١٠٦٤ - لَيْسَتْ تُبَايِنُ منْهُمَا ذاتٌ لأخْـ ـرَى أو تُحايِثُها فتجْتَمِعَانِ؟
١٠٦٥ - إنْ كانَ في الدُّنْيَا مُحالٌ فهْوَ ذَا فارجِعْ إلى المعقُولِ والبرْهَانِ
١٠٦٦ - فَلئِنْ زعمْتُم أنَّ ذلكَ في الَّذِي هو قابِلٌ منْ جِسْمٍ أوْ جُسْمَانِ
١٠٦٧ - والرَّبُّ ليسَ كذا فنَفْيُ دخولِهِ وخروجِهِ ما فيهِ منْ بُطْلَانِ
١٠٦٨ - فيقَالُ: هَذَا أوَّلًا من قَولِكُمْ دَعْوَى مجَردةٌ بلا بُرهَانِ
_________________
(١) لم ينقط حرف المضارع في الأصل وف. وفي طت كما أثبتنا، وهو الصواب. وفي غيرها: "فيجتمعان" بالياء (ص). يعني ﵀: أنه يستحيل أن توجد ذاتان كل منهما قائمة بنفسها لا بغيرها، ومع ذلك يقال: إن كل واحدة منهما غير منفصلة عن الأخرى ولا متصلة أو مختلطة بها، فإن هذا رفع للنقيض وهو محال. انظر درء تعارض العقل والنقل ٦/ ١٤٤ - ١٤٥، مجموع الفتاوى ٥/ ٢٨٧، بيان تلبيس الجهمية ١/ ٩.
(٢) طع: "جثمان".
(٣) يشير الناظم إلى جواب المعطلة لما أورد عليهم استحالة الجمع بين النقيضين أو رفعهما معًا فقالوا: إن ذلك يستحيل فيما هو قابل للاتصاف بالشيء أو نقيضه كالأجسام. أما ما لا يقبل الاتصاف كالجماد فيجوز رفع النقيض عنه، والرب تعالى ليس قابلًا أصلًا لذلك فلا يقبل أن يكون داخل العالم ولا خارجه لأنه ليس كالأجسام فلا حرج أن ينفى عنه الأمران، لأنهما متقابلان في حقه تعالى تقابل العدم والملكة فلا يلزم من رفع أحدهما ثبوت الثاني. انظر درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٢٢٣، ٤/ ٣٦، التدمرية ص ٣٧، وقد تقدم شرح شيء من هذه الشبهة والرد عليها، راجع الأبيات: ٧٠٦ وما بعدها.
(٤) شرع الناظم ﵀ في الرد عليهم وإبطال حجتهم، فذكر عدة أوجه: الوجه الأول: أن هذا اصطلاح لكم أخذتموه عن فلاسفة اليونان وإلا فاللغة العربية لا فرق فيها، والمعاني العقلية لا يعتبر فيها مجرد الاصطلاحات، بل ولا نسلم أن في الأعيان ما يقبل الاتصاف بهذه الصفات فإن الشيء =
[ ٢ / ٢٩٧ ]
١٠٦٩ - ذاكَ اصطِلاحٌ من فريقٍ فارَقُوا الْـ ـوَحْيَ المُبِينَ لِحكمةِ اليُونَانِ
١٠٧٠ - والشَّيءُ يَصدُقُ نفْيُهُ عنْ قَابِلٍ وسِوَاهُ في مَعهُودِ كلِّ لِسَانِ
١٠٧١ - أنَسِيتَ نَفْيَ الظُّلْمِ عَنْهُ وَقولَكَ: الـ ـظُلْمُ المحالُ وليسَ ذَا إِمكانِ؟
١٠٧٢ - وَنسِيتَ نفْيَ النومِ والسِّنَةِ التي لَيْسَتْ لربِّ العَرْشِ في الإمكَانِ؟
١٠٧٣ - ونَسِيتَ نفيَ الطَّعْمِ عنهُ وليسَ ذَا مَقبُولَهُ والنفْيُ في القُرْآنِ؟
١٠٧٤ - ونَسِيتَ نفْيَ ولادةٍ أو زوجَةٍ وهُمَا عَلَى الرحمن ممْتَنِعَانِ؟
١٠٧٥ - واللهُ قدْ وصَفَ الجمَادَ بأنَّهُ مَيْتٌ أصَمُّ وما لَه عيْنَانِ
_________________
(١) = يصح نفيه عما يقبله وما لا يقبله، وهم حكموا بذلك بالرجوع إلى مجرد ما شاهدوه من العادة أما من صدق بأن الله قلب عصا موسى - وهي جماد - ثعبانًا عظيمًا لم يمكنه أن يطرد هذه الدعوى. انظر درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٢٢٢، ٤/ ٣٨، ٥/ ٢٧٤، التدمرية ص ١٦٠، ١٦٣. والوجه الثاني سيأتي في البيت ١٠٧٨. ١٠٧١ يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] وتقدم أن المعطلة يقولون: إن الظلم ممتنع على الله أصلًا وغير ممكن له. راجع الأبيات: ٥٧ وما بعده.
(٢) يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] والسنة: هي النعاس. تفسير الطبري - مجلد ٣/ ج ٣/ ٦.
(٣) "مقبوله": أي ليس ذلك مما يقبله. ولا يبعد أن تكون الكلمة "مقبولةً" بتاء التأنيث، خبر ليس، وإن كان اسمها مذكرًا، لكثرة التجوز في المنظومة في التذكير والتأنيث، وإهمال هاء التأنيث في النسخ. (ص). - يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
(٤) يدل عليه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] وقال: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣].
(٥) يدل عليه قوله تعالى عن الأصنام التي عبدها المشركون من دونه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ =
[ ٢ / ٢٩٨ ]
١٠٧٦ - وكذا نَفَى عنْه الشُّعورَ ونُطْقَهُ والخَلْقَ نفْيًا واضحَ التِّبيانِ
١٠٧٧ - هذَا وليسَ لهَا قبولٌ للذي يُنْفَى ولا مِنْ جُملَةِ الحَيَوَانِ
١٠٧٨ - ويقالُ أيضًا ثانيًا لو صحَّ هَـ ـذَا الشرطُ كانَ لِمَا هُمَا ضِدَّانِ
١٠٧٩ - لا فِي النَّقِيضَيْن اللَّذَيْنِ كِلَاهُمَا لا يثْبُتَانِ ولَيْسَ يرْتَفعَانِ
_________________
(١) = إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ [الأعراف: ١٩٧، ١٩٨] وقال تعالى في معرض إنكاره عليهم عبادة الأصنام: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥].
(٢) يدل عليه قوله تعالى عن أصنام الكفار: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل: ٢٠، ٢١]. وقال تعالى عن عجل بني إسرائيل: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه: ٨٩]. وقال تعالى عن آلهة الكفار: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥].
(٣) يعني: أن هذه الجمادات نُفِيت عنها هذه الصفات وهي ليست قابلة للاتصاف بها أصلًا لأنها ليست من جملة الأحياء.
(٤) الضدان: كل شيئين يستحيل اجتماعهما في محل واحد لذاتيهما من جهة واحدة كالسواد والبياض، والفرق بين الضدين والنقيضين أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان كالعدم والوجود، والضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان كالسواد والبياض. التعريفات ص ١٧٩، درء التعارض ٢/ ٣٨٠.
(٥) هذا هو الوجه الثاني في الرد على الجهمية في نفيهم النقيضين عن الرب تعالى وهو أن يقال لهم: إن ارتفاع المتقابلين عن الشيء لا يتحقق إلا إذا كان الوصفان المتقابلان ضدين كالبياض والسواد، أما إذا كان المتقابلان نقيضين فيمتنع خلو الشيء عن واحد منهما، ومعلوم أن التقابل بين دخوله سبحانه في العالم ومباينته له هو من قبيل التقابل بين المتناقضين، فلا يتم =
[ ٢ / ٢٩٩ ]
١٠٨٠ - ويقالُ أيضًا نفيُكمْ لِقَبولِهِ لهُمَا يُزيلُ حقيقَةَ الإِمْكانِ
١٠٨١ - بلْ ذَا كنَفْي قِيَامِه بالنَّفْسِ أوْ بالغَيْرِ في الفِطْرَاتِ والأذْهَانِ
١٠٨٢ - فإذَا المعطِّل قَال إنَّ قيامَهُ بالنَّفْس أو بالغَيْرِ ذُو بُطْلَانِ
١٠٨٣ - إذ ليْسَ يقبَلُ واحِدًا من ذَينِكَ الـ أَمْرَيْنِ إلا وهْوَ ذُو إِمْكَانِ
١٠٨٤ - جِسْمٌ يقُومُ بِنَفْسِهِ أيضًا كَذَا عَرَضٌ يقُومُ بغْيرهِ أخَوانِ
١٠٨٥ - فِي حُكمِ إمكانٍ وليسَ بواجبٍ ما كانَ فيهِ حقيقَةُ الإِمْكانِ
_________________
(١) = لهم ما قرروه، كما حرر ذلك الناظم ﵀. انظر التدمرية ١٥١ - ١٦٠ وما بعدها، درء التعارض العقل والنقل ٢/ ٣٨٠. وتقدم الوجه الأول في البيت ١٠٦٨.
(٢) هذا هو الوجه الثالث في الرد عليهم وهو أن يقال: "إن نفيكم عن الله تعالى قبول أحد الوصفين المتناقضين: لا داخل العالم ولا خارجه، ينفي إمكان وجوده سبحانه ويجعله من قبيل المعدومات بل الممتنعات، وهو يشبه في الفساد نفي وصفي قيامه سبحانه بنفسه وقيامه بغيره، مع أن رفعهما عنه باطل بالعقل والفطرة، فكل موجود لا بد أن يكون قائمًا بنفسه أو قائمًا بغيره، فلا بد من ثبوت أحد الوصفين له. درء التعارض ٢/ ٢٢٣، ٥/ ٢٧٤، مجموع الفتاوى ٥/ ٢٩٧، بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٢ - ١٣، التدمرية ص ٣٦، علو الله على خلقه للدويش ص ١٢١.
(٣) أشار الناظم إلى تناقض أهل الكلام وغيرهم وما يلزم على قولهم من لوازم باطلة، فقالوا: وهذه الأوصاف لا تقع إلا على الممكنات من الأجسام والأعراض، فإذا وصفنا الله تعالى بأنه قائم بنفسه أو قائم بغيره فقد حكمنا أنه ممكن الوجود لا واجب الوجود، فرفعوا عنه الوصفين المتناقضين، فكان حقيقة قولهم نفي إمكان وجود الإله ﷿. انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ٣٣١ وما بعدها، ٢/ ٥ وما بعدها.
(٤) العرض: الوصف، انظر التعليق على البيت ٩٠.
(٥) أي: ليس واجب الوجود من كان فيه شيء من صفات الممكن.
[ ٢ / ٣٠٠ ]