٧٨٦ - وأتَى ابنُ سِينَا القِرمِطِيُّ مُصَانِعًا للمُسلِمِينَ بإِفْكِ ذِي بُهْتَانِ
_________________
(١) = غيره .. والذي قصده أحمد أن اللفظ يراد به أمران: أحدهما: الملفوظ نفسه وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له. الثاني: التلفظ به والأداء له وهو فعل العبد. فإطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ فمنع الإطلاقين". اهـ. مختصرًا، مختصر الصواعق ٢/ ٤٨٩.
(٢) ف: "هو لفظنا".
(٣) كذا في الأصل وطع. وفي طت: "كلام". وفي غيرها: "مقالة".
(٤) القرامطة: هم أتباع حمدان القرمطي وكان رجلًا متواريًا صار إليه أحد دعاة الباطنية ودعاه إلى معتقده فقبل دعوته، ثم صار يدعو الناس إليها وضلَّ بسببه خلق كثير، وكان ظهورهم في عام ٢٨١ هـ في خلافة المعتضد، ودخلوا مكة سنة ٣١٧ هـ، واقتلعوا الحجر الأسود، وقتلوا المسلمين في الحرم. وقد أعيد الحجر الأسود إلى مكة سنة ٣٣٩ هـ على يد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي النيسابوري ﵀. انظر اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ١٠٨، وأخبار القرامطة في الأحساء جمع وتحقيق ودراسة: د. سهيل زكار، مقالات الإسلاميين ١/ ١٠٠ - ١٠١، التنبيه والرد للملطي ص ٢٠ وما بعدها، منهاج السنة ٨/ ٢٥٨، الفرق بين الفرق ص ٣٠٦، تلبيس إبليس ص ١٢١ - ١٢٣.
(٥) تقدمت ترجمة ابن سينا في التعليق على البيت ٩٤. =
[ ٢ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = - كان ابن سينا على مذهب القرامطة وهو يصرح بذلك، كما ذكر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما تكلم على الفلاسفة قال: "ولكن هؤلاء سلكوا مسلك القرامطة الباطنية، وهم من المتفلسفة المنتسبين إلى الإسلام، وكان ابن سينا يقول: "كان أبي من أهل دعوتهم، ولذلك قرأت كتب الفلاسفة" اهـ. بغية المرتاد ص ١٨٣. وقال ابن القيم ﵀: "وكان ابن سينا كما أخبر عن نفسه قال: أنا وأبي من أهل دعوة الحاكم، فكان من القرامطة الباطنية الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد ولا رب خالق ولا رسول مبعوث" اهـ. إغاثة اللهفان ٢/ ٢٦٦، وانظر درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٠، نقض المنطق لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ١٣٣، الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ١٤١ - ١٤٣، والصفدية لشيخ الإسلام ص ٣ (حاشية المحقق). وانظر نص كلام ابن سينا في كتاب "نكت في أحوال الشيخ الرئيس ابن سينا" للكاشي. المصانعة: المداهنة والمخادعة. من كيد ابن سينا ومصانعته للمسلمين أنه حاول الجمع بين الدين والفلسفة مع التعصب الشديد للفلسفة، فقام بتأويل النصوص الشرعية بما يتفق مع روح الفلسفة، فهو يلوي النص ويخرجه عن معناه الحقيقي كي يتمشى مع المعاني الفلسفية. وقد أفرد في ذلك رسالة خاصة في إثبات النبوات وتأويل رموزهم، ومثال ذلك الوحي وكلام الله، فابن سينا يفسره أنه: إفاضة العقل الكلي الفعال على نفس النبي الذي ينتهي إليه التفاضل في الصور المادية، والرسالة عنده هي: ما قبل من الإفاضة المسماة وحيًا على أي عبارة استصوبت لصلاح عالمي البقاء والفساد علمًا وسياسة. والرسول هو المبلغ ما استفاد من الإفاضة المسماة وحيًا على عبارة استصوبت ليحصل بآرائه صلاح العالم الحسي بالسياسة والعالم العقلي بالعلم. انظر رسالة في إثبات النبوات وتأويل رموزهم لابن سينا ص ٨٤ ضمن مجموع تسع رسائل لابن سينا، فيصرح هنا أن عبارات الوحي ما هي إلا ألفاظ استصوبها الرسول للتعبير بها عما أوحي إليه أي: أن الرسول قد تلقى عن الفيض الفعال معاني عبر عنها بألفاظ من عنده. =
[ ٢ / ٢٤٠ ]
٧٨٧ - فَرَآهُ فَيضًا فَاضَ مِنْ عَقْلٍ هُوَ الـ ـفَعَّالُ عِلَّةُ هَذِهِ الأكْوَانِ
٧٨٨ - حَتَّى تلَقَّاهُ زَكيٌّ فَاضِلٌ حَسَنُ التَّخَيُّلِ جَيِّدُ التِّبيَانِ
_________________
(١) = وعندما تكلم عن تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥]، ذكر تأويلات تتفق مع مقصده الفلسفي فقد جعل ألفاظ الآية رمزًا وإشارة للنفوس والعقول التي يتحدث عنها الفلاسفة فجعل (النور): رمزًا للخير ليكون الله هو الخير، و(السموات والأرض): الكُلُّ -وهو تعبير الفلاسفة عن العالم-، و(المشكاة): العقل الهيولاني كاستعداد النطق والإدراك وهو من أقسام العقل عند إرسطو، و(المصباح): العقل المستفاد بالفعل بعد التحول من استعداده، و(الزجاجة): الواسطة وهي العقل الفعال التي بين العقل الهيولاني والعقل المستفاد بالفعل، و(الشجرة المباركة): القوة الفكرية التي هي مادة الأفعال العقلية، و(لا شرقية ولا غربية): إشارة إلى اعتدال القوة الفكرية المتلقية للوحي (ولو لم تمسسه نار): مدح للقوة الفكرية فالنار هي العقل الكلي المدبر للعالم المشاهد فهو وإن لم يمس القوة الفكرية بالاتصال والإفاضة فهي لقوة صفائها تكاد أن تعرف الحقائق من غير إفاضة. انظر: رسالته المذكورة ص ٨٥ - ٨٧، الجانب الإلهي في التفكير الإسلامي د. محمد البهي ص ٢١٣ - ٢١٤، مقدمة التحقيق لكتاب بغية المرتاد لشيخ الإسلام ص ٧٢ - ٧٦.
(٢) ويعني الفلاسفة بمصطلح "العقل الفعال": الرب ﷿ ويسمونه علة هذه الأكوان والمخلوقات معلولة له. انظر كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ٣/ ١٠٣٦.
(٣) هذا مذهب ابن سينا في كلام الله. قال في رسالته العرشية ص ١٢: " .. فوصفه بكونه متكلمًا لا يرجع إلى ترديد العبارات ولا إلى أحاديث النفس والفكرة المتخيلة المختلفة التي العبارات دلائل عليها، بل فيضان العلوم منه على لوح قلب النبي - ﷺ - بواسطة القلم النقاش الذي يعبر=
[ ٢ / ٢٤١ ]
٧٨٩ - فأتَى بِهِ لِلعَالَمِينَ خَطَابَةً ومَوَاعِظًا عَرِيَتْ عنِ البُرهَانِ
٧٩٠ - مَا صَرَّحَتْ أخْبَارُهُ بالحَقِّ بَلْ رَمَزَتْ إِليهِ إِشَارَةً لِمَعَانِ
_________________
(١) = عنه بالعقل الفعال والملك المقرب هو كلامه. فالكلام عبارة عن العلوم الخاصة للنبي - ﷺ - والعلم لا تعدد فيه ولا كثرة ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] بل التعدد إما أن يقع في حديث النفس أو الخيال والحس. فالنبي يتلقى علم الغيب من الحق بواسطة الملك، وقوة التخيل تتلقى تلك وتتصورها بصورة الحروف والأشكال المختلفة، وتجد لوح النفس فارغًا فتنتقش تلك العبارات والصور فيه، فيسمع منها كلامًا منظومًا، ويرى شخصًا بشريًا، فذلك هو الوحي، لأنه إلقاء الشيء إلى النبي بلا زمان، فيتصور في نفسه الصافية صورة الملقى والملقى كما يتصور في المرآة المجلوة صورة المقابل. فتارة يعبر عن ذلك المنتقش بعبارة العبرية وتارة بعبارة العرب، فالمصور واحد والمظهر متعدد. فذلك هو سماع كلام الملائكة ورؤيتها. وكل ما عبر عنه بعبارة واقترنت بنفس الصور، فذلك هو آيات الكتاب، وكل ما عبر عنه بعبارة نقشية فذلك هو أخبار النبوة" أ. هـ عن كتاب ابن تيمية السلفي لهراس ص ١١٣.
(٢) يزعم الفلاسفة: أن الرسل أتوا بكلام خطابي يؤثر في الجمهور ويحرك عواطفهم من غير أدلة ولا براهين، وسيأتي تفصيل ذلك فيما يأتي من أبيات.
(٣) مقالة الفلاسفة في كلام الله تعالى -كما تقدم من كلام ابن سينا- أنه فيض فاض من العقل الفعال على النفوس الفاضلة الزكية بحسب استعدادها فحدث لها بسببه تصورات وتصديقات بحسب ما قبلته منه، ولهذه النفوس ثلاث قوى: قوة التصور وقوة التخيل وقوة التعبير فتدرك بقوة تصورها من المعاني ما يعجز عنه غيرها، وتدرك بقوة تخيلها شكل المعقول في صورة المحسوس، فتصور المعقول صورًا نورانية تخاطبها وتكلمها بكلام تسمعه الآذان، وهو عندهم كلام الله، ولا حقيقة له في الخارج وإنما ذلك من القوة الخيالية الوهمية. وزعموا: أن ما جاء به=
[ ٢ / ٢٤٢ ]
٧٩١ - وخِطَابُ هَذَا الخَلْقِ والجُمْهُورِ بالـ ـحَقِّ الصَّرِيحِ فَغَيرُ ذِي إمْكَانِ
٧٩٢ - لَا يَقْبَلونَ حَقَائِقَ المَعْقُولِ إلا في مِثَالِ الحِسِّ والأَعْيَانِ
٧٩٣ - وَمَشَاربُ العُقَلاءِ لَا يَرِدُونَهَا إلا إذَا وُضعَتْ لَهُم بأَوانِ
٧٩٤ - مِنْ جِنْسِ مَا أَلِفَتْ طِبَاعُهُمُ مِنَ الـ ـمَحْسُوسِ في ذَا العَالَمِ الجُثْمَانِي
٧٩٥ - فأتَوْا بِتَشْبِيهٍ وتَمْثِيلٍ وتَجْـ ـسِيمٍ وتخْيِيلٍ إلَى الأذْهَانِ
٧٩٦ - ولِذَاكَ يَحْرُمُ عِنْدَهُم تأْوِيلُهُ لَكِنَّهُ حِلٌّ لِذِي العِرفَانِ
_________________
(١) = الرسول - ﷺ - إنما أراد به خطاب الجمهور بما يخيل إليهم مما ينتفعون به من غير أن يكون الأمر في نفسه كذلك، ومن غير أن تكون الرسل بينت الحقائق. انظر مختصر الصواعق ١/ ١٢٧، ٢/ ٤٧٣، ٥٠٣، ٥١١، شرح حديث النزول (تحقيق الخميس) ص ٤٢١، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٦٥ - ٦٦، درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، رسالة في إثبات النبوات وتأويل رموزهم لابن سينا ص ٨٤ - ٨٧ وقد تقدم نقل كلام ابن سينا في ذلك، في التعليق على البيت ٧٨٦.
(٢) طع: "هذا الحق"، وهو تحريف.
(٣) يعني الفلاسفة بالعقلاء أنفسهم فإنهم الذين يستطيعون فهم الحقائق، كما سيأتي نقل كلامهم. الأواني: جمع آنية، والآنية جمع إناء.
(٤) يزعم الفلاسفة: أن خطاب الرسل لجمهور الناس بالحق الواضح المبين الصريح غير ممكن لأن عقول العامة قاصرة عن فهم الحقائق العقلية فلا بد من تصويرها لهم في صور تألفها طباعهم وتدركها عقولهم. انظر المراجع السابقة في البيت ٧٩٠.
(٥) "فأتوا": يعني: الرسل. ويجوز أن يضبط بالبناء للمجهول "فأُتُوا" يعني العامة. (ص).
(٦) "تأويله": يعني: يحرم تأويل كلام الأنبياء للعامة. (ص).
[ ٢ / ٢٤٣ ]