قال ابن حبيب: أخبرني مطرف بن عبد الله أنه سمع مالكًا يقول - في الرجل يشهد له الشهود أن له في هذه الدار حقًا لا يعرف كم هو، مثل أن
[ ٢٤٤ ]
يكون من ميراث قد تقادم وتناسخ أهله، وينكر ذلك المشهود عليه - قال مالك: يقال للمشهود عليه: قد ثبت لهذا في دارك حق فأقرر له بحقه. فإن أقر بشيء - قل أو كثر - حلف عليه، ولم يكن للمشهود له غيره.
وإن قال: لا أعرف له في داري حقًا وأن الذي شهد به له لباطل. قيل للمشهود له: أتعرف حقك هذا الذي شهد لك به في هذه الدار كم هو؟
فإن سماه فقال: نعم هو سدس أو أو ما قال، حلف على ذلك وأخذه، وإن قال: لا أعرفه، إنما كنت أسمع أبي يقول: إن له فيها حقًا. ولم يكن يسميه بحيث أطلبه، حيل بين المشهود عليه وبين الدار، ووقفت عنه لحين يقر منها بحق هذا المشهود له، لأن الحق قد ثبت فيها، ولعله أن يكون يعرفه فينكر عليه كيما يعميه ويبطله على مستحقه، فلا يصل إلى الدار حتى يقر منها بحق هذا لو سمى من ذلك ما سمى، فيحلف على ذلك ويأخذ بقية الدار.
قال: قال مالك: وإن قال: ولم تقفوا علي جميع داري وإنما شهد له منها بحق قفوا نصفها أو ثلثها حتى أقر له به، لم يكن ذلك له، لأنا لا ندري ما مبلغ هذا الحق منها؛ لعله يأتي على أكثرها أو على جميعها إلا جزءًا منها فلا بد أن توقف كلها.
قال: قال مالك: وإن قال: حقه منها الربع. وأبى أن يحلف عليه، أخذ منه ذلك الربع فأسلم إلى المشهود له، وحكم له بإقراره، ثم كان ما بقي من الدار موقوفًا حتى يحلف أنه لا شيء له غيره، أو يقر بأكثر منه.
قال: ولو أقر بعد ذلك بشيء وأبى أن يحلف عليه كان الأمر على ما وصفنا في هذا أبدًا، حتى يحلف أنه لا حق له فيها غير ما أقر له منها وسماه.
قال: قال مالك: ولو أن المشهود له حين زعم أنه يعرف حقه منها كم هو فقيل له: احلف عليه وخذه. نكل عن اليمين، لم يكن ذلك مبطلا لحقه، لأن البينة قد أحقت له في الدار حقا، وثبت له بشهادتهم، فهو
[ ٢٤٥ ]
يقول: أنا أعرفه وهو السدس، ولا أريد أن أحلف عليه صادقًا أو كاذبًا، فأقرر لي أنت أيها المشهود عليه من حقي بما شئت، واحلف عليه.
قال: قال لي مطرف: وقد كنا نقول - نحن وغيرنا - إنه إذا لم يعرف الشهود الحق الذي شهدوا به ويسموه فلا شهادة لهم ولا حق حتى سألت عنها مالكًا وتكلم فيها فأخذنا بقوله، وحكم به عندنا غير مرة، وصار منهاجًا للحكام، ودليلًا على هذا الشرح من الدعوى والشهادة فيها.
قال عبد الملك: وقال لي مطرف: ومثله من قول مالك: الرجل يدعي قبل الرجل حقًا من محاسبة كانت بينهما، وينكر ذلك، يأتي ببينة تشهد أنهما تحاسبا فبقي لهذا على هذا حق لا نعرف عدده، إلا أنا نشهد أنه قد بقي له عليه حق، فإنه يقول للمشهود عليه: أقرر له بحقه. فإن أقر بشيء قل أو كثر حلف عليه، ولم يكن للمشهود له غيره، وإن جحد قيل للمشهود عليه: أتعرف هذا الحق كم هو؟
فإن قال: نعم هو كذا وكذا أحلف وأخذه، وإن قال: لا أعرفه كانت بيننا محاسبة ومكاتبة فضاعت مني وسقطت فلا أحفظها، أو قال: هي كذا وكذا لكني لا أريد أن أحلف عليها وإن كنت صادقًا لأن بينتي قد أحقت لي حقا وهو هذا الذي أقول وأسمي وهو يعرفه، فإن شاء فليقرر بحقي وإن شاء فليقر بما شاء من قليل أو كثير ويحلف عليه ويبرأ فإن ذلك كذلك، يقال للمشهود عليه: أقرر له بحقه أو ما شئت أن تقر به، لأن الحق قد ثبت عليك، وإلا لم تزل من السجن حتى تحلف.
فإن أقر بشيء وأبى أن يحلف عليه أخذ منه ذلك الشيء ودفع إلى المشهود له، ثم حبس لليمين فيما بقي، كما وصفنا في المسألة الأولى في الدار، إلا أنه لم يحبس في المسألة الأولى في الدار، لأن الحق كان ظاهرا
[ ٢٤٦ ]
في الدار، فجعل بينه وبينها، وأنه في هذا ليس هو ظاهرًا ولا في شيء بعينه، ولذلك كان فيه السجن.
قال لي مطرف: وكذلك لو أن رجلًا أقر في وصيته أن لفلان عليه حقا ثم مات ولم يسم ذلك الحق كم هو، فإنه يقال للورثة: كم حق هذا؟ فإن قالوا: لا علم لنا به. قيل للمقر له: كم حقك؟ فإن سماه حلف عليه وأعطيه، وإن قال: لا أعرفه وهو كان أحفظ له مني، قيل للورثة: لا تصلوا إلى شيء من هذا الميراث حتى تدفعوا إلى هذا حقه منه، أو تقروا له منه بما شئتم وتحلفون عليه، لأن هذا قد ثبت له أن له فيه حقا، فلا بد أن يصل إليه حقه.
قال عبد الملك: فسألت مطرفًا عن الرجل يغصب الرجل أرضًا له، فيشهد له على ذلك الشهود، وهم لا يعرفون حوز الأرض ولا حدودها.
فقال: إن أتى المشهود له ببينة سوى أولئك الذين شهدوا له على الغصب تشهد له على حدود أرضه تلك حكم له بها، وإن لم يأت ببينة على ذلك قيل للمشهود عليه: قد ثبت بهذا أنك غصبته هذه الأرض ولكن لم يعرفوا حدودها ولا منتهاها فادفع إليه أرضه وابرأ إليه بحقه. فإن أقر له بشيء منها أحلف عليه، ولم يكن للمشهود له غيره، وإن تمادي على جحدانه قلت للمشهود له: أتعرف حدود أرضك؟ فإن عرفها حلف على ما حدد منها وكان له، وإن قال: لا أعرفها؛ قد غير حدودها وعمى معلومها كيما يميت حقي فيها، حيل بينه وبين الأرض جميعًا حتى يقر له بحقه منها.
ورجعت إلى مسألة مالك التي فسرت لك قبل هذا، بل هو أحق بالحمل عليه لأنه غاصب، والغاصب سارق، والسارق أحق من احتيط
[ ٢٤٧ ]
عليه، مع ما يلزمه من الأدب الموجع والعقوبة البالغة والسجن الطويل فيما ثبت عليه من الغصب واهتضام المسلمين حقوقهم.
قال عبد الملك: قلت لمطرف: فلو كان هذا الغاصب لم يكن من أهل هذه القرية التي شهد عليه بغصب، والأرض منها، وإنما كان أول دخوله فيها بسبب هذا الغصب الذي ثبت عليه؟
فقال لي: إذا ثبت هذا من أمره - كما وصفت - اكتفى المشهود له من شهوده بأن يشهدوا له على أن غصبه لأرض وإن لم يحدوها، ولم يسأل المشهود عليه: كم لهذا منها؟ وأخرج منها جميعًا، لأنه قد ثبت أنه دخل فيها ظلمًا، حتى يأتي ببينة على ما ادعى فيها بعيد دخوله من شراء صحيح وحق يثبت له، وإنما الذي أجبتك فيه أولًا من أمره إذا كان ممن له في تلك القرية أو حول تلك الأرض حق قبل ذلك، ثم غصب هذه الأرض فضمها إلى حقه.
تم الكتاب بحمد الله وعونه
وصلى الله على محمد نبيه وعبده
وذلك بتاريخ يوم الثلاثاء
السابع عشر من شعبان سنة: عرف الله خيره
[ ٢٤٨ ]