نصّ الكتاب وتحقيقه
[ ٩٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على (سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم)
الحمد لله الذي لا نشرك به أحدًا، ولا نجد من دونه ملتحدًا، مُبتلي قلوب المؤمنين ليميّز الخبيث من الطيب، ويعلم أيها أقوى جلدًا.
والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الذي أنقذنا من الهلاك والردى، وتكفل بالشفاعة غدًا، ضارب هام ٢ العداء، ومجاهد من حاد عن طريق الهدى، وقاتل من اتخذ مع الله ولدًا، وعلى آله وأصحابه الذين لم ترعهم الكتائب- الوافرة، وإن كانوا هم أقل عددًا، ولا أهالتهم ٣ الأمم الكافرة، وإن كانوا أكثر جمعًا وأظهر عُدًّا وعددًا.
وبعد:
فقد كان قبل هذه الأيام، ورد من ناحية أعمال الجزائر أعادها الله دار إسلام، كتاب من خليفتها- المجاهد في سبيل ربّ العالمين- سيدي الحاج- عبد القادر ابن محيي الدين- أيد الله كتائبه- وجعل (النصر) ٤ عونه مظاهره
_________________
(١) في "ب": (ومولانا محمد وآله)، في "ج": (سيدنا محمد وآله).
(٢) مفرده الهامة، ويجمع أيضًا على هامات، وهو: زعيم القوم ورئيسهم وغرة مجدهم، ويقصد به هنا: زعماء العدوّ، (أنظر: الرازي- مختار الصحاح: ٥٥٧، ابن منظور- لسان العرب: ٤٧٢٤).
(٣) أفزعتهم، هاله الخطب يهوله: أفزعه، وشق عليه، (أنظر: الرازي- الصحاح: ٥٥٦، ابن منظور- لسان العرب: ٤٧٢٢).
(٤) ساقطة من الأصل، والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
[ ٩٩ ]
(ومصاحبه ١ - متضمنًا للسؤال عن مسائل ٢ (كما ستراه بعد وتقف عليه) ٣.
ولما وقف (عليه) ٤ مولانا الإمام- كهف الإسلام، وملاذ الخاص والعام- كافل أمة سيّدنا محمد- عليه أفضل الصلاة والسلام- وقامع طواغيت الشّرك بالسنان ٥ والحسام ٦ - أمير المؤمنين- الآخذ لراية الكتاب [١/أ] السُّنَّة باليمين، نجل الملوك العظام- المنصور بالله مولانا- عبد الرحمن بن هشام ٧ - أدام الله أيامه بعزيز داره ونصر (مبين) ٨ يتصل به عن المولى الكريم اعداده. كلّف هذا العبد الحقير- المعترف بالعجز والتقصير- أن يجيب عن تلك المسائل بحسب ما يراه، فامتثل وأجاب عن ذلك بجواب دال بحسب فحواه: على أن المجيب استفرغ فيه ما هو عنده في سرّه ونجواه، وكان- نصره الله- أمر بالاختصار في الجواب وعدم التطويل فيه والإطناب.
ثم لما (طولع) ٩ به وهو على ما هو عليه- أيده الله- من الشَّغف ١٠ بمحبة العلم، والتلهف على بثّه، وغاية الحرص على إذاعته في الآفاق ونشره، والمبالغة في التنفير (عن) ١١ البدع المحدثات، وقمع الملحدين المعتدين ذوي الجرأة والتعصبات، والذب
_________________
(١) في "ب": (ومصابحه) وهو تصحيف.
(٢) وكان سفيره في إيصال هذه المسائل السيد ابن عبد الله سقاط. أنظر: الأمير محمد- تحفة الزائر:١/ ٢٠٦.
(٣) في "الأصل": (كما بعد ستراه وتوتف عليه) والتصويب من: "اب" و"ج" و"د".
(٤) في "ب": (عليها).
(٥) وهو: سنان الرمح، وجمعه: أسنّة (الرازي- مختار الصحاح: ٢٥١).
(٦) السيف القاطع، (الرازي- مختار الصحاح: ١٠٣، مجمع اللغة العربية- المعجم الوسيط: ١/ ١٧٤).
(٧) تقدّمت ترجمته في القسم الدراسي [ص:١٥].
(٨) ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب"، وفي "ج" و"د" (مكين).
(٩) في " الأصل": (طلع)، والتصويب من "ب"، و"ج"، و"د".
(١٠) من الشِّغاف- بالفتح- غلاف القلب، يقال: "شغفه الحب"، أي: بلغ شغافه، وبابه باب: شغف (الرازي- مختار الصحاح: ٢٧٠).
(١١) في "الأصل": (على) وهو تصحيف. والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
[ ١٠٠ ]
عن الحنفية السمحاء وحياطتها ١، وقمع من يلحظها لعين الاعتداء والإزراء بها، رأي: أن الجواب المذكور في غاية الاختصار والقصور ٢.
فأمر المجيب أمرًا ثانيًا: بأن يجعله تأليفًا ليحيط بجميع معانيه، ويطلق في ذلك عنان القول ليبرىء العليل ويشفيه، ويوسع في الجواب، ويتعرّض لجميع متعلّقاته ليحيط بصوب الصواب، [١/ب] فقلت- ممتثلًا الجواب عن هذه المسائل التي عظم موقعها من دين الإسلام، وتأكد الاعتناء بمتعلقاتها ٣ على التمام-:
(يتوقف على تبحر في الفقه (وتضلّع في) ٤ قواعده، وباع واسع في تحرير دقائقه ونوازله، وأنّى للقاصر مثلي بجوابها، وتحصيل دقائق فروعها وأصولها، فالخوض فيها لقاصر العلم مثلي خطر، والكشف عن لثامها ٥ مع كلالة ٦ الذهن صعب عسير، ولكن للأمر (المولوي) ٧ تكلفت الجواب عنها- ثانيًا- على قدر نظري القصير، لأن المسافر الجادّ في السير قد أرخص له في التفسير وبالله سبحانه الاستعانة، وهو نعم المولى ونعم النصير).
_________________
(١) من الحيطة، بمعنى: كلاّ، ورعاه، وبابه: قال، وكتب، (الرازي- مختار الصحاح: ١٢٥).
(٢) للتُّسولي جوايين على مسائل الأمير عبد القادر أحدهما: كبير وهو هذا، والآخر مختصر وقد جعلته ملحقًا في آخر الرسالة. (أنظر صفحة: ٤٦٤ - ٤٧٠).
(٣) ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب"، و"ج" و"د".
(٤) في "ب": (تطلع على)، والمعنيان كلاهما مناسب للسياق، (فتضلّع): بمعنى امتلأ وتتبّع بقواعده، ويقال: (تضلّع الرجل: امتلأ شبعًا وريًّا)، (الرازي- مختار الصحاح: ٣٠٣). (وتطلّع) بمعنى: اطّلع عليه (الرازي- مختار الصحاح: ٣١٣).
(٥) اللَثام: ما كان على الفم من النقاب، وهنا تشبيه بليغ حيث جعل لمسائل الفقه لثامًا كاللّثام الذي تغطي به المرأة وجهها. أنظر الرازي- مختار الصحاح: ٤٦٨.
(٦) من كلّ، كلولا، وكلالة: ضعف، وتعب. (الفيومي- المصباح المنير: ٢/ ٢٢٨، مجمع اللغة العربية- المعجم الوسيط: ٢/ ٨٠٢).
(٧) في "ب": (المذكور).
[ ١٠١ ]
نص السؤال
الحمد لله، سادتنا الأعلام، أئمة الهدى ومصابيح الظلام، فقهاء الحضرة الإدريسية، ومرمى ١ المطالب ومحطّ الرحال العيسية، أطباء أدواء الدين ومُحِقّون حقّه ومبطلون باطله، ومنتجون قضاياه المتخلية عقيمة ٢ وباطلة.
جوابكم- أبقاكم الله- فيما عظم به الخطب ٣، واشتدّ به الكرب، بوطن الجزائر الذي صار لقربان الكفر جزائره، وذلك أنّ العدو الكافر يحاول ملك المسلمين مع استرقاقهم، تارة بالسيف وتارة بحبال سياستهم، ومن المسلمين من يداخلهم ويبايعهم، ويجلب (لهم) ٤ الخيل ولا يبخل من دلالتهم على عورات المسلمين ويطالعهم، ومن أحياء العرب المجاورين لهم من يفعل ذلك، ويتمالؤون على الجحود والإنكار، فإذا طولبوا بتعيينه جعجعوا ٥، والحال أنّهم يعلمون منهم الأعين والآثار.
فما حكم الله في الفريقين في أنفسهم وأموالهم؟ فهل لهم من عقاب أم يتركون على حالهم؟.
_________________
(١) أيّ مقصد ترمى إليه الآمال، ويوجه نحوه الرجاء، ويقال: (ليس وراء الله من مرمى) (ابن منظور- لسان العرب: ١٧٤٠).
(٢) العقيم: الداء الذي لا يبرأ منه. (الرازي- الصحاح: ٣٥٢).
(٣) الشأن، والأمر صغر أم عظم، جمعه: "خطوب" (البستاني- فاكهة البستان: ٤٠٣).
(٤) في "ب" و"ج": (اليهم).
(٥) الجعجعة: صوت الرحى، والمقصود منه هنا: الذي يكثر الكلام ولا يعمل، والجبان يوعد ولا يوقع، وفي المثل: (أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا). (البستاني- فاكهة البستان: ٢١٥).
[ ١٠٢ ]
وما الحكم فيمن يتخلّف في المدافعة عن الحريم والأولاد إذا استنفر ١ نائب الإمام الناس للدفاع والجلاد؟ فهل يعاقبون؟ وكيف عقابهم، ولا يتأتى بغير قتالهم؟ وهل تؤخذ أموالهم وأسلابهم؟ ٢. [٢/أ]
وكيف العمل فيمن يمنع الزكاة، أو يمنع بعضها، مع التحقق بعمارة ذمته في الحال؟ فهل يُصدق مع قلّة الدين في هذا الزمان؟ أم يكون الاجتهاد فيه مجال؟.
ومن أين يرتزق الجيش المدافع عن المسلمين، السادّ ٣ ثغورهم ٤ عن المغيرين ولا بيت مال، وما يجمع من الزكاة لا يفي بشبعهم، فضلًا عن كسوتهم وسلاحهم وخيلهم ومؤنتهم وزيّهم؟.
فهل يترك فيستبيح ٥ الكافر الوطن؟ أم يكون ما يلزمهم على جماعة المسلمين؟ وإذا كان فهل على العموم؟ (أم) ٦ على الأغنياء (فقط)؟ ولا
_________________
(١) أي: كلّفهم أن ينفروا خفافًا وثقالًا، وحثهم على النفير ودعاهم إليه. أنظر لسان العرب: ٤٤٩٨.
(٢) مفرده: السّلب محركة، ما يسلب، يقال: (أخذ سلب القتيل) وهو: ما معه من ثياب وسلاح ودابة: (البستاني- فاكهة البستان: ٦٦١).
(٣) سِداد الثغر: بكسر السين، وتخفيض الدال بعدها، أي: الذي تسدّ به الثغور أخذًا من سداد القارورة، وهو ما يسدّ به فمها. قال القلقشندي: (وربما أخذ اللّقب من قول الشاعر: أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتىً أَضَاعُوا لِيَوْمِ كَرِيةةٍ وَسَدَادِ ثَغْرِ واللقب من ألقاب الوزراء في عصر المماليك، وربما كان يطلق على العسكريين الذين كانوا يفتخرون بحمايتهم للثغور، وهي البلاد الواقعة على الحدود بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، وكانت دائمًا مجال هجوم ودفاع). أنظر: الفلقشندي- صبح الأعشى: ٦/ ٥٣، محمد قنديل- التعريف بمصطحات صبح الأعشى: ١٧٨، ١٧٩.
(٤) من الثغر، وهو: موضع المخافة من فروج البلدان، يقال: (هذه المدينة فيها ثغر)، والموضع الذي تخاف أن يأتيك العدوّ منه في جبل أو حصن لانثلامه، وإمكان دخول العدوّ منه. (البستاني- فاكهة البستان: ١٦٢).
(٥) من استباحه، أي: انتهبه، واستأصله، وعدّه مباحًا. (البستاني- فاكهة البستان: ١٢٥).
(٦) في "ب" و"ج" و"د": (أو) وكلاهما مناسب للسياق.
[ ١٠٣ ]
(يمكن) ١ اختصاص الأغنياء لجفوة ٢ الأعراب وجهلهم؟.
وهل يعدّ مانع المعونة باغ ٣ أم لا؟ وما حكم أحوال البغاة؟. وهل القول بعدم ردّها يجوز العمل به، أم لا؟!.
أجيبوا عمّا ذكرنا، وعمّا يناسب المقام والحال ممّا لم يحضرنا، وداووا عللنا- أبقاكم الله- فقد ضاق من هذه الأمور الضرع، وكاد القائم بأمر المسلمين- لضيق الأسباب- أن يتخلّف عن الأمر، ويطرح (ثوب) الامارة والدرع- مأجورين، والسلام.
في التاسع عشر من ذي الحجّة عام اثنين وخمسين ومائتين وألف، عن إذن الحاج عبد القادر محيي الدين.
_________________
(١) في "ب" و"ج" و"د": (يتمكن) وهو تصحيف.
(٢) الجفوة: بالفتح، وتكسر: "الجفاء والغلظة" يقال: "فلان ظاهر الجفوة" بالكسر، (وفلان به جفوة) بالفتح، إذا كان هو مجفوًا، ويقال: (رجل جافي الخلقة، وجافي الخلق) أي: غليظ العشرة، خرق في المعاملة متحامل عند الغضب، وجمعه: جفاة. أنظر: ابن منظور- لسان العرب: ٦٤٦.
(٣) الباغي: الظالم المستعلي، جمعه: بغاة، وشرعًا: "الحصفكى": هم الخارجون على الإمام الحق بغير الحق. "الصنعاني": هم الذين يظهرون أنهم محقون، وأن الإمام مبطل، وحاربوه، أو عزموا على حربه. في اصطلاح الفقهاء: "النووي": هم المخالفون للإمام الخارجون من طاعته بالامتناع من أداء ما عليهم. "ابن عابدين": الطالبون لما لا يحلّ من جور وظلم. "المالكية": الخارجون عن طاعة السلطان. "الشافعية": الخارجون عن الإمام الأعظم، القائم بخلافة النبوّة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. "الحنابلة": هم الظلمة الخارجون عن طاعة الإمام، المعتدون عليه. "الجعفرية": من خرج على إمام عادل، وقاتله ومع تسليم الحق إليه. "بعض أهل العلم": هم كل فئة لهم منعة، يتغلّبون، ويجتمعون، ويقاتلون. (أبو جيب- القاموس الفقهي: ٤٠).
[ ١٠٤ ]
ونص الجواب
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله.
أما المسألة الأولى: ففيها فصول:
الفصل الأول: فيما يفعل مع قبائل الزمان، المنهمكين في الحرمات والعصيان
الفصل الثاني: في دليل عقوبة كاتم الجواسيس والغصاب، وغيرهم ممّن يستحق العقاب.
الفصل الثالث: في كون الرجل يؤاخذ بجريرة ١ قومه، (كما يؤاخذ بجريرته) ٢. [٢/ب]
الفصل الرابع: فيما لا يجوز للنصارى بيعه، ولا يحلّ لنا أن نمكّنهم بوجه من تناوله.
الفصل الخامس: في معاقبة العاصي بالمال، وما فيه من الخلاف في القديم والحال.
الفصل السادس: في زيادة تحقيق بعض ما تقدّم، وكيفية إجرائه على المنصوص المسلّم.
الفصل السابع: في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه، وكيفية سيرته مع رعيته ومع العمال ٣ لديه.
_________________
(١) الجريرة: الذنب والجناية يجنيها الرجل. (البستاني- فاكهة البستان: ٢٠٠).
(٢) ساقطة من "ب".
(٣) قال القلقشندي (العامل هو: الذي ينظم الحسابات ويكتبها، وقد كان هذا اللقب في الأصل إنما يقع على الأمير المتولي العمل ثم نقله العرف إلى هذا الكاتب وخصّه به دون غيره). (صبح الأعشى: ٥/ ٤٦٦). وقال أبو جيب: (وهو عند الحنابلة: الذي يبعثه الإمام لأخذ الزكاة من أربابها، وجمعها، وحفظها، ونقلها، ومن يعينه الإمام لسوقها، ورعيها، وكذلك: الكاتب، والحاسب، والكيال، والوزان، والعداد، وكل من يحتاج إليه فيها. وعند الظاهرية هو: العامل الخارج من عند الإمام الواجبة طاعته، وهو: المصدق والساعي) (القاموس الفقهي: ٢٦٢).
[ ١٠٥ ]
وأما المسألة الثانية: ففيها فصلان:
الفصل الأول: في حكم المتخلف عن الاستنفار، وما عليه من العقاب من العزيز الجبار.
الفصل الثاني: فيما ينبغي فعله قبله، وفيمن يجب استنفاره من الرعية، وكيفية التدريب للحروب، وذكر مكائديها يظفر الإمام بالمرغوب.
وأما المسألة الثالثة: فهي مستقلة بنفسها، وليس فيها فصل آخر زائد عليها ١.
وأما المسألة الرابعة: ففيها أربعة فصول:
الفصل الأول: فيما يجب على الإمام من إجبار الرعية على الاستعداد، لأن العدوّ دائمًا له بالمرصاد.
الفصل الثاني: في جواز صلح العدوّ إنْ كان مطلوبًا، وعدم جوازه إنْ كان طالبًا.
الفصل الثالث: فيما يرتزق منه الجيش إنْ عجز بيت المال، ووجوب المعونة بالأبدان إن افتقر ٢ إليها في الحال.
الفصل الرابع: في حكم من ساكن العدوّ الكفور، ورضي بالمقام معهم في تلك الثغور.
وأما المسألة الخامسة: فلا شيء يتعلّق بها، بل هي قائمة بنفسها.
وبجميع هذه الفصول يتمّ ما أشرقم إليه في آخر السؤال من قولكم: (أجيبوا عمّا ذكرنا وعمّا يناسب المقام ممّا لم يحضرنا وداووا عللنا إلخ ..).
_________________
(١) تناول فيها حكم مانع الزكاة مع تحقّق عمارة ذمّته، أو عدم تحقّقها.
(٢) احتيج إليها. (البسناني- فاكهة البستان: ١٠٩٣).
[ ١٠٦ ]
المسألة الأولى
الفصل الأول
فيما يفعل مع قبائل الزمان، المنهمكين في
الحرمات والعميان
ــ
إعلم أنّه لا يخفى أنّ غالب قبائل الزمان، كما هو شاهد بالعيان، بحيث لا يمكن أنْ يختلف فيه إثنان، (متواطئون) ١ (على) ٢ الانهماك في العصيان، [٣/أ] إذ لا تجد قبيلة في الغالب إلاّ وهي تحمي أفرادها، وتتعصّب (لهم) ٣، ولا يتناهون فيما بينهم عن منكر فعلوه، ولا يسمحون بجريرهم ومذنبيهم، ولا يجبرونهم على الذهاب للشريعة المطهرة إنْ رفعهم المغصوب والمنهوب إليها، بل وإنْ أرسل الحاكم إلى جريرهم (كتموا) ٤ عليه وأخفوه، وردّوا الرسول خائبًا وربما حاربوه وطردوه. وينصبون الغارات ويقطعون الطرقات، ولا يردّهم عمّا هم عليه من
_________________
(١) في "ب": (يتواطئون).
(٢) في "الأصل": (عن)، والتصويب من "ب" و"ج " و"د".
(٣) في جميع النسخ: (تتعصّب عليها) وهي: لا تتفق مع سياق النص، والذي أثبتناه هو الأولى، فإن قولنا: (تتعصّب لهم) أي: تميل إليهم، وتحمي ذمارهم، وتقوم بنصرهم، بينما (التعصب عليهم) معناه: الميلان عليهم ومقاومتهم، والمقصود هنا هو: الميل إليهم ونصرتهم، لا مقاومتهم. أنظر: البستاني- فاكهة البستان: ٩٤٦. في "ب": (كتموه).
[ ١٠٧ ]
ارتكتاب الشهوات، والانهماك في الحرمات ١، إلاّ أقوى الأيادى ٢ الزاجرة للطغاة والعتاة ٣، ولأجل هذا المعنى قالوا: (إنّ الله يدفع بالسلطان ما لا يدفع بالقرآن) ٤.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: لو أنّ الله أقام السلطان في الأرض، لدفع القوي عن الضعيف، لفسدت الأرض بتواثب الخلق بعضهم على بعض، فلا ينتظم لهم حال، ولا يستقيم لهم قرار. ولا زال الأئمة قديمًا وحديثًا يندبون السلاطين، ويحثّونهم على قتال من اتصف من القبائل أو غيرهم بتلك الصفات.
وعليه فما ذكرقموه من كونهم متمالئون على الإنكار، مع علمهم بالأعين والآثار ٥، صحيح بحسب ما علم من قبائل الزمان، فإنْ أعلنوا ذلك وأشهروه ٦، فالواجب قتالهم ومعاقبتهم، لأنّهم حينئذ مخالفون لأهل الإسلام.
وقد قال الإمام "ابن العربي" ٧:- كما يأتي- (قد اتفقت الأئمة على أن من
_________________
(١) في "ج": (المحرمات).
(٢) في "ب" و"ج" و"د": (الأيدي).
(٣) مفرده: العاتي، وهو: الجبار، والمجاوز للحدّ في الاستكبار، وقيل: هو المبالغ في ركوب المعاصي، المتحرر الذي لا يقع منه الوعظ والتنبيه موقعًا. (الرازي- الصحاح: ٣٢٦).
(٤) أخرجه "ابن كثير في تفسيره ": ٥/ ١٥٩ مرفوعًا بلفظ: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". وأورده ابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": ١/ ٦٨، في "الفاتحة الثالثة من المقدمة الثانية" بلفظ: "ان الله ليزع ". وابن تيمية في "مجمع الفتاوى": ٨/ ١٠٧ "فصل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
(٥) مفرده الأثر: وهو العلاّمة. (المعجم الوسيط:١/ ٥).
(٦) من شهره- شهرًا- وشهرة: أعلنه وأذاعه. (المعجم الوسيط: ١/ ٥٠٠).
(٧) أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلى، المالكي: قاض، من حفاظ الحديث، رحل إلى الشرق، وبرع في الأدب، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، وصنف كتبًا في الحديث والفقه والأصول والتفسير والأدب والتاريخ، قال ابن بشكوال عنه: (ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها، من كتبه: "العواصم من القواصم- ط " و"عارضة =
[ ١٠٨ ]
يفعل المعصية يقاتل عليها ويحارب) ١ اهـ.
ولا معصية أعظم ممّا وصفتم به أولئك القبائل، إذّ المعصية شاملة لذلك وللغصب والعمل بالربا وترك الجماعة والجمعة والأذان وغير ذلك، كما صرّح به هو بنفسه ٢ عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّة [٣/ب] وَرَسُولَهُ﴾ ٣، الآية.
ومن ذلك ما ذكره "البرزلي" ٤ قائلًا: (نزلت (الأعراب) ٥ على تونس يريدون دخول الغابة لإفساد كرومها ٦ على عادتهم الفاسدة للتضييق على المسلمين) ٧.
قال: (فندب شيخنا الإمام﵀- الناس إلى قتالهم، وذكرهم قول ٨
_________________
(١) = الأحوذى في شرح الترمذي- ط" و"أحكام القرآن- ط". مات قرب فاس (سنة ٥٤٣هـ). (ابن بشكوال- الصلة: ٥٣١، وابن خلكان- وفيات الأعيان: ١/ ٤٨٩، وابن فرحون- الديباج: ٢٨١، والزركلي- الأعلام: ٦/ ٢٣٠).
(٢) أنظر: ابن العربي- أحكام القرآن: ٢/ ٥٩٣، "سورة المائدة/ آية ٣٣". قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الآية﴾.
(٣) أي: ابن العربي- نفس المصدر السابق.
(٤) أبو القاسم بن أحمد بن محمد القيرواني، المعروف بالبرزلي: الفقيه المالكي، المفتي، شيخ الإسلام، من كتبه: "جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكّام- خ". مات بتونس (سنة ٨٤٤هـ). (التنبكتي- نيل الابتهاج: ٢٢٥ - ٢٢٦، الزركلي- الأعلام: ٥/ ١٧٢).
(٥) سورة المائده/ آية ٣٣، وتمامها: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّة وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
(٦) في "ب": (العرب).
(٧) مفرد الكرم، وهو العنب.
(٨) أنظر فتاوى البرزلي: ٤/ ٢٤٠ - ب، "في مسائل الحرابة".
(٩) وهو قوله في أعراب قطعوا الطريق: (جهادهم أحب إليّ من جهاد الروم) أنظر فتاوى البرزلي: ٤/ ٢٤٠ - أ.
[ ١٠٩ ]
مالك ١، وما ورد في كمال المحارين ٢ المخالفين على أهل الإسلام، وأراد أنْ يستعين بمشيخة الوقت فلم (يساعفوه) ٣ محتجّين بأنّ الناس ليس لهم بمدافعتهم طاقة، إذ لم تكن لهم معرفة بالحروب، مع تركّب الأعراب عليهم في غالب الأوقات، مع ضعف جيش المسلمين عن مدافعتهم، فقال لهم شيخنا الإمام: لو كانوا على قلب واحد لغلبوهم، ولكن ضعف الإيمان حمل الناس على العجز عن قتالهم، إذْ لا يقابلهم إلاّ أهل
_________________
(١) أبو عبد الله: مالك بن أنس الأصبحي الحميرى: إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية، عاش في المدينة، صلبًا في دينه، بعيدًا عن الأمراء والملوك، وجه إليه (الرشيد) العباسي ليأتيه فيحدثه، فقال: (العلم يؤتى) فقصد الرشيد منزله واستند إلى الجدار، فقال مالك: (يا أمير المؤمنين!: من إجلال رسول الله إجلال العلم). من كتبه: "الموطأ" و"رسالة في الوعظ" و"النجوم" و"تفسير غريب القرآن"، مات (سنة ١٧٩هـ). (عياض- ترتيب المدارك: ١/ ١٠٤، ابن الجوزي- صفة الصفوة: ٢/ ٩٩، ابن فرحون- الديباج: ١٧ - ٣٠، ابن حجر- التهذيب: ١٠/ ٥).
(٢) المحارب: اسم فاعل من حارب، قال ابن الحاجب: (هو كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه يتعذر الاستغاثة عادة من رجل أو امرأة أو حرّ أو عبد أو مسلم أو ذمي أو مستأمن وان لم يقتل وان لم يأخذ مالًا): (خليل- التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٢٢ - ب. وقال البرزلي: (الحرابة: فعل لأخذ مال محترم بإذهاب عقل أو مقابلة أو بإخافة سبيل، وفي مختصر شيخنا هي: الخروج لإخافة السبيل بأخذ مال محرم بمكتابرة فقال أو إذهاب عقل أو قتل خفية أو بمجرد قطع الطريق لا لامرأة ولا عداوة، وفي العتبية: من خرج لقطع السبيل لغير أخذ مال فهو محارب وكذلك من حمل السلاح على الناس وأخافهم من غير عداوة. (فتاوى البرزلي: ٤/ ٢٣٧ - ب، ٢٣٨ - أ). وقال أبو جيب: عند الظاهرية: هو المكتابر، المخيف لأهل الطريق، المفسد في الأرض، سواء بسلاح أو بلا سلاح أصلًا، سواء ليلًا أو نهارًا في مصر أو فلاة، أو في قصر الخليفة أو الجامع، سواء قدّموا على أنفسهم إمامًا أو لم يقدموا سوى الخليفة نفسه، فكل من حارب المار، وأخاف السبيل بقتل النفس، أو أخذ مال أو لجراحة، أو لانتهاك فرج، فهو محارب، عليه وعليهم- كثروا أو قلّوا- حكم المحاربين. وعند بعض أهل العلم: هو الذي إذا نقض العهد، ولحق بدار الحرب، وحارب المسلمين. وعند الجعفرية: هو كل مجرد سلاحًا في بر، أو بحر، ليلًا أو نهارًا، لإخافة السابلة وإن لم يكن من أهلها على الأشبه. وعند الإباضية: من أخاف السبيل، وأعلن الفساد في الأرض. (القاموس الفقهي: ٨٤).
(٣) في "ب": (يسعفوه).
[ ١١٠ ]
الدين، وأهله قد قلّوا في هذا الزمان ١.
قال: (وقد إختار الخليفة- نصره الله- ما قاله شيخنا الإمام، وكان فيه شجاعة وإقدام، فقاتلهم وحده بجيشه- بارك الله فيه- حتى غلبهم وسباهم، وترك جلهم (عرايا) ٢ اهـ ٣.
فانظروا إلى قوله: (على عادتهم) وإلى قوله: (وأهله قد قلّوا).
وكذا أفتى كثير من الفقهاء المعتبرين بقتال هؤلاء القبائل المجاورين "لفاس" ونحوها، لما هم عليه من الأوصاف المتقدّمة، ووافق على ذلك الشيخ "ميّارة" ٤، والإمام "الأبّار" ٥، والشيخ "عبد القادر الفاسي" ٦، وغيرهم.
وإذا كان يقاتل من أراد إفساد الكروم، وغابة الزيتون كما مرّ، فكيف لا بمن
_________________
(١) أنظر فتاوى البرزلي: ٤/ ٢٤٠ - ب: "في مسائل الحرابة".
(٢) في "الأصل": (عريانًا)، وما أثبتناه مناسب للسياق.
(٣) أنظر فتاوى البرزلي: ٤/ ٢٤٠ - ب: "في مسائل الحرابة".
(٤) أبو عبد الله: محمد بن أحمد، ميارة: فقيه مالكي، من أهل فاس. من كتبه: "الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكّام- ط"، و"الدر الثمين في شرح منظومة المرشد المعين- ط" ويعرف بميارة الكبير، تمييزًا عن مختصر له، يسمّى "ميارة الصغير"، وله أيضًا "تنبيه المغتربين على حرمة التفرقة بين المسلمين". مات (سنة ١٠٧٢هـ). (الكتاني- سلوة الأنفاس: ١/ ١٦٥ - ١٦٧، الزركلي- الأعلام: ٦/ ١١ - ١٢، كنون- النبوغ المغربي: ٢٥٩).
(٥) هو أحمد بن محمد بن موسى حمدون خطب فاس، من كتبه: "كشف الرواق عن صرف الجامعة" و"التقاط الدر الجليل في شرح مختصر خليل". مات (سنة ١٠٧١هـ). أنظر: القادرى- نشر المثاني: ٢/ ١٠٩ - ١١١، الكتاني- سلوة الأنفاس: ٣/ ٢٣٠، بن عبد الله- الموسوعة المغربية: ١/ ٧.
(٦) أبو محمد، عبد القادر بن علي بن يوسف بن محمد، المغربي، الفاسي، المالكي، من كبار الشيوخ في عصره، ولد ونشأ في "القصر" وانتقل إلى فاس (سنة ١٠٢٥هـ)، لم يشتغل بالتأليف، وإنما كانت تصدر عنه أجوبة على أمور يسأل عنها، فجمعها بعض أصحابه، وفيها: "الأجوبة الكبرى- ط" و"الأجوبة الصغرى- ط"، مات (سنة ١٠٩هـ). (المحبّي- خلاصة الأثر: ٢/ ٤٤٤، الزركلي- الأعلام: ٤/ ٤١).
[ ١١١ ]
يريد إفساد الدين بالكتم على الجواسيس، ونقل الأخبار، ومبايعة الكفار، فهم أسوأ حالًا من المحاربين، لأنّهم تولوا الكفار، ومن يتول الكفار فهو منهم، وسيأتي حكم) أموالهم) ١ في الفصل الأول ٢ من المسألة الثانية، وفي آخر مسألة ٣ من مسائل السؤال، هذا كلّه إنْ أشهروا ذلك [٤/أ] وأعلنوه كما مرّ!.
وأمّا إنْ لم يشهروه ولا أعلنوه، ولكن اتهموا بذلك فقط، فالتهمة قوية لا شكّ في قوتها، من مثل هؤلاء القبائل لشهرتهم بذلك، فيجرى حكمهم على قول صاحب "التبصرة"،٤ ما نصّه: (المتهم بالفجور وقطع الطريق، والسرقة والزنا- أي وكتمان الجواسيس والغصّاب، ونحو ذلك- لا بدّ أنْ يكشف ويستقصى ٣ أمره بقدر تهمته وشهرته بذلك، وربما كان الكشف بالضرب، أو بالسجن دون الضرب على قدر ما اشتهر منه) ٦.
_________________
(١) في "ب": (أحوالهم).
(٢) أنظر:
(٣) أنظر: المسألة الخامسة:
(٤) الإمام القاضي: برهان الدين، إبراهيم بن علي بن فرحون، عالم، بحّاث، نشأ في المدينة، مغربي الأصل، من شيخ المالكية، تولى القضاء بالمدينة (سنة ٧٩٢هـ)، وكتابه هذا: قد ذكر فيه شيئًا من فوائد الإمام السبكي والبلقيني. ومن كتبه- أيضًا-: "الدلياج المذهب- ط"، و"طبقات علماء المغرب" مات (سنة ٧٩٩هـ). (ابن حجر- الدرر الكامنة.: ١/ ٤٨، وفيات الونشريسي في "كتاب ألف سنة من الوفيات": ١٣٣، التنبكتي- نيل الابتهاج: ٣٠ - ٣١، حاجي خليفة- كشف الظون: ١/ ٣٣٩، الزركلي- الأعلام: ١/ ٥٢).
(٥) أي يبلغ الغاية في البحث عن أمره، (البستاني- فاكهة البسنان: ١١٦٧).
(٦) أنظر: ابن فرحون- التبصرة: ٢/ ١٢٠، (الفصل الثالث: الدعوى بالتهم والعدوان)، حيث وجدت أن: ما نقله "المصنف" - ﵀- هنا مخالف في لفظه لما هو في "التبصرة"، فالنص كما ورد: (المتهم بالفجور كالسرقة، وقطع الطرق، والقتل، والزنا، وهذا القسم: لا بدّ أن يكشفوا، ويستقصى عليهم بقدر تهمتهم وشهرتهم بذلك، وربما كان بالضرب والحبس، وبالحبس دون الضرب على قدر ما اشتهر عنهم)، فقد جاء النص خاليأمن قوله (أي: وكتمان الجواسيس والغصاب، ونحو ذلك)، فجعلته بين معترضتين حتى أبيّن أنه من قول- التُّسولي﵀- وليس داخلًا في قول صاحب التبصرة. ونقله - أيضًا- المصنف (التُّسولي) في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٦٣ "في دعوى السرقة".
[ ١١٢ ]
قال: (وليس تحليفه وإرساله مذهبًا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولو حلّفنا كل واحد وأطلقناه وخفينا سبيله، وقلنا: لا نأخذ إلاّ بشاهدي عدل، كان فعل ذلك مخالفًا للسياسة الشرعية، ومن ظنّ تحليفه وإرساله، فقد غلط غلطًا فاحشًا مخالفًا لنصوص رسول الله - ﷺ - وإجماع الأمة) ١.
ثم قال: (واعلم أنّ هذا النوع من المتهمين يجوز ضربه وحبسه) ٢.
وقال "القرافي" ٣ في "ذخيرته": (إعلم أنّ التوسعة على الحكّام في أحكام السياسة ليس مخالفًا للشرع، لأن الفساد قد كثر وانتشر، بخلاف العصر الأول) ٤ اهـ. الغرض منه.
وعليه فإذا كان المتهم بما أشرقم إليه عددًا معيّنًا، كما يفهم من قولكم: (ومن أحياء العرب من يفعل ذلك) فحكمه ما تقدّم، وسيأتي مزيد بيان، لذلك في الفصل السادس.
_________________
(١) أنظر، ابن فرحون- تبصرة الحكام: ٢/ ١٢٠، وهو في الأصل: يعزو هذا القول إلى "ابن قيم الجوزية"، حيث يقول (قال ابن قيم الجوزية الحنبلي: ما علمت أحدًا من أئمة المسلمين يقول: ان هذا المدعى عليه بهذه الدعاوي، وما أشبهها يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره، وليس تحليفه وإرساله مذهبًا إلخ). ونقله- أيضًا- المصنف في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٦٣، "في دعوى السرقة".
(٢) أنظر: نفس المصدر السابق: ٢/ ١٢٠، بزيادة (مما قام على ذلك من الدليل الشرعي).
(٣) أبو العباس: أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، شهاب الدين الصنهاجي القرافي: من علماء المالكية، نسبته إلى قبيلة "صنهاجة"، وإلى "القرافة" بالقاهرة، وهو مصري المولد، له مصنفات في الفقه، منها كتابه هذا "الذخيرة" وهو كما ذكر الزركلي (مخطوط في ستة مجلدّات)، وقد قامت بطبع جزء منه شمل "المقدمات وكتاب الطهارة" وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت. وله- أيضًا- "أنوار البروق في أنواء الفروق- ط" و"الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرف القاضي والإمام- ط". مات (سنة ٦٨٤هـ). أنظر: ابن فرحون- الديباج: ٦٢ - ٦٧، مخلوف- شجرة النور الزكية: ١٨٨، الزركلي- الأعلام:١/ ٩٤ - ٩٥.
(٤) أنظر: ابن فرحون- التبصرة: ٢/ ١١٧. ونقله أيضا المصنف في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٦٤ "في دعوى السرقة".
[ ١١٣ ]
وأمّا إن لم يكن المتهم بما أشرقم إليه معيّنًا في ناحية، ولا محصورًا في عدد معلوم، وإنّما غلب على الظنّ أن من أفراد القبيلة من يفعل ذلك، ولا يدري من هو، فالواجب (- فيما إذا لم يكن المتهم معيّنًا-) ١ وهو غاية المقدور- أنْ يتقدّم الإمام إليهم، ويلزمهم بحراسة جواسيسهم وغصّابهم وتجّارهم، ويخبرهم [٤/ب] بأنّه إنْ ظفر بجاسوس منهم، أو بغاصب، أو بمن يبيع شيئًا لهم، حلّت عقوبة جميعهم، وغرمهم جميع ما (نهب) ٢ أو غصب مثلًا.
إذ لا (يحرس) ٣ الجاسوس أو السارق (أو) ٤ والغاصب غير أخيه الذي يساكنه أو ٥ يجاوره، ولا يشكّ عاقل أنّ القبائل (والمداشر) ٦ لا يخفى عليهم ذهاب جواسيسهم، ولا إيابهم، ولا مكاتبتهم، ولا غصّابهم، ولا سرّاقهم، ولا يخفى أنّ الإمام إذا تقدّم إليهم وألزمهم ٧ بما ذكر، فلا إشكال أنّهم يتأهبون لحراسة من ذكر، ويشمّرون ٨ عن ساق الجدّ في ذلك، ويتناهون فيما بينهم عن المفاسد ٩ دفعًا للعقوبة التي تلزمهم من الإمام.
ثم بعد تقدّم الإمام إليهم وإلزامهم بما ذكر، يجعل المراصد ١٠ على الطرقات
_________________
(١) ساقطة من "الأصل"، ومن "ج"، و"د"، والإضافة من "ب".
(٢) في "الأصل": (نسب) وهو تصحيف.
(٣) في "الأصل": (يحرض)، وكذلك في "ب"، والصواب ما أثبتناه من "ج"، و"د".
(٤) ساقط من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج".
(٥) ساقطة من "ب" و"ج".
(٦) في الأصل" (المراجش) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج"، و"د" وهي بمعنى الضيعات".
(٧) في "الأصل" (ولزمهم)، وكذلك في "ج"، وما أثبتناه من"ب" مناسب للسياق.
(٨) من شمر إزاره تشميرًا: رفعه، يقال (شمّر عن ساق الجدّ في أمره) أي: خفّ. (الرازي- الصحاح: ٢٧٤).
(٩) في "الأصل" (الفساد)، وما أثبتناه من "ب" و"ج" مناسب للسياق.
(١٠) في "ب" (المرصاد) والصواب ما أثبتناه، لأنه جمع (المرصد) وهو موضع الرصد. (البستاني - فاكهة البستان: ٥٣٥).
[ ١١٤ ]
من أهل الثقات، العارفين (بمغابن) ١ الطرق من غير أولئك القبائل والمداشر خفية منهم، فإذا ظفر بأحد من الجواسيس ونحوهم ممّن كلّفهم بحراسة، أو ثبت على أحد منهم شيء من ذلك بإقرار أو بيّنة، فلا إشكال أنه يحلّ له عقوبة الجميع.
أمّا عقوبة الجاسوس فتكون بالقتل، ولا تقبل له توبة، قال "خليل" ٢: (وقتل عين وإن أمن، والمسلم كالزنديق) ٣.
وقال "ابن رشد" ٤: (لأنّ مفسدته أعظم من مفسدة المحارب) ٥.
_________________
(١) في "الأصل" (بمغاير) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج"، و"د" فمغابن الطرق، أي مخادعها. أنظر البستاني- فاكهة البستان: ١٥١.
(٢) في "ب" (خ)، وهو: خليل بن اسحاق بن موسى، ضياء الدين الجندي، فقيه مالكي، من أهل مصر، تعلم في القاهرة، وولي الافتاء على مذهب مالك. من كتبه: "المختصر- ط" و"التوضيح- خ" و"المناسك- خ" واختلف في سنة وفاته وأرجحها (سنة ٧٧٦هـ). (ابن فرحون- الدليباج: ١١٥، ابن حجر- الدرر الكامنة: ٢/ ٨٦، الزركلي- الأعلام: ٢/ ٣١٥).
(٣) أنظر: مختصر خليل: ٩٨، (باب: الجهاد، وقال الزرقاني في "شرحه على خليل": ٣/ ١١٨، ("وقتل عين" على المسلمين، وهو الجاسوس الذي يطلع على عورات المسلمين، وينقل أخبارهم للعدوّ، وإن كان ذميًّا عندنا أو حربيًّا أمن، لأن التأمين لا يتضمن كونه عينًا، ولا يستلزمه، ولا يجوز عقد عليه، "سحنون" إلاّ أن يرى الإمام استرقاقه، والمسلم العين كالزنديق، ان ظهر عليه كونه عينا قتل ولو أظهر التوبة بعد أخذه، وإن جاء تائبًا قبل الظهور عليه).
(٤) أبو الوليد: محمد بن أحمد: قاضي الجماعة بقرطبة، من أعيان المالكية، وهو: جدّ ابن رشد الفيلسوف (محمد بن أحمد)، من كتبه: "المقدمات والممهدات- والبيان والتحصيل- ط" و"الفتاوى"، (ط) وغيرها، مات (سنة ٥٢٠هـ،. (ابن بشكوال- الصلة: ٥٧٦ - ٥٧٧، ابن فرحون- الديباج: ٢٧٨، الزركلي- الأعلام: ٥/ ٣١٦ - ٣١٧).
(٥) أنظر: ابن رشد- البيان والتحصيل: ٢/ ٥٣٧، حيث رجح قول (ابن القاسم): (أرى أن تضرب عنقه) في عقوبة الجاسوس، وعلّل ذلك بقوله: (لأن الجاسوس أضر على المسلمين من المحارب، وأشدّ فسادًا في الأرض منه، وقد قال الله تعالى- في المحارب- ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّة وَرَسُولَهُ﴾ (سورة المائدة/ آية ٣٣). فللجاسوس حكم المحارب، إلاّ أنه لا تقبل له توبة باستخفافه بما كان عليه، كالزنديق، وشاهد الزور، ولا يخير الإمام فيه- من عقوبات المحارب- إلاّ في القتل والصلب، لأن =
[ ١١٥ ]
وأما التاجر إليهم فهو قريب من الجاسوس أو عينه، لأنّ الغالب عليه أنّ النصارى يسألونه عن أحوال المسلمين، ولا يجد بدًّا من جوابهم، ولأنّه يعينهم بما نقل إليهم من أنواع المتاجر ولاسيّما السلاح، ومن أعانهم فقد أشرك في دماء المسلمين- كما يأتي-.
وقد أفتى سيدي "محمد بن سودة"، والشيخ "ميّارة " والإمام "الأبّار" حسبما في "نوازل الزياتي": (يقتل من باع مملوكًا للعدوّ، حيث كان لا ينفك ١ عن فساده إلاّ بالقتل، لأنه من أهل العبث ٢ وإدخال الضرر على المسلمين) اهـ.
فحكم هذا التاجر كذلك إنْ كان لا ينفك (إلاّ به) ٣، وإلاّ فالعقوبة [٥/أ] عليه في ماله أو بدنه- على ما يأتي في فصل العقوبة بالمال-٤.
وأما الكاتمون للجواسيس والغصّاب والمفرّطون ٥ في حراستهم من إخوانهم بعد التقدّم إليهم، فعقوبتهم واجبة ولا يستحقون قتلًا، وإنّما وجبت عقوبتهم لأنّ حرس الجواسيس ونحوهم من المتلبّسين بالتجارة إليهم، جهاد يتعيّن بتعيين الإمام.
[قال] "خليل": (وتعيّن بتعيين الإمام، وإنْ على إمرأة) ٦ باختصار.
_________________
(١) = القطع أو النفي لا يرفعان فساده في الأرض وعاديته على المسلمين عنهم، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول مالك: أرى فيه اجتهاد الإمام).
(٢) في "ب" و"ج" (ينكف) وكلا المعنيين صحيح.
(٣) أي: أهل الاستخفاف بالدين واللّعب والهزل. أنظر: ابن منظور- لسان العرب: ٢٧٧٥، البستاني- فاكهة البستان: ٨٩٨.
(٤) في "الأصل" (الأيدي)، وكذلك في"ب"، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ج".
(٥) أنظر الفصل الخامس من المسألة الأولى.
(٦) المقصرون والمضيعون، يقال: (فرط الرجل في الأمر فرطًا)، قصّر فيه وضيّقه حتى فات. أنظر: الرازي- الصحاح: ٣٩٢، الفيومي- المصباح المنير: ٢/ ٢٤٢.
(٧) أنظر: مختصر خليل: ٩٦، (باب: الجهاد) والنص كما ورد: (وتعيّن بفجأ العدوّ، وان على امرأة، وعلى من يقربهم إن عجزوا، وبتعيين الإمام).
[ ١١٦ ]
وهؤلاء الكاتمون والمفرّطون، قد عيّنهم الإمام للحراسة للجواسيس ونحوهم، فخالفوا وكتموا ١ وفرّطوا، فحيث افتضح أمرهم بنقض بعض ما كلفوا بحراسته تحقّقت تهمتهم وظلمهم ولزمهم العقاب، لأنّهم بالمخالفة والكتمان عصوا الله ورسوله، ووجب عقابهم- كما يأتي دليله في الفصل بعده- ووجب أيضًا مؤاخذة بعضهم ببعض- كما يأتي في الفصل الثالث- والله أعلم.
_________________
(١) ساقطة من ط "ج".
[ ١١٧ ]
الفصل الثاني
في دليل عقوبة كاتم الجواسيس والغصّاب
وغيرهم ممّن يستحق العقاب
ــ
اعلم أنّه لا يخفى أن كل من تلبّس بمعصية توعّد الله عليها بالعقاب الأخروي، فإنّ الإمام يجب عليه أنْ يعاقب فاعلها، كان فيها مع ذلك حق لآدمي، ككتمان الجواسيس والغصّاب وحمايتهم والتعصب عليهم، لما في ذلك من الفساد وإدخال الضرر على المسلمين في دينهم ودنياهم، أو تمحّض فيها حق الله فقط، كالأكل في نهار رمضان، وترك الصلاة وإقامة الأذان، وترك النهي عن المناكر مع القدرة، أو عدم هجرتهم مع عدم القدرة، لأن "من رضي فعل قوم فهو منهم" ١، إذ سبب هلاك الأمم السابقة وخزيهم ولعنهم، أنّهم كانوا [٥/ب] لا يتناهون عن المناكرة قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إلى قوله: كَانُوا لَا يَتَنَاةوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ٢.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" عون المعبود شرح سنن أبي داود- للعظيم آبادي): ١١/ ٧٤، "كتاب اللّباس"، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "من تشبّه بقوم فهو منهم". وأورده الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين": ٦/ ١٢٨، وقال: (أخرجه أبو يعلى، والديلمي في "مسنديهما"، وعلي بن معبد في "كتاب الطاعة" عن ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: "من رضي عمل قوم كان شريك من عمل به").
(٢) سورة المائدة / آية ٧٨ - ٧٩، وتمامها: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاةوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
[ ١١٨ ]
قال الإمام "القرطبي" ١، و"ابن عطة" ٢ - "في تفسيرهما"- ما نصّه: (قال " قتادة" ٣، و"مجاهد" ٤: لعنهم: مسخهم ٥ قردة) ٦.
قالا: (وقد ذمّ الله هؤلاء القوم لتركهم النهي عن المنكر، وكذا يذمّ من بعدهم ممّق فعل فعلهم.
_________________
(١) أبو عبد الله: محمّد بن أحمد بن أبي بكر، الأنصاري، الخزرجي، الأندلسي، القرطبي: من كبار المفسرين، صالح متعبّد، استقر بمصر، من كتبه: "الجامع لأحكام القرآن- ط" و"قمع الحرص بالزهد والقناعة" و"التذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة- خ" مات (سنة ٦٧١هـ)، (ابن فرحون- الديباج: ٣١٧، المقري- نفح الطيب:١/ ٤٢٨، الزركلي - الأعلام: ٥/ ٣٢٢).
(٢) أبو محمد: عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطيّة المحاربي، الغرناطي، مفسّر، فقيه، أندلسي، عارف بالأحكام، والحديث، ولي قضاء المرية، يكثر الغزوات في جيوش الملثمين، عن كتبه "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" مات (سنة ٥٤٢هـ). (الضبي- بغية الملتمس: ٣٨٩ - ٣٩٩، المقري- نفح الطيب:١/ ٥٩٣، الداودي- طبقات المفسرين: ١/ ٢٦٠ - ٢٦١).
(٣) أبو الخطاب: قتادة بن دعامة بن عزيز، السدوسي، البصري، المفسّر، الحافظ، المحدث، قال الإمام (أحمد بن حنبل): (قتادة أحفظ أهل البصرة)، وكان رأسًا في العربية، ومفردات اللغة والنسب، مات بواسطة الطاعون، (سنة ١١٨هـ). (ابن خلكان- وفيات الأعيان:١/ ٤٢٧، الذهبي- تذكرة الحفاظ:١/ ١١٥، الزركلي- الأعلام: ٥/ ١٨٩).
(٤) أبو الحجاج المكي: مجاهد بن جبر، مولى "بني مخزوم" التابعي، المفسر، قال الذهبي: (شيخ القراء والمفسرين)، أخذ التفسير عن ابن عباس، وكان رحالة لا يسمع بأعجوبة إلاّ ذهب فنظر إليها، أما كتابه في "التفسير" فيتقيه المفسرون، وسئل (الأعمش) عن ذلك، فقال: (كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب) مات (سنة ١٠٤هـ). (ابن الجوزى- صفة الصفوة: ٢/ ١١٧، الذهبي- ميزان الاعتدال: ٣/ ٩، الزركلي- الأعلام: ٥/ ٢٧٨).
(٥) من المسخ، وهو تحويل سورة إلى ما هو أقبح منها، يقال: (مسخه الله قردًا). (الرازي- مختار الصحاح: ٤٩٤).
(٦) أنظر القرطبي- الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٢٥٢، بزيادة: "وخنازير"، وابن عطية- المحرر الوجيز: ٥/ ١٦٥، مفصلًا، وهو (قال مجاهد وقتادة: بل مسخوا في زمن داود قردة، وفي زمن عيسى خنازير).
(٧) في "ب" و"ج" و"د": (المناكر).
[ ١١٩ ]
خرّج أبو داود ١، عن عبد الله بن مسعود ٢، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أول ما دخل النقصُ على بني إسرائيل»، كان الرجل يلقى الرجل فيقول: (يا هذا) ٣؟ اتّق الله!، ودع ما تصنع، فإنّه لا يحلّ لك، ثم يلقاه [من الغد] ٤ فلا يمنعه ذلك أنْ يكون أكيلَهُ وشَرِيبهُ وقَعِيدَهُ، فلما فعلوا ذلك ضَرَبَ الله قلوب بعضهم ببعض، وقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إلى قوله: فَاسِقُونَ﴾ ٥ ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروفِ، ولتنهوّن عن المنكرِ، ولتأخذنّ على يدِ الظالمِ، ولتأطِرُنَّه على الحق أطرًا، (ولتقصرنه ٦ على الحق قصرًا، أو ليُضْرِبن اللهُ بقلوبِ بعضكم على بعض، ثم ليلعنّكم كما لعنهم" ٧ ومعنى لتأطِرَنَّه أي: (لتردنه) ٨ اهـ. لفظه.
_________________
(١) هو: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني: إمام أهل الحديث في زمانه، من كتبه: "السنن- ط" و"المراسيل- ط" و"كتاب الزهد". مات بالبصرة (سنة ٢٧٥هـ). (البغدادي- تاريخ بغداد: ٩/ ٥٥، ابن خلكان- وفيات الأعيان: ١/ ٢١٤، الذهبي- تذكرة الحفاظ: ٢/ ١٥٢.
(٢) وهو: أبو عبد الرحمن: عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، الصحابي الجليل، الفاضل، من السابقين إلى الاسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، خادم رسول الله - ﷺ - وصاحب سره، نظر إليه عمر يومًا وقال: (وعاء ملىء علمًا) له: ٨٤٨ حديثًا، مات (سنة ٣٢هـ). (ابن الجوزي- صفة الصفوة: ١/ ١٥٤، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: ٣/ ٣٥٦).
(٣) هكذا في سنن أبي داود وفي جميع النسخ: (ما هذا يا فلان).
(٤) ساقطة من جميع النسخ، والإضافة من سنن أبي داود.
(٥) سورة المائدة / آية ٧٨ - ٨١.
(٦) في جميع النسخ: (أو تقصونه).
(٧) أخرجه أبو داود في "سننه" كتاب "الملاحم" باب: "الأمر والنهي" (أنظر: "عون المعبود شرح سنن أبي داود": ١١/ ٤٨٧ - ٤٨٨ - ٤٨٩، نحوه. وأورده السيوطي في "جمع الجوامع": ٢/ ٢٣٣، وعزاه لأبي داود، وكذا في كتابه "الدر المنثور في التفسير بالمأثور": ٢/ ٣٠٠.
(٨) (أنظر: القرطبي- الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٢٥٣، وابن عطية- المحرر الوجيز: ٥/ ١٦٦، بلفظ: "إن الرجل من بنى إسرائيل كان إذا رأي أخاه على ذنب نهاه عنه تغريرًا، =
[ ١٢٠ ]
فأنتم ترون هذا الزجر الغليظ، والوعيد الفضيع، حتى قال﵊-: "والله إمّا أن تأمروا بالمعروف وتردّوا الظالم إلى الحق، وإمّا أنْ يضرب الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم" فقوله في الحديث الكريم: "أو ليضربنّ الله إلخ" قسيم قوله: "لتأمرنّ إلخ".
قال في "الكشاف": قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ ٢ أي: لم يكن ذلك اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ، إلاّ لأجل المعصية والاعتداء لا لشيءآخر، ثم فسّر المعصية [٦/أ] والاعتداء بقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاةوْنَ (عَنْ مُنْكَرٍ) ٣﴾ ٤ - أي- لا ينهى بعضهم بعضًا، ثم قال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٥ للتعجب من سوء فعلهم، مؤكدًا لذلك بالقسم) ٦.
قال: (فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المنكر، وقلّة عبئهم ٧ به، كأنه (ليس) ٨ من ملّة الإسلام، مع ما يتلون من كتاب الله، وما فيه
_________________
(١) = فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأي منه أن يكون خليطه وأكيله، فلما رأي الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى، قال ابن مسعود: وكان رسول الله متكأ فجلس، وقال: "لا والله حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق اطرًا".
(٢) "الكشاف عن حقائق التنزيل": لأبي القاسم: محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري: الإمام، العالم، المفسر، اللغوي، الأديب، معتزلي المذهب، مات (سنة ٥٣٨هـ). (ابن خلكان- وفيات الأعيان: ٢/ ٨١، حاجي خليفة- كشف الظون: ٢/ ١٤٧٥ - ١٤٨٤).
(٣) سورة المائد و/ آية: ٧٨، وتمامها: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
(٤) ساقط من "الأصل"، ومن "ج"، والإضافة من "ب".
(٥) سورة المائدة / آية: ٧٩.
(٦) الشطر الثاني من الآية السابقة.
(٧) أنظر: الزمخشري- الكشاف: ١/ ٦٦٧.
(٨) أي: قلّة مبالاتهم به، ويقال: (ما عبأ به: لم يعدّه شيئًا، ولم يباله). (الرازي- مختار الصحاح: ٣٢٣، المعجم الوسيط: ٢/ ٥٨٥).
(٩) ساقط من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج"، و"د".
[ ١٢١ ]
من المبالغات في هذا الباب) ١ اهـ.
وقال- تعالى-: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ ٢.
قال "البيضاوي " ٣: (أي: لا تميلوا إليهم أدنى ميل، فإن الركون: هو الميل القليل كالتزيّي بزيهم وتعظيم ذكرهم، وإذا كان الركون إلى من وجد فيه ما يسمّى ظلمًا يلحقه هذا الوعيد، فما ظنّك بالركون إلى الظالمين الموسومين بالظلم، ثم بالميل إليهم كل الميل، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيهه) ٤ اهـ.
وقال "ابن عطية": ("ولا تركنوا" يقال: ركن يركن، ومعناه السكون إلى الشيء والرضي به، فالركون يقع على قليل هذا المعنى وكثيره) اهـ. الغرض منه.
وقال في "الكشاف": ("ولا تركنوا" متناول الانحطاط ٥ في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم، ومجالستهم، وزيارتهم، ومداهنتهم ٦، والرضي بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيّ بزيهم، ومدّ العين إلى زهرتهم [وذكرهم] ٧ بما فيه تعظيم لهم) ٨.
قال: (وتأمل قوله: "ولا تركنوا" فإن الركون هو: الميل اليسير، وهذا
_________________
(١) أنظر: الزمخشري - الكشاف:١/ ٦٦٧.
(٢) سورة هود/ آية ١١٣، وتمامها: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.
(٣) أبو سعيد: عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي، ناصر الدين البيضاوي: قاض، مفسر، علاّمة، من كتبه: "أنوار التنزيل وأسرار التأويل- ط"، و"طوالع الأنوار- ط" و"لبّ اللّباب في علم الإعراب" مات في تبريز (سنة ٦٨٥هـ). (ابن كثير- البداية والنهاية: ١٣/ ٣٠٩، الداودي- طبقات المفسرين: ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣، كبرى زاده- مفتاح السعادة: ١/ ٤٣٦).
(٤) أنظر: البيضاوى- أنوار التنزيل: ٢٣١.
(٥) من انحطّ: أيّ: نزل وانحدر: (المعجم الوسيط: ١/ ١٨٢).
(٦) من داهن وهي: المسالمة، والمصالحة. (المصباح المنير:١/ ٢٤٤).
(٧) ساقطة من جميع النسخ، والإضافة من "الكشاف": ٢/ ٤٣٣.
(٨) أنظر: الزمخشري- الكشاف: ٢/ ٤٣٣، سورة هود / آية ١١٣.
[ ١٢٢ ]
فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالمه) ١.
قال: (وقد قال رسول الله - ﷺ -: "من دعا لظالم بالبقاء، فقد (أحبّ) ٢ أن يعصي (الله) ٣ في أرضه" ٤.
ولقد سئل "سفيان الثوري" ٣ عن ظالم أشرف على الهلاك في بريّة، هل يسقى شربة من ماء؟ فقال: (لا، فقيل له: يموت، فقال له: دعه يموت) ٦ اهـ. [٦/ب]
وإذا كان هذا الوعيد الفظيع لاحقًا لمن لا يتناهى عن المناكر، فضلًا عمّن يباشرها كهؤلاء القبائل الذين وصفتهم، أو لمن ركن إلى الظالم الركون اليسير فكيف بمن يكتم على الجواسيس والغصّاب والتجار الحربيين ونحوهم، ويطعمهم
_________________
(١) أنظر: الزمخشري- الكشاف: ٢/ ٤٣٣، وقد أورده "المصنف" هنا مختصرًا، وتمامه قوله بعد: (هو الميل اليسير): (إلى الذين ظلموا، أي: إلى الذين وجد فيهم الظلم، ولم يقل إلى الظالمين، وحكي أن "الموفق" صلّى خلف الإمام، فقرأ بهذه الآية، فغشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال: "هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم! ").
(٢) في "الأصل": (حب)، وما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د" مناسب للسياق.
(٣) في "ب": (يعصي الله ورسوله) وهي زائدة، والصحيح سقوطها، كما هو ثابت في الموضع الذي نقل منه المصنف وهو: (الزمخشري- الكشاف: ٢/ ٤٣٤، وكما هو ثابت- أيضًا- في كتب الحديث، ككتاب "كشف الخفاء للجراحي": ٢/ ٣٢٥.
(٤) أورده الجراحي في "كشف الخفاء ومزيل الالباس عمّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس": ٢/ ٣٢٥، وقال: (ذكره البيهقي في الشعب، وابن أبي الدنيا في الصمت من قول الحسن البصري، وأخرجه أبو نعيم في ترجمة "سفيان الثوري من قوله، لكنه لم يرو في المرفوع). والغزالي في "الإحياء": ٢/ ٨٧، وقال العراقي في تخريجه: (لم أجده مرفوعًا، وإنما رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الصمت" من قول الحسن). أنظر: كتاب الصمت وآداب اللّسان: ٣٤٤ رقم ٢٣١.
(٥) أبو عبد الله: سفيان بن سعيد الثورى: المحدث، الحافظ، العالم، التقي، نشأ في الكوفة، وسكن مكة والمدينة، وانتقل إلى البصرة، من كتبه: "الجامع الكبير" و"الجامع الصغير" وكتاب في "الفرائض"، مات (سنة ١٦١هـ). (ابن سعد- الطبقات: ٦/ ٢٥٧، ابن حجر - تهذبب التهذيب: ٤/ ١١١، ١١٥، الزركلي- الأعلام: ٣/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٦) أنظر: الزمخشري - الكشاف: ٢/ ٤٣٤.
[ ١٢٣ ]
أو يساكنهم، أو يأوون إليه فيجالسهم أو يحسن إليهم أو يواسيهم، وكيف بالتعصب عليهم ومنع الإمام من الانتصاف ١ منهم، فلو لم يكن إلاّ واحد من هذه الأمور لكفي به معصية، فكيف بجميعه أو غالبه!.
وهذا كله فيمن لم يباشر- لأنّه بكتمه أو تعصّبه أو مجالسته لهم أو مساكنته ونحو ذلك، مع عدم التغيير عليهم إنْ قدر، أو خروجه من بينهم إنْ لم يقدر ٢ - راض بفعلهم معين لهم بذلك على الاستمرار في معصيتهم، "ومن رضي فعل قوم فهو منهم" ٣، ولذلك استوجبوا ما تقدّم من العقاب في الآيتين الكريمتين، فكيف بالمباشرة منهم!.
ولذا قال الفقهاء- كما في "ابن عرفة ٤ وغيره-: (تحرم الإقامة والسكنى بين قوم لا يتناهون عن المناكر، ولا زاجر لهم يزجرهم عنها، وإنْ لم يباشر هو معهم ما هم عليه، وتجب عليه هجرتهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُةاجِرُوا فِيةا﴾) ٥.
قالوا: (وهو ساقط الإمامة والشهادة بعدم (الهجرة) ٧.٦.
_________________
(١) انتصف منه: استوفى حقه منه كاملًا، وأنصف الرجل: عدل، يقال: (أنصفه من نفسه، وانتصف هو منه). (الرازي- مختار الصحاح: ٥٢٦، ترتيب القاموس المحيط: ٤/ ٣٤٢).
(٢) ساقطة من "ب".
(٣) تقدّم تخريجه.
(٤) أبو عبد الله: محمد بن محمد بن عرفة الورغمي، الإمام التونسي، العالم، الخطيب، المفتي في عصره، تولّى إمامة الجامع الأعظم (سنة ٧٥٠هـ)، من كتبه: "المختصر الكبير"، و"المختصر الشامل" و"المبسوط" في الفقه. مات بتونس (سنة ٨٠٣هـ). (السخاوي- الضوء اللامع: ٩/ ٢٤٠ - ٢٤٢، التنبكتي- نيل الابتهاج: ٢٧٤، الزركلي- الأعلام: ٧/ ٤٣).
(٥) سورة النساء / آية ٩٧، وتمامها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُةاجِرُوا فِيةا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَةنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
(٦) في "ب" و"ج" و"د": (الهجران).
(٧) (اتفق علماء المدينة مالك وأصحابه أجمع، على: ردّ شهادة تسعة وإمامتهم أبدًا وإن تابوا =
[ ١٢٤ ]
وحينئذ فلا مؤاخذة على الإمام، حيث وآخذه من جملتهم، وقاتله أو عاقبه معهم بمال أو غيره- على ما يأتي في الفصل بعده- ولا سيّما، حيث تقدّم إليهم وأخبرهم: بأنّ من لم يرضَ بفعلهم فليخرج عنهم- على أنّه لا يحتاج للتقدّم المذكور- لأنّ كل من ساكن قومًا، يعلم أنه ينوبه ما ينوبهم من شرّ أو غيره.
وقد قالوا: (شاع مثل هذا الفساد حتى في الحواضر ١، فتجد أهل [٧/أ] (الحارة) ٢ والحومة يحمون فسّادهم ويكتمون عليهم، ويجالسونهم ولا ينهونهم عمّا هم عليه).
وقد قال ﵊: "أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قالوا: إن كان مظلومًا فنعم، وإن كان ظالمًا، فكيف ننصره؟ فقال: نصره أن تمنعه من ظلمه" ٣.
_________________
(١) = وحسنت حالتهم، وذلك بعد الظهور عليهم، وهم أربعة في "المدونة" وخمسة في غيرها، وأما الأربعة الذين هم في المدونة: الزاني، وشاهد الزور، والمحارب والقاتل عمدًا والأصل في منع ذلك الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ﴾ (النساء / آية ٩٣)، وأما السنّة فقوله﵇-: "كل ذنب عسى أن يكون معفوًا إلاّ من مات كافرًا، أو قتل مؤمنًا متعمدًا"، وأما الاجماع "سأل سائل ابن عمر، وابن عباس، وعلي بن أبي طالب﵃-: عمّن قتل مؤمنًا متعمدا هل له توبة؟ فقالوا كلهم: وهل يستطيع أن يحيه، وهل يبتغي نفقًا في الأرض أو سلّمًا في السماء!؟). (الفتاوى لأبي عمران الفاسي = ٣٧).
(٢) في "ج" (الحاضرة) وهي: ضد البادية، وهي: المدن والقرى والريف. (الرازي- مختار الصحاح: ١٠٧).
(٣) الحارة: كل محلة دنت منازلها فهم أهل الحارة. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ١/ ٧٤٩).
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه": (أنظر: فتح الباري: ٥/ ٩٨) كتاب: المظالم، باب: أمن أخاك ظالمًا أو مظلومًا. ومسلم في "صحيحه": ٤/ ١٩٩٨، "كتاب: البر والصلة والآداب" "باب: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا"،نحوه. وأحمد في "مسنده ": ٥/ ٩٩ - ٢٠١. والترمذي في "سننه": ٤/ ٥٢٣، كتاب: الفتن"باب (٦٨)، عن أنس، وقال فيه: (هذا حديث حسن صحيح).
[ ١٢٥ ]
وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ١.
والكتمان على الجواسيس والغصّاب، أو عدم التناهي عن المناكر، أو مخالطتهم إثم وعدوان، فكيف بحمايتهم أو مواساتهم كما هو الموجود من أهل الفساد!.
وقال "ابن العربي" - عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّة وَرَسُولَهُ ﴾: (فقد اتفقت الأئمة الأربعة على أن من يفعل المعصية يقاتل ويحارب، كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا، أو على ترك الجماعة، أو تعطل الجمعة، أو ترك الآذان، فإنهم يقاتلون على ذلك) ٢.
والمراد منه قوله: (من يفعل المعصية، لأن المعصية شاملة لجميع ما تقدّم وغيره، ولا خصوصيّة لما مثّل به.
وهذا الفصل كله داخل تحت قول الشيخ "خليل": (وعزّر ٣ الإمام لمعصية الله، أو لحق آدمي إلى قوله: وإنْ زاد على الحدّ-، أو أتى على النفس إلخ) ٤.
_________________
(١) سورة المائدة / آية ٢، وتمامها: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّةرَ الْحَرَامَ وَلَا الْةدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْئا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّة إِنَّ اللَّة شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
(٢) أنظر: ابن العربي- أحكام القرآن: ٢/ ٥٩٣.
(٣) التعزير: التأديب، ومنه: التعزير الذي هو الضرب دون الحدّ. (الرازي- مختار الصحاح: ٣٣٨).
(٤) أنظر: مختصر خليل: ٢٨٩"باب (شرب المسلم المكلف ما يسكر جنسه). والنص كامل كما ورد: (وعزر الإمام لمعصية الله، أو لحق آدمي حبسًا ولومًا، وبالإقامة، ونزع العمامة، وضرب بسوط أو غيره، وان زاد على الحدّ أو أتى على النفس)، فقال الزرقاني في شرحه لخليل: ٨/ ١١٥ - ١١٦، (ولما فرغ من الكلام على الحدود التي جعل الشارع فيها شيئًا معلومًا، بل يختلف باختلاف الناس، وأقوالهم، وأفعالهم، وذواتهم، وأقدارهم، فقال: "وعزّر الإمام" أو نائبه "لمعصية الله " وهي: ما له للآدمي إسقاطه كالأكل في نهار رمضان بغير عذر إلاّ أن يجيء تائبًا، "أو لحق آدمي" وهو: ما له اسقاطه كشتم آخر وضربه، أو أذاه بوجه لا ما ليس لله فيه حق، لأنه ما من حق لآدمي إلاّ ولله فيه حق، وذلك اما: بالحبس أو باللّوم، والتوبيخ، أو بالاقامة من المجلس، أو بنزع العمامة، وضرب بالسوط أو غيره "وان =
[ ١٢٦ ]
قال في "العتيبة" ١: (قد أمر مالك: بضرب شخص وجد مع صبي في سطح المسجد، قد جرّد، وضمّه إلى صدره، أربعمائة سوط، فانتفخ ومات، ولم يستعظم ذلك مالك) ٢.
فهذه النصوص كلها صريحة في وجوب العقاب، لمن ارتكب معصية، كتمانًا كانت أو غيره، وهل يعدل عن التعزير إلى إغرامه المال؟ سيأتي ذلك مبيّنًا في الفصل الخامس- إنْ شاء الله- والله أعلم. [٧/ب]
_________________
(١) = زاد على الحدّ أو أتى على النفس" وله الاقدام ان ظن السلامة، فان ظن عدمها أو شك منع، "و" ان فعل مع الشك، "ضمن" دية "ما سرى" لنفس أو عضو على العاقلة، والإمام كواحد منهم ولا قصاص عليه).
(٢) وتسمى- أيضًا- "المستخرجة" وهى: لفقيه الأندلس، أبي عبد الله: محمد بن أحمد بن عبد العزيز، العتبي، القرطبي، المالكي. مات (سنة ٢٥٥هـ)، وقيل (سنة ٢٥٤هـ). وكتابه هذا مطبوع مع البيان والتحصيل لابن رشد، وسمّى بذلك نسبة لصاحبه العتبى، وقد وضعه في مسائل مذهب الإمام مالك. (الضبي- بغية الملتمس: ٤٨، ابن فرحون- الديباج المذهب: ٢٣٨، حاجي خليفة- كشف الظنون: ٢/ ١١٢٤، والزركلي- الأعلام: ٥/ ٣٠٧).
(٣) بحثت عنه بحثًا مضنيًا في "العتيبة" ولم أقف عليه، ووقفت عليه في: شرح ابن رشد للعتيبة، وهو: "البيان والتحصيل": ١٦/ ٢٧٨، كتاب: "الحدود".
[ ١٢٧ ]
الفصل الثالث
في كون الرجل يؤاخذ بجريرة قومه كما يؤاخذ بجريرته
ــ
روى مسلم، في "صحيحه " وغيره، عن "عمران بن حصين": "أن "ثقيفًا" ١ كانت خلفاء "بني غفا" ٢ في الجاهلية، فأصاب المسلمين رجلًا من بني غفار ومعه ناقة له، وأتوا به (إلى) ٣ النبي - ﷺ - فقال: يا محمد!، بم أخذتني، وأخذت (سابقة) ٤ الحاج ٥، فقال - ﷺ -: (أخذتك بجريرة حلفائك ثقيفَ)، وكانوا أسروا رجلين من المسلمين، وكان النبي - ﷺ - يمرّ به وهو محبوس، فيقول: يا محمد!: إني لمسلم، فيقول - ﷺ -: (لو قلت ذلك، وأنت تملك أمرك لأفلحت) ففداه النبي - ﷺ - بالرجلين من المسلمين، وأمسك الناقة لنفسه ٦ اهـ.
_________________
(١) ثقيف: قبيلة منازلها في جبل الحجاز بين مكة واليائف، وعلى الأصح بينه وبين جبال الحجاز، وتنقسم إلى بطون كثيرة. (كحالة- معجم قبائل العرب: ١/ ١٤٧).
(٢) هم: بنو غفار بن عبد مناة بن كنانة، وهم رهط أبي ذرّ الغفاري، صاحب رسول الله - ﷺ -، وإليهم الإشارة بقوله - ﷺ -: (غفار غفر الله لها). (القلقشندي- صبح الأعشى:١/ ٣٥٠) وانظر: كحالة- معجم القبائل: ٣/ ٨٩٠.
(٣) ساقطة من "الأصل"، ومن "ج"، و"د" والإضافة من "ب".
(٤) في جميع النسخ: (سائقة) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، أنظر: النووي على مسلم: ١١/ ١٠٠.
(٥) أي: ناقته العضباء، (النووي على مسلم: ١١/ ١٠٠، كتاب "النذور".
(٦) أخرجه مسلم في "صحيحه": ٣/ ١٢٦٢،، كتاب النذر""باب: "لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما يملك العبد"، نحوه مطولًا، من طريق أيوب عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين. وأبو داود في "سننه" أنظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود": ٩/ ١٤٤، كتاب: الإيمان والنذور""باب "النذور فيما لا يملك"، نحوه مطولًا. وأحمد في "مسنده": ٤/ ٤٣٠، ٤٣٣، نحوه مطولًا.
[ ١٢٨ ]
ونقله ابن العربي في "الأحكام" في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَةوْا فَإِنَّ اللَّة غَفُورٌ رَحِيمٌ ١﴾ ٢، ونقله في "التبصرة" ٣ مسلّمًا محتجًا به، على أنّ ذلك من أحكام) السياسة) ٤.
قالوا: (وهو معارض لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٣ أي: لا تؤخذ نفس بذنب غيرها) ٦.
قال "المازري" ٧: (أجاب الناس عن الحديث الكريم بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنْ يكونوا عوهدوا على أن لا يتعرضوا لأصحاب سيدنا محمد، لا هم ولا حلفاؤهم ٨، فنقض حلفاؤهم العهد، ورضوا هم بذلك، فاستبيحوا.
والثاني: أنّهم كانوا لا عهد لهم، فهم على الإباحة.
والثالث: أنّ في الكلام حذفًا، ومعناه: "أخذتك لنفادي بك من
_________________
(١) سورة البقرة / آية ١٩٢.
(٢) أنظر: ابن العربي- أحكام القرآن:١/ ١٠٨.
(٣) أنظر: ابن فرحون- التبصرة: ٢/ ١٠٩.
(٤) هكذا في "ب" و"ج" و"د" وفي الأصل (الشريعة).
(٥) سورة الأنعام / آية ١٦٤، وتمامها: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْةا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
(٦) قال القرطبي: (ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية في الآخرة، وكذلك التي قبلها، فأما التي في الدنيا فقد يؤاخذ فيها بعضهم بجرم بعض، لاسيّما إذا لم ينه الطائعون العاصين). (الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ١٥٧).
(٧) أبو عبد الله: محمد بن علي بن عمر التميمي، المازري: المحدث، الفقيه، المالكي، نسبته إلى مازر، من كتبه: "المعلم بفوائد مسلم" في الحديث علق به على صحيح مسلم، و"التلقين- خ" و"الكشف والأبناء" في الرد على الأحياء للغزالي، مات بالمهدية (سنة ٥٣٦هـ). (ابن خلكان- وفيات:١/ ٤٨٦، ابن فرحون- الديباج: ٢٧٩ - ٢٨١، المقري- أزهار الرياض: ٣/ ١٦٥).
(٨) مفرده: الحليف، أي: المتعاهد على التناصر. (المعجم الوسيط:١/ ١٩٢).
[ ١٢٩ ]
حلفائك" ١ اهـ.
وكان "ابن فرحون": لم يرتض شيئًا من هذه الأجوبة، واعتمد على الجواب الأول منها، فلذلك احتجّ بالحديث وساقه، لأنّه: المذهب على جواز أخذ الرجل بجريرة قومه ٢.
وقال "الأبيّ" ٣ - كما نقله شارح ٤ نظم العمل-٥: (كان الشيخ [٨/أ] "ابن عرفة" يقول: هذا الحديث أصل في هذا الحكم، وهو: أخذ الحليف بجريرة
_________________
(١) أنظر: السجلماسي في "شرح نظم عمل فاس": ٢/ ٤٢١ عند قول الفاسي: وأولوا أسر الغفيلي إذ جنا الحلفاء من ثقيف هاهنا حيث نقل شارحها هذه الأجوبة الثلاثة عن المازري، ثم قال: (ويحتمل عندي وجهًا رابعًا وهو: أن يكون جوابه على جهة المقابلة، لأنه لما قال: بم أخذتني وأخذت سابقة الحاج؟، وكان ذلك معظمًا عندهم، قال: أخذتك بجريرة حلفائك لأنهم- أيضًا- كانوا يطالبون بجريرة الحلفاء، فأجابه على جهة المقابلة على أصلهم.
(٢) أنظر: ابن فرحرن- التبصرة: ٢/ ١٠٩.
(٣) محمد بن خلفة، الأبيّ، الوشتاتي، المالكي: العالم، المحدث، القاضي، التونسي، نسبته إلى "أبة"، ومن كتبه: "اكمال اكمال المعلم، لفوائد كتاب مسلم- ط" سبعة أجزاء، في شرح صحيح مسلم، و"شرح المدونة" وغير ذلك، مات بتونس (سنة ٨٢٧هـ). (الشوكاني - البدر الطالع: ٢/ ١٦٩، مخلوف- شجرة النور: ٢٤٤، الزركلي- الأعلام: ٦/ ١١٥.
(٤) لقد شرحه عدّة من العلماء والمقصود من شارحه هنا هو: السجلماسي الرباطي، أنظر ترجمته: ٢٥٩، والذي يدل على ذلك أنه ذكره في [ص:٢٥٩] قائلًا: (واما قول الرباطي في شرحه للعمل المذكور )
(٥) هو: "نظم العمل الفاسي" لأبى زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي: الفقيه، الباحث، المتفنن، نعته المؤرخ "ابن زيدان"،: بسيوطي زمانه، صنف نيفًا وسبعين كتابًا، مات (سنة ١٠٩٦هـ). ونظمه هذا يعدّ- مجهودًا قيّمًا تمّم به ما كان الإمام: "الزفاق" قد ابتدأه في لاميته، من جمع المسائل التي جرى العمل بها في الأحكام الشرعية، مراعاة للأعراف، والظروف، وان لم تكن من الراجح ولا المشهور، فأربى عليه واتسع في ذلك بما لا غاية بعده، وله- أيضًا-: "مفتاح الشفاء" ذيل به كتاب الشفاء" للقاضي عياض، و"أزهار البساتين"، ترجم به بعض شيوخه. (السلاوي- الاستقصا: ٤/ ٥١، البغدادي- ذيل كشف: ٤/ ٦٥٩، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٣١٠، كنون- النبوغ المغربي:١/ ٢٩٥).
[ ١٣٠ ]
حليفه، وإنْ لم يجرم ١ إلاّ كونه حليفًا فقط) ٢ أه.
قلت: وهو يريد ما لابن فرحون.
وبيان ذلك: أنّ هذه المسألة لا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون الغير ممّن لا يأوي إليه المذنب، ولا يحميه، ولا يتعصّب عليه، ولا ينكف المذنب عن ذنبه بتغريم ذلك الغير، فهذا هو الذي لا يؤاخذ ذلك الغير بذنبه كتابًا وسنة وإجماعًا، كان الغير قربيًا للمذنب أو غيره، وهو محلّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٣.
ثانيها: أن يكون ذلك الغير ممّن لا يأوي إليه المذنب، ولا يحميه، ولا يتعصّب عليه- كالقسم الذي قبله- إلاّ أنّه إذا أخذ من ذلك الغير ما أخذه المذنب أو نهبه، كفّ المذنب عن ذنبه ومفسدته، لكون ذلك الغير يقدر على الانتصاف من المذنب، أو لكونه قريبًا له، فلهذا قالوا: (يجوز مؤاخذة ذلك الغير به سدًّا للذريعة ٤ - ٥ كما يأتي
_________________
(١) في "ج" (يجزم) وهو تصحيف.
(٢) أنظر: الأبي- "اكمال اكمال المعلم": ٤/ ٣٦٠.
(٣) تقدّم تخريجها في: ١٩٤.
(٤) قال القرافي: (الذريعة: الوسيلة للشيء، ومعنى ذلك: حسم مادة وسائل الفساد، دفعًا له، فمتى كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى المفسدة، منعنا من ذلك الفعل وهو مذهب مالك رحمة الله عليه، وقد أجمعت الأمة على أن الذرائع ثلاثة أقسام: أحدها: معتبرًا اجماعًا، كحفر الآبار في طرق المسلمين. وثانيها: ملغى اجماعًا، كزراعة العنب فانه لا يمنع خشية الخمر. وثالثها: مختلف فيه كبيوع الآجال. اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا). (الذخيرة: ١/ ١٤٤ - ١٤٥).
(٥) أنظر: السجلماسي الرباطي في شرحه "لنظم العمل الفاسي": ٢/ ٤١٧، حيث قال في شرحه: (كما لو كان بعض أهل الغصب، والتعدي على أموال الناس لا يقدر على الانتصاف منه لفراره مثلًا، ولم يوجد سبيل لقطع مفسدته إلاّ بالردّ من قريبه غرم ما يأخذ ويتلف من الأموال بحيث يعلم من حال الظالم أنه إذا عرف أن قريبه يؤاخذ بجريرته، حمله ذلك على الترك، فيرتكب ما ذكر للضرورة من باب قاعدة القضاء على الخاصة بمنفعة العامة، كما ضمن الصناع وأغرموا ما لا يلزمهم بحسب الأصل لولا مصلحة العامة، ويندرج هذا أيضًا في قاعدة =
[ ١٣١ ]
عن ناظم العمل- ١.
ثالثها: أن يكون ذلك الغير ممّن يحمي المذنب، أو يتعصّب عليه، أو يواسيه، أو يأوي وينحاش إليه، ويرضي بفعله، فهذا يؤاخذ ذلك الغير بجريرته
وبجميع ما أخذه، ولا يختلف فيه، لأنه بتعصبه- ولو بجاهه- وحمايته، والرضي بفعله، صار معينًا له على ظلمه، متسببًا بذلك لاتلاف أموال الناس ودمائهم، وتأمل قول "المازري" في الجواب الأول من الأجوبة الثلاثة: (ورضوا هم بذلك إلخ) ٢.
وهذا القسم الثالث: هو الذي لحقه الوعيد وإنْ لم يباشر، ويجز له العقاب دنيا وأخرى- كما مرّ في الفصل الذي قبله- وهو الواقع من قبائل الزمان
وفساد حواضرهم- كما مرّت الإشارة إليه- وهو الذي يجب أنْ يحمل عليه، الحديث الشريف الوارد في مؤاخذة الرجل بجريرة [٨/ ب] قومه، كما دلّ عليه: أول أجوبة "المازري"، وسياق "ابن فرحون"، و"ابن العربي" وغيرهما له، كأنّه المذهب، فلا معارضة حينئذ بين الآية والحديث الكريمين، لأنّ الغير
في هذا القسم عاص لله بما ارتكب من إعانة المذنب، والرضي بفعله، وحمايته وتعصّبه عليه، أو إحسانه إليه، أو إيوائه إليه، والرواية بذلك واردة عن "ابن القاسم" ٣ وغيره.
_________________
(١) = معروفة، وهي: "إذا تقابل مكروهان أو محظوران أو ضرران ولم يمكن الخروج عنهما وجب ارتكتاب أخفهما" ولا شكّ أن المؤاخذ بذنب الغير أخف من بقاء مفسدة: الحرابة، والغصب، ونهب الأموال.
(٢) أنظر قول ناظم العمل: ١٣٦.
(٣) أنظر: الجواب الأول: ١٢٩.
(٤) أبو عبد الله: عبد الرحمن بن القاسم بن خالد، العتقي، المصري: يعرف بابن القاسم، الفقيه، الزاهد، العالم، تفقه بالإمام مالك ونظرائه. ومن كتبه: "المدونة- ط"، مات بمصر (سنة ١٩١هـ). (الشيرازي- طبقات المفسرين: ١٥٠، عياض- ترتيب المدارك: ٣/ ٢٤٤ - ٢٦١، ابن خلكان- وفيات: ١/ ٢٧٦، ابن فرحون- الديباج: ١٤٦).
[ ١٣٢ ]
قال الشيخ "عبد الباقي الزرقاني " ١ - عند قول خليل في الحرابة:- (وبالقتل يجب قتله ولو بإعانته)، ما نصّه: (قوله. ولو بإعانته، أي: على القتل، ولو بالتقوي بجاهه، وإنْ لم يأمر بقتل، ولا تسبب فيه، لأنّ جاهه إعانة عليه حكمًا ٢.
قال "ابن الحاجب" ٣: (وأمّا إنْ لم يتسبب: فقال "ابن القاسم ": يقتل، وقال "أشهب" ٤: يضرب مائة، ويحبس سنة) ٥.
قال الشيخ ٦ - يعني المصنف-: (أي: لم يتسبّب في قتل، ولكن التقوّي به، أي: بجاهه حاصل، ككونه من فئة ينحاز إليهم قطاع الطريق، فيقتل الجميع، لأنّهم متمالئون، أي: وإنْ لم يعينوا القطاع في القتل) ٧ اهـ.
_________________
(١) الشيخ عبد الباقي بن يوسف بن أحمد الزرقاني: الفقيه المالكي، من كتبه: "شرح مختصر خليل- ط" و"شرح العزية". مات بمصر (سنة ١٠٩٩هـ). (المحبي- خلاصة الأثر: ٢/ ٢٨٧، القادري- التقاط الدرر: ٢٣٨، الحجوي- الفكر السامي: ٤/ ١١٧، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٢٧٢).
(٢) أنظر: الزرقاني على خليل: ٨/ ١١٠ عند قول خليل: (وبالقتل يجب قتله ولو بكافر أو عبد أو بإعانة).
(٣) أبو عمرو: عثمان بن عمر بن أبي بكر بن الحاجب: الفقيه المالكي، من كبار العلماء بالعربية، كردي الأصل، نشأ بالقاهرة، وسكن دمشق، من كتبه: "الكافية" و"الشافية" و"مختصر الفقه" ويسمّى "جامع الأمهات". مات بالاسكندرية (سنة ٦٤٦هـ)، (ابن خلكان- وفيات: ١/ ٣١٤، كبرى زاده- مفتاح السعادة: ١ م ١١٧).
(٤) أبو عمرو: أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي، العامري الجعدي، فقيه الديار المصرية في عصره، كان صاحب الإمام مالك، قال الشافعي: "ما أخرجت مصر أفقه من أشهب"، مات (سنة ٢٠٤هـ). (الشيرازي- طبقات الفقهاء: ١٥٠، ابن خلكان- وفيات: ١/ ٧٨، ابن فرحون- الديباج المذهب: ٩٨ - ٩٩، ابن حجر- تهذيب:١/ ٣٥٩.
(٥) أنظر: ابن الحاجب في "مختصره": ٢/ ١٩٥ - ب.
(٦) هو ابن الحاجب، ناقلًا عنه "الشيخ الزرقاني في شرحه على خليل": ٨/ ١١٠.
(٧) أنظر: الزرقاني على خليل: ٨/ ١١٠.
[ ١٣٣ ]
وأصل ذلك في "ابن الحاجب" و"التوضيح" ١ و"الشامل" ٢ ونصّه: (وقتل الربيئة- أي: الطليعة ٣ التي تحرس المحاربين- ثم قال: وكذا المتسبب في القتل، وكذا إنْ لم يتسبب- أي: بإمساك ونحوه- فإنّه يقتل لأنّ التقوّي به- أي: بجاهه- حاصل على الأصح) ٤ اهـ.
ووقفت على جواب للشيخ "يوسف الرسموكي" ٥، و"يبورك بن عبد الله
_________________
(١) للشيخ خليل بن اسحاق بن موسى، وكتابه هذا شرح به مختصر ابن الحاجب- وما زال مخطوطًا- توجد منه نسخة بدار الكتب الوطنية بتونس. في جزءين رقم (٦٠٨١ - ٦٠٨٢).
(٢) الشامل في فروع المالكية: لبهرام به عبد الله، الدميري، المالكي، المفتي، القاضي، المدرس المصري، نسبته إلى "دميرة"، انتفع به الطلبة ولا سيّما بعد صرفه عن القضاء في عهد "الظاهر". وكتابه هذا مخطوط على نسق "مختصر خليل" في الصادقية وغيرها، وله- أيضًا:، "شروح على مختصر خليل"، و"شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول". مات (سنة ٨٠٥هـ). (التنبكتي- نيل الابتهاج: ١٥١، حاجي خليفة- كشف الظنون: ٢/ ١٠٢٥، مخلوف- شجرة النور: ٢٣٩، الزركلي- الأعلام: ٢/ ٧٦).
(٣) "الطليعة" من الجيش: القسم الرئيسي من المقدمة والقوة التي تكون أمام الجيش وخلف النفيضة. (شيت خطاب- المصطلحات العسكرية: ١/ ٤٥٤ - ٤٥٥).
(٤) أنظر: ابن الحاجب في "مختصره": ٢/ ١٩٥ - ب"باب "الحرابة" حيث قال: (فيقتل الربيئة ومن أمسك للقتل، ومن تسبب له، وأمّا من لم يتسبّب للقتل، فقال ابن القاسم: يقتل، وقال أشهب: يضرب مائة ويحبس سنة). وخليل في "التوضيح": ٢/ ٢٢٤ - ب "باب الحرابة". وبهرام في "الشامل": ٢٠٢ - ب"باب: "الحرابة" حيث أورد الحالات التي يعاقب فيها المحارب بالقتل، فقال (واستحب قتل دي تدبير، وقطع ذي بطش، وضرب غيرهما، ونفيه كمن وقعت منه فلتة، وقيل: إذا لم يقطع السبيل ولا قتل: ضرب ونفي، وإن أخذ المال وأخاف، أو وقع منه أحدهما فقط: خيّر فيه بين قتل وقطع مضطر، وإن طال منه رعلًا أمره بقتل، ولو لم يقتل، ولا تخيير فيه، وروي: يخيّر، وان قتل وتعاظم فساده، وروي: ان كان ذا رأي وتدبير: قتل فيه بكل حال، أو بطش وقوة: قطع، وإلاّ عزر وسجن) ثم قال: (وقيل الرِّيبة في المتسبّب في القتل وكذا إن لم يتسبب).
(٥) عنه بحثًا مضنيًا في كتب التراجم فلم أقف عليه إلاّ في كتاب فقهي (أجوبة الفقيه عبد الوهاب بن أحمد الزقاق) للفقيه "سعيد بن علي الأوزلي" حيث نقل عنه عدّة أجوبة وسمّاه =
[ ١٣٤ ]
السملالي" ١ قالا فيه- ما نصّه-: (نصّ أهل المذهب- في غير ما كتاب "كنوازل القرويين " ٢ - فقد نقلها جامعها عن "أبي عمران الفاسي" ٣ -: أن من له مال قبل رجل من سرقة أو غصب أو معاملة بالدية، وكان أهله لا ينصف بعضهم بعضًا، ويذبّون ٤ عنه إن [٩/أ] أريد أخذه والتناصف منه، فإنّ أهله يؤاخذون به، لأنّهم كالمعينين له على جرمه، ومن كان من أهله صالحًا لا يذبّ عنه لا يؤاخذ به) اهـ.
وإذا كان هذا المعين له بجاهه والانحياز ٥ إليه، مؤاخذ بما فعله المذنب، باتفاق ابن القاسم وأشهب- لأنّهما لم يختلفا في مؤاخذته، وإنما اختلفا في عقابه بالقتل أو بالضرب أو السجن- فكيف: لا يؤاخذ هذا الغير المعين ولو
_________________
(١) = باسمه، فقال: (يوسف بن يعزي بن داود الرسموكي: العالم، الفاضل، الفقيه، قاضي الجماعة بسوس) (أجوبة الزقاق، لسعيد الأوزر: ٥٣، ٦٠، ٦٧، ٦٨).
(٢) يبورك بن عبد الله بن يعقوب السملالي، من جزولة: فاضل من بيت علم، وتدريس، من أهل "تازموت" بالمغرب، له كتب وشروح واختصارات منها: "نصيحة الطبة" و"شرح صغرى السنوسي" و"شرح فرائض مختصر خليل"، مات (سنة ١٠٥٨هـ). (الزركلي- الأعلام: ٨/ ١٣٣).
(٣) هو كتاب "الحاوي في الفتاوى" لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد النور التونسي الإمام الفقيه المبرز المتفنن في سائر العلوم، أخذ عن القاضي ابن زيتون، والقاضي أبي محمد بن برطلة. (كان بالحياة سنة ٧٢٦هـ) وكتابه هذا كما ذكر الشيخ مخلوف: "جمع فيه فتاوى على طريقة أحكام بن سهل". (مخلرف- شجرة النور: ٢٠٦).
(٤) موسى بن عيسى بن أبي حاج الغفجومي، نسبة إلى غفجوم، فخذ من قبيلة "زناته": الشيخ المالكي، كان بيته معروفًا مشهورًا يعرفرن "ببني حاج"، استوطن القيروان، وحصلت له بها رئاسة العلم، وتفقه "بأبي الحسن القابسي"، ورحل إلى قرطبة فتفقه بها عند "الأصيلي"، وسمع من "أبي عثمان" و"عبد الوارث" وغيرهم، ودرس الأصول على القاضي "أبو بكر الباقلاني"، من كتبه: "التعليق على المدونة"، مات (سنة ٤٣٠هـ). (شرف الطالب من أسنى المطالب من كتاب: "ألف سنة من الوفيات": ٥٤، كنون- النبوع المغربي:١/ ٥٩،٥٨).
(٥) يدفعون عنه ويحموه: يقال: (وذب عن حريمه ذبًا) أي: حمى ودفع، وهو من باب: قتل. (المصباح المنير: ١/ ٢٤٩).
(٦) أي: التحيّز إليه. يقال (انحاز الرجل إلى القوم) أي: تحيّز إليهم. (المصباح المنير:١/ ١٩١).
[ ١٣٥ ]
بجاهه، ورضاه بما فعله المذنب من نهب الأموال، لأنّ اللّصوص حملاء (عن) ١ بعضهم بعضًا اتفاقًا!.
والمعين للّص بشيء ممّا تقدّم نصّه كما رأيته بقبائل الزمان وغيرهم المعلومين بما هم عليه من التعصّب والحميّة بالفعل، فضلًا عن التعصّب بالجاه والانحياز، لا إشكال أن غير المباشر منهم مؤاخذ بما فعله المباشر- ولو لم يظهر منه تسبّب- لأنّه لا أقلّ أنْ يكون حاميًا للمباشر بجاهه وإورائه إليه، وعلى هذا يحمل الحديث الكريم؛ لأن شأن الحليف أنْ يحمي حليفه ويتعصّب عليه بجاهه وبغيره، فلذلك أخذ رسول الله - ﷺ -: "الغفاري" "بثقيف".
والجواب الثالث ٢ من أجوبة المازري: يظهر أنّه لا يتم مع كونه﵇- أخذ الناقة لنفسه، (إذْ حيث أخذه ليفادي به من حلفائه، فما وجه أخذه الناقة لنفسه؟) ٣، فالجواب الأول هو: أحسنها ولا معارضة حينئذ - كما مرّ-.
إذا تقررت هذه الأقسام الثلاثة المذكورة، علمت: أنْ القسم الأول منها هو المشار إليه بقول ناظم العمل:
(ولا يؤاخذ بذنب الغير في كل شرع من قديم الدهر) ٤
وهو معنى قوله- تعالى-: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٥، أي: لا تؤاخذ نفس بذنب غيرها [٩/ب]
والقسم الثاني منها هو المشار إليه بقوله أيضًا:
_________________
(١) في "الأصل": (على) وهو تصحيف.
(٢) وهو قوله: (إن في الكلام حذفًا، ومعناه: "أخذتك لنفادي بك من حلفائك") أنظر: ١٢٢.
(٣) ساقطة من "ب".
(٤) أنظر: السجلماسي الرباطي في "شرحه لنظم عمل فاس": ٢/ ٤١٧.
(٥) تقدّم تخريجها.
[ ١٣٦ ]
(إلاّ إذا سدّت به الذريعة أو خيف شرع شرعه أو شيعه) ١ ٢
إلاّ أنه أطلق، فظاهره أنّه مع الذريعة يؤاخذ به قرييًا كان أو غير قريب، قدر المأخوذ منه على الانتصاف من الذنب أم لا، وليس كذلك، بل محله: إذا كان الغير المأخوذ به يقدر على الانتصاف من المذنب، أو ينكفّ المذنب عن ذنبه بمؤاخذة ذلك الغير.
ولعلّه إنّما أطلق اتّكالًا على المعنى، لأنّ العادة أنّ الظالم لا ينكفّ عن ظلمه بمؤاخذة ذلك الغير، إلاّ إذا كان ذلك الغير قريبًا لذلك المذنب، أو كان يقدر على تغريمه، وعلى الانتصاف منه سواء كان قريبًا له أم لا، وإلاّ فإن كان لا ينفك ٣ عن ظلمه بمؤاخذة ذلك الغير، ولا يقدر الغير على الاننصاف منه، لم تجز مؤاخذته به بحال، لأنّه حينئذ من القسم الأول ٤ فلا سد للذريعة فيه أصلًا، وهذا المعنى الذي أشرنا إليه، لم يلم به أحد من شراحه فيما علمت، والله أعلم.
والمؤاخذة لسذ الذريعة هي: المسألة المعروفة عند الناس بالكفاف ٣، وهو: أنْ يكون لشخص حق من دين، أو وديعة، أو سرقة، أو غصب، ولا يقدر
_________________
(١) أنظر: السجلماسي الرباطي في شرحه لنظم عمل فاس: ٢/ ٤٠٩.
(٢) قال المصنف: (والشاهد من قوله: إلاّ إذا سدّت به الذريعة إلخ، لأنهم إذا عزموا حملهم ذلك على حفظ طرقاتهم وحفظ المارين بأرضهم وعدم كتمان غصابهم وسراقهم فضلًا عن التعصب عليهم). (البهجة في "شرح التحفة": ٢/ ٣٥١) "في الغصب والتعدّي".
(٣) في "ب" و"ج" و"د" (ينكف) وكلا المعنيين صحيح.
(٤) أنظر القسم الأول: ١٣١.
(٥) قال السجلماسي- في مسألة الكفاف-: (لم أر الكلام عليها إلاّ في كتاب صغير لا أعلم مؤلفه الآن، ونصّه "والذي وقع له ببلد فلم ينصف من حقه، فإن كان بلد لا حاكم به، ولا سلطان، وعلم فهم لا ينصفونه من ماله بعد صحته وثبوته، فلا بأس أن يكفف من يعلم منه القدرة والكفاية لبلوغ حقه ممن له عصيبة يغضبون بغضبه، ويقومون معه إذا أمسك عنه ماله حتى يوصلوا إلى الممنوع حقه، والمطالبات في هذا سواء لمن ثبت حقّه وصحّ منعه، حاشى الدماء والحدود، وما حكمه أن يكون في البدن فذلك لا كفاف فيه). (شرح نظم عمل فاس: ٢/ ٤١٧).
[ ١٣٧ ]
صاحب الحق على الانتصاف منه لتعصبه.
فإذا (ظفر) صاحب الحق بأحد من قومه في بلد تناله فيه الأحكام، فله أن يؤاخذه بذنبه، أو بما غصب منه، ويقضي له بذلك في غير الدماء والحدود، حيث كان هذا المؤاخذ ينكفّ الظالم عن ظلمه بمؤاخذته، أو يقدر على الانتصاف منه- كما مرّ- ولو لم يكن قريبًا، ولا كان يحمي ذلك الملدّ ١ الظالم، ولا ممّن يتعصّب عليه، ولا ممّن يأوي إليه- لأنّه: (إذا التقى ضرران ومحظوران ارتكب [١٠/أ] أخفّهما) ٢ - لأنّ الأمر دائر بين أن ييقى هذا المذنب على مفسدته وغصبه وظلمه، ولن أن يؤاخذ به قريبه، أو من يقدر على الانتصاف منه من قومه.
ولا شكّ أن مؤاخذة الغير القريب والقادر على الانتصاف من المذنب أخف، هذا معنى قول "ناظم العمل": (إلاّ إذا سدّت به الذريعة إلخ) ٣ وإنْ كان "شارحه" ٤ أدار الاحتمال بين أن يحمل على مؤاخذة القريب، أو على مؤاخذة من يقدر على الانتصاف منه، والصواب: التعميم، لأن سدّ الذريعة موجود فيهما، ومع ذلك لم يقيّده شارحه المذكور: بكون المؤاخذ لا يحمي المذنب ولو بجاهه- على ما مرّ بيانه- مع أنه لا بدّ من ذلك التقييد، وإلاّ فهو القسم الثالث، لأن مؤاخذته حينئذ ليست من سدّ الذريعة في شيء، بل
_________________
(١) من اللّدد، وهو شدّة الخصومة، قال في القاموس لده: خصمه فهو لادّ ولدود. (ميّارة في شرحه للعاصمية: ٢٦)، فصل "في رفع المدعي عليه وما يلحقه بذلك". (البستاني- فاكهة البستان: ١٢٩٠).
(٢) أنظر السجلماسي الرباطي في شرحه "لنظم العمل الفاسي": ٢/ ٤١٧. وقال السيوطي: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظهما ضررًا بارتكتاب أخففهما" كما لو أحاط الكفار بالمسلمين، ولا مقاومة بهم، جاز دفع المال إليهم، وكذا استنقاذ الأسرى منهم بالحال إذا لم يمكن بغيره، لأن مفسدة بقائهم في أيديهم واصطلاحهم للمسلمين أعظم من بذل المال. (الأشباه والنظائر: ٨٧)، حيث جعلها قاعدة رابعة من القواعد المتعلّقة بالقاعدة الرابعة (الضرر يزال).
(٣) تقدّم قوله في: ١٣٧.
(٤) هو: السجلماسي الرباطي، أنظر: ٢٥٩.
[ ١٣٨ ]
المؤاخذ حينئذ لأجل إعانته إيّاه، وتعصيبه عليه ولو بجاهه، وهو الوجود في قبائل الزمان- كما تقدّم مبسوطًا- وشاهد ذلك ما تقدّم في الحديث الكريم ١، وما تقدّم ٢ عن "ابن القاسم" و"أشهب".
وبتأمل هذه الأقسام المذكورة في هذا الفصل، نعلم: أنه لا معارضة بين الحديث والآية ٣ المذكورين، وهذا هو الذي حمل "ابن فرحون"، و"ابن العربي" وغيرهما، على الاحتجاج بالحديث الكريم، (إذ) ٤ ما كان يخفى على مثل "ابن فرحون"، ومن معه المعارضة المذكورة ٥ - لو كانت-.
وهذه الأقسام الثلاثة التي قسّمناها في المؤاخذة بذنب الغير، لم أقف عليها منصوصة هكذا، ولكنها ظاهرة من النصوص والدلائل المتقدّمة، والله أعلم.
ـ[تنبيهان!]ـ:
الأول: ما تقدّم من أن "الكفاف" لا يكون في الدماء والحدود، معناه: أنّه لا يقتل ولا يحدّ قريب القاتل، أو يقطع ونحو ذلك، ولا يقتل أو يقطع أيضًا من يقدر على الإنتصاف منه. [١٠/ب]
وأمّا إذا أراد الحاكم ونحوه أنْ يأخذ القريب المذكور، أو من قدر على الانتصاف منه، بمال يدفعه لأولياء المقتول أو المقطوع مثلًا برضاهما، لأنّه في الوقت غاية المقدور، ولو أخر ذلك لوقت آخر لضاع ذلك وتعذّر الإنتصاف، فلا إشكال في الجواز، لأن الحدود حينئذ برضي أولياء المقتول والمقطوع رجعت مالًا، فكأن القاتل المذكور والقاطع تعصّب لأولياء المقطوع على مال، فيؤخذ المال من قريبه أو ممّن يقدر على الانتصاف منه ارتكتابًا لأخف الضررين- كما مر-.
_________________
(١) وهو: "أن ثقيفًا كانت حلفاء بني غفار إلخ " تقدّم في: ١٢٨.
(٢) تقدّم قولهما في: ٢٠٠.
(٣) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
(٤) في "الأصل": (إذا).
(٥) أنظر: ١٢٩.
[ ١٣٩ ]
ولا يقال: (القَوَدُعَيْن) ١ على مذهب "ابن القاسم".
لأنّا نقول: (القودعين، إذا مكن القاتل والقاطع من نفسه، وقال: اقتلوني واقطعوني، ولا أدفع دية).
وأين التمكين في صورتنا؟ بل هو ممتنع بنفسه غير منقاد لما يجب عليه من القود، فكان الخيار للأولياء، وهذا في مسألة: سدّ الذريعة، التي هي القسم الثاني ٢ من الأقسام الثلاثة.
وأمّا مسألة القسم الثالث التي هي: مسألة التعصّب والحميّة ولو بالجاه، فإنّ المتعصّب والمباشر سواء في القتل والقطع- (كما مرّ) -٣.
الثاني: إذا طلب مريد الكفاف من المؤاخذ بالملدّ ٤ (أ) ٥ والغاصب ونحوهما، ضامنًا بوجهه حتى يثبت حقّه على الملدّ والغاصب، فلا إشكال أنّه يجاب أيضًا، وكذا لو طلب ضامنًا إلى أن يأتي الملدّ أو الغاصب فيقرّ أو ينكر، لأنّ الغرض أن المؤاخذ به يقدر على الانتصاف منه، كما هي عادة القبائل، فإذا لم يأت به ليقرّ أو ينكر أخذ الحق منه، لأنّ الملدّ أو الغاصب ينزلان حينئذ منزلة من امتنع من الجواب وإقرار أو إنكار، فيؤخذ الحق من هذا الذي يقدر على الانتصاف منه إرتكتابًا لأخف الضررين، أو يؤخذ الحق من قريبه الذي ينكفّ ٦ الظالم عن ظلمه بمؤاخذته. [١١/أ]
وانظر لو أتى المؤاخذ به بإثبات إنكاره، وعجز مريد الكفاف عن إثبات حقّه على الملدّ، وطلب أنْ تكون يمينه بمحضره في البلد التي تنالها الأحكام.
_________________
(١) هو: القصاص، وأقاد الأمير القاتل بالقتيل قتله به قودًا، (الفيوي- المصباح المنير: ٢/ ٢٠٤).
(٢) أنظر القسم الثاني: ١٣١.
(٣) ساقطة من "الأصل" والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٤) تقدّم معناها.
(٥) ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٦) في "ج": (لا ينكفّ) وهو تصحيف، والتصويب من "الأصل" ومن "ب".
[ ١٤٠ ]
والظاهر: أن ١ يسجن المؤاخذ به حتى يغرم المال، أو يأتي بالظالم ليحلف للطالب، لأن "سدّ الذريعة" شامل لذلك كلّه، وسيأتي في الفصل السادس: أنّ الظالم أحق بالحمل عليه.
وهذا: إذا ثبت أن المؤاخذ المذكور قريب للظالم، أو هو ممّن يقدر على الانتصاف منه، أو علم ذلك بالقرائن القطعية، وإلاّ فلا يؤاخذ به.
وهذا كلّه- أيضًا- في مسألة: القسم الثاني لا في القسم الثالث، لأنّه متسبب ولو بجاهه- كما مرّ-، فهذا ٢ ضامن كالمباشر إذْ لا ذريعة في هذا القسم- كما مرّ-.
ولا شك: أنّ غير المباشر فيه يؤاخذ ٣ بذنب المباشر وبالضامن وبغيره، ممّا ينجزّ ٤ إليه الأمر- كما تقدّم- ولا تنفعه الوثيقة التي يكتبها بالتبرىء منهم، وعدم مخالطهم، وعدم إيوائهم إليه، لأنّه مأمور بهجرانهم وبالخروج من بينهم- كما مرّ-.
اللهم: إلاّ إذا كان الفساد في أفراد مخصوصين معروفين بأعيانهم، يفعلون المعاصي والمناكر، ويفرّون لرؤوس الجبال، ولا يأوون إلى قرابتهم وقبيلتهم، وهم مجتهدون في تحصيلهم، وشهد لهم بذلك الثقات من الناس، فلا يؤاخذون بهم حينئذ.
وهذا نادر في قبائل الزمان، والغالب منهم خلاف ذلك، والحمل على الغالب مشروع واجب، ولهذا إذا زعم رؤساء هؤلاء القبائل، ومن له أدنى رأي منهم: أنّهم لا يتعصّبون على فسّادهم وأهل المناكر منهم، وأنّهم لا يأوون إليهم، ولا يجالسونهم، ولا يحمونهم، فإنّهم لا يصدّقون، لأن ذلك خلاف غالب عوائدهم "والأحكام تدور مع الغالب وجودًا وعدمًا" فيؤاخذون حينئذ بفسّادهم، ويضمنون ما أتلفوه، والله أعلم. [١١/ب]
_________________
(١) في "ب"و"ج": (أنه).
(٢) في "ب" و"ج": (فهو).
(٣) في "ب": (يؤخذ).
(٤) أي: يقصد إليه الأمر. (البستاني- فاكهة البستان: ١٤١٧).
[ ١٤١ ]
الفصل الرابع
فيما لا يجوز للنصارى بيعه، ولا يحل لنا
أنْ نمكّنهم (بوجه) ١ من تناوله
ــ
قال في "المدونة" ٢: (قال "مالك": لا يباع من الحربي سلاح، ولا كراع - أي: الخيل- ولا سروح، ولا نحاس، ولا خُرثي" ٣ ٤.
قال "ابن حبيب" ٥: (وسواء كانوا في هدنة، أو غيرها ٦، ولا يجوز بيع الطعام منهم في غير الهدنة) ٧.
_________________
(١) ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٢) "المدونة في فروع المالكية"- لابن القاسم- من أجلّ الكتب في مذهب الإمام مالك، وقد طبع في ستة عشر جزءًا، وله شروح كبيرة.
(٣) الخُرثي: بالضم: أثاث البيت ("ترتيب القاموس المحيط: ٢/ ٣٠)، وقال الحطاب- بعد أن ذكر قول ابن القاسم في تحريم بيع آلة الحرب للحربيين- (قال أبو الحسن قوله "وخرث" هو: المتاع المختلط). (مواهب الجليل في شرح مختصر خليل: ٤/ ٢٥٣).
(٤) أنظر: المدونة الكبرى: ١٠/ ٢٧٠، كتاب (التجارة بأرض العدوّ، في بيع الكراع والسلاح والعروض لأهل الحرب)، وقد أورده المصنف هنا مختصرًا، والنص كما ورد في المدونة (قال مالك: أما كل ما هو قوة على أهل الإسلام ممّا يتقوّون به في حروبهم من كراع أو سلاح أو خرثى، أو شيء ممّا يعلم أنه قوة في الحرب من نحاس أو غيره فإنهم لا يباعون ذلك).
(٥) أبو مروان: عبد الملك بن حبيب بن سليمان السلمى الالبيري القرطبي: عالم الأندلس، وفقيه المالكية في عصره. من كتبه: "حروب الإسلام" و"طبقات الفقهاء والتابعين" و"تفسير موطأ مالك" و"الواضحة". مات بقرطبة (سنة ٢٣٨هـ). (الذهبي- ميزان الاعتدال: ٢/ ١٤٨، ابن فرحون- الديباج: ١٥٤، ابن حجر- لسان الميزان: ٤/ ٥٩، الزركلي- الأعلام: ٤/ ١٥٧).
(٦) في "ب": (أولًا).
(٧) أنظر: المازري- شرح التلقين (١٦٨ أ) حيث قال: (أما الطعام فذكر ابن حبيب أنه يياع ممّن بيننا وبينهم هدنة، ولا يياع ممّن لا هدنة بيننا وبينهم، ويمكن أن يكون أراد منع ذلك في زمن حاجتهم إليه فيكون بيعه منهم قوة لهم علينا).
[ ١٤٢ ]
(ومنعه "ابن القاسم": مطلقًا، في هدنة أو غيرها ١، وهو المذهب كما في "المعيار") ٢.
وترجيح بعضهم قول "ابن حبيب": بجواز بيع الطعام منهم في الهدنة، ووقت الرخاء، خلاف المذهب.
وكلام "زعيم الفقهاء" في "المقدمات" ٣، موافق لما تقدّم أنّه المذهب، لأنّه قال: (إنما يباع لهم من العروض ٤ ما لا يتقوّون به في الحروب ٥، ولا يرهب في
_________________
(١) والشاطبي وفتاويه": ١٤٥ في (ما يحرم بيعه للمحاربين). وابن فرحون في "التبصرة": ٢/ ١٤٨، وعزا نقله إلى عبد الملك بن الماجشون عن ابن حبيب. والبناني في "شرحه لمختصر خليل": ٥/ ١١"باب (البيوع)، فقال: (قول الزرقاني: وكذا يمنع أن يباع للحربيين آلة الحرب، قال الحطاب: "وأمّا بيع الطعام، فقال ابن يونس عن ابن حبيب يجوز في الهدنة، وأما في غير الهدنة فلا، قاله ابن الماجشون). وعليش في منح الجليل، "شرح مختصر خليل": ٤/ ٤٤٣.
(٢) نقله ابن فرحون في "التبصرة": ٢/ ١٤٨. والبناني في "شرحه لمختصر خليل": ٥/ ١١ ن حيث قال: (وكلام الشاطبي في المعيار يقتضي أن المذهب المنع مطقًا، وهو الذي عزاه ابن فرحون في "التبصرة"، وابن جزي في "القوانين" لابن القاسم)، وقال الشيخ عليش- في بيع الطعام للحربيين- (وكلام الشاطبي يفيد أن المذهب منعه مطقًا، وعزاه ابن فرحون وابن جزي لابن القاسم) (منح الجليل في شرح مختصرخليل:٤/ ٤٤٣).
(٣) "المعيار المعرب والجامع المعرب في فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب" للونشريسي، أبو العباس: أحمد بن يحيى التلمساني، فقيه مالكي، أخذ عن علماء تلمسان، ونقمت عليه حكومتها أمرًا فانتهبت داره وفرّ إلى فاس ومات فيها (سنة ٩١٤هـ). وكتابه هذا- طبع في اثني عشر جزءًا وعمل له فهرس جامع والجزء الثالث عشر، وهو يجمع أكثر نوازل الفقه المالكي. (السلاوي- الاستقصا: ٢/ ١٨٢، الكتاني- فهرس الفهارس: ٢/ ٤٣٨، الزركلي- الأعلام:١/ ٢٦٩).
(٤) "المقدمات والممهدات" لأبي الوليد محمد بن رشد.
(٥) من العرض- بوزن الفلس- المتاع، وقال أبو عبيد (العروض الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن ولا تكون حيوانًا ولا عقارًا). الرازي- مختار الصحاح: ٣٣٥).
(٦) في "ب" و"ج": (الحرب).
[ ١٤٣ ]
القتال، ومن الكسوة ١ ما يقي الحر والبرد لا أكثر، ومن الطعام ما لا يتقوّت به مثل الزيت والملح ٢، وما أشبه ذلك) ٣ اهـ.
فانظر إلى قوله: (ما لا يتقوّت به إلخ).
وقال "اللخمي" ٤: (لا يباع منهم النحاس، والحديد، والأدم- أي: الجلود- والحمير، والبغال، والزيت، والقطران ٥، والشمع، واللّحم، والسر وج، والمهاميز.
قال: وأمّا الحرير، والصوف، والكتّان، فالأمر فيه خفيف) اهـ.
وهذا نص في منع بيع الشمع منهم ٦، لأنّه يصنع (به) ٧ المراكب، وكذلك ٨ الجلود لأنّها من آلات الحرب.
_________________
(١) الكسوة:- بكسر الكاف وضمها-: واحدة الكسا، وكسوته ثوبًا، كسوة- بالكسر- فاكتسى، والكساء: واحد الأكسية، وتكسى بالكساء، لبسه. (الرازي- مختار الصحاح: ٤٥٢).
(٢) في "ب" (اللّحم)، والصواب ما أثبتناه من "الأصل"، ومن "ج "، و"د" وقد ثبت في "المقدمات": ٦١٤.
(٣) أنظر: ابن رشد- المقدمات: ٦١٤، كتاب "التجارة في أرض الحرب".
(٤) أبو الحسن: علي بن محمد الربعي، القيرواني، فقيه مالكي، أديب، ومحدث، من كتبه "تعليق كبير على المدونة" سمّاه "التبصرة"، و"فضائل الشام". مات "بصفاقص" (سنة ٤٧٨هـ). (ابن فرحون- الديباج: ٢٠٣، مخلوف- شجرة النور: ١١٧، الزركلي- الأعلام: ٤/ ٣٢٨).
(٥) القطران:- بالفتح وبالكسر-، وكظربان: عصارة الأبهل والأرز ونحوهما، (ترتيب القاموس المحيط: ٣/ ٦٤٣).
(٦) قال المازري: (وكذلك منع عن بيع الشمع، ولعلّهم أيضًا يحتاجون إليه في السفن وغيرها). (شرح التلقين: ١٦٨ - أ) وقال الشاطبي: (وأما الشمع: فقال المازري في تعليل المنع: لعلّهم أنما يحتاجون إليه في السفن وغيرها، يعني: أنهم يستعينون به في الإضرار بنا فيمتنع بيعه منهم). (فتاوى الشاطبي: ١٤٦).
(٧) في "الأصل" (بها)، وفي "ب" (منه)، وما أثبتناه من "ج" مناسب للسياق.
(٨) في "ب"و"ج": (كذا).
[ ١٤٤ ]
قال الإمام "أبو القاسم ١ بن خجّو"- حسبما نقلوا عنه في حواشي "المختصر" ٢ - ما نصّه: (بيع الجلود من الحربيين حرام، ولا يقع ذلك من سليم الإيمان، لأن الجلد يصنع منه آلات الحرب، ومن سمح بشيء من آلات الحرب، فقد نبذ الإسلام وراء ظهره، وكان للكافرين ظهيرًا) اهـ.
وهذا صريح في منع بيع البقر ونحوها منهم، لأنّها تعقر ٣ ويصنع بجلودها ما ذكر.
وقال "سحنون" ٤: (من أهدى للحربيين سلاحًا فقد أشرك في دماء المسلمين، وكذا بيعه ذلك منهم) ٥ اهـ.
_________________
(١) أبو القاسم بن علي، بن خجو، التلمساني، الحسّاني، العالم، العامل، ناصر السنة، ومميت البدعة، الفقيه، المطلع، الحافظ، الورع، كان شديد الشكيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تفقه بحضرة فاس، وأخذ عن كثير من مشايخها كالإمام "ابن غازي"، من كتبه "غنيمة السلماني" و"ضياء النهار" و"النصائح فيما يحرم من الأنكحة والذبائح" مات (سنة ٩٥٦هـ) ابن عسكر- دوحة الناشر: ١٤، لقط الفرائد من لفاظة حقق الفوائد، في كتاب (ألف سنة من الوفيات): ٣٠١، محمد الكتاني- سلوة الأنفاس: ٢/ ١٤٩ - ١٥٠).
(٢) "المخنصر" للشيخ خليل بن اسحاق. وهذا المختصر في الفقه المالكي، وقد طبع وترجم إلى الفرنسية، وذكر حاجي خليفة: (أن على مختصر الشيخ "خليل" حاشية للمكناسي، والعلاّمة شمس الدين محمد بن إبراهيم التتائي (ت سنة ٩٤٢هـ)، وسمّاه: "فتح الجليل في شرح مختصر خليل"). (الحاجي خليفة- كشف الظنون: ٢/ ١٦٢٨، الزركلي- الأعلام: ٢/ ٣١٥).
(٣) من عقر: جرح، فهو: عقير، وهم عقرى، كجريح وحرحى، وعقر البعير والفرس بالسيف فانعقر، أي ضرب به قوائمه. (الرازي- مختار الصحاح: ٣٥٠).
(٤) هو: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، الملقب بسحنون، القاضي، الفقيه، الزاهد الذي لا يهاب سلطانًا في حق يقوله، مولده في القيروان، ولي القضاء بها (سنة ٢٣٤هـ)، رفيع القدر، عفيفًا، روى "المدونة" في فروع المالكية، مات (سنة ٢٤٠). (ابن خلكان- الوفيات:١/ ٢٩١، ابن فرحون- الديباج: ١٦٠، الزركلي- الأعلام: ٤/ ٥).
(٥) أنظر: المازري- شرح التلقين: (١٦٨ - أ) بلفظ: (قال سحنون فيمن باع منهم السلاح وشارك في دماء المسلمين)، (بن فرحون- التبصرة: (٢/ ١٤٨)، بزيادة "ومن باع منهم سلاحًا فكأنما أخذ رشوة على دماء المسلمين).
[ ١٤٥ ]
وقال "الحسن" ١: (من حمل الطعام إليهم فهو فاسق، ومن باع [١٢/أ] السلاح منهم ٢ فليس بمؤمن) ٣ اهـ.
وقد تقدّم- في الفصل الأول- أن الشيخ "ميّارة"، ومن معه أفتوا: (يقتل من باع وصيفًا مسلمًا لهم، حيث كان لا ينفك عن إدخال الضرر على المسلمين إلا به).
وكذا أفتى الإمام سيدي "يحى السراج" ٤: (بقتل من يبيع المسلمين الأحرار وأودلاهم للعدوّ) اهـ.
ووجهه ظاهر لأنّه أعظم مفسدة من الجاسوس، لأنّ الجاسوس ينقل ٥ الأخبار للعدوّ، وهذا ملّكه رقاب المسلمين.
ثم ما تقدّم من منع بيع البقر والجلود والحديد، أنّه ٦ إذا لم يعرض للمسلمين
_________________
(١) أبو سعيد: الحسن بن يسار البصري، تابعي، إمام، عالم، فقيه، فصيح، شجاع، شبّ في كنف علي بن أبي طالب، وكان يدخل على الولاّة فيأمرهم وينهاهم، قال الغزالي (كان الحسن البصري أشبه الناس كلامًا بكلام الأنبياء، وأقربهم هديأمن الصحابة، وكان غاية في الفصاحة) له كلمات سائرة، وكتاب في "فضائل مكة"، مات (سنة ١١٠هـ)، (الذهبي- ميزان الاعتدال:١/ ٢٥٤، الزركلي- الأعلام: ٢/ ٢٢٦).
(٢) في "ب" و"ج" و"د": (منهم السلاح).
(٣) أورده المازري- شرح التلقين: (١٦٨ - أ) وقال عقبه: (وهذا تغليظ في بيع السلاح لأننا لا نكفر بذلك، إلاّ لمن تعمد واعتقد استحلال دماء المسلمين)، وابن فرحون في "التبصرة": ٢/ ١٤٨، بلفظ "من حمل إليهم طعامًا فهو فاسق ومن حمل إليهم سلاحًا فليس بمؤمن أي ليس بكامل الإيمان).
(٤) أبو زكرياء، يحيى بن محمد السراج النفزي الحميري الأندلسي، مفتي فاس وخطيب مسجديها الأعظمين، "الأندلس" و"القرويين". مات في الثامن من عشر جمادى الأولى سنة ١٠٠٧م، ودفن قرب قبر أبي زيد الهزميري. أنظر: ابن القاضي- لقط الفرائد في كتاب "ألف سنة من الوفيات": ٢٨٥، القادري- التقاط الدرر: ٣١، ٣٢.
(٥) في "ب": (من ينقل).
(٦) في "ب" و"ج": (إنما هو).
[ ١٤٦ ]
حاجة إلى آلة الحروب، كاحتياجهم إلى الأنفاض ١ مثلًا، والبنب، والكور ٢، ونحو ذلك، ممّا تأكدت حاجتهم إليه لدفع العدوّ الذي زاحمهم في الجيش.
وإلاّ بأن تأكدت الحاجة إلى شيء من ذلك، فإنّه تراعى حينئذ المصلحة العامة- لأنّه إذا تعارض ضرران إرتكب أخفّهما- فيجتهد في المصلحة حينئذ، فإنْ كان ما طلبوه من البقر والجلود والحديد ليس فيه كبير تقوية لهم، ولا توهين للمسلمين لقلّتها بالنسبة لحال المسلمين، ولحال ما يؤخذ منهم من الأنفاض ونحوها، جاز حينئذ شراء الأنفاض والبنب ونحوها، بالبقر والجلود، دفعًا لأثقل الضررين بأيسرهما.
وقد قال في "التوضيح" ٣ - بعد: أن ذكر الخلاف في جواز مفاداة الأسارى بالخيل وعدم جوازها ٤ - ما نصّه: (وسبب الخلاف تعارض مفسدتين، إحداهما: إعانة الكافر بآلة الحرب، والثانية: بقاء (الأسارى) في أيديهم، وينبغي على هذا أنْ يتبع في ذلك (المصلحة) الراجحة) ٥ اهـ.
ونقله عنه غير واحد مسلّمًا.
_________________
(١) لم أقف على معنًا لها مناسب للسياق في القاموس، ولقد سألت العلاّمة الشيخ محمد المنوني عنها فأخبرني بأنها المدافع الصغيرة.
(٢) والكور- بالفتح-: الجماعة الكثيرة من الإبل، أو مائة وخمسون، أو مائتان وأكثر، والقطيع من البقر جمع أكوار. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٤/ ٩٧).
(٣) "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب" للشيخ خليل بن اسحاق، ما زال مخطوطًا.
(٤) قال في التوضيح- بالنسبة للخلاف في جواز مفادات الأسارى بالخيل وعدم جوازها-: (المنع مطلقًا لابن القاسم، والجواز مطلقًا لسحنون، قال: ويباع لهم الخمر للعداء، هكذا نقل الباجي عنه، ونقل "اللخمي" و"صاحب البيان" و"ابن يونس" عنه: انه قال: ويأمر الإمام أهل الذمّة بدفع ذلك إليهم ليحاسبهم لذلك في الجزية، والقول بجواز المفادات بالخيل والسلاح. دون الخمر والخنزير وما أشبهها لابن الماجشون وأشهب لئلا يتذرّع إلى ملك الخمر وإشاعتها وأسواق المسلمين، والرابع عكس الثالث، ونسبه اللخمي لابن القاسم و"الموازية" لأنهم يتقوّون على المسلمين بآلة الحرب). (التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب: ١/ ٣٠٢ - ب).
(٥) أنظر: خليل في "التوضيح" شرح مختصر ابن إلحاجب: ١/ ٣٠٢ - ب.
[ ١٤٧ ]
وكذا ١ إنْ اشترى السلاح بالسلاح، ففي المواق ٢ عن ابن سراج ٣: (في الحربي ينزل بأمان ومعه سلاح يريد أنْ يبيعه، فيجوز شراءه وإبداله بمثله أو دونه) ٤ اهـ.
وأما بيع آلات الحرب، من سلاح ونحوه للعدوّ لاحتياج [١٢/ ب] المسلمين إلى القوت لشدّة الغلاء عندهم: فإنهم يجوّزوه بحال.
وقد سئل الإمام "الشاطبي" ٥ - مفتي غرناطة ٦ ﵀-: عن بيع بعض ما
_________________
(١) في "ب" و"ج": (كذلك).
(٢) لأبي عبد الله: محمد بن يوسف العبدري الغرناطي المواق، فقيه مالكي، كان عالم غرناطة وإمامها وصالحها في وقته، مات (سنة ٨٩٧هـ) وكتابه هذا سمّي نسبة إليه، وقد طبع واسمه الكامل "التاج والإكليل" يشرح فيه مختصر خليل، وله- أيضًا- "سنن المهتدين في مقامات الدين". (التنبكتي- نيل الابتهاج: ٣٢٤، مخلوف- شجرة النور: ٢٦٢، الزركلي- الأعلام: ٧/ ١٥٤ - ١٥٥).
(٣) أبو القاسم محمد بن محمد بن سراج الغرناطي مفتيها، وقاضي الجماعة بها الإمام العلاّمة الفقيه الحافظ حامل لواء المذهب المالكي، أخذ عن ابن لب والحفار وابن علاق وجماعة. له تآليف منها: "شرح المختصر" وفتاوى كثيرة نقل الونشريسي في معياره جملة منها. (مات سنة ٨٤٨هـ). (مخلوف- شجرة النور: ٢٤٨).
(٤) بحثت عنه في "المواق في شرحه لمختصر خليل" فلم أقف عليه وهو شرحه الكبير الذي سمّاه "التاج والإكليل "، ولعل المصنف نقله عن "المواق" في شرحه الصغير على "مخصر خليل" حيث ذكر له شرحان في ترجمته. قال التنبكتي في "نيل الابتهاج": ٣٢٤ (وله تآليف منها شرحًا، على مختصر خليل الكبير سمّاه "التاج والإكليل" والمختصر من مسودته وهما متقاربان في الجرم يزيد كل على الآخر في بعض المواضع) وكذا ذكر مخلوف في، شجرة النور": ٢٦٢. وشرحه الصغير مفقود كما أخبرني فضيلة الدكتور أبو الأجفان.
(٥) هو: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطيٍ، الشهير: بالشاطبي، أصولي، حافظ، من أئمة المالكية، من كتبه: "الموافقات" في أصول الفقه، و"المجالس" شرح به كتاب البيوع من صحيح البخاري، و"الإفادات والإنشادات" و"الفتاوى". مات (سنة ٧٩٠هـ) (التنبكتي- نيل الابتهاج: ٤٦ - ٥٠، الكتاني- فهرس الفهارس: ١/ ١٣٤، الزركلي- الأعلام: ١/ ٧٥، أبو الأجفان- مقدمة تحقيق فتاوى الشاطبى: ٢٤).
(٦) قال الأنصاري: (هى أقدم مدن كورة البيرة من أعمال الأندلس، وأعظمها، وأحسنها، يشقها النهر المعروف "بنهر قلزم" من القديم، ويعرف الآن: "بنهر حداره " وله نهر آخر =
[ ١٤٨ ]
لا يجوز بيعه من العدوّ، من سلاح وطعام، هل يرخص لجزيرة أهل الأندلس في معاملتهم النصارى به لحاجة المسلمين، لأن بلاد النصارى أحدقت ١ بهم من كل جانب، إلاّ بعض جهات المسلمين بعيدة منهم، لأنها من وراء البحر، والحاجة تدعوهم للبيع والشراء بذلك؟.
فأجاب: (بأن الحكم الذي هو بيع آلة الحرب منهم: عام في أهل الجزيرة وغيرها، فلا يرخص لهم في ذلك، ونصوص الأئمة القاضية بذلك كثيرة) ٢ اهـ.
وقد أفتى الإمام "المازري"- ﵀-: (بعدم جواز دخول المسلمين لأرض الكفار لجلب الأقوات، وإنْ اشتدّ الغلاء بهم، حيث كانت أحكام الكفار تجري على الداخلين إليهم من المسلمين.
قال: لأنّ حرمة المسلم لا تهتك ٣ بالحاجة إلى الطعام، فإنّ الله سبحانه يغنيه من فضله، إن شاء) اهـ، باختصار كثير.
_________________
(١) = يقال له "سنجل"، وبينها وبين "قرطبة" ثلاثة وثلاثون فرسخا. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ٤/ ١٩٥).
(٢) من حدق- أي-: أحاط، وحدّقوا به تحديقًا، وأحدقوا به: أحاطوا به. (الرازي- مختار الصحاح: ٩٥، المعجم الوسيط: ١/ ١٦١).
(٣) فتاوى الشاطبي: ١٤٤ - ١٤٥ (ما يحرم بيعه للمحاربين)، وقد نقله "المصنف" هنا مختصرًا ونصّه كما ورد: (أن هذه الجزيرة جارية مجرى غيرها، إذا لم يفرق العلماء في المسألة بين قطر وقطر، ولا فرقوا- أيضًا- بين من هادن أو كان حربيًا لنا، إلاّ ما ذكره ابن حبيب في الطعام، فإنه أجاز بيعه ممّن هادن دون الحربي، وما علّلتم به من حاجتنا إليهم فليس بموجب لتسويغ البيع منهم، لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ ةذَا الآية﴾ - سورة التوبة / آية ٢٨ - فنبهت الآية على أن الحاجة إليهم في جلب الطعام إلى مكّة لا ترخص في انتهاك حرمة الحرم، فكذلك لا ترخص في استباحة الاضرار بالمسلمين).
(٤) الهتك: خرق الستر عمّا وراءه، وقد هتكه فانهتك، وهتّك الأستار: شدّد للكثرة، والاسم الهتكة، بالضم. (الرازي- مختار الصحاح: ٥٤٦).
[ ١٤٩ ]
ففيه تقوية لفتوى "الشاطبي" المتقدمة، لأنّه إذا كانت حرمة المسلم لا تهتك بجري أحكام الكفار عليها لجلب الأقوات، فأحرى بيع السلاح منهم لتحصيل الأقوات، لأنّ في بيعها إعانة لهم على جميع المسلمين- كما مرّ عن "سحنون" وغيره- وإنتهاك لحرمتهم، بل ولأخذ أموالهم ودينهم، والله أعلم!.
[ ١٥٠ ]
الفصل الخامس
في معاقبة العاصي بالمال وما فيه من الخلاف
في القديم والحال
ــ
اعلم! أن ما وقع من الخلاف بين الأئمة في جواز العقوبة والتعزير بالمال شهير، لا يخفى أمره على من له أدنى مسيس بالفقه.
وقد ذكر "الزرقاني" وغيره: الخلاف في ذلك بين الأئمة في القديم، عند قول "خليل": (وعزّر الإمام لمعصية الله) ١.
_________________
(١) ونص الزرقاني في شرحه على خليل: ٨/ ١١٥ - ١١٦: "وهل يكون التعزير بأخذ المال في معصية لا تعلّق لها بالمال أم لا؟، والأول مذهب الحنفية قاله "الشيخ علي الأجهوري" وتوقّفه في مذهبه فيه تصور، فان "النهر" مختصر "البحر" للحنفية: عزا للأئمة الثلاثة والصاحبين أنه لا يكون بالمال، ونصّه: "وما في الخلاصة سمعت من ثقة أنه يكون بأخذ المال أيضًا، ان رأي القاضي ذلك، ومن جملة ذلك من لا يحضر الجماعة مبنى على اختيار من قال بذلك كقول "أبي يوسف"، فانه روي عنه: أنه جوّز للسلطان التعزير بأخذ المال، كذا في "الفتح"، ومعناه:- كما قال "البزازي": أن يمسكه عنده مدة لينزجر ثم يعيده إليه لا أنه يأخذه لنفسه أو لبيت المال، كما توهّمه الظلمة، إذ لا يجوز أخذ مال مسلم بغير سبب شرعي، أي: كشراء أو هبة انتهى. ثم إنها تردّ إليه إذا تاب فان أيس من توبته صرفه الإمام إلى ما يرى، وفي "شرح الآثار": التعزير بأخذ المال كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ، كذا في "المجتبي"، وعندهما وباقي الأئمة الثلاثة لا يجوز التعزير به انتهت عبارة "النهر"، وانظر قوله: وعندهما، مع ما نقله قبل عن أبي يوسف". وذكر "البناني في شرحه لمختصر خليل": ٨/ ١١٥، ١١٦، عند قول خليل "وعزر الإمام لمعصية الله" ما نصّه: (قول الزرقاني عن الشيخ الأجهوري: "وهل يكون التعزير بأخذ المال في معصية لا تعلق لها بالمال أم لا؟ إلخ" يدل على قصوره ما ذكره "ابن رشد" في رسم مساجد القبائل من سماع "ابن القاسم"، من كتاب، (الحدود في القذف" ونصّه: "مالك لا يرى العقوبات في الأموال، وإنما كان ذلك في أول الإسلام"). أنظر: ابن رشد- البيان والتحصيل: ١٦/ ٢٧٨.
[ ١٥١ ]
وسيأتي: أنّه قول "للشافعي" في القديم.
قال "الجزولي" ١ - على قول الرسالة ٢، عن "عمر بن عبد العزيز" (تحدث للناس أقضية [بقدر ما أحدثوا من الفجور] ٣ - ما نصّه: [١٣/أ]
وبقول عمر هذا: يستدل أشياخ السوء من القبائل فيما أحدثوا: أنّ من سلّ سيفه فضرب به يلزمه كذا، أو من وضع يده عليه ولم يسلّه يلزمه كذا، ومن لطم شخصًا يلزمه كذا، أو من شتم يلزمه كذا، وكل ذلك بدعة) اهـ.
ولما نقله الشيخ "ميّارة" قال عقبه: (ما استدل به أشياخ السوء، لا شكّ في صحته، لأنّ إغرام أهل الجنايات المال لزجرهم وردعهم عمّا هم عليه من باب العقوبة بالمال، والمعروف عدم جوازها.
وقد أفتى الشيخ أبو القاسم "البرزلي": بجوازها، واستدلّ عليه بوجوه، وأملي في ذلك جزءًا.
وردّ عليه- ما ذهب إليه من جوازها- عصريّه الشيخ "أبو العباس الشماع" ٤،
_________________
(١) أبو زيد: عبد الرحمن بن عفان الجزولي، فقيه مالكي، من أهل فاس، أعلم الناس في عصره بمذهب مالك، وكان يحضر في مجلسه أكثر من ألف فقيه معظمهم يستظهر "المدونة"، وقيدت عنه على "الرسالة" ثلاثة تقاليد، مات (سنة ٧٤١هـ). (الكتاني- سلوة الأنفاس: ٢/ ١٢٤، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٣١٦).
(٢) أي رسالة ابن أبي زيد: في الفقه المالكي، للشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني.
(٣) ساقطة من "الأصل"، ومن "ج"، والإضافة من "الرسالة". (زروق- شرح رسالة ابن أبي زيد: ٢/ ٢٧٥، وابن ناجي- شرح رسالة ابن أبي زيد: ٢٧٦).
(٤) هو أبو العباس: أحمد بن محمد، الشهير بالشماع، الهنتاني التونسي الشيخ الصالح العلاّمة الفقيه المحقق الفاضل الفهامة، ولاه الأمير أبو فارس ناظرًا على جميع قضاة الكور وعدولها وقاضي المحال، أخذ عن ابن عرفة وغيره، وعنه أبو زيد الثعالبي وغيره، نقل الونشريسي في المعيار جلّة من فتاويه. مات (سنة: ٨٣٣هـ). وكتابه هذا في الرد على البرزلي في مسألة العقوبة بالمال الذي ذكره المصنف هنا سمّاه "مطالع التمام في رد القول لإباحة إغرام ذوي الجنايات والاجرام" توجد نسخة منه بخط الونشريسي في الاسكوريال رقم (١١٤٠). (مخلوف- شجرة النور:٢٤٤).
[ ١٥٢ ]
وألّف عليه تأليفًا، ونقض كل ما عقده البرزلي ١.
ثم قال ٢: إلاّ أن كلام البرزلي، ومن ردّ عليه هو- والله أعلم- مفروض مع وجود الإمام وتمكّنه من إقامة الحدود وإجرائها على مقتضاها، ولا شكّ أنّ العدول ٣ عنها إلى غيرها حينئذ تبديل للأحكام، وحكم بغير ما أنزل الله.
وأمّا مع عدم الإمام، أو عدم التمكّن من إقامة الحدود وإجرائها على أصلها: فالعقوبة بالمال أولى من الإهمال وعدم الزجر، وترك القوي يأكل الضعيف.
فعظم المفسدة في ذلك يغني فيه العيان عن البيان، وذلك مفض لخراب العمران، وهدم البنيان.
بل إذا تعذّرت إقامة الحدود، ولم تبلغها الاستطاعة، (و) ٤ كانت الاستطاعة تبلغ إلى إيقاع تعزيز يزدجر به: تنزّلت أسباب الحدود منزلة أسباب التعزيرات، فيجري فيها ما هو معلوم في التعزير.
وليس المراد أنّ الحدّ يسقط بذلك، ولكن (غاية ذلك) ٣ ما تصله الاستطاعة في الوقت دفعًا للمفسدة ما أمكن، فإنْ أمكن بعد ذلك إقامة الحدّ أقيم إنْ اقتضت الشريعة إقامته، والظالم أحق أن يحمل عليه) ٦ اهـ. [١٣/ب] كلامه باختصار.
_________________
(١) قال المهدي الوزاني: (وقد وقع النزاع في ذلك- العقوبة بالمال- بين علماء تونس عام ٨٢٨هـ، فكلهم أفتوا بالمنع وانفرد عنهم الشيخ البرزلي فأفتى بالجواز وألف في ذلك تأليفًا فيه نحو أربعة أوراق). أنظر: المعيار الجديد: ١٠/ ١٧٥. ونقل مثله- أيضًا- الشيخ مخلوف في شجرة النور: ٢٤٤.
(٢) أي: الشيخ ميارة.
(٣) من عدل عنه، يعدل، عدلًا، وعدولًا: حاد. (ترتيب القامرس المحيط: ٣/ ١٧٢).
(٤) في "الأصل" (أو).
(٥) في "ب": (ذلك غاية).
(٦) لم أقف على قول "الشيخ ميارة" ولكنني وقفت على ما نقله السجلماسي في "شرح نظم عمل فاس": ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨، حيث عزاه إلى العربي الفاسي في جواب له في مسألة العقوبة بالمال "أنظر الصفحة التالية"، ونقل "العربي الفاسي" في جوابه ما قاله: البرزلي بجواز العقوبة بالمال، وردّ ابن الشماع عليه.
[ ١٥٣ ]
ونحوه للشيخ التاودي ١، والشيخ سيدى العربي الفاسى ٢ قائلًا: المشاهد في الوقت أنّ القبائل بعيدة عن تنفيد الزواجر فيها، ونهيهم دون زاجر لا يؤثر، فالعقوبة بالمال، وإنْ كانت ممنوعة، لكنها في هذا الزمان محلّ الضرورة، لأنّ الواقع بالمشاهدة الآن أن القبائل التي لا تنالها الأحكام لا تمكن فيها العقوبة في الأبدان، لأنّهم لا يذعنون لمن رام ذلك منهم، ووقع القطع بأن إرادة تنفيذ ذلك موقع فيما هو أدهى وأمر من الفتن، فصار فعلها عام المصلحة، كما أن تركها عام المفسدة) ٣.
قال: (وقد وقفت على جواب "لأبي جعفر الداودى" ٤ أفتى فيه: بجوازها،
_________________
(١) أبو عبد الله محمد بن سودة، أنظر قوله في مسألة العقوبة بالمال في شرحه عل لامية الزقاق: ١٦٠.
(٢) أبو حامد: محمد العربي بن يوسف بن محمد الفهري الفاسي، شيخ الإسلام، الفاضل، من كتبه: "عقد الدرر"، وأرجوزة في "نظم ألقاب الحديث" طبعت مع شرحها لمحمد بن عبد القادر الفاسي، ومنظومة في "الزكاة"، مات بتطوان (سنة ١٠٥٢هـ)، (مخلوف- شجرة النور الزكية: ٣٠٢، الكناني- سلوة الأنفاس: ٢/ ٣١٣، الزركلي- الأعلام: ٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥).
(٣) نقله السجلماسي في "شرح نظم عمل فاس": ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨، حيث كان جوابًا عن سؤال وجه له في مسالة: العقوبة بالمال، وقال السجلماسي: (وقفت على جواب منسوب للإمام العلاّمة سيدى محمد العربي، مال فيه إلى جواز العقوبة بالمال عند تعذر إقامة الحدود، والزواجر الشرعية، وهو جواب حافل نحو ثمان ورقات، فأحببت أن أنقل شيئًا منه هنا وذلك أنه سئل﵁- عن حال القبائل في الزمان الذي لا سلطان فيه: أن من قطع منهم طريقًا أو نهب مالًا- مثلًا- لا يمكن زجره إن أمكن، إلاّ بالعقوبة المالية، ومن رام كبر ذلك من العقوبة في البدن تعرض لوقوع ما هو أنكر وأعظم؟ فأجاب: اغرام أهل الجنايات ما يكون زاجرًا لهم من باب العقوبة بالمال والمعروف عدم جوازها، وقد أفتى بجوازها الشيخ أبو القاسم البرزلي وأملى في ذلك جزءًا ورد ذلك عليه "عصريه وبلديه الشيخ أبو العباس الشماع وألف تأليفًا دلّ على تبحّره في العلم خطأ فيه من يقول بالجواز إلاّ أن كلام الشيخين مفروض مع وجود الإمام إلخ.
(٤) هو: أبو جعفر، أحمد بن نصر الداودى، الأسدي، المالكي: محدث، فقيه، متكلم، سكن "طرابلس الغرب"، وتوفي تلمسان، من مصنفاته: "النامي في شرح الموطأ" و"الواعي في الفقه" و"النصيحة في شرح البخاري" و"الإيضاح في الرد على القدرية". مات (سنة ٤٠٢هـ) (ابن فرحون- الديباج: ٣٥، كحالة- معجم المؤلفين: ٢/ ١٩٤ - ١٩٥).
[ ١٥٤ ]
وكان زمانه زمان هرج ١ وفتن) ٢ اهـ كلام سيدى العربي باختصار.
ثم قال الشيخ "ميّارة"- إثر ما مرّ عنه-: (وقد يشهد للعقوبة بالمال حديث التنفيل ٣، وهو قوله - ﷺ -: "من وجدتموه يصيد في حرم المدينة فخذوا سلبه" ٤.
قال عياض ٥: "لم يأخذ به من أئمة الفتوى إلاّ الشافعي في قول له قديم، وخالفه أئمة الأمصار" ٦.
_________________
(١) الهرج: الفتنة والاختلاط، وبابه: ضرب. (الرازي- مختار الصحاح: ٥٤٩).
(٢) أورده السجلماسي فى "شرح نظم عمل فاس": ٢/ ٤٢٨، وزاد- في النقل عن العربي الفاسي- قوله: (فان صحّت نسبة الجواب له- أي لأبي جعفر الداودي- فهو محمول على اعتبار تعذر الحكم بغيرها كما في زماننا هذا).
(٣) النّفل- محركة-: الغنيمة، والهبة، جمعه: أنفال، ونفل، والنافلة: الغنيمة، والعطية. (ترتيب القاموس: ٤/ ٤١٩).
(٤) أخرجه أبو داود في "السنن": ٢/ ٢١٦ - ٢١٧، (كتاب: المناسك"باب: في تحريم المدينة، عن سليمان بن أبي عبد الله، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص، أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرّم رسول الله - ﷺ - فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلّموه فيه، فقال: (ان رسول الله - ﷺ - حرّم هذا الحرم، وقال: "من أخذ أحدًا يصيد فيه فليسلبه ثيابه" فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله - ﷺ - ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه). وأحمد في "المسند": ١/ ١٧٠، نحوه. وأورده القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن ": ٦/ ٣٠٦.
(٥) أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي: عالم المغرب، وإمام أهل الحديث في وقته، أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم، ولي قضاء سبتة وغرناطة، من تصانيفه: "الشفاء بتعريف حقوق المصطفى" و"ترتيب المدارك وتقريب المسالك في معرفة أعلام مذهب الإمام مالك". مات (سنة ٥٤٤هـ). (ابن بشكوال- الصلة: ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤، الضبي- بغية الملتمس: ٤٣٧، ابن خلكان- وفيات: ١/ ٣٩٢، كبرى زاده- مفتاح السعادة: ٢/ ١٩).
(٦) قال الشوكاني: (وقد حكى ابن قدامة عن أحمد في احدى الروايتين القول به، قال: "وروى ذلك عن ابن أبي ذئب وابن المنذر" وهذا يرد على القاضي عياض حيث قال: ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلاّ الشافعي في قوله القديم)، (نيل الأوطار: ٥/ ٣٤).
[ ١٥٥ ]
قال النووي ١: "وقال به: سعد بن أبي وقاص ٢، وجماعة من الصحابة" ٣، ولا يضر الشافعي مخالفة أهل الأمصار، إذا كانت السنة معه، وهذا القول هو المختار لصحة الحديث، وعمل الصحابة على وفقه) اهـ.
قال ٤: (فقف على قول النووي: ولا يضر الشافعي مخالفة أهل الأمصار إذا كانت السنة معه، وعلى قوله: وهذا القول هو المختار) اهـ.
وتعقبه الشيخ التاودي بقوله: (لا شاهد لهم، أي: للنووي ومن معه في الحديث المذكور، لأنّه في حق من صاد في الحرم، فبعيد أنْ تقول به في غيره، كمن رعى حيث لا يجوز له، أو قطع شجرًا مملوكًا، فلا يؤخذ سلبه، وإنّما عليه قيمة ما أتلفه) ٥ اهـ.
قلت: يرد هذا التعقب بأن: معنى قوله ﵊: "فخذوا [١٤/أ] سلبه " أي: فعاقبوه بأخذ ماله على معصيته التي ارتكتبها.
فإن تمحّض ٦ الحق لله- كالصيد في الحرم، وعدم التناهي عن المنكر،
_________________
(١) أبو زكريا محيي الدين: يحيى بن شرف بن مري الحزامي، الشافعي، العالم، الفقيه، المحدث، ولد في "نوا"، وتعلم في دمشق، من كتبه::تهذيب الأسماء واللغات- ط" و"منهاج الطالبين- ط" و"المنهاج في شرح صحيح مسلم- ط". مات "بنوا" (سنة ٦٧٦هـ). (السبكي- طبقات الشافعية: ٥/ ١٦٥، كبرى زاده- مفتاح السعادة:١/ ٣٩٨، الزركلي - الأعلام: ٨/ ١٤٩ - ١٥٠).
(٢) أبو اسحاق القرشي الزهري، الصحابي الأمير، فاتح العراق، ومدائن كسرى، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، يقال له: فارس الإسلام، له في كتب الحديث (٢٧١ حديثًا)، مات (سنة ٥٥هـ). (ابن الجوزي- صفة الصفوة:١/ ١٣٨، ابن الأثير- أسد الغابة: ٢/ ٢٩٠، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٨٧).
(٣) نقله الشوكاني في "نيل الأوطار": ٥/ ٣٤، وقال: (قال الماوردي: يبقى له ما يستر عورته، وصحّحه النووي واختاره جماعة من أصحاب الشافعي).
(٤) أي: الشيخ ميّارة.
(٥) شرح التاودي على لاميّة الزقاق: ١٦٠.
(٦) وهو كل شيء خلص، حتى لا يشوبه شيء يخالطه. (المعجم الوسيط: ٢/ ٨٦٢).
[ ١٥٦ ]
وإخراج الصلاة عن وقتها مثلًا مع قضائها في غير وقتها، والأكل في رمضان نهارًا - فإنّما يؤخذ سلبه أي: ماله فقط.
وإنْ كان الحق لله ولآدمي: فيؤخذ ماله لحق الله، ويغرم بعد ذلك حق الآدمي، إذ ما من حق لآدمى إلاّ وفيه حق لله الذي هو: إثم الجرأة والإقدام.
والحديث الكريم علّق أخذ السلب على معصية الله، كان معها حق لآدمي أم لا، ويدلّك لهذا ما قالوه في الغاصب والمتعدّي ونحوهما، من أنّهما يؤدبان لحق الله، ويغرمان ما أتلفاه.
[قال] خليل: في الغصب- (وأدب مميّز- ثم قال- وضمن بالاستيلاء) ١.
ومن ذلك أيضًا ما قاله في "المتيطية" ٢ وغيرها: (من أنّ الصواب للحاكم متى علم بلدد ٣ المطلوب واستخفافه أن يؤدبه، ويبيح للعون ٤ الذي مضى أثره أخذ
_________________
(١) أنظر مختصر خليل: ٢٢٢، (باب: الغصب)، وتمام النص قوله: (الغصب: أخذ مال قهرًا تعدّيًا بلا حرابة، وأدب مميّز، كمدّعيه على صالح، وفي حلف المجهول قولان، وضمن بالاستيلاء). وقال الزرقاني في شرحه لقول خليل هذا-: (وأدّب مميّز وجوبًا باجتهاد الحاكم بعد أن يؤخذ منه ما غصب، بل ولو عفا عنه المغصوب منه لحق الله لا للتحريم، بل لدفع الفساد في الأرض، واستصلاح حاله. وضمن الغاصب المميّز باستيلائه على الشيء المغصوب عقارًا أو غيره كأمة). (الزرقاني على خليل: ٦/ ١٣٧ - ١٣٨).
(٢) وتسمى أيضًا: "النهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام" لأبي الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الأنصاري المتيطي القاضي، عارف بالشروط محرّر للنوازل. مات (سنة ٥٧٠هـ) وكتابه هذا في الوثائق، كان المفتون والحكام يعتمدونه، وذكر الوزير السّراج- في ترجمة الإمام محمد بن هارون الكناني: ان من مؤلفاته اختصار المتيطية. وقال ابن عبد الله: مخطوط يوجد بالخزانة العامة بالرباط رقم (٢٤٨٢ د) "فصول غير تامة" ونسخة في الخزانة الملكية بالرباط رقم (٦٨٣/ ٨٧٦) (٥١٨٥/ ٨٣٢٤). (مخلوف- شجرة النور: ١٦٣، الوزير السّراج- الحلل السندسية في الأخبار التونسية:١/ ٨٢٩، التنبكتي- نيل الابتهاج: ١٩٩، ابن عبد الله- معلمة الفقه المالكي: ١٤٧).
(٣) في "ج" (بلمد) وهو تصحيف، والمقصود: شدة الخصومة.
(٤) العون: الظهير على الأمر، والجمع: الأعوان، (الرازي- مختار الصحاح: ٣٦٤، الفيومي- المصباح المنير: ٢/ ١٠٥).
[ ١٥٧ ]
أجرته منه) ١.
ولا يخفى أن الملدّ تسبب بلدده في إتلاف أجرة العون على خصمه فوجب غرمها عليه، ولزمه مع ذلك الأدب لاقتحامه معصية الله تعالى بلدده، لأنّه ظالم كما ترى.
إلاّ أنّ الشافعي في ذلك القول القديم: يجعل محل الأدب غرم المال للحديث المتقدّم، وهو ما اختاره النووي، وبهذا يتمّ استشهادهم بالحديث الكريم على العقوبة بالمال، فالحجة به قائمة على منكر جوازها، وبه يردّ ما حكاه ابن رشد: من الاجماع على نسخ جوازها، لأنّه قال في غير ما موضع من "بيانه": (أنّها أي: في العقوبة بالمال منسوخة بإجماع) ٢.
وردّه ابن قيم الجوزية ٣ بقوله: (من قال: أنّ العقوبة بالمال منسوخة، فقد
_________________
(١) نقله السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": ٢/ ٤٢٩.
(٢) قال ابن رشد: (ان الإمام مالك لا يرى العقوبات في الأموال، لأن العقوبات في الأموال أمر قد كان في أول الإسلام، من ذلك ما روى عن النبي - ﷺ - في مانع الزكاة: "أنا آخذوها منه وشطر ما له عزمة من عزمات ربنا" و"ما روي عنه في حريشة الجبل: أن فيها غرامه مثليها وجلدات نكال". "وما روى عنه: من أن سلب من أخذ وهو يصيد في الحرم لمن أخذه"، كان ذلك كلّه في أول الإسلام، وحكم به عمر بن الخطاب، ثم انعقد الاجماع بأن ذلك لا يجب، وعادت العقوبات على الجرائم في الأبدان). (البيان والتحصيل: ١٦/ ٢٧٨ "كتاب الحدود": ٩/ ٣١٧ - ٣١٨ "كتاب السلطان". ونقل السجلماسي- أيضًا- عن مؤلف كتاب "المغارسة" ما قاله ابن رشد- حين تكلّم عن هذا الحديث- من وجدتموه يصيد في حرم المدينة - من "العتيبة": (أن هذا الحديث ضعيف وعلى تقدّم صحته، فانه كان في صدر الإسلام حين كانت العقوبة مشروعة، فكل ذلك منسوخ بالاجماع على أن العقوبة على الجرائم إنما تكون في الأبدان ولا تكون في الأموال) ثم نقل- أيضًا- ما قاله أبو العباس الونشريسي في كتابه: "عدة الفروق": (والعقوبة بالمال إنما كانت في صدر الإسلام ثم نسخت، وحكى ابن رشد اجماع الأمة على نسخها. (شرح نظم عمل فاس: ٢/ ٤٢٥).
(٣) أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، شمس الدين: الداعية المصلح، العالم الجليل، تلميذ ابن تيمية، وهو الذي هذّب كتبه، ونشر علمه، وسجن معه في قلعة دمشق، ألف تصانيف كثيرة منها: "إعلام الموقعين- ط"، و"الطرق الحكمية في السياسة =
[ ١٥٨ ]
غلط على مذاهب الأئمة نقلًا واستدلالًا، وفعل الخلفاء الراشدين وأكتابر الصحابة لها بعد موته - ﷺ - مبطل لدعوى نسخها) ١ اهـ. [١٤/ب]
قال الحافظ الونشريسي: (ومسائل الكفارات، وفتوى ابن العطار ٢، بجعل أجرة العون على المطلوب شاهدة لابن قيم الجوزية على ابن رشد) ٣ اهـ.
أي: فابن رشد وإنْ حكى الاجماع على النسخ- ومن حفظ حجة على من لم يحفظ- لكن مسائل الكفارات التي هي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ إلى قوله: لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ الآية﴾ ٥، وأجرة العون ٦،- لأنّه لا زال الحكم بها إلى
_________________
(١) = الشرعية،). مات (سنة ٧٥١هـ)، (ابن كثير- البداية والنهاية: ١٤/ ٢٣٤، ابن حجر- الدرر الكامنة: ٣/ ٤٠٠).
(٢) أنظر: ابن قيم الجرزية- اعلام الموقعين: ٢/ ١١٧ - ١١٨). ونقله- كذلك- السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": ٢/ ٤٢٥، عن أبي العباس الونشريسي في كتابه "عدة الفروق" بزيادة (والمدّعون النسخ ليس معهم كتاب ولا سنّة ولا اجماع يصحح دعواهم).
(٣) أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن عبيد الله، القرطبي، الفقيه، العالم، الحاذق بالشروط، كان يفضل فقهاء وقته بمعرفته بالنحو واللسان، ذكره الفقيه أبو عبد الله بن عتاب فقال: (ومحل أبي عبد الله في العلم معروف، وهو به موصوف، ولقد كان فقيهًا موثقًا لم يحفظ أنه أخذ عليها أجرًا) وقد تولّى الشورى ثم عزل عنها، له مع الفقهاء أخبار كثيرة. مات بالأندلس (سنة ٣٩٩هـ). أنظر: عياض- ترتيب المدارك: ٧/ ١٤٨ - ١٥٨، ابن فرحون- الديباج: ٢٦٩.
(٤) نقله السجلماسي في "شرح نظم عمل فاس": ٢/ ٤٢٤.
(٥) سورة المائدة / آية ٩٥، وتمامها: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ةدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.
(٦) سورة المجادلة / آية ٣، وتمامها: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّةاتِهِمْ إِنْ أُمَّةاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّة لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
(٧) هذه العبارة معطوفة على ما سبقها، وقد أوردها المصنف ليعزّز بها مذهب ابن القيم في جواز العقوبة المالية.
[ ١٥٩ ]
الآن- تقدح في الاجماع.
قلت: وكذا يشهد لابن قيم الجوزية: الحديث المتقدّم وقول الشافعي به، وترجيح النووي له.
فتبيّن بهذا: انّ حكاية الاجماع على النسخ لا تتمّ، وإنْ كان ناظم العمل تبع ابن رشد، حيث قال:
(ولم تجز عقوبة بالمال أو فيه عن قول من الأقوال
لأنّها منسوخة إلى قوله: فنسخها مضى ١ عليه الاجماع) ٢.
لأنّ "شارحه" القاضي العدل "أبو القاسم العميري" ٣ - تعقب عليه متابعة ابن رشد- قائلًا: (ما أفتى به البرزلي: مال إليه الفقيه أبو القاسم بن خجّو، وابن (العقدة) ٤ الأغصاوي ٥، وكتبا بذلك إلى السلطان: مولاي "محمد بن سيدي
_________________
(١) في "ب" (نصّ) والصواب ما أثبتناه من "الأصل"، ومن "ج"، وقد ثبت في (السجلماسي - شرح نظم عمل فاس: ٢/ ٤٢١).
(٢) أنظر: السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": ٢/ ٤٢٢، ونصّه: ولم تجز عقوبة بالميال أو فيه عن قول من الأقوال لأنها منسوخة الأمور ما زال حكمها على اللّسن يدور كأجرة الملدّ في الخصام واليرح للمغشوش من طعام والبرزلي أخذ بالعموم هو كقول الشافعي القديم ورده المعاصر ابن الشماع فنسخها مضى عليه الاجماع
(٣) أبو القاسم بن سعيد العميري الجابري المكناسي، القاضي، الشاعر، المشتغل بالتاريخ والسيرة النبوية، ولد بفاس، وولي فيها القضاء، من كتبه: "التنبيه والاعلام بفضل العلم والاعلام" و"الورد الندي في السيرة النبوية" و"فهرست شيوخه". مات بفاس (سنة ١١٧٨هـ). (القادري- نشر المثاني: ٣/ ٢٣٨، ومقدمة كتاب "كشف القناع عن تضمين الصناع لابن رحال": ٢١).
(٤) في "الأصل" (العقيدة) وهو تصحيف.
(٥) أبو عمران، موسى بن الأغصاوي، اشنهر أبوه بالعقدة، كان فقيهًا عالمًا نجيبًا محصلًا، أخذ عن المشايخ الكبار مثل "التودي، والعبدوسي" وكان يدعى بفحل المدونة، مات (سنة ٩١١هـ). (وفيات الونشريسي في كتاب "ألف سنة من الوفيات": ١٥٦، وابن عسكر- دوحة الناشر: ٣٣ - ٣٤).
[ ١٦٠ ]
محمد الشريف السوسي الدرعي"- وهو نازل بوادي سبوا ١ قبل أخذه لفاس- وتكلما ٢ بكلام طويل، حاصله: أنّهما راضيان بفتوى البرزلي.
وقد اتّسع ففي القول بها: الفقيه موسى بن علي (الوزاني) ٣، وكتب فيها، إلى أن قال: والذي أخاطب به نفسي، وألتزم الحظّ عليه- إلى حلول رمسي ٤ - إن أقول: أنّ فتوى "البرزلي": بجواز العقوبة بالمال ثابتة أي اثبات، فشد يدك عليها!.
فجميع من له يد من القواد والولاة، على إقامة الحدود البدنية لمن وجبت عليه، فإنْ تعذّر ذلك فعلى العقوبة المالية) ٥ [١٦/أ].
ثم قال القاضي ٦ المذكور: (- ولذلك قلت مخاطبًا للناظم ٧ على ما حكى من الاجماع مع وجود من يخالفه- ما نصّه:
_________________
(١) بضم أوله وثانيه، نهر بالمغرب قرب طنجة من أرض البربر. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ٣/ ١٨٦).
(٢) في "الأصل" (وتكلم) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج".
(٣) في "الأصل" (الوازني) وهو تصحيفى، وما أثبتناه من "ب" و"ج"، ثابت في كتب التراجم، وهو أبو عمران، موسى بن علي الوزاني، الفقيه، الصالح، الحافظ، الناقد، المطالع، المحقق، المصنف، كان ﵀ فاضلًا مشاركًا في جميع العلم، كثير الانتاج لكتب العلم بيده، نسخ منها أكثر من ثلاثمائة ديوان من الدواوين الكبار، ألف التآليف وجمع فتاوى فقهاء عصره في سفر، له أجزاء كثيرة ما بين منظوم ومنثور، وكان الشيخ "أبو القاسم بن علي بن خجّو" يقول: (فقهاء بادية المغرب من كعبة الوزاني إلى أسفل) مات في أواخر (سنة ١٠١٧هـ). (ابن عسكر- دوحة الناشر: ٤٠ - ٤١).
(٤) رمسي: دفني، رمس الميت: دفنه، وبابه: ضرب. (الرازي- الصحاح: ٢٠٤).
(٥) أنظر قول العميري بتمامه في المعيار الجديد للوزاني: ١٠/ ١٧٩.
(٦) هو أبو القاسم بن سعيد العميرى.
(٧) أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي، كان فقيهًا، محدثًا، باحثًا متفننًا، وكان ملازمًا للمولى الرشيد بن علي، وله فيه شعر كثير، من مصنفاته: "مفتاح الشفاء" و"أزهار البساتين (ت ١٠٩٦هـ) (الأزهري- اليواقيت: ١٩٥، السلاوي- الاستقصا: ٤/ ٥١، الكتاني- سلوة: ١/ ٣١٥).
[ ١٦١ ]
قلت: على النسخ حكيت الاجماع ما القول في مخالفة ابن الشماع
وتبع البرزلي ابن العقدة مع ابن خجّو خلافًا قد عقده
وأوضح القول بها الوزاني موسى ممّا أعشى عن الأوزاني
وفي جواب العربي الفاسي كلام قد جلّ عن القياس
مثل الذي لابن ميّارة الودود جوازه عند تعذّر الحدود
وقبلهم قال به ابن عرفة وغيره يعرفه من عرفه
والنووي قال هو المختار أتى به الحديث والآثار
وهو قول الشافعي في القديم فالخلف جار في الحديث والقديم
اهـ كلام العميري ١.
وحاصل اعتراضه، أنّه لو صحّ الاجماع الذي حكاه "ابن رشد"، وتبعه "الناظم للعمل"، ما وسع هؤلاء (الفقهاء المتقدمين مخالفته، إذ لا يخفى على مثلهم ذلك الإجماع لو صحّ، لممارستهم مطالعة كتاب: "البيان" لابن رشد، وغيره، وقد تبيّن أن هؤلاء الشيوخ كلهم: على جوازها مع تعذّر إجراء الأحكام على مقتضاها، خلافًا لإطلاق ناظم العمل، تبعًا لغيره.
وقد تحصّل من هذا كله: أن ما شرع الله فيه حدًّا معلومًا -كالزنى، والسرقة، والحرابة، والقذف، ونحوها- لا تجوز فيه العقوبة بالمال اتفاقًا، لما فيه من تبديل الحدود المعيّنة من الشارع سبحانه، لقوله- تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢
_________________
(١) له شرح على نظم "عمل فاس" سمّاه: "الأمليات الفاشية في شرح العمليات الفاسية"، منه نسخة خطية في (مكتبة تطوان رقم ٦٤٩) أنظر: ابن عبد الله- معلمة الفقه المالكي: ١٠٣، وانظر قوله هذا في المعيار الجديد لوزاني: ١٠/ ١٧٩ - ١٨٠.
(٢) سورة المائدة / آية ٤٤، وتمامها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيةا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِةا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ ةادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُةدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيئا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
[ ١٦٢ ]
(الظَّالِمُونَ﴾ ١ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ ٢.
اللهم!: إلاّ أنْ يتعذّر إقامتها فيعاقب بالمال حينئذ، إرتكتابًا لأخف الضررين، ودفعًا لأثقل المفسدتين ما أمكن، ولا يسقط الحدّ إنْ زال العذر [١٥/ب] على ما مرّ عن هؤلاء الشيوخ.
وأمّا ما فيه الأدب والتعزير بالاجتهاد- كما مرّ في الفصل الثاني-:
فقيل: (يعاقب بالمال مطلقًا، وهو ما يفهم من حديث التنفيل، وبه قال: "الشافعي"، واختاره "النووي"، و"ابن قيم الجوزية").
وقيل: (لا يعاقب به مطلقًا، وهو ما "لابن رشد" ومن معه).
وقيل: (لا يعاقب به- أيضًا- إلاّ مع التعذر- أيضًا- وهو ظاهر (إطلاق هؤلاء الشيوخ المتأخرين).
فشدّ يدك على هذا التحصيل، فقد زلّت هنا أقدام، وسأزيدك في الفصل الذي يليه بيانًا يجب عليه التعويل، والله أعلم. انتهى.
_________________
(١) سورة المائدة / آية ٤٥، وتمامها: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيةا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
(٢) سورة المائدة / آية ٤٧، وتمامها: (وَلْيَحْكُمْ أَةلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[ ١٦٣ ]
الفصل السادس ١
في زيادة تحقيق بعض ما تقدّم، وكيفية
إجرائه على المنصوص المُسَلّم
ــ
فقد علمت- ممّا مرّ- أنّه إذا زنا شخص، أو سرق، أو حارب مثلًا، وثبت ذلك بما لا مطعن ٢ له فيه، وظفر به الإمام، فلا يسجن لإعطاء المال بل ليقام الحدّ عليه، ولا عذر لهم في كونه يتعذّر حدّه، لأنّه لا تعذّر بعد الظفر بعينه، لأنّ من سجن لاعطاء المال يمكن إقامة الحدّ عليه قطعًا، وإقامته متعبد بها يثاب مقيمها على إقامتها الثواب الجزيل الذي لا حدّ له، لأنّه قد نفّذ أوامر الله في عباده، ولا فرق في ذلك بين الشريف والمشروف، وبين ذي الوجاهة ٣ والضعيف.
ومن سجن الزناة والقاذفين (وقاتلي) ٤ الغيلة ٥ مثلًا، وذوي الحرابة والسراق، لأخذ الأموال بعد ثبوت ذلك عليهم بموجبه ثم سرّحهم ٦: فقد بدّل الأحكام الشرعية، ومن بدّلها دخل في قوله- تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ،
_________________
(١) نقل هذا الفصل بتمامه المهدى الوزاني في "المعيار الجديد": ١٠/ ١٩٥ - ٢٠٤.
(٢) في "ب": (طعن).
(٣) ذو الجاه والقدر والرتبة، يقال: "وقد وجه الرجل": صار وجيهًا، أي: ذا جاه وقدر. (الفيومي- المصباح المنير: ٢/ ٣٦٦).
(٤) في "الأصل" (وقاتل) وما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د" مناسب للسياق، لأن ما قبله جاء بصيغة الجمع، وهو معطوف عليه.
(٥) بكسر الغين: الاغتيال، يقال: "قتله غيلة"، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فيقتله فيه: (الرازي- مختار الصحاح: ٣٨٣).
(٦) أي: أفرج عنهم، يقال: "سرّح عن فلان" أي: فرّج. أنظر البستاني- فاكهة البستان: ٦٣٨.
[ ١٦٤ ]
فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
ولا يسع البرزلي، ومن معه، أنْ يقولوا: بمثل هذا التبديل المذكور، وحاشاهم أن يقولوه! [١٦/أ]
وإنما معنى كلامهم: أنّ الزاني أو المحارب ونحوه، لم يظفر بعينه لفراره، أو تعصّبه ونحو ذلك، وإنّما ظفر الإمام بماله: فإنّه يعاقب بأخذه حتى يظفر به، فيقام الحدّ عليه إنْ لم يحدث ما يسقطه، كالتوبة للمحارب قبل القدرة عليه ونحو ذلك، كما مرّ.
وجلالتهم تصونهم عمّا توهّم فيهم، كيف: وقد علم من الدين ضرورة: أنّ من بدّل ما شرعه الله، أو أحلّ ما حرّم الله فهو كافر، وأن إقامة حدود الله واجبة من غير فرق بين وضيع أو شريف!.
وفي الصحيح: أنّه قال﵊-: "إنّما هلك من كان قبلكم، لأنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، وأيّم الله: لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ١ اهـ.
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه": ٣/ ١٣١٥، "كتاب: الحدود" "باب: قطع السارق الشريف وغيره " مطولًا، من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن قريشًا أهمّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله - ﷺ -؟ فقالوا: ومن يجترىء عليه إلاّ أسامة، حبّ رسول الله - ﷺ - فكلمه أسامة، فقال رسول الله - ﷺ -: (أتشفع في حدّ من حدود الله؟) ثم قام فاختطب فقال: "أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم، انهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحدّ، وأيم الله!، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". والنساثى في "سننه ": ٨/ ٦٤ - ٦٥ - ٦٦ - ٦٧، "كتاب: قطع السارق" "باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهري في المخزومية التي سرقت". بألفاظ مختلفة وروايات عديدة. وأبو داود في "سننه" "أنظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود": ١٢/ ٣١. "كتاب: الحدود" "باب: في الحدّ يشفع فيه، نحوه مطولًا. وابن ماجة في "سننه ": ٢/ ٨٥١ "كتاب: الحدود" "باب: الشفاعة في الحدود"،، نحوه. وأحمد في "مسنده ": ٦/ ١٦٢، نحوه.
[ ١٦٥ ]
ولهذا قلنا في التحصيل المتقدّم- آنفًا-: أنّ ما شرع الله فيه حدًّا معلومًا لا يعدل عنه إلى المال إتفاقًا بل إجماعًا، إلاّ مع التعذّر، ولا يسقط الحدّ إنْ زال العذر فتنبّه لما ذكر!: فقد زلّت هنا أقدام، فيفتون بالمال مطلقًا، ويحتجّون بما للبرزلي ومن معه، وهم قد دخلوا بسبب ذلك في الكفر بنصّ التنزيل، فقد ضلّوا وأضلّوا، نسأل الله السلامة من حمل كلام الأئمة على غير وجهه!.
وقد تقدّم- في الفصل الثالث-: أنّ حامي الغاصب أو المحارب ونحوهما- ولو بجاهه- كهو، فيجرى على حكمه، فيعاقب بالمال إنْ لم يظفر الإمام بعينه، ثم إنْ ظفر به حكم عليه بما شرع الله فيه.
وقد نقل البرزلي- في نوازله- ١: (أن سرّاق "المغرب" اليوم كلّهم لصوص، تجري عليهم أحكام الحرابة من القتل، أو القطع من خلاف أو النفي، لا أحكام السرقة، لأنّهم يجعلون أحد السرّاق عند رأس صاحب المنزل في الحاضرة أو البادية، متى رآه تحرّك ضربه أو هدّده، وكذا سرّاق البوادي يجعلون واحدًا يخرج الحيوان [١٦/ب] والمتاع، والباقون واقفون بالسلاح يمنعون يقدم عليه) ٢.
قال- أي البرزلي-: (والحكم فيهم: أنّهم إذا أخذوا بعد أنْ قتل أحدهم ربّ المنزل قتلوا جميعًا، وإنْ لم يقتلوا أحدا: أجريت عليهم أحكام المحارب من النفي والقطع من خلاف، أو القتل والصلب.
_________________
(١) هي "جامع مسائل الأحكام ممّا نزل من القضايا للمفتين والحكام" لأبي القاسبم بن أحمد بن محمد القيرواني، المعروف بالبرزلي (مات سنة ٨٤٤هـ). ذكر الزركلي: "ان كتابه هذا مخطوط في مجلدين، قد يكون مختصرًا من كتابه الفتاوى"، وأنه اقتنى نسخة منه نفيسة في أربعة مجلدات "كتبت سنة (٩٨٢هـ) سمّاها الناسخ في أولها الفتاوى" على طريقة المشارقة، وفي نهايتها "النوازل" على طريقة المغاربة" (الزركلي- الأعلام: ٥/ ١٧٢).
(٢) أنظر: فتاوى البرزلي: ٤/ ٢٤١ - أ، حيث نقله عن "أبي محمد صالح" ٣ في "مسائل الحرابة". والمصنف (التسّولي) في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٦٥ (فصل قي دعوى السرقة).
[ ١٦٦ ]
وإذا أخذوا واحدًا ١ منهم فقط: (كان ضامنًا لجميع ما أخذوه) ٢ اهـ. باختصار.
وقال الشيخ "ميّارة"- في بعض فتاويه- ما نصّه: (وقد آل بنا الحال في بعض الأوقات إلى أنْ يتبع المسافرين بعض مردّة أهل البلد إلى الأجنّة ونحوها ممّا قرب من البلاد، فيسفكون دمائهم، وينهبون أموالهم، ويرجعون إلى البلد بالأمتعة جهارًا، فلا ينتقم منهم، ولا يستفتى عن حكمهم، بل وإلى ما هو أعظم من هذا: من القتل صبرًا، ونهب الأموال من الدور والحوانيت بلا ذنب، ولا سبب، ثم يكتسب فاعل ذلك التعظيم والاحترام، فضلًا عن عدم النكير عليه، والضرب على يده، فإنّا لله وإنّا إليه راجعونه) ٣ اهـ كلام ميّارة.
قلت: ولا شكّ في حرابة من وجدت منه ٤ هذه الأوصاف، وجريان أحكام الحرابة عليه، حيث ثبت ذلك عليه.
وأمّا إنْ لم يثبت- وهو الغالب- لعدم وجود من يشهد على من اكتسب التعظيم والاحترام بالتمرّد والعصيان- كما هو مشاهد بالعيان-: فإنّه ينكل بالضرب، وطول السجن بقدر (قوة) ٥ تهمته- كما تقدّم عن "التبصرة" وغيرها في الفصل الأول - ولا (أقل) ٦ من أنْ ينفى من البلد مؤاخذة له بالأيسر، وردعًا
_________________
(١) في جميع النسخ (واحد) والصواب ما أثبتناه.
(٢) أنظر: فتاوى البرزلي: ٤/ ٣٤١ - أ "في مسائل الحرابة" و"المصنف" في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٦٥ "في دعوى السرقة".
(٣) أنظر: ميّارة في "رسالته في قتال المحاربين المتعرضين لقطع الطريق" وهي: موجودة ضمن مجموعة رسائل: ١٧/ب. ونقله- أيضًا- المصنف في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٥٠، "في دعوى الغصب والتعدّي".
(٤) في "ب": (فيه).
(٥) ساقطة من "الأصل" والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٦) ساقطة من "الأصل" والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
[ ١٦٧ ]
لأمثاله، وإنْ لم يظفر الإمام بعينه فإنّه يعاقب بالمال، كما مرّ تفصيله.
وأما إذا غصب شخص مالًا لآخر، أو أتلفه بغرق أو حرق، ونحو ذلك تعدّيًا ١: فإنّه يغرم ما غصبه وما أتلفه لربه، ولو بجاهه، كما تقدّم في الفصل الثالث. [١٧/أ]
فإن أراد الحاكم أنْ يغرمه بعد ذلك مالًا بدل ما لزمه من الأدب على جرئته، وتلبّسه بمعصيته، أو تمحّضت معصية الله كالصيد في الحرم، والشتم بغير قذف، أو بقذف، وعفا عنه المقذوف- إذْ ما من حقّ لآدمى إلاّ وفيه حق الله- وككتمان الجواسيس، والغصاب، والأكل في نهار رمضان، ونحو ذلك، فإنه يجري ٢ على ما مرّ من الخلاف المتقدّم.
فيجوز: على ما للشافعي في قوله القديم، وعليه المتأخرون، حيث تعذّر أدبه.
ولكن لم أقف على القدر الذي يعاقب به العاصي- على القول به- وظاهر كلامهم: أنه باجتهاد الإمام، فيغرم كل واحد بقدر ما ينزجر به، وذلك يختلف باختلاف عظم جريرته، وبحسب الشخص من تمرده على العصيان، وعدم تمرّده، ولو أدى ذلك إلى أخذ ماله كلّه، حيث كان لا ينفكّ إلاّ به.
فالعقوبة بالمال حينئذ منظور فيهما- أيضًا-: إلى قوة تهمته، وكثرة تمرّده.
أمّا ما يفعله بعض جهّال العمّال، والقواد اليوم، من مجاوزة الحدّ في الإغرام، لكونهم لا ينظرون إلى ما تقدّم، بل إلى كثرة مال صاحب المذنب وقلّته، ولا ينظرون إلى كون الذنب وقع منه فلتة ٣، ولا إلى كونه متمردًا على العصيان أم لا، بل ويأخذون ما أتلفه الغاصب ونحوه، ولا يدفعون لربه شيئًا، أو يدفعون له الشيء القليل، فهو خرق للكتاب، والسنّة، والاجماع.
_________________
(١) أي: ظلمًا وتجاوزًا. (الرازي- مختار الصحاح: ٣٣١، البستاني- فاكهة: ٩١٥).
(٢) في "ب" (يحرم) وهو خطأ.
(٣) الفلتة: الأمر يحدث من غير رويّة واحكام، ويقال (الهفوة غير المقصودة). (المعجم الوسيط:٢/ ٧٠٦).
[ ١٦٨ ]
قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلى قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ (عُدْوَانًا وَظُلْمًا) ١ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ ٢، أي: لا تأكلوه بما لم تبحه الشريعة.
ولا شكّ أنّ الشريعة لم تبح لهم شيئًا من ذلك، فأكل أموال الناس [١٧/ب] بالباطل لاحق به الوعيد المتقدّم، ولاحق به- أيضًا- الوعيد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية﴾ ٣.
لأنّه إذا كانت المحاربة لله ورسوله لاحقة لمن تعامل بالربا- مع كونه برضي المتعاقدين في الجملة- فكيف يأخذه بغير رضي مالكه ظاهرًا أو باطنًا، بل على وجه التعدّي والظلم!.
وفي الصحيح عنه﵊- أنّه قال: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس: من لا دينار له ولا متاع، فقال: لا، بل المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب، هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم (يحبس) ٤ في النار" ٥.
_________________
(١) ساقطة من "ب".
(٢) سورة النساء / آية ٢٩ - ٣٠، وتمامها: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّة كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
(٣) سورة البقرة / آية ٢٧٩، وتمامها: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
(٤) في "ب" و"ج" و"د" (يسحب) وكلا اللّفطين غير واردتين بالرجوع إلى مسلم في صحيحه.
(٥) أخرجه مسلم في "صحيحه": ٤/ ١٩٩٧، "كتاب: البر والصلة" "باب: تحريم الظلم" عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: "ان المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتى قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من =
[ ١٦٩ ]
وفي الحديث الكريم- أيضًا-: "أنّه يوم القيامة يؤخذ للمظلوم بماله، من حسنات ظالمه، عن كل دانق سبعون صلاة مقبولة" زاد بعض الحنفية: "في جماعة".
نقله "شرّاح " ١ المختصر ٢ عند قوله في البيوع: (بأوزن منها بسدس سدس ٣.
قالوا: (والدانق هو: سدس الدينار والدرهم) اهـ.
فانظروا:- أيّدكم الله- في هذا الوعيد اللاحق لأكل أموال الناس بالباطل ما أفضعه، وما أشبعه، حتى كان الدانق الذي هو: سدس الدرهم يؤدي بسبعين صلاة مقبولة في جماعة!.
فعلى من له اليد القويّة، أنْ يبادر إلى التغيير على من كانت يده سريعة لأكل الأموال ٤، أيًّا كان عاملًا، أو غيره لئلا يكون راضيًا بفعله.
وقد تقدّمت النصوص- في الفصل الثاني-: "أنّ من رضي فعل قوم فهو منهم"
_________________
(١) = حسناته وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار". وأحمد في "مسنده": ٢/ ٣٠٣، ٣٣٤، ٣٧٢، نحوه. والترمذي في "سننه": ٤/ ٦١٣، "كتاب: صفة القيامة" "باب: ما جاء في شأن الحساب والقصاص".
(٢) في "الأصل" (شرح) ولعلّه سهو من الناسخ.
(٣) هو: "مختصر" الشيخ خليل بن اسحاق، وقد شرحه كثيرون، منهم: ابن الناسخ الطربلسي، وسمّاه: "الدرر فى توضيح المختصر" (ت ٩١٤هـ)، وبهرام بن عبد الله المالكي الدميري (ت ٨٠٥هـ)، والرعيني المالكي، سمّاه: "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل" ثلاث مجلدات (ت ٩٥٤هـ)، والشيخ عبد الباقي الزرقاني (ت ١٠٩٩هـ)، وغير ذلك كثير. (حاجي خليفة- كشف الظون: ٢/ ١٦٢٨).
(٤) أورده الزرقاني في "شرحه على مختصر خليل": ٥/ ٥٥ "كتاب: البيوع عند قوله "بأوزن منها بسدس سدس"، ولم ينص على أنه حديث، وإنما قاله بطريقة تدلّ على ضعفه، حيث يقول: "وما قيل: أنه يؤخذ للمظلوم بماله " ولم أقف عليه في كتب الحديث التي بين يدي.
(٥) في "ب" (أموال الناس).
[ ١٧٠ ]
وقد علمت هناك: ما لحقه- (بسبب ذلك) - ١ من الهلاك والخسران، [قال تعالى]: ﴿إِنَّ اللَّة لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا [١٨/أ] مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٢ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ (فَبِمَا) ٣ كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ٤.
وأمّا إذا نهب مسافر أو سرق ٥ بأرض قوم: فقد تقدّم عن "التبصرة" في الفصل الأول: (أنّ المتهم يكشف ويبالغ في كشفه بالضرب والسجن على قدر قوة تهمته).
وذكر ابن (سهل) ٦: (أنّ الرجل إذا قبض بيده بعض المسروق، وقال: اشتريته من السوق، فإنّه ينظر فيه، فإنْ كان ممّن يشار إليه بالسرقة سجن حتى يموت) ٧ اهـ.
وقد علمت: أنّ قبائل الزمان كلّهم متّهمون، إذ غالب أحوالهم ٨ النهب
_________________
(١) ساقطة من "ج".
(٢) سورة الرعد / آية ١١، وتمامها: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.
(٣) في "الأصل" (بما)، وكلاهما جائز، قال ابن مجاهد: (قرأ نافع وابن عامر: "من مصيبة بما كسبت" بغير فاء، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام، وقرأ الباقون: (فبما) بالفاء). (ابن مجاهد- السبعة في القراءات: ٥٨١).
(٤) سورة الشورى / آية ٣٠.
(٥) في "ب" (مروا) وهو خطأ.
(٦) في "الأصل" (سهيل) وكذلك في "ب"، وهو تصحيف. وهو: أبو الأصبغ عيسى بن سهل بن عبد الله السدي القرطبي الغرناطي: قاضي "غرناطة"، أصله من "جيان" وولي الشورى بقرطبة، من كتبه: "الأعلام بنوازل الأحكام" في الفتاوى وغيرها، وذكر "الزركلي": (أنه مخطوط يوجد في خزانة الرباط (٨٦ أوقات)، كما توجد منه نسخة منه بدار الكتب الوطنية بتونس رقم (١٨٣٩٤)، وقد قام بتحقيق الجزء الأول منه الدكتور أنس العلاني لنيل أطروحة دكتوراه الحلقة الثالثة بالكلية الزيتونية بتونس. (مخلوف- شجرة النور: ١٢٢، الزركلي- الأعلام: ٥/ ١ - ١٠٣).
(٧) نقله ابن فرحون في "التبصرة": ٢/ ١٢١ "في الدعاوي بالتهم والعدوان"، والمصنف في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٦٣ "في دعوى السرقة"، وعزاه إلى "ابن فرحون".
(٨) في "ج": (أصولهم) وهو تصحيف.
[ ١٧١ ]
والغصب- كما تقدّم في الفصل الأول- والحمل على الغالب واجب، وعليه: فلا بدّ حينئذ من كشف من وقع النهب ونحوه بأرضهم بالسجن وغيره، لأنّ الغالب أنّ ذلك لا يخفى عليهم، إذ لا تجد أحدًا ينهب الناس بأرض إلاّ وبعض أهل تلك الأرض معهم، وأهل البلد لا يخفى عليهم ذلك.
والحمل على الغالب مشروع، وليس للحاكم أنْ يقول للمنهوب ونحوه: إنّما لك عليهم اليمين، لأنّ ذلك ذريعة- كما تقدّم عن "التبصرة"- إلى إهمال ما أوجبه الشرع باتفاق الأئمة الأربعة: من الكشف بالضرب والسجن، وذريعة إلى ١ زيادة الفساد.
وأيضًا: لا أقلّ أن يكون عقابهم وتضمينهم من باب سدّ الذريعة- الذي تقدّم في الفصل الثالث أنّه مشروع- لأنّهم إذا غرّموا حمّلهم ذلك على حفظ طرقاتهم ٢، والمارّين بأرضهم، وعدم كتمان غصّابهم، والتعصب عليهم- كما تقدّم-.
فإرسال من وقع النهب بأرضهم مع المنهوب للقاضي يحكم بينهم، من زيادة الفساد قطعًا، وإهمال سدّ الذريعة، ليس بالأمر الهيّن، إذ فيه إعانة الظالم على ظلمه، لأن" غاية ٣ ما يفعله القاضي: أنْ يكلّف المنهوب بالبيّنة، وأين هذه البيّنة؟، وعلى فرض وجودها، فلا تكون إلاّ من أهل ذلك البلد، وهم على ما هم عليه من الحميّة ٤، والعصبيّة، وقوة التهمة، فكيف يشهدون! مع كونه نهب بأرضهم، بل (من) ٥ شهد منهم عاقبوه، وخشي على نفسه منهم، لأنّهم مكتسبون بغصبهم التعظيم والاحترام [١٨/ب]- كما مرّ-!.
ومن أجل إهمال هذا الباب: استولى الكفر، وغلب الظلم على الإسلام،
_________________
(١) ساقطة من "ب".
(٢) في "الأصل" (سرّاقهم)، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج".
(٣) في"ب" (غالب).
(٤) هي: (الأنفة، يقال: (فلان دو حميّة منكرة) إذا كان ذا غضب وأنفة. (الرازي- مختار الصحاح: ١٢١، المصباح المنير:١/ ١٨٧).
(٥) ساقطة من "الأصل".
[ ١٧٢ ]
وسفكت دماء، وغصبت أموال لا يعلمها إلاّ الكبير المتعال.
حتى أنّ المسافر يسفك دمه في بعض الطرقات أو ينهب ماله، أو يأتي في جسده بعض الجراحات- ممّا لا يفعله المرء بنفسه- (فيرسله) ١ العامل (أو) ٢ القائد مع من أخذ بأرضهم القاضي الوقت، فيستبشرون لأنّهم يعلمون أنّ يردّهم لليمين.
فكيف يهمل العامل المذكور- ما تقدّم في الفصل الأول والثالث-: من وجوب كشفهم بالضرب والسجن وإغرامهم، سدًّا للذريعة ٣!.
قال "القرافي": (يمتاز نظر القاضي، ونظر والي الجرائم، بأمور منها: (أن) ٤ والي الجرائم يسمع الدعوى على المتهوم، ويبالغ في ٥ كشفه، بخلاف القاضي.
ومنها: أنْ يعجل يحبس المتهوم للاستبراء والكشف) ٦.
_________________
(١) في "الأصل" (فيرسل)، وما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د" مناسب للسياق.
(٢) ساقطة من "الأصل".
(٣) نقله المصنف- أيضًا- في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٥٢، "في دعوى الغصب والتعدّي".
(٤) ساقطة من "الأصل" ومن "ب"، والإضافة من "ج".
(٥) ساقطة من "ج".
(٦) قال ابن فرحون: (قال القرافي- أيضًا- في "الذخيرة" ممّا نقله عن "الماورديّ في الفرق بين نظر القاضي ونظر والي الجرائم، قال: "ويمتاز والي الجرائم على القضاة بتسعة أوجه: الأول: سماع قذف المتهوم من أعوان الامارة من غير تحقيق الدعوى المعتبرة، ويرجع إلى قولهم، هل هو من أهل هذه التهمة، أم لا؟ فان نزهوه أطلقه، أو قذفوه بالغ في الكشف بخلاف القضاة. الثاني: أنه يراعي شواهد الحال وأوصاف المتهوم في قوة التهمة وضعفها، بأن يكون المتهم بالزنا متصنعًا للنساء، فتقوى التهمة، أو متهمًا بالسرقة، وفيه آثار ضرب مع قوة بدن، أو لا يكون شيئًا من ذلك فيخفف، وليس ذلك للقضاة. الثالث: تعجيل حبس المتهوم للاستبراء والكشف، ومدّته شهر، أو بحسب ما يراه، بخلاف القضاة =
[ ١٧٣ ]
قال ١: (وقد ورد أنّ النبي - ﷺ -: (وجد في بعض غزواته رجلًا، فاتّهمه: بأنّه جاسوس، فعاقبه، حتى أقر) ٢.
فانظروا- أيّدكم الله- كيف عاقبه﵊- بمجرّد التهمة، وأفعاله﵊- كلّها للتشريع ٣!.
قلت: ولذا قال في "التحفة" ٤:
_________________
(١) = الرابع: يجوز له مع قوة التهمة ضرب المتهم ضرب تعزير لا ضرب حدّ ليصدق، وليس ذلك للقضاة. الخامس: أن له فيمن تكررت منه الجرائم، ولم ينزجر بالحدود، استدامة حبسه إذا أضرّ الناس بجرائمه بخلاف القضاة. السادس: أن له احلاف المتهوم لاختبار حاله، ويغلظ عليه الكشف، ويحلفه بالطلاق والعتاق والصدقة- كأيمان بيعة السلطان- ولا يحلف القاضي أحدًا في غير حق، ولا يحفف إلاّ باليمين بالله تعالى. السابع: أن له أخذ المجرم بالتوبة قهرًا ويظهر له من الوعيد ما يقوده إليها طوعًا، ويتوعده بالقتل فيما لا يجب فيه القتل، لأنه ارهاب لا تحقيق، ويجوز أن يتوعّده بالأدب دون القتل بخلاف القضاة. الثامن: أن له سماع شهادات أهل المهن إذا كثر عددهم ممّن لا يسمعهم القاضي. التاسع: أن له النظر في المواثبات وإن لم توجب غرمًا ولا حدًا). (التبصرة: ٢/ ١١٥).
(٢) أي: القرافي.
(٣) أخرجه أبو داود في "سننه" أنظر "عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي": ٧/ ٣١٥ - ٣١٦، مرفوعًا، عن سلمة بن الأكوع، وفيه: "أن النبي - ﷺ - أمر بقتله". وأورده ابن فرحون في "التبصرة": ٢/ ١١٠، وعزاه للقرافي في الذخيرة في باب السياسة.
(٤) في "الأصل" (للشريعة) وهو تصحيف، وما أثبتناه من "ب" و"ج".
(٥) "تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام" لأبي بكر محمد بن محمد بن عاصم الغرناطي: القاضي، الفقيه، المالكي، مات بغرناطة (سنة ٨٢٩هـ)، وهو عبارة عن: أرجوزة في الفقه المالكي، تعرف (بالعاصمية) نسبة إلى مؤلفها، وقد شرحها جماعة من العلماء. وله أيضًا "حدائق الأزاهر في مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر" وإلى غير ذلك. (مخلوف- شجرة النور: ٢٤٧، الزركلي- الأعلام: ٧/ ٤٥).
[ ١٧٤ ]
(وان يكن مطالبًا من يتّهم فمالك بالسجن والضرب حكم) ١
قال ٢: (ومنها: أنّه يضرب المتهوم مع قوة التهمة، أو يحلّفه بالطلاق والعتاق وأيمان البيعة، بخلاف القاضي) ٣.
قال: (ومنها: أنّ له أن يتوعّد الجرم بالقتل، فيما لا يجب فيه قتل، لأنه إرهاب لا تحقيق، ويجوز له أن يحقّق وعيده بالأدب دون القتل، بخلاف القضاة، فليس لهم ذلك) ٤ اهـ باختصار.
ونقل ذلك ابن فرحون ٥، وزاد: (أن بعض القضاة المالكية فعل ذلك).
فقد علمت: أنّ النصوص متواترة بكشف المتهوم، واحدًا كان أو جماعة، [١٩/أ] من القبائل أو غيرهم، ومع ذلك يضمنون في مثل من أخذ المسافر بأرضه سدًّا للذريعة- كما مرّ في الفصل الثالث- لأنّهم غرّموا، احتاطوا ٦ هم لصيانة الطرقات المارّة في أرضهم، واحتاط غيرهم ممّن سمع ذلك كذلك.
وفي تضمين مثل هؤلاء يقول ناظم العمل:
(لوالد القتيل مع يمين القول في الدعوى بلا تبين
إذا ادّعى (دراهما) ٧ وأنكرا القاتلون ما ادّعاه وطرا) ٨
_________________
(١) أنظر المصنف (التُّسولي) في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٦٣، فصل في دعوى السرقة".
(٢) أي: القرافي.
(٣) نقله ابن فرحون في "التبصرة": ٢/ ١١٥ في الفرق الرابع والسادس بين نظر القاضي ونظر والي الجرائم.
(٤) أنظر نفس المصدر السابق، في الفرق السابع بين نظر القاضي ونظر والي الجرائم.
(٥) ساقطة من "ج".
(٦) أخذوا بالأوثق والأحزم. (المعجم الوسيط: ٢٠٦).
(٧) في "الأصل" (دراهم) بالرفع، وكذلك في "ج"، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من "ب"، لأنه مفعول به.
(٨) أنظر: السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": ٢/ ١٣٧، في مسائل القضاء واليمين والشهادة.
[ ١٧٥ ]
ولا مفهوم القتيل)، ولا (لدراهم)، بل المدار: على كون الدعوى على معروف بالتهمة والظلم، كقبائل الزمان- التي ١ تقدّم أنّهم محمولون على التهمة والفساد-، وأنّه لا يمكن إجراء الأحكام على مقتضاها فيهم، سواء ادّعى عليهم بالدراهم والقتل، أو بالدراهم فقط، (أو) ٢ بالعروض، أو بالحيوان ٣، أو غير ذلك، كما لشرّاحه ٤.
قال ناظم العمل في "شرحه لنظمه"- ناقلًا عن شيخه قاضي الجماعة: (أبي القاسم بن أبي النعيم ٥ - (ما نصّه) ٦: (الذي (جرت به الأحكام) ٧ عندنا في هذه النازلة ومثلها: أنّ القول قول والد القتيل مع يمينه، والظالم أحق أنْ يحمل عليه، وإنْ كان المشهور خلافه، وكم من مسألة جرى الحكم فيها بخلاف المشهور، ورجّحها العلماء للمصالح العامة) ٨ اهـ.
_________________
(١) في "ب" (الذي).
(٢) ساقطة من "الأصل".
(٣) في "ب" (الحيوان).
(٤) أي: شرح نظم عمل فاس.
(٥) في "الأصل" (أبي القاسم ابن النعيم) وكذلك في "ج" وفي "ب" (ابن النعيم) وما أثبتناه ثابت في كتب التراجم. وهو: أبو القاسم، بن محمد بن أبي النحيم الغسّاني الأندلسي، أحد قضاة فاس المشهورين في العصر "السعدي" بعد أحمد المنصور"، يعد شخصية علمية وسياسية في عصره، أدرك عدة شيوخ أخذ عنهم، وأخذ عنه كثير، وله دروس ومقروءات، وتخرج به جماعة من الأعلام "كأبي حامد الفاسي"، قتله اللّصوص من "اللمطين" اثر رجوعه من صلاة الجمعة بموضع يقال له: "الزر بطانة" طالعة فاس، لطلوعه للصلاة مع السلطان من غير إذنهم سنة ١٠٣٢هـ)، وثار قتال بفاس بين الأندلسيين واللّمطيين بسبب موته ودام أحد عشر شهرًا لارادة الأخذ بثأره. (القادري- التقاط الدرر: ٨٠، ونشر المثاني:١/ ٢٥٤ - ٢٣٣، السلاوي- الاستقصا: ٦/ ٥٧).
(٦) ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٧) في "ب" و"ج": (جرى به العمل).
(٨) نقله السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": ٢/ ١٣٧، حيث قال: (وقد وقفت على ما قيّده الفقيه: "سيدي عبد العزيز الزياتى" من خط عمّ أبينا "سيدى العربي الفاسي"- =
[ ١٧٦ ]
ثم نقل نحوه: عن مشايخ فاس، ومراكش، وشفشاون ١، وغيرهم ٢.
وظاهرهم: أنّ مستند العمل المذكور هو ما يأتي عن الرعيني ٣، وأن المدعى عليه حيث كان ممّن يشار له ٤ بذلك، فيقبل قول المدعي، وإنْ (لم) ٥ يثبت
_________________
(١) = ﵏- قال: "وجدت بخط شيخنا قاضي الجماعة "سيدي أبو القاسم بن أبي النعيم" جوابًا عن هذه المسألة قال فيه: الذي جرت به الأحكام عندنا بهذه الحضرة في هذه النازلة ومثلها، أن القول قول والد القتيل مع يمينه، والظالم أحق أن يحمل عليه، وان كان المشهور خلافه، وكم من مسألة جرى الحكم فيها بغير المشهور، ورجّحها العلماء للمصالح العامة).
(٢) شفشاون: مدينة بشمال المغرب وهي بلد صغير في الشمال الغربي "لمراكش" على مسيرة ٣٥ ميلًا جنوبي تطوان، يقوم عند سفح جبل سيدي (بوحاجة) وهو طفف من كتلة "بوهاشم" الجبلية على رافد من روافد "وادي لو"، وتدخل شفشاون الآن في منازل قبيلة الأخماس وإن كانت الحال جرت أن تتع "بني زجل" وهي قبيلة من فرع "غمارة" وشفشاون عند العامة "شاون"، وأصل الاسم هو صيغة الجمع البربرية "أشفشاون". وجاء في تقييد القاضي العلاّمة محمد الصادق الريوني: "شفشاون" كلمة بربرية معناها محل صالح للجهاد. (عبد القادر العافية- لمحات تاريخيّة عن مدينة شفشاون، أنظر مجلة دعوة الحق: ٥/ ١١٥، يونيو، لسنة ١٩٧٧).
(٣) قال (المصنف)، (قال سيدى العربي الفاسي ما ذكره ابن النعيم ﵀ شاهدنا الحكم به عام قدوم الخليفة أبي العباس المنصور حضرة فاس وقد انحشر الناس إلى الشكوى بالمظالم وكان يحضر مجلسه أي: مجلس الخليفة للحكم فيها علماء "فاس" كشيخنا المذكور وشيخنا المفتي سيدي محمد القصار، وشيخنا سيدي علي بن عمران، وعلماء "مراكش" وقاضي مراكش وقاضي شفشاون، فكان الحكم يصدر على الوجه المذكور). (البهجة في شرح التحفة: ٢/ ٣٤٩، "في دعوى الغصب والتعدّي") حيث عزاه إلى ناظم العمل في شرحه لنظمه).
(٤) هو: أبو عبد الله، محمد بن سعيد الأندلسي، الفاسي، الرعيني، المحدث، العالم، الرحالة، له نظم وتصانيف منها "المغرب في جملة من صلحاء المشرق والمغرب"، و"اختصار المقدمات" لابن رشد، و"الأسئلة والأجوبة" و"الاعتماد في الجهاد". مات (سنة ٧٧٨هـ) (مخلوف- شجرة النور: ٢٣٦، الكتاني- فهرس الفهارس:١/ ٣٢٦، الزركلي- الأعلام: ٦/ ١٣٩).
(٥) في "ب"و"ج" (إليه).
(٦) ساقطة من "الأصل".
[ ١٧٧ ]
تلصّصه (ولا) ١ تعدّيه باقرار (أو بيّنة) ٢، كما يأتي عن عمر﵁- وهو كذلك.
سئل الإمام "الحفار" ٣ - حسبما في "المعيار"-: عن الدعوى على المعروف، بالظلم يعني: كقبائل الزمان؟ [١٩/ب]
فقال: (إنّ من عرف بالتعدّي والظلم، قال الفقهاء: (ينغلب) ٤ الحكم في حقه، فمن ادّعى على من هذه حالته ٥، فيحلف هذا الطالب، ويستحق ما طلب) ٦ اهـ.
ونقل الرعيني مثله عن مالك ٧، وقال: (إنّ مثل هذا وقع في زمان عمر-
_________________
(١) ساقطة من "الأصل".
(٢) في "ب"و"ج"و"د" (ولا ببيّنة).
(٣) أبو عبد الله، محمد بن علي شهر بالحفار، الأنصاري، إمام غرناطة ومحدثها ومفتيها، الشيخ المعمر ملحق الأحفاد بالأجداد الفقيه العلاّمة. أخذ عن "ابن لب" وغيره، وعنه: خلق كابن سراج وأبي بكر بن عاصم، له فتاوى نقل بعضها في المعيار، (مات سنة ٨١١هـ). أنظر: مخلوف- شجرة النور: ٢٤٧.
(٤) في "الأصل" (يغلب) وكذلك في "بر" وما أثبتناه من "ب"، وقد ثبت في النص الأصلي في المعيار: ٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٥) في "ب"و"ج" (حاله).
(٦) أنظر هذه المسألة في المعيار للونشريسي: ٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥، "في ذمي استظهر على مسلم برسوم، وادّعى المسلم قضاء ما فيها"، حيث كان قول الإمام الحفار هنا في الأصل جوابًا عن سؤال مضمونه: أن رجلًا من يهود الذمّة استظهر على رجل من المسملين بثلاثة رسوم، وذكر أنه بقيت لهم من كل واحد منها بقيّة وطلبه بها، فادعى المسلم المذكور أنه خلّصه من الرسوم المذكورة، فهل يكون القول قول الغريم، أو لا يلتفت إلى قوله إلاّ ببيّنة؟. وأوردها أيضًا- السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": ٢/ ١٣٨. ونقلها- أيضًا- المصنف في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٥٠، "في دعوى الغصب والتعدّي".
(٧) قال السجلماسي: (ذكره الرعيني في كتاب "الدعوى والإنكار في ترجمة القضاء في أهل الغصب والتعدّي، ومن يعرف باستحلال الحرام" ونصّه: قال مالك: فيمن دخل عليه السراق، فسرقوا متاعه وانتهبوا ماله، وأرادوا قتله فنازعهم وحاربهم، ثم ادعي أنه يعرفهم أو لم يعرفهم أهو مصدق عليهم إذا كانوا معروفين بالسرقة مستحلّين لها؟ أو ترو أن يكلف البيّنة، قال: هو مصدق عليهم). ("شرح نظم عمل فاس": ٢/ ١٣٨ - ١٣٩). ونقله أيضًا المصنف في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠ "في دعوى الغصب".
[ ١٧٨ ]
﵁- في سرّاق دخلوا على شخص، وانتهبوا ماله، فرفعهم إلى عمر، فأغرمهم عمر﵁- بمجرد دعواه عليهم، ونكّلهم ١ عقوبة موجعة) ٢ اهـ.
فما جرى به العمل له ٣ مستند صحيح، وقد تكفّل شارحه بنقول كثيرة تشهد له بل لو لم يكن في وجوب إغرامهم إلاّ سدّ الذرائع لكان كافيًا، فضلًا عن كونهم متّهمين- كقبائل الزمان ونحوهم- على أنّ تلك النقول كلها دائرة بين سدّ الذريعة وبين قوة التهمة- على ما مرّ في الفصل الثالث- وذلك كلّه مراعاة للمصلحة العامة.
وأمّا قول الرباطي ٤ - في شرحه للعمل المذكور-: (لا بدّ من ثبوت التلصّص ٥ والتعدّي بإقرار أو ببيّنة) ٦.
كما هي مسألة العتبيّة: (من أنّ الغاصب، اختطف صرّة لم يعرف قدر ما فيها بمعاينة البيّنة، أو بإقرار الغاصب، أنّ القول للمغصوب منه في قدر ما فيها) ٧.
_________________
(١) أي: جعلهم نكالًا وعبرة لغيرهم، وأصابهم بنازلة، وصنع بهم يحذر غيرهم. (الرازي- الصحاح: ٣٣٨، البستاني- فاكهة البستان: ١٥٠٧).
(٢) أورده السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": ٢/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٣) ساقطة من "ب".
(٤) هو: أبو زيد محمد بن قاسم السجلماسي الرباطي البوجعدي: فقيه مالكي، سجلماسي الأصل، أقام بالرباط للتدريس بها وقراءة البخاري، له تآليف، منها: "فتح الجليل الصمد في شرح التكميل والمعتمد" يعرف بشرح العمل المطلق، وهو شرح أرجوزة له في الفقه، و"شرح نظم العمل للفاسي". مات (سنة ١٢١٤هـ). (الزركلي- الأعلام: ٧/ ٨).
(٥) أي تكرار السرقة، وتستعمل للتجسس. (المعجم الوسيط: ٢/ ٨٣١).
(٦) أنظر السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": ٢/ ١٤١.
(٧) أنظر "العتبية": ١١/ ٢٣٢، حيث كان جوابًا عن سؤال وجّه للإمام مالك عن رجل انتهب من رجل مالًا في صرّة في يده والناس ينظرون إليه، قد رأوها قبل ذلك في يد صاحبها، فطلب، فطرحها مطرحًا لم توجد، فادّعى صاحبها عددًا وكذبه الآخر ولم يفتحها ولم يدر كم هي؟. قال مالك: (إذا اختلفا في العدد فاليمين على المنتهب، ومطرف وابن كنانة يقولان في هذا وشبهه: القول قول المنتهب منه، إذا ادّعى ما يشبه، وأن مثله يملكه. =
[ ١٧٩ ]
فليست هي المقصودة بالعمل المذكور، وحمله عليها بعيد من ظاهره وإطلاقه، ومن تعليلهم بالمصلحة العامة.
وما قاله أبو الحسن الزرويلي ١، وابن هلال ٢: (من أنّ ما للرعيني، خلاف الأصول ٣ (إلخ) - لا يقدّم في العمل المذكور.
_________________
(١) = قال محمد بن رشد- في شرحه لهذه المسألة-: (قول مالك هو القياس، لقول النبي ﵇ "البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر" فالقول قول المنتهب مع يمينه، أنه لم يكن فيها أكثر من كذا وكذا، إذ حقّق أنه لم يكن فيها أكثر من ذلك، وان لم يدع معرفة عدد ما فيها، وذلك إذا أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه، لم يكن له إلاّ ما أقر به المنتهب، وأما قول مطرف وابن كنانة، فانه استحسان، ووجهه ان عداء المنتهب وظلمه قد ظهر، فوجب ان يسقط حقه، في أن يكون القول قوله، لقول النبي - ﷺ -: (ليس لعرق ظالم حق والظالم أحق من حمل عليه).
(٢) هو: أبو الحسن علي بن محمد الزرويلي، المعروف: بالصغير، الفقيه، القاضي، المفتي، المغربي، الحافظ، تولّى القضاء والتدريس بفاس في عهد السلطان "أبو الربيع"، ومن كتبه: "التقييد على المدونة- خ" خمسة أجزاء في الصادقية بتونس، باسم "شرح تهذيب المدونة" في الفقه المالكي، و"الفتاوى والتقييدات"، وسيأتي أن المراد بها "الأجوبة" كما أوردها المصنف- مات (سنة ٧١٩هـ). (ابن فرحون- الديباج: ٢١٢، السلاوي- الاستقصا: ٢/ ٤٩، ٨٧، مخلوف- شجرة النور: ٢١٥، الزركلي- الأعلام: ٤/ ٣٣٤).
(٣) هو: أبو العباس، أحمد بن عمر بن هلال الربعي: الفقيه المالكي، المفتي كان ماهرًا في الأصول، حسن الخط، قال ابن فرحرن: (كان كثير العزلة عن أهل المناصب، بل عن الناس ما عدا خواص طلبته)، من كتبه: "شرح جامع الأمهات" لابن حاجب في الفقه، و"ناضرة العين"، و"الفتح القدسي في تفسير آية الكرسي". مات (سنة ٧٩٥هـ). (ابن فرحون- الديباج: ٨٢، ابن حجر- الذرر الكامنة: ٤/ ٢٣٢، الزركلي- الأعلام: ١/ ١٨٧).
(٤) نقله السجلماسي في "شرحه لنظم عمل فاس": ٢/ ١٤١، حيث كان جوابًا عن سؤال وجّه لابن هلال، في مسألة: المشتهر بقطع الطريق يدعي عليه رجل: انه تلصّص عليه وأخذ له مالًا ولا شاهد له إلاّ بالسماع، هل يحلف المدعي ويستحق، أو يحلف اللّص ويبرأ؟ فقال- في جوابه عن هذه المسألة- ما نصّه: (وأما المدعى عليه أخذ المال بالتلصّص، وهو معروف بذلك مشهور، فليس عليه إلاّ اليمين إذا أنكر ولم تقم عليه بيّنة، ولا أعلم في ذلك خلافًا، وما للرعيني فيمن كان معروفًا بأخذ أموال الناس والاغارة عليهم فادّعى عليه رجل أنه أخذ له مالًا أنه مصدق مع يمينه، ويأخذ ما ادّعى عليه، قال "الزرويلي": "هو خلاف الأصول"، وإنما =
[ ١٨٠ ]
إذ ما قالاه: من مخالفته للأصول) إنما هو: جار على المشهور، وقد قالوا: (كم من مسألة جرى فيها العمل بخلاف المشهور)، وهذا العمل حدث بعد زمان أبي الحسن، وابن هلال، كما هو ظاهر، والله أعلم.
(وأيضًا ١ فإنه وإنْ كان الأصل عدم العداء والظلم، لكن لما كثر كل منهما في هذا الزمان وغلب، أجروا الأحكام على مقتضى الغالب، وحملوا الناس عليه، لئلاّ تضيع الحقوق، لأنّ الأصل والغالب إذا تعارضا فالحكم للغالب، لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ٢ أي: احكم به.
ولذا قال أبو الحسن في "أجوبته" ٣ - في مسألة: من رفع شخصًا بحاكم جائر فأغرمه مالًا، يجب عليه، بعد أن حكى فيها قولين- ما نصّه: (وهذا وقد كان الحاكم يحكم بحق تارة، وبالباطل أخرى، وأمّا الآن فالحاكم لا يحكم إلاّ بالباطل،
_________________
(١) = خلاف "مطرف" و"ابن كنانة" و"أشهب" فيمن علم بالتلصّص". وأشار الزرويلي إلى أنه لا يؤخذ من قولهم ما يقوله بعض الناس: المسلوب مع بمينه، قال: لأن قولهم ذلك إذا علم بالتلصّص برؤية الناس). ثم قال السجلماسي: (قلت عبارة الشيخ أبي الحسن الزرويلي في المعنى الذي ذكر أنه أشار إليه، هو قوله:- ما نصّه- "وانظر مثلًا" يؤخذ من قول "ابن كنانة" و"مطرف" و"أشهب" ما يقوله بعض الناس: "المسلوب مع يمينه" والذي يظهر: أنه لا يؤخذ منه، لأن مسألة "العتبية" فيها: وناس ينظرون إليه، وأما المسلوب فلم يعاين أحد ما أخذ له).
(٢) من هنا إلى آخر قوله: "أن الحكم للغالب كما رأيت" "ساقط" من "الأصل"، والإضافة من"ب" و"ج" و"د".
(٣) سورة الأعراف / آية ١٩٩، وهي: جزء من قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
(٤) هي: "الفتاوى والتقييدات" لأبي الحسن الزرويلي. وهذه الفتاوى قيّدها عنه تلاميذه، وقال "الزركلي": (ومن لطيف ما رأيت "كتاب: الدر النير على أجوبة أبو الحسن الصغير" لقاضي سجلماسة ابراهم ابن هلال، طبع بفاس (سنة ١٣٣هـ) وفي نهاية النسخة التي رأيتها ورقة مخطوطة حديثة عنوانها: "فهرست الدرّ النير على أجوبة أبو الحسن الصغير" فكأن كاتبها تعمّد ابراز النص على أنه يكبر ويصغر). (الزركلي- الأعلام: ٤/ ٣٣٤).
[ ١٨١ ]
فلا ينبغي أنْ يختلف في أنّه يغرم ما خسره) ١، وسلّمه ابن هلال.
فأنت تراه حمل الحكّام على الظلم والتعدّي، حيث غلب منهم ذلك، وأوجب على الشاكي الغرامة وإنْ كان الأصل عدم العداء.
ونحوه: لسيدي مصباح ٢ - حسبما في المعيار- حيث قال: (إذا تقرّر العرف في ولاة الظلم وأجنادهم، بغرم المال ممّن أخذوه ظلمًا، كان القول للمأخوذ منه فيما ٣ ادّعى أنّه غرمه، وفي قدره، لأنّ العرف شاهد لمدّعيه يقوم مقام الشاهد الناطق) ٤ باختصار.
وقبائل الزمان، ومردة حواضرهم كذلك، لما كثر منهم العداء وغلب، كان القول للمنهوب والمغصوب، (و) ٥ لكن فيما يشبه أن يملكه فقط.
وإذا تقرّر هذا علمت: أنّ ما جرى به العمل، له مستند صحيح، وأصل أصيل فى الشريعة، وهذا العمل حدث بعد زمان أبي الحسن، وابن هلال، ولو كانت القبائل في زمانهما على ما هم عليه، وقت جريان العمل المذكور ما وسعهما أنْ يقولا بمخالفته للأصول، لاعترافهما بأنّ الحكم للغالب كما رأيت.
وبما تقدّم عن التبصرة، والقرافي في الفصل الأول، وعن القرافي في هذا الفصل: يتبيّن لكم- أيّدكم الله! - عدم العمل على ما في "البيان" عن "مالك" ٦. [٢٠/أ]
_________________
(١) نقله المصنف في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٢) هو: أبو الضياء، مصباح بن عبد الله اليالصوني: الشيخ الفقيه المالكي، الحافظ، العالم، تنسب إليه المدرسة "المصباحية". مات بمدبنة فاس (سنة ٧٥٠هـ). (وفيات الونشريسي: ١١٩، ولقط الفرائد من لفاظة حقق الفوائد: ٢٠٣، في كتاب: ألف سنة من الوفيات).
(٣) في "ب" (ممّا).
(٤) نقله المصنف في "البهجة في شرح التحفة": ٢/ ٣٥١.
(٥) الواو ساقطة من "ج".
(٦) أنظر ما أورده ابن رشد عن الإمام مالك في "بيانه" في "الفصل الخامس": ١٥٨.
[ ١٨٢ ]
ونقله في التبصرة ١، فقيل له ٢: (أيكره للسلطان أنْ يأخذ الناس بالتهمة فيخلوا ببعضهم، ويقول له: الأمان عليك، فأخبرني: فيخبره؟.
فقال: إنّي- والله- لأكره ذلك، أنْ يقوله لهم، (ويغرّهم) ٣، وهو وجه الخديعة).
قال "ابن رشد": (وجه الكراهة: أنّه إذا قال له ذلك، فهو من نوع الإكراه على الإخبار، ولعلّه يخبره بالباطل لينجو من عقابه، فإقراره على نفسه من باب الإقرار تحت الوعيد، والتهديد لا يلزمه) ٤ اهـ.
لأنّ هذا الذي كرّهه الإمام مالك- في هذه الرواية- مخالف لما ورد: "أنّه﵊- لقى رجلًا، فاتّهمه: أنّه جاسوس، فعاقبه، حتى أقرّ" كما تقدّم عن "القرافي".
ومخالف لما مرّ عنه ٥ في كلام التحفة، حيث قال ناظمها:
(وإنْ يكن مطالبًا من يتهم فما لك بالسجن والضرب حكم
وحكموا بصحة الاقرار من ذاعر ٦ يحبس للاختبار) ٧
ومخالف لما مرّ عن القرافي، والتبصرة.
لأنّ ماكرّهه الإمام- أي مالك-: هو من باب السياسة، والعمل بها
_________________
(١) أنظر ابن فرحون- التبصرة: ٢/ ١١٤، "في أحكام القضاء بالسياسة الشرعية".
(٢) أي: الإمام مالك.
(٣) في "الأصل" (ويغرمهم) وفي "ب" (ولغيرهم) وكلاهما تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ج" كما هو ثابت في "التبصرة لابن فرحون ".
(٤) نقله ابن فرحون في "التبصرة": ٢/ ١١٤.
(٥) أي: عن الإمام مالك.
(٦) "الذاعر" المفزع والمخيف وهو الزاني الفاسق السارق (التُّسولي- البهجة في شرح التحفة: ٢/ ٣٦٣).
(٧) أنظر المصنف في "البهجة في شرح التحفة لابن عاصم": ٢/ ٣٦٣، فصل: "في دعوى السرقة".
[ ١٨٣ ]
مشروع، لكثرة الفساد وإنتشاره- كما مر-
ومن السياسة في استجلاب إقرار المتهم، ما ورد: أن عليًّا﵁- شكى إليه شاب، بنفر من الناس، فقال: إنّ هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر، فعادوا ولم يعد أبي، فسألتهم عنه؟ فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله؟ فقالوا: ما ترك شيئًا- وكان معه مال كثير- فارتفعنا إلى القاضي، فاستحلفهم، وخلّى سبيلهم.
فدعا عليّ﵁- بأعوانه: فوكّل بكل رجل منهم رجلين، وأوصاهم ١ أنْ لا يمكنوا بعضهم يدنوا من بعض، ولا يمكّنون أحدًا يكلّمهم، ودعا كاتبه، ودعا أحدهم، فقال له: أخبرني عن أبي هذا الفتى، في أيّ يوم خرج معكم؟ وفي أي منزل نزل معكم ٣ وكيف كان سيركم ٣ وبأيّ علّة مات؟ وكيف أصيب لماله ٢؟، وسأله: عمن غسله، ودفنه؟ ومن تولّ الصلاة عليه؟ وأين دفن؟، والكاتب يكتب.
ثم كبّر علي﵁- وكبّر الحاضرون معه، والباقي من التهمين، لا علم لهم، عن ماذا يسأل صاحبهم، وماذا يقول!، إلاّ أنّهم ظنّوا: أنّ صاحبهم قد أقرّ عليهم، لكونهم ينظرون إليه، ولا يسمعون كلامه.
ثم دعا الآخر بعد أنْ غيب الأول عن مجلسه، ثم سأله كما سأل صاحبه، ثم غيّبه، وطلب الآخر وسأله، والكاتب يكتب، كل ذلك حتى عرف ما عند الجميع، فوجد كل واحد يخبر بضدّ ما أخبر به صاحبه، (ثم أمر بردّ الأول، وقال له: يا عدوّ الله!: قد عرفت غدرك وكذبك ممّا سمعت من أصحابك، ولا ينجيك من العقوبة إلاّ الصدق) ٣ ثم أمر به إلى السجن، وكبّر وكبّر الحاضرون.
فلما أبصر الباقي من المتهمين حاله، لم يشكوا أنّ صاحبهم قد أقرّ عليهم، ثم
_________________
(١) في "الأصل" (وأوصى).
(٢) في "ب" (ماله).
(٣) ساقطة من "ج".
[ ١٨٤ ]
دعا آخر منهم: فهدّده، فقال: والله- يا أمير المؤمنين- لقد كنت كارهًا لما صنعوا، ثم دعا الجميع: فأقرّوا بالقصة، واستدعى الأول، وقيل له: لقد أقرّ أصحابك، ولا ينجيك سوى الصدق، فأقرّ بما أقرّ به أصحابه، فأغرمهم المال، واستقاد منهم بالقتل" ١ اهـ.
فتدبّرا- أيّدكم الله! - في هذه القصة، ففيها دليل- لما مرّ- أنّ والي الجرائم لا يرفع المتهمين إلى القضاة،- كما مرّ عن القرافي- الا ترى كيف استحلفهم القاضي- في هذه القصة- وأرسلهم، وتولّى علي﵁- الفصل بينهم، حتى استجلب إقرارهم!.
وفيها دليل لكون المتهم يهدّد بالسجن وغيره، ويعرف عند استجلاب إقراره.
وفيها ردّ لما حكاه في "البيان" عن مالك: من الكراهة لذلك، كما مرّ.
وبتمام هذه الستة فصول، وإجراء الأحكام على ما اشتملت عليه من الأصول: ينزجر الظالم الجسور، وبإهمالها: تهتك الستور ويستولي [٢١/أ] على الإسلام العدوّ الكفور، وبتأملها يعلم حكم الله في الفريقين اللّذين أشرتم لهما في السؤال، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البيهفي في "سننه": ١٠/ ١٠٤، "كتاب آداب القاضي"، "باب التثبت في الحكم".
[ ١٨٥ ]
الفصل السابع
في حرمة ترك الإمام الرعية على ما هم عليه،
وكيفيّة سيرته مع رعيته، ومع العمّال لديه
ــ
اعلم: أنّ قولكم- أيدكم الله! - في السؤال: (أم يتركون على حالهم الخ؟) إنّ الترك: مما لا يحلّ كتابا، وسنة، وإجماعًا، بل الواجب: أن تجرى عليهم أحكام الفصول السابقة، ولا يتركون على ما هم عليه بحال.
قال القرافي وغيره: (فما أباح الله العرض بالقذف والسب قط، ولا أباح الأموال بالغضب والسرقة قط، ولا الأنساب بإباحة الزنا قط، ولا العقول بإباحة المفسدات لها قط، ولا النفوس والأعضاء بإباحة القتل والقطع بغير حق قط، ولا الايمان بإباحة الكفر وانتهاك حرمة الحرمات قط) اهـ كلامه﵀-.
وقد علمتم: أنّه ما نصب الولاة والأئمة إلاّ لزجر من إرتكب من الرعية شيئًا من هذه الأمور، وذلك فرض عين عليهم، فإذا تركوا الرعية على ما هم عليه من المناكر- من نقل الأخبار، ومبايعة الكفار، أو غصب الأموال، ونحو ذلك ممّا مرّ- فقد أخلوا ١ بما فرض الله عليهم، فيفضي ذلك: إلى هدم الإسلام، وكشف العدوّ عن الوطن اللثّام، وفساد الكفر لا يعد له فساد، فيلحق حينئذ الأئمّة ذلك الوعيد المتقدم- في الفصل الثاني والسادس- لأنهم بتركهم زجر الرعية عن المناكر، قد أحبوا أن يعصى الله في أرضه ورضوا بذلك.
وقد قال العلماء﵃-: (من ترك أمة محمد - ﷺ - من
_________________
(١) تركوا، يقال (أخلّ الرجل بمركزه تركه). (الرازي- مختار الصحاح: ١١٤٦).
[ ١٨٦ ]
الولاة: تجري على أحكام تخالف أحكام الكتاب والسنة، فقد غشّها). [٢١/ب]
وقد قال﵊-: "من غشّ أمتى، فعليه: لعنة الله " ١.
وقال أبو طالب المكي ٢ - ﵁- في "القوت": (روينا عن ابن عباس﵄- عن النبي - ﷺ - أنّه قال: لله﷿- ثلاثة أملاك: ملك على ظهر بيت الله الحرام، وملك على مسجد رسول الله - ﷺ -، وملك على ظهر بيت المقدس، ينادون ككل يوم يقولى الملك الذي على ظهر بيت الله- سبحانه-: من ضيّع فرائض الله خرج من أمان الله، ويقول الملك الذي على مسجد رسول الله - ﷺ -: من خالف سنّة رسول الله لم تنله الشفاعة، ويقول الملك الذي على ظهر بيت المقدس: من أحلّ حرامًا لم يقبل منه صرف ولا عدل) ٣ اهـ.
_________________
(١) ورده الغزالي في "إحياء علوم الدين": ١/ ٨١ "كتاب آفات العلم" بزيادة: "لعنه الله والملائكة والناس أجمعين، قيل: يا رسول الله: وما غش أمتك؟ قال: أن يبتدع بدعة يحمل الناس عليها"، وقال العراقي في تخريجه: (أخرجه الدارقطني في "الأفراد" من حديث "انس" بسند ضعيف جدًا).
(٢) هو: أبو طالب، محمد بن علي بن عطية الحارثي، المكي، الواعظ، الزاهد، الفقيه، نشأ بمكة، ثم رحل إلى البصرة فاتهم بالاعتزال، حفظ عنه الناس أقوالًا هجروه من أجلها. وكتابه هذا: "قوت القلوب في معاملة المحبوب، ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد" في التصوّف، وقد طبع في مجلدين، قال الخطيب البغدادى: (ذكر فيه أشياء منكرة مستشنعة في الصفات) وقال حاجي خليفة: (انهم قالوا: لم يصنف مثله في دقائق الطريقة ولمؤلفه كلام في هذه العلوم لم يسبق إلى مثله، واختصره الشيخ الإمام: محمد بن خلف الأموي الأندلسي (ت ٤٨٥هـ)، وسمّاه: "الوصول إلى الغرض المطلوب من جواهر قوت القلوب"). ومن كتبه- أيضًا- "علم القلوب" و"أربعون حديثًا" أخرجها لنفسه، مات لبغداد (سنة ٣٨٦هـ). (البغدادي- تاريخ بغداد: ٣/ ٨٩، ابن خلكان- وفيات الأعيان: ١/ ٤٩١، الذهبي- ميزان الاعتدال: ٣/ ١٠٧، حاجي خليفة- كشف الظنون: ٢/ ١٣٦١، الزركلي- الأعلام: ٦/ ٢٧٤).
(٣) لقد بحثت عنه بحثًا مضنيًّا في "كتاب قوت القلوب" فلم أقف عليه جملة واحدة- كما أورده المصنف هنا- وإنما وقفت عليه متفرقًا في ثلاثة مواضيع وهي: أولًا: ٢/ ٦٨، "الفصل الثالث والثلاثون: ذكر فرائض التوبة وشرح فضائلها" بلفظ: "من =
[ ١٨٧ ]
وهذه الثلاثة كلها لاحقة للإمام: لأنّه إذا أهمل الرعية، فقد ترك ما فرض الله عليه: من زجرها، وإذا تركها تخالف ١ سنة رسول الله - ﷺ - لم تنله شفاعته لأنه مكلف بها، وإذا تركها تستحل المحرمات، فقد أحلّها لها، فكيف: يسع الإمام أن يضيّع ما فرض الله عليه من زجر رعيّته عن هذه المناكر، فيخرج من أمان الله، ولم تنله شفاعة رسول الله، وتلحقه لعنة الله!.
وروى مسلم في صحيحه، عن النبي - ﷺ - أنّه قال: (ما من امرىء يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلاّ ولم يدخل معهم الجنة" ٢.
وقال﵊-: "كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيّته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيّته، والرجل راع على أهل بيته،
_________________
(١) = ضيّع فرائض الله﷿- خرج من أمانة الله". ثانيا: ٢/ ٥٨ "باب: تفضيل علم الايمان واليقين على سائر العلوم والتحذير من الزلل فيه"، بلفظ: "ان الله تعالى ملكًا ينادي كل يوم: من خالف سنّة رسول الله - ﷺ - لم تناله شفاعته". ثالثًا: ٤/ ٢١٨، "كتاب: تفصيل الحلال والحرام" بلفظ "ان لله﷿- ملكًا على بيت المقدس ينادي في كل ليلة من أكل حرامًا لم يقبل منه صرف ولا عدل". وأورده- أيضًا- السيوطي "في اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة": ١/ ٩٢" كتاب المبتدأ"، عن عبد الله مرفوعا، وقال: (قال الخطيب: هذا منكر، ورجاله ثقات معروفون سوى البصري وابن رجاء فإنهما مجهولان قلت: قال في الميزان: هذا خبر كذب، والله أعلم). وابن عراق الكناني "في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة": ١/ ١٧٠ "كتاب المبتدأ". وقال: (رواه الخطيب من حديث عبد الله بن مسعود، وقال: منكر ورجاله ثقات، سوى أحمد بن رجاء بن عبيدة، ومحمد بن إسحاق البصري فمجهولان). والشوكاني "في الفوائد المجموعة في الأحاديث المرفوعة": ٤٦٥، "كتاب: الايمان" وأورد ما أورده السيوطي وابن عراق عن: الخطيب.
(٢) في "ب" (خالف) وهو خطأ.
(٣) أخرجه مسلم في "صحيحه": ١/ ١٢٦، "كتاب: الايمان" "باب: إستحقاق الوالي الغاش لرعيته النار"، ٣/ ١٤٦٠ "كتاب: الإمارة" "باب: فضيلة الإمام العادل". وأورده المتّقي الهندي في "منتخب كنز العمال": ٢/ ١٣٥، وعزاه لمسلم.
[ ١٨٨ ]
وهو مسؤول عن رعيّته، وعبد الرجل راع على مال سيّده، وهو مسؤول عنه " ١.
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي ٢ - ﵀-: (جعل ٣ - ﷺ -[٢٢/أ]: "كل ناظر في حق غيره راعيًا") ٤.
وفي شرح الموطأ ٥: أنّ النبي - ﷺ - قال: "من إسترعاه الله رعيّته،
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" أنظر: "فتح الباري في شرح صحيح البخاري": ٥/ ١٨٠ "كتاب: العتق" "باب: العبد راع في مال سيّده" عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر. وكذلك: ٩/ ٢٩٩ "كتاب النكاح" "باب: المرأة راعية في بيت زوجها" عن نافع عن ابن عمر. وأحمد في "مسنده": ٢/ ٥. والهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد": ٥/ ٢٠٧ "كتاب: الخلاف" "باب: كلكم راع ومسؤول" عن أنس بن مالك، وقال فيه: (رواه الطبراني في الصغير والأوسط باسنادي الأوسط، ورجاله رجال الصحيح). وأورده، الطرطوشي في "سراجه": ٤٠ "باب: فيما جاء في الولاة والقضاة".
(٢) هو: أبو بكر، محمد بن الوليد بن خلف بن سليمان بن أيوب: القرشي الفهري الأندلسي الطرطوشي، الفقيه المالكي الزاهد، المعروف: بابن أبي رندقة، صحب أبا الوليد الباجي بمدينة "سرقسطة"، وكان إمامًا عالمًا عاملًا ورعًا متواضعًا متقلّلًا من الدنيا راضيأمنها باليسير، ومن كتبه: "سراج الملوك- ط" و"كتاب كبير عارض به إحياء علوم الدين للغزالي" و"بر الوالدين" و"الفتن" وغيرها. مات (سنة ٥٢٠هـ). (ابن خلكان- وفيات:١/ ٤٧٩، ابن فرحون- الديباج: ٢٧٦، الزركلي- الأعلام: ٧/ ١٣٣ - ١٣٤).
(٣) في "ب" (جعل رسول الله).
(٤) أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: ٤٠ "فيما جاء في الولاة والقضاة وما في ذلك من الضرر والحظر"، بعدما أورد حديث رسول الله - ﷺ -: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الحديث".
(٥) "الموطأ" للإمام مالك بن أنس الاصبحي، تقدم في: ١٦٨، وقد قام بشرحه كثير من العلماء منهم: ابن حبيب المالكي (ت ٢٣٩هـ)، وأبو الوليد الباجي (ت ٤٧٤هـ)، وسماه المنتقى في سبع مجلدات، ومحمد النحوي البطليوسي (ت ٥٢١هـ)، وأبو بكر ابن العربي (ت ٥٤٦هـ) وسماه القبس، والسيوطى، وسمّاه "كشف المغطى في شرح الموطأ"، (حاجي خليفة- كشف الظنون: ١/ ١٩٠٧ - ١٩٠٨).
[ ١٨٩ ]
فليحفظها يالنصيحة، وإن لم يحفظها بالنصيحة لم يرح رائحة الجنة" ١ اهـ.
وإنّما لم يرح رائحة الجنة: لأنّه إذا لم ينصحها فقد غشّها، حيث تركها على ما هي عليه من مخالفة الكتاب والسنة.
ولمّا حجّ هارون الرشيد ٢، لقيّه عبد الله العمري ٣ - في الطوّاف- فقال: "يا هارون!، فقال: لبيك يا عمري، قال: كم ترى ما هنا من خلق؟ قال: لا يحصيهم إلاّ الله- سبحانه- فقال: إعلم أيها الرجل: أنّ كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك مسؤول عنهم كلهم، فانظر: كيف تكون! فبكى هارون، فجعلوا يعطونه منديلًا للدموع، ثم قال: والله إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق الحجر عليه، بمن أسرع في مال
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه": أنظر: "فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر": ١٣/ ١٢٦ - ١٢٧، "كتاب: الأحكام" "باب: من استرعى رعية فلم ينصح" عن الحسن عن معقل بن يسار، نحوه. ومسلم في "صحيحه": ١/ ١٢٦ "كتاب الأيمان"، "باب: إستحقاق الوالي الغاش لرعيته النار"، ٣/ ١٤٦٠ "كتاب الإمارة" "باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية". وأحمد في "مسنده": ٥/ ٢٧، نحوه. وأورده الطرطوشي في "سراجه": ٤٠ "فيما جاء في الولاة والقضاة".
(٢) أبو جعفر، هارون الرشيد ابن محمد المهدي ابن المنصور العبّاسي، خامس خلفاء الدولة العبّاسية في العراق، ولد بالريّ، ونشأ في دار الخلافة ببغداد، وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي (سنة ١٧٠هـ) فقام بأعبائها وازدهرت الدولة في أيامه، وكان عالمًا بالأدب، وأخبار العرب، والحديث والفقه، فصيحًا، كان يحج سنة ويغزو سنة، ولم يجتمع على باب خليفة ما اجتمع على بابه من العلماء والشعراء والكتّاب. مات (سنة ١٩٣هـ). (البغدادي- تاريخ بغداد: ١٤/ ٥، ابن الأثير- الكامل: ٦/ ٦٩، ابن كثير- البداية والنهاية: ١٠/ ٢١٣، البكري- تاريخ الخميس: ٢/ ٣٣١، الزركلي- الأعلام: ٨/ ٦٢).
(٣) هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن عاصم العمري المدني أخو عبيد الله بن عمر، روى عن نافع، وجماعة، وكان محدِّثًا صالحًا، قال ابن الأهدل: (كان آية في العلم غاية في العبادة). مات (سنة ١٧١هـ). (ابن الجوزي- صفة الصفوة: ١/ ٥٦٣ - ٥٨٢، ابن العماد الحنبلي- شذرات الذهب: ١/ ٢٧٩).
[ ١٩٠ ]
المسلمين! " ١ اهـ بنقل الطرطوشي المذكور.
وإذا علمتم هذا: تبيّن لكم: أنّ ليس للراعي أن يدّخر عمّن استرعى عليهم نصحًا، ولا أنّ يهمل في تدبيرهم ما يثمر نجحًا، فيجب عليه: أن يزجرهم عمّا هم عليه، ويردّهم إلى معالم الدين وأن يحرضهم على فعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه من العناد التحريض المبين، إذ أحسن ما صرفت إليه الوجوه، واستدفع به الخبث والمكروه، العمل بالكتاب والسنة والآيات المتلوّة المحكمة، وردع اليد الظالمة من عامل أو غيره، فينصف ٢ للرعية من العمّال، كما ينتصف لهم من بعضهم بعضًا، ويرد لهم البال ٣.
قال- تعالى-: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.
قال الإمام الطرطوشي- المتقدم-: (يعني لولا أنّ الله- تعالى-: أقام السلطان في الأرض لا يدفع القوي عن الضعيف، [٢٢/ب] وينتصف المظلوم من الظالم، لأهلك القوي الضعيف، وتواثب الخلق بعضهم على بعض، ولا ينتظم لهم حال، ولا (يستقر) ٤ لهم ٥ قرار، فتفسد الأرض ومن عليها.
ثم امتنّ الله على الخلق بإقامة السلطان، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّة ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٦ يعني: في إقامة السلطان، فيأمن الناس، ويكون فضله على الظالم كفّ يده، وفضله على المظلوم أمانه، وكفّ يد الظالم عنه ٧.
_________________
(١) نقله الطرطوشي في "سراج الملوك": ٣٤ "باب في مقامات العلماء والصالحين عند الأمراء والسلاطين"، ٤٧. "باب في أن السلطان مع رعيته مغبون غير غابن ". والشيخ أحمد المرنيسي في "جوابه عن حكم المال الذي يفرض على المسلمين لدفعه إلى الأعداء مقابل الصلح": ٨. وابن عماد الحنبلي في "شذرات الذهب": ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٢) في "ج" (فينتصف).
(٣) البال: الحال التي تكترث لها، والشأن، يقال: "أمر ذو بال" شريف يحتفل له ويهتم به. (المعجم الوسيط: ١/ ٨٧، البستاني- فاكهة البستان: ١٢٨).
(٤) في جميع النسح (يستقيم) وما أثبتناه قد ثبت في "سراج الملوك" للطرطوشي.
(٥) ساقطة من "ب".
(٦) سورة البقرة / آية ٢٥١.
(٧) أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: ٤٧"باب في فضل الولاة والقضاة إذا عدلوا.
[ ١٩١ ]
قال ١: (ولذا قال العلماء: "مثل الرعية مع السلطان، كالطباخ مع الآكلة، عليه العناء ولهم الهناء، وعليه الحار ولهم القار ٢") ٣.
فحقيق على كل رعيّة: أن ترغب إلى الله في صلاح السلطان، وأن تبذل له نصحها) ٤.
وقالوا أيضًا: "مثله معهم، كيتامى لهم ديون قد عجزوا عن قبضها إلاّ بوكيل، فالمظلوم من الرعية هو اليتيم، والظالم منهم هو المدين، والوكيل هو السلطان.
فإن استوفى الوكيل الدين بلا زيادة ولا نقصان، وأداه إلى اليتامى بحسب ما يجب لكل، فقد بريء من القوم، ولم تبق عليه تباعة للميدان ولا لليتيم، وحصل الأجر مرتين: أجر القبض، وأجر الدفع، ودخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٥ وفي قوله - ﷺ -: "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة" ٦
_________________
(١) أي: الطرطوشي.
(٢) القار هو: البارد. (المعجم الوسيط: ٢/ ٧٣١).
(٣) أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: ٤٧"باب: "في أنّ السلطان مع رعيّته مغبون غير غابن وخاسر غير رابح".
(٤) نفس المصدر السابق: ٤٨"باب: "في بيان الحكمة في كون السلطان في الأرض".
(٥) سورة المائدة/ آية ٤٢، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. سورة الحجرات / آية ٩، قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. سورة الممتحنة / اية ٨، قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
(٦) أخرجه مسلم في "صحيحه": ٣/ ١٤٥٨ "كتاب الامارة". "باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، نحوه عن عبد الله بن عمرو. والنسائي في "سننه": ٨/ ٢٢٠ "كتاب آداب القضاة" "باب: فضل الحاكم العادل في حكمه" نحوه. وأحمد في "مسنده": ٢/ ١٦٠. وأورده المتّقي الهندي في "منتخب كنز العمال": ٢/ ١٣٢ - ١٣٣. والحديث بتمامه ساقط من نسخة "د".
[ ١٩٢ ]
وفي قوله﵊-: " (ممبعة) يظلّهم الله بظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: إمام عادل الحديث " ١ إلى غير ذلك.
وإن هو زاد على الدين الواجب بغير حق فهو ظالم للمديان، وإنْ نقص بغير موجب فهو ظالم لليتيم، وكذا إنْ استوفى الديون وأمسكها ولم يدفعها لأربابها فهو ظالم لهم، داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَةنَّمَ حَطَبًا﴾ ٢.
وقد تقدّم- في الفصل السادس-: " أنّه يؤخذ للمظلوم من [٢٣/أ] حسنات ظالمه، بكل دانق مسبعون صلاة مقبولة" ٣. والدانق: سدس الدينار أو الدرهم.
فيجب على الإمام: الاجتهاد بقدر طاقته في الكشف عن العمّال- كما مرّ في الفصل السادس-: أنه يبالغ في الكشف عن خبرهم بحسب قوة التهمة وضعفها- ولا يغترّ فيهم بكلام من (يزين) له الوقت، فإنّ أكثر العمّال جهّالًا لا يتّقون الله، ولا يتحفظون من المداهنة ٤، والنفاق، والكذب.
وفي أفضل من عمّال الوقت، يقول سيّدنا علي- كرّم الله وجهه-: "المغرور من غررتموه" ٥.
وقد كتب الشيخ محرز ٦ - الذي سأل من الشيخ "أبي محمد بن أبي زيد:
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه". "أنظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر: ٢/ ١٤٣، "كتاب: الأذان " "باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المسجد". ومسلم في "صحيحه": ٢/ ٧١٥، "كتاب الزكاة"، "باب: فضل اخفاء الصدقة".
(٢) سورة الجن/ آية ١٥.
(٣) أورده الزرقاني في "شرحه لمختصر خليل"، تقدم في: ١٧٠.
(٤) هي: إظهار خلاف ما يضمر، كالادهان، والغش. (ترتيب القاموس المحيط: ٢/ ٢٤٢). بحثت عنه فلم أقف عليه.
(٥) هو: محرز بن خلف بن رزين البكري، من نسل أبي بكر الصديق، مؤدب تونسي، زاهد، تهافت عليه الناس للتبرك به وسماع كلامه، يعلم القرآن والحديث والفقه، وكان سلفيًا، سمع في أحد سواق "القاهرة" رجلًا يسب السلف، فأمسك بطرف ثوبه وصاح: أيها الناس إنّي لا أرضى!؟ فتهاووا على الرجل حتى تقطع لحمه بين أيديهم، مات (سنة ٤١٣هـ). (ابن القنفذ- شرف الطالب في أسنى المطالب "في كتاب ألف سنة من الوفيات": ٥٣، الزركلي- الأعلام: ٥/ ٢٨٤).
[ ١٩٣ ]
"تأليف الرسالة"- إلى أمير الوقت في رجل طلبه بعض العمّال بمغرم، ما نصّ الغرض منه: (أنا رجل قد عرف كثير من الناس اسمي، وهذا من البلاء- وأسأل الله أنْ يتغمّدني برحمته- وربما جاء المضطرّ يسأل الحاجة: فإنْ تأخرت خفت، وإنْ أسرعت فهذا أشدّ.
وقد كتبت إليك من مسألة: رجل من الطلبة طلب بدراهم، ولا شيء قبله، وحامل رقعتي: يشرح إليك ١ ما جرى، فعامل فيه من لا بدّ من لقائه، وأستحيي ممّن وجدت لذاذة العيش به، وشاور في أمرك الذين يخافون الله تعالى، واحذر بطانة السوء، فإنّهم إنّما يريدون دراهمك، ويقرّبون من النار لحمك ودمك، واحفظ تحفظ، واتّق الله- فإنّه ﴿مَنْ يَتَّقِ اللَّة يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ٢ - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّة يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٣ - واستعين بالله- فإنّه من يتوكّل على الله فهو حسبه- واستكثر من الزاد، فقد دنا الرحيل، والسلام.
فلما بلغ كتابه الأمير: أخذه وقبّله، وقال: "هذا كتاب صدّيق الله"، وأمر كاتبه: أن يكتب سجلًا لجميع الطلبة بالحفظ والرعاية، وأن يصرف عن طلبة الشيخ جميع ما كان أُخِذ لهم قبل من المظالم.
والمقصود منه: "وشاور في أمرك الذين يخافون إلى آخره" إذ ذاك كله، تحريض على عدم الثقة بالعمّال، فهو كقول سيدنا علي المار: "المغرور من غررقموه ".
فمن الحزم: أنْ لا يصدقهم السلطان على ضعفاء الرعية، لأنّ تصديقهم غرور من السلطان، ولا يولّي من طلب الولاية من الرعية، لما في البخاري، ومسلم، وغيرهما:
_________________
(١) في "ب" (لك).
(٢) سورة الطلاق / آية ٤، وتمامها: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّة يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾.
(٣) سورة الطلاق / آية ٢، وتمامها: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّةادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّة يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
[ ١٩٤ ]
أنّ رجلًا قال: يا رسول الله: إستعملنى، فقال النبي - ﷺ -: "تنحّ، إنّا لا نستعمل على عملنا هذا من أراده" ١ اهـ.
والسرّ فيه: أنّ الولايات أمانات، وطلب الأمانة دليل على خيانتها، فيجب عليه: أنْ لا يوليه، وإنْ ولّى غير طالبها فيتقدّم إليه ويخوفه بأنه إنْ وجد منه زلّة أو تعدّيًا عاقبه العقوبة الشديدة، وأنّه إنْ لم يبالغ في القيام بحقوق الله- من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر- وحقوق عباده- من رفع يد الظالم عن المظلوم- أخذه أخذًا وبيلًا، إذ العمّال في هذا الأوان، وقبله- كما مرّ عن سيّدنا علي، والشيخ محرز- يتوصّلون لغرضهم الفاسد، وأكل الأموال بالباطل، بقلب الحقائق.
(فإذا جاء الضعيف يشتكي إلى السلطان بجور العامل عليه) أو بعدم الانتصاف له من ظالمه، حقد العامل بذلك الشاكي، وغضب عليه، وسبقه حينئذ كما للإمام "اليوسي" ٢ وغيره بكتابه لباب السلطان- فزاد عليه-: (وإن لم يسبقه، فإن السلطان
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه". "أنظر: فتح الباري في شرح صحيح البخاري": ١٣/ ١٢٥ "كتاب الأحكام"، "باب: ما يكره من الحرص على الامارة". ومسلم في "صحيحه": ٤/ ١٤٥٦، "كتاب: الامارة" "باب: النهي عن طلب الامارة". وقد أخرجه كلاهما عن أبي موسى الأشعري، وليس فيه لفظه "تنحّ"، وقد بحثت عنها في طرق هذا الحديث ولم أقف عليها، فلعلها من تصرف المصنف، والله اعلم.
(٢) هو: أبو علي الحسن بن مسعود بن محمد، نور الدين اليوسي: الفقيه المالكي، الأديب، ينعت بغزالي عصره، تنقل في الأمصار وأخذ عن العلماء، واستقر بفاس مدرّسًا، وكان ممّن لا تأخذه في الحق لومة لائم، وقد بالغ في الذبّ عن الشريعة والحرص على تقرير أصولها الرفيعة، لا يخاطب السلطان إلاّ بصريح الحق مشافهة ومكاتبة، رزق الأقبال من الخلق فيجتمع عليه الجم الغفير حيثما أقام حتى كان السلطان لا يتركه أن يقرّ في قراره، بل يأمر بالرحيل في أقرب مدة من الموضع الذي أستقرّ له إلى موضع آخر من كتبه: "زهر الأكم في الأمثال والحكم" و"حاشية على شرح مختصر الشيخ السنوسىي، و"المحاضرات" وغير ذلك، مات بقبيلة "بنى يوسىي (سنة ١١٠٢هـ). (القادري- التقاط الدرر: ٢/ ٢٥٨ ٢٦٠، السلاوي- الاستقصا: ٤/ ٥١، مخلوف- شجرة النور: ٣٢٨ - ٣٢٩، الكتاني- فهرس الفهارس: ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٩، الزركلي- إعلام: ٢/ ٢٢٣، سركيس- معجم المطبوعات: ٢/ ١٩٥٩ - ١٩٦٠، كحالة- معجم المؤلفين: ٣/ ٢٩٤، الزاوية الدلائية: ١٠٢ - ١٠٨).
[ ١٩٥ ]
يرده إليه لينفّذ إليه دعواه، فيتمكّن منه العامل ويسجنه، ويكتب للسلطان: بأنه بالغ في كشف أمره، فوجد الشاكي ظالمًا، أو سارقًا، أو هاجمًا، أو غاضبًا، وربما كتب عليه بيّنة بذلك من اللّفيف ١ أو العدول، ولا يعجزه الحال لأن كل من أمره بالشهادة شهد خوفًا منه).
ولله درّ بعض الفقهاء: كان جالسًا مع السلطان، وحين سأل السلطان بعض الناس- أي: جماعة منهم- عن عاملهم؟، فأثنوا عليه [٢٤/أ]
فقال الفقيه: (ما هذا وجه الشهادة، بل وجهها: أن تعزله عنهم، واسئلهم حينئذ، عمّا يشهدون به فيه؟ وماذا يقولون فيه؟ - وإلاّ فمن يستطع أن يقول: للأسد أبخر ٢ الفم وهو بين شدقيه- ففعل السلطان ذلك، فما من أحد من الرعية- المولّى عليها العامل المذكور- إلاّ وجاء للسلطان متظلّمًا شاكيًا بالعامل المذكور، فعلم بذلك: صدق الفقيه المذكور!.
وعليه: فيجب على الإمام: أنْ لا يعمل بقول العامل في هذا الشاكي، وكيف يعمل بقوله فيه، مع كونه عدوًّا له، إذ بمجّرد إتيانه للشكاية للسلطان صار عدوًّا له، لأنّه أتى ليظهر عيوبه للسلطان، ومن يرضى أن تظهر عيوبه لأدنى الناس، فكيف بها للسلطان- فالله الله في عباد الله-!.
فالواجب: أن ينفذ للشاكي شكواه، ويستفصل في دعواه، ويتولّى سماعها بنفسه، ولا يتّكل في سماعها على غيره، وإذا توقّفت دعواه على إثبات، أمره بإثباته، وكلّف من ينظر له في ذلك من الثقات قاضيًا أو غيره.
وقد علمتم- أيّدكم الله-: أن الله﵎- يتولّى يوم القيامة، الفصل بين عباده بنفسه، ولا يتّكل فيهم على أحد، كما في الصحيح: أنه-
_________________
(١) اللّفيف: ما اجتمع من الناس من قبائل شتّى، قال تعالى: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (سورة الإسراء/ آية ١٠٤) أي: مجتمعين مختلطين. والمقصود بها هنا جماعة غير العدول قال الفاسي: "فإذا كانت شهادة اللفيف أجيزت للضرورة، ولم يكن نص في عينها، وإنما يستند فيها للقياس على غيرها مما أجيز للضرورة استحسانًا، فلا يخرج بها عما نص عليه العلماء فيما أجيز للضرورة". (أنظر: الفاسي- شهادة اللفيف: ٢١ - ٢٢، (الرازي- مختار الصحاح: ٤٧٥ - ٤٧٦).
(٢) من البخر وبخر الفم: انتنت ريحه. (الفيومي- المصباح المنير: ١/ ٤٨).
[ ١٩٦ ]
ﷺ - قال: "ما من أحد إلاّ سيكلمه ربّه يوم القيامة كفاحًا، ليس بينه وبينه ترجمان الخ " ١.
والسلطان خليفة الله في أرضه في الدنيا، فإذا احتجب، واتّكل- في الفصل بين العباد- على غيره، لزم أنْ يكون- والعياذ بالله- أشرف من خالقه، وذلك أسرع شيء إلى زوال ملكه.
قال الإمام الطرطوشي، وغيره: (وإذا احتجب السلطان عن سماع الشكايات بنفسه، فإنه أسرع شيء إلى خراب ملكه، لأن بطانة السوء والعمال يلعبون في أرواح الخلائق، وحريمهم، وأموالهم، لأنّ الظالم حينئذ [٢٤/ب] قد أمن (أن لا يصل) ٢ المظوم إلى السلطان.
قال: قال الحكماء: لا تزال الرعية ذا سلطان ما وصلوا إلى سلطانهم، (فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة، وذاك مفض للجور والظلم) ٣ ٤.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه". "أنظر فتح الباري في شرح صحيح البخاري": ١١/ ٤٠٠ "كتاب: الرقاق" "باب: من نوقش الحساب عذب" عن عدي بن حاتم قال: قال النبي - ﷺ -: (ما منكم من أحد إلاّ وسيكلّمه الله يوم القيامة ليس بين الله وبينه ترجمان، ثم ينظر فلا يرى شيئًا قدّامه، ثم ينظر بين يديه فتستقبله النار، فمن إستطاع منكم أن يتّقي النار ولو بشق تمرة). ومسلم في "صحيحه": ٢/ ٧٠٣، "كتاب: الزكاة" "باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار" عن عدي بن حاتم. والترمذي في "سننه": ٤/ ٦١١، "كتاب: صفة القيامة" "باب: في القيامة"، وقال: (قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح). وابن ماجة في "سننه": ١/ ٦٦ "كتاب: المقدمة" "باب: فيما أنكرت الجهمية". وأحمد في "مسنده": ٤/ ٢٥٦.
(٢) في "الأصل" (وصول) وكذلك في "ج"، وفي "ب" (من دخول) وما أثبتناه قد ثبت في كتاب "سراج الملوك للطرطوشي".
(٣) ساقطة من "ب".
(٤) أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: ٥٧ "باب: في الصفات الراتبة التي زعم الحكماء أنه لا ندام معها مملكة".
[ ١٩٧ ]
فالواجب على السلطان: أنْ يتولّى الفصل بنفسه فيما يحضره من الشكايات بين يديه، كما كان في عهد النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدين من بعده. قال الإمام الطرطوشي- في سراجه- ١: (بلغنا: أنّ ملكًا من الملوك، نزل به صمم، فأصبح (متوجعًا مهتمًا) ٢ بأمور المظلومين، وأنّه لا يسمع إستغاثتهم ٣، فأمر مناديًا ينادي: أنْ لا يلبس في مملكته ثوبًا أحمر، إلاّ مظلوم، وقال: "لئن منعت سمعي، لم أمنع بصري"، فكان كل من ظلم يلبس ثوبًا أحمر، ويقف تحت قصره، ويكشف عن ظلمه) ٤.
قال: (وكان بعض ملوك الصين: يجعل في بيت ملكه ناقوسًا ٥ موصولًا بسلسلة، وطرف السلسلة في خارج الطريق، وعليها أمناء للسلطان مأمورون:
_________________
(١) "سراج الملوك" لأبي بكر الطرطوشي، وكتابه هذا قد طبع، وأوله: "الحمد لله الذي لم يزل ولا يزال وهو الكبير المتعال ". وقد جمع فيه سير الأنبياء، وآثار الأولياء، ومواعظ العلماء، وحكم الحكماء، ونوادر الخلفاء، ورتبه ترتيبًا أنيقًا قلّما سمع به ملك إلاّ إستكتبه، ولا وزير إلاّ استصحبه، يستغني الحكيم بمدارسته عن مباحثة الحكماء، والملك عن مشاورة الوزراء، وأبوابه أربعة وستون بابًا. (حاجي خليفة- كشف الظنون: ٢/ ٩٨٤).
(٢) في جميع النسخ (مسترجعًا مهمومًا) وما أثبتناه قد ثبت في "سراج الملوك" للطرطوشي.
(٣) في جميع النسخ (باستغاثتهم) وما أثبتناه قد ثبت في "سراج الملوك ".
(٤) أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: ٥٤، "باب: في بيان معرف الخصال التي هي قواعد السلطان ولا ثبات له دونها". ونقلها- أيضًا- الغزالي في "أحياء علوم الدين": ٢/ ٣٥١ - ٣٥٢، فيما حكاه ابن المهاجر عن أمير المؤمنين "المنصور" حينما قدم مكة وسمع رجلًا عند الملتزم: يشكو حاله من الظلمة لله، فدار بينه ويبن الرجل حديثًا طويلًا، وتضمن- هذا الحديث- هذه القصة عن أحد ملوك الصين. وكذلك أوردها ابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": ١/ ٣٥٧، وقال: (وهي بتمامها مذكورة في الإحياء).
(٥) في "الأصل" (ناقوصًا) وكذلك في "ج"، وما أثبتناه من "ب" قد ثبت في "سراج الملوك للطرطوشي"، والناقوس: عبارة عن خشبة طويلة يضربها النصارى إعلامًا للدخول في صلاتهم (المصباح المنير: ٢/ ٣٣١).
[ ١٩٨ ]
بأنْ لا يتعرّضوا لمن أراد إمساكها وجرّها، فإذا جاء المظلوم وجرّ السلسلة، سمع الملك صوت الناقوس، فيأمر بإدخال المظلوم، وكل من حرّك السلسلة يمسكه أولئك الحفظة حتى يدخل على السلطان) ١.
فهذه طريقة العدل بين السلطان وعمّاله، وبين الرعية فيما بينها.
إذ العدل قوام الملوك، وبه صلاح الدنيا والدين كما مرّ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ الآية﴾ وكما مرّ- أيضًا- في الفصل الأول- في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّة يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ (إلى أهلها) ٢ ﴾.
وكما قال تعالى- في آية الملوك- التي أنزلها الله فيهم- وهو قوله تعالى-: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّة لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٣.
ثم سمّى المنصورين، وشرائط النصر، فقال- جلّ من قائل-: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَةوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ٤.
فضمن الله تعالى النصر للملوك، وشرط عليهم [٢٥/أ] أربع شرائط):
إقامة الصلاة فيهم، وفي رعيّتهم، وإيتاء الزكاة كذلك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
_________________
(١) أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: ٥٤ "باب: في بيان معرفة الخصال التي هي قواعد السلطان ولا ثبات له دونها".
(٢) سورة النساء / آية ٥٨، وتمامها: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّة نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّة كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
(٣) سورة الحج / آية ٤٠، وتمامها: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيةا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّة لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
(٤) سورة الحج / آية ٤١.
[ ١٩٩ ]
قال الإمام الطرطوشي، واليوسي، وغيرهما،: (فمتى تضعضعت قواعد الملوك، وإنتقص عليهم شيء من أطرف مملكتهم، أو ظهر عليهم عدوّ الدين، أو باع فتنة، أو جاحد نعمة، فليعلموا: أنّ ذلك من الاخلال بشرط من الشرائط المشروطة عليهم، فليرجعوا إلى الله بإقامة العدل، والقسط الذي شرعه الله لعباده، وبه قامت السماوات والأرض، بإظهار شرائع ١ الدين، ونصر المظلوم، والأخذ على يد الظالم، ومقاتلته العدوّ الكافر ٢ الخ).
ثم أنّه قد تقدّم: أنْ الإمام يتولّى الفصل بنفسه فيما حضر بين يديه.
وأما ما غاب عنه ولم يحضر بين يديه من أمور الرعية وعمّالها، فلا يسأل عنها إلاّ الثقات، ؤاهل الدين، لا من لا يتّقي الله، ولا يتحفظ من المداهنة والنفاق من العمال، وأهل الثروة، الذين نفسهم على نفس العمّال، لأنّ لهم مدخلًا في المخزنية ٣ فيواجهون العمّال، كما أنّ العمّال يواجهونهم، فلا يجرون الأحكام عليهم، ولا على من تعلق بهم، فيزيّنون الوقت للأمير ويزيّنون فعل العمّال.
_________________
(١) في "ب" و"ج" (شعائر).
(٢) أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: ٣٩ "باب: فيما جاء في الولاة والقضاة، وما في ذلك من الغرور".
(٣) مكان الخزن (المعجم الوسيط: ١/ ٢٣٢). وقال أمين الريحاني: هذه اللفظة في وضعها واصطلاحها مغربية محض، وهو نظام سمّي بالنظام المخزني حينما كانت قبائل المغرب في الماضي على عداء دائم وأهل المدن، تقطع عليهم الطرق، وتسلب وتنهب من تشاء، فأراد "المنصور الذهبي" أن يضبط القبائل بالسياسة والمصانعة، فيقرّبها منه ويشركها في الحكم ليأمن شرها، لذلك أنشأ النظام المخزني الذي يخزن فيه السلاح، ليكون سيفه في البلاد وترسه في القبائل، والعسكرية هي: حفظ الأمن في البلاد بواسطة باشاوات في المدن، وقواد في القبائل، يعينهم السلطان، ويكون لهم من المخزن قوة مسلحة تنقذ أحكامهم. (أنظر: أمين الريحاني- المغرب الأقصى رحلة في منطقة الحماية الإسبانية: ١٧٥ - ١٨٢).
[ ٢٠٠ ]
وكان عمر بن الخطاب﵁-: "إذا قدمت الوفود من البلاد البعيدة، يسألهم: عن أحوالهم، وأسعارهم وعمّن يعرفوه من أهل البلاد، وعن أميرهم: هل يدخل عليه الضعيف، وهل يعود المريض؟ فإنْ قالوا: نعم، حمد الله - تعالى- وإنْ قالوا: لا، كتب إليه بالعزل" ١.
وكان﵁-: "إذا بعث عاملًا شرط عليه أربعًا: لا يركب البراذين ٢، ولا يلبس الرقيق، ولا يأكل النقى، ولا يتخذ حاجبًا، ولا يغلق بابًا عن حوائج الناس" ٣.
ولما بلغه: "أنّ (سعد) ٤ بن أبي وقّاص: إتّخذ قصرًا، وفتح له [٢٥/ب] بابًا، وأنّه احتجب عن الخروج للحكم بين الناس، وصار يحكم في داره، أمر: بتحريق
قصره، وبادر إلى عزله" نقله فيه "التبصرة"، وغيرها ٥.
ومن الواجب: أنْ يتّخذ الأمير مزكي السر من الثقات في كل بلد يخبره عن سيرة العمّال والقضاة، ولا يطّع عليه أحد من رعيته، وإنّما تجري المكاتبة ٦
_________________
(١) نقله ابن فتيبة في "عيون الأخبار": ١/ ١٤.
(٢) مفرده الذكر: برذون، والمؤنث: برذونة، وهي: الدابة ما دون الخيل، وأقدر من الحمر. (الرازي- مختار الصحاح: ٣٥، البستاني- فاكهة البستان: ٧٩).
(٣) نقله ابن قتيبة في "عيون الأخبار": ١/ ٥٣، "كتاب: السلطان" وابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": ٣٣٦/ ٣٣٧.
(٤) في "الأصل" والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج". وهو: أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص بن عبد مناف القرشي الزهري: الصحابي الأمير، فاتح العراق، ومدائن كسرى، وأحد الستة الذين عيّنهم عمر للخلافة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، له في كتب الحديث (٢٧١) حديثًا. مات (سنة ٥٥هـ). (ابن الجوزي- صفة الصفوة:١/ ١٣٨، ابن الأثير- أسد الغابة: ٢/ ٢٩٠، ٢٩٣، البكرى- تاريخ الخميس:١/ ٤٩٩).
(٥) نقله ابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": ١/ ٣٧٣.
(٦) في "ب" و"ج" (المكاتبات).
[ ٢٠١ ]
بينهما من غير واسطة، فيكتب الأمير له بخط يده لئلا يطّلع (عليه) ١ أحد من خواصه، لأنّهم إنْ أطّلعوا (عليه) ٢: أفشوا ذلك في العمّال والولاة، وسارع الجميع لإذايته، والتحرز من إطلاعه على أمورهم.
وقد قال المأمون ٣: (ما فتق علي فتق قط إلاّ ووجدت سببه جور العمّال) ٤.
ومن الاخلال بضبط هذه الأمور: ما وقع لسلطان الجزائر، حتى استولى عدوّ الدين عليه، [قال تعالى]: ﴿إِنَّ اللَّة لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٥.
فاجتهدوا- أيّدكم الله-!: في القيام بحقوق العباد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاةدُوا فِينَا﴾ أي: في حقّنا، ومن أجلنا، ولوجهنا خالصًا ﴿لَنَةدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنهدينهم ٦ هداية إلى طريق الخير ﴿وَإِنَّ اللَّة لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٧ - أي: لناصرهم ومعينهم.
وعن بعضهم: (من عمل بما يعلم، وفق لما لم يعلم) ٨.
_________________
(١) ساقطة من "الأصل" ومن "ب" و"د" والإضافة من "ج".
(٢) ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٣) هو أبو العباس، عبد الله بن هارون الرشيد بن أبي جعفر المنصور: سابع الخلفاء من بني العباس في العراق، وأحد أعاظم الملوك، في سيرته وعلمه وسعة ملكه، عرّفه المؤرخ ابن دحية بالإمام "العالم المحدث النحوي اللغوي" فقامت دولة الحكمة في أيامه، وقرب العلماء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين وأهل اللغة والأخبار والمعرفة بالشعر والأنساب. مات (سنة ٢/ ٢١٨هـ). (ابن الأثير- الكامل: ٦/ ١٤٤ / ١٤٨، البكري- تاريخ الخميس: ٢/ ٣٣٤، الزركلي- الأعلام: ٤/ ١٤٢).
(٤) نقله الطرطوشي في "سراج الملوك": ١٤١، "باب: في بيان الشروط والعهود التي تؤخذ على العمّال" وابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": ٣٣٥.
(٥) سورة الرعد / آية ١١.
(٦) في "ب" و"ج" و" د" (لنزيدنهم).
(٧) سورة العنكبوت / آية ٦٩.
(٨) في "الأصل" (من عمل بما لم يعلم فقد تكفّل وفق لما لم يعلم) وما أثبتناه من "ب" و"ج".
[ ٢٠٢ ]
فقد تكفّل الله (- سبحانه-) ١ بالنصر والإعانة لمن اجتهد في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
_________________
(١) ساقطة من "الأصل" ومن "د".
[ ٢٠٣ ]
وأما المسألة الثانية: ففيها فصلان:
الفصل الأول
في حكم المتخلّف عن الاستنفار، وما عليه
من العقاب من العزير الجبّار
ــ
قد علمت- ممّا تقدّم-: أنّ الاستنفار للجهاد يتعيّن بتعيين الإمام، فحيث استنفر قومًا فقد عيّنهم للجهاد، فمخالفتهم عصيان لله ولرسوله توجب عقوبتهم- بما تقدّم في الفصل السادس-[٢٦/أ]
ثم انّ النفير للجهاد، والذهاب إليه، المخاطب به ابتدأ هو الإمام، أي: هو المخاطب أنّ ١ يعيّن طائفة من رعيّته تذهب إليه.
فإذا عيّن طائفة، وجيشًا له، وجب على من عيّنهم وصار في حقّهم: فرض عين، لقوله- تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ﴾ ٢.
وقال- تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٣.
وقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ﴾ ٤.
وقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٣.
_________________
(١) في "ب" و"ج" و"د" (بأنّ).
(٢) سورة التوبة/ آية ١٢٢، وتمامها: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
(٣) سورة التوبة/ آية ٣٦.
(٤) سورة التوبة/ آية ١٢٣.
(٥) سورة النساء/ آية ٨٩، وتمامها: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُةاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
[ ٢٠٤ ]
وقال: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ ١.
و[قال]: ﴿قَاتِلُوهُمْ- أي: دائمأ- حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ- أي: لا يوجد فيكم شرك- وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ٢.
وقال: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾.
إلى غير ذلك من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية:
كقوله﵊-: "جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة" ٣.
أخرجه: أحمد ٤، والطبراني ٥ والحاكم ٦ وصححه عن عبادة بن الصامت ٧ -
_________________
(١) سورة التوبة / آية ٧٣، وسورة التحريم / آية ٩، وتمامها: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَةنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
(٢) سورة الأنفال / آية ٣٩، وتمامها: ﴿فَإِنِ انْتَةوْا فَإِنَّ اللَّة بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده": ٥/ ٣١٤. والحاكم في "المستدرك": ٢/ ٧٤ - ٧٥ "كتاب: الجهاد" عن أبي أمامة عن عبادة، مرفوعًا، بلفظ آخر. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد": ٥/ ٢٧٢، عن عبادة بن الصامت، وقال: (رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط أطول من هذا، وأحد أسانيد أحمد وغيره ثقات).
(٤) هو أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني: إمام المذهب الحنبلي، مات (سنة ٢٤١هـ). (ابن الجوزي- صفة الصفوة: ٢/ ١٩٠، ابن خلكان- وفيات: ١/ ١٧، ابن كثير- البداية: ١٠/ ٣٢٥، الزركلي- الأعلام: ١/ ٢٠٣).
(٥) أبو القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي، من كبار المحدثين، ولد "بعكا"، له ثلاثة "معاجم في الحديث" وكتب في "التفسير" و"دلائل النبوّة". مات (سنة ٣٦٠هـ). (ابن خلكان- وفيات: ١/ ٢١٥، ابن تغري بردي- النجوم الزاهرة: ٤/ ٥٩، الزركلي- الأعلام: ٣/ ١٢١).
(٦) أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن حمدويه الضبي النيسابوري، الشهير بالحاكم، من أكابر حفّاظ الحديث، وأعلم الناس بصحيح الحديث وتميزه عن سقيمه، قال ابن عساكر: (وقع من تصانيفه المسموعة في أيدي الناس ما يبلغ ألفًا وخمسمائة جزء) ومنها: "تاريخ نيسابور" و"المستدرك على الصحيحين" و"الإكليل". مات (سنة ٤٠٥هـ) (الذهبي- ميزان الاعتدال: ٣/ ٨٥، ابن حجر- لسان الميزان: ٥/ ٢٣٢، الزركلي- الأعلام: ٦/ ٢٢٧).
(٧) أبو الوليد: عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي، الصحابي الجليل، من الموصفين بالورع، شهد العقبة وبدرا وسائر المشاهد، وهو أول من ولي القضاء بفلسطين، روى ١٨١ =
[ ٢٠٥ ]
﵁-.
وأخرج: عبد الرزاق ١، عن أبي أمامة ٢ - ﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنّه باب من أبواب الجنة يذهب
الله به الهمّ والغم" ٣.
فالخطاب في هذه الآيات القرآنية، ونحوها، والأحاديث النبوية التي لا تحصى كلّه للأئمة ابتداء، وللرعية انتهاء.
أعني: يجب على الإمام ابتداء: أنْ يعيّن طائفة من كل قبيلة مثلًا، فإذا عيّنهم صار فرض عين على من عيّنهم انتهاء- كما مرّ-. فإذا ترك الإمام التعيين والأمر بالجهاد لحقه الوعيد الآتي، وإذا عيّن الإمام طائفة ولم تفعل لحقها الوعيد الآتي- أيضًا- وهو: [٢٦/ب]
_________________
(١) = حديثًا. مات (سنة ٣٤هـ). (ابن حبيب- المحبر: ٢٧٠، ابن حجر تهذيب: ٥/ ١١١، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٢٥٨).
(٢) هو: أبو بكر، عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري الصنعاني، من حفاظ الحديث الثقات، من أهل "صنعاء"، كان يحفظ نحوًا من سبعة عشر ألف حديث، له "الجامع الكبير" و"كتاب: تفسير القرآن". مات (سنة ٢١١هـ). (ابن خلكان- وفيات: ١/ ١٢٦، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٣٥٣).
(٣) أبو أمامة: صدى بن عجلان بن وهب الباهلي. صحابي كان مع علي بن أبي طالب في "صفين"، له في الصحيحين ٢٥٠ حديثًا، آخر من مات من الصحابة بالشام (سنة ٨١هـ). (ابن الجوزي- صفة الصفوة: ١/ ٣٠٨، ابن حجر- تهذيب: ٤/ ٤٢٠، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٢٠٣).
(٤) أخرجه أحمد في "مسنده": ٥/ ٣١٩، عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت. والبيهقى في "سننه": ٩/ ١٠٤، "كتاب السير" "باب: إقامة الحدود في أرض الحرب، وهو طرف من رواية طويلة عن عبادة بن الصامت. وابن حبان في "مورد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي": ٤١٠. "كتاب: المغازى" "باب: في غنيمة بدر وغيرها" وهو طرف من رواية طويلة عن عبادة بن الصامت. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد": ٥/ ٢٧٢، "كتاب الجهاد" "باب: فضل الجهاد"، وقال: (رواه الطبراني، في الأوسط، وفيه عمرو بن الحصين وهو متروك). والمتقي الهندي في "منتخب كنز العمّال": ٢/ ٢٦٦.
[ ٢٠٦ ]
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوةا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَةا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَةا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِةادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ﴾ ١ أي: عقوبة عاجلة، أو آجلة ٢.
قال في "الكشاف": (هذه آية شديدة لا ترى أشدّ منها، كأنها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين) ٣ اهـ.
فهذا الوعيد: لاحق للإمام إذا لم يعيّن، ولاحق للرعيّة إذا عيّن ولم يفعلوا.
وقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ إلى قوله: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٤.
قال المفسّرون: (هذا سخط عظيم على المتثاقلين ٥، حيث وعدهم بعذاب أليم مطلقًا يتناول عذاب الدنيا والآخرة- أي: عذاب الدنيا باستيلاء العدوّ عليهم ونحوه، وعذاب الآخرة بالنار- وأنّه يهلكهم ويستبدل قومًا آخرين غيرهم) ٦.
فهذا الوعيد أيضًا: لاحق للإمام إذا لم يعيّن، ولاحق للرعيّة إذا عيّن ولم يفعلوا.
فقوله- تعالى-: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إذا قال الله للأئمة: انفروا بلا واسطة، وقال للرعية: انفروا بواسطة الإمام.
_________________
(١) سورة التوبة / آية ٢٤، وتمامها: ﴿وَاللَّهُ لَا يَةدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
(٢) قاله الزمخرشي في "الكشاف": ٢/ ٢٥٧، وعزاه إلى الحسن. ونقله القرطبي في "الجامع لأحكام القرآان ": ٨/ ٩٦.
(٣) أنظر: الزمخشري- الكشاف: ٢/ ٢٥٧.
(٤) سورة التوبة / آية ٣٨ - ٣٩، وتمامها: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
(٥) في "ب" (الثاقلين) وهو خطأ.
(٦) أورده الزمخشري في "الكشاف": ٢/ ٢٧١.
[ ٢٠٧ ]
فخطابه- تعالى- للأئمة بلا واسطة، وخطابه للرعية بواسطة الإمام، فالكلّ يلحقه الوعيد المذكور بمخالفة ما أمر به.
قال القرطبي في تفسيره: (التثاقل عن الجهاد مع إظهار الكراهية حرام).
قال: الإمام إذا عيّن قومًا وندبهم إلى الجهاد لم يكن لهم أنْ يتثاقلوا عند التعيين، ويصير بتعيينه فرضًا على كل من عيّنه) ١ اهـ.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّةلُكَةِ﴾ ٢.
قيل: (التهلكة هي: الكفّ عن الغزو والجهاد، والإنفاق فيه، لأن [٢٧/أ] الكفّ يقوّي العدوّ، ويتسلّط عليكم، فيفسد عليكم دينكم ودنيام) ٣.
والوعيد شامل للإمام ابتداء، وللرعية انتهاء- كما مرّ-.
وقال- تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ إلى قوله: قُلْ نَارُ جَةنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ٤.
قال ابن النحاس ٥: هذه الآية: (وإنْ كانت في أقوام بأعيانهم، ففيها التهديد لمن فعل كفعلهم، وتخلّف كتخلّفهم، وناهيك بذلك وعيدًا فضيعًا).
_________________
(١) أنظر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": ٨/ ١٤٢، وزاد عليه: (فاما من غير كراهة فمن عينه النبي - ﷺ - حرم عليه التثاقل وان أمن منهما فالفرض فرض كفاية، ذكره القشيري).
(٢) سورة البقرة / آية ١٩٥، وتمامها: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّةلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
(٣) قاله الزمخشري في "الكشاف": ١/ ٢٣٧، والبيضاوي في "تفسيره": ٤٤.
(٤) سورة التوبة / آية ٨١، وتمامها: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَةنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾.
(٥) هو: أبو جعفر أحمد بن محمد المرادي، المصري: المفسر، الأديب، كان من نظراء "نفطويه" و"ابن الأنباري". من كتبه: "تفسير القرآن" و"إعراب القرآن" و"تفسير أبيات سيبويه". مات بمصر (سنة ٣٣٨هـ). (ابن كثير- البداية والنهاية: ١١/ ٢٢٢، السيوطى- بغية الوعاة:١/ ٣٦٢، الداودي- طبقات المفسرين:١/ ٦٧ - ٧٠).
[ ٢٠٨ ]
وأخرج الطبراني: عن أبي بكر الصديق﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما ترك قوم الجهاد، إلاّ عمّهم الله بالعذاب" ١ اهـ.
فأطلق في العذاب، فيتناول: الدنيوي ما والأخروي- كما مرّ- والوعيد لاحق الإمام والرعية أيضًا- كما مرّ- إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تحصى.
فقد علمت من هذا كلّه!: أنّ الله﵎- قد أكّد الوعيد، وأوعد بالعذاب الشديد، كل من أعرض عن الجهاد، وشغله عنه الاهتمام بأمر ٢ الأزواج والأولاد، وأبدى القرآن الكريم ما فيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
وإذا تقرر هذا تبيّن لكم- أيّدكم الله-!: حكم ما أشرتم إليه في السؤال من قولكم: (فهل يعاقبون الخ؟).
إذ لا إشكال في عقاب المتخلف عن النفير بعد التعيين- كما رأيته- دنيا وأخرى.
فحينئذ فإنْ أظهروا الميل للعدوّ والكافر، وتعصّبوا به: فيقاتلون قتال الكفّار، ومالهم فيء.
وقد سُئِلَ الإمام سيدي: أحمد بن زكري ٣: عن قبائل من العرب امتزجت أمورهم مع النصارى، وصارت بينهم محبّة، حتى أنّ المسلمين: إذا أرادوا الغزو،
_________________
(١) أورده المنذري في "الترغيب والترهيب": ٢/ ٣٣١، "كتاب: الجهاد" "باب: الترهيب من أن يموت الإنسان ولم يغزو ولم ينو الغزو"، وقال: (رواه الطبراني بإسناد حسن).
(٢) في "ب" و"ج" و"د" (بأمور).
(٣) وهو: أحمد بن زكري، الفقيه، الأصولي، البياني، من أهل تلمسان، تتلمذ على يد العلاّمة "ابن زاغو"، من كتبه: "مسائل القضاء والفتيا" و"بغية الطالب في شرح عقيدة ابن الحاجب". "وشرح الورقات لإمام الحرمين" في أصول الفقه. مات (سنة ٨٩٩هـ). (الونشريسي- وفيات الونشريسي من كتاب: "ألف سنة من الوفيات": ١٥٣، مخلوف- شجرة النور: ٢٦٧، الزركلي- الأعلام: ١/ ٢٣١).
[ ٢٠٩ ]
أخبر هؤلاء القبائل النصارى، فلا يجدهم المسلمون إلاّ متحذرين متهيّبين- والفرض أنّ المسلمين لا (يتوصّلون) ١ إلى الجهاد إلاّ من بلاد هؤلاء القبائل-[٢٧/ب] وربما قاتلوا المسلمين مع النصارى.
ما حكم الله في دمائهم، وأموالهم؟ وهل ينفون من البلاد؟ وكيف إنْ أبوا من النفي إلاّ بالقتال؟.
فأجاب﵀- بقوله ما نصّه: (ما وصف به القوم المذكورون: يوجب قتالهم كالكفار الذين تولّونهم، ومن يتولّ الكفّار فهو منهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢ اهـ.
وأمّا: إنْ لم يميلوا إلى الكفّار، ولا تعصّبوا بهم، ولا كانوا يخبرونهم بأمور المسلمين، ولا أظهروا شيئًا من ذلك، وإنّما وجد منهم الامتناع من النفير فإنّهم: يقاتلون قتال الباغية ٣ - وسيأتي الكلام عليها في المسألة الأخيرة من مسائل السؤال- والله أعلم.
_________________
(١) في "الأصل" (يتوصل) والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
(٢) سورة المائدة / آية ٥١، وتمامها: ﴿إِنَّ اللَّة لَا يَةدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
(٣) في "ب" (الباغين).
[ ٢١٠ ]
الفصل الثاني
فيما ينبغي للإمام فعله قبله، وفيمن يجب استنفاره
من الرعية، وكيفية التدريب للحروب ١ وذكر
مكائد بها يظفر ٢ الإمام بالمرغوب
ــ
اعلم: أنّه ينبغي للإمام قبل الاستنفار: أنْ يأمرهم بتقديم عمل صالح من صدقه، أو صيام، وردّ مظلمة، وصلة رحم، كما كان يفعل عمر﵁ - ويقول: "إنّما تقاتلون بأعمالكم" ٣.
ثم اعلم: أنّ الله تعالى قرن النصر بالصبر، فقال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٤ وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ٥.
وقال: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ﴾ ٦، وقال: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّة مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٧.
_________________
(١) في "ب" (للرعية).
(٢) في "ب" (ليظفر).
(٣) نقله الطرطوشي في "سراج الملوك ": ١٧٤، "باب: في ذكر الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها".
(٤) سورة الأنفال/ جزء من آية: ٦٥.
(٥) سورة آل عمران/ آية ١٢٠، وتمامها: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِةا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّة بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
(٦) سورة الأنفال/ آية ٤٥، وتمامها: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّة كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
(٧) سورة البقرة/ آية ١٥٣، وتمامها: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّة مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
[ ٢١١ ]
قال الحرالّى ١ - بعد كلام-: (فمن لم يتحمّل الصبر الأول على الجهاد، أخذ بأمور هي بلايا في باطنه تجاوزها الخطاب، فانعطف عليها، قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ ٢، فالجوع: فراغ الجسم عمّا به [٢٩/أ] قوامه، لفراغ النفس عن الأمان الذي هو لها قوام، فأفقدها القوامين في ذات نفسها بالخوف، وفي بدنها بالجوع لمّا لم تصبر على كدّ الجهاد، وقد كان ذلك الصبر عليه أهون من الصبر على الخوف والجوع.
وإنما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف، حيث خافوا الأعداء على أنفسهم فجاؤوهم إلى مواطنهم- فمن لم يمش إلى طبيبه ليستريح جاء الطيبيب لهلاكه- وشتّان بين خوف الغازي ٣ للعدوّ في قصره وبين المحصر ٤ في أهله، وكذلك شتّان بين أرزاق ٥ المجاهد وتزوّده" - " وخير الزاد التقوي- " ٦ في
_________________
(١) في جميع النسخ (المحرالي) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وهو: أبو الحسن، علي بن أحمد بن الحسن الحرالي التجيبي: المفسر، المغربي، الصوفي، أطال "الغبريني" في الثناء عليه وإراد أخبارة، وقال: (ما من علم إلاّ له فيه تصنيف)، وقال الذهبي: (كان فلسفي التصوّف، ملأ تفسيره بحقائقه ونتائج فكره وزعم أنّه يستخرج من علم الحروف وقت خروج الدجال) من كتبه: "مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل" و"المعقولات الأول" في المنطق، و"الوافي" وغيرها. مات بحماة (سنة ٦٣٨هـ). (الغبريني- عنوان الدراية: ٨٥ - ٩٧، الذهبي- ميزان الاعتدال: ٢/ ٢١٨، المقري- نفح الطيب: ١/ ٤١٧، الزركلي- الأعلام: ٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧، وجاء في هامشه: وقد وردت نسبته في كثير من المصادر بلفظ "الحراني" وهو تصحيف).
(٢) سورة البقرة / آية ١٥٥، وتمامها: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
(٣) أي: المجاهد الذي يغزو الأعداء في عقر دارهم، والذي ربما تنتابه هواجس الخوف من الأعداء عندما يشتدّ الوطيس.
(٤) هو: المحاصر الذي ضيّق عليه الأعداء، وأحاطوا به في عقر داره. (الرازي- مختار الصحاح: ١٠٦).
(٥) في "الأصل" (ازارة) والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
(٦) أورده الزبيدي في "اتحاف السادة المتقين بشرح أحياء علوم الدين": ٨/ ٤٤٨، وعزاه للبيهقي من طريق الثوري عن ابن عباس، بزيادة: "ورأس الحكمة مخافة الله ﷿". =
[ ٢١٢ ]
سبيله لجهاده وبين جوع المتحلّف في عيلته ١.
فالمجاهد: آمن في جيشه، متزوّد في رحله، غانم من عدوّه. والمتخلّف: خائف في أهله، جائع في عيلته، ناقص المال من ذات يده) اهـ.
(وهذا) ٢ الوعيد لاحق للإمام والرعية: فالإمام يلحقه ذلك إذا غفل ولم يجبر الناس على الجهاد والاستعداد، والرعية يلحقها ذلك إذا أمرهم ولم يمتثلوا.
وإذا تقرر أنّ النصر مقرون بالثبات والصبر، فيخرج منه: أنّه لا يستنفر إلاّ من كان فيه نجدة الصبر، فلتكن همّة الإمام مصروفة لاستنفار الشجعان والأبطال، لأنهم المتّصفون بالصبر للقتال، فيعينهم للخروج مع غيرهم وليكثر منهم- ولا عليه أن يكثروا- ويقربهم إليه بالمنزلة والمكانة، ويوسر إليهم، ويعدهم وعدًا جميلًا، ويقوّي أطماعهم في أن ينالوا ما عنده من الهبات الفاخرة، والولايات السّنية ٣، ويجعلهم مقدمة ٤ الجيش.
فقد قالت الحكماء: (أسد يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد) ٣.
_________________
(١) = والعجلوني الجرّاحي في "كشف الخفاء ومزيل الألباس عمّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس": ١/ ٤٧٣، وقال (رواه العسكري عن زيد بن خالد رفعه في حديث، ورواه أبو الشيخ عن ابن عباس مرفوعًا بزيادة "وخير ما ألقي في القلب اليقين"، وعن عقبة بن عامر كما سيأتي في ("رأس الحكمة": ١/ ٥٠٧)، فيتقوّى، بل صريح القرآن شاهد له.
(٢) أهل بيت الرجل الذين ينفق عليهم. (المعجم الوسيط: ٢/ ٦٤٤).
(٣) في "الأصل" (وهكذا) وما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د" مناسب للسياق.
(٤) من: السّنّي: أي: الرفيع، وأسناه: رفعه. (الرازي- مختار الصحاح: ٢٥٢).
(٥) المقدمة: هي: قطعات الحماية الأمامية، وجحفل مؤلف من جميع الصنوف تقسم إلى نفيظة وطليعة، تخرج من القسم الأكبر لحمايته وللحصول على المعلومات عن العدوّ وعن الأرض، ولمنع العدوّ من الحصول على المعلومات، ولحماية القسم الأكبر من مباغتة العدوّ. (أنظر: شيت خطاب- المصطلحات العسكرية: ٢/ ٥٩٥ - ٥٩٦، فتحي أمين- المصطلحات العسكرية: ٤٩٧).
(٦) نقله الطرطوشي في "سراج الملوك": ١٧٤ "باب: في ذكر الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها"، وعزاه إلى حكماء العجم.
[ ٢١٣ ]
قال الإمام الطرطوشي: (لا ينبغي أن يقدّم على الجيش أو يأخذ الألوية ١ إلاّ الرجل ذو البسالة والنجدة والشجاعة) ٢. [٢٨/ب]
ولله درّ قائل:
("وَالنَّاسُ أَلْفٌ مِنْهُمْ كَوَاحِدٍ وَوَاحِدٌ كَالْأَلْفِ إِنْ أَمرٌ عَنَّا") ٣
وإذا كان الواحد كالألف: فإذا ٤ رأي الإمام في قومه وجيشه عددًا ٥ ممّن هذه أوصافه فذلك ٦، وإلاّ "ردّ الغنم للزريبة" ٧، ولذا قالوا: (يجب على الإمام: أن
يهتمّ بأمور الجهاد، فيأمر كل قبيلة: بتعليم الحروب، والتدريب).
وإن رأي: أن يعيّن من كل قبيلة مائة أو أكثر، تتعلم الحروب والتدريب مهيئة نفسها لكلمة الأمير، وتكون تلك المائة: من الوجوه الذين لا يولّون الأدبار، وعند كل خمسة أشهر ونحوها ٨، يأمرهم بالضرب بين يديه بمرأي منه، فمن رآه ٩ منهم كثير الإصابة والتدريب أحسن إليه وقرّبه لديه، وهكذا حتى يعرف من كل قبيلة أبطالها وشجعانها، فيعيّنهم حينئذ للأسفار الأمثل فالأمثل.
ومن وجده من القبائل لم (يعتن) ١٠ بما أمره به: من تعلّم الحروب أهانها
_________________
(١) جمع لواء: وهو العلم الصغير (ابن العنابي- السعي المحمود في نظام الجنود: ١١٥).
(٢) أنظر: الطرطوشي في "سراج الملوك": ١٧٤، "باب: في ذكر الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها".
(٣) المصدر السابق: ١٧٥، "باب: في ذكر الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها"، ولم يذكر قائله. وابن العنابى في "السعى المحمود في نظام الجنود: ١٦٣، وعزا نقله "للطرطوشي".
(٤) في "ب" (فسان).
(٥) في "الأصل" (عدد) والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
(٦) ساقطة من "ب" و"ج" و"د".
(٧) نقله الطرطوشي في "سراج الملوك": ١٧٤.
(٨) في "ج" (أونحوها) وفي "ب" (أو أكثر).
(٩) في "ج" (رأي).
(١٠) ٠ - في "الأصل" (يتعين) والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
[ ٢١٤ ]
وأهان قائدها، ولامهم على مخالفة أمره، ولا يتّكل في اختبارهم على غيره فينتظم الأمر حينئذ.
فإذا احتاج الأمير إلى إقامة جيش لفجىء العدوّ ونحوه، أقامه في ساعة واحدة من الأبطال، لأنّهم مكتوبون عنده في الديوان ١ من كل قبيلة، ولا يحتاج حينئذ إلى فريضة الحراك، لأنّهم إذا وكّلوا لغرضهم لا يحركون إلاّ أوباش ٢ الناس، الذين إذا قابلوا العدوّ ولّو الأدبار، فيفسد الأمر، ويختلّ الملك، وربما كانوا لا يفترضون ٣ الحركة إلاّ بعد انتهاز العدوّ في المسلمين الفرصة.
(ولما تقابل بعض أمراء ٤ الأندلس، مع الطاغية (ابن ردمير) ٥، قال الطاغية- لمن يثق بعقله، وممارسته للحروب من رجاله-: "استعلم لي من في عسكر المسلمين من الشجعان الذين نعرفهم كما يعرفوننا، ومن غاب منهم، [٢٩/أ] ومن حضر "فذهب، ثم رجع، فقال: "فيهم فلان وفلان حتى (عدّ) ٦ سبعة رجال".
قال: " (انظر) ٧ الآن من في (عسكري) ٨ من الرجال المعروفين بالشجاعة،
_________________
(١) هو: مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطيّة، وأول من وضعه: عمر بن الخطاب ﵁. (ترتيب القاموس المحيط: ٢/ ٢٣٧).
(٢) أي: الأخلاط، مثل "الأوشاب"، وقيل: هو جمع مقلوب من: البوش. (الرازي- مختار الصحاح: ٥٦٠).
(٣) في "ب" (يفرضون).
(٤) هو: المستعين بالله: سليمان بن محمد بن هود مولى أبي حذيفة الجذامي، مؤسس دولة آل هود بالأندلس، وتقابل مع هذا الطاغية في مدينة "وشقة" من ثغور بلاد الأندلس. (مات سنة ٤٣٨هـ). أنظر: ابن عذارى- البيان المغرب: ٣/ ٢٢١ - ٢٢٤، والطرطوشي- سراج الملوك: ١٧٥، والزركلي- الأعلام: ٣/ ١٣٢.
(٥) في "الأصل" (ابن زدمير) وكذلك في "ب"، وما أثبتناه من "ج" قد ثبت في "البيان المغرب" لابن عذارى: ٣/ ٢٢٣، وفي "سراج الملوك" للطرطوشي: ١٧٥، "ابن ردميل" وجاء في نسخة أخرى منه: ٣٠٢ "ابن روميل النصراني".
(٦) ساقطة من "الأصل" والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٧) في "الأصل" (أنظروا) وما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د" قد ثبت في "سراج الملوك ".
(٨) في "الأصل" (عسركم) والصواب ما أثبتناه.
[ ٢١٥ ]
ومن غاب منهم "فعدّوهم، فوجدوهم ثمانية لا يزيدون، فقام الطاغية ضاحكًا مسرورًا، وهو ١ يقول: "ما أبيضك من يوم".
ثم تناشبت الحرب، فلم تزل المضاربة ٢ بين الفريقين، ولم يولّ واحد منهم دبره، ولا عن مقامه، حتى (فنى) ٣ أكثر العسكرَين، ولم يفرّ واحد منهم، ولما كان وقت العصر حملوا على المسلمين، وداخلوهم مداخلة واحدة، ففرّقوا بينهم وهزموهم.
فليعتبر ذو ٤ العزم في البصيرة، ببشرى الطاغية بالنصر والغنيمة، لما زاد في أبطاله رجل واحد) اهـ بنقل الطرطوشي ٥.
وذكر بعض المؤرخين: (أن بعض أمراء الأندلس الذين استحكموها إثر فتحها كان يقاتل عدوّه، وأمّر على طائفة من جيشه ولده، فوقعت الهزيمة على ناحية ولده، فجاء الأمير لولده بسيفه يقطر دمًا ليقتله، وهو يقول: (هلاّ صبرت حتى قتلت وسلّمت، ولا تأتيني بالذلة والهزيمة" فما ردّه خواصه عن قتل ولده إلاّ بمشقّة.
فلما رأي عمّاله ما فعل بولده، قالوا: "هذا ما فعل بولده، فكيف بنا! " فلم ينهزهم أحد من عمّاله بعد).
فتهديد العمّال وتوعّدهم بالقتل إن انهزموا، من مكائد الحرب.
وذكر الموّاق﵀-: (أنّ عثمان ٦ - ﵁- أمّر-: ابن أبي
_________________
(١) ساقطة من "ب".
(٢) في "سراج الملوك للطرطوشي" (المصابرة).
(٣) في "الأصل" (أفنى) وكذلك في "ب"، وما أثبتاه من "ج" و"د" قد ثبت في "سراج الملوك".
(٤) في"ب" و"ج" و"د" (ذوو).
(٥) نقله الطرطوشي في "سراج الملوك": ١٧٥ - ١٧٦، "باب: في ذكر الحروب ومكائدها". وابن العنابي في "السعي المحمود في نظام الجنود": ١٦٣ - ١٦٤، وعزا نقله للطرطوشي.
(٦) عثمان بن عفان، أمير المؤمنين ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين. قتل (سنة ٣هـ). (ابن حبيب- المحبر: ٣٧٧، ابن الجوزي- صفة:١/ ١١٢، الزركلي- الأعلام: ٤/ ٢١٠).
[ ٢١٦ ]
سرح ١ على غزوّ افريقية" ٢، وكان الطاغية "جرجير" يملك من "طرابلس" ٣ إلى "طنجه" ٤، فهاله ٥ أمر العرب لما نزلوا به، فتحيّل: أن زيّن بنتا له كانت بارعة الجمال، وقال لجيشه: "أتعرفون هذه" قالوا: "نعم، سيدتنا، وبنت سيّدنا"
قال الملك جرجير: [٢٩/ب] "- وحق المسيح، ودين النصرانية- لا قتل أحد منكم ابن أبي سرح- أمير العرب- إلاّ زوجتها له، وسقت لها جميع ما معها من الحليّ، والحلل، والجواري! ".
فحرّض بذلك شجعان الروم تحريضًا شديدًا، فبلغ ذلك لابن أبي سرح، فأخبر من معه من المسلمين: بمقالة "جرجير"، ثم قال لهم: "- والله- لا قتل منكم رجل "جرجير" إلاّ نفلته ابنته، وما معها! ".
فانتدب أناس فيهم: عبد الله بن الزبير ٦ - ﵁- وهو: ابن بضع
_________________
(١) هو: عبد الله بن سعد أبي سرح القرشي العامري: صحابي جليل، وفارس بني عامر، أسلم قبل فتح مكة، وكان من كتاب الوحي للنبي - ﷺ - فتح افريقية، وغزا الروم بحرًا، وظفر بهم في معركة "ذات الصواري" مات "بعسقلان" فجأة وهو قائم يصلي (سنة ٣٧هـ). (ابن الأثير- أسد الغابة: ٣/ ١٧٣، ابن كثير- البدابة: ٧/ ٢٥٠، السلاوي- الاستقصا:١/ ٣٥، الزركلي- الأعلام: ٤/ ٨٨ - ٨٩).
(٢) سمّيت "افريقية": بافريقيس بن أبرهة، وقيل: أنه لما غزا المغرب انتهى إلى موضع واسع رحيب كثير الماء، فأمر أنْ تبنى هناك مدينة فبنيت وسمّاها بأفريقية، اشتق اسمها من اسمه، ثم نقل إليها الناس، ثم نسبت تلك الولاية بأسرها إلى هذه المدينة، وفتحت عنوة في خلافة عثمان بن عفان (سنة ٢٩هـ). (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ١/ ٢٢٨).
(٣) وهي طرابلس الغرب، مدينة تقع على شاطيء البحر، يحيطها سور صخري جليل البنيان. ذكر اللّيث بن سعد: (غزا عمرو بن العاص طرابلس (سنة ٢٣هـ)، وحاصرها شهرين لا يقدر منهم على شيء ثم دخلها بجيشه وهزم الروم وغنم ما كان فيها. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ٤/ ٢٥).
(٤) هي: بلد على ساحل بحر المغرب مقابل الجزيرة الخضراء وهو: من البر الأعظم وبلاد البربر، ينسب إليها: "عبد الملك بن سنجون اللواتي الطنجي"، وكان من فصحائها وكبار علمائها. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ٤/ ٤٣).
(٥) أي: أفزعه، وبابه: قال. (الرازي- مختار الصحاح: ٥٥٦).
(٦) أبو بكر، عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي: فارس قريش في زمنه، شهد فتح =
[ ٢١٧ ]
وعشرين سنة، فتحيّلوا، وحملوا حتى شقّوا الصفوف، وظفروا "بجرجير"، فقتلوه، وانهزم الكفّار، وتنازعوا في قتل "جرجير"، فقالت البنت: "أنا أعرف قاتل أبي" فأمر ابن أبي سرح: أنْ يمرّ الجيش بين يديها، وهي تنظر حتى مر ابن الزبير، قالت: "هذا- والمسيح- هو: الذي قتل أبي، فقال ابن أبي سرح، لابن الزبير: "كتمتنا" قال: "قد علم الله (الذي) ١ قتله له- يعني: لم أقتله إلاّ لله- لا لما وعدت به من التنفيل" قفال ابن أبي سرح: "إذن- والله- أنفلك ابنته" فنفله إياها، وما معها، واتخذها أم ولد) ٢ اهـ.
فانظروا- أيّدكم الله-!: كيف كانت راحة المسلمين في انتداب هؤلاء الأبطال لقتله، ووفاء أميركم بوعده!.
قال المواق أيضًا: (ذكر) صاحب "عيون الأخبار" ٣ أن "مسلمة" ٤ حاصر
_________________
(١) = افريقية زمن عثمان، بويع له بالخلافة (سنة ٦٤هـ)، وكان من خطباء قريش المعدودين، وأول من ضرب الدراهم المستديرة، له في كتب الحدبث ٣٣ حديثًا، وكانت له مع الأمويين وقائع هائلة انتهت بمقتله (سنة ٧٣هـ). (ابن الأثير- الكامل: ٤/ ١٣٥، ابن الجوزي- صفة:١/ ٣٢٢، البكري- تاريخ الخميس: ٢/ ٣٠١، الزركلي- الأعلام: ٤/ ٨٧) ..
(٢) ساقطة من "الأصل" والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٣) نقله الموّاق في "التاج والأكليل لشرح مختصر خليل": ٣/ ٣٧٣ ٣٧٤، "كتاب: الجهاد" وعزا نقله لصاحب كتاب "معارف الأشواق".
(٤) "عيون الأخبار" للشيخ الإمام أبي محمد، عبد الله بن مسلم، المعروف بابن قتيبة، الدينوري، النحوي، الأدبي، من المصنفين المكثرين، وكتابه هذا قد طبع، وهو كبير مشتمل على أبواب كثيرة، تجتمع في عشرة كتب وهى: كتاب السلطان، والحرب، والسؤدد، والطبائع، والأخلاق، والعلم، والزهد، والاخوان، والحوائج، والطعام، والنساء. وذكر: أنّه صنفه في الأدب والمحاضرات دالًا على معالي الأمور، مرشدًا لكريم الأخلاق، زاجرًا عن الدناءة والقبح، باعثًا على الصواب والتدبير، ورفق السياسة). ومن كتبه- أيضًا-: "تأويل مختلف الحديث" و"أدب الكتاب" وغير ذلك. مات ببغداد (سنة ٢٧٦هـ). (السيوطي- بغية الوعة: ٢/ ٦٣ - ٦٤، حاجي خليفة- كشف الطنون: ٢/ ١١٨٤، الزركلي- الأعلام: ٤/ ١٣٧).
(٥) هو: مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم: الأمير، القائد، من أبطال عصره، من بني أميّة في دمشق، له فتوحات مشهورة منها "غزو القسطنطنية" و"الترك" و"السند" قال =
[ ٢١٨ ]
حصنًا من حصون الكفّار، وندب الناس للدخول من نقب ١ هناك، فما دخله أحد، فجاء رجل من عرض الجيش، فدخله، ففتحه الله عليهم، فنادى "مسلمة": "اين صاحب النقب؟ "فما جاء أحد، فنادى: "اني عزت عليه أنْ يأتي" فأتى رجل وقال: "صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثًا: أنْ لا تجعلوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوا عمّن هو! ".
فقال "مسلمة": "ذلك له" فقال: "أنا هو" [٣٠/أ] فكان مسلمة لا يصلّي صلاة إلاّ قال: "اللهمّ إجعلني مع صاحب النقب") ٢ اهـ.
وذكر الإمام الطرطوشي- في "سراجه"-: (أن القدماء قالوا: للكثرة الرّعب، وللقلّة النصر، فالكثرة أبدًا يصحبها الإعجاب ومع الإعجاب الهلاك. وفي الحديث: "خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا ٣ أربعمائة، وخير الجيش أربعة آلاف، ولن يغلب جيش بلغ اثني عشر ألفًا من قلّة" ٤ فالكثرة
_________________
(١) = الذهبي: (كان أولى بالخلافة من سائر إخوته). مات (سنة ١٢٠هـ). (ابن حجر- تهذيب: ١٠/ ١٤٤، الزركلي- الأعلام: ٧/ ٢٢٤).
(٢) أي: من ثقب، وجمعه: أنقاب، ونقاب، ونقبت الحائط، أي: خرقته. (الفيومي- المصباح المنير: ٢/ ٣٣٠، الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٤/ ٤٢٠).
(٣) أنظر ابن قتيبة في "عيون الأخبار": ١/ ١٧٢، "باب: في أخبار الشجعاء والفرسان وأشعارهم". والموّاق في "التاج والإكليل في شرح مختصر خليل": ٣/ ٣٧٤.
(٤) مفرده: "سريّة" وهي: قمة عسكرية للمشاة والخيّالة والدروع والمخابرة والهندسة والنقلية. يقال: سرية مشاة، وسرية خيالة وسرية مدرعات، وسرية دبابات، وسرية ناقلات. (شيت خطاب- المصطحات العسكرية: ٣٦١).
(٥) أخرجه أحمد في "مسنده": ١/ ٢٩٩، عن ابن عباس. والبيهقي في "سننه": ٩/ ١٥٦، "كتاب السير" "باب: ما يستحب من الجيوش والسرايا". وأبو داود في "سننه" أنظر: "عون المعبود في شرح سنن أبي داود": ٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩. "كتاب الجهاد" "باب: في ما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا"، وقال: (والصحيح أنه مرسل). والهيثمى في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد": ٥/ ٢٥٨، ٣٢٧ "كتاب الجهاد" "باب: =
[ ٢١٩ ]
يلزمها الإعجاب. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ (شَيْئًا) ١﴾ ٢.
(قال) ٣: (قال بعض الحكماء: وقد جمع الله لنا آداب الحرب، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّة كَثِيرًا إلى قوله: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّة مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٤ ٥، فدلّت هذه الآية: على أن النصر مقرون بالصبر.
قال: (ورأيت غير واحد ممّن ألّف في الحروب: يكره رفع الصوت بالتكبير،
_________________
(١) = المرافقة" و"باب الصبر عند القتال" مع زيادة، من قلّة إذا صدقوا وصبروا" وعزاه لأبي داود والترمذي. وأورده الزبيدي في "اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين": ٦/ ٣٩٩. والشوكاني في "نيل الأوطار": ٧/ ٢٣٥، "باب: ترتيب السرايا والجيوش"، وقال: (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن).
(٢) سورة التوبة / آية ٢٥، وتمامها: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.
(٣) أنظر الطرطوشي في "سراج الملوك": ١٧٩، "باب: في ذكر الحروب ومكائدها وحيلها وأحكامها".
(٤) أي الطرطوشي، وهي ساقطة من "الأصل" وكذلك من "ب"، والإضافة من "ج".
(٥) سورة الأنفال / آية ٤٥، تقدم تخريجها: ٣٠٢، وآية ٤٦ وتمامها: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّة وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْةبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّة مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
(٦) أنظر الطرطوشي في "سراج الملوك ": ١٧٧ "باب: ذكر الحروب ومكائدها وحيلها". ونقله- أيضًا- ابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": ١/ ١٦٧، "في مكائد حصار المدن والحصون" وعزاه لكتاب، محاسن البلاغة للتدميرى". ثم قال: (قال صاحب "مشارع الأشواق" من متأخري المشارقة- هو محيي الدين أحمد بن ابراهيم الدمشقي-: "ولقد صدق هذا القائل فإن الله تعالى أمر المقاتلين فيها بخمسة أمور، ما اجتمعت في فئة إلاّ نصرت، وإن قلّت، وكثر عدوّها، وهي: الثبات وكثرة ذكر الله، وطاعة الله ورسوله، وعدم التنازع الموجب للفشل والوهن، فإنّهم إذا اجتمعوا كانوا كالحزمة من السهام، لا يستطاع كسرها جملة فإذا تفرّقت سهل كسرها سهمًا سهمًا. الخامسة: الصبر وهو ملاذ الأمر والنصر سببه، ومتى فقد شيء من ذلك نقص من النصر بحسبه).
[ ٢٢٠ ]
ويقولون: يذكر الله في نفسه) ١.
قال ٢: (قال عتبة بن ربيعة ٣ - يوم بدر-٤ لأصحابه-: ألا ترون أصحاب محمد - ﷺ - جثيًّا ٥ على الركب، كأنهم خرس يتلمّظون ٦ تلمّظ الحيّات) ٧.
قال: (وبينما المنصور بن (أبي) ٨ عامر ٩ - في بعض غزواته-: إذ وقف
_________________
(١) أنظر نفس المصدر السابق. وقال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّة كَثِيرًا﴾: (قال قتادة: افترض الله- جلّ وعزّ ذكره- على عباده، أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف وحكم هذا الذكر أن يكون خفيًّا، لأن رفع الصوت في مواطن القتال رديء مكروه إذا كان الذاكر واحدًا، فأنَّا إذا كان من الجميع عند الجملة فحسن، لأنه يفتّ في أعضاد العدوّ، وروى أبو داود عن قيس بن عباد قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يكرهون الصوت عند القتال). (الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ٣٤).
(٢) أي الطرطوشي.
(٣) أبو الوليد، عتبة بن ربيعة بن عبد شمس: كبير قريش وأحد ساداتها في الجاهلية، موصوفًا بالرأي والحلم والفضل، خطيبًا، نافد القول، أول ما عرف عنه توسطه للصلح في حرب الفجّار (بين هوازن وكنانه)، أدرك الإسلام، وشهد بدرًا مع المشركين، وقاتل قتالًا شديدًا، فأحاط به عليّ بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث، فقتلوه (سنة ٢هـ) (ابن حبيب- المحبر: ١٧٥، الزركلي- الأعلام: ٤/ ٢٠٠).
(٤) ماء مشهور بين مكة والمدينة أسفل "وادي الصفراء" وإليه نسبت الوقعة المشهورة التي أظهر الله بها الإسلام وفرّق بين الحق والباطل في شهر رمضان (سنة ٢هـ). (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨).
(٥) جثى على ركبتيه يجثي جثيًّا، وجثا يجثو جثوًّا: أي جلس على ركبته. (الرازي- الصحاح: ٦٩، المصباح المنير: ١/ ١١٣).
(٦) لمظ الرجل يلمظ لمظًا، وتلمّظ زيد تذوق وتتبع بلسانه اللّماظة، والحيّة أخرجت لسانها. (البستاني- فاكهة البستاني: ١٣١٢).
(٧) أنظر الطرطوشي في "سراج الملوك ": ١٧٧، "باب: في ذكر الحروب ومكائدها وحيلها وأحكامها"، وأورده- أيضًا- ابن قتيبة في "عيون الأخبار": ٢/ ١٠٨، "كتاب الحرب" "آداب الحرب ومكائدها".
(٨) ساقطة من جميع النسخ، والإضافة من "سراج الملوك " ومن كتب التراجم.
(٩) هو محمد بن عبد الله بن عامر المعافري القحطاني، المعروف: بالمنصور بن أبي غامر: أمير =
[ ٢٢١ ]
من الأرض بمكان مرتفع، فرأى: جيوش المسلمين- بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن يساره- قد ملؤوا السهل والجبل، فالتفت إلى مقدم العسكر- وهو رجل يعرف: بابن المصحفي- ١ وقال له: كيف ترى هذا العسكر، أيها الوزير؟ "فقال له- ابن المصحفي-: "أرى جمعًا كثيرًا، وجيشًا واسعًا" قال له المنصور: "لا يعجزنا أن يكون في هذا الجيش ألف مقاتل، من أهل الشجاعة والبسالة"، فسكت ابن المصحفي، فقال المنصور: "ما سكوتك؟ أليس في هذا الجيش ألف مقاتل من الأبطال؟ " [٣٠/ب]
قال: "لا"، فتعجب المنصور!، ثم انعطف عليه، فقال: "أليس فيهم خمسمائة رجل؟ " قال: "لا"، قال: "أفيهم مائة رجل؟ " قال: "لا"، قال: "أفيهم خمسون؟ " قال: "لا"، فسبّه المنصور، واستخفّ به، وأمر به فأخرج على أقبح حال!.
فلما توسّطوا بلاد المشركين: اجتمعت الروم، وتصافّ الجمعان، فبرز علج ٢ من الروم- يكر ٣ ويمرّ- وهو ينادي: "هل من مبارز؟ "، فبرز له رجل من المسلمين، فتجاولا ساعة، فقتله العلج، ففرح المشركون، وصاحوا
_________________
(١) = الأندلس، في دولة المؤيد الأموي، قدم قرطبة طالبًا للعلم فبرع وتولّى القضاء في اشبيلية، وقام بشؤون الدولة لما مات المستنصر الأموي، وكان "المؤيد" صغيرًا، قال الذهبي: (كان المؤيد معه صورة بلا معنى). مات في احدى غزواته بمدينة سالم (سنة ٣٩٢هـ). (ابن الأثير- الكامل: ٩/ ٦١، المقري- نفح الطيب:١/ ١٨٩، الزركلي- الأعلام: ٦/ ٢٢٦).
(٢) هو: أبو الحسن، جعفر بن عثمان بن نصر، الحاجب المعروف: بالمصحفي، الوزير، الأديب، الأندلسي، الكاتب، ولي جزيرة "ميورقة" في أيام الناصر، وتصرّف في أمور الدولة في أيام هشام المؤيد، وقوى عليه المنصور بن أبي عامر فقتله وبعث بجسده إلى أهله (سنة ٣٧٢هـ) (المقري- نفح الطيب:١/ ٢٨١ - ٢٨٦، الزركلي- الأعلام: ٢/ ١٢٥).
(٣) العلج- بالكسر- الرجل من كفّار العجم، وجمعه: علوج وأعلاج. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط:٣/ ٢٩١).
(٤) يقال: كرّ الفارس: عاد مرة بعد أخرى. (شيت خطاب- المصطحات العسكرية: ٢/ ٦١٨).
[ ٢٢٢ ]
واضطرب لها المسلمون!، ثم جعل العلج يمرح بين الصفّين، وينادي: "هل من مبارز اثنين بواحد؟ "، فبرز إليه رجل من المسلمين، فتجاولا ساعة، فقتله العلج، وجعل يكرّرا ويحمل: "هل من مبارز ثلاثة بواحد؟ "، فبرز إليه رجل، فقتله العلج، فصاح المشركون، وذلّ المسلمون- وكادت أن تكون كسرة-!.
فقيل للمنصور: "ما لها غير ابن المصحفي " فبعث إليه: فحضر، فقال المنصور: "ألا ترى ما يصنع هذا العلج؟ " قال: "بعيني جميع ما جرى" قال: "فما الحيلة فيه؟ " قال: "وما الذي تريد؟ " قال: "تكفي المسلمين شرّه " قال: "نعم"، ثم قصد إلى رجال يعرفهم، فاستقبله رجل من رجال الثغور ٢ على فرس قد نشزت أوراكها هزالًا- وهو: يحمل قربة ماء بين يديه على الفرس، والرجل في نفسه وحليته: غير متصنّع، فقال له- ابن المصحفي-: "ألا ترى ما يصنع هذا العلج؟ " قال: "قد رأيته!، فماذا ترى فيه؟ " قال: "يزال رأسه الآن" قال: "نعم"، فلبس لأمة ٣ حربه، وبرز إليه، فتجاولا ساعة، فلم ير الناس إلاّ المسلم خارجًا إليهم يركض، ولا يدرون ما هنالك؟، فإذا الرجل: يحمل رأس العلج، فألقى الرأس بين يدي المنصور!، وقال ابن المصحفي له: "عن مثل هذا أخبرتك: بأنه ليس في عسكرك ألف، ولا خمسمائة، ولا مائة، ولا خمسون، ولا عشرون، ولا عشرة" [٣١/أ] فردّ ابن المصحفي إلى منزلته فأكرمه، وأكرم قاتل العلج) ٤ اهـ.
_________________
(١) في "ب" و"ج" و"د" (يكرّ) وما أثبتناه مناسب للسياق.
(٢) مفرده "ثعر" وهو: كل موضع قريب من أرض العدوّ، كأنه مأخوذ من الثغر، وهي الفرجة في الحائط، وهو في مواضع كثيرة، منها: ثعر الشام، وطرسوس، والمصيصة وغيرها. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ٢/ ٧٩ - ٨٠).
(٣) اللأمة- بالفتح- الدّرع، وجمعه: لأم ولؤم، والفارس لأمته لسمها. (البستاني- فاكهة البستاد: ١٢٧٥).
(٤) أورده الطرطوشي في "سراح الملوك ": ١٧٦ - ١٧٨، "باب: في ذكر الحروب ومكائدها وحيلها وأحكامها" وذكر أنه نقله من أستاذه: القاضي أبو الوليد الباجي.
[ ٢٢٣ ]
قال: وكذا وقع لرجل يقال له ابن فتحون ١: فإنه كان أشجع العرب والعجم، وكانت النصرانية تعرف شجاعته، وكان المستعين (أبو) ٢ المقتدر بالله ٣: يعظّمه لذلك، ويجرى له في كل يوم خمسمائة دينار، فحسده نظراؤه على كثرة العطاء- وما زالوا عليه- حتى غيّروه عليه.
فلما غزا المستعين بلاد الروم، فبرز علج وسط الميدان ٤، ينادي: "هل من مبارز؟ فبرز إليه رجل، فقتله العلج، ثم خرج إليه آخر فقتله، ثم آخر فقتله، فضجّ المسلمون، واضطربوا، ولم يقدر أحد من المسلمين: أن يخرج إليه، وبقي الناس في حيرة!.
فقيل للمستعين: "ما لها إلاّ ابن فتحون" فدعاه، وقال له: "أترى ما يصنع هذا العلج؟ " فقال: "هو بعيني" قال: "فما الحيلة فيه؟ " قال: "وما تريد؟ ". قال: "أن تكفي المسلمين شرّه"، فلبس ابن فتحون قميصًا واسع الأكمام، وركب فرسه بلا سلاح، وأخذ بيده سوطًا طويلًا، وفي طرفه عقدة، ثم برز إليه- فعجب النصراني منه! - وحمل كل منهما على صاحبه، فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن فتحون، فتعلّق ابن فتحون برقبة فرسه ونزل
_________________
(١) هو أبو الوليد ابن فتحون، فارس كان "بسرقسطة"، يقرب نسبه إلى الطرطوشي. (الطرطوشي- سراج الملوك: ١٨٠).
(٢) في جميع النسخ (ابن) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه كما هو ثابت في "سراج الملوك": ١٨٠.
(٣) هو أبو الفضل، العباس بن محمد بن أبي بكر بن سليمان، المستعين بالله، من خلفاء الدولة العباسية الثانية بمصر، بويع بالخلافة في القاهرة بعد وفاة أبيه (سنة ٨٠٨هـ)، أرسله "الأتابكي شيخ المحمودي" إلى سجن الاسكندرية بعد هزيمة الناصر، ومات بالطاعون (سنة٨٣٣هـ). أنظر: ابن إياس- بدائع الزهور: ١ - ٢/ ٧٤٧، ٢/ ١٣٠، البكري- تاريخ الخميس: ٢/ ٣٨٤، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٢٦٥).
(٤) أي- الساحة، يقال ميدان المعركة: ساحة المعركة والحرب. (شيت خطاب- المصطلحات العسكرية: ٢/ ٦٥١).
[ ٢٢٤ ]
إلى الأرض، ثم استوى على سرجه، وحمل عليه، فضربه بالسوط على عنقه، فالتوى على عنقه، وأخذه بيده من السرج، فاقتلعه، وجاء به نحو المستعين فألقاه بين يديه، فعلم المستعين: أنه أخطأ في صنعه معه، فأكرمه، وردّه إلى منزلته، وزاد في عطائه) ١.
ومن المكائد أيضًا: ما قاله ابن النحاس وغيره، قالوا: (أهمّ ما ينبغي لصاحب الجيش قبل القتال، أن يبثّ الجواسيس الثقات عنده في عسكر [٣١/ب]، عدوّه، ليتعرّف أخبارهم، وما عندهم من العدد والآلات، ويحرز أعدادهم، ويبحث عن أسماء رؤسائهم وشجعانهم، ويدسّ إليهم ويخدمهم بما تميل إليه طبائعهم، ليغدروا بصاحبهم أو يعتزلوه وقت القتال، ويكتب أخبارًا مزوّرة تطابق ما وصل إليه من الجواسيس، ويطرحها في جيش عدوّه على ما يقتضيه الحال، ولا يبخل بما يصرفه على ذلك، فإنه إن كانت النصرة له فلا يضرّه ما أنفق، وإن كانت عليه فلا ينفعه ما خلف) ٢.
ويروى: (أن أصحاب المهلّب ٣ حاصوا عليه، وقالوا: "لا طاقة لنا
_________________
(١) أنظر الطرطوشي في "سراج الملوك ": ١٨٠، "باب: ذكر الحروب ومكائدها وحيلها وأحكامها".
(٢) قال ابن الأزرق - في مكائد ما قبل القتال-: (المكيدة الأولى: وهي أهمّ ما يبدأ به قبل القتال، بثّ الجواسيس الثقات في عسكر العدوّ وبلاده لتعرف أخبارهم مع الساعات، وما عندهم من العدّة والعدد، وما لهم من المكائد والحيل، وكم عدد رؤسائهم وشجعانهم وما منزلتهم عند صاحبهم، ويدسّ إليهم ما يخدعون به من صلة أو ولاية، حتى يغدروا صاحبهم، أو يهربوا عنه ويخذلوه، عند لقائه). (ابن الأزرق- بدائع السلك في طبائع الملك: ١/ ١٦٢). وقال الطرطوشي: (ووجوه الحيل لا تحصى والحاضر فيها أبصر من الغائب). (الطرطوشي- سراج الملوك: ١٧).
(٣) هو أبو سعيد، المهلب بن أبي صفرة ظالم بن سراق الأزدي العتكي، أمير، بطاش، جواد، قال فيه عبد الله بن الزبير: (هذا سيد أهل العراق) حارب الأزارقة تسعة عشر عامًا حتى تمّ له الظفر بهم، تولّى ولاية "خراسان" في عهد عبد الملك بن مروان، أخباره كثيرة، مات بخرسان (سنة ٨٣هـ). (ابن حبيب- المحبر: ٢٦١، ابن الأثير- الكامل: ٤/ ١٨٣، ابن خلكان- وفيات: ٣٥٠ - ٣٥٨، الزركلي- الأعلام: ٧/ ٣١٥).
[ ٢٢٥ ]
بسهام ١ مسمومة ترمي بها الخوارج، يصنعها رجل يقال له: "أبزى" فقال: "كفيتكم العبد- إن شاء الله-"، ثم كتب إليه: "من المهلّب إلى أبزى، أما بعد:
فقد وصلت هديّتك، وحسن موقعها، وقد أنفذت لك مع كتابي ألف درهم، فاقبضها، ولا تقطع مواصلتي ومهاداتي أعظم وفدك، وتجدني حيث شئت".
وقال للرسول: "تعرض لجماعة من الخوارج، حتى يأخذوا الكتاب منك، ويدفعوه إلى رئيسهم "قطري" ٢ - ففعل ما أمره به- فلما وصل الكتاب إلى "قطري"، عجّل على "أبزى" بالقتل، قبل أن يعرف صحة الخبر، وقال: "ما أصنع بمن يهادي المهلّب "، فافترقوا لذلك، وكان هذا سبب اختلافهم، فقال المهلّب- لأصحابه-: "لا تشغلوهم عن المنازعة بالقتال، فإنّهم إن افترقوا الآن لن يجتمعوا أبدًا" فكان كما قاله).
وحكى عن كسرى: (أنه بعث "الاصبهند" إلى الروم، في جيش عظيم، فأعطي من الظفر ما لم يعط أحد من الظفر قبله، فظن "كسرى": أن ذلك يغيره عليه، ويوجب له كبرًا، فبعث إليه رجلًا، ليقتله- وكان المبعوث عاقلًا- فلما رأى عقل "الاصبهند" وتدبيره، قال: "ما يصلح هذا بغير جرم"، ثم
_________________
(١) مفرده: "سهم" وهو: عود من الخشب يسوّى، في طرفه نصل يرمى به عن القوس. (شيت خطاب- المصطحات العسكرية: ١/ ٣٨٠).
(٢) هو أبو نعامة، ابن الفجاءة، جعونة بن مازن بن يزيد الكناني المازني التميمي، من رؤساء الأزارقة "الخوارج" وأبطالهم. من أهل "قطر" بقرب "البحرين"، كان خطيبًا فارسًا شاعرًا. استفحل أمره في زمن مصعب بن الزبير، لما ولي العراق نيابة عن أخيه عبد الله، وبقي "قطري" ثلاث عشرة سنة يقاتل ويسلّم عليه بالخلافة وامارة المؤمنين، والحجاج بن يوسف يسثر إليه جيشًا بعد جيش، وهو يردهم ويظهر عليهم، اختلف المؤرخون في مقتله، فقيل: عشر به على فرسه، فاندقت عنقه فمات، وقيل: توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي، فقاتله وقتل في المعركة، وذلك في (سنة ٧٨هـ). (ابن خلكان- وفيات الأعيان: ٤/ ٩٣ - ٩٥، الزركلي- الأعلام: ٥/ ٢٠٠ - ٢٠١).
[ ٢٢٦ ]
أخبره بالذي جاء به، فأرسل "الاصبهند" إلى "قيصر": [٣٢/أ] "اني أريد أن ألقاك؟ " قال: "إذا شئت التقينا"، فالتقيا، وقال له: "إن هذا الخبيث قد همّ بقتلي، ووجّه إليّ رجلًا، لذلك، وإني أريد هلاكه- كالذي أراد مني- والبادي أظلم- فاجعل لي من نفسك ما سأطمئن إليه، فأعطيك من بيوت أمواله؟ ".
فأعطاه من المواثيق، ما اطمأنّ إليه، وسار قيصر في أربعين ألفًا، فنزل "بكسرى"، فعلم "كسرى": كيف جرى الأمر، فاحتال على بعض جنود "قيصر"، فدعا قسيسًا متبصرًا في دينه، وقال له: "إني كاتب معك كتابًا لطيفًا في جريدة، لتبلغه "الاصبهند"، ولا تطعنّ على ذلك أحدًا، وأعطاه ألف دينار، وقد علم "كسرى": أن القسّ موصل كتابه إلى "قيصر"، لأنّه لا يحبّ هلاك الروم.
وكان في الكتاب: "إلى "الاصبهند": إني كتبت إليك، وقد دنا منّي "قيصر"، وقد أحسن الله إلينا، ومكّنا منهم بتدبيرك- لاعدمت صوابًا- وأنا ممهله، حتى يقرب من المدائن ١، ثم أغافصه ٢ في يوم كذا، فأعد عليّ من قبلك ما يكون به استئصالهم.
فخرج القسّ (بالكتاب) ٣: فأوصله إلى "قيصر"، فقال قيصر: "هذا الحق، ما أراد إلاّ هلاكنا! " فتولّى منصرفًا، وأتبعه "كسرى"، ايّاس بن
_________________
(١) جمع مدينة: وهذا الموضع كان مسكن الملوك من الأكاسرة الساسانية وغيرهم، فكان كل واحد منهم إذا ملك بنى لنفسه إلى جنب التي قبلها وسمّاها باسم، فأولها المدينة "العتيقة"، ثم مدينة "الاسكندرية"، ثم مدينة يقال لها "رومية"، وغير ذلك، فسميت المدائن بذلك، وكان فتح المدائن كلّها على يد: سعد بن أبي وقاص سنة ١٦هـ) في أيام عمر بن الخطاب ﵁. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ٥/ ٧٤ - ٧٥).
(٢) في "ج" (أعافصه) والصواب ما أثبتناه. وهو بمعنى: فاجأه وأخذه على غرّة (ابن منظور- لسان العرب: ٣٢٧٦، الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٣/ ١٠٦).
(٣) في "الأصل" (بالكتب) ولعلّه سهو من الناسخ.
[ ٢٢٧ ]
قبيصة الطائي ١، فقتل أصحابه، ونجا قيصر في شرذمة ٢ قليلةه).
وقد كان "كسرى" من الذكاء على غاية، روي عنه: (أنّ منجميه قالوا له: "انك تقتل"، فقال: "لأقتلن من يقتلني" فأمر: بسمّ مخلّط في أدوية، ثم كتب عليه: "هذا دواء، للجماع مجرب، من أخذ منه قدر وزن كذا جامع كذا وكذا امرأة ٣! " فلما قتله: "شيرويه" ٤، فتّش خزائن أبيه، فمرّ به، فقال- في نفسه-: "هذا الدواء كان يقوي على المواقعة" فأخذ منه فقتله وهو ميت).
قالوا: (وينبغي لأمير الجيش: أن يفشي في جيشه على ألسنة كبراء عدوّهم ٥، (وبطارقتهم) ٦ كتبًا مزوّرة إليه، ويظهرها في عسكره، [٣٢/ب] لتقوى بها القلوب، وتنطق بمضمونها الألسنة، ويتّسع فيها الكلام، فلا بدّ أن يبلغ العدوّ ذلك، فيوغر قلبه على أصحابه وجنده- ويخاف أن يكون ذلك حقًا- وان كان يعلم أن
_________________
(١) هو من أشراف طيء، وفصحائها، وشجعانها في الجاهلية، اتصل بكسرى ابرويز، فولاه الحيرة، وولي النعمان، ثم اشتدّ غضب ابرويز على النعمان فقتله وأعاد اياسًا إلى ولاية الحيرة، وحدثت في أيامه وقعة "ذي قار" التي انتصف بها العرب من العجم، وكان على العجم اياس، فانهزم ولم يبرح واليًا على الحيرة إلى أن مات (سنة ٥٤هـ). (ابن الأثير- الكامل: ١/ ١٧٣، الزركلي- الأعلام: ٢/ ٣٣).
(٢) الشرذمة: جماعة قليلة من الجند، يقال: "بعث الآمر شرذمة إلى العدوّ": جماعة قليلة من الجند، "وطارد الجيش شراذم العدوّ": جماعاته المتفرقة القليلة الذين مزّقتهم الحرب. (شيت خطاب- المصطحات العسكرية: ١/ ٣٩٨).
(٣) في "ب"و"ج"و"د": (مرة).
(٤) شيرويه بن عضد الدولة، ابن بويه الديلمي، أبو الفوارسي، الملقّب: شرف الدولة، سلطان بغداد وابن سلطانها، وكان فيه خير وقلّة ظلم، أزال المصادرات، واعتلّ بالاستسقاء، مات (سنة ٣٧٩هـ). (اليافعي- مرآة الجنان: ٢/ ٤٠٨، الزركلي- الأعلام: ٣/ ١٨٣).
(٥) في "ب"و"ج"و"د": (عدوّه).
(٦) في "الأصل" (بطارقهم) والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج"، لأنه جمع بطريق وهو: القائد من قواد الروم تحت يده عشرة آلاف رجل. (الرازي- مختار الصحاح: ٤١، ابن منظور- لسان العرب: ٣٠١).
[ ٢٢٨ ]
ذلك كذبًا، فلا بدّ أن يؤثر في قلبه أثرًا) ١.
قالوا: (وينبغي له- أيضًا-: أن يكثر في مجلسه من قراءة الأحاديث الواردة في فضائل الجهاد وأنواعه، وقراءة كتب الغزوات، ووقائع العرب وأيامها، وفتوحات المسلمين، ومنازلات الأبطال، ومعارك الشجعان من الصبر الشديد، والانغماس في العدوّ الكثير، فيوكل الطلبة بأن يقرأوا ذلك في كل طائفة من جيوشه، فإن ذلك يقوّي قلوب ذوي الإيمان، ويذهب بالضعف من قلب الجبان) ٢.
فان طارقًا ٣ - (مولى) ٤ ابن نصير-٥: (لما عبر إلى بلاد الأندلس، ليفتحها، وخرج بعسكره في "الجزيرة الخضراء" ٦ وهو: في اثني عشر ألفًا، فطمعت
_________________
(١) نقل نحوه ابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": ١/ ١٦٢ "في المكيدة الثانية من مكائد ما قبل القتال وآدابه".
(٢) أورد نحوه الهروي في "التذكرة الهروية في الحيل الحربية": ٩٤، "في تحريض الرجال على الحرب" ومن ذلك قوله (ويستحب للملك أن يكثر في مجلسه من قراءة كتب الحروب وغزوات الفرس ووقائع العرب، وفتوح الشام وسيرة النبي - ﷺ -، ومقاتل الفرسان، وحيل القتال).
(٣) هو طارق بن زياد الليثي بالولاء: فاتح الأندلس، أصله من البربر، اسلم على يد موسى بن نصير، فكان من أشدّ رجاله. مات سنة (١٠٢هـ). (المقري- نفح الطيب: ١/ ١٠٨، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٢١٧).
(٤) في "الأصل" (موصلي)، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه.
(٥) هو: أبو عبد الرحمن، موسى بن نصير، اللخمي بالولاء، صاحب فتح الأندلس، كان من التابعين﵃- وكان كريمًا شجاعًا ورعًا تقيًّا لله تعالى. لم يهزم له جيش قط، مات (سنة ٩٧هـ). (ابن خلكان- وفيات: ٢/ ١٣٤، المقري- نفح الطيب: ١/ ١٠٨، الزركلي- الأعلام: ٧/ ٣٣٠ - ٣٣١).
(٦) مدينة مشهورة بالأندلس ن وقبالتها من البرّ بلاد البربر سبتة، وهي شرقي شذونة وقبلي قرطبة، ومدينتها من أشرف المدن وأطيبها أرضًا، وسورها يضرب له ماء البحر. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ١/ ١٣٦).
[ ٢٢٩ ]
الروم فيها، فاقتتلوا ثلاثة أيام، وكان على الجيش رجل يقال له: "تدمير" ١، فكتب تدمير إلى ملكه "لذريق" ٢ يعلمه: "بأنهم قوم لا يدري من أهل الأرض هم، أم من أهل السماء؟ - قد وصلوا إلى بلادنا- وقد لقيتهم- فانهض إليّ أنت بنفسك! ".
فأتى لذريق في تسعين ألف عنان ٣، فاقتتلوا ثلاثة أيام- أشدّ قتال- فرأي طارق: ما الناس فيه من الشدّة!، فقام يحرّضهم على الصبر، ويرغّبهم في الشهادة، ثم قال: "أين المفرّ؟ البحر من ورائكم، والعدوّ أمامكم، فليس إلاّ الصبر منكم، والنصر من ربّكم، وأنا فاعل شيئًا، فافعلوا كفعلي، والله لأقصدنّ طاغيتهم: فإمّا أن أقتله، وإما أن أقتل دونه!.
فاستوثق من حلية ٤ لذريق، وعلامته وخيمته، ثم حمل عليه مع أصحابه حملة
_________________
(١) هو: قائد من قواد الملك "لذريق"، وإليه تنسب بلاد "تدمير" بالأندلس وهي: "مرسية" وما والاها، وهي خمسه مواضع تسمّى بهذا الاسم. (ابن خلكان- وفيات الأعيان: ٥/ ٣٢١).
(٢) هو الملك السابع والعشرين من ملوك اليونان الذين حكموا الأندلس وآخرهم، وهر صاحب مدينة "طليطلة"، سقط حكمه فيها بعد أن فتحها المسلمون على يد طارق بن زياد (سنة ٩٤هـ)، وهو الذي فتح (بيت الحكمة) الذي أسسه ملوك اليونان لوضع الطلسمات لتخويف البربر، وكان عليه ستة وعشرون قفلًا لكل ملك قفل منها، فرأي فيه مائدة عظيمة وعليها مكتوب: مائدة سليمان بن داود﵉-، وتابوتًا عليه صور فرسان مصوّرة على أشكال العرب، وعليهم الفراء وهم معمّمون على ذوائب جعد ومن تحتهم الخيل العربية، ووجد كذلك رق مكتوب فيه: (متى فتح هذا البيت وهذا التابوت المقفلا بالحكمة دخل القوم الذين صورهم في التابوت إلى جزيرة الأندلس، وذهب ملك اليونان من أيديهم) فندم لذريق على ما فعل وتحقّق انقراض دولتهم. (ابن خلكان- وفيات الأعيان: ٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
(٣) العنان: هو سير اللجام الذي تمسك به الدابة، وجمعه: أعنّة. (المعجم الوسيط: ٢/ ٦٣٩).
(٤) أي: صفته. (الرازي- مختار الصحاح: ١١٦)، وقد تكون (خيمته) كما ثبت في "سراج الملوك ": ١٧٨.
[ ٢٣٠ ]
رجل واحد، فقتل الله لذريق [٣٣/أ]- وحمى الله المسلمين- وانهزمت الروم) ١.
وبهذه الحيلة: هزم البارسلان- ملك الترك- ملك الروم، بعد: (أن جمع الرومي جيوشًا يبلغ عددهم ستمائة ألف مقاتل، وقد استعدّ من الخيل والسلاح والمجانيق ٢، والآلات المعدّة لفتح الحصون والحروب ما يعجز الوصف عن إحصائها، فلقيه البارسلان بنحو اثنى عشر ألفًا،- فحرّض ٣ قومه كتحريض "طارق" المتقدّم- وحملوا على ملك الروم، حتى خلصوا إليه بقتل من دونه، فقتلوه وبدّدوا شمله) ٤.
وبها- أيضًا-: (قهر "ابن تاشفين" ٥، "الأذفونش" ٦ ملك الروم، لأن ابن
_________________
(١) نقل هذه الواقعة: ابن خلكان في "وفيات الأعيان": ٥/ ٣٢٠ - ٣٢٨، والطرطوشي في "سراج الملوك": ١٧٨، وابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": ١/ ١٦٥، "فيما يخدع به العدوّ عند القتال". وابن العنابي في "السعي المحمود في نظام الجنود": ١٧٨، عن الإمام الطرطوشي في "سراجه".
(٢) هي آلة حربية لرمي العدوّ بحجارة كبيرة، ولها عدة أنواع. (أنظر هامش: أبو بكر الهروي "التذكرة الهروية في الحيل الحربية": ٨١).
(٣) قال "البارسلان " لتحريض قومه: (يا معشر أهل الإسلام امهلوا فان هذا يوم الجمعة والمسلمون يخطبون على المنابر ويدعون لنا في شرق البلاد وغربها) فصبروا إلى أن زالت الشمس ثم صلّوا ودعوا الله تعالى أن ينصر دينه وأن يربط على قلوبهم الصبر- وكان "البارسلان" قد استوثق من خيمة ملك الروم وعلامته وفرسه، ثم قال لرجاله: (لا يتخلف أحدكم أن يفعل كفعلي ويضرب بسيفه ويرمي بسهمه حيث أضرب بسيفى وأرمي بسهمي). (الطرطوشي- سراج الملوك: ١٧٧ - ١٧٨).
(٤) نقلها الطرطوشي في "سراج الملوك ": ١٧٧ - ١٧٨"باب: "في ذكر الحروب ومكائدها وحيلها وأحكامها". وابن العنابي في "السعى المحمود في نظام الجنود": ١٧٩ - ١٨٠.
(٥) أبو يعقوب، يوسف بن تاشفين بن ابراهيم، الصنهاجي، اللمتوني، الحميري، أمير المسلمين، وملك الملثمين، سلطان المغرب الأقصى، حازمًا ضابطًا لمصالح مملكته، كتب إليه المعتمد ابن عباد (سنة ٤٧٥هـ) من "اشبيلية" يستنجده على قتال الافرنج، فزحف بمجموعة، فكانت واقعة "الزلاقة" التي انكسر فيها جيش الفرنج. مات (سنة ٥٠٠هـ). (ابن الأثير- الكامل: ٩/ ٢١٦، ١٠/ ١٤٣، الزركلي- الأعلام: ٨/ ٢٢٢).
(٦) في جميع النسخ (الأدفنش) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه كما هو ثابت في كتب التراجم. وهو: الأذفونش فرذلند ملك الأفرنج بالأندلس، صاحب "طليطلة" قوى أمره في ذلك =
[ ٢٣١ ]
تاشفين أمر قواده وأبطاله: أن يحملوا عليه، ولا يقصدون غيره، ففعلوا، حتى خلصوا إليه، وأصابوه، إلاّ أنه هرب بعد الإصابة في نفر قليل، وبدّدوا جمعه، وغنموا جيشه) ١.
فانظروا- أيّدكم الله-: كيف قرن الله النصر بالصبر في هذه الوقائع، وكيف انغمس العدد القليل في الكثير، فوقع النصر- حيث كانوا على قلب واحد- فلا يستنفر ويقدّم للقتال من لا معرفة له به، ولذا وجب على الإمام تدريبهم وتعليمهم- كما مرّ!.
(ولما برز بعض ملوك ٢ الأندلس، لقتال الروم، ورأي الهزيمة دنت إليه، فزع إلى "رجل" ٣ من المسلمين لم يكن في الثغور أعرف منه بالحروب، فقال له: "كيف اليوم يا رجل؟ " فقال له: "يوم أسود، ولكن بقيت لي حيلة" فذهب بعد أن زيّا نفسه بزيّ الروم- وكان يعرف كلامهم بمجاورتهم- فانغمس في عسكر الكفّار، فقصد إلى الطاغية ٤، وجعل
_________________
(١) = الوقت، وكانت ملوك الطوائف من المسلمين هنالك يصالحونه، ويؤدّون إليه ضريبة، وقد استولى على "طليطلة" بعد حصار شديد، وكانت "للقادر بالله بن ذي النون"، ودارت بينه ويين الأمير "يوسف بن تاشفين" معارك انتصر فيها المسلمون، وهرب الأذفونش. (ابن خلكان- وفيات: ٥/ ٢٧ - ٢٩).
(٢) أنظر ابن خلكان في "وفيات الأعيان": ٧/ ١١٦ - ١١٧، وكان ذلك في موقعة "الزلاقة" قرب بطليوس (سنة ٤٧٩هـ)، حيث قال: (قال "البياسي": ان يوسف بن تاشفين قدم بين يدي حربه كتابًا على مقتضى السنة يعرض عليه: الدخول في الإسلام أو الحرب أو الجزية، ومن فصول كتابه: وبلغنا يا "أذفونش" أنك دعوت في الاجتماع بك، وتمنيت أن يكون لك فلك تعبر البحر عليها إلينا، فقد أجزناه إليك، وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك، فلما سمع "الأذفونش" ما كتب إليه، جاش بحر غيظه وزاد في طغيانه وأقسم: أنه لا يبرح من موضعه حتى يلقاهه).
(٣) هو: المقتدر بالله ابن هود ملك الأندلس، وقد برز من سرقسطة، (الطرطوشي- سراج الملوك: ١٧٩ - ١٨٠ "في ذكر الحروب وتدبيرها").
(٤) يسمّى "سعدادة".
(٥) هو رد ميل عظيم الروم. (الطرطوشي- سراج الملوك: ١٨٠).
[ ٢٣٢ ]
يترصد ١ غرّته ٢، فوجده مكففًا ٣ في السلاح لا يظهر منه إلاّ عيناه، فاحتال، حتى أمكنته الفرصة فطعنه في عينيه، فخرّ صريعًا، وجعل ينادي بلسان الروم: "قتل السلطان يا معشر الروم" وأشاع قتله في العسكر، فكان ذلك سبب انهزامهمه) ٤.
قالوا: (ومن السنة إذا أراد غزو طائفة: أن يوري ٥ بغيرها تورية لا يشكّ فيها القريب والبعيد، ولا يطّلع على مقصده أحدًا من خواصه، ولا غيرهم، إلاّ إن دعت ضرورة إلى ذلك- كما فعل النبي - ﷺ - في غزوة "تبوك" ٦ - بل إن أمكنه: أن يورّي بغيرها ممّا هو- كحالها في القرب والبعد والخوف- فليفعل، ولا يعيّنها ما وجد لكتمانها سبيلًا) ٧.
_________________
(١) ترصد له: أي قعد له على طريقه. (البستاني- فاكهة البستان: ٥٣٥).
(٢) أي: غفلته. (نفس المصدر السابق: ١٠١٧).
(٣) أي: محاطًا، فكنّفه: حاطه وصانه، وتكنفوه، واكتنفوه، وكنفوه تكنيفًا: أحاطوا. (الرازي- الصحاح: ٤٥٩).
(٤) نقلها الطرطوشي في "سراج الملوك ": ١٧٩ - ١٨٠.
(٥) في "الأصل" (يرى) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج". وهو بمعنى: يخفيه، يقال: "ورّى الخبر تورية" أي: ستره وأظهر غيره كأنه مأخوذ من وراء الإنسان، كأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر، فالتورية: ان تطلق لفظًا ظاهرًا في معنى، وتريد به معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ لكنه خلاف ظاهره. (الرازي- مختار الصحاح: ٥٦٩، المصباح المنير: ٢/ ٣٧٦).
(٦) موضع بين وادي القرى والشام، حصن بين عين ونخل وحائط ينسب إلى النبي - ﷺ - وتنسب إليه آخر غزواته - ﷺ - حينما توجه في (سنة ٩هـ)، لغزو من انتهى إليه أنه قد تجمع من "الروم" وعاملة، ولخم، وجذام، فوجدهم قد تفرّقوا، فنزل - ﷺ - مع أصحابه على عين وأمرهم أن لا يمسّ أحد من مائها، فسبق إليها رجلان وهي تبص بشيء من ماء فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماءها، فقال لهما رسول الله - ﷺ -: (ما زلتما تبوكان منذ اليوم) فسميت بذلك "تبوك "، والبوك: ادخال اليد في شيء وتحريكه. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ٢/ ١٤ - ١٥).
(٧) قال الصنعاني: (وكانت توريته - ﷺ - أنه إذا أراد قصد جهة سأل عن طريق جهة أخرى ايهامًا أنه يريدها، وإنما يفعل ذلك لأنه أتم فيما يريده من إصابة العدوّ وإتيانهم على غفلة من =
[ ٢٣٣ ]
وفي الصحيحين: أن رسول الله - ﷺ -: (لم يكن يريد غزوة يغزوها إلاّ ورّى بغيرها) ١.
قال "ابن النحاس": (واعلم: أن الرسول يكشف حالة مرسله، لأنه أنموذج ٢ شجاعته واقدامه، وترجمان عقله وفهمه، فربّ رسول: أزال هيبة مرسله من قلب عدوّه، بما شاهد من خوره ٣، وعجزه، وجبنه، وقبح منظره، وربّ رسول: ألقى الرعب في قلب العدوّ، بحسن مظهره، وشدّة اقدامه، وقوة قلبه، وفصاحة لسانه، فكان ذلك سبب كسر العدوّ) ٤.
وقال: (ينبغي: أن يختار الرسل الثقات الذين لهم قوة الفراسة في أقوال العدوّ وأفعاله، وينبغي: أن لا يرسل رسولًا إلى عدوّه مرارًا متوالية، فربما
_________________
(١) = غير تأهبهم له وفيه دليل على جواز مثل هذا، وقد قال - ﷺ -: (الحرب خدعة). (الصنعاني- سبل السلام: ١٣٤٢ - ١٣٤٣).
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" "أنظر فتح الباري في شرح صحيح البخاري": ٦/ ١٢٢ - ١٣٠، كتاب: "الجهاد" باب: "من أراد غزوة فورّى بغيرها" ومن أحب الخروج يوم الخميس"، ٨/ ١١٣، "كتاب المغازي" باب: "حديث كعب بن مالك"، عن عبد الله بن كعب. ومسلم في "صحيحه": ٤/ ٢١٢٨، كتاب: "التوبة" باب: "حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه".
(٣) في "ب" (دليل).
(٤) في "ب" و"ج" و"د" (جوره) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه. وهو بمعنى: ضعفه. تقول: "خور يخور خورًا، والجمع خور بوزن طور. (الرازي- الصحاح: ١٥٠).
(٥) نقل نحوه الهروي في "التذكرة الهروية في الحيل الحربية": ٧٥ - ٧٨، "في صفة الرسول الذي يرسله، والرسول الذي يأتيه والحيلة عليه" وممّا قاله: (وليحذر أن يرسل رسولًا إلاّ بعد امتحانه واختبار أسراره واعلانه، وليعتبر دينه فإن وجد ميلًا إلى الدنيا وطمعًا في جمع المال، فلا يأمنه على سره. وليعلم أن الرسول الذي يأتيه من عدوّه أو صديقه إنما هو بعضه لا بل كلّه، وإنما هو رأيه، لا بل عقله، فيه يستدل على عقل صاحبه، وقوته، وعجزه، وخوره، واقدامه، فإذا أراد امتحانه وكشفه، فليستشره، فانه يقف من مشورته على خيره وشرّه، وعدله وجوره).
[ ٢٣٤ ]
حصل للرسول من المرسل إليه مؤانسة وإحسان- والقلوب مجبولة على حبّ المحسن فقد يتولّد من ذلك: عدم إقدامه عليه بالكلام، حياء منه، وترك مقابلته بما يكره، وفاء له، ومداهنة ١ له في الجواب- حيث لا تليق المداهنة- فيحصل من ذلك خلل لا يخفى، فإن الإحسان يقيّد اللسان، وربما يتولّد من ذلك صداقة تؤدي: إلى أن يصير بطانة ٢ للعدوّ عند من أرسله، فيضره من حيث لا يشعر) ٣.
وكم من دولة: كان سبب زوالها، خيانة رسولها واستمالة قلبه- كما تقدّم- فإذا اختلفت الرسل، كان ذلك أوثق لنيل ما يرومه ٤ - اللهم-: إلاّ [٣٤/أ] أن يكون الرسول ممّن به ثقة- لا يداخلها شكّ- ولا ارتياب- فإن تكرر دخوله عليه.
ومن أعظم المكائد في الحروب- كما للطرطوشي، وابن النحاس، وغيرهما-: (الكمين- ولا تحصى كثرته وتعدّده- فان قدر على أن يجعل منه ثلاثة كمائن أو أكثر فليفعل، وهو: وان كان من عدد يسير، فانه إذا ظهر: أثر في القلوب رعبًا، وفي الأعضاء ضعفًا، وفي العقل خمودًا ٥، وفي الاقدام وقفة، ولا يدوم اقبال مقاتل- على خصمه، إلاّ إذا كان آمنًا من ورائه، ومتى جوّز أن يؤتى من خلفه تشتّتت همّته بين الدفع والقتال، وضعف جأشه عن مقاومة الرجال. وكم من عسكر: استبيحت بيضته ٦، وقلّ عزمه،
_________________
(١) من "دهن" أي: نافق. (الزاري- ترتيب القاموس المحيط: ٢/ ٢٢٦).
(٢) البطانة: هو صفي الرجل يكشف له عن أسراره، ويقال: "بطانة الثوب": ما يبطن به، وهى: خلاف ظهارته. (ابن منظور- لسان العرب: ٣٠٤، المعجم الوسيط: ١/ ٦١).
(٣) نقل نحوه الهروي فى "التذكرة الهروية في الحيل الحربية": ٧٥ - ٧٦، "في صفة الرسول الذي يرسله".
(٤) أي: يظلبه، يقال: "رام الشيء" طلبه. (الرازي- الصحاح: ٢١٠، المعجم الوسيط: ١/ ٣٨٥).
(٥) أي سكونًا، ويقال: "خمد فلان خمودًا" أي: سكن. (المعجم الوسيط:١/ ٢٥٤).
(٦) "البيضة": الخوذة الحديدية التي يلبسها الجنود والضباط في الحرب وفي التدريب الإجمالي ونحوهما. (شيت خطاب- المصطحات العسكرية: ١/ ١٠٣).
[ ٢٣٥ ]
بالكمائن، وكانت سبب هلاكهم في الجاهلية والإسلام ١.
قال ابن النحاس: (وإذا صفّ للقتال: فليجتهد) أن تكون الشمس في عين العدوّ، والريح في وجهه، فإن سبقه العدوّ إلى ذلك، ولم يمكنه إزالته عن موضعه، فليخرجه بالعسكر عن ظلّه وينشر الرايات، ويرتب الأبطال بنفسه- ولا يعتمد على غيره- ويجعل بعض الأبطال والشجعان في قلب العسكر- فانه: مهما انكسر الجناحان ٢، فالعيون ناظرة إلى القلب- فإذا كانت راياته تخفق، وطبوله تضرب، كان حصنًا للجناحين، وملاذًا لمن فرّ منهما، وإذا انكسر القلب: تمزّق الجناحان- اللهم- إلاّ أن يكون مكيدة من صاحب الجيش، فيجعل الحماة والأبطال في الجناحين، ويجعل من دونهم في القلب، حتى إذا توسطه العدوّ، واشتغل بنهبه، أطبق عليه الجناحان.
وينبغي: أن يختار من عسكره عصبة ٣ يثق بشجاعتهم وفروسيتهم، [٣٤/ب] فإذا حمل العدوّ على جهة من جهات العسكر أمرهم به، وليجتهد على الثبات عند
الصدمة الأولى، وإن رأى: أن يوهم عدوّه أن له كمينًا بمحل كذا، (وأنه يأمره بالتحول من ذلك إلى محل آخر) ٤، وهو في ذلك كلّه إنما يريد خدعة: فليفعل-
_________________
(١) أنظر: الطرطوشي في "سراج الملوك": ١٧٥، "باب: في ذكر الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها". وابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": ١/ ١٦٤، "فيما يخدع به العدوّ وعند القتال". وابن العنابي في "السعي المحمود في نظام الجنود": ١٦٢، في "حيل الحروب" وعزاه "للطرطوشي".
(٢) جناحا العسكر: جانباه (شيت خطاب- المصطلحات العسكرية: ١/ ١٥٧).
(٣) العصبة من الرجال: ما بين العشرة إلى الأربعين" (الرازي- مختار الصحاح: ٣٤٣).
(٤) ساقطة من "الأصل" والإضافة من "ب" و"ج" و"د". وفي "د" زيادة: "بالتحول مثلًا من ذلك).
[ ٢٣٦ ]
والحيل لا تحصى- والحاضر فيها أبصر من الغائب-) ١.
وقد قال﵊-: "الحرب خدعة" ٢، ومعنى قوله: "خدعة"- بضم الخاء وفتحها- أي: ينقضي أمرها بخدعة واحدة ٣.
ويروى: (أن "عمرو ٤ بن عبدود": لما بارز "عليًّا"- ﵁- وأقبل عليه، قال له عليّ: "ما برزت لأقاتل اثنين" فالتفت "عمرو"، فوثب عليه عليّ: فضربه، فقال عمرو: "خدعتني" فقال: "الحرب خدعة") ٥.
وقد فعل مثل هذا: ("الهادي" ٦ - أمير المؤمنين-: لما حمل عليه
_________________
(١) نقل نحوه: ابن الأزرق في "بدائع السلك في طبائع الملك": ١/ ١٦٤، "فيما يخدع به العدوّ عند القتال" في: "الخدعة الأولى". والهروي في، التذكرة الهروية في الحيل الحربية": ٩٧ - ١٠٠، في "ضرب المصافّ ومكائد الحرب".
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" أنظر: "عون المعبود في شرح سنن أبي داود": ٧/ ٢٩٨، "كتاب الجهاد" باب: "المكر في الحرب". والترمذي في "جامعه" أنظر: "تحفة الأحوذي": ٥/ ٣٢٠، كتاب: "الجهاد" باب: "ما جاء في الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب"، وقال (حديث حسن صحيح). وأحمد في "مسنده": ١/ ٩٠، ٦/ ٣٨٧. وأورده ابن حجر في "المطالب العالية": ٢/ ١٩٥، وعزاه لأبي يعلى في "مسنده".
(٣) قال ابن العنابي: (و"خدعة" من الخدع- بالفتح- اظهار أمر، واضمار خلافه، تقال بفتح فسكون، وبضم فسكون، وبضم ففتح. قال المطرزي في "المغرب": "قال ثعلب: والحديث باللغات الثلاثة، فالفتح على أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة، والضم على أنها آلة الخداع". وأما الخدعة- بضبم ففتح- فلأنها تخدع أصحابها، لكثرة وقوع الخداع فيها. وهي أجود معنى. والأول أفصح، لأنها لغة النبي - ﷺ -) انتهى. (السعى المحمود في نظام الجنود: ١٦٠).
(٤) في "بط (عمرًا) والصواب ما أثبتناه. وهو: عمرو بن عبدود العامري، من "بني لؤي" من قريش. وكان فارسها وشجاعها في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، قتله "علي بن أبي طالب" في غزوة "الخندق" (سنة ٥هـ). أنظر: ابن أبي حديد- شرح المنهج: ٣/ ٢٨٠، الزركلي- الأعلام: ٥/ ٨١.
(٥) كانت هذه الواقعة في غزوة الخندق. أنظر: الزركلي- الأعلام: ٥/ ٨١.
(٦) أبو محمد، أمير المؤمنين، موسى الهادي بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، من خلفاء الدولة العباسية ببغداد، شجاعًا جوادًا، له معرفة بالأدب، ولد بالريّ، وولي بعد وفاة أبيه =
[ ٢٣٧ ]
"الخارجي "- وليس عنده أحد- ولا معه سلاح- فلم يتحرك من مكانه إلى أن قرب منه، فصاح: أضرب عنقه- كأنه يأمر أحدًا من وراء الخارجي- فالتفت "الخارجي" إلى خلفه، لينظر المأمور بضرب عنقه، فوثب عليه الهادي وثبة صار على صدره، وأخذ منه السيف، وذبحه به).
واعلموا- أيّدكم الله-!: أن من استضعف عدوّه، أو آمن به في هدنة أو غيرها، وسكن إلى راحته فقد اغترّ، ومن اغترّ ظفر به عدوّه- إذ لا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون- فاحذروا عدوّم- أيّدكم الله-! ولا تغترّوا، واشعروا الجرأة لقلوبكم عند الحرب، فإنها سبب الظفر، واذكروا الضغائن، فانها تبعث على الاقدام، والتزموا الطاعة، فانها حصن المحارب- والصبر سبب النصر-.
قال بعض المصنفين: (كثرة التكبير عند اللّقاء فشل: غضّوا الأصوات، وتحمّلوا السكينة والصبر، فإنهما سبب الظفر والنصر) قاله الطرطوشي ١. [٣٥/أ]
_________________
(١) = (سنة ١٦٩هـ)، وكان غائبًا فأقام أخوه "الرشيد" ببيعته، واستبدّت أمه بالأمر، فأمرت جواريها أن يقتلنّه فخنقنه ودفن في بستانه "بعيسى آباذ" (سنة ١٧٠هـ). (ابن الأثير- الكامل: ٦/ ٢٩ - ٣٦، الزركلي- الأعلام: ٧/ ٣٢٧).
(٢) قاله الطرطوشي في "سراج الملوك ": ١٨١ "باب: في ذكر الحروب ومكائدها، وحيلها، وأحكامها". وقال الهروي: (وليحذروا كثرة الصياح، والغلبة والصراخ فان ذلك يؤدي إلى الفشل والضجر والملل والعجز والخور، وليلزموا هيبة الحرب، وناموس الشجاعة، والثبات عند الصدمة الأولى. (التذكرة الهروية في الحيل الحربية: ٩٨ - ٩٩).
[ ٢٣٨ ]
وأما المسألة الثالثة:
فهي مستقلة بنفسها، وليس فيها فصل آخر زائد عليها.
حكم مانع الزكاة مع تحقّق عمارة ذمته، أو عدم تحققها
ــ
اعلم: أن مانع الزكاة إن تحققت عمارة ذمّته كما ذكرتم- ١: فإنها تؤخذ منه لما مضى من الأعوام، وللعام الحال، وإن بقتال.
وأما: إن لم تتحقّق عمارة ببيّنة أو إقرار- إذ لا تتحقّق عمارة الذمة إلاّ بذلك- ولم يكن هناك إلاّ مجرد التهمة، ففي النوادر ٢: (إذا أتى الساعي ٣ بعد غيبة سنين، فقال له رجل معه ألف شاة: "إنما ملكتها منذ سنة أو سنتين" فهو مصدق بغير يمين، ويزكّيها لما قال) اهـ ٤ بنقل الحطاب ٥.
_________________
(١) أي: في السؤال.
(٢) "النوادر والزيادات" للإمام عبد الله بن أبي زيد القيرواني، وكتابه هذا مشهور في الفقه المالكي على المدوّنة، وهو أزيد من مائة جزء، ويعتبر من الكتب التي يعتمد عليها في التفقه، وهو مخطوط توجد نسخة منه بـ"دار الكتب الوطنية بتونس"" رقم (٥٧٧٠). (أنظر: ابن فرحون- الديباج المذهب: ١٣٧).
(٣) كل من ولي شيئًا على قوم "فهو صاع عليهم، وأ كثر ما يقال ذلك في سعاة الصدقة، يقال: "سعي عليها"، أي: عمل عليها، وهم السعاة. (الرازي- مختار الصحاح: ٢٣٨).
(٤) نقله الحطاب في "مواهب الجليل لشرح مختصر خليل": ٢/ ٢٧٣، "باب: الزكاة". عند قول خليل "كتخلفه عن أقل فكمل وصدق".
(٥) هو "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل" لأبي عبد الله محمد بن محمد الرعيني المعروف بالحطاب، الفقيه المالكي، الصوفي، مغربي الأصل، ومكي المولد، وكتابه هذا في الفقه المالكي، وقد طبع في ستة مجلدات، ومن كتبه- أيضًا- "قرة العين بشرح ورقات إمام الحرمين" و"تحرير الكلام في مسائل الالتزام- ط". مات بطرابلس الغرب (سنة ٩٥٤هـ). (التنبكتي- نيل الابتهاج: ٣٣٧، حاجي خليفة- كشف الظون: ٢/ ١٦٢٨، الزركلي- الأعلام: ٧/ ٥٨).
[ ٢٣٩ ]
وكذا يقال: في الحبوب والدراهم.
فإذا قال: "لم آخذ نصابًا من الحبوب، أو ليس عندي نصاب من الدراهم" فهو مصدق، ولكن محل تصديقه- بدون يمين- إذا لم يمتنع من دفعها.
وأما إن تقدّم منه امتناع- كما لو هرب بالماشية سنين فرارًا من الزكاة- أو امتنع من دفع زكاة الحرث والعين ١ سنين- أيضًا- ولما قدر الإمام عليه زعم: "أن الماشية نقصت عن النصاب الذي كانت عليه في السنة الأولى من سني الهروب، وكملت نصابًا في هذه السنة- ونحو ذلك- أو لم يأخذ نصابًا من الحبوب فيما مضى" أو قال: "الذي معي من العين ونحوها: إنما هو قراض ٢، أو بضاعة" ٣ أو قال: "لم يحل حولها، أو عليّ دين".
ففى تصديقه في مسألة الهروب بالماشية، وعدم تصديقه إلاّ ببيّنة- ويؤخذ بزكاة ما وجد لجميع السنين-: قولان ٤.
وفي تصديقه- أيضًا- في مسألة العين بدون يمين- ولو متهمًا- وعدم التصديق إلاّ بها مطلقًا [قولان]، ثالثها: يصدق غير المتهم، دون المتهم فلا يصدّق إلاّ بها.
وكذا يقال: في زكاة الحبوب فيما يظهر.
_________________
(١) العين: عند المالكية: الذهب، والفضة. عند الحنفية: ما كان قائمًا في ملك الإنسان من نقود وعروض. عند الشافعية: ما يقابل الذمة، وما يقابل المنافع. (أبو جيب- القاموس الفقهي: ٢٧٠).
(٢) القراض: المضاربة، ويسمّيها أهل العراق مضاربة، وأهل الحجاز قراضًا. (أبو جيب- القاموس الفقهي: ٣٠٠).
(٣) البضاعة: ما يتجر فيه، وجمعه "بضائع"، واصطلاحًا: ما يدفعه المالك لإنسان يبيع فيه ويتجر، ليكون الريع كله للمالك، ولا شيء للعامل (أبوجيب- القاموس الفقهي: ٣٧) وعزاه لالابن عابدنى". القول الأول هو: لابن القاسم وسحنون وابن رشد واللخمي وابن حارث. (الزرقاني على خليل: ٢/ ١٢٩ - ١٣٠، البناني على خليل: ٢/ ١٣٠).
[ ٢٤٠ ]
وأما كونه يؤخذ المتهم بقدر معين من الزكاة بدون إقرار، ولا بيّنة، ولا نكول ١: فلم يقل به أحد فيما علمت، ولا أظنه يوجد. [٣٥/ب]
هذا كله بالنسبة لماضي الأعوام، وأما بالنسبة لما حضر: فلا إشكال أن الماشية تعدّ، ويؤخذ منها الجزء المعروض عليه، وإن اتّهمه أنه غيّب شيئًا منها حلّفه، حيث لا بيّنة على تغييبه.
والتمر، والعنب يخرصان ٢، وكذا الزرع. ففي "أجوبة" ٣ ابن رشد- ما نصّه-: (وأما الزرع: فلا يجوز خرصه على الرجل المأمون، واختلف: إن لم يكن مأمونًا على قولين: " (الأصح) ٤ - عندي- جوازه، إذا وجد من يحسنه ") اهـ.٥
وغالب قبائل الزمان هو: عدم الأمانة، ووجود التهمة، فيخرص عليهم، ولأجل كون الناس اليوم محمولين على التهمة، وعدم الأمانة. قال المتأخرون: (يمين التهمة ٦:
_________________
(١) النكول: "مصدر" وهو عند الشافعية: الامتناع من الحلف بما طلبه القاضي، أي: وما يتعلق به من قوله. (أبو حبيب- القاموس الفقهي: ٣٦٢).
(٢) من خرص الشيء: حزره، وقدره بالظنّ، يقال: "خرص النخل والكرم": حرز ما عليه من الرطب تمرًا، ومن العنب زبيبًا فهو خارص وجمعه: "خراص". (أبو حبيب- القاموس الفقهي: ١١٥).
(٣) هي: "الفتاوى" لأبي الوليد محمد بن رشد وكتابه هذا جمع فيه فتاواه، وقد قام بتقديمه وتحقيقه الدكتور "مختار التليلي" الأستاذ في الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بتونس.
(٤) في "الأصل" و"ب" و"ب" (أصحها) وفي "د" (أصحهما) وما أثبتناه قد ثبت في "فتاوى ابن رشد": ٢/ ١٠١٤.
(٥) ابن رشد- الفتاوى: ٢/ ١٠١٤ "في مسألة خرص الزرع".
(٦) التهمة: ما يتهم يه، وجمعه: "تهم، وتهمات"، ويمين التهمة هي عند الإباضية: اللازمة في الدعوى غير المحقّة. (أبو جيب- القاموس الفقهي: ١١٥). وقال ابن فرحون: (تجب اليمين بمجرد الدعوى دون خلطة في مواضع، منها: أهل التهم والعداء والظلم). (التبصرة: ١/ ١٦١).
[ ٢٤١ ]
تتوجّه اليوم مطلقًا، إلاّ فيما فيه معرّة ١ - كدعوى السرقة- فإنها لا تلحق من لا تليق به - ممّن شهد فيه بالخير- ومخالطة أهله- اتفاقًا) وعليه: فتجب اليمين في مسألة العين مطلقًا، والله أعلم.
_________________
(١) المعرّة: الاثم. (الزاوي- ترتيب القاموس: ٣/ ١٨٦).
[ ٢٤٢ ]
وأما المسألة الرابعة: ففيها: أربعة فصول
الفصل الأول
فيما يجب على الإمام من (إجبار) ٨ الرعية على
الاستعداد لأن العدوّ دائمًا لهم بالمرصاد ٢
ــ
اعلم: "أن مثل الناس بلا سلطان، مثل الحوت في الماء يزدرد ٣ الكبير الصغير" فمتى لم يكن لهم سلطان لم ينتظم لهم أمر ٤.
فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- هم أعمّ خلق الله نفعًا، فهم أجلّ خلق الله قدرًا، لأنهم تعاطوا إصلاح الخلائق دنيا وأخرى، وأمرهم الله تعالى: أن يأمروا أممهم بالاستعداد، ومقاتلة الكفار، ليخرجوا بذلك من الظلمات إلى النور، وكذلك السلطان هو: خليفة النبوّة في إصلاح الخلائق، ودعائهم إلى
_________________
(١) في "الأصل" (أخبار) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
(٢) بالكسر: الطريق والمكان يرصد فيه العدوّ، والراصد للشيء، الراقب له. (ابن منظور- لسان العرب: ١٦٥٣ - ١٦٥٤).
(٣) أي: "يبلع" يقال: "زرد" اللقمة: بلعها. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٢/ ٤٤٤). قال ابن الأزرق: (ان توهّم الاستغناء عن السلطان باطل، أما في الدين، فلامتناع حمل الناس على ما عرفوا منه طوعًا أو كرهًا دون نصبه، "ان الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". وأما في الدنيا، فلأن حامل الطبع والدين، لا يكفي في إقامة مصالحها على الوجه الأفضل غالبًا). (بدائع السلك في طبائع الملك: ١/ ٦٨). وقال الآمدي: (ولذلك نجد من لا سلطان لهم كالذئاب الشاردة والأسود الضارية، لا يبقى بعضهم على بعض، ولا يحافظون على سنّة ولا فرض، ولهذا قيل: "السيف والسنان، يفعلان ما لا يفعل البرهان"). (غاية المرام في علم الكلام: ٣٧٤، ونقله- أيضًا- ابن الأزرق في "بدائع السلك": ١/ ٦٩).
[ ٢٤٣ ]
عبادة الرحمن، وإقامة دينهم، وتقويم أمرهم- من استعداد [٣٦/أ] وغيره- وبذل النصيحة لهم، فليس فوق الإمام العادل إلاّ نبي مرسل، أو ملك مقرب.
فحقيق على الرعية: أن ترغب ١ إلى الله في إصلاح السلطان، وحقيق على السلطان: أن يحملهم على إقامة دينهم، وتقويم أمرهم- كما تقدّم في الفصل السابع- في شرح قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ﴾ - وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّة يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَةلِةا﴾ ٢ فالخطاب: للولاة على أحد الاحتمالات بأداء الأمانات، أي: التكاليف التي كلّفوا بها في الرعية- من الحكم بالعدل- وتدبير أمرهم بما يعود عليهم نفعه- من استعداد وغيره ٣.
ثم قال تعالى- في حق الرعية-: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّة وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٤.
فإنه تعالى: لما أمر السلاطين والولاة بأداء الأمانات- من الحكم بالعدل- وتدبير الأمر- من الاستعداد وغيره- أمر الرعية: بالسمع والطاعة لهم، فكل منهما أمره سبحانه: أن يقوم بحق الآخر ٣.
_________________
(١) من رغب إليه: ابتهل وضرع وطلب. (المعجم الوسيط: ١/ ٣٥٧).
(٢) سورة النساء / آية ٥٨.
(٣) قال القرطبي: (هذه الآية من أمهات الأحكام تضمّنت جميع الدين والشرع. وقد اختلف من المخاطب بها، فقال على بن أبي طالب، وزيد بن أسلم، وشهر بن حوشب، وابن زيد: "هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة، فهي للنبي - ﷺ - وأمرائه، ثم تتناول من بعدهم" وقال ابن جريج وغيره: "ذلك خطاب للنبي - ﷺ - خاصة في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن أبي طلحة". ثم قال: (والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال وردّ الظلامات والعدل من الحكومات- وهذا اختيار الطبري-، ليتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرر في الشهادات وغير ذلك). (الجامع لأحكام القرآن: ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٤) سورة النساء / آية ٥٩.
(٥) قال علي بن أبي طالب﵁-: (حق على الإمام أن يحكم بالعدل ويؤدّي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الرعية ان يسمعوا ويطيعوا). (ابن عاشور- التحرير: ٥/ ٩٦، سورة النساء / آية ٥٩).
[ ٢٤٤ ]
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ- اي: اختلفتم أنتم وأولو الأمر في شيء فردّوه- إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ ١ هكذا في الكشاف ٢، وغيره ٣.
وإذا وجب على الإمام: أن يؤدي الأمانات- من العدل- وبذل النصح- وتدبير الأمر- ولم يفعل فهو غاش لنفسه ولرعيّته، ولذا قال العلماء- حسبما تقدّم في الفصل السابع-: (من ترك أمة محمد - ﷺ - تجري على أحكام تخالف أحكام الكتاب والسنة، فقد غشّها).
وقد قال﵊- "من غشّ أمتي فعليه لعنة الله".
وتقدّم أيضًا- في الفصل المذكور-: أن النبي - ﷺ - قال: "من استرعاه الله رعية فليحفظها بالنصيحة، وإن لم يحفظها بالنصيحة [٣٦/ب] لم يرح رائحة الجنة".
إلى غير ذلك: من الوعيد اللاحق له- المنقول في الفصل المذكور- والمنقول أيضًا:- في الفصل الثاني من المسألة الثانية- عن الحرالي ٤، على قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إلى قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ
_________________
(١) تابعة للآية السابقة، وتمامها: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
(٢) أورده الزمخشري في "الكشاف": ١/ ٥٢٤.
(٣) قال ابن عاشور: (وضمير "تنازعهم" راجع للذين آمنوا فيشمل كل من يمكن بينهم التنازع، وهم من عدا الرسول، إذ لا ينازعه المؤمنون، فشمل تنازع العموم بعضهم مع بعض، وشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض، وشمل ننازع الرعية مع ولاة أمورهم، وشمل تنازع العلماء بعضهم مع بعض في شؤون علم الدين، وإذا نظرنا إلى ما ذكر في سبب النزول نجد المراد ابتداء هو الخلاف بين الأمراء والأمة، ولذلك نجد المفسرين قد فسّروه ببعض صور من هذه الصور، فليس مقصدهم قصر الآية على ما فسّروا به، وأحسن عباراتهم في هذا قول "الطبري": "يعني فان اختلفتم أيها المؤمنون أنتم فيما بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه". وعن "مجاهد":، فان تنازع العلماء ردّوه إلى الله). (التحرير والتنوير: ٥/ ٩٩).
(٤) في "الأصل" (المحرالي) وفي "ب" (الحراني) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ج" و"د".
[ ٢٤٥ ]
وَالْجُوعِ ﴾ ١.
ولهذا قال العلماء أيضًا- حسبما في أواخر "شرح نظم بيوع" ابن جماعة ٢ - ونقله غير واحد- ما نصّه: (من البدع المحرمة: التواطؤ على ترك إهمال اقتناء الخيول لأهل القدرة، واكتساب أنواع العدّة، وتعلم الرماية التي بها يسيد الرجل ويصول ٣، وترك التحصين ٤ والتحفير على ثغور المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٥ والتحفير والتحصين من العدّة) ٦ اهـ.
قال في (الكشاف ": ("من قوة"- أي- من كل ما يتقوّى به في الحرب من
_________________
(١) سورة البقرة / آية ١٥٣، ١٥٥، ونصّها: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّة مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
(٢) هو: أبو بكر بن القاسم بن جماعة الهواري التونسي، الشيخ الفاضل، من شيوخه: "ابن واجد"، وهو أول من أدخل شرحه على الجمل لأفريقية. وممّن شرح نظمه هذا "القبّاب لما وتوجد نسخة منه في دار الكتب الوطنية بتونس "فهرس العبدلية " رقم: ١٩٧٣٨. وقال كنون- في ترجمة- "أبو القاسم بن خجو": (أن له كتاب: شرح نظم بيوع ابن جماعة". مات (سنة ٧١٢هـ). (وفيات الونشريسي في كتاب: "ألف سنة من الوفيات": ١٠١، كنون- النبوع المغربي: ١/ ٢٦٢).
(٣) من صال بمعنى: وثب، ويقال: "ربّ قول أشد من صول" الرازي- الصحاح: ٢٩٦).
(٤) التحصين: تقوية الموضع بالحفر وبالأسلاك الشائكة وبالألغام وبالنار. (شيت خطاب- المصطحات العسكرية: ١/ ١٨٨).
(٥) سورة الأنفال / آية ٦٠، وتمامها: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
(٦) لقد بحثت عنه في "شرح القباب لنظم بيوع ابن جماعة" ولكنني لم أقف عليه ولعلّه يكون في شرخ آخر.
[ ٢٤٦ ]
عددها. وعن "عقبة بن عامر" ١: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول على المنبر:
"ألا إن القوة الرمي، قالها: ثلاثًا"- أي: تعلم الإصابة في الرمي- ومات عقبة هذا: عن سبعين قوسًا، وعن "عكرمة" ٢: هي "الحصون") ٣.
أي: "القوة" هي تحصين الحصون بالتحفير وغيره ٤.
وروي الحديث المتقدم: في "صحيح" مسلم ٥، وكذا رواه: أبو عوانة ٦ في
_________________
(١) هو: عقبة بن عامر بن عبس بن مالك الجهني: أمير من الصحابة، ولي مصر (سنة ٤٤هـ)، وعزل عنها (سنة ٤٧هـ)، وكان شجاعًا فارسًا من الرماة، فقيهًا شاعرًا، قارئًا، وهو أحد من جمع القرآن. مات بمصر (سنة ٥٨هـ). (ابن الأثير- أسد الغابة: ٣/ ٤١٧، ابن إياس- بدائع الزهور: ١٠١/ ١٠٩.
(٢) أبو عبد الله، عكرمة بن عبد الله البربري المدني، مولى عبد الله بن عباس: تابعي، كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي. طاف البلدان، وروى عنه زهاء ثلاثمائة رجل، منهم أكثر من سبعين تابعيًا، مات بالمدينة (سنة ١٠٥هـ). (الذهبي- ميزان الاعتدال: ٢/ ٢٠٨، ابن خلكان- وفيات الأعيان: ١/ ٣١٩ الزركلي- الأعلام: ٤/ ٢٤٤).
(٣) قاله "الزمخشري، في "الكشاف": ٢/ ٢٣٢.
(٤) قال القرطبي: (قال ابن عباس: القوة ها هنا السلاح والقسّي). (الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ٣٥). وقال ابن عاشور: (وقوته- أيضًا- سلاحه وعتاده، وهو المراد هنا، فهو مجاز مرسل بواسطتين فاتخاذ السيوف والرماح والأقواس والنبال من القوة في جيوش العصور الماضية، واتخاذ الدبابات والمدافع والطيارات والصواريخ من القوة في جيوش عصرنا). (التحرير والتنوير: ١٠/ ٥٥).
(٥) أخرجه مسلم في "صحيحه": ٣/ ١٥٢٢، "كتاب: الامارة"، باب: فضل الرمي والحثّ عليه".
(٦) أبو عوانة، يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم النيسابوري، ثم الأسفراييني: من أكابر حفاظ الحديث، نعته "ياقوت" بأحد حفاظ الدنيا، طاف الشام ومصر والعراق والحجاز واليمن وبلاد فارس في طلب الحديث، وهو أول من أدخل كتب الشافعي ومذهبه في "أسفرايين". من كتبه، كتابه هذا "الصحيح المسند" وقد طبع وهو مخرج على صحيح مسلم، وله فيه زيادات. مات (سنة ٣١٦هـ). (ابن خلكان- وفيات: ٢/ ٣٠٨، حاجي خليفة- كشف الظنون: ٢/ ١٦٧٩، الزركلي- الأعلام: ٨/ ١٩٦).
[ ٢٤٧ ]
"صحيحه"، وبوّب له فقال: (باب: بيان الترغيب في الرمي، وإيجابه على المسلم) ١.
قال الإمام الطرطوشي: (قوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مشتمل على ما في مقدور البشر من: العدة، والآلة، والحيلة) ٢ اهـ.
وقوله: (والحيلة) تقدّمت الإشارة إلى بعضه: في الفصل الثاني من فصلي المسألة الثانية.
وقال الإمام ابن طلحة ٣: (يلزم الإمام حمل الناس على الجهاد، فإن اتكل على أن (يتكلف) ٤ الناس بأنفسهم، ضاع الباب، وتهدّم الإسلام، إذ لا يتمّ الجهاد إلاّ بحمل الإمام الناس عليه، وأخذ أموالهم من وجهها، [٣٧/أ] ووضعها في محلّها من جيوشهم، ويحمل ٥ أهل المال: على كسب الخيول، وآلة الحرب، وسدّ الثغور) اهـ.
فتأملوا- أيّدكم الله-!: هذا التحريض على الاستعداد، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٦ وقوله- تعالى-: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ
_________________
(١) لعلّه أخرجه في "كتاب الجهاد"، ولم أقف إلاّ على جزءين منه مطبوعين تناول فيهما أبواب: الأعمال والفرائض والصلاة. وأخرجه- أيضًا- الحاكم في "مستدركه": ٢/ ٣٢٨، "كتاب التفسير" وأبو داود الطيالسي في "مسنده". أنظر: منحة العبود: رقم ١١٨٢).
(٢) قاله الطرطوشي في "سراجه": ١٧٤، "باب: في ذكر الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها".
(٣) هو: أبو بكر عبد الله بن طلحة اليابرى الاشبيلي القاضي: فقيه، أصولي، مفسّر، روى عن أبي الوليد الباجي، له رحلة مشرقية، وممن أخذ عنه بمكة "الزمخشري". من كتبه: "المدخل" وهو أحد كتابين له في الأصول والفقه وود فيهما عن ابن حزم، وصل إلى "المهدية" (سنة ٥١٣هـ)، وألف لأميرها كتاب "سيف الإسلام"، واستوطن مصر، ومات بمكة في تاريخ غير معروف. (مخلوف- شجرة النور: ١٣٠).
(٤) في "الأصل" (يتّكل) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج".
(٥) في "ب"و"ج". (ويجبر).
(٦) سورة الأنفال / آية ٦٠.
[ ٢٤٨ ]
غِلْظَةً﴾ ١ أي: بأسًا وخشونة، وقوله- تعالى-: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ وقوله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الصريحة في هذا المعنى، والأمر من الله تعالى- إذا ورد فهو-: للوجوب حقيقة.
ولذا: قال ابن طلحة: (يلزم الإمام إلخ)، وقال أبو عوانة- فيما مرّ عنه-: (وإيجابه على المسلم) وقال في الكافي ٣، والقرطبي، وابن عرفة، وغيرهم: (فرض على الإمام: إغزاء طائفة إلى العدوّ كل سنّة إلخ) ٤.
فالخطاب: في هذه الآيات المتقدمة، وما اشبهها- من قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٥ أي: شرك- ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ ٦ - ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ٧ - إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة- إنما
_________________
(١) سورة التوبة / طرف من آية: ١٢٣.
(٢) سورة التوبة / آية ٧٣، وسورة التحريم / آية ٩.
(٣) "الكافي" في فروع المالكية، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي: من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ، أديب، بحاثة، يقال له حافظ المغرب، ولد بقرطبة. وكتابه هذا قد طبع في الرياض في مجلدين. ومن كتبه- أيضًا-: "الدرر في اختصار المغازي والسير" و"العقل والعقلاء" وغير ذلك. مات ٨ بشاطبة" (سنة ٤٦٣هـ). (ابن خلكان- وفيات: ٢/ ٣٤٨، ابن فرحون- الديباج: ٣٥٧، الزركلي- الأعلام: ٨/ ٢٤٠).
(٤) نقله ابن عبد البر في "الكافي": ١/ ٤٦٣، "باب: واجب الجهاد ونافلته" والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": ٨/ ١٥٢، (سورة التوبة / آية ٤١). والمواق في "التاج والإكليل ومواهب الجليل": ٣/ ٣٤٦، "كتاب الجهاد" وعزاه لابن عبد البر في "الكافي".
(٥) طرف من آيتين: سورة البقرة / آية ١٩٣، وتمامها: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. سورة الأنفال / آية ٣٩، وتمامها: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.
(٦) سورة التوبة / آية ١٤، وتمامها: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾.
(٧) سورة محمد / آية ٣٥، وتمامها: (وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.
[ ٢٤٩ ]
هو في ذلك كلّه: إلى الأئمة، إذ بيدهم الحل والعقد ن فيجب عليهم: أن يجبروا الرعية، وعلى الرعية: أن يمتثلوا- كما تقدّم ذلك مبسوطًا في فصل الاستنفار من المسألة الثانية.
ولذا قال الفقهاء- كما في الشامل وغيره-: (لا يجوز خروج جيش دون إذن الإمام، وتوليته عليهم من يحفظهم) ١.
وقال الشيخ زرّوق ٢ - كما في الحطّاب-: (التوجّه للجهاد بغير إذن الإمام سلّم الفتنة، وقلّ ما اشتغل به أحد فانجح) ٣ اهـ.
فأنت: تراهم منعوا جهاد الرعية بغير إذن الإمام الذي يضبط أمرهم، لأنّهم: وإن خرجوا بمائة ألف مثلًا، فلا يذهبون ببعض الطريق إلاّ تنازعوا وفشلوا قبل الوصول للمحل، وإن وصلوا لم يحصلوا على طائل- إذ التقدم للحروب لا يكون إلاّ بضبط وقهر، وكيفية ترتيب- وغير ذلك-.
فإذا كان كذلك: تعيّن أن يكون الخطاب في تلك الآيات الكريمة، والأحاديث النبويّة، إنّما هو للإمام، فإن لم يكن إمام تعلّق الخطاب بالمسلمين في نصبه، وإقامة أمور الجهاد.
ولذا قالوا: (يلزم الإمام: أن يحمل الناس على الاستعداد ومباشرة القتال) - كما مر-.
وقال الإمام "القرطبي"، وصاحب "الكافي" وغيرهم: (فرض على الإمام إغزاء
_________________
(١) أنظر: بهرام في "الشامل": ٦٤ - ب.
(٢) أبو العباس، أحمد بن أحمد بن عيسى البرنسي، الفاسي: فقيه، محدث، صوفي، تفقّه بفاس، وقرأ بمصر والمدينة، له تصانيف كثيرة يميل فيها إلى الاختصار مع التحرير، منها: "شرح مختصر خليل" و"النصيحة الكافية لمن خصّه الله بالعافية- ط" و"إعانة المتوجه المسكين على طريق الفتح والتمكين"، مات (سنة ٨٩٩هـ). (السخاوي- الضوء اللامع: ١/ ٢٢٢، مخلوف- شجرة النور: ٢٦٧، الزركلي- الأعلام:١/ ٩١).
(٣) أنظر: الحطاب في "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل": ٣/ ٣٥٠، "باب: الجهاد"، عند قول خليل: (وبتعيين الإمام).
[ ٢٥٠ ]
طائفة إلى العدوّ كل سنة مرّة، يخرج معهم بنفسه، أو يولّي عليهم من يثق به، وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم: الخروج المذكور، لا خروجهم كافة) اهـ.
أي: لقوله- تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ وهذا: إن كان العدوّ مطلوبًا، لا إن كان طالبًا، فيتعيّن الخروج على جميع ما نزل بهم- كما يأتي-.
فانظروا- أيّدكم الله-!: إلى قولهم: (فرض على الإمام إلخ) فالوجوب المستفاد من تلك الآيات متوجّه: إلى الإمام- والرعية يجب عليها طاعته فيه ولي غيره - فإذا فرّط واتّكل على أن يجاهدوا، ويستعدوا بالخيل، وتعلم الرمي، كان ممّن لحقهم الوعيد المتقدم- هاهنا- وفي فصل الاستنفار- وناهيك بذلك وعيدًا فضيعًا.
فتبيّن: أن الإمام هو: قطب رحاها ١، وشمس ضحاها، وأن عليه المدار في الجبر على الاستعداد وتوابعه من التقدم للجهاد.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ والتحريض: المبالغة في الحثّ على الأمر، ولا قتال، ولا غلظة، ولا علو ٢ [٣٨/أ] إلاّ بآلة، واستعداد.
فيجب عليه: أن يأمر أهل القدرة باقتناء الخيول، وتعلّم الرماية، ويفرض (الادالات) ٣ على القبائل، للتحفير على الثغور، والحصون، وكل قبيلة تموّن
_________________
(١) أي: أن الإمام هو قطب رحى الرعية، وإنما شبّه بقطب الرحى: وهي الحديدة التي في الطبق الأسفل من الرحيين يدور عليها الطبق الأعلى، فكذا الإمام بالنسبة لرعيته، فهو سيّدهم الذي يدور عليه أمرهم. (الرازي- مختار الصحاح: ٤٢٧).
(٢) العلوّ: الغلبة، والرفعة، والشرف. الرازي- (مختار الصحاح: ٣٥٦).
(٣) في"ب" (الآلات) والصواب ما أثبتناه، والادالة هي: حامية عسكرية من الجيش السلطاني النظامي أو من قبائل الجيش تقوم بحراسة أحد المراكز وتتناوب عدة ادالات حيث "تتداول" الخفارة في المراكز التي يعينها لها السلطان وهي في المصطح العسكرى: اسهام من طرف مدينة أو اقليم لتعزيز حامية، من ذلك: الادالة التي وجهها أهل فاس الصويرة عام (١١٧٩هـ / ١٧٦٥م) في عهد السلطان سيدي محمد ابن عبد الله عند ما أسس المدينة وهي عبارة عن خمسين راميًا بقائدها مع فقيه، ومدرّس، ومؤقت، ومؤذن، وشاهدين، وأسقط عنهم البعث الذي كان يفرضه الملوك قبله وهو خمسمائة رام" (أنظر: ابن عبد الله- الموسوعة المغربية:٤/ ٦).
[ ٢٥١ ]
(ادالتها) أو بما يظهر، وكذا: يفعل فيما تهدّم من أسوار الثغور وأبرجتها ١، ويكثر من المهراز ٢، والانفاض، (والبنب) ٣، وغير ذلك من آلات الحرب، ويأمرهم: بالضرب بالانفاض، والمهراز والنبال، وغير ذلك بين يديه- كما مرّ في الفصل الثاني من المسألة الثانية-، ليعلم النجيب منهم فيكرمه، وغيره فيهينه، ويحرضهم على الذهاب إليهم، وقتالهم في أراضيهم- كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ ٤ - ويأمرهم: أن لا يكونوا من الطائفة القائلة: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ - بل من الطائفة الأخرى القائلة- ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٥، لما مر في فصل الاستنفار ٦: (أن للقلّة النصر، وللكثرة الرعب، فالكثرة أبدًا يلزمها الإعجاب، وفي الإعجاب الهلاك).
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ) شَيْئًا ﴾ ٧.
ومن كانت هذه نيّته، وفنى مملكته في الاستعداد والتدريب، وعيّن من كل قبيلة مثلًا مائة فارس ونحوها، ومن شجعانها وأبطالها الذين رموا بين يديه، وظهرت نجابتهم في الإصابة بالرمي في الكرّ والفرط بمرأي من عينيه، حصلت له ولهم مزية الجهاد- ولم ترعهم الكتائب الوافرة- وإن كانوا هم أقل عددًا- بل هم مجاهدون، وإن ماتوا قبل ملاقاة العدوّ، لأنهم على نيّته،
_________________
(١) جمع "برج" وهو: الحصن في المدن وفي الخطوط الدفاعية. وبرج المراقبة: الحصن المشرف الذي يراقب العدوّ منه. (شيت خطاب- المصطلحات العسكرية: ١/ ٧٧).
(٢) بحثت عن معناها فلم أقف عليه، وهو الثابت في جميع النسخ، ولعلّها تحصيف من المهراس الذي هو مدفع الهاوون. (أنظر: المنوفي- مظاهر يقظة المغرب الحديث: ١/ ١٥٤).
(٣) سورة البقرة / آية ٢٤٩، وتمامها: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّة مُبْتَلِيكُمْ بِنَةرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
(٤) سورة التوبة / آية ٣٦.
(٥) هي القنابل الثقيلة. أنظر: المنوني- مظاهر يقظة المغرب الحديث: ١/ ١٥٤.
(٦) أنظر قول الطرطوشي في: ٢١٩.
(٧) سورة التوبة / آية ٢٥.
[ ٢٥٢ ]
"وإنما الأعمال بالنيات " ١.
فسعدوا- والله-! وكفى بمزية الجهاد مزية، إذ لا يدركها أحد ولو استمرّ [٣٨/ب] في، العبادة ألف سنة، لأنّه: أعزّ دين الإسلام، ومشى على نهجه﵊
- وقام بأوامر الله أحسن قيام، وبالغ في إعلاء كلمات الله مبالغة الأبرار الكرام.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ ٢. ثم قال: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ﴾ ٣.
وإن هو أهمل ذلك الاستعداد، وترك رعيّته على ما هم عليه من الافتخار باللّباس، والانهماك في المآكل والازدراد، والاشتغال بزينة يحلّى بها نحر وجيد ٤، والتنافس فيما لا يغني في الشدائد ولا يفيد، حتى تداعت الصلبان محيلة عليهم وعليه، وتحركت الطواغيت من كل جهة إليهم وإليه: فقد تلّه ٥ الشيطان
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه"، أنظر: "فتح الباري في شرح صحيح البخاري": ١/ ٩ "كتاب: بدء الوحي"، وهو أول حديث في الصحيح. ومسلم في "صحيحه": ٣/ ١٥١٥ "كتاب الامارة" "باب: إنما الأعمال بالنية". وكلاهما أخرجاه عن طريق عمر بن الخطاب﵁- قال: "قال رسول الله - ﷺ - "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلّ امرىء ما نوى: فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
(٢) سورة التوبة / آية ١٢٠، وتمامها: ﴿مَا كَانَ لِأَةلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّة لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
(٣) سورة التوبة / آية ١٢١، وتمامها: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
(٤) في "ب" وجيه) وهو تصحيف، وهي بمعنى: العنق، والجمع: أجياد، مثل: حمل وأحمال (المصباح المنير:١/ ١٤٣).
(٥) أي: صرعه، فهو: متلول وتليل، أو ألقاه على عنقه وخدّه. (ترتيب القاموس المحيط: ١/ ٣١٤).
[ ٢٥٣ ]
للجبين، وخسر الدنيا والآخرة- ذلك هو الخسران المبين- (فلا هو [ولا] ١ هم مفلحون في الدنيا بغلبة عدوّهم) ٢، ولا هو ولا هم مفلحون في الآخرة بالنجاة من عذاب ربّهم، للحوق ما تقدّم من الوعيد الفضيع إليهم، وذلك دأب الله- سبحانه- مع من أهمل أوامره، ورضي في الدنيا بالدون، وأمن مكر الله ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٣.
فاعتبروا- يا أولي الأبصار-: فإن الذهول ٤ عمّا وقع بأهل البلاد والقواعد غريب، وتفكّروا في منابرها التي كان ٥ يعلو فيها واعظ وخطب، وفي مساجدها المتعدّدة الصفوف، كيف استولى عليها الكافر المريب ٦؟، وكيف أخذ الله فيها بذنب المترفين ٧ المعرضين عن الأوامر بالاستعداد من دونهم!؟، [٣٩/أ] وعاقب الجمهور لمّا أغمضوا عن الاستعداد وممارسة القتال عيونهم، فساءت بالغفلة عنه عقبى جميعهم، وذهبت النقمات ٨ بعاصيهم، ومن داهن في أمره من مطيعهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ٩!.
فاستعدوا- أيّدكم الله-!: فإن ترك أوامر الله- التي من جملتها الاستعداد، والتدريب مع الحروب- مؤذنة بالبوار ١٠، وذريعة ١١ لأن
_________________
(١) ساقطة من جميع النسخ، والإضافة من عندنا.
(٢) ساقطة من "ب".
(٣) سورة الأعراف / آية ٩٩، وتمامها: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
(٤) النسيان والغفلة. (المعجم الوسيط:١/ ٣١٧).
(٥) ساقطة من "ب".
(٦) المفزع، وأراب الرجل، أي: صار ذا ريبة، فهو مريب. (المعجم الوسيط: ١/ ٣٨٦).
(٧) من ترف، أي: تنعّم، وأترفته النعمة: أطغته. (الرازي- مختار الصحاح: ٥٧).
(٨) من النقمة- بالكسر والفتح-: المكافأة بالعقوبة. (ترتيب القاموس المحيط: ٤/ ٤٣٣).
(٩) سورة الأ نفال / آية ٢٥، وتمامها: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّة شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
(١٠) البوار: الهلاك. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ١/ ٢٨٢).
(١١) ١ - الذريعة: الوسيلة، والجمع، الذرائع. (الرازي- مختار الصحاح: ١٧٥).
[ ٢٥٤ ]
تصبحوا مضغة في لهوات ١ الكفار، وانتصروا لدين الله غاية الانتصار، وتوجّهوا إلى الله تعالى بالتضرع ٢ والانكسار، وإلاّ فقد تعيّن في الدنيا والآخرة حدّ الخسار.
فإن من ظهر عليه عدوّ دينه، وهو عن أوامر الله مصروف، وعلى الحطام ٣ المسلوب ٤ عنه ملهوف ٥، لم تقم له بعد ذلك قائمة، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّة يَنْصُرْكُمْ﴾ ٦. [قال]: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْةرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ ٧.
فمن استعدّ لعدوّه الكافر في الفسحة ٨ (والمهلة) ٩ وجد منفعة العدّة، ومن تقرّب إلى الله باتّباع أوامره- بالاستعداد وغيره- وجده في الشدة. والعاقل من لا يغترّ في الحروب بالسلم مع عدوّه بطول المدة، فإن الدهر يتقلّب، ويبلي ١٠ الجدّة، ويستوعب ١١ العدّة.
_________________
(١) جمع "اللهاة" وهى: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم. (الرازي- مختار الصحاح: ٤٨٠، البستاني- فاكهة: ١٣١٨). وهنا تشبيه بليغ، حيث وصف المسلمين المتهاونين في ترك أوامر الله الذين لا يؤخذون بأسباب الاستعداد والتدريب للجهاد أما العدوّ والكافر بالمضغة السهلة اللّينة أمام ماضغها.
(٢) في "ب" و"ج" و"د" (بالضراعة).
(٣) هو: كل ما في الدنيا من مال يفنى ولا يبقى. (البستاني- فاكهة البستان: ٣١٥).
(٤) من السّلب، وهو: الاختلاس، والانتزاع قهرًا. (الرازي- مختار الصحاح: ٢٤٤).
(٥) من لهف، وتلهّف عليه: حزن وتحسّر، ويقال: "هو ملهوف القلب"، اي: محترقه. (ابن منظور- لسان العرب: ٤٠٨٧).
(٦) سورة محمد / آية ٧، وتمامها: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّة يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
(٧) سورة التوبة / آية ٨، وتمامها: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
(٨) بالضم: السّعة: (الرازي- مختار الصحاح: ٣٩٥).
(٩) والمهلة بالضم: السكينة، والرفق. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٤/ ٢٩٢).
(١٠) من بلي- بالكسر- وهو: الفناء، ويقال: "بلي الميت" أفنته الأرض. (الفيومي- المصباح المنير ك ١/ ٧٨).
(١١) ١ - أي: يستأصل. (الرازي- الصحاح: ٥٧٧، المعجم الوسيط: ٢/ ١٠٥٤).
[ ٢٥٥ ]
ولما استولى الكافر- دمّره الله- على ثغر الجزائر ١ - أعادها الله دار إسلام- في المحرّم سنة ١٢٤٦ "ست وأربعين ومائتين وألف"، لفقت ٢ خطة مشتملة على
التحريض على الاستعداد، وعلى بعض أحكام الجهاد، وخطت بها- بعد ذلك - في بعض البلاد، خروجًا: من عهدة ٣ قوله﵊-: "إذا
ظهرت البدع، وسكت العالم، فعليه (لعنة) ٤ الله والعباد" ٣ ومن عهدة قوله- تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ ٦ ومن عهدة قوله [٣٩/ب] تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ ٧ الموجب ذلك كله،
_________________
(١) أنظر: الجيلالي- تاريخ الجزائر العام: ٣/ ٣٨١ - ٣٩٤، "الحملة الفرنسية ضد الجزائر" حيث أنه في اليوم الثاني من شهر ذي الحجة ١٢٤٥هـ /٢٥ مايو ١٩٣٠م غادرت الحملة الفرنسية ميناء "طولون" بقيادة الأميرال "دوبيري" متجهة إلى الجزائر، وكان دخولها من منطقة "سيدي فرج" على بعد أربعة عشر كيلومترًا غربي العاصمة، وهي المنطقة التي اختارها لنزول الجيش بها الخبير العسكري "بوتان" الذي كان قد بعث به نابليون من قبل (١٨٠٨م)، لاختبار أرض الوطن، فاختار هذه الناحية لأن الحملة تستطيع منها أن تأتي مدينة الجزائر من خلفها بدل أن تتعرض لها من ناحية وجهها الحصين فيما لو أرادت النزول في شاطيء أو مرفأ مدينة الجزائر ذاتها، وهكذا بدون اعلان حرب أو إنذار بقتال أخذت الجيوش الفرنسية تنزل بأرض الجزائر إلى أن وقعت العاصمة في أيديهم في (١٤ محرّم ١٢٤٦هـ) الموافق (٥ جويلية ١٨٣٠م).
(٢) لفّق: ضمّ كلام الخطبة بعضه إلى بعض كما يضمّ بين شقّي الثوبين بالخياطة، فيقال لفّق بين الثوبين، أي: لأم بينهما بالخياطة. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٤/ ١٥٨، البسناني - فاكهة: ١٣٠٥).
(٣) ساقطة من "ب" و"ج" و"د".
(٤) ساقطة من "الأصل" ومن "ب"، والإضافة من و"ج" و"د".
(٥) أورده السيوطي في "جمع الجوامع": ١/ ٧٠، عن معاذ، ولفظه:، إذا ظهرت البدع في أمتي وشتم أصحابي فليظهر العالم علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله" وعزاه للديلمي. وكذا أورده في نفس المصدر السابق من طريق ابن عساكر عن معاذ: ١/ ٧٠.
(٦) سورة آل عمران / آية ١٨٧، وتمامها: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.
(٧) سورة البقرة / آية ١٥٩، وتمامها: ﴿وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
[ ٢٥٦ ]
لطرد الكاتم والإبعاد، وامتثالًا لقوله تعالى- في كتابه الكريم-: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ ٢.
ولقوله - ﷺ - ممّا أخرجه: "أحمد" و"الطبراني": "أن المؤمن يجاهد بسيفه، ولسانه" ٣، ولقوله﵊- فيما أخرجه "السمرقندي"-٤: "أن أول من يدخل الجنة سرًا، والناس في الحساب من أمر بالجهاد، وحرّض عليه" ٥ وهكذا أيضًا رواه في: "شفاء الصدور" ٦.
وعن عليّ﵁- قال: "من حرّض أخاه على الجهاد، كان له أجره، وكان له في كل خطوة في ذلك عبادة سنة".
والمأثور عنهم في ذلك: لا يحويه ديوان، ولا يحصره زمام الأذهان، وكيف "والدين كجسم، والجهاد منه بمنزلة الرأس في الأجساد"!.
_________________
(١) سورة النساء / آية ٨٤.
(٢) سورة الأنفال / آية ٦٥.
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده": ٣/ ٤٥٦، عن كعب بن مالك. وأورده السيوطي في "جمع الجوامع": ٢/ ٢١١. وجاء في "سنن" أبي داود، نحوه، عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم). (عون المعبود شرح سنن أبي داود: ٧/ ١٨٢).
(٤) أبو محمد، الحسن بن أحمد بن محمد بن جعفر السمرقندي القاسمي: إمام زمانه في الحديث، من كتبه: "بحر الأسانيد في صحاح المسانيد". جمع فيه مائة ألف حديث، قال الذهبي: (لم يقع في الإسلام مثله). مات (سنة ٤٩١هـ). (الكتاني- الرسالة المستطرفة: ١٢٥، الزركلي- الأعلام: ٢/ ١٨٠).
(٥) لقد أطلت النفس في البحث عنه فلم أجده.
(٦) "شفاء الصدور"، لابن السبع، الإمام الخطيب أبي الربع سليمان السبتي، قال عنه صاحب "مشارع الأشواق" (وقفت عليه في نحو أربعة أسفار يشتمل على أحاديث في فضائل الأعمال وضع فيه مؤلفه من عجائب الغرائب أصولًا وفروعًا جمع فيه وادعى، وأودع أحاديثه عريّة عن الإسناد. (حاجي خليفة- كشف الظنون: ٢/ ١٠٥٠)، وقد أخبرني الشيخ العلاّمة محمد المنوني: أنه توجد قطعة منه في المغرب.
[ ٢٥٧ ]
وأثبّتها هاهنا لما اشتملت عليه من التحريض، ونيل الثواب الجزيل في قتال أهل العناد.
نصّها: (الحمد لله، الواحد الأحد، المنزّه عن الأكفاء، والأضداد، المتعالي عن الأشياء، والشركاء، والأنداد، الذي هدى من وفّقه إلى طريق الرشاد، وخذل بعدله من أضّله فأوجب له الطرد والإبعاد، نحمده ونشكره على ما أسبغ ١ من النعم، ورفع من النقم، وهو سبحانه لمن حمده وشكره كفيل بالازدياد.
ونشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، شهادة ترغم ٢ بها أنوف أهل الشرك والارتداد.
ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، المبعوث بدلائل الحقّ، وقتال أهل العناد، - ﷺ -، وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار- الذين [٤٠/أ] بذلوا المجهود في قتال أهل الشرك، بذلًا خارجًا عن المعتاد- صلاة دائمة تقينًا بها من أهوال يوم الجزاء، الذي لا ينفع فيه مال، ولا وداد ٣.
عباد الله!: عليكم بتقوى الله، وأجيبوا داعي الله، واعلموا: أن الله- سبحانه- أيّد هذا الدين المحمّدي بالجهاد، ووعد الساعي فيه، أو في شيء منه إلى سني المراد، فجعل- سبحانه- الشهيد بالحياة المحفوفة في برزخ ٤ الموت بالرزق الجزيل وحسن الاستمداد، فما من ميت مقبول إلاّ ولا يتمنّى العود إلى الدنيا إلاّ الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة عند ذي العرش المجيد، فيتمنّى: الرجوع إليها ليزداد- إذ له من الكرامة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر- يوم العباد!.
أخرج "الحاكم": عن "عائشة"- ﵂-: أن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) أي: أتمّ. (المعجم الوسيط:١/ ٤١٦).
(٢) تقول: فعل ذلك على الرغم من أنفه، ورغم أنفي لله ﷿. معناه: ذلّ وانقاد، لأن أمسّ به التراب. (الرازي- مختار الصحاح: ١٩٨).
(٣) من المودّة، وهي: المحبّة. (المعجم الوسيط: ٢/ ١٠٣١).
(٤) ما بين الموت والبعث، فمن مات فقد دخل البرزخ، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (سورة المؤمنون / آية ١٠٠). (المعجم الوسيط: ١/ ٤٨).
[ ٢٥٨ ]
- قال: "لجابر ١ بن عبد الله"- وقد استشهد أبوه ٢ في "أحد" ٣: "ألا أبشّرك؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: "إن الله أحيا أباك وأقعده بين يديه، وقال له: تمنّ عليّ ما شئت أعطيك؟، قال: يا ربّ ما عبدتك حق عبادتك، أتمنّى أن تردّني إلى الدنيا أقتل مع نبيّك مرة أخرى في الجهاد، قال: قد سبق منّي إنك إليها لا تردّ! " ٤.
فأعظم به من وصف لا تحصى فضائله، إذ قدمت على نوافل الخير المعلّى ٥ نوافله، عند الربّ الرحيم الكريم يوم التناد.
فناهيك بأن للمجاهد مزية لا يدركها غيره، ولو عبد ألف سنة، هي حياته المحفوفة بالرزق الجزيل طول الأباد ٦.
_________________
(١) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري السلمي، صحابي، من المكثرين من الرواية عن النبي - ﷺ -، غزا تسع عشرة غزوة، وكانت له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم، روى له البخاري ومسلم وغيرهما. (١٥٤٠) حديثًا، مات (سنة ٧٨هـ). (النووي- تهذيب الأسماء واللغات:١/ ١٤٢، ابن حجر- الإصابة: ٢/ ٤٥، الزركلي- الأعلام: ٢/ ١٠٤).
(٢) هو: الصحابي عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي، يكنّى بأبي جابر، وكان عقبيًا، بدريًا، شهد "بدرًا" "واحدًا"، وقتل يوم "أحد"، ودفن هو وعمرو بن الجموح في قبر واحد، قال النبي - ﷺ -: "ادفنوهما في قبر واحد فإنهما كانا متصاينين متصادقين في الدنيا". (ابن الأثير- أسد الغابة: ٣/ ٢١٣ - ٢٣٣).
(٣) بضم أوله وثانيه معًا: اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة أحد التي قتل فيها حمزة عم النبي - ﷺ - ويقع في شمالي المدينة على قرابة ميل منها. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ١/ ١٠٩).
(٤) أورده الزبيدي في "اتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين": ٣/ ٢٤، بنحوه. والهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد": ٩/ ٣١٧، (كتاب: المناقب" "باب: ما جاء في عبد الله بن عمرو بن حرام" بنحوه.
(٥) من العلاء بالفتح أو العلى وهو: الرفعة والشرف. (البستاني- فاكهة البستان: ٩٨١).
(٦) أي: مدى الدهر. (المعجم الوسيط:١/ ٢).
[ ٢٥٩ ]
أخرج "ابن جرير" ١: عن "الضحاك" ٢ - ﵁-: أن رسول الله - ﷺ - قال- لما أصيب أهل "أحد"-: [٤٠/ب] "أعطاهم الله الشهادة، والحياة، والرزق الطيب"، قالوا: يا ليتنا من يبلّغ إخواننا: إنّا قد لقينا ربنا، فرضي عنّا، وأرضانا، فقال الله- تعالى-: أنا رسولكم إلى نبيّكم، وإخوانكم، وأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾ ٣ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ ٤ ٥.
فبيّن- سبحانه-: أنه لا نجاة من الموت، ولا محيد إلاّ في قتال أهل الكفر والعناد، فيا لها من مزية علت المزايا مراتبها، ورتبة علت المراتب فضائلها، فاق
_________________
(١) أبو جعفر، محمد بن جروير بن يزيد الطبري، المؤرخ، المفسّر، الإمام الثقة، المجتهد، استوطن بغداد، عرض عليه القضاء والمظالم فامتنع. من كتبه: "أخبار الرسل والملوك- ط"، يعرف بتاريخ الطبري، و"جامع البيان في تفسير القرآن- ط". مات (سنة ٣١٠هـ). (الذهبي- تذكرة الحفاظ: ٢/ ٣٥١، ابن كثير- البداية: ١١/ ١٤٥، كبرى زاده- مفتاح السعادة: ١/ ٢٠٥).
(٢) أبو سعيد، الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب الكلابي، شجاع، صحابي، كان نازلًا بنجد، وولاه رسول الله - ﷺ - على من أسلم هناك من قومه، وكانوا يعدونه بمائة فارس، وله شعر، مات (سنة ١١هـ). (ابن الأثير- أسد الغابة: ٣/ ٣٦، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٢١٤).
(٣) سورة آل عمران / آية ١٦٩، وتمامها: (عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
(٤) سورة البقرة / آية ١٥٤، وتمامها: (وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
(٥) أخرجه أبو داود في "سننه" "أنظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود": ٧/ ١٩٤، نحوه مطوّلًا من طريق: عثمان بن أبي شيبة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأحمد في "مسنده": ١/ ٢٦٦، "كتاب الغزوات"، نحوه من طريق: أبي الزبير المكي عن ابن عباس. والحاكم في "المستدرك ": ٢/ ٨٨، ٢٩٧، نحوه مطوّلًا. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". والبيهقى في "سننه": ٩/ ١٦٣، "كتاب: السير" "باب: فضل الشهادة في سبيل الله ﷿" نحوه. وأورده الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين": ١٠/ ٣٨٨، نحوه مختصرًا.
[ ٢٦٠ ]
بها المجاهد سائر العباد، وفاز بكريم منابها ١ يوم يقوم الاشهاد، فلو أراد أحدكم دواء للموت لم يجد له دواء إلاّ فناء نفسه في قتال أهل الكفر والارتداد!.
فحرّضوا أنفسكم وأشياعكم عليه بقلب وقالب ٢ وجازم الاعتقاد، وأكثروا من الأهبة والنفر إليه، وبادروا له بغاية الاستعداد، فإن لم تشغلوهم شغلوكم، وإن لم تقاتلوهم قاتلوكم، كيف وهم لكم بالمرصاد، أو لا ترون أنهم نزلوا على من بالقرب ٣ منكم، واستولوا لهم على أعظم الثغور، وصارت تخلي رعبًا منهم المنازل والقصور، ويغتالون لهم الرقاب والأموال والولاد!.
فانظروا أيّدكم الله لأنفسكم!: فإن فساد الكفر لا يعدّ له فساد، يبثّ الشرك والتثليث، وينسخ كلمة التوحيد، ويمحي أثر قائلها من الأرض والبلاد!.
أولا تتيقّنون أن الله- سبحانه-: أمرنا بالغلظة عليهم، والتقوّي، وكثرة الاستعداد؟.
أولا تعلمون أن الله- سبحانه-: وعدنا بالنصر عليهم وهو سبحانه إن وعد بشيء لا يخلف الميعاد-؟ فقال- جلّ من قائل-: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّة يَنْصُرْكُمْ﴾ ٤، وقال: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ ٥، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٦ وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٧، وقال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ ٨، وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٩، وقال: (أم
_________________
(١) المناب:- بالفتح- مصدر: يقال: "ناب عنه نوبًا ومنابًا": قام مقامه. (الرازي- مختار الصحاح: ٥٤٢، ترتيب القاموس المحيط: ١٥٢٠).
(٢) القالب: ما تفرغ فيه المعادن وغيرها ليكون مثالًا لما يصاغ منها. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٣/ ٦٧٢، البستاني- فاكهة البستان: ١١٨٦).
(٣) أي: على "ثغر الجزائر".
(٤) سورة عمد / آية ٧.
(٥) سورة التوبة / آية ١٢٣.
(٦) سورة الأنفال / آية ٦٠.
(٧) سورة البقرة / آية ١٩٣.
(٨) سورة التوبة / آية ١٤.
(٩) سورة التوبة / آية ٣٦.
[ ٢٦١ ]
حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاةدُوا مِنْكُمْ﴾ ١ أي: أحسبتم: أن تتركوا فلا تؤمروا بالقتال في الجهاد، ولا تمتحنوا ليظهر الصادق في إيمانه من الكاذب، ويتميّز كل على الانفراد ٢، وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ ٣ أي: لنعاملنّكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالقتال والجهاد، حتى يتبيّن الصابر على دينه من غيرم، وتظهر أخباركم للحاضر والباد ٤.
فتنبّهوا- أيّدكم الله-!: فإنكم بهذه الآيات القرآنية المخاطبون، وبالأحاديث المصطفيّة المقصودون، إذ بيدكم الحلّ والعقد، والرعيّة في طوعكم، فكيف بأمرها بالجهاد تبخلون!؟ - وأنتم خلفاء الله في أرضه- فكيف على دينه لا تغيرون!؟، أأمنتم مكر الله- ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ -!؟ ٥، أأتخذتم عند الله عهدًا، فأنتم عليه متوكّلون!؟ ٦، أم تعتقدون: أن كفاركم اليوم لا يقصدونكم بالقتال والجهاد؟، أم تقولون: نحن اشتغلنا اليوم بجهاد أنفسنا ورعيّتنا، (بالخدمة) ٧ على الأولاد؟!.
والنبي﵊-: إنما بعثه الله مجاهدًا، وفي هذا العرض الأدنى زاهدًا، متقنّعًا باليسير، وهو: يستعدّ لعدوّه الاستعداد الكبير، فإذا لم تقتدوا به فبمن تقتدون؟، وإذا لم تهتدوا به فبمن تهتدون؟، وإذا لم تشمّروا ٨ عن
_________________
(١) سورة التوبة / آية ١٦، وتمامها: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
(٢) أنظر: القرطبي- "الجامع لأحكام القرآن ": ٨/ ٨٨.
(٣) سورة محمد / آية ٣١، وتمامها: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾.
(٤) قال القرطبي: ("ولنبلونّكم" أي: نتعبّدم بالشرائع وإن علمنا عواتب الأمور، وقيل: لنعاملنّكم معاملة المختبرين، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾، قال ابن عباس: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾، حتى نميّز، وقال علي﵁-: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾، حتى نرى). (الجامع لأحكام القرآن: ١٦/ ٢٥٣).
(٥) سورة الأعراف / آية ٩٩.
(٦) في "ب" (متّكلون).
(٧) ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٨) من شمّر ازاره تشميرًا: رفعه، والتشمير في الأمر، السرعة فيه والخفة، ويقال: "شمّر عن
[ ٢٦٢ ]
ساق الجدّ في هذه البرهة ففي أيّ وقت تشمرون!؟، وإذا لم تستعدّوا في هذه الفسحة فمتى تستعدّون!؟.
أفلا تتذكرون: أن الله- سبحانه- أمرنا بالذهاب إليهم، وقتالهم في أراضيهم، فكيف: إذا قدموا إلى برّنا هذا بالغيّ والفساد!؟، [٤١/ب] أم لنا براءة استثنانا الله- تعالى- بسببها من عموم دعوة العباد؟!.
فالجهاد: فرض عين على من نزل بهم عدوّ الدين، فإن لم تكن فيهم كفاية، أو لم تجتمع لهم كلمة: فعلى الذين يلونهم، (فإن لم تكن في الذين يلونهم كفاية، أو لم تجتمع لهم كلمة: فعلى الذين يلونهم) ١، وهكذا إلى أن تحصل الكفاية، ولو اتّصل ذلك من مثل "المغرب" لبغداد"، وعمّ ذلك من الآفاق الحاضر والباد.
فأيقظوا أنفسكم من وسن الغفلة ٢، وانتهزوا من عدوّ الدين الفرصة ما دامت معكم فسحة الاستعداد، قبل أن يتفاقم الهول، ويحق القول، ويسدّ الباب، ويحق العذاب، وتسترق بالكفر الرقاب، ويحصل الفوت بسبب الازدياد- فإنكم إن لم تستعدّوا فهم لكم بصدد الاستعداد والوقوف لكم بالمرصاد، ولا تتّكلوا على ما يخبركم به ضعفاء العقول من وفائهم باستمرار العهود، وعدم نقضهم للميثاق المعقود، فإن ذلك كلّه مردود، إذ لا ميثاق ولا عهد لأعداء الدين وأهل الفساد، كيف ونحن لا نعتبر عهودهم وشهادتهم بالإضافة إليهم، فكيف نعتبرها بالنسبة إلينا بإجماع أهل العلم والاجتهاد!.
جعلني الله وإياكم ممّن يقظ فاستيقظ، ووعظ فاتّعظ، وكان أول من امتثل، حتى فاز بفضيلة مزيّة الجهاد ٣.
_________________
(١) ساعده، أو عن ساقه" أي: جدّ، وشمرت الحرب. وشمّرت عن ساقها: اشتدّت. عن ساقها: اشتدّت. (الرازي- مختار الصحاح: ٢٧٤، الفيومي- المصباح المنير: ١/ ٣٩٠).
(٢) ساقطة من "ب".
(٣) "الوسن" محركة، والوسنة والسنّة: شدّة النوم أو أوّله، أو النعاس. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٤/ ٦١٢).
(٤) في "ب" (الاجتهاد)، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه.
[ ٢٦٣ ]
الفصل الثاني
في جواز صلح العدوّ إن كان مطلوبًا، (وفي) ١
عدم جوازه إن كان طالبًا
ــ
اعلم: أن العدوّ الكافر دمّره الله إما أن يكون طالبًا، أو مطلوبًا.
فالجهاد في الثاني: فرض كفاية، [قال] "ابن النحاس": (جهاد الكفار في بلادهم فرض كفاية [٤٢/أ] باتفاق العلماء).
[وقال] "ابن عرفة": (حاصل أنقال المذهب: أنه فرض كفاية، على قادر عليه، لم ينزل به عدوّ الدين، ولم يبلغه نزوله بمن عجز عن رفعه من مسلم أو ذمي.
ثم قال: وفرض الكفاية، حرام عموم تركه) ٢ اهـ. أي: يحرم أن يتركه الإمام في جميع السنين لغير عذر، قال الإمام "القاضي" "عبد الوهاب"- في "التلقين" ٣ -: (لا يجوز للإمام تركه لهدنة، إلاّ لعذر).
_________________
(١) ساقطة من "ب" و"ج" و"د".
(٢) أنظر: ابن عرفة- المختصر الفقهي: ١/ ٢٦٢ - ب، "كتاب الجهاد".
(٣) "التلقين فى الفروع" للقاضي أبو محمد، عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي، من فقهاء المالكية، له نظم ومعرفة بالأدب، توجّه إلى مصر فعلت شهرته. وكتابه هذا مخطوط في فقه المالكية، قال الحاجي خليفة: (قال القاضي ابن شهبة: مختصر، وشرحه، ولم يتمه، وعليه "شرح" لداود بن عمر الشاذلى، (ت سنة ٧٣٢هـ)، وقال السيوطى- فى "طبقات النحاة": صنف مختصر التلقين للقاضي عبد الوهاب في الفقه). من كتبه أيضًا: "عيون المسائل"، و"النصرة لمذهب مالك" وغيرها. مات (سنة ٤٢٢هـ). (الشيرازي- طبقات الفقهاء: ١٦٨ - ١٦٩، ابن كثير- البداية والنهاية: ١٢/ ٤٢، ابن فرحون، الديباج: ١٥٩ - ١٦٠، حاجي خليفة- كشف الظنون: ١/ ٤٨١).
(٤) نفله الونشريسي في "المعيار": ٢/ ٢٠٩، "في مجاهدون يغيرون على أطراف مراكز العدوّ الذي صالحه السلطان".
[ ٢٦٤ ]
[قال] "اللّخمي": (هو فرض على كل إمام كانت رعيّته تجاور العدوّ) ١ أي: في كل عام مرة.
[وقال] "أبو عمر"- في "كافيه "-، و"القرطبي"- في "تفسيره "- وغيرهما: (فرض على الإمام: إغزاء طائفة إلى العدوّ كل سنة مرة، يخرج معهم بنفسه، أو يولّي عليهم من يثق به إلخ ما مرّ في الفصل قبله.
وذكر "الدمياطى" ٢ - في "كتاب الجهاد"-، "وابن النحاس" ٣، وغيرهما: (أن ترك الجهاد في جميع السنين، والإعراض عنه، والسكون إلى الدنيا خروج من الدين.
واحتجّوا له، بما روي: عن "ابن عمر" ٤ - ﵄-: أن النبي-
_________________
(١) نقله المواق في "التاج والإكليل فى شرح مختصر خليل": ٣/ ٣٤٦"باب: "الجهاد". والحطاب فى "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل": ٣/ ٣٤٧، "باب الجهاد".
(٢) في "الأصل" (الزمياطى) وكذلك في "ج" وفي "د" (الرباطي) وكلاهما تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ب"، وقد ثبت في كتب التراجم. وهو: عبد الرحمن بن أبي جعفر الدمياطي، روى عن مالك وسمع من كبار أصحابه: كابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، وله عنهم سماع مختصر مؤلف حسن وهذه الكتب معروفة باسمه تسمّى بالدمياطيّة، روى عنه: يحيي بن عمر والوليد ابن معاوية وغيرهما. مات (سنة ٢٢٦هـ). (ابن فرحون- الديباج: ١٤٨، مخلوف- شجرة النور: ٢٩).
(٣) أبو جعفر، تقدّم، وكتابه المقصود هنا هو: "مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق" في فضائل الجهاد. وهو مطبوع. (حاجي خليفة- كشف الظون: ٢/ ١٦٨٦، الزركلي- الأعلام: ٨٧).
(٤) أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي: الصحابي الجليل، كان جريئًا جهيرًا، هاجر إلى المدينة مع أبيه وشهد فتح مكة، أفتى الناس في الإسلام ستين سنة، له في كتب الحديث (٢٦٣٠) حديثًا، مات (سنة ٧٣هـ). (ابن سعد- طبقات: ٤/ ١٠٥، ١٣٨، النووي- تهذيب الأسماء:١/ ٢٧٨، ابن خلكان- وفيات: ١/ ٢٤٦، الزركلي- الأعلام: ٤/ ١٠٨).
[ ٢٦٥ ]
ﷺ - قال: "إذا تبايعتم بالعينة ١، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزراعة، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلًاّ، ولا ينزعه عنكم، حتى ترجعوا إلى دينكم" رواه: "أبو داود" بإسناده، وقال: (حسن) ٢.
قالوا: ومعنى الحديث: أن الناس إذا تركوا الجهاد، وأقبلوا على الزراعة ونحوها، سلّط الله عليهم العدوّ،- لعدم تأهبهم له- ولعدم استعدادهم لنزوله-، لرضاهم بما هم فيه من الأسباب، فأعطاهم ذلًاّ، وهو: أنهم لا يتخلّصون من
_________________
(١) العينة: السلف. وفي تفسير الفقهاء: أن يبيع الرجل متاعه إلى رجل، ثم يشتريه منه في المجلس بثمن حال. عند المالكية، وفي قول للظاهرية: بيع الرجل ما ليس عنده، وهي السّلم. عند الشافعية والزيدية، وفي قول للحنفية، وقول للحنابلة: أن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها من المشتري قبل قبض الثمن بثمن نقد أقلّ من ذلك القدر. وفي قول للحنفية: أن يأتي الرجل المحتاج إلى آخر، ويستقرضه عشرة دراهم، ولا يرغب المقرض في الاقراض طمعًا في فضل لا يناله بالقرض، فيقول: لا أقرضك، ولكن أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشر درهما، وقيمته في السوق عشرة، ليبيعه في السوق بعشرة، فيرضي به المستقرض، فيبيعه كذلك، فيحصل لصاحب الثوب درهمان، وللمشتري قرض عشرة. وفي قول للحنابلة، وقول للظاهرية: أن يكون عند الرجل المتاع، فلا يبيعه إلاّ إلى أجل مسمّى. (أبو جيب- القاموس الفقهي: ٢٧٠). قال الشوكاني: (وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة مالك وأبو حنيفة وأحمد والهادوية، وجوز ذلك الشافعي وأ صحابه مستدلّين على الجواز بما وقع من ألفاظ البيع التي لا يراد بها حصول مضمونه وطرحوا الأحاديث المذكورة في الباب). (نيل الأوطار: ٥/ ٢٠٧).
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" أنظر: عون المعبود في شرح سنن أبي داود: ٩/ ٣٣٥، "كتاب البيوع" "باب: النهي عن العينة"، عن نافع عن ابن عمر. والبيهقى في "سننه": ٥/ ٣١٦، "كتاب البيوع" "باب: ما ورد في كراهية التبايع بالعينة". وأورده الزيلعي في "نصب الراية": ٤/ ١٧. والمتقي الهندي في "منتخب كنز العمال": ٢/ ٢٦٣. والشوكاني في "نيل الأوطار": ٥/ ٢٠٦، وقال: (رواه أحمد وأبو داود، وأخرجه أيضًا- الطبراني وابن القطان وصحّحه، وقال الحافظ- في بلوغ المرام- ورجاله ثقات). وقد صحّحه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة": ١/ ١٥.
[ ٢٦٦ ]
عدوّهم، حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم، من جهاد الكفار، والإغلاظ عليهم، وإقامة الدين، ونصرة الإسلام.
وقد دل قوله - ﵊- "حتى ترجعوا إلى [٤٢/ب] دينكم": على أن ترك الجهاد، والإعراض عنه، خروج من الدين، ومفارقة له، وكفى به ذنبًا وإثمًا. اهـ.
فالمخاطب في هذا الحديث الكريم، وغيره، هم: الأئمة، فمعناه: إذا ترك الأئمة الناس، يتبايعون بالعينة، ويتبعون أذناب البقر إلخ،- كما مرّ في الفصل قبله- وفي فصل الاستنفار-.
وذكر الدمياطي، و"ابن النحاس"- أيضًا - وغيرهما، ما نصّه: (خرّج "ابن عساكر" ١، عن "أنس" ٢ باسناده، قال: قال النبي - ﷺ -:
"من غزا غزوة في سبيل الله"، فقد أدّى إلى الله جميع طاعته، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ ٣.
_________________
(١) أبو القاسم، علي بن الحسن هبة الله، ثقة الدين ابن عساكر الدمشقي: المؤرخ الحافظ الرحالة، محدث الديار الشامية. من كتبه: "تاريخ دمشق الكبير" يعرف بتاريخ ابن عساكر، اختصره الشيخ عبد القادر بدران" و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" و"الأشراف على معرفة الأطراف" وغيرها. مات بدمشق (سنة ٥٧١هـ). (ابن خلكان- وفيات الأعيان: ١/ ٣٣٥، ابن كثير- البداية والنهاية: ١٢/ ٢٩٤، كبرى زاده- مفتاح السعادة:١/ ٢١٦، ٢/ ٢١١، الزركلي- الأعلام: ٤/ ٢٧٤).
(٢) أنس بن مالك بن النصر بن ضمضم الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله - ﷺ - وخادمه، روى عنه رجال الحديث (٢٢٨٦) حديثًا، مولده "بالمدينة" ثم رحل إلى "دمشق"، ومنها إلى "البصرة"، وهو آخر من مات "بالبصرة"، من الصحابة (سنة ٩٣هـ). (ابن سعد- طبقات: ٧/ ١٠، ابن الجوزي- صفة:١/ ٢٩٨، ابن الأثير- أسد الغابة:١/ ١٢٧ - ١٢٩، الزركلي- الأعلام: ٢/ ٢٥).
(٣) سورة الكهف / آية ٢٩، وتمامها: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُةا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُةلِ يَشْوِي الْوُجُوة بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾.
[ ٢٦٧ ]
قال: قيل:- يا رسول الله- وبعد هذا الحديث الذي ععناه، من يدع الجهاد ويقعد؟ قال: من لعنه الله، وغضب عليه، وأعدّ له عذابًا عظيمًا، قوم يكونون في آخر الزمان ولا يرون الجهاد، وقد اتخذ ربّي عنده عهدًا لا يخلفه: أيّما عبد لقيه، وهو يرى ذلك، أن يعذّبه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين! ") ١ اهـ.
قال "الدمياطي"- المذكور- وغيره: (ذكر صاحب "شفاء الصدور"، عن "زيد بن أسلم" ٢، عن "أبيه" ٣، أن النبي - ﷺ - قال: "لا يزال الجهاد حلوًا خضرًا ما قطر القطر من السماء، وسيأتي على الناس زمان، يقول فيه قرّاء منهم: ليس هذا بزمان جهاد، فمن أدرك ذلك الزمان، فنعم زمان الجهاد، قالوا:- يا رسول الله- وأحد يقول ذلك، نعم، من لعنه الله، والملائكة، والناس أجمعون! ") ٤ اهـ.
فانظروا- أيّدكم الله-!: إلى هذا الوعيد الفضيع، وبالجملة: إنما تجوز المهادنة مع كون الجهاد فرض كفاية، بأن يكون العدوّ مطلوبًا في أرضه، ومع
_________________
(١) أورده المتقي الهندي في "منتخب كنزل العمال": ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩، مختصرًا، وعزاه للديلمي عن أنس.
(٢) أبو أسامة أو أبو عبد الله، العدوي العمري، فقيه مفسر من أهل المدينة، كان مع عمر بن عبد العزيز أيام خلافته، ثقة كثير الحديث، له حلقة في المسجد النبوي، وله كتاب في "التفسير" رواه عنه ولده عبد الرحمن. مات (سنة ١٣٦هـ). (الذهبي- تذكرة الحفاظ: ١/ ١٢٤، ابن حجر- تهذيب: ٣/ ٣٩٥، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٥٦ - ٥٧).
(٣) أبو زيد، اسلم العدوي، أدرك زمن النبي - ﷺ - وروى عن أبي بكر، ومولاه عمر وعثمان وابن عمر وغيرهم. قال عنه العجلي: (مدني ثقة من كبار التابعين)، قال أبو عبيد: (توفي سنة ٨٠هـ). (ابن الأثير- أسد الغابة: ١/ ٧٧ - ٧٨، ابن حجر- تهذيب التهذيب: ١/ ٢٣٣).
(٤) أورده المتقي الهندي في "كنز العمال": ١٠٧٤٢، نحوه. ولفظه: "لا يزال الجهاد حلوًا خضرًا ما أمطرت السماء وأنبتت الأرض وسينشأ نشوء من قبل المشرق يقولون: لا جهاد ولا رباط أولئك هم وقود النار، بل رباط يوم في سبيل الله خير من عتق ألف رقبة ومن صدقة أهل الأرض جميعًا". وكذلك في "المنتخب": ٢/ ٢٧٥.
[ ٢٦٨ ]
ذلك قالوا: (إنما تجوز لمصلحة) من استعداد، وإقامة [٤٣/أ] جيش، ونحو ذلك، مما يراه الإمام من المصالح التي يحتال فيها لعدوّه) ١.
قالوا: (ويستحب: أن لا تزيد المهادنة على أربعة أشهر) كما في "خليل" ٢، وغيره ٣.
وكيف يطوّل في الهدنة سكونًا للراحة، من تدبّر قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوةا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَةا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَةا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِةادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ونحوها من الآيات!؟.
قال في "الكشاف ": (قوله تعالى: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: عقوبته عاجلة أو آجلة قال: وهي آية شديدة لا ترى أشد منها إلخ) ما تقدّم من كلامه فيها مع غيرها.
وقال "ابن النحاس": (في هذه الآية الشريفة: من التهديد، والتحذير، والتخويف، لمن ترك الجهاد رغبة عنه وسكونًا إلى ما هو فيه من الأهل والمال، ما فيه كفاية، فاعتبروا يا أولي الأبصاره) اهـ.
وقد قالوا: (إن الإمام مع الرعية، كالنفس مع صاحبها، إن لم يشغلها شغلته).
فالإمام: إن لم يشغل الرعية بأمور الجهاد، شغلته بالقيام عليه، وبعدم امتثال أوامره، كما أن النفس: إن لم يشغلها صاحبها بالعبادة والطاعة لربّها، شغلته بالمعاصي، وكفران النعم التي أسبلت عليها.
وقال "القرطبي"- في "تفسيره"-: (إن قيل: كيف يصنع الواحد إذا قصّر
_________________
(١) قال أحمد المرنيسي (قال الشيخ خليل: وللإمام المهادنة لمصلحة ان خلا عن كشرط بقاء مسلم وان بمال). (أنظر جوابه لسؤال عن حكم المال الذي يفرض على المسلمين لدفعه إلى الأعداء مقابل الصلح بعد نفاد مال بيت مال المسلمين ص: ٢).
(٢) أنظر: "مختصر خليل": ١٠٣ (فصل عقد الجزية) ونصّه: (وندب أن لا تزيد على أربعة أشهر.
(٣) قال الموّاق: (قال ابن شاس: استحبّ الشيخ أبو عمر أن لا تكون المدة أكثر من أربعة أشهر إلاّ مع العجز). (التاج والإكليل لمختصر خليل: ٣/ ٣٨٦).
[ ٢٦٩ ]
الجميع- يعنى: في الجهاد- أو في فداء الأسارى -؟ قيل: يعمد إلى أسير واحد فيفديه،- فإنه إذا فدى الواحد (فقد أدّى في الواحد أكثر ممّا كان يلزمه في الجماعة - فإن الأغنياء لو اقتسموا فداء الأسارى ما أدّى كل واحد منهم إلاّ أقلّ من / (درهم- ويغزو بنفسه إن قدر، وإلاّ جهّز غازيًا، لقوله﵊-): "من جهّز غازيًا، فكأنما غزا" ١ اهـ.
ثم لا يخفى: أن ما وقع لتلك الأقطار، حتى صار لهم العدوّ يقطع لهم البحار، ويتّبعهم في الفيافي ٣ والقفار ٤، والمسلمون أمامه "كأولاد الجراد"، هذا يتقدّم أمام الآخر سالكين نهج الفرار، إلاّ من طول المهادنة في تلك الأوطان، وعدم ممارسة القتال وشدّة الامتحان، فسكنوا إلى الراحة، واشتغلوا بالتكسّب
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" "أنظر: فتح الباري في شرح صحيح البخاري: ٦/ ٤٩. "كتاب الجهاد" "باب: فضل من جهّز غازيًا أو خلفه بخير"، عن زيد بن خالد، وزاد عليه: "ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا". ومسلم في "صحيحه": ٣/ ١٥٠٧، "كتاب: الامارة" "باب: فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره. والترمذي في "صحيحه": ٤ م ١٦٨، "كتاب فضائل الجهاد" باب: ما جاء في فضل من جهّز غازيًا، وقال: (قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير هذا الوجه). والنسائي في "سننه": ٦/ ٤٦، "كتاب الجهاد" "باب: فضل من جهّز غازيًا". وأبو داود في "سننه": ٣/ ١٢، "كتاب: الجهاد"، "باب: ما يجزىء في الغزو". وأحمد في "مسنده": ٤/ ١١٥. وأورده المتقي الهندي في "منتخب كنز العمّال": ٢/ ٢٦٤.
(٢) القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": ٨/ ١٥٢، وزاد في الحديث: "ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا".
(٣) جمع "فيفاء" وهي الصحراء الملساء، وقد أضيفت إلى عدة مواضع منها: فيفاء "الخبار" و"رشاد"، وفيفاء "غزال" بمكة وغير ذلك. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ٤/ ٢٨٥).
(٤) جمع "قفر"، وهو: الخلاء من الأرض لا ماء فيه ولا ناس ولا كلأ، ودار قفر: خالية. (المعجم الوسيط: ٢/ ٧٥٦).
[ ٢٧٠ ]
وأموال الزراعة، وصار عدوّهم يتحيّل لهم بأدنى التحيلات، فيفشي أخبارًا في أجناس الكفّار من اليهود وغيرهم، أنه يريد ثغور المسلمين، وأنه مريد الخروج منها، أو أنه يريد الصلح ونحو ذلك، وذلك كلّه: مكيدة، لعلمه: بأن ذلك يصل للمسلمين، فتسكن نفسهم إليه، فينتهز فيهم فرصته، وإذا رآهم لقتاله اجتمعوا كفّ عن خروجه لهم حتى يتفرّقوا لطلب ما به تطبّعوا لعلمه: أنه لا صبر لهم عليه، وأنه ليس بيد أميرهم رزق يرشدهم إليه، ولا لهم مغيث من أمراء الآفاق يعينهم عليه، فإذا تفرّقوا دهمهم بما من الجيوش لديه.
ولهذا: قدّمنا- في الفصل الذي قبله ويليه- وفي الفصل الثاني من المسألة الثانية-: أن الإمام يجب عليه: أن يفرض على كل قبيلة مائة مثلًا ونحوها من شجعانها وأبطالها تكون معه دائمًا، وكل قبيلة تموّن مائتها، وعليه رعي النصفة في المناوبة بين الناس- كما في "ابن شاس" ١ - ٢ فإذا قامت معه هذه ستة أشهر ونحوها، ردّها لبلادها بعد أن تأتي الأخرى في محلها، وهكذا، ليدفع بذلك هذه الحيلة، وليس المقصود الاقتصار على دفعها، بل المقصود: الاستعداد لدفعها وإخراجهم من القصور التي استولوا للمسلمين عليها، وإهانتهم في أراضيهم التي أتوا للإسلام منها. [٤٤/أ]
وقد تقدّم- في تلك الفصول- ما- فيه كفاية، لأهل البصيرة وأولي العناية، [قال تعالى]: ﴿الَّذِينَ جَاةدُوا فِينَا لَنَةدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ٣، ﴿إِنَّ اللَّة مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) أبو محمد، عبد الله بن محمد بن نجم بن شاس، جلال الدين، الجذامي السعدي المصري، شيخ المالكية في عصره بمصر، له "عقد الجواهر الثمينة" في فقه المالكية. مات مجاهدًا "بدمياط" (سنة ٦١٦هـ). (مخلوف- شجرة النرر: ١٦٥، الزركلي- الأعلام: ٤/ ١٢٤).
(٢) أنظر: عقد الجواهر الثمينة: ١/ ٤٦٤ ونقله الحطاب في "مواهب الجليل لمختصر خليل": ٣/ ٣٤٧.
(٣) سورة العنكبوت / آية ٦٩.
(٤) سورة النحل / آية ١٢٨.
[ ٢٧١ ]
قال "ابن عرفة": (كرّه علماؤنا المهادنة على أن يعطينا أهل الحرب مالًا كل عام، ولقد طلب الطاغية ذلك من "عبد الله بن هارون"، على أن يعطوه مائة ألف دينار كل عام، فشاور الفقهاء في ذلك، فقالوا له: "الثغور اليوم عامرة فيها أهل البصائر بالقتال أكثرهم من البلدان، إن قطع عنهم الجهاد تفرّقوا، وخلت الثغور للعدوّ، والذي يصيبه أهل الثغور منهم أكثر من مائة ألف" فسرّ بذلك، ورجع إلى رأيهم) ١ اهـ.
فانظروا- أيّدكم الله-!: كيف احتال العدوّ، وسمح باعطاء المال، لأجل أن يتفرّق من الثغور أهل البصائر بالقتال، ويسكن الناس إلى الراحة، فلا يقدرون على مقاومته بعد ذلك لعدم ممارستهم للقتال؟!.
وانظروا: كيف كرّه العلماء تلك المهادنة مع أخذ المال من العدوّ، مع وجود العدّة والعدد، فكيف بها مع عدم ذلك كلّه؟! ٢.
هذا كله: في حكم المهادنة إن كان العدوّ مطلوبًا في أرضه.
وأما ان كان العدوّ طالبًا- كما في تلك الناحية وغيرها من الأقطار-: فقال في "المعيار": (لا يجوز الصلح والهدنة بحال، وإن وقع وجب نقضه، لأن العدوّ حيث نزل أو قارب النزول فالجهاد متعيّن، وترك الجهاد المتعيّن ممتنع، فالصلح - المذكور-: ممتنع، لأنه تعود على العدوّ- أهلكه الله- مصلحته، وعلى المسلمين مفسدته، وإن تخيّلت فيه مصلحة، فهي للعدوّ أعظم من وجوه مكملة، فإنه يتحصّن في تلك المدّة، ويكثر من آلات الحرب والعدّة، فيتعذّر على المسلمين الاستنقاذ، ويصعب عليهم تحصيل [٤٤/ب] المراد- فالصلح المذكور إن وقع مصلحة للعدوّ ومفسدة على الإسلام- فلا يكون له في نفس الأمر انبرام- فيجب نقضه، لأنه بمقتضى الشرع غير منبرم، فحكمه غير لازم عند كل من حقّق
_________________
(١) قاله ابن عرفة في "المختصر الفقهي": ١/ ٢٧٩ - أ "في المهادنة".
(٢) قال أحمد المرنيسي: (قال المازري: لا يهادن العدوّ بإعطائه مالًا لأنه عكس مصلحة أخذ الجزية منهم إلا ّلضرورة التخليص منه). (جواب لسؤال عن حكم المال الذي يفرض على المسلمين لدفعه إلى الأعداء مقابل الصلح بعد نفاد مال بيت مال المسلمين: ٢).
[ ٢٧٢ ]
أصول الشريعة) اهـ باختصار ١، وفيه كفاية.
قلت: وكيف يصح الصلح والهدنة من العدوّ الطالب للمسلمين النازل بأرضهم؟!، والله سبحانه يقول: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَةدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ﴾ ٢، فهو استفهام بمعنى: الإنكار والاستبعاد، لأن يكون لهم عهد ولا ينكثوه- مع وغرة صدورهم- يعنى: محال أن يثبت لهؤلاء عهد، فلا تطمعوا في ذلك، ولا تحدثوا به أنفسكم.
ثم قال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْةرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا - أي: حلفاء- وَلَا ذِمَّةً﴾ ٣ أي: عهدًا؟!، (أي: حالهم وشيمتهم أنهم: إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم قرابة، ولا حلفاء ولا عهدًا) قاله: غير واحد من المفسرين ٤.
والصلح الوارد عنه﵊ ٥ - إنما: هو منه إليهم، لأنهم مطلوبون وقتئذ، لا منهم إليه، فحيث ظهر عليهم﵊- وطالبهم في أراضيهم جاز صلحه لمصلحة.
ولا شكّ: أن العدوّ الكافر النازل بأرض الإسلام- وأخذ لهم الثغور، والأمصار- قد ظهر عليهم، فكيف يرقب ٦ عهذه، وتسكن النفس إليه؟،
_________________
(١) أنظر: الونشريسي في "المعيار": ٢/ ٢٠٨، "مجاهدون يغيرون على أطراف مراكز العدوّ الذي صالحه السلطان".
(٢) سورة التوبة / آية ٧، وتمامها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاةدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
(٣) سورة التوبة / آية ٨. قال القرطبي: (كيف هنا للتعجب، كما تقول: كيف يسبقني فلان، أي لا ينبغي أن يسبقني، "وعهد" اسم يكون، وفي الآية اضمار، أي كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر). (الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ٧٨).
(٤) أنظر: البيضاوي في "تفسيره": ١٩١. والزمخشري في "الكشاف": ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠. والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": ٨/ ٧٩.
(٥) هو: صلح الحديبية المشهور. (الطبري- تاريخ الرسل والملوك: ٢/ ٦٢٠ - ٦٤٤).
(٦) في "ب" (يترقّب)، وفي "ج"و"د" (يرتقب).
[ ٢٧٣ ]
وكيف يكون للمغلوب على غلابه (الكافر) ١ عهد وميثاق؟!.
ولهذا قال الإمام الحافظ "أبو العباس الونشريسي"- ﵀- في "معياره"، أثناء جواب له، ما نصّه: (كيف يثاق بهم عند قوتهم وظهورهم، وكثرة عددهم، ووفور عُددهم اعتمادًا على وفائهم بعهودهم في شريعتهم، ونحن لا نقبل شهادتهم بالإضافة إليهم فضلًا عن قبولها بالإضافة إلينا، فكيف يعتمد على زعمهم بالوفاء!؟) ٢ اهـ الغرض منه.
ومعناه: أن العهد أعلا مراتبه أن يكون شهادة، ونحن لا نقبل [٤٥/أ] شهادة بعضهم على بعض، فكيف نقبلها على المسلمين، ونعتمد على زعمهم وعهدهم بالوفاء؟!.
فهذا خرق: للاجماع، والكتاب، والسنة بلا نزاع، قال تعالى- مخبرًا عن دوام معاداة الكفار للمؤمين- وانهم لا ينفكّون عنها- بقوله: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوم عن دينكم إن استطاعوا ﴾ ٣.
وإنما جاز الصلح والهدنة: إذا كانوا مطلوبين في أراضيهم، لأن الغلبة والظفر
_________________
(١) ساقطة من "ب".
(٢) قاله الونشريسي في "معياره ": ٢/ ١٤٠، أثناء جواب عن سؤال وجّهه له الفقيه القاضي "أبو عبد الله بن قطية" عن رجل من أهل "مربلّة" معروف بالفضل والدين تخلف عن الهجرة مع أهل بلده ليبحث عن أخ له فقد قبل في قتال العدوّ بأرض الحرب كما أنه كان عونًا للمسلمين الذمّيين حيث سكناه ولمن جاورهم يتكلّم عنهم مع حكّام النصارى فيما يعرض لهم معهم من نوائب الدهر، فهل يرخص له من الإقامة معهم تحت حكم الملّة الكافرة؟ أو لا يرخص؟، فأجاب بذلك بعد أن نقل ما روي عن "عمر بن عبد العزيز" أنه نهى عن الإقامة بجزيرة الأندلس.
(٣) سورة البقرة/ آية ٢١٧، وتمامها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّةرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَةلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيةا خَالِدُونَ﴾.
[ ٢٧٤ ]
حينئذ للمؤمنين، فالعهد حينئذ منا إليهم، لا منهم إلينا، فالمؤمنون هم الموفون بالعهود، ومع ذلك قالوا: (إنما يجوز لمصلحة كما مرّ).
وكيف تميل النفس، وتسكن لعهودهم مع نهي الشارع عنها؟!، وأيضًا مهما أرادوا نقضها تسبّبوا وطلبوا من المؤمنين أمرًا لا يمكن المؤمنين أن يسمحوا به، وإن هم سمحوا به انتقلوا إلى طلب ما هو أعلى منه، وهكذا إلى أن تحصل الإباية من المسلمين فيحتجّون عليهم.
وكيف يكون للمغلوب على غالبه (عهد) ١ ويشرط؟!، وقد سمعنا: أنكم صالحتموه ٢ - أيّدكم الله- قبل هذا الأوان، فصار يطلبكم بمطالب لا تسمحون بها، فكان سببًا للنقض، وقد كانت عهود من الطاغية لأهل الأندلس، فلم يتم لهم شيء منها، فهو دائمًا إنما يطلب العهود مع كونه غالبًا، لفرصة ينتهزها، أو حيلة يستعملها، فيكون الصلح عائدًا على المسلمين بالمفسدة، كما مرّ.
ـ[تنبيه!]ـ:
إذا نزل عدوّ الدين بأرض الإسلام، أو قريبًا منها مريدًا الدخول إليها، فإن الجهاد فرض عين على أهل ذلك البلد، وعلى إمامهم، شيوخًا وشبّانًا، أحرارًا، أو عبيدًا، بل وإن على امرأة إن كانت لها قوّة، ولا يتوقف قتالهم للعدوّ النازل على مشورة الإمام، ولا سيّما إن بعد منهم، بل وإن لم يكن لهم إمام تعيّن عليهم
_________________
(١) في جميع النسخ (عهد الله) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
(٢) الخطاب هنا للأمير عبد القادر الجزائري، وقد قامت بينه وبين الفرنسيين عدّة معاهدات واتّفاقيات نقضها الفرنسيون، ومنها: الهدنة التي قامت بينه وبين "دي ميشيل" الفرنسي حاكم وهران، ومعاهدة "تافنة" التي قامت بينه وبين "بيجو" (في سنة ١٨٣٧م). فكانوا كما قال الأمير "شكيب أرسلان": (كانت معاهدات الدول الاستعمارية مع أهالي الأقطار التي تضع نصب أعينها الاستيلاء عليها هي في الغالب محاط استراحة بين الحملة والحملة، ومنازل استجمام بين مراحل الحرب لا غير، بحيث لا تعدم عذرًا لدى توفّر القوة في نقض المعاهدات التي لم تبرمها منذ البداية إلاّ على نيّة النقض). (يحيى بوعزيز- الأمير عبد القادر رائد الكفاح: ٥٢ - ٦٢).
[ ٢٧٥ ]
مدافعته ونصب الإمام، فإن لم يقدر- أهل ذك البلد- مع إمامهم، على مقاومة العدوّ، تعيّن على أقرب الأئمة إليهم، وعلى رعيّته أن [٤٥/ب] يعينوهم، فإن لم تكن فيهم كفاية ومقاومة- أيضًا- وجب: على من والاهم، وهكذا حتى يأتي الوجوب منسحبًا على جميع المسلمين.
فقطر الجزائر مثلًا: حيث لم يقدروا على دفعه، لعدم من يضبط كلمتهم، أو لعدم وجود القوة فيهم، بدليل: أنه (يتردّد) ١ العدوّ إليهم، ويأخذ مدائنهم شيئًا فشيئًا، فإنه
يجب على من والاهم- من أئمة المشرق- وأئمة المغرب- إلى "سوس" الأقصى- وإلى "بغداد" بل وإلى "الهند" ٢ مثلًا-: أن يعينوهم بالجيوش والعدّة والعدد، وإن
عصى من والاه فلم يعن، تعيّن على من والا من والاه، وهكذا.
قال "ابن جزي"- في "قوانينه"-٣: ويتعيّن الجهاد بأمور:
أحدها: أمر الإمام، فمن عيّنه الإمام وجب عليه الخروج.
والثاني: أن يفجأ العدوّ بلاد الإسلام، فيتعيّن عليهم دفعه، فإن لم) يقدروا) ٤ لزم من قاربهم، فإن لم يستقل الجميع وجب على سائر المسلمين) ٣.
_________________
(١) في "الأصل" (لا يتردد) وهو خطأ، والصواب "يتردّد" كما هو ثابت في "ب" و"ج" و"د".
(٢) هي أحد أشباه الجزر الثلاث التي توجد في آسيا الجنوبية. وهي: بانحصارها بين شبه جزيرة العرب وشبه جزيرة الهند الصينية تشبه "إيطاليا" من "أوروبا" ولكنها بشكلها الجملي يمكن تشبيهها "بافريقيا" (دائرة معارف القرن العشرين: ١٠/ ٥٤٠).
(٣) "القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية" لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي: الفقيه، الأصولي، اللغوي، من أهل غرناطة. وكتابه هذا قد طبع في مجلد واحد، ومن كتبه- أيضًا-: "تقريب الوصول إلى علم الأصول" و"الفوائد العامة في لحن العامة"، وغيرها، مات (سنة ٧٤١هـ). (ابن فرحون- الديباج: ٢٩٥، ابن حجر- الدرر الكامنة: ٣/ ٣٥٦، المقري- نفح الطيب: ٣/ ٢٧٢، البغدادي- ذيل كشف الظنون: ٤/ ٢٤٤، الزركلي- الأعلام: ٥/ ٣٢٥).
(٤) في جميع النسخ (يستقلوا)، وما أثبتناه قد ثبت في "قوانين ابن جزي": ١٤٩.
(٥) قاله ابن جزي في "قوانينه": ١٤٩، "كتاب: الجهاد" وزاد عليه أمرًا ثالثًا وهو: "استنقاذ أسارى المسلمين من أيدي الكفّار".
[ ٢٧٦ ]
وقال الإمام "أبو عمر بن عبد البر"- ﵀-: (يتعيّن على كل أحد: إن حلّ العدوّ بدار الإسلام محاربًا لهم: أن يخرج إليه أهل تلك الدار، خفافًا وثقالًا، شيوخًا وشبانًا، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر سواد المسلمين، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوّهم، كان على من جاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، وكذلك- أيضًا- من علم بضعفهم، وأمكنه غياثهم، لزمه- أيضًا- الخروج، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، ولو قارب العدوّ دار الإسلام ولم يدخلها لزمهم- أيضًا- الخروج) ١ اهـ.
قال "ابن بشير" ٢: (إذا نزل قوم من العدوّ بأحد من المسلمين، وكانت فيهم قوة على مدافعتهم، فإنه تتعيّن عليهم المدافعة، فإن عجزوا تعيّن على من قاربهم نصرتهم) ٣ اهـ.
وقال "المازري": (فان عصى الحاضر أو من والاه ولم يدفع، [٤٦/أ] تعلق الوجوب بمن يليه) ٤ اهـ. ونصوص أهل المذهب في هذا لا تحصى كثرة.
والمخاطب بالتعيين المذكور ابتداء إنما هو: الإمام، إذ هو المكلّف باستنفار الرعية، لنصرة من والاهم، وتجب على من عيّنه لذلك إطاعته، ولا يتّكل على الرعية أن تفعل، كما مرّ: في قول "القرطبي"، و"الكافي"، وغيرهما: (فرض على
_________________
(١) قاله ابن عبد البر في "الكافي": ١/ ٤٦٢ - ٤٦٣.
(٢) أبو الطاهر، ابراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي المهدوي، الإمام العالم الجليل الفقيه الحافظ، بينه وبين أبي الحسن اللخمي قرابة، وتفقه عليه في كثير من المسائل ورد عليه اخياراته، أخذ عن الإمام السيوري وغيره، من كتبه: "التنبيه" وذكر فيه أسرار الشريعة، وكتاب "جامع الأمهات" مات شهيدًا، قال الشيخ مخلوف: "لم أقف على وفاته". أنظر: مخلوف- شجرة النور: ١٢٦
(٣) نقله الموّاق في "التاج والإكليل": ٣/ ٣٤٨، "كتاب: الجهاد" عند قول خليل: "وعلى قربهم ان عجزوا".
(٤) نقله الموّاق في "التاج والإكليل": ٣/ ٣٤٦، "كتاب الجهاد". والحطاب في "مواهب الجليل": ٣/ ٣٤٧، "كتاب الجهاد".
[ ٢٧٧ ]
الإمام: إغزاء طائفة إلى العدوّ، ويخرج معهم بنفسه، أو يولّي عليهم من يثق به، وفرض على الناس- في أموالهم وأنفسهم- الخروج المذكور).
وكما مرّ- أيضًا- في قول "ابن طلحة": (يلزم الإمام: حمل الناس على الجهاد، فإن اتّكل على أن يفعل الناس بأنفسهم ضاع الباب إلخ).
وإنما وجب على من والاهم أن يعينهم- حيث لم يستقلّوا، أو لم يفعلوا-، لأنّ العدوّ إذا نزل بأرض الإسلام، وعجز أهل تلك الأرض عن دفعه، أو لم يعجزوا، ولكنهم عصوا وتركوا دفعه، فإن العدوّ يتمكّن حينئذ من تلك الأرض، وإذا تمكّن انتقل بالمحاربة لمن والاهم وهكذا، فيؤدي ذلك لكثرة الارتداد، واستئصال الإسلام.
وهكذا وقع (لأهل) ١ جزيرة الأندلس، تركوا الاستعداد، ولما دهمهم العدوّ- منسحبًا بالسلاح- وثياب البذلة ٢ - خرجوا لقتاله بالغفائر ٣، وثياب الزينة، فدهشوا: لعدم التدريب، وممارسة القتال، فصبروا اليوم الأول- مثلًا- والثاني، وكّلوا، فأخذ رقابهم وأموالهم، وكانت ملوكهم لا يعين بعضهم بعضًا، حتى تمكّن العدوّ من طليطلة" ٤ قاعدة مملكتهم، وصارت ملوكهم تؤدي الضريبة وقتئذ للعدوّ الكافر، فلم تنفعهم الإعانة حينئذ، ولم تقم لهم قائمة!
فانظروا- أيّدكم الله-!: حيث لم يعن بعضهم بعضًا، ولم يكونوا بناء
_________________
(١) ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٢) بكسر الباء، ما يمتهن من الثياب. (الرازي- مختار الصحاح: ٣٣).
(٣) جمع الغفارة وهو: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة". (المعجم الوسيط: ٢/ ٦٦٣).
(٤) بضم الطائين وفتح اللامين: مدينة كبيرة ذات خصائص محمودة بالأندلس، غربي ثغر الروم، وبين الجوف والشرق من "قرطبة"، وكانت قاعدة ملوك القرطبيين وموضع قرارهم، عليها "القنطرة" التي يعجز الوصف عن وصفها، كانت في أيدى المسلمين إلى أن ملكها الأفرنج (سنة ٤٧٧هـ). وكانت تسمّى "مدينة الأملاك"، ينسب إليها جماعة من العلماء، منهم: أبو عبد الله الطليطلي (ت ٤٥٨هـ) وغيرهم. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ٤/ ٣٩ - ٤٠).
[ ٢٧٨ ]
مرصوصًا، ولم يستعدّوا لعدوهم الكافر عمومًا وخصوصًا، كيف أصبحوا [٤٦/ب] بين يديه جناحًا مقصوصًا، والمال والحريم بأيديهم معدودًا محصوصًا ١، والقلب من أجل فعلتهم إلى الأبد حيرانًا منكوصًا ٢، وأصبحت مساجدهم مناصب ٣ للصلبان، واستبدلت مآذنهم) بالنواقس) ٤ بعد الأذان، فلو لم تكن (في الدنيا) ٣ إلاّ هذه الفعلة، لكفت في أئمة المسلمين ورعيّتهم موعظة!.
قال- سيدي- "العربي الفاسي": (لا يبرأ المسلمون من عهدة المدافعة، ونصرة من عجز، إلاّ إذا استفرغوا الوسع في إزاحة الكفّار من المدائن التي أخذوها للمسلمين، (فلو نازلوها فلم تفتح، وجب عليهم معاودتها كلما أمكنهم ذلك، حتى يفتحها الله عليهم، ولا فرق في ذلك بين المدائن المأخوذة للمسلمين) ٦ حديثًا أو قديمًا).
لأن الوجوب والتعيين متعلّق بالمسلمين، لا بقيد زمان، ولا مكان، إلاّ أنه: يتعيّن على الحاضر زمانًا ومكانًا،- على ما مرّ ترتيبه- فانا لم يفعل لعذر، أو لغير عذر، وجب على غيره ممّن يليه.
كما قاله "ابن عرفة"، عن "المازري": (وترك من تقدم من أئمة المسلمين مدائن الإسلام في أيدي الكفّار، هم بذلك في محل العصيان، لا في محل الاقتداء والاستنان، وقديمًا قيل: "أسلك سبيل الهدى، ولا يضرّك قلّة
_________________
(١) من أحصى الشيء، أي: عرف قدره. (المعجم الوسيط: ١/ ١٧٩).
(٢) نكص عن الأمر نكصًا، ونكوصًا، ومنكصًا: تكأكأ عنه وأحجم، وعلى عقبيه: رجع عما كان عليه من خير. (الزاوي - ترتيب القاموس المحيط: ٤/ ٣٩٣).
(٣) العود الذي يصلب عليه. (البستاني- فاكهة البستان: ٨٠١).
(٤) في جميع النسخ (بالنواقص)، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه. وهو جمع "ناقوس"، الذي يضربه النصارى لأوقات صلاتهم. (الزاوي - ترتيب القاموس المحيط: ٤/ ٤٢٦).
(٥) ساقطة من "الأصل" والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٦) ساقطة من "الأصل" والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
[ ٢٧٩ ]
السالكين، واترك طريق الردى، ولا يضرّك كثرة الهالكين") ١ اهـ كلامه.
قلت: وهذا منه﵀- تصريح بأن الجهاد فرض عين، على كل من الأئمة، والحال: أنهم قد أخذوا له، أو لغيره ممّن قبله، بعض أقطار البلدان، لأن عدوّ الدين قد نزل به، أو بمن قبله، وقد أخذ له، أو لمن قبله ثغورًا، فيجب عليه: أن يستنقذ ذلك منهم، وإن ترك ذلك الاستنقاذ من قبله، وهو صحيح لا خلاف فيه.
ولهذا أفتى- سيدي- "شقرون بن هبة" ٢ - أحد حفّاظ المتأخرين-: بأن الجهاد في هذا الزمان فرض عين ونحوه في كتاب "فلك السعادة" ٣ قائلًا:
_________________
(١) نقله - المصنف- في "الجواهر النفيسة فيما يتكرّر من الحوادث الغريبة": ١/ ٩ - ب، ١٠ - أ.
(٢) هو: أبو عبد الله محمد بن هبة الله، المعروف بالسيد "شقرون بن هبة الله": الفقيه، الفهامة، العلاّمة، شيخ الفتيا وإمامها الأكبر، كان طلق اللّسان واسع العبارة واضح البيان، كثير المعرفة، قدم على "فاس" (سنة ٩٦٧هـ) فقلّده يومئذ السلطان "الغالب بالله" الفتوى ورياسة العلم بمراكش وسائر أقطار المغرب، وجعل له كرسيًا للدرس في قصره كان يحضره السلطان وسائر الأمراء، فانتفع الناس بعلومه، لقي المشايخ الأكابر وأخذ عنهم، مات "بفاس" (سنة ٩٨٣هـ). (ابن عسكر- دوحة الناشر: ١١٦ - ١١٧).
(٣) "فلك السعادة الدائر بفضل الجهاد والشهادة"" لعبد الهادي بن عبد الله بن علي بن طاهر الحسني السجلماسي، فاضل من أهل المغرب، قرأ "بفاس" وغيرها. وكان من ألمع رجال "مدغرة"، ورث العلم والصلاح عن والده وأجداده الكرام واشتهر باطلاعه على السيرة النبويّة. وكتابه هذا قال عنه محمد بن عبد العزيز الدباغ: (في الجهاد، جمع فيه فأوعى وضمنه كل ما يتعلّق بهذا الموضوع من آيات وأحاديث بناه على طريقة المحدثين، وذكر في مقدمته أنه كان مطولًا ثم اختصره، وأنه بوّبه على اثني عشر بابًا، كما هي بروج الفلك، وأنه فصله على ثمانية وعشرين فصلًا على عدد المنازل. وكان كتابه محبوبًا متداولًا ونافعًا مفيدًا، وقد حبس المولى عبد الله نسخة منه على خزانة القرويين في شهر رجب من عام ستة وخمسين ومائة وألف وهي نسخة مكتوبة بخط مغربي جميل واضح رقمها الترتيبي (٢٦٤) وتشتمل على مائة وخمس وستين ورقة). (الزركلي- الأعلام: ٤/ ٢٧٣، الدباغ- دراسة حول كتاب، فلك السعادة". أنظر: "دعوة الحق" العدد: ٢٤٦، الصفحات: ١٥٢ - ١٦٠، لسنة ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م)
[ ٢٨٠ ]
(الجهاد اليوم فرض عين، لأنّهم قالوا: "إذ نزل العدوّ ساحة ١ الإسلام، فالجهاد فرض عين" ولا مخالف لهذا القول، واليوم قد نزلوا بساحات، [٤٧/أ] وهتكوا أستارًا وحرمات، وأخذوا معاقل وحصونًا، وسبوا ٢ قبائل وبطونًا).
أي: وهم إذا سبوا ذلك، تعيّن على إمام الوقت ورعيّته أن يستنقذوا ذلك، ويجب على من يليه من الأئمة: أن يعينه على ذلك إن هو عجز، أو ترك وعصى- كما تقدّم في نص "المازري"- كما أنه يجب ذلك على من بعده من الأئمة إن هو مات.
ثم قال ٣: (قال "ابن عادل" ٤ في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَةلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ ٥، ظاهر الآية وجوب الجهاد على الكلّ، إلاّ ما خصّه الدليل من: المرضى والضعفاء والعاجزين ٦.
_________________
(١) الساحة: المكان الواسع، وساحة الحرب: هي جميع البلاد التي يحتمل أن يتقاتل فيها الفريقان المتخاصمان في البر والبحر والجوّ. (شيت خطاب- المصطلحات العسكرية: ١/ ٣٨٠).
(٢) السبي، والسباء: الأسر، وقد سبيت العدوّ: أسرته. (الرازي- مختار الصحاح: ٢٢٧).
(٣) أي صاحب كتاب "فلك السعادة" المتقدّم.
(٤) أبو حفص عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي سراج الدين: المفسّر، العالم، صاحب التفسير الكبير: "اللباب في علوم الكتاب- خ" في خزانة "كتاب سراي" "بمغنيسيا"، نسخة سلطانية في (٧٠٠٠) ورقة، ومنه المجلدات الأول والثاني والثالث والخامس والثامن في الرباط، وفي "شسشربتي" و"الظاهرية" و"الزيتونة" و"دار الكتب" مجلدات متفرقة منه، وفي مكتبة مدرسة بشير أغا بالمدينة نسخة منه قريبة من الكمال. مات (سنة ٨٨٠هـ). (حاجي خليفة- كشف الظنون: ١٥٤٣، الزركلي- الأعلام: ٥٨).
(٥) سورة التوبة / آية ١٢٠، وهي طرف منا، وتقدّم تخريجها في: ٣٥٥.
(٦) قال القرطبي: (ويحتمل أن يكون الإستنفار في كل مسلم، وخصّ هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوارهم، وأنهم أحقّ بذلك من غيرهم). (الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ٢٩٠).
[ ٢٨١ ]
ثم نقل عن (الأوزاعي) ١، و"ابن المبارك" ٢، و"ابن جابر" ٣، و"سعيد بن عبد العزيز" ٤: (أن) ٥ الخطاب في هذه الآية: لأول هذه الأمة ولآخرها ٦، وذلك لو سوّغنا للمندوب للجهاد أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض، فيؤدي إلى تعطيل الجهاد.
_________________
(١) في "الأصل" (ابن الأوزاعي) والصواب ما أثتناه في "ب" و"ج" و"د" قد ثبت في "القرطبي": ٨/ ٢٩٢. وهو: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، إمام الديار الشامية في الفقه والزهد، وأحد الكتّاب المترسلين، وكانت الفتيا تدور بالأندلس على رأيه، من كتبه: "كتاب السنن" في الفقه، و"المسائل". مات (سنة ١٥٧هـ). (الأصبهاني- حلية الأولياء: ٦/ ١٣٥، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٣٢٠).
(٢) أبو عبد الرحمن، عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء، التميمي: الحافظ، شيخ الإسلام، المجاهد، التاجر، أفنى عمره في الأسفار، وجمع الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء، من كتبه: "الجهاد" وهو أول من صنف فيه، و"الرقائق ". مات "بهيت" على الفرات (سنة ١٨١هـ). (الذهبي- تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٥٣، كبرى زاده- مفتاح السعادة: ٢/ ١١٢، الزركلي- الأعلام: ٤/ ١١٥).
(٣) أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن جابر الأندلسي الهواري: المالكي، الشاعر، اللغوي، عالم بالعربية، أعمى، من أهل "المرية"، صحبه إلى الديار المصرية "أحمد بن يوسف الغرناطي الرعيني، فكان ابن جابر يؤلف وينظم، والرعيني يكتب، من كتبه: "شرح ألفية ابن مالك" و"شرح ألفية ابن معطي"، و"العين في مدح سيد الكونين" وغير ذلك، مات (سنة ٧٨٠هـ). (ابن حجر- الدرر الكامنة: ٣/ ٣٣٩، كبرى زاده- مفتاح السعادة: ١/ ١٥٦، الزركلي- الأعلام: ٥/ ٣٢٨).
(٤) أبو محمد، التنوخي، الدمشقي، فقيه دمشق في عصره، حافظًا، حجة، قال الإمام أحمد بن حنبل: "ليس بالشام أصح حديثًا منه". مات (سنة ١٦٧هـ). (الذهبي- تذكرة الحفّاظ: ١/ ٢٣، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٩٧).
(٥) في "الأصل" (ابن) ولعلّه سهو من الناسخ.
(٦) نقله القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": ٨/ ٢٩٢، ونصّه (قال الوليد بن مسلم، سمعت الأوزاعي وابن المبارك والفزاري والسبيعي وسعيد بن عبد العزيز يقولون- في هذه الآية-: أنها لأول هذه الأمة وآخرها).
[ ٢٨٢ ]
وقال ابن عطية: (حكم الآية في دعاء الرسول - ﷺ - على الصحيح، وكذلك غيره من الأئمة) اهـ ١.
قال: (وقد قالوا- أيضًا-: إذا عجز أهل دار نزل بهم عدوّ الدين، عن الذبّ عق أنفسهم، تعيّن على من يقربهم أن يعينهم، وهكذا: واليوم نسمع ونبصر بنزول العدوّ ديارًا فضلًا عن دار فنتغافل، وربما استصرخونا ٢ فنتكاسل، حتى ينتهزوا ٣ (فرصتها)، ويتمكّنوا من غرّتها، ثم يفعلون بأخرى مثل ذلك، فدلّ ذلك: على استخفافنا بقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ٤ أي: (فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين، لأن ترك نصرهم يؤدي لمفسدة، واستيلاء الكفّار حتى عليكم) ٥ اهـ باختصار كثير.
_________________
(١) قال ابن عطية: (هذه معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها على التخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوه، وقوة الكلام تعطي الأمر بصحبته إلى توجهه غازيًا وبذل النفوس دونه. وهذا كله في الانبعاث إلى غزو العدوّ على الدخول في الإسلام واما إذا ألمّ العدوّ بجهة فمتعيّن على كل أحد القيام بذبه ومكافحته. فيجيء قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَةلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ﴾ عموم في اللفظ والمراد به في المعنى الجمهور والأكثر. وتجيء هذه الآية مبيّنة لذلك مطردة الألفاظ متصلة المعنى من قوله- تعالى- ﴿مَا كَانَ لِأَةلِ الْمَدِينَةِ إلى قوله ﴿يَحْذَرُونَ﴾ بين في آخر الآية العموم الذي في أولها، إذ هو معرض أن يتأول فيه ألاّ يتخلف بشر). (المحرر الوجيز- ٨/ ٢٩٧ - ٣٠٠).
(٢) في "ب" (استصرخوا بنا).
(٣) في "ب"و"ج"و"د" (ينتهزون).
(٤) سورة الأنفال / آية ٧٢، وتمامها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَةاجَرُوا وَجَاةدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُةاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُةاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
(٥) قال ابن عاشور في تفسير هذه الآية- (أي: طلبوا أن تنصروهم لأجل الدين، أي لردّ الفتنة عنهم في دينهم إذ حاول المشركون إرجاعهم إلى دين الشرك وجب نصرهم لأن نصرهم للدين ليس من الولاية لهم بل هو من الولاية للدين ونصره، وذلك واجب عليهم سواء استنصرهم الناس أم لم يستنصروهم إذا توفر داعي القتال). (التحرير والتنوير: ١٠/ ٨٦).
[ ٢٨٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ.- أي: (إلاّ) ١ تفعلوا مثله، من تولّى [٤٧/ب] المؤمنين بعضهم بعضًا، ومعاداتهم ٢ للكافرين، كما يفعل الكفّار [من] ٣ التعاضد ٤ والتعاون- تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ٥. ٦
وبيانه: أن المؤمنين إذا تركوا التناصر والتعاون فيما بينهم- حتى يكونوا يدًا واحدة على الكافرين- انحلّ نظامهم، واستولى الكافر على جميعهم، وذلك مفسدة لدينهم ودنياهم.
فالله الله في الهمم قد حمدت ٧ ريحها، والله الله في الرجولية قد قلّ حدّها، والله الله في الغيرة على الدين قد (تعس) ٨ جدّها، والله الله في الدين الذي (طمع الكفر) ٩ في تبديله، والله الله في الحريم الذي مدّ الكافر يده إلى استرقاقه وتحويله، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي مثله فليتنافس المتنافسون!.
وبالجملة: فلا يخرج إمام ولا رعيته من عهدة الوجوب، في إزاحة الكفار من مدائن المسلمين ١٠، أو إعانة من عجز عن إخراجهم منها، أو مدافعتهم عنها،
_________________
(١) في "الأصل" (لا) والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
(٢) في "ج" و"د" (ومعانتهم) والصواب ما أثبتناه.
(٣) إضافة من عندنا حتى يستقيم النص.
(٤) أي: التعاون والمناصرة. (المعجم الوسيط: ٢/ ٦١٢).
(٥) سورة الأنفال / آية ٧٣.
(٦) قال ابن عاشور: (إن المسلمين إذا لم يظهروا يدًا واحدة على أهل الكفر لم تظهر شوكتهم، ولأنه قد يحدث بينهم الاختلاف من جرّاء اختلافهم في مقدار تفرّق جماعتهم، وهذا فساد كبير، ولأن المقصود إيجاد الجامعة الاسلامية وإنما يظهر كمالها بالتفاف أهلها التفافًا واحدًا، وتجنب ما يضادّها، فإذا لم يقع ذلك ضعف شأن جامعتهم في المرأى وفي القوة، وذلك فساد كبير). (التحرير والتنوير: ١٠/ ٨٨).
(٧) أي: سكنت (المعجم الوسيط: ١ م ٢٥٤).
(٨) في "الأصل" (تعسر) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
(٩) في "الأصل" (تطمع في مدّ الكافر) ولعلّه سهو من الناسخ، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج"و"د".
(١٠) ٠ - في "ب" (الاسلام).
[ ٢٨٤ ]
إلاّ باستفراغ الوسع، وبذل الطاقة والجهد بالعدّة والاستعداد، ومباشرة الدفع، ومعاودة القتال بحسب الإمكان، أو يموت وهو مدين على ذلك الفعل، فينتقل الوجوب إلى من تولّى بعده، وأما كونه يقتدي بمن عصى من الأئمة، وترك مدائن المسلمين بأيدي الكفار، أو ترك إغاثة من عجز عن الدفع، فذلك غير مخلص.
وبهذا نعلم: أن محل كون الجهاد فرض كفاية: إذا لم يكن العدوّ أخذ شيئًا من بلاد المسلمين، وإلاّ كان فرض عين- على ما مرّ تفصيله قريبًا- إذ هو: نازل بهم دائمًا ما دام آخذًا لثغورهم وبلادهم، فيجب على أئمة وقته، وعلى من يليهم إن عجزوا، على من بعدهم إن ماتوا أو عصوا وتركوا أن يخرجوهم ممّا استولوا عليه، ولا يحلّ لهم تركهم، إلاّ بقدر ما [٤٨/أ] يتجهّزون، ويعاودون ذلك المرة بعد المرّة، حتى يفتحها الله عليهم.
[ ٢٨٥ ]
الفصل الثالث
فيما يرتزق منه الجيش إن عجز بيت المال،
ووجوب المعاونة بالأبدان إن افتقر إليها في الحال
ــ
اعلم: أنه إذا ضعف بيت المال عن أرزاق الجيش، فقد قال- حجة الإسلام - أبو حامد الغزالي، في كتابه "المستصفى" ١، ما نصّه: (فإن قيل: توظيف الخراج ٢ من المصالح، فهل إليه سبيل، أم لا؟، قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة
_________________
(١) "المستصفى" للإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي الطوسي: الفيلسوف، المتصوّف، رحل إلى كل من بغداد والحجاز والشام ومصر. وكتابه هذا في أصول الفقه، وقد قال فيه: (قد صنفت في فروع الفقه وأصوله كتبًا كثيرة ثم أقبلت بعده على علم طريق الآخرة ) وقد اختصره: أبو العباس أحمد بن محمد الاشبيلي (ت ٦٥١هـ)، وشرحه أبو علي حسين بن عبد العزيز الفهري البلنسي (ت ٦٧٩هـ)، وعليه تعاليق لسليمان بن محمد الغرناطي (ت ٦٣٩هـ). ومن كتبه- أيضًا-: "إحياء علوم الدين" و"تهافت الفلاسفة" و"معارك القدس في أحوال النفس" وغيرها، مات "بالطابران" (سنة ٥٠٥هـ). (ابن خلكان- وفيات الأعيان:١/ ٤٦٣، كبرى زاده: مفتاح السعادة: ٢/ ١٩١ - ٢١٠، حاجي خليفة- كشف الظنون: ٢/ ١٦٧٣، الزركلي- الأعلام: ٧/ ٢٢).
(٢) الخراج: ما يخرج من غلّة الأرض. عند الحنابلة: ما قرّر على الأرض بدل الأجرة. عند الزيدية: ما وضع على أرض افتتحها الإمام، وتركها في يد أهلها على تأديته. عند الاباضية: هو ما يستخرجه السلطان، أو نحوه من أصحاب الأموال كل سنة مثلًا. وأرض الخراج عند الشافعية نوعان: الأول: أن يفتح الإمام بلدة قهرًا، ويقسمها بين الغانمين، ثم يعوّضهم عنها، تم يقفها على المسلمين، ويضرب عليها خراجًا. الثاني: أن يفتح الإمام بلدة صلحًا على أن الأرض للمسلمين، ويسكنها الكفار بخراج معلوم، فالأرض تكون فيئًا للمسلمين، والخراج أجرة لا يسقط بإسلامهم. وخراج الوظيفة عند الحنفية مثل الذي وظّفه عمر ﵁ على أرض سواد العراق لكل جريب يبلغه الماء صاع بر أو شعير، والجريب: قطعة متميّزة من الأرض يختلف مقدارها بحسب اصطلاح أهل الأقاليم. (أبو جيب- القاموس الفقهي: ١١٤ - ١١٥).
[ ٢٨٦ ]
الأموال في أيدي الأخيار، أما إذا خلت الأيدي، ولم يكن في (بيت المال) ١ ما يفي بخراجات العسكر- ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب، لخيف دخول الكفّار بلاد الإسلام، أو خيف ثوران الفتنة من أهل الغرامة في بلاد الإسلام-: فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند.
ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج، لأنّا نعلم: أنه إذا تعارض شران [أو] ٢ ضرران، قصد دفع أشدّ الضررين، وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله، لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة ٣، يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور (ولفسدت الأرض ومن عليها ٤ اهـ ٥ باختصار.
وقوله: (على الأغنياء إلخ يريد (على) من له قدرة وطاقة على دفع شيء لا (يجحف) ٦ به، كما يأتي.
وفي "المعيار"، عن الإمام "ابن منظور" ٧: (الأصل: أن لا يطالب المسلمون بمغارم غير واجبة بالشرع، وإنما يطالبون بالزكاة، وما أوجبه القرآن والسنّة،
_________________
(١) في "المستصفى" (مال المصالح).
(٢) ساقطة من جميع النسخ، والإضافة في المصدر السابق.
(٣) أي: ذي بأس، فالشوكة: شدّة البأس. (الرازي- مختار الصحاح: ٢٧٨).
(٤) هذه العبارة لم يوردها الغزالي في "المستصفى" ولعلّها من تصرف المصنف.
(٥) الغزالي "المستصفى": ٢٥٦. من أجحف به: اشتدّ في الاضرار به، يقال "أجحف بهم الدهر"، استأصلهم، وأجحف بهم الفقر: أذهب أموالهم. (المعجم الوسيط:١/ ١٠٨).
(٦) أبو عمر، عثمان بن يحيى بن محمد بن منظور، القيسي، المالقي، كان عالمًا بالعربية، والفرائض. قال السيوطي: (قال في تاريخ غرناطة: من بيت معمور بالنباهة، كان صدرًا من علماء بلده، أستاذًا ممتعًا، من أهل النظر والاجتهاد والتحقيق، ثاقب الذهن) ولي القضاء "ببلش" و"مالقة". من كتبه: "بغية المباحث في معرفة مقدمات الموارث" و"اللّمع الجدلية في كيفية التحدث في علم العربية". مات "بمالقة" (سنة ٧٣٥هـ).
(٧) (السيوطى- بغية الرعاة: ٢/ ١٣٦ - ١٣٧، ابن فرحون- الديباج: ١٩٢، حاجي خليفة - كشف الظون: ٢/ ١٥٦١ - ١٥٦٢، البغدادي- هدية العارفين:١/ ٦٥٤، كحالة- معجم المؤلفين: ٦/ ٢٧٠).
[ ٢٨٧ ]
كالفيء ١، والركاز ٢، وارث من ورثه بيت (المال)، لكن إذا عجز بيت المال عن أرزاق الجند، وما يحتاج إليه من آلة حرب [٤٨/ب] وعدّة: فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك، ويستنبط هذا الحكم، من قوله تعالى: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَةلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا؟ ﴾ ٣. لكن لا يجوز ذلك إلاّ بشروط:
أحدها: أن يعجز بيت المال، وتتعيّن الحاجة.
وثانيها: أن يصرفه الإمام بالعدل، فلا يجوز: أن يستأثر به دون المسلمين، ولا ينفقه في سرف، ولايعطي من لا يستحق، ولا أكثر ممّا يستحق.
وثالثها: أن يكون المغرم على من كان قادرًا من غير ضرر ولا إجحاف، ومن ٤ لا شيء له أوله شيء قليل لا يغرم شيئًا.
ورابعها: أن يتفقّدها في كل وقت، فربما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على ما في بيت المال) ٥.
_________________
(١) في قول العلماء: هو كل ما حصل للمسلمين من أموال الكفار بغير قتال. وعند المالكية، والاباضية، وقول للشافعية وللزيدية:-يرادت الغنيمة. (أبو جيب- القاموس الفقهي: ٢٩١ - ٢٩٢).
(٢) ما ركّزه الله- تعالى- في الأرض من المعادن في حالتها الطيبيعية. وفي الحديث الشريف: قال رسول الله - ﷺ -: "في الركاز الخمس. قيل: يا رسول الله وما الركاز؟ قال: هو الذهب، والفضة، المخلوقان في الأرض، يوم خلق الله السموات والأرض". وهو في الشرع: عياض: الكنز من دفن الجاهلية. التمرتاشي: مال مركوز تحت أرض من معدن خلقي ومن كنز. المالكية والشافعية والجعفربة، مثل القول الشرعي المنقول عن عياض، وفي قول للمالكية: هو ما وجد من ذهب، أو فضة في باطن الأرض مخلصًا سواء دفن فيها، أو كان خاليًا عن الدفن. الثوري والحنفية: هو المعدن. (أبو جيب- القاموس الفقهي: ١٥٢ - ١٥٣).
(٣) سورة الكهف / آية ٩٤، وتمامها: ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾.
(٤) في "ب" (ولا من)، ولعلّه سهو من الناسخ.
(٥) أنظر: الونشريسي في "المعيار": ١١/ ١٢٧ - ١٢٨ "في حكم فرض الخراج على الرعية" =
[ ٢٨٨ ]
قال ١: (وكذلك إذا تعيّنت الضرورة للمعونة ٢ بالأبدان، ولم يكف المال، فإن الناس يجبرون على التعاون بأبدانهم، على الأمر الداعي للمعونة، بشرط القدرة، وتعين المصلحة، والافتقار إلى ذلك) ٣.
قال: (فإذا عزم أمير المؤمنين على رفع (الظلمات) ٤ وسلك بالمأخوذ على الشروط التي ذكرناها، حتى يعلم الناس أنهم لا يطالبون إلاّ بما جرت به العوائد ٥، وسلك بهم مسلك العدل في الحكم، فله أن يوزّع من المال على النسبة المفسرة ما يراه صوابًا، ولا إجحاف فيه حسبما ذكرناه ٦ اهـ باختصار.
فانظروا- أيّدكم الله-!: فإنهم لم يخصّوا ذلك بالأغنياء- والغنى يتفاوت- وإنما ضبطوه بعدم الإجحاف.
قال- الحافظ-: "أبو العباس الونشريسي"- ﵀- كان بمحول جواب "ابن منظور" - ما نصّه: (تأملت السؤال بمحوله، ولا مزيد على ما
_________________
(١) = وهو جواب لابن منظور عن سؤال وجه له. وزاد عليه شرط لم يذكره "المنصف" هنا، وهو (الثالث: أن يصرفه مصرفه بحسب المصلحة والحاجة لا بحسب الغرض). ونقله- أيضًا- أحمد المرنيسي في "فتواه في حكم المال الذي يفرض على المسلمين": ٥ - ٦، وعزاه للمعيار عن ابن منظور، بعد أن قال: (نعم ان خلا بيت المال أو بقي به ما لا يقوم بأرزاق الجند جاز أن يوظف عليهم من المعونة ما هو مألوف ومعهود بشروط نقلها صاحب "المعيار" في جامعه عن ابن منظور ).
(٢) أي الإمام ابن منظور.
(٣) في "ب" (للمعاونة) وما أثبتناه قد ثبت في "المعيار".
(٤) نقله الونشريسي في "المعيار": ١١/ ١٢٨، "في حكم فرض الخراج على الرعية". ونقله- أيضًا- أحمد المرنيسي في "فتواه في حكم المال الذي يفرض على المسلمين": ٦.
(٥) في "الأصل" (الظلامات) وكذلك في "ج" و"د"، وما أثبتناه من "ب" قد ثبت في (المعيار).
(٦) جمع عادة، وهي: عبارة عمّا يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المقبولة عند الطبائع السليمة. (البستاني- فاكهة البستان: ٩٩٥).
(٧) أنظر المصدر السابق "المعيار": ١١/ ١٢٨ - ١٢٩. وأحمد المرنيسي في "فتواه في حكم المال الذي يفرض على المسلمين": ٦.
[ ٢٨٩ ]
أجاب به المجيب أسفله وبطرّته، وبذلك أفتي وأقول، [٤٩/أ] "محمد الموّاق"،- وفقه الله- آمين ١ اهـ.
قال ٢: (وكان الإمام "أبو اسحاق الشاطبي"- ﵀- ممّن يرى رأي من يجيز ضرب الخراج على الناس عند ضعفهم وحاجتهم، لضعف بيت المال عن القيام بمصالح الناس ٣، قائلًا: "وهو- رأي توظيف الخراج على المسلمين- من "المصالح المرسلة" ٤، ولا شكّ عندنا: في جوازه وظهور مصلحته في بلاد "الأندلس" في زماننا، لكثرة الحاجة، وضعف بيت المال، لكن يبقى نظر آخر في قدر ما يحتاج إلى أخذه من ذلك: فهذا لا يعرفه إلاّ الملك، أو من يباشره من خدّامه وخاصته، بل ذلك في زماننا لا يعلمه إلاّ الملك") ٥ اهـ كلام الشاطبي.
وذكر "ابن خلكان" ٦: (أن أمير المؤمنين "يوسف بن تاشفين": طلب من
_________________
(١) الونشريسي- "المعيار": ١١/ ١٢٩. ونقله أحمد المرنيسي في "فتواه في حكم المال الذي يفرض على المسلمين": ٦.
(٢) أي: الونشريسي.
(٣) في "ب" (المسلمين).
(٤) قال الآمدي- في المصالح المرسلة-: (قد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به إلاّ ما نقل عن مالك أنه يقول به، مع إنكار أصحابه لذلك عنه، ولعلّ النقل إن صح عنه فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة، بل فيما كان من المصالح الضرورية الكلية الحاصلة قطعًا. فالمصالح منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها، وإلى ما عهد منه الغاؤها وهذا القسم متردّد بين ذينك القسمين، وليس الحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار، يعرّف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى). (الأحكام في أصول الأحكام: ٤/ ٢١٦).
(٥) نقله الونشريسي في "المعيار": ١١/ ١٣١.
(٦) أبو العباس، أحمد بن محمد بن ابراهيم بن أبي بكر، البرمكي، الاربلي. المؤرخ الحجة، الأديب الماهر، تولّى القضاء في "مصر والشام"، والتدريس في كثير من مدارس دمشق، من كتابه: "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" من أشهر كتب التراجم، مات (سنة ٦٨١هـ). (ابن اياس- بدائع الزهور: ٧/ ٣٥٣، الزركلي- الأعلام:١/ ٢٢٠).
[ ٢٩٠ ]
أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده، فوصل كتابه إلى "المريّة" ١ في هذا المعنى، وذكر فيه: أن جماعة أفتوه بجواز طلب ذلك اقتداء "بعمر بن الخطاب"- ﵁- فقال أهل "المريّة" لقاضي بلدهم- وهو: "أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الفرّاء٢ -: "الأبدان تحييه" ٣، وكان هذا القاضي من أهل الدين والورع على ما ينبغي، فكتب إليه: "أما بعد، ما ذكره أمير المؤمنين في اقتضاء المعونة، وتأخري عن ذلك، وان "أبا الوليد الباجي" ٤، وجميع الفقهاء والقضاة (بالعدوة) ٥ والأندلس أفتوه: باقتضائها، وذكروا: أن "عمر بن الخطاب"- ﵁- قد اقتضاها، فكان "عمر بن الخطاب"- ﵁-
_________________
(١) بالفتح ثم الكسر، وتشديد الياء: مدينة كبيرة من كورة "البيرة" من أعمال الأندلس، كانت هي "وبجاية" بأبي الشرق، منها يركب التجار، وفيها تحل مراكب التجار، وفيها مرفأ ومرسى للسفن والمراكب، دخلها الافرنج- خذلهم الله- من البرّ والبحر في (سنة ٥٤٢هـ)، ثم استرجعها المسلمون (سنة ٥٥٢هـ)، وينسب إليها أبو العباس أحمد بن عمر المعروف بالدلائي المريّ، ومحمد بن خلف بن سعيد المريّ من أهل الفقه والفضل. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ٥/ ١١٩).
(٢) وهو: أبو عبد الله محمد بن يحيى بن زكرياء، يعرف بابن الفراء، من أهل "المريّة" وقاضيها، الصالح الدين، المتواضع، روى عن أبي العباس العذري كثيرًا، وعن القاضي أبي عبد الله بن المرابط، سمع الناس منه بعض ما رواه، استشهد "بقتندة" (سنة ٥١٤هـ). (ابن بشكوال- الصلة: ٢/ ٥٧٢).
(٣) هذه العبارة ليست واردة في "وفيات الأعيان".
(٤) أبو الوليد، سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي: فقيه مالكي، محدّث، ولد في "باجة بالأندلس"، وتولّى القضاء في بعض أنحائها، من كتبه: "السراج في علم الحجاج"، و"أحكام الفصول في أحكام الأصول" و"التسديد إلى معرفة التوحيد" مات "بالمريّة" (سنة ٤٧٤هـ). (ابن فرحون- الدبياج المذهب: ١٢٠، المقري- نفح الطيب: ١/ ٣٦١).
(٥) في "الأصل" (بعزوة) وكذلك في "ب"، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ج" و"د" وقد ثبت في "وفيات الأعيان": ٧/ ١١٩، وهي: إحدى مدن فاس أُسست (سنة ١٩٢هـ) في ولاية إدريس بن إدريس، وهي مشهورة بشجاعة رجالها ونجدتهم وجمالهم، حيث ان مدينة "فاس" تفترق إلى مدينتين، أحدهما كانت هذه والأخرى تسمّى "بعدوة القرويين". (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ٤/ ٢٣٠).
[ ٢٩١ ]
صاحب رسول الله - ﷺ - وضجيعه في قبره، ولا يشكّ في عدله، ولست يا أمير المؤمنين: بصاحب رسول الله - ﷺ -[٤٩/ب] ولا وزيره، ولا ممّن لا يشكّ في عدله، فان كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل، فإن الله سائلهم وحسيبهم.
وما اقتضاها عمر﵁- حتى دخل مسجد رسول الله - ﷺ - وحلف أن ليس عنده، درهم واحد من بيت مال المسلمين ينفقه عليهم، فلتدخل: يا أمير المؤمنين المسجد الجامع هنالك بحضرة أهل العلم، وتحلف: أن ليس عندك درهم واحد، ولا في بيت مال المسملين، وحينئذ تستوجب ذلك، والسلام") ١ اهـ. بلفظه، ونقله غير واحد ٢.
وزاد بعضهم: (أن "عليًّا بن يوسف" ٣ كتب لأهل "المريّة" يهددهم على القدح في جانب الفقيه القاضي المذكور، ويأمرهم بالاعتراف له بالفضل، ولم يكن يرد عليه كتاب أعزّ من كتابه لزهذه) ٤ اهـ.
فتنبّهوا- أيّدكم الله-!: لهذه القصة، لكن حالكم معروف، وأنه لا بيت مال لكم لاستيلاء الكفار عليه قبل ولايتكم.
ثم إذا جاز ٥ التوزيع المذكور بالشروط المتقدمة: فإنه يجب على كل من
_________________
(١) انظر ابن خلكان في "وفيات الأعيان": ٧/ ١١٨ - ١١٩.
(٢) ونقله الونشريسي في "المعيار": ١١/ ١٣٢. وأحمد المرنيسي في "فتواه في حكم المال الذي يفرض على المسلمين: ٦".
(٣) أبو الحسن، علي بن يوسف بن تاشفين اللمتوني، أمير المسلمين "بمراكش"، وثاني ملوك دولة الملثمين المرابطين، بويع بعد وفاة أبيه (سنة ٥٠٠هـ)، قال ابن خلكان: (كان حليمًا وقورًا صالحًا عادلًا) ومن أعماله: أنه جاء إلى الأندلس مجاهدًا، فعبر البحر من "سبتة" في جيوش تزيد على مائة ألف فارس، وفتح مدينة "طلامون" و"مجريط" و"وادي الحجارة"، مات (سنة ٥٣٧هـ). (السلاوي- الاستقصا: ١/ ١٢٣، ١٢٦، الزركلي- الأعلام: ٥/ ٣٣).
(٤) انظر: ابن خلكان- وفيات الأعيان: ٧/ ١١٨ - ١١٩.
(٥) في "ب" (جوّز).
[ ٢٩٢ ]
وظف عليه شيء أن يؤديه.
وقد سئل الإمام "السرقسطي" ١ - ﵀-: (هل يجوز لأحد أن يغيب على شيء من المغارم الموظفة؟، فقال: "إن مصالح المسلمين التي لا تسكن ثغورهم، ولا (ينفك) ٢ عنهم عدوّهم- دمّره الله- ولا تأمن طرقهم إلاّ بها، إن كانت لا تقوم إلاّ بمغارم الأسواق، وكان أصل وضعها عن اتفاق من أهل الحل والعقد، لكون بيت المال عاجزًا قاصرًا عنها، فإن تلك المغارم يجب حفظها، وأن يولّى لقبضها وصرفها في مواضعها الثقات الأمناء، فإن أخذوها من محلها، ووضعوها في المصالح التي جعلت لها، كان سعيهم مشكورًا، ومن ضيّعها، ووضعها في غير موضعها، كان غاشًّا ظالمًا، وكذلك من لزمته [٥٠/أ] من أهل الأسواق فحبسها، ولم يخرجها") ٣ اهـ.
وقال الإمام) الطرطوشي"- في "سراجه"-: (اعلم: أن المال قوة السلطان، وعمارة المملكة، ولقاحه الأمن، ونتاجه العدل، وهو: حصن السلطان، ومادة الملك، والمال أقوى العدد على العدوّ، ومن حقوقه: أن يؤخذ من حق ويوضع في حق ويمنع من سرف ولا يأخذ من الرعية إلاّ ما فضل عن معاشها ومصالحها، ثم ينفق ذلك في الوجوه التي يعود عليها نفعها) ٤ اهـ لفظه ٥.
فان قلت: قد ورد في الحديث، أنه﵊- قال: "لا
_________________
(١) أبو الحسن، رزين بن معاوية بن عمّار العبدري السرقسطي الأندلسي: إمام الحرمين، نسبته إلى "سرقسطة"، جاور بمكة زمنًا طويلًا، من كتبه: "التجريد للصحاح الستة" مات بمكة (سنة ٥٣٥هـ). (الكتاني- الرسالة المستطرفة: ١٣٠، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٢٠).
(٢) في " المعيار" (ينكف): ٥/ ٣٢.
(٣) نقله الونشريسي في "المعيار": ٥/ ٣٢، "مسألة: في حكم الغيبة على مغارم الأسواق".
(٤) ساقطة من "ب".
(٥) أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: ١٢٢ - ١٢٣، "باب: في سيرة السلطان في استجباء الخراج".
[ ٢٩٣ ]
يدخل الجنة صاحب مكس" ١، أليست المغارم المذكورة من المكس المذكور؟.
قلنا: المغارم لمصالح المسلمين، ليست من المكس في شيء، لأن المكس- كما "لابن عرفة" وغيره-: هو: (منع الناس من التصرف في أموالهم بالبيع، أو غيره، ليختصّ المانع بنفع ذلك) ٢ اهـ.
وقال "أبو محمد المرجاني" ٣: (المكس: أن يحجر السلعة بحيث لا يبيعها أحد غيره، أو من يختاره) ٤.
وقال (الطيبي) ٥: (المكس: الضريبة التي يأخذها (العشار) ٦.
قال الشيخ "أبو محمد عبد القادر الفاسي": (فعلى تفسير (الطيبي) أخذ
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه": ٣/ ١٣٣، "كتاب: الخراج والامارة والفيء". "باب: في السعاية على الصدقة) عن عقبة بن عامر. وأحمد في "مسنده": ٤/ ١٤٣. وأورده العجلوني الجراحي في "كشف الخفاء ومزيل الألباس": ٢/ ٥٠١، وقال: (رواه أبو داود وأحمد وغيرهما عن عقبة بن عامر مرفوعًا، وصحّحه ابن خزيمة والحاكم). والسخاوي في "المقاصد الحسنة": ٤٦٩، وقال: (وصحّحه ابن خزيمة والحاكم).
(٢) نقله الونشريسي في "المعيار": ٢/ ٤٩٢.
(٣) أبو محمد المرجاني الشيخ، العالم، الصالح، الإمام التونسي. مات (سنة ٦٩٩هـ). (شرف الطالب في أسنى المطالب في كتاب "ألف سنة من الوفيات": ٧٥، مخلوف- شجرة النور: ١٩٣).
(٤) نقله الونشريسي في "المعيار": ٢/ ٤٩٢ "في حقيقة المكس وبدعيته".
(٥) في "الأصل" (القرطبي) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د"، وقد ثبت في "المعيار". وهو: شرف الدين الطيبي، الحسين بن محمد بن عبد الله: المحدّث، المفسّر، من علماء البيان، من أهل توزير، كانت له ثروة طائلة أنفقها في وجوه الخير، كان شديد الرد على المبتدعة، ملازمًا لتعليم الطلبة، آية في استخراج الدقائق من الكتاب والسنّة، من كتبه: "الخلاصة في معرفة الحديث" و"شرح الكشاف" في التفسير سمّاه: "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب"، و"شرح مشكاة المصابيح في الحديث". مات (سنة ٧٣٤هـ). (ابن حجر- الدرر الكامنة: ٢/ ٦٨، الزركلي- الأعلام: ٢/ ٢٥٦).
(٦) نقله الونشريسي في "المعيار": ٢/ ٤٩٢، "في حقيقة المكس وبدعيته".
[ ٢٩٤ ]
الفوائد في الأبواب، والقاعات، واكتراء الأسواق والرحاب مكس، وهو الذي كثر استعماله في العرف.
وعلى تفسير "المرجاني" و"ابن عرفة": ليس بمكس، وإنما هو: غصب وظلم) ١ اهـ.
وقد علمت: أن الفقهاء﵃- احترزوا عنه، وأخرجوه بالشروط المتقدمة، فليست المغارم المذكورة من المكس في شيء، لأنها ليست [٥٠/ب] لنفع الأمير، بل لنفع المسلمين، ولهذا اتفقوا على جوازها.
لكن الأحوط والأقرب فيما يظهر: أن جبر الناس على المعونة بالأبدان أصوب، بأن يفرض على كل قبيلة مائة فارس أو أكثر بحسب ما تطيقه، وكل قبيلة تموّن مائتها وإدالتها، فإذا مضى لهذه الإدالة أربعة أشهر مثلًا أرسلها بعد أن تأتي أخرى في محلها، وهكذا، لأن ذلك أهون على الرعيّة من فرض الأموال وتوزيعها عليهم، ولا سيّما وهم لم يعتادوا ذلك، والنفس مجبولة على حبّ المال، لأنه شقيق الروح، فيؤدي إلى ميلهم للعدوّ الكافر، وإلى سوء الظنّ بإمامهم، لتهمتهم إيّاه على أنه يصرف ذلك في مصالح نفسه.
فتوزيع المال يحتاج إلى رياضة وسياسة، بخلاف المعونة بالأبدان على الكيفيّة المذكورة، فهي: سالمة ممّا ذكرنا- وقد تقدّم التنبيه على هذا في فصل الاستنفار- ولو كلّف الرعية أن يحرثوا لبيت المال مثلًا، فكل زوج من أزواج القبائل تزرع مدًّا ٢ أو مدّين من عندها، وتحصده، وتدرسه ٣، وتأتي بزمامه للأمير، من غير أن يدفع الأمير لهم شيئًا في مقابلة ذلك، لكان صوابًا.
_________________
(١) نقله الونشريسي في "المعيار": ٢/ ٤٩٢، وزاد عليه: (قال المرجاني: والظالم هو الذي يقرر في بعض الأشياء أن من اشترى شيئًا أو باعه فعليه كذا وكذا، فهذا لا يمتنع من شرائه ولا بيعه إذ ليس فيه إعانة).
(٢) المدّ: مكيال قديم، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز، أي ربع صاع ورطلان عند أهل العراق، جمعه: امداد، ومداد. (أبو جيب- القاموس الفقهي: ٣٣٧).
(٣) درس الحنطة درسًا ودراسًا: داسها. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٢/ ١٦٩).
[ ٢٩٥ ]
قال الإمام "الطرطوشي"- ﵀-: (فيا أيها الملك: احرص كل الحرص على عمارة الأرضين، وعلى جباية الأموال بالرفق، ومجانبة الخرق ١، فان العلقة تنال من الدم بغير أذى، ولا سماع صوت، ما لا تناله "البعوضة" بلسعتها وهول صوتها.
ومثل السلطان إذا حمل على أهل الخراج، حتى ضعفوا عن عمارة الأرض، مثل من يقطع لحمه ويأكله من الجوع، فهو وإن قوي من ناحية، ضعف من ناحية أخرى، وما أدخله على نفسه (من الوجع ٢ والضعف أعظم ممّا دفع عن نفسه) ٣ من ألم الجوع.
ومثال من كلّف الرعية من الخراج فوق طاقتها: كالذي يصلح سطح [٥١/أ] داره بتراب أساسها، ومن يدمن (حزّ) ٤ العمود يوشك أن يضعف (فتقع) ٥ الخيمة عليه، وإذا ضعف الزارعون عجزوا عن عمارة الأرض فيتركونها، فتتخرّب ٦ الأرض، وتهرب الأرزاق ٧، فتضعف العمارة، ويضعف الخراج، وينتج ذلك ضعف الأجناد، وإذا ضعف الجند طمع الأعداء في السلطان.
فيا أيها الملك: كن بما يبقى في أيدي رعيّتك، أفرح (منك) ٨ بما يؤخذ
_________________
(١) بالضم وبالتحريك: ضذ الرفق، وأن لا يحسن الرجل الحمل والتصرف في الأمور، والحمق. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٢/ ٤٤).
(٢) في "ب" (الجوع) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من "ج" و"د" قد ثبت في "سراج الملوك".
(٣) ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٤) في "الأصل" (جز) وكذلك في "ج"، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"د".
(٥) في "الأصل" (فتقطع) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من"ب" و"ج" و"د".
(٦) في "سراج الملوك" (فتخرب).
(٧) في "سراج الملوك" (ويهرب الزراع).
(٨) ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب" "ج" و"د".
[ ٢٩٦ ]
منها، فلا يقلّ مع الصلاح شيء، ولا يبقى مع الفساد شيء) ١.
قال ٢: (روي: أن "المأمون ") أرق ذات ليلة، فاستدعى سميره، فحدّثه بحديث، فقال: "يا أمير المؤمنين كان "بالموصل" ٣ بومة، و"بالبصرة" ٤ بومة، فخطبت بومة "الموصل" إلى بومة "البصرة" بنتها لابنها، فقالت بومة "البصرة": لا أنكحك ابنتي، إلاّ أن تجعل في صداقها مائة ضيعة ٣ خراب، فقالت بومة "الموصل": لا أقدر٦ عليها الآن، ولكن إن دام علينا هذا الأمير سنة، فعلت لك ذلك"، قال: (فاستيقظ) لها "المأمون"، وجلس للمظالم، وأنصف الناس بعضهم من بعض، وتفقّد أمر (الولاة) ٧.
قال ٨: (واعلموا أن أعظم ما يدخل على الدول من الفساد، هو: تقليد (الأعمال) ٩ أهل الحرص عليها، لأنه لا يخطبها إلاّ لصّ في ثوب ناسك، وذئب
_________________
(١) أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: ١٢٣، "باب في سيرة السلطان في استجباء الخراج"، ونقله أحمد المرنيسي في "فتواه في حكم المال الذي يفرض على المسلمين": ٨.
(٢) أي: أبو بكر الطرطوشي.
(٣) مدينة مشهورة عظيمة، احدى قواعد بلاد الاسلام قليلة النطر كبرًا وعظمًا ومنها يقصد إلى جميع البلدان، فهي باب "العراق" ومفتاح "خراسان"، قالوا: وسمّيت بالموصل لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق، وينسب إليها من أهل العلم كثير ومنهم: عبد العزيز بن حيان بن جابر الأزدي الموصلي، (ت ٢٦١هـ)، وأبو يعلى أحمد بن علي التميمي الموصلي الحافظ.
(٤) قال ابن الأنباري: البصرة في كلام العرب الأرض الغليظة، وهي: مدينة في "العراق"، وأخبارها كثيرة، والمنسوبون إليها من أهل العلم لا يحصون، وقد صنّف "عمر بن شبّه" و"أبو يحيى زكرياء الساجي" وغيرهما في فضائلها كتبًا في مجلدات. (ياقوت الحموي- معجم البلدان: ١/ ٤٣٠ - ٤٤٠).
(٥) الضيعة: العقار، (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٣/ ٤٧).
(٦) في "ب" (أقوى) وما أثبتناه مناسب للسياق.
(٧) أنظر الطرطوشي في "سراج الملوك": ١٢٣، "باب: في سيرة السلطان في استجباء الخراج".
(٨) أي: أبو بكر الطرطوشي.
(٩) في جميع النسخ (العمّال) وهو تصحيف، وما أثبتناه قد ثبت في "سراج الملوك": ١٤١.
[ ٢٩٧ ]
في (مسلاخ) ١ عابد وقد سبق المثل: "الحرص على الأمانة، دليل على ٢ الخيانة"، وإذا اهتضمت حقوق المسلمين، وأكلت أموالهم، فسدت نياتهم، وقلّت طاعاتهم، (فانتقضت) ٣ الأمور، ودبّ الفساد إلى الملوك) ٤.
قال "المأمون": (ما فتق عليّ فتق قط، إلاّ وجدت سببه جور العمّال).
(ولما عزل "عثمان"- ﵁- "عمرو بن العاص" ٥ عن مصر، استعمل عليها "ابن أبي السرح"، فحمل من المال أكثر مما كان يحمله "عمرو"، فقال عثمان: "يا عمرو أشعرت أن اللّقاح درّت؟ " فقال عمرو: [٥١/ب] "وذلك (أنكم) ٦ أعجفتم ٧ أولادها") ٨.
وقال "زياد" ٩: (أحسنوا للزارعين، فإنكم لن تزالوا سمّانًا ما سمنوا) ١٠.
_________________
(١) في جميع النسخ (سلاح)، وما أثبتناه قد ثبت في "سراج الملوك".
(٢) ساقطة من "ج".
(٣) في جميع النسخ (فانقضت) وما أثبتناه قد ثبت في "سراج الملوك ".
(٤) أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: ١٤١، "باب: في بيان الشروط والعهود التي تؤخذ على العمّال".
(٥) أبو عبد الله، عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، فاتح مصر، وأحد عظماء المسلمين ودهاتهم، وأولى الرأي والحزم والمكيدة فيهم، أسلم في هدنة الحديبية، وولاّه النبي - ﷺ - امرة جيش "ذات السلاسل" أخباره كثيرة، وله في كتب الحديث (٣٩) حديثًا. (ابن الأثير- أسد الغابة: ٤/ ١١٥ - ١١٨، الزركلي- الأعلام: ٥/ ٧٩).
(٦) في "الأصل" (انكم) وما أثبتناه من "ب" "ج" و"د" قد ثبت في "سراج الملوك": ١٢٣.
(٧) العجف هو: الهزال. (الرازي- مختار الصحاح: ٣٢٨).
(٨) نقله الطرطوشي في "سراجه": ١٢٣، "باب: في سيرة السلطان في استجباء الخراج".
(٩) زياد بن أبيه: أمير، من الدهاة، القادة الفاتحين، الولاة، من أهل الطائف، اختلفوا في اسم أبيه، فقيل: عبيد الثقفي، وقيل: أبو سفيان، أدرك النبي - ﷺ - ولم يره، وأسلم في عهد أبي بكر، ولاه علي بن أبي طالب امرة "فارس"، قال الشعبي: (وما رأيت أحدًا أخطب من زياد) أخبار كثيرة وله أقوال سائرة. مات (سنة ٥٣هـ). (الطبري- تاريخ: ٥/ ٢٨٨، الذهبي- ميزان الاعتدال:١/ ٣٥٥، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٥٣).
(١٠) ٠ - نقله الطرطوشي- سراج الملوك: ١٢٣، "باب: في سيرة السلطان في استجباء الخراج".
[ ٢٩٨ ]
قال ١: (وسمعت شيوخ بلاد الأندلس من الأجناد وغيرهم، يقولون: ما زال أهل الإسلام ظاهرين على عدوّهم، وأمر العدوّ في ضعف وانتقاص، لمّا كانت الأرض مقطّعة في أيدي الأجناد، فكانوا يستغلونها، (ويرفقون) ٢ بالفلاحين، ويربونهم كما يربّي التاجر تجارته، فكانت الأرض عامرة، والأموال وافرة، والأجناد متوافرة ٣، إلى أن كان الأمر في آخر زمان "ابن أبي ٤ عامر": فردّ عطايا الجند مشاهرة، وقدّم على الأرض جباة يجبونها، فأكلوا الرعايا، واحتجبوا أموالهم، واستضعفوهم، فتهارجت الرعايا، وضعفوا عن العمارة، فقلّت الجبايات المرتفعة إلى السلطان، وضعفت الأجناد، وقوي العدوّ على بلاد المسلمين، حتى أخذوا الكثير منها، ولم يزل أمر المسلمين في ضعف، وأمر العدوّ في ظهور، إلى أن استولى "اللمتونيّون" ٣ فردّوا الاقطاع كما كانت في الزمان الأول، ولا أدري ما يكون وراء ذلك، نسأل الله: جميل الصنع! ٦ اهـ لفظه.
فتدبّروا- أيّدكم الله-!: هذه القضايا، فإن قبائلكم هي (أجنادكم) ٧،
_________________
(١) أي: الطرطوشي.
(٢) في "الأصل" (ويرفقوا)، وما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د" قد ثبت في "سراج الملوك".
(٣) في "سراج الملوك" (متوافرين).
(٤) ساقطة من جميع النسخ، والإضافة من "سراج الملوك ": ١٢٣. وهو: المنصور بن أبي عامر.
(٥) في "سراج الملوك": "المتلثّمون" وكلاهما جائز. فاللّمتونيون، نسبة إلى بلاد "لمتونة" وهم طائفة من طوائف الملثّمين، قال ابن خلدون- وهو يصف الإقليم الأول- (وبالقرب منها من شماليّها بلاد "لمتونة" وسائر طوائف الملثّمين) وقال- يصف الإقليم الثاني-: (وفيها جمالات الملثّمين من "صنهاجة"، وهم شعوب كثيرة ما بين "كزّولة" و"لمتونة" و"مسراتة"، و"لمطة" و"وريكة". وكان من ملوكها "يوسف بن تاشفين". (ابن خلدون - مقدمة تاريخ: ٩٣، ٩٨، ٤٠٥).
(٦) أنظر: الطرطوشي- سراج الملوك: ١٢٣، "باب في سيرة السلطان في استجباء الخراج".
(٧) في "الأصل" (أجلادكم) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
[ ٢٩٩ ]
وتركهم يستغلّون (أراضيهم) ١، ويعطون "الادالات" أفضل وأصوب يظهر من ضرب الخراج عليهم- كما ترون- والله أعلم.
_________________
(١) في "الأصل" (أراضيكم) وما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د" مناسب للسياق.
[ ٣٠٠ ]
الفصل الرابع
في حكم من ساكن العدوّ الكفور، ورضي
بالمقام معهم في تلك الثغور
ــ
قد تقدّم في "الفصل الثاني" و"الثالث" من فصول المسألة الأولى: أن الهجرة من أرض الفساد واجبة، ولا فساد أعظم من [٥٢/أ] (الكفر).
قال "ابن العربي"- في "الأحكام"-: (الهجرة وهي: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا في أيام النبي - ﷺ - وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة) اهـ ١، ونقله في "المعيار"، وقال: (وكذلك الهجرة من أرض الحرام والباطل.
وقد قال﵊-: "يوشك أن يكون خير مال المسلم) غنم) ٣ يتبع بها (شعف) ٤ الجبال، ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن "أخرجه
_________________
(١) انظر: ابن العربي- أحكام القرآن: ١/ ٤٨٤، سورة النساء / آية ٩٧ حيث قسم الهجرة إلى ستة أنواع وجعل هذا النوع الأول منها، وهي: - ١ - الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام. - ٢ - الخروج عن أرض البدعة. - ٣ - الخروج عن أرض غلب عليها الحرام. - ٤ - الفرار من الاذاية في البدن. - ٥ - خوف المرض في البلاد الوخمة، والخروج منها إلى الأرض النزهة. - ٦ - الفرار خوف الاذاية في المال.
(٢) الونشريسي- المعيار: ٢/ ١٢٧.
(٣) في "الأصل" (غنما) والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
(٤) في جميع النسخ (شعب) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وقد ثبت في كتب الحديث.
[ ٣٠١ ]
البخاري"، و"الموطأ" ١ ٢.
قال ٣ - في العارضة-٤: (فإن لم يوجد بلد إلاّ كذلك؟ قلنا: يختار المرء أقلها اثمًا، مثل أن يكون بلد فيه كفر، وبلد فيه جور، بلد الجور خير له. أو بلد فيه عدل وحرام، وبلد فيه جور وحلال، فبلد الجور والحلال خير. أو بلد فيه معاص في حقوق الله، فهو أولى من بلد فيه معاص في مظالم العباد إلخ) ٥.
قال: ولا (يسقط) هذه الهجرة الواجبة على هؤلاء الذين استولى على بلدهم) العدوّ، الكافر) - لعنه الله- إلاّ تصوّر العجز عنها بكل وجه، بحيث لم يجد لها حيلة ولا سبيلًا، مثل: أن يكون مريضًا جدًا، أو ضعيفًا جدًا، ولا بدّ مع ذلك من كونه له نيّة صادقة، أنه إن قدر على الهجرة يومًا ما هاجر. فحينئذ يرجى له العفو المشار إليه، بقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُةاجِرُوا فِيةا إلى قوله: فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ٦.
وأما القادر على الهجرة بحيلة أو غيرها، فهو غير معذور، داخل في وعيد
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (أنظر: فتح الباري في شرح صحيح البخاري": ١٣/ ٤٠، "كتاب: الفتن". "باب: التهرّب في "الفتنة" عن أبي سعيد الخدري. والإمام مالك في "الموطأ": ٢/ ٩٧٠" كتاب الاستئذان" "باب: ما جاء في أمر الغنم". وأبو داود في "سننه": ٨/ ١٢٣، ١٢٤، "كتاب: الفتن والملاحم" "باب: ما يرخص فيه من البداوة في الفتنة". والنسائي في "سننه": ٨/ ١٢٣، ١٢٤، "كتاب: الايمان وشرائعه" "باب: الفرار بالدين من الفنن". وأحمد في "مسنده": ٣/ ٦.
(٢) أنظر: الونشريسي- المعيار: ٢/ ١٢١، في أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر، وما يترتّب عليه من العقوبات والزواجر".
(٣) أي: الطرطوشي.
(٤) في "الأصل" (المعارضة)، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د"، وهي "عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي" لأبي بكر محمد بن العربي.
(٥) أظر: ابن العربي- عارضة الأحوذى بشرح صحيح الترمذي: ٧/ ٨٨، ٨٩، "باب الهجرة"، والونشريسي- المعيار: ٢/ ١٢١.
(٦) سورة النساء / آية ٩٧.
[ ٣٠٢ ]
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ إلى قوله : وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١، وفي وعيد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا [٥٢/ب] عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٣، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ إلى قوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٤ وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ (فَلَيْسَ) ٣ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ٦، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ ٧، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٨، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّةا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا إلى قوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٩ ١٠.
(وفي عيد قوله﵊-: "أنا بريء من كل مسلم مقيم بين
_________________
(١) سورة النساء / آية ٩٧.
(٢) ساقطة من "ب" و"ج" و"د".
(٣) سورة الممتحنة / آية ١، وتمامها: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِةادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
(٤) سورة آل عمران / آية ١١٨، وتمامها: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
(٥) ساقطة من "الأصل".
(٦) سورة آل عمران / آية ٢٨، وتمامها: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
(٧) سورة هود / آية ١١٣.
(٨) سورة المائدة / آية ٥١.
(٩) سورة المائدة / آية ٥٧، وتمامها: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
(١٠) ٠ - أنظر: الونشريسي- المعيار: ١/ ١٢١ - ١٢٣، مع تقديم وتأخير وتفصيل.
[ ٣٠٣ ]
أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله: لم؟ قال: لا تتراءى "نارهما ١" ٢.
وقال: "لا تساكنوا المشركين، ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو منهم" ٣ ٤.
قال في كتاب "فلك السعادة": (والحديثان رواهما أحد الكتب الستة وفي لفظ "أبي داود" عن (سمرة) ٥: "من جامع المشرك، أو سكن معه فهو مثله") ٦ اهـ.
قال في "المعيار": (ولا معارض لهذين الحديثين، ولا ناسخ، ولا مخصّص، ولا مخالف لهما من أئمة المسلمين) ٧.
_________________
(١) في "الأصل" (ناراهما) والصواب ما أثبتناه.
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" (أنظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود: ٧/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، "كتاب: الجهاد". والنسائي في "سننه": ٨/ ٣٦، "كتاب القسامة" عن اسماعيل عن قيس. والتبريزي في "مشكاة المصابيح": ٣٥٤٧. والبغوي في "شرح السنة": ١٠/ ٣٧٣. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد": ٥/ ٢٥٣. "كتاب: الجهاد" "باب: النهي عن مساكنة الكفار" بما معناه، من طريق: قيس بن أبي حازم عن خالد بن الوليد. وقال: "رواه الطبراني ورجاله ثقات".
(٣) أخرجه الترمذي في "سننه": ٤/ ١٥٥، ١٥٦ "كتاب: السير" باب "ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، عن سمرة بن جندب. والبيهقي في: سننه": ٩/ ١٢ - ١٣، "كتاب: السير" "باب: فرض الهجرة، عن جرير بن عبد الله البجلي، مرفوعًا بلفظ: "من أقام مع المشركين فقد برئت عنه الذمة".
(٤) نقلهما الونشريسي في "المعيار": ٢/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٥) في "الأصل" (سمر) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه. وهو: سمرة بن جندب بن هلال الفزاري: صحابي من الشجعان القادة، نشأ في المدينة، ونزل البصرة، أمّره معاوية على البصرة عامًا أو نحوه ثم عزله، كتب رسالة إلى بنيه، قال ابن سيرين: (فيها علم كثير). مات (سنة ٦٠هـ). (ابن حبيب- المحبر: ٢٩٥، ابن حجر- تهذيب: ٤/ ٢٣٦).
(٦) أخرجه أبو داود في "سننه": ٣/ ٩٣. "كتاب: الجهاد" "باب: في الاقامة بأرض الشرك".
(٧) أنظر: الونشريسي- المعيار: ٢/ ١٢٦، حيث قال بعد ما أورد الحديثين السابقين: (التنصيص في هذين الحديثين على المقصود بحيث لا يخفى على أحد ممّن له نظر سليم، =
[ ٣٠٤ ]
ونقل في "المقدمات" الحديث الأول في كتاب: "التجارة إلى أرض الحرب" مقتصرًا عليه، ثم قال: (فإذا وجب بالكتاب، والسنة، واجماع الأمة، على من أسلم بدار الحرب أن يهجره، ويلحق بدار الإسلام، ولا يقيم بين أظهر المشركين، لئلاّ تجري عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم، حيث تجري عليه أحكامهم في تجارة، أو غيرها!؟.
وقد كره "مالك"- ﵀-: أن يسكن أحد ببلد يكفر [٥٣/أ] فيها بالرحمن، وتعبد من دونه الأوثان، لا تستقر نفس أحد على هذا إلاّ مسلم مريض الإيمان) ١ اهـ.
قلت: (أنظر: هل يسقط الحج عن من علم من نفسه، أنه لا طريق له إلاّ من بلادهم؟، إذ لا تباح طاعة بارتكاب معصية، لأن الدخول لبلادهم لتجارة أو غيرها ممنوع- كما رأيته- مسقط للشهادة والإمامة- وتقدّم عن "المازري": أنه لا يجوز الدخول لبلادهم لشراء الأقوات- أو يخفف له في ذلك؟، لم أر فيه نصًا).
ثم ذكر في كتاب "فلك السعادة"- اثر ما مرّ عنه، عن "الزناتي" في كتاب "المولد" ٢ -: (أن النبي - ﷺ - قال: (لا ترافقوهم في الأسفار، ولا تساكنوهم في الأمصار، واضربوا بينكم وبينهم بسور البعاد) ٣.
قال: (وروى "الزناتي"- في كتابه هذا- أيضًا-: أنه﵊- قال: "من ضحك في وجه يهودي، فكأنما قرصني في فؤادي") ٤.
_________________
(١) = وترجيح مستقيم. وقد ثبتا في الحسان من المصنفات الستة التي تدور عليها رحى الاسلام. قالوا: ولا معارض لها، ولا ناسخ، ولا مخصص، ولا غيرهما، ومقتضاهما لا مخالف لهما من المسلمين، وذلك كاف في الاحتجاج بهما).
(٢) أنظر ابن رشد- المقدمات: ٦١٢، "كتاب التجارة إلى أرض الحرب"، ونقله- أيضًا- الونشريسي في "المعيار": ٢/ ١٢٤.
(٣) "مولد نبوي" لأبي عمران موسى بن أبي علي الزناتي الزموري المولد والمنشأ، نزيل مراكش، مات بها سنة (٧١٤هـ). أنظر: المنوني- ورقات عن الحضارة المغربية: ٢٧٥.
(٤) لقد بحثت عنه بحثًا مضنيًّا في مصادر عدة فلم أقف عليه.
(٥) لم أقف عليه.
[ ٣٠٥ ]
وذكر بعضهم: (عن "أبي موسى الأشعري "أرضي الله عنه، قال: قلت
"لعمر بن الخطاب "- ﵁-: أن في كنّابنا نصرانيًا، قال: ما لك؟!
- قاتلك الله- ألأ اتخذت حنيفيًا؟ ٢، أما سمعت قول الله تعالى: (يا أيها الذين
آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض؟!، قلت: له دينه
ولط كتابته، قال: لا أكرمهم إذْ أهانهم الله، ولا أعرهم إذ أذلّهم الله، ولا أدنيهم
إذ أبعدهم الله، قلت: لا يتئم أمر النصرة إلاّ به، فقال: مات النصراني، والسلام
يعني: هب أنه مات، فما تصنع بعده، فافعله الآن، واستغنى عنه بغيره) ٣ اهـ.
وقد قيل: (من والى أعداء الله، تبرأ منه، ووكله إليهم) اهـ.
فهذه النصوص القرآنية، والأحاديث النبوئة، والاجماعات القطعية، كلها ٥٣١/ ب،- كما في "المعيار"- صريحة في: وجوب الهجرة"، وحرمة لم الاقامة في بلادهم، ولا تجد لذلك مخالفًا من أهل القبلة.
وأما دمه وماله إذا لم يهاجر مع القدرة: فقال في "المعيار"- أيضًا- إثر ما مرّ
عنه: (اختلف الناس فيمن أسلم، وبقى "بدار الحرب ".
فقال "مالك ": "دمه محقون- أي معصوم- وماله فيء، فهو لمن أخذه،
أبو موصى، عبد الله بن قيس بن سليم بن حرب، الصحالي الجليل، الشجاع، الفاتح، وأحد الحكمين الفذين رضي بهما على ومعاوية بعد حرب لأصفين "، وأحسن الصحابة صوتأ في التلاوة، له (٣٥٥) حديثًا، مات بالكوفة (سنة ٤٤هـ). (ابن سعد- طبقات: ٤/ ٧٩، ابن الجوزي- صفة: ١/ ٢٢٥، الزركلي- الأعلام: ١٤/ ٤ ١).
في "ب" (حنفيًا) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وهو بمعنى الميل إلى الإسلام الثابت عليه، والمستقيم، ومن أسلم لأمر الله ولم يلتو. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٧٢٧/ ١، البستاق- فاكهة: ٣٥١).
أورده ابن قتيبة في "عيون الاخبار": ٤٣/ ١! "كتاب السلطان،) عن اسحاق بن راهويه قال: لأعن عياض ابن أممط موسى، أن عمر بن الخطاب، قال لأممط موسى: ادع لمط كاتبدً ليقرأ لنا صحفأ جاءت من الشام، فقال أبو موصى: انه لا يدخل المسجد؟ قال عمر: أبه جنابة؟ قال: لا، ولكنه نصراق، فال: فرفع يده فضرب فخذه حتى كاد يكسرها ثم قال: مالك "."
[ ٣٠٦ ]
وليس بمعصوم حتى يخرج به لدار الإسلام".
وقال "الشافعي": "دمه وماله معصومان، وإن لم يخرج لدار الإسلام".
ويقول "الشافعي": قال "أشهب"، و"سحنون"، واختاره "ابن العربي".
وبقول "مالك" في المال: قال "أبو حنيفة" ١ - كما ترى-، وبه قال "أصبغ" ٢، واختاره "ابن رشد"، وهو المشهور عن "مالك".
فمن أسلم منهم: عند "مالك"، "وأبي حنيفة"، ولم يحز مالًا ولا ولدًا بدار الإسلام- أي: لم يخرج إليها بماله وولده- فكأنه: لا مال له ولا ولد عندهما، وكان اليد للكفّار، كما أن الدار لهم، فماله وولده لمن قاتل عليه من المسلمين، باتفاق هذين الإمامين) ٣.
_________________
(١) الإمام النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي: الفقيه، المجتهد، المحقق، أحد الأئمة الأربعة، قال الإمام الشافعي: (الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة) من كتبه "المسند" في الحديث و"المخارج" في الفقه. مات (سنة ١٥٠هـ). (البغدادي- تاريخ: ٣/ ٣٢٣ - ٤٢٣، ابن خلكان- وفيات: ٢/ ١٦٣، ابن كثير- البداية والنهاية: ١٠/ ١٠٧، كبرى زاده- مفتاح السعادة: ٢/ ٦٣ - ٨٣).
(٢) أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع، فقيه من كبار المالكية "بمصر"، قال ابن الماجشون: "ما أخرجت مصر مثل أصبغ"، وكان كاتب ابن وهب، وله تصانيف. مات (سنة ٢٢٥هـ). ابن خلكان- وفيات: ١/ ٧٩).
(٣) قال الونشريسي: (والمسألة محققة في مسائل الخلاف مبنية على أن الحربي هل يملك ملكًا صحيحًا أم لا؟ وهل هو الإسلام أو الدار؟. فمن ذهب إلى أنه يملك ملكًا صحيحًا تمسك بقوله﵇- "هل ترك لنا عقيل من دار"، وبقوله - ﷺ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها). فسوّى بين الدماء والأموال وأضافها إليهم، والإضافة تقتضي التمليك، ثم أخبر عمّن أسلم منهم أنه معصوم، وذلك يقتضي أن لا يكون لأحد عليه سبيل. وتمسك- أيضًا- من أتبعه ماله بقوله - ﷺ - (من أسلم على شيء فهو له)، وبقوله (لا يحلّ مال امرىء مسلم إلاّ عن طيب نفس منه). وأما مالك وأبو حنيفة ومن قال بقولهما فعندهم أن العاصم إنما هو الدار، فما لم يحز المسلم ماله وولده بدار الإسلام، وإلاّ فما أصيب من ذلك بدار الكفر فهو فيء للمسليم، وكأن =
[ ٣٠٧ ]
قال ١: (وهذا الخلاف: وإن كان إنّما ورد فيمن أسلم منهم، وبقي بين أظهرهم، ولم يهاجر، لكن المتأخرون ٢: ألحقوا به في الحكم من كان مسلمًا بالأصالة، وبقي ساكنًا معهم، ولم يهاجر بعد استيلاء الطاغية على أرضه- وأخرى لو فرّ منّا إليهم- وسوّوا بينهما في الأحكام الفقهية المتعلقة بأموالهم وأولادهم، (ولم) ٣ يروا فيها فرقًا بين الفريقين، وذلك لأنّهما في موالاة الأعداء، ومساكنتهم، ومداخلتهم، وملابسَتهم، وعدم مباينتهم ٤، وترك الهجرة الواجبة عليهم سواء، فألحقوا- رضي الله [٥٤/أ] عنهم-: من كان مسلمًا بالأصالة، وبقي ساكنًا بين أظهرهم، بمن أسلم منهم وبقي بدارهم، في جميع الأحكام.
فاجتهاد المتأخرين في هذا مجرد إلحاق ما سكت عنه الأقدمون، فيمن كان مسلمًا بالأصالة، لعدم وقوعه في زمنهم، بمن أسلم منهم وبقي بدارهم، لاستوائهما في المعنى من كل وجه، وهو عدل من النظر واحتياط في الاجتهاد، فكان في غاية الحسن) ٣.
قال: (لكن "ابن الحاج" ٦: بعد أن وافق غيره في الإلحاق المذكور، بحث
_________________
(١) = الكفّار عندهم لا يملكون، بل أموالهم وأولادهم حلال لمن يقدر عليها من المسلمين كدمائهم. وقال ابن العربي- أيضًا- العاصم لدم المسلم الإسلام، ولماله الدار، وقال الشافعي: العاصم لهما جميعًا هو الإسلام، وقال أبو حنيفة، العاصم المقوم لهما هو الدار والموثم هو الإسلام). المعيار: ٢/ ١٢٧، ١٢٨، ١٢٩).
(٢) أي: الونشريسي.
(٣) منهم: أبو عبد الله بن الحاج. (الونشريسي- المعيار: ٢/ ١٢٩).
(٤) في "الأصل" (ولو) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
(٥) المباينة: المفارقة، وتباين القوم: تهاجروا. (الرازي- مختار الصحاح: ٣٢).
(٦) أنظر: الونشريسي- المعيار: ٢/ ١٢٩.
(٧) هو أبو عبد الله، محمد بن أحمد المعروف بابن الحاج: الإمام الفقيه، الحافظ العالم، العمدة، المشاور القدوة، أخذ عن محمد بن فرج مولى ابن الطلاع وابن رزق وغيرهما. وروى عن: أبي مروان بن سراج وأبي علي الغساني، وعنه: ابنه أحمد، والقاضي عياض، ومحمد بن =
[ ٣٠٨ ]
وفرّق من عنده بينهما: بأن مال من أسلم كان مباحًا قبل إسلامه، بخلاف مال المسلم بالأصالة، فإنه لم يتقدّم له كفر يبيح ماله ١.
ثم ذكر صاحب "المعيار" عن "ابن رشد" كلامًا ٢، وقال عقبه: (هذا يؤذن بترجيح خلاف ما رجّحه ابن الحاج من الفرق المذكور) ٣ اهـ كلام صاحب "المعيار" بتقديم، وتأخير، واختصار، وزيادة، للايضاح.
وقد علمت منه: أن المسلم بالأصالة ومن تجدّد إسلامه سواء في الأحكام المذكورة، وأن ما فرّق به "ابن الحاج" يردّ بما "لابن رشد"، لأنّه المقدم عند الاختلاف، ولا سيّما- وقد تقدّم-: أنه المشهور عن "مالك".
بل قد يقال: إن المسلم بالأصالة يؤخذ بالأحرى من حكم من أسلم لا بالمساواة، لأن من أسلم ربما يعذر، لقرب عهده بالإسلام، فلم يعلم بوجوب
_________________
(١) = سعادة، وغيرهم، كان يدور القضاء في وقته بينه وبين أبي الوليد ابن رشد في خلافة يوسف بن تاشفين، من كتبه: "النوازل" المشهورة، و"شرح خطبة صحيح مسلم"، و"كتاب الايمان" وغير ذلك. قتل ظلمًا وهو ساجد في صلاة الجمعة (سنة ٥٢٩هـ). أنظر: ابن بشكوال- الصلة: ٢/ ٥٨٠ - ٤٨١، الضبي- بغية الملتمس: ٥١، مخلوف- شجرة النور: ١٣٢).
(٢) أنظر: الونشريسي- المعيار: ٢/ ١٢٩، وقال (ويعتضد هذا الفرق بنص آخر مسألة من سماع يحيى من كتاب الجهاد ولفظه: وسألته عمّن تخلف من أهل "برشلونة" من المسلمين عن الارتحال عنهم بعد السنة التي أجّلت لهم يوم فتحت في ارتحالهم، فأغار على المسلمين تعوذًا ممّن يخاف من القتل ان ظفر به، فقال ما أراه إلاّ بمنزلة المحارب الذي يتلصّص بدار الإسلام من المسلمين، وذلك أنه مقيم على دين الإسلام، فإن أصيب فأمره إلى الإمام يحكم فيه بمثل ما يحكم في أهل الفساد والحرابة. وأما ماله فلا أراه يحلّ لأحد أصابه) انتهى.
(٣) هو قول ابن رشد في ردة على ابن الحاج: (انهم في غارتهم على المسلمين بمنزلة المحاربين، صحيح لا اختلاف فيه، لأن المسلم إذا حارب فسواء كانت حرابته في بلد الإسلام، أو في بلد الكفر، الحكم فيه سواء، وأما قوله في ماله: "أنه لا يحلّ لأحد أصابه"، فهو خلاف ظاهر قول مالك في "المدوّنة": في الذي يسلم في دار الحرب، ثم يغزو المسلمون تلك الدار فيصيبون أهله وماله، ان ذلك كله فيء، إذ لم يفرق فيها بين أن يكون الجيش غنم ماله وولده قبل خروجه أو بعد خروجه). (المعيار: ٢/ ١٣٠).
(٤) انظر: الونشريسي- المعيار: ٢/ ١٣٠.
[ ٣٠٩ ]
الهجرة، والجهل بالأحكام له أثر في الجملة، فلا تفريط معه حينئذ، بخلاف المسلم بالأصالة، فالغالب علمه بوجوبها- ولا سيّما الفارّ منّا إليهم- فهو: مفرّط عاص بتركها، فالمسلم بالأصالة أسوأ حالًا قطعًا ممّن أسلم، وبه يبطل: تفريق "ابن الحاج" والله أعلم.
ثم قال في "المعيار": (قال بعض المحقّقين من الشيوخ: يظهر أن الأحكام الملحقة بهم في الأنفس والأولاد، جارية على المقيمين [٥٤/ب] مع النصارى الحربيين، على حسب ما تقرر من الخلاف المتقدّم، ثم إن حاربونا ترجّحت حينئذ استباحة (دمائهم، وان أعانوهم بالمال على قتالنا: ترجّحت حينئذ استباحة) ١ أموالهم، وقد
ترجّح سبي ذراريهم) ٢ اهـ.
قلت: ولا يخفى أن كل مقيم بدارهم، لا بدّ أن يؤدي جزية لهم، فهو (دائمًا) ٣ معين لهم علينا، ومكثر سوادهم، وذلك مرجّح لإباحة أموالهم، كما قاله الإمام "مالك"- ﵀- ومن وافقه، على ما مرّ بيانه.
وتقدّم في فصل الاستنفار، عن الإمام "ابن زكري": (أنهم يقاتلون قتال الكفار، حيث أعانوا الكفّار ولو بالمال. والله أعلم.
_________________
(١) ساقطة من "ب".
(٢) أنظر: الونشريسي- المعيار: ٢/ ١٣٠.
(٣) في "الأصل" (دائم) والصواب ما أثبتناه.
[ ٣١٠ ]
المسألة الخامسة
وأما المسألة الخامسة: فلا شيء يتعلّق بها، بل هي قائمة بنفسها
ــ
اعلم: أن مانع المعونة بالمال أو بالأبدان باغ قطعًا، لأنّه منع حقًا وجب عليه - كما تقدّم في الفصل الثالث من فصول المسألة الرابعة- وحينئذ يجري عليه: حكم البغاة المشار إليه بقول "خليل" وغيره:
(الباغية: فرقة خالفت الإمام لمنع حق إلى قوله : واستعين بمالهم عليهم) ١.
ويظهر غاية الظهور أنه يؤخذ ما جهّز به الإمام الجيوش التي قاتلهم بها، لأنهم ببغيهم متسبّبون في إتلاف بيت المال، فعليهم ضمان ذلك في المال الذي بأيديهم وفي غيره.
كما قالوا: (ان الملدّ المماطل ضامن لما تسبّب في إتلافه على خصمه من أجرة الرسول) - كما تقدّم تحقيقه في الفصل الخامس من فصول المسألة الأولى- والجيش كله رسول للبغاة في الحقيقة، ولم أره مسطورًا هكذا، إلاّ أنّه لا شكّ أن من تسبّب في إتلاف مال، وجب غرمه عليه، ولعلّ هذا هو المستند في [٥٥/أ] عدم ردّ الملوك اليوم أموالهم إليهم، إذ الغالب أنها لا تفي بما جهّزوا به جيوشهم التي قاتلوهم بها.
أو يقال: مستندهم في ذلك: سدّ الذريعة- كما تقدّم تحقيقه في الفصل الثالث من فصول المسألة الأولى- إذ لو ردّت إليهم أموالهم، لكان ذلك سببًا لبغي غيرهم، فعدم ردّها إليهم فيه سدّ تلك الذريعة.
أو يقال: ردّ أموالهم إنما هو: إذا تأتّى جمعها من الجيش، ولم يخش بغيه بها ثانيًا، والغالب أنه يتأتّى جمعها وأنه يخشى بغيه بها ثانيًا وهذا مفهوم
_________________
(١) أنظر: مختصر خليل: ٢٨٠، "باب الباغية"، والنص كاملًا (الباغية فرقة خالفت الإمام لمنع حق أو لخلعه، فللعدل قتالهم، وان تأولوا كالكفار، ولا يسترقوا، ولا يحرق شجرهم، ولا ترفع رؤوسهم بأرماح، ولا يدعوهم بمال، وأستعين لمالهم عليهم).
[ ٣١١ ]
الشرط ١، المقدر في قولهم: (ثم ردّ كغيره) ٢، أي: إن أمنوا من بغيهم نجها ثانيًا، والغالب من قبائل الزمان عدم الأمن، كما مرّ.
أو يقال: العقوبة بالمال فيها نزاع، ومال البغاة من ذلك قطعًا، بل ينبغي أن لا يدخلها الخلاف المتقدّم، حيث راعى الإمام تضمينهم لما أفسدوه عليه، أي: تسبّبوا في إتلافه ببغيهم.
على أنّه قد يقال: الاستعانة الحقيقية، إنما هي قبل القدرة عليهم، وهو قبلها لا تمكنه الاستعانة بمالهم، إلاّ على الوجه المذكور، وهو أن يجهّز جيوشه، ثم يضمنهم ذلك.
وأما بعد القدرة: فلا تتصوّر الاستعانة، لأنّه لم يبق قتال بينهما يوجب الاستعانة بالمال.
وأما ما ظفر به من مالهم حال القتال، وقبل كمال القدرة عليهم، فذلك قليل بالنسبة إلى ما بقي بأيديهم، ومع ذلك قالوا: (إنما يردّ إليهم إذا استغنى الإمام عنه) ٣ - كما في "شرّاح المتن"- والغالب: عدم الاستغناء.
وأيضًا: فإن بغاة هذا الزمان غير (متأولين) ٤ وكل باغ غير متأول يضمن ما قتله من الجيش، كما يضمن ما أتلفه من الأموال، كما أشار له [٥٥/ب] "خليل" بمفهوم قوله: (ولم يضمن متأول أتلف نفسًا، أو مالًا إلخ) ٥ فأموالهم حينئذ ربما
_________________
(١) هو نوع من أنواع مفهوم المخالفة الذي هو: اثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه، نحو: من تطهر صحت صلاته. أنظر: القرافي- الذخيرة:١/ ٥٨، ٥٩.
(٢) أنظر: مختصر خليل: ٢٨٠. والزرقاني على خليل: ٨/ ٦١.
(٣) أنظر: الزرقاني على خليل: ٨/ ٦١، والبناني على خليل: ٨/ ٦١، عند قول خليل (ثم ردّ كغيره).
(٤) في ("الأصل" (متوالين) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من "ج" و"د"، والمتأول هو: من تأول خروجًا عن الحق والصواب. (الزرقاني على خليل: ٨/ ٦٠).
(٥) أنظر: مختصر خليل: ٢٨٠ "باب الباغية"، والنص كاملًا: (ولم يضمن متأول أتلف نفسًا أو مالًا، ومضى حكم قاضيه، وحد أقامه، ورد ذمّي معه، لزمته، وضمن المعاند النفس والمال، والذمّي محه ناقض، والمرأة المقاتلة كالرجل).
[ ٣١٢ ]
لا تفي بما أتلفوه من الأموال والأنفس.
وأيضًا: إن ردّ أموالهم إليهم إنما هو: إذا علمت ملاّكه.
وبالجملة: فواحد من الوجوه المتقدمة كاف في عدم وجوب ردها إليهم، فكيف بذلك إذا وجدت تلك الوجوه كلها، أو وجد غالبها، أو متعدد منها!، ولذا قال في- "معاوضات" - "المعيار": (يجوز شراء ما لم يعلم مالكه من الطعام الذي يجلبه الجيش من أمتعة الباغية) ١ اهـ.
وظاهره: أنّه يجوز له تملّكه، ولا يحتاج إلى تعريف به، ولهذا صحّ له بيعه، وللآخر شراءه، وما ذلك إلاّ لكون الغالب وجود شيء من الوجوه السابقة المانعة من ردّ أموالهم إليهم، وإلاّ لوجب التعريف، ولم يجز لأحد شراؤه قبله، والله أعلم) ٢.
_________________
(١) ذهب إلى جواز ذلك "أبو محمد عبد الله بن بختي الزواوي" في جواب له على نازلة نزلت بافريقية يوم ولاية الأمير أبي حفص، وذلك أنه لما حصر "تونس" تفرق حينئذ العرب على قراها وحاصوا طعامها وقطعوا طرقها، ثم جلب العرب الطعام إلى البلد لبيعه، فتوقف أكثر الناس عن شرائه، فسئل من بها من العلماء، فأجاب هذا الشيخ بجوازها، فأخذ الناس بفتواه، وقال- لما سئل عن سبب هذه الفتوى-: (ولكن ذلك عندي مقتضى الفقه، وهو - أيضًا- جائز على مذهب "الموازية" "والمدونة"، أما الفقه وذلك أن الطعام المجلوب لا يعلم عين مالكه، ولو قام شخص يطلبه ما حكم له بأخذ هذا الطعام المجلوب اتفاقًا). وقال بعضهم: بالمنع من ذلك لأن في ذلك إعانة لهم على الغصب، فقال الشيخ عند ذلك: فالمنع من ذلك ليس هو لكون هذا ليس بملك لهم. وإنما هو لمعنى آخر، مع أن هذا لا يمنعهم من الغصب والعداء، وهم إن لم يشتر منهم يرفعونه إلى موضع آخر ويبيعونه أو يأ كلونه. (الونشريسي- المعيار: ٥/ ٦٨ - ٦٩، "في حكم الشراء من العرب المعروفين بالنهب".
(٢) المسألة الخامسة بتمامها ساقطة من "ب".
[ ٣١٣ ]