٥٦٩ - هَذِي مَقَالَةُ أحْمدٍ ومُحَمَّدٍ وخُصُومُهُمْ مِنْ بَعْدُ طَائِفَتَانِ
_________________
(١) ت: "هذا مقالة ". - قال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله سألت أبي: ما تقول في رجل قال: التلاوة مخلوقة وألفاظنا مخلوقة والقرآن كلام الله ﷿ وليس بمخلوق؟ وما ترى في مجانبته؟ وهل يسمى مبتدعًا؟ فقال: هذا يجانب، وهو قول مبتدع، وهذا كلام الجهمية. السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/ ص ١٦٣ / رقم ١٧٨. وانظر درء التعارض ١/ ٢٦١. "محمّد": المراد به: الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ (وستأتي ترجمته تحت البيت ١٤٣٤)، حيث قال بعد أن أسند عن يحيى بن سعيد قوله: "ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة" قال البخاري: "حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بخلق". خلق أفعال العباد ص ٣٤ وقال محققه: إسناده صحيح، وانظر كذلك ص ٧٦ من الكتاب نفسه. سبب تخصيص الناظم -﵀- لهذين الإمامين الجليلين بالذكر أنهما إماما أهل السنة والجماعة وقد رويت عنهما ألفاظ يوهم ظاهرها تأييد ما ذهب إليه الكلابية اللفظية، من أن كلام الله تعالى بعضه مخلوق وهو اللفظ وبعضه غير مخلوق وهو المعنى، وقد تمسك بهذه الروايات أهل البدع وانتسبوا إلى هذين الإمامين ونسبوا المذهب إليهما، وقد روي عن الإمام أحمد -﵀- أنه قال: "لفظي بالقرآن مخلوق" وروي عن الإمام البخاري -﵀- أنه قال وقد سئل عن اللفظ بالقرآن: "أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا" وأشاع عنه محمد بن يحيى الذهلي أنه قال: "ألفاظنا بالقرآن مخلوقة". وقد تولى أئمة أهل السنة الذب عن هذين الإمامين والرد على من نسب هذا المذهب إليهما مما لا مجال لتفصيله هنا. انظر مجموع الفتاوى ١٢/ ٢٦٤ وما بعدها، مختصر الصواعق المرسلة ص ٤٨٦ وما بعدها، هدي الساري ص ٤٩٠، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٥٨، خلق أفعال العباد ص ٣٤، ٧٦، العقيدة السلفية في كلام رب البرية ص ٢٣٣ - ٢٤٧، الحجة في بيان المحجة ٢/ ١٩٤ - ١٩٦ وانظر البيت: ٧٨٠ وما بعده.
[ ١ / ١٩١ ]
٥٧٠ - إحْدَاهُمَا زَعَمَتْ بأنَّ كَلَامَهُ خَلْقٌ لَهُ ألفَاظُهُ وَمَعَانِي
٥٧١ - والآخَرُونَ أَبَوْا وَقَالُوا شَطْرُهُ خَلْقٌ وشَطْرٌ قَامَ بالرَّحْمنِ
٥٧٢ - زَعَمُوا القُرَان عِبَارَةً وحِكَايَةً فَلَنَا كَمَا زَعَمُوهُ قُرآنانِ
٥٧٣ - هَذَا الَّذِي نَتْلوهُ مخْلُوقٌ كَمَا قَالَ الوَلِيدُ وَبعْدَهُ الفِئَتَانِ
_________________
(١) هم الجهمية والمعتزلة، وسيأتي في كلام الناظم تفصيل مذهبهم. انظر البيت: ٦٢٣ وما بعده، والبيت: ٨٢٩ وما بعده.
(٢) وهم الأشاعرة والكلابية، وقد زعموا أن كلام الله تعالى شطران: شطر مخلوق وهو اللفظ، وشطر غير مخلوق بل هو صفة لله تعالى وهو المعنى. وقد تقدم حكاية مذهبهم إجمالًا. راجع البيت ٥٦٣.
(٣) قول الأشاعرة والكلابية يكاد يكون واحدًا إلا أن بينهما اختلافًا يسيرًا سيبيّنه الناظم فيما يأتي من أبيات، والأشاعرة تقول: إن كلام الله في النفس، والألفاظ عبارة عنه، أما الكلابية فيقولون: إن الألفاظ حكاية عنه. وعندهم كلهم أن هذه الألفاظ مخلوقة -كما تقدم في التعليق على البيت ٥٦٣، مختصر الصواعق ص ٤٧٤. - "فلنا": كذا في الأصل وف. وفي غيرهما: "قلنا"، وهو تصحيف. - يلزم على قولهم أن يكون هناك قرآنان: الأول: الألفاظ التي نتلوها ونقرؤها ونكتبها. الثاني: المعنى القديم القائم بنفس الله تعالى.
(٤) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو عبد شمس. من قضاة العرب في الجاهلية، ولد سنة ٩٥ ق. هـ، من زعماء كفار قريش، هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر ودفن بالحجون وهو والد خالد بن الوليد ﵁. الأعلام ٨/ ١٢٢. - ويشير الناظم هنا إلى قول الله تعالى حكاية عن الوليد عندما سمع القرآن فكذب به: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ١٨ - ٢٥]. - يعني بالفئتين: الجهمية، والمعتزلة حيث قالوا بخلق القرآن، وسيأتي تفصيل مذهبهم في البيتين ٦٢٣، ٨٢٩.
[ ١ / ١٩٢ ]
٥٧٤ - والآخَرُ المعْنَى القَدِيمُ فقَائِمٌ بالنَّفْسِ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ الدَّيَّانِ
٥٧٥ - والأمْرُ عَيْنُ النَّهْيِ واسْتِفْهَامُهُ هُوَ عَيْنُ إِخْبَارٍ وَذا وَحْداني
٥٧٦ - وَهُوَ الزَّبُورُ وَعَيْنُ تَوْرَاةٍ وإنْـ ـجِيلٍ وعَيْنُ الذِّكْرِ والفُرْقَانِ
٥٧٧ - الكُلُّ معنًى وَاحِدٌ فِي نَفْسِهِ لَا يَقْبَلُ التَّبْعِيضَ فِي الأذْهَانِ
٥٧٨ - مَا إنْ لَهُ كلٌّ وَلَا بَعْضٌ وَلَا لفظٌ ولا حَرْفٌ وَلَا عَرَبي وَلَا عِبْرَانِي
_________________
(١) كذا في الأصل وف. وقد ضبط في ف بفتح أوله. وفي غيرهما: "وحدانِ" دون ياء، وحذف الياء أو زيادتها من الأخطاء الشائعة في النسخ. وفي ط: "ذو وحدان". والوحداني: نسبة إلى الوحدة أي واحد. وانظر البيت الآتي برقم ٨٥٢ (ص). والمراد: أنهم قالوا: القرآن معنى واحد لا يقبل التبعيض ولا الانقسام، لذا قال الناظم بعدها في بيان مذهبهم: الكل معنى واحد .. البيت.
(٢) الذكر والفرقان من أسماء القرآن الكريم كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١].
(٣) ط: "شيء واحد".
(٤) كذا في جميع الأصول التي بين أيدينا، غير أن بعض القراء ضرب على "ولا لفظ" في ب، ظ. وحذف أيضًا في ط. ولعل ذلك إصلاح للنص. وقد أثبتنا ما في الأصول دون تغيير، ولا شك أن في البيت ركنًا زائدًا يستقيم الوزن بحذفه، ولكن يختلّ توازن الألفاظ إذ تبقى كلمة "حرف" بلا قرينة. وقد جاء هذا البيت في موضع آخر برقم ٨٥١ على هذا الوجه: ما إنْ له كلٌّ ولا بعضٌ ولا الـ ـعربي حقيقتُه ولا العبراني وهو مستقيم وزنًا ومعنًى. ولعل الناظم ﵀ ساقته أمواج البحر الكامل معها، وهو مشغول الفكر بالمعاني، فلم يفطن لهذه الزيادة. وقد تكررت زيادة ركن أو نقصه في المنظومة. انظر الزيادة في الأبيات: ٦٠٤، ٢٠٤٠، ٢٠٥٧، ٣٢٥٠، ٣٢٦٠، ٣٣٥٦ وغيرها. (ص). - ذهب الأشاعرة ومن وافقهم من الكلابية إلى أن الكلام معنى واحد قائم =
[ ١ / ١٩٣ ]
٥٧٩ - ودَلِيلُهُمْ فِي ذَاكَ بَيتٌ قَالَهُ فِيمَا يُقَالُ الأَخْطَلُ النَّصْرَانِي
٥٨٠ - يَا قَوْمُ قدْ غَلِطَ النَّصارَى قَبْلُ فِي مَعْنَى الكَلَامِ ومَا اهْتَدَوْا لِبَيَانِ
٥٨١ - ولأجْلِ ذَا ظنّوا المسِيحَ إلهَهُمْ إذ قِيلَ كِلْمَةُ خَالِقٍ رَحْمنِ
_________________
(١) = بذات الرب .. لا ينقسم ولا يتبعض ولا له أجزاء والأمر عين النهي وعين الخبر وعين الاستخبار، الكل معنى واحد، وهو عين التوراة والإنجيل والقرآن والزبور. وكونه أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا صفات لذلك المعنى الواحد عند الأشاعرة وأنواع له عند الكلابية فإنه لا ينقسم بنوع ولا جزء. وكونه قرآنًا وتوراة وإنجيلًا تقسيم للعبارات عنه لا لذاته بل إذا عبّر عن ذلك المعنى بالعربية كان قرآنًا، وإن عبّر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبّر عنه بالسريانية كان اسمه إنجيلًا، والمعنى واحد. مجرد مقالات الأشعري ص ٦٣، مختصر الصواعق المرسلة ص ٤٧٥.
(٢) الأخطل: غياث بن غوث التغلبي النصراني، شاعر اشتهر في عهد بني أمية بالشام وأكثر من مدح الملوك. له ديوان شعر مطبوع ت ٩٠ هـ. طبقات فحول الشعراء لابن سلام ج ٢/ ٤٥١، الشعر والشعراء لابن قتيبة ١/ ٤٨٣، الأغاني ٨/ ٢٩٠، الأعلام ٥/ ١٢٣. - يشير إلى استدلالهم بالبيت المنسوب إلى الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا وذكر كثير من أئمة اللغة وغيرهم أن هذا البيت لا تصح نسبته إلى الأخطل ولم يوجد في ديوانه، بل جزم كثير منهم أن أصل البيت: "إن البيان .. ". وأن أهل البدع حرّفوه ليحتجوا به على مذهبهم. انظر الكلام على هذا البيت وردّ الاستدلال به في الإيمان لشيخ الإسلام ص ١٣٢ - ١٣٤، مجموع الفتاوى ٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧، درء التعارض ٢/ ٨٥، الصواعق المرسلة ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥، شرح الطحاوية ١/ ١٩٩، العقيدة السلفية في كلام رب البرية ص ٣٣٢ - ٣٣٦، الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات ٣/ ١٤٤.
(٣) ط: "جعلوا المسيح". - قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا =
[ ١ / ١٩٤ ]
٥٨٢ - ولأجْلِ ذَا جَعَلُوهُ نَاسُوتًا وَلَا هُوتًا قَدِيمًا بَعْدُ مُتَّحِدَانِ
٥٨٣ - وَنظِيرُ هَذَا مَنْ يَقُولُ كَلَامُهُ مَعْنىً قَدِيمٌ غَيْرُ ذِي حِدْثَانِ
٥٨٤ - والشَّطرُ مخْلُوقٌ وتِلْكَ حُرُوفُهُ نَاسوتُهُ لَكِنْ هُمَا غَيْرَانِ
٥٨٥ - فانظُرْ إِلَى ذَا الاتِّفَاقِ فإنَّهُ عَجَبٌ وطَالِعْ سُنَّةَ الرَّحمن
_________________
(١) = الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] وقد احتج النصارى بهذه الآية على أن القرآن أيّد قولهم: إن في المسيح لاهوتًا وناسوتًا. وقالوا: قد شهد القرآن أنه -أي المسيح - إنسان مثلنا بالناسوت الذي أخذ من مريم ولاهوت بكلمة الله وروحه المتحدة فيه، وحاشا أن تكون كلمة الله وروحه الخالقة مثلنا نحن المخلوقين. والنصارى جعلوا في المسيح طبيعتين: طبيعة إلهية وهي كلمة الله التي حلت فيه وسموا هذا الجزء منه "اللاهوت" وطبيعة إنسانية استفادها من مريم وسموا هذا الجزء "الناسوت"، فاتحد عندهم بعض خالق ببعض مخلوق، وأول من ابتاع في شأن المسيح ﵇ اللاهوت والناسوت هو بولس الشمشاطي الذي أفسد عليهم دينهم. انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام ابن تيمية ٤/ ٢٧ - ٢٨، ٢/ ١٦٨، هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم ﵀ ص ٣١٦ - ٣١٧.
(٢) وجه اتفاق الكلابية والأشاعرة مع النصارى: أن النصارى جعلوا عيسى ﵇ شطرين: شطرًا مخلوقًا وهو الناسوت، وشطرًا غير مخلوق وهو اللاهوت. فاللاهوت حلّ في الناسوت. وكذلك الكلابية والأشاعرة جعلوا كلام الله تعالى شطرين: شطرًا مخلوقًا وهو الحروف والألفاظ، وشطرًا غير مخلوق وهو المعنى الذي في نفس الربّ ﷻ. فالمعنى القديم الذي هو اللاهوت حل في الحروف والألفاظ التي هي الناسوت لأن هذا المعنى القديم إنما يفهم بواسطة الحروف والألفاظ. وقد حكي أن أبا المجالد أحمد بن الحسين البغدادي المعتزلي اجتمع مع ابن=
[ ١ / ١٩٥ ]
٥٨٦ - وتكَايَسَتْ أخْرَى وَقَالتْ إنَّ ذَا قَوْلٌ مُحَالٌ وَهْوَ خَمْسُ مَعَانِ
٥٨٧ - تِلْكَ التِي ذُكِرتْ ومَعْنَىً جَامعٌ لِجَمِيعِهَا كالأُسِّ لِلبُنْيَانِ
٥٨٨ - فتكُونُ أنواعًا وعِنْدَ نَظِيرِهِمْ أوْصافَهُ وهُمَا فمتَّفِقَانِ
_________________
(١) = كلاب يومًا فقال له: ما تقول في رجل قال لك بالفارسية: تُو مَرْدي (أي: أنت رجل)، وقال الآخر: أنت رجل، هل اختلفا في وصفك إلا من جهة العبارة؟ فقال ابن كلاب: لا، فقال: فكذا سبيلك مع النصارى؛ لأنهم يقولون: إنه تعالى جوهر واحد ثلاثة أقانيم. انظر التسعينية لشيخ الإسلام ج ٣/ ٧٠٠ - ٧٠٣، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار الهمذاني ص ٢٩٤ - ٢٩٥، شرح جوهرة التوحيد للباجوري ص ١١٣ - ١١٩، قواعد العقائد في لوامع الأدلة في العقيدة للغزالي وهو في إحياء علوم الدين ١/ ١٠٠. وانظر ما سبق في التعليق على البيت ٥٦٣. قوله: "وطالع " أي: تأمل في جريان سنة الله تعالى في خلقه.
(٢) في ب كتب فوق كلمة "أخرى": "أي الكلابية" و"تكايست": تظاهرت بالكَيْس، وهو العقل والفطنة والظرف. - الصواب في العربية: "خمسة معان" بتأنيث العدد، وإنما ذُكر لضرورة الشعر، وانظر مثله في الأبيات: ٦٠٢، ٢٥٦٩، ٣٢٦٤، ١١١٣ وغيرها. (ص).
(٣) يشير إلى الأنواع الأربعة التي سبقت وهي الأمر والنهي والخبر والاستفهام، والخامس هو المعنى الجامع لها، راجع البيت ٥٧٥.
(٤) في ف، ظ، ح، طت، طع: "فيكون" بالتحتيَّة. وأهمل نقطه في الأصل، "فتكون" يعني المعاني المذكورة. "أوصافه" يعني أن تلك المعاني أوصاف للكلام عند نظيرهم. (ص). - هذا قول الكلابية الذي تميزت به عن الأشعرية أن الكلام خمسة أنواع: الأمر والنهي والاستفهام والخبر ومعنى خامس يعمها جميعًا فهو بالنسبة لها كالأس للبنيان. أما الأشاعرة فيقولون: إن هذه أوصاف للكلام وليست أنواعًا له. ومع وجود هذا الخلاف الظاهري بين قولي =
[ ١ / ١٩٦ ]
٥٨٩ - أنَّ الَّذِي جَاءَ الرسُولُ بِهِ فَمَخْـ ـلوقٌ ولَم يُسْمَعْ مِنَ الدَّيّانِ
٥٩٠ - والخُلْفُ بَيْنَهُمُ فقيل مُحَمَّدٌ أَنْشَاهُ تَعْبِيرًا عَنِ القُرْآنِ
٥٩١ - والآخَرونَ أَبَوْا وَقَالُوا إنَّمَا جِبْرِيلُ أنشَاهُ عَنِ المنَّانِ
_________________
(١) = الكلابية والأشاعرة يكاد قولهما يكون واحدًا، فكلاهما متفقان على أن ما جاء به جبريل ﵇ مخلوق (أي الألفاظ)، انظر الكيلانية لشيخ الإسلام، وهي في مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٧٦، مقالات الإسلاميين ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨.
(٢) ظ، خ، ط: "لَمخلوق".
(٣) هذا قول طائفة من الكلابية والأشعرية فبعد أن أثبتوا لله تعالى الكلام النفسي وقالوا: إن هذا القرآن ليس هو كلام الله ولا يوصف الله أنه تكلم به قيل لهم: فمن أنشأ هذه الألفاظ إن لم تكن من الله تعالى؟ فقالوا: محمد هو الذي أنشأها، فالمعنى من الله والألفاظ من محمد - ﷺ -. انظر الكيلانية لشيخ الإسلام وهي في مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٦٤، وقاعدة في القرآن وكلام الله وهي في مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥، المواقف للإيجي ص ٢٩٣، الإرشاد للجويني ص ١٣٠.
(٤) هذا قول طائفة أخرى من الكلابية والأشعرية: أن الله تعالى لم يتكلم بالقرآن ولكن جبريل ﵇ أدرك المعنى الذي في نفس الله فأنشأ هذه الألفاظ والآيات وعلمها محمدًا - ﷺ -، قال الباقلاني في كتابه "الإنصاف": إن النظم العربي الذي هو قراءة كلام الله تعالى إنما هو قول جبريل ﵇. وتابعه الجويني فقال في كتابه "الإرشاد": إن جبريل صلوات الله عليه أدرك كلام الله تعالى وهو في مقامه فوق سبع سماوات ثم نزل إلى الأرض فأفهم الرسول - ﷺ - ما فهمه عند سدرة المنتهى من غير نقل لذات الكلام" أ. هـ، الإنصاف ص ٩٧، الإرشاد ص ١٣٠، وانظر الكيلانية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٦٤، وقاعدة في القرآن وكلام الله لشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥، ومختصر الصواعق لابن القيم ﵀ ص ٤١٩.
[ ١ / ١٩٧ ]
٥٩٢ - وتكَايَسَتْ أخْرَى وقَالَتْ إنَّهُ نَقْلٌ مِنَ اللَّوحِ الرَّفِيعِ الشَّانِ
٥٩٣ - فاللَّوحُ مَبداه وربُّ اللَّوحِ قَدْ أنشَاهُ خَلْقًا فِيه ذَا حِدْثانِ
٥٩٤ - هَذِي مقَالَاتٌ لهُمْ فانظرْ تَرَى فِي كُتْبِهِمْ يَا مَنْ لَهُ عَيْنَانِ
٥٩٥ - لَكِنَّ أهْلَ الحَقِّ قَالُوا إنَّمَا جِبْرِيلُ بلَّغَهُ عَنِ الرَّحْمنِ
٥٩٦ - أَلْقَاهُ مَسْمُوعًا لَهُ مِنْ رَبِّهِ لِلصَّادِقِ المصْدُوقِ بالبُرْهَانِ
* * *
_________________
(١) هذا قول طائفة ثالثة من الكلابية والأشعرية: أن الله تعالى لم يتكلم بالقرآن ولكنه خلق الألفاظ وأنشأها في كتابه في اللوح المحفوظ كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: ٢١، ٢٢] ثم إن جبريل ﵇ يأخذه من اللوح المحفوظ وينزل به على النبي - ﷺ - ويتلوه عليه فاللوح هو مبدأ إنزاله وليس منزلًا من عند الله تعالى. انظر الكيلانية لشيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٦٤، وقاعدة في القرآن وكلام الله في الفتاوى ١٢/ ٣٥، مختصر الصواعق ص ٤١٩، لوامع الأنوار البهية للسفاريني ١/ ١٦٨ [موقف ابن تيمية من الإشاعرة ٤/ ١٣٢٩].
(٢) ط: "مبدؤه". س: "ربّ العرش".
(٣) أصله: "تَرَ" لكونه جوابًا للطلب، لكنه أجرى المعتلّ مجرى الصحيح للضرورة، وهو لغة أيضًا. وانظر ما سبق في البيت ٢٤٦ (ص).
(٤) هذا بيان لمذهب أهل الحق وهو أن الله تعالى تكلم بالقرآن ألفاظًا ومعاني وسمعه جبريل فبلغه إلى الرسول - ﷺ - لا نقله من اللوح المحفوظ ولا هو من صنع ألفاظه كما يزعم أهل البدع، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
[ ١ / ١٩٨ ]