٤٥٦ - فِي التِّرمِذِيِّ ومُسْنَدٍ وسِوَاهُمَا مِنْ كُتْبِ تَجْسِيمٍ بِلَا كِتْمَانِ
٤٥٧ - وَوصَفْتَهُ بِصفَاتِ حَيٍّ فَاعِلٍ بالاخْتِيَارِ وذَانِكَ الأَصْلَانِ
_________________
(١) = عليه وأحاط به. والمحاضرة بالمعجمة: المخاطبة والمحاورة. ويشهد له ما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان" الحديث رواه البخاري ج ١١/ ٤٠٠ فتح، كتاب الرقاق باب من نوقش الحساب عذب، ومسلم ج ٧/ ١٠١ نووي، كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة وأنواعها وأنها حجاب من النار، وانظر تحفة الأحوذى ٧/ ٢٦١.
(٢) الترمذي: ستأتي ترجمته تحت البيت ١٣٦٨. - روى الإمام أحمد في مسنده حديث سوق أهل الجنة ويوم المزيد مختصرًا كما في المسند ١/ ١٥٦ من حديث علي ﵁، وفي ٣/ ٧٥ من حديث أبي هريرة ﵁، ولكن ليس في أي من روايات الإمام أحمد ذكر محاضرة العبد لربه وكلامه له تعالى ولعل مراد الناظم بعزوه الحديث إلى المسند أن أصله في المسند، والله أعلم. - تقدم أن أهل البدع من الجهمية وغيرهم ينبزون أهل السنة المثبتين للصفات بأنهم مشبهة مجسمة وبأن كتب السنة التي فيها إثبات صفات الله تعالى كتب تجسيم وتشبيه، ويزعمون: أن التنزيه هو ما عندهم من التعطيل لصفات الله تعالى، [راجع حاشية البيت ٣٧٥].
(٣) صفات الله تعالى قسمان: الأول: صفات ذاتية كالحياة والسمع والبصر، وهذه أنكرها بعض أهل البدع لزعمهم: أن وصف الله تعالى بها يؤدي إلى تشبيهه بالأجسام. الثاني: صفات فعلية اختيارية تتعلق بقدرته تعالى ومشيئته كالنزول، وهذه أنكرها أهل البدع لزعمهم أنها حوادث والحوادث لا تقوم إلا بحادث، وقد سبق تفصيل ذلك كله عندما تكلم الناظم عن الجهمية وقولهم في الصفات وشبهتهم [البيت: ٤٠ وما بعده]، وأهل السنة يثبتون جميع هذه الصفات على مراد الله ورسوله - ﷺ -، أما أهل البدع فتفرقت بهم السبل في ذلك على ما سوف يعوض الناظم.
[ ١ / ١٦٦ ]
٤٥٨ - أَصلا التَّفرُّقِ بَيْنَ هَذَا الْخَلْقِ فِي الْـ ـبَارِي فَكُنْ فِي النَّفْيِ غَيْرَ جَبَانِ
٤٥٩ - أَوْ لَا فَلا تَلعَبْ بدينِكَ نَاقِضًا نَفْيًا بإثْبَاتٍ بِلَا فُرقَانِ
٤٦٠ - فالنَّاسُ بَيْنَ مُعَطِّلٍ أوْ مُثْبِتٍ أَوْ ثَالِثٍ مُتنَاقِضٍ صَفعانِ
٤٦١ - واللهِ لَسْتَ برابِعٍ لَهُمُ بَلَى إِمَّا حِمَارًا أوْ مِنَ الثِّيرَانِ
_________________
(١) ط: "أصل التفرق". - يوصي هذا المبتدع صاحبه بأن يكون جريئًا في تعطيل الصفات غير جبان.
(٢) يشير الناظم -﵀- على لسان هذا المبتدع إلى أن الناس افترقوا في صفات الله تعالى إلى ثلاث فرق: الفرقة الأولى: المعطلة الذين نفوا جميع الأسماء والصفات كالجهمية، ومن نحا نحوهم من الفلاسفة والمعتزلة. الفرقة الثانية: المثبتة الذين أثبتوا جميع الأسماء والصفات على مراد الله ورسوله - ﷺ - وهؤلاء هم أهل السنة والجماعة. الفرقة الثالثة: قوم تناقضوا فأثبتوا بعض الصفات ونفوا البعض الآخر ففرقوا بين المتماثلين بلا دليل، كالأشاعرة، وهم الذين يشير إليهم الناظم -﵀- في الأبيات الآتية، وانظر مجموع الفتاوى ٦/ ٥١. صَفعان: من صفعَ يصفَع، وهو أن يبسط كفه فيضرب بها قفا الإنسان أو بدنه. ورجل صَفعانُ ومَصفعاني: مَن يُفعَل به ذلك. اللسان ٨/ ٢٠٠، القاموس ٩٥٢. ومراد الناظم -﵀- أن هذا الثالث أثبت بعض الصفات موافقة للمثبتة ونفى بعضها موافقة للمعطلة فوقع في التناقض فانهالت عليه ردود الطائفتين. ومثل نقدهما لهذا الفريق المتناقض بالصفع منهما.
(٣) لا يزال الكلام للمبتدع حيث يقول لصاحبه: إن أنواع الناس في الصفات ثلاثة: معطل أو مثبت أو متناقض يثبت بعضًا وينفي بعضًا، وأنت لا تستطيع أن تكون رابعًا لهؤلاء بل اختر واحدًا، ولكن احذر أن تختار الإثبات لأنه تجسيم ولا التناقض لأنه غير مقبول ولا متصور عقلًا، ولكن كن معطلًا ولا تبقى بغير مذهب فتكون كالحمير والثيران. انظر البيت ٤٧١.
[ ١ / ١٦٧ ]
٤٦٢ - فاسْمَحْ بإنْكَارِ الجَمِيعِ ولَا تَكُنْ مُتنَاقِضًا رَجُلًا لَهُ وَجْهَانِ
٤٦٣ - أَوْ لَا ففَرَّقْ بينَ مَا أثبتَّهُ ونفيتَهُ بالنصِّ وَالبُرْهَانِ
٤٦٤ - فالبَابُ بَابٌ واحدٌ فِي النَفْي والْـ إِثْبَاتِ فِي عَقْلٍ وَفِي مِيزَانِ
٤٦٥ - فمتَى أقرَّ ببعْضِ ذَلِكَ مُثْبِتٌ لَزِمَ الجَمِيعُ أَوِ ائْتِ بِالفُرْقَانِ
٤٦٦ - وَمَتَى نَفَى شَيْئًا وأثْبتَ مِثْلَهُ فمجسَّمٌ مُتَناقِضٌ دِيصَانِي
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فإن كان المخاطب ممن يقر بأنّ الله حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة سميع بسمع بصير ببصر متكلم بكلام مريد بإرادة، يجعل ذلك كله حقيقة وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته فيجعل ذلك مجازًا .. قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إنّ إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل. وإن قلت: له إرادة تليق به كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به" التدمرية ص ٣١ - ٣٢.
(٢) تقدم الكلام على أن من نفى شيئًا من الصفات مخافة الوقوع في التشبيه والتجسيم لزمه فيما أثبت ما يلزمه فيما نفى، إذ إن في قوله تناقضًا وتفريقًا بين المتماثلات، فالباب واحد كما ذكر الناظم ويشهد لذلك العقل، وقبله يشهد الميزان وهو الشرع والعدل. ومنه قوله تعالي: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وانظر تفسير الطبري مجلد ١٣ /ج ٢٧/ ٢٣٦، الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٢٥٨، مفتاح دار السعادة لابن القيم ص ٣٣٦.
(٣) كذا ضبط "الجميعُ" بالضم في ف. ولعله أرجح من ضبطه بالفتح كما في الأصل (ص).
(٤) أي: ينطبق عليه اللفظ الذي نبز به أهل السنة من أنهم مجسمة لإثباتهم الصفات فيكون هو أيضًا مجسمًا لأنه أثبت بعض الصفات. الديصانية: فرقة من فرق مجوس الفرس، وهم أصحاب رجل يقال له: =
[ ١ / ١٦٨ ]
٤٦٧ - فذَرُوا المِرَاءَ وصَرِّحُوا بمذاهبِ الْـ ـقُدَمَاءِ وانْسَلِخُوا مِنَ الإيمَانِ
٤٦٨ - أَوْ قَاتِلُوا مَعَ أُمَّةِ التَّشْبِيهِ والتَّـ ـجْسِيمِ تَحْتَ لِوَاءِ ذِي القُرْآنِ
٤٦٩ - أوْ لا فَلَا تَتَلَاعَبُوا بعُقولِكُمْ وكِتَابِكُمْ وبسَائِرِ الأدْيَانِ
٤٧٠ - فجَمِيعُهَا قَدْ صَرَّحَتْ بصِفَاتِهِ وكَلَامِهِ وعُلُوِّهِ بِبَيَانِ
_________________
(١) = دِيصان أثبتوا نورًا وظلمة فما كان من خير فمن النور وما كان من شر فمن الظلمة، وتناقضوا فزعموا أن النور اختلط بالظلمة. الملل والنحل للشهرستاني ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩، الفهرس لابن النديم ص ٤٧٤. وقال ابن القيم ﵀: "وحكى أرباب المقالات عنهم (أي: عن الثنوية من المجوس): أن قومًا يقال لهم الديصانية زعموا أن طينة العالم كانت طينة خشنة وكانت تحاكي جسم النور الذي هو الباري عندهم زمانًا فتأذى بها، فلما طال ذلك عليه قصد تنحيتها عنه فتوحل فيها واختلط بها فتركب من بينهما هذا العالم المشتمل على النور والظلمة فما كان من جهة الصلاح فمن النور وما كان من جهة الفساد فمن الظلمة" إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٢) الخطاب هنا موجه من هذا النافي المعطل إلى المتناقضين في الصفات وهم الأشاعرة ومن وافقهم في إثبات بعض الصفات ونفي البعض، فيقول لهم: دعوا عنكم الجدل والمراوغة وصرحوا بمذاهب الفلاسفة الملاحدة وانفوا كل شيء أو أثبتوا إثباتًا تامًا كالمجسمة. ويعني بهم: أهل السنة المثبتين للصفات. المراء: المماراة والجدل. اللسان ١٥/ ٢٧٨. - المراد بمذاهب القدماء: مذاهب الفلاسفة، وقد تقدم عرض شيء من حقيقة مذهبهم وهو جحد وإنكار الباري ﷻ، في الأبيات: ٩٤ وما بعده، وسيأتي عرض مذهبهم في الكلام وغيره من الصفات في الأبيات: ٧٨٦ وما بعده.
(٣) في ط: "أئمة"، تحريف (ص). - يعني بهم: أهل السنة والجماعة المثبتين لأسماء الله وصفاته على الوجه اللائق به سبحانه. (انظر البيت ٣٧٥).
[ ١ / ١٦٩ ]
٤٧١ - والنَّاسُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ أوْ جَاحِدٍ أوْ بَيْنَ ذَلِكَ أو شَبيهُ أتَانِ
٤٧٢ - فَاصْنَعْ مِنَ التَّنزِيه تُرْسًا مُحْكَمًا وانْفِ الجَمِيعَ بِصَنْعَةٍ وبَيَانِ
٤٧٣ - وَكَذَاكَ لَقِّبْ مَذْهَبَ الإثْبَاتِ بالتَّـ ـجْسِيمِ ثُمَّ احْمِلْ عَلَى الأقْرَانِ
٤٧٤ - فَمَتَى سَمَحْتَ لَهُمْ بِوصْفٍ وَاحِدٍ حَمَلُوا عَلَيْكَ بحَمْلَةِ الفُرْسَانِ
٤٧٥ - فصُرِعْتَ صِرْعَةَ مَنْ غَدَا مُتلَبِّطًا وَسطَ العَرِينِ مُمَزَّقَ اللُّحْمَانِ
٤٧٦ - فَلِذَاكَ أنْكَرْنَا الْجَمِيعَ مَخَافَةَ التَّـ ـجْسِيمِ إنْ صِرْنَا إِلَى الْقُرْآنِ
٤٧٧ - ولِذَا خَلَعْنَا رِبْقَةَ الأدْيَانِ مِنْ أَعْنَاقِنَا فِي سَالِفِ الأزْمَانِ
_________________
(١) مصدق: وهو المثبت من أهل السنة. جاحد: هو المعطل تعطيلًا تامًا كغلاة الجهمية. بين ذلك: هو من نفى بعض الصفات وأثبت بعضها كالأشاعرة. شبيه أتان: هم الفلاسفة الذين جحدوا الباري وانسلخوا من الإيمان فصاروا كالأنعام بل هم أضل، والأتان: أنثى الحمار.
(٢) يزعم نفاة الصفات أنهم ما نفوها إلا لتنزيه الخالق وتعظيمه وإبعاده عن نقص مشابهة المخلوقين، وقد تقدم بيان معنى التنزيه الصحيح وهو وصف الربّ تعالى بما وصف به نفسه نفيًا وإثباتًا. انظر شرح الطحاوية ١/ ٢٥٩، وما تقدم في مقدمة القصيدة. الترس: ما يتخذه المقاتل يتقي به الضربات وقد تقدم.
(٣) تلبَّطَ: تمرَّغَ وتقلّبَ. اللسان ٧/ ٣٨٨. العرين: مأوى الأسد. اللسان ١٣/ ٢٨٢.
(٤) يعني: إن تحاكمنا إلى القرآن وأخذنا بظواهر نصوصه الصريحة دون تأويل ولا تحريف وقعنا في التجسيم -في زعمه-.
(٥) ظ: "ولقد خلعنا". الربقة: عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، ويقال: فلان أخرج ربقة الإسلام من عنقه يعني فارق الجماعة وخرج من الدين. اللسان ١٠/ ١١٣.
[ ١ / ١٧٠ ]
٤٧٨ - وَلَنَا مُلُوكٌ قَاوَمُوا الرُّسْلَ الألُى جَاؤوُا بإثْباتِ الصَّفَاتِ كَمَاني
٤٧٩ - فِي آلِ فِرْعَونٍ وقارونٍ ونُمْـ ـرُودٍ وهامانٍ وجِنْكِسْخَانِ
٤٨٠ - وَلَنَا الأئمَّةُ كالفَلَاسِفَةِ الألُى لم يَعْبَؤوا أَصْلًا بِذِي الأدْيَانِ
٤٨١ - مِنْهُمْ أَرِسْطُو ثُمَّ شِيعَتُهُ إِلَى هَذَا الأَوَانِ وَعِنْدَ كُلِّ أَوَانِ
_________________
(١) في الأصل حاشية ظهر منها ما يأتي: "أي الزنديق .. كذبًا .. اسمه ماني" ومراد الناظم أنّ ملوكنا عاملوا الرسل كما يعامَل الزنادقة والكذابون. وماني زعيم المانوية ولد في بابل سنة ٢١٦ أو ٢١٧ م. أحدث دينًا بين المجوسية والنصرانية، وادعى أنه "فارقليط" الذي بشّر به عيسى ﵇. حكم عليه المجوس الزردشتية بالخروج عن الدين، فسجن وعذب حتى مات في عهد بهرام بن هرمز سنة ٢٧٦ أو ٢٧٧ م. وكان لديانته رؤساء وأتباع في العهد الإسلامي ومنهم الجعد بن درهم. انظر الفهرست ٣٩١، ٤٠١، الملل والنحل للشهرستاني (ط دار الفكر): ٢٤٥ وبرهان قاطع للتبريزي (تحقيق محمد معين، طهران) ٤/ ١٩٩ (ص).
(٢) كذا في الأصل، ف، س. وفي ب، طه: "وهامان وقارون ونمرود". وفي ظ، د، ح، طت، طع: "وقارون وهامان ونمرود". سبق التعريف بفرعون وقارون وهامان في حاشية البيت ٧٠، أمّا نمرود فهو ملك بابل الذي ناظر إبراهيم ﵇ وحاجّه في ربّه، وكان طاغية جبّارًا. وكان ملك الصابئة الكنعانيين المشركين. انظر مجموع الفتاوى ٥/ ٢١ وتفسير ابن كثير ١/ ٣١٣ (دار التراث). - وكلمة نمرود جاءت في أصولنا بالدال المهملة، وتأتي في المصادر بالمعجمة أيضًا. (ص). - تقدمت ترجمة جنكسخان في حاشية البيت ٣٦٩، وانظر البيتين: ٧٠، ١٥١٧.
(٣) أرِسطو ويقال أيضًا: أرسطاطاليس (٣٨٤ - ٣٢٢ ق. م) من فلاسفة اليونان وأطبائها. تلميذ أفلاطون ومعلّم الإسكندر المقدوني، ومؤسس المدرسة المشائية، له كتب في الفلسفة والطب وغيرهما من ذلك كتاب "العالم الكبير" و"السماء والعالم". طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل ص ٢٥، =
[ ١ / ١٧١ ]
٤٨٢ - مَا فِيهمُ مَنْ قَالَ إنَّ الله فَو قَ العَرْشِ خَارِجَ هَذِهِ الأكْوَانِ
٤٨٣ - كَلَاّ وَلَا قَالُوا بِأنَّ إلهنَا مُتَكَلِّمٌ بِالوَحْيِ والقُرْآنِ
٤٨٤ - ولأجْلِ هَذَا رَدَّ فِرْعَونٌ عَلَى مُوسَى وَلَمْ يقْدِرْ عَلَى الإيمَانِ
٤٨٥ - إِذْ قَالَ مُوسَى رَبُّنَا متكَلِّمٌ فَوْقَ السَّمَاءِ وإنّه ناداني
٤٨٦ - وَكَذَا ابْنُ سِينَا لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ وَلَا أتْبَاعُهُ بَلْ صَانَعُوا بدِهَانِ
٤٨٧ - وَكَذَلِكَ الطُّوسِيُّ لَمَّا أَنْ غَدَا ذَا قُدْرَةٍ لَمْ يَخْشَ مِنْ سُلْطَانِ
_________________
(١) = والفهرست ص ٣٠٧، وعيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ص ٨٦، ودائرة المعارف الإسلامية ١/ ٦١٢. - يريد بشيعة أرسطو جماعته وحزبه الذين ذهبوا مذهبه في الإنكار والجحود.
(٢) تقدم تفصيل مذاهب أهل البدع في الباري ﷿. (البيت: ٢٦٥ وما بعده).
(٣) يعني: من أجل اعتقاد فرعون أن الإله لا ينبغي أن يتصف بخصائص الأجسام أنكر فرعون على موسى ﵇ قوله إن ربه فوق العالم، وإنه يتكلم بكلام يُسمع بالآذان، وإنه ناداه، ولأجل هذا الإنكار لم يؤمن فرعون بموسى ﵇. كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٩].
(٤) "ناداني": ظ، س، طت، طه: "متداني". وقد تقدم ذكر الأدلة على تكليم الله تعالى لموسى ﵇ (الأبيات: ٤١٨ وما بعده).
(٥) تقدمت ترجمة ابن سينا (البيت ٩٤). الدّهان والمداهنة: المداراة والمصانعة والمخادعة، وهي أيضًا إظهار الشخص خلاف ما يبطن. اللسان ١٣/ ١٦٢.
(٦) الطوسي: محمد بن محمد بن الحسن أبو جعفر نصير الدين الطوسي، ولد بطوس ٥٩٧ هـ، فيلسوف كان رأسًا في العلوم العقلية وكان مقربًا إلى هولاكو قائد التتر، وصنف كتبًا نصر فيها قدم العالم وبطلان المعاد وإنكار الصفات =
[ ١ / ١٧٢ ]
٤٨٨ - قَتلَ الخَلِيفَةَ والقُضَاةَ وحَامِلي الْـ ـقُرْآنِ والفُقَهَاءَ فِي البُلْدَانِ
٤٨٩ - إذْ هُمْ مشَبِّهَةٌ مجَسَّمَةٌ ومَا دَانُوا بدِينِ أكَابِر اليُونَانِ
_________________
(١) = وأنه ليس فوق العرش إله يعبد، واتخذ للملاحدة مدارس وجعل إشارات ابن سينا مكان القرآن فقال: هي قرآن الخواص. وكان ساحرًا يعبد الأصنام، من كتبه شرح إشارات ابن سينا، وله شعر كثير بالفارسية، توفي ببغداد سنة ٦٧٢ هـ، إغاثة اللهفان ٢/ ٢٦٧، البداية والنهاية ١٣/ ٢٨٣، الأعلام ٧/ ٣٠ - ٣١.
(٢) وقد وقع على الإسلام شر عظيم من الطوسي قبّحه الله، قال ابن القيم ﵀ في إغاثة اللهفان عن الطوسي: "نصير الشرك والكفر، الملحد .. شفى نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه فعرضهم على السيف .. فقتل الخليفة المستعصم بالله حيث قتله التتر الذين دخلوا بغداد سنة ٦٥٦ هـ - وكان الطوسي وزيرهم ومشيرهم - والقضاة والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين والسحرة. إغاثة اللهفان ٢/ ٢٦٧. وقال شيخ الإسلام ﵀: "هذا الرجل الطوسي قد اشتهر عند الخاص والعام أنه كان وزير الملاحدة الباطنية الإسماعيلية بالألموت، ثم لما قدم الترك المشركون إلى بلاد المسلمين وجاؤوا إلى بغداد دار الخلافة كان هذا منجمًا مشيرًا لملك الترك المشركين هولاكو فأشار عليه بقتل الخليفة وقتل أهل العلم والدين واستبقاء أهل الصناعات والتجارات الذين ينفعونه في الدنيا" منهاج السنة ٣/ ٤٤٥ - ٤٤٦. وسيأتي ذكر ما فعله بالمسلمين في الأبيات: ٩٣٠ وما بعده.
(٣) وقد تقدم أن أهل البدع يتهمون أهل السنة المثبتين للصفات أنهم مشبهة ومجسمة وحشوية (البيت ٣٧٥). - ذكر ابن القيم -﵀-: أنه وقف على كتاب للطوسي اسمه "مصارعة المصارعة" نصر فيه أن الله تعالى لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام وأنه لا يعلم شيئًا وأنه لا يفعل شيئًا بقدرته واختياره ولا يبعث من في القبور، وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر" إغاثة اللهفان ٢/ ٢٦٧.
[ ١ / ١٧٣ ]
٤٩٠ - وَلَنَا المَلاحِدَةُ الفُحُولُ أئِمَّةُ التَّـ ـعْطِيلِ والسِّكِّينِ آلُ سِنَانِ
٤٩١ - وَلَنَا تَصَانِيفٌ بِهَا غَالبْتُمُ مِثْلَ الشِّفَا ورَسائِلِ الإخْوَانِ
_________________
(١) الملاحدة: جمع ملحد، والإلحاد في اللغة الميل والعدول. والإلحاد مذهب من ينكر وجود الله، وقد يطلق على المتشكك الذي يتظاهر بالاقتناع دون عقيدة. المعجم الفلسفي ص ٢٠، ١٧٤، ١٩٢، اللسان ٣/ ٣٨٨. - "السكّين": في الأصل: "التسكين"، وكذا في طت، طه. وفي طع: "والتشبيه" ولكن الصواب ما أثبتنا من غيرها، وقد ضبط في ف بكسر السين وتشديد الكاف. وقد وصفهم الناظم ﵀: بأنهم أئمة السكين لأن سنان بن سلمان وأصحابه كان لهم سطوة وقوة عظيمة، وقتلوا خلقًا من الملوك والرؤساء حتى خافهم الأكابر وصانعوهم بالأموال. وقد اشتهروا بأنهم كانوا يغتالون الناس بالسكاكين. انظر المراجع المذكورة في التعليق الآتي. آل سنان: هم أتباع سنان بن سلمان بن محمد بن راشد البصيري الملقب براشد الدين وبشيخ الجبل مقدم الإسماعيلية وصاحب دعوتهم في قلاع الشام، وأقام بالقلاع ثلاثين سنة وجرت له مع صلاح الدين وقائع وقصص، ومذهبه الإلحاد والكفر، وأباح لأصحابه كل ما يشتهونه من فرج ولحم وشراب ونسخ عنهم العبادات. هلك سنة ٥٨٩ هـ. شذرات الذهب لابن العماد ٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥، سير الأعلام ٢١/ ١٨٢، الأعلام ٣/ ١٤١، أعلام الإسماعيلية ٢٩٥ - ٣٠٣، درء التعارض ٥/ ٢٣.
(٢) كذا في الأصل وف وطه من المغالبة. وفي غيرها: "غاليتم" من المغالاة. ومراد الناظم: أن هذا المبتدع بعدما افتخر بمن سبقه من الملاحدة بدأ يفتخر بما تركوا من كتب ومصنفات تنصر بدعتهم وضلالهم فيقول لأصحابه: لا حاجة لكم أن تلتفتوا إلى نصوص الكتاب والسنة ولا تعتمدوا عليها في تقرير ما تريدون إذ أن عندنا تصانيف أوائلنا نعتمد عليها، ونتلقى منها ونغالب بها خصومَنا. ومعنى "غاليتم": أننا ننافس بها غيرنا. الشفاء: كتاب لابن سينا في علم المنطق والفلسفة، وهو مطبوع. =
[ ١ / ١٧٤ ]
٤٩٢ - وَكَذَا الإِشَارَاتُ الَّتِي هِيَ عنْدكُمْ قَدْ ضُمِّنَتْ لِقَوَاطِعِ البُرْهَانِ
٤٩٣ - قَدْ صَرَّحَتْ بالضِّدِّ ممَّا جَاءَ في التَّـ ـوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ
_________________
(١) = رسائل الإخوان: يعني رسائل إخوان الصفا وهي: إحدى وخمسون رسالة، وهي أصل مذهب القرامطة. وربما نسبوها إلى جعفر الصادق ترويجًا لها. وقد أملاها أبو سليمان محمد بن نصر البستي المعروف بالمقدسي وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني وغيرهما، وقد صنفوها على طريق الفلسفة الخارجة عن مسلك الشريعة. قال شيخ الإسلام عن هذه الرسائل: "هذا الكتاب هو أصل مذهب القرامطة الفلاسفة فينسبون ذلك إليه (يعني: جعفرًا الصادق) ليجعلوا ذلك ميراثًا عن أهل البيت. وهذا من أقبح الكذب وأوضحه، فإنه لا نزاع بين العقلاء أن رسائل إخوان الصفا إنما صنفت بعد المائة الثالثة في دولة بني بويه قريبًا من بناء القاهرة". وقال عنها أيضًا: "يعلم كل عاقل يفهمها ويعرف الإسلام أنها تناقض الإسلام" منهاج السنة ٢/ ٤٦٥، السبعينية ص ٩٩، ١٠٠، مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٣٣ - ١٣٥.
(٢) كتاب الإشارات والتنبيهات في المنطق والحكمة لابن سينا، وهو مطبوع في ثلاثة مجلدات بتحقيق الدكتور سليمان دنيا. - "لقواطع": أصله: قواطعَ، مفعول به. زاد اللام للضرورة (ص). أي: فيها البراهين القاطعة والأدلة العقلية التي تفيد اليقين، بخلاف الأدلة الشرعية التي تفيد الظن. ولا يزال الكلام موصولًا من الجهمي إلى صاحبه المتخيل.
(٣) في هذه التصانيف من المخالفة للكتاب والسنة بل لجميع الكتب السماوية شيء عظيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن أحد هذه التصانيف التي يتفاخر بها هذا الزنديق، وهو كتاب "رسائل إخوان الصفا": "فهل ينكر أحد ممن يعرف دين المسلمين أو اليهود أو النصارى أن ما يقوله أصحاب "رسائل إخوان الصفا" مخالف للملل الثلاث .. فإن في ذلك مخالفة الرسل فيما أخبرت وأمرت به والتكذيب بكثير مما جاءت به، وتبديل شرائع الرسل كلهم بما لا يخفى على عارف بملة من الملل، فهؤلاء خارجون عن الملل الثلاث" مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٣٤.
[ ١ / ١٧٥ ]
٤٩٤ - هِيَ عِنْدَكُمْ مِثلُ النُّصُوصِ وفوْقَهَا فِي حُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ وبَيَانِ
٤٩٥ - وإذَا تَحَاكَمْنَا فإنَّ إلَيْهِمُ يَقَعُ التَّحَاكُمُ لَا إِلَى القُرْآنِ
٤٩٦ - إِذْ قَدْ تَسَاعَدْنَا بأنَّ نصُوصَهُ لَفظيَّةٌ عُزِلَتْ عَن الإيقَانِ
٤٩٧ - فَلِذَاكَ حكَّمنَا عَلَيْهِ وأنْتُمُ قَوْلَ المُعَلِّمِ أولًا والثَّانِي
٤٩٨ - يَا وَيْحَ جَهْمٍ وابْنِ دِرْهَمَ والألُى قَالُوا بقَوْلِهمَا مِنَ الخَوَرَانِ
_________________
(١) "إليهم" أي: إلى أصحاب هذه التصانيف نتحاكم، وننظر في كتبهم وآرائهم ونسمع ونطيع لها، لا إلى الكتاب والسنة.
(٢) يعني: اتفق هو وأصحابه من أهل البدع على عدم حجية ألفاظ القرآن. وقد تقدم أن أهل البدع يردون كثيرًا من نصوص السنة بحجة أنها أخبار آحاد ولا تثبت بها العقائد، وهم كذلك يردون دلالة آيات كتاب الله تعالى بحجة أنها لفظية لا تفيد اليقين، واليقين إنما يثبت عندهم بالكلام والعقل والنظر. (انظر البيت ٣٨١ والتعليق عليه).
(٣) يعني بالمعلم الأول: أرسطوطاليس، صار له شأن بين فلاسفة اليونان فأطلق عليه المعلم الأول، وتقدمت ترجمته في البيت رقم ٤٨١. انظر آراء أهل المدينة الفاضلة، أخبار الحكماء لابن القفطي ص ٢٢ - ٢٦، ١٨٢ - ١٨٤ عند كلامه عن الفارابي. - يعني بالمعلم الثاني: أبا نصر الفارابي وهو محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ، أحد الأذكياء. أصله تركي ولد سنة ٢٦٠ هـ في فاراب على نهر جيحون وانتقل إلى بغداد ونشأ فيها، سمي المعلم الثاني لشرحه كتب أرسطو المعلم الأول. من كتبه "مبادئ الموجودات" و"إبطال أحكام النجوم" وغيرها، وعليها تخرّج ابن سينا. وكان يقول بالمعاد الروحاني للأرواح العالمة لا الجاهلة، توفي سنة ٣٣٩ هـ، الأعلام ٧/ ٢٠، البداية والنهاية ١١/ ٢٣٨، السير ١٥/ ٤١٦، إغاثة اللهفان ٢/ ٢٦.
(٤) تقدمت ترجمة الجهم بن صفوان (البيت ٤٠) والجعد بن درهم (البيت ٥٠). "الخوَران": كذا ضبط في ف، ويعني الخوَر، وهو الضعف والانكسار والجبن. ولم أجد هذا المصدر في المعاجم. (ص). يتهكم هذا الضال =
[ ١ / ١٧٦ ]
٤٩٩ - بَقِيَتْ مِنَ التَّشْبِيه فِيهِ بَقيَّةٌ نَقَضَتْ قَوَاعِدَهُ مِنَ الأرْكَانِ
٥٠٥ - يَنْفِي الصَّفَاتِ مَخَافَةَ التَّجْسِيم لَا يَلْوي عَلَى خَبَرٍ وَلَا قُرْآنِ
_________________
(١) = باثنين من أسلافه الماضين وهما الجهم والجعد ويقول: إنهما قالا بقول متناقض دفعهم إليه الخوف والخور ولم يجرؤوا أن يصرحوا كما نصرح نحن، قال شيخ الإسلام -﵀-: وكذلك الجهمية على ثلاث درجات: فشرّها الغالية الذين ينفون أسماء الله وصفاته .. فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر .. فعند ذلك تبين الناس أنهم لا يثبتون شيئًا لكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرّون في العلانية، فإذا قيل لهم: فمَن تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر هذا الخلق، فقلنا: فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم. وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا لم يزل ليس بعالم ولا قادر. وعبّروا عنه بأن قالوا: نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك .. غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره فأظهروا معناه .. ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره ولأفصحوا به غير أن الخوف يمنعهم من إظهار ذلك" أ. هـ باختصار يسير. التسعينية لابن تيمية ١/ ١٤٤، وانظر الرد على الجهمية للإمام أحمد ص ١٠٥ - ١٠٦.
(٢) تقدم تعريف التشبيه في التعليق على المقدمة. - يعني: أن قاعدة الجهم هي نفي الصفات مطلقًا، ثم هو بعد ذلك يقع في التشبيه بإثباته أنّ الله تعالى يسمع خلقه ويراهم ويعلم ما تكنّ صدورهم، وأنّ له سبحانه المشيئة العامة والقدرة الشاملة فلا يخرج كائن عن مشيئته. والجهم يثبت أن العالم حادث وهذه الصفات التي أثبتها نقضت قاعدته التي حكم بها، ثم هو بعد ذلك يدّعي تعطيل الصفات ونفي التجسيم ويصرخ في الناس بذلك فوقع في التناقض. وقد بيّن الناظم ﵀ كل ذلك فيما سيأتي من أبيات.
(٣) تقدم تعريف التجسيم في التعليق على المقدمة. لا يَلوي على خبر، أي: لا يلتفت إليه ولا يتوقف عنده (ص).
[ ١ / ١٧٧ ]
٥٠١ - ويقُولُ إنَّ اللهَ يَسْمَعُ أوْ يَرَى وَكَذَاكَ يَعْلَمُ سِرَّ كلِّ جَنَانِ
٥٠٢ - ويقُولُ إنَّ اللهَ قَدْ شاءَ الَّذِي هُوَ كَائِنٌ مِنْ هَذِهِ الأكْوَانِ
٥٠٣ - وَيقُولُ إنَ الفِعْلَ مَقْدُورٌ لَهُ وَالكَوْنَ يَنْسُبُهُ إِلَى الحِدْثَانِ
٥٠٤ - وبِنَفْيهِ التَّجْسِيمَ يَصْرُخُ فِي الوَرَى واللهِ مَا هَذَانِ يتَّفِقَانِ
٥٠٥ - لَكِنَّنَا قُلْنَا مُحَالٌ كُلُّ ذَا حَذَرًا مِنَ التَّجْسِيمِ والإِمْكَانِ
* * *
_________________
(١) من هذا البيت بداية السقط من س.
(٢) الجهمية المتأخرون أشد تعطيلًا ونفيًا من الجهم بن صفوان، فإن الجهم كان يقول: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك يقتضي تشبيهًا، فنفى كونه حيًا عالمًا وأثبت كونه قادرًا فاعلًا موجدًا خالقًا لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق، لكنه يثبت المشيئة مع قوله بالجبر ويقول بحدوث العالم خلافًا لمن قال بقدمه. أما المتأخرون أمثال هذا الزنديق الذي يتحسر على الجهم بأنه أثبت ما أثبت خوفًا ممن حوله من أهل السنة فهم ينفون نفيًا مطلقًا ولا يثبتون شيئًا. انظر الملل والنحل ١/ ٧٣، التبصير في الدين ص ٩٧، الفرق بين الفرق ٢٢١، وسيأتي في كلام الناظم عرض مذهبهم مفصلًا وبيان أن حقيقته إنكار وجود الله سبحانه. (انظر البيت: ١٠٦٠ وما بعده).
(٣) كذا في الأصل، ف، د. وفي غيرها: "متفقان". والمعنى: أن الجهم قد نفى ما نفى من الصفات خوفًا من تشبيه الله بالمخلوقين، وأثبت ما لا يقع عنده فيه تشبيه كالخلق والإيجاد والقدرة. فيقول هذا الزنديق: إن الجهم بإثباته بعض الصفات قد وقع في التجسيم، إذ الصفات لا تقع إلا على الأجسام فكيف يصرخ الجهم بنفي التشبيه والتجسيم ثم يقع فيه؟ هذا من التناقض.
(٤) طع: "من التشبيه". - يعني: أننا لم نتردد أو نتناقض كما وقع من الجهم ولم نجبن عن التصريح بالنفي الشامل، بل قلنا إن إثبات شيء من الصفات هو محال حتى لا نقع في =
[ ١ / ١٧٨ ]