وفيه فصلان
[ ٣١ ]
الفصل الأول: بيان المعنى الصحيح لمحبته ﷺ والأدلة على وجوبها
وفيه مبحثان
[ ٣٣ ]
المبحث الأول: المعنى الصحيح لمحبته ﷺ -
المطلب الأول: تعريف المحبة:
أحببت قبل الشروع في بيان المعنى الصحيح لمحبة النبي ﷺ أن أتطرق للمعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة المحبة، وذلك بهدف التعريف بهذه الكلمة وبيان مدلولها:
أ - أصل اشتقاق المحبة:
قال صاحب لسان العرب: "المحبة: اسم للحب" (^١).
ويرى ابن القيم أن مادة كلمة "حب" تدور في اللغة على خمسة أشياء:
أحدها: الصفاء والبياض، ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها "حبب الأسنان".
الثاني: العلو والظهور، ومنه "حبب الماء وحبابه" وهو ما يعلوه عند المطر الشديد، وحبب الكأس منه.
الثالث: اللزوم والثبات، ومنه: "حبَّ البعير وأحب، إذا برك ولم يقم.
_________________
(١) (١/ ٢٩٠).
[ ٣٥ ]
قال الشاعر:
حلت عليه بالفلاة ضربًا … ضرب بعير السوء إذ أحبَّا
الرابع: اللب، ومنه: حبة القلب، للبُّه وداخله.
ومنه: الحبة لواحدة الحبوب، إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه.
الخامس: الحفظ والإمساك، ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه وفيه معنى الثبوت أيضًا.
ثم قال ﵀: ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة:
١ - فإنها صفاء المودة، وهيجان إرادات القلب للمحبوب.
٢ - وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد.
٣ - وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا تفارقه.
٤ - ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده، وهو قلبه.
٥ - ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه.
فاجتمعت فيها المعاني الخمسة (^١).
ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: "الحاء" التي هي من أقصى الحلق.
و"الباء" الشفوية التي هي نهايته.
_________________
(١) زاد ابن القيم في كتابه روضة المحبين (ص ١٧، ١٨) على هذه المعاني الخمسة ما يلي: "وقيل: بل هي مأخوذة من القلق والاضطراب، ومنه سمي القرط حبا لقلقه في الأذن واضطرابه. وقيل بل هي مأخوذة من الحب الذي هو إناء واسع فيمتلئ به بحيث لا يسع لغيره، وكذلك قلب المحب ليس فيه سعة لغير محبوبه، وقيل: مأخوذة من الحب وهو الخشبات الأربع التي يستقر عليها ما يوضع من جرة أو غيرها فسمي الحب بذلك لأن المحب يتحمل لأجل محبوبه الأثقال، كما تتحمل الخشبات ثقل ما يوضع عليها.
[ ٣٦ ]
فللحاء الابتداء، وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه.
وقالوا في فعلها: حَبْهُ وأحَبَّهُ.
ثم اقتصروا على اسم الفاعل من "أحب" فقالوا: "مُحِبٌّ" ولم يقولوا "حاب". واقتصروا على اسم المفعول من "حب" فقالوا: "محبوب" ولم يقولوا "مُحَب" إلا قليلا كما قال الشاعر:
ولقد نزلت فلا تظني غيره … مني بمنزلة المُحَب المكرم (^١)
وأعطوا "الحب" حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها، مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها.
وأعطوا "الحِب" وهو المحبوب: حركة الكسر لخفتها عن الضمة وخفة المحبوب، وخفة ذكره على قلوبهم وألسنتهم …
فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني تطلعك على قدر هذه اللغة، وأن لها شأنا ليس لسائر اللغات (^٢).
ب - الحد الاصطلاحي للمحبة:
قال ابن حجر (^٣): "وحقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا تحد، وإنما يعرفها من قامت به وجدانا ولا يمكن التعبير عنها" (^٤).
_________________
(١) البيت لعنترة بن شداد.
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٩ - ١١).
(٣) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - صاحب كتاب فتح الباري - من أئمة العلم والتاريخ، ولد بالقاهرة سنة (٧٧٣ هـ)، وتوفي بها سنة (٨٥٢ هـ)، وله مؤلفات كثيرة. الأعلام (١/ ١٧٨).
(٤) فتح الباري (١٠/ ٤٦٣).
[ ٣٧ ]
وقال ابن القيم: "لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها. ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات وكثرت الإشارات، بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة" (^١)
قلت: وهذا الذي ذكره ابن القيم وابن حجر هو الذي تطمئن له النفس فالمحبة أمر شعوري وجداني يتعرف عليه بواسطة الأمور الستة التي أشار إليها ابن القيم، وذلك لكون هذه الأمور هي العناصر التي يمكن أن يعبر عن المحبة من طريقها.
ولذلك فلا داعي لذكر تعريفات العلماء لها فحدها وجودها، والحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٩).
[ ٣٨ ]
المطلب الثاني: أقسام المحبة:
أ - أقسام المحبة من حيث العموم:
تنقسم المحبة من حيث العموم إلى قسمين:
١ - مشتركة، ٢ - خاصة.
القسم الأول: المحبة المشتركة.
وهي ثلاثة أنواع:
أحدها: محبة طبيعية كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء ونحو ذلك، وهذه لا تستلزم التعظيم.
الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، وهذه أيضا لا تستلزم التعظيم.
الثالث: محبة أنس وألف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر، لبعضهم بعضا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا. فهذه الأنواع الثلاثة، التي تصلح للخلق، بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله، ولهذا كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل، وكان يحب نساءه، وعائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق ﵁.
القسم الثاني: المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله.
ومتى أحب العبد بها غيره، كان شركًا لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره.
[ ٣٩ ]
فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا (^١) بل يجب إفراد الله بهذه المحبة الخاصة التي هي توحيد الإلهية، بل الخلق والأمر والثواب والعقاب، إنما نشأ عن المحبة ولأجلها، فهي الحق الذي خلقت به السموات والأرض، وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي وهي سر التأله، وتوحيدها هو شهادة أن لا إله إلا الله، وليس كما يزعم المنكرون، أن الإله هو الرب الخالق، فإن المشركين كانوا مقرِّين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه، ولم يكونوا مقرين بتوحيد الإلهية الذي هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله الذي تألهه القلوب حبا وذلا وخوفا ورجاء وتعظيما وطاعة.
وإله بمعنى مألوه؛ أي: محبوب معبود، وأصله من التأله وهو التعبد الذي هو آخر مراتب المحبة، فالمحبة حقيقة العبودية (^٢) وسيأتي مزيد تفصيل لهذا القسم.
ب - أقسام المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها:
تنقسم المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها إلى قسمين:
١ - نافعة محمودة، ٢ - مذمومة ضارة.
القسم الأول: المحبة النافعة:
وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة وهي ثلاثة أنواع:
أ - محبة الله.
ب - محبة في الله.
ج - محبة ما يعين على طاعة الله واجتناب معصيته.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٤١١).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٤١٢).
[ ٤٠ ]
فيحب الله تعالى حبًّا لا يشاركه فيه أحد، ويكون الله ﷿ هو المحبوب المراد الذي لا يحب لذاته ولا يراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى الذي لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو محبوبه ومراده وغاية مطلوبه. وتكون هذه المحبة مستلزمة لما يتبعها من عبادته تعالى وخضوعه له، وتعظيمه ﷿.
والمحبة في الله: بأن يحب المؤمنين لا يحبهم إلا لله ويكون هواه تبعا لحب الله تعالى ورضاه، فلا يحب إلا ما يحب الله تعالى.
ومحبة ما يعين على طاعة الله أنواع كثيرة تندرج فيها جميع العبادات.
القسم الثاني: المحبة الضارة:
وهي المحبة المذمومة التي تجلب لصاحبها ما يضره وهو الشقاء. وهي ثلاثة أنواع أيضا:
١ - المحبة مع الله.
٢ - محبة ما يبغضه الله.
٣ - محبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها.
فمن النوع الأول: محبة المشركين آلهتهم كحب الله.
ومن النوع الثاني: محبة الفواحش والمنكرات التي يبغضها الله.
ومن النوع الثالث: عشق النساء الذي يزيد عن حده حتى يضيع الأوامر ويدخل في النواهي، وفي مقدمة ذلك عشق الفاسقات والعاهرات والولدان.
فهذه ستة أنواع عليها مدار كتاب الخلق.
فأصل المحاب المحمودة محبة الله تعالى؛ وأصل الإيمان والتوحيد والنوعان الآخران تبع لها.
[ ٤١ ]
كما أن المحبة مع الله أصل الشرك والمحاب المذمومة، والنوعان الآخران تبع لها (^١).
فأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة، فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله فوالوا عليها وعادوا عليها وتألهوها وقالوا: هذه آلهة صغار تقربنا إلى الإله الأعظم، قال تعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾.
ففرق بين محبة الله أصلًا، والمحبة له تبعًا، والمحبة معه شركًا، وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك (^٢).
_________________
(١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٤٠، ١٤١)، وجامع الرسائل (٢/ ٢٠٢).
(٢) روضة المحبين (٢٩٣).
[ ٤٢ ]
المطلب الثالث: حقيقة المحبة الشرعية:
المقصود بالمحبة الشرعية: محبة الله ﷾ ومحبة رسوله ﷺ وكل ما يدخل في فلكها ويدور مع محورها.
فهذه المحبة من أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله، بل ومن أوجب العبادات المناطة بقلب المؤمن، ذلك لأنه لابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله، وأن يكون الله ورسوله ﷺ إليه مما سواهما.
فهي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين، فإن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة: إما محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة.
فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله ﷾، إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة لا يكون عملا صالحا عند الله، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه. كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (^١).
فإخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله سواه وهو الذي
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كناب الزهد: باب من أشرك في عمله غير الله (٨/ ٢٢٣).
[ ٤٣ ]
بعث به الأولين والآخرين من الرسل، وأنزل به جميع الكتب واتفق عليه أهل الإيمان.
وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه (^١). فأصل الدين وقاعدته يتضمن أن يكون الله هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك.
والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه بمحبته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به (^٢).
فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة كقوله تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذرايات]، وقوله: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وأمثال هذا والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا، والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبودا، ولهذا قال تعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
فبين سبحانه أن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادا، وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم، لأن المؤمنين أعلم بالله، والحب يتبع العلم، ولأن المؤمنين
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨، ٤٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٥٢٣، ٥٢٤).
[ ٤٤ ]
جعلوا جميع حبهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر].
واسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانا المحبة التي لله لا يستحقها غيره. ولهذا جاءت محبة الله ﷾ مقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله ﷾.
وكما أن محبته هي أصل الدين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها (^١) وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب ﷾ فالحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وخلق الجنة والنار (^٢).
قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾
وقال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أيُّهُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فِي سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
فأخبر سبحانه في هذه الآيات أن خلق العالم والموت والحياة وتزين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا، فيكون عمله موافقًا لمحاب الرب تعالى، فيوافق الغاية التي خلق
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦، ٥٧).
(٢) روضة المحبين (ص ٥٩).
[ ٤٥ ]
هو لها وخُلق لأجلها العالم، وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته، وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه، وقدر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرها، وامتحن خلقه بين أمره وقدره ليبلوهم أيهم أحسن عملا.
فانقسم الخلق في هذا الابتلاء فريقين:
فريقًا داروا مع أوامره ومحابه، ووقفوا حيث وقف بهم الأمر، وتحركوا حيث حركهم الأمر، واستعملوا الأمر في القدر، وركبوا سفينة الأمر في بحر القدر، وحكموا الأمر على القدر، ونازعوا القدر بالقدر امتثالا لأمره واتباعا لمرضاته فهؤلاء هم الناجون.
والفريق الثاني: عارضوا بين الأمر والقدر، وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه، فهؤلاء هم المفرطون (^١).
وحقيقة المحبة: حركة نفس المحب إلى محبوبه، فالمحبة حركة بلا سكون (^٢) فالحب يوجب حركة النفس وشدة طلبها، والنفس خلقت متحركة بالطبع كحركة النار، فالحب حركتها الطبيعية، فكل من أجل شيئا من الأشياء وجد في حبه لذة وروحا، فإذا خلا عن الحب مطلقا تعطلت النفس عن حركتها وثقلت وكسلت وفارقها خفة النشاط، ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس هما وغما وحزنا، ليس لهم فرح ولا سرور، بخلاف أرباب النشاط والجد في العمل أي عمل كان، فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته كان التذاذهم بحبه ونشاطهم فيه أقوى.
وإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقرة العين به، والأنس بقربه،
_________________
(١) روضة المحبين (٦٠، ٦١).
(٢) روضة المحبين (ص ٥٩).
[ ٤٦ ]
والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلِّص من الخلود في دار الآلام فكيف بالإيمان الذي يمنع من دخولها (^١).
ولهذا كان أعظم صلاح العبد أن يصرف قوى حبه كلها لله تعالى وحده بحيث يحب الله بكل قلبه وروحه وجوارحه فليس لقلب العبد صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله، فلا يحب إلا لله.
كما في الحديث الصحيح: "ثلاث من كن فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" (^٢)، فأخبر أن العبد لا يجد حلاوة الإيمان إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه، ومحبة الرسول هي من محبته، ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبة الله، وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها، وتصدق هذه المحبة بأن يكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه - وهو الكفر - بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد.
ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة، فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه وحياته شيئا، فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خير بين الكفر وإلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر كان الله
_________________
(١) روضة المحبين (ص ١٦٥، ١٦٦، ١٦٨) بتصرف.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان برقم (٢١)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب خال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان برقم (٤٣).
[ ٤٧ ]
أحب إليه من نفسه فالحديث دل على أن حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله، وهذه الحلاوة لا تحصل إلا بثلاثة أمور:
أ - تكميل هذه المحبة، ٢ - تفريعها، ٣ - دفع ضدها.
١ - "فتكميلها": أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفي فيها بأصل الحب، بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
٢ - و"تفريعها": أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
٣ - و"دفع ضدها" أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار (^١) وهذه المحبة هي فوق ما يجده سائر العشاق والمحبين من محبة محبوبهم، بل لا نظير لهذه المحبة كما لا مثيل لمن تعلقت به.
وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد وتقتضي كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهرا وباطنا وهذا لا نظير له في محبة المخلوق كائنا من كان.
ولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركا شركا لا يغفره الله كما قال الله تعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. والصحيح أن معنى الآية: والذين آمنوا أشد حبا لله من أهل الأنداد لأندادهم كما تقدم بيانه أن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلا، كما لا يماثل محبوبهم غيره. وكل أذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته، وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عين في محبته (^٢).
وكثير من الناس يدعي محبة الله تعالى من غير تحقيق لموجباتها قال بعض السلف: ادعى قوم على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٠٦).
(٢) روضة المحبين (١٩٩، ٢٠٠).
[ ٤٨ ]
فأنزل الله هذه الآية (^١) ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، وهذا لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله، وليس شيء يحبه الله إلا والرسول يدعو إليه، وليس شيء يدعو إليه الرسول إلا والله يحبه، فصار محبوب الرب ومدعو الرسول متلازمين بل هذا هو هذا في ذاته، وإن تنوعت الصفات.
فكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب، وليست محبته لله وحده، بل إن كان يحبه فهي محبة شرك، فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود والنصارى محبة الله، فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب فكانوا يتبعون الرسول، فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين.
وهكذا أهل البدع فمن قال إنه من المريدين لله المحبين له، وهو لا يقصد اتباع الرسول والعمل بما أمر به، وترك ما نهى عنه، فمحبته فيها شوب من محبة المشركين واليهود والنصارى بحسب ما فيه من البدع، فإن البدع ليست مما دعا إليه الرسول ولا يحبها الله، فإن الرسول دعا إلى كل ما يحبه الله، فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر (^٢).
فمحبة الله ورسوله وعباده المتقين تقتضي فعل محبوباته وترك مكروهاته والناس يتفاضلون في هذا تفاضلا عظيما، فمن كان أعظم نصيبا من ذلك كان أعظم درجة عند الله.
ومن كان أقل نصيبا كان ذلك سببا في نزول درجته ومنزلته، وأما من كان غير متبع لسبيل النبي ﷺ فكيف يكون محبا لله ﷾ (^٣)؟، ومعلوم أنه لا يتم الإيمان والمحبة لله إلا بتصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣١٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٦٠).
(٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣١٦).
(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٦٦).
[ ٤٩ ]
فلابد لمحب الله من متابعة الرسول والمجاهدة في سبيل الله بل هذا لازم لكل مؤمن قال تعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحجرات] فهذا حب المؤمن لله.
وفد قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة] فأخبر أن من كانت محبوباته أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله فهو من أهل الوعيد.
وقال في الذين يحبهم ويحبونه ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة: ٥٤]
فمن تمام محبة الله ورسوله بغض من حاد الله ورسوله، والجهاد في سبيله لقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ أوْ أبْناءَهُمْ أوْ إخْوانَهُمْ أوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمانَ وأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْأنْفُسُهُمْ أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذابِ هُمْ خالِدُونَ، ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهُمْ أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ فاسِقُونَ﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾.
فأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم ومن معه حيث أبدوا العداوة
[ ٥٠ ]
والبغضاء لمن أشرك حتى يؤمنوا بالله وحده (^١).
وثبات المحبة إنما يكون بمتابعة الرسول ﷺ في أعماله وأقواله وأخلاقه، فبحسب هذا الاتباع يكون منشأ هذه المحبة وثباتها وقوتها، وبحسب نقصانه يكون نقصانها.
وهذا الاتباع يوجب المحبة والمحبوبية معا، ولا يتم الأمر إلا بهما فليس الشأن في أن تحب الله، بل الشأن في أن يحبك الله، ولا يحبك الله إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرا وباطنا، وصدقته خبرا، وأطعته أمرا، وأجبته دعوة، وآثرته طوعا وفنيت عن حكم غيره بحكمه، وعن محبة غيره من الخلق بمحبته، وعن طاعة غيره بطاعته، وإن لم يكن ذلك فلا تتعن، وارجع من حيث شئت فالتمس نورا فلست على شيء (^٢).
ومحبة الله ورسوله على درجتين:
واجبة، وهي درجة المقتصدين. ومستحبة، وهي درجة السابقين.
فالأولى: تقتضي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، بحيث لا يحب شيئا يبغضه، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وذلك يقتضي محبة جميع ما أوجبه الله تعالى، وبغض ما حرمه الله تعالى، وذلك واجب، فإن إرادة الواجبات إرادة تامة تقتضي وجود ما أوجبه الله، كما تقتضي عدم الأشياء التي نهى الله عنها وذلك مستلزم لبغضها التام.
فيجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٦١).
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٣٧).
[ ٥١ ]
مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَه﴾ [الرعد: ٣٦].
وأما محبة السابقين بأن يحب ما أحبه الله من النوافل والفضائل محبة تامة، وهذه حال المقربين الذين قربهم الله إليه. فإذا كانت محبة الله ورسوله الواجبة تقتضي بغض ما أبغضه الله ورسوله، كما في سائر أنواع المحبة، فإنها توجب بغض الضد … " (^١)
_________________
(١) قاعدة في المحبة لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٩١، ٩٢).
[ ٥٢ ]
المطلب الرابع: المعنى الصحيح لمحبة النبي ﷺ وانقسام الناس فيها:
اعلم أن الله ﷾ قد أوجب لنبيِّنا ﷺ على القلب واللسان والجوارح حقوقًا زائدة على مجرد التصديق بنبوته، كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب واللسان والجوارح أمورا زائدة على مجرد التصديق به سبحانه. وحرم سبحانه لحرمة رسوله - مما يباح أن يفعل مع غيره - أمورا زائدة على مجرد التكذيب بنبوته.
فمن تلك الحقوق حقه ﷺ بأن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق كما دلت على ذلك الأدلة من القرآن والسنة (^١) والتي سيأتي ذكرها. "فحب النبي ﷺ من أعظم واجبات الدين" (^٢).
فهذه المحبة الواجبة له ﷺ هي من محبة الله، فهي حب لله وفي الله، ذلك لأن محبة الله توجب محبة ما يحبه الله، والله يحب نبيه وخليله ﷺ، فوجب بذلك محبته حقا، فهي متفرعة عن محبة الله وتابعة لها واقتران ذكرها مع محبة الله في القرآن والسنة إنما هو للتنبيه على أهميتها وعظم منزلتها.
وبمقتضى هذه المحبة يجب موافقة الرسول ﷺ في حب ما يحبه وكره ما يكرهه، أي بتحقيق المتابعة له فيحب بقلبه ما أحب الرسول، ويكره ما كرهه الرسول، ويرضى بما يرضى الرسول، ويسخط ما يسخط الرسول، ويعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض
_________________
(١) الصارم المسلول (ص ٤٢٠، ٤٢١) بتصرف يسير.
(٢) الرد على الأخنائي (ص ٢٣١).
[ ٥٣ ]
وقد انقسم الناس في فهمهم لهذه المحبة إلى ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: أهل الإفراط.
القسم الثاني: أهل التفريط.
القسم الثالث: الذين توسطوا بين الإفراط والتفريط.
أما أصحاب القسم الأول: فهم الذين بالغوا في محبته بابتداعهم أمورًا لم يشرعها الله ورسوله ﷺ، ظنا منهم أن فعل هذه الأمور هو علامة المحبة وبرهانها.
ومن تلك الأمور احتفالهم بمولده، ومبالغتهم في مدحه وإيصاله إلى أمور لا تنبغي إلا لله تعالى ومن ذلك قول قائلهم:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به … سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي … فضلا وإلا فقل يا زلَّة القدم (^١)
وقوله:
فإن من جودك الدنيا وضرَّتها … ومن علومك علم اللوح والقلم
فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ، ومن بعض علومه علم اللوح والقلم لأن "من" للتبعيض، فماذا للخالق جل وعلا؟
إضافة إلى صرف بعض أنواع العبادة له كالدعاء والتوسل والاستشفاع والحلف به والطواف والتمسح بالحجرة التي فيها قبره ﷺ إلى غير ذلك من البدعيّات والشركيّات التي تفعل بدعوى المحبة للرسول ﷺ، وهي أمور لم يشرعها الله ورسوله ﷺ ولم يفعلها الصحابة رضوان الله عليهم الذين عُرفوا بإجلالهم وتقديرهم ومحبتهم لرسول الله ﷺ، وإضافة إلى ذلك فإن ما يقوم به هؤلاء هي أمور مخالفة
_________________
(١) ديوان البوصيري (ص ٢٣٨).
[ ٥٤ ]
لما جاء به الشارع، بل هي أمور قد حذر الشارع من فعلها، ولقد صار حظ أكثر أصحاب هذا القسم منه ﷺ مدحه بالأشعار والقصائد المقترنة بالغلو والإطراء الزائد الذي حذر منه الشارع الكريم، مع عصيانهم له في كثير من أمره ونهيه، فتجد هذا النوع من أعصى الخلق له صلوات الله عليه وسلامه (^١).
فيا ترى أي محبة هذه التي يخالف أصحابها شرع نبيهم، فيحلُّوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، فكرهوا ما أحب الله ورسوله، وأحبوا ما كرهه الله ورسوله. فكيف تكون لهؤلاء محبة وهم قد ابتدعوا ما ابتدعوه من أمور لم تشرع في الدين، ونعلم أن رسول الله ﷺ قد تبرأ ممن ابتدع في هذا الدين فقال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
والذي يجب على أمثال هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول وتعظيمه إنما تكون بتصديقه فيما أخبر به عن الله، وطاعته فيما أمر به، ومتابعته، ومحبته وموالاته، لا بالتكذيب بما أرسل به، والإشراك به والغلو فيه، فهذا لا يعدو كونه كفرا به، وطعنا فيما جاء به ومعاداة له (^٢).
كما يجب عليهم أن يفرقوا بين الحقوق التي يختص بها الله وحده ويبين الحقوق التي له ولرسله، والحقوق التي يختص بها الرسول، فقد ميز سبحانه بين ذلك في مثل قوله ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفتح]، فالتعزير والتوقير للرسولوالتسبيح بكرة وأصيلا لله، وكما قال: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور]، فالطاعة لله ولرسوله، والخشية والتقوى لله وحده وكما يقول المرسلون: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ [نوح].
فعلى هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول ﷺ لا تنال بدعائه
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ١٨٦).
(٢) الرد على الأخنائي (ص ٢٤، ٢٥) بتصرف.
[ ٥٥ ]
والاستغاثة به، فتلك أمور صَرْفُها لغير الله يعد شركا مع الله فالله وحده هو الذي يدعى ويستغاث به فهو رب العالمين، وخالق كل شيء، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهو القريب الذي يجيب الداع إذا دعاه وهو سميع الدعاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وسيأتي بإذن الله مزيد تفصيل لما وقع فيه أصحاب هذا القسم من الغلو في حقه، وذلك في الباب الثالث الذي عقدته للكلام عن الغلو في حقه ﷺ.
أما أصحاب القسم الثاني: فهم أهل التفريط الذين قصروا في تحقيق هذا المقام فلم يراعوا حقه ﷺ في وجوب تقديم محبته على محبة النفس والأهل والمال. كما لم يراعوا ماله من حقوق أخرى كتعزيره وتوقيره وإجلاله وطاعته واتباع سنته والصلاة والسلام عليه إلى غير ذلك من الحقوق العظيمة الواجبة له. والسبب في ذلك يعود إلى إحدى الأمور التالية أو إليها جميعا وهي:
أولا: إعراض هؤلاء عن سنة نبيهم ﷺ وعن اتباع شرعه بسبب ما هم عليه من المعاصي، وإسرافهم في تقديم شهوات أنفسهم وأهوائهم على ما جاء في الشرع من الأوامر والنواهي.
ثانيا: اعتقاد الكثير أن مجرد التصديق يكفي في تحقيق الإيمان، وأن هذا هو القدر الواجب عليهم، ولذا تراهم يكتفون بالتصديق بنبوة محمد ﷺ، دون تحقيق المتابعة له، وهذا هو حال أهل الإرجاء الذين يؤخرون العمل عن مسمى الإيمان ويقولون إن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أو تصديق القلب وإقرار اللسان وما أكثرهم في زماننا هذا.
ثالثا: جهل الكثير منهم بأمور دينهم بما فيها الحقوق الواجبة له ﷺ، والتي من ضمنها محبته ﷺ فكثير من الناس - ولا حول ولا قوة إلا بالله - ليس لهم من الإسلام إلا اسمه وليس لهم من الدين إلا رسمه.
فالواجب على هؤلاء أن يعودوا إلى رشدهم وأن يقلعوا عن غيهم،
[ ٥٦ ]
وما هم عليه من المعاصي والذنوب التي هي سبب نقصان إيمانهم وضعف محبتهم وبعدهم عما يقربهم إلى الله تعالى.
كما يجب عليهم أن يعلموا أن مجرد التصديق لا يسمى إيمانا بل الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان، فليس لأحد أن يخرج العمل عن مسمى الإيمان فلذلك يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله أن يطيع الله ورسوله ويتبع ما أنزل الله من الشرع على رسوله ﷺ، فبذلك يحصل الإيمان، فإن الاتباع هو ميزان الإيمان فبحسب اتباع المرء يكون إيمانه، فمتى ما قوي اتباعه قوي إيمانه والعكس بالعكس.
كما يجب عليهم معرفة أمور دينهم وبخاصة الواجب منها والتي من ضمنها معرفة ما للمصطفى ﷺ من الحقوق الواجبة فلقد ذم الله ﵎ أولئك النفر الذين لم يعرفوا ما للنبي ﷺ من حق في عدم رفع الصوت عند مخاطبته أو مناداته ووصفهم الله بأنهم لا يعقلون قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات]، وفي السورة نفسها أثنى على الذينعرفوا حق المصطفى ﷺ فقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات]، والله ﷾ يقول في كتابه العزيز ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر]. وليعلم هؤلاء أنه لا يتحقق لهم إيمان ولا محبة إلا باتباعهم للمصطفى ﷺ واقتدائهم بسنته والسير على نهجه وهداه.
أما القسم الثالث: فهم الذين توسطوا بين الطرفين السابقين أهل الإفراط وأهل التفريط. فأصحاب هذا القسم هم السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم الذين آمنوا بوجوب هذه المحبة حكما وقاموا بمقتضاها اعتقادا وقولا وعملا. فأحبوا النبي ﷺ فوق محبة النفس والولد والأهل وجميع الخلق امتثالا لأمر الله وأمر رسوله ﷺ
[ ٥٧ ]
فجعلوه أولى بهم من أنفسهم تصديقًا لقوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب]، وأيقنوا بوجوب أن يوقى بالأنفس والأموال طاعة لقوله تعالى ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. وقاموا بمقتضى هذه المحبة اعتقادا وقولا وعملا بحسب ما أو جب الله لنبيه ﷺ من حقوق على القلب واللسان والجوارح من غير إفراط ولا تفريط. فآمنوا وصدقوا بنبوته ورسالته وما جاء به من ربه ﷿. وقاموا - بحسب استطاعتهم - بما يلزم من طاعته والانقياد لأمره والتأسي بفعله والاقتداء بسنته إلى غير ذلك مما يعد من لوازم الإيمان برسالته.
قال تعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وامتثلوا لما أمر به ﷾ من حقوق زائدة على مجرد التصديق بنبوَّته وما يدخل في لوازم رسالته.
فمن ذلك امتثالهم لأمره سبحانه بالصلاة عليه والتسليم قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب]. وما أمر به سبحانه من تعزيره وتوقيره قال تعالى: ﴿وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩].
فتعزيره يكون بنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه ﷺ.
وتوقيره: يكون بإجلاله وإكرامه وأن يعامل بالتشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار (^١).
ويدخل في ذلك مخاطبته بما يليق قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
وحرمة التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرمة رفع الصوت
_________________
(١) الصارم المسلول (ص ٤٢٢).
[ ٥٨ ]
فوق صوته وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِبَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات].
فقاموا بهذه الأمور امتثالًا وطاعة لأمر الله ﵎ وأدوا ما فرض عليهم من الحقوق الأخرى التي يطول ذكرها والتي هي مذكورة في ثنايا هذا البحث. وهم مع قيامهم بهذه الأمور لم يتجاوزوا ما أمروا به فلم يغالوا ولم يبالغوا كما فعل أهل الإفراط الذين وصفوا النبي ﷺ بأمور لا تنبغي لغير الله كعلم الغيب، وصرفوا له أمورا لا يجوز صرفها لغير الله كدعائه والسجود له والاستغاثة به والطواف بقبره.
بل هم مؤمنون بأن ما أكرم الله به نبيه ﷺ من النبوة والرسالة والرفعة وعظم القدر وشرف المنزلة، كل ذلك لا يوجب خروجه عن بشريته وعبوديته لله قال تعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾.
واعتقدوا أنه ليس من المحبة في شيء الغلو في حقه وقدره ووصفه بأمور قد اختص الله بها وحده، بل علموا أن في هذا مخالفة ومضادة لتلك المحبة ومناقضة لما أمر به ﷾ نبيه ﷺ أن يقوله لأمته: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف].
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلَّا اللَّهُ ومايَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل].
فكل غلو في حقه ﷺ ليس من محبته في شيء بل يعد مخالفة لما
[ ٥٩ ]
أمر به فيجب الابتعاد عن ذلك والحذر من عقوبته قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور] كما يعد مشاقة للرسول ﷺ. قال تعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء]، ولذا فإنه يجب الحذر من حال الغلاة الذين غلوا في حق النبي ﷺ بما ابتدعوه من الأمور التي لم يشرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله، بل حذر الله ورسوله منها.
وقد يظن البعض بأن السير على منهج أهل التوسط فيه انتقاص من قدر النبي ﷺ وغمط لحقه، والأمر على عكس ما يظنون فالذي يعتقده السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين أن الحق الواجب أن يثنى على النبي ﷺ بما هو أهل له من الخصائص الثابتة له التي خصه الله بها والفضائل العظيمة التي شرفه بها والصفات الحقيقية والخلقية التي كان عليها وذلك للتعرف وتعريف الناس بفضله ومكانته وعظيم قدره عند الله وعند خلقه حتى يتأسى ويقتدى به في أقواله وأفعاله فهو الأسوة والقدوة عليه أفضل الصلاة والتسليم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب].
فمن صميم المحبة له ﷺ الاشتغال بمعرفة سيرته بقصد التأسي والاقتداء بما كان عليه من كريم الخصال ومحاسن الأفعال والأقوال. وكذا معرفة شمائله ودلائل نبوته التي تعمق إيمان المسلم بصدق نبوته وتزيد في محبته وتعظيمه ﷺ. ولقد اهتم السلف بهذه الجوانب وأولوها رعايتهم واهتمامهم فاعتنوا بتأليف المؤلفات التي أوضحت هذه الجوانب وأبرزتها.
فقد ألِّفت لهذا الغرض كتب الشمائل التي اعتنت بذكر صفاته وأحواله في عباداته وخلقه وهديه ومعاملاته (^١)، كما ألفت كتب الدلائل
_________________
(١) من تلك الكتب: كتاب الشمائل للترمذي، كتاب الشمائل لابن كثير.
[ ٦٠ ]
التي اعتنت بدلائل وعلامات نبوته ﷺ (^١).
هذا بالإضافة إلى ما كتب في الفضائل والخصائص التي كانت للنبي ﷺ. كما اعتنوا بأصل هذه الجوانب جميعها ألا وهو سيرته الشريفة ﷺ فقد ألفت لهذا الغرض المؤلفات التي اعتنت بحياته منذ ولادته إلى وفاته وضمت في جوانب ذلك الحديث عن نشأته وبعثته وما حدث له من الأمور قبل الهجرة وبعدها وما كان من أمر دعوته وغزواته وسراياه وما يتعلق بهذه الجوانب وغيرها مما هو داخل في سيرته (^٢).
فقد دوِّنت هذه الجوانب جميعها وخدمت بقصد أن يتأسى الناس به ﷺ وأن يتعرفوا على كمال ذاته ﷺ وما تميز به من صفات، وتفرد به من أخلاق لتزيد تلك المعرفة من محبتهم له وتنميتها في قلوبهم ولتبعث في نفوسهم تعظيمه وإجلاله.
وبهذا يعلم أن أهل التوسط لم ينتقصوا من قدره ﷺ بل حفظوا وحافظوا على كل ما من شأنه أن يضمن استمرارية محبة الأمة وتعظيمها له.
فهذه حال أهل التوسط وهذا هو منهجهم فمن أراد أن يسير على النهج القويم ويسلك الصراط المستقيم فعليه بسبيل أهل الإيمان وطريقهم ألا وهو الكتاب والسنة فذاك طريق الحق، والحق أحق أن يتبع.
وهذا منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، فقد كانت محبتهم للنبي ﷺ تحكمها قواعد الكتاب والسنة، فما أمر به الشارع ائتمروا به وما نهى عنه الشارع انتهوا عنه، ولم يحكموا في هذه المحبة عواطفهم وأهواءهم كما
_________________
(١) منها: كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، وكتاب دلائل النبوة للبيهقي.
(٢) ومن أشمل الكتب التي تحدثت عن سيرته ﷺ كتاب السيرة لابن كثير.
[ ٦١ ]
فعل أهل الإفراط الذين زلت بهم أقدامهم بسبب غلوهم في حقه ذاك الغلو الذي دفعهم إليه تحكيم أهوائهم، وهو غلو ما أنزل الله به من سلطان بل إن نصوص الشرع تنص على تحريمه، وإنه ليصدق وصف أهل الإفراط بقوله تعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾.
فخلاصة القول في هذا الجانب أن المفهوم الصحيح لمحبته ﷺ يتمثل في ذلك المفهوم الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم وسلك سبيلهم. ذلك المفهوم المستمد من آيات القرآن ونصوص السنة والذي لم يخرج عنهما قيد أنملة.
وما ذكرته ههنا عن هذا المفهوم الصحيح على سبيل الإجمال، وتفصيل ذلك مستوفى بين دفتي هذا البحث فمنه ما سبق بيانه ومنه ما سيأتي تفصيله ونسأل الله الإعانة على ذلك.
* * *
[ ٦٢ ]
المبحث الثاني: الأدلة على وجوب محبته ﷺ -
وفيه ثلاثة مطالب
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على وجوب محبته ﷺ -.
لما كانت محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين كما أن التصديق أصل كل قول من أقوال الإيمان (^١).
ولما كانت هذه المحبة من الإيمان الواجب الذي لا يتم إيمان العبد إلا به. ولما كانت هذه المحبة هي إحدى الحقوق الواجبة للنبي ﷺ على أمته، فقد جعل الله هذه المحبة فوق محبة الإنسان لنفسه وأهله وماله والناس أجمعين. كما نص على ذلك في كتابه الله العزيز:
أولا: قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة].
فالآية نصَّت على وجوب محبة الله ورسوله وأن تلك المحبة يجب أن تكون مقدمة على كل محبوب، ولا خلاف في ذلك بين الأمة (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨، ٤٩).
(٢) تفسير القرطبي (٨/ ٩٥) بتصرف.
[ ٦٣ ]
قال القاضي عياض: "كفى بهذه الآية حضًّا وتنبيهًا ودلالة وحجة على لزوم محبته، ووجوب فرضها، واستحقاقه لها ﷺ إذ قرع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله" (^١).
والمتأمل لهذه الآية يجد أن الأمر فيها لم يقتصر على وجود أصل المحبة لله ورسوله، بل لابد مع ذلك أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وهذه المحبة لله تقتضي تحقيق العبودية له لأن العبادة هي الغاية التي خلق الله لها العباد من جهة أمره ومحبته ورضاه كما قال تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات] وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب، وهي اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته وكمال الذل لله ونهايته فالحب الخالي عن الذل والذل الخالي عن الحب لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين ولهذا كانت العبادة لا تصلح إلا لله، وهي وإن كانت منفعتها للعبد والله غني عنها فهي له من جهة محبته لها ورضاه بها (^٢).
وأما محبة الرسول فتقتضي تحقيق المتابعة له ﷺ وموافقته في حب المحبوبات وبغض المكروهات. ومحبته ﷺ متفرعة عن محبة الله تعالى وتابعة لها. فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى ما يرضى الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئًا
_________________
(١) الشفا (٢/ ٥٦٣).
(٢) التحفة العراقية لشيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ١٢، ١٣) مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية (بتصرف يسير).
[ ٦٤ ]
يخالف ذلك، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة.
فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه فقال تعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا يسمى أهلها "أهل الأهواء" (^١).
والذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك، ولكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب، ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث حمار (^٢) الذي كان يشرب الخمر، وكان النبي ﷺ يقيم عليه الحد فلما كثر ذلك منه لعنه رجل، فقال النبي ﷺ: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" (^٣) وفيه دلالة على أنا منهيون عن لعنة أحد بعينه، وإن كان مذنبا، إذا كان يحب الله ورسوله (^٤).
ثانيا: ومن الآيات التي يستدل بها على وجوب محبة النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فالآية دليل على أن من لم يكن الرسول أولى به من نفسه فليس من المؤمنين، وهذه الأولوية تتضمن أمورًا:
_________________
(١) جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ٣٦٦) بتصرف يسير.
(٢) هذا لقبه، واسمه: النعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري، وقيل إن القصة وقعت لابنه عبد الله. فتح الباري (١٢/ ٧٧)، والإصابة (٣/ ٥٤٠، ٥٤١).
(٣) أخرجه في كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة. انظر: فتح الباري (١٢/ ٧٥).
(٤) كتاب قاعدة في المحبة لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢، ٧٣) بتحقيق محمد رشاد سالم.
[ ٦٥ ]
منها: أن يكون النبي ﷺ إلى العبد من نفسه، لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره، ومع هذا يجب أن يكون الرسول أولى به منها، فبذلك يحصل له اسم الإيمان.
ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره، وإيثاره على ما سواه.
ومنها: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلا، بل الحكم على نفسه للرسول ﷺ يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده، فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها.
ومن العجب أن يدعي حصول هذه الأولوية والمحبة التامة من كان سعيه واجتهاده ونصيبه في الاشتغال بأقوال غيره وتقريرها والغضب والمحبة لها والرضا بها والتحاكم إليها، وعرض ما قاله الرسول عليها، فإن وافقها قبله، وإن خالفها التمس وجوه الحيل وبالغ في رده ليًّا وإعراضًا (^١).
ولذلك فإنه ينبغي على كل مسلم أن يعلم أن محبة النبي ﷺ ليست مجرد دعوى تتحقق بتلفظ اللسان فقط - كما يظن كثير من الناس - بل لابد لهذه الدعوى من البرهان الذي يثبت صدقها، وبرهان المحبة تحقيق الأولوية في شتى صورها وأشكالها فبحسب ذلك التحقيق تتحدد درجة المحبة وتتعين. وليعلم أنه لا يتم للعبد مقام الإيمان حتى يكون الرسول ﷺ أجل إليه من نفسه فضلا عن ابنه وأبيه. فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله فكيف بمحبته سبحانه؟
_________________
(١) الرسالة التبوكية (ص ٢٩، ٣٠) بتصرف يسير.
[ ٦٦ ]
ثالثا: ومما يستدل به كذلك على وجوب محبة النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن الآية قد تضمنت وجوب محبة النبي ﷺ لأنه مما يدخل في محبة الله محبة ما يحبه الله، والله يحب نبيه وخليله ﷺ فمن أجل ذلك وجبت علينا محبته. ومن المعلوم أن أصل حب أهل الإيمان هو حب الله، ومن أحب الله أحب من يحبه الله، وكل ما يحب سواه فمحبته تكون تبعا لمحبة الله، إذ ليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى.
فالرسول ﷺ إنما يُحَب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويُتبع لأجل الله، وكذا الأنبياء والصالحون وسائر الأعمال الصالحة تحب جميعا لأنها مما يحب الله.
وبهذا يعلم تعين محبة النبي ﷺ ووجوبها ولزومها.
هذا وقد جاء ذكر محبة الرسول مقترنًا بمحبة الله في قوله تعالى: ﴿أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وكذلك في قوله ﷺ: "ثلاثة من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما .. ".
وفي مواطن أخرى متعددة من السُّنَّة كما سيأتي.
وهذا الاقتران يدلل على مدى الصلة الوثيقة بين محبة الله ومحبة رسوله ﷺ، وإن كانت محبة الرسول داخلة ضمن محبة الله تعالى أصلا، لكن إفرادها بالذكر مع أنها ضمن محبة الله فيه إشارة إلى عظم قدرها وإشعار بأهميتها ومكانتها.
رابعًا: ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران].
ففي هذه الآية إشارة ضمنية إلى وجوب محبة النبي ﷺ، لأن الله
[ ٦٧ ]
﵎ قد جعل برهان محبته تعالى ودليل صدقها هو اتباع النبي ﷺ، وهذا الاتباع لا يتحقق ولا يكون إلا بعد الإيمان بالنبي ﷺ، والإيمان به لابد فيه من تحقق شروطه التي منها محبة النبي ﷺ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده" (^١).
فمحبته ﷺ شرط في الإيمان الذي لا يتحقق الاتباع إلا بوجوده. ومن جهة أخرى فإن محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات، واتباع رسوله هو من أعظم ما أوجبه الله تعالى على عباده وأحبه. وهو سبحانه أعظم شيء بغضًا لمن لم يتبع رسوله. فمن كان صادقا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا محالة، وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
فتأمل هذا التلازم بين محبة الله تعالى ومحبة نبيه ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان: باب حب الرسول ﷺ من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ٥٨) ح ١٤.
[ ٦٨ ]
المطلب الثاني: الأدلة من السُّنَّة على وجوب محبته ﷺ -.
تضافرت الأدلة من السنة على تأكيد وجوب محبة النبي ﷺ باعتبار هذه المحبة من صميم الدين فلا يتم لأحد إيمان إلا بتحقيقها. بل إنه لا يكتفي بوجود أصلها فقط، إذ لابد مع ذلك من تقديم محبته بعد محبة الله على محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين.
ومما يدل على وجوب تقديم محبته ﷺ على محبة النفس.
أولا: ما جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ: "يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
فقال النبي ﷺ: " لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي". فقال النبي ﷺ: "الآن يا عمر" (^١).
فالحديث نص على وجوب تقديم محبة الرسول ﷺ على محبة النفس.
وأما الدليل على وجوب تقديم محبته على محبة الوالد والولد والناس أجمعين:
ثانيا: فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده".
ثالثا: وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور: باب كيف كانت يمين النبي ﷺ. انظر: فتح الباري (١١/ ٥٢٣) ح ٦٦٣٢.
[ ٦٩ ]
أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" (^١)
"فالمراد من قوله ﷺ: "لا يؤمن أحدكم" أي: لا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته، ويستحق به دخول الجنة بلا عذاب حتى يكون الرسول أحب إليه من أهله وولده والناس أجمعين، بل لا يحصل له ذلك حتى يكون الرسول أحب إليه من نفسه أيضا، كما تقدم في حديث عمر ﵁. فمن لم يكن كذلك، فهو من أصحاب الكبائر إذا لم يكن كافرا، فإنه لا يعهد في لسان الشرع نفي اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، فأما إذا كان الفعل مستحبا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، ولو صح هذا لنفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج وحب الله ورسوله، لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي ﷺ، بل ولا أبو بكر ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل.
وعلى هذا فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ﷺ.
وأكثر الناس يدعي أن الرسول أحب إليه مما ذكر، فلا بد حينئذ من تصديق ذلك بالعمل والمتابعة له، وإلا فالمدعي كاذب.
فإن القرآن بين أن المحبة التي في القلب تستلزم العمل الظاهر
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان: باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، واللفظ له. انظر: فتح الباري (١/ ٥٨) ح ١٥، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب بيان خصال من اتصف بها وجد حلاوة الإيمان (١/ ٤٨).
[ ٧٠ ]
بحبها كما قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور]، فنفي الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله سمعوا وأطاعوا.
فتبين أن هذا من لوازم الإيمان والمحبة، ولكن كل مسلم لابد أن يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام، كما أن كل مؤمن لابد أن يكون مسلما وكل مسلم لابد أن يكون مؤمنا، وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق، لأن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين، فإن الاستسلام لله ومحبته لا يتوقف على هذا الإيمان الخاص.
وهذا الفرق يجده الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره، فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا في الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، وهم مسلمون ومعهم مطلق الإيمان، لكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين، ولا إلى الجهاد ولو شككوا لشكوا ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحق لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال.
وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق" (^١).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٤١٥، ٤١٧).
[ ٧١ ]
رابعًا: وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار". وفي هذا الحديث أخبر ﷺ أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان. والمتأمل في هذه الأمور الثلاثة يرى أنها تتبع كمال محبة العبد لله (^١) لأن محبة الله تكمل بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ذلك لأن محبة الله ورسوله لا يكتفي فيها بأصل الحب، بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
وتفريعها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
ودفع ضدها: بأن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهة الإلقاء في النار (^٢). والشاهد من الحديث معنا قوله: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما".
فمن المعلوم أن كل من آمن بالنبي ﷺ إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة، غير أن الناس يتفاوتون فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى وهم الذين جعلوا محبة الله ورسوله مقدمة على ما سواهما. ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى كمن كان مستغرقا في الشهوات محجوبا في الغفلات في أكثر الأوقات. ومنهم من هو بين هذين الأمرين.
فالحظ الأوفى هو بتحقيق هذه المرتبة من المحبة وهي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما". وذلك بأن يتوجه بكليته نحو هذه الغاية
_________________
(١) المقصود كمال المحبة الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة وليس المراد الكمال المستحب.
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٠٦).
[ ٧٢ ]
فيحب ما أحب الله ورسوله ويكره ما كرهه الله ورسوله، فيمتثل للأوامر ويجتنب النواهي ولا يتلقى شيئا من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاة النبي ﷺ، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه حتى لا يجد في نفسه حرجًا مما قضاه، ويتخلَّق بأخلاقه، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان.
وأما قوله: "وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله" ففيه دلالة واضحة على أن حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ، فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عمومًا.
وفي الحديث "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" (^١).
ومتى كان حبُّ المرء وبغضُه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب فيجب عليه التوبة من ذلك والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول ﷺ من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها كلها (^٢).
خامسًا: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة؟، قال: " وما أعددت للساعة؟ "، قال: حب الله ورسوله. قال: " فإنك مع من أحببت".
قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي ﷺ: " فإنك مع من أحببت ". قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (٥/ ٦٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٥/ ٢٢٩).
(٢) جامع العلوم والحكم (ص ٣٦٦، ٣٦٧) بتصرف.
[ ٧٣ ]
وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم" (^١).
سادسا: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أشد أمتي لي حبًّا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله" (^٢).
سابعا: وعن ابن عباس ﵄ قال. قال رسول الله ﷺ: "أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه، وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي" (^٣).
ثامنًا: وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه".
قال عمر بن الخطاب ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال: فتساورت لها (^٤) رجاء أن أُدعى لها. قال: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأعطاه إياها … " الحديث (^٥).
وعن سهل بن سعد (^٦) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب: باب المرء مع من أحب، انظر: فتح الباري (١٠/ ٥٥٧) ح ٦١٧١، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصله: باب المرء مع من أحب (٨/ ٤٢) واللفظ له.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب فيمن يود رؤية النبي ﷺ بأهله وماله. انظر: (٨/ ١٤٨).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب المناقب: باب مناقب أهل بيت النبي ﷺ (٥/ ٦٦٤) ح ٣٧٨٩، وقال الترمذي حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه. وأخرجه الحاكم في مستدركه (٣/ ١٤٩، ١٥٠) وصححه، ووافقه الذهبي. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١١). والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ١٦٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٤١) ح ١٠٦٦٤.
(٤) "تساورت لها": أي رفعت لها شخصي. النهاية (٢/ ٤٢٠).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (٧/ ١٢١).
(٦) سهل بن سعد الساعدي الأنصاري من مشاهير الصحابة، مات النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة. وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، مات سنة إحدى وتسعين وقيل قبل ذلك. الإصابة (٢/ ٨٧).
[ ٧٤ ]
"لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". قال: فبات الناس يدوكون (^١) ليلتهم: أيهم يُعطاها؟، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: "فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية " الحديث (^٢).
_________________
(١) أي يخوضون ويموجون فيمن يدفعها إليه. النهاية (٢/ ١٤٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي: باب غزوة خيبر انظر: فتح الباري (٧/ ٤٧٦) ح ٤٢١٠، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (٧/ ١٢١).
[ ٧٥ ]
المطلب الثالث: ما جاء عن الصحابة في شأن محبته ﷺ -.
إن مما لا ريب فيه أن حظ الصحابة من حبه ﷺ كان أتم وأوفر، ذلك أن المحبة ثمرة المعرفة، وهم بقدره ﷺ ومنزلته أعلم وأعرف من غيرهم فبالتالي كان حبهم له ﷺ أشد وأكبر.
وإن المتأمل لما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من كلام في هذا الخصوص يلمس صدق تلك المحبة وعظمها في نفوسهم.
فعن عمرو بن العاص (^١) ﵁ قال: "وما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ، ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه" (^٢).
وقد سئل علي بن أبي طالب ﵁: كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ؟، قال: "كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ" (^٣).
_________________
(١) هو عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي أسلم قبل الفتح، أحد دهاة العرب في الإسلام، وأحد القادة الفاتحين، فتح مصر وكان أميرا عليها، توفي سنة ٤٣ هـ. الإصابة (٣/ ٢ - ٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجره (١/ ٨).
(٣) الشفا (٢/ ٥٦٨).
[ ٧٦ ]
وقد سأل أبو سفيان بن حرب - وهو على الشرك حينذاك - زيد بن الدثنة (^١) ﵁ حينما أخرجه أهل مكة من الحرم ليقلتوه - وكان قد أسر يوم الرجيع - (^٢) أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك؟، قال: "والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي".
فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا (^٣).
وعن الشعبي قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ، فقال: لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت وبكى الأنصاري. فقال له رسول الله ﷺ: "ما أبكاك؟ "، قال: ذكرت أنك ستموت ونموت فترفع مع النبيين ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك.
فلم يخبره النبي ﷺ بشيء فأنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء]، فقال له النبي ﷺ: "أبشر" (^٤)
_________________
(١) زيد بن الدثنة - بفتح الدال وكسر المثلثة بعدها نون - ابن معاوية الأنصاري البياضي، شهد بدرا وأُحدًا، وكان في غزوة بئر معونة فأسره المشركون وقتلته قريش بالتنعيم. الإصابة (١/ ٥٤٨).
(٢) الرجيع: - بفتح الراء وكسر الجيم - هو في الأصل اسم للروث، وسمي بذلك لاستحالته، والمراد هنا: اسم موضع من بلاد هذيل كانت الوقعة بالقرب منه. فتح الباري (٧/ ٣٧٩).
(٣) البداية لابن كثير (٤/ ٦٥)، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٢٦) في أمر خبيب.
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (ص ١٣) بتحقيق محمد بن عبد الوهاب العقيل، رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية. وأورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر. انظر (٢/ ١٨٢). والحديث له شاهد آخر من حديث عائشة مرفوعا بنحوه، أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (١/ ٢٦). وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧): "رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة، وله شاهد آخر من حديث ابن عباس مرفوعا بنحوه، أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٨٦) ح رقم (١٢٥٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧) وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. وله شاهد من طريق آخر عن سعيد بن جبير مرسلا. أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ١٦٣). وطرق هذا الحديث يقوي بعضها بعضا. والله أعلم.
[ ٧٧ ]
وقال سعد بن معاذ (^١) ﵁ للنبي ﷺ يوم بدر: "يا نبي الله ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كان الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبا لك منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك"، فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير (^٢).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أحد جاض (^٣) أهل المدينة جيضة وقالوا: قتل محمد، حتى كثرت الصوارخ (^٤) في ناحية
_________________
(١) سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، سيد الأوس، صحابي جليل، شهد بدرا، ورمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرا ثم مات، وذلك سنة خمس من الهجرة. الإصابة (٢/ ٣٥).
(٢) أورده ابن هشام في السيرة (٢/ ١٩٢) وعزاه لابن إسحاق، وأورده ابن كثير في البداية (٣/ ٢٦٨).
(٣) يقال: جاض في القتال: إذا فر. وجاض عن الحق: عدل. وأصل الجيض: الميل عن الشيء، ويروى بالحاء والصاد المهملتين النهاية (١/ ٣٢٤).
(٤) جمع صارخ: وهو المصوت يعلمه بأمر حادث يستعين به عليه أو ينعي له ميتا. النهاية (٣/ ٢١).
[ ٧٨ ]
المدينة. فخرجت امرأة من الأنصار محرمة فاستقبلت (^١) بأبيها وابنها وزوجها وأخيها لا أدري أيهم استقبلت به أولا فلما مرت على أحدهم قالت: من هذا؟، قالوا: أبوك أخوك زوجك ابنك. تقول: ما فعل رسول الله ﷺ؟، يقولون: أمامك حتى دفعت إلى رسول الله ﷺ فأخذت بناحية ثوبه ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلمت من عطب (^٢).
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نُعوا لها قالت: ما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. قال: فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك (^٣) جلل" (^٤).
ولقد حكَّم الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله ﷺ في أنفسهم وأموالهم فقالوا: "هذه أموالنا بين يديك فاحكم فيها بما شئت وهذه نفوسنا بين يديك لو استعرضت بنا البحر لخضناه، نقاتل بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك" (^٥).
وما هذا الإيثار الذي تضمنته هذه الكلمات إلا تعبيرا عما تكنه نفوسهم من المحبة له ﷺ واسمع إلى قول قيس بن صرمة
_________________
(١) أي أخبرت بمقتل أبيها، وابنها، وزوجها، وأخيها.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه محمد بن شعيب ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
(٣) جلل؛ أي: هينة ويسيره، والكلمة من الأضداد تكون للحقير والعظيم النهاية (١/ ٢٨٩).
(٤) رواه ابن هشام في السيرة (٣/ ٤٣). وعنه أورده ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٤٧) وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٠٢) بنحوه.
(٥) روضة المحبين (ص ٢٧٧).
[ ٧٩ ]
الأنصاري (^١) إذ يقول:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى حبيبا مؤاتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه … فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقرت به النوى … وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
بذلنا له الأموال من حِلِّ مالنا … وأنفسنا عند الوغى والتأسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم … جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيره … وأن رسول الله أصبح هاديا (^٢)
_________________
(١) قيس بن صرمة، وقيل صرمة بن قيس، وقيل قيس بن مالك بن صرمة وقيل غير ذلك، الأوسي الأنصاري، أدرك الإسلام شيخا كبيرا فأسلم، وقد قال هذه الأبيات حين قدم النبي ﷺ المدينة. الإصابة (٢/ ١٧٦ - ١٧٧)
(٢) روضة المحبين (ص ٢٧٧).
[ ٨٠ ]
الفصل الثاني: علامات محبته ﷺ والثواب المترتب عليها
وفيه مبحثان
[ ٨١ ]
المبحث الأول: علامات محبته ﷺ -
ويشتمل على تمهيد وستة مطالب
تمهيد:
سَنَّ الشارع الكريم علامات ودلائل لمحبة النبي ﷺ، شرعت ليتسنى من خلالها معرفة من يصدق في دعوى محبته للمصطفى ﷺ، فكل دعوى لابد لها من برهان، يدل على صدقها قال تعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة].
ومن أجل ذلك فإن على كل مسلم أن يكون على علم بتلك الدلائل والعلامات، وأن يعمل بها ويحققها، وأن لا يرغب عنها أو يستبدل بها أمورا أخرى مبتدعة لم يرد فيها دليل من الشرع.
فبتلك العلامات والدلائل تظهر حقيقة المحبة، فمتى ما كان التحقيق لتلك العلامات أكبر كانت درجة المحبة أرفع وأعظم والعكس بالعكس.
ولذلك تجد أن الصادق في محبته للنبي ﷺ هو الذي تظهر عليه تلك العلامات والدلائل وتراه يسعى جاهدا إلى تحقيقها حتى ينال بذلك منزلة عظيمة من منازل الإيمان.
ومن أهم تلك العلامات ما يلي:
[ ٨٣ ]
المطلب الأول: من علامات محبته اتباعه والأخذ بسنته ﷺ -.
فاتباع النبي ﷺ والاقتداء به والسير على نهجه والتمسك بسنته واقتفاء آثاره واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في العسر واليسر والمنشط والمكره، هو أول علامات محبته ﷺ، فالصادق في حب النبي ﷺ هو من تظهر عليه هذه العلامة فيكون متبعا للرسول ﷺ ظاهرا وباطنا ومؤثرا لموافقته في مراده بحيث يكون فعله وقوله تبعا لما جاء به النبي ﷺ.
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غِشٌّ لأحد فافعل"، ثم قال لي: "يا بني وذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة" (^١).
فالمحب للرسول ﷺ هو من حرص على التمسك بسنته وإحيائها وذلك باستعمال السنة وامتثال الأوامر واجتناب النواهي في الأقوال والأفعال، وتقديم ذلك على هوى النفس وملذاتها كما قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾.
فإحياء السنة واتباع المصطفى دليل محبته كما هو دليل محبة الله ﷿، قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٥/ ٤٦) ح ٢٦٧٨ وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه.
[ ٨٤ ]
فهذه الآية نزلت عندما ادعى قوم على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية.
وعلى هذا فإن محبة الله ورسوله تقتضي فعل المحبوبات وترك المكروهات، ولا يتصور أن يكون الشخص محبا لله ورسوله وهو معرض عن اتباع سنة المصطفى ﷺ.
ومن أجل ذلك فإن الناس يتفاضلون في درجات محبتهم تفاضلا عظيما، فمن كان منهم أعظم نصيبا في اتباع الرسول ﷺ والاقتداء بسنته فهو أعظم درجة عند الله، ومن نقصت درجة اتباعه فلا شك أن ذلك سيؤثر على المحبة ويضعف درجتها.
وهذا لا يعني أن المخالفة لشيء من السنة ينافي المحبة منافاة كلية، فالمخالفة إذا لم تصل إلى درجة الكفر فهي تنقص من المحبة ولكن لا تخرج صاحبها عن دائرتها والدليل على ذلك قوله ﷺ للرجل الذي لعن شارب الخمر وقال ما أكثر ما يؤتى به، فقال ﷺ: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" (^١). فدل الحديث على أن وقوع المخالفة حتى وإن كانت كبيرة من الكبائر لا يعني ذلك انتفاء وجود محبة الله ورسوله في ذلك الشخص المخالف. والواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ورسوله ﷺ محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه.
فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا.
والواجب عليه كذلك أن يكره ما كرهه الله ورسوله كراهة توجب الكف عما حرم عليه منه.
فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كره تنزيها كان ذلك فضلا (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦٥).
(٢) جامع العلوم والحكم (ص ٣٦٥).
[ ٨٥ ]
"فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله ويرضى ما يرضي الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض.
فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة" (^١).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (ص ٣٦٦).
[ ٨٦ ]
المطلب الثاني: من علامات محبته الإكثار من ذكره ﷺ -.
ومن علامات محبته ﷺ الإكثار من ذكره ﷺ، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره، ودوام الذكر سبب لدوام المحبة وزيادتها ونمائها.
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم ﵀ في ضمن تعداده للفوائد والثمرات الحاصلة من الصلاة على النبي ﷺ: "أنها سبب لدوام محبته للرسول ﷺ وزيادتها وتضاعفها وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه تضاعف حبه له وتزايد شوقه إليه واستولى على جميع قلبه. وإذا أعرض عن ذكره وإحضاره وإحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه ولا شيء أقر لعين العبد المحب من رؤية محبوبه ولا أقر لقلبه من ذكره وإحضار محاسنه، فإذا قوي هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه" (^١).
والمقصود بالذكر هنا الذكر المشروع وعلى رأسه الصلاة والسلام عليه ﷺ امتثالا لأمر الله تعالى الوارد في قوله ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وامتثالا لقوله ﷺ: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا" الحديث (^٢).
_________________
(١) جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (ص ٢٤٨).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يسأل له الوسيلة (٢/ ٤).
[ ٨٧ ]
وعن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟، قال: "ما شئت". قلت: الربع؟، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: النصف؟، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: الثلثين؟، قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قال: أجعل لك صلاتي كلها. قال: "إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك" (^١).
قال ابن القيم: "سئل شيخنا أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى عن تفسير هذا الحديث فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه فسأل النبي ﷺ: " هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه فقال: إن زدت فهو خير لك، فقال له: النصف، فقال إن زدت فهو خير لك، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها: أي أجعل دعائي كله صلاة عليك، قال: إذا تكفى همك ويغفر ذنبك، لأن من صلى على النبي ﷺ صلاة صلى الله بها عشرا، ومن صلى الله عليه كفاه همه وكفر له ذنبه هذا معنى كلامه" (^٢)
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ١٣٦). وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب صفة يوم القيامة، باب (٢٣)، (٤/ ٦٣٦، ٦٣٧) ح (٢٤٥٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢١) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٨) (ح ١٤)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٦). والحديث في إسناده" عبد الله بن محمد بن عقيل "قال ابن القيم: عبد الله بن محمد بن عقيل احتج به الأئمة الكبار كالحميدي وأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، والترمذي وغيرهم، والترمذي يصحح هذه الترجمة تارة ويحسنها تارة. جلاء الأفهام (ص ٦٦) وقال الألباني في الصحيحة (٩٥٤): "إسناده حسن من أجل الخلاف المعروف في ابن عقيل".
(٢) جلاء الأفهام (ص ٣٢).
[ ٨٨ ]
والشاهد من الحديث أن من محبته ﷺ مداومة الصلاة والسلام عليه والثناء عليه بما هو أهل له من الأوصاف والخصال الحميدة التي وصف بها ﷺ. وفي الحديث الآخر عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" (^١).
فذكره شُرع لإظهار محبته واحترامه وتوقيره وتعظيمه ﷺ وهذا من علامات محبته، ولقد ورد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا بعد وفاته ﷺ لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا، وكذلك كان كثير من التابعين من يفعل ذلك محبة له وشوقا إليه (^٢).
ويدخل ضمن الذكر المشروع تعداد فضائله وخصائصه وما وهبه الله من الصفات والأخلاق والخلال الفاضلة، وما أكرمه به من المعجزات والدلائل، وذلك من أجل التعرف على مكانته ومنزلته والتأسي بصفاته وأخلاقه، وتعريف الناس وتذكيرهم بذلك، ليزدادوا إيمانا ومحبة له ﷺ ولكي يتأسوا به. ولا محظور في التمدح بذلك نثرًا وشعرًا ما دام أن ذلك في حدود المشروع الذي أمر به الشارع الكريم.
ولا يتجاوز نصوص القرآن والسنة، كأن يتجاوز به حدود بشريته فيصرف له شيء من الأمور الخاصة بالله ﷿ كما فعل بعض الغلاة في أشعارهم ومدائحهم للنبي ﷺ.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠١). وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعوات، باب قول النبي ﷺ: "رغم أنف رجل" وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب (٥/ ٥٥١) (ح ٣٥٤٦)، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ١٦٣). وأخرجه ابن حبان في صحيحه انظر موارد الظمآن رقم (٣٨٨) وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١٣٩/ ٢) وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٧٧) حديث صحيح.
(٢) الشفا (٢/ ٥٧٣).
[ ٨٩ ]
وكذلك فإن من الأمور المنهي عنها الذكر المقترن بالغناء وأدوات اللهو والطرب والرقص، وهذا الذكر البدعي هو الذي عليه حال أرباب الطرق والتصوف، وقد وافقهم على ذلك كثير من عوام الناس ظنا منهم أن فعل مثل هذه الأمور هو الطريق إلى تحقيق محبة النبي ﷺ وهو في حقيقة فعله يعد محادة لله ورسوله فقد تبرأ ﷺ ممن أحدث في الدين حيث قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الموضوع في الباب الثالث بإذن الله.
[ ٩٠ ]
المطلب الثالث: من علامات محبته ﷺ تمني رؤيته والشوق إلى لقائه.
ومن علامات محبته ﷺ محبة رؤيته والشوق إلى لقائه وتمني ذلك ولو كان ذلك مقابل بذل المال والأهل. وهذه العلامة نص عليها قوله ﷺ: "من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله" (^١). فهو ﷺ وصف أهل هذه العلامة من أمته التي ستأتي من بعده بأنهم من أشد الناس محبة له ﷺ، وهذه الأمنية قدرها حق قدرها أهل الإيمان الذين ترسخت في قلوبهم محبة النبي ﷺ حتى إنهم من شدة محبتهم له ﷺ أن جالت في خواطرهم وأحاسيسهم هذه الأمنية العظيمة حتى إن الواحد منهم لا يبالي أن يدفع ثمنا لهذه الأمنية العزيزة على نفسه ما عنده من الأهل والمال ليرى النبي ﷺ، ولسان حالهم ومقالهم يقول مع ذلك كله ما أعظم الأمنية وما أرخص الثمن.
فهذه علامة من علامات محبته يتصف بها أهل الإيمان الصادق الراسخ الذين آمنوا بوجوب تقديم محبة رسول الله ﷺ على محبة الولد والوالد والناس أجمعين بل على كل أمر من أمور الدنيا ومظاهرها فيا لها من نفوس سمت وسما بها إيمانها لمثل هذا المطلب وهذه الأمنية العزيزة على قلب كل مؤمن عرف قدر النبي ﷺ وحقه وعظيم منزلته.
فجدير بهذه النفوس أن تنال شهادة النبي ﷺ لها بأنها أشد القلوب محبة له.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب فيمن يود رؤية النبي ﷺ بأهله وماله (٨/ ١٤٥).
[ ٩١ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفس محمد في يده ليأتين على أحدكم يوم لا يراني، ثم لأن يراني معهم أحب إليه من أهله وماله" (^١).
ولقد كانت هذه السمة وهي الشوق إلى لقاء النبي ﷺ ورؤيته موجودة في الصحابة رضوان الله عليهم ويشهد لذلك ما جاء في حديث الأشعريين أنهم عند قدومهم إلى المدينة كانوا يرتجزون فيقولون:
غدا نلقى الأحبة محمد وحزبه (^٢)
وروي أن بلالا ﵁ لما حضرته الوفاة، نادت امرأته واحزناه. فقال: واطرباه، غدا ألقى الأحبة محمد وحزبه (^٣).
وقد روي مثل ذلك عن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ﵃ أجمعين (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب فضل النظر إلى النبي ﷺ وتمنيه (٧/ ٩٦).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ١٠٥، ١٥٥) والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٥١).
(٣) الشفا (٢/ ٥٦٩).
(٤) المصدر السابق (٢/ ٥٦٩، ٥٧٣).
[ ٩٢ ]
المطلب الرابع: من علامات محبته ﷺ محبة من أحبهم النبي ﷺ -
إن من علامات محبته ﷺ والتي يجب على المؤمن الأخذ بها، محبته لمن أحب النبي ﷺ، ومن هو بسببه من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين فمن أحب شيئًا أحب من يحبه (^١).
فإن من محبة الله وطاعته: محبة رسوله وطاعته.
ومن محبة رسوله وطاعته: محبة من حب الرسول، وطاعة من أمر الرسول بطاعته (^٢).
أ - قال البيهقي: "ودخل في جملة محبته ﷺ حب آله (^٣).
وإن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول ﷺ (^٤).
فعن زيد بن أرقم (^٥) ﵁ قال: "قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى "خما" بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: "أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين:
_________________
(١) الشفا (٢/ ٥٧٣).
(٢) حقوق آل البيت (ص ١٩).
(٣) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٢٨٢).
(٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٧).
(٥) زيد بن أرقم بن زيد، صحابي جليل، لم يشهد بدرًا ولا أحدًا لصغر سنه، وأول مشاهده الخندق وقيل المريسيع، مات بالكوفة سنة ست وستين، وقيل ثمان وستين. الإصابة (١/ ٥٤٢).
[ ٩٣ ]
أوليهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي".
فقيل لزيد: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قيل: ومن هم؟ قال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قيل: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم (^١).
وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الله لما أنزل عليه ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، سأل الصحابة النبي ﷺ كيف يصلون عليه فقال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (^٢). فالصلاة على النبي ﷺ حق له ولآله دون سائر الأمة (^٣).
وقال أبو بكر الصديق ﵁: "أرقبوا (^٤) محمدا ﷺ في أهل بيته" (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (/ ١٢٢، ١٢٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي ﷺ. فتح الباري (١/ ١٥٢) (ح ٦٣٥٧). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على ﷺ بعد التشهد (٢/ ١٦).
(٣) جلاء الأفهام (ص ١٧٤).
(٤) أرقبوا: المراقبة للشيء المحافظة عليه، يقول: احفظوه فيهم فلا تسيئوا إليهم. فتح الباري (٧/ ٧٩).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصحابة، باب مناقب قرابة الرسول كله ﷺ. فتح الباري (٧/ ٧٨) (ح ٣٧١٣).
[ ٩٤ ]
وعنه أيضا أنه قال لعلي بن أبي طالب ﵁: "والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي" (^١).
"فآل بيت رسول الله ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها، فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ " (^٢).
"فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها، لأن ذلك مما تقر به عينه، ويزيده الله به شرفا وعلوًا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا" (^٣).
"وكذلك علينا احترامهم وإكرامهم والإحسان إليهم فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا.
ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعليّ وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين" (^٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥) "وآل محمد ﷺ هم الذين حرمت عليهم الصدقة (^٦) هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من العلماء".
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة الرسول ﷺ. فتح الباري (٧/ ٧٧، ٧٨) (ح ٣٧١٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي ﷺ "لا نورث وما تركناه صدقة" (٥/ ١٥٥، ١٥٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٧).
(٣) جلاء الأفهام (ص ١٧٥).
(٤) تفسير ابن كثير (٤/ ١١٣).
(٥) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٧).
(٦) قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "واختلف في آل النبي ﷺ على أربعة أقوال: القول الأول: هم الذين حرمت عليهم الصدقة. وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه. والثاني: أنهم بنو هاشم خاصة وهذا مذهب أبى حنيفة، والرواية عن أحمد، واختيار ابن القاسم صاحب مالك. والثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى بني غالب، ويدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل ومن فوقهم إلى بني غالب، وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك حكاه صاحب "الجواهر" عنه، وحكاه اللخمي في "التبصرة" عن أصبغ، ولم يحكه عن أشهب. وهذا القول في الآل أعني - أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة هو منصوص الشافعي وأحمد والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي. القول الثاني: أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر في التمهيد. القول الثالث: أن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، وأقدم من روى عنه هذا القول جابر بن عبد الله، ذكره البيهقي عنه، ورواه عن سفيان الثوري وغيره، واختاره بعض أصحاب الشافعي. حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه، ورجحه الشيخ محي الدين النووي في شرح مسلم واختاره الأزهري. القول الرابع: أن آله ﷺ هم الأتقياء من أمته حكاه حسين والراغب وجماعة". ثم ذكر ﵀ حجج هذه الأقوال وبين ما فيها من الصحيح والضعيف إلى أن قال: "والصحيح هو القول الأول، ويليه القول الثاني. أما القول الثالث والرابع فضعيفان". جلاء الأفهام (ص ١٦٤ - ١٧٧).
[ ٩٥ ]
والأحاديث في فضائلهم ومناقبهم كثيرة جدًّا، وهي مبسوطة في الصحيحين والمسند والسنن وغيرها من كتب الحديث.
ب - وكذلك فإن من أصول أهل السنة أنهم يتولون أزواج رسول الله ﷺ. ويحفظون لهن فضلهن، وحقوقهن.
فقد أبانهن الله من نساء العالمين في الفضيلة فقال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. وجعلهن أمهات المؤمنين فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٤) وتفسير القرطبي (١/ ١٢٣، ١٧٧).
[ ٩٦ ]
وجعل حرمة الزوجية بعد وفاة النبي ﷺ باقية ما بقين فقال تعالى: ﴿وما كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَدًا﴾ فعلينا من حفظ حقوقهن بعد ذهابهن الصلاة عليهن مع الصلاة على النبي ﷺ.
فعن أبي حميد الساعدي (^١) ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلى عليك؟ فقال رسول الله ﷺ: "قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (^٢).
فالصلاة على أزواجه تابعة لاحترامهن (^٣). وكذلك الاستغفار لهن، وذكر مدائحهن، وفضائلهن وحسن الثناء عليهن، وما على الأولاد في أمهاتهم اللاتي ولدنهم وأكثر، وذلك لمكانتهن من رسول الله ﷺ، وزيادة فضلهن على غيرهن من نساء هذه الأمة (^٤).
وأزواج النبي ﷺ هن من دخل بهن من النساء وهن إحدى عشرة:
١ - خديجة بنت خويلد ﵂ (^٥).
_________________
(١) أبو حميد الساعدي، اختلف في اسمه فقيل عبد الرحمن بن سعد وقيل غير ذلك، صحابي مشهور، شهد أُحدًا وما بعدها، وتوفي في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد. الإصابة (٤١/ ٤٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب هل يصلى على غير النبي ﷺ. فتح الباري (١/ ١٦٩) (ح ٦٣٦٠) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (٢/ ١٧).
(٣) جلاء الأفهام (ص ٢٠٠)
(٤) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٢٨٢ - ٢٨٤).
(٥) وهي أولهن، وقد تزوجها ﷺ بمكة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته فآمنت به ونصرته فكانت له وزير صدق وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين في الأصح ومن خصائصها ﵂:
(٦) أنه لم يتزوج عليها غيرها.
(٧) أن أولاده كلهم منها إلا إبراهيم فإنه من سريته مارية.
(٨) أنها خير نساء الأمة. جلاء الأفهام (ص ١٨٠).
[ ٩٧ ]
٢ - عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ وعن أبيها (^١).
٣ - سودة بنت زمعة ﵂ (^٢).
٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵁ وعن أبيها (^٣).
٥ - أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ (^٤).
_________________
(١) تزوجها وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين وقيل لثلاث وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى، وهي بنت تسع سنين، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة. ومن خصائصها ﵂:
(٢) أنها كانت أحب أزواج رسول الله ﷺ إليه فقد سئل النبي ﷺ أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" قيل ومن الرجال؟ قال: "أبوها" متفق عليه (خ/ ٤٣٥٨) (م/ ٢٣٨٤).
(٣) أنه لم يتزوج بكرا غيرها. جلاء الأفهام (ص ١٨٢ - ١٨٥).
(٤) سودة بنت زمعة بن قيس. تزوجها بعد خديجة، وكبرت عنده وأراد أن يطلقها فوهبت يومها لعائشة ﵂ فأمسكها وهذا من خواصها: أنها آثرت حرمها لعائشة تقربًا إلى النبي ﷺ وحبًا له. جلاء الأفهام (ص ١٨٢).
(٥) حفصة بنت عمر بن الحطاب، تزوجها النبي ﷺ بعد عائشة، وقيل إنها ولدت قبل المبعث بخمسة سنين، وكانت قبل أن يتزوجها النبي ﷺ عند حصن بن حذافة وكان ممن شهد بدرًا ومات بالمدينة. وكانت ﵂ صوامة قوامة. الإصابة (٤/ ٣٦٢، ٣٦٠) وجلاء الأفهام (ص ١٨٥).
(٦) واسمها رملة بنت صخر بن حرب، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصر بالحبشة، وأتم الله لها الإسلام، وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة، وأصدقها عنه النجاشي. وهي التي أكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة، وقالت: إنك مشرك، ومنعته من الجلوس عليه. الإصابة (٤/ ٢٩٨ - ٣٠٠).
[ ٩٨ ]
٦ - أم سلمة ﵂ (^١).
٧ - زينب بنت جحش ﵂ (^٢).
٨ - زينب بنت خزيمة الهلالية ﵂ (^٣).
٩ - جويرية بنت الحارث ﵂ (^٤).
١٠ - صفية بنت حيي ﵂ (^٥).
_________________
(١) واسمها هند بنت أبي أمية، وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وتوفيت سنة اثنتين وستين ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتا، وقيل: بل ميمونة. الإصابة (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨) وجلاء الأفهام (ص ١٩٥ - ١٩٧).
(٢) زينب بنت جحش: وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة، فطلقها فزوجها الله إياه من فوق سبع سموات وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج رسول الله ﷺ. وتقول: "زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماواته" توفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع. الإصابة (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
(٣) زينب بنت خزيمة الهلالية، تزوجها سنة ثلاث من الهجرة، وكانت قبله عند عبد الله بن جحش فاستشهد بأحد، وكانت تسمى أم المساكين، لكثرة إطعامها المساكين، ولم تلبث عند رسول الله ﷺ إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة ثم توفيت ﵂. الإصابة (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠) وجلاء الأفهام (ص ١٩٨).
(٤) جويرية بنت الحارث المصطلقية، وكانت سبيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوجها سنة ست من الهجرة وتوفيت سنة ست وخمسين، وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرقيق، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ وكان ذلك من بركتها على قومها. الإصابة (٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨) وجلاء الأفهام (ص ١٩٨).
(٥) صفية بنت حيي: من ذرية هارون بن عمران، أخي موسى، تزوجها النبي ﷺ سنة سبع، فإنها سبيت من خيبر، وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق، فقتله رسول الله ﷺ، توفيت سنة ست وثلاثين، وقيل سنة خمسين. من خصائصها أن الرسول ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها، وقال لها النبي ﷺ: "إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي وإنك تحت نبي". الإصابة (٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨) وجلاء الأفهام (ص ١٩٨ - ١٩٩).
[ ٩٩ ]
١١ - ميمونة بنت الحارث الهلالية ﵂ (^١).
فهؤلاء جملة من دخل لهن من النساء وهن إحدى عشرة.
ج - ومن محبته ﷺ محبة أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين:
قال البيهقي: "ويدخل في جملة حب النبي ﷺ حب أصحابه؟ لأن الله ﷿ أثنى عليهم ومدحهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ومَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهُمْ مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح].
وقال تعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإحْسانٍ رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة].
وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال].
فإذا أنزلوا هذه المنزلة استحقوا من جماعة المسلمين أن يحبوهم ويتقربوا إلى الله ﷿ بمحبتهم لأن الله تعالى إذا رضي عن أحد أحبه
_________________
(١) ميمونة بنت الحارث الهلالية: تزوجها بسرف، وبنى بها بسرف، وماتت بسرف، وهي علي سبعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، وتوفيت سنة ثلاث وستين، وهي خالة عبد الله بن عباس ﵄، وهي خالة خالد بن الوليد أيضا. الإصابة (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٩) وجلاء الأفهام (ص ١٩٩).
[ ١٠٠ ]
وواجب على العبد أن يحب من يحب مولاه (^١).
فمن واجب الأمة نحو أصحاب رسول الله ﷺ محبتهم والترضي عنهم والدعاء لهم كما أمرنا الله تعالى بقوله: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالأِيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر].
فهم قوم اختارهم الله وشرفهم بصحبة نبيه ﷺ وخصهم في الحياة الدنيا بالنظر إليه وسماع حديثه من فمه الشريف ونصرته والذب عنه والجهاد معه في سبيل الله ونشر دين الإسلام.
وبعد وفاته كانوا هم الواسطة بين الرسول ﷺ وبين الأمة، فقد بلغوا عن رسول الله ما بعثه الله به من النور والهدى على أكمل الوجوه وأتمها ونشروا هذا الدين في شتى بقاع الأرض: وجاهدوا في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، وذبوا عن هذا الدين بسنانهم ولسانهم فكان لهم بذلك الأجر العظيم والمنزلة العالية عند ربهم وعند نبيهم وعند المسلمين الموحدين جميعًا.
وكيف لا يكونون كذلك وهم خير قرون هذه الأمة كشهادة النبي ﷺ.
فعن عمران بن حصين (^٢) ﵄ قال: قال النبي ﷺ "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قآل عمران: لا أدري أذكر النبي ﷺ بعد قرنين أو ثلاثة … الحديث (^٣) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن
_________________
(١) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٢٨٧).
(٢) عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي، صحابي جليل، أسلم عام خيبر وغزا عدة غزوات وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح مات سنة اثنتين وخمسين وقيل سنة ثلاث وخمسين من الهجرة. الإصابة (/ ٢٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كناب الشهادات، باب لا يشهد على جور إذا أشهد. فتح الباري (/ ٢٥٨ - ٢٥٩) (ح ٢٦٥١)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين بلونهم (٧/ ١٨٣ - ١٨٤).
[ ١٠١ ]
النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم … " الحديث (^١).
ومما يدل على عظم فضل الصحبة وجلالة شأنها ما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (^٢) فهذا الحديث يدل على أن شأن الصحبة لا يعدله شيء.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول ﷺ: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغضهم" (^٣)
ولقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ فيما يدل على فضل الصحابة رضوان الله عليهم ووجوب تعظيمهم وإكرامهم وكونهم خير قرون هذه
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على جور إذا أشهد. فتح الباري (٥/ ٢٥٩) (ح ٢٦٥٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٧/ ١٨٤ - ١٨٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ "لو كنت متخذا خليلًا". فتح الباري (٧/ ٢١) (ح ٣٦٧٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه من حدث أبي هريرة ﵁، كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة ﵃ (٧/ ١٨٨).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان. انظر: فتح الباري (٧/ ١١٣) ح ٣٧٨٤ واللفظ له. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان وعلاماته … (١/ ٦٥).
[ ١٠٢ ]
الأمة بعد النبي ﷺ. ولقد عقد البخاري ومسلم في صحيحيهما وكذا أهل السنن وغيرهم، كل منهم كتابًا لفضائل الصحابة أوردوا فيه الكثير من الأحاديث الواردة في فضل الصحابة رضوان الله عليهم.
وعن معتقد السلف نحو أصحاب رسول الله ﷺ يقول أبو زرعة الرازي (^١): "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق. وذلك أن الرسول حق والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة. وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة" (^٢).
وقال الخطيب البغدادي (^٣): "عدالة الصحابة ثابتة ومعلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن، فمن ذلك:
قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقوله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وهذا اللفظ وإن كان عامًا فالمراد به الخاص وقيل: هو وارد في الصحابة دون غيرهم.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح].
_________________
(١) هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي، أبو زرعة من أئمة حفاظ الحديث، ذكر أنه يحفظ مائة ألف حديث، توفي سنة (٦٤ هـ). تهذيب التهذيب (٧/ ٣٠ - ٣٤).
(٢) الكفاية في علم الرواية (ص ٩٧).
(٣) أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أحد الحفاظ المؤرخين المقدمين وصاحب مصنفات من أشهرها تاريخ بغداد، توفي سنة (٤٦٣ هـ). الأعلام (١/ ١٧٢).
[ ١٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإحْسانٍ رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقوله تعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة].
وقوله تعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال].
وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ والَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدّارَ والأِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر].
في آيات يكثر إيرادها، ويطول تعدادها.
ووصف رسول الله ﷺ الصحابة مثل ذلك،، وأطنب في تعظيمهم وأحسن الثناء عليهم
وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له …
على أنه لو لم يرد من الله ﷿ ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين.
وهذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء (^١).
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية (ص ٩٣ - ٩٦).
[ ١٠٤ ]
وقال ابن حجر: "اتفق أهل السنة على أن جميع الصحابة عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة" (^١).
وقال صاحب "العقيدة الطحاوية": "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من بغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإحسان، وبغضهم كفر وطغيان" (^٢)
وقال البيهقي: "وإذا ظهر أن حب الصحابة من الإيمان فحبهم أن يعتقد فضائلهم ويعترف لهم بها ويعرف لكل ذي حق منهم حقه، ولكل ذي عنا في الإسلام عناه ولكل ذي منزلة عند الرسول ﷺ مزلته، وينشر محاسنهم ويدعو بالخير لهم ويقتدي بما جاء في أبواب الدين عنهم ولا يتتبع زلاتهم وهفواتهم ولا يتعمد تهجين أحد منهم ببث ما لا يحسن عنه، ويسكت عما لا يقع ضرورة إلى الخوض فيه فيما كان بينهم وبالله التوفيق" (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالأِيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر].
وطاعة النبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
ويقبلون ما جاء به الكتاب والسُّنَّة والإجماع: من فضائلهم ومراتبهم فيفضلون من أنفق من قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل،
_________________
(١) الإصابة (١/ ١٧).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٥٢٨).
(٣) شعب الإيمان للبيهقي (ص ٢٩٧).
[ ١٠٥ ]
على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر -: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (^١) وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة (^٢) كما أخبر به ﷺ، بل قد ﵁ ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة كالعشرة وغيرهم من الصحابة.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي ﵃، كما دلت، عليه الآثار وكما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم عثمان في البيعة … ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم" (^٣).
وبعد: فهذه نماذج من أقوال السلف ومعتقدهم تجاه الصحابة رضوان الله عليهم تبين مدى اعترافهم بفضلهم ومراتبهم ومنازلهم التي وردت بها نصوص القرآن والسنة، فهم أصحاب رسول الله ﷺ فبحبهم لرسول الله ﷺ وحب رسول الله ﷺ لهم، نحبهم ونحفظ لهم فضلهم ونحترم لهم تلك المنزلة التي أنزلوا إياها، ونرجوا أن يحشرنا الله معهم وأن يجمعنا بهم في الجنة على سرر متقابلين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرا. فتح الباري (٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥) (ح ٣٩٨٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بدر (.. / ١٦٨ - ١٦٩).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان (٧/ ١٦٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢ - ١٥٣).
[ ١٠٦ ]
المطلب الخامس: من علامات محبته ﷺ بغض من أبغض الله ورسوله
ومعاداة من عاداه، ومجانبة من خالف سنته، وابتدع في دينه واستثقاله كل أمر يخالف شريعته (^١).
قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ أوْ أبْناءَهُمْ أوْ إخْوانَهُمْ أوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمانَ وأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنهُ ويُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "على المؤمن أن يعادي في الله، ويوالي في الله. فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه - وإن ظلمه - فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية.
قال تعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات].
فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم.
فالمؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك.
والكافر تحب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك.
_________________
(١) الشفا (٢/ ٥٧٥).
[ ١٠٧ ]
فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب والإكرام والثواب لأوليائه. ويكون البغي والإهانة والعقاب لأعدائه. وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة. استحق الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير. واستحق المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر. فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والخيانة، فيجتمع له من هذا وهذا: كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة (^١).
فالناس باعتبار الحب والبغض والولاء والبراء ينقسمون إلى ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: من يحب جملة:
وهو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام علما وعملا واعتقادا، وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله، وانقاد لأوامره وانتهي عما نهي الله عنه ورسوله، وأحب في الله، ووالى في الله وأبغض في الله، وعادى في الله وقدم قول رسول الله ﷺ على قول كل أحد كائنا من كان.
الصنف الثاني: من يحب من وجه ويبغض من وجه.
وهو المسلم الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا.
فيحب ويوالي على قدر ما معه من الخير، ولا يبغض أكثر مما يصلح وإذا أردت الدليل على ذلك: فهو في قصة ذلك الرجل من الصحابة والذي كان يشرب الخمر، فأتى به إلى رسول الله ﷺ فلعنه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
[ ١٠٨ ]
رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" (^١).
الصنف الثالث: من يبغض جملة.
وهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره وأنه كله بقضاء الله وقدره، وأنكر البعث بعد الموت، أو أنكر أحد أركان الإسلام الخمسة، أو أشرك الله في عبادته أحدا من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصرف لهم نوعا من أنواع العبادة: كالحب والدعاء والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر والإنابة والذل والخضوع والخشية والرغبة والرهبة والتعلق.
أو ألحد في أسمائه وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين، وانتحل ما كان عليه أهل البدع والأهواء المضلة، وكذلك من قامت به نواقض الإسلام العشرة أو أحدها" (^٢).
فعلى هذا التقسيم تتضح صورة الحب والبغض، والولاء والبراء.
فيوالي ويحب المؤمن المستقيم على دينه ولاء وحبا كاملين.
ويتبرأ ويعادي الكفرة والملحدين والمشركين، والمرتدين ويعادون عداوة وبغضًا كاملين.
وأما من خلط عملا صالحا وآخر سيئا فيوالي بحسب ما عنده من الإيمان، ويعادى بحسب ما هو عليه من الشر.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٦٥).
(٢) إرشاد الطالب لابن سحمان (ص ١٩).
[ ١٠٩ ]
المطلب السادس: التحذير من علامات المحبة البدعية
يظن البعض من الناس أن له الحق في التعبير عن محبته للنبي ﷺ بما يراه ويستحسنه من الأمور، من غير أن يراعي في ذلك قواعد الشرع وأصوله وهذا الصنف من الناس تراه منساقا مع عواطفه جاعلا لها حق التشريع في هذا الدين. فتراه يغلو في حق النبي ﷺ حتى كمل به إلى بعض مراتب الألوهية. وتراه يبتدع في دين الله أمورا تصل إلى حد العظائم. وتراه يقدم على الشركيات والكفريات. وكل ذلك بدعوى، محبة النبي ﷺ ولقد حكم الله ﷿ بالضلال على هذا الصنف فقال تعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].
فالمتبعون لعواطفهم وأهوائهم المحكمون لها، لابد وأن يكونوا نابذين لهدي الله المتمثل في الكتاب والسنة، واللذين يشتملان على قواعد هذا الدين وأصوله والتي من ضمنها تحريم الابتداع في الدين والإحداث فيه، وتحريم الغلو بشتى مظاهره وأشكاله، وتحريم الشرك بمختلف صوره وألوانه.
ولذلك حكم الله بضلالهم وغوايتهم وبعداهم عن الصراط المستقيم. فحري بأمثال هؤلاء أن يقلعوا عن غيهم، وأن يتحكموا في عواطفهم كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ.
فمحبة النبي ﷺ من الدين، وتحقيقها يكون عن طريق ما شرع في هذا الدين، لا عن طريق البدع وما تهواه النفوس فالبدع قد حذرنا نبينا ﷺ منها
بقوله: "إياكم ومحدثات الأمور" وهذا الحديث يعني في هذا المقام أن ليس لأحد الحق في التعبير عن محبة النبي ﷺ إلا بما
[ ١١٠ ]
جاء به النبي ﷺ، فعلى المسلم أن يدرك هذا الأمر وليحذر من سبل أهل الضلال والانحراف.
قال تعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وإن الناظر في أحوال أولئك المفتونين بالبدع تحت دعوى محبة النبي ﷺ يجد أنهم قد رغبوا في تلك الأمور المبتدعة لأنها أمور لا مشقة فيها على النفس فجعلوها بدلا مما يجب عليهم من الأعمال والطاعات التي تشق على نفوسهم الضعيفة المريضة، فالمحبة عند هؤلاء تنحصر في مظاهر التعظيم اللساني المليء بالغلو والشرك والمقترن بالاجتماع على موائد الطعام والذي لا يخلو في بعض الأحيان من المنكرات والمحرمات.
ويحق للمرء أن يتساءل أي محبة هذه التي تجيز لهؤلاء أن يبتدعوا في دين الله بزيادة أو نقص أو تغيير أو تبديل؟ لا شك أن فعل هذه الأمور يناقض المحبة ويضادها جملة وتفصيلا، ولا عذر لفاعلها فيما أقدم عليه وإن كان فعل ذلك بحسن نية، فحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين، فلقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية، فمازالوا على حالهم تلك حتى صارت أديانهم على غير ما جاءت به رسلهم.
ومما يؤسف له أن كثيرا من الناس يتمسك بتلك البدع تقليدا لمشائخه أو عشيرته أو أهل بلده. إلى غير ذلك من العصبيات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان والتي أعمت بصائر الكثير منهم وأضلتهم عن سبيل الله.
ولقد كان من الحري بهؤلاء أن يقتدوا بصحابة رسول الله ﷺ، الذين كانوا أشد الأمة محبة للنبي ﷺ، وأشدهم تعظيما له وكانوا
[ ١١١ ]
أحرص الناس على الخير ممن جاء بعدهم، والذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في هذا السبيل. فلقد كان من سنن الصحابة رضوان الله عليهم حرصهم على اتباع النبي ﷺ لأنهم يؤمنون بأن منشأ محبته وثباتها قوتها إنما يكون بمتابعته ﷺ في أقواله وأفعاله وسلوكه وتصرفاته.
كما أنهم يؤمنون بأن الابتداع في الدين يضاد تلك المحبة وينافيها ولذلك لم يعهد عنهم أنهم ابتدعوا أشياء من عند أنفسهم لإظهار محبتهم للنبي ﷺ كما ابتدع المتأخرون ما ابتدعوه من البدع تحت ستار المحبة والتعظيم له ﷺ. فإذا كان هذا هو شأن الصحابة فيما أثر عنهم من الآثار وهم المشهود لهم بأنهم أشد الأمة وأفضلها محبة وتعظيما للنبي ﷺ، أفلا يسع من جاء بعدهم ما وسعهم، فيتركوا تلك الأمور المبتدعة التي أحدثت من بعدهم، والتي لم يأذن بها الله ولم تكن من هدي رسول الله ﷺ، من ولا من عمل أصحابه ﵃ وأرضاهم، ومن لم يتسع له ما اتسع للصحابة ﵃، فلا وسع الله عليه في الدنيا ولا في الآخرة.
فعن قتادة قال: قال ابن مسعود ﵁: "من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" (^١).
* * *
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٩).
[ ١١٢ ]
المبحث الثاني: ثواب محبته ﷺ -
ويشتمل على تمهيد ومطلبين:
تمهيد
يؤمن المسلم أنه بفعله للطاعات وسائر العبادات يفعل ذلك كله ابتغاء مرضاة الله ورجاء ما عنده من الثواب العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة.
ذلك لأن كل عمل صالح مشروع له ثمرة، فالله سبحانه كريم يجود على أهل طاعته وعبادته، ويمن عليهم بفضله في فيضاعف لهم درجات أعمالهم. قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور].
وقال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ [القصص: ٨٤].
والمحبة من أفضل أعمال العباد وأحبها إلى الله ﷿، فبها يذوق العبد حلاوة الإيمان كما في الحديث "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" (^١).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٤٧).
[ ١١٣ ]
وبها يستكمل الإيمان كما في الحديث: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" (^١).
وهي من أفضل الإيمان كما في حديث معاذ بن جبل ﵁ أنه سئل رسول الله ﷺ عن أفضل الإيمان؟ قال: "أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله في الله وتعمل لسانك في ذكر الله … " (^٢).
فهذه الأحاديث تبين اكتساب المحبة لهذه الدرجة الرفيعة من الدين فمن أعظم الواجبات على المؤمن محبة الله ومحبة ما يحبه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة وما يحبه من الأشخاص كالأنبياء والملائكة وصالحي بني آدم وموالاتهم، وبغض ما يبغضه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. مع وجوب تقديم محبة الله تعالى على جميع المحاب وإيثار مرضاته على حظوظ النفس.
ولقد دلت النصوص على عظم ثواب المحبة ومدى نفع ثمرتها.
والحديث هنا عن ثمرة المحبة يتناول محبة الله ومحبة رسوله ﷺ وذلك لما بين الأمرين من التلازم.
فمحبة الله لا تتم إلا بمحبة ما يحبه الله وكراهة ما يكرهه.
ولا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا بإتباع ما أمر به واجتناب ما نهي عنه، فصار من لوازم محبته ﷾ محبة رسوله ﷺ وتصديقه ومتابعته، ولهذا قرن الله محبته ومحبة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة].
وورد مثل ذلك في كلام النبي ﷺ كما في حديث: "ثلاث من كن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (٤٦٨١) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥/ ٢٢٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٤٧).
[ ١١٤ ]
فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما … " الحديث (^١). ومما تجدر الإشارة إليه كذلك أن كلا من الحب، والإيمان والتصديق هي حقوق مشتركة بين الله ورسوله. فالله ﷾ كما أوجب الإيمان به على خلقه أوجب كذلك عليهم الإيمان برسوله ﷺ قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢].
قال تعالى: ﴿… أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].
وكذا الحال بالنسبة للتصديق قال تعالى: ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢].
وقد نظم ابن القيم رحمه الله تعالى هذا في نونيته حيث قال:
والحب والإيمان والتصديق … لا يختص بل حقان مشتركان (^٢)
وثمار محبة الله ورسوله منها ما هو دنيوي، ومنها ما هو أخروي. وسنعرض لكلا النوعين ليعلم المسلم عظم فضل الله على عباده المحبين له ولرسوله.
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٤٧).
(٢) شرح النونية لابن عيسى (٢/ ٣٤٧) وتكميلا للفائدة: فإن الحق الذي يختص الله به على عباده دون سواه هو: عبادته بأمره لا بهوى النفس، وذلك كالحج والصلاة والذبح والنذر واليمين والتوبة والتوكل والإنابة والرجاء ونحوها من العبادات فهي حق لله لا يشاركه فيه غيره. وأما الحق الذي يختص بالرسول ﷺ فهو التعزير والتوقير كما في قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]. انظر: شرح النونية لابن عيسى (٢/ ٣٤٨).
[ ١١٥ ]
المطلب الأول: ثمار المحبة في الحياة الدنيا
من أعظم ثمار المحبة في هذه الحياة الدنيا هو ما تورثه في الجوارح من فعل للطاعات والقربات مما يرضي الله ﷿ ويكسب محبته.
فمتى ما تمكَّنت المحبة من القلب واستغرق بها واستولت عليه لم تنبعث الجوارح إلا إلى رضا الرب وطاعته، وصارت النفس مطمئنة حينئذ بإيرادة مولاها عن مرادها وهواها، فمن أحب الله لم يكن شيء عنده آثر من رضاه.
وهذا هو معنى الحديث الإلهي "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها" الحديث (^١).
فالمحبة الصادقة شجرة في القلب عروقها الذل للمحبوب، وساقها معرفته، وأغصانها خشيته، وورقها الحياء منه، وثمرتها طاعته، ومادتها التي تسقيها ذكره (^٢).
فالمحبة تملأ القلب ذلًّا لله وتكسبه معرفة وخشية وخوفا وحياء من الله ﵎، لتثمر بذلك طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وخشيته في السر والعلانية، وثمار الطاعة لا تعد ولا تحصى وأعظمها: محبة الله للعبد وهذا أشرف مقصود وأرفع درجة وأعظم مقام يناله العبد. ثوابا وثمرة لمحبته لله ﷿
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع. فتح الباري (١١/ ٣٤٠ - ٣٤١) (ح ٦٥٠٢).
(٢) روضة المحبين (ص ٤٠٩).
[ ١١٦ ]
وقد يظن البعض أن الغاية هي أن تحب لله، ولكن الأمر خلاف ذلك، فالغاية أن يحبك الله ﷿ وليست الغاية أن تحب الله ﷿، فالمؤمن يسعى لهذه الغاية ويتمنى تحققها والفوز بها قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
فالآية هنا إشارة إلى ثمرة المحبة ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ قال ابن القيم عند هذه الآية "فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له، وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله، فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله" (^١).
وقد وصف الله سبحانه نفسه في كتابه العزيز بأنه يحب عباده المؤمنين، ويحبونه، وأخبر أنهم أشد حبا لله ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. ووصف نفسه بأنه الودود ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج]، والودود هو الحبيب، والود خالص الحب، فهو يود عباده المؤمنين ويودونه (^٢).
وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم] قال بعض السلف في تفسيرها يحبهم ويحببهم إلى عباده (^٣).
فالفوز بمحبة الله فيه الخير كله فعن أنس بين مالك ﵁ قال: قالرسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: "من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترقا عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشى، ولئن سألني لأعطنه
_________________
(١) روضة المحبين ص (٢٦٦).
(٢) روضة المحبين (٤٠٩).
(٣) روضة المحبين ص (٤١٢).
[ ١١٧ ]
ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه" (^١).
فتأمل كمال الموافقة في الكراهة كيف اقتضى كراهة الرب تعالى لمساءة عبده بالموت لما كره العبد مساخط ربه، وكمال الموافقة كيف اقتضى موافقته في قضاء حوائجه وإجابة طلباته وإعاذته مما استعاذ به، كما قالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك" (^٢).
وتأمل "الباء" في قوله "فبي يسمع وبي، يبصر وبي يبطش وبي يمشي" كيف تجدها مبينة لمعنى قوله "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به … الخ" فإن سمع سمع بالله، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به، وهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل] وقوله تعالى: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت] وقوله تعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال].
وتأمل كذلك كيف جعل محبته لعبده متعلقة بأداء فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل بعدها لا غير، وفي هذا تعزية لمدعي محبته بدون ذلك أنه ليس من أهلها، وإنما معه الأماني الباطلة والدعاوي الكاذبة (^٣).
ومما يناله العبد كذلك من محبة الله له محبة من في السماء له ووضع القبول له في أهل الأرض.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: "إذا أحب الله العبد
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع برقم (٦٥٠٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب باب (٧). فتح الباري (٨/ ٥٢٤ - ٥٢٥) (ح ٤٧٨٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب القسم بين الزوجات (٤/ ١٧٤).
(٣) روضة المحبين (ص ٤١١).
[ ١١٨ ]
نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض" (^١).
وفي لفظ لمسلم: "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه" قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء. قال: ثم يوضع له القبول في الأرض … " الحديث (^٢).
وفي لفظ آخر لمسلم عن سهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرفة فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم فقام الناس ينظرون إليه. فقلت لأبي: يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز.
قال: وما ذاك؟
قلت: لما له من الحب في قلوب الناس.
فقال: إني سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ ثم ذكر الحديث (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب المحبة من الله تعالى. انظر: فتح الباري (١٠/ ٤٦١) (ح ٦٠٤٠).
(٢) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده (٨/ ٤٠، ٤١).
(٣) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده (٨/ ٤١).
[ ١١٩ ]
المطلب الثاني: ثواب المحبة في الآخرة
أما على صعيد الثواب الأخروي فمن أعظم ما ورد في ذلك تلك البشارة التي وردت على لسان النبي كلها والتي استبشر لها الصحابة رضوان الله عليهم ولم يفرحوا بشيء بعد الإسلام أشد من فرحهم بها.
فعن أنس بن مالك؟ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "وما أعددت للساعة؟ "
قال: حب الله ورسوله. قال: "فإنك مع من أحببت".
قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ "فإنك مع من أحببت".
قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم (^١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قوما ولما يلحق بهم؟ قال رسول الله ﷺ " المرء مع من أحب" (^٢).
ولا شك أن هذه البشرى عامة للأمة جميعها بمعنى أن من تحققت فيه محبة الله ورسوله فهو مستحق لتلك البشرى، ولكن مما يجدر
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب المرء مع من أحب، برقم (٦١٧١)، ومسلم في كتاب البر والصلة: باب المرء مع من أحب برقم (٢٦٣٩) واللفظ له.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله. انظر: فتح الباري (١٠/ ٥٥٧) (ح ٦١٦٩)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب المرء مع من أحب (٨/ ٤٣) واللفظ له.
[ ١٢٠ ]
التنبيه عليه ههنا مرة أخرى أنه لا يكفي مجرد دعوى محبة الله ومحبة النبي ﷺ باللسان فقط بل لابد من تحقيق المتابعة له، وكل ما يوصل إلى تحقيق المحبة، فمرافقة النبي ﷺ في الجنة لابد أن يصاحبها اجتهاد ممن يطلبها، وإن كان ليس من شرط ذلك الاجتهاد في الطاعة أن يصل إلى درجة اجتهاد النبي ﷺ ومما يشهد لهذا ويؤكده ما ورد في حديث ربيعة بن كعب الأسلمي (^١) أنه قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: "سل".
فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: "أو غير ذلك؟ ". قلت: هو ذاك. قال: "فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود" (^٢).
فطلب النبي ﷺ من الصحابي الذي سأل مرافقته في الجنة أن يكثر من صلاة النافلة، وفي هذا دليل على أن العمل مطلوب ممن أراد أن يصل إلى هذه الأمنية العظيمة وأن مجرد تمني القلب وقول اللسان لا يكفي لتحقيق ذلك.
ومما يؤكد أن نوال شرف مرافقة النبي ﷺ في الجنة متعلق باتباع شريعته وطاعته، قوله تعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء]. ومن الثواب الأخروي الذي يناله المحب لله ولرسوله هو غفران الذنوب وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
فأخبر سبحانه في هذه الآية عن مغفرته لذنوب الذين حققوا محبته ومحبة نبيه على الوجه المطلوب منهم، وهذه منة امتن الله بها على أهل
_________________
(١) رببعة بن كعب بن مالك الأسلمي، صحابي، كان من أهل الصفة مات سنة ثلاث وستين من الهجرة. الإصابة (١/ ٤٩٨)
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه (٢/ ٥٢).
[ ١٢١ ]
محبته، إذ وعدهم إن هم اتبعوا رسوله ﷺ وأطاعوه أنه يجزيهم على فعلهم ذلك، ويكرمهم بشرف محبته لهم ويتوج ذلك الشرف العظيم والمنزلة العالية بأن يمحو عنهم خطاياهم ويكفر عنهم سيئاتهم التي اكتسبوها.
ولا شك أن حصول هذين الأمرين أي "المحبة" و"المغفرة" هما غاية ما يتمنى المؤمن الفوز به، فأي فوز أعظم وأكبر من الفوز برضى الله وغفرانه.
فرضى الله هو سبيل كل نعيم دائم مقيم، وغفرانه هو الأمان من كل عذاب أليم. ومن ثمرات محبته ﷺ ما ورد في ثواب ذكره الذي هو أحد علامات ودلائل محبته فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا" (^١) والصلاة معناها هنا الثناء، فهي ثناء على الرسول ﷺ وإرادة من الله أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا والجزاء من جنس العمل، فمن أثنى على رسول الله ﷺ جزاه الله من جنس عمله بأن يثني عليه ويزيد تشريفه وتكريمه (^٢). فهذه ثمرة من ثمرات الذكر الذي هو علامة من علامات المحبة.
ومما ورد كذلك حديث أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟
قال: "ما شئت". قلت: الربع؟
قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: النصف؟
قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: الثلثين؟
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (٢/ ١٧).
(٢) جلاء الأفهام (ص ٧٩).
[ ١٢٢ ]
قال: "ما شئت وإن زدت فهو خير".
قال: أجعل لك صلاتي كلها.
قال: "إذا تُكفى همَّك، ويغفر لك ذنبك" (^١).
والعبارة الأخيرة هي موطن الشاهد ههنا، فهذا من الثواب الحاصل من المحبة لأن من أحب شيئا أكثر من ذكره، "وكما أن الذكر من نتائج الحب، فالحب أيضا من نتائج الذكر، فكل منهما وشمر الآخر، وزرع المحبة إنما يسقى بماء الذكر، وأفضل الذكر ما صدر عن المحبة (^٢).
وقد سبق بيان معنى الحديث (^٣).
وعلى العموم فإن ثواب كل طاعة من الطاعات إنما هو في الحقيقة ثمرة للمحبة وذلك لأن المحبة أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب صفة يوم القيامة برقم (٢٤٥٧)، والإمام أحمد في مسند (٥/ ١٣٦) والحاكم (٢/ ٤٢١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٦) وحسنه الألباني في الصحيح برقم (٩٥٤).
(٢) روضة المحبين (ص ٢٦٥).
(٣) انظر (ص ٣٢٧).
[ ١٢٣ ]