فصلٌ فِي جناية التأْويل على مَا جَاء به الرسُول والفرق بين المردود منه والمقبول (^١)
١٧٦٩ - هَذَا وَأصْلُ بَلِيَّةِ الإسْلَامِ مِنْ تَأويِلِ ذِي التَّحْرِيفِ والبُطْلَانِ
١٧٧٠ - وَهُوَ الَّذِي قَدْ فَرَّقَ السَّبْعِينَ بَلْ زَادَتْ ثَلاثًا قَوْلَ ذِي البُرْهَانِ
_________________
(١) ذكر الناظم هذه الجنايات وزيادة في الصواعق المرسلة (١/ ٣٧٦).
(٢) "وهو الذي": يعني التأويل الباطل المردود. - يشير الناظم إلى الحديث المشهور في افتراق الأمة، والمروي عن عدد من الصحابة وتخريجه كالتالي: ما ورد عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "افترقت اليهود على إحدى -أو ثنتين- وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى -أو ثنتين- وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة - باب شرح السنة برقم (٤٥٩٦)، والترمذي في سننه: كتاب الإيمان - باب ما جاء في افتراق هذه الأمة برقم (٢٦٤٠). وقال: "حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في سننه: كتاب الفتن - باب افتراق الأمم برقم (٤٠٣٩) (٢/ ٣٧٧)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٣٢)، والحاكم في المستدرك في كتاب العلم (١/ ١٢٨) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٤/ ١٤٠) برقم (٦٢٤٧)، وابن أبي عاصم في السنة برقم (٦٦) (١/ ٣٣)، والمروزي في السنة برقم (٥٨) ص ٢٣، وابن بطة في الإبانة - باب ذكر افتراق الأمم في دينها برقم (٢٧٣) (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥)، والآجري في الشريعة- باب ذكر افتراق الأمم ص ٢٥. هذا الحديث من رواية أبي هريرة: صححه الشاطبي في الاعتصام =
[ ٢ / ٤٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (٢/ ١٨٩)، والسيوطي في الجامع الصغير (١/ ٤٩). ومر معنا تصحيح الحاكم والترمذي وابن حبان له. ما ورد عن عوف بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "افترقت اليهود والنصارى على إحدى وسبعين فرقة" (الحديث) وفيه: قيل يا رسول الله من هم؟ قال: "الجماعة". أخرجه: ابن ماجه في الفتن - باب افتراق الأمم (٢/ ٣٧٧) برقم (٤٠٤٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٢) برقم (٦٣)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٠١) برقم (١٤٩). وقوام السنة الأصبهاني في الحجة: فصل في ذكر الفرقة الناجية (١/ ١٠٩) برقم (١٩). ما ورد عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: الحديث وفيه: " وفيه كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" الحديث. أخرجه: ابن ماجه في الفتن - باب افتراق الأمم (٢/ ٣٧٧) برقم (٤٠٤١)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٢) برقم (٦٤)، واللالكائي (١/ ١٠٠) برقم (١٤٨)، وقوام السنة الأصبهاني في الحجة- في ذكر الفرقة الناجية (١/ ١٠٨) برقم (١٨)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ١٢٠)، (٣/ ١٤٥)، والآجري في الشريعة - باب ذكر افتراق الأمم في دينهم ص ٢٦، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٦٢) برقم (٨١٥). والجوزقاني في الأباطيل (١/ ٣٠٢) برقم (٢٨٣) وقال: "هذا حديث عزيز حسن مشهور رواته كلهم ثقات أثبات كأنهم بدور وأقمار". - وابن بطة في الإبانة - باب ذكر افتراق الأمم في دينهم (١/ ٢٧٣) برقم (٢٧٠). وما ورد عن أبي أمامة -﵁- (وجاء فيه): "كلها في النار إلا السواد الأعظم". أخرجه: ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٤) برقم (٦٨)، والمروزي في =
[ ٢ / ٤٨٦ ]
١٧٧١ - وَهُوَ الَّذِي قَتَل الخَلِيفَةَ جَامِعَ الـ ـقُرْآنِ ذَا النُّورَينِ والإحْسَانِ
_________________
(١) = السنة برقم (٥٦) ص ٢٢، والطبراني في الكبير (١/ ٣٢٨، ٣٢٧، ٣٢٨) برقم (٨٠٣٥ و٨٠٥١ و٨٠٥٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٠٢) برقم (١٥١)، (١٥٢)، وابن أبي زمنين في أصول السنة ص ٢٩٤ برقم (٢٢٤)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٣٩) "في ترجمة حزور الأصبهاني" برقم (٦١٩)، والبيهقي في السنن الكبرى - كتاب قتال أهل البغي - باب الخلاف في قتال أهل البغي (٨/ ١٨٨)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٣٤) وقال: "رواه الطبراني ورجاله ثقات". ما ورد عن سعد بن أبي وقاص -﵁-: أخرجه الآجري في الشريعة - باب ذكر افتراق الأمم ص ٢٧، والمروزي في السنة برقم (٥٧) ص ٢٢، والبزار في كشف الأستار (٤/ ٩٧) برقم (٢٨٤)، وابن بطة في الإبانة - باب ذكر افتراق الأمم في دينهم (١/ ٣٧٠) برقم (٢٦٧). ما ورد عن عبد الله بن مسعود -﵁-: أخرجه: الطبراني في الكبير (١٠/ ٢١١) برقم (١٠٣٥٧)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٥) برقم (٧١)، والمروزي في السنة برقم (٥٤) ص ٢١. - والحاكم في التفسير - باب تفسير سورة الحديد (٢/ ٤٨٠) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". - وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣١٦) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي يعلى وقوّاه. وقد ورد الحديث عن معاوية بن أبي سفيان وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵃ - أيضًا.
(٢) يعني به الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ﵁. - وأما التأويل الفاسد الذي تأوّله من قتل الخليفة عثمان فهو ما ذكر أهل التاريخ أنهم نقموا عليه عدة أمور أثناء توليه الخلافة منها: =
[ ٢ / ٤٨٧ ]
١٧٧٢ - وَهُوَ الَّذِي قَتَل الخَلِيفَةَ بَعْدَهُ أَعْنِي عَلِيًّا قاتِلَ الأقْرَانِ
١٧٧٣ - وَهُوَ الَّذِي قَتَل الحُسَيْنَ وأهْلَهُ فَغَدَوْا عَلَيْهِ مُمَزَّقِي اللُّحْمَانِ
_________________
(١) = أنه حرّق المصاحف وجمعهم على مصحف واحد. وأنه ولّى الأحداث من بني أمية وترك أكابر الصحابة. وقيل: بسبب الخطاب الذي زُوّر على لسانه وخُتم بختمه، وأنه أمر بقتل الذين أتوا إلى المدينة ناقمين عليه. انظر: تاريخ الطبري (٤/ ٣٤٥)، البداية والنهاية (٧/ ١٧٨).
(٢) وكان من التأويل الفاسد في قتله -﵁- أن الخوارج نقموا عليه تحكيم الحكمين، وقالوا: لا حكم إلّا لله فكفروه ومن معه، وكفروا كذلك معاوية ومن معه، واستباحوا دماءهم، وقد قتله ابن مُلْجَم، وهو خارج لصلاة الصبح، فكان مما قاله -قبحه الله-: "لا حكم إلا لله ليس لك يا علي ولا أصحابك"، وجعل يتلو قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]. انظر: تاريخ الطبري (٥/ ١٤٣)، البداية والنهاية (٧/ ٣٣٥).
(٣) الحسين: ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أبو عبد الله، سبط رسول الله - ﷺ - وريحانته، ولد سنة أربع وقيل ست وقيل سبع، وهو والحسن سيدا شباب الجنة، قتل -ظلمًا- سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق. الإصابة (١/ ٣٢٢)، أسد الغابة (٢/ ١٨)، البداية والنهاية (٨/ ٢٠٦). - "مُمزَّقي ": كذا ضبط في ف بفتح الزاي المشددة، يعني فأصبحوا بناءً على التأويل قد مُزّقت لحومُهم. وفي الأصل وظ: "فعدوا" بالعين المهملة. وفي د: "ممزّق" ولعل كليهما تصحيف، (ص). - وكان سبب قتله -﵁- أنه امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية، وذهب إلى الكوفة بعد أن كاتبه أهلها ليبايعوه، وكان أميرها عبيد الله بن زياد، فقاتله حتى قتله وتسعة عشر من أهل بيته. انظر: تاريخ الطبري (٥/ ٤٠٠)، البداية والنهاية (٨/ ١٥٢)، أسد الغابة (٢/ ٢٠ - ٢٢).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
١٧٧٤ - وَهُوَ الَّذِي فِي يَوْمِ حَرَّتِهم أبَا حَ حِمَى المدِينَةِ مَعْقِلَ الإيمَانِ
١٧٧٥ - حَتَّى جَرَتْ تِلكَ الدِمَاءُ كأنَّها فِي يَوْمِ عِيدٍ سُنَّةُ القُرْبَانِ
١٧٧٦ - وَغَدَا لَهُ الحَجَّاجُ يَسْفِكُهَا وَيقْـ ـتُلُ صَاحِبَ الإيمَانِ والقُرْآنِ
١٧٧٧ - وَجَرَى بمكَّةَ مَا جَرَى مِنْ أَجْلهِ مِنْ عَسْكَرِ الحَجَّاجِ ذِي العُدْوانِ
_________________
(١) كذا في ف، ح، طع. وفي غيرها: "يوم حربهم" وهو تصحيف. - وكانت وقعة الحرة سنة ثلاث وستين بين أهل المدينة ويزيد بن معاوية، وسببها أن أهل المدينة خلعوا يزيد وطردوا عاملها، فأرسل إليهم جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة المزني، وأمرهم بالدخول في طاعته فأبوا فقاتلهم قتالًا شديدًا فهزم أهل المدينة، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، واستباحها لمدة ثلاثة أيام وحصل فساد عظيم. والله المستعان. انظر: تاريخ الطبري (٥/ ٤٨٢)، البداية والنهاية (٨/ ٢٢٠).
(٢) "له": أي لأجل التأويل الفاسد. - هو حجاج بن يوسف بن أبي عقيل الثقفي: كان هو وأبوه من شيعة بني أمية، وكان من ولاتهم الظلمة، قتل خلقًا كثيرًا ظلمًا وعدوانًا، منهم التابعي الجليل: سعيد. بن جبير -﵀-، قال عنه الذهبي: "كان ظلومًا جبارًا سفاكًا للدماء مُعَظِّمًا للقرآن، له حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، مات سنة خمس وتسعين. انظر: تهذيب التهذيب (٢/ ١٨٤)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤٣). يشير الناظم إلى أن الحجاج قتل كثيرًا من العلماء أصحاب العلم، وكان على رأسهم التابعي العالم المفسِّر سعيد بن جبير ﵀.
(٣) يشير -﵀- إلى محاصرة جند عبد الملك بن مروان -الخليفة الأموي- بقيادة الحجاج مكة، وكان فيها ابن الزبير -الذي بويع بالخلافة له من أهل الحجاز- ومن معه. وسبب ذلك أن عبد الملك يريدهم أن يدخلوا في طاعته فأبوا، فضربت الكعبة بالمنجنيق، وقتل خلق كثير، وفيها قتل ابن الزبير، وكان ذلك سنة ثلاث وسبعين. انظر: تاريخ الطبري (٥/ ٤٩٦)، البداية والنهاية (٨/ ٣٣٤).
[ ٢ / ٤٨٩ ]
١٧٧٨ - وَهُوَ الَّذِي أَنْشَا الخَوَارجَ مِثْلَما أنْشَا الرَّوافِضَ أَخْبَثَ الحَيَوَانِ
١٧٧٩ - ولأجْلِهِ شَتَمَوا خِيارَ الخَلْقِ بَعْـ ـدَ الرُّسْلِ بالعُدْوَانِ والبُهْتَانِ
١٧٨٠ - ولأجْلِهِ سَلَّ البُغَاةُ سُيُوفَهُمْ ظَنًّا بأنَّهُمُ ذَوُو إحْسَانِ
١٧٨١ - ولأجْلِهِ قَدْ قَالَ أَهْلُ الاعْتزَا لِ مَقَالَةً هَدَّتْ قُوَى الإيمَانِ
_________________
(١) "وهو الذي": يعني التأويل الفاسد. - "أنشا": بتسهيل الهمزة للوزن. الخوارج: سموا بذلك لخروجهم على عليٍّ -﵁- لأنه رضي بتحكيم الحكمين -في زعمهم- فكفروا عليًا ومعاوية وعثمان وكل من رضي بالتحكيم، ويقولون بتكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار، والخروج على الأئمة بالسيف، ويقال لهم: الحرورية والشراة. من أشهر فرقهم: النجدات، الأزارقة، الإباضية. مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٧)، الملل والنحل (١/ ١١٤)، الفرق بين الفرق ص ٤٩. - الروافض: تقدم التعريف بهم في التعليق على مقدمة المؤلف.
(٢) خيار الخلق بعد الرسل هم: الصحابة ﵃ وأرضاهم. وتأويل الرافضة الفاسد في شتمهم للصحابة وتكفيرهم هو كما قال أبو الحسن الأشعري في مقالاته (١/ ٨٩): "وهم مجمعون -يعني الرافضة- على أن النبي - ﷺ - نص على استخلاف "علي" باسمه وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلّوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاته - ﷺ - ". - ف: "بالبهتان والعدوان".
(٣) ب، د، س: "سلّوا". - البغاة: "قوم من أهل الحق، يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعه لتأويل سائغ، وفيهم مَنَعة، يحتاج في كفهم إلى جمع جيش" ا. هـ المغني لابن قدامة (١٠/ ٥٢). وانظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ٥٣)، لسان العرب (١٤/ ٧٨).
(٤) أهل الاعتزال تقدم التعريف بهم في التعليق على مقدمة المؤلف.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
١٧٨٢ - ولأجْلِهِ قَالُوا بأنَّ كَلَامَه سُبْحَانَهُ خَلْقٌ مِنَ الأكْوَانِ
١٧٨٣ - ولأجْلِهِ قَدْ كَذَّبَتْ بِقَضَائِه شِبْهَ المجُوسِ العَابِدِي النِّيرَانِ
_________________
(١) وقد تقدم تحت البيت رقم (١٣٢٩) ذكر نصوصهم في خلق القرآن، وانظر مقالات الإسلاميين (١/ ٢٦٧). أما تأويلهم الفاسد: فنفي الصفات، والقول بخلق القرآن مبني على الأصل الفاسد عند أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم في إثبات الصانع. وقد سبق ردّ الناظم عليه في فصل مستقل. انظر البيت (١٠١٢) وما بعده. ومن تأويلاتهم التي لأجلها قالوا بخلق القرآن: استدلالهم بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] والقرآن يدخل تحت عموم "كل شيء". وخلاصة رد أهل السنة عليهم بما يلي: - أن عموم "كل" بحسبه، ولا بد لها من تقييد يفهم من قرينة الكلام كما قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، فالريح لم تدمر المساكن مع أنه قال: "كل شيء" لأنه قال بعدها: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فدل على أن التدمير إنما كان على الكفار، وكذلك قوله عن ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ومعلوم أنها لم تؤت ملك سليمان، وكذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فلا يمكن إدخال نفس الله سبحانه في هذا العموم. وشبهاتهم كثيرة يطول المقام بذكرها والرد عليها ولعل فيما ذكرته كفاية. انظر تفصيل ذلك في شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ٥٢٨، مختصر الصواعق ص ٤٣٥، شرح الطحاوية (١/ ١٧٨)، مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٢٢)، (٨/ ٤١٢)، درء التعارض (٢/ ٩٩)، العواصم والقواصم لابن الوزير (٤/ ٣٨٥)، العقيدة السلفية في كلام رب البريَّة لعبد الله الجديع ص ٢٨٣ - ٢٩٦.
(٢) يشير الناظم إلى المعتزلة حينما نفوا القدر، وقالوا إن العبد يخلق فعل نفسه (انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ٣٢٣)، جعلوا العبد -بقولهم هذا- شريكًا لله في أخص صفات الربوبية وهي صفة الخلق =
[ ٢ / ٤٩١ ]
١٧٨٤ - ولأجْلِهِ قَدْ خَلّدُوا أهْلَ الكَبَا ئِرِ فِي الْجَحِيمِ كَعَابِدِي الأوْثَانِ
١٧٨٥ - ولأجْلِهِ قَدْ أنْكَرُوا لِشَفَاعَةِ الْـ ـمُخْتَارِ فِيهِمْ غَايَةَ النُّكْرَانِ
_________________
(١) = فشابهوا المجوس القائلين بإلهين النور والظلمة. وتأويلهم الفاسد في ذلك أنهم قالوا: لو أثبتنا أن الله هو الخالق لأفعال العباد لكان من الظلم أن يعاقبهم على أمر هو خلقه ليس لهم فيه حيلة وسَمّوا ذلك "عدلًا". انظر: الملل والنحل (١/ ٤٥)، شفاء العليل لابن القيم ص ١١٤. وانظر: ما تقدم ذكره تحت البيت رقم (١٣٣٢).
(٢) انظر ما سبق في التعليق على البيت رقم (١٣٣٣). - ومن تأويلاتهم الفاسدة أيضًا: أنهم أخذوا بأحاديث الوعيد من غير جمع لها مع أحاديث الوعد، وقالوا إن مرتكب الكبيرة من أهل النار خالدًا فيها إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: فريق في الجنة وفريق في السعير. انظر شرح الأصول الخمسة ص ٦٥٧، الملل والنحل (١/ ٤٨)، الفرق بين الفرق ص ٨٢. ويكفي في الرد عليهم تواتر الأحاديث التي تدل على خروج أهل الكبائر من النار.
(٣) في الأصل: "الشافعية"، وفي ظ: "الشفاعة للمختار" كلاهما تحريف. - تقدم الكلام على إنكار المعتزلة لشفاعة النبي - ﷺ - لأهل الكبائر من أمته تحت البيت رقم (١٣٣٤). وتأويلهم الفاسد في ذلك أن بعض النصوص التي وردت في الكفار جعلوها في حق عصاة أهل القبلة كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]. ومعلوم أن النفس في الآية التي لا تنال الشفاعة هي نفس الكافر، قال القرطبي: "أجمع المفسرون على أن المراد بالنفس هي نفس الكافر لا كل نفس" ا. هـ الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٧٩)، وانظر: تفسير الطبري (١/ ٢٦٨). وذكر شيخ الإسلام أن أحاديث الشفاعة متواترة (مجموع الفتاوى (١/ ١٤٩».
[ ٢ / ٤٩٢ ]
١٧٨٦ - ولأجْلِهِ ضُرِبَ الإمَامُ بِسَوْطِهِمْ صِدِّيقُ أَهْلِ السُّنَّةِ الشَّيبَانِي
١٧٨٧ - ولأجْلِهِ قَدْ قَالَ جَهْمٌ لَيْسَ رَبُّ م العَرْشِ خَارجَ هَذِهِ الأكْوَانِ
١٧٨٨ - كَلَّا وَلَا فَوْقَ السَّمَواتِ العُلى والعَرْشِ مِنْ رَبٍّ وَلَا رحْمنِ
١٧٨٩ - مَا فَوْقَهَا رَبٌّ يُطَاعُ جبَاهُنَا تَهْوِي لَهُ بِسُجُودِ ذِي خُضْعَانِ
١٧٩٠ - وَلأجْلِهِ جُحِدَتْ صِفَاتُ كمَالِهِ والعَرْشُ أخْلَوْهُ مِنَ الرَّحْمنِ
_________________
(١) يعني الإمام أحمد بن حنبل الشيباني إمام أهل السنة، وقد تقدمت ترجمته في التعليق على مقدمة المؤلف. - يشير الناظم إلى ما امتحن به الإمام أحمد من قبل المعتزلة لكي يقول بخلق القرآن، وقد ضرب بالسياط وسجن وأوذي، ولكنه صبر وثبت، ﵀. وقد تقدم الكلام على محنته. انظر: البيت رقم (١٣٨٦).
(٢) تقدمت ترجمة جهم تحت البيت (٤٠).
(٣) يشير الناظم في هذين البيتين إلى إنكار جهم لعلو الله على خلقه واستوائه على العرش. - قال علي بن المديني: "أنا كلمت أستاذهم جهمًا فلم يثبت أن في السماء إلهًا" نقله عنه البخاري في خلق أفعال العباد برقم (٢٣) ص ١٦. - وأخرج عبد الله ابن الإمام أحمد بسنده في السنة (١/ ١٦٨ برقم (١٩١) عن علي بن عاصم بن علي قال: "ناظرت جهمًا فلم يثبت أن في السماء ربًّا جل ربنا ﷿ وتقدس". وسوف يشير الناظم عند البيت رقم (٢٤٠٢) إلى أن جهمًا يتمنى أنه لو حك آية الاستواء من المصحف. انظر: مختصر الصواعق ص ٣٠٦، سير أعلام النبلاء للذهبي (٦/ ٢٦).
(٤) خُضْعَان: مصدر خضع، كالخضوع.
(٥) يعني الجهمية أتباع جهم، وقد نفوا الصفات عن الله لشبه وتأويلات كثيرة أهمها: أنهم أثبتوا وجود الله بطريقة فاسدة جرّتهم إلى نفي الصفات. انظر الكلام عليها في البيت (١٠٠٣). ومما قاله جهم في نفيه الصفات ما نقله عنه الأشعري في المقالات =
[ ٢ / ٤٩٣ ]
١٧٩١ - ولأجْلِهِ أَفْنَى الجَحِيمَ وجَنَّةَ الـ ـمَأْوَى مَقَالَةَ كاذِبٍ فَتَّانِ
١٧٩٢ - ولأَجْلِهِ قَالَ: الإلةُ مُعَطَّلٌ أَزلًا بِغَيْرِ نِهَايَةٍ وَزَمَانِ
١٧٩٣ - ولأجْلِهِ قَدْ قَالَ لَيسَ لِفعْلِهِ مِنْ غَايةٍ هِيَ حِكْمَةُ الدَّيَّانِ
١٧٩٤ - ولأجْلِهِ قَدْ كَذّبُوا بِنُزُولِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ بِنِصْفِ لَيْلٍ ثَانِ
_________________
(١) = (١/ ٣٣٨): "لا أقول إن الله شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء". وانظر: الفرق بين الفرق ص ١٥٩، ودرء التعارض (١/ ٢٧٦)، مختصر الصواعق ص ١٢٤.
(٢) ومن ضلالات جهم: القول بفناء الجنة والنار، وهذا مما تفرد به الجهم بن صفوان كما نص على ذلك الأشعري في مقالاته (١/ ٣٣٨)، وانظر: التنبيه والرد للملطي ص ١١٢. وتأويله الفاسد في ذلك: أنه منع التسلسل في الماضي والتسلسل في المستقبل فقال: إنه لا بد من فناء حتى ينقطع التسلسل في الحوادث في المستقبل. انظر: الملل والنحل (١/ ٨٧ - ٨٨)، الفرق بين الفرق ص ١٥٨، شرح الطحاوية (١/ ٦٢١). وانظر ما سبق في البيت (٧٧) وما بعده.
(٣) طع: (قالوا). - انظر الكلام عليه فيما سبق في البيت (٧٣) ثم البيت (٩٥٦) وما بعده.
(٤) انظر ما سبق في البيت (٥٩). ونفي الحكمة في أفعال الله تابع الجهم عليها الأشاعرة ويقولون إن الله يفعل بمجرد المشيئة وشبهتهم في ذلك: أن إثبات الحكمة يلزم منه أن يكون الله محتاجًا لهذا الأمر وهذا نقص. انظر: رسالة إلى أهل الثغر ص ٧٧، ورد ابن القيم على هذه الشبهة في شفاء العليل ص ٤١٧.
(٥) قال الناظم في الصواعق (المختصر ص ١٢٤): "إنه لو قام به صفة لكان جسمًا ولو كان جسمًا لكان حادثًا (إلى أن قال)، وعلى هذه الطريقة أنكروا علوه على عرشه، وتكلمه بالقرآن ورؤيته بالأبصار ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة". =
[ ٢ / ٤٩٤ ]
١٧٩٥ - ولأجْلِهِ زَعَمُوا الكِتَابَ عِبَارةً وَحِكَايةً عَنْ ذَلِكَ القُرْآنِ
١٧٩٦ - مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ سِوَى المخْلُوقِ والْـ ـقُرْآنُ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ الرَّحْمنِ
١٧٩٧ - مَاذَا كَلَامَ اللهِ قَطُّ حَقِيقَةً لكِنْ مَجَازٌ وَيحَ ذي البُهْتَانِ
_________________
(١) = - يشير إلى ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا بشأن نزول الرب إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل وقد تقدمت إشارة الناظم إليه في البيت رقم (٤٤٧) وتقدم تخريجه والكلام عليه. وانظر البيتين (١٢٠٩، ١٧٢٥).
(٢) يعني الأشاعرة والكلابية. وفي الأصل: "زعم". وقد سبق تفصيل أقوالهم في البيت (٥٧١) وما بعده. - قوله: "عبارة": وهذا هو مذهب الأشاعرة في كلام الله، أن الموجود في المصاحف إنما هو عبارة عن كلام الله، وأمَّا ألفاظه فهي من جبريل أو محمد. مجرد المقالات لابن فورك ص ٦٤، الإرشاد للجويني ص ١٢٧، مختصر الصواعق ص ٤١١، درء التعارض (٢/ ١٠٧). - قوله: "وحكاية": وهذا مذهب الكلابية أتباع ابن كلاب: الذين قالوا إن الموجود هو حكاية عن كلام الله. مختصر الصواعق ص ٤١٠، درء التعارض (٢/ ١٧). وتأويلهم الفاسد في ذلك: أنهم جاؤوا للرد على المعتزلة في قولهم: "أن الكلام المضاف إلى الله تعالى خلق له أحدثه وأضافه إلى نفسه إضافة مخلوق إلى خالقه إضافة تشريف كما تقول: "خلق الله، وعبد الله". قال شيخ الإسلام نقلًا لكلام السجزي: "فضاق بابن كلاب وأضرابه النَفَسَ عند هذا الإلزام لقلة معرفتهم بالسنن وتركهم قبولها وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل " درء التعارض (٢/ ٨٤).
(٣) يشير إلى قول الأشاعرة والكلابية في أن ألفاظ القرآن مخلوقة. قال الناظم في الصواعق (مختصر ص ٤١٣) حاكيًا مذهبهم الفاسد: "عندهم -أي الأشاعرة والكلابية- أن الله تعالى لم يكلم موسى، وإنما اضطره إلى معرفة المعنى القائم بالنفس من غير أن يسمع منه كلمة واحدة". وانظر: الدرء (٢/ ١١٤).
(٤) طت، طه: (ذا).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
١٧٩٨ - ولأجْلِهِ قُتِلَ ابنُ نَصْرٍ أحْمَدٌ ذَاكَ الخُزَاعيُّ العَظِيمُ الشَّانِ
١٧٩٩ - إذْ قَالَ ذَا القُرْآنُ نفسُ كَلَامِهِ مَا ذَاكَ مَخْلُوقًا مِنَ الأكْوَانِ
١٨٠٠ - وَهُوَ الَّذِي جَرّا ابْنَ سِينَا والأُلَى قَالُوا مَقَالَتَهُ عَلَى الكُفْرانِ
١٨٠١ - فَتَأوَّلُوا خلْقَ السَّمَواتِ العُلى وحُدُوثَهَا بِحَقِيقَةِ الإمْكَانِ
١٨٠٢ - وتأوّلُوا عِلْمَ الإِلهِ وَقَوْلَهُ وَصِفَاتِهِ بِالسَّلْبِ وَالبُطْلَانِ
_________________
(١) هو أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي، المروزي، أبو عبد الله: الإمام الكبير الشهيد، قتله الواثق بيده لأنه لم يجبه إلى القول بخلق القرآن، وكان أمّارًا بالمعروف، وقيل إنه اجتمع معه خلق كثير ببغداد للخروج على عاملها، ولكنه قبض عليه قبل ذلك فالله أعلم. وكانت وفاته سنة إحدى وثلاثين ومائتين. البداية والنهاية (١٠/ ٣١٦)، السير (١١/ ١٦٦)، الأنساب للسمعاني (٢/ ٣٥٨). - طع: (أحمدا)، وهو خطأ.
(٢) "جرّا": أصلها: "جَرّأ" ولكن سهلت الهمزة للضرورة. - ابن سينا: تقدمت ترجمته تحت البيت رقم (٩٤).
(٣) يشير الناظم إلى اعتقاد الفلاسفة ومن تبعهم بقدم العالم ويقولون إنه محدث: أي معلول لعلة قديمة، وأن العالم مفتقر إلى الله لإمكان افتقار المعلول إلى علته، وقالوا: إن العلة التامة يجب أن يقارنها معلولها ولا يتأخر عنها، وقال شيخ الإسلام: إن التعبير بلفظ الحدث عن هذا المعنى لا يعرف عن أحد من أهل اللغات ولا غيرهم إلا من هؤلاء الفلاسفة الذين ابتدعوه. انظر: الإشارات والتنبيهات لابن سينا (صم ٤٤٨)، درء التعارض (١/ ١٢٦)، (٣/ ١٦٩)، (٤/ ٢٤٧)، الصفدية لشيخ الإسلام (١/ ١٠).
(٤) والمعنى أنهم نفوا صفاته -سبحانه- وعلمه، فهم يقولون: إنه حي، عليم، قدير، مريد، متكلم، سميع، بصير، ويقولون: إن ذلك كله شيء واحد، فإرادته عين قدرته، وقدرته عين علمه، وعلمه عين ذاته. وأصلهم في ذلك: أنه ليس له صفة ثبوتية بل صفاته إما سلب كقولهم: =
[ ٢ / ٤٩٦ ]
١٨٠٣ - وتأوَّلُوا البَعْثَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ رُسُلُ الإلةِ لِهَذِهِ الأبدَانِ
١٨٠٤ - بِفراقِهَا لِعَنَاصِرٍ قَدْ رُكِّبتْ حَتَّى تَعُودَ بَسِيطَةَ الأرْكَانِ
١٨٠٥ - وَهُوَ الَّذِي جَرَّا القَرامِطَةَ الأُلَى يَتأوَّلُونَ شَرَائِعَ الإيمَانِ
_________________
(١) = "ليس بجسم"، وإما إضافة كقولهم: "مبدأ وعلة"، وإما مؤلف منهما كقولهم: "معقول وعاقل وعقل"، ومضمون هذه العبارات وأمثالها -كما قال شيخ الإسلام- نفي الصفات، وهؤلاء منتهاهم أن يقولوا: موجود بشرط الإطلاق، أو بشرط نفي الأمور الثبوتية كما قال ابن سينا وأتباعه. انظر: النجاة لابن سينا ص ٢٤٩، وما بعدها، درء التعارض (١/ ٢٨٥)، الصفدية (١/ ٨٦).
(٢) وتأويل الفلاسفة وعلى رأسهم ابن سينا للمعاد أنه للأرواح فقط دون الأبدان. يقول ابن سينا: " فإذا بطل أن يكون المعاد للبدن وحده، وبطل أن يكون للبدن والنفس، وبطل أن يكون للنفس على سبيل التناسخ، فالمعاد إذًا للنفس وحدها" الأضحوية في المعاد لابن سينا ص ١٢٦، وانظر: درء التعارض ٩١١، ومجموع الفتاوى ٤/ ٢١٦ - ٣١١، الصفدية ٢/ ٢٦٦، شرح الطحاوية ٢/ ٥٨٩، إغاثة اللهفان ٢/ ٥٦٢.
(٣) ومراد الناظم: أن تأويل الفلاسفة للمعاد بأنه معاد للأرواح دون الأبدان يكون بفراق الروح للبدن وهي مجردة عن المادة وهو معنى قوله: "بسيطة الأركان".
(٤) القرامطة: تقدم التعريف بهم تحت البيت رقم (٧٨٦). وأما تأويل القرامطة لشرائع الإيمان فهم يقولون: "إن للإسلام والقرآن باطنًا يخالف الظاهر فيقولون: الصلاة عند العامة هي الصلاة المعروفة، وعند الخاصة فالصلاة في حقهم: معرفة أسرارنا، والصيام: كتمان أسرارنا، والحج: السفر إلى زيارة شيوخنا إلخ من تأويلاتهم الباطنية" ا. هـ بتصرف. مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٣٦) وما بعدها، درء التعارض (٥/ ٣٨٣)، الصواعق المرسلة (٢/ ٦٣٨).
[ ٢ / ٤٩٧ ]