الفصل الأول
منهج المنظومة
١٣٩ - فَهَا قَدْ نَظَمْتُ فِي اعْتِقَادِي قَصِيدَةً مُنَزَّهَةً عَنْ مَنْطِقِ الَّلغْوِ (٢) وَالْهُجْرِ (٣)
١٤٠ - عَرِيًَّا عَنِ الْإِيطَاءِ (٤) فِيهَا رَوِيُّها (٥) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لعله يقصد هنا الفقر المعنوي، فيكون مراده أنهم يضيئون له طريق العلم بما حملوه لنا من علم النبي - ﷺ -.
(٢) قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن مادة (لغا): [اللغو من الكلام: ما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور ].
(٣) قال ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٢٧٣): [الهُجْر: الخَنَا في القول والفُحْش. يقال: أَهْجَر في مَنْطقه اذا جاء بالخَنَا والقَبيح من القول ].
(٤) قال الأزهري في التهذيب مادة (وطئ): [أبو عبيد عن أبي عبيدة، قال: أبو عمرو ابن علاء: الإيطاء ليس في الشعر عند العرب، وهو إعادة القافية مرتين، وقد أَوطأَ الشاعر. قال الليث: إنما أخذ من المُواطأَة، وهي الموافقة على شيء واحد، يقال واطأ الشاعر، وأوطأ إذا اتفقت له قافيتان على كلمة واحدة معناهما واحد. قال: فإذا اختلف المعنى واتفق اللفظ فليس بإبطاء. وأخبرني أبو محمد المزني عن أبي خليفة، عن محمد بن سلام الجمحي أنه قال: إذا كثر إيطاء في قصيدة مرات فهو عيب عندهم.].
(٥) الرَّوِيُّ: هو حرف القافية، قال ابن منظور في اللسان مادة (روى): [الرَّويُّ حرف القافية قال الأَخفش: الرَّويُّ الحرف الذي تُبْنى عليه القصيدة ويلزم في كل بيت منها في موضع واحد نحو قول الشاعر: إِذا قلَّ مالُ المَرْءِ قلَّ صديقُه وأَوْمَتْ إِليه بالعُيوبِ الأَصابعُ قال: فالعين حرف الرَّويّ وهو لازم في كل بيت]. وجاء في الموسوعة العربية العالمية: [الروي، هو الحرف الذي تُبنى عليه القصيدة وتُنسب إليه، فيُقال: قصيدة دالية وتائية ولابُد لكُل شعر من روي نحو قوله: مابالُ عينِك منها الماءُ يَنْسَكِبُ كأنّه من كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرِبُ فالباء هي الروي.]. وحرف الرَّوِيُّ في منظومتنا هو: الراء.
[ ١٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . وَلَيْسَتْ مِنَ التَّضْمِينِ مُثْقَلَةَ الظَّهْرِ (١)
الفصل الثاني
مذهب الناظم
١٤١ - عَلَى مَذْهَبِ الشَّيْبَانِيَ الْأَصْلِ أَحْمَدَ إِبْنِ حَنْبَلِ الْعَلَّامَةِ الْقُثَمِ. . . . . . . . . .
_________________
(١) قال عبد الحميد بن محمد في شرحه على نظم العمريطي للورقات المسمى "لطائف الإشارات" (ص/٤ - ٥): [لا يخفى أن في كلامه - أي العمريطي - ﵀ - من عيوب القافية التضمين، وهو كما في كتابي "فتح الجليل الكافي لمتممة متن الكافي في العروض والقوافي" و"شرح الخزرجية": تعليق قافية البيت الأول بصدر البيت الذي بعده بأن يفتقر إليه في الإفادة، وسمي تضمينًا؛ لأن الشاعر ضمن البيت الثاني معنى الأول لأنه لا يتم إلا بالثاني، لكن هذا جائز للمولدين في غير المدائح الشعرية، والبديعيات الأدبية سواء المديح النبوي، وغيره، فهذا لا يجوز الإتيان به حتى لهم، وأما نظم أنواع العلوم الكثيرة خصوصًا أهل الأراجيز في الفنون الشهيرة مثل الرجزية فيجوز لهم هذا التضمين كأمثاله بلا شك ولا ريب، وما في ارتكابه من عيب؛ لأن من نظم في علم من العلوم إنما قصد حصر الألفاظ، وضبط المعاني، لتحصيل المقتضى البياني، وتسهيل الملفوظ اللساني، فلذلك لم يراع أكثر أهل المنظومات في فنون العلوم تجنب التضمين، وما شابهه من الضرورات في مناظيمهم سيما أراجيزهم؛ لأن قصدهم التحقيق في منظوماتهم، وتبليغ معلوماتهم. ثم إن التضمين العروضيين هذا غير التضمين الذي ذكره البيانيون نوعًا من أنواع البديع فإنه مستحسن جدًا، وهو أن يضمن الشاعر شيئا من شعر الغير مع التنبيه على أنه من الغير، إن لم يكن ذلك مشهورًا عند البلغاء، لئلا يتهم بالأخذ والسرقة، وإلا فلا حاجة إليه، وقد بينته بيانًا شافيًا في شرحي على بديعيتي فانظره إن شئت].
[ ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الْحَبْرِ (١)
الفصل الثالث
سبب تسمية المنظومة بنهج الرشاد
١٤٢ - وَسَمَّيْتُهَا نَهْجَ (٢). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أي العالم، والصالح، وقد سبق بيان معنى القتم عند التعليق على البيت العاشر. والناظم هنا قد نسب اعتقاده للإمام أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي؛ لأنه صار علمًا على أهل السنة والجماعة، وإمامًا في عصر المأمون في المحنة التي أبتلي بها علماء السلف في ذلك العهد، فإن المأمون أدخل على الأمة الإسلامية من علم اليونان، وعلم الكلام ما يستحق عليه الجزاء من الله - ﷿ -؛ لأنه أدخل على الأمة علومًا أفسدت العقائد، ونصر البدعة نصرًا عزيزًا، وحصل منه إيذاء لأهل السنة فكان يحبسهم، ويشهِّر بهم ويطوف بهم في الأسواق ويضربهم، والعياذ بالله، مما اضطر كثير من العلماء إلى أن يوافقوا ولو ظاهرًا على سبيل أنهم مكرهون ومنهم من تأول، ولكن الإمام أحمد - ﵀ - ومحمد بن نوح أصرا على أن يعلنا الحق بدون تأويل، ولكن محمد بن نوح توفي، وصلى عليه الإمام أحمد الذي بقي وحيدًا يدافع عن السنة، وعقيدة المسلمين، وحصل له من الإيذاء والإهانة ما لا يصبر عليه إلا أمثاله حتى كانوا يجرونه في الأسواق بالبغلة، ويضربونه بالسياط حتى يغمى عليه، وهو صابر ومصمم على أن يبقى على ما هو عليه من قول الحق، لأنه لو قال خلاف الحق في ذلك الوقت ولو بالتأويل لضل الناس، إذ أن الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد بن حنبل، فبذلك استحق أن يكون إمامًا. وقال الإمام علي بن المديني: أحمد إمامًا فيما بيني وبين الله تعالى، وقال: أحمد سيدنا حفظ الله أحمد هو اليوم حجة الله على خلقه، وقال: إن الله تعالى أعز هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة. ومناقب الإمام أحمد كثيرة أفرد سيرته البعض بالتأليف، ومن ذلك على سبيل المثال: سيرة الإمام أحمد بن حنبل لابنه صالح بن أحمد، ومناقب الإمام احمد بن حنبل لابن الجوزي، ومحنة الإمام احمد بن حنبل لعبد الغني المقدسي، والجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد بن حنبل لمحمد بن السعدي الحنبلي، إلى غير ذلك من المؤلفات.
(٢) قال الجوهري في الصحاح مادة (نهج): [النَهْجُ: الطريق الواضح. وكذلك المَنْهَجُ والمِنْهاجُ. وأَنْهَجَ الطريقُ، أي استبانَ وصار نَهْجًا واضحًا بَيِّنًا. قال يزيد بن الحذَّاق العبديّ: ولقد أضاءَ لك الطريقُ وأَنْهَجَتْ سُبُلُ المَسالِكِ والهُدى تُعْدي أي تُعين وتقوِّي. ونَهَجْتُ الطريق، إذا أَبَنْتَهُ وأوْضحته. يقال: اعْمَلْ على ما نَهَجْتُهُ لك ]
[ ١٢٢ ]
. . . . . . . . الرَّشَادِ (١) لِكَوْنِهَا تَفُوقُ بِنَظْمِ الْاِعْتِقَادِ عِلِى الدُّرِّ (٢)
الفصل الرابع
رجاء من الله
١٤٣ - رَجَوْتُ بِهَا فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ مَنْزِلًَا رَفِيعًَا لِبَاسِي فِيهِ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرِ
الفصل الخامس
مدح الناظم لمنظومته
١٤٤ - فَدَونَكَهَا بِكْرًَا (٣) تَأَرَّجَ عَرْفِهَا (٤) يَفُوقُ عَلَى رَيَّا (٥). . . . . . . . .
_________________
(١) وقال الجوهري أيضًا في مادة (رشد): [الرَشادُ: خلاف الغَيّ]، وعليه فنهج الرشاد بمعنى: طريق الهداية الواضح.
(٢) أي اللؤلؤ العظيم الكبير.
(٣) البكر هو أول كل شيء، والمعنى أن الناظم - ﵀ - يمتدح منظومته بأن فيها أفكارًا بكرًا، لم يسبقه إلى نظمها على هذه الصورة أحد، وبأن فيها معان بديعة، وتقارير مبتكرة، فإنها على صغر حجمها قد حوت جملًا كثيرة مفيدة، قرر فيها مذهب السلف، ورد على الشيعة وأمثالهم من المبتدعة، إلى غير ذلك مما هو مسطر فيها، فرحم الله ناظمها.
(٤) أي توهج، وانتشر ريحها الطيب، وذلك لما ذكر فيها من مذهب أهل الحق، وما نزهها به عن منطق اللغو، والهجر.
(٥) أي الريح الطيبة، قال أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث باب رَيَّا: [والرَّيَّا: الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ. قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ: إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا نَسِيمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ قوله: بِرَيَّا القَرَنْفُلِ: لَا يَكُونُ الرَّيَّا إِلَاّ رِيحًا طَيّبَةً ].
[ ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .القَرَنْفُلِ (١) وَالقُطْرِ (٢)
١٤٥ - مُحَجَّبَةً فِي خِدْرِهَا (٣) غَيْرَ طَامِثٍ (٤) وَلَيْسَ الْعَجُوزُ الْأَيِّمُ (٥) كَالْكَاعِبِ (٦) الْبِكْرِ (٧)
١٤٦ - جَنَا النَّحْلِ (٨) لِلسُّنِّىِّ عَذْبًِا (٩) مَذَاقُهَا . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) هو برعم زهرة لها عبير فواح، وجاء في الموسوعة العربية العالمية: [القُرُنْفُل اسم يطلق على البراعم الزهرية اليابسة لشجرة مدارية تنتمي للفصيلة الآسية. تستخدم البراعم اليابسة منه توابل. وينمو القرنفل بريًا في أجزاء من إندونيسيا، وجزر الهند الغربية، وهو محصول في إندونيسيا، ومدغشقر وتنزانيا. يبلغ ارتفاع شجرة القرنفل الخضرة ما بين ٤،٥ و٩ أمتار، وهي شجرة دائمة الخضرة، وتبدو أوراقها الكبيرة الطرية المتطاولة مستدقة الشكل. وتنمو أزهارها ذات اللون الضارب إلى الأرجواني على ساقين ذواتي عقد. ويتم قطف براعم هذه الأزهار التي تسمى أزهار القرنفل قبل أن تتفتح. ويبدو لونها عندئذ آخذًا في الاحمرار، لكنها تتحول إلى البني الغامق عند جفافها. وللقرنفل عبير فواح ومذاق حاد دافئ يستخدم أساسًا لأغراض الطهي. ويضاف الزيت المستخرج من براعم شجرة القرنفل وساقها لأطباق الحلوى ليضفي عليها نكهة ورائحة طيبة.].
(٢) وهو عود يتبخر به. وانظر لسان العرب مادة (قطر).
(٣) الخدر هو كل ما يواري.
(٤) قال الأزهري في تهذيب اللغة مادة (طمث): [وقال أبو الهيثم: يقال للمرأة طُمِثَتْ تُطمَثُ أي أُدميت بالافتضاض، وطَمِثَتْ على فَعِلَتْ تَطمثُ إذا حاضت أول ما تحيض فهي طامث ].
(٥) التي لا زوج لها، سواء كانت تزوجت من قبل أو لم تتزوج. وانظر مختار الصحاح مادة (أيم).
(٦) أي التي نهد ثديها. وبكل هذه الصفات يشير الناظم إلى أهمية منظومته، وفضل ما احتوته من معان جليلة، وأنها مُقَدَّمة على ما يسطره أهل البدع والأهواء.
(٧) وقد أعرضت في تعليقي على هذه المنظومة عن ذكر ما فيها من استعارات، ونحو ذلك؛ لاختياري القول بعدم جواز المجاز في اللغة، والقرآن، وقد فصلت القول في ذلك في رسالتي: تتمة منع جواز المجاز ببيان الأساليب والإطلاقات العربية التي ذكرها العلامة الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان. فانظرها.
(٨) أي العسل، وقال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ (النحل:٦٩).
(٩) أي مستساغًا، قال ابن دريد في جمهرة اللغة مادة (بذع): [عَذُب الماءُ وغيره، إذا استساغ. والعَذْب: ضد المِلْح، وكل مستسيغٍ من طعام أو شراب، وجمعه عِذاب.].
[ ١٢٤ ]
. . . . . . . . شَجَى (١) الْحَلْقِ (٢) لِلْبِدْعِيِّ أَوْ كَلَظَى (٣) الْجَمْرِ
الفصل السادس
التماس واعتذار
١٤٧ - فَيَا نَاظِرًَا فِيهَا تَدَارَكْ لِمَا عَسَى يَكُونُ بِهَا مِنْ خَافِيَ الْوَهْنِ بِالْجَبْرِ (٤)
١٤٨ - فَقَدْ خُلِقَ التَّقْصِيرُ وَالنَّقْصُ فِي الْوَرَى لِيَنْفَرِدَ الْبَارِي عَلَا بِاسْمِهِ الْوِتْرِ (٥)
_________________
(١) قال الخليل بن أحمد في العين مادة (شجو): [والشَّجا، مقصورٌ، ما نشب في الخلق من غُصَّةِ همِّ أو عودٍ أو نحوه، والفِعلُ: شجي يشجي بكذا شجىً شديدًا، والشَّجا: اسم ذلك الشيءِ، قال: ويَراني كالشَجَا في حلقِه عسرًا مَخرجُه ما ينتزع].
(٢) بالأصل: (قذى العين)، وبالهامش تصويبها لـ: (شجى الحلق).
(٣) أي كلهب، قال الصاحب بن عباد في المحيط في اللغة مادة (لظى): [اللَّظى: اللَّهَبُ الخالِصُ. ولَظى غَيْرُ مَصْرُوْفَةٍ: من أسْمَاءِ جَهَنَّمَ. ولَظِيَتِ النَّارُ تَلْظَى لَظىً. والحَرُّ يَتَلظَّى: أي يَتَلَهَّبُ، ويَلْتَظِي].
(٤) أي بالتصويب والإصلاح، لا بالتشهير والإفساد.
(٥) الوتر من أسماء الله، ومعناه: الواحد الفرد الذي أنفرد بصفات الجلال والكمال، المستغني بذاته عن غيره، وهو سبحانه واحد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله. وانظر تتمة أضواء البيان (٩/ ٢١٠ - ٢١١) (الفجر/١: ٤). وقال د. محمود عبد الرازق في محاضرة له عن شرح الأسماء الحسنى الدالة علي صفات الفعل: [الاسم الرابع والثمانون من أسماء الله الحسنى، هو اسم الله: الوتر، فقد سماه به رسول الله - ﷺ - علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية، ودالا علي الوصفية في بعض النصوص النبوية، وقد ورد المعنى محمولا عليه مسندا إليه، كما ورد في صحيح البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: (لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَاّ وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَاّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهْوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ)، وفي صحيح مسلم من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ)، وعند أبي داود والترمذي وابن ماجة والنَسائى وصححه الشيخ الألباني من
[ ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) حديث عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، وفي رواية: إِنَّ اللَّهَ ﷿ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، وعند أحمد من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ. والوِتْرُ في اللغة هو الفَرْدُ أَو ما لم يَتَشَفَّعْ من العَدَدِ، قال تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) (الفجر:٣) قيل: الوتر آدم ﵇ والشَّفْع أنه شُفِعَ بزوجته، وقيل: الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة، وقيل: الأَعداد كلها شفع ووتر كثرت أَو، قلّت، وقيل: الوتر هو الله الواحد والشفع جميع الخلق خلقوا أَزواجًا، وكان القوم وتِرًا فَشَفَعْتهم وكانوا شَفْعًا فَوَتَرْتهم، وعند البخاري من حديث ابْنِ عُمَرَ أن رجلا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا تَرَى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ قَالَ: مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى، وعند الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ أن رَسُول اللَّهِ ﷺ: (إِذَا تَوَضَّاتَ فَانْتَثِرْ وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ) أي اجعل الحجارة التي تستنجي بها فردًا استنج بثلاثة أَحجار، أَو خمسة، أَو سبعة، ولا تستنج بالشفع. والله تعالى وتر انفرد عن خلقه فجعلهم شفعا، فالله ﷿ خلق المخلوقات بحيث لا تعتدل ولا تستقر إلا بالزوجية ولا تهنأ على الفردية والأحدية، يقول تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الذاريات:٤٩)، فالرجل لا يهنأ إلا بزوجته وبغيرها لا يشعر بسعادته فلا بد من الزوجية ومشاركته لأسرته، والتوافق بين محبتهم ومحبته، فيراعى في قراره ضروريات أولاده زوجته، ولا يمكن أن تستمر الحياة التي قدرها الله على خلقه بغير الزوجية، حتى في تكوين أدق المواد الطبيعية، فالمادة تتكون من مجموعة من العناصر والمرَكَّبات، وكل عنصر مكون من مجموعة من الجزيئات، وكل جزيء مكون من مجموعة من الذرات، وكل ذرة لها نظام في تركيبها تتزواج فيه مع أخواتها، سواء كانت الذرةُ سالبةً أو موجبةً، فالعناصر في حقيقتها عبارة عن أخوات من الذرات متزاوجات متفاهمات، متكاتفات ومتماسكات ففي علم الطبيعة والفيزياء معلوم أنه لا يتكون جزئُ الماء إلا إذا اتحدت ذرتان من الهيدروجين مع ذرة واحدة من الأكسجين؟ فالذرات متزاوجة سالبها يرتبط بموجبها، لا تهدأ ولا تستقر إلا بالتزاوج من بعضها البعض، فهذه بناية الخلق بتقدير الحق، بنيت على الزوجية والشفع، أما ربنا ﷿ فذاته صمدية وصفاته فردية، فهو المنفرد بالأحدية والوترية، كما ثبت في السنة النبوية: (إِنَّ اللَّهَ ﷿ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ). وقد قيل أيضا في معنى الشفع والوتر أن الشفع: تنوع أوصاف العباد بين عز وذل، وعجز وقدرة، وضعف وقوة، وعلم وجهل، وموت وحياة، والوتر: انفراد صفات الله ﷿ فهو العزيز بلا ذل، والقدير بلا عجز، والقوي بلا ضعف، والعليم بلا جهل، وهو الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، ومن أساسيات التوحيد والوترية أن تفرد الله عمن سواه في ذات الله وصفاته وأفعاله ].
[ ١٢٦ ]
١٤٩ - وَقُلْ رَبِّ سَامِحْ مَنْ تَكَلَّفَ نَظْمِهَا وَقَارِئَهَا وَالسَّامِعِيَن وَمَنْ يُقْرِى
خاتمة
١٥٠ - وَأبْيَاتُهَا خَمْسُونَ مَعَ مِائَةٍ (١) لَهَا سَنَا الْبَدْرِ (٢) مَعْ صَوْبِ الْغَمَامِ عَلَى الْبَذْرِ (٣)
١٥١ - مُؤَلِّفُهَا نَجْلُ الْعَبادِيِّ يُوسُفُ وَخَاتِمُهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالشُّكْرِ (٤)
_________________
(١) وقال البغدادي في "هداية العارفين" وهو يتكلم عن مؤلفات الناظم: (نهج الرشاد في نظم الاعتقاد في ثلاثمائة بيت)، وليس الخبر كالمعاينة.
(٢) أي لها ضوء ساطع، كالقمر ليلة تمامه، ومقصوده به هنا البرق.
(٣) أي نزول المطر من السحاب على الحب.
(٤) فائدة: الفرق بين الحمد، والشكر من كلام شيخ الإسلام، قال - ﵀ في مجموع الفتاوى (١١/ ١٣٣ - ١٣٤) عندما سُئِلَ عن الحمد والشكر ما حقيقتهما، هل هما معنى واحد، أو معنيان وعلى أي شيء يكون الحمد، وعلى أي شيء يكون الشكر؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. الحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه سواء كان الإحسان إلى الحامد، أو لم يكن. والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر؛ لأنه يكون على المحاسن والإحسان، فان الله تعالى يحمد على ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى وما خلقه في الآخرة والأولى، ولهذا قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ (الأنعام/١) وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ (سبأ/١) وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ (فاطر/١). وأما الشكر فانه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه لكنه يكون بالقلب، واليد، واللسان كما قيل: أفادتكم النعماء منى ثلاثة: يدي، ولساني، والضمير المحجبا. ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (سبأ/١٣). والحمد إنما يكون بالقلب، واللسان فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه، ومن هذا الحديث (الحمد لله رأس الشكر، فمن لم يحمد الله لم يشكره) - قلت: عزاه الشيخ الألباني في الضعيفة (١٣٧٢) للبغوي في شرح السنة (٢/ ١٤٤)، من حديث ابن عمرو - ﵄ - مرفوعًا به، وضعفه - وفى الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: (أن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها) - رواه مسلم (٤/ ٢٠٩٥) (٢٧٣٤) من حديث أنس - ﵁ - والله أعلم]. وبالأصل بجوار هذا البيت وجدت عبارة: قوبلت بالأصل. وعبارة: (بلغ سعيد قراءةً ليّ. كتبه: يوسف السرمري).
[ ١٢٧ ]
تمت بحمد الله تعالى، وحسن توفيقه وَمَنِّه.
علقها منشئها يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد العبادي السرمري
عفا الله عنه، وعن جميع المسلمين
فِي شهر صفر فِي سنة ثلاثين، وسبعمائة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله، وصحبه، وسلم.
[ ١٢٨ ]