فصلٌ في بيان بهتانهم في تشبيهِ أهلِ الإِثباتِ بفرعون وقولهم إنَّ مقالةَ العلوِّ عنه أخذوها، وأنهم أَولى بفرعون وهم (^١) أشباهه
١٩٣٣ - وَمِنَ العَجَائِبِ قَولُهُم: فِرْعوْنُ مَذْ هَبُهُ العُلُو وَذَاكَ فِي القُرْآنِ
١٩٣٤ - وَلِذَاكَ قَدْ طَلَبَ الصُّعُودَ إِلَيهِ بالصَّـ ـرْحِ الَّذِي قَدْ رَامَ مِنْ هَامَانِ
١٩٣٥ - هَذَا رَأيْنَاهُ بِكُتْبِهِمُ وَمِنْ أَفْوَاهِهِم سَمْعًا إِلَى الآذَانِ
١٩٣٦ - فاسْمَعْ إذًا مَنْ ذَا الَّذِي أوْلَى بِفِرْ عَوْنَ المُعَطّلِ جَاحِدِ الرَّحْمنِ
١٩٣٧ - وانْظُر إلَى مَنْ قَالَ مُوسَى كَاذِبٌ حِينَ ادَّعَى فَوْقِيَّةَ الرَّحْمنِ
١٩٣٨ - فَمِنَ المَصَائِبِ أنَّ فِرعَوْنِيكُم أَضْحَى يُكفِّرُ صَاحِبَ الإيمَانِ
_________________
(١) طع: (أنهم).
(٢) تقدمت إشارة الناظم إلى هذا الموضوع، وقد ذكرنا نصوص الرازي في تشبيهه أهل الإثبات بفرعون عند الدليل السابع عشر في البيت رقم (١٥٠٩) وما بعده.
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]. وقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾ [القصص: ٣٨].
(٤) تقدم تحت البيت رقم (١٥١٢) ذكر نصوص المؤولين لهذه الآية وجعلهم فرعون مثبتًا لصفة العلو. كما نص على ذلك الرازي، والزمخشري، والقرطبي وغيرهم.
(٥) هذا البيت بنصه قد تقدم برقم (١٥١٤).
(٦) وهذا من الناظم قلب لدليلهم الذي استدلوا به على نفي العلو وأنه مذهب لفرعون بدليل أن فرعون قال: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، =
[ ٢ / ٥١٨ ]
١٩٣٩ - ويقُولُ: ذَاكَ مُبَدِّلٌ لِلدَّينِ سَا عٍ بالفَسَادِ وَذَا مِن البُهْتَانِ
١٩٤٠ - إِنَّ المورِّثَ ذَا لَهُم فِرعَونُ حِيـ ـنَ رَمَى بِهِ الموْلُودَ مِنْ عِمْرانِ
١٩٤١ - فهُوَ الإمَامُ لَهُمْ وهادِيِهم ومَتْـ ـبُوعٌ يَقُودُهُمُ إلَى النِّيرَانِ
١٩٤٢ - هُو أنكَرَ الوَصْفَينِ وَصْفَ الفَوْقِ والتَّـ ـكليمَ إنْكَارًا عَلَى البُهْتَانِ
١٩٤٣ - إذْ قَصْدُهُ إنكَارُ ذَاتِ الربِّ فالتَّـ ـعْطِيلُ مِرقَاةٌ لِذَا النُّكْرانِ
_________________
(١) = لأن موسى أخبره أن الله في السماء فكذبه فرعون بقوله: وإني لأظنك كاذبًا، انظر مجموع الفتاوى (١٣/ ١٧٣)، وقد تقدم تحت البيت رقم (١٥٢١) أن أئمة السنة قد جعلوا ما قصه عن فرعون دليلًا على إثبات العلو.
(٢) يشير الناظم إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]. ١٩٤١ - ط: (بمتبوع). -كما قال سبحانه عنه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ [هود: ٩٨].
(٣) أما إنكار فرعون للفوق فواضح وقد تقدم. أما إنكاره للتكليم فيؤخذ من إنكاره لرسالة موسى ودعوته لأن مبناها على تكليم الله له وما يوحي إليه من الأوامر. انظر مختصر الصواعق ص ٤٠٧.
(٤) أشار في طرة الأصل إلى أن في نسخة: "إنكاس ذات". - يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٣/ ١٨٥): "وحقيقة قول الجهمية لمعطلة هو قول فرعون، وهو جحد الخالق، وتعطيل كلامه ودينه، كما كان فرعون يفعل، فكان يجحد الخالق ﷻ، ويقول: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ ويقول: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وكان ينكر أن يكون الله كلم موسى أو أن يكون لموسى إله فوق السماوات، ويريد أن يبطل عبادة الله وطاعته ويكون هو المعبود المطاع، فلما كان قول الجهمية المعطلة النفاة يؤول إلى قول فرعون كان منتهى قولهم إنكار رب العالمين وإنكار عبادته، وإنكار كلامه .. "ا. هـ.
[ ٢ / ٥١٩ ]
١٩٤٤ - وَسِوَاهُ جَاءَ بِسُلَّمٍ وبآلةٍ وَأَتَى بِقَانُونٍ عَلَى بُنْيَانِ
١٩٤٥ - وَأتَى بِذَاكَ مُفَكِّرًا ومُقَدِّرًا ورِثَ الوليدَ العَابِدَ الأوْثَانِ
١٩٤٦ - وأتَى إلَى التَّعْطِيل مِنْ أَبْوَابِهِ لَا مِنْ ظُهُورِ الدَّارِ والجُدْرَانِ
١٩٤٧ - وَأتَى بِهِ فِي قَالَبِ التَّنْزِيهِ والتَّـ ـعظِيمِ تَلْبِيسًا عَلَى العُمْيانِ
١٩٤٨ - وَأَتَى إلَى وَصْفِ العُلُو فَقَال ذَا التَّـ ـجْسِيمُ لَيسَ يَليقُ بالرَّحْمنِ
١٩٤٩ - فَاللَّفظُ قَدْ أَنْشَاهُ مِنْ تِلْقَائِهِ وَكَسَاهُ وَصْفَ الوَاحِدِ المنَّانِ
١٩٥٠ - والنَّاسُ كُلهمُ صَبِيُّ العَقْلِ لَم يَبلُغْ وَلَوْ كَانُوا مِنَ الشِّيخَانِ
١٩٥١ - إلا أُنَاسًا سَلَّمُوا لِلوحْي هُمْ أَهْلُ البُلُوغِ وأعْقَلُ الإنْسَانِ
_________________
(١) يشير الناظم في هذا البيت إلى النفاة أهل التأويل الذين وضعوا قوانين فيما جاءت به الأنبياء عن الله، فما وافق تلك القوانين قبلوه، وما خالفها لم يتبعوه، وتأولوه أو فوضوه. انظر: توضيح المقاصد لابن عيسى (٢/ ٢٩).
(٢) ف: (بذلك). - يعني الوليد بن المغيرة انظر ما سبق في البيت (٥٧٣).
(٣) مراد الناظم في هذه الأبيات أن يبين أن من عادة أهل التعطيل أنهم يطلقون على تعطيلهم تنزيهًا حتى يروج بين الناس، ويطلقون على ما أثبته أهل السنة من العلو وجميع الصفات لله تجسيمًا لكي ينفروا الناس عنهم. انظر مختصر الصواعق ص ١١٣.
(٤) الشيخان: جمع شيخ، وقد سبق.
(٥) ومراد الناظم: أن من اتبع كلام أهل التأويل الواضح البطلان ما هو إلا كالصبي الصغير الذي يمكن لكل أحد أن يغرر به ويخدعه، بخلاف الرجل البالغ صاحب العقل والفهم، وهم أهل الحق الذين اتبعوا الوحي وتركوا أقوال أهل التعطيل.
[ ٢ / ٥٢٠ ]