[حكم العمرة]
قال مالك ﵀: العُمْرَةُ سنَّةٌ، ولا نعلمُ أحدًا من المسلمين أرخص في تركها.
يريد: أنها سنّةٌ مؤكّدةٌ (١) وليست بفرض كالحج (٢).
وقال ابن حبيب وأبو بكر بن الجهم: هي فرض كالحج (٣).
_________________
(١) قال مالك: العمرة سنة واجبة لا ينبغي أن تترك كالوتر. قال ابن عطية: وهي عندنا مرة واحدة في العام، وهذا قول جمهور أصحابه. (المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٨).
(٢) انظر (مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٦/ ٥، نيل الأوطار: ٥/ ٥).
(٣) ذهب ابن الماجشون أيضًا إِلى أنها فرض. وحجة هذا القول قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] فقد دلَّ أنَّ ثمَّ حجًّا أصغرَ، وهو العمرة. وردَّ ابنُ رشد هذه الحُجَّة بقوله: "إِن الحج الأكبر ما عني به الاجتماع الأكبر بالمشعر الحرام، ولم يعن به شعيرة من الشعائر". وصحح ابن رشد ما ذهب إِليه مالك، فقال: إِن فرض الحج إِنما وجب لقول الله ﷿: =
[ ٢ / ٤٩٩ ]
وبه قال الشافعي (١) وجماعة من أهل المدينة.
فمن أراد العمرة عمل في غسله وإِحرامه وتلبيته وغير ذلك من اجتناب ما يجتنبه المحرم بالحج، كما يعمل الحاج.
فرع:
قال ابن المواز: فإِن أحرم بالعمرة (٢) من الميقات قطع التلبية إِذا دخل أوائل
_________________
(١) = ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. أما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فإِنما هو أمر بالإِتمام لما دخل فيه، فلا متعلق لأحد بإِيجاب العمرة في هذه الآية، وإِنما هي سنة. (المقدمات: ١/ ٣٠٤). وانظر (بداية المجتهد: ١/ ٢٥٧، طريق الرشد: ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤، أرقام ٦٩٢ - ٦٩٨، القبس: ٢/ ٥٦٠ - ٥٦١، المحرر الوجيز: ٢/ ١٠٩، المنتقى: ٢/ ٢٥٣).
(٢) قال الشافعي: الذي هو أشبه بظاهر القرآن وأولى بأهل العلم عندي أن تكون العمرة واجبة، فإِن الله ﷿ قرنها مع الحج فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأن رسول الله - ﷺ - اعتمر قبل أن يحج، وأن رسول الله - ﷺ - سن إِحرامها والخروج منها بطواف وحلاق وميقات، وفي الحج زيادة عمل على العمرة، فظاهر القرآن أولى. وهذا قول ابن عباس وعطاء. (الأم: ٢/ ١١٣). وانظر (أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١١٨ - ١١٩، الإِشراف على مسائل الخلاف ١/ ٢٢٣. المجموع: ٧/ ٧ - المغني: ٣/ ٢٢٣).
(٣) الإِحرام بالعمرة لا يكون من مكة خلافًا للحج والفرق بينهما بينه الونشريسي بقوله: =
[ ٢ / ٥٠٠ ]
الحرم؛ لأن زمانَه قد طال في التلبية، وإِن أحرم بها من الجعرّانة قطع التلبية إِذا دخل بيوتَ مكة، وإِن أحرم بها من أدنى الحِلِّ، وهو التنعيم، قطعها إِذا رأى البيت أو دخل المسجد، وهو الذي ذكره ابن الجلاب (١).
وساوى في المدونة وغيرها بين التنعيم والجِعِرَّانَة (٢).
ثم لا يعاود التلبية بعد دخوله، ثم يطوف ويركع في غير الحجر والبيت، ويسعى كما يفعله الحاج، ثم يحلق (٣) * أو يقصر، وقد كملت عمرته بذلك (٤).
فرع:
قال ابن القاسم: قال مالك: ولا بأس أن يلبي الحاج بين الصفا (٥) والمروة،
_________________
(١) = "إِنما صح إِنشاء الحج من مكة ولا يصح إِنشاء العمرة منها؛ لأن كل واحد من النسكين لا بد أن يجمع فيه بين الحل والحرم، وذلك حاصل في الحج بخروجه إِلى عرفة وهو حل ولا كذلك العمرة، فلا بد إِن أراد إِنشاءها من الخروج إِلى الحل" (عدة البروق: ١٢٧ - الفرق: ١٨٧).
(٢) التفريع: ١/ ٣٢٢ فصل: ٢٥٣.
(٣) عبارة المدونة: "المحرم من ميقاته بعمرة يقطع التلبية إِذا دخل الحرم، ثم لا يعود إِليها والذي يحرم من غير ميقاته مثل الجعرانة والتنعيم يقطعون إِذا دخلوا بيوت مكة". (المدونة: ٢/ ١٢٥).
(٤) هنا ينتهي النقص في ر.
(٥) الإِعلام بحدود قواعد الإِسلام لعياض: ٧٤.
(٦) ر: على الصفا.
[ ٢ / ٥٠١ ]
وأما المعتمر فلا، سواء أحرم من ميقاته أو من التنعيم، ولا يلبي في الطواف ولا السعي.
فرع:
فمن كان معه هدي فمِنْ حُكْمِهِ (١) أنْ يسوقَهُ من الحل إِلى الحرم وينحره بمكة، وكل فجاج مكة وطرقها منحر لهذا الهدي، وأفْضَلُ ذلك المَرْوُة.
ومن كان معه هدي أخر الحلاق والتقصير حتى ينحر هديه؛ ثم يحل له ما حرم عليه في الإِحرام.
فرع:
فإِن تطيَّبَ المعتمرُ أو لبس بعد السعي والنحر وقبل الحلاق، فلا شيء عليه ويكره له.
مسألة:
فإِنْ جَامَع بعد السعْيِ وقبْلَ الحِلاق، فعليه هديٌ وعمرتُه تامَّةٌ على المشهور.
وروي عن مالك: أنها تفسد ويجب قضاؤها مع الهدي.
وعلى هذا القول يكون الحلق ركنًا.
_________________
(١) ر: فكمه.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وإِن جامعَ قبل الركوع فسدت عمرته، ووجب عليه القضاء والهدي، وكذا قبل السعي؛ لأنه ركْنٌ كالطواف.
فرع: [متى تكره العمرة].
لم يكن مالك - ﵀ - يكره العمرة في شيء من أيام السنة كلها إِلا لأهل مِنى الحُجَّاج، فكان يكره لهم (١) أن يعتمروا في يوم النحر وأيام التشريق، حتى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق (٢)، وهو الرابع من يوم النحر، وهذه الكراهة للحاج على المنع (٣)، فإِن أحرموا في آخر أيام التشريق قبل أن تغرب الشمس بعد الرمي والإِفاضة لزمهم الإِحرام، وسواء في ذلك منْ تعَجَّل في يومين أو تأخر، قاله ابنُ المَوَّاز.
ولا يعمل منْ عَمَلِ العمرة شيئًا حتى تغيبَ الشمسُ، وما عمل من ذلك فعمله باطل، وهو على إِحرامه. فإِن وطئ بعده (٤) أفسد عمرته، ووجب عليه قضاؤها بعد تمامها وأهدى.
وقال ابن القاسم: إِن أحرم المتعجل بالعمرة لم ينعقد إِحرامه.
_________________
(١) لهم: سقطت من ب.
(٢) هذا نص (المدونة: ٢/ ١٤١).
(٣) شرح الرسالة لابن عمر (المخطوط سالف الذكر).
(٤) ر: بعد تحلله.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
فرع:
وقال ابن حبيب: تُكرهُ العمرة في شوال وذي القعدة وعشر من (١) ذي الحجة لمن أراد أن يقيم بمكة حتى يحج من فوره ذلك، وقد نهى عنه عمر بن الخطاب ﵁، وذكر الأثر في ذلك في مختصر الواضحة.
فرع:
وأما غيرُ الحاج فلا تكره له العمرة في أيَّامِ مِنى، وإِن كان يحل منها قبل انقضاء أيام التشريق في أي بلد كان.
وهل له أن يعتمر يوم النحر؟ فحكى القاضي أبو محمد على قواعد المذهب أنه ليس له ذلك؛ لأن يومَ النحرِ يوم الحج الأكبر، ويحتمل أن يكون حكم يوم النحر في ذلك حكم أيام التشريق.
فرع:
قال مالك: لا أرى لأحدٍ أن يعتمرَ في السنةِ مرارًا (٢) وقد تقدم ذلك (٣).
وأجاز ذلك مطرف وابن المواز (٤).
_________________
(١) من: سقطت من ر.
(٢) انظر (العدوي على كفاية الطالب الرباني: ١/ ٤٩٧، مختصر ابن عرفة: ١/ ١٣١ أ، البيان والتحصيل: ٣/ ٤٧٦).
(٣) انظر (أوجز المسالك: ٦/ ٣٣٣، المغني: ٣/ ٢٢٦).
(٤) قال بالجواز أيضًا أبو حنيفة والشافعي، ووجهه: أن هذه عبادة لا تختص بوقت، =
[ ٢ / ٥٠٤ ]
فرع:
وليس على المعتمر طوافُ قدوم، وإنما عليه طواف العمرة، وكذا من أحرم بالحج من مكة مفردًا كان أو قارنًا.
فرع: [أفضل شهور السنة للعمرة]
قال ابن حبيب: أفضل شهور السنة للعمرة رجب * ورمضان، وقد جاء أنه - ﷺ - قال: "عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً" وقد تقدم ذلك في فضل العمرة (١).
واعتمر - ﷺ - أربع عمر (٢) إِحداهن في رجب (٣)، نقله ابن الحاج. وكوْنُ
_________________
(١) = فلم يكره تكرارها في عام واحد كصوم النفل. أما دليل مالك فهو أن الرسول - ﷺ - إِنما اعتمر مرة في العام، وأفعاله ﵇ على الوجوب أو الندب، ومن جهة القياس أن هذا نسك له إِحرام وتحلل، فكان من سنته أن يكون مرة في السنة كالحج (المنتقى: ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٢) تقدم في ص ١١٧ وما بعدها.
(٣) عن ابن عباس قال: "اعتمر رسول الله - ﷺ - أربع عمر" هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود في سننه: كتاب المناسك: باب العمرة، وابن ماجه والترمذي وقال: غريب، وذكر أنه روي مرسلًا. (مختصر سنن أبي داود: ٢/ ٤٢٤ رقم ١٩١٠).
(٤) هناك خلاف في عدد عمر الرسول - ﷺ -، والذي ذهب إِليه ابن رشد أنها ثلاث: عام الحديبية في ذي القعدة عندما صده المشركون، وعام القضية في ذي القعدة من سنة سبع، وفي العام الثامن بذي القعدة. =
[ ٢ / ٥٠٥ ]
إِحداهن في رجب شاذ (١).
فرع: [حيض المعتمرة]:
فإِذا حاضت المعتمرةُ قبلَ أن تطوف وتسعى وقد قاربها وقت الحج وتخاف فواته فإِنها تُحْرِم بالحج وتكون كمن قرن الحج والعمرة، وعليها طواف واحد وسعي واحد وهدي.
_________________
(١) = وعن عروة ابن الزبير أن عمرته الواحدة في شوال، وعن ابن عمر أنه اعتمر في رجب. وقد ردت عائشة ذلك. ومن قال: إِنه - ﷺ - في حجة الوداع كان متمتعًا أو قارنًا قال: إِنه اعتمر أربع عمر. (المقدمات: ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥). وانظر (مختصر سنن أبي داود وتهذيب ابن القيم: ٢/ ٤٢٣).
(٢) أكد أبن قيم الجوزية أن النبي - ﷺ - اعتمر بعد الهجرة أربع عمر كلهن في ذي القعدة: عمرة الحديبية وعمرة العام المقبل، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وعمرة من حجته، فإِن كان قارنًا، لعدة أدلة. واستدل ابن القيم على ذلك بعدة أحاديث. وقال: "أما قول عبد الله بن عمر: إِن النبي - ﷺ - اعتمر أربعًا إِحداهن في رجب فهو وهم منه ﵁. قالت عائشة لما بلغها ذلك عنه: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله - ﷺ - عمرة قط إِلا وهو شاهد، ما اعتمر في ربج قط". (مناسك الحج والعمرة لابن القيم: ١٧ - ٢٠). وحديث عائشة أخرجه البخاري في (الصحيح، كتاب العمرة، باب: كم اعتمر النبي - ﷺ -) وانظر (فتح الباري: ٣/ ٥٩٩ - ٦٠٢).
[ ٢ / ٥٠٦ ]
قال مالك: عليها أن تعتمر عمرة واحدة أخرى إِذا حلت أحب إِلي كما فعلت عائشة (١) ﵂، وإن اقتصرت على قرانها أجزأها عن حجها وعمرتها (٢).
وإِن حاضت بعد أن طافت وصلَّتْ الركعتين فإِنها تسعى وتتم عمرتها، ولو قدمِتْ هذه المعتمرةُ مكة ثم حاضت، والوقتُ واسعٌ لا تخشَى الفوات فإِنها تنتظر حتى تطهر وتطوف وتسعى، وتحلّ من عمرها.
فإِن طافت وسَعَتْ في أشهر الحج، ثم أحرمت بالحج من عامها (٣) كانت متمتعة، وعليها الهدي للعمرة تنحره بمنى.
_________________
(١) ص: عائشة أم المؤمنين.
(٢) المعونة، للقاضي عبد الوهاب ١/ ٥٧٢.
(٣) ص: في عامها.
[ ٢ / ٥٠٧ ]