[الأمور التي يكره للمحرم فعلها].
يكره للمحرم شم الطيب، فإِن شمه فلا شيء عليه.
ويكره التمادي في المكث بمكان (١) يعبق فيه ريح الطيب.
ويكره شم الريحان والورد والياسمين وشبهه من غير المؤنث، ولا حدّ فيه، ولا فدية في حمل قارورة مسك مصمتة (٢) الرأس ونحوها، ويستحب له أن يضع يده على أنفه إِذا مرَّ بطيب (٣)، ويكره له التجربة ومباشرة رائحته، فإِن فعل ذلك ولم يمسه فلا شيء عليه، ولا يستديم شم الطيب بين الصفا والمروة.
ورأى مالك أن يُقامَ العطارون من المسعَى في أيام الحج.
ويكره له أن يمر في مواضع العطارين، فإِن فعل فلا شيء عليه.
_________________
(١) ص: ويكره المكث والتمادي بمكان.
(٢) المصمت: الذي لا جوف له، باب مصمت وقفل مصمت: مبهم، قد أبهم إِغلاقه. (اللسان: صمت).
(٣) كذا في النوادر: ١/ ١٥٩ أ - مواهب الجليل: ٣/ ١٤٣ معزوًا لابن القاسم.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وقال مالك في الذين يصيبهم خَلوق (١) الكعبة: أرجو أن يكون خفيفًا (٢).
وقال ابن القاسم: وأرى أن لا تُخلق الكعبة أيام الحج (٣).
ويكره للمحرم أن يغسل يديه بالريحان، ولا يحرم في ثوب فيه مسك أو طيب، فإِن فعل فلا شيء عليه.
قال أشهب: إِلا أن يكون كثيرًا، ويكون كالتطيب فيفتدي.
ويكره له أن ينظر في المرآة لغير شكوى ولا ضرورة، لأن ذلك يؤدي إِلى أن يزيل الشعث، فإِن نظر فيها فلا شيء عليه، وليستغفر الله تعالى (٤)، وكذلك المرأة.
ويكره غسل يديه بالأُشنان (٥) عند وضوئه (٦) من الطعام. كان في
_________________
(١) الخَلُوق: ما يتخلف به من الطيب. قال بعض الفقهاء: الخلوق مائع فيه صفرة. (المصباح): خلق).
(٢) الخرشي على مختصر خليل: ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٣) مشى على ذلك ابن الحاجب، فقال: "ولا تخلق الكعبة أيام الحج" (المختصر: ٢٠٦). انظر (المدونة: ٢/ ٢١٧).
(٤) التاج والإكليل: ٣/ ١٥٥ - التوضيح لخليل: ١/ ٢٣٩ أ - النوادر: ١/ ١٥٩ ب.
(٥) الأشنان (بضم الهمزة، وكسرها لغة) وهي عبارة معربة على تقدير فُعلان - وهو ما يسمى بالعربية الحرض - يقال: تأشن: إِذا غسل يديه بالأشنان. (المصباح: أشن).
(٦) الوضوء هنا: بمعناه اللغوي. قال ابن الأثير: قد يراد به غَسل بعض الأعضاء (اللسان: وضأ).
[ ٢ / ٥٩٠ ]
الأشنان طيب أو لم يكن، لأنه ينقي البشرة.
وكان ابن شهاب - رحمه الله تعالى - يدس أصابعه في التراب إِذا توضأ فيذهب ريح الدسم بذلك.
وكان مالك يرخص للمحرم أن يغسل يديه بالدقيق والأشنان غير المطيب.
قال ابن حبيب: وقول ابن شهاب أحوط.
وكذلك لا فدية في غسل اليدين بالأشنان المطيب بالريحان وشبهه من مذكر الطيب بخلاف مؤنث الطيب كالزعفران والورس.
وقد تقدم كراهة الحجامة لغير ضرورة (١).
ويكره له صب الماء على رأسه من حر يجده (٢).
ويكره له أن يجفف رأسه بثوب إِذا اغتسل ولكن يحكه بيده حكًّا رفيقًا.
وكره للمحرمة أن تطوف منتقبة أو المحرم مغطى الفم، لأن (الطواف بالبيت صلاة) (٣) وذلك يكره في الصلاة، فإِن فعلا فلا شيء عليهما.
_________________
(١) تقدم في ص ٥٦١.
(٢) نقل الحطاب هذا الحكم عن ابن فرحون، وأورد قولًا آخر بالجواز نقلا عن ابن يونس وصاحب الطراز. (مواهب الجليل: ٣/ ١٥٥) وانظر (التمهيد: ٤/ ٢٦٨).
(٣) جزء من حديث رواه طاوس عن رجل أدرك النبي - ﷺ -، وأخرجه النسائي في كتاب المناسك، إِباحة الكلام في الطواف - والطواف كالصلاة في كثير من الأحكام أو مثلها في الثواب. (السنن بشرح السيوطي وحاشية سندي ٤/ ٢٢٢).
[ ٢ / ٥٩١ ]
ويكره للمحرم أن يدل على الصيد حلالًا أو محرمًا، فإِن قتله المدلول فلا شيء عليه، أعني على الدال، رواه ابن القاسم عن مالك، وهو آثم وليستغفر الله تعالى (١).
وقال أشهب: إِن كان المدلول محرمًا فعلى كل واحد منهما الجزاء وإِن كان * حلالًا فليستغفر الله تعالى ولا شيء عليه، وكذلك إِن ناوله السوط.
ويكره للمحرم أن يقلّب الجارية ليشتريها لنفسه أو لبعض ولده.
قال مالك: لا أحب للمحرم أن يقلب جارية للابتياع.
قال ابن الحاج: وهذا يدل على أن له أن ينظر إِلى معصمها وساقها وصدرها، وهو دليل قوله في كتاب بيع الخيار من المدونة لأن الرقيق قد يجرد للشراء (٢).
فكره له أن يقلبها خيفة أن تعجبه ليتلذذ بذلك، فربما آل به ذلك إِلى أن ينقص من أجره أو يفسد حجه أو يوجب عليه الهدي.
وقال في جامع البيوع مع العتبية: إِنه لا ينظر عند التقليب إِلا إِلى وجهها وكفيها أو يخبر عنها كما يخبر عن المرأة التي يتزوجها (٣).
فهذا القدر مما لا يتعلق به كراهة في حال الإِحرام.
_________________
(١) المدونة: ٢/ ١٩٣.
(٢) المدونة: ١٠/ ١٢.
(٣) البيان والتحصيل: ٧/ ٢٩٦.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
قال ابن الحاج: ولا بأس أن يأخذ السواك من المحرم.
ويكره أن يحتش في الحرم حلال أو حرام، لقوله - ﷺ - "ولا يُخْتَلَى خَلَاهَا" (١).
والخلا: الحشيش الأخضر، فإِذا يبس فهو حشيش.
وإِنما كره ذلك خيفة قتل الدواب فإِن فعل ذلك أحد وسلم فلا شيء عليه، وليستغفر الله تعالى، وأما رعيه فإِنه جائز غير مكروه (٢).
_________________
(١) عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إِن الله حرم مكة ولم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي وإِنما حلت لي ساعة لا يُختلى خلاها ولا يعضد شجرها الحديث". أخرجه البخاري (الصحيح: ٣/ ١٣ كتاب البيوع باب ما قيل في الصوّاغ).
(٢) المدونة: ٢/ ٣١١ - ٣١٢.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
فصل: فيما يجوز للمحرم أن يفعله
وللمحرم صيد حيتان البحر ودوابه وهو حلال له، والطافي منه وغير الطافي سواء (١).
وكذلك صيد ما في الأنهار والسيول والبرك والغدر.
ولا بأس أن يصيد السلحفاة البحرية دون البرية.
ولا بأس أن يطرد طير مكة عن طعامه ورحله.
قاله ابن حبيب وحكاه عن عطاء ومجاهد.
ولا بأس للمحرم أن يذبح الأنعام كلها والدجاج والإِوز لأن أصلها غير طائرة، ولا يذبح شيئًا من الطير المتأنس ولا المتوحش.
قال مالك: ولا بأس أن يذبح أهل مكة الحمام الرومية التي تتخذ للفراخ (٢).
_________________
(١) المدونة: ٢/ ٢٠٥ - الكافي: ١/ ٣٨٧.
(٢) جاء في المدونة: "قيل لمالك: إِن عندنا حمامًا يقال له الرومية لا يطير، وإِنما يتخذ للفراخ؟ قال: لا يعجبني (أي ذبحه) لأنها تطير ولا يعجبني أن يذبح المحرم شيئًا مما يطير". (المدونة: ٢/ ٢٠٣). فما جاء في المدونة عن مالك يخالف ما ذكره ابن فرحون.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
ولا بأس للمحرم أن يأكل بيض الدجاج والإِوز.
ولا بأس أن يحرم في الثوب المُعَلَّم بالحرير.
ولا بأس أن ينشد الشعر ما لم يكن فيه خناء (١) أو ذكر النساء، قاله ابن حبيب.
قال: وقد فعله أبو بكر وعمر وابن عباس ﵃.
وقال مالك - رحمه الله تعالى -: لا ينشد منه إِلا الشيء الخفيف (٢).
ويجوز للمحرم قتل الفأرة والعقرب والحية والغراب والحدأة والكلب العقور (٣) وهو الأسد والنمر ونحوهما مما يعدو (٤).
_________________
(١) الخنا: الفحش وقبيح الكلام، يقال: خنا في كلامه وأخنى: أفحش (اللسان: خنا).
(٢) كذا في (النوادر: ١/ ١٦٠ أ) معزوًّا لابن حبيب.
(٣) عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: "خمس من الدواب كلهن فاسق يُقتلن في الحرم: الغراب والحِدَأة والفأرة والعقرب والكلب العقور". أخرجه البخاري في (الصحيح: ٢/ ٢١٢، كتاب جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب). والكلب العقور: هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد قاله مالك، وعن أبي هريرة: أنه الأسد، وقيل غير ذلك (فتح الباري: ٤/ ٣٤).
(٤) قال ابن حارث: يدخل في معنى الكلب العقور: الأسد والذئب والفهد والنمر. (أصول الفتيا: ٨٣). =
[ ٢ / ٥٩٥ ]
واختلف في جواز قتل الغراب والحدأة إِذا لم يؤذيا.
والأشهر: جوازُ قتلهمَا.
وحكى أشهب: أنهما لا يقتلان (١).
وكذلك اختلف المذهب على قولين في صغارهما (٢).
والمنصوص في صغار الغربان أنها لا تقتل.
وفي المدونة: ويكره قتل سباع الطير كلها وغير سباعها *، فإِن قتل شيئًا منها فعليه الجزاء، إِلا أن تعدو، ويخافها على نفسه ويقتلها، فلا جزاء عليه (٣).
قال ابن القاسم في غير المدونة: ولا بأس أن يبتدئ المحرم بسباع الوحش العادية بالقتل، وإِن لم تؤذه لدخلوها في اسم الكلب العقور، ويقتل صغار
_________________
(١) = وفي هذا المعنى صاغ المقري القاعدة الفقهية: "كل مؤذ طبعًا فهو مقتول شرعًا، ولا جزاء على المحرم فيه ابتداء، ولا دفعًا". (القواعد: ٢/ ٥٨٦ رقم ٣٦٩).
(٢) على قول أشهب: إِن قتلهما من غير ضرر وداهما. (الجواهر: ١/ ٤٣١ - ٤٣٢).
(٣) صغارهما لم تبلغ حد الإِيذاء، ولا جزاء في قتلها مراعاة للخلاف. (حجازي على شرح المجموع: ١/ ٣٩٧).
(٤) هذه خلاصة ما جاء في المدونة، وقد ذكر ابن القاسم للحكم بعدم الجزاء في قتل سباع الطير إِذا عدت وخافها المحرم، نظيرًا فقال: "وذلك لو أن رجلا عدا على رجل فأراد قتله فدفعه عن نفسه فقتله لم يكن عليه شيء، فكذلك سباع الطير". (المدونة: ٢/ ٢٠٢).
[ ٢ / ٥٩٦ ]
الفأرة والعقرب والحية (١). وفي صغار الكلب العقور قولان (٢).
ولو صال عليه ظبيٌ أو حمارٌ وحشيٌّ أو ما أشبه ذلك (٣) من الصيد جاز له دفعه عن نفسه، وإِن أدى ذلك إِلى قتله، ولا يقتل ضبعًا ولا خنزيرًا ولا قردًا إِلا أن يخاف شيئًا من ذلك على نفسه، فيجوز له حينئذ قتله، والله أعلم.
_________________
(١) هذا ما رواه ابن المواز عن ابن القاسم. (المنتقى: ٢/ ٢٦٣).
(٢) انظر (المدونة: ٢/ ٢٦٣ - مواهب الجليل: ٣/ ١٧٤).
(٣) ص: أو ما أشبهه.
[ ٢ / ٥٩٧ ]