قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ ١ أي: لأهلكم ٢ بعذاب من عنده، وكفى أمرهم بغير قتال، إلاّ أنّه- تبارك- وتعالى- أراد بحكمته (اختبار) ٣ المؤمنين، فأمر بالقتال، ليبلو بعض الناس ببعض، فيصير من قتل من المؤمنين إلى ثواب، ومن هلك من الكافرين إلى عذاب.
هذا في قتال الكفار، وكذا في قتال البغاة، لقوله- تعالى-: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ - أي: ترجع- إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٤، ولو شاء الله لانتصر منهم- أيضًا- وأهلكم بغير قتال. ولكن: سبق في علمه- سبحانه-: أنّه لا بدّ من الاختبار، قال- تعالى-: ﴿(مَا) ٥ كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي: لا يترككم مختلطين لا يعرف مخلصكم من منافقكم-٦ حَتَّى [٥٦/أ] يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ٧.
_________________
(١) سورة محمد / آية ٤، وتمامها: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَةا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.
(٢) في "ج"و"د" (فأهلكم).
(٣) في "الأصل" (اختيار) والصواب ما أثبتناه من "ج" و"د".
(٤) سورة الحجرات / آية ٩، وتمامها: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّة يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
(٥) في "الأصل" (وما) والصواب ما أثبتناه.
(٦) قال القرطبي: (قيل: الخطاب للمؤمنين، أي: وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق، حتى يميز بينكم بالمحنة والتكليف فتعرفوا المنافق الخبيث والمؤمن الطيب). (الجامع لأحكام القرآن: ٤/ ٢٨٩).
(٧) سورة آل عمران / آية ١٧٩، وتمامها: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّة يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
[ ٣١٤ ]
قال "قتادة": (حتى يميز المؤمن من الكافر: بالهجرة والجهاد) ١.
وهكذا: التكالف الشرعية: من صلاة، وصيام، وزكاة، وجهاد، وحج- ونحو ذلك من الواجبات- وتحريم الربا- مثلًا- وأكل أموال الناس بالباطل، وبيع الطعام بالطعام نسيئة ٢ - ونحو ذلك من المحرمات- كلها للاختبار.
قال - تعالى-: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٣.
فالتكاليف ٤ الشرعية- من المأمورات والمنهيات- كلها عيار ٥ صادق للعباد، كما يعيّر الدرهم باخراج ما في بطنه للعيان بسبب إمراره وحكّه على حجارة.
قال- تعالى-: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ٦ والفتنة: الامتحان والاختبار، بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجرة الشهوات والملاذ، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، والصبر على إذايات ٧ الكفّار،
_________________
(١) نقله الخازن في "لباب التأويل وأسرار التنزيل": ١/ ٣٠٨. ولم ينسبه لقتادة.
(٢) النسيئة: التأخير، يقال: "باعه بنسيئة"، وهو: الدين المؤخر. وربا النسيئة: هو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل. (أبو جيب- القاموس الفقهي: ١٤٤، ٣٥١).
(٣) طرف من آيتين: سورة هود / آية ٧، وتمامها: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ ةذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. وسورة الملك / آية ٢، وتمامها: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾.
(٤) من بداية الخاتمة إلى هنا ساقطة من "ب".
(٥) العيار: هو ما اتّخذ أساسًا للمقارنة، وكل ما تقدّر به الأشياء من كيل أو وزن، وعيار النقود: هو مقدار ما فيها من المعدن الخالص المعدود أساسًا لها بالنسبة لوزنها. (المعجم الوسيط: ٢/ ٦٤٥).
(٦) سورة العنكبوت / آية ٢.
(٧) في "ب" و"ج" و"د" (اذاية).
[ ٣١٥ ]
وكيدهم، وضررهم ١.
والمعنى: أحسب الناس الذين أجروا كلمة التوحيد على ألسنتهم، وأظهروا القول بالإيمان، أنهم يتركون لذلك غير ممتحنين، بل يمتحنهم الله ويختبرهم بضروب المحن، حتى يختبر صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع ٢ نيّاتهم، ليتميّز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب فيه، والمتمكن فيه من العابد على حرف.
كما قال- تعالى-: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ ٣.
قال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ (قَبْلِهِمْ) ٤﴾ ٥.
يعنى: أن أتباع الأنبياء قبل النبي - ﷺ - قد فتنوا، وأصابهم ما (هو) ٦ أشدّ ممّا أصابكم فصبروا.
كما قال- تعالى-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ ٧ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَةنُوا لِمَا
_________________
(١) قال القرطبي: (قال مجاهد وغيره: "فنزلت هذه الآية مسلّية ومعلمة أن هذه سيرة الله في عباده اختبارا للمؤمنين وفتنة". قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال فهي باقية في أمة محمد - ﷺ - موجود حكمها بقية الدهر. وذلك أن الفتنة من الله- تعالى- باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدوّ وغير ذلك. وإذا اعتبر- أيضًا- كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن. قلت- أي القرطبي-: ما أحسن ما قاله، ولقد صدق فيما قال). (الجامع لأحكام القرآن: ١٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤).
(٢) الناصع: الخالص من كل شيء، والنصيع: الصافي كالناصع. (الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٤/ ٣٤١ - ٣٤٢).
(٣) سورة آل عمران / آية ١٨٦، وتمامها: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
(٤) في "الأصل"، و"ب" و"ج" (قبلكم) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "د".
(٥) سورة العنكبوت / آية ٣، وتمامها: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
(٦) ساقطة من "الأصل" والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٧) بضم القاف وإسقاط الألف على قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى: (قاتل) بفتح القاف وادخال الألف. (ابن مجاهد- السبعة في القراءات: ٢١٧).
[ ٣١٦ ]
أَصَابَهُمْ ﴾ ١ [٥٦/ب]
والمعنى: (أنّ الافتتان والامتحان، سنة قديمة جارية في الأمم كلها، فليعلمنّ الله- بالامتحان والاختبار- الذين صدقوا في الايمان، وليعلمنّ الكاذين فيه، فيجازي الذين صبروا وصدقوا بالثواب الجزيل وعلوّ الدرجات، والذين كذبوا ولم يصبروا بالعذاب الأليم، وبكونهم في أسفل الدركات) هكذا في "الكشاف" ٢، و"البيضاوي" ٣، وغيرهما.
ولذا قالوا: (الصبر ثلاث أقسام: صبر على الطاعة، حتى يؤديها. وصبر عن المعصية، حتى يتركها. وصبر على (المصيبة) ٤، حتى لا يجزع منها) ٥.
وكلها: يشملها قوله- تعالى-: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٦.
فشدّوا- أيّدكم الله-: على الكتاب والسنة، فإن كتاب الله هو الحكم الفاصل بين الحق والباطل، والسنة هي القسطاس العادل بين المقتصد ٧ (والمائل) ٨، ومن خرج
_________________
(١) سورة آل عمران / آية ١٤٦، وتمامها: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
(٢) الزمخشري- الكشاف: ٣/ ٤٣٩.
(٣) البيضاوي- أنوار التنزيل: ٣٨٤.
(٤) في "الأصل" و"د" (المعصية) والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج".
(٥) قال القرطبي: (والصبر صبران: صبر عن معصية الله، فهذا مجاهد، وصبر على طاعة الله، فهذا عابد. فإذا صبر عن معصية الله وصبر على طاعة الله أورثه الله الرضا بقضائه، وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات). (الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١٧٤).
(٦) سورة الزمر / آية ١٠، وتمامها: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي ةذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
(٧) أي: المستقيم، يقال: اقتصد في أمره، استقام. (البستاني- فاكهة البستان: ١١٦١).
(٨) في "الأصل" (المال) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د" وهو بمعنى: حاد عن الحق وعدل. (البستاني- فاكهة البستان: ٩٠١).
[ ٣١٧ ]
عنهما مرجعه إلى الويل والثبور ١، ويتجرع كؤوس الندامة يوم النشور.
واعلموا: أنّه لا ينفع مال ولا بنون، إلاّ من أتى الله بقلب سليم، وعلّقوا ظاهرم، وباطنكم بالله- تعالى- ولا تشغلوا سرّكم بسواه- فإنّه ليس في الوجود سواه- وكما تحذرون الوقوع في العمل المشترك، احذروا أن يكون لكم قلب مشترك، فإنّ الله- سبحانه- غيور لا يريد من يقف بساحة المنازل والدّور.
وقد تقدّم قول "عمر"- ﵁-: "إنّما تقاتلون بأعمالكم"، وتقدّم: أنّ النصر مقرون بالصبر، أي: المشتمل على أقسامه الثلاثة، وتلك الأقسام: هي العمل بالكتاب والسنة لا يخرج عنهما شيء.
واعلموا: أنّ أحوالنا مع الله﵎- كأحوال: أمة حبشيّة جيء بها من بلادها، من يد إلى يد يلعب بها، فلما وصلت إلى [٥٧/أ] السوق اشتراها السلطان، وخلع عليها من أنواع الحلي والحلل على اختلاف أنواعها ما لا يوصف، فإنْ كانت عاقلة عارفة قدر نفسها، وتفكّرت في أصلها، وخساسة قدرها، وحقّقت أن كل ما عندها، إنّما هو خلع من فضل السلطان عليها، واعترفت له بالإحسان، وعدم استحقاقها لتلك الخلع، فقد قيّدت تلك النعم ٢ بعقالها ٣، وإنْ هي رأت لنفسها مزيّة استحقّت بها ذلك منه، فقد تعرّضت لزوالها.
أرأيت ان سلبها تلك الخلع، وأخرجها إلى السوق تباع، أليست هي الأمة الأولى؟!.
فحال الذين: صدقوا في الإيمان، وصبروا، وشكروا نعم الله عليهم بطاعته، وامتثال أوامره- من جهاد واستعداد، وغيرهما من إقامة الصلاة، واجتناب المحرمات، وارتكاب الشهوات- كحال: الأمة المعترفة بإحسان سيّدها إليها، لأنّها لم تفرح بالنعم نفسها، وإنّما فرحت بالمنعم عليها، ورضي سيّدها عليها، واستحقت بذلك المزيّة.
_________________
(١) أي: الهلاك والخسران. (الرازي- مختار الصحاح: ٦١).
(٢) في "الأصل" (النعيم) وما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د" مناسب للسياق.
(٣) في "الأصل" (بعضالها) والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
[ ٣١٨ ]
قال- تعالى-: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ - النعم بالطاعات، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهى- لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ١ نعمة إلى نعمة.
كما قال- تعالى-: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ٢. يعني: وكذلك من يقيم القرآن.
وحال الذين كذّبوا، كحال الأمة التي رأت لنفسها مزية، ولم تعترف بإحسان سيّدها، ولا شكرته، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، لأنها فرحت بالنعم لا بالمنعم عليها، فقد تعرّضت لزوالها.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٣ كما قال- أيضًا-: ﴿إِنَّ اللَّة لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ٤﴾ ٥، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ بِمَا ٦ كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ إلى غير [٥٧/ب] ذلك.
فشدّوا- أيّدكم الله-: على الكتاب والسنة (بالنواجذ) ٧ وبالغوا في إتقانهما وتحريرهما، والعمل بهما على ما تقتضيه القواعد.
فإنه: لا يعبد الله إلاّ بالعلم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ٨، إذ به
_________________
(١) سورة إبراهيم / آية ٧، وتمامها: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
(٢) سورة المائدة / آية ٦٦، وتمامها: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾.
(٣) سورة إبراهيم / آية ٧.
(٤) ساقطة من "الأصل" ومن "ج"، والإضافة من "ب" و"د".
(٥) سورة الرعد / آية ١١.
(٦) في "ب" و"ج" (فبما) وكلاهما جائز، سورة الشورى / آية ٣٠.
(٧) في جميع النسخ (بالنواجد) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وهو بمعنى: أقصى الأضراس، وهي أربعة، أو هي الأنياب، أو هي الأضراس كلها، جمع "ناجذ". ويقال: "عضّ على ناجذه": صبر على صعاب الأمور، أو بلغ أشده واستحكم، "وعضّ في الأمر بناجذة": أتقنه وعضّ على الشيء بناجذه: حرص عليه. (المعجم الوسيط: ٢/ ٩٠٩، الزاوي- ترتيب القاموس المحيط: ٤/ ٣٢٧).
(٨) سورة طه / آية ١١٤، وتمامها: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
[ ٣١٩ ]
يعرف الله، وبه يتميّز الحلال من الحرام، وبه شرّفت الملائكة والرسل والأنبياء، ومن أجله سجدت الملائكة لأبينا "آدم" حين علّمه ربّه الأسماء ١.
ومن رأى منكم شيئًا في نفسه، أو غيره، من خرق العادات، فليرجع بذلك إلى كتاب ربّ السموات، وسنّة سيّد المخلوقات، فما وجدته موافقًا، فاشكر الله على ذلك، وما وجدته مخالفًا، فدعه ولا تغترّ بما هنالك، فكم من مبتدع مشى على الماء، وطار في (الهواء) ٢، واللّعين إبليس يغوص في الماء، ويطير في الهواء، والدجال ٣ تخرق له العادات، وتسخّر له الجمادات، ويحيي الأموات وتطويه الأرض والسموات، وهو كافر بإجماع، يدّعي الربوبية، وينسب نفسه للألوهية.
وقد ألقى السامري ٤ حلية في النار فصار عجلًا جسدًا له خوار ٣، وإنما
_________________
(١) قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّةا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ ةؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. (سورة البقرة / الآيات ٣١، ٣٢، ٣٣، ٣٤).
(٢) في جميع النسخ (الهوى) وما أثبتناه مناسب للسياق.
(٣) هو: المسيح الدجال. أنظر: مسلم في "صحيحه": ٤/ ٢٢٤٧ - ٢٢٦٧. كتاب "الفتن وأشراط الساعة" الأبواب: "ذكر الدّجال وصفته" وما "في الدجال وهو أهون على الله ﷿" "خروج الدجّال ومكثه في الأرض، ونزول عيسى وقتله إيّاه وذهاب أهل الخير والإيمان وبقاء شرار الناس وعبادتهم الأوثان" "قصة الجساسة" "في بقية من أحاديث الدجال".
(٤) قال القرطبي: (قال ابن عباس﵄-: كان السامريّ من قوم يعبدون البقر، فوقع بأرض مصر فدخل في دين بني اسرائيل بظاهره، وفي قلبه ما فيه من عبادة البقر، وقيل: كان رجلًا من "القبط"، وكان جارًا لموسى آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيمًا من عظماء بني اسرائيل، من قبيلة تعرف "بالسامرة" وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان). (الجامع لأحكام القرآن: ١١/ ٢٣٣ - ٢٣٤).
(٥) قال تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاةا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا ةذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. (سورة طه / آية: ٨٧ - ٨٨). =
[ ٣٢٠ ]
ذلك: فتنة واختبار، هل يرجع إلى وراء (أو) ١ يتبع الآثار؟!.
قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ ٢، فمن ترك ما عنده من الكتاب والسنّة، لظنّ ما عند الناس من خرق العادات والبدعة، فهو مغرور، لأن حكمة الألوهية اقتضت: أن يتحلّى الإنسان بإظهار العبودية، بإقامة التكاليف الشرعية، - على ما أخبر به الكتاب والسنة- من غير فرق بين مشروف أو شريف، ولا بين صالح أو ضعيف.
قال "ابن خلكان"- في ترجمة: "أبي يزيد البسطامي" ٣ ما نصّه-: (ان أبا يزيد، كان يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات، حتى [٥٨/أ] يرتفع في الهواء فلا تغترّوا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة!) اهـ لفظه.
قال الإمام "القرطبي"- عند قوله تعالى-: ﴿مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ
_________________
(١) = قال القرطبي- في تفسيره لهذه الآيات-: (قال "قتادة": ان السامريّ قال لهم- حين استبطأ القوم موسى-: إنما أحتبس عليكم من أجل ما عندكم من الحليّ فجمعوه ودفعوه إلى السامرىّ فرمى به في النار، وصاغ لهم منه عجلًا، ثم ألقى عليه قبضة من أثر فرس الرسول وهو "جبريل"- ﵇-. وقال "معمر": الفرس الذي كان عليه جبريل هو الحياة، فلما ألقى عليه القبضة صار عجلًا جسدًا له خوار، والخوار صوت البقر. وقال "ابن عباس": لما انسكبت الحليّ في النار، جاء السامريّ، وقال لهارون: يا نبيّ الله أؤلقي ما في يدي- وهو يظن أنه كبعض ما جاء به غيره من الحليّ- فقذف التراب فيه، وقال: كن عجلًا جسدًا له خوار، فكان كما قال، للبلاء والفتنة، فخار خورة واحدة لم يتبعها مثلها). (الجامع لأحكام القرآن: ١١/ ٢٣٥).
(٢) ساقطة من "ب".
(٣) أبو يزيد، طيفور بن عيسى البسطامي: الزاهد المشهور، له أخبار كثيرة، كان "ابن عربي" يسمّيه أبا يزيد الأكبر. مات "ببسطام" (سنة ٢٦١هـ). (ابن خلكان- وفيات: ٢/ ٥٣١، الذهبي- ميزان الاعتدال: ١/ ٤٨١).
(٤) أنظر: ابن خلكان- وفيات الأعيان: ٢/ ٥٣١.
[ ٣٢١ ]
يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ ١ - ما نصّه-: (عن "أساء بنت أبي بكر" ٢ - ﵂- قالت: "كان أصحاب النبي - ﷺ - إذا قرىء عليهم القرآن، تدمع أعينهم، وتقشعرّ جلودهم" قيل لها: "إن الناس اليوم، إذا قرىء عليهم القرآن خر أحدهم مغشيًّا عليه" فقالت- منكرة لذلك-: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! ") ٣.
وقال "سعيد بن عبد الرحمن الجمحي" ٤: (مرّ ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقط، فقال: "ما بال هذا؟ " قالوا: "إنّه إذا قرىء عليه القرآن، أو سمع ذكر الله سقط" فقال "ابن عمر": "إنا لنخشى الله ولا نسقط"، ثم قال: "إن الشيطان يدخل في جوف أحدكم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد - ﷺ - "!) ٥.
قال "عمر بن (عبد العزيز) " ٦: (ذكر عند "ابن سرين" ٧: الذين يصرعون
_________________
(١) سورة الزمر / آية ٢٣، وتمامها: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَةدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ ةادٍ﴾.
(٢) من قريش، صحابية من الفضليات، آخر المهاجرين والمهاجرات وفاة، تزوجها الزبير بن العوام، فولدت له عدة أبناء، شهدت اليرموك، وكانت فصيحة حاضرة القلب واللّب. تقول الشعر، وسمّيت "ذات النطاقين" لأنها صنعت للنبي - ﷺ - طعامًا حين هاجر إلى المدينة، فلم تجد ما تشدّه به، فشقت نطاقها وشدّت به الطعام، لها (٥٦ حديثًا)، ماتت (سنة ٧٣هـ). (ابن سعد- طبقات: ٨/ ١٨٢، ابن الجوزي- صفة: ٢/ ٣١، الزركلي- الأعلام:١/ ٣٠٥).
(٣) أنظر: القرطبي- الجامع لأحكام القرآن: ١٥/ ٢٤٩.
(٤) أبو عبد الله، سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله الجمحي: قاضي بغداد منشأه في "المدينة"، وهو من رجال الحديث، روى عن أبي حازم بن دينار وهشام بن عروة وسهيل بن أبي صالح وعبد الرحمن بن القاصم وغيرهم، مات (سنة ١٧٦هـ). (ابن حجر- تهذيب: ٤/ ٥٠، الزركلي- الأعلام: ٣/ ٩٧).
(٥) أنظر: القرطبي- الجامع لأحكام القرآن: ٥/ ٢٤٩.
(٦) في جميع النسخ (عباد) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وقد ثبت في القرطبي: ١٥/ ٢٤٩.
(٧) أبو بكر، محمد بن سرين البصري، الأنصاري بالولاء: التابعي، العالم، الكاتب، الورع، نشأ برّازًا، وتفقه وروى الحديث، واشتهر بتعبير الرؤيا، ينسب له: كتاب: "تعبير =
[ ٣٢٢ ]
إذا قرىء عليهم القرآن، قال: "بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطًا رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فان رمى بنفسه فهو صادق"!) ١.
وقال (أبو) ٢ عمران الجريني ٣: (وعظ "موسى"- ﵊- بنى إسرائيل، ذات يوم، فشقّ رجل قميصه، فأوحى الله إلى موسى: "قل لصاحب القميص: لا يشق قميصه، فإني لا أحبّ المبذّرين، بل يشرح لي عن قلبه"!) ٤ اهـ لفظه.
وذكر في "دوحة الناشر" ٥: (ان العالم- الشهير- أبا عبد الله
_________________
(١) = الرؤيا- ط" و"منتخب الكلام في تفسير الأحلام- ط"، مات "بالبصرة" (سنة ١١٠هـ). (ابن حبيب- المحبر: ٣٧٩ - ٤٨٠، ابن خلكان- وفيات: ١/ ٤٥٣، ابن حجر- تهذيب: ٩/ ١٩٠ - ١٩٢، الزركلي- الأعلام: ٦/ ١٥٤).
(٢) أنظر: القرطبي- الجامع لأحكام القرآن: ١٥/ ٢٤٩.
(٣) في "الأصل" (ابن) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د" وقد ثبت في "القرطبي".
(٤) في جميع النسخ (الجوني) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وقد ثبت في كتب التراجم. وهو: ابو عمران، موسى بن العباس بن محمد الجويني النيسابوري: المحدث، الحافظ، قدم دمشق ومكة، من كتبه: "كتاب على صحيح مسلم"، مات "بجوين" "بين بسطام ونيسابور"، سنة (٣٢٣هـ). (الذهبي- تذكرة الحفاظ: ٣/ ٣٦، سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٥) أنظر: القرطبي- الجامع لأحكام القرآن: ١٥/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٦) "دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر" للقاضي المغربي: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن مصباح بن عسكر، تولى القضاء والفتيا "بقصر كتامه" و"شفشاون" و"ترغة" وانتقل إلى "فاس". وكتابه هذا مطبوع وكان تأليفه (عام ٩٨٥هـ) أي قبل وفاته بسنة واحدة، حيث جعله كفهرس ذكر فيه شيوخه وما قرأ عليهم من فنون أو أخذ عنهم من مبادىء التصوّف، إلاّ أنه توسّع فذكر كل من عرف من شيوخ القرن الهجري العاشر سواء لقيهم أو لم يلقهم، بل ذكر من أعلام هذا القرن حتى الذين لم يعاصرهم. وقد أثنى عليه الزركلي بقوله: "صغير مفيد"، مات (سنة ٩٨٦هـ). (البغدادي- ذيل كشف الظنون: ٣/ ٤٨٢، الزركلي- الأعلام: ٦/ ٢٩٢، محمد حجي- مقدمة دوحة الناشر: الصفحات: أ- ب).
[ ٣٢٣ ]
(الورياجلي) ١: كان متصدّرًا للفتوى والإقراء- "بقصر [٥٨/ب] عبد الكريم"-٢ فجاء ذات يوم لمجلس التدريس، فلم يجد أحدًا من الطلبة، إلاّ اثنين أو ثلاثة، فسأل عن
وجه تخلّفهم؟، فقالوا له: "ذهبوا مع جميع الناس إلى رجل ٣، قدم إلى البلد، يدّعي: أنه عيسى بن مريم"، فقال (لهم) ٤: "اذهبوا (بي) ٥ إليه "، فلما وصلوا إليه، وجدوه قد اجتمع عليه خلق كثير بين خادم وزائر، قال الشيخ: "أنت تدّعي أنك عيسى بن مريم؟ " فقال: "نعم" فقال له: "ومن يشهد لك؟ " فقال: "تلك الصومعة، تشهد لي" فقال: "وكيف ذلك؟! " فقال: "تشير لها، فتولول ٦، وتتمايل" فأشار لها، فولولت وتمايلت، وجميع الناس ينظرون، ويعدّون ذلك من أعظم البراهين على صدقه!.
فتقدّم الشيخ إليه، وسأله: عن التوحيد ومعتقده؟، فلم يجد عنده شيئًا، فسأله: عن بعض الفرائض والسنن؟، فلم يجب بشيء.
فوثب الشيخ عليه، ولم يجد من يعينه، إلاّ الطالبان اللّذان أتيا معه،
_________________
(١) في "الأصل" و"ب" و"ج" (المزجلي) وفي "د" (المرجاني)، وكلاهما تصحيف، والصواب ما أثبتناه كما هو ثابت في "دوحة الناشر": ٣٠. وهو: أبو محمد، عبد الله الورياجلي: الفقيه الأجل، العلاّمة الصدر الأوحد، الذي [[. . . بياض بالكتاب المصور (قاله مُعِدُّ الكتاب للشاملة)]] درجة الاجتهاد في زمانه، من فحول العلماء الذين تشدّ إليهم الرحال، أخذ عن الإمام القوري والعبدوسي، رحل إلى تلمسان للأخذ عن الإمام "ابن مرزوق" وتولّى رياسة العلم بفاس وبها استقرّ إلى أن مات. وذكر صاحب "دوحة الناشر": (كانت وفاته في العشرة الأولى والله أعلم). (ابن عسكر- دوحة الناشر: ٣٠ - ٣٣).
(٢) في "ب" (عبد الملك) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، ويسمّى- أيضًا-: "بقصر كتامة"، قال محمد حجي: (هو القصر الكبير المشهور جنوبي العرائش والذي دارت بضواحيه معركة وادي المخازن الكبرى). (أنظر: هامش كتاب دوحة الناشر لابن عسكر:٣١).
(٣) اسمه: "برزيز" (ابن عسكر- "دوحة الناشر: ٣٢).
(٤) ساقطة من "الأصل" والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
(٥) في "الأصل" (أي) والصواب ما أثبتناه من "ب" و"ج" و"د".
(٦) الولوال: البلبال، ويقال = عود مولول: مصوّت.
[ ٣٢٤ ]
وغيرهم كلّهم أمسكوا عنه خوفًا من خسف الأرض، أو نزول العذاب بهم فأوثقوه، وأمر الشيخ بضربه ضربًا وجيعًا، وأمر به إلى السجن، فبقي بالسجن- مدة طويلة- وهو: يتشفع للشيخ في تسريحه، وأقرّ على نفسه بقضيته، وأن شيطانًا من شياطين الجن أمره أن يدّعي ذلك، وشرط عليه شروطًا ذكرها ١، فسرّحه الشيخ حينئذ- بعد المدة الطويلة- وذهب الرجل لقراءة القرآن بعد مدة، ورجع لزيارة الشيخ، فسأله عن شيطانه؟ فقال له: "ما رأيته من ذلك اليوم "!) ٢.
لذا: قال غير واحد من العلماء العارفين: (أن نعم الله لا تحصى، ومن أعظمها وأجلّها: الانتقاد على أهل الدعوى، والمنتسبين، لأنه يزيد الصادق عزيمة، ويوقع الكاذب في الهزيمة، ومن تأمل: قصّة "موسى" [٥٩/أ] مع "الخضر" ٣ - ﵉- (سلّم موجب الانتقاد، إذ لو لم ينتقد موسى الخضر) ٤ لكان جاحدًا للرسالة.
(قالوا) ٥: (وأسباب الانتقاد كثيرة، والناقد بصير، فمن تلك الأسباب ما كرّه، ومنها ما حرّم، وربما وجب كل ذلك بحسب الأشخاص، والأوضاع، والحال، والمآل).
ولا يفهم هذا كل أحد، لكن لا بدّ من ذكر بعضها:
_________________
(١) منها: ان يدعي النبوّة ويأتيه لكل ما يريد، ويدخل في جدور الحيطان ويكلّم الناس بتصديقه، فيتوهّم الناس أن الجماد قد تكلّم. (ابن عسكر - دوحة الناشر: ٣٢).
(٢) أنظر: ابن عسكر- دوحة الناشر ٣١ - ٣٢.
(٣) أنظر: البخاري في "صحيحه": ١/ ٤٨، "كتاب العلم" باب ما ذكر في ذهاب موسى - ﷺ - في البحر إلى الخضر، وقوله تعالى: ﴿ةلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": ١١/ ١٢ - ٤٥" سورة الكهف / آية: ٦١ إلى ٨٢.
(٤) ساقطة من "ج".
(٥) ساقطة من "الأصل"، والإضافة من "ب" و"ج" و"د".
[ ٣٢٥ ]
فمن ذلك: الزيارة بالجموع، من غير زاد، وهذا يؤدي للاستضافة لا محالة، فإن أكرموا مدحوا، وإلاّ ذمّوا، فأين طلب النسبة للكمال أو التشبّه بالرجال؟!، وقول الله- تعالى- في وصفهم-: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ - إلى قوله- : لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ١.
ومن ذلك: أن (يشهر) شيخهم نفسه، بفراش دونه، أو آنية شرب خاصة به، أو دابة له وحده، فذلك كله علامة لتشريف نفسه، وطلب الحظ والجاه، والأوائل الصديقون كانوا لا يمتازون بشيء عن أصحابهم ورفقائهم، بل "يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"! ٢.
ومن ذلك: أن يتّخذ الناس يمشون خلفه،- وقد كان "أحمد بن حنبل)، لا يمشي خلفه أبدًا- فأين الذلّة والخشوع؟!.
ومن ذلك: أن يدّعي الإرادة، ويتّسم بسمات العبادات، ويحبّ الاجتماع عليه، ويعمل المبيتات بالسماع لديه، ويشهر نفسه عند العوام، ويحبّ منهم الاستعظام، ولا يرجع إلى الكتاب والسنة- في المسائل المبهمات-٣ - والنوازل المشكلات- بل ترك، قال ربّنا، وقال محمد نبيّنا.
ويتمذهب بقولهم: قالت أشياخنا من رأي من رآنا لا يدخل النار، ومن صحبنا، وكان على طريقتنا دخل الجنّة) [٥٩/ب] وهيهات هيهات!: من أين له بهذه الدعوى؟ وما دليله عليها من كتاب ربّ السموات- حتى عدل بها عن الكتاب
_________________
(١) سورة البقرة / آية ٢٧٣، وتمامها: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّة بِهِ عَلِيمٌ﴾.
(٢) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ ةاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة الحشر / آية ٩).
(٣) المبهم: ما يصعب على الفهم، والغامض لا يتحدّد المقصود منه. (المعجم الوسيط: ١/ ٧٤).
[ ٣٢٦ ]
والسنة- واستمال بها قلوب عامة الأمة- فأصبحوا- وقد باؤا بهوس ١ عظيم- وجهل مركب جسيم-؟!.
كيف!: والله- سبحانه- (يقول) ٢ يا محمد-! ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ ٣. وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ ٤ وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٥ وقال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٦ وقال: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ٧ وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَةدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّة يَةدِي مَنْ يَشَاءُ؟!﴾ ٨.
وإذا كان هو في مقام النّبوّة الا يغنى من الله شيئًا، فكيف: يغني من هو دونهم من أهل الخصوصية، ويدّعي أن من رآه ضمن له الجنة؟ بل لو بلغ العبد ما بلغ من الخصوصية ما أمكنه: أن يأمن من مكر الله على نفسه، فضلًا عن أن يضمن الجنة لمن رآه، أو صحبه من غيره، قال- تعالى-: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
_________________
(١) الهوس: طرف من الجنون. (الرازي- مختار الصحاح: ٥٥٥).
(٢) في: "الأصل" (أن يقول) وهي زائدة، والصواب سقوطها كما في "ب" و"ج".
(٣) سورة آل عمران / آية ١٢٨، وتمامها: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
(٤) سورة الأعراف / آية ١٨٨، وتمامها: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
(٥) سورة الشعراء / آية ٢١٤.
(٦) سورة الممتحنة / آية ٤، وتمامها: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
(٧) سورة التحريم / آية ١٠، وتمامها: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.
(٨) سورة القصص / آية ٥٦، وتمامها: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُةتَدِينَ﴾.
[ ٣٢٧ ]
بل الشيخ الصالح الصادق: من كان القرآن شعاره، والسنة قيده وعقاله، والخمول سيرته، والعزلة سبيله، والزهد في الدنيا شيمته وطبيعته، يقف عند الحق في الرضى والغضب، وينصف غيره من نفسه بغير طلب، مشغول بعيبه عن عيوب غيره، بشراه في وجهه، وحزنه في صدره، إن قدر عفا، وإن وعد وفى، يؤثر آخرف على دنياه، ويقف مع الحق وإن خالف هواه، يعرف عيبه، ويستعظم ذنبه، ولا يخاف ولا يرجو إلاّ ربّه، يوالي في الله، ويبغض في الله، ويغضب لله، ويرضى لله، يخفي الطاعات، كما [٦٠/أ] يخفي السّيئات، وإذا قام قام بالله، وإذا نطق نطق بالله، وإذا استعان استعان بالله في أموره كلها، ولم يستعن بغيره من صالح أو ولي، ولا رسول أو نبي، واقف مع قوله- تعالى-: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١ - أي: لا نعبد إلاّ إيّاك، ولا نستعين إلاّ بك، ومع قوله- تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ :- إلى قوله- تعالى- سَّابِقُونَ﴾ ٢.
فهذه: صفات المؤمنين من عباده الصالحين، وعلمائه العارفين، الذين يجب بهم الاقتداء والائتساء، واتخاذهم مشايخ في الأقوال والأفعال، وبهم الاهتداء، ومن لم تكن هذه صفته، فالحذر الحذر، ولو مشى على الماء، وطار في الهواء، كما مرّ!.
قال مؤلفه "علي بن عبد السلام التُّسولي"- لطّف الله به-: بتمام هذه الخاتمة، انتهى الكلام بنا، على ما قصدنا جمعه، نسأله تعالى: أن يمنّ علينا، وعلى من كان السبب فيه، بتوبة صادقة، وأن يجيرنا وجميع المسلمين من الفتن الظاهرة والباطنة، وأن يختم لنا ولهم بحسن الخاتمة وأن يهب لنا ولهم قربًا على
_________________
(١) سورة الفاتحة/ آية ٥.
(٢) سورة المؤمنون/ الآيات: ٥٧، ٥٨، ٥٩، ٦٠، ٦١، وتمامها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَةا سَابِقُونَ﴾.
[ ٣٢٨ ]
بساط الأدب في مقعد صدق العبودية، وأن يدمّر العدوّ الكفور تدميرًا لا تقم له بعد قائمة إلاّ يوم النشور، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وينفع به المتسبب والقارىء والناظر ويجعله لنا ولهم سلّمًا لجنّات نعيم، بجاه أشرف خلقه سيّدنا محمد- عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم-، ورحم الله من رأى خللًا فأصلحه أو عيبًا فستره، فإن الإنسان محل الخطأ والنسيان، والله- سبحانه- يتكرّم على الجميع بالعفو والغفران.
اللهم ربّ كل شيء، وإله كل شيء، وولي كل شيء، وقاهر كل شيء، وفاطر كل شيء، والعالم بكل شيء والحاكم على كل شيء، والقادر على كل شيء، بقدرتك على كل شيء، اغفر لنا ولهم ولجميع المسلمين كل شيء، ولا تحاسبنا وإيّاهم بشيء، ولا تسألنا وإيّاهم عن شيء، إنك على ما تشاء قدير، وبالاجابة جدير، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم، (وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا) ١.
ووافق الفراغ من تأليفه وجمعه: ظهر يوم الأربعاء عاشر ربيع النبوي الأنور سنة: "ثلاث وخمسين ومائتين وألف".
كمّل نسخ التأليف المبارك- بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه- الحقير الذليل: المقرّ بالذنب والعجز والتقصير، عبده وأقلّ عبيده. "محمد بن الطاهر" المرتجى غفران ذنبه المتكاثر، الغربي نسبًا، الكافي مسكنًا، المالكي مذهبًا، الأشعري اعتقادًا، الخلوتي طريقة، غفر الله له، ولوالديه، ولمن علّمه وأحسن إليه، ولقرابته ومشايخه، ولمن صلّح ونظر وكتب، بجاه سيّدنا محمد سيّد العرب.
وكان الفراغ من كتابته: بعد عصر يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ذي
_________________
(١) ساقطة من "ب" و"ج". وفي "د" (انتهت الأجوبة اللّطيفة، وصلّى الله على من ختمت به الرسالة، وأيدته بالنصر والكوثر والشفاعة).
[ ٣٢٩ ]
القعدة سنة: "خمس وثمانين ومائتين وألف"، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له. محمد رسول الله، - ﷺ - ١.
_________________
(١) في "ب" قال ناسخها: (انتهى على يد ناسخه وكاتبه في: الثالث من شهر الله رمضان المعظّم "عام: ١٣١٠" عبد ربّه: "محيي بن الحاج وفقه الله بمنّه وفضله، آمين، آمين).
[ ٣٣٠ ]