بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، حمدًا يوافي نعمَه، ويكافئ مزيدَه، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك على محمد خاتم النبيين، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه وسائر عباد الله الصالحين.
أما بعد؛ فإن الناس تشعَّبوا في العقائد شعوبًا، وتفرَّقوا فيها فِرقًا، وأمْعَنت كلُّ فرقة في الانتصار لقولها ودفع ما عداه، وصارت كتب العقائد على ثلاث طبقات:
الأولى: مختصرات، يسرد مؤلِّفوها عقائد سلفهم، ويُلْزمون أبناء تلك الفرقة بحفظها واعتقادها والاستيقان بها، ولا يذكرون حُجةً ولا دليلًا.
والثانية: متوسّطات، يسوق مصنفوها عقائد فرقتهم وبعضَ ما احتجَّ به قدماؤها عليها، وعلى دفع ما خالفها، على وجهٍ لا يكادُ يثمر غلبةَ الظن، فكيف اليقين؟!
والثالثة: مطوَّلات، يُبْسَط فيها الخلاف، مع ذِكْر كثير من الحُجج، مع تدقيق الكلام، بحيث يصعب المرام، ويعتاص على الأفهام، فيعجز الناظر عن استيفاء النظر فيها، ويخرج منها كما دخل فيها، بل أشدَّ حيرةً وارتباكًا.
وربما ذكر الماتنُ (^١) دليلًا، ثم ذكر اعتراضًا عليه، وأجاب عنه، ثم ذكر ردًّا لهذا الجواب ودفعه.
_________________
(١) أي: صاحب المتن.
[ 5 جـ / ٣ ]
فيجيء الشارح فيذكر دفعًا لهذا الدفع وجوابًا عنه، وربما ذكر دفعًا لهذا الجواب ثم رده، فيجيء المُحَشِّي (^١)، فيذكر دفعًا لذلك الرد ثم يجيب عنه.
وهكذا لا تكاد هذه السلسلة تنقطع، وربما يقتصرون في الجواب على قولهم: "وهذا غير مسلَّم"، أو: "وفيه نظر"، أو دعوى بطلانه بالبديهة.
وكثيرًا ما يُشَكِّكون في أجوبتهم، بقولهم: "قد يقال كذا"، أو: "فليتأمل" أو نحو ذلك.
وكثيرًا ما يكون اعتمادهم على الإلزام للمخالف، أو الاستناد إلى دليل عقليّ قد اختلفوا فيه، أو الإحالة على مسألة أخرى مختلف فيها أيضًا.
وكثيرًا ما يكون الناظر في تلك الكتب قد شدا شيئًا من العلم، فيظهر له ضَعْف بعض تلك الأجوبة، ولكنه لا يستطيع أن يفهم مِنْ ضَعْفه أنّ مقابِلَه حق.
وغالب المؤلفين ينتسب أحدهم إلى فرقة خاصة، ويتقيَّد بها، ويلتزم الذَّبَّ عنها، وتسميتها (^٢): أهلَ الحق، ويطلق على مخالفيها الأنباز الشنيعة.
وذلك كله مما يزهِّد الناظرَ ــ إن كان طالب حق ــ في كلامه، ويسيء ظنه في حُجَجه، ولا يأتمنه على نقله عن الفرق المخالفة له، ويَحْدِس أن المؤلف لم يذكر من حُجَج مخالفيه وأجوبتهم إلا أضعفها.
وبالجملة؛ فلا يكاد الناظر في تلك الكتب يخلص منها إلا بإحدى ثلاث: التقليد المحض، أو الحيرة، أو الشك في أصلٍ اتفق عليه المختلفون
_________________
(١) أي: صاحب الحاشية.
(٢) تحتمل: "ويسميها".
[ 5 جـ / ٤ ]
في تلك المسألة إن لم يستظهر بطلانه.
كمسألة الجهة للرب سبحانه، قد يتدبر الناظر الأدلة العقلية للفريقين، ثم يخرج بالشكِّ في وجود الله ﷿ أو إنكاره، فيقول: ما كان في جهة فليس برب، وما لم يكن في جهة فهو معدوم (^١)!
فأحببتُ أن أكتب رسالةً أوضِّح فيها الكلام، وأُقرِّب المرام، وأحرص على تقرير الحجة على وجهٍ يشفي غليل المستفيد، وتخرجه إن شاء الله تعالى عن الحيرة والتقليد.
وهواي فيها إن شاء الله تعالى مع الحق، لا مع فرقة من الفرق، [ص ٢]
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "منهاج السنة": (٢/ ٢٢١ - ٢٢٣): "للناس في إطلاق لفظ (الجهة) ثلاثة أقوال، فطائفة تنفيها وطائفة تثبتها وطائفة تفصّل والمتبعون للسلف لا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا تبين أن ما أُثبت بها فهو ثابت وما نُفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صار لفظ (الجهة) في اصطلاحهم فيه إجمال وإبهام كغيرها من ألفاظهم الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي؛ ولهذا كان النفاة ينفون بها حقًّا وباطلًا، ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يُدخل فيها معنى باطلًا مخالفًا لقول السلف ولما دل عليه الكتاب والميزان. وذلك أن لفظ (الجهة) قد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله كان مخلوقًا، والله تعالى لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات، فإنه بائن من المخلوقات. وإن أريد بالجهة أمر عَدَمي، وهو ما فوق العالم فليس هناك إلا الله وحده ". وانظر "مجموع الفتاوى": (٣/ ٤١، ٥/ ٢٩٦ وما بعدها) و"درء التعارض": (٣/ ٢٩٥ وما بعدها).
[ 5 جـ / ٥ ]
وتقيُّدي فيها بالإسلام، ليس لأنه ديني ودين قومي، وإنما هو لاستيقاني بعد صِدْق النظر أنه الحق. وسترى إن شاء الله تعالى تصديقَ قولي هذا بقدر ما تَسَعه هذه العُجالة.
[ 5 جـ / ٦ ]
الأصل الأول (الإنسان يولد لا يعلم شيئا ثم يشرع في الإدراك بالحس والقياس)
مقدمات
الأولى: في أصول لا بد منها
الأصل الأول
من المعلوم أن الإنسان يولد لا يعلم شيئًا، وإنما معه الإحساس بالألم ونحوه، أعني بحيث إذا قُرِص ظَهَر إحساسُه بألم القَرْصَة. وهذا الإحساس يلزمه منذ نفخ الروح، وليس هو بِعلمٍ، ومعه إلهامٌ فطري، به يلتقم الثدي ويمتصُّه. وهذا مع وضوحه لا أحفظ فيه خلافًا، وقد قال الله ﷿: [﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾] [النحل: ٧٨] (^١).
ثم عَقِب الولادة يشرع في إدراك المحسوسات بحواسه، ثم يتدرَّج بطريق القياس.
تجري العادة بأن أمه إذا أرادت إرضاعه ترفعه من مَهْده، فإذا تكرر هذا أدرك بطريق القياس أنه إذا رفعته من مهده فإنها سترضعه، فتراه إذا مسَّه الجوع يبكي، فإذا أخذَتْه من مهده سكت، فإذا مضت هُنَيهةٌ ولم ترضعه عاد إلى بكائه. وهكذا تتربّى معلوماته بالإحساس والقياس، ويقوى القياس في نفسه بالتكرر، وذلك هو الاستقراء.
ثم بالإحساس والقياس ترتسم في نفسه القضايا الأولية، مثل أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الشيء أعظم من جزئه، ويرتسم في
_________________
(١) بيّض المؤلف للآية أملًا في إلحاقها، ورجّحت أنه أراد الآية التي أثبتُّها.
[ 5 جـ / ٧ ]
نفسه أن الحادث لا بد له من مُحْدِث.
والمقصود أنّه إنما يدرك بحسه أو بقياسه على ما أدركه بحسه. غاية الأمر: أن العقلَ يتصرَّف في المحسوسات والمقيسات، فيحكم فيها بأن هذا صواب جزمًا أو رُجْحانًا، وهذا خطأٌ كذلك، وهذا محتمل.
وهذه الحال تلازم الإنسان مدة حياته، إلا أنه كلما كبر وتعلَّم وتعقَّل وتفكر اتسعت دائرة معلوماته بكثرة الإحساس والتوسع في القياس وقوة العقل.
[ص ٣] فإذا كان معك في البيت إنسان، فإنك تدرك وجودَه برؤيتك له، أو بسماع صوته أو حِسّه، أو بلمسك له (^١)، أو شمك لرائحته.
وتُدْرِك أنه إنسان باستقرائك السابق أن ذلك الشكل، أو ذلك الصوت، أو ذلك الملمس أو الرائحة إنما يكون للإنسان.
وتدْرِك أنه فلانٌ باستقراء آخر، وهو أن ذلك الشكل والصوت والملمس والرائحة إنما يكون لفلان.
وقد تخرج من حُجرتك ولا تدع بها أحدًا ثم تعود إليها عن قُرْب، فتجد حادثًا قد حدث فيها، فتعلم بسابق استقرائك مع حكم عقلك أنه إنما حدث عن سبب، فإذا أحببت معرفة السبب نظرتَ في ذلك الحادث مستعينًا باستقرائك السابق، فقد تكون ورقةٌ خفيفةٌ قد تحولت عن موضعها، فتُجوِّز أن يكون السبب هو الريح. وقد يكون كتابٌ كان في موضع غير متمكِّن فيه، فترى أنه
_________________
(١) في الأصل: "أو بلمسك لك"، سبق قلم. والكلمة على الصواب في صياغات سابقة لهذه الفقرة ضرب عليها المؤلف.
[ 5 جـ / ٨ ]
سقط، وإذا فكرت رأيت أنه لعدم تمكُّنه، كان مِن مدّة بسبب ثقله وعدم تمكُّنه يميل إلى الجهة التي سقط منها قليلًا قليلًا حتى سقط في ذلك الوقت.
وإذا كان شيء معلّقًا بخيط ضعيف، فانقطع، وفكّرت، رأيتَ أن الخيط كان بسبب ثقل ما عَلِق به تَهِنُ قواه، وتتقطع شيئًا فشيئًا إلى أن انقطع.
وإذا كان إناء فيه طعام، وهو متمكِّن في موضعه، فجئتَ وقد سقط، ظننتَ أن فأرة أو هرة أو نحوهما وثبت إليه فأسقطته.
وإذا كان إناءُ طعام خفيف قد أُخِذَ من فوق مائدة، ووُضِع فوق مائدة أخرى بعيدة عنها، وكان في البيت أو جواره قِرْدٌ يمكن أن يكون دخل تلك الحجرة، جوَّزتَ أن يكون هو صنع ذلك.
وإذا كان صندوق ثقيل، كان موضوعًا بالأرض، فحُوِّل عن موضعه إلى موضع آخر، رأيتَ أن إنسانًا دخل فصنع ذلك، وتَعْلَم مع ذلك أن ذلك الإنسان حي له قدرة على مثل ذلك الفعل.
فإذا كانت عدة أشياء كانت في الحجرة قد حُوِّلت عن مواضعها ورُتِّبَت ترتيبًا أحسن وأتقن مما كانت= علمتَ أن ذلك الإنسان حكيم أيضًا إلى الحدِّ الذي يقتضيه ذلك الترتيب.
فإذا كانت الحجرة مُحكمة الإغلاق من داخل وأنتَ خرجتَ منها، ووقفت قريبًا من الباب، وتعلم أنه لا يمكن أن يكون دخلها إنسانٌ بعدك، ثم عدتَ إليها فوجدتَ الأمتعة قد حُوِّلت عن مواضعها ورُتِّبت ترتيبًا آخر أبْدَع وأتقن مما كان، فإنك تُجَوِّز أحدَ أمرين:
- إما أن إنسانًا له قدرة خارقة دخل إلى الحجرة من حيث لم تَجْرِ العادة بدخول الإنسان.
[ 5 جـ / ٩ ]
- وإما أن يكون [ص ٤] موجود حيٌّ عالمٌ قديرٌ حكيمٌ إلى ذلك الحد، خارجٌ عن نوع الإنسان، وعن سائر الأنواع التي شاهدْتَها قبل، ومع ذلك فإنما أدركتَ وجودَه بالقياس على وجود المحسوسات، وكذلك ما أدركته من صفاته، فتدبر.
* * * *
الأصل الثاني
العلم المُكْتسب من الخبر لا يتحصَّل إلا بمعونة الحسّ والقياس، فإن الخبر يتضمن حُكمًا ومَحكومًا به ومحكومًا عليه، فلا يستفيد السامع حتى يكون قد عرف المحكوم به والمحكوم عليه وصورة الحكم بحسٍّ أو قياس.
وأكثر الكلمات تتغير صورة المفهوم منها بتغيّر المنسوب إليه، فإذا قلت: "وجه زيد" تصوَّر السامع
_________________
(١) إذا كان يعرف زيدًا وجهه المخصوص. فإذا قلت: "وجه بكر" تصوَّر وجهًا آخر غير الأول. فإن قلت: "وجه رجل" تصور القَدْر المشترك بين وجوه الرجال. فإن قلت: "وجه إنسان" ازداد الاشتراك. فإن قلت: "وجه حِصان" تصوَّر شيئًا آخر، وهكذا: "وجه جمل"، "وجه صقر"، "وجه حيوان"، "وجه الدار"، و"وجه المسجد"، و"وجه الشهر"، و"وجه الأمر". وإذا قلت: "وجه ضيغم"، وصاحبك لا يدري ما الضيغم، لم يستطع أن يُثبت في ذهنه صورةً ما. فإن قلتَ له: الضيغم شيء حيٌّ مما على الأرض، قَرُب أن يتصوَّر صورة مبهمة مشتركة بين الإنسان والفيل والبعوضة وغيرها، وهو مع ذلك لا يستطيع أن يثبتها.
[ 5 جـ / ١٠ ]
وإذا قلت: "وجه جِنّي، أو مَلَك" لم يستطع أن يثبت في نفسه صورة؛ لأنه لم يحس بملك أو جني، ولا بما يعلم مشابهته له في الشكل ولو في الجملة، إلا أن وهمه ينازعه إلى صورة الإنسان، إذا كان قد علم أن الملائكة والجن كالناس في أنهم عِبادٌ أحياء عقلاء. ولكن عقله يدفع ذلك بأن الملائكة والجن وإن شاركوا الناس في تلك (^١) الصفات وغيرها فليسوا من جنس الناس، والمشاركة في بعض الصفات لا يستلزم المشاركة في كل شيء، كيف وقد عَلِم المفارقة في أصل الجنس؟ !
فإن أخبره صادقٌ بأن للملَك أجنحة، فله أحوال:
الأولى: أن يكون يرى أن للملك ذاتًا مُشَخَّصة تقابل ما يسمَّى للحيوان الأرضي: جسمًا، فهذا يقع في وهمه أولًا أنها كأجنحة الطير المعروفة، ثم يدفع هذا [ص ٥] بما سمعه من صفات الملائكة: أنهم عِباد عُقلاء عُلْويون مقرَّبون إلى ربّ العالمين، أولو قدرة عظيمة، وغير ذلك، فيعلم أنهم ليسوا من جنس الطير المعروفة، فلعله إنما يستقرّ في ذهنه أنَّ للملك أطرافًا من ذاته لو رآها إنسان لأطلق عليها: أجنحة.
الثانية: أن يكون يرى أن الملَكَ ذاتٌ مجردة عن المادة ألبتة، كما تقوله المتفلسفة؛ فإنه يتردد ويتحَيَّر، وأقصى ما عنده أن يتأوَّل الأجنحة على القُدْرة، أو نحو ذلك من التأويلات.
الثالثة: أن يكون خالي الذهن عن التجسد والتجرد، وهذا إذا سمع الصفات التي إنما عرفها للأجسام يقع له ما يقع للأول.
_________________
(١) الأصل: "بعض تلك" وعلى "بعض" آثار شطب، ورجحتُ أنه ضرب عليها، ثم أضاف "وغيرها".
[ 5 جـ / ١١ ]
الأصل الثالث
كما أن العقل محتاج إلى الحِسّ والقياس في حُكْمه بالإثبات، فكذلك هو محتاج إليهما في حكمه بالنفي، سواءً أصاب أم أخطأ.
أما الحس؛ فظاهر، كأن تكون بصيرًا، فتحكم بأنه ليس معك في حجرتك إنسانٌ آخر.
وأما القياس؛ فكما تحكم أن تسع بيضات لا تمكن قسمتها ــ وهي سالمة ــ إلى قسمين متساويين في العدد، وكما يُكذِّب أناس بوجود الشياطين معهم، وكما يكذِّب كثير من الناس بخوارق العادات، وكما قد تكذِّب من يقول لك: وُلد لي ولد له ثلاث أعين.
* * * *
الأصل الرابع: الأغلاط
أما أغلاط الحواسّ؛ فمنها رؤية الجسم البعيد صغيرًا، ورؤية من يغمز إحدى عينيه الشيءَ شيئين، وغير ذلك مما تراه في كتاب "المواقف" (^١)، وغيره.
وأما أغلاط القياس؛ فمنها أنك إذا جئت بإنسان لم تسبق له معرفة بالمذياع، فأوقفته خارج حُجرة فيها مِذْياع، ثم دخلتَ وفتحتَ المذياع، وعدت إلى صاحبك، فإنه إذا سمع المذياع حكم بأن في الحُجْرة إنسانًا يتكلّم، وأمثال هذا كثيرة.
_________________
(١) (١/ ٨٨ - ٩٢) للإيجي. وانظر "بغية المرتاد": (ص ٢٦٧)، و"مجموع الفتاوى": (٤/ ٣٠، ١٣/ ٧٦).
[ 5 جـ / ١٢ ]
وقال الله ﷿: ﴿ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩].
وقال سبحانه: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤].
واعلم أن الأغلاط في النفي أكثر منها في الإثبات؛ وذلك لكثرة اعتماد الإنسان في الحكم بالنفي على استقرائه [ص ٦] الناقص، فلو لم يَثبُت عندك قطعًا تفاوتُ الناس في الإبصار لكنت إذا تراءيت الهلال أنت وآخرون فادَّعوا رؤية الهلال وأنت لا تراه تُكذِّبهم. وقِسْ على هذا سائر الحواس.
ولهذا تجدنا نكذِّب ما يُحْكى عن زَرْقاء اليمامة (^١)، ونكاد نكذِّب ما يحكيه أهلُ التجارب من قوة شمِّ الكلب، وكذلك يكذِّب كثيرٌ من الناس كثيرًا مما يُحكى من الغرائب الطبيعية.
وكثيرٌ مما اكتشفه الناس كالكهرباء والراديو وغيرها لو حُكي لهم لوازمه قبل أن يُكْتَشَف لقطعوا باستحالتها. وهذه الاكتشافات اضطرت علماء الطبيعة إلى أن يجزموا أنه لا يزال في خبايا الكون أشياء لا تخطر لأحد على بال، سيرى الناس بعد اكتشافها كثيرًا مما يقطعون الآن باستحالته.
هذا مع أن أرضنا هذه نقطة صغيرة من العالم، ولا نشكّ أنَّ فيه ما هو أرقى منها، وأن هناك ما ليس هاهنا، ولا يجد العقلُ مانعًا من أن يكون هنا وهناك حقائق لا تُدْرَك بحواسنا هذه، وإنما تُدرك بحواسّ أخرى، وقد صرَّح
_________________
(١) امرأة من جديس، قيل: إنها كانت تنظر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، وتبصر الشعرة البيضاء في اللبن .. انظر "ثمار القلوب": (١/ ٤٦٥ - ٤٦٧)، و"حياة الحيوان": (٤/ ٢٤١)، و"الأعلام": (٣/ ٤٤).
[ 5 جـ / ١٣ ]
بذلك المتفلسفون (^١) من القدماء والعصريين (^٢). قال بعض العصريين: إن للنحل حاسة سادسة (^٣).
وليس هناك ما يحصر الحواسّ الممكنة في الخمس، ولا في ست، ولا سبع، ولا أكثر.
وهذا الحَبّ والنوى لو لم يتضح لنا بالحس والقياس والتواتر اتضاحًا قاطعًا أن الحبة والنواة تبقى سنين، ثم إذا وُضِعَت في الطين نبت منها مثل أصلها، ثم كبر، ثم أثمر مثل ذلك الثمر الأول، وهكذا أبدًا = لقطعنا باستحالته.
وكذلك توالد الحيوان وما فيه من العجائب، لو أخذتَ بيض حمام، فولَّدته توليدًا صناعيًّا، بوضعه في التبن ونحوه في حرارة معتدلة، فلما خرجت الفراخ ربيتها بدون أن تخالط غيرها من الحمام، ثم أخذت منها ذكرًا وأنثى، وعزلتهما في موضع = لوجدتهما بعد أن يكبرا ويتسافدا يشرعان في جمع القَشّ، واتخاذ موضع صالح لوضع البيض فيه وحضنه (^٤).
فمن أعْلَمَهما أن السِّفاد سبب للتوالد؟ ومن أعلمهما أن الأنثى ستضع بيضًا يحتاج أن يُحْضَن؟ وقس على ذلك.
_________________
(١) غير واضحة في الأصل، وهكذا قرأتها.
(٢) هذا من حيث التجويز العقلي لا مانع منه. وانظر ما ذكره الإمام ابن القيم من حِكْمة جعل الحواس خمسًا في مقابلة المحسوسات الخمس، وأنه لو كان هناك ما يُحسّ بغيرها لجعل له حاسة سادسة. "مفتاح دار السعادة": (٢/ ٢٠٣).
(٣) انظر في عجيب أمرها وحكمة خلقها: "مفتاح دار السعادة": (٢/ ١٦٥ - ١٦٩)، و"حياة الحيوان الكبرى": (٤/ ٢٩ - ٥٢).
(٤) ذكر المصنف نحو هذا المثال في "التنكيل ــ القائد": (٢/ ٣٢٧).
[ 5 جـ / ١٤ ]
وطالع ما قاله علماء الحيوان في النحل والنمل (^١).
* * * *
الأصل الخامس
المقصود من وضع اللغات هو تسهيل سبيل التفاهم بين الأفراد ليتعاونوا على تحصيل معرفة ما يحتاجون إلى معرفته، فإن حسَّ الإنسان وقياسه بدون معونة غيره لا يكاد يكفيه، لما يحفظ به حياته.
والإشارة محدودة الفائدة؛ إذ من المعلومات ما لا يُمكن إفهامها بمجرد الإشارة، ومنها ما يمكن على وجه إجمالي مشتبه، ومنها ما يمكن تحديده ولكن بعد تعب وعناء وصرف وقت طويل، وأما ما عدا ذلك فهو قليل.
وجَرِّب ذلك بأن تدخل بلدًا لا تعرف لسانهم، ولا يعرفون لسانك، فانظر ما يكون حالك قبل أن تعرف كلماتٍ من لغتهم، على أنك في هذه التجربة [ص ٧] أحسن حالًا منك لو فرضت أنه لم توضع للناس لغة أصلًا.
هذا، ولا يخفى أن فائدة التعاون إنما تحصل إذا كان المخبر حريصًا على إفهام المخاطَب ما هو الواقع، فإذا كلَّمْت رجلًا بكلام ترى أنَّ من شأن ذلك الكلام بحسب قانون تلك اللغة مع حال المخاطب أنه إذا سمعه فهم منه معنى، فذلك المعنى إن كان مطابقًا للواقع في اعتقادك؛ فقد تحرَّيت الصدق، وأتيت بالكلام فيما هو المقصود منه، وإن كان غير مطابق للواقع في اعتقادك،
_________________
(١) سبقت الإشارة إلى الكلام في النحل. وفي النمل انظر "مفتاح دار السعادة": (٢/ ١٥٠ - ١٥٢)، و"حياة الحيوان": (٤/ ١٠٥ - ١١٩).
[ 5 جـ / ١٥ ]
بمعنى أنك لا تعتقد مطابقته للواقع، بل تعلم أو تظن مخالفته له أو تشك؛ فقد تحرَّيت الكذب، [وأتيت] (^١) بالكلام فيما هو نقيض المقصود منه.
ولا شكَّ أن قانون العربية [أن يكون] الكلام على ظاهره المفهوم منه، مع ما يكون هناك من القرائن التي [إن لم] يلاحظها المخاطَب كان مقصِّرًا.
فإذا كنت مع رفيق لك في الهند مثلًا، وأهلكما في اليمن، ثم رجعت إلى وطنك، فسألك أهل رفيقك عنه فقلت لهم: قُتِلَ، قَتَلَه فلان، فهاهنا عدة أحوال:
الأولى: أن تكون شَهِدْته قد (^٢) قَتَلَه فلانٌ القَتْلَ الحقيقي.
الثانية: أن تكون شَهِدْته قد جرحه فلان، فأغمي عليه، وقال من عنده: إنه مات، وسافرتَ عَقِبَ ذلك، ولا ترى إلا أنه مات الموتَ الحقيقي.
الثالثة: أن تكون علمت بالجرح، ثم أخبرك من تثق به أنه مات.
الرابعة: أن يكون رفيقك رجع معك وهو حاضر المجلس، وقد عرف أهله ذلك، ولكنهم سألوك عما كان حاله في الهند، فقلت: قتله فلان، وأردت أنه خَدَعه في معاملته، أو نحو ذلك مما يُتجوَّز عنه بالقتل.
الخامسة: أن يكون رفيقك باقيًا بالهند، وسئلت عنه، فقلت: قُتِل في الهند قَتَله فلان، وسمَّيتَ رجلًا يعرفون أنه لم يزل عندهم، وأردتَ أنه كَتَبَ إليه بكتابٍ أشار عليه فيه بما ضره ونقصه، فكأنه قتله، أو نحو ذلك مما يُتجوَّز عنه بالقتل.
_________________
(١) تفشَّى الحبرفي هذا الموضع، فطمس الكلمات التي وضعناها بين المعكوفات في هذه الأسطر الثلاثة.
(٢) عليها أثر الضرب، لكن الظاهر أنها ثابتة، والضرب إنما امتدّ إليها من السطر الآخر.
[ 5 جـ / ١٦ ]
[ص ٨] السادسة: أن تكون علمتَ بأن فلانًا جرحه، وظننت أن ذلك الجرح قاتل، وسافرت قبل أن تعلم بالموت، أو أخبرك به من لا يوثق به.
السابعة: أن يكون صاحبهم لم يرجع من الهند، وكذلك فلان، وقلت لهم: إنه قُتِل، قَتَلَه فلان، ولم تتأول شيئًا.
الثامنة: مثل السابعة، إلا أنك تأولت، أردت: خَدَعَه، أو نحو ذلك مما يُتجوَّز عنه بالقتل، زاعمًا أنه يكفي قرينة صارفة عن الظاهر: أن صاحبهم موجود على الأرض حيّ يُرْزَق، أو أن فلانًا سافر إلى أمريكا قبل التاريخ الذي زعمتَ أنه قَتَل صاحبهم فيه، ويستحيل رجوعه إلى الهند في تلك المدة، وهم لا يعلمون بذلك، أو أنه قد علم الله تعالى أن صاحبهم لا يُقْتل في الوقت الذي أخبرتهم بأنه قُتِل فيه، ويستحيل أن يقع خلاف ما سبق في علم الله، أو نحو ذلك من الأمور التي تنافي القتل، ولكنهم لا يعلمونها.
ومن ذلك: أن يكون صاحبهم رجع مستخفيًا وهو موجود في المجلس بحيث لا يرونه، أو يكون عندك في بيتك، وجاءك أبوه وهو ضعيف البصر، فأدخلته إلى المكان الذي فيه ابنه ولم تخبره به، بل جلس بحيث لو كان صحيح البصر لرآه.
فأما الصورة الأولى فهي الصدق المَحْض، إلا أنه في هذا المثال قد يحرم عليك إخبارهم إذا خشيت أن يَعْدوا فيقتلوا بعض أقارب القاتل.
وأما الثانية فالظاهر أنه لا يلزمه قبح الكذب وإثمه، ولكن كان الأحوط أن تُفصِّل، فتَحْكي الواقعة كما هي لمكان الاحتمال وإن كان بعيدًا، ولا فرق في هذه بين أن يكون مات أو لم يمت، كأن يكون أفاق بعدك ولم يبلغك ذلك.
[ 5 جـ / ١٧ ]
وأما الثالثة فهي قريب من الثانية، إلا أن الملامة لك ألزم، إذ كان ينبغي لك أن لا تصرِّح بالقتل، بل تشرح الواقعة كما كانت، ولا فرق في هذه ــ أيضًا ــ أن يكون مات أو لا.
وأما الرابعة فلا قُبْح فيها ولا إثم بالنظر إلى القتل؛ لأن صاحبهم حيّ أمامَ أعينهم، فكيف يتوهَّمون أنه قتل؟ !
وكذلك الخامسة؛ فإنهم يعلمون أن فلانًا لم يزل عندهم، فكيف يتوهمون أنه مع ذلك قَتَل صاحبهم بالهند؟ !
وأما السادسة فالقبح والإثم لازم لك؛ إذ لستَ بجازم في نفسك بأنه مات، فكيف تجزم بالقتل؟ وإنما سبيلك أن تقصّ عليهم الواقعة كما كانت، ولا فرق في هذه بين أن يكون مات أو لا.
وأما السابعة فتحرِّيك الكذب ولزوم قبحه وإثمه لك ظاهر، سواءً أكنت تعلم بعدم القتل أو لا تعلم قتلًا ولا عدمه، وسواءً اتّفق أن كان في نفس الأمر أنه قتله أو لا؛ إذ المدار على جرأتك على الكذب وهي ثابتة على كل حال.
[ص ٩] وأما الثامنة فهي كالسابقة (^١)، فإن تأويلك في نفسك لا يغير من صورة الخبر ولا من فهم السامع شيئًا، وكذلك المنافيات التي لا يعلمها السامع لا تُغِّير من فهمه شيئًا.
والقرينة التي اشترطها العلماء لصحَّة التجوُّز المرادُ بها ما يقترن بالخبر مما يَشعُر به السامعُ ليصرفه عن فهم ما لم يقصد. ومجرّد تأول المخبِر في
_________________
(١) تحتمل: "كالسابعة".
[ 5 جـ / ١٨ ]
فصل (في كذبات إبراهيم ﵇ الثلاثة)
نفسه ووجود منافٍ لا يَشعُر به المخاطَب لا يغير من المفسدة التي لأجلها قَبُح الكذب وحُرِّم شيئًا.
ألا ترى أنهم في الصورة الثامنة يفهمون مثل ما فهموه في السابعة، وتنبني على ذلك نفس المفاسد التي تنبني في الثامنة؛ كحزنهم وأسفهم واحتمال أن يبادروا فيقتلوا فلانًا أو بعض أقاربه، ثم يتسلسل القتل للأبرياء. وأن تموتَ أنتَ فُجاءَة، ولا يصل خبرٌ يخالف خبرك، فيقتسمون تَرِكَة صاحبهم، ويزوّجون نساءه، وغير ذلك.
* * * *
فصل
الكذب في نفسه قبيح محرَّم، فإذا ترتبت عليه مفسدة كان أشدَّ قبحًا وإثمًا، ولا يخلو عن مفاسد تترتب عليه. ولا يُعْهَد في الشرع ولا العرف الترخيص في شيء منه، إلا إذا كان فيه دفع لمفسدة لا تندفع إلا به، وظهر أنه لا يترتب عليه مفسدة أعظم منها.
[ص ١٠] ولكن مثل هذا إن جاز لعامة الناس فلا أراه يجوز للأنبياء بعد النبوة؛ لأن مبنى الرسالة على الصدق المحض.
فإن قيل: فقد ثبت في "الصحيح" (^١): "لم يكذب إبراهيم ــ ﵇ ــ إلا ثلاث كذبات" (^٢).
_________________
(١) البخاري رقم (٣٣٥٧)، ومسلم رقم (٢٣٧١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر كلام المصنف على هذا الحديث، والقول في تخريج كلمات إبراهيم في "التنكيل ــ القائد إلى تصحيح العقائد": (٢/ ٣٩٠ - ٣٩٨).
[ 5 جـ / ١٩ ]
قلت: كلمات إبراهيم ــ ﵇ ــ تجمع أمورًا:
الأول: التورية القريبة.
الثاني: أنه كان في حاله ما يدعو إلى أن يُظَنّ أنه وَرَّى، وهذا شبه قرينة، وذلك كقوله لما سُئل (^١) عن امرأته: "هي أختي"، وأراد الأخوَّة في الدين. فإنه كان من عادة الجبار: الذي دخل بلاده أنه إذا سمع بامرأة جميلة لها زوج بدأ بقتل زوجها، ومن البيِّن أنّ الزوج إذا سُئل عن امرأته في مثل تلك الحال يحرص على تخليص نفسه من القتل، فإذا كان ممن لا يستحلّ صريحَ الكذب وَرَّى.
فتلك شِبْه قرينة تصرف عن الظاهر، ونحو هذا يأتي في الكلمتين الأخريين.
الأمر الثالث: أنه إنما بتلك (^٢) الكلمات يدفع مفاسد عظيمة، ولهذا قال النبي ﵌: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كُلُّهنّ في ذات الله".
وأقربها إلى حظ النفس قوله: "هي أختي"، ولم يقلها لمجرد حظ نفسه، بل حرص على بقائه حيًّا ليدعو إلى الله ﷿، ودفع بها ظلم القتل عن أولئك القوم.
ولا أستبعد أن تكون تلك الكلمات وقعت منه ــ ﵇ ــ قبل النبوة، ويدل على ذلك قول الله ﷿ فيما حكاه عن قومه بعد تكسير
_________________
(١) في الأصل: "سأل" وسيأتي على الصواب في أول الصفحة التالية.
(٢) غير محررة في الأصل وهكذا استظهرتها.
[ 5 جـ / ٢٠ ]
أصنامهم: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، والفتى: الشاب (^١)، والغالب أن النبوة تكون بعد الأربعين. وعلى ذلك أدلة أخرى من كيفية محاورته مع قومه، فكأنه ــ ﵇ ــ أدرك التوحيد بصفاء فطرته وذكاء قريحته.
ومع هذا كله فإن النبي ﵌ سماها: "كذبات"، وبيَّن أنه لم يقع من إبراهيم مما يطلق عليه الكذب غيرها.
وثبت في "الصحيح" (^٢) أن إبراهيم ــ ﵇ ــ يعتذر عن الشفاعة يوم القيامة بهذه الكلمات، فيعدُّها يومئذٍ خطايا، كما يعتذر آدم بأكله من الشجرة، ويعتذر موسى بقتله نفسًا، وهذا مما يوضِّح شدة بُعدِ الأنبياء عن الكذب، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
* * * *
_________________
(١) انظر "لسان العرب": (١٥/ ١٤٥) ويطلق الشابّ على القويّ المكتمل، وعلى الحَدَث السنّ، وسياق الآية يدل أنهم أرادوا الغضّ منه وتصغيره، فكأنهم أرادوا المعنى الثاني. وانظر "منهاج السنة": (٥/ ٧٠). لكن أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن المنذر ــ كما في (الدر المنثور: ٤/ ٣٩٠) ــ عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيًّا إلا وهو شاب، وقرأ هذه الآية وغيرها.
(٢) في حديث الشفاعة الطويل عند البخاري رقم (٤٧١٢)، ومسلم رقم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ 5 جـ / ٢١ ]
[ص ١١] المقدمة الثانية: في التقليد والتحقيق
ينبغي لطالب الحق من المسلمين أن يختبر نفسَه قبل البحث، ويسألها: التقليدَ تريد أم التحقيق؟
فإن كانت تريد التقليد؛ فأولى من قُلِّد في العقائد كتاب الله وسنة رسوله، فإن لم يكن أهلًا للنظر فيهما، فليبذل جهده في تحصيل التأهُّل.
وإن كان يريد التحقيق؛ فالتحقيق في الكتاب والسنة أيضًا، فإنه لا أعلم بالله ــ ﷿ ــ من نفسه، ثم من رسوله.
فإن أبى إلا النظر في آراء المتكلمين والمتفلسفين، معتذرًا بأن كلامهم قد اختلط بالكتب العلمية على اختلاف أنواعها من تفسير، وشروح حديث، وتراجم رجال، وفقه وأصوله، وعلوم اللغة. وتلك العلوم لا بدّ منها لطالب العلم، ولا يجدها إلا في تلك الكتب التي قد خُلِط بها الكلام والفسلفة، فليجعل نُصْب عينه أنه إنما يريد التحقيق، وأن غاية التحقيق في الكتاب والسنة، وأنه إنما يريد بالنظر في الكتب التوصُّلَ إلى الكتاب والسنة.
ثم ليحذر من تقليد المتكلمين والمتفلسفين، وليضع كلَّ أصلٍ يؤصِّلونه على أنه دعوى لا يقبلها بمجرد الاغترار بكثرة المدَّعين وجلالتهم في صدور الناس، وما اشتهروا به من علم ودقة نظر، وما يكررونه مِنْ زَعْمِ: أن بدائه العقول دالة عليها، وأنها قامت عليها البراهين القطعية، وأنه لا يخالفها إلا بليد أو معاند، أو غير ذلك (^١).
_________________
(١) بعد هذا ذكر المؤلف فصلًا في أسلحة الفلاسفة التي بها يصولون، وكانت سببًا في ضلال كثير من الناس، وهي اثنا عشر سلاحًا، ولكنه ضرب عليه ربما لتكون في =
[ 5 جـ / ٢٢ ]
فصل: أسلحة المتفلسفة التي بها اضطروا الناس إلى تقليدهم (حاشية)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مكان أنسب من هذا، فرأينا إثباته في الحاشية للفائدة وهذا هو: فصل اعلم أن للمتفلسفة وأتباعهم وأشياعهم أسلحة بها يصولون، وبها اضطروا أكثر الناس إلى تقليدهم، حتى كثيرًا من أكابر العلماء، فلنكشف لك عن حقيقتها بعون الله. السلاح الأول: دعوى أوائلهم تصريحًا وكثيرٍ [الأصل: كثيرًا] ممن بعدهم تعريضًا أنهم غير متقيدين بهوى ولا دين وإنما غرضهم الحق من حيث هو. السلاح الثاني: براعتهم في الطبيعيات والرياضيات، فيتوهم الإنسان أنهم كما فاقوا في ذلك وأدركوا حقائق لا ريب فيها، وأبانوا عن لطف نظر ودقة إدراك، فكذلك ينبغي أن يكونوا في الإلهيات. وإذا تمكن هذا الأمر من نفسه صار يأخذ أقوالهم في الإلهيات قضايا مسلّمة، كما يفعل مثل ذلك في أقوالهم في الطبيعيات والرياضيات. السلاح الثالث: استدلالهم في الإلهيات بقضايا طبيعية أو رياضية، وأكثر الناظرين لا يتقن الطبيعيات والرياضيات ولا يتنبّه للمغالطات فيها، فيضطر إلى أخذ قضاياها مسلّمة، أو قل: إلى أن يقلدهم فيها، ويجرّه ذلك إلى أن يقلدهم فيما زعموا من الدلالة. [ص ١٢] السلاح الرابع: تهويلهم في شأن المنطق، وأنه لا يوثق بعلم من لا يعرفه ولا يفهمه ولا يعقله. السلاح الخامس: أنهم يقررون قضايا خاصة كإبطال الدور وإبطال التسلسل وما يسمونه برهان التطبيق وغير ذلك، فمنها ما هو باطل في نفسه ولكنهم يدعون أنه برهان قطعي وأنه بديهي ويكثرون من إيراد الشُّبه عليه، فيكثر أن يوافقهم الناظر عليه ثم يحتجون به في مسائل أخرى، ومنها ما هو حق في نفسه في أمر خاصّ يمثلون به عند الاحتجاج على حقيقة تلك القضية في مواضع غير ما هي حق فيه، فيأخذها الناظر على أنها برهان قد سبق منه أن أدرك بنظره أنه حق ولا يتنبه للفرق. السلاح السادس: البراعة في وضع الأسماء، فيختارون للمعاني التي يريدون إثباتها أسماء مقبولة، وللتي يريدون نفيها أسماء منفّرة، وكذلك يسمون أنفسهم بأسماء =
[ 5 جـ / ٢٣ ]
فصل (أصناف الخائضين في العقائد)
[ص ١٣] فصل
اعلم أن الخائضين في العقائد فرق:
الفرقة الأولى: أهل الآثار المقتصرون على ما جاء في الكتاب والسنة، مستشهدين بما تقتضيه بدائه العقول وما يقرب منها في الوضوح.
الثانية: فلاسفة اليونان.
_________________
(١) = مقبولة ومخالفيهم بأسماء مكروهة. السلاح السابع: تعريفهم بعض الأشياء تعريفات أوسع من مفهوماتها اللغوية أو أضيق، وبذلك تسهل لهم المغالطة في تلك الأسماء. السلاح الثامن: أنهم يقدمون بيان أغلاط الحسّ والقياس والوهم، ثم يعمدون إلى ما يريدون تقسيمه من الأمور التي يرى الإنسان أنها ضرورية فيدّعون أنها وهمية أي من جملة الأغلاط. وإلى مايريدون إثباته فيحتجون بالضرورة ولا يتعرضون لاحتمال الغلط، فإذا أُجيبوا بمثل جوابهم فيما نفوه قالوا (الأصل: قالوه): هذه سفسطة أو مكابرة. السلاح التاسع: تدقيق الكلام وتكثير الأقسام وحشد الشبهات على ما قال أوحد الزمان "فقالوا لهم إن هذه " المعتبر ج ٣ ص ٣٤. السلاح العاشر: قد علموا أن أعزّ شيء على المتدينين دينهم، فيأتونهم من طريقه فيقولون لهم: لو صحّ ما تقولونه لزم أن يكون الخالق محدثًا، أو أن يكون معدومًا، أو نحو ذلك من الأوصاف المنافية للدين. هذا من أنفذ أسلحتهم، فإن المتديّن إذا سمع مثل هذا اضطرب ومُلئ رُعبًا ونفرت نفسه عن ذلك القول. وربما تمتنع من تدقيق النظر خوفًا أن يجرها ذلك إلى الكفر. السلاح الحادي عشر: زعمهم أن الكلام لا يمكن أن يعلم منه قطعًا أن المتكلم أراد كذا. [ص ١٣] السلاح الثاني عشر: سعيهم في تفخيم شأن متبوعيهم ومن يوافقهم، وتعظيم كتبهم، وإطلاق الألقاب الضخمة عليهم.
[ 5 جـ / ٢٤ ]
الثالثة: قدماء المتكلمين من المسلمين.
الرابعة: المتفلسفون من المسلمين الذين يقلدون فلاسفة اليونان، ثم يقابلون بين عقائدهم وبين الإسلام.
الخامسة: الجامعون بين الكلام والفلسفة.
السادسة: المتصوفة.
السابعة: أهل الفلسفة العصرية.
فأما أهل الآثار؛ فقد يقع لهم الخطأ بالاستشهاد بحديث لم يثبت، أو بفهم من آية أو حديث ثابت، فيخطئون في فهمه، أو بالاستشهاد بأثرٍ عن بعض الصحابة أو التابعين قد يكون مما أُخِذَ عن أهل الكتاب (^١).
_________________
(١) الثناء على أهل الحديث والآثار كثير على لسان السلف وأئمة العلم والإيمان، وقد يقع من بعضهم الخطأ والغلط كما ذكر المؤلف وغيره لكنهم لا يجتمعون عليه كما هو شأن بقية الفرق، وخطؤهم قليل إذا قورن بخطأ غيرهم، وانظر "القواعد الحديثية من منهاج السنة": (ص ٢٥ - ٣٥) لراقمه. وسأنقل عبارتين جامعتين لشيخ الإسلام في الثناء عليهم، قال في "مجموع الفتاوى": (٣/ ٣٤٧): "أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها واتباعًا لها تصديقًا وعملًا وحبًّا وموالاة لمن والاها ومعاداة لمن عاداها، الذين يردّون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه". وقال في "منهاج السنة": (٥/ ١٦٦): "لم يجتمع قط أهل الحديث على خلاف قوله في كلمة واحدة، والحق لا يخرج عنهم قط، وكل ما اجتمعوا عليه فهو مما جاء به الرسول، وكل من خالفهم من خارجي ورافضي ومعتزلي وجهمي وغيرهم من أهل البدع فإنما يخالف رسول الله ﷺ، بل من خالف مذاهبهم في الشرائع العملية كان مخالفًا للسنة الثابتة. وكل من هؤلاء يوافقهم فيما خالف فيه الآخر، فأهل الأهواء معهم بمنزلة أهل الملل مع المسلمين، فإن أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل". وانظر "المجموع": (٤/ ١ - ١٩٣).
[ 5 جـ / ٢٥ ]
وأما فلاسفة اليونان ونحوهم؛ فالذي يستهوي النفوس لتقليدهم هو الوقوف على كثرة صوابهم في الطبيعيات والرياضيات، وما اشتهر من أنهم لم يكونوا متقيدين بهوى ولا دين، وإنما كانت نهمتهم تحقيق الحق.
فعليك أن تعرف أن كثرة إصابتهم في الطبيعيات والرياضيات إنما هو لأنها في متناول الإنسان؛ لأنها مما يهدي إليه الحس والقياس.
فأما الإلهيات فإنما يتناول القياس منها طرفًا إجماليًّا، ويعجز عن التفصيل إثباتًا ونفيًا، فإن غَلَبْته شهوة الاطلاع، فخاض في ذلك، فإنما جَهْدُه (^١) أن يقيس الغائب على الشاهد مع أنه ليس من جنسه، ويعمل باستقرائه الناقص، ويجحد ما لم يعرف له نظيرًا، وكلُّ ذلك غلط. وربما أوداه التوغُّل في ذلك، فيرجع فينقض ما يمكن إدراكه من الطرف الإجمالي.
ذكر صاحب "المُعْتبر" (^٢) البرهانَ على شمول علم الله ﷿
_________________
(١) غير واضحة في الأصل، ولعلها ما أثبته.
(٢) وهو في علم المنطق، لأبي البركات هبة الله بن مَلْكا البغدادي ت (٥٤٧). ترجمته في "إخبار العلماء بأخبار الحكماء": (٢/ ٤٦٠) للقفطي، وانظر ثناءه على هذا الكتاب في "وفيات الأعيان": (٦/ ٧٤). واختلف في اسم جده هل هو ملكا، أو ملكان بالنون. انظر "الأعلام": (٨/ ٧٤) للزركلي.
[ 5 جـ / ٢٦ ]
للكليات والجزئيات، وذكر شبهة النافين، وأنها ارتيابهم في الكيفية، ثم قال: "وصناعة النظر تأمر المتأمل بأنه إذا حقق أصلًا، وتيقَّن معلومًا، حصَّله بنظره، وحازه إلى سوابق علمه، وتأمَّلَ نسبته إلى ما هو مجهول حتى يكتسبه ويحصِّله بذلك المعلوم السابق، فإن قدر على كسبه فذاك، وإلا ثبت في علمه على معلومه، وترك المجهول في مُهْلة الطَّلَب، فأما إنْ نَقَضَ المعلومَ بالمجهول، وردَّ الحاصلَ بالمطلوب، فإنه لا يثبت له علم، ولا يصح له معنى في معلوم أبدًا، ويكون كمن ينقض الأساس لبناء الجدار، فلا يبقى الأساس ولا الجدار". (المعتبر ٣/ ٩٥).
وإذا كان الأمر كذلك فهذا كله خبط عشواء، وخوض على غير هدى، فكيف يتوهَّم من كثرة إصابتهم في الطبيعيات والرياضيات أن يكون حالهم في هذا كذلك؟ !
على أنه قد كثر خطؤهم في الطبيعيات أيضًا، على ما هو معروف فيما يرده عليهم علماء الإفرنج الذين تيسَّر لهم أن يعرفوا من الطبيعيات أكثر مما عرفه اليونان.
وأما قدماء المتكلمين فلا يُعْلَم في عهد التابعين منهم إلا طائفتان:
الأولى: كان كلامها قاصرًا على القَدَر والوعيد.
الثانية: أفراد حُكِيَ عنهم الكلام في الصفات، فأولهم
_________________
(١) فيما أعلم الجَعْد بن درهم قتله خالد القَسْري يوم النحر، بدأ فصلى بالناس، وخطب، ثم قال: [ارجعوا فضحّوا تقبل الله منكم، فإني مضحٍّ بالجَعْد ابن دِرهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله علوًّا كبيرًا
[ 5 جـ / ٢٧ ]
عما يقول الجَعْد بن درهم، ثم نزل فذبحه] (^١).
ثم تلاه الجَهْم بن صفوان، وقد رُوِي أن الجهم كان يأخذ الكلام عن الجعد، ذكر ذلك البخاري في "تاريخه" (^٢). وللجهم آراء مشهورة، وعارضه مقاتل بن سليمان، فخالفه في آرائه، وتبع كلًا منهما طائفةٌ، ثم كثرت الزندقة في عهد المهدي العباسي، وأخذت تلتبس بالكلام، فتتبع المهدي من عُرف بالزندقة البحتة، وبقيت بقايا.
وفي زمن الرشيد استولى الأعاجم على تدبير الحكومة، وخلا الجوّ للناس، فكثر فيهم الكلام؛ منهم من هو زنديق في نفس الأمر، ومنهم من عُرِف بالكلام ومزج به شيئًا من شبهات الزنادقة.
وبالجملة فكان الكلام في ذلك العصر مباراة بين المتكلمين في الأسواق والمجامع، لا غرض لكلٍّ منهم إلا أن يظهر أنه غلب، وكان الأمراء والأغنياء يعقدون المجالس للمتكلمين، لا لطلَبِ حقٍّ ولا نصرته، بل على سبيل التفكُّه.
وكان أئمة المسلمين ينهون عن ذلك، ويبالغون في الزجر عنه، كما هو معروف في محله.
وفي هذا العصر بدأت فلسفة اليونان تنتشر بين المسلمين، ويتلقَّفها
_________________
(١) بيّض المؤلف لكلام القسري، وقد سقته من المصادر. وأخرج القصة البخاري في "خلق أفعال العباد" (٣)، و"التاريخ الكبير": (١/ ٦٤) والدارمي في "الرد على الجهمية" (٧)، وغيرهم.
(٢) "الكبير": (١/ ٦٤).
[ 5 جـ / ٢٨ ]
المتكلمون، ويخوضون فيها، ويضمون إلى أقوالهم السابقة ما يضمون، واتصل طَرَفٌ من ذلك بالمأمون، فتعصَّبَ له كما هو مشهور.
ومن هنا قويت شوكة المعتزلة الذين ضمُّوا ما نُقِل عن المعتزلة الأُوَل كعمرو بن عُبيد، وواصل بن عطاء إلى رأي جهم وما اتصل به.
واحتاج علماء المسلمين إلى معارضتهم، فمنهم من اقتصر على دفعهم بالكتاب والسنة، ومنهم من أخذ بطرفٍ من الكلام، وكان من هؤلاء الحارث المُحَاسبي، وعبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، وتوسَّع ابنُ كلَّاب في الكلام مع عدم تبحُّره في الشريعة، وبقي الأمر على ذلك حتى جاء الأشعري، [ص ١٥] وكان أول أمره معتزليًّا، ثم تبرأ عن الانتساب إليهم، وانتسب إلى أهل السنة، ونُقِلَ عنه قولان:
أحدهما: التوسُّع في النظر والتأويل على نحو طريقة المعتزلة، مع مخالفتهم في بعض المسائل خلافًا لفظيًّا أو قريبًا من اللفظي، إلا مسائل معدودة الخلاف فيها معنوي.
وفي هذا الضرب إحداث آراء وتوجيهات (^١) يرى السلفيون أنها تخالف مذهب السلف، وفي بعضها تمحُّلات ألجأه إليها ما استولى على ذهنه من أقوال المعتزلة.
والقول الآخر: التزام مذهب السلف، كما تراه في كتاب "الإبانة" (^٢).
_________________
(١) تحتمل: "وتوجّهات".
(٢) ومن أقواله فيه: "فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرِّفونا قولكم الذي تقولون به وديانتكم التي تدينون بها؟ قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا ﷿ وبسنة محمد - ﷺ -، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ــ نضَّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته ــ قائلون، ولِما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكِّين، فرحمة الله عليه من إمام مقدَّم وجليل معظم وكبير مفهم". "الإبانة": (ص ٧٠ - ٧١ ت فوقية). وانظر في تحقيق الأطوار التي مرّ بها، وهل رجع إلى مذهب أهل السنة أم بقيت عليه بقايا من مذهب ابن كُلّاب؟ "موقف ابن تيمية من الأشاعرة": (١/ ٣٦١ - ٤٠٩) للمحمود.
[ 5 جـ / ٢٩ ]
والنظرُ يقتضي صحةَ ما قيل: إن هذا هو قوله الأخير، ولكن عامة أتباعه لم يلتفتوا إليه.
ثم انتشر الكلام، وساء ظن الناس بالكتاب والسنة وأقوال السلف، فصار كثير من الناس يتبع المعتزلة والجهمية، ويأخذ كلامهم، وينتصر له، وكثير منهم
_________________
(١) وهم في الغالب ممن كان آباؤهم وشيوخهم على رأي السلف يلتحقون بالأشعرية، على القول الأول للأشعري، وفي أثناء ذلك تتصل بالأشعرية مسائل من أصول المعتزلة أو آراء جديدة، وشهر الأشاعرةُ أنفسَهم بأنهم أهل السنة، وأنهم الذابون عن عقائد السنة. ولم تزل في المسلمين بقايا من أهل الحديث يرون أن الحق إنما هو في اتباع الكتاب والسنة، ويبدِّعون الأشعرية، كما يبدِّعون المعتزلة، ولكنهم كانوا يَقلِّون ويضعفون حتى صاروا غرباء يرميهم الأشعريةُ بكلّ عظيمة،
[ 5 جـ / ٣٠ ]
وهؤلاء اشتهروا بالحنابلة، نسبة إلى الإمام أحمد بن حنبل، ونَشِب الخلافُ بينهم لاحتكاكهم بالمعتزلة والأشاعرة.
فعلى طالب الحق أن ينفي نفسه عن التعصب لفرقةٍ من هذه الفرق؛ بناء على أنه مسلك آبائه وأشياخه.
ثم يعلم أن المعتزلة يتمدَّحون عند الجمهور بأنهم أهل العدل والتوحيد، ويشنِّعون على مخالفيهم بخلاف ذلك، ويتقربون إلى الخاصة فوق ذلك بأنهم الذين أَعطَوا النظر العقلي حقَّه، وأن مخالفيهم يخالفون العقل، ثم ينتقون مسائل يتراءى منها أن الصواب معهم.
فاعلم أنه إن ظهر لك في مسألة أو أكثر أن الحق معهم، لم يلزم من ذلك أن يكون الحق معهم في كل شيء.
وأما النظر العقلي فقد عرفت في الكلام على الفلاسفة أن نظرهم في الإلهيات لا يوثق به، وذلك يأتي هنا.
وأما الأشاعرة فإنهم يتمدَّحون بأنهم أهل السنة، وأنهم الجامعون بين العقل والنقل. فاعلم أن مخالفيهم لم يوافقوهم على دعوى أنهم أهل السنة، بل بدَّعوهم وضلَّلوهم، وإنما يمكنك الفصل في ذلك بعد النظر، وبذلك ضعفت دعواهم النقل، وأما دعواهم العقل فحالهم فيه كحال المعتزلة.
[ص ١٦] وأما الحنابلة فلا أظنك تحتاج إلى ما يُزَهِّدك فيهم، ويمنعك من تقليدهم.
وأما المتفلسفة من المسلمين فعيبهم أنهم قلدوا فلاسفة اليونان
_________________
(١) وقد علمت حالهم ورفعوا درجتهم على درجة الأنبياء، ومع ذلك زعم بعض
[ 5 جـ / ٣١ ]
الكلام على الجويني والغزالي والفخر الرازي
من جاء بعدهم أنهم غلطوا في أشياء نسبوها إلى فلاسفة اليونان خطأً.
منها ما كان من غلط المترجِم. ومنها ما كان من قول بعض فلاسفة الروم المُتنصِّرة. وأقربهم إلى تحرِّي الحق أبو البركات (^١) صاحب "المعتبر"، ولكنه لم يَسْلَم من كثير مما وقعوا فيه.
هذا، واعلم أن الفلاسفة أنفسهم كثيرًا ما يذكرون الشيء على الحَدْس والتخرُّص، لا على أنه يقيني عندهم، ويوردون عليه شواهد حَدْسية، فيجيء من بعدهم فيرى أن تلك حقائقُ قطعية لا تقبل الشك.
وأما الجامعون بين الكلام والفسلفة فأشهرهم ثلاثة: إمام الحرمين، والغزالي، والفخر الرازي (^٢).
_________________
(١) وقد كان يهوديًّا فأسلم في آخر عمره، وانظر ما سبق عنه (ص ٣٢).
(٢) يبدو أن المؤلف أراد أن يتكلم عن كل واحد منهم بخلاصة موجزة، فبيَّض لإمام الحرمين، وتكلم عن الغزالي، ولم يتكلم على الفخر بشيء. والظاهر أنه أراد بعد ذِكْر تبحّرهم في الفلسفة والكلام أن يذكر ما آلت إليه أحوالهم من الرجوع إلى السنة في الجملة والنهي عن الخوض في الفلسفة والكلام، بدليل آخر كلامه في هذا الفصل. وقد وجدنا المؤلف تكلّم على هؤلاء العلماء الثلاثة في "التنكيل ــ القائد": (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٦) بنحو كلامه هنا مع بعض الاختلاف، فننقل كلامه من هناك بخصوص الجويني في المتن، وبخصوص الرازي في الحاشية لما تقدم في أول الكلام. قال: "وأما الفخر الرازي ففي ترجمته من (لسان الميزان) ٤/ ٤٢٩: "أوصى بوصية تدل على أنه حسن اعتقاده"، وهذه الوصية في ترجمته من كتاب (عيون الأنباء) ٢/ ٢٦ - ٢٨ قال مؤلف الكتاب: "أملى في شدة مرضه وصية على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصفهاني وهذه نسخة الوصية: بسم الله الرحمن الرحيم يقول العبد الراجي رحمة ربه الواثق بكرم مولاه، محمد بن عمر بن الحسين الرازي وهو =
[ 5 جـ / ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاسٍ ويتوجه إلى مولاه كل آبق إن الناس يقولون: الإنسان إذا مات انقطع تعلقه عن الخلق، وهذا العام مخصوص من وجهين: الأول: أنه إن بقي منه عمل صالح صار ذلك سببًا للدعاء له آثر عند الله. والثاني: ما يتعلق بمصالح الأطفال ، أما الأول، فاعلموا أني كنت رجلًا محبًّا للعلم. فكنت أكتب في كل شيء شيئًا لا أقفُ على كميةٍ وكيف، سواء كان حقًّا أو باطلًا، غثًّا أو سمينًا! إلا أن الذي نظرته (؟ نصرته) في الكتب المعتبرة لي أن هذا العلم المحسوس تحت تدبير مدبر منزه عن مماثلة المتحيزات والأعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة. وقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتهافي القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال لله تعالى، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية. فلهذا أقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته، وبراءته عن الشركاء في القدم والأزلية، والتدبير والفاعلية، فذاك هو الذي أقول به وألقى الله تعالى به، وأما ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة والغموض فكل ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق عليها بين الأئمة المتبوعين للمعنى الواحد فهو كما هو، والذي لم يكن كذلك أقول: يا إله العالمين وأقول: ديني متابعة محمد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما ". فبيَّن في وصيته هذه أنه تدرج إلى أربع درجات: الأولى: الجري مع خاطره حقًا كان أو باطلًا. الثانية: ما نصره في كتبه المعتبرة. الثالثة: ارتيابه في المأخذ الخلفي وهوالنظر الكلامي والفلسفي. الرابعة: ما استقر وثوقه به ورجع إليه، وهو ما أثبته المأخذ السلفي الأول وأكده الشرع، ثم قسم الباقي إلى قسمين: =
[ 5 جـ / ٣٣ ]
فإمام الحرمين [صحَّ عنه أنه قال في مرض موته: "لقد قرأت خمسين ألفًا في خمسين ألفًا ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومه الطاهرة، وركبت البحر الخِضَمّ، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، "عليكم بدين العجائز"، فإن لم يدركني الحق بلطف بره فأموت على دين العجائز، وتختم عاقبة أمري عند الرحيل على نزهة أهل الحق، وكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني". وقال: "اشهدوا عليَّ أني رجعت عن كل مقالة يخالف فيها السلف، وأني أموت على ما يموت عجائز نيسابور". إلى غير ذلك مما جاء عنه وتجده في ترجمته من "النبلاء" للذهبي، "طبقات الشافعية" لابن السبكي وغيرها.
فتدبر كلام هذا الرجل الذي طبقت شهرته الأرض يتَّضِحْ لك منه أمور:
الأول: حسن ثقته بصحة اعتقاد العجائز وبأنه مقتضٍ للنجاة.
الثاني: سقوط ثقته بما يخالف ذلك من قضايا النظر المتعمق فيه، وجزمه بأن اعتقاد تلك القضايا مقتضٍ للويل والهلاك.
الثالث: أنه مع ذلك يرى أن حاله دون حال العجائز لأنهن بقين على الفطرة وسلمن من الشك والارتياب، ولزمن الصراط، وثبتن على السبيل،
_________________
(١) = الأول: ما بينه الكتاب والسنة، فهو كما بيَّناه. الثاني: ما عدا ذلك، فبيَّن عدم وثوقه فيه بما سبق أن قاله في كتبه واعتذر عن ذلك بحسن النية". اهـ "التنكيل ــ القائد": (٢/ ٣٧٤ - ٣٧٦). وانظر "تاريخ الإسلام" وفيات ٦٠٦ ص ٢٤١، و"طبقات السبكي": (٨/ ٩٠ - ٩٢)، و"الروض الباسم": (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨) لابن الوزير ــ بتحقيقي ــ.
[ 5 جـ / ٣٤ ]
فرجي لهن أن يكتب الله تعالى في قلوبهن الإيمان، ويؤيدهن بروح منه، فلهذا يتمنى أن يعود إلى مثل حالهنَّ، وإذا كانت هذه حال العجائز، فما عسى أن يكون حال العلماء السلفيين؟ !] (^١).
وأما الغزالي فحاله عجيب، والذي يتراءى من صفاته أنه كان يغلب عليه ثلاثة أخلاق:
الأول: الشغف بالعلم.
الثاني: حب التفوُّق (^٢).
الثالث: الحرص على حَمْل الناس على التمسّك بالعبادات الإسلامية.
فبالخُلُق الأول نظر في الفقه وأصوله والكلام، ثم حكى عن نفسه أنه لم يقنعه (^٣) الكلام، فنظر في الفلسفة فلم تشفه، فمال إلى التصوُّف، ثم عاد إلى مطالعة كتب الحديث، حتى مات و"صحيح البخاري" على صدره.
وبالخلق الثاني تجده عندما حصَّل الكلام يبالغ في مدحه، ثم لما أخذ الفلسفة صار يبالغ في مدحها، ويزعم أن من لم يعرف المنطق لا يوثق بعلمه، ويقول: "إن عامة المتكلمين مقلدون".
ثم لما أخذ التصوّف صار يبالغ في مدحه، ويفرط في إطرائه، ثم كأنه
_________________
(١) بيّض المؤلف للكلام على الجويني أربعة أسطر. وقد نقلنا كلامه فيه من "التنكيل ــ القائد": (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠)، وانظر: "سير أعلام النبلاء": (١٨/ ٤٧١)، و"المفهم": (٨/ ٦٩٢ - ٦٩٣) للقرطبي، و"الروض الباسم": (٢/ ٣٤٨).
(٢) لم يذكر هذا الخُلُق في "التنكيل".
(٣) غير محررة، وتحتمل: "ينفعه".
[ 5 جـ / ٣٥ ]
لما شرع في مطالعة السنة صنف كتاب "إلجام العوام عن علم الكلام" ولعله لو مُدّ في عمره حتى يتمكَّن في معرفة السنة لتَحَنْبَل (^١).
[ص ١٧] وبالخلق الثالث تراه يُحَسِّن التصوفَ للمتفلسفين، ويوهِمُ في بعض كلامه أن المتصوّفة يعتقدون بعض العقائد التي يزعم المتفلسفون أنها قطعية، ويدعو المتفسلفة إلى التزام العبادات الشرعية ولو على وجه الاحتياط إلى غير ذلك.
والمقصود هنا أنه بيّن أن الكلام لا يقنع، والفلسفة لا تشفي، وظهر من رجوعه إلى مطالعة السنة أنه وجد التصوف لا يغني.
لكن هؤلاء الأكابر لم يرجعوا حتى ملؤوا الدنيا كلامًا، ولم يلتفت الناس إلى رجوعهم، كما لم يلتفتوا إلى رجوع الأشعري.
والمقصود هنا أن هؤلاء الأكابر قد زَهِدوا فيما شحنوا به كتبهم من الكلام والفلسفة، وساء ظنُّهم به، وتبرؤوا عنه، فوجب أن لا يُغترّ به لمجرَّد نسبته إليهم.
* * * *
_________________
(١) قال عبد الغافر الفارسي ــ وهو صاحب الخبرة به ــ: "وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب حديث المصطفى - ﷺ - ومجالسة أهله ومطالعة الصحيحين، ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسيرٍ من الأيام" اهـ. انظر "المنتخب من السياق" (ص ٧٤)، و"تاريخ الإسلام": (وفيات ٥٠٥ ص ١١٨). وما ذكره المؤلف عن كتاب "إلجام العوام" فيه نظر يتضح بالنظر في كتابه "ميزان العمل" (ص ٤٠٥ - ٤٠٨)، و"نقض المنطق" (ص ٥٥) لابن تيمية، و"موقف ابن تيمية من الأشاعرة": (٢/ ٦٣٢ - ٦٣٧).
[ 5 جـ / ٣٦ ]
فصل (جنايات المتكلمين على الإسلام)
فصل
اعلم أن في كلام المتكلمين جنايات كثيرة على الإسلام، ولها أسباب:
الأول: عدم رسوخهم في معرفة الإسلام، فربما نسبوا إليه ما هو بريء عنه، ثم لِزمَتْهم لوازم منافية للإسلام، فمنها ما يلتزمونه، ومنها ما يتمحَّلون لدفعه بأقوال يأباها (^١) العقل وينكرها الإسلام.
الثاني: أنه ربما يحتجون بحجَّة لم يذكرها الإسلام، ولا ما هو في معناها، فتُدْفَع بِمَدافع تُلْجئهم إلى هدم شيء من الإسلام، وإلى أقوالٍ يأباها العقل وينكرها الإسلام.
الثالث: أن في الإسلام مسائل يتعذَّر أن يُدْرَك بمجرّد العقل ثبوتُها أو انتفاؤها، فيحاول هؤلاء أن يحتجّوا عليها، فيُلْزَمون، فيَدْفَعون، فيقعون فيما يخالف الإسلام، و (^٢).
[ص ١٨] وأما المتصوِّفة، فقد كان في عهد التابعين زُهَّادٌ على طريقة السلف، ثم لم يزل في كل عصر متزهدون، ولم يكونوا على طريقة واحدة، بل كانوا مختلفين بحسب اختلاف الفِرَق المعروفة في زمانهم، فمنهم المحافظ على طريقة السلف، ومنهم الخارجي، والشيعي، والمعتزلي، والجهمي، بل ومنهم من يُنْسب إلى الزندقة والباطنية، ثم صار منهم الحنبلي، والمعتزلي، والأشعري، والمتفلسف، وغير ذلك.
ثم أكثرهم مصرِّحون بأن في طريقهم أخطارًا ومغالط يضلّ بها أكثر سالكيها، وأن عامة كلامهم ألغاز ورموز لا يعرفها إلا من سلك طريقهم،
_________________
(١) الأصل: "بأياها"، سهو.
(٢) ترك المؤلف بقية (ص ١٧) بياضًا.
[ 5 جـ / ٣٧ ]
وتجدهم كثيري الاختلاف بينهم، والمتأخر منهم يطعن على المتقدم تصريحًا أو تلويحًا، ويدَّعي أحدهم أن الولاية خُتِمت به، فينكر عليه معاصروه ومن يأتي بعده منهم.
وبالجملة فإن كنت تميل إلى التقليد، فتقليد الكتاب والسنة أولى بالحق من تقليدهم، وإن كنت تريد معرفة طريقهم، فلذلك شروط عندهم معروفة، ومنها ما هو مخالف لما عُرِف من الشريعة الإسلامية ومن عمل الصحابة والتابعين، وأقصى ما عندهم الكشف، وقد كشفتُ عنه في غير هذا الموضع، ويكفيك قول بعض قدمائهم وهو أبو سليمان الدَّاراني (^١): [ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة] (^٢). وقول بعض متأخريهم وهو أبو الحسن الشَّاذِلي (^٣): [إذا عارض كشفُك الكتاب والسنةَ فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك: إن الله تعالى قد ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها لي في جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة ] (^٤).
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن عطية أبوسليمان الداراني الدمشقي الصوفي (ت ٢١٥). ترجمته في "طبقات الصوفية": (ص ٧٥ - ٨٢) للسلمي، و"الحلية": (٩/ ٢٥٤ - ٢٨٠).
(٢) قول الداراني بيّض له المؤلف، وأكملته من "التنكيل ــ القائد": (٢/ ٣٧٩). وقوله هذا ذكره السلمي في "طبقات الصوفية"، والقشيري في "الرسالة": (١/ ٦١).
(٣) هو علي بن عبد الله بن عبد الجبار أبو الحسن الشاذلي المغربي، شيخ الطائفة الشاذلية (ت ٦٥٦). ترجمته في "لطائف المنن" (ص ٧٥ - ٨٩) لابن عطاء الله، و"تاريخ الإسلام" (وفيات ٦٥٦ ص ٢٧٣ - ٢٧٤)، و"طبقات الشعراني": (٢/ ٤ - ١١). ومقدمة "الرد على أبي الحسن الشاذلي" لابن تيمية، بتحقيقي.
(٤) قول الشاذلي بيّض له المؤلف، وأكملته من "لطائف المنن" و"طبقات الشعراني".
[ 5 جـ / ٣٨ ]
وقد بينتُ في موضعٍ آخر أن الكشفَ ليس بطريق شرعي، وأنه لا يفيد ما تقوم به الحجة (^١).
وأما فلاسفة العصر؛ فإن فلسفتهم كانت ردَّ فِعْل لفلسفة اليونان ومن تبعهم، فأولئك توسّعوا في الخياليات والحدسيات، وهؤلاء حصروا فلسفتهم في المحسوسات، وإنما يأخذون من القياسات بمقدار ما تضطرهم إليه أمور دنياهم، ويصرحون بأن الإلهيات لم يقم عليها عندهم دليل محسوس، وأنهم لم يحيطوا بكل شيء من المحسوسات فضلًا عن غيرها، وزادهم نُفْرة عن الدين أنهم إنما عرفوا من الدين النصرانيةَ، وقد قامت لديهم البراهين على اختلالها.
وأما الإسلام فإنهم نشأوا على بُغْضه وعداوته، واستمر لهم ذلك لأغراضهم السياسية، ومن تكلَّف الإنصافَ منهم لم يسلك في معرفة الإسلام الطريق الموصلة إليها، على أن جماعة من جِلَّتهم يعترفون بوجود الإله، ومن لا يعترف يقول: لا أدري. ولا معنى لتقليد من يقول: لا أدري!
* * * *
_________________
(١) انظر "التنكيل ــ القائد إلى تصحيح العقائد": (٢/ ٣٧٨ - ٣٨٥).
[ 5 جـ / ٣٩ ]
حظر الشارع من الخوض في عقائد لا يمكن للناس الوصول إلى معرفتها
[ص ١٩ ب] (^١) المقدمة الثالثة: في تقسيم العقائد
يمكن قَسْم العقائد إلى أقسام:
قسم لا يمكن الناسَ في هذه الدار الوصولُ إلى معرفته.
وقسم يمكنهم.
فالذي لا يمكنهم لا بد أن يكون الشارع الحكيم قد حَظَر عليهم الخوضَ فيه؛ لأسباب:
الأول: أنه تضييع للعمر في غير طائل.
الثاني: أنه مظنة للغلط، فإنه كما أن من يتراءى الهلال في ليلة تسع وعشرين ــ والحال أنه لا يمكن أن يُرَى ــ قد يكدّ عينيه في التحديق إلى موضع من الأُفق، فيُخيّل إليه كأنه رأى الهلال، ثم يستثبت فلا يرى شيئًا، فيصرف نظره إلى موضع آخر من الأفق، ويحدق إليه، فيخيل إليه أيضًا، فيستثبت فلا يرى شيئًا، وقد يتكرر له هذا مرارًا.
وكذلك يعرض لمن يحاول أن يرى النجومَ نهارًا، وإنما يخيل إليه رؤية الصورة الثابتة في خياله. وكذا من يكون في الليل في موضع بعيد عن العمران، قد يبالغ في الإصغاء ليسمع صوتًا أو حسًّا، فيُخيّل إليه أنه سمع.
فهكذا من يكد فكره في الاستدلال قد يعرض له شبيه بهذا، ثم يصعب عليه التنبه لغلطه؛ لأن خطأ الحواس قد يتنبه له العقل، فإذا أخطأ العقل فمن ينبهه؟!
_________________
(١) [ص ١٩ أ] مضروب عليها.
[ 5 جـ / ٤٠ ]
[ص ٢٠] لو بغير الماء حلقي شَرِقٌ كنتُ كالغصّان بالماء اعْتِصاري (^١)
وقد تقدم في الأصل الرابع من المقدمة الأولى (^٢) الإشارة إلى شيء من الأغلاط. وفيما شرحه العلماء من أغلاط الحسّ ما يستمر على كثير من الناس وإن تنبه له علماء الطبيعيات، ومنها ما يصعب عليهم حلّه، وقد يستمر عليهم الغلط، حتى إن الأشاعرة يزعمون أن العَرَض لا يبقى زمانين، فيزعمون أن بياض هذا الورق وسواد هذا المِداد في تبدّل مستمر، ولكن الحسّ لا يُدْرِك ذلك لسرعة توالي الأمثال.
ويزعم (^٣) أن الأجسام كذلك في تبدّل مستمر، فما بالك بأغلاط العقل؟ !
هذا مع أن من كلَّف نفسَه النظر يحتاج غالبًا إلى كلام أهل الآراء المختلفة، وكلٌّ منهم يحتجّ على رأيه بشبه يزعم (^٤) على كثير من النظار حلها.
السبب الثالث: أنه مظنة الكذب على الله، وذلك من وجهين:
الأول: أن العقل قد يغلط كما تقدم، فيظهر الغالطُ غلطَه ويحتج عليه، ويتعصّب له، فإذا دفعه غيره بحجة حمله التعصب على عدم الرجوع.
_________________
(١) البيت لعدي بن زيد العبادي، في "الشعر والشعراء": (١/ ٢٢٩)، و"الاشتقاق" (ص ٢٦٩) لابن دُريد.
(٢) (ص ١٢ - ١٤).
(٣) ترك المؤلف بياضًا مقدار كلمة. ولعلها "النظَّام" فقد نُسب إليه هذا الزعم في "بغية المرتاد" (ص ٤٢١) و"شرح المقاصد": (٣/ ٨٦).
(٤) كذا في الأصل، ولعل المؤلف أراد: "يصعب" أو "يتعذر" فسبق قلمه بهذه الكلمة.
[ 5 جـ / ٤١ ]
العقائد التي يمكن الناس الوصول إلى معرفتها في هذه الدار
الوجه الثاني: التخرص؛ إما بأن يتفق له ما اتفق في الوجه الأول، فيحمله التعصب على عدم النظر في حجة خصمه، ويبقى على رأيه بعد عروض الشك فيه. وإما بأن تعرض له شبهة، ثم اعتراض عليها، ثم جواب هذا الاعترض، ثم رد هذا الجواب، وهكذا فيمرّ على ذلك إلى أن يكلّ ذهنه، ويتعب فكره، فيقف، وتكره نفسُه الرجوع بخُفَّي حُنَين، فيختار ما اتفق وقوفه عنده.
والمفروض أنه خرج عن دائرة العقل، وحاول إدراك ما لا يدرك، والخارج عن دائرة العقل ضاربٌ في ما لا نهاية له، ولا يمكن أن يجد فيه ما يطمئن إليه العقل المتثبت، فمثله مثل مسافِرَين مرّا بموضع صالح للنزول، فقال أحدهما: ننزل هنا، فإنه ليس بعده منزل صالح، فقال الآخر: كلا بل نمشي، فلعلنا نجد منزلًا أصلح من هذا، فراجعه صاحبه فأبى، فانطلقا، ثم كلما مر بمكان نظر فيه، فرآه غير صالح، وهكذا حتى استولى عليه التعب، فقال: ننزل ههنا، فإن هذا موضع صالح، وقد علم أنه ليس بصالح، ولكنه يغالط صاحبه، بل ونفسه.
هذا، ومعنى النزول في العقائد هو الإقامة في ذلك الموضع، وقلَّ من يجْذِبه التوفيق، فيرده إلى الموضع الصالح، كما اتفق لإمام الحرمين وغيره، على ما تقدم في المقدمة الثانية (^١).
[ص ٢١] وأما القسم الذي يمكنهم في هذه الدار الوصول إلى معرفته فهو على ضربين:
_________________
(١) (ص ٣٩ - ٤٤).
[ 5 جـ / ٤٢ ]
الأول: ما لم يكلفهم الشرع بطلبه.
الثاني: ما كلفهم به.
فالأول على أوجه؛ محظور ومكروه ومباح، فما حظره الشارع الحكيم فهو مظنة المفاسد والأخطار، وكذلك ما كرهه وإن كان دون الأول. وما أباحه فالخير والشر فيه متعادلان.
والثاني وهو ما كلفهم به؛ يبقى النظر في الطريق إليه (^١)؛ فقد تعرِض أمام الإنسان طريقان أو طرق يُرْجى منها الوصول، وقد يكون في نفس الأمر منها ما لا يوصل، ومنها ما قد يوصل، ولكن يغلب أن يَعْترِض سالكَها ما يهلكه، أو تكون في سلوكها صعوبة يعجز عنها أكثر السالكين.
والشارع الحكيم لا بدَّ أن يهدي العباد إلى الطريق الموصل السليم السهل المستقيم، وينهاهم عن الطرق الأخرى، فإذا وجدنا الشارع قد أرشدنا إلى طريق، فسلوكنا غيرَها مخالفةٌ له، وتعريضٌ لأنفسنا للهلاك.
واعلم أن الله غني عن العالمين، وإنما خلق الناس ليبلوهم ويختبرهم. وقد أوضحتُ هذا الأصل في رسالة "العبادة" (^٢).
ومن جملة الابتلاء: أن جعل إلى المقصود طريقًا موصلة ليست كما يهواه الإنسان ويشتهيه، بل يتراءى له بادئ النظر أنها غير موصلة، وجعل طرقًا أخرى إما أن لا توصل، وإما أن يغلب فيها الهلاك، ولكنها توافق هوى الإنسان وشهوته، ويتراءى له أنها موصلة، وذلك ابتلاء العباد، فمن كان
_________________
(١) من قوله: "على أوجه " إلى هنا لحق في أعلى (الورقة ٢١ ب).
(٢) (ص ٥٧ - ٦٥).
[ 5 جـ / ٤٣ ]
حَسَنَ الظنِّ بالشارع فإنه يسلك الطريق التي أرشد إليها ولا يبالي بمخالفتها لهواه وشهوته، ومن كان مؤثرًا لهواه وشهوته فإنه يسلك غيرها.
ولنضرب لذلك مثلًا: وهو ملك عظيم، بعث إلى رعيته رجلًا منهم، قد عرفوا صدقه وأمانته ونصحه وإخلاصه، ومعه ما يبين لهم اتصاله بالملك، فأعلن فيهم أن الملك يدعوهم إلى بستان قد أعدّه لهم، ومد لهم سنة
_________________
(١) مثلًا ، وأن من وصل استحق الإنعام والإكرام، ومن مضت المدة ولم يصل استحق العقوبة والنكال. فلما فكروا في أنفسهم علموا افتقارهم إلى الوصول إلى الملك، ورجوا الإنعام وخافوا العقوبة، ولم يكونوا يعرفون أين البستان، ولا في أي جهة هو، ولا كيف الطريق إليه، فأخبرهم ذلك السفير عن الملك بوصف الطريق الموصل إلى البستان، وبعد أن أتم الوصف تركهم، فافترقوا فرقتين: الأولى: رأوا أن في السفر كلفة ومشقة، فآثروا البقاء على ما هم عليه، وأخذوا يتشككون في وجود الملك [ص ٢٢] أو في صدق السفير، وبقوا على ما هم عليه حتى مضت المدة. والثانية: علمت افتقارها إلى الوصول إلى الملك، ورَجَتِ الثوابَ، وخافت العقاب، وافترقت طوائف: طائفة قالت: المدة طويلة، فلنبق على راحتنا وملاذِّنا إلى أن تنتصف المدة، ثم نسافر، ثم بقيت تسوِّف حتى انتهت المدة. وطائفة عزمت على السفر، ولكنها لما أرادت السير على تلك الطريق التي وصفها السفير رأت أنها طريق عادية، ودعاها داعٍ إلى طريق أخرى
[ 5 جـ / ٤٤ ]
فصل (تقسيم العقائد المكلف بطلبها إلى أضرب بالنظر إلى درجة التكليف)
مُعبَّدة، على حافتيها القصور والبساتين والملاعب، قائلًا لهم: ينبغي أن تكون هذه هي الطريق إلى بستان الملك، لا تلك الطريق العادية الناشفة، فتبعوه، وسلكوا تلك الطريق، فذهبت بهم إلى جهة غير جهة البستان، فهلكوا.
وطائفة دعاها داعٍ إلى طريق أخرى ذات مناظر بهجة؛ من رياضٍ وغياضٍ وأنهارٍ، قائلًا: ينبغي أن تكون هذه هي الطريق إلى بستان الملك، لا تلك القاحلة، فتبعوه فهلكوا.
وطائفة فكرت في أنفسها، فقالت: السفير الذي جاءنا قد عرفنا صدقه وأمانته، ونصحه وإخلاصه وقربه من الملك، وقد تكون لهذه الطريق التي يراها الناس ناشفة قاحلة مزيةٌ عَلِمها الملك وجهلها الناس، ولعله إنما تركها
_________________
(١) في ما ترى العين قاحلة ناشفة لاختبار من يصدقه ممن لا يصدقه، ولو لم يكن لها مزية إلا أنها موصلة لكفاها ذلك، فسلكوها، فنجوا. فصل والمكلَّف بطلبه ينقسم بالنظر إلى درجة التكليف إلى أضرب: الضرب الأول: ما هو من ضروريات الإيمان بحيث أن من لم يؤمن به فليس بمؤمن. الثاني: ما ليس كذلك، ولكن طلبه والإيمان به فرض على كل مُكلّف. الثالث: ما طلبه ومعرفته فرضٌ على الكفاية. الرابع: ما طلبه ومعرفته مستحبّ فقط. هذا، وربما يختلف حكم الأمر الواحد باختلاف الأشخاص والأحوال، فيكون على شخص وفي حال فرضًا، وعلى شخص حرامًا، وغير ذلك.
[ 5 جـ / ٤٥ ]
والذي ينبغي أن يُرَتَّب البحث التفصيلي بحسب الأربعة الأضرب المذكورة.
وهذا آخر المقدمات، وأسأل الله ﵎ التوفيق والعون، اللهم يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، واهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك.
[ 5 جـ / ٤٦ ]