المطلب الأول: مفهومها
البدعة: لغة: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي - ﷺ - من الأهواء والأعمال (١)، ويقال: «ابتدعتُ الشيء، قولًا أو فعلًا إذا ابتدأته عن غير مثال سابق» (٢)، وأصل مادة «بدع» للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٣)، أي: مخترعهما من غير مثال سابق متقدم (٤).
والبدعة في الاصطلاح الشرعي لها عدة تعريفات عند العلماء ويكمِّل بعضها بعضًا، منها:
١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «البدعة في الدين: هي ما لم يشرعْه الله ورسوله - ﷺ -: وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب، ولا استحباب» (٥).
«والبدعة نوعان: نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، وهذا الثاني يتضمَّن الأوّل، كما أن الأوّل يدعو إلى
_________________
(١) القاموس المحيط، باب العين، فصل الدال، ص ٩٠٦، ولسان العرب، ٨/ ٦، وفتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ٤١٤.
(٢) معجم المقاييس في اللغة لابن فارس، ص ١١٩.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١١٧، وسورة الأنعام، الآية: ١٠١.
(٤) الاعتصام للشاطبي،١/ ٤٩،وانظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة «بدع»، ص ١١١.
(٥) فتاوى ابن تيمية، ٤/ ١٠٧ - ١٠٨.
[ ١٨ ]
الثاني» (١). «وكان الذي بنى عليه أحمد وغيره مذاهبهم: أن الأعمال عبادات وعادات»، فالأصل في العبادات أنه لا يُشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أنه لا يحظر منها إلا ما حظر الله» (٢).
وقال أيضًا: «والبدعة ما خالف الكتاب والسنة، أو إجماع سلف الأمة: من الاعتقادات، والعبادات: كأقوال الخوارج، والروافض، والقدرية، والجهمية، وكالذين يتعبّدون بالرقص والغناء في المساجد، والذين يتعبّدون بحلق اللحى، وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التي يتعبّد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة، والله أعلم» (٣).
٢ - قال الشاطبي رحمه الله تعالى: «البدعة: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي (٤) الشرعيَّة، يُقصدُ بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه».
وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصُّها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العاديّة في معنى البدعة، فيقول «البدعة: طريقة في الدِّين مخترعةٌ، تضاهي الشّرعيّة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية» (٥).
ثم قرّر رحمه الله تعالى على تعريفه الثاني أن العادات من حيث هي
_________________
(١) المرجع السابق، ٢٢/ ٣٠٦.
(٢) المرجع السابق، ٤/ ١٩٦.
(٣) فتاوى ابن تيمية، ١٨/ ٣٤٦، وانظر: ٣٥/ ٤١٤ من المرجع نفسه.
(٤) تضاهي: يعني أنها تشبه الطريقة الشرعية من غير أن تكون الحقيقة كذلك بل هي مضادة لها. انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٥٣.
(٥) الاعتصام، ١/ ٥٠ - ٥٦.
[ ١٩ ]
عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبّد بها، أو تُوضع وضع التّعبُّد تدخلها البدعة، فحصل بذلك أنه جمع بين التعريفين، ومثل للأمور العادية التي لابدّ فيها من التعبُّد: بالبيع، والشراء، والنكاح، والطلاق، والإيجارات، والجنايات لأنها مقيّدة بأمور وشروط وضوابط شرعية لا خيرة للمكلَّف فيها (١).
٣ - وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (٢): «والمراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعةً لغةً، فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدِّين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة.
أما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر - ﵁ - لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك قال: «نعمة البدعة هذه» (٣) ومراده - ﵁ - أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها.
فمنها: أن النبي - ﷺ - كان يحث على قيام رمضان، ويرغِّب فيه، وكان
_________________
(١) المرجع السابق، ٢/ ٥٦٨، ٥٦٩، ٥٧٠، ٥٩٤.
(٢) جامع العلوم والحكم، ٢/ ١٢٧ - ١٢٨ بتصرف يسير جدًا.
(٣) انظر: صحيح البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان،٢/ ٣٠٨،برقم ٢٠١٠.
[ ٢٠ ]
البدعة بدعتان:
الشرط الأول:
الشرط الثاني:
الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا، وهو - ﷺ - صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك مُعلِّلًا، بأنه خشي أن يُكتب عليهم فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمن بعده - ﷺ - (١).
ومنها: «أنه - ﷺ - أمر باتّباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين» (٢).
والبدعة بدعتان: بدعة مكفِّرة تُخرج عن الإسلام، وبدعة مُفَسِّقة لا تُخرج عن الإسلام (٣).
المطلب الثاني: شروط قبول العمل
لا يقبل أي عمل مما يُتقرّب به إلى الله - ﷿ - إلا بشرطين:
الشرط الأول: إخلاص العمل لله وحده لا شريك له، لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى» (٤).
الشرط الثاني: المتابعة للرسول - ﷺ -؛ لقول النبي - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٥).
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان،٢/ ٣٠٩،برقم ٢٠١٢.
(٢) جامع العلوم والحكم، ٢/ ١٢٩.
(٣) انظر: الاعتصام للشاطبي، ٢/ ٥١٦.
(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ١/ ٩، برقم ١،ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات»،٢/ ١٥١٥،برقم ١٩٠٧.
(٥) مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، ٣/ ١٣٤٤، برقم ١٧١٨، ولفظ البخاري، ومسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، البخاري، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، برقم ١٧١٨.
[ ٢١ ]
فمن أخلص أعماله لله، متّبعًا في ذلك رسول الله - ﷺ -، فهذا الذي عمله مقبول، ومن فقد الإخلاص، والمتابعة لرسول الله - ﷺ -، أو أحدهما فعمله مردود داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (١)، ومن جمع الأمرين فهو داخل في قوله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٢)، وفي قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣)، فحديث عمر - ﵁ -: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال الباطنة، وحديث عائشة ﵂: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ميزان للأعمال الظاهرة، فهما حديثان عظيمان يدخل فيهما الدين كلّه: أصوله، وفروعه، ظاهره وباطنه، أقواله، وأفعاله (٤).
وقد تكلّم الإمام النووي على حديث عائشة ﵂ كلامًا نفيسًا، قال فيه: «قوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»، وفي الرواية الثانية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ»،قال أهل العربية: الردّ هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتدٍّ به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه - ﷺ -؛ فإنه صريح في ردِّ كل البدع، والمخترعات (٥)،وفي الرواية الثانية زيادة وهي: أنه
_________________
(١) سورة الفرقان، الآية: ٢٣.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٢٥.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١١٢.
(٤) انظر: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للسعدي، ص ١٠.
(٥) المخترعات: أي في الدين.
[ ٢٢ ]
قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سُبِقَ إليها، فإذا احتُجَّ عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئًا، فيُحتجّ عليه بالثانية التي فيها التصريح بردّ كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو غيره سبق بإحداثها» (١).
المطلب الثالث: ذم البدعة في الدين
جاء في ذمّ البدعة نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وحذّر منها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن ذلك على سبيل الإيجاز ما يأتي:
أولًا: من القرآن:
١ - قال الله - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ (٢)، وقد ذكر الشاطبي ﵀ آثارًا تدل على أن هذه الآية في الذين يجادلون في القرآن، وفي الخوارج ومن وافقهم (٣).
٢ - وقال - ﷿ -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤)، فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل أهل
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٢٥٧، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٦/ ١٧١.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٧.
(٣) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٧٠ - ٧٦.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
[ ٢٣ ]
الاختلاف الحائدين عن الصراط وهم أهل البدع (١)، فهذه الآية تشمل النهي عن جميع طرق أهل البدع (٢).
٣ - وقال - ﷾ -: ﴿وَعَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣)، فالسبيل: القصد هو: طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق: أي عادل عنه، وهي طرق البدع والضلالات (٤).
٤ - وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ (٥)، وهؤلاء هم أصحاب الأهواء، والضلالات، والبدع من هذه الأمة (٦).
٥ - وقال - ﷿ -: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٧).
٦ - وقال - ﷾ -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٨).
٧ - وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ
_________________
(١) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٧٦.
(٢) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٧٨.
(٣) سورة النحل، الآية: ٩.
(٤) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٧٨.
(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٥٩.
(٦) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ١٧٩.
(٧) سورة الروم، الآيتان: ٣١ - ٣٢.
(٨) سورة النور، الآية: ٦٣.
[ ٢٤ ]
أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ (١).
٨ - وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ (٢)، والله - ﷿ - أعلم (٣).
ثانيًا: من السنة النبوية:
جاءت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله - ﷺ - في ذم البدع والتحذير منها، ومن ذلك ما يأتي:
١ - حديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٤).
٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي - ﷺ - كان يقول في خطبته: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٥).
٣ - وفي رواية النسائي: كان رسول الله - ﷺ - في خطبته: يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: «من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور مُحدَثاتُها، وكل مُحدَثة بدعةٌ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٦٥.
(٢) سورة هود، الآيتان: ١١٨ - ١١٩.
(٣) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٧٠ - ٩١.
(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.
(٥) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، ١/ ٥٩٢، برقم ٨٦٧.
[ ٢٥ ]
في النار» (١).
٤ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (٢).
٥ - وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ» (٣).
٦ - وعن العِرْباض بن سارية - ﵁ - قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة وَجِلَتْ منها القلوب، وذَرَفَتْ منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع فأوصنا؟ قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبد، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (٤).
_________________
(١) أصله في صحيح مسلم في الحديث السابق، وأخرجه النسائي بلفظه، في كتاب صلاة العيدين، باب كيف الخطبة، ٣/ ١٨٨، برقم ١٥٧٨.
(٢) مسلم، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، ٤/ ٢٠٦٠، برقم ٢٦٧٤.
(٣) مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، ٢/ ٧٠٥، برقم ١٠١٧.
(٤) أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، ٤/ ٢٠١، برقم ٤٧٠٧، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، ٥/ ٤٤ برقم ٢٦٧٦، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، ١/ ١٥ - ١٦، برقم ٤٢، ٤٣، ٤٤، وأحمد، ٤/ ٤٦ - ٤٧.
[ ٢٦ ]
٧ - وعن حذيفة - ﵁ - قال: كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم»، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دَخَنٌ»، قلت: وما دَخَنُهُ؟ قال: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتُنكر»، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم، دُعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، فقلت:
يا رسول الله، صِفْهم لنا، قال: «نعم: قومٌ من جِلدتنا، يتكلّمون بألسنتنا»، قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزلْ تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١)، قال الإمام النووي ﵀: قوله: «يهدون بغير هديي» الهدي الهيئة، والسيرة، والطريقة، قوله: «دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها»، قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعون إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج، والقرامطة،
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، ٨/ ١١٩، برقم ٧٠٨٤، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة، ومفارقة الجماعة، ٣/ ١٤٧٥، برقم ١٨٤٧.
[ ٢٧ ]
وأصحاب المحنة» (١).
٨ - وفي حديث زيد بن أرقم - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «أما بعد، ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، [هو حبل الله المتين من اتّبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به»، فحثَّ على كتاب الله، ورغَّب فيه (٢).
٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «يكون في آخر الزمان دجّالون كذّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يُضلّونكم ولا يفتنونكم» (٣).
ثالثًا: من أقوال الصحابة - ﵃ - في البدع:
١ - ذكر ابن سعد ﵀ بإسناده أن أبا بكر - ﵁ - قال: «أيها الناس إنما أنا متّبع، ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوِّموني» (٤).
٢ - وقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: «إيّاكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلُّوا وأضلُّوا» (٥).
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٧٩.
(٢) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، ٤/ ١٨٧٣، برقم ٢٤٠٨.
(٣) مسلم، في المقدمة، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها، ١/ ١٢، برقم ٦، ٧، وابن وضاح في ما جاء في البدع، ص ٦٧، برقم ٦٥.
(٤) الطبقات الكبرى، ٣/ ١٣٦.
(٥) أخرجه اللالكائي، في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ١/ ١٣٩، برقم ٢٠١، والدارمي في سننه، ١/ ٤٧، برقم ١٢١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٤١، برقم ٢٠٠١، ورقم ٢٠٠٣، ورقم ٢٠٠٥.
[ ٢٨ ]
٣ - وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم، كل بدعة ضلالة» (١).
رابعًا: من أقوال التابعين وأتباعهم بإحسان:
١ - كتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى رجل فقال: «أما بعد، أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتّباع سنة نبيه - ﷺ -، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته» (٢).
٢ - وقال الحسن البصري ﵀: «لا يصحُّ القول إلا بعمل، ولا يصحُّ قول وعمل إلا بنية، ولا يصحُّ قول وعمل ونية إلا بالسنة» (٣).
٣ - وقال الإمام الشافعي ﵀: «حُكْمي في أصحاب الكلام أن يُضربوا بالجريد، ويُحملوا على الإبل، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويُقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام» (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن وضاح في ما جاء في البدع، ص٤٣، برقم ١٤، ١٢، والطبراني في المعجم الكبير، ٩/ ١٥٤، برقم ٨٧٧٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ١/ ١٨١: «ورجاله رجال الصحيح»، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ١/ ٩٦، برقم ١٠٢، وانظر: آثارًا أخرى عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - في ما جاء في البدع لابن وضاح، ص ٤٥، ومجمع الزوائد، ١/ ١٨١.
(٢) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب لزوم السنة، ٤/ ٢٠٣، برقم ٤٦١٢، وانظر: صحيح سنن أبي داود، للألباني، ٣/ ٨٧٣.
(٣) أخرجه اللالكائي، في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ١/ ٦٣، برقم ١٨.
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية، ٩/ ١١٦.
[ ٢٩ ]
٤ - وقال الإمام مالك ﵀: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا - ﷺ - خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١)، فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا» (٢).
٥ - وقال الإمام أحمد ﵀: «أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -، والاقتداء وترك البدع، وكل بدعة ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين» (٣).
خامسًا: البدع مذمومة من وجوه:
١ - قد عُلم بالتجارب أن العقول غير مستقلة بمصالحها دون الوحي، والابتداعُ مضادّ لهذا العمل.
٢ - الشريعة جاءت كاملة، لا تحمل الزيادة ولا النقصان.
٣ - المبتدع معاند للشرع ومشاقّ له.
٤ - المبتدع متّبع لهواه؛ لأن العقل إذا لم يكن متَّبِعًا للشرع لم يبق له إلا اتّباع الهوى.
٥ - المبتدع قد نزَّل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع، وألزم المكلَّفين بالجري على سننها (٤).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٣.
(٢) الاعتصام، للإمام الشاطبي، ١/ ٦٥.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لللالكائي، ١/ ١٧٦.
(٤) انظر: الاعتصام، للشاطبي، ١/ ٦١ - ٧٠.
[ ٣٠ ]
أولا: الجهل
ثانيا: اتباع الهوى
المطلب الرابع: أسباب البدع
البدع لها أسباب أدت إليها ومن هذه الأسباب (١) ما يأتي:
أولًا: الجهل، فهو آفة خطيرة، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء، فيرفَعُ العلم معهم، ويُبقي في الناس رُؤوسًا جُهَّالًا يفتون بغير علم، فَيَضِلُّون ويُضِلُّون» (٤).
ثانيًا: اتباع الهوى، من الأسباب الخطيرة التي توقع الناس في البدع، والأهواء، قال الله - ﷿ -: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٥)،
_________________
(١) انظر كثيرًا من هذه الأسباب: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٢٨٧ - ٣٦٥.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.
(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، ٨/ ١٨٧، برقم ٧٣٠٧، ومسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن آخر الزمان، ٤/ ٢٠٥٨، برقم ٢٦٧٣.
(٥) سورة ص، الآية: ٢٦.
[ ٣١ ]
ثالثا: التعلق بالشبهات
رابعا: الاعتماد على العقل المجرد
وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (١).
وقال الله - ﷿ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢).
وقال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ الله﴾ (٣).
وقال - ﷿ -: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٤).
ثالثًا: التعلق بالشبهات: فإن المبتدعة يتعلقون بالشبهات فيقعون في البدع، قال الله - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ (٥).
رابعًا: الاعتماد على العقل المجرَّد، فإن من اعتمد على عقله وترك النص من القرآن والسنة أو من أحدهما ضلّ، والله - ﷿ - يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ٢٨.
(٢) سورة الجاثية، الآية: ٢٣.
(٣) سورة القصص، الآية: ٥٠.
(٤) سورة النجم، الآية: ٢٣.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ٧.
[ ٣٢ ]
خامسا: التقليد والتعصب
سادسا: مخالطة أهل الشر ومجالستهم
الْعِقَابِ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا﴾ (٢).
خامسًا: التقليد والتعصب: فإن أكثر أهل البدع يقلِّدون آباءهم ومشايخهم، ويتعصبون لمذاهبهم، قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٣)، وقال - ﷿ -: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (٤)، وأهل البدع زُيِّنت لهم أعمالهم، قال الله - ﷿ -: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٥)، وقال الله - ﷿ - مُبَيِّنًا حال أهل البدع والأهواء: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولاْ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (٦).
سادسًا: مخالطة أهل الشر ومجالستهم، من الأسباب المؤدية إلى الوقوع في البدع وانتشارها بين الناس، وقد بين الله - ﷿ - أن المُجالِس
_________________
(١) سورة الحشر، الآية: ٧.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٠.
(٤) سورة الزخرف، الآية: ٢٢.
(٥) سورة فاطر، الآية: ٨.
(٦) سورة الأحزاب، الآيات: ٦٦ - ٦٨.
[ ٣٣ ]
سابعا: سكوت العلماء وكتم العلم
لأهل السوء يندم، قال - ﷾ -: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، وقال - ﷾ -: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ الله جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٣)، وقال النبي - ﷺ -: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحًا خبيثة» (٤).
سابعًا: سكوت العلماء وكتم العلم، من أسباب انتشار البدع والفساد بين الناس، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ
_________________
(١) سورة الفرقان، الآيات: ٢٧ - ٢٩.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٦٨.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٤٠.
(٤) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -: البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، ٦/ ٢٨٧، برقم ٥٥٣٤، ومسلم، في كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء، ٤/ ٢٠٢٦، برقم ٢٦٢٨.
[ ٣٤ ]
الَّلاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، وقال - ﷾ -:
﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (٣)، وقد أوجب الله على طائفة من الأمة الدعوة إلى الله - ﷿ - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال - ﷾ -: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤)، وعن أبي سعيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٥)، وهذا الحديث يبيّن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على كل أحدٍ على حسب هذه الدرجات.
وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما من نبيّ بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حورايُّون وأصحاب، يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون،
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتان: ١٥٩ - ١٦٠.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٤.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٨٧.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٤.
(٥) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، ١/ ٦٩، برقم ٤٩.
[ ٣٥ ]
ثامنا: التشبه بالكفار وتقليدهم
ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبهم فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّةُ خرْدل» (١).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من سُئِلَ عن علم يعلمُهُ فكتمه أُلجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نار» (٢).
ثامنًا: التشبه بالكفار وتقليدهم من أعظم ما يُحدث البدع بين المسلمين، ومما يدل على ذلك حديث أبي واقد الليثي - ﵁ - قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين، ونحن حديثو عهدٍ بكفر، وكانوا أسلموا يوم الفتح، قال: فمررنا بشجرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ وكان للكفار سدرة يعكفون حولها، ويعلِّقون بها أسلحتهم، يدعونها ذات أنواط، فلما قلنا ذلك للنبي - ﷺ - قال: «الله أكبر وقلتم، والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٣)، لتركبنَّ سنن من كان قبلكم» (٤)، وهذا الحديث فيه دلالة واضحة على أن التشبه
_________________
(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، ١/ ٧٠، برقم ٥٠.
(٢) الترمذي، في كتاب العلم، باب ما جاء في كتمان العلم، ٥/ ٢٩، برقم ٢٦٤٩، وأبو داود، في العلم، باب كراهية منع العلم، ٣/ ٣٢١، برقم ٣٦٥٨، وابن ماجه، في المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه، ١/ ٩٨، برقم ٢٦٦، ومسند أحمد، ٢/ ٢٦٣، ٣٠٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٣٦، وصحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٤٩.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٣٨.
(٤) أخرجه بلفظه، أبو عاصم في كتاب السنة، ١/ ٣٧، برقم ٧٦، وحسن إسناده الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة، المطبوع مع كتاب السنة، ١/ ٣٧، وأخرجه الترمذي بنحوه، في كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، ٤/ ٤٧٥، برقم ٢١٨٠، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وانظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد، لجاسم بن فهيد الدوسري، ص٦٤ - ٦٥.
[ ٣٦ ]
بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل على أن يطلبوا هذا الطلب القبيح، وهو الذي حمل أصحاب النبي محمد - ﷺ - على أن يسألوه أن يجعل لهم شجرة يتبَّركون بها من دون الله - ﷿ -، وهكذا غالب الناس من المسلمين، قلّدوا الكفار في عمل البدع والشركيات، كأعياد المواليد، وبدع الجنائز، والبناء على القبور، ولا شك أن اتباع السَّنَن باب من أبواب الأهواء، والبدع (١) ويزيد ذلك وضوحًا حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لَتتَّبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم: شِبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا في جحر ضبٍّ لاتّبعتموهم» قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن»؟ (٢)، قال الإمام النووي ﵀: «السَّنَن، بفتح السين والنون: وهو الطريق، والمراد بالشبر، والذراع، وجحر الضب: التمثيل بشدّة الموافقة في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ -،فقد وقع ما أخبر به - ﷺ -» (٣).
_________________
(١) انظر: تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص١٤٧، ورسائل ودراسات في الأهواء والافتراق والبدع وموقف السلف منها، للدكتور ناصر العقل، ٢/ ١٧٠، وكتاب التوحيد، للدكتور العلامة صالح الفوزان، ص٨٧.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، ٨/ ١٩١، برقم ٧٣٢٠، ومسلم، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، ٤/ ٢٠٥٤، برقم ٢٦٦٩.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٦٠.
[ ٣٧ ]
تاسعا: الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة
عاشرا: الغلو أعظم أسباب انتشار البدع
فظهر أن الشبر، والذراع، والطريق، ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمّه (١)، وقد حذّر النبي - ﷺ - عن التشبّه بغير أهل الإسلام، فقال: «بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذلُّ والصغار على من خالف أمري، ومن تشبّه بقوم فهو منهم» (٢).
تاسعًا: الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، من الأسباب التي تؤدّي إلى البدع وانتشارها؛ فإن كثيرًا من أهل البدع اعتمدوا على الأحاديث الواهية الضعيفة، والمكذوبة على رسول الله - ﷺ -، والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها، وردّوا الأحاديث الصحيحة التي تخالف ما هم عليه من البدع، فوقعوا بذلك في المهالك والعطب، والخسارة، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٣).
عاشرًا: الغلو أعظم أسباب انتشار البدع، وظهورها، وهو سبب شرك البشر؛ لأن الناس بعد آدم ﵊ كانوا على التوحيد عشرة قرون، وبعد ذلك تعلَّق الناس بالصالحين، وغلَوا فيهم حتى عبدوهم من دون الله - ﷿ -؛ فأرسل الله تعالى نوحًا - ﷺ - يدعو إلى التوحيد،
_________________
(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١٣/ ٣٠١.
(٢) أحمد في المسند، ٢/ ٥٠، ٩٢، وصحح إسناده أحمد محمد شاكر في شرحه للمسند، برقم ٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧، من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٢/ ٣٦١ - ٣٦٣، والاعتصام للشاطبي، ١/ ٢٨٧ - ٢٩٤، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص٨٤٨، ورسائل ودراسات في الأهواء والافتراق والبدع وموقف السلف منها، للدكتور ناصر العقل، ٢/ ١٨٠.
[ ٣٨ ]
ثم تتابع الرسل عليهم الصلاة والسلام (١)، والغلوّ يكون: في الأشخاص، كتقديس الأئمة، والأولياء، ورفعهم فوق منازلهم، ويصل ذلك في النهاية إلى عبادتهم، ويكون الغلوّ في الدين، وذلك بالزيادة على ما شرعه الله، أو التشدّد والتكفير بغير حق، والغلوّ في الحقيقة: هو مجاوزة الحد في الاعتقادات، والأعمال، وذلك بأن يزاد في حمد الشيء، أو يُزاد في ذمّه على ما يستحق (٢)، وقد حذَّر الله عن الغلوّ فقال - ﷿ - لأهل الكتاب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ (٣)، وحذّر النبي - ﷺ - من الغلوّ في الدين، فعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إياكم والغلوّ في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين» (٤)، فظهر أن الغلوّ في الدين من أعظم أسباب الشرك، والبدع، والأهواء (٥)؛ ولخطر الغلوّ في الدين حذّر النبي - ﷺ - عن الإطراء فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٦).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية، لابن كثير، ١/ ١٠٦.
(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، ١/ ٢٨٩.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٧١.
(٤) النسائي، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى، ٥/ ٢٦٨، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، ٢/ ١٠٠٨، وأحمد ١/ ٣٤٧، وصحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، ١/ ٢٨٩.
(٥) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، ١/ ٢٨٩، والاعتصام للشاطبي، ١/ ٣٢٩ - ٣٣١، ورسائل ودراسات في الأهواء والبدع وموقف السلف منها، للدكتور ناصر العقل، ١/ ١٧١، ١٨٣، والغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، للدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص٧٧ - ٨١، والحكمة في الدعوة إلى الله - ﷿ -، لسعيد بن علي [المؤلف]، ص٣٧٩.
(٦) البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾،٤/ ١٧١،برقم ٣٤٤٥.
[ ٣٩ ]
المطلب الخامس: أقسام البدع
البدع أقسام مختلفة باعتبارات مختلفة، وإليك التفصيل بإيجاز واختصار:
١ - البدعة الحقيقية: وهي التي لم يدلّ عليها دليل شرعي لا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا استدلالٍ مُعتبَر عند أهل العلم، لا في الجملة، ولا في التفصيل؛ ولذلك سمّيت بدعة؛ لأنها شيء مُخترع في الدين على غير مثال سابق (١)، ومن أمثلة ذلك: التقرّب إلى الله - ﷿ - بالرّهبانية: أي اعتزال الخلق في الجبال ونبذ الدنيا ولذّاتها تعبّدًا لله - ﷿ -، والذين فعلوا ذلك ابتدعوا عبادة من عند أنفسهم، وألزموا أنفسهم بها (٢)، ومن أمثلة ذلك: تحريم ما أحلّ الله من الطيّبات تعبّدًا لله - ﷿ - (٣)، وغير ذلك من الأمثلة (٤).
٢ - البدعة الإضافية: وهي التي لها جهتان أو شائبتان:
إحداهما: لها من الأدلة متعلَّق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة.
والأخرى: ليس لها متعلَّق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية: أي أنها بالنسبة
_________________
(١) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٣٦٧.
(٢) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٣٧٠، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٤/ ٣١٦، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٧٨٢.
(٣) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٤١٧.
(٤) انظر: المرجع السابق، ١/ ٣٧٠ - ٤٤٥.
[ ٤٠ ]
لإحدى الجهتين سنة لاستنادها إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، ولأنها مستندة إلى شيء، والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، ومن جهة الكيفيات، أو الأحوال، أو التفاصيل لم يقم عليها، مع أنها محتاجة إليه؛ لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العادات المحضة (١)، ومن أمثلة ذلك: الذكر أدبار الصلوات، أو في أي وقت على هيئة الاجتماع بصوت واحد، أو يدعو الإمام والناس يؤمِّنون أدبار الصلوات، فالذكر مشروع، ولكن أداءه على هذه الكيفية غير مشروع، وبدعة مخالفة للسنة (٢)، ومن ذلك تخصيص يوم النصف من شعبان بصيام، وليلته بقيام، وصلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب، وهذه بدع منكرة، وهي بدعة إضافية؛ لأن عبادات الصلاة والصيام الأصل فيها المشروعية، لكن يأتي الابتداع في تخصيص الزمان، أو المكان، أو الكيفية؛ فإن ذلك لم يأت في كتاب ولا سنة، فهي مشروعة باعتبار ذاتها، بدعة باعتبار ما عَرَض لها (٣).
١ - البدعة الفعلية: تدخل في تعريف البدعة: فهي طريقة في الدين
_________________
(١) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٣٦٧، ٤٤٥.
(٢) انظر: المرجع السابق، ١/ ٤٥٢، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص ٩٦.
(٣) انظر: أصول في البدع والسنن، للشيخ العدوي، ص٣٠، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للسحيمي، ص٩٦.
[ ٤١ ]
٢ - البدعة التركية
مُخترَعة، تشبه الطريقة الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه (١)، ومن أمثلة ذلك: الزيادة في شرع الله ما ليس منه، كمن يزيد في الصلاة ركعة، أو يدخل في الدين ما ليس منه، أو يفعل العبادة على كيفية يخالف فيها هدي النبي - ﷺ - (٢)، أو يخصّص وقتًا للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع: كتخصيص يوم النصف من شعبان بصيام وليلته بقيام (٣).
٢ - البدعة التَّركية: تدخل في عموم تعريف البدعة، من حيث إنها «طريقة في الدين مخترعة» (٤)، فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريمًا للمتروك، أو غير تحريم؛ فإن الفعل «مثلًا» قد يكون حلالًا بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه، أو يقصد تركه قصدًا، فهذا الترك إما أن يكون لأمر يُعتبر شرعًا، أو لا: فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه؛ لأنه ترك ما يجوز تركه، أو ما يُطلب بتركه، كالذي يمنع نفسه من الطعام الفلاني من أجل أنه يضرّه في جسمه، أو عقله، أو دينه، وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من الترك، وهذا راجع إلى الحمية من المضرّات، وأصله قوله - ﷺ -: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ
_________________
(١) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٥٠ - ٥٦.
(٢) انظر: المرجع السابق،١/ ٣٦٧ - ٤٤٥،وتنبيه أولي الأبصار، للدكتور صالح السحيمي، ص٩٩، وحقيقة البدعة وأحكامها، لسعيد الغامدي، ٢/ ٣٧، وأصول في البدع والسنن للعدوي، ص٧٠، وعلم أصول البدع، لعلي بن حسن الأثري، ص١٠٧.
(٣) انظر: كتاب التوحيد، للعلامة الدكتور صالح الفوزان، ص٨٢.
(٤) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٥٧.
[ ٤٢ ]
أما إن كان الترك تدينا فهو الابتداع في الدين
للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء» (١)، وكذلك لو ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وهذا كترك المشتبه حذرًا من الوقوع في الحرام، واستبراءً للدين والعرض.
وإن كان الترك لغير ذلك، فإما أن يكون تديُّنًا أو لا؛ فإن لم يكن تدينًا فالتارك عابث بتحريمه الفعل، أو بعزيمته على الترك، ولا يسمى هذا الترك بدعة؛ لأنه لا يدخل تحت لفظ الحدّ، إلا على الطريقة الثانية القائلة: إن البدعة تدخل في العادات، وأما على الطريقة الأولى، فلا يدخل، لكن هذا التارك يكون مخالفًا بتركه، أو باعتقاده التحريم فيما أحلَّ الله، وإثم المخالفة يختلف باختلاف درجات المتروك: من حيث: الوجوب، والندب.
أما إن كان الترك تديُّنًا فهو الابتداع في الدين، سواءً كان المتروك مباحًا، أو مأمورًا به، وسواءً كان في العبادات، أو المعاملات، أو العادات: بالقول، أو الفعل، أو الاعتقاد، إذا قصد بتركه التعبّد لله كان مبتدعًا بتركه (٢)، ومن الأدلّة على أن الترك في مثل ذلك يكون بدعة: قصة الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها، فكأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ -؟ قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا،
_________________
(١) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -: البخاري، كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة، ٢/ ٢٨٠، برقم ١٩٠٥، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنته، ٢/ ١٠١٨، برقم ١٤٠٠.
(٢) انظر: الاعتصام، للشاطبي، ١/ ٥٨.
[ ٤٣ ]
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - ﷺ - فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له؛ لكني: أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١).
والمراد بالسنة: الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء: الإعراض عنه إلى غيره، والمراد: من ترك طريقتي، وأخذ بطريقة غيري فليس مني (٢).
واتّضح مما سبق أن البدعة على قسمين: بدعة فعلية، وبدعة تركية، كما ظهر أن السنة على قسمين: سنة فعلية وسنة تركية، فسنة النبي - ﷺ - كما تكون بالفعل تكون بالترك، فكما كلفنا الله باتباع النبي - ﷺ - في فعله الذي يتقرب به إلى الله - إذا لم يكن من باب الخصوصيات -، كذلك طالبنا باتباعه في تركه، فيكون الترك سنة، والفعل سنة، وكما لا نتقرّب إلى الله بترك ما فعل، لا نتقرّب إليه بفعل ما ترك، فالفاعل لما ترك، كالتارك لما فعل، ولا فرق بينهما (٣).
_________________
(١) متفق عليه من حديث أنس بن مالك - ﵁ -: البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ٦/ ١٤٢، برقم ٥٠٦٣، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، ٢/ ١٠٢٠، برقم ١٤٠١.
(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٩/ ١٠٥.
(٣) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٥٧ - ٦٠، و٤٧٩، ٤٨٥، ٤٩٨، والأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، لجلال الدين السيوطي، ص٢٠٥، وأصول في البدع، للشيخ محمد أحمد العدوي، ص٧٠، وحقيقة البدعة وأحكامها، لسعيد بن ناصر الغامدي، ٢/ ٣٧ - ٥٨، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص٩٧، وعلم أصول البدع للشيخ علي بن حسن الأثري، ص١٠٧، وتحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين، للشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي، ص٨٣.
[ ٤٤ ]
النوع الأول: بدعة في أصل العبادة
النوع الثاني: ما يكون من الزيادة على العبادة المشروعة.
النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة
النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع:
١ - البدعة القولية الاعتقادية: كمقالات الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، وسائر الفرق الضالّة، واعتقاداتهم، ويدخل في ذلك الفرق التي ظهرت كالقاديانية، والبهائية، وجميع فرق الباطنية المتقدمة: كالإسماعيلية، والنصيرية، والدروز، والرافضة وغيرهم.
٢ - البدعة العملية وهي أنواع:
النوع الأول: بدعة في أصل العبادة، كأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يحدث صلاة غير مشروعة، أو صيامًا غير مشروع، أو أعيادًا غير مشروعة، كأعياد المواليد وغيرها.
النوع الثاني: ما يكون من الزيادة على العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلًا.
النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة، بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وكذلك أداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتعبد بالتشديد على النفس في العبادات إلى حدٍّ يخرج عن سنة رسول الله - ﷺ -.
النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع: كتخصيص يوم النصف من شعبان بصيام، وليلته بقيام؛ فإن أصل
[ ٤٥ ]
فمنها: ما هو كفر.
ومنها: ما هو من وسائل الشرك.
ومنها: ما هو من المعاصي
الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل (١).
المطلب السادس: حكم البدعة في الدين
لاشك أن كل بدعة في الدين ضلالة، ومحرّمة، لقول النبي - ﷺ -: «إياكم ومُحدَثات الأمور، فإن كل مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢)، وقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣)، فدل الحديثان على أن كل مُحدَثٍ في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة، فالبدع في العبادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة:
فمنها: ما هو كفر: كالطواف بالقبور تقرّبًا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وكأقوال غلاة الجهمية، والمعتزلة، والرافضة.
ومنها: ما هو من وسائل الشرك: كالبناء على القبور، والصلاة والدعاء عندها.
ومنها: ما هو من المعاصي: كبدعة التبتل «ترك الزواج»، والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع الشهوة، وغير ذلك (٤)، وقد ذكر الإمام
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٨/ ٣٤٦، ٣٥ - ٤١٤، وكتاب التوحيد للعلامة الدكتور صالح الفوزان، ص ٨١ - ٨٢، ومجلة الدعوة، العدد ١١٣٩، ٩ رمضان، ١٤٠٨، مقال الدكتور صالح الفوزان في أنواع البدع، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص ١٠٠.
(٢) أبو داود، ٤/ ٢٠١، برقم ٤٦٠٧، والترمذي، ٥/ ٤٤، برقم ٢٦٧٦، وتقدم تخريجه.
(٣) متفق عليه: البخاري، ٣/ ٢٢٢،برقم ٢٦٩٧،ومسلم، ٣/ ١٣٤٣، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.
(٤) انظر: كتاب التوحيد للعلامة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، ص ٨٢.
[ ٤٦ ]
٢ - من جهة وقوعها في الضروريات
الشاطبي ﵀: أن إثم المبتدع ليس على رتبة واحدة، بل هو على مراتب مختلفة، واختلافها يقع من جهات، على النحو الآتي:
١ - من جهة كون صاحب البدعة مُدَّعيًا للاجتهاد أو مقلدًا.
٢ - من جهة وقوعها في الضروريات: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال أو غيرها.
٣ - من جهة كون صاحبها مستترًا بها أو معلنًا.
٤ - من جهة كونه داعيًا إليها أو غير داعٍ لها.
٥ - من جهة كونه خارجًا على أهل السنة أو غير خارج.
٦ - من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية.
٧ - من جهة كون البدعة بيِّنة أو مشكلة.
٨ - من جهة كون البدعة كفرًا أو غير كفر.
٩ - من جهة الإصرار على البدعة أو عدمه.
وبيّن ﵀ أن هذه المراتب تختلف في الإثم على حسب النظر إلى دركاتها (١).
وأوضح ﵀ أن هذه المراتب منها ما هو محرم، ومنها ما هو مكروه، وأن وصف الضلال ملازم لها، وشامل لأنواعها (٢).
ولا شك أن البدع تنقسم على حسب مراتبها في الإثم إلى ثلاثة أقسام:
_________________
(١) انظر: الاعتصام، ١/ ٢١٦ - ٢٢٤، و٢/ ٥١٥ - ٥٥٩.
(٢) انظر: الاعتصام للشاطبي، ٢/ ٥٣٠.
[ ٤٧ ]