الأصل الأول: فعل الرب هو مفعوله، وهذا مذهب الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والكلابية
٨٦٣ - لَا تَنْصُرَنَّ سوَى الحَديثِ وأهْلِهِ هُم عَسكَرُ القُرآنِ والإيمَانِ
٨٦٤ - وتَحَيَّزَنَّ إِليهِمُ لَا غَيْرِهِمْ لِتَكُونَ منْصُورًا لَدَى الرحْمَنِ
٨٦٥ - فَتقُولُ هَذَا القَدْرُ قَدْ أعْيَا عَلَى أَهْلِ الكَلَامِ وَقَادَهُ أصْلَانِ
٨٦٦ - إحدَاهُمَا هَلْ فِعْلهُ مفعُولُهُ أَوْ غَيرُهُ فَهُمَا لَهُم قَوْلَانِ
٨٦٧ - والقَائِلُونَ بأنَّهُ هُوَ عَينُهُ فَرُّوا مِنَ الأوصَافِ بالحِدْثَانِ
_________________
(١) طت، طه: "الإيمان والقرآن".
(٢) كذا في ب، د، طت، طه. ولم ينقط حرف المضارع في الأصل، ف، ظ. وفي طع: "فنقول". وفي س: "فيقول" وهو خطأ (ص). - يعني بهذا القدر: هذه المسألة وهي مسألة: هل الكلام قائم بالرب أم غير قائم به؟
(٣) أنَّث الأصل للضرورة. وانظر الأبيات: ١٨١، ٢٦٢، ٥١٨ (ص). - هذا جواب من الناظم ﵀ على ما أوردته الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة لتصحيح مذهبهم في الكلام بقياسه على الفعل، وقولهم: إن وصف الله تعالى بالكلام لا يستلزم قيام الكلام به، كما لا يقتضي وصفه بالفعل قيام الفعل به. وقد فصل الناظم ﵀ الردَّ عليهم في أصلين بني عليهما الخلاف. أحدهما: أن فعل الله تعالى من الخلق والإحسان والرزق وغيرها هو مفعوله وليس هناك فعل ومفعول ورزق ومرزوق وخلق ومخلوق وإنما فعله هو المفعول نفسه وليس هناك فعل قام بذاته تعالى. والثاني: أن الفعل غير المفعول. انظر خلق أفعال العباد للبخاري ١٦٨ - ١٧٥، درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٥٦، ٢/ ١٢، ١٢٣ - ١٢٤، قاعدة نافعة في صفة الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية وهي ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ج ٢/ ٦٤، منهاج السنة النبوية ٢/ ٣٧٦ وما بعدها، وشفاء العليل ص ٥٢٧، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي ص ٥٣٩.
(٤) الفريق الأول هم القائلون بأن الفعل هو المفعول، وهم الجهمية والمعتزلة=
[ ٢ / ٢٥٥ ]
الأصل الثاني: فعل الرب غير مفعوله، وهذا مذهب طائفتين
الأولى: الماتريدية: أنه قديم قائم بالذات
٨٦٨ - لَكِنْ حَقِيقَةُ قَوْلهِمْ وَصَرِيحُهُ تَعْطِيلُ خَالِقِ هَذِهِ الأكْوَانِ
٨٦٩ - عَنْ فِعْلِهِ إذْ فِعْلُهُ مَفْعُولُهُ لَكِنَّهُ مَا قَامَ بالرَّحْمنِ
٨٧٠ - فَعَلَى الحَقِيقَةِ مَا لَهُ فِعْلٌ إذِ الْـ ـمَفْعُولُ مُنْفَصِلٌ عَنِ الديَّانِ
٨٧١ - والقَائِلُونَ بأنَّهُ غَيْرٌ لَهُ مُتَنَازِعُونَ وَهُمْ فَطَائِفَتَانِ
٨٧٢ - إحْداهُمَا قَالَتْ: قَديمٌ قَائِمٌ بالذَّاتِ وَهْوَ كَقُدرةِ المنَّانِ
٨٧٣ - سَمَّوْهُ تَكْوِينًا قَديمًا قَالَهُ أتْبَاعُ شَيْخِ العَالَمِ النُّعْمَانِ
_________________
(١) = والأشاعرة والكلابية. وجرهم إلى ذلك أصلهم الذي أصلوه وهو منع قيام الحوادث بذاته سبحانه، وقالوا: لو جعلنا الأفعال كالخلق والرزق صفات لله قائمة به لكان الله محلًا للحوادث، وما كان محلًا للحوادث فهو حادث، ويمتنع علينا أيضًا طريق إثبات الصانع لأننا إنما استدللنا على عدم حدوثه بامتناعه عن حلول الحوادث به. وقد تقدم شرح أصلهم هذا في موضع سابق، راجع البيت ١٦٩، وانظر المراجع السابقة. وسيأتي في كلام الناظم الرد مفصلًا على دليلهم في إثبات الصانع في الأبيات: ٩٩٨ وما بعده.
(٢) حقيقة قول هؤلاء تعطيل الله تعالى عن أفعاله، وذلك لأن الفعل إذا كان هو المفعول، والمفعول -أصلًا- مخلوق لله منفصل عنه، لم يكن لله في الحقيقة فعل يقوم به ويكون صفة من صفاته، فينتج عن ذلك تعطيل الله تعالى عن أفعاله، كما بيّنه الناظم هنا. انظر المراجع السابقة.
(٣) القائلون بأن الفعل غير المفعول طائفتان: الأولى: الماتريدية وهم أتباع أبي منصور الماتريدي الحنفي، حيث أثبتوا صفات الأفعال لله تعالى كالإحياء والإماتة وغيرهما من الصفات الفعلية، لكنهم يرجعونها إلى صفة التكوين، وهي عندهم صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى كقيام القدرة. وستأتي الطائفة الثانية في البيت ٨٧٥. كتاب التوحيد للماتريدي ص ٤٧ - ٤٩، شرح الفقه الأكبر للقاري ص ٣٣ - ٣٤، الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات ١/ ٤١٨، ٢/ ٤٢٤.
(٤) التكوين: هي من صفات الله عند الماتريدية، وهي مبدأ الإخراج من العدم إلى الوجود، وصفات الأفعال راجعة إليها. وهي عبارة عن الإيجاد والخلق =
[ ٢ / ٢٥٦ ]
الثانية: أنه حادث بالذات، وهم نوعان
٨٧٤ - وَخُصُومُهُمْ لَمْ يُنْصِفُوا فِي رَدِّهِ بَلْ كَابَرُوهُمْ مَا أَتَوْا بِبَيَانِ
٨٧٥ - والآخَرُونَ رأَوْهُ أَمْرًا حَادِثًا بالذَّاتِ قَامَ وإنَّهُمْ نَوْعَانِ
_________________
(١) = والرزق والإحياء والإماتة. والتكوين عند الماتريدية صفة أزلية قائمة بالله تعالى، والصفات الفعلية متعلقة بالتكوين وليست صفات حقيقية، فرارًا من قيام الحوادث بالله تعالى. انظر المراجع السابقة. "النعمان": يعني الإمام أبا حنيفة ﵀. وهو الإمام الفقيه النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي الكوفي، ولد سنة ٨٠ هـ، ويعد في طبقة التابعين. روى عن عطاء بن أبي رباح والشعبي وغيرهما، وبرع في الفقه والرأي حتى صار فيه إمامًا، توفي في بغداد سنة ١٥٠ هـ. سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٩٠. انظر تحقيق مسألة انتساب الماتريدية للإمام أبي حنيفة ﵀ مفصلة في كتاب: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني.
(٢) يعني بخصوم الماتريدية: الأشاعرة، وذلك لأن الماتريدية وافقت الأشاعرة في إثبات الصفات السبع لله تعالى، وزادوا عليها صفة التكوين التي أرجعوا إليها الصفات الفعلية. أما الأشاعرة، فلا يعترفون بصفة التكوين وإنما صفات الأفعال عندهم حادثة لا يوصف الله بها. والأقرب أن الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية في هذه المسألة خلاف لفظي، وذلك لأنهم جميعًا يرون أن الصفات الفعلية ليست صفات لله على الحقيقة ولا قائمة به سبحانه. انظر المراجع السابقة في البيت ٨٧١.
(٣) الطائفة الثانية من القائلين بأن الفعل غير المفعول قالوا: إن فعل الله حادث قائم بذاته متعلق بالقدرة والمشيئة، وهم نوعان: النوع الأول: الكرامية حيث جعلوا له ابتداء في ذاته بمعنى: أنه لم يكن فاعلًا ثم فعل، وقد دفعهم إلى هذا القول فرارهم من القول بالتسلسل في أفعال الله، فيلزم قدم أنواع المفعولات، فيسدّ ذلك عليهم -في زعمهم- طريق إثبات الصانع. والكلام والفعل عندهم سيّان أي: أن الله متكلم بعد أن لم يكن متكلمًا. والنوع الثاني سيأتي في التعليق على البيت ٨٧٨. انظر درء تعارض العقل والنقل ٢/ ١٩، ١٤٧ - ١٤٨، وراجع ما سبق عند الكلام على مذهبهم في الكلام في الأبيات: ٦٣٦ وما بعده.
[ ٢ / ٢٥٧ ]