[٢٠٠٣] مسألة: إذا كان عبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه وهو موسر، لم يعتق حصة شريكه بالسراية، ويقوم عليه وبدفع القيمة إلى الشريك، ثم يعتق، وأظهر أقاويل الشافعي أنه يعتق بالسّراية؛ فدليلنا قوله ﷺ: «من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم وأعتق عليه العبد»، فشرط في عتقه أن يقوم عليه وأن يدفع إلى الشريك، ولأن تصرف الإنسان في ملكه لا يسري إلى ملك غيره كالبيع، ولأن التقويم لإزالة الضرر عن الشريك كالشفعة، وقد ثبت أن ملك المشتري لا يزول عن الشقص إلا بعد قبض الثمن، فكذلك في العتق، ولأنه عتق بعوض مفتقر إلى القدرة على العوض، فوجب أن يقف تنجزه على بدله، أصله عتق المكاتب، ولا يلزم عليه إذا قال: إن أديت ألفًا فأنت حز، لأنّ هذا العتق لا يقف على القدرة على العوض.
[٢٠٠٤] مسألة: إذا كان المعتق معسرًا لم يكن للشريك استسعاء العبد في قيمة نصيبه منه، وعتق من العبد ما عتق، وقال أبو حنيفة: له ذلك، موسرًا كان المعتق أو معسرًا؛ فدليلنا الحديث الذي رويناه، ولأنّه عتق من غير جهة من كانت منه الجناية فلم يكن واجبًا كالكتابة، ولأن العبد
[ ٢ / ٩٨٩ ]
لم يكن منه جناية ولا إتلاف، وكذلك الشريك الذي لم يعتق، وسبب الإتلاف هو المعتق، فإذا لم يلزمه تقويمه فالعبد أولى.
[٢٠٠٥] مسألة: للقرعة مدخل في تمييز نصيب الحرية من العتق في مواضع، منها أن يعتق ستة أعبد له لا مال له غيرهم في مرضه فيجزؤون ثلاثة أجزاء ويقرع بينهم، فيعتق اثنان ويرق أربع، وقال أبو حنيمة: لا مدخل لإقراع بين العبيد بحال، ولكن يعتق منهم الثلث من كل عبد ويستسعى في قيمة نفسه، فإذا أداها إلى الورثة عتق؛ فدليلنا حديث عمران بن حصين: أن رجلًا أعتق ستة أعبد له في مرضه، ولا مال له غيرهم، فبلغ ذلك النبى ﷺ، فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق الأربعة، ففيه أدلة:
أحدها: أنّه ﷺ أقرع، وعند المخالف أنّه لا يقرع.
والثاني: أنّه أعتق اثنين كاملين، وعندهم أنه قال: لا يعتق رأس كامل.
والثالث: أنه نقل الحكم والسبب، ولم ينقل الاستسعاء، فدل على أنّه
غير واجب. ولأن المريض ممنوع من جميع ماله، فلم يكن له أن يعتق كل عبيده إذا كان لا يملك غيرهم، فإذا فعل ذلك أعتق منهم الثلث الذي كان يملك التصرف فيه، ورق الباقي، ولم يكن بعضهم بأولى من بعض، إذ لا مزية لبعضهم على بعض، واحتيج إلى تمييز من يعتق من نصيب الورثة فلم يكن إلى ذلك طريق إلا الإقراع، ولأن ما نقوله أولى لأنا نسوي بين العبد وبين الورثة لأنّا نعتق الثلث ونقر الثلثين، وعلى قوله: يكون الحظ كلّه للعبيد، لأنّه يعتق منهم الثلث، ويكون الثلثان في حكم المعتق، لأنه لا
[ ٢ / ٩٩٠ ]
يمكن الورثة التصرف فيها فيتعجل حق العبيد في الثلث ويتأخر حق الورثة في الثلثين إلى أداء القيمة، وذلك ما لا سبيل إليه.
[٢٠٠٦] مسألة: يعتق بالنسب عموداه، من العلو والسّفل، من بعد ومن قرب، والأخوة، والأخوات، ولا يستقر ملكه عليهم، وقال داود: لا يعتق بالنسب أحد إلا أن يعتقه المشتري مبتدأ، وقال الشافعي: يعتق عمود النسب فقط، ولا يعتق الأخوة والأخوات، وقال أبو حنيفة: يعتق عليه كل ذي رحم محرم بالنسب، وهو كل من يجري بينه وبينه تحريم الزوجية؛ فدليلنا على وقوع العتق بنفس الملك قوله تعالى: "وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا" الآية، فنفى عن نفسه تعالى اتخاذ الولد، وعلل ذلك بأن الكل عبيد له فأقتضى هذا استحالة ملك الولد، فإذا ثبت ذلك في الولد [ثبت] في الأب والجد، لأنه لا أحد يفرق، وقوله ﷺ: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر»، فعم.
[٢٠٠٧] فصل: ودليلنا على وجوب عتق الأخوة والأخوات عموم الخبر، ولأن الأخوة سبب له مدخل في حجب الأم عن الثلث إلى السدس، كالولادة، ولأن التعصيب يكون من ذكورهم لإناثهم كالولد.
[٢٠٠٨] فصل: فدليلنا على أن العم والخال وغيرهما لا يعتقون، أن كل من حلت لشخص ابنته بالنكاح والملك لم يعتق عليه بالملك، أصله ابن العم، ولأن كل جنس يرث ذكورهم دون إناثهم لم يعتقوا بالملك كبني العم.
[ ٢ / ٩٩١ ]
[٢٠٠٩] مسألة: إذا أعتق المسلم عبدًا له نصرانيًا فالولاء مراعى، فإن
أسلم كان ميراثه للمسلم إن مات، وإن مات النصراني قبل أن يسلم فلا ولاء للمسلم عليه، وقالى الشافعي: يثبت له عليه الولاء ويرثه؛ فدليلنا أن الإرث بالنسب مقدم على الإرث بالولاء، وآكد منه، لأن الولاء مشبه به، وقد ثبت أنّه لا توارث بين المسلم والكافر بالنسب، فكذلك الولاء.
[٢٠١٠] مسألة: إذا أعتق عبده عن رجل، فالولاء للمعتق عنه، أعتقه بإذنه أو بغير إذنه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه إذا أعتق عبده عن غيره فقد ملّكه إياه بشرط العتق عنه، فكان كالوكيل، ولأنّ الولاء جار مجرى النسب، فلا يفتقر حصوله لمن لم يحصل له الإذن منه، ولأنه أعتقه عنه من مال نفسه فكان الولاء للمعتق عنه كما لو استأذنه.
[٢٠١١] مسألة: ولاء السائبة لجماعة المسلمين، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لما قدمناه، ولأن قوله: أنت سائبة مأخوذ من التسيُّب وإخراج اليد عنه جملة، كالجمل المسيب الذي لا يعرض له كما كانت العرب تفعله، وما دام الولاء ثابتًا له عليه فلم يحصل المعنى المقصود.
[٢٠١٢] مسألة: لا مدخل للنساء في الإرث بالولاء، فإذا ترك ابنًا ومولى وابنته فالميراث للابن دون البنت، وقال طاوس وشريح: الولاء بينهما كوراثة المال؛ فدليلنا أن الميراث بالنسب أقوى من الميراث بالولاء، بدليل أنّه مشبه به، وأنه لا يورث بالولاء إلا مع عدم ما يورث به من النسب، وإذا ثبت ذلك، ثم لم يكن للنساء مدخل في التوريث بما تراخى من النسب، كان بأن لا يكون لهن مدخل في التوريث بما تراخى من النسب أولى.
[٢٠١٣] مسألة: الولاء مستحق بالقرب، والابن أولى به من ابن الابن، ولا يستحق البطن الثاني شيئًا ما بقي أحد من البطن الأعلى، وقال
[ ٢ / ٩٩٢ ]
شريح: يشتركان فيه كإرث المال؛ فدليلنا أن الولاء مع اختصاصه بالتعصيب يختص بمن قوي تعصيبه وقرب دون من بعد عنه، بخلاف الميراث، لأن الجد لا يرث بالولاء مع الابن ويرث معه في المال فثبت أن الولاء طريقه طريق الولايات فهو للأقرب فالأقرب، ولأن ما يستحق بالتعصيب شيئان ميراث وولاية، إما في نكاح أو قصاص، وفي كل ذلك لا يدخل أبناء الأبناء مع وجود آبائهم وعمومتهم، فكذلك الإرث به.
[٢٠١٤] مسألة: المولى الأسفل لا يرث، وقال طاوس: يرث؛ فدليلنا أن الإرث بالولاء يستحق بالإنعام، والمولى من أسفل لا إنعام له، بل هو منعم عليه، فلم يستحق الميراث.
[٢٠١٥] مسألة: جر الولاء ثابت للأب، خلافًا لما يحكى عن رافع بن خديج وعكرمة ومجاهد؛ لأن ذلك إجماع حكم عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وفي حديث الزبير: أنه مر بقنية فسأل عنهم فقيل: هم موالي رافع وأبوهم عبد للحرة، فاشترى الزبير أباهم فأعتقه، وقال لهم: انتسبوا إلي فأنا مولاكم، فقال رافع: بل هم موالي أنا أعتقت أمهم، فاختصما إلى عثمان فقضى بالولاء للزبير، ولم يخالف عليه أحد، ولأن انتساب الولد إلى قبيلة أمه وجهتها لعدم ذلك من جهة الأب، بدليل أنه لو أمكن ذلك في الابتداء لم ينتسب إلى الأم، وأنّه إذا عاد إمكانه في ولد الملاعنة عاد الانتساب إلى الأب، وإذا ثبت ذلك ثم كان غير ممكن في هذا الموضع لرق الأب، فيجب إذا زال المعنى المانع، أن يزول ما امتنع لأجله ويعود النسب إلى الأب.
[ ٢ / ٩٩٣ ]
[٢٠١٦] مسألة: ويثبت جر الولاء للجد، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه؛ لأن النسب يرجع إليه فصحّ جره للولاء كالأب.
[٢٠١٧ - مسألة]: إذا جر الأب أو الجد الولاء للولد غير موالي الأم ثم عدم هو وعصبته، لم يعد الولاء إلى موالي الأم، وحكي عن ابن عباس: أنّه يعود إليهم؛ فدليلنا أن الولاء يثبت لموالي الأب، والولاء إذا ثبت لم ينتقل إلا إلى عصبة هي أولى ممّن ثبت له، وموالي الأم ليسوا بأولى من موالي الأب، فلم ينتقل الولاء عنهم إليهم.
[٢٠١٨ - مسألة]: إذا تزوج حر لا ولاء عليه بمعتقة فأولدها ولدًا
فإن الولد يكون حرًا لا ولاء عليه، وقال أبو حنيفة: إن كان الأب عربي الأصل لم يثبت على الولد ولاء، وإن كان أعجميًا ثبت على الولد الولاء لموالي أمه؛ فدليلنا أن حرية الأب لو طرأت على الولاء الثابت لموالي الأم لأزالته فلأن يمنع أن يثبت لهم الولاء في الابتداء أولى.
[٢٠١٩ - مسألة]: وقال الشافعى: الميراث لبيت المال، إذا عدم الموالي وعصباتهم، ورث بموالي الأب؛ فدليلنا أن موالي الأب قد ثبت لهم الولاء على الأب فجر ذلك إلى ثبوته على ولده كالجد.
[٢٠٢٠] مسألة: مولى الموالاة لا يرث، خلافًا لأبي حنيفة في قوله:
إنهما يتوارثان ويتعاقلان، وإن لهما فسخ الموالاة ما لم يعقل أحدهما عن الآخر؛ لقوله ﷺ: «إنّما الولاء لمن أعتق»، ولأن الموالاة سبب لا يورث به مع وجود النسب، فكذلك مع فقده، أصله إذا أسلم على يده رجل،
[ ٢ / ٩٩٤ ]
عكسه الزوجية، ولأنّ المسلمين يعقلون عنه فلم يكن له نقل ميراثهم عنه بالموالاة كالعصبة من النسب.
[٢٠٢١] مسألة: من أسلم على يد رجل فلا ولاء له عليه، خلافًا لأحمد وإسحاق؛ للخبر، ولأن الولاء يستحق بالإنعام بالعتق، وهو معدوم ها هنا.
[٢٠٢٢] مسألة: الأخ وابن الأخ يقدمون في الإرث بالولاء على الجدّ، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن بعضهم أقوى وأقرب إليهم، لأنهم يدلون ببنوة الأب والجدّ يدلي بالأبوة، والإدلاء بالنبوة أقوى من الإدلاء بالتعصيب بالأبوة.
***
[ ٢ / ٩٩٥ ]