٣-٩٠". ٢ فِي ط، س، ش "من" بدل "عَن". ٣ الزُّهْرِيّ، تقدم ص"١٧٥". ٤ "الثَّوْريّ" لَيْسَ فِي ش، وَتَقَدَّمت تَرْجَمته ص"٢٦٨". ٥ الْأَوْزَاعِيّ، تقدم ص"٤٣٣". ٦ مَالك بن أنس، تقدم ص"٢١٠". ٧ شُعْبَة، تقدم ص"٢٥٠". ٨ "معمر" لَيْسَ فِي ش، انْظُر تَرْجَمته ص"٢٠٥". ٩ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ١٠ وَكِيع بن الْجراح، انْظُر ص"١٥٠". ١١ فِي ط، ش "مِمَّن". ١٢ فِي ط، س، ش "مثل أَحْمد بن حَنْبَل" وَانْظُر تَرْجَمته ص"٥٣٨". ١٣ اشْتهر بِهَذِهِ الكنية عبد الله بن نمير وَابْنه مُحَمَّد وَالرَّاجِح أَن المُرَاد هُنَا الابْن فَهُوَ الَّذِي عاصر ابْن الثَّلْجِي بشكل ظَاهر، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نمير الْهَمدَانِي، بِسُكُون الْمِيم، الْكُوفِي أَبُو عبد الرَّحْمَن، ثِقَة، حَافظ فَاضل من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٣٤/ ع. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٨٠، وتهذيب التَّهْذِيب ٩/ ٢٨٢. ١٤ ابْن أبي شيبَة لَعَلَّه عبد الله، تقدم ص"١٥٤". ١٥ هُوَ الْقَاسِم بن سَلام بِالتَّشْدِيدِ، الْبَغْدَادِيّ، أَبُو عبيد، الإِمَام الْمَشْهُور، ثِقَة فَاضل، مُصَنف، من الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة ٢٤ وَلم أر لَهُ فِي الْكتب حَدِيثا مُسْندًا بل من أَقْوَاله فِي شرح الْغَرِيب، زد، كَذَا قَالَ صَاحب التَّقْرِيب. انْظُر: ٢/ ١١٧.
[ ١ / ٥٥٦ ]
أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي مَذْهَبِهِ حِكَايَةً وَلَا رِوَايَة، وَإِنَّمَا يتَعَلَّق بالمغمورين المغمورين١، إِذْ لم يُمكنهُ التَّعْلِيق بِهَؤُلَاءِ الْمَشْهُورِينَ، كَمَا يُرَوِّجُ ضَلَالَتَهُ عَلَى النَّاسِ بِأَهْلِ الرِّيَبِ الَّذِينَ لَا قَبُولَ لَهُمْ وَلَا عَدَالَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
ثُمَّ تَقَلَّدْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَفْحَشَ حُجَجِ الْجَهْمِيَّةِ٢ فِي نَفْيِ الْكَلَامِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى لَمَّا ادَّعَيْتَ٣ أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَسَبَ الْكَلَامَ إِلَى الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، الَّتِي لَا تَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ وَلَا لَهَا أَسْمَاعٌ وَلَا أَبْصَارٌ. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ حُجَجِ الْجَهْمِيَّةِ يَجْعَلُونَ اللَّهَ الْحَيّ القيوم الْمُتَكَلّم بالْكلَام، الْبُكْمِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا كَلَامٌ وَلَا أَسْمَاعٌ وَلَا أَبْصَارٌ.
فَقَالَ: كَمَا٦ يَجَوزُ عِنْدَنَا فِي الْمَجَازِ أَنْ يُنْسَبَ الْكَلَامُ إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الصُّمِّ، يَجُوزُ٧ فِي الْمَجَازِ أَنْ يُنْسَبَ الْكَلَامُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى٨ من غير أَن
_________________
(١) ١ لفظ "المغمورين" لَيْسَ فِي ش، وَتقدم معنى الأغمار ص"١٤٧". ٢ الْجَهْمِية، تقدم ص"١٣٨". ٣ لفظ "ادعيت" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، ش. ٥ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ٢/ ١٣١ مَادَّة "الْمدر" قَالَ: "الْمدر محركة قطع الطين الْيَابِس أَو العلك الَّذِي لَا رمل فِيهِ". ٦ فِي ط، س، ش "فَقَالَ: يجوز". ٧ فِي ط، س، ش "فَكَذَلِك يجوز فِي الْمجَاز".. إِلَخ. ٨ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٥٥٧ ]
يَقْدِرَ اللَّهُ عَلَى الْكَلَامِ فِي دَعْوَاهُمْ١ إِلَّا كَقُدْرَةِ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ أَشْبَهَ بِالْكُفْرِ الْبَيِّنِ مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ؟، بَلْ هُوَ٢ الْكُفْرُ صَرَاحًا: أَنْ يَكُونَ مَنْزِلَةُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى٣، عِنْدهم ككلام الْجبَال والشجرة والْحَجَرِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ الْبَيِّنَةِ.
هَذَا كَلَامٌ لَيْسَ لَهُ نِظَامٌ، وَلَا هُوَ عَنْ مَذَاهِبِ الْإِسْلَامِ٤، وَلَا يَحْتَاجُ٥، إِلَى نَقِيضِهِ مِنَ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا نَقِيضُهَا مِنْ نَفْسِ كَلَامِ الْمُعَارِضِ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَالْقُرْآنَ مُضَافٌ إِلَى اللَّهِ كَبَيْتِ اللَّهِ وَكَرُوحِ٦ اللَّهِ وكَعَبْدِ اللَّهِ، أَوْ شَبَّهَهُ بِكَلَامِ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مَخْلُوق اختلفه فِي دَعْوَاهُ بَشَرٌ كَذَّابٌ، كَمَا قَالَ الْوَحِيدُ٧: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَر﴾ ٨ لما أَن لَمْ يَخْلُقْ لِنَفْسِهِ كَلَامَهُ٩ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَى تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ اللَّهُ عِنْدَكُمْ فَهُوَ كَلَامُ نَفْسِهِ بِحَقِيقَة١٠ مِنْهُ
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "فِي دعواكم". ٢ فِي ط، ش "بل هَذَا". ٣ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ فِي س "مَذْهَب أهل الْإِسْلَام". ٥ فِي ط، س "وَلَا يحْتَاج لَهُ". ٦ فِي ش "وروح الله". ٧ هُوَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، انْظُر تَفْسِير الطَّبَرِيّ ٢٩/ ٩٦، وَتَقَدَّمت تَرْجَمته ص"٤٨٧". ٨ سُورَة المدثر، آيَة ٢٥. ٩ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي س "كَلَام" وَلَا يَصح إعرابًا، وَفِي ط، ش "كلَاما" وَهُوَ الْأَنْسَب للسياق. ١٠ فِي ط، س، ش "حَقِيقَة".
[ ١ / ٥٥٨ ]
وَمِنْهُ خَرَجَ١، وَلَا يَجْهَلُ ذُو عَقْلٍ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ اللَّهِ كَلَامٌ مَخْلُوقٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ عِنْدَكُمْ غَيْرَ اللَّهِ، ثُمَّ أَضَافَهُ كَذِبًا وَزُورًا وَبُهْتَانًا إِلَى اللَّهِ، فَهَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِهِ الْمُضِيفُ٢ إِلَى اللَّهِ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ كَافِرٌ، بِاللَّهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ ٣، أويقول٤: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ٥، أَوْ يَقُولُ لِمُوسَى٦ ﴿أَنَا رَبُّك﴾ ٧ فَمَنِ٨ ادَّعَى شَيْئًا٩ مِنْ هَذَا أَوْ قَالَهُ غَيْرُ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ كَفِرْعَوْنَ١٠ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ١١ لَا يَسْتَحِقُّ قَائِلُ هَذَا أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ قُرْآنًا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ وَيُقَامُ بِهِ دِينُ اللَّهِ١٢ أَوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ وَأَضْوَأُ مِنْهَا إِلَّا عِنْدَ كُلِّ مُدَلِّسٍ.
وَلَوْ لَمْ يُذِعْ١٣ هَذَا الْمُعَارِضُ هَذَا الْكَلَامَ، وَلَمْ يَنْشُرْهُ١٤ فِي النَّاسِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمُنَاقَضَتِهِ وَإِدْخَالٍ عَلَيْهِ١٥، مَعَ أَنَّا لَمْ نَقْصِدْ بِالنَّقْضِ إِلَيْهِ، وَلَكِن
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "بِحَقِيقَة وَمِنْه خرج". ٢ فِي ط، ش "المضيفة". ٣ سُورَة الْقَصَص، آيَة ٣٠. ٤ فِي ط، ش "وَيَقُول". ٥ فِي الأَصْل "أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنا فاعبدون" وَهُوَ خطأ وَصَوَابه مَا أَثْبَتْنَاهُ، انْظُر سُورَة طه، آيَة "١٤". ٦ فِي ط، ش "وَيَقُول لمُوسَى"، انْظُر تَرْجَمته ص"١٥٥". ٧ سُورَة طه، آيَة ١٢. ٨ فِي ط، ش "من ادّعى". ٩ فِي ش "شَيْء" وَصَوَابه النصب. ١٠ فِرْعَوْن، تقدّمت تَرْجَمته ص"١٦٥". ١١ سُورَة النازعات، آيَة ٢٤. ١٢ فِي ط، س، ش "فَهَذَا". ١٣ فِي س "وَلَو لم يدع". ١٤ فِي ش "وينشره". ١٥ فِي ط، س، ش "وَالرَّدّ عَلَيْهِ" بَدَلا من "وَإِدْخَال عَلَيْهِ".
[ ١ / ٥٥٩ ]
إِلَى ضُعَفَاءِ مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ الَّذِينَ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهَذَا الْمَذْهَبِ سَمِعُوا١ بِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعُوا ضِدَّ كَلَامِهِ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاحْتِجَاجِهِمْ، فَيَضِلُّونَ بِهِ، إِذْ لَا يَهْتَدُونَ بِضِدِّهِ وَمَا يَنْقُضُهُ عَلَيْهِ. فَلَوْ أَنَّهُ أَلَّفَ لَهُمْ كُتُبًا٢ فِي مَعَالِمِ دِينِهِمْ مِنْ نَحْوِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ٣ وَنَحْوِهَا كَانَ أَوْلَى بِهِ وَأَسْلَمَ لِدِينِهِ وَأَنْفَعَ لِمَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّهُ اصْطَمَرَ٤ هَذَا الرَّأْيَ قَدِيمًا، وَكَانَ يَجِيشُ فِي صَدْرِهِ، لَا يُمْكِنُهُ كَظْمُهُ٥ حَتَّى هَمَّ بِإِظْهَارِهِ فِيمَا بَلَغَنِي مرّة، فأنكرها٦ عَلَيْهِ علماؤها وفقاؤها٧ وَاسْتَتَابُوهُ مِنْهَا فَتَابَ وَعَاهَدَهُمْ أَنْ لَا يَعُودَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، ثُمَّ عِيلَ٨ صَبْرُهُ بَعْدَ وَفَاةِ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى عَرَفَ بِمَا
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وسمعوا بِهِ مِنْهُ". ٢ فِي ط، ش "كتابا". ٣ فِي ط، س، ش "من نَحْو الصَّلَاة وَالْوُضُوء وَالزَّكَاة". ٤ كَذَا فِي الأَصْل بالصَّاد الْمُهْملَة بعْدهَا طاء، وَمن مَعَانِيهَا الْجمع وَالْمَنْع كَمَا فِي لِسَان الْعَرَب إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ٣/ ٤٧٤، وَفِي ط، ش "اصطلم" وَهُوَ بعيد، إِذْ لم أجد لَهَا فِي لِسَان الْعَرَب إِلَّا مَا يدل على الْقطع والاستئصال، وَفِي س "اضطم" وَمَعْنَاهَا وَاضح، وَالْأَقْرَب أَنَّهَا "اضطمر" بالضاد الْمُعْجَمَة بعْدهَا طاء. صِيغَة افتعل من الْفِعْل "أضمر" أبدلت تَاء افتعل فِيهَا طاء؛ لِأَن فَاء الْفِعْل "صَاد" وَهَذَا مَعْرُوف فِي قَوَاعِد الصّرْف. ٥ فِي ط، ش "كتمه". ٦ فِي ط، ش "فَأنْكر" ٧ فِي ط، ش "علماؤهم وفقهاؤهم". ٨ قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ٤/ ٢٢ مَادَّة "عَال"، قَالَ: "وَعيلَ عوله ثكلته أمه وصبري غُلِبَ".
[ ١ / ٥٦٠ ]
صَدرَهُ١ فَافْتُضِحَ وَفَضَحَ أَئِمَّتَهُ، وَضَلَّ وَأَضَلَّ وَجَهِلَ فَلَمْ يَعْقِلْ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُعْجَبٌ بِالْإِصَابَةِ٢ غَافِلٌ عَمَّا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِثْمِ وَالْعَارِ وَالنَّقْصِ٣ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَآثَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَذَاهِبِ الصَّالِحِينَ، وَلَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ لَكَانَ أَنْ يَكُونَ أَخْرَسَ أَحَبَّ إِلَيْهِ٤ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ٥ فَكَانَ يَسْتَتِرُ مِنَ الِافْتِضَاحِ بِهِ حَتَّى أَنْطَقَ اللَّهُ بِهِ لِسَانَهُ٦ وَصَرَّحَ بِالْمَخْلُوقِ أَيْضًا فِي كَلَامٍ مُمَوَّهٍ عِنْدَ السُّفَهَاءِ، مَكْشُوفٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، فَادَّعَى أَيْضًا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَفَاعِيلِهِ، وَأَنَّ أَفَاعِيلَهُ زَائِلَةٌ عَنْهُ. وَكُلُّ زَائِلٍ عَنِ اللَّهِ مَخْلُوقٌ فِي دَعْوَاهُ٧.
فَلَمْ يَزَلْ يَعِيبُ عَنْ٨ هَذَا الْقَوْلِ، وَيُلَجْلِجُ بِهِ٩ فِي صَدره حَتَّى صرح
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "حَتَّى عرف بِمَا فِي صَدره" وَهُوَ أوضح. ٢ فِي س "وَهُوَ معجب بِالْإِضَافَة"، وَفِي ط، ش "معجب بِنَفسِهِ". ٣ فِي ط، س، ش "والنقض". ٤ فِي س "لَكَانَ أحب إِلَيْهِ" وَمَا فِي الأَصْل أولى. ٥ فِي ط، ش "أَو مَا أشبهه". ٦ فِي س "حَتَّى أنطق بِلِسَانِهِ"، وَفِي ش "حَتَّى نطق بِلِسَانِهِ". ٧ فِي ط، س ش زِيَادَة لم ترد فِي الأَصْل ولعلها سَقَطت مِنْهُ وَهِي: "قيل لَهُ: لَا نسلم، مُطلق المفعولات مخلوقة. وَقد أجمعنا على أَن الْحَرَكَة وَالنُّزُول وَالْمَشْي والهرولة والاستواء على الْعَرْش، وَإِلَى السَّمَاء قديم، والرضى، والفرح وَالْغَضَب وَالْحب، والمقت كلهَا أَفعَال فِي الذَّات للذات، وَهِي قديمَة، فَكل مَا خرج من قَول: "كن" فَهُوَ حَادث. وكل مَا كَانَ من فعل الذَّات فَهُوَ قديم وَالله أعلم. فَلم يزل يعيب " إِلَخ. ٨ كَذَا فِي الأَصْل وَهُوَ غير وَاضح، وَفِي ط، ش "يعيب هَذَا القَوْل" وَالْأولَى أَن تكون "يغيب" بالغين الْمُعْجَمَة. ٩ لَفْظَة "بِهِ" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٥٦١ ]
بِهِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ بِالْبِلَادِ مَنْ يَفْطِنُ لِمَذْهَبِهِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ فِعْلُ اللَّهِ١ الزَّائِلُ مِنْهَ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ: كَلَامُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ غَيْرُ الْفِعْلِ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ، وَالْمَفْعُولَاتُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ لَا شَكَّ فِيهِ٢ فَقَدْ صَرَّحَ بِالْمَخْلُوقِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ٣ بَعْدَمَا عَابَ مَنْ قَالَهُ، وَرَجَعَ٤ عَيْبُهُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. أرأيتك أَيهَا الْمعَارض إِذا ادَّعَيْتَ٥ فِي بَعْضِ كَلَامِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ٦: مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا يُزَادُ على أَن يَقُول: كَلَامُ اللَّهِ ثُمَّ يَسْكُتُ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ لَمَّا أَنَّهُ لَمْ يُخَضْ فِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَمَنْ خَاضَ فِيهِ كَانَ بِزَعْمِكَ مُقَدِّمًا٧ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَيْفَ تَرَكْتَ فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى٨ وَمِنْهَاجَ السَّلَفِ، وَرَجَعْتَ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ فَجَعَلْتَهُ فِعْلًا لَهُ مَخْلُوقًا؟.
أوَمَا تَخْشَى عَلَى نَفْسِكَ مَا تَخَوَّفْتَ عَلَى غَيْرِكَ؟ لقد٩ ارتطمت١٠
_________________
(١) ١ مَقْصُوده الْمَفْعُول الْمُنْفَصِل عَنهُ. ٢ فِي ش "وَلَا شكّ فِيهَا"، وَفِي ط، س "لَا شكّ فِيهَا". ٣ قَوْله: "وَمرَّة بعد مرّة" الثَّانِيَة لَيست فِي ط، س، ش. ٤ فِي ط، س، ش "فَرجع". ٥ فِي ط، ش "إِذا ادعيت". ٦ فِي ط، ش "تَقول"، وَفِي س "يَقُول" وَلم تعجم فِي الأَصْل، ولعلها بِالتَّاءِ. ٧ فِي ط، ش، "فَمن خَاضَ فِيهِ بزعمك كَانَ مقدما". ٨ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٩ فِي ط، س، ش "فقد". ١٠ فِي س "ارتمطت" وَقَالَ النَّاسِخ: كَذَا بِالْأَصْلِ وَالظَّاهِر أَنَّهَا "ارتطمت" قلت: وَبِه يَتَّضِح الْمَعْنى. قَالَ الفيروزآبادي فِي الْقَامُوس ٤/ ١٢٠-١٢١: "رطمه أوحله فِي أَمر لَا يخرج مِنْهُ فارتطم، وارتطم عَلَيْهِ الْأَمر لم يقدر على الْخُرُوج مِنْهُ" بِتَصَرُّف.
[ ١ / ٥٦٢ ]
فِيمَا تَخَوَّفْتَ١ عَلَى غَيْرِكَ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ وَصَرَّحْتَ بِالْمَخْلُوقِ بَعْدَمَا نَسَبْتَ إِلَى الْبِدْعَةِ مَنْ قَالَهَا، وَبُؤْتَ بِمَا عِبْتَ عَلَى غَيْرِكَ٢ مِنَ التَّقَدُّمِ٣ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبَايَعْتَ٤ جَهْمًا٥ وَالْمَرِيسِيَّ فِي دَعْوَاهُمَا، زَعَمَ هَذَانِ أَنَّهُ مَجْعُولٌ٦ وَزَعَمْتَ أَنْتَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ سَوَاءٌ.
وَقَدْ كَانَ رَأْسُ حُجَجِ الْمَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ٧ وَأَوْثَقُهَا فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى تَأَوَّلُوا فِيهَا عَلَى اللَّهِ مِنْ كِتَابِهِ خِلَافَ مَا أَرَادَ. فَقَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى٨: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٩ وَ﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ١٠ فَادَّعَوْا أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِشَيْءٍ: ﴿جَعَلْنَاه﴾ إِلَّا وَذَلِكَ الشَّيْءُ مَخْلُوقٌ، فَضَلُّوا بِهَذَا التَّأْوِيل عَن سَوَاء
_________________
(١) ١ فِي ط، ش "تخوفته". ٢ فِي ط، س، ش "بِمَا عبت بِهِ على غَيْرك". ٣ قَوْله: "من التَّقَدُّم" لَيست فِي س، وَفِي ط، ش "وقدمت". ٤ فِي ط، س، ش "وشايعت" وَهُوَ أوضح. ٥ جهم بن صَفْوَان، تقدم ص"١٤٧". ٦ فِي الأَصْل "مجعول" بلامين وَلَعَلَّه خطأ من النَّاسِخ. ٧ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". ٨ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٩ فِي ط، س، ش ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ انْظُر: سُورَة الزخرف آيَة "١، ٢، ٣". ١٠ سُورَة الشورى، آيَة "٥٢".
[ ١ / ٥٦٣ ]
السَّبِيلِ وَجَهِلُوا فِيهِ مَذَاهِبَ١ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْبَصَرِ بِالْعَرَبِيَّةِ.
فَقُلْنَا لَهُمْ: مَا ذَنْبُنَا إِنْ كَانَ اللَّهُ سَلَبَ مِنْكُمْ مَعْرِفَةَ الْكِتَابِ وَالْعِلْمِ بِهِ وَبِمَعَانِيهِ، وَبِمَعْرِفَةِ لُغَاتِ الْعَرَبِ، حَتَّى ادَّعَيْتُمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُقَالُ٢: "جَعَلْناهُ" فَهُوَ خَلَقْنَاهُ.
أَرَأَيْتُمْ أَيُّهَا الْجَهَلَةُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ٣ أَهُوَ خَلَقْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ؟ وَكَذَلِكَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ٤ -لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- أَهُوَ خَلَقَهَا؟، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٥، وَ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ٦ أَهُوَ يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا٧؟ أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَة﴾ ٨ أَهُوَ خَلَقْنَا؟ أَمْ قَوْلُهُ: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ، لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَة﴾ ٩ أم قَوْله: ﴿وَلَا
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "وجهلوا فِيهِ بِغَيْر مَذَاهِب أهل الْفِقْه". ٢ فِي ط، ش "يُقَال لَهُ". ٣ سُورَة العنكبوت، آيَة ٢٧. ٤ سُورَة الزخرف، آيَة ٢٨. ٥ فِي ط، س، ش، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ انْظُر: سُورَة الطَّلَاق، آيَة "٢". ٦ سُورَة الطَّلَاق، آيَة ٤. ٧ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "أهوَ خلق لَهُ مخرجا؟ " ويناسب الْمَعْنى أَن يُقَال: "أهوَ يخلق". ٨ سُورَة الْحَدِيد، آيَة ٢٧. ٩ فِي الأَصْل "وعملناكم"، وَفِي ط، س، ش "حَمَلْنَاكُمْ" وَهُوَ الصَّوَاب، انْظُر: سُورَة الحاقة، آيَة١١، ١٢.
[ ١ / ٥٦٤ ]
تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا﴾ ١، وَأم قَوْلُهُ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢ أَهُوَ فِي دَعْوَاكُمْ لَا تَخْلُقْنَا٣، بِعَدَمِا خَلْقِهِمْ مَرَّةً؟، أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ ٦ أَيِ اخْلُقْنَا؟! أَمْ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين﴾ ٧، بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ؟! أَمْ قَوْلُهُ: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ ٨، أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ ٩، أَمْ قَوْلُهُ١٠: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ١١ أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ١٢ أَهُوَ اخْلُقْنِي١٣ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ؟، أَمْ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ:
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل، ط، س "لَا تجْعَل"، وَفِي ش "وَلَا تجْعَل" وَهُوَ الصَّوَاب، انْظُر: سُورَة الْحَشْر، آيَة "١٠". ٢ سُورَة الممتحنة، آيَة "٥". ٣ فِي س "لَا تجعلنا". ٤ سُورَة الشُّعَرَاء آيَة "٨٤". ٥ لم يعجم أَولهَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "أَتَقول". ٦ فِي الأَصْل "اجْعَلْنَا" وَبِمَا أثبتنا فِي ط، س، ش وَهُوَ الصَّوَاب، انْظُر: سُورَة الْفرْقَان، آيَة ٧٤. ٧ سُورَة الْقَصَص، آيَة ٣٥. ٨ سُورَة إِبْرَاهِيم، آيَة ٣٥. ٩ سُورَة النَّحْل، آيَة ٩١. ١٠ لَفْظَة "قَوْله" لَيست فِي ط، س، ش. ١١ سُورَة الزخرف، آيَة ١٩. ١٢ سُورَة الشُّعَرَاء، آيَة ٨٥. ١٣ فِي ط، س، ش "أهوَ واخلقني".
[ ١ / ٥٦٥ ]
جَعَلَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ؟.
وَكُلُّ مَا عَدَدْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمَا شبهها١ مِمَّا٢ لَمْ يُعَدَّدْ٣، يَسْتَحِيلُ٤ أَنْ يَصْرِفَ جَعَلْنَا مِنْهَا إِلَى خَلَقْنَا٥. وأشدها اسْتِحَالَة: مَا ادعيتم بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى٦ فِي قَوْله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٧ أَنَّهُ خَلَقْنَاهُ٨ فَلَمْ تَفْقَهُوا٩ مَعْنَاهُ مِنْ قِلَّةِ عِلْمِكُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَيْلَكُمْ! إِنَّمَا الْكَلَامُ لِلَّهِ بَدْءًا وَأَخِيرًا١٠، وَهُوَ يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ كُلَّهَا وَيَتَكَلَّمُ بِمَا شَاءَ مِنْهَا: إِنْ شَاءَ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ شَاءَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ١١ وَإِن شَاءَ
_________________
(١) ١ فِي ط، س "وَمَا أشبههَا". ٢ فِي س "فَمَا". ٣ فِي ط، س، ش "يَتَعَدَّد". ٤ فِي ط، س، ش "بمستحيل". ٥ عبارَة "مِنْهَا إِلَى خلقنَا" لَيست فِي ط، س، ش. ٦ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٧ فِي الأَصْل "جَعَلْنَاهُ" وَفِي ط، س، ش "إِنَّا جَعَلْنَاهُ" وَهُوَ الصَّوَاب انْظُر: "سُورَة الزخرف، آيَة ٣". ٨ فِي ط، ش "إِنَّا خلقناه". ٩ فِي ط، س، ش "فَلم تفهموا". ١٠ فِي ط، س، ش "بدءًا وآخرًا". ١١ فِي ط، ش "بالعبرية" قلت: وَهِي لُغَة الْيَهُود. جَاءَ فِي المعجم الْوَسِيط ٢/ ٥٨٦ "العبراني لِسَان الْيَهُود وأحدهم، والعبرانية لُغَة الْيَهُود والواحدة مِنْهُم" وَانْظُر: دَائِرَة معارف الْقرن الْعشْرين لمُحَمد فريد وجدي طبعة بيروت ٦/ ٨٩.
[ ١ / ٥٦٦ ]
بالسُّرْيَانيَّة١، فَقَالَ: جعلت هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ كَلَامِي عَرَبِيًّا٢، وَجَعَلْتُ التواره٣ وَالْإِنْجِيل٤
_________________
(١) ١ قلت: جَاءَ فِي الحَدِيث عَن زيد بن ثَابت قَالَ: "أَمرنِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَن أتعلم السريانية" أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَامِع، أَبْوَاب الاسْتِئْذَان والآداب، بَاب فِي تعلم السريانية، حَدِيث ٢٨٥٨، ٧/ ٤٩٨، وَقَالَ المباركفوري فِي شَرحه: "السريانية: بِضَم السِّين وَسُكُون الرَّاء وَهِي لُغَة الْإِنْجِيل"، وَجَاء فِي المنجد فِي الْأَعْلَام ص"٣٥٤": السريان الْيَوْم هم المسيحيون أَبنَاء اللُّغَة السريانية" وَفِي الْهِنْد طَائِفَة من السريان هم المالنكاريون. وطقوس السريان مَأْخُوذَة من الطقس الْأَنْطَاكِي يستعملون، فِيهَا اللُّغَة السريانية". ٢ فِي ط، ش "يَقُول: فقد جعلت هَذَا الْقُرْآن عربيًّا من كَلَامي"، وَفِي س "فقد جعلت هَذَا الْقُرْآن عربيًّا من كَلَامي". ٣ التوارة، تقدم التَّعْرِيف بهَا ص٢٦٣. ٤ قَالَ فِي اللِّسَان: "إنجيل هُوَ اسْم عبراني أَو سرياني، وَقيل: هُوَ عَرَبِيّ، وَالْإِنْجِيل مثل الإكليل والإخريط وَقيل: اشتقاقه من النجل الَّذِي هُوَ الأَصْل يُقَال: هُوَ كريم النجل أَي الأَصْل والطبع، وَهُوَ من الْفِعْل فعيل، وَقَرَأَ الْحسن: "ليحكم أهل الْإِنْجِيل" بِفَتْح الْهمزَة وَلَيْسَ هَذَا الْمِثَال من كَلَام الْعَرَب قَالَ الزّجاج: وللقائل أَن يَقُول: هُوَ اسْم أعجمي فَلَا يُنكر أَن يَقع بِفَتْح الْهمزَة" ا. هـ "انْظُر: لِسَان الْعَرَب إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلى ٣/ ٥٨٩". قلت: وَهُوَ كتاب الله الْمنزل على عِيسَى ﵇ وَفِيه الْبشَارَة بنبينا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالتَّصْرِيح بِذكر اسْمه كَمَا فِي سُورَة الْأَعْرَاف آيَة ١٥٧، وَسورَة الصَّفّ آيَة ٦، وَقد نَالَ من الْإِسَاءَة والتغيير والخبط والتحريف من بني إِسْرَائِيل مَا ناله، وَأشهر الْأَسْفَار المتداولة والمسماة أناجيل أَرْبَعَة، وَهِي: إنجيل مَتى، وإنجيل مارقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، ولمعرفة تَارِيخ الْأَسْفَار الْمُسَمَّاة بالأناجيل وَمِقْدَار مَا فِيهَا من التناقص وَالِاخْتِلَاف وَمِقْدَار الوثوق بهَا تاريخيًّا، اقْرَأ كتاب الْفَصْل فِي الْملَل والأهواء والنحل لِابْنِ حزم ط، الأولى ٢/ ٢-٣٨، وَالْجَوَاب الصَّحِيح لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وهداية الحيارى لِابْنِ الْقيم، والأجوبة الفاخرة للقرافي وَغَيرهَا.
[ ١ / ٥٦٧ ]
مِنْ كَلَامِي عِبْرَانِيًّا١، لَمَّا أَنَّهُ أَرْسَلَ كُلَّ رَسُولٍ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، كَمَا قَالَ: فَجَعَلَ كَلَامَهُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ لَهُ كَلَامًا لِكُلِّ قَوْمٍ بِلُغَاتِهِمْ فِي أَلْسِنَتِهِمْ٢.
فَقَوْلُهُ: "جَعَلْنَاهُ" صَرَفْنَاهُ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَة أُخْرَى٣ لَيْسَ أَنا
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل "غبرانيًّا" بالغين الْمُعْجَمَة، قلت: والعبارة من قَوْله فِي السطر الَّذِي قلبه "فَقَالَ: "جعلت هَذَا الْقُرْآن من كَلَامي" إِلَى قَوْله: "من كلامى عبرانيًّا" الأولى إِسْقَاطه؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ من كَلَام الله. بل كَلَام الله كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ [الزخرف آيَة ٣]، وَقَوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ . [إِبْرَاهِيم آيَة ٤] . ٢ كَلَام الله عِنْد أهل الْحق من صِفَاته الذاتية؛ لاتصافه بِهِ أزلًا وأبدًا، وَمن صِفَاته الفعلية الواقعية بمشيئته وَقدرته فَهُوَ قديم النَّوْع حَادث الْآحَاد. ٣ قَالَ ابْن كثير فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾: أَي، أَنزَلْنَاهُ، انْظُر "تَفْسِير ابْن كثير طبعة الْحلَبِي ٤/ ١٢٢. قلت: وَلَيْسَ معنى: ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ صرفناه، بل هُوَ كَمَا قَالَ ابْن كثير: "أَنزَلْنَاهُ"، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى سُورَة يُوسُف: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يُوسُف: ٢]، وَكَلَام الله يُفَسر بعضه بَعْضًا. وَالْقَوْل بِأَن معنى قَائِم بِالنَّفسِ وَهُوَ إِلَى لُغَة يُوَافق مَذْهَب الأشاعرة الْقَائِلين بِأَن الْكَلَام معنى قَائِم بِالنَّفسِ وَهُوَ وَاحِد بِالْعينِ وَالِاخْتِلَاف فِي الدلالات لَا الْمَدْلُول فَإِن عبر عَنهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ الْقُرْآن أَو بالعبرانية فَهُوَ التوارة أَو بالسُّرْيَانيَّة فَهُوَ الْإِنْجِيل. وَالْحق أَن كَلَام الله أَلْفَاظ وَمَعَان، كَمَا قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية: "وَالْقُرْآن كَلَام الله حُرُوفه ومعانيه، لَيْسَ كَلَام الله الْحُرُوف دون الْمعَانِي وَلَا الْمعَانِي دون الْحُرُوف" وَانْظُر بسط القَوْل، فِي مَبْحَث الْكَلَام فِي الْجُزْء الثَّانِي عشر من مَجْمُوع الْفَتَاوَى.
[ ١ / ٥٦٨ ]
خَلَقْنَاهُ١ خَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ فِي دَعْوَاكُمْ، فَهُوَ مَعَ تَصَرُّفِهِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ٢ يَقُولُ: تَسْتَنِيرُ بِهِ الْقُلُوبُ وَتَنْشَرِحُ لَهُ. لَا أَنَّهُ نُورٌ مَخْلُوقٌ، لَهُ ضَوْءٌ قَائِمٌ، يُرَى بِالْأَعْيُنِ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ. فَافْهَمْهُ، وَلَا أَرَاكَ تَفْهَمُهُ.
وَاحْتَجَّ الْمُعَارِضُ أَيْضًا لِتَحْقِيقِ قَوْلِهِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عيله وَسَلَّمَ: "يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ٣ شَفِيعًا لِصَاحِبِهِ" ٤.
فَقَالَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ: إِنْ قُلْتُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ نقضا لِمَا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَاءَى شَيْءٌ فِي صُورَةٍ إِلَّا وَذَلِكَ الْمُتَرَائِي وَالْمُتَكَلِّمُ فِي قِيَاسِ مَذْهَبِهِ مَخْلُوقٌ٥.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "لَيْسَ إِنَّا جَعَلْنَاهُ: خلقناه". ٢ [سُورَة الشورى، آيَة ٥٢] . ٣ عبارَة "يَوْم الْقِيَامَة" لَيست فِي ط، ش وَبِمَا فِي الأَصْل جَاءَ لفظ مُسلم. ٤ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه تَرْتِيب وتبويب مُحَمَّد فؤاد، بَاب الْمُسَافِرين، بَاب فضل قِرَاءَة الْقُرْآن وَسورَة الْبَقَرَة، حَدِيث ٨٠٤ جـ١ ص٥٥٣ عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "اقرأوا الْقُرْآن، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة شَفِيعًا لأَصْحَابه" إِلَخ. ٥ هَذَا من توضيح الدَّارمِيّ ﵀ لشُبْهَة الْمعَارض.
[ ١ / ٥٦٩ ]
فَقَدْ فَسَّرْنَا هَذَا لِهَذَا الْمُعْجَبِ١ بِجَهَالَتِهِ فِي كِتَابِنَا هَذَا أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ٢ لَيْسَ لَهُ صُورَةٌ، وَلَا جِسْمٌ، وَلَا يَتَحَوَّلُ صُورَةً أَبَدًا، لَهُ فَمٌ وَلِسَانٌ٣ ينْطق بِهِ ويشفع. فقد عَقِلَ ذَلِكَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا كَانَ الْمَعْقُولُ٤ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ ثَوَابٌ يُصَوِّرُهُ اللَّهُ فِي أَعْيُنِ٥ الْمُؤْمِنِينَ، جَزَاءً لَهُمْ عَن الْقُرْآن الَّذِي قرأوه. وَاتَّبَعُوا مَا فِيهِ، لِيُبَشِّرَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَنَفْسُ الْقُرْآنِ كَلَامٌ غَيْرُ مجسم فِي كل أَحْوَاله، إِنَّمَا يحسن بِهِ إِذا قرئَ. فَإِذا زَالَت عَنهُ الْقِرَاءَة لم يُوقف لَهُ على جسم وَلَا صُورَةٍ، إِلَّا أَنْ يُرْسَمَ بِكِتَابٍ. هَذَا مَعْقُولٌ٦ لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَهُولٍ. قَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّكُمْ تُغَالِطُونَ، وَالْعُلَمَاءُ بِمُغَالَطَتِكُمْ٧ عَالِمُونَ وَلِضَلَالَتِكُمْ مُبْطِلُونَ٨. وَيَكْفِي الْعَاقِلَ٩ أَقَلُّ مِمَّا بَينا وشرحنا عَن مذاهبكم غَيْرَ أَنَّ فِي تَكْرِيرِ الْبَيَانِ شِفَاء لم فِي الصُّدُور.
_________________
(١) ١ فِي س "وَالْعجب" ويتضح الْمَعْنى بِمَا أثبتنا. ٢ لفظ الْجَلالَة لَيْسَ فِي ط، س، ش. ٣ فِي ط، س، ش "لَهُ لِسَان وفم". ٤ فِي س "الْمَفْعُول" وَهُوَ بعيد. ٥ فِي ط، ش "فِي عين الْمُؤمنِينَ" ويستقيم السِّيَاق بِمَا فِي الأَصْل. قلت: وَيُؤَيّد مَا ذكره الدَّارمِيّ هُنَا مَا أخرجه أَحْمد وَغَيره من حَدِيث بُرَيْدَة مَرْفُوعا: "يَجِيء الْقُرْآن يَوْم الْقِيَامَة كَالرّجلِ الشاحب فَيَقُول: أَنا الَّذِي أَسهرت ليلك وَأَظْمَأت نهارك". انْظُر تَخْرِيجه ص"٥٠١". ٦ فِي س "هَذَا مفعول" وَالصَّوَاب مَا فِي الأَصْل. ٧ فِي س "لمغالطتكم". ٨ فِي ط، س، قَالَ بعد هَذَا: "حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى الْأَنْطَاكِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ وَكِيعًا يُكَفِّرُ الْجَهْمِيَّةَ وَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ أَن ابْن الْمُبَارك لَا يَعُدُّ الْجَهْمِيَّةَ فِي عِدَادِ الْمُسْلِمِينَ". وَسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ يَحْيَى يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، مَنْ شَكَّ فِيهِ، أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر". قلت: ورد هَذَا الْكَلَام فِي الأَصْل فِي مَكَان مُتَأَخّر عَن هَذَا الْموضع، انْظُر ص"٥٨٩" وَلَعَلَّه الْمُنَاسب إِذْ إِن فِي النّسخ الْأُخْرَى تَقْدِيمًا وتأخيرًا. ٩ هَذَا الْكَلَام وَمَا بعده إِلَى قَوْله: "سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ مَنْ شَكَّ فِيهِ أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِر" ذكر مُتَقَدما وَسِيَاق الأَصْل أوضح.
[ ١ / ٥٧٠ ]
نقل الْمُؤلف أَقْوَال السّلف فِي أَن الْقُرْآن غير مَخْلُوق:
وَأما دعواك أَيهَا الْمعَارض أَن لَمْ يَسْبِقْ مِنَ السَّلَفِ فِي الْقُرْآنِ قَوْلٌ وَلَا خَوْضٌ، أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٌ، فَسَنَقُصُّ عَلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا يُكَذِّبُ دَعْوَاكَ، وَسَنَحْكِيهِ لَكَ عَنْ قَوْمٍ مِنْهُمْ أَعْلَى وَأَعْلَمَ مِمَّنْ حَكَيْتَ عَنْهُمْ مَذْهَبَكَ نَحْوَ الْمَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِي ونظرائهم.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ١، ثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ٢، ثَنَا مَعْبَدٌ٣ قَالَ: ثَنَا عَليّ
_________________
(١) ١ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، تقدم ص"١٥١". ٢ مُوسَى بن دَاوُد الضَّبِّيّ، أَبُو عبد الله الطرسوسي، نزيل بَغْدَاد، ولي قَضَاء طرسوس، الخلقاني، بِضَم الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام بعْدهَا قَاف، صَدُوق فَقِيه، زاهد، لَهُ أَوْهَام من صغَار التَّاسِعَة، مَاتَ سنة سبع عشرَة، م د س ق. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٨٢، والكاشف للذهبي ٣/ ١٨٣. ٣ هومعبد بن رَاشد أَبُو عبد الرَّحْمَن، كُوفِي أَو واسطي، نزل بَغْدَاد، مَقْبُول فَقِيه من الْعَاشِرَة، عخ ل. وَفِي بعض نسخ التَّقْرِيب بخ ل، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٦٢ وحاشيته.
[ ١ / ٥٧١ ]
-وَهُوَ ابْنُ رَاشِدٍ١- عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ٢ قَالَ: قِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ٣: "الْقُرْآنُ خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ٤؟ قَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوق، وَلكنه كَلَام الله"٥.
_________________
(١) ١ كَذَا فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ وَبِه جَاءَ أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف بتحقيق زُهَيْر الشاويش، ص"١٠١"، وَلم يظْهر من هُوَ "عَليّ" هَذَا، إِذْ لم أَجِدهُ فِي تلاميذ مُعَاوِيَة بن عمار، وَلَا فِي شُيُوخ معبد فِي تَهْذِيب الْكَمَال وَغَيره، وَفِي السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد، والأسماء وَالصِّفَات للبيهقي لم يرد هَذَا الِاسْم فِي سَنَد هَذَا الْخَبَر وَإِنَّمَا جَاءَ عِنْدهمَا من طَرِيق معبد عَن مُعَاوِيَة، وَالَّذِي يظْهر أَن صَوَاب الْعبارَة: "ثَنَا معبد هُوَ ابْن رَاشد" وَقَوله: "قَالَ: ثَنَا عَليّ" وهم. وَالله أعلم. ٢ مُعَاوِيَة بن أبي مُعَاوِيَة الدهني، بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء ثمَّ نون، صَدُوق، من الثَّامِنَة، عخ م ت س، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٦٠، قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٣/ ١٥٨: عَن أبي الزبير وجعفر بن مُحَمَّد وَعنهُ معبد بن رَاشد وقتيبه، ثِقَة. ٣ جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق، تقدم ص"١٥٤". ٤ فِي ط، س "خَالق هُوَ أَو مَخْلُوق؟ ". ٥ انْظُر: كتاب السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل، طبع المطبعة السلفية، ١ ص"٢٣" من طَرِيق رُوَيْم بن زيد الْمقري، حَدثنَا معبد بن رَاشد الْكُوفِي، عَن مُعَاوِيَة بن عمار الدهني قَالَ: سُئِلَ جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن الْقُرْآن فَقَالَ: لَيْسَ بخالق وَلَا مَخْلُوق وَهُوَ كَلَام الله. وَذكره أَيْضا فِي الْمصدر السَّابِق فِي نفس الصفحة من طَرِيق مُوسَى بن دَاوُد، حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن معبد، عَن مُعَاوِيَة بن عمار الدهني قَالَ: قلت لجَعْفَر -يَعْنِي ابْن مُحَمَّد: إِنَّهُم يسألوننا عَن الْقُرْآن، مَخْلُوق هُوَ؟ قَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ وَلكنه كَلَام الله تَعَالَى، وَقَالَ أبي: قَالَ رَأَيْت معبدًا هَذَا وَلم يكن بِهِ =
[ ١ / ٥٧٢ ]
وَسَمِعْتُ١ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ٢ يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ٣: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ٤: "أَدْرَكْتُ، أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَمَنْ دُونَهُمْ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: اللَّهُ الْخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ٥ مِنْهُ خرج وَإِلَيْهِ يعود"٦. ل ٤٠ أ
_________________
(١) = بَأْس وَأثْنى عَلَيْهِ وَكَانَ يُفْتِي بِرَأْي ابْن أبي ليلى. وَأخرجه الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة، بتحقيق مُحَمَّد الفقي ص"٧٧" من طَرِيق آخر عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: سُئِلَ جَعْفَر بن مُحَمَّد، وَذكره بِمثلِهِ. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب مَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين ﵃ فِي أَن الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ص"٢٤٦-٢٤٧" من طَرِيق آخر عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: سُئِلَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق عَن الْقُرْآنُ خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، وَلَكِنَّهُ كَلَام الله تَعَالَى، وبلفظ مقارب من طَرِيق معبد، عَن مُعَاوِيَة، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد. ١ فِي ط، س، ش "سَمِعت". ٢ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، تقدم ص"٥٠٤". ٣ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، تقدم ص"١٧٥". ٤ عَمْرو بن دِينَار، تقدم ص"٢٤٤". ٥ فِي الأَصْل "وَالْقُرْآن وَالْكَلَام الله" وَلَا يَتَّضِح بِهِ الْمَعْنى". ٦ أخرجه البُخَارِيّ فِي أَفعَال الْعباد، قَالَ: حَدثنِي الحكم بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ كتبت عَنهُ بِمَكَّة، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: أدْركْت الحكم بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ كتبت عَنهُ بِمَكَّة، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: أدْركْت مَشَايِخنَا مُنْذُ سبعين سنة مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار يَقُولُونَ: الْقُرْآن كَلَام الله وَلَيْسَ بمخلوق انْظُر: خلق الْعباد ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف لعَلي النشار ص"١١٧". وَأخرجه اللالكائي فِي شرح السّنة، تَحْقِيق أَحْمد سعد حمدَان ٢/ ٢٤١ عَن ابْن عُيَيْنَة نَحوه. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب مَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ =
[ ١ / ٥٧٣ ]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ١ -مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ٢ مَوْلَى خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ٣ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُبَارك٤
_________________
(١) = وأئمة الْمُسلمين ﵃ فِي أَن الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ص"٢٤٥" بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عُيَيْنَة قَالَ: أدْركْت مشيختنا مُنْذُ سبعين، مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار يَقُولُونَ: الْقُرْآن كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمصدر نَفسه ص"٢٤٥": قَالَ أَبُو وَاقد اللَّيْثِيّ، أدْرك عَمْرو بن دِينَار أجلة أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من الْبَدْرِيِّينَ والمهاجرين وَالْأَنْصَار مثل جَابر بن عبد الله وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَعبد الله بن عَمْرو وَعبد الله بن عَبَّاس، وَعبد الله بن الزبير ﵃، وأجلة التَّابِعين رَحْمَة الله عَلَيْهِم، وعَلى هَذَا مضى صدر هَذِه الْأمة لم يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِك. ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٢١٠: مُحَمَّد بن مَنْصُور بن دَاوُد الطوسي، نزيل بَغْدَاد أَبُو جَعْفَر العابد، ثِقَة من صغَار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة أَربع أَو سِتّ وَخمسين وَله ٨٨ سنة، د س. ٢ فِي ط، ش "عَليّ بن مُحَمَّد بن مضاء المصِّيصِي"، قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٤٤: عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي المضاء المصِّيصِي، القَاضِي، ثِقَة، من الْحَادِيَة عشرَة، ص. ٣ خَالِد بن عبد الله بن يزِيد بن أَسد الْقَسرِي، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمُهْملَة أَمِير الْحجاز ثمَّ الْكُوفَة، لَيست لَهُ رِوَايَة عِنْدهمَا، قتل سنة ٢٦/ عخ د، انْظُر: التَّقْرِيب لِابْنِ حجر ١/ ٢١٥، وَفِي لِسَان الْمِيزَان ٢/ ٣٩١-٣٩٢ قَالَ: ابْن عدي وَهُوَ عِنْدِي ضَعِيف، وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابع على حَدِيثه. ٤ لَعَلَّه: مُحَمَّد بن الْمُبَارك الصُّورِي، نزيل دمشق، القلانسي، الْقرشِي، ثِقَة، من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَله ٦٢ سنة، ع. انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ٢٠٤، والكاشف للذهبي ٣/ ٩٢، وَالْخُلَاصَة ص"٣٥٧".
[ ١ / ٥٧٤ ]
بِالْمِصِّيصَةِ١ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْقُرْآنِ قَالَ٢: "وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"٣. حَدَّثَنِي٤
_________________
(١) ١ قَالَ الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم الْبلدَانِ ٥/ ١٤٤: "المصيصة بِالْفَتْح ثمَّ الْكسر وَالتَّشْدِيد وياء سَاكِنة وصاد أُخْرَى، كَذَا ضَبطه الْأَزْهَرِي من اللغويين وتقرد غَيره بتَخْفِيف الصادين، وَالْأولَى أصح، مَدِينَة على شاطئ جيحان من ثغور الشَّام بَين أنطاكية وبلاد الرّوم تقَارب طرطوس، وَهِي مُسَمَّاة فِيمَا زعم أهل السّير باسم الَّذِي عمرها وَهُوَ مصيصة بن الرّوم بن الْيمن بن سَام بن نوح ﵇، والمصيصة أَيْضا قَرْيَة من دمشق، وينسب إِلَى المصيصة كثير من كتاب النّسَب للسمعاني" بِتَصَرُّف. وَانْظُر: اللّبَاب لِابْنِ الْأَثِير ٣/ ٢٢١. ٢ فِي ط، س، ش "فَقَالَ". ٣ وَجَاء أَيْضا بِإِسْنَادِهِ وَلَفظه فِي الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش ص"١٠١". قلت: وَقد أسهب الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ، أَبُو الْقَاسِم اللالكائي ﵀ فِي ذكر من نقل عَنْهُم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة المرضيين القَوْل بِأَن الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَقد كفاني جمال الدَّين القاسمي مُؤنَة عدهم فَذكر فِي كِتَابه تَارِيخ الْجَهْمِية أَنهم نَحْو من خَمْسمِائَة وَخمسين رجلا. انْظُر: شرح السّنة لأبي الْقَاسِم اللالكائي، تَحْقِيق د. أَحْمد سعد حمدَان ٢/ ٢٧٧-٣٣٠، وَانْظُر تَارِيخ الْجَهْمِية والمعتزلة لجمال الدَّين القاسمي ط. الأولى ص"٣٢". ٤ فِي ط، س، ش قَالَ قبل هَذَا الْأَثر: "حَدثنِي مُحَمَّد بن مَنْصُور، عَن عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ بَقِيَّة بن الْوَلِيد يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوق" قلت: مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعلي بن مضاء تقدمًا قَرِيبا، وَبَقِيَّة بن الْوَلِيد تقدم ص"٣٨٠". وَهَذَا الْمَأْثُور عَن بَقِيَّة أوردهُ الْمُؤلف أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية الْمصدر السَّابِق بِسَنَدِهِ وَلَفظه ص"١٠١"، وَلم أَقف عَلَيْهِ عِنْد غَيره.
[ ١ / ٥٧٥ ]
مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ١، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ٢ قَالَ: سَمِعْتُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ٣ يَقُولُ: "الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"٤.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ مَنْصُورٍ٥، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ٦ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ الْجَزَرِيَّ٧ يَقُولُ: "الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"٨.
حَدثنِي مُحَمَّد بن مَنْصُور٩
_________________
(١) ١ مُحَمَّد بن مَنْصُور، تقدم ص"٥٧٤". ٢ فِي ط، ش "عَليّ بن مُحَمَّد بن مضاء"، وَانْظُر تَرْجَمته ص"٥٧٤". ٣ عِيسَى بن يُونُس، تقدم ص"١٤٦". ٤ أوردهُ الْمُؤلف فِي الرَّد على الْجَهْمِية، الْمصدر السَّابِق، ص"١٠١" بِسَنَدِهِ وَمَتنه. وَأخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"١٤" من طَرِيق آخر عَن عِيسَى بن يُونُس "أَن رجلا سَأَلَهُ عَمَّن يَقُول: الْقُرْآن مَخْلُوق، فَقَالَ: كَافِر أَو كفر فَقيل لَهُ: تكفرهم بِهَذِهِ الْكَلِمَة؟ قَالَ: إِن هَذَا من أيسر أَو أحسن مَا يظهرون". ٥ مُحَمَّد بن مَنْصُور، تقدم ص"٥٧٤". ٦ فِي ط، ش "عَليّ بن مُحَمَّد بن مضاء" وَانْظُر تَرْجَمته ص"٥٧٤". ٧ فِي ط، س، ش "الْجُورِي" وَبِمَا فِي الأَصْل جَاءَ أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية ص"١٠١"، وَلم أَقف لَهُ على تَرْجَمته إِلَّا أَنِّي أستظهر أَنه الْقَاسِم الْجرْمِي كَمَا ظن ذَلِك الشَّيْخ حَامِد الفقي فِي تَعْلِيقه على المطبوعة ص"١١٧"، وَهُوَ الْقَاسِم بن يزِيد الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء، أَبُو يزِيد الْموصِلِي ثِقَة عَابِد من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ١٩٤/ س "انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٢١". ٨ جَاءَ أَيْضا بِسَنَدِهِ وَمَتنه فِي الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف، الْمصدر السَّابِق، ص"١٠١"، وَفِي التَّهْذِيب الْكَمَال للمزي ٢/ ١١١٨ قَالَ: "وَعَن هِشَامُ بْنُ بِهْرَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ قاسمًا الْجرْمِي يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوق". ٩ مُحَمَّد بن مَنْصُور الطوسي، تقدم ص"٥٧٤".
[ ١ / ٥٧٦ ]
ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ١ قَالَ: ثَنَا هِشَامُ بْنُ بِهْرَامٍ٢ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُعَافَى بْنَ عِمْرَانَ٣ يَقُولُ: "الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ".
قَالَ هِشَامٌ٤: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ الْمُعَافَى"٥ قَالَ عَلِيٌّ٦: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ هِشَامٌ"٧، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ٨: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ خَمْسِينَ مَرَّةً"، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ٩: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالُوا"، قَالَ الصَّرَّامُ١٠: "وَأَنَا أَقُول كَمَا قَالُوا" قَالَ رُوَاةُ الصَّرَّامِ: "وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالُوا"، وَقَالَ لَنَا إِسْحَاقُ١١: "وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالُوا"١٢.
فَكُلُّ هَؤُلَاءِ قَالُوا: "إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"، وَلَيْسُوا١٣ بِدُونِ مَنْ رَوَيْتَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَرهُوا الْخَوْض فِيهِ فَيَقُولُونَ١٤: "هوغير مَخْلُوق" مثل أبي
_________________
(١) "١، ٦" فِي ط، ش "عَليّ بن مُحَمَّد بن مضاء" انْظُر تَرْجَمته ص"٥٧٤". "٢، ٤، ٧" قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣١٧: هِشَام بن بهْرَام الْمَدَائِنِي، أَبُو مُحَمَّد ثِقَة من كبار الْعَاشِرَة، د س، قَالَ فِي حَاشِيَة الكاشف للذهبي ٣/ ٢٢١: كَانَ حيًّا سنة ٢١٩. "٣، ٥" الْمعَافى بن عمرَان، تقدم ص"٥٤٥". ٨ مُحَمَّد بن مَنْصُور الطوسي، تقدم ص"٥٧٤". ٩ فِي ط، س، ش "قَالَ أَبُو سعيد" وَهُوَ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ صَاحب هَذَا الْكتاب. ١٠ الصرام مُحَمَّد بن إبراهم، تقدم ص"١٣٧". ١١ لَعَلَّه أَرَادَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْقَرَّابُ، تقدم ص"١٣٧". ١٢ انْظُر كتاب السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد ص"٥٨" قَالَ: "حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ قَالَ: قدم عَليّ بن مضاء مولى لخَالِد الْقَسرِي، حَدثنَا هِشَام بن نهرام، سَمِعت معافى بْنَ عِمْرَانَ يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، قَالَ هِشَامٌ: وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ الْمُعَافَى، قَالَ عَلِيٌّ: وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ -يَعْنِي هشامًا- قَالَ أَبُو جَعْفَر الطوسي: أَنا أَقُول: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ". ١٣ فِي ط، ش "وَلَيْسَ" وَمَا فِي الأَصْل أوضح. ١٤ فِي الأَصْل وس "فيقولوا" وَبِمَا أثبتنا جَاءَ فِي ط، ش وَهُوَ الصَّوَاب.
[ ١ / ٥٧٧ ]
أُسَامَةَ١ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ٢ وَمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ٣ إِنْ صَدَقْتَ عَلَيْهِمْ فِي دَعْوَاكَ وَأَخَسُّهُمْ عِنْدَ النَّاسِ مَنْزِلَةً أَعْلَى مِنَ الْمَرِيسِيِّ وَاللُّؤْلُؤِيِّ٤ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمُ الَّذِينَ ادَّعَوْا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، حَتَّى لَقَدْ أَكْفَرَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِمْ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ بِهِ الْقَتْلَ، وَلَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ بِذَلِكَ إِلَّا وَأَنَّ قَوْلَهُمْ كَانَ٥ عِنْدَهُمْ كُفْرًا.
_________________
(١) ١ أَبُو أُسَامَة، تقدم ص"٤١٦". ٢ أَبُو مُعَاوِيَة، تقدم ص"٥١٧"، قلت: وَمِمَّا أثر عَنهُ فِي ذَلِك مَا أخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"٣٣" بِسَنَدِهِ إِلَى أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم قَالَ: "الْكَلَام فِيهِ بِدعَة وضلالة، مَا تكلم فِيهِ النَّبِي وَلَا الصاحبة وَلَا التابعون وَلَا الصالحون -يَعْنِي الْقُرْآن مَخْلُوق-". ٣ مَنْصُور بن عمار الْوَاعِظ أَبُو السّري، خراساني، وَيُقَال: بَصرِي زاهد شهير وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي بلاغة الْوَعْظ، وترقيق الْقُلُوب، وتحريك الهمم، قَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقَالَ ابْن عدي: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ الْعقيلِيّ: فِيهِ تجهم، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يروي عَن ضعفاء أَحَادِيث لَا يُتَابع عَلَيْهَا. "تبصرف من ميزَان الِاعْتِدَال ٤/ ١٨٧"، وَانْظُر لِسَان الْمِيزَان ٦/ ٩٨-١٠٠، وتاريخ بَغْدَاد ١٣/ ٧. قلت: وَمِمَّا أثر عَنهُ فِي ذَلِك مَا أخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية ٩/ ٣٢٦ بِسَنَدِهِ إِلَى مَنْصُور بن عمار قَالَ: كتب إِلَى بشر المريسي: أعلمني مَا قَوْلكُم فِي الْقُرْآن مَخْلُوق هُوَ أَو غير مَخْلُوق؟ فَكتبت إِلَيْهِ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. أما بعد بِدعَة يشْتَرك فِيهَا السَّائِل والمجيب، فتعاطى السَّائِل مَا لَيْسَ لَهُ بتكليف والمجيب مَا لَيْسَ عَلَيْهِ "كَذَا" وَالله تَعَالَى الْخَالِق وَمَا دون الله مَخْلُوق وَالْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق، فانته بِنَفْسِك وبالمختلفين فِي الْقُرْآن إِلَى أَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّاهُ الله بهَا تكن من المهتدين، وَلَا تبتدع فِي الْقُرْآن من قَلْبك اسْما فَتكون من الضَّالّين.. إِلَخ. ٤ اللؤْلُؤِي، تقدم ص"٥٥٥". ٥ فِي ط، س، ش "قَوْلهم فِي ذَلِك".
[ ١ / ٥٧٨ ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ١ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ٢، حَدَّثَهُمْ عَنْ حُصَيْنٍ٣، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ٤ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٥ قَتَلَ زَنَادِقَةً٦، ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ٧ ثُمَّ قَالَ: صدق الله وَرَسُوله نقل الْمُؤلف أَقْوَال السّلف فِي الحكم على الْجَهْمِية والزنادقة
_________________
(١) ١ يحيى الْحمانِي، تقدم ص"٣٩٩". ٢ أَبُو بكر بن عَيَّاش، تقدم ص"٥٤٠". ٣ فِي ط، س، ش "عَن أبي حُصَيْن"، وَلَعَلَّ لَفْظَة "أبي" سَقَطت من الأَصْل، قلت: الرَّاجِح أَنه عُثْمَان بن عَاصِم بن حُصَيْن الْأَسدي الْكُوفِي أَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْمُهْملَة ثِقَة، ثَبت سني، وَرُبمَا دلّس، من الرَّابِعَة، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين، وَيُقَال: بعْدهَا، وَكَانَ يَقُول أَن عَاصِم بن بَهْدَلَة أكبر مِنْهُ بِسنة وَاحِدَة، ع، انْظُر: التَّقْرِيب ٢/ ١٠، وذكرالذهبي فِي الْخُلَاصَة ص"٢٦٠" أَنه روى عَن سُوَيْد بن غَفلَة. ٤ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٣٤١: سُوَيْد بن غَفلَة، بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَالْفَاء، أَبُو أُميَّة الْجعْفِيّ، مخضرم، من كبار التَّابِعين، تقدم يَوْم دفن النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ مُسلما فِي حَيَاته ثمَّ نزل الْكُوفَة، وَمَات سنة ٨٠، وَله ١٣٠ سنة، ع. ٥ عبارَة "﵁" لَيست فِي ط، س، ش وَعلي ﵁ تقدم ص"٥٢٥". ٦ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١". ٧ ذكره ابْن حجر فِي الْفَتْح ١٢/ ٢٧٠ وَعَزاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من طَرِيق سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ "أَنَّ عَلِيًّا بلغه أَن قوما ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام فَبعث إِلَيْهِم فأطعمهم، ثمَّ دعاهم إِلَى الْإِسْلَام فَأَبَوا، فحفر حفيرة، ثمَّ أَتَى بهم فَضرب أَعْنَاقهم وَرَمَاهُمْ فِيهَا، ثمَّ ألْقى عَلَيْهِم الْحَطب فأحرقهم، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ". وَأخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"١٨٨" من طَرِيق آخر، عَن أبي جُحَيْفَة قَالَ: لما أحرق عَليّ الزط قَالَ: صدق الله وَرَسُوله، فَلَمَّا انْصَرف قلت لَهُ: فَهَل عهد إِلَيْك فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عهدا؟ فَقَالَ: إِذا قلت: صدق الله وَرَسُوله عرف مثلك وَمن يعقل أَنه كَذَلِك، فَإِذا قلت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فهنالك فسلني.
[ ١ / ٥٧٩ ]
فَالْجَهْمِيَّةُ١ عِنْدَنَا أَخْبَثُ الزَّنَادِقَةِ٢؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ قَوْلِهِمْ٣ إِلَى التَّعْطِيلِ كَمَذْهَبِ الزَّنَادِقَةِ٤ سَوَاءٌ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْمَرِيُّ الْبَغْدَادِيُّ٥، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبِ أبي٦، عَن أَبِيه ٧
_________________
(١) ١ الْجَهْمِية، تقدّمت ص"١٣٨". ٢ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١"، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: "الْجَهْمِية أَعدَاء الله وهم الَّذين يَزْعمُونَ أَن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَأَن الله ﷿ لم يكلم مُوسَى وَأَن الله لَيْسَ بمتكلم وَلَا يتَكَلَّم ولاينطق وكلامًا كثيرا أكره حكايته. وهم كفار زنادقة أَعدَاء الله". السّنة للْإِمَام أَحْمد ذيل الرَّد على الْجَهْمِية والزنادقة بتحقيق إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ ص"٨١-٨٢". ٣ فِي س "أَقْوَالهم". ٤ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١". ٥ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٢٠: الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن حميد، أَبُو مُحَمَّد بن أبي سُفْيَان المعمري صَدُوق، من الْعَاشِرَة، نقل الدَّارمِيّ أَن ابْن معِين كذبه وَلم يثبت ذَلِك، مَاتَ سنة ٢٨/ عخ. ٦ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ٤٩٧: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حبيب بن أبي حبيب الْجرْمِي صَاحب الأنماط، مَقْبُول، من التَّاسِعَة، عخ. ذكر فِي الْخُلَاصَة ص"٢٣٤" أَنه روى عَن أَبِيه وَعنهُ الْقَاسِم بن مُحَمَّد المعمري. ٧ قَالَ فِي التَّقْرِيب ٢/ ١٥٣: مُحَمَّد بن حبيب الْجرْمِي، مَجْهُول من السَّادِسَة، عخ.
[ ١ / ٥٨٠ ]
عَنْ جَدِّهِ١ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ٢ قَالَ: خَطَبَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ٣ بِوَاسِطَ٤ يَوْمَ أَضْحَى٥ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ارْجِعُوا فَضَحُّوا، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ. فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ٦ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ٧ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى٨ تَكْلِيمًا. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ٩ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا. ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ فَذَبَحَهُ١٠.
_________________
(١) ١ قَالَ فِي التَّقْرِيب ١/ ١٤٨: حبيب بن أبي حبيب الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، الْأنمَاطِي اسْم أَبِيه: يزِيد، صَدُوق يُخطئ، من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٦٢/ بخ م س ق. ٢ عبارَة "عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ حَبِيبِ بن أبي حبيب" لَيست فِي ط، س، ش وَبهَا ورد سَنَد البُخَارِيّ فِي خلق أَفعَال الْعباد كَمَا سَنذكرُهُ فِي تَخْرِيجه إِلَّا أَنه لم يُصَرح باسم الْجد. ٣ خَالِد الْقَسرِي، تقدم ص"٥٧٤". ٤ وَاسِط فِي عدَّة مَوَاضِع، وَالْمرَاد هُنَا الْمَدِينَة الْمَشْهُورَة من مدن الْعرَاق، وَسميت بذلك لتوسطها بَين الْبَصْرَة والكوفة؛ لِأَن مِنْهَا إِلَى كل وَاحِد خمسين فرسخًا، انْظُر: مُعْجم الْبلدَانِ للحموي ٥/ ٣٤٧. ٥ فِي ط، س، ش "يَوْم الْأَضْحَى". ٦ الْجَعْد بن دِرْهَم، انْظُر ص"٥٣٠". ٧ إِبْرَاهِيم ﵇، تقدم ص"٢٩٣". ٨ مُوسَى ﵇، تقدم ص"١٥٥". ٩ فِي ط، ش "يَقُوله". ١٠ أخرجه البُخَارِيّ فِي أَفعَال الْعباد قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة، حَدثنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن حَبِيبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، ثمَّ ذكره، انْظُر: عقائد السّلف، كتاب خلق أَفعَال الْعباد ص"١١٨"، والدارمي فِي الرَّد على الْجَهْمِية ص"٧، ١١٣-١١٤". وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص"٢٥٤" بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الرَّحْمَن بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَن أَبِيه عَن جده، ثمَّ ذكره. وَأوردهُ الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ: مُرَاجعَة وَتَصْحِيح عبد الرَّحْمَن عُثْمَان، ص"١٠٠"، وَعز الْقِصَّة أَيْضا إِلَى ابْن أبي حَاتِم فِي الرَّد على الْجَهْمِية، انْظُر: مُخْتَصر الْعُلُوّ للألباني ص"١٣٣-١٣٤".
[ ١ / ٥٨١ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ١ قَالَ: قلت لإِبْرَاهِيم بن سعد٢: ماتقول فِي الزَّنَادِقَةِ٣ تَرَى أَنْ نَسْتَتِيبَهُمْ٤ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَبِمَ تَقُولُ ذَاك٥؟ قَالَ: كَانَ علينا وَال٦ بِالْمَدِينَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا وَلَمْ يَسْتَتِبْهُ، فَسَقَطَ فِي يَدِهِ فَبَعَثَ إِلَى أبي، فَقَالَ لَهُ أَبِي: لَا يَهْتَدِيكَ٧ فَإِنَّهُ قَوْلُ الله: ﴿فَلَمَّا ٨ رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قَالَ: السَّيْفُ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ ٩ قَالَ: السَّيْف سنة الْقَتْل١٠.
_________________
(١) ١ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، تقدم ص"١٦٨". ٢ إِبْرَاهِيم بن سعد، تقدم ص"٢٠٥". ٣ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١". ٤ فِي ط، س، ش "ترى أَن تستتيبهم"، وَفِي كِتَابه الرَّد على الْجَهْمِية "نستتيبهم" بالنُّون. ٥ فِي ط، س، ش "ذَلِك". ٦ فِي س "وَالِي" وَحذف الْيَاء هُوَ الصَّوَاب. ٧ وَفِي الرَّد على الْجَهْمِية "لَا يهدينك". ٨ فِي الأَصْل "لما" وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ. ٩ [سُورَة غَافِر، الْآيَتَانِ ٨٤، ٨٥] . ١٠ وَأخرجه الدَّارمِيّ فِي الرَّد على الْجَهْمِية بتحقيق زُهَيْر الشاويش ص"١١٤" بِسَنَدِهِ وَمَتنه إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره: "قَالَ: السَّيْف، فَقَالَ: سنته الْقَتْل". قلت: وَقد ذكر شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية الْخلاف إِجْمَالا فِي الزنديق إِذا أظهر التَّوْبَة هَل تقبل تَوْبَته فَلَا يقتل أم يقتل؛ لِأَنَّهُ لَا يعلم صدقه؟. فَأفْتى طَائِفَة بِأَنَّهُ يُسْتَتَاب فَلَا يقتل، وَأفْتى الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّهُ يقتل وَإِن أظهر التَّوْبَة، فَإِن كَانَ صَادِقا فِي تَوْبَته نَفعه ذَلِك عِنْد الله وَقتل فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ الْحَد تَطْهِيرا لَهُ، كَمَا لَو تَابَ الزَّانِي وَالسَّارِق وَنَحْوهم بعد أَن يرفعوا للْإِمَام فَإِنَّهُ لَا بُد من إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِم، فَإِنَّهُم إِن كَانُوا صَادِقين كَانَ قَتلهمْ كَفَّارَة لَهُم، وَمن كَانَ كَاذِبًا فِي التَّوْبَة كَانَ قَتله عُقُوبَة لَهُ. "انْظُر مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣٥/ ١١٠ وَانْظُر: عُمْدَة الْقَارِي شرح صَحِيح البُخَارِيّ ٢٤/ ٧٩، وَفتح الْبَارِي ١٢/ ٢٧٢".
[ ١ / ٥٨٢ ]
وَسَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ أَبَا تَوْبَةَ١ يَقُولُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ٢: مَا تَرَى فِي قَتْلِ هَؤُلَاءِ٣ الْجَهْمِيَّةِ٤؟ قَالَ٥ يُسْتَتَابُونَ، فَقُلْتُ٦: لَا، أَمَّا خُطَبَاؤُهُمْ فَلَا يُسْتَتَابُونَ وَتُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بكير الْمصْرِيّ٧،
_________________
(١) ١ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، تقدم ص"١٥١". ٢ أَحْمد بن حَنْبَل، تقدم ص"٥٣٨". ٣ لَفْظَة "هَؤُلَاءِ" لَيست فِي ط، س، ش. ٤ الحهمية انْظُر ص "١٣٨". ٥ لَفْظَة "هَؤُلَاءِ" لَيست فِي ط، ش وَالْأَظْهَر أَنَّهَا سَقَطت. ٦ فِي ط، ش "فَقَالَ" وَالَّذِي يظْهر لي أَن الصَّوَاب مَا ورد بِهِ الأَصْل، يُؤَيّدهُ أَن الرِّوَايَة وَردت فِي كتاب الرَّد على الْجَهْمِية للمؤلف نَفسه، تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش وَتَخْرِيج الألباني، الطبعة الرَّابِعَة ص"١١٤" قَالَ: "وَسَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ أَبَا تَوْبَة الْحلَبِي يَقُول: ناظرت أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ فِي قتل هَؤُلَاءِ الْجَهْمِية٥ فَقَالَ: يستتابون٦، فَقلت لَهُ: أَمَّا خُطَبَاؤُهُمْ فَلَا يُسْتَتَابُونَ وَتُضْرَبُ أَعْنَاقهم"، وَفِي مسَائِل الإِمَام أَحْمد رِوَايَة ابْنه عبد الله تَحْقِيق زُهَيْر الشاويش ص"٣٤٠" أَن الزنديق يُسْتَتَاب ثَلَاثًا. قلت: وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد أَن الزنديق يُسْتَتَاب فَإِن لم يتب فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْقَتْل. ودراسة د. عبد الْإِلَه الأحمدي جـ٢/ ٦٨-٧٠. ٧ يحيى بن بكير، تقدم ص"٢١٠".
[ ١ / ٥٨٣ ]
ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ١، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ٢ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ" ٣، قَالَ مَالِكٌ٤: وَمَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ٥ ﷺ هَذَا -فِيمَا نَرَى٦ وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ٧، وَأَشْبَاهِهِمْ٨، فَإِنَّ أُولَئِكَ يُقْتَلُونَ، وَلَا يُسْتَتَابُونَ؛ لِأَنَّهُ لَا تعرف٩
_________________
(١) ١ مَالك بن أنس، تقدم ص"٢١٠". ٢ زيد بن أسلم، تقدم ص"٢٥٧". ٣ أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ تَصْحِيح وترقيم مُحَمَّد فؤاد عبد الْبَاقِي، كتاب الْأَقْضِيَة بَاب الْقَضَاء فِيمَن ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام، حَدِيث ١٥، ٢/ ٧٣٦، قَالَ: حَدثنَا يحيى، عَن مَالك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فاضربوا عُنُقه". قَالَ مُحَمَّد فؤاد: مُرْسل عِنْد جَمِيع الروَاة وَهُوَ مَوْصُول فِي البُخَارِيّ من طَرِيق أَيُّوب بِعَذَاب عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي "٥٦" كتاب الْجِهَاد "١٤٩" بَاب لَا يعذب بِعَذَاب الله وَلَفظه: "من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ". قلت: انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ بشرحه الْفَتْح، حَدِيث ٣٠١٧، ٦/ ١٤٩. ٤ مَالك بن أنس، تقدم ص"٢١٠". ٥ فِي ط، ش "وَمعنى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ". ٦ لَفْظَة "نرى" لَيست فِي س وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا كَمَا فِي الْمُوَطَّأ، انْظُر: تَخْرِيج كَلَام الإِمَام مَالك. ٧ الزَّنَادِقَة، انْظُر ص"٥٣١". ٨ فِي الأَصْل، ط، ش "وأشباهها"، وَفِي س "وأشباههما" وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي الْمُوَطَّأ. ٩ فِي ط، س، ش، "لم يعرف".
[ ١ / ٥٨٤ ]
تَوْبَتُهُمْ١، وَأَنَّهُمْ٢ قَدْ كَانُوا يُسِرُّونَ الْكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ بِالْإِسْلَامِ، فَلَا أَرَى٣ أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ٤.
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى الْبُوَيْطِيُّ٥، عَنِ الشَّافِعِيِّ٦، فِي الزِّنْدِيقِ٧:
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل وَبَقِيَّة النّسخ "رويتهم" وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي الْمُوَطَّأ. ٢ فِي الأَصْل "وَأَنه" وَبِمَا أثبت جَاءَ فِي ط، س، ش وَبِه جَاءَ أَيْضا فِي الْمُوَطَّأ. ٣ فِي ط، س، ش "وَلَا أرى" وَبِمَا فِي الأَصْل جَاءَ فِي الْمُوَطَّأ. ٤ جَاءَ فِي الْمُوَطَّأ تَخْرِيج وترقيم مُحَمَّد فؤاد، طبعة البابي الْحلَبِي ٢/ ٧٣٦: "معنى قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا نرى وَالله أعلم: "مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ". أَنه من خرج عَن الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ، مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ وأشباههم، فَإِن أُولَئِكَ إِذْ ظهر عَلَيْهِم، قتلوا وَلم يستتابوا؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُمْ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يسرون الْكفْر ويعلنون الْإِسْلَام. فَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ وَلَا يقبل مِنْهُم قَوْلهم، وَأما مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيره وَأظْهر ذَلِك فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل"، وَانْظُر: الْمصدر نَفسه بشرح وَتَعْلِيق أَحْمد راتب ط. الأولى ص"٥٢٢". ٥ قَالَ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب ٢/ ٣٨٣: يُوسُف بن يحيى الْقرشِي مَوْلَاهُم، أَبُو يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ صَاحب الشَّافِعِي، ثِقَة فَقِيه، من أهل السّنة، مَاتَ فِي المحنة بِبَغْدَاد سنة ٣١، ٣٢/ ل ت. ٦ مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن الْعَبَّاس بن شَافِع بن السَّائِب بن عبد يزِيد بن هَاشم بن عبد الْمطلب المطلبي أَبُو عبد الله الشَّافِعِي، الْمَكِّيّ، نزيل مصر، رَأس الطَّبَقَة التَّاسِعَة، وَهُوَ المجدد لأمر الدَّين على رَأس الْمِائَتَيْنِ، مَاتَ سنة ٢٠٤ وَله ٥٤ سنة، خَ م وَالْأَرْبَعَة، انْظُر التَّقْرِيب ٢/ ١٤٣. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ٣/ ١٧: نَاصِر الحَدِيث، عَن مَالك والزنجي وَعنهُ أَحْمد وَأَبُو يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ وَالربيع "وَانْظُر: تَارِيخ بَغْدَاد ٢/ ٥٦، وشذرات الذَّهَب ٢/ ٩، وَتَذْكِرَة الْحفاظ ١/ ٣٦١، وتهذيب التَّهْذِيب ٩/ ٣٥". ٧ الزنديق وَاحِد الزَّنَادِقَة، وَقد تقدم التَّعْرِيف بهم ص"٥٣١".
[ ١ / ٥٨٥ ]
"يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِذَا رَجَعَ وَلَا يُقْتَلُ"١.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ السِّجِسْتَانِيُّ٢ -وَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ٣ أَهْلِ سِجِسْتَانَ وَأَصْدَقِهِمْ- عَنْ زُهَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْبَابِيِّ٤ أَنَّهُ سَمِعَ سَلَّامَ بن
_________________
(١) ١ أخرجه الدَّارمِيّ أَيْضا فِي الرَّد على الْجَهْمِية، بتحقيق زُهَيْر الشاويش ص"١١٦" قَالَ: "حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى الْبُوَيْطِيُّ، عَن مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي ﵀ فِي الزنديق قَالَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِذَا رَجَعَ، وَلَا يقبل. وَاحْتج فيهم بـ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فَأمره الله أَن يدع قَتلهمْ لما يظهرون من الْإِسْلَام وَكَذَلِكَ الزنديق إِذا أظهر الْإِسْلَام فِي هَذَا الْوَقْت مُسلما وَالْمُسلم غير مبدل". وَفِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ ذيل الْأُم، بَاب حكم الْمُرْتَد ص"٢٥٩" قَالَ الشَّافِعِي: "وَأي كفر ارْتَدَّ إِلَيْهِ مِمَّا يظْهر أَو يسر من الزندقة وَغَيرهَا، ثمَّ تَابَ لم يقتل". وَنَقله عَنهُ ابْن حجر فِي الْفَتْح ١٢/ ٢٧١، وَانْظُر: الْمُهَذّب فِي فقه الشَّافِعِي للفيروزآبادي ٢/ ٢٢٢-٢٢٣. قلت: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارَمِيُّ ﵀ فِي الرَّد على الْجَهْمِية ص"١١٦": "وَأَنا أَقُول كَمَا قَالَ الشَّافِعِي، أَن تقبل علانيتهم إِذا اتَّخَذُوهَا جنَّة لَهُم من الْقَتْل، أَسرُّوا فِي أنفسهم مَا أَسرُّوا، فَلَا يقتلُوا كَمَا أَن الْمُنَافِقين: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ لفم يُؤمر بِقَتْلِهِم". ٢ فِي ط، س، ش "مُحَمَّد بن المعمر" وَبِمَا فِي الأَصْل جَاءَ فِي الرَّد على الْجَهْمِية ص"١١١" وَزَاد أَن كنيته "أَبُو سهل" وَلم أَقف لَهُ على تَرْجَمَة. ٣ فِي ش "وَهل من أثر" وَلَا يَتَّضِح بِهِ الْمَعْنى، وَفِي ط "وَكَانَ من آثر" وَفِي س "وَكَانَ من أوثر". ٤ فِي ط، س، ش "ألباني" بالنُّون وَصَوَابه بِالْبَاء الْمُوَحدَة قَالَ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب ١/ ٢٦٥: زُهَيْر بن نعيم الْبَانِي: بموحدتين السَّلُولي، أَبُو عبد الرَّحْمَن السجسْتانِي، نزيل الْبَصْرَة، عَابِد من كبار الْعَاشِرَة، مَاتَ بعد الْمِائَتَيْنِ، ل. وَانْظُر الْخُلَاصَة للخزرجي ص"١٢٣".
[ ١ / ٥٨٦ ]
أبي مُطِيع١ يَقُول: "الجمهية كُفَّارٌ"٢.
قَالَ: وَسَمِعْتُ زُهَيْرَ بْنَ نُعَيْمٍ٣ يَقُولُ: سُئِلَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ٤ -وَذُكِرَ لَهُ شَيْءٌ عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ٥- فَقَالَ: ذَاكَ كَافِرٌ٦.
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "سَلام بن مُطِيع" وَصَوَابه مافي الأَصْل. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال ٢/ ١٨١: سَلام بن أبي مُطِيع "خَ، م" الْبَصْرِيّ عَن قَتَادَة وَأبي حُصَيْن وَعنهُ أَبُو الْوَلِيد ومسدد وَخلق، ثِقَة أَحْمد وَغَيره، وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِمُسْتَقِيم الحَدِيث فِي قَتَادَة خَاصَّة، وَله غرائب، ويعد من خطباء الْبَصْرَة. ٢ أوردهُ البُخَارِيّ فِي خلق أَفعَال الْعباد: قَالَ: وَقَالَ زُهَيْر السّخْتِيَانِيّ "كَذَا" سَمِعت سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: الْجَهْمِية كفار. انْظُر: خلق أَفعَال الْعباد ضمن مَجْمُوعَة عقائد السّلف للنشار ص"١٢٤". وَأخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"١٨٣" من طَرِيق زُهَيْر بن نعيم السجسْتانِي، سَمِعت سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: الْجَهْمِية كفار لَا يصلى خَلفهم. وَأخرجه اللالكائي فِي شرح السّنة، تَحْقِيق وَتَخْرِيج د. أَحْمد سعد حمدَان ٢/ ٣٢١ عَن سَلام بن أبي مُطِيع مثله. ٣ زُهَيْر بن نعيم، تقدم ص"٥٨٦". ٤ حَمَّاد بن زيد، تقدم ص"٤٥٢". ٥ فِي ط، س، ش "وَقيل لَهُ عَن بشر المريسي". ٦ فِي ط، س، ش "ذَلِك كَافِر". قلت: وَفِي الرَّد على الْجَهْمِية، بتحقيق الشاويش، ص"١١١" قَالَ: وَسمعت مُحَمَّد بن الْمُعْتَمِر يَقُول: سَمِعت زُهَيْرَ بْنَ نُعَيْمٍ يَقُولُ: سُئِلَ حَمَّاد بن زيد وَأَنا مَعَه فِي سوق الْبَصْرَة عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ فَقَالَ: ذَاكَ كَافِر". قلت: وَبِمَعْنَاهُ مَا أخرجه عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي السّنة ص"١٠" من طَرِيق فطر قَالَ: سَأَلت حَمَّاد بن زيد فَقلت. يَا أَبَا إِسْمَاعِيل، إِمَام لنا يَقُول: الْقُرْآن مَخْلُوق أُصَلِّي خَلفه؟ فَقَالَ: صل خلف مُسلم أحب إِلَيّ. وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي ١/ ٣٢٥ أَن حَمَّاد بن زيد قيل لَهُ؟ إِمَام لنا يَقُول: الْقُرْآن مَخْلُوق أُصَلِّي خَلفه؟ قَالَ: لَا، وَلَا كَرَامَة" وَانْظُر الْمَنْقُول أَيْضا فِي تَكْفِير بشر عَن جمَاعَة من الْعلمَاء فِي السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد ص"١٢".
[ ١ / ٥٨٧ ]
حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ١، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ٢ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ٣ يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ٤: ﴿إِنَّنِي ٥ أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ ٦ مَخْلُوقٌ٧ فَهُوَ كَافِرٌ٨.
وَسَمِعْتُ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَى الْأَنْطَاكِيَّ٩ أَنَّهُ١٠ سَمِعَ وكيعًا١١ يكفر
_________________
(١) ١ يحيى الْحمانِي، تقدم ص"٣٩٩". ٢ الْحسن بن الرّبيع، تقدم ص"٥٣٨". ٣ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٤ فِي ط، س، ش "أَن قَول الله". ٥ فِي الأَصْل، س "إِنِّي"، وَفِي ط، ش "إِنَّنِي" وَهُوَ الصَّوَاب ٦ فِي ط، ش "فاعبدون" وَصَوَابه "فاعبدني"، انْظُر: سُورَة طه آيَة ١٤. ٧ فِي ط، ش "أَنه مَخْلُوق". ٨ تقدم تَخْرِيجه ص"٥٣٨". ٩ مَحْبُوب بن مُوسَى الْأَنْطَاكِي، تقدم ص"١٥٠". ١٠ فِي ط، ش "يَقُول أَنه سمع". ١١ وَكِيع بن الْجراح، تقدم ص"١٥٠".
[ ١ / ٥٨٨ ]
الْجَهْمِيَّةَ١. وَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ٢ أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ٣ كَانَ لَا يَعُدُّ الْجَهْمِيَّةَ٤ فِي عِدَادِ الْمُسْلِمِينَ٥.
وَسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ يَحْيَى٦ يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ٧ مَنْ شَكَّ فِيهِ أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ"٨.
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَكْفَرُوهُمْ٩ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ١٠ وَابْنُ عَبَّاسٍ١١ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا١٢ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ وَأَنْزَلَاهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ بَدَّلَ دينه فَاسْتحقَّ بتبديله الْقَتْل.
_________________
(١) "١، ٤" الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨". انْظُر تَخْرِيج ذَلِك ص"١٥٠". ٢ عَليّ بن خشرم، تقدم ص"١٤٦". ٣ ابْن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٥ انْظُر تَخْرِيجه ص"١٥٠". ٦ لَعَلَّه يحيى بن يحيى بن كثير اللَّيْثِيّ، تقدم ص"١٥١". ٧ فِي ش "من كَلَام الله". ٨ أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، بَاب مَا روى عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين ﵃ فِي أَن الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ص"٢٥٣" بِسَنَدِهِ إِلَى مَحْمُود بن غيلَان يَقُول: سعمت يحيى بن يحيى يَقُول: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِر بِاللَّه الْعَظِيم وَعصى ربه وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَته. ٩ فِي س "أكفرهم". ١٠ عَليّ بن أبي طَالب، تقدم ص"٥٢٥". ١١ ابْن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ١٢ عبارَة "﵄" لَيست فِي ط، س، ش.
[ ١ / ٥٨٩ ]
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ١، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ٢ وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ٣ عَنْ أَيُّوبَ٤، عَنْ عِكْرِمَةَ٥ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ٦ ﵁ أُتِيَ بِقَوْمٍ الزَّنَادِقَةِ٧ فَحَرَقَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ٨ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمَا حَرَقْتُهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٩: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"، وَقَالَ١٠: "لَا تعذبوا بِعَذَاب".
_________________
(١) ١ سُلَيْمَان بن حَرْب الْأَزْدِيّ الواشحي، بِمُعْجَمَة ثمَّ مُهْملَة الْبَصْرِيّ القَاضِي بِمَكَّة، ثِقَة إِمَام حَافظ، من التَّاسِعَة، مَاتَ سنة ٢٤/ ع. انْظُر: التَّقْرِيب ١/ ٣٢٢ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف ١/ ٣٩٢: ولد سنة ١١٣. ٢ حَمَّاد بن زيد، تقدم ص"٤٥٢". ٣ حَمَّاد بن حَازِم، تقدم ص"٣١٦"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١/ ٨٧ أَنه روى عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. ٤ أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة، كيسَان السّخْتِيَانِيّ: بِفَتْح الْمُهْملَة بعْدهَا مُعْجمَة ثمَّ مثناه ثمَّ تَحْتَانِيَّة وَبعد الْألف نون، أَبُو بكر الْبَصْرِيّ، ثِقَة، ثَبت حجَّة، من كبار الْفُقَهَاء الْعباد، من الْخَامِسَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَله خمس وَسِتُّونَ، ع. ٥ عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس تقدم ص"٢٨٦" وَفِي التَّهْذِيب الْكَمَال ٢/ ٩٥٠ أَنه روى عَن عَليّ وَعنهُ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. ٦ عَليّ بن أبي طَالب، تقدم ص"٥٢٥". ٧ الزَّنَادِقَة، تقدمُوا ص"٥٣١" وَالْمرَاد بهم هُنَا فِيمَا ظهر لي السبئية كَمَا سيتبين من قصتهم. ٨ ابْن عَبَّاس، تقدم ص"١٧٢". ٩ الْعبارَة من قَوْله: "وَلما حرقتهم" إِلَى بداية الحَدِيث لَيست فِي ط، س، ش وبإثباتها جَاءَ لفظ الدَّارمِيّ فِي الرَّد على الْجَهْمِية، بتحقيق الشاويش ص"١١٣". ١٠ فِي ش "وَقيل".
[ ١ / ٥٩٠ ]
اللَّهِ"١.
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ مَنْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ فِي إِكْفَارِ الْجَهْمِيَّةِ٢ وَقَتْلِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَوْلِهِمْ: الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. أَن هَذِه
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بشرحه الْفَتْح، كتاب الْجِهَاد، بَاب لَا يعذب بِعَذَاب الله حَدِيث ٣٠١٧، ٦/ ١٤٩ عَن عِكْرِمَة أَن عليًّا حرق قوما فَبلغ ابْن عَبَّاس فَقَالَ: لَو كنت أَنا لم أحرقهم؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تعذبو بِعَذَاب الله" ولقتلتهم كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "من بدل دينه قاقتلوه" وَأخرجه أَيْضا فِي الْمصدر نَفسه، كتاب اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين، بَاب حكم الْمُرْتَد والمرتدة واستتابتهم، حَدِيث ٦٩٢٢، ١٢/ ٢٦٧ عَن عِكْرِمَة عَن عَليّ وَفِيه: "أُتِي عَليّ ﵁ بزنادقة فأحرقهم" إِلَخ، قلت: وَذكر شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية أَن الَّذين أحرقهم عَليّ هم من الغالية الَّذين قَالُوا: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَو غَيره من أهل الْبَيْت هُوَ الله، قَالَ: وَهَؤُلَاء هم الزَّنَادِقَة وَذكر الْقِصَّة. "انْظُر: مَجْمُوع الْفَتَاوَى ٣/ ٣٩٤". وَذكر ابْن حجر خبر حرق الزَّنَادِقَة من طَرِيق عبد الله بن شريك العامري، عَن أَبِيه وَفِيه أَنهم قَالُوا لعَلي: أَنْت رَبنَا وخالقنا ورازقنا. وَإسْنَاد الْخَبَر حسن كَمَا قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح ١٢/ ٢٧٠، وَيُمكن القَوْل بِأَن لفظ الزندقة الْوَارِد هُنَا لَيْسَ غَرِيبا على عبد الله بن سبأ والسبئية، يَقُول الذَّهَبِيّ: "عبد الله بن سبأ من غلاة الزَّنَادِقَة، ضال مضل، أَحسب أَن عليًّا حرقه بالنَّار" انْظُر: ميزَان الِاعْتِدَال ٢/ ٤٢٦، وَظن الذَّهَبِيّ فِي إحراق عَليّ لِابْنِ سبأ غير صَحِيح لثُبُوت وجوده بعد موت عَليّ، وَقَالَ ابْن حجر: "عبد الله بن سبأ من غلاة الزَّنَادِقَة" لِسَان الْمِيزَان ٣/ ٣٨٩: وَقَالَ أَيْضا: وَله أَتبَاع يُقَال: لَهُم السبئية معتقدون الإلهية فِي عَليّ بن أبي طَالب وَقد أحرقهم عَليّ بالنَّار خِلَافَته. لِسَان الْمِيزَان ٣/ ٢٩٠. رِسَالَة ماجستير، إعداد سُلَيْمَان حمد العودة، ص"٢٦٥". ٢ الْجَهْمِية، انْظُر ص"١٣٨".
[ ١ / ٥٩١ ]
الرِّوَايَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا لَيْسَ أَثَرًا١ عِنْدَهُ. لَمَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ٢ قَالَ: "الْأَثَرُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ. وَمَا بَعْدَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِأَثَرٍ"٣.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: فَكَيْفَ جَعَلْتَ أَنْتَ أَثَرًا مَا رَوَيْتَ٤ فِي رَدِّ مَذْهَبِنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ٥ وَأَبِي يُوسُفَ٦ وَأَبِي أُسَامَةَ٧ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ٨، وَالْمَرِيسِيِّ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ٩، وَالثَّلْجِيِّ١٠؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا رَوَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ١١ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ١٢، وَبَقِيَّةَ بن الْوَلِيد١٣ وَابْن
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل، س "أثر" بِالرَّفْع. ٢ أَبُو يُوسُف القَاضِي، تقدم ص"١٦٧". ٣ هَذَا من دَعْوَى الْمعَارض، وَلم أَقف فِيمَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من كتب عُلُوم الحَدِيث على من نسب هَذَا القَوْل إِلَى أبي يُوسُف وَكَذَا فِي مصنفات أبي يُوسُف نَفسه ككتاب الْآثَار، وَكتاب الْخراج وَغَيرهمَا، بل إِن من تَأمل كِتَابه "لآثار" يجد أَنه أورد فِيهِ أَخْبَارًا، ونقولًا كَثِيرَة عَن التَّابِعين، مِمَّا ينْقض دَعْوَى الْمعَارض عَلَيْهِ. وعَلى فرض ثُبُوته فاستدلال الْمعَارض بِهِ اسْتِدْلَال فِي غير مَحَله، ثمَّ هُوَ أَيْضا محجوج بتناقض الْمعَارض فِي أَقْوَاله كَمَا هُوَ وَاضح من رد الدَّارمِيّ عَلَيْهِ. ٤ فِي ط، ش "مَا رويت أثرا"، وَفِي س "مَا رويت أثر". ٥ أَبُو حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت، تقدم ص"١٩٢". ٦ أَبُو يُوسُف، تقدم ص"١٦٧". ٧ أَبُو أُسَامَة، تقدم ص"٤١٦". ٨ أَبُو مُعَاوِيَة، تقدم ص"١٥٧". ٩ اللؤْلُؤِي، تقدم ص"٥٥٦". ١٠ فِي ط، ش "وَابْن الثَّلْجِي". ١١ جَعْفَر بن مُحَمَّد، تقدم ص"١٥٤". ١٢ عَمْرو بن دِينَار، تقدم ص"٢٤٤". ١٣ بَقِيَّة بن الْوَلِيد، تقدم ص"٣٨٠".
[ ١ / ٥٩٢ ]
الْمُبَارَكِ١، وَوَكِيعٍ٢ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ٣ ونظرائهم أثرا عنْدك٤، فأبعد من الْأَثَرِ مَا احْتَجَجْتَ فِي رَدِّهِ عَنِ الْمَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ وَاللُّؤْلُؤِيِّ٥ وَنُظَرَائِهِمْ. فَكَيْفَ أَقَمْتَ أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ الْمُتَّهَمِينَ لِنَفْسِكَ أَثَرًا، وَلَا تُقِيمُ، أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ الْمُتَمَيِّزِينَ لَنَا أَثَرًا؟ مَعَ أَن يُوسُفَ٦ إِنْ قَالَ لَيْسَتْ أَقَاوِيلُ التَّابِعِينَ بِأَثَرٍ فَقَدْ أَخْطَأَ. إِنَّمَا يُقَالُ: لَيْسَ اخْتِلَافُ التَّابِعِينَ سُنَّةً لَازِمَةً كَسُنَنِ٧ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. فَأَمَّا أَنْ لَا يَكُونَ أَثَرًا٨ فَإِنَّهُ أَثَرٌ لَا شَكَّ فِيهِ. وَأَقَاوِيلُهُمْ أَلْزَمُ لِلنَّاسِ مِنْ أَقَاوِيلِ أَبِي يُوسُفَ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى٩ أَثْنَى عَلَى التَّابِعِينَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ١٠ فَشهد١١ بِاتِّبَاع
_________________
(١) ١ عبد الله بن الْمُبَارك، تقدم ص"١٤٣". ٢ وَكِيع، تقدم ص"١٥٠". ٣ عِيسَى بن يُونُس، تقدم ص"١٤٦". ٤ فِي ط، س، ش "عنْدك بأثر". ٥ فِي ط ش "واللؤلؤي وَابْن الثَّلْجِي"، فِي س "واللؤلؤي والثلجي"، وَانْظُر تَرْجَمَة اللؤْلُؤِي ص"٥٥٦" والثلجي ص"٧٣-٩٠". ٦ أَبُو يُوسُف، تقدم ص"١٦٧". ٧ فِي ط، ش "كسنن". ٨ فِي س "أثر" وَصَوَابه بِالنّصب. ٩ لفظ "تَعَالَى" لَيْسَ فِي ط، س، ش. ١٠ [سُورَة التَّوْبَة، آيَة ١٠٠] . ١١ فِي ط، س، ش "فَشهد لَهُم".
[ ١ / ٥٩٣ ]
الصَّحَابَةِ١، وَاسْتِيجَابِ الرُّضْوَانِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ سَمَّوْهُمُ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يَزَالُوا يَأْثِرُونَ٢ عَنْهُمْ٣ بِالْأَسَانِيدِ كَمَا يَأْثِرُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَيَحْتَجُّونَ بِهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَيَرَوْنَ آرَاءَهُمْ أَلْزَمَ مِنْ آرَاءِ من بعدهمْ، للاسم تَابِعِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ٥ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ٦: "وَلَا تُفْتِ النَّاسَ بِرَأْيِكَ" فَقَالَ: "رَأْيُنَا لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ آرَائِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ"٧، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ٨ مَا رُوِيَ عَن التَّابِعين
_________________
(١) ١ فِي ط، س، ش "الصَّحَابَة ﵃". ٢ فِي ط، ش "يؤثرون". ٣ فِي س "عَنهُ" وَلَا يَتَّضِح بِهِ الْمَعْنى. ٤ لَفْظَة "تَعَالَى" لَيست فِي ط، س، ش. ٥ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، تقدم ص"١٧٦". ٦ الْحسن الْبَصْرِيّ، تقدم ص"٢٢٧". ٧ أخرجه ابْن سعد فِي الطَّبَقَات، طبعة دَار بيروت ٧/ ١٦٥ قَالَ: أخبرنَا روح ابْن عبَادَة قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة، عَن الْجريرِي أَن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ لِلْحسنِ بن أبي الْحسن: أَرَأَيْت مَا تُفْتِي النَّاس أَشْيَاء سمعته أم بِرَأْيِك؟ فَقَالَ الْحسن: "لَا وَالله مَا كل مَا نفتي بِهِ سمعناه، وَلَكِن رَأينَا لَهُم خير من رَأْيهمْ لأَنْفُسِهِمْ" وَأخرجه ابْن عبد الْبر فِي جَامع بَيَان الْعلم وفضله ٢/ ٧٥ عَن الْحسن وَذكره ابْن الْقيم فِي إِعْلَام الموقعين طبعة درا الجيل ١/ ٧٤ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَيْضا. ٨ أَبُو يُوسُف، تقدم ص"١٦٧".
[ ١ / ٥٩٤ ]
أَثَرًا١ فَبِئْسَ٢ مَا أَثْنَى عَلَى زَعِيمِهِ٣ وَإِمَامِهِ أَبِي حَنِيفَةَ٤، إِذْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ عَامَّةَ فُتْيَاهُ بِغَيْرِ أَثَرٍ؛ لِأَنَّ عِظَمَ٥ مَا أَفْتَى وَأَخَذَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّا رَوَاهُ عَن حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ٦، وَكَانَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فَقَدْ شَهِدَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِغَيْرِ أَثَرٍ، وَعَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَبِعَهُ فِي فُتْيَاهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ٧، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا روى عَن التَّابِعين آثارعند أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَكُمْ٨ فَكَيْفَ سَمَّيْتَ رَأْيَ إِبْرَاهِيمَ: آثَارَ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَإِنَّمَا
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل "أثر" بِالرَّفْع وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ خبر "يكن". ٢ فِي ط، س، ش "فَلَيْسَ" ويتضح الْمَعْنى بِمَا فِي الأَصْل. ٣ فِي س "زَعمه" ويتضح الْمَعْنى بِمَا أُثبتناه. ٤ أَبُو حنيفَة، تقدم ص"١٩٢". قلت: وَعُثْمَان بن سعيد يحسن الظَّن بِأبي يُوسُف وَأبي حنيفَة رحمهمَا الله وَلَكِن الَّذِي حمله على هَذَا هُوَ قُوَّة اندفاعه فِي الرَّد على الْخصم كَمَا هُوَ وَاضح لمن تَأمل هَذَا الْكتاب. ٥ كَذَا فِي جَمِيع النّسخ ولعلها "أعظم ٦ فِي ط، س، ش "عَن حَمَّاد بن إِبْرَاهِيم" وَصَوَابه مَا فِي الأَصْل. تَأمل السطور الَّتِي بعده، وَحَمَّاد هَذَا هُوَ ابْن أبي سُلَيْمَان مُسلم الْأَشْعَرِيّ مَوْلَاهُم، أَبُو إِسْمَاعِيل الْكُوفِي، فَقِيه صَدُوق، وَله أَوْهَام، من الْخَامِسَة، رمي بالإرجاء، مَاتَ سنة عشْرين أَو قبلهَا، خت بخ م وَالْأَرْبَعَة، وَفِي تَهْذِيب التَّهْذِيب ٣/ ١٦ أَنه روى عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعنهُ أَبُو حنيفَة. وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، تقدم ص"٣٧٤"، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال ١/ ٦٧ أَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان روى عَنهُ. ٧ فِي ط، س، ش "بصر". ٨ فِي ط "عِنْد أبي يُوسُف وعندكم أثر"، وَفِي س "عِنْد أبي يُوسُف وعندكم" وَلم يذكر لَفْظَة "أثر"، وَفِي ش "عِنْد أبي يُوسُف وعندكم أثرا". قلت: أَبُو يُوسُف صَاحب أبي حنيفَة، تقدم ص"١٦٧".
[ ١ / ٥٩٥ ]
نقل الْمُؤلف أَقْوَال السّلف فِي الحكم على الْجَهْمِية والزنادقة
إِبْرَاهِيمُ١ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ. كَذَبْتُمْ إِذًا فِيمَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ ذَلِكَ لِأَبِي حَنِيفَةَ٢ أَنَّهُ أَثَرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَكُمْ.
فَتَفَهَّمْ٣ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ ثُمَّ تَكَلَّمْ، وَلَا تَنْطِقَنَّ٤ بِمَا٥ لَا تَعْلَمُ، فَإِنْ كُنْتَ لَا تُحْسِنُ فَتَعَلَّمْ، وَلَا تُرْسِلْ مِنْ رَأسك من يَأْخُذُ مِنْكَ بِالْكَظْمِ، فَيَنْقُضَ عَلَيْكَ وَتُطَلَّمَ٦ وَتُعَدَّ فِي عِدَادِ مَنْ لَا يفهم٧.
_________________
(١) ١ إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، تقدم ص"٣٧٤". ٢ أَبُو حنيفَة، تقدم ص"١٩٢". ٣ فِي ط، ش "فَافْهَم"، وَفِي س "فيهم" وَهُوَ بعيد. ٤ فِي ط، س، ش "وَلَا تنطق". ٥ فِي ط، س، ش "فِيمَا". ٦ كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ط، س، ش "وتلطم" انْتهى، قَالَ ابْن مَنْظُور: "وأصل الطلم الضَّرْب ببسط الْكَفّ، وطلم الْعرق عَن جَبينه مَسحه، قَالَ حسان: تظل جيادنا متمطرات يطلمهمن بِالْخمرِ النِّسَاء قَالَ ابْن الْأَثِير: وَالْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة تلطمهن وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. بِتَصَرُّف. انْظُر: لِسَان الْعَرَب لِابْنِ مَنْظُور، إعداد وتصنيف يُوسُف خياط ونديم مرعشلي ٢/ ٦١٠ مَادَّة "طلم". ٧ قَالَ فِي الأَصْل: آخر الْجُزْء الثَّانِي وَأول الْجُزْء الثَّالِث.
[ ١ / ٥٦٩ ]