[ينبغي الحذر والتحرُّز من الاشتباه الذي قد يحصل ما بين حق الله تعالى وما للرسول من حق؛ إذ قد يقع التداخل بين الحقين على وجه لا يشعر العبد فيه بالفرق، وقد يتعمد الخلط بين المفهومين ظانًا أنه بذلك يؤدي واجب تجاه النبي ﷺ، أو قد يكون مدفوعا بفرط محبة النبي ﷺ والمبالغة في تعظيمه؛ فيتجاوز بذلك حدود حق الله تعالى الخالص فيجعله - ظلمًا - من حق الرسول ﷺ، فيصرف - بذلك - العبادة إليه، فيقع في الشرك المنهي عنه بهذه الأسباب أو بغيرها، فلا يحقق - بالتالي - ركن الشهادة ولا شرطها.
والمعلوم أن لله حقًّا خالصًا لا يشرك فيه معه غيره، وهو ما يختص به من الربوبية والألوهية، والأسماء والصفات؛ فإن كل ما دعا إليه الشرع الحكيم من أنواع الطاعات وأعمال الخير والإحسان ما أمر به وحثَّ على فعله ورغَّب فيه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة داخل في مفهوم العبادة وعمومها، لا يجوز صرفه - بحال - لغير الله تعالى، بل حق الله المؤكد على العبيد وجوب صرف كل العبادات له دون غيره؛ لأنه هو المعبود المطاع، ولا معبود بحق سواه، وهي الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات]، والمعلوم أن لا نصيب لأحد في الجنة بدون القيام بحق الله تعالى، كما جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "يا معاذ، أتدري
[ ١٣ ]
ما حق الله على العباد؟ " قال: "الله ورسوله أعلم"، قال: "أن يُعْبَدَ اللهُ ولا يشرك به شيئا"، قال: "أتدري ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ " فقال: الله ورسوله أعلم"، قال: "أن لا يعذبهم (^١).
قال السعدي ﵀: "وهذا النوع - يعني: توحيد الألوهية والعبادة - زبدة رسالة الله لرسله؛ فكل نبي يبعثه الله يدعو قومه يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وهو الذي خلق الله الخلق لأجله، وشرع الجهاد لإقامته، وجعل الثواب الدنيوي والأخروي لمن قام به وحققه، والعقاب لمن تركه، وبه يحصل الفرق بين أهل السعادة القائمين به، وأهل الشقاوة التاركين له" (^٢)، وقال ﵀ في موضع آخر: "فجميع الكتب السماوية وجميع الرسل دعوا إلى هذا التوحيد، ونهوا عن ضده من الشرك والتنديد، وخصوصا محمد ﷺ وهذا القرآن الكريم؛ فإنه أمر به وفرضه وقرره أعظم تقرير، وبينه أعظم بيان، وأخبر أنه لا نجاة ولا فلاح ولا سعادة إلا بهذا التوحيد، وأن جميع الأدلة العقلية والنقلية والأفقية والنفسية أدلة وبراهين على هذا الأمر بهذا التوحيد ووجوبه؛ فالتوحيد هو حق الله الواجب على العبيد، وهو أعظم أوامر الدين وأصل الأصول كلها وأساس الأعمال" (^٣).
وأن للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم - من جهة أخرى -
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ برقم (٧٣٧٣)، ومسلم في كتاب الإيمان برقم (٣٠)، من حديث معاذ بن جبل ﵁.
(٢) "الحق الواضح المبين" للسعدي (ص ١١١).
(٣) "القول السديد" للسعدي (ص ١٣).
[ ١٤ ]
حقا خاصا: هو توقيرهم وتبجيلهم وإعانتهم ونصرتهم وتقديرهم بما يستحقون؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، وهذا الحق الخاص للرسل والأنبياء ﵈ يندرج في النصيحة لرسول ﷺ في الحديث المشهور: "الدين النصيحة" قلنا: لمن؟ " قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (^١)، قال الخطابي ﵀: "وأما النصيحة لرسوله ﷺ فإنما هي في تصديقه على الرسالة، وقبول ما جاء به ودعا إليه، وطاعته فيما سن وشرع وبين من أمر الدين وشرح، والانقياد له فيما أمر ونهى وحكم وأمضى، وترك التقديم بين يديه، وإعظام حقه وتعزيره وتوقيره ومؤازرته ونصرته، وإحياء طريقته في بث الدعوة وإشاعة السنة، ونفي التهمة في جميع ما قاله ونطق به؛ فإنه لكما وصفه ربه وباعثه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء] " (^٢).
وأما قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فإن التسبيح من حقوق الله الخاصة به؛ فلا يجوز تسبيح الرسول ﷺ كما يسبح الله تعالى فإن ذلك يعد - بلا شك - شركًا بخلاف الإيمان بالله ورسوله وطاعتهما؛ فإنهما من الحقوق المشتركة بين الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
[الفتح: ٩]؛ ولقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢؛ التغابن: ١٢]، والإيمان بالله والرسول وطاعته هو - في حقيقة الأمر - إيمان بالله وطاعة له؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، "فذكر الله - في هذه الآية - الحق
_________________
(١) . أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان أن الدين النصيحة برقم (٥٥) من حديث تميم بن أوسٍ الداريِّ ﵁.
(٢) "أعلام الحديث" للخطابي (١/ ١٩٢)
[ ١٥ ]
المشترك بين الله وبين رسوله وهو: الإيمان بهما، والمختص بالرسول وهو: التعزير والتوقير، والمختص بالله وهو: التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها" (^١).
لذلك يحرم مجاوزة الحد المشروع في الأنبياء والرسل ﵈ والغلو فيهم؛ خشية رفعهم من درجة النبوة إلى حيز صفات الربوبية والألوهية: كنسبة علم اللوح والقلم للرسول ﷺ، أو اعتقاد القدرة فيه على كشف الضر أو جلب النفع والخير، وما ينجر عنه من دعائه والاستغاثة به فيما لا يقدر على تحصيله إلا الله تعالى، والتوكل عليه، ونحو ذلك مما ينافي التوحيد؛ لكونها من الحقوق الخاصة بالله ﷿، سواء وقع التداخل والخلط بين هذه الحقوق من غير تميز بينها - جهلًا - أو بدعوى مزيد محبة النبي ﷺ المفرطة، علما أن محبة الرسول الحقيقية إنما هي متابعته والمسارعة في طاعته فيما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه من الكفر والفسوق والعصيان؛ فالمحبة لها علامتان: فهي لا تتم إلا بتجريد المتابعة لشرع الله الذي جاء به النبي ﷺ عن ربه.
أولا: لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران]، ومما جاء به عن ربه: إفراد الله بالعبادة بجميع أنواعها ومراتبها وصورها من غير صرف أي شيء منها لأحد كائنا من كان، وهذا معنى كلمة التوحيد.
ثانيا: ولا تتم محبة الله - إلا بموالاته تعالى وموافقته فيما يحب ويكره؛ فيحب العبد ما يحبه ربه ويبغض ما يبغضه؛ عملا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٣٤]، وبقوله ﷺ:
_________________
(١) "تفسير السعدي" (ص ٩٣٤)
[ ١٦ ]
" [فوالذي نفسي بيده]، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده [والناس أجمعين] " (^١).
ولتثبيت هذه الحقائق والمعاني في نفوس المسلمين وترسيخها أفصح القرآن الكريم أن النبي ﷺ بشر يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى إقامة دينه مقيدا بما جاء به من سنته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْإِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف]، وقد بين ابن القيم ﵀ هذا المعنى - بجلاء - بقوله: "والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة؛ فالمقبول ما كان الله خالصا وللسنة موافقة، والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما، وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه، وهو - سبحانه - إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه، وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها" (^٢).
وفصَّل ابن رجب ﵀ مسألة العمل - من حيث ظاهره وباطنه - بما نصه: " .. وإنما يتم ذلك بأمرين: أحدهما: أن يكون العمل - في ظاهره - على موافقة السنة، وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة ﵂: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (^٣)، والثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله ﷿، كما تضمنه حديث عمر: "الأعمال بالنيات" (^٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب: حب الرسول ﷺ من الإيمان (١٤) من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه البخاري (١٥)، ومسلم في "الإيمان" (٤٤)، من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) "إعلام الموقعين" لابن القيم (٢/ ١٨١)
(٣) أخرجه البخاري في "الصلح" باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (٢٦٩٧)، ومسلم في "الأقضية" (١٧١٨)، من حديث عائشة ﵂.
(٤) . أخرجه البخاري في "بدء الوحي" باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ (١)، ومسلم في (الإمارة) (١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ١٧ ]
وقال الفضيل ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، قال: "أخلصه وأصوبه"، وقال: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصًا وصوابًا"، قال: "والخالص إذا كان لله ﷿، والصواب إذا كان على السنة" (^١)
ولهذا كان الدعاء لجلب الخير والنفع أو لكشف الضر أو دفع السوء والأذى إنما هو موجه للمعبود الحق دون غيره لقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾، وقد فسر ابن باديس ﵀ هذه الآية بقوله: "فمن دعا غير الله فقد عبده، ومن دعا مخلوقا مع الخالق فقد أشرك، فإذا دعوت فادع ربك ولا تدع معه أحدًا، وكيف تدعو من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؟! وإذا توسلت فتوسل بأعمالك: بإيمانك وتوحيدك، وباتباعك لمحمد، ومحبتك له، واعتقادك ما له عند الله من عظيم المنزلة وسمو المقام عليه وعلى آله الصلاة والسلام" (^٢)، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ [يونس: ٤٩].
قال الشيخ محمد صديق حسن خان ﵀ في حكم التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة به ما نصه: "وفي هذا أعظم واعظ وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله ﷺ، والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وذلك من صار يطلب من الرسول ﷺ ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه؛ فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين: رزقهم وأحياهم ويميتهم؛ فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من
_________________
(١) جامع العلوم والحِكَم" لابن رجب (ص ١٠).
(٢) "مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير" لابن باديس (ص ٤٦٨).
[ ١٨ ]
الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه، ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شيء، الخالق الرازق المعطي المانع؟ وحسبك - في هذه الآية - موعظة؛ فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [يونس: ٤٩]؛ فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره - ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته - لنفسه فضلا عن أن يملكه لغيره؟ فيا عجبا القوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، كيف لا يتيقظون لما وقعوا به من الشرك، ولا ينتبهون إما حل بهم من المخالفة لمعنى: (لا إله إلا الله)، ومدلول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟! وأعجب من هذا اطلاع بعض أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها؛ فإن أولئك يعترفون بأن الله - سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله ومقربين إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم - تارة - على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه ومظهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر، ولقد تول الشيطان - أخزاه الله - بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، إنا لله وإنا إليه راجعون" (^١).
هذا، والقرآن الكريم تضمن العديد من الآيات الناهية عن الدعاء بجلب الخير، والسؤال لكشف الضر أو تحويله، إلا من الله تعالى الذي دعانا إلى طلبه منه والتوجه إليه مباشرة دون واسطة، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي
_________________
(١) (فتح البيان) للقنوجي (٤/ ٢٢٥).
[ ١٩ ]
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وعليه، فلا وساطة للرسل والأنبياء ﵈ في شيء بين الله تعالى وعباده من طلب الحوائج من الله تعالى، وإنما وساطتهم تتجلى في تبليغ شرع الله ودينه لعباده.
وفي بيان هذه الوساطة وإثباتها قال الشيخ عبد العزيز المحمد السلمان ﵀ ما يلي: "إنها على قسمين:
- واسطةٌ من تمام الدين والإيمان إثباتها: وهي أن الرسول ﷺ وغيره من الرسل وسائط بين الله وبين عباده في تبليغ دينه وشرعه.
* وواسطةٌ شركيةٌ: وهي التقرب إلى أحد من الخلق ليقربه إلى الله، وليجلب له المنافع التي لا يقدر عليها إلا الله، أو يدفع عنه المضار؛ فهذا النوع من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.
فالخلق مضطرون إلى وساطة الرسل في تبليغ الدين، وليس بهم حاجة إلى وساطة أحد في طلب الحوائج من الله؛ فليس بين العبد وبين الله حجاب ولا واسطة" (^١).
ومنه يعلم أن الله تعالى لم يجعل وساطة الرسل والأنبياء ﵈ ولا مكانتهم وجاههم - فضلا عن الصالحين - طريقة للتقرب منه أو وسيلة موصلة إليه ولا سبأ للزلفى لديه، وإنما جعل القرب منه والوسيلة إليه في تصديقهم فيما أخبروا به، واتباع النور الذي جاءوا به من عبادته وطاعته وامتثال أوامره ونواهيه، والتزام محابه واجتناب مكارهه، والعمل على تقرير شرعه ونشره وتثبيته وإقامته بين الخلق.
ولا يخفى أن الأنبياء والرسل ﵈ التي لم يدعوا أن بأيديهم مفاتيح
_________________
(١) "الكواشف الجلية" للسلمان (ص ٧٣).
[ ٢٠ ]
رزق الله ورحمته، ولا أنهم يملكون التصرف في خزائن الله، ولا أنهم يعلمون الغيب، ولا أنهم ملائكة، وإنما هم بشر ممن خلق، يوحى إليهم منن الله تعالى، شرفهم الله بالوحي الذي يتبعونه ولا يخرجون عنه، وأنعم عليهم بالمكارم والفضائل والكمالات، وعصمهم من الرذائل والنقائص والمعايب، وأكرمهم بالرسالة أو النبوة لهداية الخلق إلى الحق وإقامة الحجة عليهم، وأيدهم بالآيات البينات والمعجزات الباهرات وخوارق العادات الدالة على صدقهم؛ حتى لا يبقى عذر لأحد في تكذيبهم والخروج عن طاعتهم؛ وليس للرسل والأنبياء ﵈ أي تصرف مع الله في الكون؛ لذلك كانوا إذا سئلوا الآيات المعجزات الخارقة للعادة؛ ردوا الأمر إلى الله، ونفوا أن تكون لهم قدرة على الإتيان بها إلا بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١١]؛ فيظهر الله - على أيديهم - الآيات تأييد لهم وتخويفا لأقوامهم وقطعة لمشاغبتهم؛ فيخضع لها بعضهم ويستمر الأكثرون على العناد، فما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطاه الله من الآيات والمعجزات ما يمثله - في وضوحه وظهوره والعجز عن معارضته - ما يؤمن عليه العباد ويتفقون عليه لولا ما يصدهم عنه من العناد، وهو معنى قوله: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر" (^١) (^٢)؛ ولهذا أمر الله تعالى نبيه أن يبرأ من دعوى هذه المحاور الثلاثة من العلم والقدرة والغني، التي ترجع إليها المعجزان بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب "فضائل القرآن" باب: كيف نزل الوحي، وأول ما نزل برقم (٤٩٨١)، ومسلم في "الإيمان" باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته برقم (١٥٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) "مجالس التذكير من حديث البشير النذير" لابن باديس (٣٣ - ٣٤).
[ ٢١ ]
يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]. قال ابن تيمية ﵀ وما نصه: "فأمره أن يخبر أنه لا يعلم الغيب، ولا يملك خزائن الله، ولا هو ملك غني عن الأكل والمال، إن هو إلا متبع لما أوحي إليه، واتباع ما أوحي إليه هو الدين، وهو طاعة الله وعباده علما وعملا بالباطن والظاهر، وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله تعالى: فيعلم منه ما علمه إياه، ويقدر منه على ما أقدره الله عليه، ويستغني عما أغناه الله عنه من الأمور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة غالب الناس" (^١).
ومن هنا يظهر - جليا - أن حياة أنبياء الله ورسله - صلوات الله وسلامه عليهم - لم تكن مبنية على تغييب حقيقتهم البشرية، أو رفع أنفسهم إلى مقام الربوبية، أو ادعاء خصائص الألوهية، أو إرادة تلبيس بين حق الله الخالص وحق أنبيائه الكرام ﵈، كلا، إنما كانت حياتهم مليئة بالصلة بالله، وعامرة بالعلم النافع، والعمل الصالح، والقوة في العبادة، والمسارعة في الخيرات، والبصيرة النافذة في الدين؛ حتى بلغوا الغاية في العبودية والسمو الروحي، يهدون الناس إلى الله، ويبلغون دينه وشرعه، ويدعون إلى الهدى ودين الحق، ويتنافسون في القرب من ربهم، ويبذلون ما في وسعهم من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله بجد واجتهاد، يرجون - بأعمالهم الصالحة ومحبتهم الصادقة - رحمته، ويخافون - بمخالفتهم لأمره - عذابه، ويخشون - بقصورهم عن أداء حقه - عقوبته وانتقامه؛ لعلمهم بقوة الله وعظيم سلطانه، وأن عذابه أليم شديد، شأنه أن يتقى ويُحذر، قال الله تعالى عن أهل اصطفائه واجتبائه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء]، وقال تعالى:
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (١١/ ٣١٣)، وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز (٥٥٨).
[ ٢٢ ]
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء].
فتلك هي العبودية الحقه التي كان الرسل والأنبياء ﵈، والمعلوم أن العبد كلما ازداد في تحقيق العبودية الخالصة ازداد كماله وسمت روحه وعلت درجته، وكلما نقصت عبوديته ازداد بعدا وهبوطا وانحدارًا، والرسل والأنبياء ﵈ وإن تفاوتوا في الفضل والدرجة - إلا أنهم كانوا يتنافسون في القرب من ربهم، ويتسابقون في تحقيق العبودية، ويسارعون في الخيرات كما تقدمت به الآيات؛ ولهذا وصفهم الله تعالى في كتابه بوصف العبودية التي أساسها المحبة والخوف والرجاء فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص]، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص: ٤١]، وذكر نبينا محمد ﷺ بوصف العبودية في أسمى أحواله وأشرف مقاماته: كالإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وفي مقام الإيحاء والتحدي بالذي أنزل عليه، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَاإِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي مقام القيام بالدعوة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وغيرها من الآيات المخبرة عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين، المجتهدين في تحقيق العبودية الخالصة لله رب العالمين.
وعلينا - أخيرًا - أن نقتدي بهم في تحقيق هذه العبودية الخالصة لله تعالى ونهتدي بهديهم، مع احترام حقهم ومنزلتهم في التوقير والتبجيل
[ ٢٣ ]
والمحبة والنصرة، من غير غُلُوٍّ في تعظيمهم ولا إطراءٍ مُفْضٍ بمحبتهم إلى امتزاج حقهم بما لله تعالى من حق خالص في العبودية] (^١).
كيف كان الغلو أول سبب لوقوع الشرك في العالم؟
[.. كان الناس أمة واحدة على الإسلام، موحدين متفقين على الحق والتوحيد في زمن أبينا آدم ﵇، إلى قبيل زمن نوح ﵈.
ثم اختلفوا بسبب مكر الشيطان وحيله الخفية، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩].
وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (^٢) عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" (^٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" (^٤).
_________________
(١) من الكلمات الشهرية لسماحة الشيخ محمد علي فركوس حفظه الله برقم (١٠٦)
(٢) من الجلاء؛ أي: ترك الإنسان موطنه ومكانه، وهنا بمعنى: ترك الدين والابتعاد عنه. انظر: "لسان العرب" (٢/ ٣٣٧)، مادة: (جلل).
(٣) "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (١١/ ٣١٣)، وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز (٥٥٨) جزء من حديث رواه مسلم، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار برقم (٢٨٦٥).
(٤) "جامع البيان" للطبري (٢٩/ ٩٩)، و"المستدرك" للحاكم (٢/ ٥٤٦) وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "تحذير الساجد" (ص ١٤٧).
[ ٢٤ ]
وبهذا يتضح لنا أن الأمة كانت على شريعة واحدة؛ التي هي التوحيد الخالص، ثم طرأ الشرك عليها (^١).
وإليك التدرج الذي فعله الشيطان مع بني الإنسان لإخراج الناس من عبادة الله وحده إلى الشرك به وعبادة غيره، وهو مأخوذ من تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح]، حيث إن هؤلاء الخمسة كانوا عبادًا صالحين، فلما ماتوا، أوحى الشيطان إلى قومهم؛ أن انجبوا لهم أنصابًا، وسموها بأسمائهم، واعكفوا عليها لتتذكروهم، وتقتدوا بأعمالهم الصالحة، فلما ذهب هذا الجيل، وأتي من بعدهم، أوحي إليهم الشيطان: إن أسلافكم كانوا يعبدونهم، فافعلوا كما كانوا يفعلون، ففعلوا؛ فوقع الشرك في بني آدم من طريق الغلو في الصالحين، ومن ثم أرسل الله جل وعلا نوح ﵇ ليدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك الشرك، فلم يستجيبوا له إلا قليل منهم.
ويتضح هذا المعنى بذكر الآثار الواردة في تفسير الآية المتقدم ذكرها من سورة نوح ﵇، وإليك بعضا منها:
عن ابن عباس ﵄، قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم، عُبدت" (^٢).
وما روى ابن جرير بإسناده عن محمد بن قيس، قال: كانوا قوم صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدرون بهم، فلما ماتوا
_________________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (٢/ ٤٣٧، ٨/ ٢٨٥، ٢٠/ ١٠٦، ١٠٧) بتصرف.
(٢) "صحيح البخاري"، كتاب التفسير، تفسير سورة نوح، باب ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق. "الفتح" (٨/ ٥٣٥)، حديث رقم (٤٩٢٠).
[ ٢٥ ]
قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم؛ كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، دب إليهم إبليس، فقال: إنما كان يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم" (^١).
فهنا قولان:
الأول: أنها كانت في قوم نوح.
الثاني: أنها كانت أسماء رجال صالحين.
ولا فرق بين القولين، فإن كونها أسماء أصنام لا ينافي كون تلك الأصنام لرجال صالحين في الأصل.
قال ابن حجر ﵀ بعد حكايته للقولين -: "بل مرجع ذلك إلى قول واحد، وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك" (^٢).
إذا علم ذلك كله، ظهر أن أعظم أسباب الشرك وعبادة الأصنام الغلو في المخلوقين، ورفعهم فوق منازلهم (^٣)، فلذلك نهى الله عن الغلو ومشابهة أهل الكتاب الذين غلوا في أنبيائهم وصالحيهم حتى عبدوهم من دون الله؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود].
_________________
(١) "جامع البيان" للطبري (٢٩/ ٩٨، ٩٩).
(٢) "فتح الباري" (٨/ ١٣٧).
(٣) "مجموع الفتاوى" (١٤/ ٣٦٢)، وقاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق لابن تيمية (ص ٤٢، ٤٣) بتصرف.
[ ٢٦ ]
وكذلك اهتم النبي ﷺ بهذا الباب، فحذر أشد التحذير من الغلو، وسد ذرائعه وأبوابه، وحاربه في جميع ميادين ونواحي العبادة (^١).
ومما ورد عنه في ذلك قوله ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (^٢).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ بعد إيراده لهذا الحديث ما نصه: "أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي، كما غالت النصارى في عيسى؛ فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد الله، فصفوني بذلك كما وصفني به ربي، وقولوا: عبد الله ورسوله" (^٣).
* منها ما جاء عن عائشة ﵂: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة - رأينها بالحبشة فيها تصاوير - لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (^٤).
قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم؛ إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢/ ٤٠٤، ٤٠٥) بتصرف
(٢) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾. [الفتح] (٦/ ٥٥١)، حديث رقم (٣٤٤٥).
(٣) (تيسير العزيز الحميد) (ص ٣١٤).
(٤) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب بناء المسجد على القبر برقم (١٣٤١)؛ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد برقم (٥٢٨).
[ ٢٧ ]
الصالحين … فهذه المفسدة - التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره - هي التي حسم النبي ﷺ مادتها؛ حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا … (^١) (^٢).
* منها ما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته -: "هات القط لي" فلقط له حصيات هن حصى الخذف (^٣)، فلما وضعتهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" (^٤).
قال شيخ الإسلام ﵀ بعد إيراده لهذا الحديث -: "إن هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال" (^٥).
_________________
(١) يشير إلى قوله ﷺ: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، رواه ابن ماجه في كتاب المساجد والجماعات، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة (١/ ٢٤٦)، حديث رقم (٧٤٥) واللفظ له؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (١/ ٣٣٠)، حديث رقم (٤٩٢)؛ والترمذي، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (١/ ١٣١)، حديث رقم (٣١٧)، وقال: فيه اضطراب. وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجه) (١/ ٢٣١) حديث رقم (٦١٢).
(٢) "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٦٧٤)
(٣) هو: الحصى الصغير الذي يمكن حمله بأطراف الأصابع لصغره. انظر: "لسان العرب" (٤/ ٤٤)، مادة: (خذف).
(٤) رواه النسائي في "سننه"، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى (٥/ ٢٩٦)، حديث رقم (٣٠٥٧)؛ وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي (٢/ ١٠٠٨)، حديث رقم (٣٠٢٩). وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجه) (٣/ ٤٩)، حديث رقم (٢٤٧٣).
(٥) "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/ ٢٨٩).
[ ٢٨ ]
* ومنها: أنه ﷺ نهى أن يجصَّص القبرُ، وأن يُقعَد عليه، وأن يبنى عليه (^١).
* ومنها: أمره ﷺ بتسوية القبور وطمس التماثيل؛ فعن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: "ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته" (^٢)
* ومنها: ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ "، قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي ﷺ: "لا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر، فليقعد" (^٣).
قال ابن حجر ﵀ تحت هذا الحديث: "وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق فيها" (^٤).
وغيرها كثير من أقواله ﷺ في النهي عن التشدد، والأخذ بالأيسر، والرفق في الأمر كله (^٥)؛ كما قال ﷺ: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدينَ
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه (٢/ ٦٦٧)، حديث رقم (٩٧٠).
(٢) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر (٢/ ٦٦٦)، حديث رقم (٩٦٩)
(٣) رواه البخاري في كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة. "الفتح" (٣/ ٤٣)، حديث رقم (١١٥٠)؛ ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك (١/ ٥٤١، ٥٤٢)، حديث رقم (٧٨٤).
(٤) "فتح الباري" (٣/ ٤٥).
(٥) "قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق" (ص ٤٢ - ٤٥).
[ ٢٩ ]
أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغَدْوَةِ (^١) والرَّوْحَةِ (^٢) وشيءٍ من الدُّلْجَةِ (^٣) (^٤)، والله تعالى أعلم] (^٥).
* * *
_________________
(١) الغَدْوة: السير في أول النهار.
(٢) الرَّوحة: السير بعد الزوال.
(٣) الدُّلْجة: السير آخر الليل، والمراد هنا، قال ابن حجر: "أي: استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة". انظر في هذا كله: فتح الباري لابن حجر (١/ ١١٨).
(٤) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب الدين يسر. "الفتح" (١/ ١١٦) حديث رقم (٣٩).
(٥) انظر: "الجواب الباهر في زوار المقابر" لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، دراسة وتحقيق د. إبراهيم بن خالد المخيف حفظه الله (ص ٨٥ - ٩١).
[ ٣٠ ]