والمحظور: هو ما يمنع المحرم من تعاطيه، فإِن فعله لم يفسد حجه وينجبر بالفدية، وهي أربعة أقسام:
القسم الأول: لبس المخيط (١) وما يلحق به مما في معناه، ويحرم على الرجل لبس المخيط إِذا لبسه على الوجه الذي خيط له، فمن لبس قميصًا فهو لابس له على الوجه الذي خيط له، ومن جعله على ظهره فليس لابسًا له على الوجهِ الذي خِيطَ له.
فرع:
وفي معنى المخيط (بالخاء المعجمة) المحيط (بالحاء المهمة) كجلد حيوان سُلخ ولُبس أو لبد (٢) جُعل كالقميص، أو درع (٣) حديد أو ثوب منسوج،
_________________
(١) أوضح القرافي الحكمة في منع المخيط بقوله: "إِنما يمنع الناس من المخيط وغيره في الإِحرام ليخرجوا عن عاداتهم وإِلفهم، فيكون ذلك مذكرًا لهم بما هم فيه من طاعة ربهم فيقبلون عليها، وبالآخرة بمفارقة العوائد في لبس المخيط، والاندراج في الأكفان، وانقطاع المألوف من الأوطان واللذات". (الذخيرة: ٣/ ٢٢٩).
(٢) اللّبد: نوع من البسط. والجمع لبود، واللبادة: قباء من لبود (اللسان: لبد).
(٣) الدرع: لبوس الحديد، تذكر وتؤنث والجمع في القليل أدرع وأدراع وفي الكثير دروع. (اللسان: درع).
[ ٢ / ٥٣١ ]
كما يوجد في بعض البرانس (١) يُنسج (٢) نسجًا لا يحتاج معه إِلى خِياطة.
تنبيه:
وهذا حكم برانس المغاربِة وما ينسجه العجم من زيّ المسلمين، وأما برانسُ العجمِ والروم وما ينسج (٣) من الجوخ من زي لباس النصارى فلبسه حرام، فإِن لبسه أثم وافتدى، ويؤدَّب للتشبه بالكفار، ويُلحق بالمخيط ما لو جعل للرداء أو للإِزار أزرارًا أو خلله أو عقده.
فرع:
وإِذا أدخل منكبيه في القباء (٤) لزمته الفدية، وإِن لم يدخل يديه في كميه ولا زرره عليه؛ لأن ذلك دخولٌ فيه، لكونه يثبت وبعضهم يلبسه كذلك، بخلاف ما لو قَلَبَهُ وجعل أسفله على منكبيه فلا فدية؛ لأنه لا يثبت ولا يُلبس كذلك.
_________________
(١) البرنس: كل ثوب رأسه منه ملتزق به. وقال الجوهري: البرنس قلنسوة طويلة وكان النساك يلبسونها في صدر الإِسلام. (اللسان: برن).
(٢) ينسج: سقطت من (ر)،
(٣) ر، ص: يصنع.
(٤) القَبَاء: بفتح القاف والمد: ثوب يكون مفرجًا. (مواهب الجليل: ٣/ ١٤٢). وهو مشتق من القبو، وهو الضم والجمع، سمي به لانضمام أطرافه. (جواهر الإِكليل: ١/ ١٨٦).
[ ٢ / ٥٣٢ ]
تنبيه:
فإِن قلت: جعل مالك الطرح على الظهر لبسًا في باب الأيمان ولم يجعله هنا لبسًا؟
قلت: الفرق بينهما ضيق الأيْمان، بدليل تفرقته في باب الإِحرام بين الطول والقصر في لبس الثوب (١) وشبهه، فلو حلف لا يلبس ثوبًا معينًا، فلبسه ثم نزعه من فوره حنث.
والمحرم ممنوع من لبس الثوب، فلو لبسه ثم نزعه من فوره لم تجب عليه فدية، ذكره في الطرر أبو إِبراهيم الأعرج.
فرع:
لو لبس قميصًا ليقيسه عليه أو عقد أزراره أو خلل رداءه أو زرره ولم يطل ذلك كمثل شيل (٢) الرجل أو طلوع الدابة أو النزول عنها وما أشبه ذلك لم تلزمه فدية، وإن طال ذلك حتى انتفع به افتدى، فلو صلى به، وهو كذلك، فقال الشيخ أبو إِسحاق: قيل: عليه الفدية، لانتفاعه بذلك في سترة الصلاة، لا لأجل الطول، وقيل: لا فدية عليه، إِذا كان قريبًا كغير المصلي.
_________________
(١) ر: الثياب.
(٢) كذا في جميع النسخ، ولعلها عبارة دارجة غير عربية.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
تنبيه:
قال القرافي: والمعتبر في الطول دفع مضرة حرِّ أو برد، طال أو قصر (١).
ومثال حصول النفع مع قصر الزمان كتغطية رأسه وقت نزول مطر شديد، وإِن لم يقصد دفع ضرر فالطول كاليوم لحصول الترفه.
فرع:
قال ابن راشد: أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يجوز * له أن يغطيَ رأسَه (٢) في الإِحرام (٣).
فرع:
ولا يجوز له أن يغطي وجهه أيضًا، ففي المدونة: وإِحرام الرجل في وجهه ورأسه (٤).
_________________
(١) الذخيرة: ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠.
(٢) عبارة ابن راشد: "يحرم على الرجل أن يغطي رأسه، وإِن غطى وجهه افتدى". وقال الأبي: "لم يختلف في حرمة تغطية الرأس، وإِنما اختلف في الوجه" (إِكمال الإِكمال: ٣/ ٣١٩). وحكى ابن المنذر الإِجماع على منع المحرم من تخمير رأسه. (الإِجماع: ١٨).
(٣) ر: إِحرامه.
(٤) المدونة: ٢/ ٢٢٢.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وأخذ مالك بقول ابن عمر ﵄: إِنَّ ما فوق الذقن من الرأس لا يخمره المحرم (١).
وقال مالك: من غطى وجهه افتدى (٢).
تنبيه:
ويفهم من قول ابن الحاجب: ويحرم على الرجل أن يغطي رأسه لا وجهه على المشهور (٣)، أن المشهور جواز تغطية الوجه (٤)، وهو مما تعقب عليه.
قال الباجي: وإِلى المنع ذهب مالك. وإِنما ذكر قضية عثمان ﵁ ليكون للمجتهد طريق إِلى الاجتهاد. وحكى القاضي عبد الوهاب فيه قولين: بالكراهة والتحريم للمتأخرين (٥).
_________________
(١) الذخيرة: ٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨.
(٢) ولكن مالكًا يجوز استظلال المحرم بيديه بوضعهما فوق حاجبين. قال ابن رشد: إِنما استخف ذلك ليسارته. (البيان والتحصيل: ٣/ ٣٠ - ٣١).
(٣) كذا في (جامع الأمهات: ٤). وتمام كلامه ( بما يعد ساترًا).
(٤) الوجه: سقطت من (ب).
(٥) قول الباجي في (المنتقى: ٢/ ١٩٩). وهو يعني بقضية عثمان ما أخرجه مالك عن ابن عمير الحنفي "أنه رأى عثمان بن عفان بالعرج يغطي وجهه وهو محرم" (الموطأ: كتاب الحج، تخمير المحرم وجهه). قال الباجي: "يحتمل أن يكون فعل ذلك لحاجته إِليه، ويحتمل أن يكون فعله لأنه رآه مباحًا، وقد خالفه ابن عمر وغيره فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطيته".
[ ٢ / ٥٣٥ ]
وقال ابن بشير: يمنع المحرم من تغطية الوجه والرأس.
وقال ابن شاس: إِحرامُ الرجل في وجهه ورأسِه (١).
فالحاصل: أن تغطية ما فوق الذقن لا يجوز على المشهور.
والقول الثاني: الكراهة.
ومرادهم: إِذا غطى رأسه أو وجهه بما يعدّ ساترًا كالثوب، وأما لو غطاه بيده فلا شيء عليه (٢).
فرع:
قال في العتبية: ويُكره أن يكب وجهه على الوسادة من شدة (٣) الحرِّ (٤).
_________________
(١) الجواهر ك ١/ ٤١٩ - الرسالة الفقهية: ١٨٠. والمعنى: أن أثر إِحرام الرجال إِنما يظهر في وجهه ورأسه فيحرم عليه سترهما. (الفواكه الدواني: ١/ ٣٨١).
(٢) الذخيرة: ٣/ ٣٠٧.
(٣) ر: لشدة.
(٤) هذا مذهب مالك في العتبية، ووجه ابن رشد الكراهية في ذلك "بأن المحرم لا يجوز له تغطية وجهه، ولا أن يستظل بشيء إِلا إِذا نزل بالأرض بالفسطاط والقبة وشبه ذلك لأنه كالبيت". (البيان والتحصيل: ٣/ ٤٥٥).
[ ٢ / ٥٣٦ ]
فرع:
وليس من تغطية الرأس أن يحمل عليه ما لا بد له منه من خرجه وجرابه وغيره من حوائجه؛ لأن ذلك مما تدعو إِليه الضرورةُ، فإِن حمل على رأسه ما لا تدعو إِليه الضرورة افتدى، كحمله تجارة ونحوها؛ وكذلك لو حمل ما لا بد له منه على رأسه بخلًا منه بالكراء وهو غني فإِنه يفتدي، وكذلك لو حمل على رأسه لغيره فإِنه يفتدي.
قال أشهب: إِلا أن يكون ما يحمله على رأسه مما يتعيش به كالعطار مثلًا فيجوز ولو كان تجارة.
يريد: إِذا لم يكن بخلًا ولم يكن ذا غنى.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
فصل
ويجوز استظلاله بالبناء والأخبية وما في معنى ذلك مما يثبت (١).
وفي مختصر الواضحة، قال ابن حبيب: واجتنب في إِحرامك الاستظلال من المشي راكبًا كنت أو ماشيًا ما لم تكن نازلًا بالأرض. وقال لي ابن الماجشون لو خيرت بين أن أحج مستظلًا أو أقعد في بيتي لاخترت القعود.
واستظلال الراكب والماشي من المتاع الذي لا يجوز له.
قال: وللنازل أن يلقي ثوبًا (٢) على شجرة فيقيل تحته، وإِن أراد أن يحمل ذلك على محمله لم يجز له ذلك.
وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "مَا مِنْ مُحْرمٍ يَضْحَى للشَّمْسِ حَتَّى تغربَ إِلَّا غربتْ بذنُوِبِه حَتَّى يَعْودَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (٣).
فرع:
قال ابن يونس: وفي كتاب محمد: لا بأس أن يستظلَّ المحرمُ تحتَ المحمل، وهو سائر.
ومنع سحنون أن يستظل بظل المحمل وهو سائر (٤).
_________________
(١) لباب اللباب: ٥٨.
(٢) ر: ثوبه.
(٣) سبق تخريج هذا الحديث ضمن باب ما جاء في فضل العمرة، فصل في تجرد الإِحرام.
(٤) الجواهر: ١/ ٤١٩.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
ونقل ابن بشير في الاستظلال بالبعير قولين أصحهما الجواز.
وأما الاستظلال بالمحمل وهو في الأرض فجائز.
فرع:
وفي الاستظلال بشيء يضعه على المحمل وهو راكب فيه أو نازل في الأرض، وهو فيه قولان في الفدية، بخلاف الاستظلال * بجانبه وهو في الأرض، كما تقدم ذكره في التوضيح (١).
قال اللخمي: إِن لم يكشف ما على المحارة (٢) افتدى (٣) وكذا لو استظل بثوب يضعه على عود كالراية، وهو على البعير أو في الأرض، ففي الفدية قولان.
والقول بالفدية (٤) في هذه الصورة لمالك.
تنبيه:
قال ابن الحاج: الفدية عند مالك في ذلك مستحبة غير واجبة.
وفي منسك التادلي عن ابن رشد: أنه رُوي عن مالك أن استحسن الفدية
_________________
(١) التوضيح: ١/ ٢٣٥ ب.
(٢) المحارة: شبه الهودج، والهودج: مركب للنساء. (جواهر الإِكليل: ١/ ١٨٧).
(٣) الجواهر: ١/ ٤٢٠.
(٤) ر: في الفدية.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
لمن استظلَّ في محمله من غير ضرورة، ونصوصهم مصرحة بوجوب الفدية وسقوطها.
وعلى القول بالسقوط فهي مستحبَّةٌ.
وعن ابن المواز: لا يستظل إِذا نزل بأعواد ويجعل عليها كساء أو غيره.
وقال يحيى بن عمر (١): لا بأس بذلك كله إِذا نزل بالأرض وهو كالبناء المضروب وكالشجرَة يُلقَى عليها ثوبٌ، على قول ابن الماجشون.
وقول مالك: وجوب الفدية إِذا استظل بثوب ألقاه على شجرة.
فرع:
قال مالك: ولا يعجبني أن يستظل في يوم عرفة بشيء.
_________________
(١) يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الكناني مولى بني أمية، زكرياء الأندلسي، نزيل إِفريقية، استفاد من علمائها، ورحل إِلى المشرق فسمع من أعلامه، وبعد أن سكن القيروان ودرس بها استوطن سوسة ونشر بها فقه الإِمام مالك. ت بها ٢٨٩. وهو ابن ٧٦ سنة. (بغية الملتمس ٤٩٠ رقم ١٤٨٤. تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي: ٢/ ٤٩ رقم ١٥٦٦، تراجم المؤلفين التونسيين: ٣/ ٤٢٤ رقم ٣٨٠، جذوة المقتبس: ٣٥٤، الديباج: ٢/ ٣٥٤، رياض النفوس: ١/ ٣٩٦، طبقات الخشني: ١٣٤، طبقات المالكية لمجهول: ١٢٢ رقم ١٢٧، كحالة: ١٣/ ٢١٧، المدارك: ٤/ ٣٥٦، ورقات حسن عبد الوهاب ٢/ ١٢٧).
[ ٢ / ٥٤٠ ]
فرع:
قال مالك: إِذا كان الرجلُ عديلَ المرأة (١) فلا يستظل هو وتستظل هي وقاله ابن القاسم.
وروي عن مالك: لا يعجبني أن يجعلا عليهما ظلًّا (٢) وعسى أن يكون في ذلك بعض السعة إِن اضطر إِلى ذلك (٣).
قال ابن الحاج في منسكه: وله أن يرفع فوق رأسه شيئًا يقيه من المطر.
يريد: أنه يرفعه على يديه ولا يضعه على رأسه.
واختلف هل له أن يرفع شيئًا يقيه من البرد؟ فوسع في ذلك مالك، ولم ير ذلك ابن القاسم.
تنبيه:
والمنع من الاستظلال في المحمل أو على الدابة إِنما هو لمن فعله لغير ضرورة، وأما المريض فيجوز أن يجعل على محمله ما يقيه الشمس.
ولو كان للمريض عديل في المحمل جاز جعل الظل لهما إِذا كان أرفق للمريض (٤). ويفعل ذلك ابتداء ولا فدية على المريض ولا على الصحيح. روي هذا عن مالك.
_________________
(١) ر: عديلا للمرأة.
(٢) ر: الظل.
(٣) الجواهر: ١/ ٤٢٠.
(٤) ر: أرفق بالمريض.
[ ٢ / ٥٤١ ]
ونقل ابن الحاج: أن المريض يفتدي وعديله الصحيح من باب أولى.
فرع:
لا يجوز للمحرم أن يشد منطقة على مئزره، ولا يشد عليه خيطًا ولا ما أشبهه (١) فإِن فعله (٢) افتدى (٣).
فإِن احتاج إِلى حمل نفقته في منطقة أو هميان (٤) شده على جلده من تحت المئزر.
ولا يشد على وسطه نفقة غيره فإِن فعل افتدى.
تنبيه:
فلو شد الهميان على وسطه وليس هو لنفقة الطريق بل (٥) للتجارة فعليه الفدية (٦)، قاله ابن حبيب وابن يونس.
وله أن يضيف نفقة غيره إِلى نفقته إِذا كان أصل مقصوده لنفقة نفسه (٧)
_________________
(١) ر: ولا ما أشبه ذلك.
(٢) ر: فإِن فعل.
(٣) أما شد المنطقة تحت المئزر فلا فدية فيه. (الذخيرة: ٣/ ٣٠٦).
(٤) الهميان: منطقة مثل الكيس يجعل فيه الدراهم، وهذا التفسير لابن فرحون في شرحه مختصر ابن الحاجب (مواهب الجليل: ٢/ ١٤٦).
(٥) ر: بل هو.
(٦) الزرقاني على مختصر خليل: ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥، التاج والإِكليل: ٣/ ١٤٦ - ١٤٧.
(٧) ر: نفقة نفسه.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
لا أن يشدها للنفقتين معًا، فإِن نفدت نفقته لم يسعه بقاء غيره ويردها إِليه إِن وجده، فإِن لم يجده حملها ولا شيء عليه؛ لأنه ابتدأ حملها بوجه جائز.
فرع:
فإِن شد نفقته على عضده أو فخذه فمكروه، ولا فدية عليه على المشهور *.
ووجه القول بالفدية: أنه شدَّها في موضع غير معهود لذلك، فكان كمن شدها لغير ضرورة، وساوى في المشهور بين العضد والفخذ والوسط؛ لأن العضد أحفظ من الوسط، والفخذ أخفى للنفقة من الوسط.
فرع:
تقدم أن الاحتزام للعمل وللركوب والنزول جائز، وكذا لو استثفر بمئزره (١).
وفي ابن الجلاب قول بالكراهة (٢).
وأما لغير العمل فإِن طال لزمتْه الفديةُ.
_________________
(١) الاستثفار بالمئزر: أن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه (النهاية: ثفر: ١/ ٢١٤).
(٢) التفريع: ١/ ٣٢٣.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
فرع:
وفي تقلد السيف لغير ضرورة، قيل: تجب الفدية، وقيل: لا.
وكذا لو تقلده لضرورة جرى فيه القولان، والقول بالفدية في الجلاب (١).
فرع:
لا يشد المحرم مئزرًا على مئزره؛ لأن الأسفل يشتد ويستمسك بالأعلى، فهو كربط الهميان فوقه، فإِن فعل فعليه الفدية، وله أن يبسط أحدهما على الآخر، ويشد وسطه بهما جميعًا، فيكونان بمنزلة مئزر واحد، وله أن يرتدي برداء فوق رداء لانتفاء العقد والربط فيهما.
فرع:
وفي لبس السراويل الفدية، وإِن لم يجد إِزارًا.
فرع:
قال ابن حبيب في المريض يضطر لأجل مرضه إِلى لبس القميص والسراويل والخف والقلنسوة (٢) والعمامة وتغطية المحمل ومن الشمس
_________________
(١) التاج والإِكليل: ٣/ ١٤٢. وانظر (المغني: ٣/ ٣٠٦).
(٢) القلنسوة: تسمى أيضا القلسوة والقلنسية والقلنساة من ملابس الرؤوس، والواو في القلنسوة للزيادة غير الإلحاق وغير المعنى. (اللسان: قلس).
[ ٢ / ٥٤٤ ]
والتداوي بدواء فيه طيب، فتداوى بدواء بعد دواء، ولبس لبسًا فوق لبس (١)، وتعمم عمامة بعد عمامة ولبس خفًا مرة بعد مرة وستر (١) المحمل يومًا بعد يوْمٍ: أنه إِذا فعل ما فعل من ذلك أو لا مُجْمعًا على ما فعل منه آخرًا لأجل علته ومرضه، فليس عليه فيه أجمع، وإِن اختلفت أصنافه وأوقاته، إِلا فدية واحدة؛ وإِن انفردت النية في شيء منه دون شيء، ثم حدثت النية في فعله فعليه لكل واحد من ذلك فدية، وإِن كانت العلة واحدة إِلا ما كان من ذلك بعضه من بعض مثل: القميص يلبسه ثم يلبس الفروة والجبة والسراويل من بعد ذلك فليس عليه في هذا أجمع، وإِن لبسه (٢) شيئًا بعد شيء، إِلا فدية واحدة إِذا كانت العلة واحدة؛ لأن القميص يأتي على الفروة والجبة والسراويل ويستر الجميع، ولو اضطر أولًا إِلى لبس السراويل فلبسه وحده ثم احتاج بعد ذلك في تلك العلة إِلى لبس القميص فلبسه كانت عليه فديتان؛ لأن القميص يستر ما لا يستره السراويل وكذلك إِذا اضطر ولبس القلنسوة ثم احتاج في علته تلك إِلى العمة ثم احتاج إِلى تغطية المحمل، فليس عليه في هذا كله، وإِن لم تجمعه نية واحدة، إِلا فدية واحدة؛ لأن بعضه من بعض، قال: ومن اضطر لعلة فلبس قميصًا، ثم صحَّ من علته تلك، ثم اعتل علة أخرى، فلبس قميصًا آخر، فإِنَّ عليه في كل لبسة فدية، وإنما الذي وصفنا
_________________
(١) ر: ويلبس ويستر.
(٢) ص: لبس.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
قبل هذا في علة واحدة إِذا افترقت فيه النية أو اجتمعت (١).
قال: هكذا سمعت ابن الماجشون يقول في هذا كله.
فرع:
قال ابن الماجشون: وإِذا لبس المحرم ما لا يلبسه * المحرم من غير علة ثم اعتل فمضى على لبسه ذلك لعلته ثم صحَّ ومضى عليه لم يكن عليه إِلا فدية واحدة؛ لأنه فعلٌ واحدٌ متصلٌ.
قال: ولو لبسه أولًا وهو مريض فدام عليه صح فلم ينزعه، كان عليه فديتان: فدية للبسه حين اضطر إِليه أولًا وفدية في دوامه عليه بعد صحته، وليس عليه في دوامه في مرضه الثاني فدية، وكأنه مرضٌ متصلٌ بالمرض الأول.
فرع:
قال ابن رشد: سئل مالك عن المحرم يتخذ الخِرقة لفرجهِ فيجعلها فيه عند منامه؟ قال: لا بأس بذلك، وليس هذا يشبه الذي يلف خرقة على فرجه للبول والمذي، ذلك يفتدي (٢).
وقيل: لا فدية عليه، وإِنما أوجب الفدية في ذلك لأنه يزيل الشعث عن الجسد بثبوته عليه قياسًا على المخيط؛ والقول بنفيها لأن تلك الخرقة لا تدخل في معنى النهي عن لباس المخيط.
_________________
(١) انظر (أسهل المدارك: ٤٨٦ - ٤٨٧).
(٢) البيان والتحصيل: ٣/ ٤٦٦.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
قال ابن رشد: ولو اتخذ خرقة لفرجه فجعلها على فرجه (١) ولم يلفها عليه لم يكن عليه فدية.
فرع:
قال ابن الحاج: ومن عصب على بطنه أو رأسه من وجع يجده، فعليه فديةٌ، وإِذا عصب على الجراح (٢) افتدى.
ولم يفرق في المدونة في التعصيب أو الربط بين خرق صغار أو كبار (٣) وجعل في المدونة قدر الدرهم كثيرًا.
فرع:
ومن جعل قطنة في أذنيه لوجع يجده فيهما فعليه فدية، كان في القطنة طيبٌ أوْ لا، لأنَّ ذلك موضعُ الإِحرام الذي لا يجوز للمحرم ستره.
فرع:
وفي العتبية: إِذا كان في أصبعه قطع سكين فإِن كان يسيرًا، وجعل عليه
_________________
(١) ر: يجعلها على ذكره.
(٢) ر: على الجرح.
(٣) يفرق مالك في المدونة بين تعصيب الجرح بالحناء وتعصيبه بالدواء، ففي الأول يحكم بالفدية إِذا كانت الرقعة كبيرة دون الصغيرة جاعلًا الحناء طيبًا. وفي الثاني يحكم بالفدية ولو كانت الرقعة صغيرة. انظر (المدونة: ٢/ ٢١٩).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
حناء، وربطه بخرقة، فلا شيء عليه؛ وإن كان كثيرًا افتدى (١).
فرع:
ولو جعل قرطاسًا على صُدغيه لعلَّةٍ افتدى؛ لأنه يستر (٢) ما أُمِر بكشفه (٣).
فرع:
وفي الخاتم قولان: بلزوم الفدية، وهو المشهور (٤)؛ لأنه محيط، وبعدمها لأنه يسير.
فرع:
قال ابن الحاج: وإِذا وضع على الدمل رقعة قدر الدرهم فهو كثير ويفتدي.
_________________
(١) نص العتبية: "وسئل مالك عن محرم قطع إِصبعه بسكين، وكان قطعه يسيرًا، أيجعل عليه الحناء ويلفها بخرقة؟ . قال إِنما نقول: إِذا كان الشيء اليسير فلا بأس به، ولا أرى عليه فدية في ذلك، وإِن كان كثيرًا رأيت عليه الفدية". وقال ابن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء. (البيان والتحصيل: ٣/ ٤٥٥).
(٢) ر: لأنه ستر.
(٣) إِذا كان جعل القرطاس على الصدغين فإِنه لا إِثم عليه. (الخرشي على مختصر خليل: ٢/ ٤٠٥).
(٤) وهو المشهور: سقط من (ر).
[ ٢ / ٥٤٨ ]
فصل
ولا يجوز للمحرم لبس الخفين والقفازين والشمشكين (١) فإِن عدم النعلين أو وجدهما غاليين قطع الخفين من أسفل الكعبين.
وإِذا لم يجد المحرم النعلين ووجد الخفين فقطعهما أسفل من الكعبين (٢)، فروى ابن القاسم: أنهُ لا شْيء عليه.
وذكر ابن حبيب أنه سمع ابنَ الماجشون يقول: إِن عليه الفدية؛ لأن النعال قد كثرت اليوم، وإِنما كانت الرخصة فيما مضى لقلتها.
وفي كلام سند، من كتاب الحج من الطراز، ما يقتضي أنَّ على المحرم أن يعد النعلين إِذا علم أنهما لا يوجدان في الميقات، وكان واجدًا لثمنهما (٣).
فرع:
فإِن وجد نعلين واحتاج إِلى لبس الخفين لضرورة بقدميه، وقطعهما من أسفل الكعبين *، لزمته الفدية؛ رواه ابن القاسم عن مالك.
_________________
(١) ب: والشمسكين.
(٢) وإِذا لم الكعبين: ساقط من (ب).
(٣) ر: لقيمتهما.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
فرع:
روي عن مالك أنه كره لبس الجرموقين.
تنبيه:
انظر قوله: كره لبس الجرموقين، وقد قالوا (١) في باب المسح على الخفين: الجرموقان: هما الخفان الغليظان اللذان ليس لهما ساقان.
وفسره ابن الحاجب بتفسير آخر، فقال: وهما جروب مجلد (٢).
وكلامه يدل على أنه يستر الكعبين وعلى هذا فالكراهة ليست على ظاهرها.
والشمسك: هو المسمى بالقرق من لباس أهل البادية في بلاد المغرب، وهو يُعملُ من الجلود ويشدونها بالسيور.
والقفازان: شيء يعمل من جلد أو غيره، تستر به اليد.
فصل
ولا يلبس المحرم ثوبًا مزعفرًا ولا مورسًا (٣) كان فيه رائحة منهما أو لم
_________________
(١) ر: وقد ذكروا.
(٢) عبارة ابن الحاجب في تفسير الجرموقين "وهو جورب مجلد، وقيل: خف غليظ ذو ساقين". جامع الأمهات: ٧١ مخط. ولم ترد العبارة في المطبوع.
(٣) المورس: الثوب الذي صبغ بالورس، والوَرْس (بفتح الواو وسكون الراء مهملة) نبت =
[ ٢ / ٥٥٠ ]
تكن، فإِن فعل افتدى، وإِن لم يجد غيره فيغسله فإِن خرج صبغُه أحرم فيه، وإِلا صبغه بمشق أو مدر حتى يتغير لونه.
والمشق: المغرة، وهو طين أحمر يصبغ به.
فرع:
فإِن لبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو ورس فنزعه مكانه فلا فدية عليه (١)، وإِلا فعليه الفدية عامدًا أو جاهلًا أو ناسيًا.
وسئل مالك عن الرجل يحرم في الثوب فيه اللمعة من الزعفران؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفًا.
فرع:
وليس على المحرم شُعوثةُ اللباس، بل له تجديدُ الملبوسِ فيغيرهما، أعني: المئزر والرداء، بغيرهما ويبالغ في تنظيفهما إِذا أمن قتل الدواب (٢).
_________________
(١) = أصفر طيب الريح يصبغ به (الزرقاني على الموطأ: ٢/ ٢٢٩) وقال الجبي: صبغ إِلى الصفرة فيه رائحة طيبة. (شرح غريب ألفاظ المدونة: ٤٤). الأصل فيه قوله - ﷺ -: لما سئل عما يلبس المحرم: "لا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران أو الورس" مالك عن ابن عمر في الموطأ: كتاب الحج، ما ينهى عنه من لبس الثياب في الإِحرام. (تنوير الحوالك: ١/ ٢٣٩).
(٢) عليه سقط من (ب)، ص.
(٣) انظر (مواهب الجليل، والتاج والإِكليل: ٣/ ١٤٥).
[ ٢ / ٥٥١ ]
فرع:
ولا يجوز للمحرم لبس الثوب المعصفر المفدم (١) المشبع (٢) الصبغ (٣).
وكره مالك للرجال أن يحرموا فيما انتفض صبغُه أو لم ينتفض، وهذا هو المشهور (٤).
وروى أشهب عن مالك سقوط الفدية عن الرجل إِذا لبس المصبوغ المفدم.
قال اللخمي: ولم يره من الطيب المؤنث، قاله غير واحد، وهو على هذه الرواية مكروه، وأجازه للنساء ما لم ينتفض صبغه. حكاه عنه ابن حبيب.
وروى عنه ابن القاسم في المدونة كراهية المفدم المعصفر للرجال والنساء أن يحرموا فيه؛ لأنه ينتفض (٥). وكره أيضًا للرجال في غير الإِحرام.
ولا بأس بلبس الثياب السود والكحليات والدكن والخضر ولم يكن يرى بالمورّد من المعصفر ولا بالمشق (٦) بأسًا أن يحرم فيه الرجال.
_________________
(١) المُفَدم (بضم الميم وفتح الفاء والدال) وهو الثوب الذي أشبع في العصفر أو شبهه من الأصبغة حتى صار ثخينًا ثقيلًا. (شرح غريب ألفاظ المدونة: ٤٠).
(٢) الثوب المعصفر المشبع: هو الذي لا ينفض صبغه. (الزرقاني على المبسوط: ٢/ ٢٣١).
(٣) ر: بالصبغ.
(٤) المدونة: ٢/ ٢٢٠ - الزرقاني على الموطأ: ٢/ ٢٣١.
(٥) المدونة: ٢/ ٢٢٠.
(٦) الثوب المشق: هو المصبوغ بالمشق أو المغرة وهي طين أحمر يثبت بالثوب إِذا خلط =
[ ٢ / ٥٥٢ ]
ويكره للإِمام ومن يقتدي به أن يلبس ممشقًا.
وأما المرأة فتلبس القميص والدرع والخمار والسراويلات والعمامة والخفين، وهي في ذلك بخلاف الرجل (١) ولا بأس لها أن تلبس الحرير والخز والحلي.
وإِذا غطتْ وجهها فعليها الفديةُ إِلا أن تسدل رداءها من فوق رأسها، تريد بذلك ستره، وإِلا فلا ترفعه تحت ذقنها وتضعه على رأسها ولا تشده على رأسها، ولا تغرزه بإِبرة وما أشبهها.
ويكره للنساء الحرائر والجواري لبس القَبَاءِ (٢) في الإِحرام وغيره *؛ لأنه يصفهن، وكراهية لبسه للحرائر أشد (٣).
ويكره للمحرمة لبس القفازين (٤) فإِن فعلت فعليها الفدية على
_________________
(١) = بزيت، ولون المغيرة شقرة بكدرة. (شرح غريب ألفاظ المدونة: ٤٠ - مواهب الجليل: ٣/ ١٤٨).
(٢) هبة المالك: ١٤٣.
(٣) القباء (بفتح القاف والمد): ما كان مفرجًا من الثياب. (مواهب الجليل: ٣/ ١٤٢).
(٤) كذا في (المدونة: ٢/ ٢٢٢).
(٥) القفاز: ما يفعل على صفة الكفين من قطن ونحوه ليقي الكف من الشعث. (مواهب الجليل: ٣/ ١٤٠).
[ ٢ / ٥٥٣ ]
المشهور (١)، وكذلك لا تُبرقع، فإِن تَبَرقَعَتْ فعليها الفديةُ (٢).
وأجمع العلماء على أن للمرأة أن تستظل في حال إِحرامها، سائرة كانت أو راكبة، وأنها بخلاف الرجل في ذلك.
القسم الثاني: التطيب (٣).
والموجب للفدية التطيب بالطيب المؤنث ومس الزعفران والوَرْس والمسك والكافور ونحوه عمدًا أو سهوًا أو اضطرارًا أو جهلًا قليلًا كان أو كثيرًا.
والمؤنث من الطيب: ما يظهر ريحه وأثره، والذكر: ما يظهر ريحه وليس له أثر يلتصق بالبدن كالرياحين، وأما ماء الورد ففيه الفدية؛ لأن أثره يبقى في البدن.
_________________
(١) يقابله قول ابن حبيب (م، ن: ٣/ ١٤٠).
(٢) ب، ص: وكذلك البرقع. وقد روى البخاري عن ابن عمر قوله - ﷺ -: "لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين" قال الحافظ في التلخيص: له طرق في البخاري موصولة ومعلقة. ورواه مالك في الموطأ مرفوعًا كما قال الشيخ عبد اللطيف آل عبد اللطيف في (طريق الرشد: ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩ رقم ٧١٣).
(٣) قال القاضي عبد الوهاب: "الطيب ممنوع في الإِحرام قليله وكثيره، منع حظر تجب الفدية بتناوله، ولا خلاف في ذلك، والأصل فيه أنها عبادة تمنع النكاح فمنعت الطيب كالعدة" المعونة: ١/ ٥٣٠. وانظر (تبيين المسالك: ٢/ ٢٢٦ - الكافي: ١/ ٣٨٨).
[ ٢ / ٥٥٤ ]
فالمؤنث يجب أن يجتنب استعماله أو لمسه أو شمه، وإِن لم يلمسه (١)، ولمس الطيب كله أشد على المحرم من شمه، وشربه أشد من مسه (٢).
فمن مس الطيب الطيب وهو محرم، لصق بيده أو لم يلصق، أو شرب شيئًا فيه طيب فعليه الفدية.
وإِنما يجتنب المحرم (٣) لمس الطيب واستعماله أو الطعام الذي يكون فيه وأكله وشربه، ما لم تمسه النار، فلو طبخته النار حتى ذهب ريحه زعفرانًا كان أو غيره فصار لا يتعلق باليد عند مسه ولا بالشفة عند أكله، مثل الخشكنان (٤) الأصفر والخبيص (٥) وما أشبهه، فلا بأس بأكله؛ لأنه بالطبخ خرج عن أن يكون طيبًا، وصار في حكم المأكولات (٦).
_________________
(١) ر: وإِن لم يسمه.
(٢) ر: من شمه. وانظر (جواهر الإِكليل: ١/ ١٨٨ وما بعدها - الخرشي على مختصر خليل: ٢/ ٣٥٠).
(٣) المحرم: سقطت من ب.
(٤) الخُشكنان: نوع من الخبز يحشى بلب الجوز والسكر (معرب خشك فان) (متن اللغة: ٢/ ٢٨٠).
(٥) الخبيص: حلواء معمولة بالتمر والسمن (متن اللغة: ٢/ ٢٢١).
(٦) المعونة: ١/ ٥٣١.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
وأما الفالوذج (١) ونحوه فلا يأكله، لما فيه من الزعفران؛ لأنه (٢) ربما صبغ اليد والشفة (٣)؛ فإِن فعل افتدى.
وفي الفدية في كل ما خلط بالطيب من غير طبخ روايتان. قال ابن الحاجب: وفي مس الطيب ولم يعلق أو إِزالته سريعًا قولان (٤). ولو بطلت رائحة الطيب لم يبح.
ولا بأس بشرب التِّريَاقِ (٥) فيه قليل من الزعفران.
فرع:
ولا يتطيب المحرم قبل الإِحرام بما تبقى رائحته بعده.
فرع:
فلو طيب محرم محرمًا نائمًا، فاختلف فيما يلزمه؟
_________________
(١) الفالوذج أو الفالوذق، وتسمى الفالوذ: حلواء تُسوَّى من لباب الحنطة، جمعها فواليذ - وتعرف باسمها الفارسي بالوزة. (متن اللغة: الفالوذ).
(٢) ر: فإِنه.
(٣) النوادر: ١/ ١٥٩ أ.
(٤) نص ابن الحاجب: "وتجب الفدية باستعمال مؤنثه (أي الطيب)، كالزعفران والورس والكافور والمسك، وفي مسه ولم يتعلق أو إِزالته سريعًا قولان" (المختصر: ٢٠٥).
(٥) الترياق: بكسر التاء، فارسي معرب ويقال: درياق بالدال أيضًا: هو ما يستعمل لدفع السم من الأدوية والمعاجين. وكانت العرب تسمى الخمر ترياقًا، لأنها تذهب الهموم في رأيهم. (اللسان: ترق).
[ ٢ / ٥٥٦ ]
فقال ابن القاسم: عليه فديتان: واحدة عن نفسه في لمسه الطيب، وواحدة عن النائم.
وقال ابن أبي زيد: فدية واحدة (١)، والأول أصح.
ولا يصحب المحرمُ أعدالًا فيها طيب يجد رائحته.
ولا يتطيب بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإِفاضة، فإِن فعل فلا فدية عليه (٢).
القسم الثالث: الترفه بإِزالة الشعث بالدهن والتزين بالكحل والخضاب.
ولا يدهن المحرم بشيء من الدهن، لا رأسه ولا جلده (٣).
_________________
(١) نقل ابن أبي زيد من كتاب محمَّد: "من طيب محرمًا وهو نائم أو حلق رأسه فالفدية على فاعل ذلك بنسك أو طعام لا بصيام، وليغسل المحرم عنه الطيب فإِن كان الفاعل عديمًا فليفتد المحرم ويرجع على الفاعل إِن أيسر بالأقل من ثمن الطعام أو ثمن النسك إِن افتدى بأحدهما وإِن صام فلا يرجع عليه بشيء" (النوادر: ١/ ١٦٠).
(٢) إِن رمى جمرة العقبة يكون قد تحلل التحلل الأصغر، فيحل له ما عدا النساء والصيد، أما الطيب فهو مكروه بعد الرمي وقبل الإِفاضة. قال خليل: "وحل بها (أي جمرة العقبة) غير نساء وصيد وكره الطيب، وذلك مبني على قول مالك: من رمى جمرة العقبة يوم النحر، فقد حل له كل شيء إِلا النساء والصيد والطيب - وقال المواق: كره مالك لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض فإِن فعل فلا شيء عليه". (التاج والإِكليل: ٣/ ١٢٦ - جواهر الإِكليل: ١/ ١٨١).
(٣) انظر (قوانين الأحكام الشرعية: ١٥٥ - ١٥٦ الكافي: ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩).
[ ٢ / ٥٥٧ ]
ويحرم على المحرم ترجيل الرأس واللحية بالدهن بعد الإِحرام لا قبله، بخلاف أكله، والأصلع وغيره سواء، فإِن دهن باطن يديه أو أسفل رجليه لعلة بغير طيب فلا فدية، وإِن كان في الدهن طيب فعليه الفدية ولو كان به علة *.
وأما ما كان على ظهر الكف أو ظهر القدم والساق أو الذراع أو على شيء من بدنه فعليه فيه الفدية (١)، وإِن كانت به علة، لأنه وإِن كان مما يجوز له أكله، فهو مما يحسّن جسده.
قال ابن الحاجب: ولا بأس إِذا اشتكى أذنيه أن يقطر فيهما من البان (٢) غير الطيب أو الزيت، وكذلك لو استَعَطَ (٣) بهما أو بالسمن؛ لأن هذا باطن فهو بمنزلة أكله.
فرع:
ولا يكتحل المحرم بالإِثمد (٤) كان فيه طيب أو لم يكن، والمرأة في ذلك بمنزلة الرجل، فإِن اضطر إِلى الكحل بالإِثمد لحر أو غيره فلا فدية عليه، إِلا
_________________
(١) ر: فعليه فدية.
(٢) البان: ضرب من الشجر طويل الأفنان ناعمها، ثمرته تشبه قرون اللوبياء إِلا أن خضرتها أشد، يتخذ من حبه دهن طيب. (متن اللغة: بون).
(٣) استعط: صب السعوط في أنفه. والسعوط: الدواء الذي يصب في الأنف. (المغرب ١/ ٣٩٧ - سعط). ولم نجد نص ابن الحاجب في (جامع الأمهات).
(٤) الإِثمد: حجر يكتحل به (الصحاح: ثمد).
[ ٢ / ٥٥٨ ]
أن يكون فيه طيب فيفتدي على الأشهر، وإِن اكتحل به للزينة (١) فعليه الفدية، كان فيه طيب أو لم يكن.
قال ابن الحاج: وروي عن مالك في المرأة، لا تكتحل بالإِثمد إِلا من ضرورة، وعليها الفدية وإِن لم يكن فيه طيب.
قال ابن عبد السلام: وإِذا لم يكن الكحل مطيبًا واستعمل للضرورة فلا خلاف في سقوط الفدية حينئذ، وهذا خلاف الرواية التي حكاها ابن الحاج.
وإِن اكتحل المحرم بسائر الأكحال من العقاقير كالصبر (٢) والمر وغير ذلك لضرورة فلا شيء عليه، إِلا أن يكون فيه طيب فيكون عليه الفدية (٣)، وكذلك إِذا اكتحل بها للزينة من غير ضرورة.
وقال عبد الملك: ليس على الرجل في الكحل فدية، وإِن اكتحل لغير ضرورة.
فرع:
والحناء عند مالك، رحمه الله تعالى، من الطيب فلا يخضب المحرم رأسه
_________________
(١) ر: لزينته.
(٢) الصَّبر: عصارة شجرة طعمه مر.
(٣) هذا ما درج عليه ميارة فقال: "والكحل إِن كان لضرورة ولا طيب فيه فلا فدية، وإِلا فالفدية". (الدر الثمين: ٣٨٠).
[ ٢ / ٥٥٩ ]
بالحناء ولا بالوسمة (١) فلو فعل فعليه الفدية، وكذلك المحرمة إِذا خضبت رأسها أو يديها أو رجليها وإِن طَرَّفت أصابعها بالحناء (٢) فعليها الفدية (٣). أما لو خضب الرجل أصبعه من جر برقعة صغيرة فلا فدية، وإِن كانت كبيرة فعليه الفدية (٤).
والقسم الرابع: الترفه بالحلق والتقليم وإِلقاء الدرن، وإِزالة الشعث (٥) وإِلقاء التفث (٦).
ويحرم حلق الرأس وتقصيره في أيام الإِحرام، فإِن فعل افتدى (٧).
_________________
(١) الوَسمة (بكسر السين وتسكينها لغة) العِظْلَم وهو شجر له ورق يُختضب به، وقيل: شجر ينبت باليمن يختضب بورقه الشعر أسود. (اللسان: وسم).
(٢) طرفت أصابعها بالحناء: خضبتها: فهي مطرفة (اللسان: طرف).
(٣) الخرشي على مختصر خليل: ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٤) انظر: (أسهل المدارك: ١/ ٤٨٢).
(٥) انظر (الكافي: ١/ ٣٨٩ - الخرشي على مختصر خليل: ٢/ ٣٥١).
(٦) سيشرح ابن فرحون التفث في ص ٦٢١ فيقول: هو الوسخ والقذارة. وقال المطرزي: هو الوسخ والشعث، ومنه: رجل تفِث أي مغبر شِعث لم يدهن ولم يستحد (أي لم يحلق شعر عانته). وقضاء التفث: قضاء إِزالته بقص الشارب والأظفار ونتف الإِبط والاستحداد. (المغرب: ١/ ١٠٤ - تفث).
(٧) الرسالة الفقهية: ١٨٠.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
وإِن حلق محرم رأس حلال، فقال مالك: يفتدي، وقال ابن القاسم عليه حفنة لمكان الدواب.
وإِن حلق رأس محرم بإِذنه فالفدية على المفعول به، وإِن أكرهه على ذلك أو حلق رأسه في نومه فالفدية على الفاعل به.
ولا يبين المحرم شيئًا من شعره مطلقًا (١).
فرع:
والحجامة حرامٌ إِذا لم تدع إِليها ضرورة وحلق بسببها شعرًا، ومكروهةٌ إِذا لم يحلق لها شعرًا.
وقال ابن الجلاب: لا بأس أن يحتجم إِذا لم يحلق موضع محاجمه، ولا بأس أن يفتصد [ويبط] جرحه (٢) ويفقأ دمله ويقلع ضرسه ويكتوى.
وإِذا حلق موضع المحاجم وجبت * عليه الفدية، دعت إِليها ضرورةٌ أو كان مختارًا، وفيها خلاف، قيل: مكروهة. وقيل: تجوز من غير كراهة. انظر جامع المنتقى للباجي (٣).
_________________
(١) من نتف شعرات يسيرة فعليه إِطعام شيء من طعام سواء كان ناسيًا أو جاهلا، وإِن نتف ما أماط به عنه الأذى كان عليه أن يفدي. (المدونة: ٢/ ١٩٠).
(٢) إِلى هنا ينتهي قول ابن الجلاب (التفريع: ١/ ٣٢٥) وفي النسخ المعتمدة: ويربط جرحه والإِصلاح من التفريع.
(٣) وفيها خلاف .. للباجي: ساقط من (ر). ولم نعثر على كلام الباجي في جامع =
[ ٢ / ٥٦١ ]
أما تساقط الشعر بالتخليل في الوضوء والغسل أو بحلق الركاب أو السرح للشعر. أو بإِدخال الإِصبع في الأنف، فلا فدية فيه (١).
ولا يغمس رأسه بالماء خيفة قتل الدواب.
وجائز أن يبدل ثوبه، وإِن كان فيه تعريض لقتل القمل؛ لأنه قد يضطر إِلى ذلك وليس قصده قتل القمل، كما إِذا أبدله بأنظف منه أو أكثف أو أرق. للحاجة إِلى ذلك.
وأما غسل ثوبه فإِنه مكروه لغير ضرورة.
وفي كتاب ابن المواز: جواز غسله لأجل الوسخ (٢).
_________________
(١) = الفدية ولا في جامع الحج من المنتقى. وفي حلق موضع المحاجم تفصيل في (مواهب الجليل: ٣/ ١٦٣).
(٢) نص المدونة في هذا الحكم: "قال ابن القاسم: سألنا مالكًا عن الرجل يتوضأ وهو محرم فيمر يده على وجهه أو يخلل لحيته في الوضوء أو يدخل يده في أنفه لشيء ينزعه من أنفه أو يمسح رأسه أو يركب دابة فيحلق ساقيه الإِكاف أو السرج؟ قال مالك ليس عليه في ذلك شيء، وهذا خفيف، ولا بد للناس من هذا". (المدونة: ٢/ ١٩١). وانظر (مواهب الجليل: ٣/ ١٥٦).
(٣) نص كلامه في الموازية: "وكره مالك للمحرم غسل ثوبه إِلا لنجاسة أو وسخ فليغسله بالماء وحده، وإِن مات فيه دواب، ولا يغسل ثوب غيره، فإِن فعل أطعم شيئًا من طعام خيفة قتل الدواب، فإِن أمن ذلك فليغسله ولا شيء عليه". (مواهب الجليل: ٣/ ١٤٦). =
[ ٢ / ٥٦٢ ]
ولا بأس إِذا آذاه القمل في إِزاره أن يضعه ويلبس غيره.
واختلف ابن القاسم وسحنون في بيعه (١).
فقال سحنون: في بيعه تعريض لقتل القمل.
وقال ابن القاسم ببيعه.
فإِن اضطر لغسله لجنابة أو نجاسة، فيغسله بالماء وحده (٢)، ولا يجوز له أن يغسله بالحرض (٣) أو الصابون خيفة قتل الدواب.
ولا يجوز له أن يغسل ثوب غيره من محل أو محرم خيفة قتل الدواب، ولأنه لا ضرورة تدعو إِلى ذلك، كثياب نفسه، وتجب عليه الفدية إِذا فعل ما يترفه به ويزيل به أذى، كحلق العانة ونتف الإِبط أو حلقهما بالنورة، وقص الشارب، أو نتف شعر، أو نتف من عينيه أو حواجبه ما أماط به عنه أذى افتدى (٤).
_________________
(١) = وذكر ابن أبي زيد أن مالكًا كره غسل المحرم ثوبه إِلا لنجاسة أو وسخ، فليغسله، بالماء وحده. (النوادر: ١/ ١٦٠ أ).
(٢) في بيعه: وارد في (ب) بالهامش.
(٣) مواهب الجليل: ٣/ ١٥٤.
(٤) الحرض: هو الغاسول (مواهب الجليل: ٣/ ١٥٦). والغاسول: نبات يُستعمل ببعض البوادي التونسية للتنظيف.
(٥) انظر (جواهر الإِكليل: ١/ ١٩١).
[ ٢ / ٥٦٣ ]
وكذا (١) لو حلق عن شجة في رأسه افتدى، أما لو نتف شعره أو شعرات أو قتل قملة أو قملات أو طرحها أو قتل جرادة أطعم حفنة بيد واحدة، ولو سقط شيء من شعر رأسه يحمل متاعه فلا شيء عليه، وكذا إِن جر (٢) يده على لحيته فسقط منها شعرة أو شعرات (٣).
قال ابن القاسم: ولو اغتسل فتساقط من ذلك شعر كثير فلا شيء عليه، وإِن كان متبردًا، وإِن قتل بذلك قملًا من رأسه فلا شيء عليه في الجنابة، وعليه الفدية في التبرد (٤).
قال أصبغ: وهذا إِذا تناثر من الدواب شيء له بال، وأما مثل الواحدة فليطعم تمرات أو قبضات سويق أو كسيرات، ولو طرح برغوثًا أو قرادًا فلا شيء عليه، لأنها مما يعيش في الأرض بخلاف القملة.
وحكى بعضهم قولًا آخر لمالك - رحمه الله تعالى - في البرغوث مثل القملة.
أما إِن تعلق القراد وشبهه ببدن الإِنسان فلا خلاف أن له طرحه، وظاهر كلامهم أنه لا يقتله.
_________________
(١) ر: وكذلك.
(٢) ر: وكذلك إِذا جر.
(٣) ص: الشعرة والشعرات.
(٤) الدسوقي على الشرح الكبير للدردير: ٢/ ٦٠/ ٦١.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
وقال مالك في محرم لدغته ذرة فقتلها، وهو لا يشعر: أرى أن يطعم شيئًا:
ولا يقتل المحرم من دواب الأرض إِلا ما يخافه على نفسه، وله أن ينقل دواب بدنِه من مكانٍ إِلى مكان هو أخفى منه، وإِذا أقْردَ بعيرُهُ أطعم (١)، ولو رمى عن بعيره العلق وما أشبهه مما يخلق في غير بدن الحيوان وهو مضرة على الحيوان فلا شيء عليه *.
قال مالك - ﵀ - في رواية ابن أبي أويس (٢): يحك المحرم رأسه حكًّا رفيقًا لا يقتل به شيئًا من الدواب.
قال ابن عبد السلام: يريد ولا ينتف شعرًا.
_________________
(١) الشرح الكبير للدردير: ٢/ ٦٤ - ٦٥.
(٢) يعرف اثنان أخوان بابني أبي أويس وهما ابنا عم مالك بن أنس وابنا أخته وهما إِسماعيل بن عبد الله الأصبحي زوج ابنة مالك، سمع مالكًا وغيره وأثنى عليه أحمد بن حنبل ت ٢٢٦ - وأبو بكر عبد الحميد أخوه قرأ على نافع وأخرج له البخاري ومسلم. وروى عن خاله مالك. ت حوالي ٢٠٢. ولا شك أن المقصود أحدهما، ولكنا لم نهتد إِلى ترجيح أحدهما. ترجمة إِسماعيل في (التحفة اللطيفة: ١/ ٣٠٠ - تهذيب التهذيب: ١/ ٣١٠ رقم ٥٦٨. الجرح والتعديل: ١/ ١/ ١٨٠ - الديباج: ١/ ٢٨١ الشجرة: ٥٦ رقم ٩ - المدارك: ٣/ ١٥١). وترجمة أبي بكر في (الشجرة: ٥٦ رقم ٧ - المدارك: ٤/ ١٥٥).
[ ٢ / ٥٦٥ ]
قال ابن الجلاب: ولا يشتد في حك ما خفي من جسده، ولا بأس بذلك فيما يرى من جسده (١).
وإِنما منع من ذلك فيما خفي من جسده خيفة قتل الدواب.
فرع:
ولم يجز مالك فيما دون إِماطة الأذى أكثر من حفنة.
مسألة:
ولو قلم ظفرًا واحدًا لإِماطة الأذى افتدى (٢) وإِن لم يكن لإِماطة الأذى فحفنة، أما لو انكسر ظفره فقلمه فلا شيء عليه (٣).
وقال ابن الحاج: وقيل ليس في الظفر الواحد إِلا أن يطعم شيئًا من طعام، وقيل: مسكينًا واحدًا، ولو فعل الحلال بالحرام ما يوجب الفدية بإِذنه فعلى المحرم الفدية، وإِن كان مكرهًا أو نائمًا فعلى الحلال.
قال ابن عبد السلام: وفي معناه عندي أن لا يأمره المحرم، ويفتدي ذلك الحلال من نفسه فيتركه المحرم اختيارًا وهو قادر على منعه، وفعل الحلال بالحرام أعم من الحلاق والطيب ونحوهما.
_________________
(١) ولا بأس جسده: ساقط من (ر). وقول ابن الجلاب وارد في (التفريع: ١/ ٣٢٥).
(٢) قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره. (الإِجماع: ١٨).
(٣) الصاوي على الشرح الصغير: ٢/ ٨٧ - ٨٨.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
ولَوْ قلم المحرم أظفارًا لحلال أو قص شاربه فلا شيء عليه.
ولو حجم محرم محرمًا فحلق موضع المحاجم فالفدية على المحجوم، وعلى الحالق حفنة لمكان الدواب فإِن أيقن أن لا دواب فلا شيء عليه.
ولا يدخل المحرمُ الحمَّام قاصدًا لانتقاءِ درنه، فإِن فعل وأنقى الوسخَ افتدى (١).
وفي الفدية في مجرد دخول الحمام، وإِن لم يتدلك، قولان (٢).
وألحق بعضهم بالتدلك صب الماء فيه بعد العرق، وأطلق بعضهم الجواز على دخوله لأجل التدفي.
قال ابن عبد السلام: والأقرب أن دخول الحمام مظنة إِزالة الوسخ التي هي موجب الفدية.
قال ابن الحاجب: وفي إِزالة الوسخ الفدية، وذلك أعم من إِزالته في الحمام وغيره (٣).
_________________
(١) قال ابن المنذر: أجمعوا أن للمحرم دخول الحمام، وانفرد مالك فقال: إِن ذلك الوسخ افتداء. (الإِجماع: ٢٠).
(٢) قال ابن عبد البر: "اختلفوا في دخول المحرم الحمام فكان مالك وأصحابه يكرهون ذلك ويقولون: من دخل الحمام فتدلك وأنتقى الوسخ فعليه الفدية". (التمهيد: ٤/ ٢٧١).
(٣) انظر: (جامع الأمهات: ٢٠٦).
[ ٢ / ٥٦٧ ]
قال ابن عبد السلام: ولا أعلم في ذلك خلافًا في المذهب.
ولا بأس أن ينقي ما تحت أظفاره من الوسخ ولا فدية عليه، رواه ابن نافع عن مالك.
وقال ابن القاسم مثله.
ولا يغسل رأسه إِلا لغسل جنابة فيغسله بالماء وحده ولا يغسله بما ينقي الرأس كالخمطِّي والسدر وشبههما، فإِن فعل فعليه الفدية (١).
ولا يفلي المحرم رأسه ولا ثوبه، فإِن جهل وفلى رأسه أو ثوبه حتى انتفع بذلك، أو نشر ثوبه في الشمس، فعليه الفدية.
وإِن أمر المحرم غلامه ففلى ثوبه فإِن كان الغلام محرمًا فعليه فديتان، لأنه أكرهه بعزيمة الأمر، وإِن كان المأمور أجنبيًّا فإِن كان محرمًا فعلى كل واحد منهما فدية، وإِن كان حلالًا فلا شيء على المأمور، وإِن عمل في رأسه زيبقًا بعد الإِحرام * أو عند إِرادته الإِحرام افتدى؛ لأنه يقتل القمل.
_________________
(١) قال ابن عبد البر: "أما غسل المحرم رأسه بالخطمي والسدر، فالفقهاء على كراهة ذلك، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم، وكان مالك وأبو حنيفة يريان الفدية على المحرم إِذا غسل رأسه بالخطمي. وقال أبو ثور: لا شيء عليه إِذا فعل ذلك، وكان عطاء وطاوس ومجاهد يرخصون للمحرم إِذا كان قد لبد رأسه في غسل رأسه بالخطمى ليلين". (التمهيد: ٤/ ٢٧٠).
[ ٢ / ٥٦٨ ]
فرع:
متى تعددت موجبات الكفارة فلبس قميصًا، وطيب لحيته، وحلق رأسه، وقلم ظفره (١)، وذلك كله في فور واحد، فعليه فدية واحدة (٢) ولو تراخت تعددت، كما لو قلم أظفار يده اليمنى اليوم واليسرى غدا.
ولو تداوى لقرحة بدواء مطيب مرارًا تعددت الفدية، إِلا أن ينوي التكرار عند الفعل الأول ففدية واحدة تجزئه، وإِن تراخى التكرار، أمَّا لو تداوى لقرحة أخرى تعددت، وقد تقدم بيانه.
قاعدة:
قال ابن عبد السلام: اعلم أن لا فرق في هذا الباب بين العذر وعدمه إِلا في ترتب الإِثم في حق عديم العذر وسقوطه في حق المعذور؛ نص عليه في المدونة (٣).
فذلك إِذا تطيب الصحيح ثم مرض ثم صح والطيب بأن عليه ففدية واحدة؛ لأن ابتداء استعماله في الصحة قرينة في إِرادة الدوام، وإِن ابتدأ استعماله وهو مريض ثم صح وهو باق، فقال بعض الشيوخ - تخريجًا: عليه
_________________
(١) ص: أظافره.
(٢) التاج والإِكليل: ٣/ ١٦٥.
(٣) انظر (المدونة: ٢/ ١٤٧ - ١٤٩: رسم فيمن تداوى بدواء، ورسم فيمن غسل يديه بأشنان).
[ ٢ / ٥٦٩ ]
فديتان؛ لأن الظاهر من حاله أنه إِنما استعمله لأجل المرض، وبقاؤه بعد ذلك في الصحة لم يكن منويًّا أولًا فصار كفعلين، والثاني منهما متراخ عن الأول.
قاعدة:
اعلم أن موجبات الفدية يشترط فيها أن يحصل للمحرم بلبسها الانتفاعُ، وذلك أن منها ما لا يقع إِلا منتفعًا به كحلق الشعر ومس الطيب، ومنها ما لا ينتفع به إِلا بطول مَّا، كلبس المخيط.
فالأول: تحب فيه الفدية على أي وجه صدر.
والثاني يفصل فيه، فحيث قلنا: تجب الفدية بلبس ثوب أو خف، فيعتبر انتفاعه من دفع حر أو برد أو دوام كاليوم، فإِن نزعه مكانه فلا فدية.
فرع:
لا إِثم على ذي عذر من مرض (١) أو حرٍّ أو برد، وعليه الفدية (٢).
تنبيه:
فعلُ العمدِ والسهو والضرورة والجهل في الفدية سواء، إِلا في حرج عام كما لو غطى رأسه نائما أو ألقت الريحُ الطيبَ عليه، فإِنه في هذا وشبهه لا فدية عليه، فلو تراخى في إِزالته لزمته.
_________________
(١) ر: في مرض.
(٢) قال خليل: "ولم يأثم إِن فعل لعذر" يعني سواء كان حاصلًا أو خيف حصوله. (جواهر الإِكليل: ١/ ١٩١).
[ ٢ / ٥٧٠ ]
ولو ألقاه عليه غيره فكذلك، وتلزم الفدية الملقي حيث قلنا: لا تلزم الملقَى عليه، ولكن بغير الصيام، بالإِطعام أو النسك؛ لأن الكفارة لم تجب عليه إِلا من حيث إِنه تسبب في وجوبها على غيره (١)، فلو أبحنا له الصيام صار كمن صام عن غيره، بخلاف الإِطعام وذبح النسك، فإِنه حق مالي تصح النيابة فيه، هذا إِذا كان الفاعل قادرًا على ذلك فإِن لم يجد فهل يجب على المحرم أن يفتدي حينئذ؟
قال ابن الحاجب: فيه قولان (٢) * (٣).
قال ابن عبد السلام: ولا أذكر هنا نصًّا، لكن بعض الشيوخ أجرى ذلك على الخلاف فيمن وطئ زوجته المحرمة مكرهة، ولم يجد ما يحجها به، هل يجب عليها أن تحج ثم ترجع عليه؟ وهو إِجراء صحيح.
ثم هذا المحرم إِن افتدى بالصيام، فلا رجوع له على الفاعل، وإِن افتدى بالإِطعام أو بالنسك رجع عليه بالأقل منهما.
_________________
(١) العبارة مضطربة في (ر).
(٢) جامع الأمهات: ٢٠٦.
(٣) هنا يبدأ نقص في (ر)، مقداره صفحتان: ١٠٨، ١٠٩.
[ ٢ / ٥٧١ ]