ويجب الحجّ بالإِسلام والحرية والتكليف والاستطاعة.
قال القاضي عبد الوهاب (١): الإِسلامُ شرطٌ في الأداء بناءً على أنَّ الكفارَ مخاطَبُون بالفروعِ (٢)، وهو المشهور (٣).
_________________
(١) عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي القاضي، أبو محمد - أحد أعلام المذهب المالكي - كان فقيهًا أديبًا، له كتب في فنون مختلفة، منها التلقين، والمعونة، وشرح المدونة، والإِشراف. تولى القضاء، واستقر آخر حياته بمصر. ولد سنة ٣٦٢. ت ٤٢٢. (الأعلام: ٤/ ٣٣٥، البداية والنهاية: ١٢/ ٣٢، بروكلمان الملحق: ١/ ٦٦٠، حسن المحاضرة: ١/ ٣١٤، الديباج: ٢/ ٢٦، شجرة النور: ١/ ١٠٣، شذرات الذهب: ٣/ ٢٢٣، المرقبة العليا: ٤٠، النجوم الزاهرة: ٤/ ٢٧٦، هدية العارفين: ١/ ٦٣٧، وفيات الأعيان: ٣/ ٢١٩).
(٢) عبارة القاضي عبد الوهاب: "شرط أدائه شيئان: الإِسلام مع القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وإِمكان السير، وذلك يختلف باختلاف العادة". (التلقين: ٦٢).
(٣) مذهب الجمهور أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة حال كفرهم، وأن ذلك جائز عقلًا وواقع سمعًا، وهو قول الشافعية والمالكية والكرخي، ورواية عن أحمد. وفي رواية أخرى عنه أنهم غير مخاطبين، واختار ذلك أبو إِسحاق الإِسفراييني. =
[ ١ / ٢١٥ ]
والحريةُ: شرطٌ (١) بلا خلاف.
والصبي والمجنون: لا يخاطبَان بالحج، حتى يحتلم الصبي ويفيقَ المجنونُ (٢).
وأما الاستطاعة: فهي مورد النص، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣).
فالاستطاعة سبب الوجوب، وهيَ معتَبَرةٌ بحال المكلَّفُ (٤) في صحة
_________________
(١) = وقيل: هم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر. وقيل: هم مخاطبون بما دون الجهاد. (أحكام الآمدي: ١/ ١٤٤ - ١٤٧، شرح تنقيح الفصول: ١٦٢ - ١٦٧).
(٢) قوانين الأحكام الشرعية: ١٤٦.
(٣) انظر: (مقدمات ابن رشد: ١/ ٢٨٧).
(٤) آل عمران: ٩٧. وقد سئل ابن رشد عن تفسير الاستطاعة في هذه الآية، فقال: السبيل عند أهل المذهب القدرة على الوصول وفعل المناسك بالمشي أو الركوب في بر أو بحر، وكذلك إِذا كانت المسألة عادة رجل فقير لزمه الحج إِذا أطاق المشي، وجرى في المسألة على عادته. (مختصر نوازل ابن رشد: ٧٢).
(٥) تفصيل الاستطاعة في (أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٨٨، الإِشراف للقاضي عبد الوهاب: ١/ ٢١٦، بداية المجتهد: ١/ ٢٥٤، التحرير والتنوير، لابن عاشور: =
[ ١ / ٢١٦ ]
بدنه وماله وعادته وقدرته من غير تحديد، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والمسافات في القرب والبعد وكثرة الجَلَدِ وقِلته، فمن قدر على الوصول إِلى مكة إِما راجلًا وإما راكبًا بشراءٍ أو كراءٍ فقد لزمه فرضُ الحجِّ، فإِن كان (١) الرجلُ ممن لا يقدر على المشي أو يقدر عليه بمشقة تفدحه (٢) أو كان عيشُه في بلده * يتعذر عليه في طريقه كالصناعة التي لا يجدها، والسؤال الذي لا يجد له موضعًا في طريقه، فهذا لا يجب عليه الحج، حتي يجدَ الزادَ والراحلةَ (٣)، ويلزمه أن يبيع في ذلك ما يبيع عليه السلطان في الدَّيْن (٤).
وسئل ابن القاسم عن الرجل تكون له قرية ليس له غيرها أيبيعها في حجة الإِسلام ويترك ولدَهُ لا شيء لهم يعيشون به؟
قال: نعم، ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة (٥).
_________________
(١) = ٤/ ٢٢، التمهيد: ٩/ ١٢٥ وما بعدها، المحرر الوجيز لابن عطية: ٣/ ١٧٠، مقدمات ابن رشد: ١/ ٣٨٠، القبس: ١/ ٥٤١).
(٢) (ب): فإِن كان.
(٣) تفدحه: سقطت من (ر). ومعنى تفدحه: تثقله (ترتيب القاموس: فدح).
(٤) انظر: (التمهيد: ٩/ ١٣١، طريق الرشد: ١/ ٢٢١ رقم ٦٨٦).
(٥) فصَّل ابن رشد ذلك في: (البيان والتحصيل: ٤/ ١٠ وما بعدها).
(٦) وسئل ابن القاسم في الصدقة: وارد بنصه في (البيان والتحصيل: ٤/ ٧٢)، وفي (القباب على قواعد عياض: ١٨٠ أ، مخط. د. ك. ت: ٩٢).
[ ١ / ٢١٧ ]
قال أبو الوليد بن رشد: هذا إِذا أمن عليهم الضيعة ولم يخش عليهم التلف؛ لأن الله تعالى أوجب عليه نفقتهم في ماله، كما أوجب عليه الحج، فهما حقان لله تعالى تعيّنا في ماله، فإِذا ضاق عنهما وجب أن يبدأ بنفقة الولد؛ لأن خشية الهلاك عليهم تُسقط عنه فرض الحج (١).
مسألة:
وفي الذخيرة (٢) قال مالك: يُقَدِّمُ الحج على زواجه، إِلا أن يخاف العنَت (٣) فيتزوج؛ لأن مفاسد الزني عظيمة (٤).
ولا يجوز له أن يتزوَّجَ الأمةَ مع وجود الطَّوْل لتوفير المال للحج (٥).
_________________
(١) هذا القول مختصر من أصله الوارد في: (البيان والتحصيل: ٤/ ٧٢).
(٢) انظر: (الذخيرة: ٣/ ١٧٧).
(٣) العنت: المشقة، والمراد هنا: الزنا، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. يقال: أعنته، أي أوقعه في العنت وفيما يشق عليه تحمله. (المصباح: عنت).
(٤) أورد الحطاب هذه المسألة ضمن تنبيه، وذكر فيها أنه على القول بأن وجوب الحج على الفور يأثم من يقدم التزويج وهو لا يخاف عنتًا، ونكاحه صحيح ولا يؤخذ من المرأة الصداق. (مواهب الجليل: ٢/ ٥٠٣).
(٥) كذا في (مواهب الجليل: ٢/ ٥٠٤).
[ ١ / ٢١٨ ]
ويُقَدِّمُه على دَيْن والده (١)؛ لأن دَيْن والده لا يجب (٢).
مسألة:
إِن وجد النفقة لذهابه فقط وجب عليه الحج.
قال اللخمي: إِلا أن يخشى الضياع هناك فيراعي نفقة العود إِلى أقرب موضع يعيش فيه.
فرع:
إِذا لم يكن له مال وبُذِل له مال لم يلزمه قبولُهُ عند الجميعِ؛ لأنَّ أسْبَابَ الوُجُوبِ لا يجبُ تحصيلُهَا على أحد، وكذلك لو بُذل له ذلك على سبيل القرض؛ لأنَّ الدَّيْن يمنع الحج (٣).
_________________
(١) (ر): ولده.
(٢) التمهيد: ٩/ ١٣٦.
(٣) لا يلزم قبول المال المبذول للحجِّ، إِلَّا إِذا كان الباذل ولده لما فيه من تحمل مشقة المنة، وإِن بُذل له قرضًا لم يلزمه أيضًا؛ لأن المقرضَ يملك ذمته بذلك. (مواهب الجليل: ٢/ ٥٠٦).
[ ١ / ٢١٩ ]
فصل: في حج الماشي
وله حالاتٌ:
الأولى: إِذا كان ذا حرفة في بلده وهو قادر على المشي بغير مشقة فادحة، وحرفته لا تتعذر عليه في الطريق، سواء كانت صنعة أو كرية، فإِن الحج يجب عليه وإِن لم يجد زادًا ولا مركبًا.
وقيل: لا يلزمه إِذا كانت حرفته السؤال.
الثانية: أن تكون حرفتُه مما تتعذَّرُ عليه في طريقه (١) وهو يقدر على المشي، فالحج واجب عليه إِذا وجد الزاد خاصة.
الثالثة: أن تكون حرفته في بلده مما لا تتعذر عليه في طريقه، وهو لا يقدر على المشي فيعتبر في حقه وجود المركب خاصة.
الرابعة: إِذا كان عيشُه ببلده من غير السؤال، وهو يقدر أن يتوصل إِلى مكة بالسؤال، فلا خلاف في أنه لا يجب عليه الحج.
واختُلِف هل يباح له ذلك أم يُكْرَهُ؟ فقيل: بالإِباحة، وقيل: بالكراهة، والأولُ قولُ مالك في رواية ابن عبد الحكم. والثاني قوله في سَماع ابن القاسم
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١٤٨.
[ ١ / ٢٢٠ ]
من كتاب البضائع والوكالات (١).
مسألة:
وحكم الأعمى إِذا وجد قائدًا حكمُ البصير (٢).
مسألة:
أفتى أبو الوليد بنُ رشد بأن فرض الحج ساقط عن أهل الأندلس * وأهل المغرب، للمشقة اللاحقة لهم في بلاد المغرب وغيرها (٣).
_________________
(١) أورد ابن رشد تفصيل هذه الحالات في (البيان والتحصيل: ٤/ ١١).
(٢) انظر: (الغاية القصوى في دراية الفتوى: ١/ ٤٣١).
(٣) كان المستفتي الأمير علي بن يوسف بن تاشفين (٥٠١ - ٥٣٧) وكان سؤاله: هل الحج أفضل لأهل الأندلس أم الجهاد في ذلك الوقت، وكيف إِن كان قد حج الفريضة؟ ومما جاء في جواب ابن رشد قوله: "فرض الحج ساقط عن أهل الأندلس في وقتنا هذا لعدم الاستطاعة التي جعلها الله شرطًا في الوجوب؛ لأن الاستطاعة القدرة علي الوصول مع الأمن على النفس والمال، وذلك معدوم في هذا الزمان، وإذا سقط فرض الحج لهذه العلة صار نفلًا مكروهًا لتقحم الغرر فيه، فبان بما ذكرناه أن الجهاد، الذي لا تُحصى فضائله في القرآن والسنن المتواترة والآثار، أفضل منه ). (فتاوى ابن رشد: ٢/ ١٠٢١ وما بعدها). هذا وقد أطال الحطاب الكلام في هذه المسألة وأورد نقولًا متعلقة بها في (مواهب الجليل: ٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨).
[ ١ / ٢٢١ ]
وقال ابن طلحة الأندلسي (١) في كتابه "المدخل": وقد لقيت في بلاد المغرب وأنا قاصد الحج من المغرب ما اعتقدت معه أن الحج ساقط عن أهل المغرب، بل حرام لما يركبونه من المخاطرات (٢).
وأفتى الشيخ أبو بكر الطرطوشي (٣) بأنه حرام على أهل المغرب، فمن
_________________
(١) أبو بكر عبد الله بن طلحة اليابري الإِشبيلي القاضي - فقيه أصولي مفسر، روى عن أبي الوليد الباجي - له رحلة مشرقية، وممن أخذ عنه بمكة الزمخشري، من مؤلفاته: "المدخل" وهو أحد كتابين له في الأصول والفقه يرد فيهما على ابن حزم، وصل إِلى المهدية سنة ٥١٣ وألف لأميرها كتاب "سيف الإِسلام" واستوطن مصر وتوفي بمكة في تاريخ غير معروف (الشجرة: ١٣٠ رقم ٣٧٩).
(٢) هذا الكلام وارد في (المعيار: ١/ ٤٣٣، مواهب الجليل: ٢/ ٤٧٩).
(٣) محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري، أبو بكر أصله من طرطوشة، ويعرف بالطرطوشي. نشأ بالأندلس، وأخذ عن أبي الوليد الباجي وغيره، ثم رحل إِلى المشرق وتفقه عند أبي بكر الشاشي وغيره. كان إِمامًا عالمًا عاملًا زاهدًا، من حفاظ المذهب المالكي. من مؤلفاته سراج الملوك، والحوادث والبدع، والتعليقة في مسائل الخلاف، وبر الوالدين، اختلف في سنة وفاته فقيل: ٥٢٠ وقيل: ٥٢٥، وكانت وفاته بمصر. (أزهار الرّياض: ٣/ ١٦٢، الأعلام: ٦/ ٣٥٩، بغية الملتمس: ١٢٥، حسن المحاضرة: ١/ ٤٥٢، الديباج: ٢/ ٢٤٤ رقم ٤٣، شذرات الذهب: ٤/ ٦٢، مرآة الجنان: ٣/ ٢٢٥، النجوم الزاهرة: ٥/ ٢٣١، وفيات ابن القنفذ: ٢٧١).
[ ١ / ٢٢٢ ]
خاطر وحج فقد سقط فرضه ولكنه أثم بما ارتكب من الغرر (١).
وقال القاضي (٢) أبو بكر بن العربي: والعجب ممن يقول: إِن الحج ساقط عن أهل المغرب، وهو يسافر من قطر إِلي قطر ويخرق البحار، ويقطع المخاوف في مقاصد دينية ودنيوية، والحال واحد في الخوف والأمن والحلال والحرام وإِنفاق المال وإِعطائه في الطريق وغيره (٣) لمن لا يرضى.
فرع:
وفي الذخيرة: ويسقط فرض الحج إِذا كان في الطريق عدوٌّ يطلب النفس أو يطلب من المال مَا لَا يَتَحدَّدُ، أو يتحدد ويجحف (٤)، وفي غير المُجْحِفِ
_________________
(١) أفتى بهذا الحكم أيضًا أبو الحسن اللخمي وأبو عبد الله محمد الشبيبي. وساق كلامهما الإِمام البرزلي في (النوازل: ١/ ١٥٨ أ).
(٢) القاضي: سقطت من (ب).
(٣) وغيره: سقطت من (ر).
(٤) الذخيرة: ٣/ ١٧٧. وقد عقد الونشريسي فرقًا يتصل بهذا الحكم، فقال: "إِنما قالوا: لا يعتبر بقاؤه فقيرًا بل يبيع عروضه وأسبابه، وإِن أدى ذلك إِلى أن يترك ولده في الصدقة، وقالوا: إِن كان لا يتوصل إِلى الحج إِلا بعد بذل مال يجحف به لظالم أن فرض الحج ساقط عنه؛ لأن الإِعطاء هنا إِعانة للظالم على ظلمه وبغيه، ولا كذلك في الأول". (عدة البروق: ١٢٥، الفرق: ١٨٠).
[ ١ / ٢٢٣ ]
خلافٌ (١).
وأفتى الشيخ أبو عِمْرَان الفاسِي (٢) جماعةً مشوا للحج فطلب أعرابيٌّ منهم لكل حمل ثُمُنَ درهم، بأن يرجعوا فرجعوا (٣).
_________________
(١) أشار إِلى هذا الخلاف القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن: ٤/ ١٤٩). وفي المسألة تفصيل أورده الحطاب في (مواهب الجليل: ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦)
(٢) موسى بن عيسى بن أبي حاج الغفجومي (نسبة إِلي قبيلة بربرية) أبو عمران الفاسي نزيل القيروان، تفقه بالقيروان على أبي الحسن القابسي وغيره، وله رحلة مشرقية أخذ فيها عن أعلام بمصر والعراق والحجاز. كان فقيهًا يستفتيه أهل القيروان، عالمًا بعلوم القرآن والحديث وأصول الدين، مع زهد وورع. ألف تعليقًا علي المدونة وكتبًا أخرى هي اليوم مفقودة. ت سنة ٤٣٠. وقبره ما زال بالقيروان معروفًا. (الأعلام: ٨/ ٢٧٨، بغية الملتمس: ٤٤٢ رقم ١٣٣٢، تراجم المؤلفين التونسيين: ٤/ ٨ رقم ٤١٦، جذوة المقتبس: ٣١٧، الحلل السندسية: ١/ ١/ ٢٧٢، الديباج: ٢/ ٣٣٧، العبر للذهبي: ٣/ ١٧٣، غاية النهاية: ٢/ ٣٢١، كحالة: ١٣/ ١٤٤، المدارك: ٧/ ٢٤٣، معالم الإِيمان: ٣/ ١٥٩، وفيات ابن القنفذ: ٣٦، النجوم الزاهرة: ٥/ ٣٠).
(٣) كان الشيخ أبو عمران الفاسي ممن يقول بسقوط الحج بغير المجحف، وعلى ذلك بنى فتواه المذكورة أعلاه، وقد ذكرها الزناتي في شرح الرسالة، ونقلها التادلي وابن فرحون وغيرهما. ولاحظ الحطاب أن محل الخلاف إِذا كان المأخوذ قليلًا، أما إِذا كان كثيرًا فإِنه يسقط الحج، ولو كان لا يجحف بالمأخوذ منه. (مواهب الجليل: ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦).
[ ١ / ٢٢٤ ]
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: إِن طلب منه ظالم في الطريق أو في دخول مكة مالًا، فقال بعض الناس: لا يدخل ولا يعطيه وليرجع، والذي أراه أن يعطيه، ولا ينبغي أن يدخل في ذلك خلاف، فإِنه يجوز للرجل أن يصون عرضه ممن يهتكه بمال يدفعه له، وهذا بإِجمَاع الأمة، وقد جاء: "ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة" (١) فكذلك ينبغي أن يشتري دينه ممن يمنعه إِياه. ولو أن ظالمًا قال لرجل: لا أمكنك من الوضوء والصلاة إِلا بجُعْلٍ لوجب عليه أن يعطيه (٢).
مسألة (٣):
فإِن كان مع الرجل زاد وراحلة إِلا أنه لا يقدر على المشي من اللصوص
_________________
(١) أخرجه القضاعي عن جابر بلفظ: " ما وقي به الرجل عرضه كتب له به صدقة". (اللباب في شرح الشهاب: ١٧). وأورده العجلوني بلفظ: "ما وقي المرء من عرضه فهو له صدقة" وقال: رواه العسكري والقضاعي. (كشف الخفاء: ٢/ ٢٥٥ رقم ٢٢٥٥).
(٢) كلام ابن العربي في كتابه السراج، ونقله الحطاب في (مواهب الجليل: ٢/ ٤٩٥). وقد ذكر ابن رشد القولين، وصحح القول ببذل المال اليسير للظالم الذي يمنع المسير إِلا بعد إِعطاء مال له، وذلك إِذا كان من عادة هذا الظالم الوفاء مع الناس، وعلل ابن رشد ذلك بـ "أن ما يبذله الإِنسان في الطريق كالذي يشتري به الماء للوضوء، فإِن كان لا يجحف به تعين عليه الشراء ولم يجزله التيمم، بخلاف ما يجحف به". (مختصر نوازل ابن رشد: ٧٣).
(٣) هذه المسألة وردت في (ب) بالهامش.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وما أشبه ذلك فكان مالك يقول: هو عذر بَيِّن. ثم رجع بعدما أفتى به زمانًا، وقال: الحذَر لا يُنْجِي من القَدَر، فإِذا وجد الرجلُ الزادَ المبلِّغ والراحلةَ وصحةَ البدن فالحج واجب عليه.
قال ابنُ المواز: ولم يقل مالك ذلك إِلا في مدينة الرسول - ﷺ -، وأمَّا مَا سواها من الأمصار فهو بالخيار، إِن شاء أجاب وإِن شاء ترك، نقله ابن رشد في كتاب جمل من أصول العلم.
مسألة:
والبحرُ لا يمنعُ وجوب الحج إذا لم يكن له طريق إِلَّا منه، إِذا كان يركب وكان غالبُه السلامةَ، فإِن غلب العطب أو علم تعطيل الصلاة بمَيْدٍ (١) أو ضيق ونحوه فإِنه لا يركبه (٢).
_________________
(١) الميْد: ما يصيب من الحيرة عن سكر أو غثيان أو ركوب بحر. (اللسان: ميد). وقال الزرقاني: الميد: دوخة أو ضيق (الزرقاني على خليل: ٢/ ٢٩٦).
(٢) نقل البناني عن اللخمي قوله: "إِنه إِن علم حصول الميد حرم عليه الركوب، وإِن علم عدمه جاز، وإِن شك كره". (البناني على شرح الزرقاني للمختصر: ٢/ ٢٩٦). وللونشريسي فرق يتصل بهذه المسألة، نصه: "إِنما قالوا: يحرم ركوب البحر إِلى الحج إِذا علم تعطيل الصلاة أو بعض أحكامها، ولا يحرم ركوبه إِلى الجهاد وإِن أدى إِلى تضييع فرض من فروض الصلاة، بل يجب، مع أن كلا منهما عبادة دينية مهمة؛ لأن المراد من الجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا، والقيام بها أشرف من القيام بالصلاة؛ لأن عدم القيام بالتوحيد كفر، وعدم القيام =
[ ١ / ٢٢٦ ]
فصل
والمرأة كالرَّجُلِ في الاستطاعة، وتزيد عليه باستصحاب زوج * أو مَحْرَمٍ، فإِن لم يكن أو أبى المحرم ووجَدت رُفقة مأمونة من رجال أو نساء لزمَهَا الحجُّ (١).
واعتبار الأمْنِ في رُفْقَةِ النساءِ: أن تتحفَّظ معهم من أهْل الشرِّ من الرجال، وهذا هو المشهور (٢).
وقال ابنُ عبد الحكم: لا تخرجُ إِلا مع محْرم لقوله - ﷺ -: "لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بالله والْيَوْمِ الآخرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا" (٣)،
_________________
(١) = بالصلاة ليس بكفر على المعروف، وبضدها تتميز الأشياء، والحج مع الصلاة بالعكس إِذ هي أفضل". (عدة البروق: ١٢٥، الفرق: ١٨١).
(٢) قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي: ١٤٧، التاج والإِكليل، للمواق: ٢/ ٥١٨، الشرح الصغير: ٢/ ١٣، الصاوي على الشرح الصغير: ٢/ ١٣، تبيين المسالك: ٢/ ٢٠٢، التمهيد: ٩/ ١٣٦.
(٣) يقابل هذا القول المشهور في المذهب: القول بمنع السفر إِلا بزوج أو محرم كانت صرورة أم لا، والقول بجواز السفر مع الرفقة مطلقًا. (مواهب الجليل: ٢/ ٥٢٣).
(٤) أخرجه البخاري عن أبي هريرة بلفظ: "لا يحل لامرأة تؤمن أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة". (الصحيح: ٢/ ٣٥ - ٣٦). وأخرجه الإِمام مالك بلفظ قريب في الموطإِ: كتاب الجامع، ما جاء في الوحدة في السفر للرجال والنساء. (تنوير الحوالك: ٢/ ٢٤٨). =
[ ١ / ٢٢٧ ]
وإِن الفساد مع الرُّفقَةِ المأمونةِ لا يتعذَّر بالليلِ (١).
وقال ابن حبيب: إِن كانت صَرُورَةً (٢) خرجت وإِلا فلا.
قال ابن رشد: ولو كانت متجالة (٣) أو ممن لا يؤبه إِليه لم تمنع من الخروج.
تنبيه (٤):
واختلف هل يكون عبدُها محرمًا يخلو بها ويسافر معها؟ فيه قولان، وعلى القول بالجواز، فهل يُشترط أن يكون وغْدًا؟ - وبه قال مالك - أو لا يُشترطُ ذلك؟
_________________
(١) = وقال الشيخ عبد اللطيف آل عبد اللطيف: متفق عليه من حديث ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وابن عباس ﵃ بألفاظ مختلفة. (طريق الرشد: ١/ ٢٢٢ رقم ٦٩٠). وانظر: (إِحكام الأحكام: شرح العمدة: ٢/ ١٨ وما بعدها، رقم ٤).
(٢) وأن الفساد بالليل: ساقط من (ص).
(٣) الصرورة، بفتح الصاد: الذي لم يحج، يوصف بهذه الكلمة المذكر والمؤنث. (المصباح المنير: صرر: ١/ ٣٣٨).
(٤) المتجالات من النساء: هُنَّ القواعد وهن العجائز. قال أبو الحسن المنوفي: المتجالة: هي التي لا أرب للرجال فيها ولا يلتذ بالنظر إِليها. (نوازل عبد القادر الفاسي، عند المسألة التاسعة. مخط. خاص).
(٥) هذا التنبيه نقله الحطاب عن ابن فرحون في (مواهب الجليل: ٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣).
[ ١ / ٢٢٨ ]
ذهب القاضي إِسماعيل (١) وغيرُه إِلى جواز ذلك.
قال ابن القطّان (٢): وهو الصحيح.
وذهب ابنُ القصَّار (٣) وابن عبد الحكم إِلى المنع (٤) من ذلك.
_________________
(١) إِسماعيل بن إِسحاق بن إِسماعيل بن حماد الأزدي، أبو إِسحاق مولى آل جرير بن حازم، نشأ بالبصرة ثم استقر ببغداد، كان شيخ المالكية في عصره بالعراق. من تآليفه أحكام القرآن. ولد سنة ٢٠٠. ت ٢٨٢. (الأعلام: ١/ ٣٠٥، تاريخ بغداد: ٦/ ٢٨٤، الديباج: ١/ ٢٨٢، الشجرة: ٦٥، كحالة: ٢/ ٢٦١، المدارك: ٤/ ٢٦٧، المرقبة العليا: ٣٣، معجم الأدباء لياقوت: ٦/ ١٢٩).
(٢) علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إِبراهيم الكتامي الفاسي أبو الحسن. أصله من قرطبة. كان محدثًا متفننًا في المعرفة والدراية. ألف النظر في أحكام النظر، وشرح الأحكام لعبد الحق. وتولى القضاء بسجلماسة. وبها توفي سنة ٦٢٨. (التكملة: ٢/ ٢٨٦ رقم ١٩٢٠ ط. مدريد، جذوة الاقتباس: ٢/ ٤٧٠ رقم ٥١٩).
(٣) علي بن عمر بن أحمد، أبو الحسن القاضي الإِمام البغدادي المالكي. تفقه بالأبهري، وأخذ عنه ابن نصر وأبو ذر الهروي الذي قال عنه: هو أفقه من رأيت من المالكيين. ألف الحجة لمذهب مالك. كان أصوليًا نظارًا ثقةً قليلَ الحديث. ت ٣٩٨. (الديباج: ٢/ ١٠٠، الشجرة: ٩٢، طبقات الفقهاء للشيرازي: ١٦٨، الفكر السامي: ٢/ ١١٩، المدارك: ٧/ ٧٠).
(٤) هذا ما ذهب إِليه عمر بن عبد العزيز أيضًا، فكره أن يخرج بالمرأة عبدُها إِلا أنْ يكون أخًا لها من الرضاعة. (النوادر: ١/ ١٦١ أ). وانظر (أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ١٠٢)
[ ١ / ٢٢٩ ]
وللشافعية أيضًا قولان.
قال الأسفراييني (١): والصحيح المنع.
من كتاب النظر في أحكام النظر لابن القطان (٢).
وأما الكافل (٣) فإِنه يخلو بمكفولته ويسافر معها؛ لأنه لها كالأب، من
_________________
(١) أحمد بن محمد بن أحمد الإِسفراييني أحد شيوخ الشافعية. اشتهر بجودة الفقه وحسن النظر. ألف في الفقه والأصول. ولدَ بأسفرايين سنة ٣٤٤ وتوفي سنة ٤٠٦ (طبقات الشافعية للسبكي: ٣/ ٢٤ تاريخ بغداد: ٤/ ٣٦٨ وفيات الأعيان: ١/ ٢٣، الفتح المبين: ١/ ٢٣٦)
(٢) هذا النقل اختصره ابن فرحون من الباب الثاني من (النظر في أحكام النظر: ٢٠٥) وقد ضعّف ابن القطان ما ذهب إِليه ابن القصار الذي قال: إِن المراد بقوله ﷿: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] الأطفال من العبيد، قال ابن القطان: هو عندي ضعيف غير راجح معادل؛ لأن الأطفال قد ذكروا ذكرًا يخصهم. وهو يشمل الأحرار والعبيد منهم.
(٣) هذه الفقرة المتعلقة بالكافل واردة في (مواهب الجليل: ٢/ ٥٢٣).
[ ١ / ٢٣٠ ]
كتاب الطرر لابن عات (١)، نقله من كتاب الاستغناء لابن عبد الغفور (٢) وحكاه عن ابن عيشون (٣).
_________________
(١) أحمد بن هارون بن عات الشاطبي النفزي، أبو عمر. عالم صالح نبيه حافظ، رحل من الأندلس إِلى المشرق فأخذ عن أعلام مصر والحجاز والموصل. توفي مجاهدًا في وقعة العقاب سنة ٦٠٩. (الديباج: ١/ ٣٣١، شجرة النور: ١٧٢، شذرات الذهب: ٥/ ٣٦).
(٢) خلف بن مسلمة بن عبد الغفور أبو القاسم، فقيه مالكي حافظ، إِقليشي، ولي قضاء بلده إِقليش. وروى بقرطبة عن ابن الهندي وابن العطار وأخذ عنهما كتاب "الوثائق". ت حوالي سنة ٤٤٠. وكتابه "الاستغناء في آداب القضاء" عظيم الفائدة نحو خمسين جزءًا، نقل عنه كثيرون. (الديباج: ١/ ٣٥١ رقم ٣، الصلة لابن بشكوال: ١/ ١٦٨ رقم ٣٧٩، المدارك: ٨/ ٤٩).
(٣) يوجد من الأندلسيين المالكيين محمد بن عبد الله بن عيشون الطليطلي أبو عبد الله من الحفاظ، له مختصر مشهور. ت ٣٤١. (الديباج: ٢/ ٢٠٤ رقم ٥٣). ومحمد بن عمر بن سعد بن عيشون أخذ عن علماء قرطبة وغيرهم فقيه حافظ، ولي القضاء. (الديباج: ٢/ ٢٠٥ رقم ٣٦). ونص كلام ابن عيشون: "الكافل يخلو بها ويسافر معها؛ لأنه كالأب لها وهي بمنزلة ابنته، لأنه المطلع عليها من الصغر إِلى الكبر، فصارت في الحرمة شبيهًا بالابنة، وقال الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، (الطرر لابن عات، وهو ينقل من الاستغناء في باب إِنكاح الكافل والمربي لليتيمة التي كفلها. ٢٠ ب مخط. د. ك. ت ١٢٨٧٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
مسألة:
وفي ركوب البحر والمشي البعيد للقادرة قولان (١).
وكره مالك للنساء ركوب البحر ونهى عنه خشية التكشف.
قال ابن رشد: وهذا إِذا كنَّ في معزَل عن مخالطةِ الرجال عند قضاء الحاجة ويقدرْنَ علي الصلاة، وإِلا فَلَا يَحِلُّ لهُنَّ أنْ يحججن فيه. من البيان (٢).
والذي رجحه القاضي عياض وجزم به: أن الحج لا يلزمها ماشية؛ لأن مشيها عورة، إِلا فيما قرب من مكة (٣).
_________________
(١) قال خليل: "والمرأة كالرجل إِلا في بَعِيدِ مَشْي وركوب بحر، إِلا أن تخص بمكان" والمراد بالمشي، المشي على الرجلين، فيكره لها المشي البعيد ولو كانت متجالة. على قول الجمهور، وقيل: تخرج المتجالة منه لأنها كالرجل، ورد الجمهور بأن الخلوة ممنوعة، ويخرج المشي القريب مما لا يكون مسافة قصر. (الزرقاني على مختصر خليل، وحاشية البناني: ٢/ ٢٩٢). وانظر (مختصر ابن عرفة: ١/ ٢٨ أ).
(٢) هذا مختصر ما جاء في (البيان والتحصيل: ٣/ ٤٣٤).
(٣) نص عياض: "لا خلاف في وجوب الحج على المرأة كالرجل إِذا استطاعته، وأن حكمها حكمه في الاستطاعة على اختلاف العلماء فيها إِلا أن الحج لا يلزمها إِن قدرت على المشي عندنا بخلاف الرجل؛ لأن مشيها عورة إِلا فيما قرب من مكة". (القباب على قواعد عياض: ١٨٢ أ).
[ ١ / ٢٣٢ ]
قال اللخمي: وهذا يحسن في المرأة الرائعة الحسنة ومن ينظر مثلها عند مشيها (١)، وأمَّا المُتَجَالَّةُ ومن لا يُؤْبَه لها (٢) من النساء فيجب عليها، كالرجل (٣).
_________________
(١) قال الونشريسي: "وإنما كره مالك في الموازية للمرأة المشي البعيد إِلى حجة الإِسلام، وأوجب عليها المشي البعيد في الحجة المنذورة وكلاهما واجب؛ لأن المرأة لو كلفت المشي في حجة الإِسلام للزم منه عموم الفتنة والحرج بخلاف النذر؛ لأنه ضرورة نادرة وقد ألزمت نفسها ذلك بيمينها". (عدة البروق: ١٢٥، الفرق: ١٨٢).
(٢) (ب)، (ص): وأما المتجالة ومن لا ينظر لمثلها عند مشيها.
(٣) هذا القول للخمي وارد في (مواهب الجليل: ٢/ ٥١٩) وفي (القباب على قواعد عياض: ١٨٢ أ).
[ ١ / ٢٣٣ ]
فلا يصح الكافر ويصح ممّن لا يجب عليه كالصبيّ والعبد (١).
فصل
وأما حكم أدائه فهو على الفور (٢).
والقول بالتراخي للمغاربة (٣) مستقرأٌ من مسائل مثل قوله فيمن منعه أبواه من الخروج إِلى الحج، فقال: يترضَّاهما العام والعامين (٤)، فإِن أذنا له وإِلا خرج وتركهما.
_________________
(١) قوانين الأحكام الشرعية: ١٤٦.
(٢) قال الشيخ ابن عاشور: "معنى الفور: أن يوقعه المكلف في الحجة التي يحين وقتها أولًا عند استكمال شروط الاستطاعة". (التحرير والتنوير: ٤/ ٢٤). وانظر: (بداية المجتهد ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٣) للمغاربة: سقطت من (ر)، (ب). وهذا القول بالتراخي شهره ابن الفاكهاني وذهب إِليه الباجي وابن رشد والتلمساني والمغاربة ورأوا أنه المذهب. (البناني على الزرقاني: ٢/ ٢٨٩). وانظر: (إِحكام الأحكام شرح العمدة: ٣/ ٦).
(٤) هذه رواية ابن نافع، ومنها ومن غيرها أخذ اللخمي أن الحج على التراخي. أما ابن =
[ ١ / ٢٣٤ ]
وليس هذا بالقوي؛ لأن طاعة الأبوين واجبة، فالتأخير لأجل تعارض واجبين (١)، والكلام حيث لا تعارض، بل فيه دليل علي الفورية؛ لأن استمرار طاعتهما واجب، وقد قال في آخر السؤال: فإِن أذنا له وإِلا خرج وتركهما.
وكل مسألة استقرئ منها التراخي لا تقوى * كقوله فيمن مات زوجها فأرادت الحج: تقعد في بيتها حتى تخرج من عدتها.
فهذه المسألة (٢). استقرأ اللخمي منها التراخي (٣)، وهو غير قوي لتعارض واجبين أيضًا.
_________________
(١) = أبي زيد فقد أفتى بالمبادرة للفرض ونصح بالتلطف في رضا الوالدين دون أن يتوقف الخروج على رضاهما. (المعيار المعرب: ١/ ٤٣٧). وانظر: (المحرر الوجيز، لابن عطية: ٣/ ١٧٢).
(٢) (ص): الواجبين. وقد رد المقري ذلك بقوله: وجوب رضى الآباء مشروط بألا يؤدي إِلى معصية كما اقتضته الدلالة ونص عليها ابن أبي زيد في الرسالة، ولو كان الحج للفور لكان التأخير معصية فلا يعترض رضاهما فيه (القواعد ٢/ ٦١٠ رقم ٣٩٨).
(٣) يضطرب الكلام هنا، في (ص).
(٤) كذا في (المعيار المعرب: ١/ ٤٣٧) وفي (المحرر الوجيز لابن عطية: ٣/ ١٧٢). وممن قال بالتراخي من المالكية المقري، وقد صاغ في ذلك القاعدة الفقهية التالية: "قد ترجع المصلحة على المصلحة فيسقط اعتبارها تقديمًا لأقوى المصلحتين عند تعذر الجمع بينهما". انظر: (القواعد: ٢/ ٦٠٨ رقم ٣٩٨).
[ ١ / ٢٣٥ ]
قال ابن عبد السلام (١): إِذا تأملت المسائل المأخوذ منها التراخي وجدتها أقرب إِلى دلالتها على الفور منه على التراخي.
والذي يحكيه العراقيون عن مالك أنه على الفور (٢)، وهو الذي ارتضاه ابن بشير (٣) وغيره،
_________________
(١) محمد بن عبد السلام الهواري التونسي، أبو عبد الله، قاضي الجماعة بتونس وإمامها، كان متفننًا في الأصول والعربية وعلم الكلام وعلم البيان، وله أهلية الترجيح بين الأقوال. أخذ عن ابن هارون وابن جماعة، وممن تخرج عليه الإِمام ابن عرفة وابن خلدون. ت ٧٤٩. (الأعلام: ٧/ ٧٧، برنامج المجاري: ١٤٢، تاريخ المفرق: ١/ ١٧٦، تاريخ الدولتين: ٧٤، التعريف بابن خلدون: ١٩، الحلل السندسية: ١/ ١/ ٥٩٤، درة الحجال: ٢/ ١٣٣، فهرست الرصاع: ٨٤، المرقبة العليا: ١٦١، وفيه وفاته سنة ٧٥٠، النيل: ٢٤٢).
(٢) من هؤلاء العراقيين القاضي عبد الوهاب البغدادي، وقد استدل على أن الحج على الفور بعدة أدلة. انظر (الإِشراف: ١/ ٢١٧ - ٢١٩). وأورد القاضي عياض القولين، وصوب أنه على التراخي، واحتج على ذلك بنصوص من المذهب تدل على ذلك. انظر (التنبيهات: ١٢).
(٣) إِبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي المهدوي، أبو طاهر، عالم مالكي حافظ للمذهب من أهل الترجيح والاختيار. من تآليفه التنبيه في الفقه، أكمله سنة ٥٢٦، ولا يعرف تاريخ وفاته. (الديباج: ١/ ٢٦٥، تراجم المؤلفين التونسيين: ١/ ١٤٣ رقم ٤٤، شجرة النور: ١٢٦، كحالة: ١/ ٤٨).
[ ١ / ٢٣٦ ]
وشهَّره ابنُ بَزِيزَة (١) في شرح التلقين، وابن عسكر (٢) في شرح العمدة له، والقرافي في الذخيرة (٣)، ونصره الطرطوشي في تعليقه الخلاف، وهو أقرب إِلى أصول المذهب وإِلي الاحتياط.
ومن قال بالتراخي قال: إِنه مغيى بخوف الفوات (٤).
_________________
(١) عبد العزيز بن إِبراهيم بن أحمد التيمي القرشي، أبو فارس، المعروف بابن بريزة. من الفقهاء والصوفية وعلماء التفسير والكلام ورواة الحديث، كان من أهل الدين مشاركًا في عدة فنون. من مؤلفاته: شرح الإِرشاد لإِمام الحرمين، والأنوار في فضل القرآن، وتفسير القرآن، وشرح الأحكام الصغرى لعبد الحق. وشرح الأحكام الكبرى له، وشرح الأسماء الحسنى وشرح التلقين. ت ٦٦٢ على الراجح. (تاريخ الدولتين: ٢٩، تراجم المؤلفين التونسيين: ١/ ١٢٧ رقم ٣٩، نيل الابتهاج: ١٧٨، هدية العارفين: ١/ ٥٨١).
(٢) عبد الرحمن بن محمد بن عسكر البغدادي أبو زيد شهاب الدين، إِمام محدث، عمدة من فقهاء المالكية العراقيين. كان مدرسًا بالمستنصرية وله رحلات. وألف تصانيف مفيدة ولد سنة ٦٤٤. ت ٧٣٢ ببغداد. (الأعلام: ٤/ ١٠٥، الدرر الكامنة: ٢/ ٣٤٤، شجرة النور: ٢٠٤ رقم ٧٠٢). وعبارة ابن عسكر عن الحج: "يلزم كل مسلم حر مكلف مستطيع على الفور مرة في العمر". (إِرشاد السالك: ٦٣).
(٣) الذخيرة: ٣/ ١٨٠ - ١٨١ أ.
(٤) هذا القول رجحه ابن الحاجب، وقال البناني: إِن كثيرًا من الفروع في الاستطاعة مبنية عليه فكان ينبغي أن يقتصر عليه خليل في مختصره. (البناني على الزرقاني: ٢/ ١٨٩ وانظر (أوجز المسالك: ٦/ ١٥١).
[ ١ / ٢٣٧ ]
قال القاضي أبو بكر بن بكير (١): هو شبه وقت الصلاة.
ولا يشبهه؛ لأن لخوف فوات الوقت علاماتٍ تَدُل عليه، بخلاف فواته بالموت أو بعوارض الأمراض (٢) وغير ذلك.
قال: واحتج القائل بالتراخي بأن أبا بكر الصديق - ﵁ - وغيره من المسلمين حجوا (٣) قبل النبي - ﷺ - وهو مقيم بالمدينة، ونعوذ بالله أن يكون أبو بكر - ﵁ - أدى الفرض أو أحد من المسلمين (٤) قبل رسول الله - ﷺ -، والله ﷿ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ
_________________
(١) أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير التميمي البغدادي، فقيه مالكي، عالم ثقة من كبار أصحاب القاضي إِسماعيل، له كتاب في أحكام القرآن وآخر في مسائل الخلاف. ت ٣٠٥. (الديباج: ٢/ ١٨٥، شجرة النور: ٧٨ رقم ١٣٣، المدارك: ٥/ ١٦).
(٢) قال جماعة من الفقهاء: إِذا بلغ المرء ستين وجب عليه الفور بالحج إِن كان مستطيعًا خشية الموت، وحكاه ابن خويز منداد عن ابن القاسم. (التحرير والتنوير: ٤/ ٢٤). وهو ما ذهب إِليه ابن رشد في (المقدمات: ١/ ٣٨١).
(٣) حج أبي بكر بالناس ورد ذكره في (تاريخ ابن خياط: ١/ ٥٧، الجامع من المقدمات: ١٦١، سيرة ابن هشام: ٤/ ١٣٩، فتح الباري: ٨/ ٨٢، الفتح الرباني: ٢١/ ٢١١، تاريخ الطبري: ١/ ٤/ ١٧٢٠، طبقات ابن سعد: ٢/ ١/ ١٢١).
(٤) من المسلمين: سقطت من (ب).
[ ١ / ٢٣٨ ]
اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) فأي تقدم أغْلظُ من أن يؤدَّى فرضُ (٢) الحج قبل أن يؤديه هو؟ وقد أمر رسول الله - ﷺ - من ضحّى قبل أن يضحي أن يعيد أضحيته (٣)، فكيف بالحج (٤) الذي هو أحد دعائم الإِسلام؟
هذا ما لا يجوز أن يظنه ظان ولا يتوهمه متوهم.
وكيف وحج أبي بكر - ﵁ - كان والنبي - ﷺ - قائم، وهو أن المسلمين والمشركين اجتمعوا في الحج، فهذا أدل دليل علي ما قلناه، وإِنما بعثه النبي - ﷺ - أميرًا علي المسلمين (٥)، وإِنما كان حجهم تبرّرًا - على ما كان النبي - ﷺ - يحضر المشاهد والحج قبل أن يهاجر - لا أداء لأداء فريضة.
وقد قال مجاهد وعكرمة: إِنَّ حَجَّ أبي بكر - ﵁ - وقع في
_________________
(١) الحجرات: ١.
(٢) (ر): فرضه.
(٣) عن جابر قال: صلى بِنَا رسول الله - ﷺ - يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي - ﷺ - قد نحر، فأمر النبي - ﷺ - من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي - ﷺ -. (نيل الأوطار: أبواب الهدايا والضحايا، باب بيان وقت الذبح: ٥/ ٢١٤ رقم ٣، وقال: رواه أحمد ومسلم).
(٤) (ر): وكيف الحج.
(٥) انظر (عيون الأثر: ٢/ ٢٩٤).
[ ١ / ٢٣٩ ]
ذي القعدة وحج النبي - ﷺ - من العام المقبل وقع في ذي الحجة (١).
وقال النبي - ﷺ - في خطبته: "ألَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ (٢)، وإِن النَّسِيء زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ" (٣).
فزال النَّسِيء بحجّ النبي - ﷺ - ولم يكنْ زائلًا قبل حجَّه، ولسْنَا نشكُّ أنَّ النبي - ﷺ - لم يفرض عليه الحج * حين أمر أبا بكر - ﵁ - ثم أردفه بعلي - ﵁ - معه براءة قبل السَّنَةِ التي حج فيها، ليخلص الحج لرسول الله - ﷺ - وللمسلمين، ولا يجامعهم في حجهم مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وهذا إِنما كان بسورة براءة التي بعث بها النبي - ﷺ - لتُتْلَى على
_________________
(١) قول مجاهد أورده الطبري في (الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ١٣٧).
(٢) من خطبة الرسول - ﷺ - في حجة الوداع برواية أبي جرة الرقاشي عن عمه، خرجها الإِمام أحمد في (المسند: ٥/ ٧٢ - ٧٣). والمعنى: أن زمن الحج عاد إِلى وقته الأصلي الذي عينه الله يوم خلق السماوات والأرض بأصل المشروعية التي سبق علمه بها. (الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٣٨). وانظر (إِتحاف الورى بأخبار أم القرى: ١/ ٥٨٢، حجة المصطفى للمحب الطبري: ٤٠).
(٣) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧]. والنسيء: هو الشهر الحرام الذي أرجئت حرمته وجعلت لشهر آخر. انظر (التحرير والتنوير: ١٠/ ١٨٨ وما بعدها).
[ ١ / ٢٤٠ ]
مَنْ حجَّ بمنى (١). انتهى.
وللقاضي إِسماعيل والقاضي أبي الفرج (٢) مثل ما قاله ابن بكير، ويؤيد ذلك قوله - ﷺ -: "خُذُوا عَنِّي مناسككم" (٣).
فدل على أن ما وقع قبل ذلك إِنما كان على وجه التبرر، ولم يتلقوا ما فرض الله تعالى عليهم إِلا من فعله - ﷺ -.
_________________
(١) يخالف ابن رُشد ما ذهب إِليه ابن بكير، ويرد القول بأن حج أبي بكر كان تطوعًا وتبررًا. ومما جاء في رده: "الصحيح أنه - ﷺ - إِنما أخر الحج في ذلك العام من أجل العراة إِذ كان قادرًا علي أن يوقعه في ذلك العام في ذي الحجة لو كان الحج قد فرض عليه فيه على الفور فصح الدليل من فعله - ﷺ - على أن الحج على التراخي". (المقدمات: ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠). وانظر (البيان والتحصيل: ٣/ ٤٥٩ - ١٨/ ٣١٤ - ٣١٦).
(٢) عمر بن محمد بن عمرو الليثي، أبو الفرج. أصله من البصرة ونشأ ببغداد، وتفقه مع القاضي إِسماعيل وصحبه، ولي قضاء طرطوس وأنطاكية وغيرهما، له كتاب الحاوي في مذهب مالك، وكتاب اللمع في أصول الفقه. ت ٣٣٠ وقيل ٣٣١. (الديباج: ٢/ ١٢٧، شجرة النور: ٧٩ رقم ١٣٦، طبقات الشيرازي: ١٦٦، المدارك: ٥/ ٢٢).
(٣) أخرج الإِمام أحمد عن جابر ﵁ قال: "رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر، يقول لنا: خذوا مناسككم فإِني لا أدري لعلي أن لا أحج بعد حجتي هذه". (المسند: ٣/ ٣١٨). وأخرجه مسلم عنه (الصحيح: ٢/ ٩٤٣، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر، وبيان قوله - ﷺ -: لتأخذوا مناسككم).
[ ١ / ٢٤١ ]
فصل
وأما العمرة فسنة مؤكدة مَرَّةً في العمر، وقيل: واجبة (١).
وحكمها في الاستطاعة حكم الحج (٢)، ويكره تكرارها في السنة عند مالك.
وقال مطرف وابن الماجشون (٣): لا يكره تكرارها (٤).
فصل
وللحج ميقاتان (٥): زماني ومكاني.
_________________
(١) مقدمات ابن رشد: ١/ ٣٠٤، البيان والتحصيل: ٣/ ٤٦٧.
(٢) قال ابن جزي: حكمها في الاستطاعة والنيابة والإِجارة كحكم الحج. (قوانين الأحكام الشرعية: ١٦١).
(٣) عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون القرشي، أبو مروان. كان فقيهًا فصيحًا مفتي المدينة في زمانه. روى عن الإمام مالك، وبه تفقه ابن حبيب وسحنون وغيرهما. ت ٢١٢ وقيل: ٢١٤. (الأعلام: ٤/ ٣٠٥، الانتقاء: ٥٧، الشجرة: ٥٦، ميزان الاعتدال: ٢/ ١٥٠).
(٤) عند مالك تكرارها: ساقط من (ر). وقول مطرف بن الماجشون وارد في (أسهل المدارك: ٢/ ٥١٥) وفيه قول أبن حبيب: لا بأس بها في كل شهر مرة.
(٥) الميقات: من الوقت، ومعناه الشرعي: الوقت الذي يلزم قاصدَ الحج الإِحرام منه إِذا بلغ أحد المواضع الموقتة (حلية الفقهاء للرازي: ١١٦).
[ ١ / ٢٤٢ ]
فالزماني: شهور الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة (١).
وقيل: العشر منه.
وقيل: إِلى آخر أيام الرمي، وسيأتي بيانه إِن شاء الله تعالى.
فرع:
ويكره الإِحرام بالحج قبل أشهره، ويلزم (٢) إِن وقع علي المشهور، ولا ينقلب عمرة (٣).
_________________
(١) انظر (الزرقاني على خليل وحاشية بناني: ٢/ ٣١٣). وأخرج البخاري تعليقًا قول ابن عمر: أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. (الصحيح: ٢/ ١٥٠، كتاب الحج، باب قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ..﴾.)
(٢) (ص): ويلزمه.
(٣) أسهل المدارك: ١/ ٤٤٩ - ٤٥٠). وأوضح ابن رشد أن توقيت الحج ليس كتوقيت الصلاة، فالحج لا يتصل عمله إِلا في وقته بخلاف الصلاة التي يتصل عملها بالإِحرام لها، وقد خفف الشارع عن الناس فلم يوجب عليهم إِحرامًا قبل الميقات، فمن أحرم بالحج قبل أشهره أو قبل ميقاته المكاني كان مسيئًا بالتشديد على نفسه ولم يقبل رخصة الله. (المقدمات: ١/ ٢٩١). وفي هذه المسألة ذكر الونشريسي هذا الفرق: "وإِنما قالوا: إِذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج أنه ينعقد على المشهور، وإِذا أحرم بالصلاة قبل دخول الوقت لم ينعقد؛ لأن أصل الحج مباين للصلاة في أمور شتى، =
[ ١ / ٢٤٣ ]
وقيل: لا ينعقد الإِحرام بالحج؛ لأنه بمنزلة من قدّم الظّهر قبل الزّوال ويحل بعمرة، قاله مالك أيضًا.
قال اللخمي: وقوله: ويحل بعمرة، استحسان وهو بمنزلة من دخل في صلاة ثم ذكر صلاة فإِنه يستحب له أن ينصرف عن شفع.
قال ابن القاسم: فإِن قطع فلا شيء عليه (١)؛ من التبصرة.
مسألة:
ولا ميقات للعمرة من الزمان (٢)، ويصح الإِحرام بها (٣) في كل وقت من السنة من غير كراهة إِلا في أيام منى لمن حج (٤).
والميقات المكاني (٥) للمقيم بمكة من أهلها وغيرهم إِذا أرادوا الحج من (٦)
_________________
(١) = قاله عبد الحق، وأيضًا: الحج إِذا أحرم به قبل الوقت لا يمكن أن يفرغ قبله؛ لأن وقته عرفة" (عدة البروق: ١٢٦، الفرق: ١٨٦).
(٢) انظر (الزرقاني على مختصر خليل: ٢/ ٣١٤).
(٣) الغاية القصوى في دراية الفتوى: ٤٣٩.
(٤) (ص): لها.
(٥) قال الأمير: "وللعمرة كل وقت لمن خلا عن نسك". وعلى هذا لا تنعقد عمرة على عمرة ولا على حج. فإِذا عقدها على نسك لم يلزمه شيء ولا قضاء. (المجموع وحاشية حجازي: ١/ ٣١٨).
(٦) (ر): وميقات المكان.
(٧) من: سقطت من (ر).
[ ١ / ٢٤٤ ]
مكة (١).
وفي تعيين المسجد الحرام قولان: بالاستحباب وعدمه.
وعلى تعيينه، فلا يحرم من باب المسجد (٢)، بل من عند البيت (٣).
وقال ابن حبيب: يهل من باب المسجد.
وأما العمرة لمن كان بمكة، فلا بد لمريدها من الجمع بين الحل والحرم (٤)، ويكفي الخروج إِلى الحل ولو بخطوة، والأفضل أن يحرم من الجعِرَّانة (٥) أو
_________________
(١) قال الونشريسي في الفرق بين الحج من مكة والعمرة من مكة: "إِنما صح إِنشاء الحج من مكة ولا يصح إِنشاء العمرة منها؛ لأن كل واحد من النسكين لا بد أن يجمع فيه بين الحل والحرم، وذلك حاصل في الحج لخروجه إِلى عرفة وهو حل، ولا كذلك العمرة فلا بد إِن أراد إِنشاءها من الخروج إِلى الحل". (عدة البروق: ١٨٠، الفرق: ١٨٧).
(٢) يعني أن الإِحرام يكون من جوف المسجد، كما صرح به الإِمام مالك. (البيان والتحصيل: ٤/ ١٤).
(٣) (ب): باب البيت.
(٤) إِذا لم يخرج فإِنه يعيد طوافه وسعيه؛ لأنهما وقعا بغير شرطها، وهو الخروج إِلى الحل، فلو أنه حلق، فإِنه يعيد ويفتدي؛ لأنه كمن حلق من عمرته قبل الطواف والسعي. (العدوي على شرح العزية: ٢٦٥).
(٥) الجعرانة: عند المحدثين بكسر العين وتشديد الراء، وبعض أهل الأدب ينطقونها بالتخفيف، وكلاهما صواب مسموع، كما قال عياض. وهي بين الطائفة ومكة =
[ ١ / ٢٤٥ ]
التنعيم (١).
وأما الآفاقي (٢)، فأهل المدينة: لهم ذو
_________________
(١) = وإِلى مكة أقرب. (مشارق الأنوار: ١/ ١٦٨). وهي الآن من قرى الشرائع بمنطقة إِمارة مكة المكرمة. (المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية: ١/ ٢٥١). والإِحرام من الجعرانة مستحب لبعدها ولاعتماره - ﷺ - منها في ذي القعدة، ويليها التنعيم في الفضل، وقيل: هما متساويان. (ابن الحاج على ميارة: ١/ ١٠٥، شرح العزية للزرقاني: ٢٦٥).
(٢) التنعيم: موضع زال معروفًا هو حد الحرم من جهة المدينة المنورة على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة وهو موضع الشجرة. (تهذيب الأسماء: ٢/ ١/ ٤٣، مناسك الحربي: ٤٦٧، ياقوت: ١/ ٨٧٩).
(٣) عن ابن عباس ﵄: "أن النبي - ﷺ - وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة". (صحيح البخاري: ٢/ ١٤٢، كتاب الحج، باب مهل أهل مكة للحج والعمرة). وقال ابن عبد الهادي: متفق عليه. (المحرر في الحديث: ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧ رقم ٦٦٦). وانظر (إِحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: ٣/ ٢ - ٣). قال ابن حزم: "وأجمعوا أن ذا الحليفة لأهل المدينة، والجحفة لأهل الغرب، وقرَن لأهل نجد؛ ويَلَمْلَم لأهل اليمن، والمسجد الحرام لأهل مكة مواقيت الإِحرام للحج والعمرة وحاشا العمرة لأهل مكة). (مراتب الإِجماع: ٤٢).
[ ١ / ٢٤٦ ]
الحليفة (١)، ولأهل نجْد قَرَن (٢)، والجحفة (٣) لأهل الشام ومصر والمغرب، ولأهل اليمن يَلَمْلَم (٤)، ولأهل العراق وخراسان والمشرق ذات عرق (٥).
وسواء في ذلك الحج والعمرة.
_________________
(١) ذو الحليفة (بضم الحاء وفتح اللام) على نحو ستة أميال من المدينة. (تهذيب الأسماء: ٢/ ١/ ١١٤).
(٢) قال عياض: أصل القرن كان جبلًا صغيرًا انقطع من جبل كبير. وقال الجوهري: قَرَن بالتحريك: ميقات أهل نجد ومنه أويس القرني. (تهذيب الأسماء: ٢/ ٢/ ١١٠، مشارق الأنوار: ١/ ٣٩٣، ياقوت: ٧/ ٦٤، ط ١، السعادة).
(٣) الجُحفة (بضم ثم السكون والفاء) قرية كبيرة كانت تسمى مهيعة فاجتحفها السيل في بعض الأعوام فسميت الجحفة بينها وبين المدينة ست مراحل، كانت ذات منبر. وهي بين بدر وخليص قريبة من رابغ. (ياقوت: ٢/ ٣٥، شرح غريب ألفاظ المدونة: ٤٢، المصباح: ١/ ١١٣).
(٤) يلملم، يقال أيضًا: ألملم، موضع على ليلتين من مكة فيه مسجد معاذ بن جبل. وقال الجاسر: وادي يلملم، يقال فيه: لملم، من بلاد الجحادلة في إِمارة مكة، مأهول. (تهذيب الأسماء: ٢/ ٢/ ٢٠١، المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية: ٢/ ١٣٣٤، ياقوت: ٤/ ١٠٣٥).
(٥) على مرحلتين من مكة، قال الحازمي: هي الحد بين أهل نجد وتهامة. (تهذيب الأسماء: ٢/ ١/ ١١٤، مشارق الأنوار: ١/ ٢٧٦).
[ ١ / ٢٤٧ ]
ومن كان مسكنه بين الميقات ومكة أو بين ميقاتين أحرم من داره أو من مسجده.
فرع:
ولا يجوز لمريد الإِحرام إِذا مر على بعض هذه المواقيت أن يتجاوزه فيحرم بعده، لا إِلى ميقات سواه ولا إِلى غير ميقات، إِلا أن يتعداه إِلى ميقاتٍ له، كالشَّامي والمصريّ يمر بذي الحليفة فلهم تجاوزُه إِلى الجحفة * بشرط أن يمروا بها (١)، فإِن لم يمروا بها فليس لهم أن يتجاوزوا ذا الحليفة بغير إِحرام، قاله ابن حبيب في الواضحة.
وقال اللخمي: يريد إِذا لم يكن سيرهم على موضع يحاذي الجحفة.
فرع:
والإِحرام من أول الميقات أفضل (٢).
ويكره تقديم الإِحرام قبل الوصول إِلى الميقات، ويلزم إِن وقع (٣).
فرع:
قال ابن الحاج: والحج واجب على من كان في الجزائر مثل: الأندلس،
_________________
(١) انظر: (تبيين المسالك: ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨).
(٢) فتح العزيز: ٧/ ٨٥.
(٣) قال ابن المنذر: "أجمعوا على إِن أحرم قبل الميقات أنه محرم". (الإجماع: ١٧).
[ ١ / ٢٤٨ ]
لأنها بحار مأمونة؛ ولأنهم لا يجدون طريقًا من غيره (١).
ونقل أبو عِمران الفاسي عن ابن شعبان، أنه قال: ليس علي أهل الجزائر حجٌّ.
والأول أصح، وهو عن مالك.
فرع:
ومن لم يكن مروره على الميقات، فيلزمه أن يتحرى محاذاة الميقات الذي يليه، ويُحرم إِذا حاذاه سواء سار في البر أو البحر (٢).
تنبيه:
قولهم: سواء حاذاه في البر أو البحر، أما البر فظاهر، وأما البحر فهذا حكمه مع غلبة الظن أنه يسلم من عوارض التعويق بالريح، وأما إِن خشي فلا ينبغي أن يكون الحكم كما ذكروا، لأنّه يؤدي إِلى التغرير والخطر بفوات الحج وبقائه محرِمًا، وهذا من المشقة. فيؤخر إِحرامه حتى يصل إِلى البر، هذا حكم
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١٩٥.
(٢) (ص): أو في البحر.
[ ١ / ٢٤٩ ]
بحر القُلْزُم (١)؛ لأنه يأتي علي ساحل الجحفة ويمكنه النزول إِلى البر، والإِحرام من نفس الجحفة.
قال سند: وواسع أن يؤخر إِحرامه حتَّى يصل إِلى جُدة، لما يلحقه من المضرة إِن نزل إِلى البر (٢) وفارق رحله، وكذا إِن أحرم في البحر للتغرير، فيؤخر إِحرامه حتى يأمن ويهدي، ويحرم إِذا نزل جدة (٣)، وقيل: إِذا رحل منها، وهو الأظهر.
وأما بحر عَيذاب (٤)، فلا يلزمه أن يحرم فيه إِذا حاذى الجحفة للتغرير، ولا دم عليه للتأخير، قاله سند.
فرع:
لو أخر المدني الإِحرام من ذي الحليفة إِلى الجحفة من غير مرض ففي الدم قولان، من مناسك التادلي.
_________________
(١) القُلزُم (بالضم ثم السكون) البحر الذي هو ساحل جدة ويبلغ قلزم مصر مرورًا بالطور وأيلة، وقيل: قلزم بلدة على ساحل بحر اليمن قرب أيلة والطور ومدين. وإِليها ينسب هذا البحر. (ياقوت: ١٥٩)، يعرف اليوم بالبحر الأحمر.
(٢) إِلى البر: ساقط من (ر).
(٣) انظر عن جُدة (المسالك: ١٩، مناسك الحربي: ٦٥٥، ياقوت: ٢/ ٤١).
(٤) عَيذاب (بالفتح ثم السكون وذال معجمة وآخره باء موحدة): بلدة صغيرة على ضفة بحر القلزم، كانت مرسى المراكب القادمة من عدن متجهة إِلى الصعيد. (ياقوت: ٣/ ٧٥١).
[ ١ / ٢٥٠ ]
باب: أركان الحج التي لا بد للمحرم من الإتيان بها ولا يجزئ في تركها هدي ولا غيره
وهي: الإِحرام وطواف الإِفاضة والسَّعْيُ والوقوف بعرفة جُزْءًا من ليلة النحر.
زاد ابن الماجشون: ورمي جمرة العقبة (١).
تنبيه:
ومراد ابن الماجشون (٢) أنه إِذا ترك رمي جمرة العقبة في جميع أيام الرمي حتى انقضت أيام الرمي ولم يرمها، فإِنه يبطل حجه، وليس مراده رمي جمرة العقبة يوم النحر؛ لأن المنقول عنه أنه إِذا لم يرمها يوم النحر حتى أمسى فليرمها وعليه دم، وإِن ذكرها قبل انقضاء أيام منى رماها وعليه بَدَنة، ذكره عنه ابن حبيب.
_________________
(١) قال ابن رشد الحفيد: "الجمهور على أن جمرة العقبة ليست من أركان الحج"، وأشار إِلى ما ذهب إِليه عبد الملك بن الماجشون المالكي من كون رميها من الأركان. (بداية المجتهد: ١/ ٢٨١).
(٢) ورمي الماجشون: ساقط من (ب).
[ ١ / ٢٥١ ]
وزاد ابن الماجشون: الوقوف بالمشعر الحرام مع جمرة العقبة (١).
_________________
(١) عدَ ابن الماجشون من أركان الحج الوقوف بالمشعر الحرام، بحيث لا يجزئ من تركه دم، ودليله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. ونقل اللخمي عن ابن الماجشون: أنه لا شيء على تاركه. قال خليل في التوضيح: لعل له قولين. وكان علقمة والشعبي والنخعي يقولون بفوات حج من لم يقف بالمشعر الحرام. وقد رد الطحاوي عليهم: (بأن قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، ليس فيه دليل على وجوب الوقوف؛ لأنه تعالى إِنما أمر بالذكر، وقد أجمع على عدم وجوبه، فإِذا لم يجب الذكر المأمور به فأحرى أن لا يجب الوقوف". وهذا الرد يعارض به أيضًا ما ذهب إِليه ابنُ الماجشون في أحد قوليه. ولابن رشد ردٌّ آخر ورد في قوله: "الدليل على أنه غير واجب تقديم رسول الله - ﷺ - ضعفة النساء والصبيان من المزدلفة إِلى منى، ولم يفعل ذلك - ﷺ - بعرفة مع أن الحاجة إِلى ذلك بعرفة أشق". ومن الآثار الدالة على ذلك قول ابن عباس: "أنا ممن قدم النبي - ﷺ - ليلة المزدلفة في ضعفة أهله" متفق عليه. (صحيح البخاري: ٢/ ١٧٨، صحيح مسلم: ١/ ٩٤١ رقم ٣٠١). "وهكذا يترجح أن الوقوف بالمشعر الحرام ليس بركن، وإِنما هو مستحب على المشهور كما صرح بذلك الطالب ابن الحاج". انظر: (ابن الحاج على ميارة: ٢/ ٨٠، القبس: ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٨، مقدمات ابن رشد: ١/ ٣٠٥، مواهب الجليل: ٣/ ٨ - ٩)
[ ١ / ٢٥٢ ]
ونقل ابن الحاج عن أبي عُبيد (١) من أصحابنا أنه يقول بذلك أيضًا، واحتج بأن الله تعالى ذكره في القرآن (٢).
الركن الأول: الإحرام
أما الإِحرام (٣): فهو الدخول في حرمة الشيء، وحرمة الشيء: ما لا يحل انتهاكه، وبهذا التفسير يزول الإِشكال عن قول ابن الحاجب: الإِحرام وينعقد بالنية (٤)، فظاهر كلامه أن الإِحرام * مبايِنٌ للنية، ذكره الجزولي (٥).
_________________
(١) لعله علي بن عيسى بن عُبيد التجيبي الطليطلي أبو الحسن، وهو فقيه مالكي عالم، صاحب مختصر فقهي مشهور. ترجمه الضبي في (البغية: ٤١٣) وابن فرحون في (الديباج: ٢/ ٩٦).
(٢) يعني قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].
(٣) الإِحرام: الدخول في التحريم، يقال: أحرم: أي دخل في التحريم، إِذا حرم على نفسه شيئًا. (حلية الفقهاء: ١١٧).
(٤) هذه عبارة ابن الحاجب، وتمامها: " مقرونًا من قول أو فعل متعلق به كالتلبية والتوجه على الطريق لا بنحو التقليد والإِشعار". (جامع الأمهات: ١٨٦).
(٥) عبد الرحمن بن عفان الجزولي، أبو زيد، فقيه كان أعلم الناس بمذهبه المالكي، وكان مدرسًا شهيرًا قيدت عنه ثلاثة شروح على الرسالة مفيدة. ت ٧٤١ متجاوزًا مائة وعشرين سنة. (جذوة الاقتباس: ٢/ ٤٠١ رقم ٤٠٦، درة الحجال: ٣/ ٧٩ رقم ١٠٠٠، الشجرة: ٢١٨ رقم ٧٧٢، النيل: ١٦٥، وفيات ابن قنفذ: ٣٥٠).
[ ١ / ٢٥٣ ]
وقال القاضي عبد الوهاب: هو الاعتقاد (١) بالقلب الدخول في الحج أو العمرة (٢).
يعني أن تكون له نية تميز ما دخل فيه عن غيره؛ لأن الإِحرام يكون بالحج الفرض والنفل، ويكون بالعمرة، فلا بد من النية التي تخلص الإِحرام لشيء معين.
وقال ابن شاس: الإِحرام ينعقد بالنيةِ المقترنة بقولٍ أو فعلٍ كالتلبية والتوجه على الطريق، فجعل مالك - ﵀ - أحَدَ هذين شرطًا في الانعقاد.
واشترط ابن حبيب التلبية عند الإِحرام (٣).
وأما مجرد النية فالمنصوصُ أنه لا ينعقد بها.
وخرَّج اللخميُّ الانعقاد على القول بانعقاد الطلاق بالنية (٤)، وضعّفه ابن
_________________
(١) (ر): اعتقاد.
(٢) عبارة القاضي عبد الوهاب: "الإحرام: هو اعتقاد دخوله في الحج، وبذلك يصير محرمًا". (التلقين: ٦٤).
(٣) (ب): في الإِحرام. والتلبية عند ابن حبيب كتكبيرة الإحرام. (شرح حدود ابن عرفة: ١/ ١٨٠).
(٤) يقول اللخمي: الإحرام ينعقد بالنية وليس عليه أن يُسمىَ حجًّا ولا عمرة قياسًا على الصلاة والصوم فإِن سمى حجًّا أو عمرة فواسع. (القباب على قواعد عياض: ١٨٢ أ، ب).
[ ١ / ٢٥٤ ]
بشير (١).
وفي الذخيرة قال سند: ينعقد بمجرد النية (٢).
وقال التادلي: وصرح بذلك في الكتاب (٣) والمُعلِم (٤) والقبس (٥) والتلقين (٦)، وقال به جماعة من الأشياخ.
_________________
(١) هذا مختصر ما جاء في (الجوهر: ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤). وعبارته بالنسبة لتخريج اللخمي وتضعيف ابن بشير له: "رأى أبو الحسن اللخمي إِجراء الخلاف في هذه الصورة من الخلاف في مسألة انعقاد اليمين بمجرد النية، وأنكر الشيخ أبو الطاهر هذا الاستقراء وقال: لم يختلف الذهب أن العبادات لا تلزم إِلا بالقول أو النية، والدخول فيها وهو الشروع".
(٢) انظر الذخيرة: ٣/ ٢١٩ - ٢٢٠. وكذلك ضعف المقري تخريج اللخمي فقال: "اتفقوا (يعني المالكية) على أن العبادات لا تلزم إِلا بالنطق فتكون نذرًا، أو بالنية والدخول فيها، فإِن انفردت النية فلا تلزم. فلا يتم تخريج اللخمي لزوم الإِحرام بالنية على لزوم اليمين بالنية". (القواعد: ٢/ ٥٩٣ - ٥٩٤، القاعدة: ٣٧٦).
(٣) يقول مالك: تجزئه التلبية وينوي بها الإِحرام. (المدونة: ٢/ ١٢٠).
(٤) يقول المازري في المعْلِم: ينعقد الحج بالنية وحدها كما ينعقد الصوم عند مالك، نقل ذلك القرافي، في (الذخيرة: ٣/ ٢١٩) وقال: هذا التشبيه في غاية القوة.
(٥) والقبس: سقطت من (ر). وعبارته "الإحرام وهو النية". (القبس: ٢/ ٥٤٤).
(٦) عبارة القاضي عبد الوهاب: "والإِحرام هو اعتقاد دخوله في الحج، وبذلك يصير محرمًا"، (التلقين: ٦٤).
[ ١ / ٢٥٥ ]
وقال سند: وهو المحكي عنا في الخلافيات، فلو نوى وأقام بموضعه كان محرمًا. ولو نوى وهو يجامع أهله انعقد ولزمه التمادي في الحج والقضاء، ولم يحك خلافًا.
وفي التَّبْصِرَة لابن محرز (١) قال أشهب: لو كبر أو هلل أو سبح، يريد بذلك الإِحرام كان محرمًا.
قال ابن يونس: الاتفاق على أنه إِذا قلَّد (٢) الهدي أو أشْعَره (٣) ينوي به الإِحرام ولم يُلَبِّ، أن إِحرامَه صحيحٌ.
_________________
(١) عبد الرحمن بن محرز القيرواني، أبو القاسم، تفقه بشيوخ القيروان، أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران الفاسي، وأبي الحسن القابسي. كان فقيهًا نظارًا معتنيًا بالحديث، ألف التبصرة معلقًا على المدونة، وكتابًا كبيرًا يسمى القصد والإِيجاز. ت ٤٥٠. (تراجم المؤلفين التونسيين: ٤/ ٢٥٣ رقم ٥٠٥، الديباج: ٢/ ١٥٣ رقم ٩، شجرة النور: ١١٠ رقم ٢٨٨، كحالة: ٨/ ١١٣، المدارك: ٨/ ٦٨، معالم الإِيمان: ٣/ ٢٢٩).
(٢) التقليد هنا: جعل قلادة بعنق الدابة إِشارة إِلى أنها هديٌ. (الشرح الصغير: ٢/ ١٢٢).
(٣) إِشعار الإِبل: شق سنامها من جهة الرقبة للمؤخرة قدر أنملتين حتى يسيل الدم، ليعلمَ أنها هدي. (الشرح الصغير: ٢/ ١٢٢ - ١٢٣) وانظر تفصيله في (الصاوي على هذا الشرح: ٢/ ١٢٢).
[ ١ / ٢٥٦ ]
فرع:
كره مالك التسميةَ في كتاب ابن المواز.
وروى ابنُ وهب (١) عن مالك: التسمية أحب إِليّ.
ورُوي عنه: ذلك واسع.
فرع:
لو أحرم مطلقًا لا ينوي حجًّا ولا عمرة، قال أشهب: هو بالخيار في صرفه إِلى أحدهما، وإِلى الحج أفضل، وقال أيضًا: إِلى القِرَانِ (٢) أفضل.
فرع:
لو اختلف عقْده ونُطْقُه فالاعتبار بالعقْد (٣).
_________________
(١) عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري المصري أبو محمد، جمع بين الفقه والحديث والعبادة. وكان حافظًا ثقة مجتهدًا. ألف كتاب الجامع وغيره. ت ١٩٧ بمصر. (الأعلام: ٤/ ٢٨٩، الانتقاء: ٤٨، تذكرة الحفاظ: ٢٧٧، حسن المحاضرة: ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣، الشجرة: ٥٨ رقم ٢٥، كحالة: ٦/ ٢٦٢، المدارك: ٣/ ٢٢٨، وفيات الأعيان: ٣/ ٢٣٦).
(٢) القِران عرفه ابن عرفة بقوله: "الإِحرام بنية العمرة والحج". (شرح حدود ابن عرفة: ١/ ١٨١).
(٣) كذا في (الجواهر: ١/ ٣٤٩) مع ذكر رواية أخرى تجعل الاعتبار بالنطق.
[ ١ / ٢٥٧ ]
فرع:
ولو نسيَ ما أحرم به، قال أشهب: يكون قارنًا (١) غير أنه ينبغي أن يقول الآن: لَبَّيْكَ بحجَّة؛ لاحتمال أن يكون الذي نسيه عمرة.
فرع:
ولو شكّ هل أفرد (٢) أو قرن تمادى على نية القران وحده؛ وإن شك هل أحرم بعمرة أو بحج مفرد طاف (٣) وسعى، لإِمكان أن يكون إِحرامه بعمرة مفردة ولا يحلق لاحتمال أن يكون في حج ويتمادى على عمل الحج، ويهدي لتأخير الحلاق ليس للقران؛ لأنه لم يحدث نية، وإِنما تمادى على النية المتقدمة في شيء واحد، فإِن كانت نيته بعمرة فقد تمت بالطوف والسعي، وتماديه بعد ذلك لا يكون به قارنًا، وإِن كانت نيته بالحج كان مفردًا وكان ذلك الطواف له لا للعمرة؛ لأنه لم يحدث نية العمرة (٤).
_________________
(١) للمقرِي قاعدة فقهية مثل لها بقول أشهب، وهي: "إِذا عمرت الذمة لم تبرأ إِلا بالإِتيان بما عُمرت به، أو ما يقوم مقامه، أو يشتمل عليه". (القواعد: ٢/ ٦٠٧ رقم ٣٩٦).
(٢) الإِفراد، عرفه ابن عرفة بقوله: "الإِحرام بنية الحج فقط". (شرح حدود ابن عرفة: ١/ ١٨١).
(٣) أحرم طاف: بياض مكانه في (ص). (ب) هل أحرم بحج أو بعمرة مفردة طاف.
(٤) الجواهر: ١/ ٣٩٤.
[ ١ / ٢٥٨ ]
فرع:
لو نوى الحج ولم ينو الفرض، ولا النفل، انصرف إِلى الفرض إِن كان صرورة، لقوته (١).
فرع:
ولو نوى النفل قبل حجة الفريضة لزم، ولم ينقلب إِلى الفرض.
فرع:
ولو أحرم بما أحرم به فلان، وهو لا يعلمه، جاز عند أشهب والشافعية (٢) لقصة (٣) علي (٤) - ﵁ -.
_________________
(١) كذا في (الذخيرة: ٣/ ٢٢٠ - ٢٢١ معزوًا إِلى سند).
(٢) فتح العزيز: ٧/ ٢٠٦ وما بعدها.
(٣) (ب)، (ص): لقضية.
(٤) عن أنس ﵁ قال: قدم علي على النبي - ﷺ -، فقال: "بما أهللت يا علي؟ فقال: أهللت بإِهلال كإِهلال النبي، قال: لولا أن معي الهدي لأحللت". (نيل الأوطار للشوكاني، كتاب المناسك، باب من أحرم مطلقًا: ٥/ ١٥ رقم ١، قال الشوكاني: متفق عليه، ورواه النسائي من حديث جابر وقال: فقال لعلي: بما أهللت؟ فقال: قلت اللهم إِني أهل بما أهلَّ به رسول الله - ﷺ -. واستنتج الشوكاني أن هذا الحديث يدل على جواز الإِحرام كإِحرام شخص يعرفه من أراد ذلك. وانظر (التلخيص: ٧/ ٢١٠).
[ ١ / ٢٥٩ ]
قال سند: ولو أحرم في الصلاة بما أحرم به إِمامه قال أشهب: يجزيه، من الذخيرة (١).
مسألة (٢):
رفض النية في الحج لا يضر (٣).
_________________
(١) انظر (الذخيرة: ٣/ ٢٢١).
(٢) سقطت من (ر).
(٣) إِنما لم يضر رفض نية الحج لأن الحج عبادة شاقة ويتمادى في فاسده، ولو قيل بتأثير الرفض لحصلت المشقة. وقد أنكر خليل على من ادعى الخلاف في ذلك قائلًا: "إِن الإِحرام سواء كان بحج أو عمرة أو بهما أو بإِطلاق لا يرتفض، ولو رفضه في أثنائه، ولم أر في ذلك خلافًا. بل قال سند في كتاب الحج: مذهب الكافة أنه لا يرتفض وهو باق على حكم إِحرامه، وقال داود: يرتفض إِحرامه، وهو فاسد؛ لأن الحج لا ينعدم بما يضاده، حتى لو وطئ بقي على إِحرامه، وغاية رفض العبادة أن يضادها". (مواهب الجليل: ١/ ٢٤٠ - ٢٤١).
[ ١ / ٢٦٠ ]
فصل: في سنن الإحرام
وهي أربعة:
الأولى: الغسل (١)، فإِذا وصل مريد الحج إِلى الميقات فليغتسل للإِحرام، فإِنه آكد اغتسال الحج، وهو سنة (٢) ولا دم في تركه؛ لأنه يفعل قبل التلبس بالإِحرام (٣)، ولا يترك إِلا من ضرورة مثل قلة الماء وضيق وقت أو سير رفقة أو خوف كشفه أو شبه ذلك.
قال سحنون: ومن تركه (٤) فقد أخذ بحظه من الإِساءة ولا شيء عليه (٥)، وكذلك لو ترك الوضوء وأهلَّ ومضى.
_________________
(١) الأصل في غسل الإِحرام ما رواه زيد بن ثابت أن النبي - ﷺ - تجرد لإِهلاله واغتسل. أخرجه الترمذي وحسنه. (السنن: ٣/ ١٩٣ رقم ٨٣٠، كتاب الحج، باب: ما جاء في الاغتسال عند الإِحرام). (الموطأ: كتاب الحج، الغسل للإِهلال)، انظر (أوجز المسالك: ٦/ ١٦٤).
(٢) هو سنة مؤكدة، ويكون بصب الماء دون تدليك. (إِكمال الإِكمال: ٣/ ٣٨٢).
(٣) لأنه بالإِحرام: ساقط من (ر).
(٤) (ب): لو تركه.
(٥) ليس في ترك هذا الغسل عمدًا أو نسيانًا أو جهلًا دم، وكذلك باقي اغتسالات الحج. (كفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي: ١/ ٤٦١).
[ ١ / ٢٦١ ]
والرجل والمرأة والصغير والحائض والنفساء سواء، يسن لهم الغسل (١).
قال سند: ومن عدم الماء سقط عنه الغسل، ولا يتيمم مكانه.
قال ابن خويز منداد (٢): وهو عند مالك آكد من غسل الجمعة (٣).
قال ابن الماجشون: ومن تركه جاهلًا أو ناسيًا فلا إِثم عليه.
فرع:
فإِن أحرم قبل الغسل، فإِن بُعد تمادي، وإِن قرب فهل يؤمر بإِعادته؟ قولان.
_________________
(١) قال الشيخ ابن ناجي: "الأكثر على أن الغسل للإِحرام سنة معلل بالنظافة؛ ولذلك تفعله الحائض، ووقع لمالك إِطلاق الاستحباب عليه". (ابن ناجي على الرسالة: ١/ ٣٤٩).
(٢) محمد بن أحمد بن عبد الله بن خويز منداد، أبو عبد الله، تفقه على الأبهري، وألف في أحكام القرآن وفي مسائل الخلاف وفي أصول الفقه، وله اختيارات فقهية، وكان يجانب علم الكلام، ولا يعرف تاريخ وفاته. (الديباج: ٢/ ٢٢٩ رقم ٥٦، الشجرة: ١٠٣ رقم ٢٦٥، الفكر السامي: ٣/ ١١٩، المدارك: ٧/ ٧٧).
(٣) كذا في (زروق على الرسالة: ١/ ٣٤٩، الزرقاني على الموطإِ: ٢/ ٢٢٣).
[ ١ / ٢٦٢ ]
فرع:
قال في الكتاب: إِن اغتسل بالمدينة ومضى لذي الحليفة من فوره أجزاه، فإِن تأخر بياضَ النهار أعاد (١).
وفي كتاب ابن المواز: إِن اغتسل بكرة فتأخر خروجه إِلى الظهر كرهته. وهذا طويل.
قال ابن حبيب: واستحب عبد الملك أن يغتسل بالمدينة ثم يخرج مكانه فيحرم بذي الحليفة، وذلك أفضل.
وبالمدينة اغتسل رسول الله - ﷺ - وتجرد ولبس ثوبي إِحرامه (٢).
قال مالك: ولا بأس اذا اغتسل بالمدينة أن يلبس ثيابه إِلى ذي الحليفة، ثم ينزعها إِذا أحرم.
قال سند: وكل من كان منزله عن الميقات بثلاثة أميال جاز أن يغتسل منه، كالمدينة مع ذي الحليفة (٣).
_________________
(١) كذا في (المدونة: ٢/ ١٢٠).
(٢) (ب): الإِحرام. وقد روى ابن عباس ﵄ قال: "انطلق النبي - ﷺ - من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إِزاره ورداءه هو وأصحابه". أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر. (فتح الباري: ٣/ ٤٠٥ رقم ١٥٤٥).
(٣) تقييد أبي الحسن على المدونة: ٢/ ٢ أ.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ويفهم من هذا أن بين المدينة وذي الحليفة ثلاثة أميال، وهي أزيد من ستة.
فرع:
قال ابن حبيب (١): ثم إِذا اغتسلت بالمدينة ولبست ثوبي إِحرامك فأت القبر المكرم فودع رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر (٢) ﵄، ثم اركع ركعتين إِذا كنت في وقت صلاة، تسأل الله تعالى فيهما العون على سفرك وأن يقبلك بالعتق من النار، ثم امض بلا تلبية إِلى الميقات.
فرع:
جملة اغتسال الحج المتفق عليها والمختلف فيها في المذهب سبع: للإِحرام، ولدخول مكة، وللطواف، وفي عرفة عند رواحه إِلى الصلاة (٣) ولمزدلفة، ولطواف الإِفاضة، ولرمي الجمار.
ويسن أيضًا لزيارة قبره - ﷺ - (٤).
_________________
(١) قال ابن حبيب: ساقط من (ص).
(٢) لعل الأصل في هذا الوداع - عند المالكية - قول مالك في المبسوط: لا بأس للغرباء ولمن قدم من سفر أو خرج إِلى سفر أن يقف على قبر النبي - ﷺ - فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر. (شرح الشفا للقاري: ٣/ ٨٦٢).
(٣) (ب): إِلى المصلى.
(٤) نص على استحباب الغسل للزيارة من الشافعية النووي في (الإِيضاح: ١٥٧) ومن =
[ ١ / ٢٦٤ ]
وآكدها بعد غسل الإِحرام الغسل لدخول مكة (١).
قال بعض المتأخرين: يكتفي بالغسل لدخول مكة (٢)، عن غسل الطواف؛ لأنه إِنما شرع لأجله؛ لأنه أول مبدوء به عند الدخول.
وبعضهم لم يكتف به، وقال: لا بد من غسل الطواف وإِنما ذلك للدخول فقط.
فرع:
ويكتفي بالغسل للطواف عن الغسل للسعي؛ لأن أحدهما مرتبط بالآخر وتابع له.
_________________
(١) = الحنابلة نص أبو عبد الله محمد السامري على استحبابه لدخول المدينة في كتابه المستوعب. كما قال السبكي في (شفاء السقام: ٦٥). ولم يصرحوا بدليل لهذا الحكم.
(٢) قال الأبي: "الاغتسال في الحج سنة مؤكدة، وهو الغسل للإِحرام، ولدخول مكة وليس فيه تدلك، وإنما هو صب الماء فقط؛ ومنه مستحب مرغب فيه، وهو الغسل لوقوف اعرفة والمزدلفة وللطواف". (إِكمال الإِكمال: ٣/ ٣٨٢).
(٣) قال مكة: ساقط من (ر).
[ ١ / ٢٦٥ ]
مسألة:
ويغتسل عند مالك - ﵀ - في الحج (١) في ثلاثة مواضع: للإِحرام (٢)، ولدخول مكة، ولرواحه إِلى الصلاة بعرفة.
فرع:
ولا تغتسل الحائض ولا النفساء (٣) لدخول مكة؛ لأنه للطواف ودخول المسجد، وهما ممنوعان منهما (٤).
ورُوي أن الحائضَ تغتسل لدخول مكة بذي طوَى (٥) كغير الحائض، وهذا يُؤَيِّد ما تقدم من القول بعدم الاجتزاء بغسل الدخول عن غسل الطواف.
فرع:
ويتدلك ويتنظف في غسل الإِحرام فقط، وفي ما سواه يصب الماء، إِلا أن تصيبه جنابة فيتدلك برفق.
_________________
(١) في الحج: ساقط من (ر) وفي (ب): للحج.
(٢) قال ابن العربي: "ليس غسل الإِحرام لرفع حدث، وإِنما هو للتأهب للقاء الله تعالى، ولذلك تغتسل الحائض وحدثها قائم". (القبس: ٢/ ٥٤١).
(٣) ولا النفساء: سقطت من (ب)، وفي (ص): والنفساء.
(٤) كذا في (الدردير على مختصر خليل: ١/ ٢٨٨).
(٥) ذو طَوَى: بفتح الطاء والواو مقصور، وهو واد بمكة. (مشارق الأنوار: ١/ ٢٧٦).
[ ١ / ٢٦٦ ]
فرع:
ولا بأس أن يقص شاربه وأظفاره ويستحد ويكتحل ويلبد (١) شعره بالغسول والصَّمْغ (٢) ويظفره ليقل قمله، كما فعل رسول الله ﷺ (٣).
وجعل ابنُ بشير فعلَ ذلك مستحبًّا.
فرع:
وتمتشط المرأة قبل إِحرامها بالحناء وما لا طيب فيه وتختضب.
_________________
(١) التلبيد: جعل لزوق من صمغ أو نحوه في الرأس ليلتصق الشعر فلا يقمل. (المغرب: لبد: ٢/ ٢٤٠). وقال ابن الأثير: التلبيد: هو أن يسرح شعره ويجعل فيه شيئًا من صمغ ليلتزق ولا يتشعث في الإِحرام. (جامع الأصول: ٣/ ٤٤).
(٢) (ص): السمغ.
(٣) أخرج أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ - لبد رأسه بالغِسل، والغِسل (بكسر الغين): ما يغتسل به من خطمِي وغيره. وفي رواية: سمعت النبي - ﷺ - يهل ملبدًا. قال الشيخ الأرناؤوط: صححه الذهبي، وعزا هذه الرواية إِلى البخاري في الحج ومسلم في الحج برقم (١١٨٤) وأحمد في (المسند: ١/ ١٢١). (جامع الأصول: ٣/ ٤٤ - ٤٥).
[ ١ / ٢٦٧ ]
مسألة:
ومنع مالك الطيبَ المؤنث (١) عند الإِحرام، فإِن فعل: فالمشهور لا شيء عليه، وهو عند مالك مكروه ولا فدية فيه؛ لأنه لم يستعمل طيبًا بعد الإِحرام، وإِن وجد ريحه؛ قاله في الذخيرة (٢).
قال ابن بشير: فإِن تطيب بما يبقى ريحه بعد الإِحرام فهل يفتدي أم لا؟ (٣) قولان، ولو أحرم في ثوب فيه ريح طيب فقد أتى مكروهًا، ولا فدية عليه.
وفي الذخيرة: وتنزع المحرمة ما صادف الإِحرام من الطيب، ويؤمر المحرم بغسله بصب الماء عليه. فإِن لم يزل إِلا بالمباشرة باشره بالغسل ولا شيء عليه (٤).
_________________
(١) الطيب المؤنث: هو الذي يظهر أثره، والمذكر: هو ما خفي أثره كالريحان والياسمين والورد وسائر أنواع الرياحين. وفي استعمال النوعين للمحرم تفصيل. انظر: (الشرح الصغير وحاشية الصاوي: ٢/ ٨٢ - ٨٣).
(٢) الذخيرة: ٣/ ٢٢٥.
(٣) حرم مالك والزهري وجماعة من الصحابة التطيب عند الإِحرام بطيب يبقى له رائحة بعده، خلافًا للجمهور الذين استحبوا التطيب عند إِرادة الإِحرام وجواز استدامته بعده؛ وحرموا ابتداءه في الإِحرام لحديث عائشة: "كنت أطيب رسول الله - ﷺ - لإِحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت". (الموطأ، كتاب الحج باب ما جاء في الطيب في الحج). قال عياض: تأول المالكية هذا الحديث على أنه طيب لا يبقى له ريح أو أنه أذهبه غسل الإِحرام. (الزرقاني على الموطإِ: م/ ٢٣٤ - ٢٣٥)
(٤) الذخيرة: ٣/ ٢٢٦.
[ ١ / ٢٦٨ ]
الثانية: التجرد من المخيط، ويلبس إِزارًا ورداء ونعلين.
وزاد القاضي عياض في قواعده: مما ليس لهما حارك كنعل التكرور (١) التي لها عقب يستر بعض القدم (٢).
وثياب الإِحرام: هي (٣) الملاحف والأردية والمئزر وما كان مثل ذلك مما لا يخاط، إِلا العمائم فلا يلبسها المحرم.
وقال أبو عمران (٤): إِن كان في عنقه كتاب نزعه قبل أن يحرم.
والبياض أفضل ألوان (٥) الثياب، فينبغي له أن يلبس ثوبين أبيضين: يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر لم يمسهما زعفران * ولا ورس ولا شيء من الطيب. والمصبوغ بغير طيب مكروه لمن يُقتدى به، وجائز لعوام الناس، والمورس حرام باتفاق.
والورس: نبات باليمن صبغه بين الصفرة والحمرة طيب الرائحة.
_________________
(١) تكرور (براءين مهملتين): بلاد تنسب إِلى قبيل من السودان في أقصى جنوب المغرب، وأهلها أشبه الناس بالزنوج. (ياقوت: ١/ ٨٦١).
(٢) عبارة عياض: والخفاف للرجال، وماله حارك من النعل يستر به بعض القدم. (القباب على قواعد عياض: ١٨٧ أ).
(٣) (ص): هي.
(٤) (ص): أبو عمرو.
(٥) وفي الذخيرة ألوان: في (ب) وارد بالهامش.
[ ١ / ٢٦٩ ]
ويجوز الثوب الأخضر والأزرق وما أشبه ذلك.
فرع:
ولا بأس أن يحرم في ثوب غير جديد وإن لم يغسله، وقد أحرم مالك - ﵀ - في ثوب حججًا ما غسله (١).
وسيأتي في باب ما يوجب الفدية ذكر المصبغات.
الثالثة: الركوع للإِحرام، وأقله ركعتان ولا حد لأكثره.
وذكر ابن القاسم الجزيري (٢) أنه يقرأ فيهما بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد.
ومن كان إِحرامه من ذي الحليفة فينبغي له أن يدخل المسجد الذي بها ويصلي فيه ركعتين، يسأل الله فيهما العون على سفره والرجوع بالعتق من النار، والأفضل أن تكون الصلاة التي يحرم بعدها نافلة مختصة بالإِحرام، فإِن
_________________
(١) المدونة: ٢/ ١٢١، تقييد أبي الحسن الصغير: ٢/ ٤ ب.
(٢) أبو الحسن علي بن يحيى بن القاسم الجزيري، نسبة إِلى الجزيرة الخضراء التي نزل بها ونسب إِليها، ودرس بها الفقه وولي قضاءها، وهي من الأندلس، ألف في الشروط كتابه "المقصد المحمود" وكان زاهدًا متواضعًا. ت ٥٨٥ عن نحو ستين سنة. (شجرة النور: ١٥٨ رقم ٤٨٤).
[ ١ / ٢٧٠ ]
أحرم عقب فرض جاز (١).
وفي التنبيهات، قال بعض الشيوخ: مفهوم المذهب أنَّ سنة الإِحرام أن تكون عقب صلاة لا أن من سنته (٢) أن يصلي من أجله (٣).
قال ابن الحاج: وفي ديوان أشهب يُستحب أن يكون بإِثر فريضة.
فرع:
ويحرم من أتى الميقات في أي وقت شاء، فإِن كان في غير وقت صلاة انتظر حل النافلة، إِلا أن يكون مراهقًا (٤) أو خائفًا وشبه ذلك من العذر، فيجوز أن يحرم، وإِن لم يصل (٥)، وإِن صلى فريضة لا يتنفل بعدها ولم
_________________
(١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: ٢/ ٣٩.
(٢) (ب): لأن من سنته.
(٣) كذا ورد في (التنبيهات: ١٢). وتمام كلام عياض: هذا مثل ركعة الوتر إِن من سنتها أن تكون قبلها نافلة على حقيقة مذهبنا ومشهوره، لا أن تصلي من أجله.
(٤) المراهق: هو الذي يخاف فوات الوقوف إِن طاف وسعى. (شرح حدود ابن عرفة: ١/ ١٨٢). وانظر (أسهل المدارك: ١/ ٤٦٧).
(٥) كذا في (منن الجليل على مختصر خليل: ١/ ٤٨٠) وقال مؤلفه الشيخ عليش: خالف الداودي في إِحرام المراهق والخائف بلا ركوع.
[ ١ / ٢٧١ ]
يمكنه انتظار وقت النافلة أحرم عقيب الفريضة، وذلك خير من الإِحرام بغير صلاة (١).
فرع:
فإِن نسي الركوع حتى أحرم تخرج على نسيان الغسل، وقد تقدم ذكره.
فرع:
ولا يحرم دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة، ولكن إِذا خرج منه ركب راحلته، فإِذا استوت به في فناء المسجد لبَّى ولم ينتظر أن تسير، وإِن كان ماشيًا فحين يخرج من المسجد متوجهًا للذهاب (٢).
وفي مختصر الواضحة: فإِذا خرجت من المسجد فاركب راحلتك وأنت مستقبل الكعبة من فناء المسجد، فإِذا استوت بك قائمة وانبعثت بك سائرة لبِّ، وهذا خلاف لما تقدم من أنه لا ينتظر انبعاثها بالسير.
مسألة:
سئل مالك عن الجمَّال يأتي بالقوم إِلى ذي الحليفة، فينيخ بهم عند غير
_________________
(١) قال خليل عندما عدَّ سنن الإِحرام: "ثم ركعتان والفرض مجزئ" ومن أحرم بعد فرض ولم يصل نافلة قبل الإِحرام فقد فاته الأفضل. (الدردير على مختصر خليل: ١/ ٢٨٨).
(٢) منن الجليل على مختصر خليل: ١/ ٤٨٠.
[ ١ / ٢٧٢ ]
المسجد، فيقول: اذهبوا فصلوا وارجعوا إِلى أحمالكم أحملكم، وقال المكترون: بل تنيخ عند باب المسجد حتى نصلي ثم نركب ثم نهل (١)، فقال مالك: يُجبر الجمَّال على أن ينيخ بهم عند باب المسجد، حتى يصلوا (٢) ثم يركبوا ثم يُهلُّوا.
قال ابن رشد: كان ذلك عرفًا وعليه دخل الكريُّ (٣).
وعلى هذا لو تغير العرف فهل يجبر الجمَّال على ذلك؟ وظاهر المذهب * يقتضي تغير الحكم بتغير العرف، والله أعلم.
الرابعة:
التلبية - وهي مسنونة في الحج والعمرة غير مفروضة، قاله ابن الجلاب (٤).
_________________
(١) الإِهلال بالحج: رفع الصوت بالتلبية. (حلية الفقهاء: ١١٧).
(٢) الصلاة قبل الإِحرام مستحبة عند الإِمام مالك، فإِذا كان المحرم في وقت لا تكره فيه النافلة صلى نافلته بلا حد، وكذلك له أن يحرم بعد مكتوبة ليس بعدها نافلة، وإِذا كان في غير وقت النافلة انتظر حتى تحل فيصلي ثم يحرم إِذا استوت به راحلته، إِلا أن يكون مراهقًا أو خائفًا، وله عذر آخر، فلا بأس أن يحرم وإِن لم يصل. (المدونة: ٢/ ١٢١). وانظر: (الكافي: ١/ ٣٦٤).
(٣) (ر): المكترى، (ب): الكراء. والصواب ما أثبتناه من (ص) والبيان والتحصيل. وهنا ينتهي النقل من (البيان والتحصيل: ٣/ ٤٥٧ - ٤٥٩) ويشمل سؤال مالك وجوابه وكلام ابن رشد.
(٤) عبيد الله بن الحسين بن الحسن بن الجلاب البصري المالكي أبو القاسم، من كبار =
[ ١ / ٢٧٣ ]
قال الباجي (١): ومعنى ذلك عندي أنها ليست من أركان الحج، وإِلا فهي واجبة؛ ولذلك يجب الدم بتركها (٢).
وفي الموطإِ: إِن تلبية رسول الله - ﷺ -: "لبّيك اللهمّ لبيك، لبيك لا
_________________
(١) = أصحاب الأبهري شيخ المالكية بالعراق، له شرح المدونة وكتاب في مسائل الخلاف، وكتاب التفريع الذي اشتهر وانتشر، ومنه ينقل ابن فرحون وغيره. ت ٣٧٨. (الأعلام: ٤/ ١٩٣، إِيضاح المكنون: ١/ ٣٠١، تاريخ التراث العربي، لسزكين: ٣/ ١٦٥، دائرة المعارف للبستاني: ٢/ ٤١١، الديباج: ١/ ٤٦١، طبقات المالكية لمجهول: ١٧٢ - ١٧٣، الفكر السامي: ٣/ ١١٨، كحالة: ٣/ ٢٣٨، هدية العارفين: ١/ ٤٤٧). وقول ابن الجلاب في التلبية وارد في (التفريع: ١/ ٣٢١).
(٢) سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي المالكي، أبو الوليد من بيت علم ونباهة. تلقى عن شيوخ الأندلس، ثم رحل إِلى المشرق وعاد بعلم غزير، وله عدة تآليف مهمة منها المنتقى: شرح الموطإِ ولد سنة ٤٠٣. ت ٤٧٤. (الأعلام: ٣/ ١٨٦، إِيضاح المكنون: ١/ ١٦٩، البداية والنهاية: ١٢/ ١٢٢، البغية: ٢٨٩ رقم ٧٧٧، تذكرة الحفاظ: ٣/ ١١٧٨، ذخيرة ابن بسام: ٢/ ٣٨، طبقات المالكية لمجهول: ٤٧٣، العبر للذهبي: ٥/ ١٣٧، فهرس الفهارس: ١/ ٢١٢، وفيات ابن قنفذ: ٢٥٥).
(٣) عبارة الباجي: "إِن التلبية من شعائر الحج، ومما لا يجوز للحاج تعمد تركها في جميع نسكه، ومتى تركها في جميعه عامدًا أو غير عامد فعليه دم". (المنتقى: ٢/ ٢١١).
[ ١ / ٢٧٤ ]
شريك لك لبيك، إِن الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك" (١).
وحكى ابن حبيب عن مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة (٢) في تلبية رسول الله ﷺ بعد قوله: لا شريك لك، لبيك إِله الحق (٣) لبيك، فهذه تلبية رسول الله - ﷺ - التي كان يلبي بها في حجه وعمرته.
وزاد فيها عمرُ بن الخطاب - ﵁ -: لبَّيْك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك (٤) مرهوبًا منك ومرغوبًا إِليك (٥).
_________________
(١) كذا في الموطإِ برواية نافع عن عبد الله بن عمر. كتاب الحج، باب: العمل في الإِهلال. (تنوير الحوالك: ١/ ٢٤٢، أوجز المسالك: ٦/ ٢٢٩، المنتقى: ٢/ ٢٠٧). قال التاودي: يستحب الاقتصار على تلبية الرسول - ﷺ -، وما زاد فلا بأس به. (مناسك التاودي: ١٢).
(٢) عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون من فقهاء المدينة، كان ثقة يحفظ مذاهب الفقهاء بالحرمين ويفرع على أصولهم. / ت ١٦٤ بالعراق. (تهذيب التهذيب: ٦/ ٣٤٣، طبقات الشيرازي: ٦٧، مشاهير علماء الأمصار: ١٤٠).
(٣) (ر): الخلق.
(٤) في (ر): تكرر لبيك، ثلاثًا.
(٥) أخرج ابن أبي شيبة عن المسور بن مخرمة قال: "كانت تلبية عمر، فذكر مثل =
[ ١ / ٢٧٥ ]
وزاد ابن عمر - ﵄ - لبيك لبيك وسعديك والخير (١) بيديك والرغباء إِليك والعمل (٢).
قال مالك: وأكره أن يُزاد على تلبية رسول الله - ﷺ - (٣).
وروي عنه: لا بأس أن يزاد فيها.
وفي الذخيرة: وليس في التلبية دعاء ولا صلاة على رسول الله - ﷺ - (٤).
_________________
(١) = المرفوع، وزاد: لبيك مرغوبًا مرهوبًا إِليك ذا النعماء والفضل الحسن". (الزرقاني على الموطإِ: ٢/ ٢٤٣).
(٢) (ب): والخير كله.
(٣) عن نافع عن عبد الله بن عمر أن تلبية رسول الله - ﷺ -: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إِن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك وسعديك والخير بيديك، لبيك والرغباء إِليك والعمل. أخرجه مالك في الموطإِ، كتاب الحج، العمل في الإِهلال. (المنتقى: ٢/ ٢٠٧). وفي رواية أخرى لابن عمر عند مسلم، قال: "كان عمر بن الخطاب يهل بإِهلال رسول الله - ﷺ - من هؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك والرغباء إِليك والعمل". (طريق الرشد: ١/ ٢٣٧ رقم ٧٤٥).
(٤) إِن النبي - ﷺ - لما علمهم التلبية، لم يقل: لبوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، كما علمهم التكبير في الصلاة. فلا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئًا مما علمه. (الزرقاني على الموطإِ: ٢/ ٢٤٣).
(٥) الذخيرة: ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢ وقد علل القرافي ذلك بقوله: "لأنه لم ينقل في تلبيته ﵊، والمناسك اتباع".
[ ١ / ٢٧٦ ]
قال الباجي: ويُروى إِن الحمد بكسر الهمزة في (إِن) (١) وفتحها.
وقال قوم: إِن كسرة الهمزة أبلغ في المدح (٢).
وقال الخطابي: الفتح رواية العامة (٣).
قال ثعلب (٤): والاختيار كسر إِنَّ وهو أجود من الفتح؛ لأن الذي يكسر يذهب إِلى أن معنى لبّيك: الحمد والنعمة لك على كل حال، والذي يفتح
_________________
(١) في ان: سقطت من (ر).
(٢) لم ير الباجي مزية في كسر الهمزة، وعارض القائلين بذلك، فقال بَعْد كلامه المذكور أعلاه: "ليس ذلك ببين؛ لأن كسر الهمزة إِنما يقتضي الإِخبار بأن الحمد والنعمة لك، وأنه ابتداء كلام، وفتح الهمزة يقتضي التلبية من أجل أن الحمد والنعمة له وليس في أحد اللفظين مزية مدح". (المنتقى: ٢/ ٢٠٧). وقال الشيخ يوسف الصفتي المالكي: كسر الهمزة أحسن من فتحها؛ لأنه ثناء وإخبار مستأنف. (حاشية الصفتي على الجواهر الزكية: ١٦٩).
(٣) عبارة الخطابي: "إِن الحمد فيه وجهان كسر أن وفتحها، وأجودهما الكسر. أخبرني أبو عمر قال: قال أبو العباس أحمد بن يحيى من قال: إِن بكسر الألف فقد عم، ومن قال: أن، بفتحها فقد خص". (معالم السنن: ٢/ ١٧٣).
(٤) أحمد بن يحيى بن زيد بن يسار الشيباني بالولاء، أبو العباس المعروف بثعلب، رواية الشعر وإِمام الكوفيين في النحو واللغة، صاحب (الفصيح) و(قواعد الشعر) و(المجالس) وغيرها. ولد ببغداد سنة ٢٠٠. ت بها ٢٩١. (الأعلام: ١/ ٢٥٢، أنباه الرواة: ١/ ١٣٨، بغية الوعاة: ١/ ٣٩٦، تاريخ بغداد: ٥/ ٢٠٤، الفهرست: ١/ ٧٣، كحالة: ٢/ ٢٠٣).
[ ١ / ٢٧٧ ]
يذهب إِلى أن معنى لبّيك لهذا السبب (١).
ويجوز النُّعمة بضم التاء وفتحها (٢).
واختار بعضهم الوقف على قوله: والملك، وليبتدئ: لا شريك لك.
قوله: والرغباء يروى بفتح الراء والمد، وبضم الراء والقصر (٣)، وبفتحها مع القصر (٤)، ومعناه: الرغبة إِلى من بيده الخير، وهو المقصود بالعمل.
وينبغي للحاج استشعار الخضوع والخشوع لله تعالى عند الأخذ في التلبية، وإِظهار الاستكانة والإِنابة إِليه (٥) ﷾.
وقد ذكر مصعب الزُّبَيْرِي (٦) عن مالك - رحمه الله تعالى - قال:
_________________
(١) هذا المعنى مفصل في (بدائع الصنائع: ٢/ ١٤٥).
(٢) قال الصفتي: النصب فيها هو المشهور (حاشية الصفتي: ١٦٩).
(٣) كذا قال الباجي في (المنتقى: ٢/ ٢٠٧).
(٤) وبفتحها مع القصر: ساقط من (ب).
(٥) قال الغزالي: "أما الإِحرام والتلبية من الميقات فليعلم أن معناه إِجابة نداء الله ﷿، فيرجو أن يكون مقبولًا، ويخشى أن يقال له: "لا لبيك ولا سعديك" وليكن بين الرجاء والخوف مترددًا وعن حوله وقوته متبرئًا". انظر (إِتحاف السادة المتقين: ٤/ ٤٤٧ - ٤٤٨).
(٦) مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي =
[ ١ / ٢٧٨ ]
اختلفت إِلى جعفر بن محمد الصادق (١) زمانًا، وما كنت أراه إِلا على إِحدى ثلاث خصال: إِما مصل، وإِما صائم، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث عن رسول الله - ﷺ - إِلا على طهارة، وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون الله تعالى، ولقد حججت معه سنة، فلما أتى الشجرة أحرم، فكلما أراد أن يُهلَّ كان يُغشى عليه، فقلت له: لا بد لك من ذلك؟ فقال: يا ابن أبي عامر إِني أخشى أن أقول: لبّيك اللهمّ، فيقول: لا (٢) لبيك ولا سعديك.
قال مالك *: ولقد أحرم جده علي بن الحسين زين العابدين (٣)، فلما أراد أن يقول: لبّيك اللهمّ - أو قالها - غُشي عليه وسقط عن ناقته فهشم وجهه
_________________
(١) = الزبيري المدني، أبو عبد الله. سكن بغداد. وروى عن أبيه وعن مالك وغيرهما. يقول أحمد: مصعب الزبيرى ثقة. ت ٢٣٦ وهو ابن ثمانين سنة. (تهذيب التهذيب: ١٠/ ١٦٢ - ١٦٤ رقم ٣٠٩، ميزان الاعتدال: ٤/ ١٢٠ رقم ٨٥٦٤).
(٢) (ص): إِلى محمد الصادق.
(٣) لا: سقطت من (ص).
(٤) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو الحسن ويقال: أبو الحسين زين العابدين المدني، روى عن أبيه وعمه الحسن وغيرهما. اختلف في سنة وفاته، فقال أبو نعيم: ١٠٢، وقال ابن معين: ١٠٤، وقيل غير ذلك. وكان يسمى زين العابدين لعبادته. (تهذيب التهذيب: ٧/ ٣٠٤ رقم ٥٢٠).
[ ١ / ٢٧٩ ]
- ﵃ أجمعين (١) -.
فرع:
وليرفع المحرم صوته بالتلبية ولا يسرف ولا يلح ولا يسكت، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا (٢).
ولا ترفع المحرمة صوتها بالتلبية كرفع الرجل، ولكن تسمع نفسها (٣).
قال مالك: والعجمي يُلبِّي بلسانِه.
ومن سنَّتِهَا: المُوَالاة.
قال مالك: ولا يرد سلامًا حتى يفرغَ، ويكررها بإِثر الصلوات المكتوبات والنوافل، وحين يلقى الرفاق، وعند انضمام الرفاق، وعلى كل شرَف من
_________________
(١) أورد ابن حجر هذه الحادثة برواية مصعب عن مالك، وبرواية أخرى عن ابن عيينة في (تهذيب التهذيب: ٧/ ٣٠٦).
(٢) اقتباس من الطلاق: ٣.
(٣) تسمع نفسها على سبيل الندب. (العدوي على كفاية الطالب: ١/ ٤٦٢). قال الونشريسي في بيان الفرق بين تلبية المرأة وإِقامتها. "إِنما ألزمت المرأة بالتلبية ولم تلزم بالإِقامة؛ لأن التلبية إِجابة، والإِجابة لازمة لكل من لزمه فرض الحج، والمرأة منهم، وأيضًا التلبية داخلة في إِحرام الحج كالسورة التي هي وأم القرآن في الصلاة، والإِقامة خارجة عن الصلاة، قاله ابن يونس". (عدة البروق: ٧٣، الفرق: ٤٨).
[ ١ / ٢٨٠ ]
الأرض يشرف عليه (١) أو يهبط منه وفي بطون الأودية (٢)، وفيما بين ذلك راكبًا كنت أو نازلًا أو قائمًا أو قاعدًا (٣).
ولا ترفع صوتك بالتلبية في مسجد الجماعات، فأما في المسجد الحرام أو مسجد منى فارفع ما استطعت (٤).
وإِذا قلنا: لا يرفع صوته في المساجد، فإِنه يسمع نفسه ومن يليه.
قال سند: وروي عنه الرفع في المساجد التي بين مكة والمدينة؛ لأنها غير معمورة.
فرع:
ولا تُكرهُ التلبية للجُنُب والحائض (٥).
_________________
(١) (ب): يعلو عليه.
(٢) كفاية الطالب الرباني: ١/ ٤٦٢.
(٣) تبيين المسالك: ٢/ ٢١٩، مناسك التاودي: ١٢.
(٤) السر في ذلك أنهما بنيا للحج، وقيل: للأمن فيهما من الرياء. (الزرقاني على الموطإِ: ٢/ ٢٤٩، عدة البروق: ١٢٧، الفرق: ١٨٩، العدوي على كفاية الطالب: ١/ ٤٦٢).
(٥) تلبي الحائض لقوله - ﷺ - لعائشة ﵂ حين حاضت: "افعلي ما يفعله الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت". (العدوي على كفاية الطالب: ١/ ٤٦٢). ولفظ الحديث عند البخاري: "افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهرى". (فتح البارى: ٣/ ٥٠٤).
[ ١ / ٢٨١ ]
مسألة:
ومن أراد الإِحرام ومعه هديٌ فليقلده ثم يشعره ثم يجلله (١)، وكل ذلك واسع، ثم يدخل المسجد ويركع ويحرم.
والسنَّة اتصال ذلك كله.
مسألة:
اختلف في زمن قطع التلبية الأولى، وفي معاودتها بعده، وفي قطعها بعد معاودتها.
الموضوع الأول: قطعها الأول.
_________________
(١) التجليل: وضع الجلال (بكسر الجيم) على الهدي، وجمع الجلال: جُل (بضم الجيم) والتجليل للإِبل، أما الغنم والبقر فلا يوضع عليها جلال، اتفاقًا في الغنم وفي البقر التي لا يكون لها سنام. والتقليد: سنة وكذلك الإِشعار، أما التجليل فمندوب، ويندب شق الجلال ليدخل السنام فيها فيظهر الإِشعار وتمسك بالسنام فلا تسقط على الأرض. (الشرح الصغير وحاشية الصاوي: ٢/ ١٢٢ - ١٢٣). وقد عد خليل التقليد والإِشعار من سنن الإِحرام، فقال: "وتقليد هدي ثم إِشعاره". وإنما يكون التقليد من سنن الإِحرام إِذا كان الهدي تطوعًا أو لعام مضى، وكان مما يقلد لا غنمًا، وما يجب من الهدي بعد الإِحرام، فإِنما يقلد بعده. (الدردير على مختصر خليل: ١/ ٢٨٨).
[ ١ / ٢٨٢ ]
قال مالك: وإذا دخل المحرم المسجد الحرام أول ما يدخل، وهو مفرد بالحج أو قارن، فلا يلبي، ويقطع التلبية من حين يبتدئ الطواف إِلى أن يفرغ من سعيه بين الصفا والمروة، فإِن لبَّى في الطواف فهو في سعة، وكذلك بين الصفا والمروة.
وروى ابن الموَّاز أن المحرم بالحج من الميقات يقطعها عند دخول الحرم (١).
والأول مذهب المدونة (٢).
الموضوع الثاني: معاودتها بعد القطع الأول.
_________________
(١) هذا ما اقتصر عليه ابن أبي زيد فقال: "إِذا دخل مكة أمسك عن التلبية". (الرسالة الفقهية: ١٧٥). وهو ما شهره ابن بشير. (الدسوقي على الشرح الكبير: ٢/ ٤٠).
(٢) نصها: "المحرم بالحج لا يقطع التلبية حتى يروح إِلى الصلاة يوم عرفة، إِلا أنه إِذا دخل المسجد الحرام أول ما يدخل فطاف بالبيت يقطع التلبية حتى يسعى بين الصفا والمروة، ثم يرجع إِلى التلبية حتى يروح يوم عرفة إِلى الصلاة". (المدونة: ٢/ ١٢٥). وأصل هذا الحكم ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقطع التلبية في الحج إِذا انتهى إِلى الحرم حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يغدو من منى إِلى عرفة، فإِذا غدا ترك التلبية. مالك في الموطأ، كتاب الحج، قطع التلبية (الزرقاني على الموطإِ: ٢/ ٢٥٦ رقم ٧٦٣).
[ ١ / ٢٨٣ ]
فروى أشهب عن مالك: يعاودها بَعْد الطواف.
وروى ابن المواز: يعاودها بعد السعي.
الوضع الثالث: قطعها بعد معاوتها.
فقيل: يقطعها إِذا زالت الشمس وراح إِلى الصلاة، وهو المشهور.
وقيل: إِذا زالت الشمس.
وقيل: إِذا راح إِلى الموقف.
وعلى القول الآخر: يلبي بين ظهراني خطبته؛ لأن رواحه إِلى الموقف بعد الصلاة (١).
وفرَّق ابن الجلاب (٢) بين من يأتي عرفة محرمًا فيقطع يوم عرفة، وبين من يحرم بعرفة فيلبي حتى يرمي جمرة العقبة (٣).
وإِذا قطع التلبية بعرفة لم يعاودها (٤).
_________________
(١) وعلى القول الصلاة: في (ب) وارد بالهامش.
(٢) (ص): ابن الحاجب، وهو تصحيف.
(٣) عبارة ابن الجلاب: "يقطع التلبية إِذا زالت الشمس يوم عرفة إِلا أن يكون أحرم بالحج بعرفة، فيلبي حتى يرمي حجرة العقبة". (التفريع: ٣٤٢).
(٤) الدسوقي على الشرح الكبير: ٢/ ٤٠.
[ ١ / ٢٨٤ ]
مسألة:
وسئل سحنون عن المحرم: هل له أن يسافر اليوم واليومين والثلاثة؟ قال: نعم، لا بأس بذلك، وليس هو مثل المعتكف، ذكره ابن رشد في البيان (١).
_________________
(١) يعلل ابن رشد هذا الحكم بقوله: "لأن المحرم له أن يتصرف في حوائجه ويبيع ويشتري في الأسواق. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] يريد التجارة في مواسم الحج، فحاله خلاف حال المعتكف في السفر أيضًا إِن أراده". (البيان والتحصيل: ٤/ ٧٠).
[ ١ / ٢٨٥ ]
فصل: في دخول مكة
وإِذا وصلتَ إِلى حرم مكة فيستحبُّ لك أن تقول: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا (١) حَرَمُكَ وأمْنُكَ، فحرِّمْنِي علَى النَّارِ، وأمِّنِّي مِنْ عَذَابِكَ يومَ تبعثُ عِبَادَكَ، واجْعَلْنِي منْ أوْلِيَائِكَ وَأهْلِ طَاعَتِكَ (٢)، وتدعو بما تحبّ.
ويستحبّ لمن كان حاجًّا أو معتمرًا أن لا يدخل مكة حتى يغتسل بذي طوى ويأمر من معه بذلك، وإِن اغتسل بعد دخوله فواسع، وقد تقدم ذكر هذا عند ذكر الغسل للإِحرام (٣).
وذو طوى: هو الوادي الذي بعد الثّنية التي يصعد إِليها من الوادي المعروف الآن بالزّاهر، على يسارك وأنت قادم إِلى مكة من طريق التّنعيم، فهناك بات النّبي - ﷺ - (٤) واغتسل لدخولها (٥).
_________________
(١) إِن هذا: ساقط من (ص)، في (ب): اللهم هذا.
(٢) أورد النووي هذا الدعاء في مناسكه ذاكرًا أن بعض علماء الشافعية استحبّه عند بلوغ الحرم. (الهيثمي على شرح الإِيضاح: ٢١٥).
(٣) تقدم في ص ٢٦١.
(٤) عن ابن عمر ﵄ قال: بات النبي - ﷺ - بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة، أخرجه البخاري (الصحيح: ٢/ ١٥٤، كتاب الحج، باب دخول مكة نهارًا أو ليلًا).
(٥) عن نافع قال: كان ابن عمر ﵄ إِذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية =
[ ١ / ٢٨٦ ]
وطَوى بفتح الطّاء مقصورة.
والذي بطريق الطائف طَواء بالمدّ.
فرع:
واستحب مالك أن يدخل مكة نهارًا (١)، ومن أتاها ليلًا فواسع أن يدخل (٢).
ويستحب لمن أتى من طريق المدينة أن يدخل مكة من كَدَاء الثنية (٣) التي بأعلى مكة (٤)، ومن دخل من غيرها فذلك واسع، ثم يهبط من الثنية
_________________
(١) = ثم بيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك. أخرجه البخاري (الصحيح: ٢/ ١٥٤)، كتاب الحج، باب الاغتسال عند دخول مكة).
(٢) يدخل مكة ضحى، فإِن قدم ليلًا بات بذي طوى. (ابن الحاج على ميارة: ٢/ ٨٨، شرح المجموع للأمير: ١/ ٣٢٤).
(٣) أن يدخل: سقطت من (ر). (مناسك التاودي: ١٣).
(٤) هو الفلق الذي في الجبل على المحصب، وهو الموضع الذي بركت فيه ناقة الرسول - ﷺ - يوم الفتح. (غرر المقالة: ١٧٥).
(٥) أخرج الترمذي عن عائشة قالت: لما جاء النبي - ﷺ - إِلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها قال الترمذي: حسن صحيح (كتاب الحج، باب ما جاء في دخول النبي - ﷺ - مكة من أعلاها وخروجه من أسفلها). (السنن: ٣/ ٢٠٩) وانظر (المعونة: ١/ ٥٦٨).
[ ١ / ٢٨٧ ]
العليا (١) المذكورة على الأبطح والمقبرة على يساره وهو نازل منها، ثم يأخذ كما هو إِلى المسجد الحرام، ولا يعرج على شيء دونه إِلا لحطِّ رحله.
ويستحبّ له أن يدخل من باب بني شيبة (٢)، وهو باب بني عبد مناف؛ لأنه قبالة البيت، ويقدم رجله اليمنى عند دخوله ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك.
فإِذا رأى البيت المكرَّم كبّر ثلاث تكبيرات ورفع يديه وقال: اللهمّ أنت السّلام ومنك السّلام فحيّنا ربّنا بالسّلام (٣)، اللهمّ زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممّن حجّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا، الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، الحمد لله الذي بلَّغني بيته ورآني لذلك أهلًا، اللهمّ إِنك دعوت إِلى حجّ بيتك وقد جئت لذلك، اللهمّ تقبل مني واعف عنّي وأصلح لي شأني كله، لا إِله إِلا أنت، اللهمّ إِني جئتك من شقة بعيدة مؤمّلًا لمعروفك فأنلني (٤) معروفًا من معروفك يغنني عن معروف من سواك * يا أرحم الراحمين.
_________________
(١) انظر (البيان والتحصيل: ١٧/ ١٦٢ - ١٦٣، فتح الباري: ٣/ ٤٣٧).
(٢) يقع هذا الباب ناحية المسعى، وهو باب بني عبد شمس بن عبد مناف وبهم كان يعرف عند أهل الجاهلية والإِسلام ثم سمي باب السلام. (أخبار مكة: ٢/ ٨٧).
(٣) كذا في (القِرى: ٢٢٣) عن سعيد بن المسيب عن عمر أنه كان إِذا نظر إِلى البيت قال ذلك، قال الطبري: حديث صححه الحافظ.
(٤) (ر)، (ب): فآتني.
[ ١ / ٢٨٨ ]
ثم تدعو بما شئت من خيري الدّنيا والآخرة، فإِذا وقع بصرك على البيت في انحدارك من العقبة فارفع يديك، وقل ما تقدم.
وأول ما تبدأ به بعد دخول المسجد الحرام استلام الحجر (١) الأسود بعد أن تنوي الطّواف، وهذا هو طواف القدوم، ولا تبدأ بالركوع، بل بالطواف كفعله - ﷺ - (٢)، إِلا أن تجد الإِمام في فرض فتصلي معه، ثم تطوف، أو تخاف فوات مكتوبة فتقدمها حينئذ على الطواف.
الركن الثاني: الطواف
فأمَّا طوافُ القدوم فإِنه سنة لغير المكي، وأوقع عليه مالك اسم الوجوب.
قالوا: معناه وجوب السنن، ولا رجوع لتركه.
واختلف: هل على تاركه دم أم لا؟
قال مالك مرة: إِن كان غير مراهق (٣) فعليه الدم.
_________________
(١) استلام الحجر: تناوله باليد أو القبلة أو مسحه بالكف، من السَّلِمة (بفتح السين وكسر اللام) وهي الحجر. (المغرب للمطرزي: سلم: ١/ ٤١٢).
(٢) جاء في حديث جابر المتعلق بوصف حجة الرسول - ﷺ -: "حتى إِذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا". أخرجه مسلم (الصحيح: ١/ ٨٨٧، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، رقم ١٧٤).
(٣) قال الجبي: المراهق يجوز فيه كسر الهاء وفتحها، فمن كسرها جعل أن الرجل مراهق للوقت، ومن فتحها جعل الوقت يراهق الرجل. (شرح غريب ألفاظ المدونة: ٤٦).
[ ١ / ٢٨٩ ]
وقال أيضًا: إِنه يجزئ عنه طواف الإِفاضة.
وهو ساقط عن المراهق (١).
والمراهق: هو الذي يضيق وقته عن إِيقاع طواف القدوم والسعي وما لا بدّ له من أحواله، ويخشى فوات الحج إِن تشاغل بذلك كله، فله تأخير الطواف.
ولمالك في المختصر: إِن قدم يوم عرفة فليؤخر، إِن شاء طاف وسعى، وإِن قدم يوم التروية (٢) ومعه أهله فليؤخر إِن شاء، وإِن لم يكن معه أهله فليطف ويسع، يريد: لأنه بأهله في شغل، وحال المنفرد أخف.
فرع:
خمسةٌ يسقط عنهم الطواف الأول والسعي؛ وهم: المراهق، والمكي المحرم بالحج من مكة، والمتمتع، والقارن من أهل (٣) مكة على اختلاف فيه، والمردف في أثناء طوافه.
فهؤلاء الخمسة لا يطوفون ويسعون، إِلا في يوم النحر.
_________________
(١) قال العدوي: لا يلزم المراهق دم إِذا يترك طواف القدوم عمدًا حتّى ضاق الوقت، فإِن تركه عمدًا حتى ضاق الوقت لزمه هدي. (العدوي على كفاية الطالب: ١/ ٤٦٥).
(٢) اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأن الناس كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعد. وقيل: لأن إِبراهيم ﵇ أصبح يتروَّى في مر الدنيا (حلية الفقهاء: ١٢٠، المطلع على أبواب المقنع: ١٩٤).
(٣) أهل: انفردت بها (ر).
[ ١ / ٢٩٠ ]
فصل
فإِذا تقدمت للطواف فاستقبل الحجر والركن اليماني على يسارك وكبر، ثم قبّله بفيك من غير صوت إِن قدرتَ، وإِلّا فضع يدك عليه وضعها على فيك من غير تقبيل، فإِن لم تدركه بيدك لازدحام الناس فكبر عند محاذاتك له ولا تشر إِليه بيدك.
قال في المدونة: وليس عليه أن يستلم الحجر في ابتداء الطواف إِلّا في الواجب (١)، يعني: إِلّا في الطواف الواجب، وهذا يدل على أنه واجب في الطواف الواجب.
وللطواف شروط:
الأوّل: طهارة الحدث: وهي معتبرة في جميع الطواف.
وفي الذخيرة (٢): قال أبو حنيفة والمغيرة (٣) من أصحابنا: لا تشترط
_________________
(١) نصه: "ليس عليه أن يستلم في ابتداء طوافه إِلا في الطواف الواجب إِلا أن يشاء، ولكن لا يدع التكبير كلما مرَّ بالحجر في كل طواف يطوفه من واجب أو تطوع". (المدونة: ٢/ ١٥٧).
(٢) الذخيرة: ٣/ ٢٣٨.
(٣) المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، أبو هاشم. سمع مالكًا وغيره، وكان ثقة عليه مدار الفتوى، عرض عليه الرشيد القضاء بالمدينة فأبى، وكان فقيه المدينة =
[ ١ / ٢٩١ ]
الطهارة قياسًا على الوقوف، بل هي سنة (١)، فإِن طاف محدثًا فعليه شاة، أو جُنبًا فعليه بَدنة (٢).
وفي الجواهر: إِن طاف غير متطهر أعاد، فإِن رجع إِلى بلده قبل أن يعيد رجع من بلده على إِحرامه فطاف (٣).
وقال المغيرة: يعيد ما دام بمكة، فإِن أصاب * النساء وخرج إِلى بلده أجزأه (٤).
وهذا في طواف الإِفاضة.
_________________
(١) = بعد مالك. ولد ١٢٤. ت ١٨٨ وقيل ١٨٦. (الانتقاء: ٥٣، تهذيب التهذيب: ١٠/ ٢٦٤، الديباج: ٣/ ٣٤٣ رقم ١٦٣، شجرة النور: ٥٦ رقم ٥، شذرات الذهب: ١/ ٣١٠، لسان الميزان: ٦/ ٧٢٦، المدارك: ٣/ ٢، وفيات ابن قنفذ: ١٤٨).
(٢) قال الكاساني من الحنفية: "أما الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس فليست بشرط لجواز الطواف وليست بفرض عندنا بل واجبة، حتى يجوز الطواف بدونها". وقد رد على الشافعي في قوله بأنها فرض. (بدائع الصنائع: ٢/ ١٢٩).
(٣) سميت بَدنة لسمنها وعظمها، يقال: بَدَن الإِنسان يبدُن، فهو بادن إِذا سَمن. (الزاهر: ١٥٨).
(٤) (ب): وطاف.
(٥) إِلى هنا ينتهي النقل من (الجواهر: ١/ ٣٩٨) وانظر (الذخيرة: ٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
[ ١ / ٢٩٢ ]
فإِن كان قد طاف بعده تطوعًا لم يعد من بلده؛ لأن طواف التطوع هنا يجزؤه عن الواجب، وهذا قوله في المدونة.
ولا دم عليه عند ابن القاسم.
وإِن لم يكن طاف بعده تطوعًا فيرجع حلالًا، إِلا من النساء والصيّد والطيب؛ لأن حكمه باق على ما كان في منى، وقد كان بمنى قبل طواف الإِفاضة ممنوعًا من ذلك، ثم يعتمر ويهدي.
وقيل: لا عمرة عليه إِلا أن يطأ.
وجل الناس يقولون: لا عمرة عليه، وإِنما عليه الهدي، ولا حلق عليه، لأنه حلق بمنى.
وأما لو كان هذ الطواف طواف القدوم لم يركع له من بلده إِلا أن يكون سعى بعده، فهو حينئذ بمنزلة طواف الإِفاضة في جميع ذلك، إِلا أن يكون سعى بعد طواف الإِفاضة؛ لأن السعي ركن، ومن شرط صحته أن يكون بعد طواف صحيح، فإِذا بطل الطواف لعدم الوضوء صار سعيًا بغير طواف.
فرع:
ونسيان بعض الطواف كجميعه (١).
_________________
(١) هذا المعنى في (المدونة: ٢/ ١٦٠).
[ ١ / ٢٩٣ ]
قال في المدونة: إِن كان قريبًا بنى وطاف شوطًا وركع وأعاد السعي، وإِن ذكره بعد أن انتقض وضوؤه أو في طريق بلده رجع فابتدأ الطواف وركع وسعى (١)، ولو انتقض وضوؤه في أثنائه تطهر واستأنف الطواف إِن كان واجبًا، ولو أحدث بعد فراغه من الطواف وقبل أن يركع فتوضأ وركع ولم يعد الطواف جهلًا حتى رجع إِلى بلده، فليركع بموضعه، ويبعث بهدي.
قال ابن المواز: ولا تجزئه الركعتان الأوليان ولو بنى بعد وضوئه على ما مضى من طوافه لم يجزه كالصلاة.
وروى ابن حبيب أنه يُجزئه ولا وجه لهذه الرواية.
الثاني: طهارة الخبث (٢):
ومن طاف بنجاسة طرحها حين ذكر، وبنى (٣)، فإِن ذكر بعد ركعتي الطواف ففي استحباب إِعادتهما قولان.
فإِن ذكر قبل الركوع أجزأه الطواف (٤) عند ابن القاسم، وأعاد عند أشهب.
_________________
(١) المدونة: ٢/ ١٦١ - ١٦٢.
(٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوي: ٢/ ٤٤.
(٣) أسهل المدارك: ١/ ٤٦٣.
(٤) فإِن الطواف: ساقط من (ص).
[ ١ / ٢٩٤ ]
وقال ابن رشد: حكم الطواف بالبيت حكم الصلاة، فعلى هذا يجري فيه الخلاف الجاري هناك (١)، وكذلك قال ابن الحاجب (٢).
الثالث: ستر العورة (٣):
وحكمها أيضًا في الطواف حكم الصلاة، وحكم من صلى بثوب نجس أو طاف به.
وكره مالك أن يطوف بمغطى الفم، أو تطوف المرأة مُنْتَقِبَة (٤) كالصلاة.
قال أشهب: ومن فعل ذلك أجزأه.
الرابع: الموالاة.
ولا يفرق بين أجزاء طوافه، فإِن فعل ابتدأ، ويجوز أن يفرق لصلاة الفرض تقام عليه وهو في الطواف (٥).
واستُخِفَّ أن يترك طوافه النافلة لصلاة النافلة، وإِن كان الاختيار أن لا يفعل *.
_________________
(١) فصل ابن رشد الكلام في ذلك، في (البيان والتحصيل: ٤/ ٧).
(٢) كلامه عن واجبات الطواف في (جامع الأمهات: ١٩٢).
(٣) انظر (مواهب الجليل: ٣/ ٦٨).
(٤) عدد النفرواي مكروهات الطواف، وذكر منها: تغطية الرجل فمه وانتقاب المرأة. (الفواكه الدواني: ١/ ٣٦٩).
(٥) يقطع الطواف وجوبًا لإِقامة صلاة فريضة لراتب إِذا يكن صلاها، أو صلاها منفردًا وهي مما تعاد. (الشرح الصغير: ٢/ ٤٧).
[ ١ / ٢٩٥ ]
ولا ينبغي للرجل أن يدخل في الطواف إِذا خشي أن تقام عليه الصلاة، قبل أن يفرغ من طوافه؛ ولا أن يدخل في طواف التطوع إِذا خشي أن تفوته ركعتا الفجر إِن أكمل طوافه.
ولو خرج لصلاة الجنازة، فهل يبتدئ أو يبني؟ قولان.
ولو خرج لنسيان نفقة (١) فالمنصوص أنه يبتدئ.
وإِذا خرج للفريضة فإِنه يبني قبل أن يتنفل، فإِن تنفل قبل أن يتم طوافه ابتدأه، والمستحب أن يخرج على كمال شوط عند الحجر.
فإِن خرج من غيره، فقال ابن حبيب: يدخل من موضع خرج.
فإِن بقي من الطواف شوطان أتمهما إِلى أن تعتدل الصفوف.
تنبيه:
فإِن قلت: إِذا تقرر أنه يقطعُ الطوافَ إِذا أقيمت عليه الفريضة، فهل يقطع إِذا أقيمت عليه صلاة أحدِ الأئمة الأربعة، وهم الشافعي والمالكي والحنبلي والحنفي المرتبون لإِقامة الصلاة في مقاماتهم المشهورة اليوم، أو المعتبر صلاة إِمام المقام دون غيره؟
فالجواب، - والله أعلم - أن ذلك مبني على أصل، وهو: هل تعد هذه المقامات الأربعة كمساجد مستقلة بأئمة راتبين، أو الإِمام الراتب في
_________________
(١) (ص): نفقته.
[ ١ / ٢٩٦ ]
المسجد الحرام هو إِمام المقام، وهو الأول، وما عداه كجماعة بعد جماعة في مسجد واحد له إِمام راتب؟
فعلى الأول: يقطع إِذا أقيمت عليه صلاة أحدهم.
وعلى الثاني: لا يقطع لغير صلاة الأوّل. ويكون الثاني أو الثالث أو الرابع كرجل صلى بجماعة في المسجد بعد صلاة الإِمام، فلا يجب قطع الطواف لأجله.
وقد استُفْتِيَ (١) بعض شيوخ المذهب في حكم الأئمة المتجددين في المسجد الحرام في أوائل المائة السادسة بأمر بعض خلفاء بني العباس.
_________________
(١) نقل الحطاب عن مناسك ابن فرحون ما ذكر أعلاه وأشار إِلى فتاوى شيوخ المذهب في حكم أيمة الحرم المتجددين، وإلى مخالفة الشيخ أبي القاسم بن الحباب الذي ذهب إِلى أن الإِمام الراتب هو إِمام المقام، ومال الحطاب إِلى هذا المذهب، فقال: الحق في ذلك ما ذكره المخالف فلا يقطع الطائف لإِقامة صلاة الإِمام الأول الذي هو الراتب، على أن في تصوير القطع لغير الإِمام الأول بُعْدًا؛ لأن صلاة الأئمة الأربعة متصلة بعضها ببعض، إِلا أن يفرض أنه حصل فصل بين صلاتهم حتى شرع شخص في طواف وطاف بعده في ذلك الفصل، وأما من صلَّى مع الإِمام الأول فلا يمكن أن يقال: إِنه ينتظر صلاة بقية الأئمة حتى يفرغوا؛ لأنه عند من يقول تجوز صلاتهم كأنهم أئمة في مساجد متعددة فلا يقال لمن صلى مع إِمام: لا تتنفل ولا تطوف حتى يفرغ بقية الأئمة. (مواهب الجليل: ٣/ ٧٧ - ٧٨).
[ ١ / ٢٩٧ ]
وصور الاستفتاء: ما تقول السادة الفقهاء - أئمة الإِسلام، وأمناء الله على الأحكام - في الأئمة المقامين في المسجد الحرام، بمكة - زادها الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا - وهم: إِمام الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، الذين أقامهم (١) الإِمام الخليفة - أعلى الله قدره - على ما هم عليه الآن، وكون بعضهم يتقدم بالصلاة أول الوقت ثم يليه الآخر ثم الآخر، ثم الآخر، كل واحد يصلي بجماعة في مقامه المعين له، هل يجوز ذلك في المسجد الحرام ويُعدُّ مقام كل واحد كأنه مسجد مستقلٌّ بنفسه، ولا يُكرهُ الصلاة فيه، والحال هذه، خلف واحد منهم سواء كان أولًا أو ثانيًا أو ثالثًا أو رابعًا، وأن من سبق منهم أولًا بالصلاة بعد الزوال ثم تلاه الآخر منتظرًا بجماعته، وصلى في أوائل الوقت المعتبر في الفضيلة عنده. هل يكون السابق أفضل، أو كل واحد منهم أوقع الصلاة في وقته، أو يعدّ المسجد الحرام * كالمسجد الواحد؟ وأن المقامات المنسوبة إِلى كل إِمام من الأئمة كالأئمة في المسجد الواحد، فتكره الصلاة خلف الثاني منهم، ويعدّ الثاني والثالث والرابع كأنهم جماعة بعد جماعة في مسجد واحد فيكره ذلك، ويكون الإِمام الراتب هو السابق بالصلاة. وإِذا كان الخليفة قد عيَّنَ إِمامًا منهم بالسبقية بالصلاة أولًا، ثم عيَّن الثاني والثالث والرابع على الترتيب، هل يتعين هذا المعيَّن السابق ويكون هو الإِمام الراتب، ومن بعده لا يعتبر (٢) بتعيين الخليفة له، ويكون كالجماعة
_________________
(١) (ب): قررهم.
(٢) (ر): لا يتعين.
[ ١ / ٢٩٨ ]
الثانية في المسجد الواحد فتكره الصلاة خلفه أم لا؟، وهل تكون الصلاة خلف الإِمام السابق المصلي في مقام إِبراهيم ﵇ فى مقابلة باب الكعبة أفضل ممن صلّى خلف غيره من الأئمة في موضع إِمامته من المسجد الحرام أم لا؟ . الجواب عن كل فصل من ذلك شافيًا مبينًا - رحمكم الله تعالى - فأجاب عن ذلك جماعة.
أولهم الإِمام العلامة أبو محمد عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عطاء الله (١) المالكي مؤلف البيان والتقريب في شرح التهذيب وله اختصار التهذيب، وغير ذلك، وهو رفيقُ الإِمام أبي عمرو بن الحاجب في الاشتغال في القراءة على الشيخ أبي الحسن الأبياري - (٢).
_________________
(١) عبد الكريم بن عطاء الله الجذامي الإِسكندري، رشيد الدين أبو محمد، إِمام في الفقه والأصول والعربية. تآليفه في غاية التحقيق والتحرير، ومنها البيان والتقريب واختصار المفصل للزمخشري. ت ٦١٢ على ما ذكر السيوطي. (حسن المحاضرة: ١/ ٤٥٦ رقم ٦٣، الديباج: ٢/ ٤٣، شجرة النور: ١٦٧ رقم ٥٢٤).
(٢) علي بن إِسماعيل بن علي الصنهاجي الأبياري، شمس الدين أبو الحسن (نسبة إِلى أبيار مدينة مصرية على شاطئ النيل، تنطق بفتح الهمزة) كان من العلماء الأعلام بارعًا في الفقه وأصوله والكلام، درس بالإِسكندرية وناب في القضاء وصنف تصانيف حسنة منها سفينة النجاة، على طريقة الإِحياء، وشرح البرهان للجويني. ولد سنة ٥٥٧. ت ٦١٧. (حسن المحاضرة: ١/ ٤٥٤ رقم ٥٦، الديباج: ٢/ ١٢١ - ١٢٣ رقم ٣٠، الشجرة: ١٦٦ رقم ٢٢٠. وفيه يذكر مخلوف أن وفاته سنة ٦١٨).
[ ١ / ٢٩٩ ]
ونص جوابه: الصلاة خلف كل الأئمة الذين أمر بترتيبهم إِمام المسلمين - خليفة الله في الأرض- أعز الله نصره وأعلى أبدًا كلمته - في مقاماتهم المذكورة تامة لا كراهة فيها، إِذ مقاماتهم كمساجد متعددة لأمر الإِمام بذلك، وسواء في ذلك الا ول ومن بعده. وإِذا كان الإِمام الأول يصلي في أول الوقت فالصلاة خلف غيره ممن يؤخر إِلى ربع القامة أفضل في غير الصبح والمغرب، والمصلِّي خلفَ غيره - والله أعلم -، وكتبه عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عطاء الله المالكي.
وأجاب بعده الإِمام العلامة جامع الفضائل أبو العباس أحمد بن عمر بن إِبراهيم الأندلسي ثم القرطبي الأنصاري الملقب ضياء الدين (١)، كان من أعيان فقهاء المالكية، ومن الأئمة المشهورين. وهو مؤلف كتاب المُفهم في شرح صحيح مسلم، واختصر صحيحي البخاري ومسلم، وتآليفه مشهورة، توفي بالإِسكندرية في سنة ست وعشرين وستمائة، وقال بعضهم: توفي سنة ست وخمسين وستمائة (٢) فانظره.
_________________
(١) يعرف بابن المزيّن، نزيل الإِسكندرية، استوطنها ودرس بها، كان عارفًا بعلوم منها الحديث والفقه والعربية. ولد سنة ٥٧٨. (حسن المحاضرة: ١/ ٤٥٧ رقم ٦٤، الديباج: ١/ ٢٤٠ رقم ١٢٦، الشجرة: ١٩٤ رقم ٦٥٦، شذرات الذهب: ٥/ ٢٧٣، كحالة: ٢/ ٢٧).
(٢) لاحظ ابن فرحون أن المراكشي ذكر في الذيل والتكملة أن وفاته سنة ٦٥٦ (الديباج: ١/ ٢٤٢). وهذا التاريخ هو الذي ذكره أيضًا السيوطي ومخلوف.
[ ١ / ٣٠٠ ]
ونص جوابه: كذلك أقول، غير أن (١) ترتيب الأئمة في الوقت إِن كان بإِذن الإِمام فلا سبيل إِلى مخالفته، وإن كان بغير إِذنه فكل إِمام يحافظ على ما هو الأفضل عند إِمامه، ولا يجوز لمتبع إِمام أن يخالف مذهب إِمامه بغير موجب شرعي - والله أعلم - وكتبه أحمد بن عمر القرطبي *.
وأجاب بعده الإِمام العلامة أبو محمد عبد الله بن سعيد الربعي الإِمام الفاضل المؤلف، وهو جدّ قضاة الإِسكندرية، وبيت الربعي بيت قضاء وعلم وصلاح وجلالة، وقضاء الإِسكندرية متوارث فيهم إِلى الآن.
ونص جوابه: إِذا كان الإِمام - أعزه الله تعالى ونصره وأدام خلافته - قد أمر الأئمة بذلك لم يكن في الصلاة خلف أحد منهم كراهة لزوال المعنى الذي كره أن يصلي جماعة بعد جماعة في مسجد له إِمام راتب، وإِذا صلَّوْا في مقدار ربع القامة إِلى ثلثها بعد الزوال فقد صلّوا في أول الوقت - والله أعلم -، قاله عبد الله بن سعيد بن إِبراهيم الربعي.
وأجاب بعده الإِمام العلامة قاضي القضاة محمد بن الحسين بن رشيق (٢)
_________________
(١) (ب): على أن.
(٢) محمد ابن الشيخ أبي علي الحسين بن عتيق بن الحسين بن رشيق الربعي علم الدين، من بيت علم وعدالة وفضل. كان شيخ المالكية عالمًا جامعًا بين العلم والعمل. ولد سنة ٥٩٥. ت ٦٨٠. (حسن المحاضرة: ١/ ٤٥٨، الديباج: ٢/ ٣٢٢. رقم ١٣٧، الشجرة: ١٨٧ رقم ٦٢٣).
[ ١ / ٣٠١ ]
قاضي الإِسكندرية، وكان شيخ المالكية هو وأبوه (١) وجده، وبيته بيت علم، كان من سادات المشائخ، جمع بين العلم والعمل والورع والتقوى. ومولده سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة ثمانين وستمائة - رحمه الله تعالى -.
ونص جوابه: يقول الفقير إِلى رحمة ربه محمد بن الحسين بن رشيق بجواب الإِمام جمال الدين أبي محمد عبد الله بن سعيد الربعي.
وأجاب غيره بما نصه: كذلك أقول، والصلاة خلف إِمام المقام كالصلاة خلف غيره من الأئمة في الفضيلة، - والله أعلم - كتبه أحمد بن سليمان المرجاني (٢) عفا الله تعالى عنه.
وأجاب غيره: أقول كذلك، وبالله التوفيق، كتبه حسن بن عثمان بن علي ﵀ (٣).
_________________
(١) وأبوه: سقطت من (ص). وهذا الأب هو أبو علي الحسين الربعي كان فقيهًا بمذهب مالك ورعًا صبورًا على إِلقاء الدروس. ولد سنة ٥٤٩. ت ٦٣٢ بمصر. (الديباج: ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٢) أحمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان شرف الدين أبو العباس ابن المرجاني المالكي الإِسكندري مقرئ حاذق مؤلف، درس وأفتى، وناب في القضاء ثم استقل به، وألف مفردات القراء. ت ٦٥٩. (غاية النهاية: ١/ ٥٨ رقم ٢٤٩، الوافي بالوفيات: ٦/ ٤٤٠ رقم ٢٩٢٠، وفيه ابن المرجان).
(٣) وأجاب غيره ﵀: ساقط من (ر).
[ ١ / ٣٠٢ ]
وأجاب غيره: كذلك أقول، وكتبه عبد الرحيم بن يوسف بن المخيلي وأحال على جواب الربعي.
ووقفت بثغر الإِسكندرية على تأليف يخالف ما أفتى به الجماعة، وأن الإِمام الراتب هو إِمام المقام، ولا أثر لأمر الخليفة في رفع الكراهة الحاصلة في جمع جماعة بعد جماعة، واستدل على ذلك بأدلة كثيرة وألّف في ذلك تأليفًا، ولم يحضرني الآن اسم مؤلفه (١) - رحمة الله عليه -.
_________________
(١) هو أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الجباب المالكي فقد ذكر التقي الفاسي أن له تأليفًا حسنًا بمنع الصلاة على الترتيب الذي كان معهودًا ورد على فقهاء الإِسكندرية القائلين بالجواز ناقلًا ما يوافق فتواه عن جماعة من الشافعية والحنفية والمالكية. (العقد الثمين: ١/ ٨٩). والملاحظ أن هذه الفتوى تحقق شعور المسلمين - في صلاة الجماعة - بوحدتهم وتآلفهم وتخفف ما كان يسود بعض العصور من تعصب مذهبي مقيت يشكك العامة في أهمية الخلاف الفقهي وجدواه. وبفضل الله تعالى زال تعدد الأئمة في المسجد الحرام، وعاد الناس إِلى العمل بفتوى الشيخ أبي القاسم بن الجباب المالكي.
[ ١ / ٣٠٣ ]
فصل
وأما الكلام في الطواف الواجب فكرهه مالك، وأما في التطوع فلا بأس به ذكره الباجي (١).
وفي المدونة: كان مالك يوسع في الأمر الخفيف من الحديث في الطواف (٢).
قال ابن حبيب: والكلام في السعي بغير ما أنت فيه أخف منه في الطواف.
وأما القراءة فيه ففي المدونة كان يكره القراءة في الطواف فكيف بإِنشاد الشعر (٣).
وروى ابن المواز عن مالك أن القراءة في الطواف لم تكن من عمل الناس * ولا بأس بها إِذا أخفاها، ولا يكثر من ذلك، وفي التكثير (٤) قولان: الجواز والكراهة.
_________________
(١) المنتقي: ٢/ ٢٩٧.
(٢) نصها: "قلت لابن القاسم: فهل يكره مالك الحديث في الطواف؟ قال: كان يوسع في الأمر الخفيف من ذلك". (المدونة: ٢/ ١٦٦).
(٣) نصها: "قلت: فهل كان يوسع (أي مالك) في إِنشاد الشعر في الطواف؟ قال: لا خير فيه، وقد كان مالك يكره القراءة في الطواف، فكيف الشعر؟ ! ". (المدونة: ٢/ ١٦٦)
(٤) (ر): الكثير.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وكذلك التلبية فيه فيها قولان: الجواز والكراهة.
قال ابن حبيب: والوقوف للحديث في الطواف أشد منه بغير وقوف، وهو في الطواف الواجب أشد (١).
الخامس: أن يجعل البيت عن يساره ولو جعل البيت عن يمينه لم يصح ولزمته الإِعادة (٢)، وقيل: إِن رجع إِلى بلده لم تلزمه الإِعادة.
فرع:
وأما البداءة بالحجر الأسود، فقال سند: هو سنة، فإِن ترك البداءة به عامدًا ابتدأ (٣)، من الذخيرة للقرافي.
_________________
(١) نص ابن حبيب كما نقله الباجي هو: "الوقوف للحديث أشد في السعي، والطواف أشد منه بغير وقوف، وهو في الطواف الواجب أشد، ووجه ذلك أن الوقوف فيه ممنوع والحديث أيضًا ممنوع فاجتمع فيه أمران ممنوعان ولأن في ذلك فصلًا بين أبعاض العبادة المشروع اتصالها وتفريقًا لأجزائها بالإِقبال على غيرها من غير عذر فتأكد المنع في ذلك". (المنتقى: ٢/ ٢٩٨).
(٢) كفاية الطالب الرباني: ١/ ٤٦٦. وزاد محشيه: لا بد أن يكون المشي مستقيمًا، فلو مشى القهقرى لم يصح. (العدوي على كفاية الطالب: ١/ ٤٦٦).
(٣) نص القرافي: "لو بدأ بغير الحجر الأسود لم يعتد بذلك الشوط إِلى أن ينتهي إِلى الحجر فمنه يبتدئ الاحتساب. قال سند: البداية عند مالك بالحجر سنة، فإِذا بدأ =
[ ١ / ٣٠٥ ]
وفي كتاب محمد: قلت: فمَنْ بَدَأ في طوافه بالركن اليماني؟ قال: إِذا فرغ من طوافه أتم ذلك فتمادى من الركن اليماني إِلى الركن الأسود، فإِن لم يذكر حتى خرج من مكة وتباعد أو انتقض وضوؤه أجزأه، ويبعث بهدي.
ولو ابتدأ الطواف من باب البيت؟ قال: يلغي ما مشى من باب البيت إِلى أن يبلغ الركن.
قيل: فلو ابتدأ طوافه من بين الحجر الأسود وبين الباب بالشيء اليسير ثم ذكر؟ قال: هذا يجزئه ولا شيء عليه.
السادس: أن يخرج بجملته عن البيت.
وفي الكتاب (١): ولا يعتد بما طاف بداخل الحِجْر ويبني على ما طاف خارجًا منه (٢).
_________________
(١) = بالركن اليماني فإِذا فرغ من سعيه أتم ذلك وتمادى من اليماني إِلى الأسود، فإِن لم يذكر حتى طال أو انتقض وضوؤه أعاد الطواف والسعي، فإِن خرج من مكة أجزأه وأهدى، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وهذا قد طاف، فإِن تركه عامدًا ابتدأ". (الذخيرة: ٣/ ٢٤٠).
(٢) (ر): وفي الآثار، وما أثبتناه هو الصواب لأن الحكم وارد في المدونة المعروفة عند المالكية بالكتاب.
(٣) نصه: قلت لابن القاسم: أرأيت من طاف في الحِجْر أيعتد به أم لا؟ قال: قال مالك: ليس ذلك بطواف. قلت: فيلغيه في قول مالك ويبني على ما كان طاف؟ قال: نعم. (المدونة: ٢/ ١٥٧).
[ ١ / ٣٠٦ ]
وإِن لم يذكر حتى رجع إِلى بلده، فليرجع، وهو كمن لم يطف.
وقوله: ويبني على ما طاف خارجًا منه (١)، يعني الأشواط الكاملة، وأما بعض الشوط فلا، قاله أبو إِبراهيم الأعرج (٢) في طرره على التهذيب، وذكره التادلي في مناسكه.
تنبيه مهم (٣):
قال ابن شاس في شروط الطواف: الثالث: أن يطوف خارج البيت ولا يمشي على شَاذِروان (٤).
وتبعه ابن الحاجب (٥) وابن عبد السلام وابن المعلى في مناسكه وابن
_________________
(١) وإِن لم يذكر منه: ساقط من (ص). وفي (ر): سقطت منه.
(٢) إِسحاق بن يحيى بن مطر الورباغلي المعروف بالأعرج، من أهل فاس، كان فقيهًا اشتهر بحذقة لفقه المدونة واستيعابه لمسائلها. وهو من شيوخ أبي الحسن الصغير. ألف الطرر على تهذيب المدونة. ت ٦٨٣ بفاس. (جذوة الاقتباس: ١/ ١٦٤ رقم ١١٦، درة الحجال: ١/ ٢٠٧ رقم ٢٩٠، الشجرة: ٢٠٢ رقم ٦٩٢، النيل: ١٠٠).
(٣) مهم: سقطت من (ص)، (ب).
(٤) الجواهر: ١/ ٣٩٩. والشاذروان: هو البناء المحدودب في أساس البيت. (الخرشي على مختصر خليل: ٢/ ٣٦٥).
(٥) جعل ابن الحاجب ذلك من واجبات الإِحرام، وعبارته: "أن يطوف خارجه لا في =
[ ١ / ٣٠٧ ]
جماعة التونسي والتادلي في مناسكه، وجعلوه من التنبيهات المهمات وعولوا على ما قاله النووي - ﵀ - (١).
قال أبو العباس التادلي - ﵀ - قال النووي: الشاذروان والحِجْر من البيت، فأما الشاذِروان: فهو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجًا عن عرض الجدار مرتفعًا على وجه (٢) الأرض قدر ثلثي ذراع.
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: هذا الشَّاذِرْوَان نقضته قريش من أصل الجدار حين بنوا البيت، وهو ظاهر في جوانب البيت، فلو طاف أحد خارج الشَّاذِرْوان وكان بعضُ إِحدَى رجليه عليه أحيانًا لم يصح طوافه.
ثم قال: وينبغي أن يتنبه هنا لدقيقة، وهي أن من قبّل الحجر الأسود فرأسه في حالة التقبيل في جزء من البيت، فليثبت قدميه في موضِعِهمَا، حتى يفرغ من التقبيل، ويعتدل قائمًا، لأنه * لو زالت (٣) قدماه عن موضعهما
_________________
(١) = محوط الحِجْر ولا شاذروانه داخل المسجد، لا من ورائه ولا من وراء زمزم وشبهه على الأشْهَر إِلا من زحام". (جامع الأمهات: ١٩٣).
(٢) سيأتي قريبًا توثيق قوله الوارد في كتابه المجموع. ومن الذين اعتبروا الشاذروان من البيت سند والقرافي وابن جزي وخليل وابن عبد السلام وابن هارون وابن راشد. انظر (الخرشي على مختصر خليل: ٢/ ٣٦٥).
(٣) وجه: سقطت من (ب).
(٤) في (المجموع: ٨/ ٢٤): زلت.
[ ١ / ٣٠٨ ]
إِلى جهة الباب قليلًا، ولو قدر شبر في حال تقبيله، ثم لما فرغ من التقبيل اعتدل في الموضع الذي زالتا (١) إِليه ومضى من هناك (٢) في طوافه لكان قد قطع جزءًا من طوافه، وبدنه في هذا الشَّاذِرْوَان فيبطل طوافه (٣).
وقال غيره من فضلاء (٤) الشافعية: يجب على الطائف أن يكون بجميع بدنه خارج الشاذروان والحجر.
فينبغي للطائف أن يحترز في حال استلام الحَجَر والركن اليماني من هذا الشاذروان (٥)؛ لأنه إِنْ طاف وبدنه (٦) أو رأسه في هذا الشاذروان أو وطأه برجله لم يصح طوافه، فالواجب على الطائف أن يثبت قدميه في مطافه (٧) مخافة مزاحمة الناس حتى يفرغ من تقبيله ويعتدل قائمًا ثم يمشي (٨).
_________________
(١) في المجموع: زلتا.
(٢) (ص)، (ب): هنالك، وما أثبتناه مطابق لما في المجموع.
(٣) النقل من (المجموع: ٨/ ٢٤) مع اختلاف في العبارة. من ذلك أن الجملة الأخيرة كان نصها في المجموع: ويده في هواء الشاذروان فتبطل طوفته تلك.
(٤) (ص): قضاة.
(٥) انظر (مقدمة ابن خلدون: ٢٥٢ ط. دار المصحف، مصر).
(٦) (ص): ويده.
(٧) (ب): في مكانه.
(٨) جواهر الإِكليل: ١/ ١٧٣.
[ ١ / ٣٠٩ ]
قال: وهذا من الدقائق النفيسة، وكثير من الناس يرجعون بلا حج بسبب الجهل بما قلناه.
قال التادلي: وقد نبه المتأخرون من المالكية على التحفظ من الشاذروان، كابن الحاجب وغيره، كما نبهت عليه الشافعية.
وأما هذه الدقيقة التي حذَّرتِ الشافعيةُ منها عند التقبيل وبلغت في الإِيضاح على التنبيه عليها، فلم أر أحدًا من المالكية نبَّه عليها غير شيخنا المحقق أبي يحيى بن جماعة، فقال في كتابه المسمَّى بتذكرة المبتدئ: وإِذا قبّل الطائف الحجر وقف حتى يعتدل قائمًا، وحينئذ يأخذ في المشي (١)، انتهى.
واعلم أن ابن شاس - ﵀ - هو المتبوع في ذكر هذه المسألة، ولم يذكرها أحد من المالكية قبله (٢) - فيما علمت - وأظنه أخذها من كلام
_________________
(١) نقل الحطاب ذلك في (مواهب الجليل: ٣/ ٧٤) وأشار إِلى أن التادلي نقله عن ابن معلى وقبله ابن فرحون ونقله في مناسكه ونسبه إِلى التادلي، وكأنه لم يقف على كلام ابن معلى إِذ الصواب أنه من كلام الأخير.
(٢) أشار الحطاب إِلى كلام ابن فرحون هذا، وعارضه فيه ذاكرًا أن سندًا صاحب كتاب الطراز سبق ابن شاس في ذكر هذه المسألة. (مواهب الجليل: ٣/ ٧٠ - ٧١). وأقول: كذلك سبق أبو الوليد بن رشد من المالكية ابن شاس في التنبيه على ذلك فقال فيما نقل المواق عنه: "من واجبات الطواف أن يكون بدنه خارج البيت فلا يمشي على شاذروانه". (التاج والإِكليل: ٣/ ٧٠).
[ ١ / ٣١٠ ]
الغزالي، ففي كلامه ما يقتضي ذلك (١).
وقد قال الشيخ الإِمام العلامة الخطيب أبو عبد الله بن رُشيد (٢) - بضم الراء وفتح الشين المعجمة - في رحلته، وهو كتاب حسن مفيد (٣): اعلم أنه نشأ في الطواف مسألة الله أعلم بوقت نشأة الكلام فيها، وهو ما (٤) أحاط بالبيت ملتصقًا به أسفل الجدار ما بين الركنين اليمانيين، وهو الذي يُسمى
_________________
(١) عبارة الغزالي صريحة في ذلك، وهي: "لا يكون طائفًا على الشاذروان، فإِنه من البيت وعند الحجر الأسود يتصل الشاذروان بالأرض ويلتبس به، والطائف عليه لا يصح طوافه؛ لأنه طاف في البيت. والشاذروان هو الذي فضل عن عرض جدار البيت بعد أن ضيق أعلى الجدار، ثم من هذا الموقف يبتدئ الطواف". (إِحياء علوم الدين المطبوع بهامش إِتحاف السادة المتقين: ٤/ ٣٤٩).
(٢) محمد بن عمر بن رُشيد الفهري السبتي، أبو عبد الله، إِمام حافظ وخطيب مصقع كان عادلًا حافظًا محدثًا مؤرخًا مشاركًا في الأصلين، عارفًا بالقراءات. تولى الخطابة والإِمامة بجامع غرناطة واستقر بها ورحل مرتين إِلى المشرق واستقر بها. ولد بسنة ٦٥٧. ت بفاس ٧٢١. (الديباج: ٢/ ٢٩٧ رقم ١٠٢، درة الحجال: ٢/ ٩٦ رقم ٥٣٢، الدرر الكامنة: ٣/ ٤٩٥، شجرة النور: ٢١٦ رقم ٧٦٠، النبوغ المغربي: ١/ ٢١٦).
(٣) عنوانه: ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إِلى الحرمين مكة وطيبة) صدرت منه ثلاثة أجزاء بتحقيق شيخنا الدكتور محمد الحبيب بن الخوجه.
(٤) ما: سقطت من (ص).
[ ١ / ٣١١ ]
بالشَّاذِرْوَان، وكان بسيطًا ثم زهق في هذا الوقت الأخير حتى صار كأنه مثلث احتياطًا - فيما زعموا - على الطائفين أن لا يفسدوا طوافهم بكونهم إِذا طافوا ماشين عليه حيث كان بسيطًا يكون طوافهم في جزء من البيت، وكان منتهاه إِلى قريب من الركن، ولم يكن من هذه الزيادة الظاهرة تحت الحَجر الأسود شيء، ثم زيدت بمقدار سائره في المدة الأخيرة.
وهذا الاسم - أعني الشَّاذِرْوَان - لفظة عجمية * وهي بلسان الفرس بكسر الذال، لا توجد هذه التسمية في حديث صحيح ولا سقيم ولا عن صحابي، ولا عن أحد من السلف فيما علمت، ولا لها ذكر عند فقهاء المالكية المتقدمين والمتأخرين إِلا ما وقع في الجواهر لابن شاس (١) وتبعه أبو عمرو بن الحاجب (٢) ولا شك أن ذلك منقول من كتب الشافعية، وأقدم من ذكر ذلك منهم - فيما وقفت عليه - المُزني (٣) حسبما نقله صاحب
_________________
(١) تقدم في ص ٣٠٧.
(٢) انظر ص ٣٠٧ - ٣٠٨.
(٣) إِسماعيل بن يحيى بن إِسماعيل المزني (نسبة إِلى مزينة من مضر) أبو إِبراهيم، إِمام شافعي حافظ ورع زاهد من أهل مصر، صحب إِمامه الشافعي، وكان مجتهدًا قوي الحجة له مصنفات منها: المبسوط والمختصر، والمسائل المعتبرة، والترغيب في العلم. ولد سنة ١٧٥. ت ٢٦٤. (الأعلام: ١/ ٣٢٧، تاريخ التراث العربي لسزكين: ١/ ٣/ ١٩٤، حسن المحاضرة: ١/ ٣٠٧ رقم ٤٩، شذرات الذهب: ٢/ ١٤٨، طبقات الشافعية للسبكي: =
[ ١ / ٣١٢ ]
الشامل (١).
وذكره من أصحابنا القاضي أبو بكر بن العربي من غير تعرض لبيان حكم، بل ذكر أنه شاهدها سنة تسع وثمانين وأربعمائة، قال: وقست خارجَها والحِجر والشاذِروان.
ولنرجع إِلى الكلام في هذه المسألة فنقول: انعقد إِجماع أهل العلم قبل طرو هذا الاسم الفارسي على أن البيت متمم على قواعد إِبراهيم ﵇ من جهة الركنين اليمانيين، ولذلك استلمهما النبي - ﷺ - دون الآخرين (٢)، وأن ابن الزبير (٣) لما
_________________
(١) = ١/ ٢٣٩، وفيات الأعيان: ١/ ٢١٧ رقم ٩٣). وذكر المزني للشاذروان ورد في قوله: "إِن طاف فسلك الحجر أو على جدار الحجر أو على شاذروان الكعبة لم يعتد به في الطواف". (مختصر المزني: ٢/ ٧٨).
(٢) هو عبد السيد البغدادي، وسيأتي التعريف به وشيكًا. وهنا ينتهي كلام ابن رشيد، اختصره ابن فرحون. انظر (ملء العيبة: ٥/ ١٠٦ - ١٠٧).
(٣) عن عبد الله بن عمر أنه قال: لم أر رسول الله - ﷺ - يمسح من البيت إِلا الركنين اليمانيين، أخرجه مسلم. (الصحيح: ١/ ١٩٤، كتاب الحج، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف رقم ٢٤٢).
(٤) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو بكر وأبو خُبيب، أمه أسماء =
[ ١ / ٣١٣ ]
نقضه (١) وبناه إِنما زاد فيه من جهة الحجر وأقامه على الأسس الظاهرة التي عاينها العدول من الصحابة وكبار التابعين (٢).
وكذلك وقع الاتفاق على أن الحَجَّاج (٣) لما نقض البيت بأمر عبد الملك (٤) لم ينقض إِلا جهة الحِجْر خاصة وأقام فرش داخل الكعبة إِلى ما كان عليه من الارتفاع، وغلق الباب الغربي وهو باق مسدود إِلى الآن ظاهر لكل أحد. وكان ابن الزبير فتح للبيت بابًا غربيًا وترك الحجاج أيضًا ما زاده ابن الزبير في ارتفاع
_________________
(١) = بنت أبي بكر، وهو أول مولود في الإِسلام بالمدينة، كان فصيحًا شريفًا شجاعًا لسنا بويع بالخلافة بعد موت يزيد، وقتله الحَجَّاج سنة ٧٢ أو ٧٣. (خلاصة تذهيب التهذيب: ١٩٧، مشاهير علماء الأمصار: ٣٠ رقم ١٥٤).
(٢) (ر): لما بناه ونقصه، والصواب ما أثبتناه من (ص)، (ب).
(٣) قال التقي الفاسي: "وسعه عبد الله بن الزبير من جانبه الشرقي والشامي واليماني". (العقد الثمين: ١/ ٨٣).
(٤) الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد، القائد السفاك الخطيب. أمره عبد الملك بقتال ابن الزبير ثم ولاه مكة والمدينة والطائف، ثم العراق عندما كانت الثورة قائمة فيه فقمعها وثبتت له الإِمارة عشرين سنة. ولد سنة ٤٠. ت ٩٥. (الأعلام: ٢/ ١٧٥، تهذيب التهذيب: ٢/ ٢١٠ رقم ٣٨٨، وفيات الأعيان: ٢/ ٢٩ رقم ١٤٩).
(٥) عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، أبو الوليد الخليفة الداهية. انتقلت إِليه الخلافة بموت أبيه سنة ٦٥ فضبط الكثير من أمورها. ت ٨٦ بدمشق. (الأعلام: ٢/ ٣١٢، تاريخ الطبري: ٦/ ٤١٨، ميزان الاعتدال: ٢/ ٦٦٤ رقم ٥٢٤٨).
[ ١ / ٣١٤ ]
البيت على حاله (١)، وليس للشاذروان في هذا العمل كله ذكر.
ولنذكر كلام بعض أئمة الشافعية في ذلك:
قال أبو نصر بن الصباغ الشافعي (٢) محتجًا في ذلك على أبي حنيفة - ﵀ - حيث قال في الركن اليماني: لا يستلمه (٣) لأنه لا يقبل فلا تستلمه كالركنين الآخرين (٤).
قال ابن الصباغ: أما قياسهم على الركنين الآخرين، فالجواب أن الركن
_________________
(١) انظر: أخبار مكة للأزرقي: ٢/ ٦٩ وما بعدها.
(٢) عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي، أبو نصر، فقيه شافعي كان يدرس بالمدرسة النظامية أول ما فتحت. ألف "الشامل" في الفقه، و"تذكرة العالم" و"العدة" في أصول الفقه، ولد سنة ٤٠٠. ت ٤٧٧. (الأعلام: ٤/ ١٣٢، طبقات الشافعية لابن السبكي: ٢/ ١٥٥، طبقات الشافعية للحسيني: ١٧٣، كحالة: ٥/ ٢٣٢، مفتاح السعادة: ٢/ ٢٨٥، وفيات الأعيان: ٣/ ٢١٧ رقم ٣٨٨).
(٣) (ب)، (ص): لا يستلم.
(٤) قال الكاساني موضحًا حكم تقبيل الركن اليماني عند الحنفية: "أما الركن اليماني فلم يذكر في الأصل أن استلامه سنة، ولكنه قال: إِن استلمه فحسن وإن تركه لم يضره في قول أبي حنيفة ﵀، وهذا يدل على أنه مستحب وليس بسنة. وقال محمد ﵀: يستلمه ولا يتركه، وهذا يدل على أن استلامه سنة، ولا خلاف في أن تقبيله ليس بسنة". (بدائع الصنائع: ٢/ ١٤٧).
[ ١ / ٣١٥ ]
اليماني بني على قواعد إِبراهيم ﵇، بخلاف الركن الآخر فإِنه لم يبن (١) على قواعد إِبراهيم ﵇، فافترقا.
فانظر كيف أقر ابن الصباغ في التفرقة بين اليمانيين وغيرهما أن اليمانيين على قواعد إِبراهيم ﵇، فلو كان الشاذروان من البيت لكان الركن الأسود داخلًا في البيت ولم يكن متممًّا على قواعد إِبراهيم ﵇.
وقال محيي الدين النووي: الركن الأسود فيه فضيلتان، إِحداهما: كونه على قواعد إِبراهيم ﵇، والثانية كونه فيه الحجر الأسود. وأما اليماني ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إِبراهيم ﵇. وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هذين الفضيلتين، فلهذا خص الحَجر الأسود بشيئين *: الاستلام والتقبيل للفضيلتين. وأما اليماني فيستلمه ولا يقبله؛ لأن (٢) فيه فضيلة واحدة. وأما الركنان الآخران فلا يقبلان ولا يستلمان (٣).
فهذا النووي صرح بأن اليمانيين متممان على قواعد إِبراهيم - ﵇ - فمن أين نشأ الشاذروان؟ !
قال القاضي عياض (٤) - ﵀ - في "الإِكمال": وقوله: "لم أر
_________________
(١) (ر): أما قياسه على الركنين الآخرين فإِنهما لم يبنيا.
(٢) (ص): لأنه.
(٣) أورد النووي هذا الكلام ضمن فرع. انظر (المجموع: ٨/ ٣٤).
(٤) عياض: سقطت من (ص).
[ ١ / ٣١٦ ]
رسول الله - ﷺ - يمسح إِلا الركن الأسود والذي يليه" (١)؛ لأن اليمانيين على أسّ البيت وركنان له، والآخرين بعض الحائط وليسا ركنين صحيحين؛ لأن الحجر وراءهما.
وما حُكي (٢) عن ابن الزبير - ﵄ - من استلام الأربعة، قال القابسي (٣): لأنه كان بنى البيت على قواعده الأربع، وكانت أركانًا كلها.
_________________
(١) (ب): وما يليه. وهذا الحديث رواه سالم عن أبيه قال: "لم يكن رسول الله - ﷺ - يستلم من أركان البيت إِلا الركن الأسود والذي يليه من نحو دور الجُمحيين". أخرجه مسلم (الصحيح: ١/ ٩٢٤، كتاب الحج، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف دون الركنين الآخرين، الحديث رقم ٢٤٣).
(٢) (ب): روي.
(٣) علي بن محمد بن خلف القابسي المعافري، أبو الحسن، فقيه مالكي أصولي محدث، ينسب إِلى قابس بإِفريقية، عاش بالقيروان وتوفي بها، من تصانيفه الممهد في الفقه، والرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين وتلخيص الموطإِ. ولد سنة ٣٢٤. ت ٤٠٣. (إِيضاح المكنون: ٢/ ٥٦٦، تذكرة الحفاظ للذهبي: ٣/ ٢٦٤، الديباج: ٢/ ١٠١، شذرات الذهب: ٣/ ١٦٨، كحالة: ١٩٧، والنجوم الزاهرة: ٤/ ٢٣٣).
[ ١ / ٣١٧ ]
قال القاضي: ولو بُني الآن على ما بناه ابن الزبير لاستُلِمتْ كلُّهَا، كما فعل ابنُ الزبير (١) ﵄.
فهذان الإِمامان أبو الحسن القابسي (٢) والقاضي عياض نصَّا على أنَّ اليمانيين على قواعد إِبراهيم ﵇.
قال ابن رُشَيد: وهذا عندي أمر لا يحتاج إِلى نقل، والمتشكك فيه كمن يتشكك في قاعدة من قواعد الشريعة المعروفة عند جميع الأمة (٣).
واعلم أنه وقع في كلام أبي عمرو بن الصلاح (٤) الشافعي أنَّ قريشًا لما
_________________
(١) نقل ذلك الأبي عن القاضي عياض، وهذا نصه: إِنما كان ابن الزبير يستلمهما لأنه ردهما حين بنى البيت على قواعد إِبراهيم ﵇، ولو بنيا الآن على ما بناهما ابن الزبير استلما. وأضاف الأبي قوله: قلت: نقض عبد الملك بن مروان ما بناه ابن الزبير وردهما على ما كانا عليه في زمنه - ﷺ - وهو ما هما عليه الآن. (إِكمال إِكمال المعلم: ٣/ ٤٠٦).
(٢) (ص): بن القابسي.
(٣) قال ابن رشيد الأمة: وارد في (ب) بالهامش. وقد لاحظ الحطاب أن ابن فرحون نقل كلام ابن رُشيْد، وزاد عليه. (مواهب الجليل: ٣/ ٧١).
(٤) عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الشهرزوري الكردي، أبو عمرو تقي الدين المعروف بابن الصلاح، مفسر محدث فقيه، تولى التدريس ببيت المقدس ثم بدمشق. من مؤلفاته: المقدمة والأمالي، والفتاوى، وصلة الناسك قي صفة المناسك، وشرح =
[ ١ / ٣١٨ ]
رفعوا الأساسَ بمقدار ثلاث أصابع من وجه الأرض، قال: وهو القدر الظاهر الآن من الشاذِروان الأصلي قبل تزليقه، نقضوا (١) عرض الجدار من عرض الأساس الأول.
وهذا الذي قاله لم يأت به حديث صحيح ولا ورد في قول صاحب يصح سنده، ولعل ذلك من نقل (٢) التاريخيين ولو صح هذا لاشتهر ونقل.
وهدم عبد الله بن الزبير - ﵄ - الكعبة حتى بلغ بها الأرض، وأتمها على قواعد إِبراهيم - ﵇ -، وكون الحجّاج لم يهدم مما بناه ابن الزبير إِلا ناحية الحجر، لكونه أدخله في البيت أمر معلوم مقطوع به مجمع عليه، منقول بالسند الصحيح في الكتب المعتمدة لا يشك فيه أحد.
فإِذا ثبت هذا فكيف يقال: إِن هذا القدر الظاهر الآن مما نقضته قريش من عرض الجدار؟ وهل بقي لبناء قريش أثر؟
_________________
(١) = الوسيط في فقه الشافعية. ولد سنة ٥٧٧. ت ٦٤٣ بدمشق. (الأعلام: ٤/ ٣٦٩، الأنس الجليل: ٢/ ٤٤٩، شذرات الذهب: ٥/ ٢٢١، طبقات الشافعية للحسيني: ٢٢٠، طبقات الشافعية لابن السبكي: ٥/ ١٣٧، كحالة: ٦/ ٢٥٧، مفتاح السعادة: ١/ ٣٩٧ و٢/ ٢١٤، وفيات الأعيان: ٣/ ٢٤٣ رقم ٤١١).
(٢) (ب): نقصوا.
(٣) نقل: ساقط من (ر).
[ ١ / ٣١٩ ]
فالسهو والغلط فيما نقله ابن الصلاح مقطوع به والعصمة للأنبياء.
والذي نقله أبو عبيد (١) في كتابه "المسالك والممالك": "أن ابن الزبير لما هدم الكعبة كلها (٢) وألصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعًا وظهرت أسسها وأشهد الناس عليها، فقال لهم ابن الزبير: اشهدوا، ثم وضع البناء على ذلك الأساس (٣) ".
فهذا الذي يسميه الناس اليوم الشاذروان اسم حادث على شيء * وُضع (٤) ليصان به الجدار خيفة إِجحاف السيول.
وذكر ابن عبد ربه (٥) في كتابه "العقد" في صفة الكعبة ما فيه إِشارة إِلى
_________________
(١) عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري، أبو عبيد، لغوي مؤرخ نسابة جغرافي، من تآليفه: معجم ما استعجم، وفصل المقال، والمسالك والممالك، ولد بقرطبة سنة ٤٣٢. ت بها ٤٨٧، ودفن بمقبرة أم سلمة. (الأعلام: ٤/ ٢٣٣، تاريخ الفكر الأندلسي: ٣٠٩، عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة: ٢/ ٥٢، كحالة: ٦/ ٧٥، هدية العارفين: ١/ ٤٥٣).
(٢) كلها: سقطت من (ر)، (ب).
(٣) لم نعثر على هذا المعنى في كتاب: جزيرة العرب من كتاب الممالك والمسالك لأبي عبيد البكري، وإِنما هو وارد في (أخبار مكة للأزرقي: ١/ ١٤٣). وانظر (إِكمال الإِكمال: ٣/ ٤٢٣ وما بعدها).
(٤) (ص): صنع.
(٥) أحمد بن محمد بن عبد ربه، أبو عمر، من أهل قرطبة. كان شاعرًا أديبًا اشتغل =
[ ١ / ٣٢٠ ]
أنه جعل حول البيت ما يقيه من السيول (١).
وقال تقي الدين بن تيمية (٢) في مناسكه الجديد: وليس الشاذروان من البيت، بل جعل عمادًا للبيت.
ومما يؤيد ذلك أن داخل الحجر تحت حائط الكعبة شاذروان نظير الشاذروان الذي خارج البيت، ولم يقل أحد: إِن هذا الذي في الحجر له حكم الشاذروان الخارج، ولا أنه عماد وأن الخارج شاذروان، فكون هذا الشاذروان مراعى في الطواف لا دليل عليه، ومثل هذا لا يثبت إِلّا بالإِجماع الصحيح المتواتر النقل.
_________________
(١) = بأخبار الأدباء، وجمعها وكتابه العقد الفريد من أشهد كتب الأدب. ولد سنة ٢٤٦. ت ٣٢٨. (الأعلام: ١/ ١٩٧، بغية الملتمس: ١٣٧).
(٢) عبارته: "وحول البيت كله إِلا موضع الركن الأسود، درجة مُجصصة يكون ارتفاعها عظم الذراع في عرض مثله وقاية للبيت من السيل". (العقد الفريد: ٦/ ٢٥٦). وإلى هنا ينتهي نقل كلام ابن رشيد، وقد ساقه ابن فرحون مختصرًا، وصله في (ملء العيبة: ٥/ ١٠٦ - ١٢٢).
(٣) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النمري الحراني الدمشقي الحنبلي الإِمام المجدد الشهير، شيخ الإِسلام. ولد سنة ٦٦١. ت ٧٢٨. (الأعلام: ١/ ١٤٠، البداية والنهاية: ١٤/ ١٣٥، البدر الطالع: ١/ ٦٣ رقم ٤٠، الدرر الكامنة: ١/ ١٤٤، كحالة: ١/ ٢٦١ و١٣/ ٣٦١، النجوم الزاهرة: ٩/ ٢٧١).
[ ١ / ٣٢١ ]
وقد ذكر أبو العباس القباب (١) أحد علماء الأعلام بمدينة فاس هذه المسألة في شرحه لقواعد القاضي عياض، واستبعد صحةَ ما حذَّروا منه في الشاذروان (٢).
وقول بعض المتأخرين من الشافعية: ينبغي أن يتفطن لدقيقة (٣)، من
_________________
(١) أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الجذامي المعروف بالقباب، أبو العباس، من أهل فاس، فقيه جيد النظر، ولي الفتيا بفاس والقضاء بجبل الفتح. أخذ عنه ابن القنفذ القسنطيني وابن الخطيب الأندلسي، وغيرهما، وله رحلة مشرقية لقي فيها ابن عرفة، له فتاوى نقل الونشريسي بعضها في المعيار. ومن تآليفه: شرح قواعد عياض، وشرح بيوع ابن جماعة، ومختصر أحكام النظر. ت ٧٧٩ وقيل ٧٨٠. (الإِحاطة لابن الخطيب: ١/ ١٩٣، جذوة الاقتباس: ١/ ١٢٣ رقم ٥٦، درة الحجال: ١/ ٤٧ رقم ٦١، مقدمتنا لتحقيق كتابه مختصر أحكام النظر).
(٢) عبارة القباب في ذلك هي: "قد حذر بعض المتأخرين من أهل المذهب من الشاذروان، وذلك أنهم لما بنوا البيت رفعوا حائطه من الأرض يسيرًا ثم نقصوا من غلظه، وتركوا منه شيئًا قليلًا فزعمت الشافعية أن من طاف بلصق حائط البيت ببعض جسده أو بيده لم يستوف البيت بالطواف ولا يجزيه، ولو كان كما قالوه لحذر من ذلك السلف الصالح لعموم البلوى بذلك مع كثرة وقوعه فتركهم ذكره دليل أن مثله مغتفر، والتوقي منه أولى. وأما أن ذلك مبطل للحج فبعيد". (القباب على قواعد عياض: ١٩٠ ب).
(٣) المراد بالدقيقة التي نبه لها بعض الشافعية - ومنهم الإِمام النووي - وهي الاعتدال بعد تقبيل الحجر، وقد سبق الكلام عنها.
[ ١ / ٣٢٢ ]
العجب فإِن (١) هذه الدقيقة كيف يمكن أن تغيب عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم، فلا يتنبه أحد لها مع تكرر الحج في كل عام، إِن هذا لمن الأمر البعيد لا تسكن إِليه نفس عاقل (٢)، والمصنف لا يحتاج إِلى جميع ما ذكرناه من الإِيضاح والبيان (٣). والله تعالى هو الموفق للصواب.
الشرط السابع: أن يكون طوافه داخل المسجد لا من ورائه ولا من وراء زمزم.
قال في التهذيب: من طاف من وراء زمزم أو في سقائف الحرم من زحام فلا بأس به، وإِن كان لِحَرٍّ لا لزحام أعاد الطواف (٤).
قال سحنون: لا يمكن أن ينتهي الزحام إِلى السقائف.
وحكي عن أبي محمد (٥) أن: من طاف في السقائف لا يرجع
_________________
(١) (ر): إِن.
(٢) نقل الحطاب هذا الكلام عن ابن فرحون وأشار إِلى أن ابن رشيد قال مثله. (مواهب الجليل: ٣/ ٧٥).
(٣) قال الشيخ محمد الطالب بن الحاج: جزمت جماعة أن الشاذروان من البيت وهو المعتمد عند الشافعية فينبغي الاحتراز عنه في الطواف، ومن لم يحترز يعيد ما دام في مكة فإِن بعد منها لا يلزم بالرجوع مراعاة لقول ابن رشيد والقباب وغيرهما أنه ليس من البيت. (الطالب ابن الحاج على ميارة: ٢/ ٩٢) ومثله في (مواهب الجليل: ٣/ ٧١).
(٤) كذا في (تهذيب المدونة للبراذعي: ١/ ٥٢٤) مع اختلاف يسير في العبارة.
(٥) هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني.
[ ١ / ٣٢٣ ]
لذلك من بلده (١).
قال ابن شبلون (٢): يرجع من بلده (٣).
قال سند: يستحب الدنو من البيت كالصف الأول (٤).
الثامن: إِكمال العدد (٥).
فمن طاف أول دخوله مكة ستة أشواط ونسي السابع وصلى الركعتين وسعى، فإِن كان قريبًا طاف شوطًا واحدًا وركع وسعى، وإِن طال ذلك أو انتقض وضوؤه، أو ذكر ذلك في طريقه أو بلده رجع فابتدأ الطواف من أوله وركع وسعى، وإِن كان قد جامع النساء فليرجع وليعمل كما وصفنا في الذي طاف على غير وضوء.
_________________
(١) هذا الحكم أورده القباب معزوًا لابن أبي زيد (القباب على قواعد عياض: ١٩٠ ب).
(٢) عبد الخالق بن خلف بن سعيد بن شبلون أبو القاسم، فقيه كان عليه الاعتماد في الفتوى بالقيروان بعد ابن أبي زيد. ألف (المقصد) أربعين جزءًا. (الديباج: ٢/ ٢٢، الشجرة: ٩٧ رقم ٢٢٨، طبقات الشيرازي: ١٦٠، كحالة: ٥/ ١٠٩).
(٣) كذا في (القباب على قواعد عياض: ١٩٠ ب) وأضاف القباب: "وقول ابن شبلون كقول أشهب الذي جعله كالطائف من وراء الحرم".
(٤) قول سند هذا أورده المواق في (التاج والإكليل: ٣/ ٧٥).
(٥) انظر (التاج والإِكليل، مواهب الجليل: ٣/ ٦٤).
[ ١ / ٣٢٤ ]
فائدة:
نقل ابن حبيب عن مجاهد أنه كره أن يقال: شَوْط أو دَور، ولكن يقال: طوف (١).
فرع:
والشك في الإِتمام كتيقّن (٢) النقص (٣).
فرع:
ولو أخبره أحد بالإِكمال أجزأه.
وسئل مالك عن الرجل يطوف بالبيت فيشك في طوافه ورجلان معه فيقولان له: قد أتممتَ طوافك؟ قال: أرجو أن يكون خفيفًا (٤).
_________________
(١) حكى عياض عن بعض السلف كراهة أن يقال: أشواط وأدوار وإِنما يقال: أطواف كما هي في أكثر الأحاديث، ولعل ذلك إِيثار للفظ الوارد في القرآن. (القباب على قواعد عياض: ١٩٠ ب). وقد أشار الحطاب إِلى نقل ابن فرحون عن ابن حبيب المذكور أعلاه، ونقل الحطاب عن سند أن إِطلاق الأطواف مجمع عليه، وأن مالكًا جوز إِطلاق الأشواط وأن الشافعي كره الأشواط والأدوار. (مواهب الجليل: ٣/ ٦٧).
(٢) (ر): كيقين، (ب): كتحقق.
(٣) كذا في (التاج والإِكليل: ٣/ ٧٥) معزوّا إِلى الإِمام مالك.
(٤) السؤال وجوابه واردان في (البيان والتحصيل: ٣/ ٤١٤).
[ ١ / ٣٢٥ ]
مسألة:
من تمام الطواف أن يمر بجميع بدنه على الحجر.
وذكر ابن المعلّى عن بعض الشافعية أن كيفية ذلك أن يستقبل البيت ويقف إِلى جانب الحجر الأسود الذي إِلى جهة الركن اليماني بحيث يصير جميع الحجر الأسود عن يمينه ويصير منكبه عند طرف الحجر، ثم ينوي الطواف ثم يمشي مستقبل الحجر مارًّا إِلى جهة يمينه، حتى يجاوز الحجر بجميع بدنه، فإِذا جاوزه انفتل (١) وجعل يساره إِلى البيت ويمينه إِلى خارج، لو فعل هذا وترك استقبال الحجر أولًا أجزأه (٢).
وهذا من الحرج الذي لا يلزم والمذهب مبنيٌّ على عدم هذا التحديد ومراعاة هذه الكيفيات، والمراعى أن يبتدئ من الحجر الأسود ويحتاط في ابتداء الشوط الأول بحيث يكون ابتداؤه من أول الحجر الأسود.
التاسع: اتصال ركعتين، ويصليهما عند المَقَام إِن قدر على ذلك تأسيًا برسول الله - ﷺ - (٣).
_________________
(١) (ب): انتقل، وفي (ر): بياض في موضع هذه الكلمة. وفي (المجموع: ٨/ ٣٢): فإِذا جاوزه ترك الاستقبال وانفتل.
(٢) كذا في (المجموع: ٨/ ٣٢) مع بعض الاختلاف في اللفظ.
(٣) مما جاء في حديث صفة حجة النبي - ﷺ - عن جابر بن عبد الله ﵄: " حتى إِذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم تقدم إِلى =
[ ١ / ٣٢٦ ]
قال ابن الحاج: وإِن شاء صلاهما حيث شاء من المسجد ما خلا الحِجْر.
وقال الشارمساحي: يصليهما حيث شاء، إِلا في ثلاثة مواضع داخل البيت، وعلى ظهره، وما بين الحجر والبيت (١).
يعني: أنه إِذا صلى تحت ميزاب الرحمة صار مستقبل الكعبة مستدبرًا بعضها؛ ولهذا منع من الصلاة داخل الكعبة وعلى ظهرها؛ لأنه مستقبل البعض مستدبر البعض.
وإِن (٢) صلاهما في الحجر فهل يكتفي بهما؟
قال ابن بشير: في المذهب قولان.
_________________
(١) = مقام إِبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت، قال: فكان أبي يقول: قال ابن نفيل وعثمان، ولا أعلمه ذكره إِلا عن النبي - ﷺ -، قال سليمان: ولا أعلمه إِلا قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الركعتين بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. أخرجه أبو داود: كتاب المناسك باب صفة حجة النبي - ﷺ -. (السنن: ٢/ ٤٥٩ رقم ١٩٠٥). وانظر (حجة المصطفى للمحب الطبري: ٢٨ - ٣٩).
(٢) كذا في (الشارمساحي على التفريع: ٢/ ٩ أ) وأضاف بعد ذلك قوله: وكذلك جميع الصلوات المكتوبة وما يتأكد من السنن كالوتر وركعتي الفجر، وإِنما كان ذلك لأن استقبال البيت واجب، فإِذا صلى هناك لم يستقبل إِلا بعضه.
(٣) (ص): فإِن، (ب): فلو.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وسئل مالك عن الذي يتنفل بالطَّوَافِ، أترى أن يركع ركوع الطواف في الحجر؟ قال: ما يعجبني، ثم قال بعد ذلك: لا أرى بأسًا أن يركع لطواف النافلة.
ولما كان الركوعُ للطواف الواجب واجبًا منع من إِيقاعه في الحجر كالفرض، والركوع للطواف النفل، لما أوجبه على نفسه بدخوله في الطواف كره أن يفعله (١) في الحِجر.
فرع:
ويستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الأولى، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الثانية مع أم القرآن (٢).
مسألة:
وإِن ترك حاج أو معتمر الركعتين أعاد الطواف، ثم أتى بهما عقيب الطواف (٣) وسعى (٤)؛ لأن ذلك من سننهما مع التمكن، وقيل: يركعهما ولا يعيد الطواف.
_________________
(١) (ب): يوقعه.
(٢) يؤيد ذلك حديث جابر في صفة حجة النبي ﵇ وقد تقدم. انظر (تبيين المسالك: ٢/ ٢٤٠ - ٢٤١).
(٣) ثم أتى الطواف: ساقط من (ص).
(٤) (ب): ويسعى.
[ ١ / ٣٢٨ ]
فرع:
وإِن ذكرهما في سَعْيهِ رجع، فركع ليقع السعي بعدهما، وهو السنَّةُ في ذلك، إِن كان على وضوء، وإِلا أعاد الطواف بعد الوضوء (١)، وإِن قرب، قاله مالك.
وقال ابن حبيب: إِن انتقض وضوؤه ابتدأ الطواف، إِن كان واجبًا، وهو مخيَّرٌ في التطوع (٢).
مسألة:
قال الباجي: ومن حكم الطواف وركعتيه أن يؤتى بهما بطهارة واحدة (٣).
_________________
(١) (ص)، (ب): وإِلا توضأ وأعاد الطواف.
(٢) عقد الباجي فرعًا لهذا القول الذي أورده ابن فرحون مختصرًا. (المنتقى: ٢/ ٢٩١).
(٣) عبارة الباجي في ذلك هي التالية: "أمّا اتصال الطواف بركعتيه فهو من سننه؛ لأنها صلاة تضاف إِلى عبادة، فكان من سنتها أن تتصل بها وتضاف إِليها كصلاة الاستسقاء. مسألة: إِذا ثبت ذلك فإِن اتصالهما به أن يؤتى بهما عقبه ولا يجوز تأخيرهما عنه إِلا لعذر الوقت أو لعذر النسيان، وذلك مالم ينتقض وضوؤه لأن من حكمهما أن يؤتى بهما بطهارة واحدة، وذلك لما لم يلزم من اتصالهما، وكانت الطهارة في كل =
[ ١ / ٣٢٩ ]
نظائر (١):
قال التادلي: أربع مسائل من شرطها الطهارة الواحدة: سجود السهو قبل السلام، إِذا أخّره بعد السلام ثم أحدث أعاد الصلاة على قول * لأنه يلزم أن يكون بوضوء الصلاة، والطواف مع ركعتيه، والوتر مع ركعتيه.
وزاد اللخمي بعد هذا: الطواف مع السعي، إِذا طاف ليلًا وسعى صُبحًا (٢) بطهارة واحدة فإِنه يجزئه، وإِلا أعاد ما دام بمكة، فإِن خرج أهدى ويجزئه.
ويزاد خامس: وهو خطبة الجمعة إِذا ذكر أنه جنب.
قال صاحب الحلل: ينزل ويغتسل ويبني إِن قرب ذلك، فإِن طال ابتدأ الخطبة، وقيل: يتمادى ويستخلف من يصلي بهم.
فرع:
قال القرافي (٣): وإِن ذكرهما بعد السعي، قال مالك: يركعهما ويعيد
_________________
(١) = واحدة منهما، فاقتضى ذلك أن تكونا بطهارة واحدة، ومثل هذا يلزم في الوتر وركعتيه". (م. ن: ٢/ ٢٩١).
(٢) نظائر: سقطت من (ر).
(٣) (ر): ضحى.
(٤) (ر): القاضي، والصواب ما أثبتناه من (ص)، (ب)، بدليل ما سيأتي في آخر الكلام المنقول أنه من الذخيرة، ومعلوم أنها للقرافي.
[ ١ / ٣٣٠ ]
السعي، فإِن لم يذكر حتى طال ذلك أيامًا أو رجع إِلى بلده قال ابن القاسم: يركعهما مكانه في سائر الطرقات في الحج والعمرة ويهدي وطئ أم لا، فإِن ذكرهما بمكة أو قريبًا منها ولم يطأ، فإِن كانتا من طواف القدوم وليس بمراهق رجع فطاف وسعى وأهدى، وإِن كانتا من طواف الإِفاضة وليس بمراهق رجع فطاف وسعى وأهدى، وإِن كانتا من طواف الإِفاضة طاف ولا دم عليه؛ لأن طواف القدوم متعيّن الوقت بخلاف الإِفاضة.
وقوله: إِن طوافَ الإِفاضة غيرُ متعيّن الوقتِ، فيه نظر. بل هو متعيِّنُ الوقتِ، وهو من يوم النحر إِلى آخر شهر ذي الحجة.
قال: وإِن كانتا من طواف القدوم الذي أخّره وهو مراهق أو أحرم من مكة أو كانتا من عمرة طاف وسعى ولا دم عليه.
وإِن وطئ، وهما من أيّ طواف كانتا، فتذكر بمكة أو قريبًا منها طاف وركع وسعى لما فيه سعي وأهدى واعتمر، وإن رجع إِلى بلده ركعهما مكانه وأهدى (١).
ويختلف في جعل النسيان عذرًا كالمراهقة فيسقط الدم، وإِذا قلنا تختصُّ الإِفاضةُ بوقت معين، وجب الدم.
وعلى رأي أشهب: يجب الدم في العمرة للتفريق.
_________________
(١) وإِن رجع .. وأهدى: ساقط من (ر).
[ ١ / ٣٣١ ]
وقال مالك في الكتاب: إِن كانتا من عمرة لم يجب عليه شيء، إِلا أن يلبس الثياب ويتطيب، فالدم ينوب عنهما (١).
وقال المغيرة: يرجع لهما لأن فعلهما لا يفوت، والأول أحسن لأنهما ليستا بركن ولا يختصان بمكان معين، من الذخيرة (٢).
مسألة:
لو طاف أسبوعًا كاملًا ونسي أن يركع بعده وطاف شوطًا ثامنًا أو أكثر من ذلك ثم ذكر ذلك ولم يكن قصد أن يجمع بين أسبوعين فإِنه يقطع ويركع ركعتين للسبع الكامل، ويلغي ما زاد عليه، ولا يعتد به إِن أراد أن يطوف أسبوعًا آخر، وهذا حكم العامد أيضًا، فأمّا إِذا أكمل أسبوعين عامدًا أو ناسيًا صلَّى لكلِّ واحد منهما ركعتين (٣)، قاله الباجي.
فرع:
لا خلاف في جواز الطواف بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، والأفضلُ: أن يكون بعد طلوع الشمس وبعد غروبها، لتتصل الركعتان
_________________
(١) نصه: "قلت لابن القاسم: أرأيت رجلًا دخل مكة معتمرًا فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ونسي الركعتين اللتين على إِثر الطواف حتى انصرف إِلى بلاده ووطئ النساء؟ قال: يركعهما إِذا ذكر ويهدي هديًا. (المدونة: ٢/ ١٦٠).
(٢) الذخيرة: ٣/ ٢٤٣ وفيه: ولا يختصان بمكان واجب.
(٣) المنتقى: ٢/ ٢٨٩.
[ ١ / ٣٣٢ ]
بالطواف (١).
وفي الذخيرة: ولو (٢) ركعهما بعد العصر أعادهما استحبابًا، والقياس الإِجزاء؛ لأن الوقت يقبل الصحة بدليل فعل المفروضات، والمشهور: أن لا يركعهما بعد الصبح، حتى تطلع الشمس.
وقال مطرف: يركع إِن كان بغلس * والمستحب فعلهما في المسجد أو بمكة، فإِن فعلهما في طريقه بوضوء واحد فلا رجوع عليه، وِإن انتقض وضوؤه أعاد الطواف والسعي.
فرع:
وإِذا أخرهما إِلى المغرب قدّم المغرب عليهما، قاله ابن القاسم (٣).
وقيل: هو مخير في تقديم أيهما شاء.
مسألة:
قال ابن رشد: قال ابن نافع (٤): وإذا طاف قبل الصبح فخشي الإِقامة، فليبدأ بركعتي الطواف قبل ركعتي الفجر.
_________________
(١) النوادر والزيادات: ١/ ١٦٥ أ.
(٢) (ر): وإن.
(٣) الذخيرة: ٣/ ٢٤٣.
(٤) عبد الله بن نافع الزبيري، من ذرية الزبير بن العوام، يعرف بالأصغر، فقيه سمع من =
[ ١ / ٣٣٣ ]
تنبيه:
يقال: سَبعْ بضم السين وفتحها، فمن فتح جعله جمعًا، ومن ضمّ جعله اسمًا مفردًا بمعنى الأسبوع، والأسبوع: اسم مفرد يراد به الجمع وليس بجمع، والسبوع: جمع سَبع بفتح السين كفلس وفلوس.
_________________
(١) = مالك وغيره، ثقة صدوق، خرّج عنه مسلم. ت ٢١٦ على ما قال ابن فرحون ومخلوف. (تهذيب التهذيب: ٦/ ٥٠ رقم ٩٦، الجرح والتعديل: ٥/ ١٨٤ رقم ٨٥٧، الديباج: ١/ ٤١١، الشجرة: ٥٦ رقم ١٢، المدارك: ٣/ ١٢٨، ميزان الاعتدال: ٢/ ٥١٤).
[ ١ / ٣٣٤ ]
فصل: في سنن الطواف
وهي أربع:
الأولى: الرَّمَل، وهو سنة، وقيل: مستحب، وعلى هذا يأتي اختلاف قول مالك - رحمه الله تعالى - في وجوب الإِعادة على من تركه، وفي وجوب الدم على من ترك الإِعادة.
ومعنى الرَّمَل: الإِسراع في الطواف بالخَبب، ولا يَحْسر عن منكبيه ولا يحركهما (١).
قال ابن رشد: والخَبب في طواف القدوم في الحج والعمرة سنة لمن أحرم من الميقات باتفاق، ولمن أحرم من التنعيم أو الجعرانة على اختلاف، ولا يخب في طواف الإِفاضة ولا في التطوع، ولا على أهل مكة خببٌ (٢).
_________________
(١) عرف أبو عمر الرَّمَلَ فقال: هو المشي خَبَبًا يشتد فيه دون الهرولة، وهيئته أن يحرك الماشي منكبيه بشدة الحركة في مشيه. وفي الحديث إِشارة إِلى سببه، وهو أنه لما قدم النبي - ﷺ - مكة في عمرة القضاء قال المشركون: إِن محمدًا وأصحابه وهنتهم حمى يثرب، وفي بعضها لا يستطيعون أن يطوفوا من الهزال؛ فقال الرسول - ﷺ -: رحم الله امرءًا أظهر الجلد من نفسه، وأمرهم بالرَّمَل، وخص به ثلاثة أطواف دون جميع الأطواف رحمة لأصحابه. (القباب على قواعد عياض: ١٩٠ ب، ١٩١ أ). وانظر (شرح العمدة: ١١١٩).
(٢) انظر (البيان والتحصيل: ١٨/ ١٦٤ - ١٦٥، التمهيد: ٢/ ٦٨).
[ ١ / ٣٣٥ ]
فرع:
واختُلِف فيمن قدِم مراهقًا، فلم يطفْ حتى رجع من منى لطواف الإِفاضة.
فروي عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان لا يرمل.
وفي كتاب ابن المواز: أنه يرمل.
مسألة:
واختلف في أهل مكة إِذا حجوا هل عليهم رمل؟ فكان ابن عمر - ﵄ - لا يرى عليهم رمَلًا.
وقال ابن وهب: استحب مالك أن يرملوا
وقال الباجي: قال مالك: يرمل المعتمر المكي وغيره؛ لأنه قادم من الحل على وجه يتعقب طوافَه السعيُ (١)، ولا رمل في طواف الوداع باتفاق.
مسألة:
وفي الرمَل بالصبيِّ يُطاف به قولانِ، وأجراهما اللخمي في المريض (٢).
_________________
(١) كذا في (المنتقى: ٢/ ٢٨٥) والباجي ينقل قول مالك هذا عن المختصر.
(٢) كذا في (الجواهر: ١/ ٤٠١).
[ ١ / ٣٣٦ ]
فرع:
ولا رمَل على النّساء في طوافٍ ولا سعي (١)
مسألة:
ومحله الثلاثة أشواط الأول
فإِن زُوحِم في الرَّمَل ولم يجد مسلكًا رمل بقدر طاقته (٢).
مسألة:
وفي الذخيرة: يستحب الدنو من البيت في الطواف (٣)، إِذ هو المقصود، فإِن لم يجد فرجة فيها يرمل تأخر إِلى حاشية الناس؛ لأن الرمل أفضل من الدنو.
مسألة:
فإِن لم يرمل في الطواف الواجب، فإِن بعُد فلا إِعادة عليه، وهل يهدي أم لا؟ قولان (٤).
_________________
(١) كذا في (النوادر والزيادات: ١/ ١٦٣ ب). ونقل خليل عن ابن عبد البر الإِجماع على ذلك في (التوضيح: ١/ ٢١٩ ب).
(٢) المدونة: ٢/ ١٥٦، التوضيح: ١/ ٢٢٠ أ، تقييد أبي الحسن الصغير: ٢/ ١٥ أ.
(٣) كذا في الذخيرة: ٣/ ٢٤٥، معزوا لسند.
(٤) قال مالك: إِن ذكر في طوافه أنه نسي الرمل ابتدأ وألغى ما مضى، وقال أشهب =
[ ١ / ٣٣٧ ]
وآخر قولي مالك: أنه ليس عليه دم، وإِن قرب ففي الإِعادة قولان.
وفي المدونة، قال مالك: وإِن ذكر في الشوط الرابع أنه لم يرمل مضى ولا شيء عليه (١) *.
قال ابن يونس: وهذا مبنيٌّ على أنه لا إِعادة عليه، وأما على قوله: إِن قرب أعاد، فينبغي أن يبتدئ ويلغي ما مضى.
الثانية: أن يطوف (٢) ماشيًا، فإِن طاف محمولًا أو راكبًا لعذر أجزأه وإِلا أعاد الطواف إِلا أن يكون رجع إِلى بلده فليهرق دمًا.
الثالثة: الدعاء، وليس بمحدود (٣)، وقد تقدم أنه - ﷺ - كان يقول بين (٤)
_________________
(١) = في تارك الخبب: إِنه يعيد طوافه، وإِن فات أهدى، وقال عبد الملك: لا يعيد الرمل وعليه دم. وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك أن ذلك خفيف ولا شيء عليه.
(٢) نصها: "وسئل مالك عن رجل نسي أن يرمل أو جهل في أول طوافه بالبيت أو جهل أو نسي أن يسعى في بطن الوادي بين الصفا والمروة؟ قال: هذا خفيف، ولا أرى عليه شيئًا. قال ابن القاسم: وقد كان مالك قال مرة: عليه الدم، ثم رجع عنه بعد ذلك إِلى هذا أنه لا دم عليه، سألناه عنه مرارًا كثيرة؟ كل ذلك يقول: لا دم عليه". (المدونة: ٢/ ١٥٦).
(٣) (ص): أن يكون.
(٤) كذا في (الجواهر: ١/ ٤٠١، مناسك التاودي: ١٤).
(٥) (ص): ما بين.
[ ١ / ٣٣٨ ]
الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١).
وكان عبد الرحمن بن عوف (٢) - ﵁ - يقول في الطواف: ربّ قني شح نفسي (٣).
وكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
_________________
(١) البقرة ٢٠١. قال أشهب: إِن أكثر كلام عمر وعبد الرحمن بن عوف فيه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ الآية. (النوادر: ١/ ١٦٣ ب).
(٢) عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، أبو محمد، المكي ثم المدني، سماه النبي - ﷺ - عبد الرحمن، وسماه الصادق البار، أسلم قديمًا وهاجر قديمًا، ولد بعد الفيل بعشر سنين. ت ٣٢. (الأعلام: ٤/ ٩٥، الاستيعاب: ٢/ ٣٨٥، الإِصابة: ٢/ ٤٠٨ رقم ٥١٨١، حلية الأولياء: ١/ ٥٨، الرياض المستطابة: ١٧٦، الرياض النضرة: ٢/ ٢٨١، صفة الصفوة: ١/ ١٣٥، أسد الغابة: ٣/ ٤٨٠).
(٣) اتبع رجل عبد الرحمن بن عوف في الطواف فرآه يكثر من قوله: اللهم قني شح نفسي، فلما فرغ قال له الرجل: رأيتك تطوف فتقول: اللهم قني شح نفسي، فقال إِن الله ﵎ يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. قال ابن رشد: ﵁ عن عبد الرحمن بن عوف: فإِن الذي دعا به أحسن ما يدعى به؛ لأن فيه جماع الخير كله (البيان والتحصيل: ٤/ ٣٤ - ٣٥).
[ ١ / ٣٣٩ ]
قال سنَد: ويُستحب إِذا فرغ من طوافه أن يقف بالملتزَم للدعاء ويعتنق ويلح بالدعاء.
وكان ابن عمر - ﵄ - يضع صدره ووجهه وذراعيه وكتفيه على الحائط ويبسطهما ثم يقول: هكذا رأيته - ﷺ - يفعل (١).
فائدة:
وقال الحسن بن أبي الحسن (٢): يستحب الدعاء بمكة في خمسة عشر موضعًا: عند الملتزم، وتحت الميزاب، وخلف المقام (٣)، وفي الطواف، وفي عرفة، وفي جمع وهو المزدلفة، وفي منى، وعند الجمرات، وعند الصفا، وعند المروة، وفي زمزم وفي السعي، وعند المشعر (٤). انتهى.
ويستحب أيضًا عند الحلاق.
والملتزم: يسمى الحَطِيم، لأنه يدعى فيه على الظالم فيحطم.
_________________
(١) أورد الطبري عن ابن عمر أنه كان يلزق صدره ووجهه بالملتزَم، وقال: أخرجه الدارقطني. (القِري: ٢٨٠).
(٢) هو الحسن بن يسار البصري، تقدمت ترجمته.
(٣) المقام في المسجد الحرام: مقام إِبراهيم. وفي سبب التسمية أقوال، أوردها القاضي عياض، في (مشارق الأنوار: ١/ ٣٩٣).
(٤) رسالة فضل مكة: ١١ ب.
[ ١ / ٣٤٠ ]
الرابعة: استلام (١) الحجر الأسود بفيه في أول كل شوط لمن قدر عليه، فإِن لم يقدر وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل.
وجمهورهم على أنه يقبل يده، إِلا مالكًا في أحد قوليه، والرواية (٢) الأخرى عنه أنه يقبل يده (٣) فإِن لم يقدر بيده لمسه بعود ووضعه على فيه (٤)، وفي تقبيله روايتان (٥)، فإِن لم يقدر قام بحذائه وكبّر ومضى (٦) ولا يشير إِليه بيده، ويضعها على فيه، فإِن لم يفعل فلا شيء عليه.
_________________
(١) الاستلام: افتعال من السلام (بفتح السين) كأن المستلم يحيي الحجر الأسود. قال عياض: هذا المعنى أبين من غيره لاستعماله في الركن وغيره. (التوضيح لخليل: ١/ ٢١٩ أ).
(٢) (ب): وفى الرواية.
(٣) إِلا مالكًا يده: ساقط من (ص).
(٤) عن أبي الطفيل قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن". قال النووي: المحجن (بكسر الميم، وإسكان الحاء وفتح الجيم) عصا معقفة يتناول بها الراكب ما سقط له، ويحرك بطرفها بعيره للمشي. (صحيح مسلم بشرح النووي: باب جواز الطواف على بعير: ٩/ ١٨).
(٥) قال ابن شاس: إِن منعته الزحمة من الاستلام بالفم اقتصر على مسه بكفه، أو بما معه من عود إِن لم يستطع، ثم في تقبيل ما يلمسه به روايتان، ويستحب ذلك في آخر كل شوط. (الجواهر: ١/ ٤٠٠).
(٦) (ر): ومشى.
[ ١ / ٣٤١ ]
ولا يسجد عليه عند مالك، قال: وهو بدعة (١).
وجمهورهم على جواز فعل ذلك (٢).
قال ابن حبيب: وما أرى كراهة مالك للسجود إِلا في الفتوى، ولا بأس به للرجل في خاصة نفسه (٣).
ولا يقبل الركن اليماني ولكن يستلمه باليد (٤).
واختلف عنه في تقبيل اليد.
وليس ذلك بلازم للنساء عند جميعهم.
فرع:
وإِذا فرغ من الطواف فأراد الركوع، فليس عليه أن يعودَ إِلى الاستلام، فإِذا ركع وأراد الخروج إِلى السعي عاد فاستلم، فإِن طاف بعد ذلك تطوعًا ابتدأ بالاستلام.
_________________
(١) هذا القول وارد في المدونة. قال الإِمام سحنون: "قلت لابن القاسم: أرأيت إِن وضع الخدين والجبهة على الحجر الأسود؟ قال: أنكره مالك، وقال: هذه بدعة". (المدونة: ٢/ ١٥٧). وانظر (التوضيح لخليل: ١/ ٢١٩ أ، إِكمال الإِكمال: ٣/ ٤٠٦).
(٢) قال عياض: أما السجود على الحجر ووضع الخد عليه فأجازه الجمهور، وقال مالك: هو بدعة (إِكمال الإِكمال: ٣/ ٤٠٦). وانظر (ملء العيبة: ٥/ ١٢٢ - ١٢٣).
(٣) نقل ذلك الأبي عن ابن حبيب في (إِكمال الإِكمال: ٣/ ٤٠٦).
(٤) الشرح الصغير وحاشية الصاوي: ٢/ ٤٩.
[ ١ / ٣٤٢ ]
فرع:
وليس عليه أن يستلم الركن في ابتداء طوافه، إِلا في طوافه (١) الواجب، إِلا أن يشاء *.
مسألة:
قال ابن وضاح (٢): واستلام الحجر الأسود بغير صوت، وإِنما يكون بالصوت في قبلة الشهوة.
قال أبو عمران: وهذا تضييق، ومن قبّل مصحفًا أو خبزًا أو رأس عالم، هل يقال له هذا (٣)؟ وإنما هو صوت يتولَّدُ (٤) مع التقاء الأعضاء (٥).
_________________
(١) (ب): الطواف.
(٢) (ص): ابن حجر.
(٣) قول ابن وضاح وردّ أبي عمران أوردهما خليل في (التوضيح: ١/ ٢١٩ أ). وقال خليل: (وفي الصوت قولان) يعني الكراهة والإِباحة. (الشرح الكبير، للدردير: ٢/ ٤١). والقول بالإِباحة رجحه غير واحد (الدسوقي على الدردير: ٢/ ٤١).
(٤) في (ر): بياض مكان هذه الكلمة.
(٥) قال الشيخ محمد بن الحاج: في كراهة الصوت وإباحته قولان، والراجح الإِباحة، وللشيخ محب الدين الطبري [الطويل]. وقالوا: إِذا قبلت وجنة من تهوى فلا تسمعن صوتًا ولا تعلن النجوى وهل يشفي التقبيل إِلا مصوتًا وهل يبرد الأحشا سوى الجهر بالشكوى (الطالب بن الحاج على ميارة: ٢/ ٨٨).
[ ١ / ٣٤٣ ]
فكأنه يقول: ذلك واسع صوّت في استلامه أم لا؟
مسألة:
ولا تستلم الركنين اللذين يليان الحجر ولا يقبلان (١)، ولا يكبر إِذا حاذاهما لأنهما ليس بركني البيت، بل هما بعض الجدار.
مسألة:
وأما استلام الركن لغير طوافٍ فلا بأس به، وليس من شأنِ الناس، ومن سُنن (٢) استلام الركن: الطهارة.
قال مالك: ولا يستلم الركنَ إِلا طاهرًا.
مسألة:
ولا يستلم الركن اليماني عند الخروج، ولكن يستلم الحجر الأسود، ولا يزيد على التكبير عند استلام الحجر والركن اليماني، في قول مالك - ﵀ -.
_________________
(١) روى ابن عمر "أن النبي - ﷺ - لم يستلم إِلا الركنين" أخرجه البخاري في باب من لم يستلم إِلا الركنين اليمانيين (الصحيح: ٢/ ١٨٦)، ومسلم في باب استلام الركنين اليمانيين في الطواف دون الركنين الآخرين: (الصحيح بشرح النووي: ٩/ ١٤) وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كما قال في (طريق الرشد: ١/ ٢٣٩ رقم ٧٥٤).
(٢) سنن: سقطت من (ص)، وفي (ب): سنة.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وعن مالك في "المجموعة": إِذا استقبل الركن (١) حمد الله وكبر (٢).
قال ابن الحاج: وليزاحم على الحجر الأسود ما لم يكن أذى.
ومكروهات الطواف الإحدى عشرة:
السجود على الركن، واستلام الركنين اللذين يليان الحجر، وقراءة القرآن (٣) وكثرة الكلام فيه، وإنشاد الشعر (٤)، وشرب الماء لغير (المضطر والبيع والشراء) (٥) مختلطًا بالنساء (٦)، وتغطية (الرجل فمه وطواف) (٧) المرأة متنقبة، والركوب لغير عذر.
وفي بعضها خلاف، من ابن راشد (٨).
_________________
(١) (ب)، (ر): الحجر.
(٢) كذا في (النوادر والزيادات: ١/ ١٦٣ أ) نقلًا عن المجموعة.
(٣) قال الشارمساحي عند شرح قول الجلاب (ولا يقرأ): "والخلاف هنا في تحقيق المناط، وهو هل هو سنة أن لا يقرأ فيه؟ فلا يقرأ فيه أصلًا أو منع ذلك لئلا يشوش على غيره؟ فتجوز القراءة إِذا أخفاها، أو لأن من شرط الطواف الذكر، ولا شيء من الأذكار أفضل من القراءة". (الشارمساحي على التفريع: ٢/ ٩ أ).
(٤) قال ابن راشد: لا بأس بالبيتين والثلاثة إِذا تضمنت وعظًا. (الباب: ٥٤).
(٥) ما بين القوسين بياض في (ص).
(٦) في (اللباب: ٥٤) والبيع والشراء والطواف مع النساء، وليطفن خلف الرجال.
(٧) ما بين القوسين بياض في (ص).
(٨) وهذه المكروهات واردة في كتاب ابن راشد الموسوم بـ (لباب اللباب: ٥٤). =
[ ١ / ٣٤٥ ]
وزاد غيره الحسر عن المنكبين، والطواف عن صبي قبل أن يطوف عن نفسه.
الركن الثالث: السعي:
وهو (من الواجبات التي) (١) لا تنجبر بالدم عند مالك - رحمه الله تعالى -.
وصفة الخروج إِلى السعى أن يسلّم من ركعتي الطواف ثم يستلم الحجر الأسود، (ثم يخرج إِلى السعي) (١).
ولم يحدد مالك لمن أراد الخروج إِلى الصفا بابًا يخرج منه، غير أن باب الصفا أقرب إِلى الخروج إِليه (٢).
_________________
(١) = وهو محمد بن عبد الله بن راشد البكري نسبًا القفصي بلدًا، نزيل تونس، أبو عبد الله المالكي، له رحلة مشرقية وحج سنة ٦٨٠، وولي قضاء قفصة. من تآليفه الشهاب الثاقب في شرح مختصر ابن الحاجب، والفائق في الأحكام والوثائق. ت ٧٣٦ بتونس. وقد حققنا من كتبه "المذهَب في ضبط مسائل المذهب". (الأعلام: ٧/ ١١١، إِيضاح المكنون: ٢/ ٣٩٩، تاريخ الدولتين: ٦٠، تراجم المؤلفين التونسيين: ٢/ ٣٢٩ رقم ١٩٣، درة الحجال: ٢/ ١١٢ رقم ٥٥٨، الديباج: ٢/ ٣٢٨، كحالة: ١٠/ ٢١٣، نيل الابتهاج: ٢٣٥، وفيات ابن قنفذ: ٣٤٦).
(٢) ما بين القوسين بياض في (ص).
(٣) انظر (التمهيد: ٢/ ٧٩).
[ ١ / ٣٤٦ ]
[الشرط الأول]
وقد استحب الدخول إِلى مكة من كَدَاء الثنية (١) ودخول المسجد من باب بني شيبة (٢)، والخروج من مكة من كُدًى (٣)؛ لأنه أسمح ولم يقل ذلك في الخروج من باب الصفا للسعي لكونه أسمح.
وله شروط:
الأول: الترتيب، وهو أن يأتي بالسعي بعد الطواف، فلو بدأ بالسعي رجع فطاف وسعى، انظر الموطأ (٤).
_________________
(١) قال الشيخ الطالب بن الحاج: عبارة الفقهاء ثنية كداء بإِضافة ثنية إِلى كداء وهو الأوجه، والثنية عبارة عن الطريق الضيق بين الجبلين. (ابن الحاج على ميارة: ٢/ ٨٧).
(٢) جواهر الإِكليل: ١/ ١٨٩. وهذا الباب كان يعرف أيضًا بباب بني عبد شمس، وهو باب السلام وهو ثلاث طاقات على اصطوانتين، ومنه دخل الرسول - ﷺ -. (جزيرة العرب من كتاب الممالك والمسالك: ٦٥، مناسك الحربي: ٤٧٧)
(٣) كُدى (بضم الكاف والقصر كهدى): الثنية السفلى. (ابن الحاج على ميارة: ٢/ ٨٧).
(٤) عبارة الإِمام مالك في الموطإِ: "من نسي من طوافه شيئًا أو شك فيه فلم يذكر إِلا وهو يسعى بين الصفا والمروة، فإِنه يقطع سعيه، ثم يتم طوافه بالبيت على ما يستيقن، ويركع ركعتي الطواف، ثم يبتدئ سعيه بين الصفا والمروة. "قال مالك في رجل جهل فبدأ بالسعي بين الصفا والمروة قبل أن يطوف بالبيت، =
[ ١ / ٣٤٧ ]
فلو طاف ولم يخرج للسعي حتى طاف سبعًا أو سُبُعَيْن تطوعًا، فأحبُّ إِلي أن يعيدَ الطواف ثم يَسعى، وإن لم يعد رجوتُ أن يكونَ في سعةٍ.
قال الباجي: ومن طاف فلا ينصرفُ إِلى بيته حتى يسعى إِلا من ضرورة يخاف فواتها، كخوفه على منزله أو كالحقن (١).
ويبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يبدو له البيت، وإن لم يصعد فلا شيء عليه. ولا يجب إِلصاق العَقِبَين بالصفا على المذهب *، بل مبلغه من غير تحديد، وهذا إِذا لم يصعد.
قال ابن المعلى عن بعض أهل المذهب: والاحتياط أن يصعد؛ للخروج من الخلاف.
قال: واشترط بعض العلماء أن يلصق عقبيه بالصفا، ويلصق أصابع رجليه بالمروة (٢).
_________________
(١) = قال: ليرجع فليطف بالبيت، ثم ليسع بين الصفا والمروة، وإن جهل ذلك حتى يخرج من مكة ويستبعد، فإِنه يرجع إِلى مكة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة". (كتاب الحج، جامع السعي، من الموطإِ)، (تنوير الحوالك: ١/ ٢٦٨، الزرقاني على الموطإِ: ٢/ ٣١٨).
(٢) هذا مختصر فرع أورده الباجي في (المنتقى: ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩).
(٣) قال سند: المذهب أنه لا يجب إِلصاق العقبين بالصفا بل أن يبلغهما من غير تحديد. (مواهب الجليل: ٣/ ٨٤).
[ ١ / ٣٤٨ ]
وقال بعض أصحابنا: يجب أن يرقى بقدر قامةٍ.
والصحيح: أنه لا يجب. وقصدهم استيعاب ما بين الصفا والمروة (١).
تنبيه:
قال الشيخ محب الدين الطبري (٢) الشافعي - إِمام المقام بمكة، وكان من الأئمة المقتدى بهم وتصانيفه دالّة على تمكنه في العلم وسعة اطلاعه - في منسكه: والمقصود باشتراط الرقي عند من يشترطه ليس إِلا طلبَ حصول استيعاب ما بين الصفا والمروة، وذلك يحصل بغير رقي، فمن دخل بنفسه أو بدايته تحت العقد المشرف على المروة فقد استوعب ما بينهما، وكذا من وقف بنفسه أو بدابته على الأرض ملاصقًا لسفل ما ظهر من الدرج أو قريبًا
_________________
(١) الواجب هو السعي بين الصفا والمروة ولا يجب الصعود عليهما بل هو مستحب (م. ن: ٣/ ٨٤).
(٢) أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر محب الدين الطبري المكي الشافعي، أبو جعفر، فقيه حافظ شيخ الحرم أخذ عن شيوخ مكة وسمع بها الحديث عنهم وعن الوافدين إِليها، وأجاز له جماعة من بغداد ومصر والشام، له مصنفات منها الأحكام، والرياض النضرة في مناقب العشرة، والكافي في غريب القرآن، والقرى لقاصد أم القرى، ولد سنة ٦١٥. ت ٦٩٤. (الأعلام: ١/ ١٥٣، شذرات الذهب: ٥/ ٤٢٥، طبقات الشافعية للسبكي: ٥/ ٨، العقد الثمين: ٣/ ٦١ رقم ٥٧١، كحالة: ١/ ٢٩٨ و١٣/ ٢٦٣، النجوم الزهرة: ٨/ ٧٤).
[ ١ / ٣٤٩ ]
من ذلك يصدق عليه أنه راق على الصفا؛ لأن اليوم بعض درج الصفا، وهي خمس أو ست منها، قد اندفن (١) في التراب وربت عليهن الأرض، فلا حاجة إِلى اشتراط الرقي (٢).
قال: ثم إِنه لا خلاف عندنا في جواز السعي راكبًا، والراكب يتعذر عليه الرقي بمركوبه، لا سيما المحايز (٣) والمحامل وشبهها، وتكليفه النزول عن مركوبه كلما وصل إِلى الصفا والمروة لأجل الرقي (٤) مشقة شديدة، وقد أجمع الناس على خلافها. انتهى.
وهو إِمام عظيم يُرجع إِليه في صحة النقل، وما ذكره من دفن درج الصفا صحيح؛ لأن أصحابنا قالوا: يرقى على الصفا حتى يبدو له البيت، والبيت في زماننا يظهر للواقف على الأرض من غير رقي، وارتفاع الأرض ظاهر فاعلمه.
_________________
(١) (ر): دفنت.
(٢) لم نعثر على هذا النص في القرى للمحب الطبري. وإِنما يستدل الطبري على استحباب الرقي بحديث أبي هريرة: إِن النبي - ﷺ - لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إِلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء الله أن يدعو. أخرجه مسلم. ويقول الطبري: قيل: بوجوب الرقي، والمشهور الاستحباب. (القِرى: ٣٢٨).
(٣) (ب): المحاير.
(٤) لأجل الرقي: ساقط من (ب).
[ ١ / ٣٥٠ ]
فإِذا رقى على الصفا قام مستقبل البيت وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) الآية، كما فعل - ﷺ - (٢).
وفي الموطإِ (٣) عن جابر بنُ عبد الله - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - كان إِذا وقف على الصفا يكبر ثلاثًا ويقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إِله إِلا الله أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده". يفعل ذلك ثلاث مرات ويدعو.
واستحسن بعضُهُم أن يقول: الله أكبر، الله أكبر (٤) ولله الحمد، الله أكبر على ما هدَانَا، والحمد لله على ما أولانا، لا إِله إِلا الله وحده لا شريك
_________________
(١) البقرة: ١٥٨، وتمامها: ﴿ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
(٢) من حديث جابر بنُ عبد الله أن الرسول - ﷺ -: " رجع إِلى البيت فاستلم الركن ثم خرج من الباب إِلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ﴾. فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت ". أخرجه أبو داود (السنن: ٢/ ٤٥٩، كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي - ﷺ -، رقم ١٩٠٥).
(٣) تنوير الحوالك: ١/ ٢٦٧، كتاب الحج، البدء بالصفا في السعي. وفيه: "يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو، ويصنع على المروة مثل ذلك".
(٤) التكبير ثلاث في (ص).
[ ١ / ٣٥١ ]
له، له الملك، وله الحمد، يُحْيِي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير (١)، لا إِله إِلا الله، ولا نعبد إِلا إِياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (٢).
وكان ابن عمر - ﵄ - يقول: اللهم إِنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣) وإِنك لا تخلف الميعاد، وإِني أسألك كما هديتني للإِسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم (٤) *.
ثم تدعو بما أحببت، ولا تلبِّي، ولا تدع الصلاة على النبي - ﷺ -.
قال ابن حبيب: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، ثم تقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
ثم تدعو بما استطعت، ثم تعيد التكبير والتهليل، ثم تدعو، تفعل ذلك
_________________
(١) بعد هذا ورد في (ر)، (ص): لا إِله إِلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
(٢) أورد الطبري طرفًا من حديث جابر في دعاء الرسول - ﷺ - على الصفا وعلى المروة بروايات مختلفة مما أخرجه النسائي بطرقه. انظر (القِرَى: ٣٢٩).
(٣) غافر: ٦٠.
(٤) ساق الطبري هذا الأثر مرويًّا عن نافع أنه سمع ابن عمر وهو على الصفا يدعو به. وقال: أخرجاه في المتفق عليه وأخرجه مالك. (القِرى: ٣٣٠).
[ ١ / ٣٥٢ ]
سبع مرات، فتكون إِحدى وعشرين تكبيرة وسبع تهليلات (١).
وتدعو بين ذلك، ثم تفعل على المروة كما فعلت على الصفا، هكذا تفعل في كل وقفة حتى تتم سبعة أشواط فتصير أربع وقفات على الصفا، وأربع على المروة.
مسألة:
وتقف النساء أيضًا على الصفا إِلا من بها علّة أو ضعف، وليس عليهن أن يصعدن إِلى أعلاه إِلا أن يخلو فيصعدن (٢) وذلك أفضل (٣) لهن (٤).
مسألة:
والسنة: القيامُ على الصَّفَا والمروة، ولا يجلس إِلا من عذر، وإِن جلس في أعلا الصفا فلا شيء عليه.
فرع:
قال ابن حبيب: وإن زوحمت على الارتقاء على الصفا إِلى حيث ترى البيت فلا حرج إِن شاء الله تعالى.
_________________
(١) كلام ابن حبيب هذا، ساقه ابن أبي زيد في (النوادر: ١/ ١٦٤ أ).
(٢) هبة المالك: ١٤٤.
(٣) جواهر الإِكليل: ١/ ١٧٨.
(٤) نص هذه المسألة وارد في (ب) بالهامش.
[ ١ / ٣٥٣ ]
فرع:
وهل يرفع يديه في الدعاء (١) هناك؟ هُنالك قولان، وبالرفع قال ابن حبيب.
قال: يرفعهما إِلى حذو المنكبين وظهورهما إِلى السماء وبطونهما إِلى الأرض (٢).
الشرط الثاني: الموالاة:
فإِن جلس بين ظهراني سعيه (٣) جلوسًا خفيفًا، فلا شيء عليه.
وإِن تطاول ذلك حتى صار كالتارك لما كان فيه ابتدأ (٤).
قال أَبو محمد بنُ أبي زيد (٥): يريد أن يبتدئ الطواف
_________________
(١) (ب): للدعاء.
(٢) كذا في (النوادر والزيادات: ١/ ١٦٤ أ).
(٣) (ر): بين طوافه وسعيه وما أثبتناه من (ص)، (ب) يطابق ما في (المدونة: ٢/ ١٧٠).
(٤) كذا في (لباب اللباب: ٥٥) معزوًّا لابن القاسم.
(٥) عبد الله بنُ أبي زيد عبد الرحمن النفزي القيرواني، أَبو محمد المعروف بمالك الصغير، كان فقيهًا حافظًا نظارًا تشد إِليه الرحلة العلمية، ذبّ عن المذهب المالكي ونشره، واشتهر بورعه وفضله وصلاحه وجوده مع سمو مكانته العلمية، تآليفه كثيرة منها: =
[ ١ / ٣٥٤ ]
والسعي (١).
قال ابن القاسم: وكذلك إِن تحدث مع أحد، أو باع أو اشترى أو صلَّى على جنازة: فيبني فيما خف من ذلك (٢) ولم يتطاول، بخلاف الطواف، وإِن كثر ذلك ابتدأ سعيه، قاله ابن حبيب.
فرع:
وإِن أقيمت عليه الصلاة في السعي فليتماد، إِلا أن يضيق وقت تلك الصلاة، فليصل ثم يبني على ما مضى له، وإِن أصابه حقْنٌ في سعيه توضأ ولا يستأنف (٣) بخلاف الطواف، وكذلك لو رعف غسل الدم وبنى.
_________________
(١) = النوادر والزيادات، والرسالة الفقهية، وتهذيب العتبية، ومختصر المدونة، والمناسك. ولد بالقيروان سنة ٣١٠ على الراجح وبها نشأ وتوفي ٣٨٦. (الأعلام: ٤/ ٢٣٠، تراجم المؤلفين التونسيين: ٢/ ٤٤٣ رقم ٢٢٨، شذرات الذهب: ٣/ ١٣١، طبقات الفقهاء للشيرازي: ١٦٠، عنوان الأريب: ١/ ٣٤، الفكر السامي: ٣/ ١٢٠، مرآة الجنان: ٢/ ٤٤١، مقدمتنا لكتاب الجامع في السنن لابن أبي زيد: ١٥ وما بعدها، هدية العارفين: ١/ ٤٤٧، وفيات ابن القنفذ: ٣٣).
(٢) كذا في (باب اللباب: ٥٥) منقولًا عنه أيضًا، ورجح الحطاب قوله على قول ابن الحاجب بإِعادة السعي.
(٣) قول ابن القاسم هذا ورد في (المدونة: ٢/ ١٧٠).
(٤) قال ابن القاسم: لقد سألنا مالكًا عن الرجل يصيبه الحقن وهو يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: يذهب ويتوضأ ويرجع ويبني ولا يستأنف. (المدونة: ٢/ ١٧٠).
[ ١ / ٣٥٥ ]
فرع:
وأما الجلوس لغير علّة فممنوع، فإِن فعل وكان شيئًا خفيفًا فلا شيء عليه وبئس ما صنع. وإِن طال استأنف، فإِن لم يستأنف وأتم سعيه على ما تقدم منه، فقال أشهب: لا شيء عليه.
ووجهه: أن اتصاله ليس بشرط في صحته، وإِنما هو من فضائله.
الشرط الثالث: إكمال العدد:
فإِن ترك شوطًا منه في حجة (١) أو عمرة صحيحة أو فاسدة فليرجع لذلك من بلده (٢).
ومن ترك من السعي ذراعًا لم يُجزِه.
ومن ابتدأ بالمروة ألغي ذلك الشوط وزاد شوطًا، ليكون باديًا بالصفا *.
الشرط الرابع: أن يتقدمه طوافٌ صحيحٌ (٣).
_________________
(١) (ب): في حج.
(٢) كذا في (مواهب الجليل: ٣/ ٨٤) وذلك بناء على أن السعي ركن وهو المعروف من المذهب كما قال الخطاب.
(٣) شرط السعي أن يتقدمه طواف صحيح، والمشهور اشتراط كونه واجبًا، كالإِفاضة والقدوم، وإِن لم ينو فريضة الطواف قبله أعاده فإِن تباعد أو طال فعليه دم. (زروق على الرسالة: ١/ ٣٥٣).
[ ١ / ٣٥٦ ]
الأولى: اتصاله بالطواف
ويسعى الحاج عقيب طواف القدوم، فإِن كان مراهقًا فعقيب طواف الإِفاضة.
وإِن أخَّره غير المراهق حتى فعله عقيب طواف الإِفاضة لزمه الدم عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب (١).
ولو أخّره حتى فعله عقيب طواف الوداع أجزأه عند مالك؛ خلافًا لابن عبد الحكم.
فرع:
ولو دخل مكة فطاف ولم ينو الفرض فلا أحب له أن يسعى إِلا بعد طواف ينوي به الفرض.
وقد تقدم أن مالكًا - ﵀ - أطلق على طواف القدوم أنه واجب، ومعناه وجوب السنن المؤكدة.
وأما سننه فخمس:
الأولى: اتصاله بالطواف (٢) إِلا الشيء اليسير، وله أن يطوف بعد الصبح
_________________
(١) زروق على الرسالة: ١/ ٣٥٣.
(٢) اعتبره الحطاب من شروط السعي مع ملاحظة أن التفريق اليسير مغتفر. ونقل عن مالك فيمن طاف ولم يخرج للسعي حتى طاف تنفلًا: أحب إِلي أن يعيد الطواف ثم يسعى، فإِن لم يعده رجوت أن يكون في سعة، وقوله فيمن طاف ثم مرض فلم يستطع السعي حتى انتصف النهار: إِنه يكره أن يفرق بين الطواف والسعي. (مواهب الجليل: ٣/ ٨٦).
[ ١ / ٣٥٧ ]
ويسعى بعد طلوع الشمس، وكذلك بعد العصر، فإِن طاف ليلًا وأخّر السعي حتى أصبح أجزأه إِذا كان بوضوء واحد، وإِلا أعاد الطواف والسعي والحلاق، فإِن خرج من مكة أهدى وأجزأه (١).
الثانية: الطهارة:
قال الحفيد (٢) في "البداية": اتفقوا على أن من شروطه الطهارة من الحيض كما في الطواف.
وما قاله الحفيد مخالف لنصوص المذهب (٣).
ولا خلاف بينهم أن الطهارة من الحدث ليست من شرطه إِلا الحسَن، فإِنه اشترطها (٤).
_________________
(١) كذا في (مواهب الجليل: ٣/ ٨٦).
(٢) محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، أبو الوليد، الشهير بالحفيد، من أهل قرطبة، كان فقيهًا مفتيًا وطبيبًا مع حظ وافر من الإِعراب والآداب والحكمة، وكان متواضعًا حميد السيرة في القضاء. ألف: بداية المجتهد، والكليات في الطب، ومختصر المستصفى في الأصول، وغيرها من المؤلفات التي تجاوزت الستين. ت ٥٩٥. (الأعلام: ٦/ ٢١٢، التكملة: ٢/ ٥٥٣ رقم ١٤٩٧، الديباج: ٢/ ٢٥٧، شذرات الذهب: ٤/ ٣٢٠، المرقبة العليا: ١١١).
(٣) هذه جملة أقحمها ابن فرحون ضمن كلام ابن رشد الحفيد لمعارضته في ادعائه الاتفاق على اشتراط الطهارة من الحيض.
(٤) نص ابن رشد: "اتفقوا على أن من شرطه الطهارة من الحيض كالطواف سواء لقوله =
[ ١ / ٣٥٨ ]
فإِن احتاج إِلى قضاء الحاجة وهو يسعى قطع وقضى حاجته وبنى، قاله مالك، يريد: ويستحب له أن يجدّد الوضوء (١).
قال مالك: وإِن انتقض وضوؤه في السعي أو ذكر أنه على غير وضوء فأحب إِليّ أن يقطع ويتوضأ ويبني، وإِن أتمه على غير وضوء أجزأه.
قال مالك: ولا أحب لأحد أن يفعله، من مختصر الواضحة (٢).
الثالثة: المشي:
قال مالك: ولا يسعى أحد بين الصفا والمروة راكبًا إِلا من عذر، ونهى عن ذلك أشد النهي (٣).
قال عنه ابن المواز: وإن ركب من غير عذر أعاد سعيه إِن كان قريبًا، وإِن بعد ذلك وطال أجزأه وأهدى (٤).
_________________
(١) = - ﷺ - في حديث عائشة: افعلي كل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تسعي بن الصفا والمروة. انفرد بهذه الزيادة يحيى عن مالك دون من روى عنه هذا الحديث، ولا خلاف بينهم أن الطهارة ليست من شرطه إِلا الحسن فإِنه شبهه بالطواف". (بداية المجتهد: ١/ ٢٧٥).
(٢) المدونة: ٢/ ١٧٠.
(٣) فإِن احتاج من مختصر الواضحة: ساقط من (ص)، (ب).
(٤) كذا في (المدونة: ٢/ ١٦٩).
(٥) مثله لابن القاسم في (م. ن: ٢/ ١٦٩) ولابن حارث في (أصول الفتيا: ٨٦).
[ ١ / ٣٥٩ ]
الرابعة: أن يتقدمه طواف واجب (١).
الخامسة: الرَّمَل:
والرَّمَل في السبعة الأشواط (٢) كلها في بطن المسيل خاصة، وهو ما بين الميلين الأخضرين (٣).
وفي مناسك التادلي مما نقله من كتاب التدريب (٤) لابن القاسم الحريري (٥) ما نصه: ويبدأ بالصفا ويختم المروة ثلاثة خببًا وأربعة مشيًا.
وهو نقل غريب.
فرع:
والرَّمل في السعي أشد من الرَّمل حول البيت، ولا رَمَلَ على النساء (٦)،
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، ويبدو أن ذلك خطأ، فقد تقدم أن تقدم الطواف على السعي من شروطه، وهو الشرط الرابع فيما ذكر ابن فرحون مما سلف. وعده ابن جزي من فرائض السعي. كما عد من سنن السعي الدعاء. (قوانين الأحكام لابن جزي: ١٥٢).
(٢) (ب): أشواط.
(٣) انظر: (شرح العمدة: ١١٤٤).
(٤) (ر): الغريب، ولم نهتد إِلى هذا الكتاب وإِلى صاحبه.
(٥) (ب): الجزيري.
(٦) قال زروق: إِنما يخب الرجال دون النساء، قالوا: والخب هنا آكد من الذي في الطواف (زروق على الرسالة: ١/ ٣٥٣). وانظر: (شرح العمدة: ١١٦١).
[ ١ / ٣٦٠ ]
ومن رمَل في جميع سعيه بين الصفا والمروة أجزأه، وقد أساء (١).
قال مالك: وإِن لم يرمل في بطن المسيل فلا شيء عليه (٢).
وفي كتاب أبي إِسحاق التونسي (٣): الرَّمل في السعي واجب على من حج أو اعتمر من المواقيت أو من مكة أو من دون المواقيت.
وإِن ترك الرَّمل فقد اختلف في ذلك.
فقال مرة: لا شيء عليه من إِعادة ولا دم *.
وقال مرة (٤): يعيد، فإِن طال، فلا شيء عليه.
_________________
(١) نص المدونة: "أرأيت من رمل في سعيه بين الصفا والمروة كله حتى فرغ من سعيه أيجزئه ذلك في قول مالك؟ قال: يجزئه وقد أساء". (المدونة: ٢/ ١٦٨).
(٢) كذا في (المدونة: ٢/ ١٧٠).
(٣) إِبراهيم بن حسن بن إِسحاق القيرواني التونسي، أَبو إِسحاق، فقيه أصولي محدث، تفقه بأبي عمران الفاسي، وغيره وأخذ عنه عبد الحميد الصائغ وغيره. ألف شروحًا وتعاليق حسنة على المدونة وعلى كتاب ابن المواز. ت ٤٤٣. (تراجم المؤلفين التونسيين: ١/ ٢٦٣ رقم ٩٥، الديباج: ١/ ٢٦٩ رقم ٩، المدارك: ٨/ ٥٨، معالم الإِيمان: ٢/ ١٧٧، هدية العارفين: ١/ ٢٤ - ١٨٠، وفيات ابن القنفذ: ٣٧).
(٤) مرة: سقطت من (ص).
[ ١ / ٣٦١ ]
فرع:
زاد ابن الحاجب في سنن السعي: تقبيل الحجر عند الخروج إِلى السعي والرقي في الصفا والدعاء (١). وغيرُه ذكره في الفضائل.
الركن الرابع: الوقوف بعرفة (٢):
فإِذا كان اليوم السابع من ذي الحجة وهو اليوم (٣) المسمى يوم الزينة أتى الناس الذين وصلوا إِلى مكة وغيرهم وقت الظهر إِلى المسجد الحرام، ويخطب الإِمام بعد صلاة الظهر خطبة واحدة لا يجلس فيها على المشهور.
وهذه الخطبة هي الأولى من خُطبِ الحج (٤) يذكر فيها فضل الحج ويعلم الناس فيها مناسكهم وما يصنعون من خروجهم إِلى مِنى يوم التروية (٥)،
_________________
(١) جامع الأمهات: ١٩٥.
(٢) الوقوف بعرفة ركن بإِجماع العلماء، ومن فاته فعليه حج قابل، باتفاقهم، وعليه الهدي في قول أكثرهم. (بداية المجتهد: ١/ ٢٧٦).
(٣) اليوم: سقطت من (ب).
(٤) خطب الحج الثلاث عند مالك وأصحابه، كلها مسنونة. (الكافي: ١/ ٤١٥ - ٤١٦، النوادر والزيادات: ١/ ١٨٦ أ).
(٥) هو ثامن ذي الحجة، واشتق يوم التروية من الري؛ لأنهم كانوا يسقون فيه الماء ليوم عرفة، أي يرتوون فيه من الماء لما بعده. (ابن الحاج على شرح ميارة للمرشد المعين: ٢/ ٩٣، حلية الفقهاء للرازي: ١٢٠، غرر المقالة: ١٧٧).
[ ١ / ٣٦٢ ]
ويلبي في أثناء خطبته هذه، وحسن أن يفتتحها (١) بالتلبية، ولا يلبي في الخطبتين اللتين بعدها في يوم عرفة وفي ثاني يوم النحر، ولكنه يكبر فيهما، ويفتتحهما بالتكبير كسائر الخطب (٢).
مسألة:
فإِذا زالت الشمس من يوم التروية فطف بالبيت سبعًا، واركع واخرج إِلى مِنى، فإِن خرجت قبل ذلك لا حرج.
وروى ابن المواز عن مالك: يخرج من مكة يوم التروية إِلى مِنى، قدر ما يصلون بها الظهر، فإِذا وصل إِلى منى صلى بها الصلوات لوقتها قصرًا (٣) ويبيت بها، إِلى أن يصبح، فيصلي بها الصبح، وكذلك فعل رسول الله - ﷺ - (٤).
_________________
(١) (ر): أن يستفتحها.
(٢) قوانين الأحكام لابن جزي: ١٥٢.
(٣) قصرًا: سقطت من (ر).
(٤) عن إِسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - بمِنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا إِلى عرفات. أخرجه الترمذي، وقال: إِسماعيل بن مسلم قد تكلموا فيه من قبل حفظه. (سنن الترمذي: ٣/ ٢٢٧، كتاب الحج باب ما جاء في الخروج إِلى منى والمقام بها، رقم ٨٧٩). وعن عبد العزيز بن رفيع قال: "سألت أَنس بن مالك ﵁، قلت: أخبرني =
[ ١ / ٣٦٣ ]
وسيأتي وقت السير منها إِلى عرفة قريبًا.
فرع:
وكره مالك المقام بمكة يوم التروية حتى يمسي إِلا من شغل أو يدركه وقت الجمعة قبل أن يخرج إِلى منى، فإِنه يصلي الجمعة قبل أن يخرج.
وقال في موضع آخر: من (١) أقام بها أربعة أيام فهؤلاء عليهم حضور الجمعة (٢).
قال أصبغ (٣): فأما المسافر فإِن شاء خرج وإِن شاء حضرها، وأحبُّ إِليّ أن
_________________
(١) = بشيء عقلته عن النبي - ﷺ -: أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمِنى" أخرجه البخاري. (الصحيح: ٢/ ١٧٣) كتاب الحج، باب أين يصلي الظهر يوم التروية.
(٢) (ص): فمن، (ب): فيمن.
(٣) قال ابن حارث: لا جمعة يوم التروية بمنى ولا يوم عرفة بعرفات ولا يوم النحر ولا أيام التشريق. (أصول الفتيا: ٨٧).
(٤) أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع مولى عبد العزيز بن مروان، أبو عبد الله، سكن الفسطاط. روى عن الدراوردي ويحيى بن سلام وغيرهما، وصحب ابن القاسم وابن وهب وأشهب وتفقه بهم. كان فقيهًا نظارًا صدوقًا ثقة. روى عنه الذهبي والبخاري وابن وضاح وغيرهم، وتفقه عليه ابن المواز وابن حبيب وابن مزين. من مؤلفاته تفسير غريب الموطإِ، وآداب الصيام، والزارعة، والرد على أهل الأهواء ولد بعد سنة ١٥٠. ت ٢٢٥ بمصر وقيل: ٢٢٤. (تهذيب التهذيب: ١/ ٣٦١، الديباج: ١/ ٣٠١، الشجرة: ٦٦، المدارك: ٤/ ١٧).
[ ١ / ٣٦٤ ]
يصليها لفضيلة المسجد الحرام.
وقال محمد: وأحب إِليّ خروجُه إِلى مِنى ليصلِّي بها الظهر (١).
وإِنما تكلم مالك على من غفل حتى أخذه الوقت.
وفي مَنْسَكِ ابنِ الحاج، قال مالك: وإذا (٢) كان يوم التروية يوم الجمعة فليصلِّ (٣) الإِمام بمِنى ركعتين بغير خطبة ويسرّ القراءة.
فرع:
وكره مالك أن يتقدم الناس إِلى مِنى قبل يوم التروية (٤)، وإلى عرفة قبل يوم عرفة.
واختلف في تقديم الأثقال.
فكره مالك ذلك حماية أن يتقدم الناس بأنفسهم؛ ولأنه لا بد أن يكون معها من يصونها.
وأجازه أشهب.
_________________
(١) الكافي: ١/ ٣٧١.
(٢) (ب): فإِذا.
(٣) (ر) فيصلي.
(٤) كذا في (مواهب الجليل: ٣/ ١١٨) وقال ابن عبد السلام: ذلك على جهة الأولى.
[ ١ / ٣٦٥ ]
مسألة:
ثم يغدو الإِمام والناس إِلى عرفة بعد طلوع الشمس، ومن غدا قبل ذلك فلا شيء عليه، ولا يجاوز بطنَ مُحَسِّر حتى تطلع الشمس على ثبير (١)؛ وهو جبل بمِنى؛ لأن ما قبل محسر (٢) في حكم مِنى، وتقول في مسيرك إِلى عرفة: اللهمّ إِليك توجهت ووجهك الكريم أردت، ونحوك قصدت، وما عندك طلبت، وإِياك رجوت، وبك وثقت، أسألك أن تبارك لي في سفري، وأن تغفر لي ذنوبي، وأن تقضي حوائجي، وأن تجعلني ممَّنْ تُباهِي به من هُوَ أفضلُ مني *، إِنك على كل شيء قدير، اللهمّ اجعلْ ذنبي مغفورًا، وحجّي مبرورًا، وارحمني ولا تخيبني، إِنك على كل شيء قدير (٣).
وتلبي وتقرأ القرآن وتكثر من سائر الأذكار والدعوات وتكثر من قوله ﷿: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤).
_________________
(١) ثبير، بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء، هو جبل المزدلفة على يسار الذاهب إِلى منى. (مشارق الأنوار: ١/ ١٣٦، معالم مكة: ٥٥).
(٢) حتى تطلع محسر: ساقط من (ص).
(٣) أورد النووي دعاء مستحبًّا في السير إِلى عرفة يتطابق مع هذا في بعض عباراته. (الأذكار: ١٧٩).
(٤) البقرة: ٢٠١.
[ ١ / ٣٦٦ ]
فرع:
وكره مالك أن يمر إِلى عرفة من غير طريق المأزمين (١) فإِن فعل فلا شيء عليه (٢)، والاختيار لذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه (٣) وسلم، وليس ذلك من المناسك، ذكره ابن زرقون (٤) في شرح الموطإِ، وإِنما يذكر أهل المذهب ذلك في الدفع من عرفات ولم أره لغيره فانظره.
_________________
(١) المآزم لغة: المضايق، وأحدهما مأزم بكسر الزاي، والمأزمان: هما جبلان كانا يعرفان بالعلمين. ونقل عياض عن ابن شعبان قوله: هما جبلا مكة وليسا من المزدلفة. وقد قال الجزولي: يمضي إِلى عرفات ويستحب أن يمشي على طريق المأزمين، وعد ذلك من السنن التي لا يوجب تركها الدم. (مشارق الأنوار: ١/ ٣٩٤، مواهب الجليل: ٣/ ١١٨).
(٢) الجواهر: ١/ ٤٠٤.
(٣) قال ابن قيم الجوزية، وهو يصف حجة الرسول - ﷺ - "وأفاض من طريق المأزمين، ودخل عرفة من طريق ضب، وهكذا كانت عادته صلوات الله عليه وسلامه في الأعياد أن يخالف الطريق". (مناسك الحج والعمرة: ٢١٣).
(٤) محمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد المعروف بابن زرقون الإِشبيلي، أَبو عبد الله، كان قاضيًا عدلًا نزيهًا حافظًا للفقه مبرزًا فيه مع البراعة والمشاركة في الأدب، كان الناس يرحلون إِليه للأخذ عنه والسماع منه لعلو سنده وروايته. من تأليفه: "الأنوار"، جمع فيه بين كتابي المنتقى والاستذكار. ولد سنة ٥٠٢. ت ٥٨٦ بإِشبيلية. (الأعلام: ٧/ ١٠، التكملة: ٢٥٦، الديباج: ٢/ ٢٥٩، الشجرة: ١٥٨ رقم ٤٨٦).
[ ١ / ٣٦٧ ]
فرع:
وفي الذخيرة قال مالك: ويُستَحب الذهاب راكبًا (١) لفعله - ﷺ - (٢)
مسألة:
فإِذا وصل الإِمام إِلى عرفة فلينزل بنَمِرة (٣) وهو الموضع الذي يُقال له: الأراك (٤) وهو أفضل منازل عرفة، وفيه نزل رسول
_________________
(١) الذخيرة: ٣/ ٢٥٥.
(٢) من حديث جابر عبد الله: " ثم ربك القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إِلى الصخرات " أخرجه أَبو داود. (السنن: ٢/ ٤٦٢ كتاب المناسك باب صفة حج النبي - ﷺ -، رقم ١٩٠٥).
(٣) نَمِرة (بفتح النون وكسر الميم) موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك إِذا خرجت من مأزمي عرفة تريد الموقف. فيه ضربت قبة الرسول - ﷺ - في حجة الوداع، وكانت عائشة ﵂ تنزل من عرفة به. (مشارق الأنوار: ٢/ ٣٤). وانظر (أخبار مكة: ٢/ ١٨٨، مجموع الفتاوى: ٢٦/ ١٢٩).
(٤) (ر): أراك وما اثبتناه واضح في (ب)، (ص). وهو اسم واد قرب مكة يتصل بغيقة. (معجم البلدان لياقوت: ١/ ١٣٥ أرك، ط. دار صادر). ويبدو لي أن الصواب: إِلال (على وزن فعال، وقيل: فَعال) وهو الجبل الصغير بعرفة على يمين الإِمام. تحدث عنه الرحالة ابن رشيد الشهير بضبط الأسماء والأماكن =
[ ١ / ٣٦٨ ]
الله - ﷺ - (١).
وينزل الناسُ حيث شاؤُوا من عرَفَة، وما قرب من مواضع منافعهم وكان أخف وأسهل.
فإِذا قرب الزوال، فيُستحب (٢) أن تغتسل كغسلك عند دخول مكة، وكذلك تفعل المرأة وإِن كانت حائضًا أو نفساء.
فإِذا زالت الشمس رُحْتَ مع الناس إِلى مسجد عرفة غير ملب على المشهور (٣) ثم صليت مع الإِمام الظهر والعصر جمعًا وقصرًا بأذان وإِقامة لكل صلاة (٤).
_________________
(١) = ونقل نصوصًا ونظمًا متعلقا به. وانظر (ملء العيبة: ٥/ ٨٩ - ٩١، اللسان: الل، الصحاح: ٤/ ١٦٧٢، النهاية: ١/ ٦٢، معالم مكة: ٣١).
(٢) جاء في حديث جابر الذي وصف فيه حجة الرسول - ﷺ -: ( وأمر (الرسول - ﷺ -) بقبة من شعَر تضرب له بنمرة. فسار رسول الله - ﷺ -، ولا تشك قريش إِلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله - ﷺ - حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها". أخرجه مسلم (الصحيح: ١/ ٨٨٩، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، رقم ١٤٧).
(٣) (ر): يستحب.
(٤) وهو اختيار مالك، وقال: على ذلك الأمر عندنا. (الكافي: ١/ ٣٧١).
(٥) الشرح الصغير: ٢/ ٥٥.
[ ١ / ٣٦٩ ]
وسنة خطبة عرفة قبل الصلاة، ويبدأ بالخطبة إِذا زالت الشمس (١).
قال ابن حبيب: أو قبل الزوال بيسير قدر ما يفرغ من الخطبة وقد زالت الشمس، فإِن عجزت فصلها في رحلك جمعًا وقصرًا بإِقامة لكل صلاة، ومع الإِمام أفضل.
قال ابن حبيب: ولا أحب لأحد أن يترك جمع الصلاتين بعرفة مع الإِمام، فإِن صليت وحدك فلا تتنفل بينهما، فإِذا سلّم الإِمام من صلاة العصر وكنت معه أو وحدك، فاذهب مع الإِمام إِلى موقف عرفات وهي جبال الرحمة.
وعرفة كلها وجبالها وسهلها وطرقها كلها موقف، وليس لموضع منها فضل على غيره لقوله - ﷺ -: "عَرَفة كلُّهَا مَوْقِفٌ" (٢).
وإِن وقفت عند الصخرات من سفح (٣) الجبل حيث يقف الإِمام فهو أفضل (٤)؛ لأنه موقف النبي - ﷺ - (٥) [في جبال] عرفة، ولكنى مع الناس، ولم
_________________
(١) أصول الفتيا: ٨٤، التوضيح لخليل: ١/ ٢٢١ ب، شرح العمدة: ١١٨٣، المدونة: ٢/ ١٧٢، موسوعة الإِجماع: ١/ ٢٨٧.
(٢) رواه جابر وأخرجه مسلم. (الصحيح: ١/ ٨٩٣، كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، رقم ١٤٩).
(٣) (ص): سفل.
(٤) (الذخيرة: ٣/ ٢٥٦).
(٥) من حديث جابر: " ركب النبي - ﷺ - حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إِلى الصخرات" أخرجه مسلم.
[ ١ / ٣٧٠ ]
يصب من وقف بمسجد عرفة (١).
وقال أصبغ: لا يجزئ الوقوف فيه (٢).
واتفقوا أنه لا يجزئ الوقوف ببطن عُرَنَة (٣).
_________________
(١) (الصحيح: ١/ ٨٩٠ كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، رقم ١٤٧). والصخرات: مفترشات في أسفل جبل الرحمة الواقع بوسط أرض عرفات. (تعليق محمد فؤاد عبد الباقي على صحيح مسلم: ١/ ٨٩٠).
(٢) (ص): بمسجد عُرنة. وهذا المسجد كان يعرف بمسجد إِبراهيم. (التتائي على نظم مقدمة ابن رشد: ٣٢٥).
(٣) الجواهر: ١/ ٥٠٤.
(٤) عُرَنة (بضم العين المهملة وفتح الراء بعدها نون) وبطن عرنة: واد بين العلمين اللذين على حد عرفة والعلمين اللذين على حد الحرم. وقال التتائي: هو أسفل عرفة، وهو من الحرم وسط الوادي المنخفض، وقال التقي الفاسي: ليست من عرفة ولا من الحرم. وقال المحب الطبري: إِن عرفة تنتهي إِلى وادي عرنة، ونقل عن ابن الزبير قوله: اعلموا أن عرفة كلها موقف إِلا بطن عُرنَة، وقال: أخرجه مالك، وحكى ابن المنذر عن مالك أنه من عرفة ولعل ذلكم رواية غير مشهورة عن مالك، إِذ صرح فقهاء المالكية أن المشهور عدم إِجزاء الوقوف بعرنة. وقد أوصى ابن جزي باجتناب الوقوف ببطن عرنة. وقال الحطاب: الصحيح أن بطن عرنة ليس من عرفة ولا من الحرم، وللخلاف فيها وقع الخلاف في إِجزاء الوقوف بها. (التتائي على نظم المقدمات: ٣٢٥، التوضيح: ١/ ٢٢٣ أ، القِرى: ٣٤٦ - ٣٤٧، قوانين الأحكام: ١٥٢، مواهب الجليل: ٣/ ٩٧، ملء العيبة: ٥/ ٩٦).
[ ١ / ٣٧١ ]
وتأخذ في التهليل والتكبير في مسيرك إِلى الموقف (١).
فرع:
فإِذا وقفت فاستقبل البيت راكبًا كنت أو ماشيًا ولا تقف على الأرض إِلا أن تكون بك علة تمنعك الركوب * أو تكون بدابّتك علة فلا بأس بذلك (٢).
قال مالك: الوقوف على ظهور الدواب سنة، والوقوف على الأرض رخصة (٣).
ووقوفك طاهرًا متوضئًا أفضل (٤)، وإِن كنت جُنُبًا من احتلام أو على غير وضوء فقد أسأت ولا شيء عليك (٥)، ولا تجلسْ إِلا لكلالٍ.
_________________
(١) قال سحنون وابن حبيب: إِذا تمت الصلاة فخذ في التهليل والتكبير والتحميد. (التوضيح لخليل: ١/ ٢٢٢ ب).
(٢) الدر الثمين: ٣٧٣.
(٣) المنتقى: ٣/ ١٩. وانظر (شرح العمدة: ١١٨٨).
(٤) استحب الوضوء لأن الوقوف من أعظم المشاهد، ولم يجب للمشقة. (الشرح الصغير: ٢/ ٥٦) وانظر (التوضيح لخليل: ١/ ٢٢٢ ب).
(٥) يصح وقوف غير الطاهر من الرجال والنساء بالإِجمال. (موسوعة الإجماع: ١/ ٢٨٧).
[ ١ / ٣٧٢ ]
فصل
وليكن وقوفك بسكينة ووقار، وأكثر من الدعاء لوالديك وأقاربك ومشائخك وأصحابك وأصدقائك وسائر من أحسن إِليك وجميع المسلمين، وأخلص التوبة واترك الإِصرار، وأكثر من الاستغفار والزم الندمَ على سالف الذنوب، والتزم (١) الإِقلاع عنها والعزم على أن لا تعود إِليها، والاستعانة بالله تعالى على ذلك، واجتهد في ذلك الزمن في الذكر والدعاء والابتهال، فهو أفضل أيام السنة للدعاء، وهو معظم الحج ومقصوده والمعول عليه، فينبغي أن تستفرغ جهدك في ذلك واحذر كل الحذر من التقصير في ذلك كله، فإِن ذلك اليوم لا يمكن تداركه بخلاف غيره، ويكون للمسلمين من دعائك نصيب وافر، فإِن ذلك يزيدك ولا ينقصك، ولا تتكلف السجع في الدعاء، فإِنه يذهب الانكسار والخضوع والافتقار والمسكنة والذلة والخشوع، إِلا أن يَدعُوَ بدعوات محفوظة له أو لغيره مسجوعة لا يشغل قلبه بترتيبها.
وروي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: إِذا دعا أحدكم فليصل على النبي - ﷺ -، فإِن الصلاة على النبي - ﷺ - مقبولة، والله تعالى أكرم من أن يقبل (٢) بعض دعائك ويرد بعضه (٣).
_________________
(١) (ب): والزم.
(٢) (ص): يقبض، وهو تصحيف.
(٣) قال النووي: أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله والثناء عليه ثم =
[ ١ / ٣٧٣ ]
وهذه أدعية القرآن الكريم، والبداية بها أحسن:
ويبدأ بالفاتحة لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١)، ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٣)، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٤)، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٥)، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ
_________________
(١) = الصلاة على رسول الله، وكذلك يختم الدعاء بهما، والآثار في هذا الباب كثيرة معروفة. وقد أورد منها حديثًا أخرجه الترمذي: وقال: حسن صحيح وهو قوله - ﷺ -: "إِذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه سبحانه والثناء عليه ثم يصلي على النبي - ﷺ - ثم يدعو بما شاء". (الأذكار: ١٠٨).
(٢) الفاتحة: ٦ - ٧.
(٣) البقرة: ١٢٧ - ١٢٨.
(٤) البقرة: ٢٠١.
(٥) البقرة: ٢٥٠.
(٦) البقرة: ٢٨٦.
[ ١ / ٣٧٤ ]
هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١)، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا * ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢)، ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٣)، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٤)، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٥)، ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٦)، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ (٧) فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٨)، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ
_________________
(١) آل عمران: ٨ - ٩.
(٢) آل عمران: ١٦.
(٣) آل عمران: ٣٨.
(٤) آل عمران: ٥٣.
(٥) آل عمران: ١٤٧.
(٦) آل عمران: ١٩١ - ١٩٢ - ١٩٣ - ١٩٤.
(٧) بما أنزلت واتبعنا الرسول: لم يرد في (ر).
(٨) آل عمران: ٥٣.
[ ١ / ٣٧٥ ]
لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالمِينَ﴾ (٢)، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَنَا مُسْلِمِينَ﴾ (٣)، ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (٤)، ﴿عَلَى اللهِ تَوَكلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالمينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٥)، ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالْصَّالحِينَ﴾ (٦)، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٧)، ﴿وَقُل رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (٨)، ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَّدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (٩)، ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي
_________________
(١) الأعراف: ٢٣.
(٢) الأعراف: ٤٧.
(٣) الأعراف: ١٢٦.
(٤) الأعراف: ١٥٥ - ١٥٦.
(٥) يونس: ٨٥ - ٨٦.
(٦) يوسف: ١٠١.
(٧) إِبراهيم: ٤٠ - ٤١.
(٨) الإِسراء: ٨٠.
(٩) الكهف: ١٠.
[ ١ / ٣٧٦ ]
فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (١)، ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٢)، ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٣)، ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ (٤) الظَّالمِينَ﴾ (٥)، ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٦)، ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (٧)، ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٨)، ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالحِينَ (٨٣) وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٩)، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا
_________________
(١) الأنبياء: ٨٩.
(٢) طه: ٢٥ - ٢٦ - ٢٧ - ٢٨.
(٣) المؤمنون: ٢٩.
(٤) (ب) لا تجعلني من القوم.
(٥) المؤمنون: ٩٤.
(٦) المؤمنون: ٩٧ - ٩٨.
(٧) الفرقان: ٦٥ - ٦٦.
(٨) الفرقان: ٧٤.
(٩) الشعراء من ٨٣ إِلى ٨٩.
[ ١ / ٣٧٧ ]
تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالحينَ﴾ (١)، ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (٢)، ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (٣)، ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٤)، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِح لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ * (٥)، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٦)، ﴿رَّبَّنَا عَلَيكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٧)، ﴿رَبَّنَا أَتْمِم لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٨)، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمِنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ (٩)، ﴿قُل أَعَوْذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِن شَرَّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِن شَرِّ
_________________
(١) النمل: ١٩.
(٢) القصص: ١٦، (ر)، (ب): أوزعني فاغفر لي: مكرر في (ص).
(٣) القصص: ١٧.
(٤) القصص: ٢٤.
(٥) الأحقاف: ١٥.
(٦) الحشر: ١٠.
(٧) الممتحنة: ٤ - ٥.
(٨) التحريم: ٨.
(٩) نوح: ٢٨.
[ ١ / ٣٧٨ ]
غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (١)، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٢)، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "أفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأفْضَلُ مَا قُلْتُ أنَا وَالنَّبِيِوُّنَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحيِي وَيمِيتُ (٣) وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ" (٤).
فيستحب الإِكثار من ذلك.
وفي الترمذي عن علي - ﵁ - أنه قال: "أكثر دعاء النبي - ﷺ - يوم عرفة في الموقف: اللَّهمّ لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول، اللهمّ لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإِليك مآبي، ولك يا ربّ (٥) تراثي، اللهمّ إِنّي أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر (٦) وشتات الأمر، اللهمّ
_________________
(١) الفلق: من ١ إِلى ٥.
(٢) الناس: من ١ إِلى ٦.
(٣) يحيي ويميت: سقطت من (ر).
(٤) رواه طلحة عن عبيد الله بن كريز بدون زيادة: له الملك قدير. وأخرجه مالك في الموطإِ، كتاب الحج، جامع الحج. (تنوير الحوالك: ١/ ٢٩٢). وبنفس الرواية والتخريج جاء في (كنز العمال: ٥/ ٦٦ رقم ٢١٠٧٩).
(٥) (ص): ولك رب.
(٦) غير واضحة في (ص).
[ ١ / ٣٧٩ ]
إِني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح (١).
اللهمّ ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهمّ إِني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وإِنه لا يغفر الذنوب إِلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إِنك أنت الغفور الرحيم، اللهمّ اغفر لي مغفرة تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة أسعد بها في الدارين، وتب عليّ توبة نصوحًا لا أنكثها أبدًا، وألزمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبدًا، اللهمّ انقلني من ذل المعصية إِلى عز الطاعة وأغنني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك، اللهمّ نوّر قلبي وقبري وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله (٢).
اللهم إِني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إِثم، ربِّ (٣) أسألك أن لا تدع لي ذنبًا إِلا غفرته، ولا همًّا إِلا فرجته، ولا دينا إِلا قضيته ولا مرضًا إِلا شفيته ولا مريضًا إِلا عافيته (٤)، ولا
_________________
(١) إِلى هنا ينتهي نص الحديث الذي أخرجه الترمذي عن علي. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إِسناده بالقوي. (السنن: ٥/ ٥٣٧، كتاب الدعوات، باب ٨٨ رقم الحديث ٣٠٢٠).
(٢) هذا الجزء من الدعاء الوارد بعد حديث علي الذي أخرجه الترمذي ذكره النووي من الأدعية المأثورة بعرفات. (الأذكار: ١٨٠).
(٣) (ر): اللهم.
(٤) (ر): ولا مريضًا ولا مرضًا إِلا عافيته.
[ ١ / ٣٨٠ ]
عدوًّا إِلا كفيته، ولا عيبًا إِلا سترته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضى إِلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين *، اللهم اجعل في سمعي نورًا وفي بصري نورًا، اللهمّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللهمّ إِني أعوذ بك من شرّ ما يلج بالليل وشر ما يلج بالنهار، وشرّ ما تهب به الريح (١) وشرّ بوائق الدّهر (٢)، اللهمّ اجعلها حجة لا رياء فيها ولا سمعة، اللهمّ صلّ على سيّدنا (٣) محمّد وعلى آل محمد كما صلّيت على إِبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إِبراهيم وعلى آل إِبراهيم (٤) في العالمين إِنّك حميد مجيد، اللهم اجعلنا ممن صدقه بتوفيقك، واتبعه بإِرشادك وتسديدك، وأمتنا على ملته بنعمتك، واحشرنا في زمرته برحمتك، اللهمّ بنورك اهتدينا وبفضلك استغنينا وفي كنفك أصبحنا وأمسينا، أنت الأول فلا شيء قبلك، أنت الآخر فلا شيء بعدك، نعوذ بك من الفشل
_________________
(١) أخرج ابن عبد البر عن علي قال: "قال رسول الله - ﷺ -: أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري، أعوذ بك من وسواس الصدر، وفتنة القبر، وشتات الأمر، وأعوذ بك من شر ما يأتي في الليل والنهار وما تهب به الرياح". (التمهيد: ٦/ ٤٠ - ٤١) وانظر (أسرار الحج: ٩٣).
(٢) اللهم اجعل في سمعي الدهر، طرف من حديث أخرجه المحاملي في الدعاء عن علي (كنز العمال: ٥/ ١٩٠ - ١٩١ رقم ١٢٥٦٧).
(٣) سيدنا: سقطت من (ب).
(٤) وعلى آل إِبراهيم: سقطت من (ر).
[ ١ / ٣٨١ ]
وآلائك، وأن تجعل لنا نورًا في حياتنا، ونورًا في مماتنا، ونورًا في قبورنا، ونورًا في حشرنا، ونورًا نتوسّل به إِليك * ونورًا نفوز به لديك، فإِنّنا ببابك سائلون، ولنوالك متعرضون ولأفضالك راجون، اللهمّ اهدنا إِلى الحق. واجعلنا من أهله، وانصرنا به، اللهمّ اجعل شغل قلوبنا بذكر عظمتك، وفراغ أبداننا في شكر نعمتك، وأنطق ألسنتنا بوصف منتك، وقنا نوائب الزّمان وصولة السلطان، ووساوس الشيطان، واكفنا مؤنة الاكتساب، وارزقنا بغير حساب، اللهمّ اختم بالخير آجالنا، وحقق بفضلك آمالنا، وسهّل في بلوغ رضاك سبيلنا، وحسن في جميع الأحوال أعمالنا، اللهمّ اغفر لنا ولآبائنا كما ربّونا صغارًا، واغفر لهم ما ضيعوا من حقك، واغفر لنا ما ضيّعنا من حقِّك وحقوقهم، واغفر لخاصتنا وعامتنا، وللمسلمين والمسلمات، فإِنك جواد بالخيرات، يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى يا شاهد كل نجوى، يا منتهى كل شكوى، يا من يسمع ويرى (١)، يا حسن العطايا، يا قديم الإِحسان، يا دائم المعروف، يا من لا غِنى لشيء عنه، ولا بد لكل شيء منه، يا من رزق كل شيء عليه ومصير كل شيء إِليه، إِليك ارتفعت أيدي السائلين، وامتدَّتْ أعناق العابدين، نسألك اللهمّ أن تجعلنا في كنفك، وجوارك وحرزك وعياذك، وسترك، وأمانك، اللهمّ إِنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، اللهمّ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك (٢) واقسم لنا من فضلك ما تعصمنا
_________________
(١) يا من يسمع ويرى: ساقط من (ب).
(٢) أقسم معصيتك: ساقط من (ب)، (ر).
[ ١ / ٣٨٢ ]
والكسل، ومن عذاب القبر، ومن فتنة الغنى والفقر، اللهمّ نبهنا لذكرك في أوقات الغفلة (١) واستعملنا في طاعتك (٢) في أيام المهلة، واسلك بنا إِلى جنّتك طريقًا سهلة، اللهمّ اجعلنا ممن آمن بك فهديته، وتوكّل عليك فكفيته وسألك فأعطيته، وتضرع إِليك فرحمته، نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إِثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النّار، اللهمّ يا عالم الخفيات، يا سامع الأصوات، يا باعث الأموات، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات، يا خالق الأرض والسماوات، أنت الذي لا إِله إِلَّا أنت الواحد الذي لا يبخل، والحليم الذي لا يُعجّلُ، لا رادّ لأمرك ولا معقّب لحكمك ربّ كل شيء، وخالق كل شيء، ومالك كل شيء، ومقدر كل شيء، أسألك اللهمّ أن ترزقني علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وعملًا زاكيًا، وإِيمانًا خالصًا، وهب لنا إِنابة المخلصين، وخضوع المخبتين، وأعمال الصالحين، ويقين الصادقين، وسعادة المتقين، ودرجات الفائزين، يا أفضلَ من قُصد، وأكرمَ من سُئل، وأحلمَ من عُصي، ما أحلمك على من عصاك، وأقربك ممن دعاك، وأعطفك على من سألك، لك الخلق والأمر، إِن أطعناك فبفضلك، وإِن عصيناك فبعلمك، لا مهتدي إِلا من هديت، ولا ضال إِلا من أضللت، ولا غني إِلا من أغنيتَ، ولا فقير إِلا من أفقرت، ولا معصوم إِلا من عصمت، ولا مستور إِلا من سترت، نسألك (٣) أن تهب لنا جزيل عطائك، والسعادة بلقائك، والفوز بجوارك، والمزيد من نِعَمك
_________________
(١) (ص): الغفلات.
(٢) (ص): بطاعتك.
(٣) (ب): أسألك.
[ ١ / ٣٨٣ ]
به من فتنة الدنيا وتغنينا به عن أهلها، واجعل في قلوبنا من السلوّ عنها والمقت لها والبصر بعيوبها مثل ما جعلت في قلوب من فارقها زهدًا فيها ورغبة عنها من أولئك المخلصين المعصومين، يا أرحم الراحمين، اللهمّ لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبًا إِلا غفرته، ولا عيبًا إِلا سترته، ولا همًّا إِلا فرجته، ولا كربًا إِلا كشفته، ولا دينًا إِلا قضيته، ولا عدوًّا إِلا كفيته، ولا فسادًا إِلا أصلحته، ولا مريضًا إِلا عافيته، ولا غائبًا إِلا أدنيته (١)، ولا خُلةً إِلا سددتها، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضى ولنا فيها صلاح إِلا قضيتها فإِنك تهدي السبيل، وتجبر الكسير، وتغني الفقير، اللهم ما كان منا من تقصير فاجبره بسعة عفوك، وتجاوز عنه بفضلك ورحمتك، واقبل منّا ما كان صالحًا، وأصلح منّا ما كان فاسدًا، فإِنه لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا مقدم لما أخّرت، ولا مؤخرًا لما قدمت، ولا مضل لمن هديت، ولا مذل لمن واليت، ولا ناصر لمن عاديت، ولا ملجأ ولا منجى منك إِلا إِليك، قولك حق، ووعدك حق، وحكمك عدل، وقضاؤك فصل، ذلّ كل شيء لعزتك، وتواضع كل شيء لعظمتك * لا يحول دونك شيء، ولا يعجزك شيء، إِليك نشكو قساوة قلوبنا، وجمود أعيننا، وطول آمالنا مع اقتراب آجالنا وكثرة ذنوبنا، فنعم المشكو إِليه أنت، فارحم ضعفنا، وأعطنا لمسكنتنا، ولا تحرمنا لقلة شكرنا، فما لنا إِليك شافع أرجى في أنفسنا منك، فارحم تضرّعنا، واجعل خوفنا كلّه منك، ورجاءنا كله فيك، وتوكّلنا كله عليك، يا من علمه بنا محيط، وقضاؤه فينا سابق، أعذنا من وجوب سخطك، ونزول نقمتك، وزوال نعمتك، فإِنه لا طاقة لنا بالجهد، ولا صبر لنا على البلاء،
_________________
(١) (ب): رددته.
[ ١ / ٣٨٤ ]
اللهمّ إِنّا نسألك النجاة يوم الحساب، والمغفرة والرحمة يوم العذاب، والرضى يوم الثواب، والنّور يوم الظلمة، والري يوم العطش، والفرج يوم الكرب، وقرة عين لا تنفد، ومصاحبة نبيّنا محمد - ﷺ -، اللهمّ إِنه لا بد لنا من لقائك، فاجعل عند ذلك عذرنا مقبولًا، وذنبنا مغفورًا، وعملنا موفورًا، وسعينا مشكورًا، اللهمّ أصبح ذلي مستجيرًا بعزّك، وفقري مستجيرًا بغناك (١)، وخوفي مستجيرًا بحلمك، وأصبح وجهي الفاني مستجيرًا بوجهك الكريم الباقي الدائم (٢).
اللهمّ إِني أصبحت لا يمنعني منك أحد إِن أردتني، ولا يعطيني أحد إِن حرمتني، إِلهي لا تحرمني لقلة شكري، ولا تخذلني لقلّة صبري،: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) اللهمّ اجعل الموت خير غائب ننتظره، والقبر خير بيت نعمره، واجعل ما بعده خيرًا لنا منه (٤)، رب اغفر لي ولوالدي (٥) ولآبائي ولإِخواني وأهل بيتي، وذريتي والمؤمنين، والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهمّ من مات منهم فاغفر له ذنبه ونوّر له قبره، وأنس وحشته، وأمّن روعته، وابعثه آمنًا من عقابك، وقنا بثوابك مع الذين
_________________
(١) وفقري مستجيرًا بغناك: ساقط من (ص)، (ب).
(٢) (ص)، (ب): الدائم الباقي.
(٣) يونس: ١٠٧.
(٤) في (ب) زيادة: رب العالمين.
(٥) ولوالدي: سقطت من (ب).
[ ١ / ٣٨٥ ]
أنعمتَ عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، ومن بقي منا فاهده فيمن هديت، وعافه فيمن عافيت، وتولّه فيمن تولّيت، وبارك له فيما أعطيت، وقه برحمتك شرّ ما قضيت، فإِنك (١) تقضي ولا يقضى عليك، وحبب إِليه طاعتك، وارزقه العون على عبادتك، والحفظ بكفايتك، والعزّ بولايتك، اللهمّ إِنّا نسألك العصمة والرحمة والنعمة (٢) ونعوذ بك من الفتنة والمحنة، اللهمّ ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إِلى النّور، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا (٣) في أسماعنا وأبصارنا، وأزواجنا وذرياتنا (٤) واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك، وأتمها علينا، اللهمّ اجعلنا هداة * في مهتدين، واجعلنا أهل بيت صالحين، وفقنا للدين، واجعلنا من أئمة المتقين يا ذا الفضل العظيم، اللهم إِني أعوذ بك من الكسل والهرم، والغرم والمأثم، اللهمّ إِني أعوذ بك من عذاب النّار، وفتنة القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، وشر فتنة المسيح الدجال، اللهمّ اغسل خطاياي بالماء والثلج والبَرَد، ونقّ قلبي من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهمّ إِني أعوذ بك من الهمّ والحزن، وأعوذ
_________________
(١) (ر): إِنك.
(٢) والنعمة: سقطت من (ر).
(٣) وبارك لنا: ساقط من (ص).
(٤) طمس في (ر).
[ ١ / ٣٨٦ ]
بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من ضَلَع الديْن (١)، وقهر الرجال، اللهمّ فالق الإِصباح جاعل اللّيل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا، اقض عنّي الدَّيْن، وأغنني من الفقر، ومتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك، اللهمّ يسّرني لفعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين، وإِذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إِليك غير مفتون، ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهمّ اغفر لي خطيئتي، وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهمّ اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي وعمدي وكل ذلك مني، اللهمّ فارج الهمّ، كاشف الغمّ، مجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ربّي رحماني (٢)، فارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك، اللهمّ إِنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي فاغفر لي ذنوبي، اللهمّ إِني (٣) أسألك إِيمانًا يباشر قلبي ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لن يصيبني إِلا ما كتب الله لي، ورضني بقضائك وبما قسمت لي (٤). اللهمّ أعنّي على الدنيا بالقناعة، وعلى الدين بالطاعة، اللهمّ أغنني بالافتقار إِليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك، اللهمّ إِني لا أملك لنفسي نفع ما
_________________
(١) ضَلَع الدّيْن: (بالضاد المفتوحة بعدها لام مفتوحة) ثقله، والضّلَع: الأعوجاج، والدَّيْن يثقل صاحبه حتى يميل عن الاستواء والاعتدال. (النهاية: ضلع ٣/ ٩٦).
(٢) (ر): أنت رحماني، (ب): أنت ترحمني.
(٣) اللهم إِني: سقطت من (ر).
(٤) وبما قسمت: سقطت من (ر).
[ ١ / ٣٨٧ ]
أرجو، ولا أستطيع دفع ما أكره، وأصبح الخير كله بيدك، وأصبحت فقيرًا إِلى رحمتك، فلا تجعل مصيبتي في ديني ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي (١)، ولا تسلط علي بذنوبي من لا يرحمني، اللهمّ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنّتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، اللهمّ إِني أسألك كلمة الإِخلاص في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك الرضا بالقدر، ونعيمًا لا ينفد، وقرّة عين لا تنقطع، ولذّة العيش بعد الموت، وشوقًا إِلى لقائك، ولذة النظر إِلى وجهك الكريم *، وأعوذ بك من ضرّاء مضرة ومن فتنة مضلة، اللهمّ زينّا بزينة الإِيمان، وألبسنا لباس التقوى، اللهمّ يا من لا تخفى عليه خافية اغفر لي ما خفي على الناس من خطيئتي، إِلهي سترت عليّ ذنوبًا في الدنيا أنا إِلى سترها يوم القيامة أحوج، إِلهي لا تظهر خطيئتي إِلى المخلوقين (٢) ولا تفضحني بها على رؤوس العالمين، اللهمّ طهّر لساني من الكذب، وقلبي من النفاق، وعلمي من الرياء، وبصري من الخيانة، فإِنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إِليك هربت بأوزاري وذنوبي أحملها على ظهري عالمًا بأن لا منجى ولا ملجأ منك إِلا إِليك، فاغفر لي فإِنك أنت الغفور الرّحيم، اللهمّ إِنك خلقتني ورزقتني وأمرتني ونهيتني وخوفتني من عذاب ما نهيتني عنه،
_________________
(١) (ر): ولا منتهى علمي.
(٢) (ر): لأحد من المخلوقين.
[ ١ / ٣٨٨ ]
ورغبتني في ثواب ما أمرتني به، وسلطت علي عدوًّا وأسكنته صدري وأجريته مجرى دمي، إِن هممت بفاحشة شجعني، وإِن هممت بصالحة بطأني، ولا ينساني إِن نسيت، ولا يغفل عني إِن غفلت، ينتصب لي عند الشهوات، ويتعرض لي عند الشبهات، لا يصرف عني كيده إِلا أنت، اللهمّ أقهر سلطانه علي بسلطانك عليه حتى تشغله عني فأكون من المعصومين فلا حول ولا قوة إِلا بك، اللهمّ رضني بقضائك، وأسعدني بقدرتك حتى لا أحب تأخير شيء عجلته، ولا تعجيل شيء أخّرته، ولا تهتك ستري، ولا تبد عورتي وأمِّن روعتي، واكفني شر عدوي، واقض ديني، وأنعم علي بفكاك رقبتي من النار، اللهمّ ارحم غربتي في الدنيا ومصرعي عند الموت ووحشتي في قبري ومقامي بين يديك، اللهمّ إِن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها، اللهمّ امح بقليل عفوك عظيم ذنوبي، اللهمّ فرغني لما خلقتني ولا تشغلني بما تكفلت لي به، ولا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني وأنا أستغفرك، اللهمّ إِني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضل في هداك، أو أذل في عزّك، أو أضام في سلطانك، أو أضطهد (١) والأمر إِليك، اللهمّ إِنّا نحب طاعتك وإن قصرنا عنها، ونكره معصيتك وإِن ركبناها، اللهمّ إِنّا نعوذ بك من نزول سخطك، وزوال نعمتك، فإِنه لا طاقة لنا بالجهد ولا صبر لنا على البلاء، اللهمّ إِنك عفو تحب العفو ولولا العفو أحب الأشياء إِليك ما ابتليت بالذنب أحبَّ الخلق إِليك، فارحمنا واعفُ عنّا وأدخِلْنا الجنّة وإِن لم نكن من أهلها، وخلّصنا من النار وإِن كنا قد استوجبناها، اللهمّ إِني عليك قدمت وأنت
_________________
(١) أو اضطهد: سقطت من (ر).
[ ١ / ٣٨٩ ]
أقدمتني، وإِني إِليك جئت وأنت حملتني، أطعتك بأمرك فلك المنّة، وعصيتك بعلمك فلك الحجة، فبوجوب حجتك وانقطاع حجتي إِلا ما قبلتني ورددتني مغفورًا لي،، اللهمّ إِن لك عندي حقوقًا فتصدق بها علي، وللناس قبلي تبعات فتحملها عني، وأنا ضيفك فاجعل قراي الجنّة، اللهمّ وسّع علينا في الدنيا، وزهدنا فيها، ولا تقترها علينا وترغبنا فيها * برحمتك يا أرحم الراحمين (١) [كامل]
يَا مَن (٢) يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ أنْتَ المُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالْمَفْزَعُ
يَا مَنْ خَزَائِنُ مُلْكِهِ فِي قَوْلِ (كُنْ) امْنُنْ فَإِنَّ الْخَيْرَ عِنْدَكَ أجْمَعُ
مالِي سِوى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ وَبالاْفتِقَارِ (٣) إِلَيْكَ فَقْرِي أدْفَعُ
مَالِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حِيلَةٌ فَإِذَا رَدَدْتَ (٤) فأيَّ بَابٍ أقْرَعُ
_________________
(١) برحمتك يا أرحم الراحمين: سقطت من (ص).
(٢) هذه الأبيات لأبي القاسم عبد الرحمن السهيلي العلامة الأندلسي المالقي صاحب كتاب "الروض الأنف" في السيرة النبوية. ت بمراكش ٥٨١. أنشد السهيلي هذه الأبيات ابنَ دحية، وقال: إِنه ما سأل الله بها حاجةً إِلا أعطاه إِياها وكذلك من استعمل إِنشادها. أورد ابن فرحون ذلك عند ترجمته للإِمام السهيلي في: (الديباج ١/ ٤٨٠ - ٤٨١).
(٣) (ص): فبالافتقار.
(٤) (ص): فلئن رددت.
[ ١ / ٣٩٠ ]
وَمَنِ الَّذِي أدْعُو وَأهْتِفُ بِاسْمِهِ إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيرِكَ يُمْنَعُ
حَاشا لِفَضْلِكَ (١) أنْ يُقَنِّطَ عاصيًا الْفَضْلُ أجْزَلُ وَالْمَوَاهِبُ أوْسَعُ
اللهمّ إِنّا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بِرّ، والسلامة من كل إِثم، وأسألك الفوز بالجنّة والنجاة من النار، اللهمّ أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إِليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في (٢) كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شرّ، اللهمّ إِني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، اللهم لا تدع لي ذنبًا إِلا غفرته، ولا همًّا إِلا فرجته، ولا عيبًا إِلا سترته، ولا حاجة إِلا قضيتها، اللهمّ إِني أعوذ بك من كل عمل يخزيني، وأعوذ بك من كل صاحب يرديني، وأعوذ بك من كل أمل يلهيني، اللهمّ اجعلني من أعظم عبادك عندك حظًّا ونصيبًا في هذا اليوم وفيما بعده، من كل خير تقسمه، ونور تهدي به، ورحمة تنشرها، ورزق تبسطه، وضر تكشفه، وصبر تلبسه، وبلاء تدفعه، وفتنة تصرفها، اللهمّ إِني أسألك من الخير كلّه ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشرّ كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهمّ إِني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شرّ ما استعاذك منه عبادك الصالحون، اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيّنا ربّنا بالسلام وأدخلنا
_________________
(١) (ص): لجودك، (ب): لمجدك.
(٢) (ص)، (ر): من.
[ ١ / ٣٩١ ]
دار السلام تباركت يا ذا الجلال والإِكرام، اللهمّ اغفر لنا وارحمنا وعافنا وارض عنّا (١) وتقبل منا، وأدْخِلنا الجنّة، ونجّنا من النار، وأصلح لنا شأننا كلّه، اللهم إِني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا وعملًا مُتقبَّلًا، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدًا، ويا ذا النعم التي لا تحصى عددًا (٢) اجعل لي من أمري فرجًا ومخرجًا، اللهمّ إِنك ندبتنا ورغبتنا في أن نعفو عمن ظلمنا، اللهمّ إِنّا ظلمنا أنفسنا فاعف عنّا، اللهمّ إِنّك أمرتنا بالرفق والإِحسان إِلى المساكين، اللهمّ إِنّا مساكينك، وقفنا ببابك فلا تردنا خائبين يا أرحم الراحمين *.
_________________
(١) (ب): واعف عنا.
(٢) (ر): لا يحصى لها عدد.
[ ١ / ٣٩٢ ]
فصل
وللدعاء آداب يجب على العبد أن يستعملها حين دعائه، فإِن ذلك أرجى للإِجابة وأنجح للطلبة.
منها: تقديم التوبة من الذنوب (١) والاستغفار مما يذكر منها وما لا يذكر.
منها: إِخلاص العبد وإقباله على دعائه، فإِن الله ﷿ لا يسمع دعاء (٢) من قلبه لاهٍ (٣).
_________________
(١) عد الغزالي ذلك من آداب الدعاء فقال: "الأدب الباطن وهو الأصل في الإِجابة: التوبة ورد المظالم والإِقبال على الله ﷿ بكنه الهمة، فذلك هو السبب القريب في الإِجابة، (الإِحياء: ١/ ٣١٥).
(٢) دعاء: سقطت من (ر)، (ص).
(٣) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ". قال النووي: إِسناده في كتاب الترمذي ضعيف. (الأذكار: ٣٥٦). وقال المنذري: رواه الحاكم وقال: مستقيم الإِسناد تفرد به صالح المري وهو أحد زهاد البصرة. (الترغيب والترهيب: ٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣). وعن ابن عمر مرفوعًا: "إِن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فإِذا سألتم الله فاسألوه وأنتم واثقون بالإِجابة، فإِن الله تعالى لا يستجيب دعاء من دعا على ظهر قلب غافل". أخرجه الطبراني، كما جاء في (كنز العمال: ٢/ ٧٤).
[ ١ / ٣٩٣ ]
ومنها الإِخلاص لله تعالى، فإِن الله ﷿ لا يقبل من مُسمَع.
ومنها: أن يكون راغبًا، راهبًا، متذللًا، لقوله تعالى: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١)، ولا يقنط من رحمة الله تعالى، وإِن تأخرت الإِجابة، فقد روي عن رسول الله أنه قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي" (٢) وقال ﵇: "لقد بارك الله لرجل أكثر الدعاء في حاجة أعطيها أو منعها" (٣).
نقلته من خط والدي، ولم يرفعه.
ومنها: أنه لا يرفع صوته بالدعاء جدًّا (٤)، لما روي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: ارْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ فَإِنّكُمْ لَا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا" (٥).
_________________
(١) الأنبياء: ٩٠، ونصها: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.
(٢) أخرجه البخاري عن أبي هريرة (الصحيح: ٨/ ٩٢، كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل). وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. (عارضة الأحوذي: ١٢/ ٢٧٦).
(٣) لم أهتد إِلى تخريجه.
(٤) عد الغزالي من آداب الدعاء: خفض الصوت بين المخافتة والجهر. (الإِحياء: ١/ ٣١٣).
(٥) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا مع رسول الله - ﷺ -، فكنا إِذا =
[ ١ / ٣٩٤ ]
ومنها: أنه يقوي رجاءه في الله تعالى، وقد قال سفيان بن عيينة: لا يمنع أحدكم من الدعاء ما يعلمه من نفسه، فإِن الله ﷿ قد أجاب شرّ الخلق وهو إِبليس لما قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١).
ومنها: أن يسأل غيره أن يدعو له، ويتمادى هو على الإِصرار وترك الدعاء، بل ينبغي له أن يساعد الداعي له بالإِخلاص في الإِنابة، وطلب الإِجابة له وللداعي له (٢)، فإِنه قد جاء في الآثار أن الله تعالى لا ينظر إِلى قلبٍ (٣) لاهٍ (٤).
وقال يحيى بن معاذ (٥): من كان قلبه مع السيئات لم تنفعه
_________________
(١) = أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا، فقال النبي - ﷺ -: يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإِنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إِنه معكم إِنه سميع قريب. أخرجه البخاري (الصحيح: ٤/ ١٦، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير). وقال العراقي: متفق عليه مع اختلاف اللفظ، ورواه أبو داود. (المغني عن حمل الأسفار: ١/ ٣١٣).
(٢) الحجر: ٣٦، ص ٧٩.
(٣) (ر): والداعي له. له وللداعي له: ساقط من (ب).
(٤) (ر): لقلب.
(٥) تقدم تخريجه قريبًا.
(٦) يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي، أبو زكرياء، من أهل الري. كان واعظًا زاهدًا. أقام ببلخ. أثرت عنه حكم سائرة. ت ٢٥٨ بنيسابور. (الأعلام: ٩/ ٢١٨، صفة الصفوة: ٤/ ٧١).
[ ١ / ٣٩٥ ]
الحسنات (١)، فالقلب المصر على المعصية واللّاهي عن التوجه والالتجاء إِلى الله تعالى في قضاء حاجته متلاعب مَمْقُوت، والآيات الكريمة دالّةٌ على ذلك، فقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢).
ومعنى فليستجيبوا لي، أي: فليجيبوني بالطاعة. والقلب المصر أو اللاهي غير مجيب، والفاء في قوله ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ جواب الشرط.
وقال عزّ من قائل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٣) أي يستكبرون عن دعائي ومسألتي، وقيل: عن توحيدي.
وقال عزّ من قال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٤) *.
وقال عزّ من قائل: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).
_________________
(١) قول يحيى بن معاذ في (حلية الأولياء: ١٠/ ٥٣) ونصه: "من كان قلبه مع الحسنات لم تضره السيئات، ومن كان مع السيئات لم تنفعه الحسنات".
(٢) البقرة: ١٨٦.
(٣) غافر: ٦٠.
(٤) الأعراف: ٥٥، وتمامها: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
(٥) الأنعام: ٤٣.
[ ١ / ٣٩٦ ]
ورُوي عن زيد بن أسلم (١) أنه قال: ما من دَاعٍ يدعُو إِلا كان بين إِحدى ثلاث: إِما أن يُستجاب له، وإِما أن يدخر له، وإِما أن يكفر عنه (٢).
ومنها: أن يبتدئ بالصلاة على النبيّ - ﷺ - في أول دعائه وفي أوسطه، ويختم بالصلاة عليه - ﷺ - (٣).
_________________
(١) زيد بن أسلم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان البلوي ثم الأنصاري حليف بني العجلان، أَبو أسامة، صحابي ممن شهد بدرًا وصفين مع الإِمام علي. كان فقيهًا مفسرًا كثير الحديث. (الاستيعاب: ١/ ٥٣٢، الإِصابة: ١/ ٥٤٢ رقم: ٢٨٧٦، التمهيد: ٣/ ٢٤٠، تهذيب التهذيب: ٣/ ٣٩٥).
(٢) أخرجه مالك في الموطإِ، ما جاء في الدعاء. قال ابن عبد البر: إِنه محفوظ عن النبي - ﷺ -، ومثله يستحيل أن يكون رأيًا واجتهادًا وإنما هو توقيف، ومثله لا يقال بالرأي. (التمهيد: ٥/ ٣٤٣، حديث: ٥١ لزيد بن أسلم). وعن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "ما من مؤمن ينصبُ وجهَهُ لله ﷿ يسأله مسألةً إِلا أعطاهُ إِياهَا: إِما عجلها له في الدنيا، وإمَّا ادّخرها لَهُ في الآخرةِ، ما لم يُعَجّل". (شأن الدعاء للحافظ الخطابي: ١٣، وقال محققه: رواه أحمد في المسند: ٢/ ٤٤٨، والحاكم: ١/ ٤٩٧ بسند صحيح ووافقه الذهبي). وانظر (فتح الباري: ١١/ ١٤٠ - ١٤١، الترغيب والترهيب: ٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩).
(٣) عن ابن مسعود ﵁ قال: "إِذا أراد أحدكم أن يسأل فليبدأ بالمدحة =
[ ١ / ٣٩٧ ]
ومنها: أن يكون في جلوسه على هيئة التشهد، فإِنها الحالة المشروعة في أشرف العبادات، وهي الصلاة.
وأنشد بعضهم (١):
وَإِنِّي لأدْعُو الله وَالأمْرُ ضَيقٌ عَلَيَّ فَمَا يَنْفَكُّ أنْ يَتَفَرَّجَا
ورُبَّ فَتى ضَاقَتْ عَلَيْهِ أمُورُهُ أصَابَ لَهَا فِي دَعْوَةِ الله مَخْرَجَا
فخذ نفسك بالاجتهاد في ذلك الزمن، فإِنه موقف عظيمٌ تُسكب فيه العبراتُ، وتُقَالُ فيه العثرات، وتُرجَى فيه الطلبات وهو أعظم مجامع الدنيا، فيه يجتمع عباد الله الصالحون، والأولياء المخلصون، فلا تُضيِعْ ذلك الوقتَ بما
_________________
(١) = والثناء على الله بما هو أهله، ثم ليصل على النبي - ﷺ -، ثم ليدع بعد، فإِنه أجدر أن ينجح". أخرجه عبد الرزاق في (المصنف: ١٠/ ٤٤١ رقم ١٩٦٤٢). وذكر نور الدين القاري أن سنده صحيح (شرح الشفا: ٣/ ٧٤٦). وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث علي: "كل الدعاء محجوب حتى يصلي على محمد وعلى آل محمد". قال المنذري: إِنه موقوف عليه ورواته ثقات. (عدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين: ٢٨). وانظر (الإِحياء: ١/ ٣١٥).
(٢) القائل هو أَبو إِسحاق الثعلبي المفسر، وقبل هذين البيتين: وإِني لأغضى مقلتيَّ على القذى وألبس ثوب الصبر أبيض أبلجا وهناك رواية أخرى لصدر البيت الثاني نصها: وكم من فتى سدت عليه وجوهه. (كتاب الأرج في الفرج، للسيوطي: ٧١).
[ ١ / ٣٩٨ ]
لا يعود عليك نفعُهُ وتُرجَى (١) بركته، فإِنه إِذا فات لا يستدرك.
مسألة:
وقد تقدم أن أول الوقوف زوال الشمس؛ وأما آخره فطلوع الفجر من اليوم العاشر، ولا يجب استيعابُ الوقت إِجماعًا، وأجمعت الأمة على إِجزاء جزء من الليل (٢) فإِن وقف (٣) بها نهارًا دون الليل لم يجزه عند مالك (٤). ويجزئه عند الشافعي (٥) والحنفي (٦) وعليه دم.
فلو دفع قبل الليل مغلوبًا عليه، فهل يجزؤه أم لا؟ قولان، ونفي الإِجزاء هو أصل المذهب، وثبوته مراعاة للخلاف (٧).
_________________
(١) (ص): وترجو.
(٢) التمهيد: ٩/ ٢٧٥، موسوعة الإِجماع: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٣) (ب): أقام.
(٤) الفواكه الدواني: ١/ ٣٧٣، مناسك التاودي: ٢٠، الكافي: ١/ ٤٠٥.
(٥) قال النووي عن وقت الوقوف في المذهب الشافعي: هو من زوال الشمس يوم عرفة إِلى طلوع الفجر ليلة العيد، فمن حصل بعرفة في لحظة لطيفة من هذا الوقت صح وقوفه وأدرك الحج. (الهيثمي على شرح الإِيضاح: ٣١٤).
(٦) أوضح الكاساني أن وقت الوقوف في المذهب الحنفي من الزوال إِلى آخر الليل، وذكر أن هذا قول عامة العلماء، ثم رد على الإِمام مالك القائل: إِن وقته هو الليل. انظر (البدائع: ٢/ ١٢٥ - ١٢٦).
(٧) لاحظ الحطاب أن هذا الكلام نقله ابن فرحون عن ابن بشير، وأن صاحب القول بالإِجزاء هو يحيى بن عمر. (مواهب الجليل: ٣/ ٩٤).
[ ١ / ٣٩٩ ]
ولو دفع حين الغروب أجزأه عند ابن القاسم.
ولو دفع قبل الغروب ولم يخرج من عرفة حتى غربت الشمس، قال مالك: أجزأه وعليه دمٌ، لعزمه على ترك الليل (١).
فرع:
ومن جاء ليلًا، وقد دفع الإِمام، أجزأه أن يقف قبل طلوع الفجر (٢).
وأما من تعمد ترك الوقوف مع الإِمام نهارًا، أو وقف ليلًا وهو غير مراهق فعليه الهدي.
تنبيه:
واجتماع الناس يوم عرفة في مساجد الأمصار وقت الوقوف بعرفة يذكرون ويدعون، تشبهًا بالحجاج، نص عليه الشيخ أبو بكر الطرطوشي: أنه من البدع (٣).
_________________
(١) كذا في (النوادر: ١/ ١٦٧ أ).
(٢) كذا في (م. ن) بزياد: ويدعو الله ويؤخر الصلاة إِلى المزدلفة، منقولًا من كتاب محمد.
(٣) عقد الطرطوشي فصلا (في اجتماع الناس في سائر الآفاق يوم عرفة) أورد فيه أقوال بعض العلماء في هذه البدعة، ثم قال: "إِن هؤلاء الأيمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة لا في غيرها، ولا منعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإِنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن =
[ ١ / ٤٠٠ ]
وقد قال ابن الجوزي: أجازه ابن عباس ﵄، وكان يفعله (١).
وسُئل عنه أحمد بن حنبل فقال: أرجو أن يكون خفيفًا، وقد فعله جماعة من السلف (٢) رحمهم الله تعالى.
_________________
(١) = العوام أن من سنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء فيتداعى الأمر إِلى أن يدخل في الدين ما ليس منه". (الحوادث والبدع: ١١٥ - ١١٧).
(٢) ساق ابن الجوزي بسنده أثرًا عن الحسن: أول من صنع ذلك ابن عباس، يعني اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد. (مثير الغرام: ١٩٩).
(٣) السائل هو الأثرم، وفي جواب الإِمام أحمد بن حنبل أن ممن فعل ذلك من السلف الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع (م. ن: ٨٠، القِرى: ٣٥٠). وقد ذكر ابن تيمية أن العلماء اختلفوا في ذلك، وفعله من الصحابة ابن عباس وعمرو بن حريث وبعدهم جماعة من البصريين والمدنيين. وأما أحمد بن حنبل فالمشهور عنه الترخيص فيه وإِن كان لا يستحبه، وقد كرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين والنخعي وأبو حنيفة ومالك وغيرهم قائلين: إِنه من البدع مندرج في عمومها؛ واحتج من رخص بفعل ابن عباس دون إِنكار عليه. (اقتضاء الصراط المستقيم: ٢/ ٦٣٨).
[ ١ / ٤٠١ ]
فصل: فى الدَّفع من عَرَفة
قال القرافي: والسنة الدفع مع الإِمام *، فإِن تقدمه في السير أجزأه (١).
قال ابن حبيب: وإِذا دفع الإِمام فارفع يديك إِلى الله ﷿، وسله المغفرة والعفو عنك، وعن والديك وأولادك، وقضاء الحوائج، وادفعْ وعليك السكينةُ والوقارُ، سواءً كنت راكبًا أو ماشيًا، وإِذا كنت ماشيًا فامش الهوينا، وإِن كنت راكبًا فاعنق (٢) ولا تهرول. ولا بأس إِن وجدت فرجةً أن تحرِّك شيئًا (٣).
ويكون طريقك بين المأزمَيْن (٤)، وهما الجبلان بين عرفة والمزدلفة، ومن مرّ على غير المأزمين أو سلك وراءهما (٥) فلا شيء عليه.
_________________
(١) الذخيرة: ٣/ ٢٦١.
(٢) العَنَق: (بفتحتين): ضرب من السير فسيح سريع، وهو اسم من أعنق (المصباح: عنق).
(٣) هذا المعنى معزو إِلى ابن حبيب في (النوادر: ١/ ١٦٧ أ). وانظر (أسرار الحج: ٩٩).
(٤) قال ابن الحاجب: "ويستحب المرور بين المأزمين". (المختصر: ٣٤ ب). وفي المطبوع: "يكره المرور بغير بين المأزمين" (جامع الأمهات: ١٩٧)
(٥) (ر): قدامها.
[ ١ / ٤٠٢ ]
والمَأزَم: بالهمزة، المضيق، سمّيا مأزمين للضيق الذي بينهما.
فرع:
ويستحب الإكثار من الذكر وتلاوة القرآن في مسيره إِلى المُزْدَلِفَة (١).
ويقول: اللهمّ إِليْكَ أرْغَبُ، وَإِيَّاكَ أرْجُو، فتقبَّلْ نُسْكِي ووفقني وارزقني من الخير أكثر مما أطلب، ولا تخيّبني إِنّك أنت الله الجواد الكريم (٢).
ويكثر من قوله: لا إِله إِلا الله، والله أكبر.
فرع:
قال سند: ومن دفع فلا ينزل ببعض تلك المياه لعشاء أو استراحة (٣)
مسألة:
فإِذا وصلت إِلى المزدلفة فابدأ بالصلاة قبل أن تحط رحلك (٤)، فتصلي بها المغرب والعشاء جمعًا (٥) وقصرًا، بأذانين وإِقامتين في رواية ابن القاسم، وقيل:
_________________
(١) المزدلفة: (بضم الميم) وهي المشعر (بفتح الميم) قال الهروي: لاجتماع الناس بها، والازدلاف: الاجتماع، وقال الطبري: لازدلاف آدم وحواء وتلاقيهما بها. (مشارق الأنوار: ١/ ٣٥٠).
(٢) هذا الدعاء أورده النووي ضمن "فصل في الأذكار المستحبة في الإِفاضة من عرفة إِلى مزدلفة" في: (الأذكار: ١٨٠).
(٣) كذا في (النوادر: ١/ ١٦٧ أ).
(٤) المغني: ٣/ ٤٢٠.
(٥) الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة سنة مؤكدة، قاله ابن يونس. (التاج والإِكليل: ٣/ ١١٩). وانظر: (التمهيد: ٩/ ٢٦١، مناسك التاودي: ٢٠).
[ ١ / ٤٠٣ ]
بأذان وإِقامتين، ولا بأس أن تحط رحلك قبل الصلاة مثل: الرحل الخفيف، ما لم تضطر إِلى رحلك لثقل دابتك فلا بأس بذلك.
فرع:
قال ابن الحاج: ولا تتعش قبل صلاة المغرب، وإِن كان خفيفًا.
وافعل ذلك بين صلاة المغرب والعشاء إِن كان خفيفًا، وإِن كان فيه طول فأخّره (١) إِلى بعد العشاء، فهو أولى.
فرع:
ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق، فقد قال ابن حبيب: لا يصلي حتى يغيب الشفق، وسواء في ذلك الإِمام وغيره.
وقال أشهب: يصلّون حينئذ، وخالفه ابنُ القاسم في هذا.
مسألة:
واختلف فيمن صلّى المغرب والعشاء قبل أن يأتي المزدلفة.
فقال ابن حبيب: لا يجزئه ذلك ويعيدهما، وإِن صلاهما بعد مغيب الشفق.
وقال أشهب: لا يعيدهما (٢).
_________________
(١) (ب): أخره.
(٢) تمام قول أشهب: " وبئس ما صنع إِلا أن يكون صلى قبل غيبوبة الشفق فعليه العشاء أبدًا". (النوادر: ١/ ١٦٧ ب)، وانظر (الجواهر: ١/ ٤٠٤).
[ ١ / ٤٠٤ ]
وقيل: يعيد العشاء الأخيرة فقط.
وقال مالك: لا يصليهما قبل المزدلفة إِلا من به عذر أو بدابّته، ولا يجمع بينهما إِلا بعد مغيب الشفق (١).
وقال محمد: يصلي كل صلاة لوقتها.
فرع:
والصلاةُ مع الإِمام في المزدلفة أفضلُ (٢)، فإِن لم يدرك الإِمام أو لم يقدر على الوصول إِليه صلى في رحله.
ولا يتنفل بينهما (٣)، ويتنفل بعدهما ما بدا له ولا بد له (٤) من الوتر.
_________________
(١) جاء في المدونة: "ما قول مالك فيمن صلى المغرب والعشاء قبل أن يأتي المزدلفة؟ قال: قال مالك: أما من لم يكن به علة ولا بدابته وهو يسير بسير الناس فلا يصلي إِلا بالمزدلفة قال: ومن كان به علة أو بدابته فلم يستطع أن يمضي مع الناس أمهل حتى إِذا غاب الشفق صلى المغرب ثم صلى العشاء يجمع بينهما حيث كان وقد أجزأه". (المدونة: ٢/ ١٧٦).
(٢) كذا في (النوادر: ١/ ١٦٧ ب) نقلا عن ابن حبيب. وانظر (المغني: ٣/ ٤١٨).
(٣) قال ابن قدامة: السنة أن لا تطوع بينهما، ونقل عن ابن المنذر الإِجماع على أن لا يتطوع الجامع بين الصلاتين، بينهما، وقد روى أسامة وابن عمر أن النبي - ﷺ - لم يصل بينهما. قال ابن قدامة: وحديثهما أصح من حديث ابن مسعود أنه - ﷺ - تطوع بينهما. (المغني: ٣/ ٤٢٠).
(٤) له: سقطت من (ب).
[ ١ / ٤٠٥ ]
فرع:
والنزول بالمزدلفة المشهور وجوبه، قال القرافي (١)
وإِطلاق الوجوب فيه تسامح، وإِنما هو سنة يجب بتركها الدم.
قال أبو إِبراهيم: ومن تركه لعذر كالمراهق ونحوه فلا دم عليه، ومن تركه من غير عذر فعليه دم؛ خلافًا لعبد الملك (٢).
قال أبو إِبراهيم الأعرج: ومن ترك النزول والوقوف معًا فعليه دم، كان له عذر أو لم يكن (٣).
والفرق بين النزول والمبيت أن المبيت الاستراحة * بغير شك، والنزول الواجب يحصل بحط الرحل والتمكن من المبيت (٤).
ولا يشترط استغراق النصف الأول من الليل، خلافًا للشافعي (٥).
_________________
(١) نص القرافي: "أما النزول بالمزدلفة فالمشهور وجوبه، ومن تركه من غير عذر فعليه دم، وقاله الأئمة خلافًا لعبد الملك". (الذخيرة: ٣/ ٢٦٣).
(٢) قال أبو إِبراهيم .. لعبد الملك: ساقط من (ب).
(٣) قال أشهب: إِذا لم ينزل مزدلفة حتى طلع الفجر فعليه الهدي. (النوادر: ١/ ١٦٧ ب).
(٤) قال سند: النزول الواجب يحصل بحط الرحل والاستمكان من الليث. (مواهب الجليل: ٣/ ١١٩).
(٥) يذكر النووي أن الشافعية اتفقوا على أن الدفع من مزدلفة لو وقع بعد نصف الليل =
[ ١ / ٤٠٦ ]
واختلف عن مالك في القدر المستحق من الزمان بالمزدلفة هل هو الليل كله أو جله أو أقل زمان، حكى ذلك ابن خويز منداد.
فرع:
ويستحب كثرة التنفل والذكر في ليلة المزدلفة فهي من الليالي المشهورة، وقد انضم إِلى شرف الليلة شرف المكان، وكونه في الحرم والإِحرام (١) ومجمع الحجيج، وليلة العيد عقب ذلك الموقف العظيم (٢).
مسألة:
فإِذا صلّيت الصبح بالمزدلفة وقفت عند المشعر الحرام تستقبل الكعبة ثم تكبر وتهلل وتحمد الله وتدعو (٣) فتقول:
اللهمّ إِني أسألك أن ترزقني في هذا المكان جوامع الخير كله، وأن تصلح لي شأني كله، وأن تصرف عني الشرّ كله، فإِنه لا يفعل ذلك غيرك ولا يجود
_________________
(١) = أجزأه وحصل المبيت ولا يترتب عن ذلك دم، سواء كان الدفع بعد نصف الليل لعذر أم لغيره واتفقوا على أنه لو دفع قبل نصف الليل بيسير ولم يعد إِلى المزدلفة فقد ترك المبيت، أما لو دفع قبل نصف الليل وعاد إِليها قبل طلوع الفجر أجزأه المبيت ولا شيء عليه. (المجموع: ٨/ ١٣٥). وانظر (فتح العزيز: ٧/ ٣٨٧ - ٣٨٨).
(٢) والإِحرام: سقطت من (ر).
(٣) هذا المعنى الوارد ضمن الفرع أشار إِليه النووي في (الأذكار: ١٨٠).
(٤) (ص): وتدعوه.
[ ١ / ٤٠٧ ]
به إِلا أنت، اللهمّ كما أوقفتنا (١) فيه وأريتنا إِياه فوفقنا لذكرك، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
ويكثر من قوله: ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٣)، اللهمّ لك الحمد كلّه، ولك الكمال كلّه، ولك الجلال كلّه، ولك التقديس كله، اللهمّ اغفر لي جميع ما أسلفته، واعصمني فيما بقي، وارزقني عملًا صالحًا ترضى به عني يا ذا الفضل العظيم، اللهمّ إِني أتشفع إِليك بخواص عبادك، وأتوسل إِليك بك وأسألك أن ترزقني جوامع الخير كله، وأنْ تَمُنَّ عليّ بما منَنْتَ به على أوليائك الصالحين (٤)، وأن تُصلِحَ حالي في الدنيا والآخرة، يا أرْحَمَ الرَّاحمين (٥).
_________________
(١) (ص): كما وقفتنا.
(٢) البقرة: ١٩٨ - ١٩٩.
(٣) عن أنس قال: كان أكثر دعاء النبي - ﷺ -: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، أخرجه البخاري. (الصحيح: ٧/ ١٦٣، كتاب الدعوات، باب قول النبي - ﷺ - ربّنا آتنا في الدنيا حسنة).
(٤) الصالحين: سقطت من (ر)، (ص).
(٥) هذا الدعاء أورده النووي في (الأذكار: ١٨١).
[ ١ / ٤٠٨ ]
مسألة:
قال ابن الحاج: المزدلفة والمشعر وجمع (١) وقزح (٢) أسماء مترادفة، وعلى هذا فيقف في أي موضع شاء من المزدلفة، والمعروف أن المشعر - موضع خاص في المزدلفة - (٣) ودليل الأول قول سعيد بن جبير: ما بين الجبلين موقف (٤).
وقال ابن حبيب: المشعر ما بين جبلي المزدلفة، ويقف الإِمام حيث المنارة التي على قزح، ويكون وجهك في وقوفك بالمشعر قبالة البيت، وجاء أنه ﵇ وقف على قزح، وقال: "هذا قزح وهو موقف، وجمع كلها موقف" (٥) نقله ابن الحاج.
_________________
(١) سميت جمعًا لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، أو لأن الناس يجتمعون فيها. (فتح الباري: ٤/ ٢٧٠).
(٢) المشعر الحرام: يقال له قزح، وهو موضع معروف بمزدلفة، والمشعر الحرام وقزح من أسماء المزدلفة، فتكون مزدلفة كلها سميت بالمشعر وبقزح تسمية للكل باسم البعض، كما سميت بدر باسم ماء بها. (المطلع على أبواب المقنع: ١٩٧). وقال الحطاب: المشعر: اسم البناء الذي بالمزدلفة، ويطلق على جميعها. (مواهب الجليل: ٣/ ١٢٥)
(٣) والمعروف المزدلفة: ساقط من (ر). وفي (ب): المزدلفة، عوضًا عن: في المزدلفة.
(٤) كذا ورد قول سعيد بن جبير في (النوادر: ١/ ١٦٨ أ).
(٥) مما جاء في حديث علي ﵁ في صفة حجه - ﷺ -: " ثم أتى جَمعًا، فصلى بهم الصلاتين جميعًا، فلما أصبح أتى قُزَحَ فوقف عليه، وقال: هذا قزح وهو الموقف، وجمْع كلها موقف". =
[ ١ / ٤٠٩ ]
مسألة:
قال ابن القاسم: والوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح (١).
قال ابن الحاج: والشأن أن تصلي الصبح حين يتصدع الفجر، ومن وقف بعد الفجر، وقبل أن يصلي الصبح، فهو كمن لم يقف.
فرع:
ومن بات بالمشعر الحرام فلم يقف حتى دفع الإِمام، فلا يقف بعده ولا يتخلف عنه.
فرع:
لو أتى بعد الفجر ونزل بالمزدلفة، فقال ابن القاسم: لا دم عليه، وقال أشهب: عليه الدم (٢) قاله * اللخمي.
فرع:
_________________
(١) = أخرجه الترمذي وقال: حديث علي حديث حسن صحيح. (السنن: ٣/ ٢٣٢ رقم ٨٨٥، كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف).
(٢) نقل ابن أبي زيد عن ابن القاسم قوله: وليقف بالمشعر الحرام ما لم يسفر جدًّا. (النوادر: ١/ ١٦٧ ب).
(٣) قول ابن القاسم وقول أشهب أوردهما ابن أبي زيد في (النوادر: ١/ ١٦٧).
[ ١ / ٤١٠ ]
قال اللخمي: وإن كان قد وقف بعرفة ليلًا وأتى بعد طلوع الشمس، فلا يقف بالمشعر؛ لأن وقت الوقوف قد ذهب.
فرع:
إِذا دفع من عرفة إِلى مِنى ولم ينزل بالمزدلفة، فقال مالك: عليه دم، خلافًا لابن الماجشون، فإِنه قال: لا دم عليه، قاله اللخمي.
وقال ابن رشد في المقدمات: وذهب ابن الماجشون إِلى أن الوقوف بالمشعر فريضة (١).
قال أبو إِبراهيم الأعرج: ولعل له قولين (٢).
وإِن نزل بها ثم دفع إِلى مِنى أول الليل أو وسطه فلا دم عليه.
فرع:
وإِذا نزل بالمزدلفة ولم يقف بالمشعر الحرام، فقال مالك وابن القاسم: لا دم عليه (٣)، وإِن وقف بالمشعر ولم ينزل بالمزدلفة فعليه الدم.
_________________
(١) كذا في (المقدمات: ١/ ٣٠٥) وتمام كلامه: (لقول الله ﷿: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].
(٢) يبدو أن ابن الماجشون له قول واحد، وهو أن الوقوف بالمشعر فريضة لا يجزئ عنه هدي، وقد صرح بهذا ابن رشد في: (البيان: ٣/ ٤٢٦). وفي المسألة أقوال للفقهاء ساقها أبو الحسن الصغير في (التقييد: ٢/ ٢٤ أ، ب).
(٣) انظر (مواهب الجليل: ٣/ ١١٩).
[ ١ / ٤١١ ]
فرع:
ولا يقف أحد بالمشعر إِلى طلوع الشمس، ولا إِلى الإِسفار جدًّا، ولكن يدفع قبل ذلك، فإِذا أسفر ولم يدفع الإِمام دفع الناس وتركوه، ومن تأخر إِلى طلوع الشمس فقد أساء، ولا شيء عليه (١).
قال ابن الحاج: ووقت دفع الإِمام من المشعر الإِسفار الذي يجوز تأخير الصلاة إِليه.
وفي طرر التهذيب لأبي الحسن (٢): هو الإِسفار الأول لا الثاني (٣).
_________________
(١) ولكن ولا شيء عليه: ساقط من (ر).
(٢) علي بن عبد الحق الزرويلي، أبو الحسن الصغير، فقيه مالكي، تولى قضاء فاس فظهرت صرامته في الحق. كان يدرس المذهب المالكي ويستظهر عدة مدونات فقهية من حفظه ت ٧١٩ بمدينة فاس. (الأعلام: ٥/ ١٥٦، جذوة الاقتباس: ٢/ ٤٧٢ رقم ٥٢١، درة الحجال: ٢/ ٤٣٩، الديباج: ٢/ ١١٩، سلوة الأنفاس: ٣/ ١٤٧، الشجرة: ٢١٥ رقم ٧٥٧، كحالة: ٧/ ٢٠٧).
(٣) أوضح أبو الحسن الصغير ذلك عند تعليقه على قول التهذيب: ولا يقف أحد بالمشعر إِلى طلوع الشمس أو الإِسفار، وعبارة أبي الحسن: يريد الإِسفار الثاني. قال ابن القاسم: من لم يدفع من المشعر حتى طلعت الشمس أساء ولا شيء عليه عند مالك. (التقييد: ٢/ ٢٤ ب). ولا يكون الوقوف بعد الإِسفار لمخالفة المشركين الذين كانوا لا يدفعون إِلا بعد طلوع الشمس. (التوضيح لخليل: ١/ ٢٢٤ ب).
[ ١ / ٤١٢ ]
وقاله اللخمي في التبصرة.
فرع:
ويستحب الدفع من المشعر بدفع الإِمام، وواسع للنساء والصبيان أن يتقدموا أو يتأخروا، وإِن قُدِّموا فيكون تقديمهم في آخر الليل قبل صلاة الصبح، فيصلون الصبح بمِنى (١).
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄: أنه كان يقدم ضَعَفَةَ أهْلِه، فيقفون عند المشعر الحرام بالليل (٢) فيذكرون الله تعالى ما بدا لهم؛ ثم يدفعون قبل أن يقف الإِمام (٣).
وعلى هذا فينبغي لمن رحل ليلًا أن يفعل فعلهم ويقتدي بهم في ذلك، ولا يحرم نفسه الوقوف إِذا فاته الوقوف على سنته.
_________________
(١) انظر (تبيين المسالك: ٢/ ٢٥٦).
(٢) في صحيح مسلم: ١/ ٩٤١: بالمزدلفة بالليل.
(٣) تمام الحديث: " وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم مِنى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإِذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله - ﷺ -". (صحيح مسلم: ١/ ٩٤١، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إِلى مِنى في أواخر الليالي قبل زحمة الناس رقم ٣٠٤).
[ ١ / ٤١٣ ]
فرع:
وفي الحاوي لأبي الفرج (١): إِذا أخر الدافع مجيئه من عرفة إِلى المزدلفة حتى فاته المبيت والصلاة بها لم يقف بالمشعر.
قال ابن القاسم: وأرى أن يقف.
وقال مالك: إِن فاته البيت بالمشعر وأراد الصلاة مع الإِمام وقف معه. انتهى.
ومراده: وأدرك معه صلاة الصبح، لقوله: وفاته المبيت.
فرع:
قال ابن حبيب: وتفعل في الدفع من المشعر من الذكر والسكينة مثل فعلك في الدفع من عرفة، وتهرول في بطن مُحَسِّر (٢) اقتداءً بالنبي - ﷺ - (٣) وأصحابه - ﵃ - والأئمة بعده، وهي السنة، ومقدار ما تهرول
_________________
(١) عمر بن محمد بن عمرو الليثي: أبو الفرج. أصله من البصرة ونشأ ببغداد وتفقه مع القاضي إِسماعيل، ولي القضاء وألف اللمع في الأصول والحاوي في الفقه. ت ٣٣٠ وقيل ٣٣١ (الديباج: ٢/ ١٢٧. الشجرة: ٧٩، المدارك: ٥/ ٢٢). وكتابه الحاوي من المخطوطات المفقودة، فيما أعلم.
(٢) مُحَسِّر (بضم ففتح فسين مكسورة مشدودة).
(٣) ورد قول ابن حبيب في (تقييد أبي الحسن: ٢/ ٢٤ أ).
[ ١ / ٤١٤ ]
في بطن محسر هو (١) قدر رمية حجر؛ لأنه ورد ذلك في حديث جابر (٢).
قال مالك: وأحب للمحرم الماشي إِذا هبط من محسر أن يسعى على قدميه مثل ما يصنع الراكب، ومن ترك الإِسراع فلا شيء عليه - راكبًا كان أو ماشيًا - فإِذا خرجت من بطن محسر رجعت إِلى السكينة والوقار.
_________________
(١) (ص): وهو.
(٢) يعني قوله "حتى أتى محسرًا فحرك قليلًا، ثم سلك الطريق الوسطى ". (سنن أبي داود: ٢/ ٤٦٢، كتاب الحج، باب ما جاء في الإِفاضة عن عرفات، رقم ٨٨٦).
[ ١ / ٤١٥ ]
فصل
واختلف من أين ينبغي له أخذ الجمرات؟ والذهب أن له أخذَهَا من حيث شاء، واستحب الجمهور أن يأخذها من المُزْدَلِفَة ليلةَ مبيته بها (١) ويلتقطها لقطًا * وهو أفضل من كسرهَا (٢).
وفي الحديث: أن النبي - ﷺ - أمر بأخذها من وادي محسر (٣).
تنبيه (٤):
والقدر المستحب لقطه من المزدلفة هي السبع التي يرميها في جمرة العقبة، وليس مراده جميع الجمار، قاله ابن حبيب في مختصر الواضحة.
قال: ووجه ذلك أنه مأمور بالمبادرة برميها عند وصوله إِلى مِنى كما سنذكره.
وقدرها قدر البندقة كما قاله ابن جماعة التونسي.
_________________
(١) كذا في (مواهب الجليل: ٣/ ١٢٧) نقلًا عن التوضيح.
(٢) نص على ذلك ابن الحاجب، وقال ابن المواز عن مالك: "لقطها أحب إِلي من كسرها وليس عليه غسلها، فإِن احتاج إِلى كسرها فلا بأس". (مواهب الجليل: ٣/ ١٢٧).
(٣) من حديث الفضل بن عباس أنه - ﷺ -: "دخل مُحَسِّرًا - وهو من مِنى - قال: عليكم بحصى الحَذْفِ الذي يُرمى به الجمرة". قال ابن الأثير الجزري: رواه مسلم والنسائي (جامع الأصول: ٣/ ٢٤٩ رقم ١٥٣٩).
(٤) نص هذا التنبيه: ساقط من (ص).
[ ١ / ٤١٦ ]
وقال ابن عطاء الله الإِسكندري: ينبغي أن تكون فوق الفستقة ودون البندقة، ولا تكون من حصى المسجد الحرام ولا مما رمي به، فإِن ذلك مكروه، وتكون الجمار طاهرة. وهي سبعون حصاة لمن لا يتعجل، وتسع وأربعون لمن يتعجل.
قال ابن الحاج: ورمي الجمار بالحجارة، وما عدا الحجارة من حجارة الكُحْل والزرنيخ وشبهها من المعادن أو الذهب.
فإِذا وصلت إِلى مِنى فترمي جمرة العقبة بسبع حصيات على الهيئة التي جئت عليها من ركوب أو مشي، قبل أن تحط رحلك.
قال سند: لأنها تحية الحرم، وذلك ضحى يوم النحر فتكبر مع كل حصاة رافعًا صوتك (١).
فرع:
وفي الذخيرة قال سند: اختلف في تحديد أول وقت (٢) رميها، هل هو نصف الليل أو طلوع الفجر أو طلوع الشمس (٣).
قوله: نصف الليل، لم أره، والمعروف في المذهب أن أوله طلوع الفجر.
_________________
(١) رافعًا صوتك: سقطت من (ر).
(٢) أول وقت: سقطت من (ر).
(٣) لم أعثر على هذا القول في نسخة الذخيرة المخطوطة التي بين يدي ولا في المطبوع. وانظر (نيل الأوطار: ٥/ ٦٥).
[ ١ / ٤١٧ ]
وقال ابن رشد في البيان: إِنه إِن رمى قبل طلوع الفجر لم يجزه بلا خلاف (١).
وفي التهذيب: الشأن أن يرميها ضحوة، فإِن رميت بعد الطلوع (٢)، وقبل طلوع الشمس أجزأك، وأما قبل الفجر فيلزم الإِعادة، والرجال والنساء سواء (٣).
قال ابن عطاء الله: قال بعض أصحابنا: ويقول مع كل حصاة: الله أكبر في طاعة الرحمَن وغضب الشيطان (٤).
وقال ابن الحاج: تكبر ثلاثًا وتقول: على رغم الشيطان وطاعة الرحمن.
_________________
(١) كذا في (البيان: ٣/ ٤٣٩).
(٢) (ص): بعد طلوع الفجر.
(٣) قال مالك: الشأن أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر ضحوة راكبًا كما يأتي الناس على دوابهم، وفي غير يوم النحر يرمي ماشيًا فإِن مشى يوم النحر في رمي جمرة العقبة أو ركب في رمي الجمار في الأيام الثلاثة فلا شيء عليه، وإِن رمى العقبة قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أجزأه وإِن رماها قبل الفجر أعاد الرمي. والرجال والنساء والصبيان في هذا سواء. (التهذيب: ١/ ٥٤٧).
(٤) نبه على هذا المعنى الحطاب ناقلًا عن ابن عطاء الله عن بعض الأصحاب أنه يقول مع التكبير: هذه في طاعة الرحمن وهذه في غضب الشيطان. (مواهب الجليل: ٣/ ١٢٦).
[ ١ / ٤١٨ ]
تنبيه:
وخُصَّ التكبير دون سائر الذكر للسنة (١)، فإِن سبح ولم يكبّر فقال ابن القاسم: ما سمعت فيه شيئًا (٢).
وقال أبو الوليد الباجي: لا شيء عليه عندي؛ لأنه لو ترك التكبير فلا شيء عليه، قاله ابن القاسم (٣).
وتقف للرمي من أسفل الجمرة من بطن الوادي وأنت مستقبل القبلة والعقبة (٤) عن يمينك.
قال مالك: وإن رماها من فوقها أجزأه.
وقال القاضي عياض: ويرمي جمرة العقبة من حيث تيسر عليه من أعلى العقبة أو أسفلها أو وسطها، كل ذلك يجزئ، والمستحب من بطن الوادي من
_________________
(١) روي في حجته - ﷺ - أنه رمى الجمرة الكبرى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها. (حجة النبي - ﷺ -: ٧٩).
(٢) نص المدونة في ذلك: "قلت: فإِن سبح مع كل حصاة؟ قال: ما سمعت من مالك فيه شيئًا والسنة التكبير". (المدونة: ٢/ ١٨١).
(٣) عبارة الباجي: "الذى عندي أنه لا شيء عليه؛ لأن ابن القاسم قد قال في المبسوط فيمن رمى ولم يكبر: هو مجزئ، ومعنى ذلك أنه ذكر مشروع في أثناء الحج كسائر الأذكار والأدعية". (المنتقى: ٣/ ٤٦).
(٤) (ر): والجمرة.
[ ١ / ٤١٩ ]
أسفلها (١) كما جاء في الحديث (٢)، هذا كله قول كافة العلماء.
وقال الباجي: من رمى جمرة العقبة من أسفلها فليجعل مِنى عن يمينه ومكة عن يساره، ويستقبل العقبة (٣).
فرع:
قال اللخمي: وتوالي الرمي مع التكبير برفع الصوت، ولا تقف عندها للدعاء * ولا لغيره.
قال ابن الحاج: وقل: اللهمّ اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا.
_________________
(١) لم أجد قول عياض هذا في نسخة التنبيهات التي بين يدي. وفي كتابه (الإِعلام بحدود قواعد الإِسلام: ٧٤) قال: "ثم رمى جمرة العقبة من أسفلها ضحى".
(٢) جاء في حديث جابر أن النبي - ﷺ - " مر من بطن الوادي ثم انصرف إِلى المنحر" أخرجه مسلم. (الصحيح: ١/ ٨٩٢ رقم ١٤٧، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -). وانظر (حجة النبي - ﷺ -: ٨٢).
(٣) نص الباجي في ذلك: "وإِن رمى جمرة العقبة فليجعل مِنى عن يمينه ومكة عن يساره، والأصل في ذلك ما روي عن عبد الرحمن بن يزيد أنه حج مع ابن مسعود، فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، وجعل البيت عن يساره ومِنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة". (المنتقى: ٣/ ٤٩).
[ ١ / ٤٢٠ ]
مسألة:
ووقت أدائها يوم النحر من طلوع الفجر إِلى الغروب وقيل: الأفضل في أدائها من طلوع الشمس إِلى الزوال وما بعده لأهل الأعذار كالمريض والناسي.
ووقع لابن القاسم في العتبية: إِذا زالت الشمس يوم النحر فقد فات الرمي إِلا لمريض أو ناسٍ (١).
وحمل على فوات وقت الفضيلة.
وسيأتي ذكر وقت قضائها في بيان وقت الرمي.
قال ابن المعلى: واستحب بعض المتأخرين من المالكية أن يرجع إِلى مِنى بعد رميه من فوق الجمرة، ولا يرجع على طريقه لئلا يضر الناس بالمزاحمة.
فصل
ثم تنزل في منزلك من مِنى، وتقول:
الحمد لله الذي بلغنيها (٢) سالمًا معافى، اللهمّ هذه مِنى قد أتيتها وأنا
_________________
(١) البيان والتحصيل: ٤/ ٥١.
(٢) (ر): بلغني.
[ ١ / ٤٢١ ]
عبدك، وفي قبضتك، أسألك أن تَمُنَّ عليَّ بِمَا مننتَ به على أوليائك، اللهمّ إِني أعوذ بك من الحرمان والمصيبة في ديني، يَا أرحم الراحمين (١).
فصل
فإِذا نزلت بمِنًى بعد رمي جمرة العقبة، فإِن كان معك هدي بدأت به قبل الحلق فتنحره؛ لأن سائق الهدي لا يحلّ من شيء حتى ينحر هديه.
وتقول عند نحره: بسم الله، اللهمّ منك وإِليك فأسألك أن تتقبل مني كما تقبلت من إِبراهيم خَليلك ونبيك ﵇ (٢).
ولا تذبح حتى ترمي الجمرة، ومن ذبح قبل الرمي أو حلق بعد الرمي وقبل الذبح أجزأه ولا شيء عليه.
فصل
ووقت نحر الهدايا وذبحها بعد الفجر، والأفضل ضحوة، ومن ذبح قبل الفجر أعاد.
_________________
(١) أورد النووي هذا الدعاء ضمن: فصل في الأذكار المستحبة بمنى يوم النحر، في (الأذكار: ١٨١ - ١٨٢).
(٢) لم أعثر على من أورد نص هذا الدعاء، ويقرب منه ما نقل ابن جماعة عن بعضهم: "إِن قال: اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبل مني أو من فلان، فحسن". (هداية السالك: ١٣٩٧ - ١٣٩٨).
[ ١ / ٤٢٢ ]
والهدي: جزاء الصيد، وما وجب لأجل نقص في حج أو عمرة كدم القِران والتمتع والفساد والفوات وغيرهما، ومن ذلك ما نوى به الهدي من النسك، وإِن لم ينو به هديًا فهو نُسك وليس بهدي.
والنُّسُك: ما وجب لإِلقاء التفث وطلب الرفاهية من اللباس، والدهن والطِّيب ونحو ذلك (١)، ودم النسك لا يختص بزمان ولا مكان (٢).
فرع:
وكره مالك أن ينحر هديه أو أضحيته غيره، فإِن استناب أجزأه (٣) إِلا أن يكون النائب غير مسلم فلا يجزئه.
وسيأتي بيان أيام النحر.
_________________
(١) (ر): وغير ذلك. قال الإِمام المقري: "كل ما وجب لإِلقاء التفث وطلب الرفاهية من الدماء فنسك، وإِلا فهدي". (كليات المقري: ١١٣، الكلية رقم ١٥٣).
(٢) قال الإِمام المقري: "كل نسك فله أن يذبحه حيث شاء، وليس عليه تقليده وإِشعارُه إِلا أن يشاء". (كليات المقري: ١١٤، الكلية رقم ١٥٨).
(٣) من سماع ابن القاسم: أحب إِلي أن يلي ذكاة أضحيته بيده. اهـ. وعند الضرورة - كالضعف والكبر والرعشة - يليها غيره. فإِن أمر مسلمًا غيره دون عذر فبئس ما صنع. (التاج والإِكليل: ٣/ ٢٤٤).
[ ١ / ٤٢٣ ]
فصل
ثم تحلق رأسك (١)، فإِذا نحرت وحلقت فقد حل لك كل شيء إِلا النساء والصيد والطيب (٢). فإِن تطيبت قبل طواف الإِفاضة فلا شيء عليك (٣) على المشهور.
فرع:
قال اللخمي: الناس في الحلق والتقصير على ثلاثة أوجه: حلاق وتقصير، وتخيير بينهما.
_________________
(١) عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: "اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين". أخرجه البخاري في (الصحيح: ٢/ ١٨٨، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإِحلال). ومسلم في (الصحيح: ١/ ٩٤٥ رقم ٣١٧، كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير).
(٢) المقصود: إِذا نحرت وحلقت بعد رمي جمرة العقبة، فقد حل لك غير النساء والصيد والطيب، وهذا هو التحلل الأصغر. وحكم استعمال الطيب قبل الإِفاضة الكراهة. (الشرح الصغير: ٢/ ٥٨).
(٣) (ص): فإِن تطيب فلا شيء عليه.
[ ١ / ٤٢٤ ]
فالحِلاق: لمن لا وَفْرة (١) له، وللأقرع ولمن لبّد (٢) أو عقص أو ظفر من الرجال، إِذا لم يمكن تقصيره كذلك.
والتقصير: فرض النساء، فلا يجوز لهنّ أن يحلقن إِلا لضرر (٣) برؤوسهنّ (٤)؛ لأن حلْقَهُنَّ مُثلةٌ (٥)، وكذلك بنت تسع أو عشر تقصر ولا تحلق، وإِن كانت * صغيرةً جازَ أن تحلقَ أو تقصرَ.
والخِيَار بينهما: لمن له وَفْرَةٌ من الرَّجَال، ولم يلبِّد ولا ظفر ولا عقص.
_________________
(١) الوفرة: شعر الرأس إِذا وصل إِلى شحمة الأذن. (النهاية: وفر، ٥/ ٢١٠).
(٢) لبَد شعره: ألزقه بشيء لزجٍ أو صمغ حتى صار كاللبد، وهو شيء كان يفعله أهل الجاهلية إِذا لم يريدوا أن يحلقوا رؤوسهم في الحج. وفي الصحاح: التلبيد: أن يجعل المحرم في رأسه شيئًا من صَمغ ليتلبد شعره بقيا عليه لئلا يشعث في الإِحرام ويقمل، وإنما يلبد من يطول مكثه في الإِحرام. (اللسان: لبد). وسينقل ابن فرحون، قريبًا، عن ابن حبيب شرح التلبيد والعقص والظفر.
(٣) (ب): بضرورة.
(٤) أخرج أبو داود عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: ليس على النساء حلق إِنما على النساء التقصير. (مختصر سنن أبي داود: ٢/ ٤٢٠) ولاحظ ابن المنذر أن هذا الحكم مجمع عليه. (الإِجماع: ٢٣).
(٥) البيان والتحصيل: ٣/ ٤٣٤.
[ ١ / ٤٢٥ ]
قال الشيخ أبو محمد البلنسي (١) في شرح الرسالة: الحِلاق ثلاثة: فرض وسنة ومكروه.
فالفرض: لمن لبّد أو عقص.
والسنة: لمن لم يلبد ولم يعقص.
والمكروه: للنساء لأنه مثله.
قال ابن حبيب: والتلبيد أن يجعل الصمغ في الغاسول ثم يلطخ به رأسه عند الإِحرام، ليمنعه من الشعث.
والعقص: أن يجمع شعره في قفاه إِذا كان مجممًا لئلا يشعث. والعقد مثله.
والظفر: أن يظفر رأسه إِذا كان مُجَمَّمًا، لئلا يشعث.
_________________
(١) لعله عبد العزيز بن أحمد بن السيد القيسي الأندلسي البلنسي، أبو محمد رحل إِلى مصر وتوفي بها حوالي سنة ٤٢٧. (جذوة المقتبس: ٢٦٩، كحالة: ٥/ ٢٤١ - ٢٤٢).
[ ١ / ٤٢٦ ]
فصل: في موضع الحلاق (١) وصفته ووقته
فأما موضعه فقال الباجي: موضع الحلاق في الحج مِنى وفي العمرة مكة وذلك على وجه الاستحباب، فلو حلق في الحج بمكة أو مِنى أو في الحل فلا شيء عليه إِذا حلق في أيام مِنى (٢).
قال ابن الحاج: قال مالك: موضع الحلاق أو التقصير في الحج عند الجمرة أو حيث شاء من مِنًى.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لا ينبغي لأحد أن يحلق خلف العقبة، ذكره في النوادر (٣).
وأما وقته فبعد طلوع الفجر ورمي جمرة العقبة ونحر الهدي إِن كان، وأما آخر وقته فآخر أيام الرمي، فإِن لم يحلق فيها حلق وأهدى سواء كان بمكة أو رجع إِلى بلده.
فرع:
فلو توجه للإِفاضة قبل الحلق فذكر وهو بمكة قبل الطواف، فليرجع حتى يحلق ثم يفيض.
_________________
(١) (ب): مواضع الحلاق.
(٢) كذا في (المنتقى: ٣/ ٣٠) وقد أورده ابن فرحون مختصرا.
(٣) كذا نص ابن أبي سلمة في (النوادر: ١/ ١٦٩ ب).
[ ١ / ٤٢٧ ]
فرع
لو قدم الإِفاضة على الرمي والنحر والحلق، فعن مالك: الإِجزاء مع الهدي، وقيل لا يجزئه، وهو كمن لم يفض، وقيل: يعيد الحلق مع الإِفاضة (١).
وقال الباجي: ومن أفاض قبل الحلق فاختلف فيه (٢).
وفي المختصر: أنه يرجع فيحلق ثم يفيض، فإِن لم يفض فلا شيء عليه، وقيل: ينحر ثم يحلق ولا شيء عليه.
فرع:
ومن حلق قبل النحر فلا فدية عليه على الأصح (٣)، ومن نحر قبل الرمي فلا فدية عليه.
وأما من حلق قبل أن يرمي فعليه فدية الأذى (٤).
_________________
(١) مع الإِفاضة: سقطت من (ر).
(٢) الخلاف بين ما رواه محمد عن مالك وما قاله ابن القاسم فيمن أفاض قبل الحلق ففي هذه الرواية: إِن ذكر في أيام مِنى فحلق فلا شيء عليه، وإن ذكر بعدها حلق وأهدى، أما ابن القاسم فقال: إِذا تباعد ذلك بعد الإِفاضة أهدى وليس لذلك حد، وإِن ذكر وهو بمكة قبل أن يفيض فليرجع حتى يحلق ثم يفيض. (المنتقى: ٣/ ٣٠).
(٣) (ب): في الأصح.
(٤) قال الإِمام المقري: "كل ما يفعل بمِنى يوم النحر، فلا شيء في تقديم بعضه على =
[ ١ / ٤٢٨ ]
وهذا فيمن أفرد الحج، وسواء كان قدّم السعي أو أخّره كالمراهق أو المحرم بالحج من مكة، وأما القارن فمشهور مذهب مالك أنَّ حكمَه في ذلك حكم المفرد.
وذكر أبو بكر بن الجهم (١) أن القارن لا يحلق بعد الرمي حتى يطوف ويسعى (٢).
تنبيه:
ومعنى هذه الرواية: أن هذا القارن أخر الطواف الأول والسعي إِلى يوم النحر؛ لأن الذي لم يؤخرهما قد طاف وسعى لعمرته، ولم يبق له إِلا
_________________
(١) = بعض، إِلا الحلق قبل الرمي، ففيه الدم". (كليات المقري: ١١٣، الكلية رقم ١٥٠).
(٢) (ر): أبو محمد بن الجهم، وهو خطأ. وهو محمد بن أحمد بن محمد بن الجهم بن خنيس المعروف بابن الوراق المروزي. كان جده وراقًا للمعتضد. تفقه أبو بكر مع القاضي إِسماعيل وسمع منه. كان صاحب حديث وسماع وفقه. ألف كتبًا جليلة على مذهب مالك. ت ٣٢٩ على الراجح. (الشجرة: ٧٨ رقم ٣٢٩، طبقات الشيرازي: ١٦٦ وفيه اسمه أحمد بن محمد، وقد نبه عياض على خطئه، المدارك: ٥/ ١٩).
(٣) كذا ورد هذا القول لابن الجهم في (النوادر: ١/ ١٧٠ أ).
[ ١ / ٤٢٩ ]
طواف الإِفاضة، ولا شركة للعمرة فيه، وحكمه أن يحلق كما يحلق الحاج، هكذا فسره اللخمي.
فرع:
ومن ضلَّتْ (١) بدنته يوم النحر أخر الحلاق وطلبها ما بينه وبين الزوال، فإِن وجدها وإِلا حلق * وأفاض، وفعل ما يفعله من ليس معه هَدْيٌ، من وطءِ النساءِ وغيره كان ذلك الهدي مما عليه بدلُه أم لا.
فرع:
والحِلَاق يجمع أمريْن: كونه نسكًا من مناسك الحج كالرمي، وكونه تحللًا يبيح بعض ما كان ممنوعًا منه.
فرع:
لو وطئ قبل الحلق حلق بعد ذلك وأهدى، ولو كان قد طاف طواف الإِفاضة (٢)، وسواء كان ذلك في أيام مِنى أو بعد أن وصل بلده، وذلك بخلاف الصيد.
فلو صاد (٣) بعد طواف الإِفاضة وقبل الحق فلا يلزمه جزاء؛ لأن الصيد
_________________
(١) (ر): ومن ضل.
(٢) (ر)، (ص): وقد طاف للإِفاضة.
(٣) (ر): فإِن هو صاد.
[ ١ / ٤٣٠ ]
حل له بالإِفاضة، وتأخير الحلق لا يمنع من الصيد.
وأما صفته، فقال الباجي: نقل ابن المواز عن مالك، أن من الشأن أن يغسل رأسه بالخطميّ (١) والغاسول، حين يريد أن يحلق (٢).
ومعناه: إِن كان قد لبّد رأسه؛ لأن ذلك أيسر عليه ولا يلزمه بما تساقط من شعره وإِزالة الشعث شيء.
وأما المعتمر فيكره أن يغسل رأسه قبل حلقه أو يقتل شيئًا من الدواب أو يقص شاربه أو أظفاره أو يلبس مخيطًا، بعد تمام السعي وقبل الحلق (٣).
قال ابن حبيب: فإِن فعل فلا شيء عليه.
والفرق بينهما: أن الحاج قد وجد منه قبل الحلاق تحلل وهو الرمي، والمعتمر لم يوجد منه قبل الحلاق تحلل (٤).
ويبدأ الحالق بالشق الأيمن (٥) ويستقبل القبلة، ويستحب أن يكثر من
_________________
(١) الخطمي (مشدد الياء، بكسر الخاء وفتحها، الكسر أكثر) عِسْل معروف. (المصباح: خطم).
(٢) كذا في (المنتقى: ٣/ ٢٩) وتمام كلامه: ولا بأس أنْ يتنور ويقص شاربه ولحيته قبل أن يحلق.
(٣) كذا ورد معزوًّا إِلى ابن القاسم في (المنتقى: ٣/ ٢٩).
(٤) وهو الرمي تحلل: ساقط من (ر).
(٥) عن عمرو بن دينار قال: أخبرني حجام أنه قص عن ابن عباس فقال: ابدأ بالشق =
[ ١ / ٤٣١ ]
الدعاء وقت الحلاق، فإِن الرحمة تغشى الحاج عند حلاقه، فيما ذكر أهل العلم.
ولتقل في دعائك: اللهمّ لك وضَعْتُ شعري، فحطُّ عني وزري وزكِّ لي عملي، واغفِرْ لي ذُنُوبي، اللَّهمَّ اكتُبْ لِي بكل شعرةٍ حسنة، وامْحُ بها عني سيئةً، وامح عنِّي بها سيئة، وارفع لي بها درجةً، واغفر لي وللمحلقين والمقصرين يا أرحم الراحمين يا واسع المغفرة (١).
فإِذا فرغت من حلاقك كبَّرْتَ وقلتَ: الحمد لله الذي قضى عنا نسكنا، اللهمّ زدْنَا إِيمَانًا وتوفيقًا ويقينًا وعونًا، واغفر لنا ولآبَائِنَا ولأمّهَاتِنَا وللمسلمين أجمعين (٢).
فرع:
ولا يتم نسك الحلق إِلا بحلاق جميع الرأس والشعر الذي على الأذنين.
_________________
(١) = الأيمن، لأنه نسك، اقتداء، فإِن النبي - ﷺ - كان يحب التيمن في أمره كله. قال المحب الطبري: أخرجه الشافعي. (القِرى: ٤١٥).
(٢) هناك صيغة أخرى لدعاء الحلق، في (كنز المطالب، للعدوي: ١٤٤) وفي (أذكار النووي: ١٨٢).
(٣) وهذا الدعاء أورده النووي ضمن الأذكار المستحبة بمِنى، يوم النحر في (الأذكار: ١٨٢).
[ ١ / ٤٣٢ ]
قال ابن الحاج: قال أبو عمر: أجمع العلماء على أن الحاج لا يحلق ما على أذنيه من الشعر.
قال التادلي في منسكه: وينبغي أن يكون النظر في كونها من الرأس أو من الوجه كما ذكر في الوضوء.
قال الباجي: ويبلغ في الحلق إِلى العظمين اللذين في الصدغين (١). قال ابن حبيب: ولا يجزئ حلق بعض الرأس. حكاه الشيخ أبو بكر وغيره عن مالك (٢).
قال سند: الخلاف في استيعاب الرأس حلقًا كالخلاف في استيعابه مسحًا في الوضوء (٣).
وأما التقصير فلا يخلو أن يكون المقصر رجلًا أو امرأة، فإِن كان رجلًا
_________________
(١) الصدغين، مثنى صُدُغ (بضم الدال) ما انحدر من الرأس إِلى مركب اللحيين. وقيل: الصدغ ما يلي مؤخرة العين. (غرر المقالة: ٩٤، لسان العرب: صدغ).
(٢) المنتقى: ٣/ ٢٩.
(٣) أشار ابن رشد الحفيد إِلى الخلاف في استيعاب الرأس مسحًا في الوضوء بقوله: "اختلفوا في القدر المجزئ منه: فذهب مالك إِلى أن الواجب مسحه كله، وذهب الشافعي وبعض أصحاب مالك وأبو حنيفة إِلى أن مسح بعضه هو الفرض، ومن أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث، ومنهم من حده بالثلثين، وأما أبو حنيفة فحده بالربع). (بداية المجتهد: ١/ ٩).
[ ١ / ٤٣٣ ]
قصر من جميع شعر رأسه (١) واستوعبه بالتقصير ويجز ذلك جزا من قرب أصوله، فإِن لم يجزه * من قرب أصوله وأخذ منه فقد أخطأ ويجزئه. قاله الباجي (٢).
قال الطرطوشي: ومعنى ذلك أن يأخذ منه ما يقع عليه اسم التقصير، وليس ذلك بأن يأخذ الشيء اليسير، وهو ممنوع أن يفعل من ذلك ما تفعله المرأة فتأخذ (٣) قدر الأنملة أو فوقها أو دونها قليلًا وتجمع أطراف قرونها ليعم التقصير جميع شعرها.
قال مالك: ليس لذلك عندنا حد معلوم، وما أخذَتْهُ منه أجزأها، ولا بد أن تعم الشعر كله طويله وقصيره. نقله الباجي (٤).
تنبيه:
قال أبو عمرو (٥) بن القطان في كتاب النظر في أحكام النظر: لا
_________________
(١) (ر) من جميع شعره.
(٢) (المنتقى: ٣/ ٢٩).
(٣) (ص): فتأخذ منه.
(٤) المنتقى: ٣/ ٢٩.
(٥) كذا في (ص)، (ب)، وفي (ر): أبو عمر: ويبدو أن الصواب أبو الحسن علي وهو صاحب كتاب النظر.
[ ١ / ٤٣٤ ]
يقصر للمرأة رجل سواء كانت شابة أو عجوزًا، بل هي أو امرأة أو محرم (١).
فرع:
ويمر الأقرع الموسى على رأسه (٢) لأنها عبادة تتعلق بالشعر، فينتقل إِلى البشرة كالمسح في الوضوء، والدليل فعل عمر ﵁ لذلك.
فرع:
ولا بأس للحاج بعد رمي جمرة العقبة أن يحلق عانته ويقص أظفاره ويأخذ من شاربه (٣) ولحيته قبل أن يحلق رأسه (٤) بخلاف المعتمر، وقد تقدم
_________________
(١) عبارة ابن القطان: الحاجة أو المعتمرة لا ينبغي أن يقصر رأسها رجل، بل هي أو امرأة غيرها والشواب والعجز في هذا سواء، فإِن إِباحة النظر لا يكون إِلا بدليل، ولم نجده. (النظر في أحكام النظر: ٣٧٧). وانظر (مختصر أحكام النظر للقباب: ٢١٨)
(٢) هذا قول مالك في (المدونة: ٢/ ١٨٧) وقال ابن المنذر: أجمعوا عليه. (الإِجماع: ٢٣).
(٣) ذكر ابن قدامة أن تقليم الأظافر والأخذ من الشارب مستحبان لمن حلق أو قصر، وأن ابن عمر كان يفعل ذلك. (المغني: ٣/ ٤٣٧).
(٤) نقل الحطاب عن المدونة أن الحاج بعد رمي جمرة العقبة لا بأس أن يبدأ بقلم أظافره، والأخذ من لحيته وشاربه قبل الحلق، ويستحب له إِذا حل من إِحرامه أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره من غير إِيجاب. وقال الشيخ أبو الحسن: يُستحب للمحرم إِذا حل من إِحرامه أن يخالف بين حالة الإِحرام وحالة الإِحلال. (مواهب الجليل: ٣/ ١٢٨).
[ ١ / ٤٣٥ ]
الفرق بينهما (١). قاله الباجي.
ومراده بالأخذ من اللحية: أن يأخذ من طولها (٢).
وكان ابن عمر ﵄ يقصر ما زاد على القبضة (٣).
وقال ابن حبيب في الواضحة: وبالغ في الأخْذِ من اللحية عند حلاقك رأسك، فإِنه مستحب في ذلك الوقت، ما لا يستحب في غيره (٤).
_________________
(١) الفرق بينهما أن الحاج قد وجد منه قبل الحلاق تحلل وهو الرمي، والمعتمر لا يوجد منه قبل الحلاق تحلل. (المنتقى: ٣/ ٢٩).
(٢) ذكر ابن قدامة أن عطاء وطاوسًا والشافعي يحبون لو أخذ من لحيته شيئًا. (المغني: ٣/ ٤٣٧). وفسر ابن شعبان قضاء التفث في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ بحلق الرأس وقص الأظفار وإِماطة الأذى عن الجسد والوجه والرأس. (مواهب الجليل: ٣/ ١٢٩). وإنما تعفى اللحية في كل وقت؛ لأن فيها جمالًا؛ ولأن حلقها مثلة وتشبيه بالأعاجم في ذلك، وإِذا طالت فلا بأس بالأخذ منها، قاله ابن رشد في (الجامع من المقدمات: ٢٧٠).
(٣) هذا ما قاله ابن حبيب، وتمام كلامه: ويأخذ من شاربه وأظفاره ولا يأخذ من عارضيه (مواهب الجليل: ٣/ ١٢٩).
(٤) لاحظ الحطاب أن كلام ابن حبيب هذا نقله ابن هلال في منسكه. (مواهب الجليل: ٣/ ١٢٨).
[ ١ / ٤٣٦ ]
فرع:
والحلاق بالموسى؛ فمن حلق بالنورة، فقال ابن القاسم في المدونة: يجزئه (١).
وقال أشهب: لا يجزئه، ورآه تعبدًا فيقتصر (٢) فيه على السنة.
فرع:
ومن حل من عمرته في أشهر الحج فالحلاق له (٣) أفضل إِلا أن تقرب (٤) أيام الحج، ويريد الحج، فليقصر لمكان حلاقه في الحج قاله ابن المواز (٥).
_________________
(١) عبارة المدونة: "قلت: فإِن حلق الرجل رأسه عن الحلاق بالنورة؟ قال: لا أحفظه عن مالك، وأراه مجزيًا عنه". (المدونة: ٢/ ١٨٧).
(٢) (ب): فيقصر.
(٣) له: سقطت من (ب).
(٤) في المنتقى: ٣/ ٢٩: تفوت، وهو تصحيف.
(٥) وقد وجه ابن المواز هذا الحكم بقوله: "ووجه ذلك ما يريد من تخصيص الحج، الذي هو أفضل النسكين، بالحلاق". (المنتقى: ٣/ ٢٩).
[ ١ / ٤٣٧ ]
فصل: في طواف الإفاضة
وينبغي أن لا يؤخر طواف الإِفاضة بعد الحلق إِلا بقدر ما يقضي حوائجه التي لا بد له منها، فيذهب إِلى مكة فيطوف طواف الإِفاضة.
ويُسمَّى طوافَ الزيارةِ، وطواف الصَّدَر (بفتح الصاد والدال) وطواف الفرض، وطواف الركن (١)، قاله النووي في منسكه (٢).
وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة، أو يقال: زرنا قبره ﵊ (٣).
_________________
(١) في (ر): زيادة عبارة: وطواف النفل، وذلك لا يصح.
(٢) الإِيضاح: ٩٧. ويلاحظ أن طواف الصدر هو طواف الوداع في المذهب المالكي. قال القاضي عياض: "طواف الوداع: هو طواف الصدَر، بفتح الدال، أي الرجوع، وهو مستحب عندنا". (التنبيهات: ١٢). وقال ابن عبد البر: إِنه من سنة الحج (بداية المجتهد: ١/ ٢٧٣). وقد سمى القلصادي الفقيه الأندلسي طواف الوداع بطواف الصَّدَر في (رحلته: ١٤٣).
(٣) المدونة: ٢/ ١٣٠. وعند القاضي عياض أن كراهة إِضافة الزيارة إِلى قبر النبي - ﷺ -، لقوله عليه =
[ ١ / ٤٣٨ ]
قال ابن رشد في جامعه: قيل: إِنما كره ذلك لما للزائر من فضل على المزور في صلته (١) بزيارته إِياه، وإِنما تفعل الزيارة تأدية لما يلزم من فعله (٢) ورغبته في الثواب عليه (٣).
وهذا الطواف ركن من أركان الحج بالإِجماع (٤).
قال القرافي في الذخيرة: وتحديد أول وقته مبني على تحديد أول وقت
_________________
(١) = الصلاة والسلام: "اللهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعبَدُ". (شرح الشفا، للقاري: ٣/ ٨٤٣ - ٨٤٧). وعند ابن رشد: أن الكراهة من وجه أن كلمة أعلى من كلمة، فعبارة الزيارة تستعمل في الموتى. فكره أن يذكر مثلها في النبي - ﷺ -، وأورد ابن رشد قولًا آخر، وهو ما تدل عليه الزيارة من الفضل على المزور في صلته بالزيارة، بينما لا يكون في زيارة الرسول - ﷺ - صلة ولا نفع. (البيان والتحصيل: ١٨/ ١١٨ - ١١٩). أما الإِمام ابن تيمية فقد علل هذه الكراهة بأن لفظ زيارة الرسول ﵇ لم يثبت عنه - ﷺ - ولم يكن معروفًا عند علماء المدينة. (مجموع الفتاوي: ٢٧/ ٣٥).
(٢) (ب): فضيلته، وهو تصحيف، وما أثبتناه يطابق ما في (البيان والتحصيل: ١٨/ ١١٩).
(٣) (ب): فضله، وما أثبتناه يطابق ما في (البيان: ١٨/ ١١٩).
(٤) هذا أحد معنيين وجه بهما ابن رشد كراهة مالك للتعبير بالزيارة. انظر (البيان والتحصيل: ١٨/ ١١٨ - ١١٩) وانظر (الذخيرة: ٣/ ٢٧٠).
(٥) بداية المجتهد: ١/ ٧٣، حلية العلماء، للقفال: ٣/ ٢٩٧).
[ ١ / ٤٣٩ ]
الرمي هل هو بعد طلوع الشمس يوم النحر أو طلوع الفجر أو نصف الليل (١).
ولعله يريد بعد نصف الليل * على مذهب الشافعي (٢).
ولا يجوز قبل يوم عرفة إِجماعًا.
تنبيه:
قال القاضي عياض: واختلف فيمن طاف غيرَه من طواف قدوم أو وداع أو تطوع ونسي طواف الإِفاضة حتى رجع إِلى بلده؟
وعن مالك وأصحابه: في إِجزاء طواف القدوم عنه روايتان.
وأكثر العلماء ومشهور قولي مالك: أنه لا يجزئه (٣).
واختلف أيضًا عندنا: هل يجزئ طواف الوداع عن طواف (٤) الإِفاضة؟ والأشهر أنه يجزئ (٥).
_________________
(١) كذا في (الذخيرة: ٣/ ٢٧١).
(٢) مناسك النووي بحاشية الهيثمي: ٣٥٢، المجموع: ٨/ ١٣٤.
(٣) تقييد أبي الحسن الصغير: ٢/ ١٢ أ.
(٤) طواف: سقطت من (ر).
(٥) وقال ابن رشد الحفيد: "جمهور العلماء على أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإِفاضة إِن لم يكن طاف طواف الإِفاضة، لأنه طواف بالبيت معمول في وقت طواف الوجوب الذي هو طواف الإِفاضة، بخلاف طواف القدوم الذي هو قبل وقت طواف الإِفاضة". (بداية المجتهد: ٢/ ٢٧٣).
[ ١ / ٤٤٠ ]
وكذلك طواف التطوع.
يريد: إِذا تطوع يوم النحر وأما قبله فلا يجزئه (١).
وأما تحديد آخر وقته، فالمشهور تمام الشهر، وعليه دم بدخول المحرَّم. والخلاف في آخر وقته مبني على الخلاف في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وقيل: العشر منه.
وقيل: إِن أشهر الحج تنقضي بفراغ أيام الرَّمْي.
وفائدة هذا الخلاف تظهر في تأخير طواف الإِفاضة، فعلى المشهور: لا يلزم الدم إِلا من أخره إِلى المحرم (٢). وعلى القول الثاني: من أخره إِلى الحادي عشر لزمه الدم. ذكره أبو بكر الطرطوشي في تعليقه الخلاف.
وعلى القول الثالث: إِن أوقعه في اليوم الرابع عشر لزمه الدم.
وفي المدونة: إِن أخره حتى مضت أيام التشريق، فانصرف من مِنى إِلى مكة فلا بأس (٣). وإِن أخره أيامًا حتى تطاول طاف وأهدى.
وهذ اخارج عن الأقوال الثلاثة، فيكون رابعًا. قاله ابن عبد السلام.
_________________
(١) المدونة: ٣/ ١٦٦.
(٢) (ر): إِلى آخر المحرم.
(٣) عبارة المدونة: "سألت مالكًا عمن أخر طواف الزيارة حتى مضت أيام التشريق" قال: إِن عجله فهو أفضل، وإِن أخر فلا شيء عليه". (المدونة: ٣/ ١٦٥).
[ ١ / ٤٤١ ]
فرع:
فإِذا طفت طواف الإِفاضة فلا تسع بعده إِن كنت قد سعيت عقيب طواف القدوم، وإِن كنت لم تسع سعيت عقيب طواف الإِفاضة (١).
هذا (٢) حكم المفرد والقارن، وأما المتمتع الذي طاف وسعى قبل عرفة ثم أحرم بالحج فإِنه يطوف طواف الإِفاضة ويسعى.
فرع:
فلو أخر غير المتمتع طواف القدوم والسعي عامدًا، حتى خرج إِلى مِنى، فليطف وليسع إِذا رجع من مِنى ويهدي.
وإِن كان ناسيًا أو مراهقًا فلا دم عليه.
قال ابن الجلاب: والقياس عندي في الناسي أن عليه الدم بخلاف المراهق (٣).
_________________
(١) (ر): فإِذا طاف فلا سعي بعده إِن كان قد سعى عقيب طواف القدوم، وإِن كان لم يسع سعى عقيب طواف الإِفاضة.
(٢) (ر): هكذا.
(٣) عبارة ابن الجلاب: "إِن ترك الطواف والسعي ناسيًا - والوقت واسع - فلا دم عليه عند ابن القاسم، والقياس عندي أن يلزمه الدم، بخلاف المراهق، وهكذا قال الشيخ أبو بكر الأبهري". (التفريع: ١/ ٣٣٩).
[ ١ / ٤٤٢ ]
وقاله الأبهري (١).
فرع:
فإِذا طفت طواف الإِفاضة فقد حل لك (٢) النساء والصيد والطيب، بشرط تقدم الحلاق.
فرع:
فإِن حاضت المرأة أو نفست قبل طواف الإِفاضة لم تبرح حتى تفيض، ويحبس عليها كريُّها (٣) أقصى جلوس النساء في الحيض والاستظهار (٤)، ويحبس في النفاس ستين يومًا (٥).
_________________
(١) أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهرى، فقيه مالكي عراقي مقرئ حافظ نظار انتهت إِليه الرئاسة ببغداد. أخذ عن أبي الفرج وابن المنتاب وابن بُكَير وسمع من أبي بكر ابن الجهم وأبي زيد المروزي، له تصانيف منها شرح المختصر الكبير والصغير لابن عبد الحكم امتنع من تولي قضاء بغداد عندما طلب لذلك. ولد قبل سنة ٢٩٠. ت حوالي سنة ٣٧٥. (الديباج: ٢/ ٢٠٦، شجرة النور: ٩١ رقم ٢٠٤).
(٢) (ر): فإِذا طاف فقد حل له.
(٣) (ص): مكاريها. والكري: على وزن فعيل: وهو المكاري (مخفف) والجمع: المكارون. (الصحاح: ٦/ ٢٤٧٣).
(٤) الذخيرة: ٢/ ٧٦ أ.
(٥) قال ابن وهب عن مالك: تقيم الحائض أكثر ما يحبس النساء الحيض وتقيم =
[ ١ / ٤٤٣ ]
واستحسن في سماع أشهب أن تعينه في العلف (١).
قال القرافي: وحيث قلنا بحبسه فلا يزاد على الكراء الأول.
وأما المحْرَم فيحبس عليها حتى يمكنها النفر. وأما الرفقة فإِن كان حبسها لهم اليومين والثلاثة حبسوا مع الكري، وإِن كان أكثر من ذلك لم يُحبسْ إِلا الكري والمحرم *.
تنبيه:
قال القرافي وغيره: إِنما يُحبَسُ عليها كَرِيُّها إِذا كان يمكنه الانفراد في السفر، كالقرى التي حول مكة شرفها الله تعالى. وأما أهل الآفاق البعيدة الذين لا يسيرون إِلا جملة فلا يحبس عليها الكري، ويفسخ الكراء بينهما، وكراؤه محمول على زمن الحج (٢) عادة؛ لأنها لو صرحت له بذلك عند العقد لم يرض، وهي كالمحصر بالعدو، وللكري عليها حق الفسخ (٣).
_________________
(١) = النفساء أكثر ما يحبس النساء دمها. قال الباجي: يحبس الكري في مذهب مالك سواء علم بحملها أو لم يعلم، وليس عليها أن تخبره بذلك. (المنتقى: ٣/ ٦٣).
(٢) قال مالك في العتيبة: لا أدري هل تعينه النفساء في العلف؟ (المنتقى: ٣/ ٦٣).
(٣) (ر): أمر الحج.
(٤) كذا في (الذخيرة: ٣/ ٢٧١).
[ ١ / ٤٤٤ ]
فرع:
ولا يلزمها إِذا فاسخها (١) الكري جميع الأجرة، ويحتمل أن يقال بلزومها، لأن الامتناع منها، قاله في الذخيرة (٢).
فرع:
وفي الذخيرة: وروي عن سحنون أن من حبسها الحيض عن طواف الإِفاضة فإِنها تطوف، للخلاف في اشتراط الطهارة في الطواف؛ ولأنه يستباح للضرورة كقراءة القرآن للحائض لضرورة النسيان (٣) وما هنا أعظم (٤).
قال التادلي: وعلى ما قاله سحنون من أنها تطوف كذلك فتؤخر الركوع حتى تطهر وتهدي.
قال التادلي: وخرّج بعض فضلاء الشافعية من أهل عصرنا على أحد قولي مالك، فيمن نسي طواف الإِفاضة، وقد كان طاف للقدوم ولم يذكر حتى رجع إِلى بلده: أنه يجزئه عن طواف الإِفاضة، فكذلك (٥) ينبغي قضاء
_________________
(١) فاسخها: سقطت من (ر).
(٢) الذخيرة: ٣/ ٢٧٢.
(٣) (ر): خوف النسيان.
(٤) الذخيرة: ٣/ ٢٧٢.
(٥) (ر): وكذلك.
[ ١ / ٤٤٥ ]
الصلاة بالحيض بخلاف النسيان، فإِذا طافت للقدوم ثم طرأ عليها الحيض قبل الإِفاضة انصرفت وتركت الطواف للضرورة، وكانت بمنزلة من رجع إِلى بلده ناسيًا للطواف وقد كان طاف للقدوم.
قال: وهو تخريج لا بأس به. انتهى.
تنبيه:
واعلم أن التخريج ليس بقول، ولا يجوز أن ينسب لمن خُرِّج على قوله أنه يقول به. نقله التادلي في شرح الرسالة عن الشيخ أبي إِسحاق الشيرازي (١).
وقال ابن عبد السلام من أصحابنا: القول المُخَرَّجُ لا يقلده العامي ولا ينصره الفقيه ولا يختاره المجتهد.
يريد: ولا يجوز الحكم ولا الفتيا به.
فهذا التخريج، وإِن كان ظاهرًا، لا بأس به كما قاله التادلي فلا يجوز أن يقلده العامي ولا يفتي به الفقيه، ولا يخرج عن المذهب بمثل (٢) هذا التخريج.
_________________
(١) إِبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزأبادي الشيرازي، أبو إِسحاق، علامة شافعي، مفتي عصره، اشتهر بقوة الحجة في المناظرة، بنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية فكان ألمع مدرسيها. تصانيفه كثيرة منها في الفقه: التنبيه والمهذب. ولد سنة ٣٩٣. ت ببغداد ٤٧٦. (الأعلام: ١/ ٤٤ - ٤٥، تبيين كذب المفتري: ٢٧٦، شذرات الذهب: ٣/ ٣٤٩، طبقات السبكي: ٣/ ٨٨، وفيات الأعيان: ٣/ ٩).
(٢) (ر): مثل.
[ ١ / ٤٤٦ ]
تنبيه:
وما يفعله النساء من الأدوية لقطع الدم وحصول الطهر، وإن علمت أنه إِنما يقطع الدم اليوم ونحوه، فلا يجوز لها ذلك، وحكمها حكم الحائض. وإِن استدام انقطاعه نحو ثمانية أيام أو عشرة فقد صَحَّ طوافها إِذا طافت في ذلك الطهر، وإِن عاودها الدم في اليومين والثلاثة إِلى الخمسة فقد طافت وهي محكوم بها حكم (١) الحيض، فكأنها طافت مع وجود الدم. ولم أر نصًا في جواز الإِقدام على ذلك، إِذا كانت جاهلة بتأثيره في الدوام.
وقد سئل الشيخ الإِمام أبو محمد عبد الله المنوفي (٢) عن امرأة عالجت استعجال دم الحيض لقصد الخروج من العدة فجاءتها الحيضة فهل تخرج * من العدة؟ فقال: الظاهر أنها لا تخرج من العدة بذلك. وتوقف عن ترك الصلاة والصيام.
قال صاحب التوضيح (٣): وإِنما قال: الظاهر، لاحتمال أن استعجاله لا
_________________
(١) (ر): بحكم.
(٢) عبد الله بن محمد بن سلمان المنوفي، أبو محمد، من أهل مصر، فقيه جامع بين العلم والعمل والصلاح. أخذ عن ابن الحاج صاحب المدخل، وعنه أخذ خليل بن إِسحاق وبه انتفع وألف تأليفًا في مناقبه. ولد سنة ٦٨٦. ت ٧٤٩. (حسن المحاضرة: ١/ ٥٢٥ - ٥٢٦، شجرة النور: ٢٠٥ رقم ٧٠٩).
(٣) هو خليل بن إِسحاق بن موسى بن شعيب الجندي، ضياء الدين، أبو المودة، إِمام عالم عامل مجمع على فضله، من أهل التحقيق والمشاركة في فنون علمية. وكتابه =
[ ١ / ٤٤٧ ]
يخرجه عن الحيض، فعلى بحثه في أن استعجاله لا يؤثر فينبغي أن رفعه لا يؤثر، لا سيما إِذا عاودها بقرب ذلك، والله أعلم.
وقال ابن رشد: وسئل مالك عن المرأة تخاف تعجيل الحيض فيوصف لها شراب تشربه لتأخير الحيض؟ قال: ليس ذلك بصواب وكرهه.
قال ابن رشد: إِنما كرهه مخافة أن تدخل على نفسها الضرر (١) في جسمها (٢). انتهى.
فانظر هل هذا مثل (٣) الأدوية التي تقطع الدم بعد وجوده أم لا؟ وهو الظاهر فإِن المرأة بعد إِتيان الدم محكوم عليها بأنها حائض ولا يزول حكمه إِلا بدوام انقطاعه (٤) أقل مدة ما بين الدمين، فتأمله.
_________________
(١) = (التوضيح) شرح جامع الأمهات لابن الحاجب، وهو صاحب (المختصر الفقهي) الذي لقي إِقبالًا، وألف منسكًا، اختلف في تاريخ وفاته والراجح أنه ٧٧٦. (حسن المحاضرة: ١/ ٤٦٠، درة الحجال: ١/ ٢٥٧، الدرر الكامنة: ٢/ ٨٦، الديباج: ١/ ٣٥٧، نيل الابتهاج: ١١٢).
(٢) (ر): أن تدخل بذلك ضررًا على نفسها.
(٣) كذا في (البيان والتحصيل: ١٨/ ٦١٦) وهذا المعنى وارد في (م. ن: ٣/ ٤٦٠) بزيادة قوله: "والله يعذرها بالعذر ويعطيها بالنية، فمن نوى عمل بر ومنعه منه عذر من الله كتب له إِن شاء الله".
(٤) (ب): من.
(٥) (ب): بانقطاعه.
[ ١ / ٤٤٨ ]
فصل
فإِذا فرغت من الإِفاضة فينبغي التعجيل بالعود إِلى مِنى (١)، ولا تقيم بمكة للتنفل بالطواف، وخفف (٢) أن تقيم لأجل الصلاة إِذا أذن وأنت بمكة.
فإِذا رجعت إِلى مِنى فصل الظهر ثم كبّر، فإِنه يُستحب التكبير عقب خمس عشرة مكتوبة أولها ظهر يوم النحر وآخرها صلاة الصبح من اليوم الرابع وهو آخر أيام التشريق. ويفعل ذلك أهل سائر (٣) الآفاق تشبهًا بأهل مِنى، وبيان ذلك: أن أول صلاة يكبر بعدها أهل مِنى هي صلاة الظهر من يوم النحر؛ وآخر ذلك صلاة الصبح يوم الرابع.
وأما صلاة الظهر فإِنهم ينفرون بعد الزوال وقبل الصلاة فيصلون الظهر في المحصب، بهذا وردت السنة (٤).
_________________
(١) مناسك التاودي: ٢٢.
(٢) (ر): وخفيف.
(٣) (ر): سائر أهل.
(٤) يذكر المحب الطبري أن الرسول - ﷺ - صلى بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة من ليلة الأربعاء رابع عشر ذي الحجة. (حجة المصطفى: ٧٢). وعن نافع أن عبد الله بن عمر كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب ثم يدخل مكة من الليل فيطوف بالبيت. (المسوى في شرح الموطإِ: ١/ ٣٩٨، كتاب الحج، باب التحصيب). والمحصب (بضم الميم وفتح الحاء والصاد المهملة) مكان متسع بين مكة ومِنى، =
[ ١ / ٤٤٩ ]
وصفة التكبير (١): الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إِله إِلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، الحمد لله على ما هدانا، اللهمّ اجعلنا لك من الشاكرين.
فرع:
قال ابن حبيب: ينبغي لأهل مِنى وغيرهم أن يكبروا أول النهار، ثم إِذا ارتفع، ثم إِذا زالت الشمس بعد الصلاة والرمي، ثم بالعشي، وكذلك فعل عمر بن الخطاب ﵁ (٢).
يريد: ويجهرون (٣) بالتكبير.
_________________
(١) = أقرب من منى، ويقال له: الأبطح والبطحاء. (الزرقاني على الموطإِ: ٢/ ٣٦٧). وقد سمي النفر من مِنى إِلى مكة للتوديع والإِقامة بالشِّعب الذي يخرجه إِلى الأبطح للهجوع ساعة من الليل قبل الدخول إِلى مكة، سمي بالتحصيب كما قال الخطابي (مختصر سنن أبي داود: ٢/ ٤٣١). وانظر (إِكمال الإِكمال: ٣/ ٤٠٦).
(٢) أورد الباجي صفة التكبير مروية عن مالك في المجموعة، وفي المختصر. (المنتقى: ٣/ ٤٣).
(٣) المنتقى: ٣/ ٤٢. والمقصود بفعل عمر ما جاء في الموطإِ: "عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر حين ارتفع النهار شيئًا فكبر، فكبر الناس بتكبيره، ثم خرج الثانية من يومه ذلك بعد ارتفاع النهار فكبر، فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت، فيعلم أن عمر قد خرج يرمي".
(٤) (ر): ويجهر.
[ ١ / ٤٥٠ ]
فرع:
ومن نسي التكبير عقيب الصلاة كبّر إِن كان قريبًا، فإِن تباعد فلا شيء عليه.
وقد قال مالك: يكبر ما دام في مجلسه، فإِذا قام فلا شيء عليه (١).
فرع:
وإن نسي الإِمام التكبير فإِن كان قريبًا قعد وكبر، وإِن تباعد فلا شيء عليه، فإِن (٢) ذهب ولم يكبر والقوم جلوس كبروا.
فرع:
ويكبر النساء والمسافرون وأهل البوادي ومن صلى وحده والعبيد وغيرهم.
وفي المختصر: لا تكبر النساء دبر الصلوات.
فرع:
قال الباجي: وأهل الآفاق لا يجهرون بالتكبير في خروجهم إِلى المصلى ولا دبر الصلوات، والحجاج يجهرون به. في كل * الساعات إِلى الزوال من
_________________
(١) المنتقى: ٣/ ٤٣.
(٢) (ر) وإِن.
[ ١ / ٤٥١ ]
اليوم الرابع، فيرمون ثم ينصرفون بالتكبير والتهليل حتى يصلوا الظهر والعصر في المحصب (١).
فرع:
وفي التكبير خلف النوافل قولان: المشهور عدم التكبير (٢).
_________________
(١) المنتقى: ٣/ ٤٢.
(٢) المشهور عدم التكبير: ساقط من (ر).
[ ١ / ٤٥٢ ]
فصل: في أحكام الرمي (١)
فإِذا زالت الشمس في ثاني يوم النحر فيسن للحاج أن يتوضأ، ويذهب قبل الصلاة ماشيًا، فيرمي الجمار الثلاث يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد (٢) مِنى فيرميها من فوقها (٣) مما يلي مسجد مِنى بسبع حصيات متواليات (٤) مع التكبير، يرفع به صوته، ثم يتقدم أمامها مما يلي الجمرة الوسطى ويجعلها خلف ظهره فيدعو ويهلل ويكبر، ويصلِّي على النبي - ﷺ - بقدر إِسراع سورة البقرة (٥).
_________________
(١) الأصل في الرمي - على ما قال ابن رشد - "ما جاء في بعض الآثار أن إِبراهيم ﵊ لما أمر ببناء البيت سارت السكينة بين يديه كأنها قبة، فكان إِذا سارت سار، وإِذا نزلت نزل، فلما انتهت إِلى موضع البيت استقرت عليه، وانطلق إِبراهيم - ﷺ - مع جبريل ﵇، فمر بالعقبة فعرض له الشيطان فأمره فرماه ثم مر بالثانية فعرض له فرماه، ثم مر بالثالثة فعرض له فرماه، فكان ذلك سبب رمي الجمار". (المقدمات: ١/ ٢٩٤).
(٢) مسجد، سقطت من (ر).
(٣) (ر): يومها.
(٤) (ر) متتابعات.
(٥) كنز المطالب، لحسن العدوي الحمزاوي: ١٠٢ - ١٠٣.
[ ١ / ٤٥٣ ]
وفي رفع يديه في الدعاء قولان.
قال ابن حبيب: وإِذا دعا راغبًا بسط يديه فجعل بطونهما إِلى السماء، وإِذا دعا راهبًا جعل بطونهما مما يلي الأرض، وذلك في كل دعاء.
فإِن رمى عن غيره وقف ودعا عنه.
ثم يُثَنِّي بالجمرة الوسطى فيرميها من فوقها كما تقدم، ويتقدم للدعاء (١) أمامها، إِلا أنّه لا يجعلها خلف ظهره، بل يقف يسارها، وهو السنة في ذلك. ولعل ذلك توسعة على الناس في المرور إِلى الجمرة الثالثة.
ويستقبل الكعبة في وقوفه للدعاء كالأولى (٢) ومن ترك الوقوف للدعاء (٣) فلا شيء عليه.
ثم يثلث برمي جمرة العقبة فيرميها من أسفلها، وقد تقدم بيان ذلك (٤) في رمي جمرة العقبة يوم النحر. ولا يقف للدعاء عندها فتلك السنة.
ثم يذهب الإِمام إِلى مسجد مِنى في هذا اليوم بعد تمام الرمي، فيصلي الظهر بالناس، ثم يخطب خطبة واحدة لا يجلس فيها على المشهور.
_________________
(١) (ب): في الدعاء.
(٢) (ر): لدعاء الأولى.
(٣) في (ر): زيادة: عند الجمرة يرفعها.
(٤) انظر فيما سلف، ص ٤١٧.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وقال ابن حبيب: يجلس في وسطها (١). فيعلم الناس حكم الرمي والمبيت والتكبير وحكم التعجيل وغير ذلك من الأحكام. وهذه هي الخطبة الثالثة.
أما أهل مِنى فيتمون الصلاة كما يتم أهل عرفة الصلاة لو كان بها أهل مقيمون.
ومن لم يحضر مع الإِمام الصلاة والخطبة فإِنه يبدأ بالرمي، ثم يصلّي في رحله أو حيث شاء، والأوْلى الصلاة في المسجد في أيام مِنى لمن قدر.
فصل
قال القرافي: والجمار اسم للحصى لا للمكان، جمعُ جَمرة، والجمرة اسم للحصاة (٢).
وإِنما سُمِّيَ الموضعُ جمرةً (٣) باسم ما جاوره، وهو اجتماع الحصى فيه.
وقد تقدم في حكم نزوله بالمزدلفة ذكر الموضع الذي تؤخذ منه الجمار،
_________________
(١) لم يرد في أحاديث صفة حجة الرسول - ﷺ - أنه جلس في وسط هذه الخطبة.
(٢) عبارة القرافي: الجمرة اسم للحصاة ومنه الاستجمار، أي استعمال الجمار في إِزالة الأذى عن الخارج. (الذخيرة: ٣/ ٢٧٥). وانظر (المطلع على أبواب المقنع: ١٩٨).
(٣) جمرة: سقطت من (ر).
[ ١ / ٤٥٥ ]
وحكم الرمي بغير الحجارة وحكم طهارتها وعددها (١).
وقد تقدم (٢) أيضًا حكم رمي جمرة العقبة يوم النحر، وأنه لا يرمي فيه غيرها.
وقد تقرر أن الرمي في أيام (٣) مِنى بعد الزوال وقبل الصلاة.
ومن رمى بعد الصلاة، فقد ترك الأولى، ولا شيء عليه.
فرع:
والقادر على الرمي يباشر ذلك بنفسه، والعاجز عن الرمي يستنيب وعليه دم، ويتحرى وقت رمي نائبه (٤) فيدعو ثم يصلي *.
فرع:
وإِذا قدر على حمل المريض، وهو يقوى على الرمي، حمل في محمل أو على ظهر إِنسان أو دابة، ورمى بيده.
وإِن لم يجد من يحمله أو لا يستطيع الرمي رمى عنه غيره.
_________________
(١) انظر فيما سلف ص ٤١٦ وما بعدها.
(٢) (ص): وتقدم.
(٣) أيام: سقطت من (ب).
(٤) الصاوي على الشرح الصغير: ٢/ ٦٣.
[ ١ / ٤٥٦ ]
فإِن صح المريض في أيام الرمي رمى عن نفسه، وعليه دم سواء رمى عن نفسه بعد أن صح أو اكتفى برمي غيره عنه.
فرع:
ويبدأ النائب بالرمي عن نفسه، فإِن قدَّم الصبيَّ أو المريضَ أجزأه.
فرع:
والصبي الذي لا يحسن الرمي يُرمى عنه، ولا دم، ولا يجزئ رمى واحد عن الصبي وعن نفسه ويعيد الرمي عن نفسه وعن غيره.
فإِن لم يرم الصبي القادر أو لم يرم عن الصغير فالدم على من أحجهما.
وأما تحديد وقت الرمي، فأوله كما تقدم إِذا زالت الشمس.
وتقدم ذكر أول وقت رمي جمرة العقبة (١)، وأما آخر وقت رمي جمرة العقبه يوم النحر فهو (٢) الغروب (٣).
واختلف في ليلة الحادي عشر، فقيل: الرمي فيها أداء، وقيل: قضاء، وقضاؤها في ثاني يومها، وقيل: آخر الرابع.
_________________
(١) تقدم قول المؤلف المعروف في المذهب أن أول وقت رمي العقبة طلوع الفجر. انظر فيما سلف ص ٤١٧ وما بعدها.
(٢) (ر): هو.
(٣) الدر الثمين: ٣٧٧.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وأداء الثلاث من الزوال إِلى الغروب، وقيل: إِلى الاصفرار، ويجزئ بعده فإِن رمى بالليل، فقيل: قضاء، وقيل: أداء (١).
وقضاء الثاني في الثالث وقضاء الثالث في الرابع من يوم النحر، فإِذا خرج الرابع فات الرمي، ولزم الدم (٢).
وقال أبو مصعب (٣): من نسي جمرة من الجمار فليرم متى ما ذكر، بمنزلة الصلاة.
فرع:
قال محمد: ولا أُحب لأحد أن يرمي إِلا متوضئًا، وهو قول مالك، ولا يعيد إِن كان غير متوضئًا، ولكن لا يتعمد ذلك.
_________________
(١) إِذا رمى ليلًا فعليه دم. (الزرقاني على مختصر خليل: ٢/ ٢١٢).
(٢) الفواكه الدواني: ١/ ٣٧٦.
(٣) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو مصعب، من أصحاب مالك ورواة موطئه، أخذ عن بعض أصحابه كالمغيرة، وروى عن الدراوردي وألف مختصرًا في فقه الإِمام مالك. وكان من أهل الثقة في الحديث، روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما. وكان من أعلم أهل المدينة، وقد تولى قضاءها وقضاء الكوفة. ت ٢٤٢ وسنه تسعون سنة. (التحفة اللطيفة: ١/ ١٩٦، الديباج: ١/ ١٤٠، المدارك: ٣/ ٣٤٧).
[ ١ / ٤٥٨ ]
فرع:
ومن نكس الجمار فرمى الأخيرة ثم الوسطى ثم الأولى، أعاد الوسطى ثم الأخيرة.
وكذلك لو رمى الوسطى ثم الأخيرة ثم الأولى أعاد الوسطى والأخيرة.
ولو رمى الأولى ثم الأخيرة ثم الوسطى أعاد الأخيرة فقط.
فإِن لم يذكر حتى تباعد أعاد الرمي كله.
وهذا مبني على أن الترتيب واجب (١).
وقال ابن بشر: اختلف في الترتيب هل هو من باب الأوجب أو من باب الأوْلى؟
وتستحب الإِعادة على القول بالاستحباب.
فرع:
فلو ترك جمرةً ثم ذكرهَا في يومها أتى بها ولا شيء عليه إِن كانت الأخيرة، وإن كانت الأولى أو الوسطى أتى بها وأعاد ما بعدها، وقيل: يعيد (٢).
_________________
(١) وهو ما اقتصر على ذكره ميارة في (الدر الثمين: ٣٧٧).
(٢) (ب): لا يجوز، بدل: يعيد.
[ ١ / ٤٥٩ ]
وإِن ذكرها بعد مضيِّ يومها أتى بها وأعاد ما بعدها في يومها، وأعاد الجمرة الحاضرة في يوم ذكرها (١) بناء على ما تقدم.
فرع:
واختلف أيضًا في الموالاة في حصى الجمرة الواحدة: هل هي واجبة أو مستحبة؟
وقال القرافي: قيل: الفور شرط مطلقًا، وقيل: مع الذكر.
فرع:
وفي الذخيرة: ومن رمى بسبع (٢) حصيات في مرة لم يجزه وهو كواحدة، وكذلك لو رمى في مرة (٣) بحصاتين اعتدَّ بواحدة * منهما، والأخرى لغو لا حكم لها.
فرع:
ومن شك في رميه في جمرة واحدة أو في الجمار كلّها، فليبن على يقينه.
_________________
(١) (ص): ذكر.
(٢) (ر): سميع.
(٣) في مرة: سقطت من (ب)، (ص).
[ ١ / ٤٦٠ ]
فرع:
ومن بقيت حصاة في يده لا يدري من أي الجمار هي فليرم بها الجمرة الأولى ثم يعيد الوسطى والأخيرة (١)، وقيل: يستأنف الجمار الثلاث (٢).
فرع:
ومن رمى حصاةً فوقعت قرب الجمرة فإِن وقعت في موضع حصى الجمرة أجزأه (٣) وإن لم تبلغ رأس الموضع (٤).
وإِن سقطت في محمل رجل فنفضها صاحب المحمل فسقطت في الجمرة، لم يجزه؛ لأنها لم تقع في الجمرة من فعله.
ولو أصابتِ المحملَ ثم سقطتْ في الجمرةِ أجزأه (٥).
ولو شك في وصولها الجمرة فالظاهر عدم الإِجزاء.
ولو رمى الجمرة فتعدتها لم يجزه لعدم الاتصال.
_________________
(١) (المنتقى: ٣/ ٥٤).
(٢) (ر): كلها.
(٣) الشرح الصغير: ٢/ ٦٦ - ٦٧.
(٤) (ب): الجمرة.
(٥) إِنما أجزأه في هذه الحالة؛ لأنها مضت بقوة الرمية الأولى حتى وقعت في الجمرة. قاله خليل في (التوضيح: ١/ ٢٢٦ ب).
[ ١ / ٤٦١ ]
فرع:
ولو أصابت البناء القائم وسقطت في المرْمَى أجزأه، كما إِذا أصابت المحمل ثم سقطت بنفسها في الجمرة.
فرع:
ولو ثبتت في شقوق البناء القائم فأفتى الشيخ خليل صاحب التوضيح بعدم الإِجزاء. وكان شيخه أبو محمد عبد الله المنوفي يميل إِلى الإِجزاء (١).
فرع:
ولو وضع الحصاة وضعًا لم تجزه.
وعن أشهب: إِن نوى بالطرح الرمي أجزأه (٢)، فانظر هل يأتي ذلك في الموضع؟
فرع:
فلو رمى الجمار بخمس خمس فذكر قبل غروب الشمس، رمى الأولى بحصاتين وأعاد الثانية والثالثة، وإِن ذكر بعد غروب الشمس فعل ما ذكرنا
_________________
(١) ذكر الشيخ خليل صاحب التوضيح أن خليل مفتي مكة كان يفتي في هذه المسألة بعدم الإِجزاء، وأن شيخه المنوفي يميل إِلى الإِجزاء، لأن البناء متصل بالجمرة. (التوضيح: ١/ ٢٢٦ ب).
(٢) نقل ذلك أبو إِبراهيم الأعْرج عن أشهب في طرره. (م، ن).
[ ١ / ٤٦٢ ]
وكان عليه دم، وإن لم يذكر إِلا في الغد، وقد رمى، فإِنه يفعل ما ذكرنا، ويعيد رمي يومه.
فرع:
قال ابن رشد: ومن نسي الرمي يومًا أو يومين ثم ذكر (١)، فقال ابن وهب عن مالك: يرمي لما فاته في اليوم الثالث لليومين الماضيين، ويهدي.
قال ابن وهب: إِن كان عامدًا قضى وأهدى، وإِن كان ناسيًا قضى ولا هدي عليه، وإن لم يذكر حتى خرجت أيام الرمي فعليه الهدي وفاته القضاء، خلافًا لأبي مصعب.
تنبيه (٢):
الأولى في الهدي في ترك الجمرة الواحدة أو الجمار بدنة، وقيل: في الجمرة الواحدة بقرة وفي الجمار بدنة، فإِن لم يجد البدنة فبقرة وإِلا فشاة.
وأما الحصاة الواحدة فالهدي فيها شاة، ومن لم يقدر على الهدي صام عشرة أيام.
_________________
(١) (ر): تذكر.
(٢) تنبيه: سقطت من (ر).
[ ١ / ٤٦٣ ]
فصل
ومن أراد أن يتعجل (١) فليرم في اليوم الثاني من أيام الرمي، وهو ثالث يوم النحر، ثم ينفرد ولا يقيم بمنى، ويصلي الظهر بالمحصب (٢). أو في الطريق.
_________________
(١) التعجيل في حق غير الإِمام: جائز مستوى الطرفين، لا مستحب ولا خلاف الأولى، والإِمام يكره له التعجيل. (الصاوي على الشرح الصغير: ٢/ ٦٤). والأصل في التعجيل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وللمقري قاعدة نصها: "لا يُكره الأخذ بالرخص الشرعية كالتعجيل في يومين كما لا تكون أفضل من غيرها من حيث هي رخص لكن يكره تتبعها له لئلا يؤدي إِلى ترك العزائم". (القواعد: ٢/ ٦١٣، قاعدة ٤٠٤).
(٢) (ص): في المحصب. والمحصب: اسم بطحاء خارج مكة محاذية للمقبرة. وصلاة الظهر بالمحصب إِذا وصله قبل ضيق وقتها، أما لو ضاق وقتها فإِنها تصلى حيث أدركت ولا تؤخر. والتحصيب مندوب للراجع من منى سواء كان آفاقيًّا أو مكيًا، وقد فعله - ﷺ - شكرًا لله؛ وذلك لأن المحصب هو الموضع الذي تحالفت فيه قريش على أنهم لا يبايعون بني هاشم ولا يناكحونهم إِلا أن يسلموا لهم النبي - ﷺ - وكتبوا بذلك صحيفة جعلوها في الكعبة فخيبهم الله في ذلك. (الشرح الصغير وحاشية الصاوي: ٢/ ٦٩).
[ ١ / ٤٦٤ ]
ومن كان له ثقل وعيال فله أن يؤخر، ما لم تصفرَّ الشمس، ولا يصلي يومَ النفر بمسجد مِنى غير صلاة الصبح، قاله عبد الحق في تهذيب الطالب، ونقله عن مالك في الموَّازية.
فرع:
وإِذا تعجل سقط عنه رمي اليوم الثالث من أيام الرمي.
وقال ابن حبيب: سنة المتعجل أن يرمي جمار اليوم الثاني بعد الزوال قبل الصلاة ثم يعود من فوره * فيرمي لليوم الثالث، كما كان يفعل لو أقام، ثم ينفر صادرًا إِلى مكة، وليس عليه أن ينزل المحصب.
وكذلك قال ابن شهاب.
والأول (١) هو قول مالك وأصحابه أعني في سقوط الرمي.
وأما نزول المصحب فليس هو محل الخلاف بل حكمهم (٢) القصد إِلى مكة لطواف الوداع.
ونقل مكي (٣) من أصحابنا في منسكه أن يدفن حصى اليوم الثالث.
_________________
(١) (ب): والأولى.
(٢) (ب): حكمهم.
(٣) مكي بن أبي طالب بن محمد بن مختار القيسي، أبو محمد القيرواني ثم الأندلسي، فقيه مقرئ أديب له رواية، وقد غلب عليه علم القرآن وألف فيه عديد المصنفات. أخذ عن شيوخ القيروان وبعض شيوخ المشرق في رحلة حجه ثم استقر بقرطبة فنشر العلم بها. ت أوائل سنة ٤٣٧. =
[ ١ / ٤٦٥ ]
فرع:
وأما حكم الرعاة في الرمي فقد رخص لهم أن ينصرفوا لرعي الإِبل، إِذا رموا جمرة العقبة، وأن يخرجوا عن منى في رعيهم، ويقيموا ليلتهم وغدهم، وهو اليوم الثاني، وليلة اليوم الثالث من أيام الرمي (١) ويأتون إِلى منى يوم النفر الأول فيرمون اليومين ثم يتعجلون إِن شاؤوا أو يقيمون (٢).
فصل
وأهل مكة في التعجيل حكمهم كأهل الآفاق، على الأصح.
وروى ابن القاسم عن مالك: ليس ذلك لهم، إِلا أن يكون لهم عذر من تجارة أو مرض (٣).
_________________
(١) = (الأعلام: ٨/ ٢١٤، إِنباه الرواة للقفطي: ٣/ ٣١٣، إِيضاح المكنون: ١/ ٨٥ - ٢/ ٥٤٤، بغية الملتمس: ٤٥٥، بغية الوعاة: ٢/ ٢٩٨، جذوة المقتبس: ٣٥١، الديباج: ٢/ ٣٤٢، شذرات الذهب: ٣/ ٢٦٠، وفيات ابن قنفذ: ٢٤٢، معجم الأدباء: ١٩/ ١٦٧، كحالة: ١٣/ ٣).
(٢) (ص): من أيام منى.
(٣) الزرقاني على الموطإِ: ٢/ ٣٧٢، المنتقى: ٣/ ٥١.
(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ١٣٤ - ١٣٥.
[ ١ / ٤٦٦ ]
فرع:
وهل لمن تعجل من أهل الآفاق أن يبيتوا بمكة ويمضوا على تعجيلهم؟ المذهب أن لهم ذلك.
وقال ابن الماجشون وابن حبيب: لا يصح لهم التعجيل إِلا بشرط أن لا يبيتوا في مكة، وذلك خاص بمن تعجل من أهل مكة، فمن بات من أهل الآفاق بمكة وجب عليه أن يرجع إِلى منى حتى يرمي مع الناس في اليوم الثالث.
وعلى قولهما إِن لم يرجع لزمه الدم.
فرع:
ومن نوى أن يتعجل وغربت عليه الشمس، وهو بمنى، فليس له أن يتعجل فإِن تعجل لزمه الدم بترك المبيت والرمي.
تنبيه:
ويُستثنَى من ذلك من تعجل وطاف للوداع، وخرج مسافرًا، فكان ممره على منى، فغربت عليه الشمس، وهو بمنى، فليمض ولا دم عليه (١).
_________________
(١) صاغ ابن فرحون هذه المسألة في لغز من ألغازه الفقهية ونصه: "فإِن قلت رجل تعجل في يومين فغابت عليه الشمس وهو في منى، ولا يلزمه المبيت في منى ولا رمي يوم الثالث؟ قلت: هذا رجل تعجل وطاف للوداع، وكانت طريقه إِلى بلده على منى كأهل =
[ ١ / ٤٦٧ ]
فرع:
أما إِن أقام المتعجل بمكة حتى أمسى، فقال مالك: لا أرى عليه شيئًا.
تنبيه:
التعجيل لا يحتاج إِلى نية يحدثها في منى، فلو أفاض من منى إِلى مكة في اليوم الثاني من أيام الرمي، ثم بدا له أن يتعجل ويسافر من مكة قبل أن تغرب الشمس، فذلك له، فإِن غربت عليه الشمس بمكة قبل أن يبدو له فليرجع إِلى منى حتى يرمي من الغد، حكاه ابن رشد عن مالك.
فرع:
ويلزم الحاج المبيت بمنى ليالي منى ثلاث ليال والمتعجل (١) ليلتين.
وقال ابن عبد الحكم عن مالك وابن حبيب عن ابن الماجشون: من أقام بمكة أكثر ليلة ثم أتى منى فبات فيها باقي ليله فلا شيء عليه إِلا أن يبيت ليلة كاملة فيلزمه الدم، ولو كان له عذر من مرض أو غيره لم يسقط عنه الدم حكاه الباجي (٢).
_________________
(١) = عرفة. فغابت عليه الشمس وهو بمنى، فليس عليه شيء ويمضي في سفره، قاله ابن رشد". (درة الغواص: ١٧٢ رقم ٢٣٢).
(٢) (ب): والتعجيل.
(٣) المنتقى: ٣/ ٤٥.
[ ١ / ٤٦٨ ]
وما حكاه عن ابن عبد الحكم وابن حبيب خلاف ما في المدونة (١).
والمشهور: لزوم الدم إِذا بات بغير منى جل ليلته.
ومن بات وراء العقبة التي * عندها الجمرة ليلة أو جلها فليهد. رواه ابن المواز عن مالك (٢).
والجل ما زاد على النصف.
فصل
قال مالك: لا ينبغي لإِمام الحاج أن يتعجل؛ وذلك لأنه يقتدى به، فيقتدي به في التعجيل من لم تكن له نية فيه، وإِقامة شعائر الحج مطلوبة وهو أولى من إِقامها.
وأما تقديم الأثقال إِلى مكة فلا بأس به في حق كل أحد من الحجاج، كتقديم الأثقال إِلى عرفة قبل يومها.
_________________
(١) عبارة المدونة: "قال مالك: إِن بات ليلة كاملة أو جلها في غير منى، فعليه لذلك الدم، وإِن كان بعض ليلة فلا يكون عليه شيء". (المدونة: ٢/ ١٧١).
(٢) المنتقى: ٣/ ٤٥.
[ ١ / ٤٦٩ ]
فصل: في الرجوع من منى للسفر إلى بلده
ويستحب لمن رجع من منى ممن لم يتعجل أن ينزل بأبطح مكة حيث المقبرة، وهو المحصب أيضًا، فيصلي فيه أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم يدخل مكة بعد العشاء للسنة (١).
ووسع مالك لمن لا يقتدى به في تركه، وكان يفتي بالترك سرًّا (٢) لئلا يشتهر ذلك، فتترك السنة، وكان هذا شيء يفعل ثم ترك. قاله ابن الحاج.
قال القرافي: وليس بنسك (٣).
والجمهور (٤) على أن النزول به ليلة الرابع غير مستحب (٥)، واستحبه مالك لمن يُقتَدَى به.
_________________
(١) حجة المصطفى: ٧٢.
(٢) سرًّا: سقطت من (ر).
(٣) انظر (الذخيرة: ٣/ ٢٨٢).
(٤) (ر): والمشهور.
(٥) هذا النزول سنة عند الحنفية فيكون تاركه مسيئًا، وقال ابن عباس وعائشة: التحصيب ليس بشيء إِنما هو منزل نزله رسول الله - ﷺ -، وبه قال الأكثرون. (المسوى في شرح الموطإِ: ١/ ٣٩٩).
[ ١ / ٤٧٠ ]
فصل (١)
فإِذا دخلت مكة وقد كنت طفت للإِفاضة وأنت تريد الرحيل فطف للوداع، وإن كنت تريد الإِقامة فأنت في الطواف بالخيار.
فصل: في طواف الوداع
ويسمى طواف الصَّدَر (٢).
وطواف الوداع مندوب إِليه ولا دم في تركه، وهو آخر نسك يفعله الحاج (٣)، والنسك: العبادة.
وحكمه أن يتصل بالخروج؛ لأن هذا حكم الوداع، ولو اشتغل بعده بشراء أو بيع أو شغل (٤) بجهاز السفر ساعة من نهاره فذلك مغتفر له، وإِنما
_________________
(١) (ر): فرع.
(٢) الصَّدَر (بفتح الصاد والدال) هو الرجوع، وفيه لغة أخرى: الصدور. قاله الجبي في (شرح غريب ألفاظ المدونة: ٤٦).
(٣) عن ابن عباس قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إِلا أنه خفف عن المرأة الحائض". قال ابن عبد الهادي: متفق عليه. (المحرر في الحديث: ١/ ٤١٢ رقم ٧٢٠).
(٤) (ر): أو اشتغل.
[ ١ / ٤٧١ ]
يعد فصلًا طويلًا إِذا أقام يومًا وليلة على ما في المدونة (١).
وقال سند: وروي عن مالك أن من ودع وأقام إِلى الغد فهو في سعَةٍ.
وقال ابن القاسم: إِن أقام يومًا أو بعض يوم أعاد (٢).
وقال ابن الماجشون: إِن بات لتجديد كراء أو يعد مريضًا لم يُعِدْ.
فرع:
وإِذا طاف للوداع وخرج من المسجد لم يمش إِلى خلفه.
فرع:
ومن طاف للإِفاضة وخرج من فوره، أو أتى بالعمرة بعد الحج فطاف لها وسعى وحلق وأراد السفر، فالطواف في هاتين الصورتين بجزئ عن طواف الوداع إِذا خرج من فوره على ما تقدم.
_________________
(١) عبارة المدونة "سألت مالكًا عن الرجل يطوف طواف الوداع، ثم يخرج عن المسجد الحرام ليشتري بعض جهازه أو طعامه يقيم في ذلك ساعة يدور فيها ثم يخرج ولا يعود إِلى البيت؟ فقال: لا شيء عليه ولا أرى عليه في هذا عودة إِلى البيت ". (المدونة: ٢/ ٢٦١).
(٢) جاء في المدونة: "قلت لابن القاسم: أرأيت من أقام بمكة بعد طواف الوداع يومًا أو بعض يوم؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا، وأنا أرى أن يعود، فيطوف". (المدونة: ٢/ ٢٦١).
[ ١ / ٤٧٢ ]
فرع:
قال الباجي: ويجزئ من الخروج في ذلك الخروج إِلى ذي (١) طوى أو إِلى الأبطح، فمن ودع وأقام بها يومًا وليلة لم يلزمه الرجوع؛ لأنه قد انفصل (٢).
فرع:
ومن نسي أو جهل فسافر ولم يطف، ثم ذكر أو علم بما جهل، فإِن كان قريبًا رجع، وإِن كان ممن تلحقه المشقة بالرجوع فلا شيء عليه.
فرع:
ومن خرج من مكة ليعتمر من نحو الجحفة ودع، وإن كان من نحو التنعيم أو الجعرانة لم يودع، وإِذا فرغ من عمرته * فإِن خرج بإِثر فراغه فلا وداع عليه، وإِن أقام بعد عمرته اليوم أو اليومين ودع، والمكي إِذا أراد سفرًا فعليه أن يودع.
فرع:
قال مالك: وطواف الوداع مستحب للنساء والصبيان والعبيد (٣).
_________________
(١) ذي: سقطت من (ب).
(٢) المنتقى: ٢/ ٢٩٣.
(٣) المدونة: ٢/ ٢٦١.
[ ١ / ٤٧٣ ]
تنبيه:
إِذا طاف طواف الإِفاضة قبل يوم النفر، ونوى أن لا يعود إِلى مكة لأجل ما يلحقه من المشقة بمفارقة الجمال، إِذا كان ممن لا ينزل بمكة ولا بالقرب منها بل ينزل في التنعيم أو قريبًا منه (١)، ثم عاد إِلى منى فرمى الجمار ونفر من منى مع الكري وخشي فوات الرفقة إِن طاف للوداع، أو خشي على رحله، فالظاهر أن ذلك يجزئ على الخلاف في طواف الوداع: هل هو نسك يختم به أفعال الحج أو هو نسك مستقل لوداع البيت خاصة؟ وهو ظاهر كلام ابن القاسم أنه لوداع البيت.
وكلام أشهب يدل على أنه نسك، يختم به أفعال الحج.
انظر كلام التادلي في منسكه.
فرع:
ولطواف الوداع ركعتان، ومن نسيهما حتى تباعد أو بلغ بلده ركعهما ولا شيء عليه. وإِن كان بالقرب وهو على طهارته رجع فركعهما، وإِن انتقض وضوؤه ابتدأ الطواف وركعتيه.
وإِن كان توديعه بعد العصر فله أن يركع الركعتين إِذا حلت النافلة في الحرم أو خارجًا عنه.
_________________
(١) (ص): منها.
[ ١ / ٤٧٤ ]
فرع:
وإِذا حاضت المرأة بعد الإِفاضة تركت طواف الوداع (١).
قال سند: فلو طهرت بالقرب رجعت كناسي الطواف (٢).
ويستحب له إِذا فرغ من طواف الوداع أن يقف بالملتزم بين الركن والباب أو حيث أمكنه، فيحمد الله تعالى ويشكره على ما منّ به عليه وهداه إِليه، ويكثر من الدعاء فيما شاء من خيري الدنيا والآخرة، فإِنه موضعُ رغبة ومكان إِجابة.
وليقل إِن شاء:
اللهُمَّ إِنِّي عبدُكَ حملتني على ما سخَّرت بنعمتك حتى بلغتني بيتك الحرام، وقضيت عني المناسك، فإِن كنت يا ربّ قبلتَ مني ورضيت عني فازدد عني رضًا وإلا فأسألك أن ترضى عني الآن برحمتِك قبل مفارقة بيتك ومحل أمنك، اللهم قني شرَّ نفسي وشر كل ذي شر وكل ما ينقص أجري أو يحبط عملي، واجمع لي خيري الدنيا والآخرة، واطو لي بعد السفر، وأصلح لي الرفيق، وهوّن علي الطريق، وأقدمني سالمًا مع المسلمين يا أرحم الراحمين (٣).
_________________
(١) المدونة: ٢/ ٢٦١.
(٢) (ر): رجعت فتأتي بالطواف.
(٣) لم أعثر على تخريج لصيغة هذا الدعاء وقد أورد النووي دعاء يتضمن معاني قريبة من هذا في (الأذكار: ٢٨٣) وفي (أسرار الحج: ١١٣) دعاء آخر.
[ ١ / ٤٧٥ ]
ثم تصلي على النبي - ﷺ - وتنصرف.
تنبيه:
تقدم أنه إِذا أراد الخروج من المسجد للسعي قبّل الحجر الأسود ثم يخرج، ولم يذكروا أنه يقبل الحجر بعد طواف الوداع وقبل الخروج من المسجد، وهو حسن فتأمله.
وإِذا أخذ في السفر فيستحب له التكبير على كل شرف.
ففي الموطإِ: أن رسول الله - ﷺ - * كان إِذا قفل من حج أو غزو يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربّنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده (١) وهزم الأحزاب وحده (٢).
_________________
(١) في (ب) زيادة: وأعز جنده، وهي غير مذكورة في الموطإِ.
(٢) تنوير الحوالك: ٢/ ٢٩١، جامع الحج، عن عبد الله بن عمر. (الزرقاني على الموطإِ: ٢/ ٣٩٢). وقال ابن أبي زيد القيرواني: "يستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده". (الرسالة الفقهية: ١٨٢). وانظر: (إِتحاف السادة المتقين: ٤/ ٤٢٩، زروق على الرسالة وابن ناجي عليها: ١/ ٣٦٥، المغني: ٣/ ٥٥٩).
[ ١ / ٤٧٦ ]