وكل ما تقدم من الأدلّة، وأقوال الأئمة، وأوجه البطلان، وأقسام المفاسد يُبيِّن للعاقل أن صلاة الرغائب بدعة منكرة قبيحة، محدثة في الإسلام.
ثالثًا: بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج:
ليلة الإسراء والمعراج من آيات الله - ﷿ - العظيمة الدالة على صدق النبي - ﷺ -، وعظم منزلته عند الله، وعلى عظم قدرة الله الباهرة، وعلى علوِّه - ﷿ -
_________________
(١) انظر: كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، لأبي شامة، ص ١٥٣ - ١٩٦، وهذه المفاسد، وأوجه البطلان تشمل صلاة الرغائب في أول جمعة من رجب، وليلة النصف من شعبان، كما صرح بذلك أبو شامة في كتابه الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص١٧٤.
[ ٦٢ ]
وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء لا يحتفل بها
أولا: هذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأت خبر صحيح في تحديدها
على جميع خلقه، قال - ﷿ -: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ (١).
وتواتر عن رسول الله - ﷺ -: أنه عُرج به إلى السماء، وفُتحت له أبوابها، حتى جاوز السماء السابعة، فكلّمه ربّه - ﷿ - كما أراد - ﷾ -، وفرض عليه الصلوات الخمس، وكان الله - ﷿ - فرضها خمسين صلاة، فلم يزل نبيّنا محمد - ﷺ - يراجع ربه، ويسأله التخفيف، حتى جعلها خمسًا في الفرض، وخمسين صلاة في الأجر؛ لأن الحسنة بعشرة أمثالها، فلله الحمد والشكر على جميع نعمه التي لا تعد ولا تحصى (٢).
وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء لا يُحتفَل بها، ولا تُخصّ بشيء من أنواع العبادة التي لم تُشرع؛ لأمور منها:
أولًا: هذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأتِ خبر صحيح في تحديدها، ولا تعيينها، لا في رجب ولا في غيره، فقيل: إنها كانت بعد مبعثه - ﷺ - بخمسة عشر شهرًا، وقيل: ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر، قبل الهجرة بسنة، وقيل: كان ذلك بعد مبعثه بخمس سنين (٣) وقيل: ليلة سبعة وعشرين من شهر ربيع الأول (٤)، وقال الإمام
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ١.
(٢) انظر: التحذير من البدع، للعلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ص١٦.
(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٤) انظر: كتاب الحوادث والبدع، لأبي شامة، ص٢٣٢.
[ ٦٣ ]
ثانيا: لا يعرف عن أحد من المسلمين: أهل العلم والإيمان أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة عن غيرها
أبو شامة ﵀: «وذكر عن بعض القُصَّاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب» (١)، وذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن ليلة الإسراء لا يُعرف أيّ ليلة كانت (٢).
قال العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀: «وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأتِ في الأحاديث الصحيحة تعيينها، لا في رجب ولا في غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي - ﷺ - عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها» (٣)، ولو ثبت تعيينها لم يجز أن تُخصَّ بشيءٍ من أنواع العبادة بدون دليل (٤).
ثانيًا: لا يعرف عن أحد من المسلمين: أهل العلم والإيمان أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة عن غيرها؛ ولأن النبي - ﷺ - وأصحابه، والتابعين وأتباعهم بإحسان لم يحتفلوا بها، ولم يخصّوها بشيء من العبادة، ولم يذكروها، ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا؛ لبيّنه رسول الله - ﷺ - للأمة: إما بالقول، وإما بالفعل، ولو وقع أمر من ذلك؛ لعرف واشتهر، ونقله الصحابة - ﵃ - إلينا (٥).
ثالثًا: قد أكمل الله لهذه الأمة دينها، وأتمّ النعمة، قال الله - ﷿ -: ﴿الْيَوْمَ
_________________
(١) المرجع السابق، ص٢٣٢،وانظر: تبيين العجب بما ورد في شهر رجب، لابن حجر، ص ٩، ١٩، ٥٢، ٦٤، ٦٥.
(٢) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ١/ ٥٨.
(٣) التحذير من البدع، ص١٧.
(٤) المرجع السابق، ص١٧.
(٥) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٥٨، والتحذير من البدع، للعلامة ابن باز، ص١٧.
[ ٦٤ ]
رابعا: حذر النبي - ﷺ - من البدع، وصرح بأن كل بدعة ضلالة
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١)، وقال - ﷾ -: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
رابعًا: حذّر النبي - ﷺ - من البدع، وصرّح بأن كل بدعة ضلالة، وأنها مردودة على صاحبها، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (٣)، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٤).
وحذّر السلف الصالح من البدع؛ لأنها زيادة في الدين وشرعٌ لم يأذن به الله، ورسوله - ﷺ -، وتشبُّه بأعداء الله: من اليهود والنصارى في زياداتهم في دينهم (٥).
رابعًا: الاحتفال بليلة النصف من شعبان:
أخرج الإمام محمد بن وضَّاح القرطبي بإسناده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال: لم أدرك أحدًا من مشيختنا، ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولم ندرك أحدًا منهم يذكر حديث مكحول (٦)
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٣.
(٢) سورة الشورى، الآية: ٢١.
(٣) البخاري ٣/ ٢٢٢، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، ٣/ ٣٤٤، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.
(٤) مسلم، ٣/ ٣٤٤، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.
(٥) انظر: التحذير من البدع، لابن باز، ص١٩.
(٦) يعني بحديث مكحول ما أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، برقم ٥١٢، وابن حبان برقم ٥٦٦٥ [١٢/ ٤٨١]، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٠٩، برقم ٢١٥، وأبو نعيم في الحلية، ٥/ ١٩١، والبيهقي في شعب الإيمان، ٥/ ٢٧٢ برقم ٦٦٢٨، عن معاذ بن جبل - ﵁ - يرفعه: «يطلع الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشركٍ أو مشاحن»، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: حديث صحيح روي عن جماعة من الصحابة من طرق مختلفة يشد بعضها بعضًا، وهم: معاذ بن جبل، وأبو ثعلبة الخشني، وعبد الله بن عمرو، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأبو بكر الصديق، وعوف بن مالك، وعائشة - ﵃ -، ثم خَرَّج هذه الطرق الثمانية، وتكلم على رجالها في أربع صفحات. قلت: فإن صحّ هذا الحديث في فضل ليلة النصف من شعبان كما يقول الألباني ﵀ فليس فيه ما يدل على تخصيص ليلتها بقيام ولا يومها بصيام، إلا ما كان يعتاده المسلم من العبادات المشروعة في أيام السّنَة؛ لأن العبادات توقيفية.
[ ٦٥ ]
ولا يرى لها فضلًا على ما سواها من الليالي» (١).
وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: «وأخبرني أبو محمد المقدسي، قال: «لم تكن عندنا ببيت المقدس قطُّ صلاة الرغائب هذه التي تُصلّى في رجب وشعبان، وأوّل ما حدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة [٤٤٨هـ]، قَدِمَ علينا في بيت المقدس رجل من أهل نابلس يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام فصلَّى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل ثم انضاف إليهم ثالث، ورابع، فما ختمها إلا وهم في جماعة كبيرة، ثم جاء في العام القابل فصلّى معه خلق كثير، ثم جاء من العام القابل فصلَّى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد، وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى وبيوت الناس، ومنازلهم ثم استقرّت كأنها سُنَّة إلى يومنا هذا» (٢).
وأخرج الإمام ابن وضاح بسنده أن ابن أبي مليكة قيل له إن زيادًا
_________________
(١) كتاب فيه ما جاء في البدع، للإمام ابن وضَّاح، المتوفى سنة ٢٨٧هـ ص١٠٠، برقم ١١٩.
(٢) كتاب الحوادث والبدع، للطرطوشي، المتوفى سنة ٤٧٤هـ، ص٢٦٦، برقم ٢٣٨.
[ ٦٦ ]
النميري يقول: إن ليلة النصف من شعبان أجرها كأجر ليلة القدر، فقال ابن أبي مليكة: «لو سمعته منه وبيدي عصًا لضربته بها، وكان زيادٌ قاضيًا» (١).
وقال الإمام أبو شامة الشافعي ﵀: «وأما الألفية فصلاة النصف من شعبان سُمِّيت بذلك لأنها يُقرأ فيها ألف مرة ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ لأنها مائة ركعة، في كل ركعة يقرأ الفاتحة مرة، وسورة الإخلاص عشر مرات، وهي صلاة طويلة مستثقلة لم يأتِ فيها خبر، ولا أثر، إلا ضعيف أو موضوع، وللعوامّ بها افتتان عظيم، والتزم بسببها كثرة الوقيد في جميع مساجد البلاد، التي تصلَّى فيها، ويستمر ذلك الليل كله، ويجري فيه الفسوق والعصيان، واختلاط الرجال بالنساء، ومن الفتن المختلفة ما شهرته تُغني عن وصفه، وللمتعبّدين من العوامِّ فيها اعتقاد متين، وزيّن لهم الشيطانُ جَعْلَها من أصل شعائر المسلمين» (٢).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ بعد كلام نفيس: «وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام: كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر، وغيرهم يعظّمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثارٌ إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختُلف في تعظيمها، فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عبّاد أهل البصرة،
_________________
(١) كتاب فيه ما جاء في البدع، لابن وضاح، ص١٠١، برقم ١٢٠، ورواه الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع عن ابن وضاح، ص٢٦٣، برقم ٢٣٥.
(٢) كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، لعبد الرحمن بن إسماعيل، المعروف بأبي شامة، المتوفى سنة ٦٦٥هـ، ص١٢٤.
[ ٦٧ ]
أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد
والثاني: أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة، والقصص، والدعاء
وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم: عطاء، وابن أبي مليكه، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة، واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:
أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعةً في المساجد، كان خالد بن معدان، ولقمان بن عامر، وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم، ويتبخّرون، ويكتحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد ليس ذلك ببدعة، نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه يُكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة، والقصص، والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي، إمام أهل الشام، وفقيههم، وعالمهم، وهذا الأقرب إن شاء الله تعالى »، ثم قال: «ولا يُعرف للإمام أحمد كلامٌ في ليلة نصف شعبان، ويُخرَّج في استحباب قيامها عنه روايتان، من الروايات عنه في قيام ليلة العيد؛ فإنه في رواية لم يستحبّ قيامها جماعةً؛ لأنه لم يُنقل عن النبي - ﷺ - وأصحابه، واستحبّها في رواية؛ لفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف من شعبان، لم يثبت فيها شيء عن النبي - ﷺ -، ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام» (١).
_________________
(١) لطائف المعارف، لابن رجب، ص٢٦٣.
[ ٦٨ ]
قال الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «وأما ما اختاره الأوزاعي ﵀ من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول فهو غريب وضعيف؛ لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعًا لم يجزْ للمسلم أن يحدثه في دين الله، سواء فعله مفردًا أو جماعةً، وسواءً أسرّه أو أعلنه، لعموم قول النبي - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها» (٢).
فمما تقدم من كلام الإمام ابن وضاح، والإمام الطرطوشي، والإمام عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، والحافظ ابن رجب ﵏، وإمام هذا الزمان عبد العزيز ابن باز ﵀، يتضح أن تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة أو غيرها من العبادة غير المشروعة بدعة لا أصل لها من كتاب، ولا سنة، ولا عملها أحد من أصحاب النبي - ﷺ -.
خامسًا: التبرّك:
التّبرُّك: هو طلب البركة، والتبرّك بالشيء: طلب البركة بواسطته (٣).
ولا شك أن الخير والبركة بيد الله - ﷿ -، وقد اختص الله - ﷿ - بعض خلقه بما شاء من الفضل والبركة، وأصل البركة: الثبوت واللزوم، وتطلق على النماء والزيادة، والتبريك: الدعاء، يقال: برَّك عليه: أي دعا له بالبركة،
_________________
(١) مسلم، ٣/ ٣٤٤، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.
(٢) التحذير من البدع، ص٢٦.
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، باب الباء مع الراء، مادة «برك»، ١/ ١٢٠، والتبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور ناصر الجديع، ص٣٠.
[ ٦٩ ]