[كِتَابُ الْوَقْفِ] [بَابٌ فِي أَرْكَانِ الْوَقْفِ وَحُكْمِ الْوَقْفِ الصَّحِيحِ]
ابْنُ شَاسٍ: وَفِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهِ وَهِيَ الْوَقْفُ وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَالصِّيغَةُ وَشَرْطُهُ. الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْوَقْفِ الصَّحِيحِ.
(صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَقْفُ مَصْدَرًا: إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ، وَهُوَ اسْمًا: مَا أَعْطَيْت مَنْفَعَتَهُ مُدَّةَ وُجُودِهِ. وَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا حَبْسَ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ أَنَّهُ يُورَثُ.
قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا تَكَلَّمَ شُرَيْحٌ بِبَلَدِهِ وَلَمْ يُرِدْ الْمَدِينَةَ فَيَرَى أَحْبَاسَ الصَّحَابَةِ وَيَنْبَغِي
[ ٧ / ٦٢٦ ]
لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِيمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ خُبْرًا (وَإِنْ بِأُجْرَةٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَصِحُّ فِي الْعَقَارِ الْمَمْلُوكِ لَا الْمُسْتَأْجَرِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا اخْتِصَارٌ لِقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ " لَا يَجُوزُ وَقْفُ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ " وَفِي كَوْنِ مُرَادِ ابْنِ شَاسٍ نَفْيَ وَقْفِ مَالِكٍ مَنْفَعَتَهَا أَوْ بَيْعَهَا نَظَرٌ. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَلَوْ حَيَوَانًا أَوْ رَقِيقًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَبَسَ رَقِيقًا أَوْ دَوَابَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اُسْتُعْمِلُوا فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُبَاعُوا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْبِسَ الرَّجُلُ الثِّيَابَ
[ ٧ / ٦٢٩ ]
وَالسُّرُوجَ وَالدَّوَابَّ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا ضَعُفَ مِنْ الدَّوَابِّ الْمُحَبَّسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى لَا تَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى الْغَزْوِ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْخَيْلِ فَتُجْعَلُ فِي السَّبِيلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنُ فَرَسٍ أَوْ هَجِينٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ فَلْيُعِنْ بِذَلِكَ فِي ثَمَنِ فَرَسٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: وَكَذَلِكَ الْغَرْسُ يَكْلَبُ وَيَخْبُثُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا بَلِيَ مِنْ الثِّيَابِ الْمُحَبَّسَةِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهَا
[ ٧ / ٦٣٠ ]
ثِيَابٌ يُنْتَفَعُ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ تَصَدَّقَ بِهِ فِي السَّبِيلِ.
(كَعَبْدٍ عَلَى مَرْضَى لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَهُ) الْمُتَيْطِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّجُلُ مَمْلُوكَهُ عَلَى الْمَرْضَى إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ السَّيِّدِ عَلَى غَيْرِ الضَّرَرِ بِمَمْلُوكِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُكْرَهُ تَحْبِيسُ الرَّقِيقِ لِرَجَاءِ الْعِتْقِ فِيهِ، فَإِنْ وَقَعَ وَفَاتَ مَضَى، وَمَا لَمْ يَفُتْ يُسْتَحَبُّ لِمُحَبِّسِهِ صَرْفُهُ لِمَا هُوَ أَفْضَلُ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُرِيدُ بِفَوْتِهِ بِالْحَوْزِ لَا بِالْمَوْتِ.
(وَفِي وَقْفِ كَطَعَامٍ تَرَدُّدٌ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ابْنُ شَاسٍ: لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ بِاسْتِهْلَاكِهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَبَسَ عَلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ يَتَّجِرُ بِهَا أَمَدًا مَعْلُومًا ضَمِنَ نَقْصَهَا وَهِيَ كَسَلَفٍ. ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ وَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَتَحْبِيسُهُ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ وَقَعَ كَانَ لِآخِرِ الْعَقِبِ مِلْكًا إنْ كَانَ مُعَقَّبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَقَّبًا وَكَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ رَجَعَ إلَيْهِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ. ابْنُ عَرَفَةَ: رُجُوعُهُ مِلْكًا إنْ كَانَ مُعَقَّبًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَقَّبًا ظَاهِرٌ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ اخْتِيَارًا بَعْدَ رُجُوعِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ كَوْنَهُ حَبْسًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ خَاصِّيَّةَ الْحَبْسِ مَنْعُ بَيْعِهِ اخْتِيَارًا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا مَرْجِعًا، فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَتَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ حَبْسًا عَلَى أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُحَبَّسِ يَوْمَ الْمَرْجِعِ وَإِنْ كَانَ الْمُحَبِّسُ حَيًّا اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ " وَزُكِّيَتْ عَيْنٌ وُقِفَتْ لِلسَّلَفِ ".
(عَلَى أَهْلٍ لِلتَّمَلُّكِ) الَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ الْوَقْفِ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ قَالَ: وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ إلَّا
[ ٧ / ٦٣١ ]
إنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَأَهْلًا.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ مَا جَازَ صَرْفُ مَنْفَعَةِ الْمُحَبِّسِ، لَهُ أَوْ فِيهِ.
(كَمَنْ سَيُولَدُ لَهُ) الْمُتَيْطِيُّ: الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى الْحَمْلِ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَالرِّوَايَاتُ وَاضِحَةٌ بِصِحَّتِهِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لَهُ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى الْحَمْلِ وَفِي لُزُومِهِ بِعَقْدِهِ عَلَى مَنْ يُولَدُ قَبْلَ وِلَادَتِهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ لِنَقْلِ الشَّيْخِ: رَوَى مُحَمَّدٌ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ بِيعَ مَا حَبَسَهُ مَا لَمْ
[ ٧ / ٦٣٢ ]
يُولَدْ لَهُ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَائِلًا: لَوْ جَازَ لَجَازَ بَعْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ وَمَوْتِهِ، رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَذِمِّيٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ " يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الذِّمِّيِّ " وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصًّا، وَالْأَظْهَرُ جَرْيُهَا عَلَى حُكْمِ الْوَصِيَّةِ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: مَنْ حَبَسَ عَلَى مَسَاكِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَازَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ [الإنسان: ٨] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وَلَا يَكُونُ الْأَسِيرُ إلَّا مُشْرِكًا، وَإِنْ حَبَسَ عَلَى كَنَائِسِهِمْ رُدَّ ذَلِكَ وَفُسِخَ. وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ: إنْ أَوْصَى نَصْرَانِيٌّ بِمَالِهِ لِلْكَنِيسَةِ وَلَا وَارِثَ لَهُ دُفِعَ الثُّلُثُ إلَى الْأُسْقُفِ يَجْعَلُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ وَالثُّلُثَانِ لِلْمُسْلِمِينَ
[ ٧ / ٦٣٣ ]
(وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ قُرْبَةٌ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يُشْتَرَطُ ظُهُورُ الْقُرْبَةِ.
(أَوْ يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ غَلَّتِهِ مِنْ نَاظِرِهِ لِيَصْرِفَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَبَسَ فِي صِحَّتِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ مِنْ حَائِطٍ أَوْ دَارٍ أَوْ شَيْءٍ وَلَهُ غَلَّةٌ فَكَانَ يُكْرِيهِ وَيُفَرِّقُ غَلَّتَهُ كُلَّ عَامٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ وَصِيَّةٍ إلَّا أَنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ يُوصِيَ بِإِنْفَاذِهِ فِي مَرَضِهِ لِغَيْرِ وَارِثٍ فَيَنْفُذُ مِنْ ثُلُثِهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ تَفْرِقَةُ الْغَلَّةِ كَالسِّلَاحِ وَشِبْهِهِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ فِي وَجْهِهِ وَيَرْجِعُ إلَيْهِ، يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ انْتَقَلَتْ مِنْ يَدِهِ وَأَخْرَجَ جَمِيعَهَا، وَفِي الْغَلَّةِ لَمْ يُخْرِجْ الْأَصْلَ مِنْ يَدِهِ فَذَلِكَ مُفْتَرِقٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ: وَإِنْ جَعَلَهَا بِيَدِ غَيْرِهِ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ يَحُوزُهَا وَيَجْمَعُ غَلَّتَهَا وَيَدْفَعُهَا لِلَّذِي حَبَسَهَا يَلِي تَفْرِقَتَهَا وَعَلَى ذَلِكَ حُبِسَ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَبَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ.
(أَوْ كَكِتَابٍ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ صَرْفِهِ فِي مَصْرِفِهِ) نَصُّ اللَّخْمِيِّ أَنَّ حُكْمَ الْكُتُبِ تُحْبَسُ لِيُقْرَأَ فِيهَا كَحُكْمِ الْخَيْلِ تُحْبَسُ لِيُغْزَى عَلَيْهَا وَالسِّلَاحِ يُقَاتَلُ بِهَا. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ حَبَسَ فِي صِحَّتِهِ مَا لَا غَلَّةَ لَهُ مِثْلَ السِّلَاحِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُنَفِّذْهَا وَلَا أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ فَهِيَ مِيرَاثٌ، وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُهُ فِي وَجْهِهِ وَيَرْجِعُ إلَيْهِ فَهُوَ نَافِذٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ فَمَا أَخْرَجَ فَهُوَ نَافِذٌ، وَمَا لَمْ يَخْرُجْ فَهُوَ مِيرَاثٌ اهـ. اُنْظُرْ إذَا وُجِدَ كِتَابٌ وَفِي ظَهْرِهِ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ حَبْسٌ قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: رَأَيْت مُدَوِّنَةً مِنْ رِقٍّ وَعَلَيْهَا مَكْتُوبٌ حَبْسٌ وَبِيعَتْ وَلَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ الْكَتْبُ شَيْئًا قَالَ: وَالْخِلَافُ مَذْكُورٌ إذَا وُجِدَ فِي فَخِذِ فَرَسٍ حَبْسٌ.
(وَبَطَلَ عَلَى مَعْصِيَةٍ) الْبَاجِيُّ: لَوْ حَبَسَ مُسْلِمٌ عَلَى كَنِيسَةٍ فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي رَدُّهُ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ كَمَا لَوْ صَرَفَهَا إلَى أَهْلِ الْفِسْقِ. ابْنُ عَرَفَةَ: عَادَةُ الشُّيُوخِ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي إلَّا فِيمَا فِيهِ نَظَرٌ مَا لَا فِي الْأَمْرِ الضَّرُورِيِّ، وَرَدُّ هَذَا الْحَبْسِ ضَرُورِيٌّ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَوْصَى أَنْ يُقَامَ لَهُ مَلْهًى فِي عُرْسٍ أَوْ مَنَاحَةُ مَيِّتٍ لَا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ وَقَوْلُهُ بَاطِلٌ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ فِي رَدِّهَا بِنِيَاحَةِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ.
(وَحَرْبِيٍّ) أَصْبَغُ: لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ
[ ٧ / ٦٣٤ ]
قُوَّةٌ عَلَى حَرْبِهِمْ وَالْوَقْفُ كَالْوَصِيَّةِ.
(وَكَافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ حَبَسَ ذِمِّيٌّ دَارًا عَلَى مَسْجِدٍ رُدَّتْ. رَوَاهُ مَعْنُ فِي نَصْرَانِيَّةٍ بَعَثَتْ بِدِينَارٍ إلَى الْكَعْبَةِ رُدَّ عَلَيْهَا. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يَصِحُّ الْحَبْسُ مِنْ كَافِرٍ فِي قُرْبَةٍ دِينِيَّةٍ، وَلَوْ كَانَتْ فِي مَنْفَعَةٍ عَامَّةٍ دُنْيَوِيَّةٍ كَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ فَفِي رَدِّهِ نَظَرٌ، وَالْأَظْهَرُ إنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ رُدَّتْ.
(وَعَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَأَخْرَجَ الْبَنَاتِ مِنْهُ إنْ تَزَوَّجْنَ فَالشَّأْنُ أَنْ يَبْطُلَ ذَلِكَ. وَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا فَاتَ ذَلِكَ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى مَا حُبِسَ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا وَلَمْ يُحَزْ عَنْهُ الْحَبْسُ فَلْيَرُدَّهُ وَيُدْخِلَ فِيهِ الْبَنَاتِ، وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ أَوْ مَاتَ مَضَى عَلَى
[ ٧ / ٦٣٥ ]
شَرْطِهِ وَلَمْ يَفْسَخْهُ الْقَاضِي.
(أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ قَبْلَ عَامٍ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَبَسَ حَبْسًا فَسَكَنَهُ زَمَانًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا أَرَاهُ إلَّا وَقَدْ أَفْسَدَ حَبْسَهُ وَهُوَ مِيرَاثٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ حِيزَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ نَافِذٌ فَإِنْ رَجَعَ وَسَكَنَ فِيهِ بِكِرَاءٍ بَعْدَمَا حِيزَ عَنْهُ، فَإِنْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ بَيِّنٌ مِنْ الْحِيَازَةِ فَذَلِكَ نَافِذٌ. قَالَهُ مَالِكٌ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا إذَا حَازَ ذَلِكَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ أَوْ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَغِيرٌ وَلَا مَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ بِيَدِ مَنْ يَحُوزُهُ عَلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْدَمَ أَوْ يَكْبَرَ أَوْ يُولَدَ أَوْ كَانَ بِيَدِهِ هُوَ يَحُوزُهُ لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ حَوْزُهُ عَلَيْهِ ثُمَّ سَكَنَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الصَّغِيرُ نَفْسَهُ وَقَبْلَ أَنْ يَحُوزَهُ مَنْ ذَكَرْنَا مِمَّنْ حَبَسَهُ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ يُبْطِلُهُ. قُلْت: وَكَمْ حَدُّ تِلْكَ الْحِيَازَةِ؟ قَالَ: السَّنَةُ أَقَلُّ ذَلِكَ.
قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِحِيَازَةِ الْعَامِ فِي الْمَالِكِينَ أُمُورَهُمْ. فَقَوْلُ مَالِكٍ وَالْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ بِعُمْرَى أَوْ كِرَاءٍ أَوْ إرْفَاقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ سَنَةً أَنَّ الْوَقْفَ نَافِذٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا الصِّغَارُ فَمَتَى سَكَنَ أَوْ عَمَّرَ وَلَوْ بَعْدَ عَامٍ بَطَلَ. انْتَهَى مَا لِابْنِ رُشْدٍ. وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ عَاتٍ وَلَا ابْنُ سَلْمُونَ إلَّا هَذَا خَاصَّةً. وَرَأَيْت فُتْيَا لِابْنِ لُبٍّ: إنْ أُخْلَى مَا حَبَسَهُ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ عَامًا كَامِلًا فَلَا يَضُرُّ رُجُوعُهُ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّ بِهَذَا جَرَى الْعَمَلُ يَعْنِي إذَا أَخْلَاهَا مِنْهُ إنَّمَا حِيَازَتُهُ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ الْمُتَيْطِيُّ. وَانْظُرْ بَعْدَ وَرَقَةٍ مِنْ بَابِ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ مِنْ ابْنِ سَهْلٍ فِيهِ نَحْوُ فُتْيَا ابْنِ لُبٍّ. وَانْظُرْ أَوَّلَ الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ الْمُفِيدِ، وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ ".
(أَوْ جُهِلَ سَبْقُهُ لِدَيْنٍ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَبَسَ حَبْسًا عَلَى وَلَدٍ لَهُ صِغَارٍ فَمَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يُدْرَى الدَّيْنُ كَانَ قَبْلُ أَمْ الْحَبْسُ وَقَامَ الْغُرَمَاءُ، فَعَلَى الْوَلَدِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الْحَبْسَ كَانَ قَبْلَ الدَّيْنِ وَإِلَّا بَطَلَ الْحَبْسُ. وَنَحْوُهُ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ مَالِكٍ لَأَمَرَهُ أَوْ أَجْنَبِيٍّ فَحَازَ وَقَبَضَ كَانَتْ الصَّدَقَةُ أَوْلَى.
(أَوْ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ بِشَرِيكٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْحَبْسُ عَلَى نَفْسِ الْمُحَبَّسِ وَحْدَهُ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُ كُلِّ
[ ٧ / ٦٣٦ ]
حَبْسِ مَنْ حَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ إنْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ، فَإِنْ حِيزَ صَحَّ عَلَى غَيْرِهِ فَقَطْ.
(أَوْ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَهُ) ابْنُ شَاسٍ: قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ: لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْبِسَ وَيَكُونَ هُوَ وَلِيَّ الْحَبْسِ. وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ حَبَسَ غَلَّةَ دَارِهِ فِي صِحَّتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَكَانَ يَلِي عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ وَهِيَ بِيَدِهِ أَنَّهَا مِيرَاثٌ قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ فِي حَبْسِهِ أَنَّهُ يَلِي ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ " أَوْ كَكِتَابٍ ".
(أَوْ لَمْ يَحُزْهُ قَبْلَ فَلَسِهِ وَمَوْتِهِ وَمَرَضِهِ) أَمَّا إذَا لَمْ يُحَزْ الْكَبِيرُ حَتَّى
[ ٧ / ٦٣٧ ]
مَاتَ الْمُحَبِّسُ أَوْ مَرِضَ أَوْ فَلِسَ فَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: كُلُّ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نِحْلَةٍ أَوْ عُمْرَى أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ لِغَيْرِ ثَوَابٍ فِي الصِّحَّةِ يَمُوتُ الْمُعْطِي أَوْ يُفْلِسُ وَيَمْرَضُ قَبْلَ حَوْزِ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ فَتُحَازُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُقْضَى لِلْمُعْطِي بِالْقَبْضِ إنْ مَنَعَهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: أَمَّا مَا بَتَلَ فِي الْمَرَضِ فَلَا تُرَادُ فِيهِ الْحِيَازَةُ وَهُوَ نَافِذٌ مِنْ الثُّلُثِ إنْ مَاتَ، وَإِنْ صَحَّ نَفَذَ الْبَتْلُ كُلُّهُ إنْ كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ فِي السَّبِيلِ أُمِرَ بِإِنْفَاذِ ذَلِكَ، رَاجِعْ أَوَّلَ تَرْجَمَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَةِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَأَمَّا حَوْزُ السَّفِيهِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بُطْلَانِ قَبْضِ السَّفِيهِ مَا حُبِسَ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ وَصِحَّتُهُ: نَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ الْبُطْلَانَ عَنْ وَثَائِقِ الْبَاجِيِّ، وَنَقَلَ صِحَّتَهُ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ الْأَخَوَيْنِ قَالَ: وَنَزَلْت أَيَّامَ الْقَاضِي مُنْذَرِ بْنِ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيِّ فَشَاوَرَ فِيهَا فَأَجْمَعَ لَهُ الْجَمِيعُ مِنْ فُقَهَاءِ بَلَدِهِ بِصِحَّتِهِ إلَّا إِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ أَفْتَى بِبُطْلَانِهِ فَحَكَمَ بِقَوْلِ الْجَمِيعِ. وَأَمَّا حَوْزُ وَلِيِّ الصَّغِيرِ فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ مَنْ وَهَبَ لِصَغِيرٍ هِبَةً وَجَعَلَ مَنْ يَحُوزُهَا لَهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ وَتُرْضَى حَالُهُ فَتُدْفَعُ إلَيْهِ وَيُشْهِدُ لَهُ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ حَوْزٌ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ حَاضِرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، بِخِلَافِ غَيْرِ الصَّغِيرِ. قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ؟ قَالَ: إنَّمَا جَازَتْ لِلصَّغِيرِ خَوْفًا أَنْ يَأْكُلَهَا الْأَبُ وَيُفْسِدَهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: مَنْ وَهَبَ عَبْدًا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلِأَجْنَبِيٍّ فَلَمْ يَقْبِضْ الْأَجْنَبِيُّ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَذَلِكَ كُلُّهُ بَاطِلٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ فَلَمْ يَقْبِضْ الْكِبَارُ الْحَبْسَ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ أَنَّهُ يَبْطُلُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الْكِبَارَ لَمْ يَقْبِضُوا الْحَبْسَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُعْرَفُ إنْفَاذُ الْحَبْسِ لِلصِّغَارِ هَاهُنَا إلَّا بِحِيَازَةِ الْكِبَارِ بِخِلَافِ مَا حُبِسَ عَلَى وَلَدِهِ وَهُمْ صِغَارٌ كُلُّهُمْ، هَذَا إنْ مَاتَ كَانَ الْحَبْسُ لَهُمْ جَائِزًا. وَأَمَّا حَوْزُ كَمَسْجِدٍ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: الْحَبْسُ أَصْنَافٌ: صِنْفٌ لَا يَصِحُّ بَقَاءُ يَدِ الْمُحَبِّسِ عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حَائِزٍ مَخْصُوصٍ وَهِيَ الْمَسَاجِدُ وَالْقَنَاطِرُ وَالْمَآجِلُ وَالْآبَارُ وَإِذَا خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا صَحَّ حَبْسُهُ (إلَّا لِمَحْجُورِهِ إذَا أَشْهَدَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَكُونُ الْأُمُّ حَائِزَةً لِمَا تَصَدَّقَتْ أَوْ وَهَبَتْ لِصِغَارِ
[ ٧ / ٦٣٨ ]
بَنِيهَا وَإِنْ أَشْهَدَتْ بِخِلَافِ الْأَبِ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةَ الْوَلَدِ أَوْ وَصِيَّةَ الْوَالِدِ فَيَتِمُّ حَوْزُهَا لَهُمْ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: الْأَبُ يَحُوزُ لِصِغَارِ وَلَدِهِ وَمَنْ بَلَغَ مِنْ أَبْكَارِ بَنَاتِهِ مَا وَهَبَهُمْ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَلَا يُحَوَّلُ حَتَّى يُؤْنَسَ رُشْدُهُمْ.
(وَصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ) الْمُتَيْطِيُّ: إنْ أَعْمَرَ الْمُحَبِّسُ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ الْحَبْسَ لِنَفْسِهِ وَأَدْخَلَ غَلَّتَهُ فِي مَصَالِحِهِ فَإِنَّ بِمَوْتِهِ يَبْطُلُ الْحَبْسُ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ مَا نَصُّهُ: الْعُمْرَى نَافِذَةٌ لِلِابْنَةِ لَا يُوهِنُهَا مَا ثَبَتَ مِنْ اسْتِغْلَالِ الْمُعَمِّرِ لَهَا لِنَفْسِهِ وَإِدْخَالُهُ الْغَلَّةَ فِي مَصَالِحِهِ، وَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ تَرِكَةِ الْمُعَمِّرِ مَا اغْتَلَّهُ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ.
قَالَ: فَرَّقَ أَبُو زَيْدٍ بَيْنَ نَفْسِ الْغَلَّةِ وَثَمَنِهَا قَالَ: إنْ أَكَلَ ثَمَنَ الْغَلَّةِ بَعْدَ بَيْعِهَا فَالصَّدَقَةُ مَاضِيَةٌ لِلِابْنِ.
(وَلَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَبَسَ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ وَهَبَهَا لَهُمْ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ حَوْزَهُ لَهُمْ حَوْزٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا فِيهَا، كُلِّهَا أَوْ جُلِّهَا حَتَّى مَاتَ فَيَبْطُلُ جَمِيعُهَا. وَأَمَّا الدَّارُ الْكَبِيرَةُ يَسْكُنُ أَقَلَّهَا وَيُكْرِي لَهُمْ بَاقِيَهَا فَذَلِكَ نَافِذٌ فِيمَا سَكَنَ وَفِيمَا لَمْ يَسْكُنْ.
(أَوْ عَلَى وَارِثٍ بِمَرَضِ مَوْتِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْحَبْسُ عَلَى وَارِثٍ وَحْدَهُ فِي الْمَرَضِ مَرْدُودٌ كَهِبَتِهِ فِيهِ.
(إلَّا مُعَقَّبًا خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ فَكَمِيرَاثٍ لِلْوَارِثِ كَثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ وَأَرْبَعَةِ أَوْلَادِ أَوْلَادٍ وَعَقِبِهِ وَتَرَكَ أُمًّا وَزَوْجَةً فَتَدْخُلَانِ فِي مَالِ الْأَوْلَادِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ وَقْفٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ حَبَسَ عَلَى وَارِثٍ وَغَيْرُهُ مَعَهُ فِي مَرَضِ مَوْتٍ فَهِيَ الْمَشْهُورَةُ بِمَسْأَلَةِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ وَهِيَ دَارٌ حَبَسَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَحَمَلَهَا ثُلُثُهُ وَتَرَكَ مَعَهُمْ أُمًّا وَزَوْجَةً. وَصَوَّرَهَا ابْنُ يُونُسَ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ ثَلَاثَةٌ وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْوَلَدِ، وَصَوَّرَهَا ابْنُ شَاسٍ وَلَدُ الْوَلَدِ أَرْبَعَةٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَتَّسِعُ فِيهَا الْمَقَالُ وَيَتَفَرَّعُ فِيهَا السُّؤَالُ وَيَدِقُّ فِيهَا الْفِقْهُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: مِنْ حِسَانِ الْمَسَائِلِ وَقَلَّ مَنْ يَعْرِفُهَا وَهِيَ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ خَطَأٌ لِدِقَّةِ مَعَانِيهَا وَغَامِضِ تَفْرِيعِهَا. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ ذَلِكَ كَانَ فِي ذَلِكَ حَبْسٌ عَلَى غَيْرِ وَارِثٍ وَهُمْ وَلَدُ الْوَلَدِ وَعَلَى وَارِثٍ وَهُمْ الْوَلَدُ، فَنَحْنُ لَا نَقْدِرُ أَنْ نُبْطِلَ مَا كَانَ لِلْوَلَدِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ شُرَكَاءَ لِغَيْرِ وَارِثٍ مِنْ وَلَدِ
[ ٧ / ٦٣٩ ]
الْوَلَدِ وَمَا تَنَاسَلَ مِنْ الْأَعْقَابِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إيقَافِ ذَلِكَ عَلَى مَعَانِي الْأَحْبَاسِ إلَّا أَنَّ مَا صَارَ مِنْ ذَلِكَ بِيَدِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ قَامَ فِيهَا بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ مِنْ أُمٍّ وَزَوْجَةٍ وَغَيْرِهِمْ إنْ لَمْ يَجُورُوا فَيَدْخُلُونَ فِي تِلْكَ الْمَنَافِعِ إذْ لَيْسَ لِوَارِثٍ أَنْ يَنْتَفِعَ دُونَ وَارِثٍ مَعَهُ إذْ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَمَا صَارَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ تَنْفُذُ لَهُمْ بِالْحَبْسِ.
قَالَ سَحْنُونَ وَابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا كَانَتْ حَالَتُهُمْ وَاحِدَةً وَإِلَّا فَعَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ فِيهِ سَوَاءٌ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إذَا قَالَ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى عَقِبِهِ فَلَا شَيْءَ لِلْعَقِبِ حَتَّى يَمُوتَ الْوَلَدُ بِخِلَافِ لَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِي وَعَقِبِهِ قَالَ الْبَاجِيُّ: لِأَنَّ " ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ. وَأَمَّا الْوَاوُ فَهِيَ لِلْجَمْعِ فَاقْتَضَتْ التَّشْرِيكَ.
(وَانْتُقِضَ الْقَسْمُ بِحُدُوثِ وَلَدِهِمَا كَمَوْتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ) ابْنُ يُونُسَ: اُخْتُلِفَ إنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ وَلَدِ الْأَعْيَانِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٌ: يُنْتَقَضُ الْقَسْمُ كَمَا يُنْتَقَضُ بِحُدُوثِ وَلَدِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ أَوْ وَلَدِ الْوَلَدِ، وَيُقْسَمُ جَمِيعُ الْحَبْسِ عَلَى عَدَدِ بَقِيَّةِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ، فَمَا صَارَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ نَفَذَ لَهُمْ بِالْحَبْسِ. وَمَا صَارَ لِوَلَدِ الْأَعْيَانِ أَخَذَتْ الْأُمُّ سُدُسَهُ وَالزَّوْجَةُ ثُمُنَهُ وَقُسِمَ مَا بَقِيَ عَلَى ثَلَاثَةٍ عَدَدِ أَهْلٍ لِوَلَدِ الْأَعْيَانِ، فَيَأْخُذُ الْخِيَارُ سَهْمَيْنِ وَوَرَثَةُ الْمَيِّتِ مِنْهُمْ سَهْمًا تَدْخُلُ فِيهِ أُمُّهُ وَزَوْجَتُهُ إنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ وَوَلَدُهُ وَهُوَ أَحَدُ وَلَدِ الْوَلَدِ، فَيَصِيرُ فِيهِ وَلَدَ هَذَا الْمَيِّتِ نَصِيبٌ بِمَعْنَى الْحَبْسِ مِنْ جَدِّهِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي مِنْ نَصِيبٍ بِمَعْنَى الْمِيرَاثِ، وَرَوَى عِيسَى: لَا يُنْتَقَضُ الْقَسْمُ.
(لَا الزَّوْجَةُ وَالْأُمُّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ مَاتَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ الْأُمُّ كَانَ مَا بِيَدِهَا لِوَرَثَتِهَا مَوْقُوفًا، وَكَذَلِكَ يُوقَفُ نَفْعُ ذَلِكَ عَنْ وَارِثِهِمَا أَبَدًا مَا بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْ وَلَدِ الْأَعْيَانِ (فَيَتَدَاخَلَانِ وَدَخَلَتْ فِيمَا زِيدَ لِلْوَلَدِ) اُنْظُرْ أَنْتَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَا صَارَ لِوَلَدِ الْأَعْيَانِ تَأْخُذُ مِنْهُ الْأُمُّ سُدُسَهُ وَالزَّوْجَةُ ثُمُنَهُ.
(بِحَبَسْتُ وَوَقَفْت وَتَصَدَّقْت إنْ قَارَنَهُ قَيْدٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَفْظُ " تَصَدَّقْت " إنْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ مِنْ قَيْدٍ أَوْ جِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ تَأَبَّدَ وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: التَّحْبِيسُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: حَبْسٌ وَوَقْفٌ وَصَدَقَةٌ. فَأَمَّا الْحَبْسُ وَالْوَقْفُ فَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ لَا يَفْتَرِقَانِ فِي وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَإِنْ قَالَ دَارِي أَوْ عَقَارِي صَدَقَةٌ أَوْ فِي السَّبِيلِ أَوْ عَلَى بَنِي زُهْرَةَ فَإِنَّهَا تُبَاعُ وَيُتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ عَلَى قَدْرِ الِاجْتِهَادِ إلَّا إنْ قَالَ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَسْكُنُونَهَا أَوْ يَسْتَغِلُّونَهَا فَتَكُونُ حَبْسًا عَلَى الْمَسَاكِينِ لِلسُّكْنَى وَالِاسْتِغْلَالِ وَلَا تُبَاعُ.
(أَوْ جِهَةٌ لَا تَنْقَطِعُ أَوْ لِمَجْهُولٍ وَإِنْ حُصِرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَصَدَّقَ بِدَارٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ وَوَلَدِهِ مَا عَاشُوا وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا مَرْجِعًا إلَّا صَدَقَةً هَكَذَا لَا شَرْطَ فِيهَا، فَهَلَكَ الرَّجُلُ وَوَلَدُهُ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ حَبْسًا عَلَى فُقَرَاءِ أَقَارِبِ الَّذِي حَبَسَ وَلَا تُورَثُ.
قَالَ عِيَاضٌ: إنْ قَالَ مَالِكٌ هُوَ حَبْسٌ أَوْ وَقْفٌ هُوَ صَدَقَةٌ فَإِنْ عَيَّنَهَا لِمَجْهُولِينَ مَحْصُورِينَ مِمَّا يُتَوَقَّعُ انْقِطَاعُهُ كَقَوْلِهِ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ وَوَلَدِهِ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ: وَقَالَهُ فِي الْكِتَابِ هِيَ
[ ٧ / ٦٤٠ ]
حَبْسٌ مُؤَبَّدٌ يَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ مَرْجِعَ الْأَحْبَاسِ، سَوَاءٌ قَالَ مَا عَاشُوا أَوْ لَا.
قَالَ: وَإِنْ جَعَلَهَا لِمَجْهُولِينَ غَيْرِ مَحْصُورِينَ كَالْمَسَاكِينِ فَهِيَ مِلْكٌ لَهُمْ تُقْسَمُ عَلَيْهِمْ إنْ كَانَتْ مِمَّا يَنْقَسِمُ، أَوْ بِيعَتْ وَقُسِمَتْ وَأُنْفِقَتْ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ذَلِكَ الْوَجْهُ الْمَجْهُولُ. وَتَعْيِينُ الْمَجْهُولِ لَيْسَ هُنَا بِاجْتِهَادِ النَّاظِرِ فِي مَوْضِعِ الْحُكْمِ وَوَقْتِهِ، وَلَا يَلْزَمُ عُمُومَهُمْ إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا هُوَ مَقْصِدُ الْمُحَبِّسِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجِنْسَ انْتَهَى.
وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا " وَاوَ " قَبْلَ " إنْ " فِي قَوْلِهِ " وَإِنْ حُصِرَ " (وَرَجَعَ إنْ انْقَطَعَ لِأَقْرَبِ فُقَرَاءِ عَصَبَةِ الْمُحَبِّسِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إذَا لَمْ يَتَأَبَّدْ رَجَعَ بَعْدَ انْقِطَاعِ جِهَتِهِ مِلْكًا لِمَالِكِهِ أَوْ وَارِثِهِ، وَإِذَا تَأَبَّدَ رَجَعَ إلَى عَصَبَةِ الْمُحَبِّسِ مِنْ الْفُقَرَاءِ ثُمَّ لِلْفُقَرَاءِ.
(وَامْرَأَةٌ لَوْ رُجِّلَتْ عَصَبَتْ) ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْهِبَاتِ مِنْهَا: لَوْ قَالَ حَبْسٌ عَلَيْكَ وَعَلَى عَقِبِكَ قَالَ مَعَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ أَوْ لَا، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ لِأَوْلَى النَّاسِ بِالْمُحَبِّسِ يَوْمَ الْمَرْجِعِ مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَصَبَةٍ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ سَوَاءٌ يَدْخُلُونَ فِي ذَلِكَ حَبْسًا. وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ كَانَتْ لَهَا حَبْسًا لَا يَرْجِعُ إلَى الْمُحَبِّسِ. وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَهِيَ لِذَوِي الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَرْجِعِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، فَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ أَغْنِيَاءَ فَهِيَ لِأَقْرَبِ النَّاسِ بِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ.
وَنَصُّهَا عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ قَالَ
[ ٧ / ٦٤٣ ]
مَالِكٌ: مَنْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ قَالَ حَبْسٌ عَلَى وَلَدِي وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا مَرْجِعًا، فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَتَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ حَبْسًا عَلَى أَوْلَى النَّاسِ بِالتَّحْبِيسِ يَوْمَ الرَّجْعِ وَإِنْ كَانَ الْمُحَبِّسُ، فَقِيلَ لِابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ أَقْرَبُ النَّاسِ بِالْمُحَبِّسِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِمْ الْحَبْسُ بَعْدَ انْقِرَاضِ مَنْ حَبَّسَ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَى الْأَقْرَبِ مِنْ الْعَصَبَةِ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ لَوْ كَانَتْ رَجُلًا كَانَتْ عَصَبَةً لِلْمُحَبِّسِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَبْسًا.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبَنَاتِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَلَا بَنُو الْأَخَوَاتِ وَلَا زَوْجٌ وَلَا زَوْجَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا يَدْخُلُ مِنْ النِّسَاءِ مِثْلُ الْعَمَّاتِ وَالْجَدَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَالْأَخَوَاتُ أَنْفُسُهُنَّ، شَقَائِقَ كُنَّ أَمْ لِأَبٍ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِأُمٍّ مُحَمَّدٌ: وَاخْتُلِفَ فِي الْأُمِّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَدْخُلُ فِي مَرْجِعِ الْحَبْسِ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ سَمَّيْت مِنْ النِّسَاءِ وَثَمَّ عَصَبَةٌ مَعَهُنَّ وَالنِّسَاءُ أَقْرَبُ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: يَدْخُلُونَ كُلُّهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَعَةً فَلْيَبْدَأْ بِإِنَاثِ ذُكُورِ وَلَدِهِ عَلَى الْعَصَبَةِ ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِمَّنْ سَمَّيْت، وَكَذَلِكَ الْعَصَبَةُ الرِّجَالُ يُبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا النِّسَاءُ كَانَ لَهُنَّ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْهُنَّ. مُحَمَّدٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْت أَنْ يُنْظَرَ إلَى حَبْسِهِ أَوَّلَ مَا حَبَسَ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَرَادَ الْمَسْكَنَةَ وَأَهْلَ الْحَاجَةِ جُعِلَ مَرْجِعُهُ كَذَلِكَ عَلَى مَنْ يَرْجِعُ، فَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَرَادَ مَعَ ذَلِكَ الْقَرَابَةَ وَأَثَرْتُهُمْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ وَأُوثِرَ أَهْلُ الْحَاجَةِ إنْ كَانَ فِيهِمْ أَغْنِيَاءُ، قَالَهُ مَالِكٌ. وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ أَغْنِيَاءَ فَهِيَ لِأَقْرَبِ النَّاسِ. فَهَؤُلَاءِ الْأَغْنِيَاءُ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ. مُحَمَّدٌ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ فَقِيرٌ رُدَّتْ إلَيْهِمْ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْغَنَاءِ وَكَانَ أَوْلَاهُمْ فِيهَا الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ فِي الْمَرْجِعِ. فَإِنْ اشْتَرَطَ أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَى فَلَا شَرْطَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ عَلَيْهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَقْعَدَ بِهِ يَوْمَ الْمَرْجِعِ إلَّا أُخْتٌ أَوْ بِنْتُ الِابْنِ ذَلِكَ لَهَا وَحْدَهَا، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهَا ذَكَرٌ كَانَ بَيْنَهُمَا شَرْطَيْنِ (فَإِنْ ضَاقَ قَدَّمَ الْبَنَاتِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَعَةً فَلْيَبْدَأْ بِإِنَاثِ ذُكُورِ وَلَدِهِ عَلَى الْعَصَبَةِ.
(وَعَلَى اثْنَيْنِ وَبَعْدَهُمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ نَصِيبُ مَنْ مَاتَ لَهُمْ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ حَبَسَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَحِصَّتُهُ لِلْفُقَرَاءِ وَإِنْ كَانَتْ غَلَّةً وَإِنْ كَانَتْ كَرُكُوبِ دَابَّةٍ وَشِبْهِهِ فَرِوَايَتَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُؤْخَذَانِ مِنْ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِيهَا: مَنْ حَبَسَ حَائِطًا عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ فَكَانُوا يَلُونَهُ وَيَسْقُونَهُ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ طِيبِ الثَّمَرَةِ، فَجَمِيعُهَا لِبَقِيَّةِ أَصْحَابِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَلُوا عَمَلَهَا. وَإِنَّمَا تُقْسَمُ عَلَيْهِمْ الْغَلَّةُ فَنَصِيبُ الْمَيِّتِ لِرَبِّ النَّخْلِ. ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ إلَى رَدِّ ذَلِكَ لِمَنْ بَقِيَ، وَبِهَذَا أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فَفِي نَقْلِ حَظٍّ مُعَيَّنٍ مِنْ طَبَقَةٍ بِمَوْتِهِ لِمَنْ بَقِيَ فِيهَا أَوْ لِمَا بَعْدَهَا قَوْلَانِ، بِالْأَوَّلِ أَفْتَى
[ ٧ / ٦٤٤ ]
ابْنُ الْحَاجِّ، وَبِالثَّانِي أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ، وَأَلَّفَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَمِنْ الْكَافِي: مَنْ حَبَسَ سَيْفًا أَوْ دَابَّةً أَوْ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا عَلَى رَجُلَيْنِ حَيَاتَهُمَا ثُمَّ جَعَلَهُمَا فِي وَجْهٍ آخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِمَا فَمَاتَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ رَجَعَ نَصِيبُهُ عَلَى الْآخَرِ، فَإِذَا مَاتَ الْآخَرُ رَجَعَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ بَعْدَهُمَا. وَقَدْ قِيلَ: يَرْجِعُ نَصِيبُ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي جُعِلَ فِيهِ بَعْدَهُمَا وَلَا يَرْجِعُ نَصِيبُهُ عَلَى الْآخَرِ. وَلَوْ كَانَ الشَّيْءُ يَنْقَسِمُ وَلَهُ غَلَّةٌ أَوْ ثَمَرَةٌ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ نَصِيبُهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَرَجَعَ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ، وَإِنْ حَبَسَ عَلَيْهِمَا مَسْكَنًا فَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ حَبَسَهُ عَلَيْهِمَا لِلسُّكْنَى كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَالسَّيِّدِ، وَإِنْ كَانَ حَبَسَهُ عَلَيْهِمَا لِيَسْتَغِلَّاهُ كَانَ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا يَتَجَزَّأُ وَيَنْقَسِمُ.
(إلَّا كَعَلَى عَشَرَةٍ حَيَاتَهُمْ فَيَمْلِكُهُ بَعْدَهُمْ) اللَّخْمِيِّ: إنْ قَالَ حَبْسٌ عَلَى هَؤُلَاءِ النَّفَرِ وَضَرَبَ أَجَلًا أَوْ قَالَ حَيَاتَهُمْ رَجَعَ مِلْكًا اتِّفَاقًا. وَاخْتُلِفَ إنْ لَمْ يُسَمِّ أَجَلًا وَلَا حَيَاةً. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: مَنْ حَبَسَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَقُلْ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا جَعَلَ لَهُ مَرْجِعًا فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ أَصْحَابُهُ الْمَدَنِيُّونَ: يُصْرَفُ لِرَبِّهِ. وَقَالَ
[ ٧ / ٦٤٥ ]
الْمِصْرِيُّونَ: يَرْجِعُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ حَبْسًا.
(وَفِي كَقَنْطَرَةٍ لَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا فِي مِثْلِهَا) ابْنُ عَرَفَةَ: شِبْهُ الْمَصْرِفِ مِثْلُهُ إنْ تَعَذَّرَ.
قَالَ ابْنُ الْمَكْوِيِّ: مَنْ حَبَسَ أَرْضًا عَلَى مَسْجِدٍ فَخَرِبَ وَذَهَبَ أَهْلُهُ يَجْتَهِدُ الْقَاضِي فِي حَبْسِهِ بِمَا يَرَاهُ الْبَاجِيُّ: لَوْ كَانَتْ أَرْضٌ مُحَبَّسَةٌ لَهُ مِنْ الْمَوْتَى فَضَاقَتْ بِأَهْلِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُدْفَنُوا فِي الْمَسْجِدِ بِجَانِبِهَا وَذَلِكَ حَبْسٌ كُلُّهُ.
قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَلَأَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَقْبَرَةٍ عَفَتْ: لَا بَأْسَ بِبُنْيَانِهَا مَسْجِدًا وَكُلَّمَا كَانَ لِلَّهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَعَانَ بِبَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ. وَمِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: بَلْ الْفَتِيلَةُ مِنْ قِنْدِيلِ الْمَسْجِدِ وَأَخْذُ زَيْتِهِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِمَسْجِدٍ آخَرَ لَجَرَى عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ وَالْقَرَوِيِّينَ فِي صَرْفِ الْأَحْبَاسِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ، وَعَلَى الْجَوَازِ الْعَمَلُ الْيَوْمُ مِثْلُ صَرْفِ أَحْبَاسِ جَامِعِ الزَّيْتُونَةِ لِجَامِعِ الْمُوَحِّدِينَ وَأَخْذِ حُصْرِهِ السَّنَةَ بَعْدَ السَّنَةَ وَزَيْتِهِ كَذَلِكَ. وَسُئِلَ ابْنُ عَلَاقٍ عَنْ حَبْسٍ عَلَى طُلَّابِ الْعِلْمِ لِلْغُرَبَاءِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ غُرَبَاءُ دُفِعَ لِغَيْرِ الْغُرَبَاءِ قَالَ: وَيَشْهَدُ لِهَذَا فُتْيَا سَحْنُونٍ فِي فَضْلِ الزَّيْتِ عَلَى الْمَسْجِدِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ، وَفُتْيَا ابْنِ دَحُونَ فِي حَبْسٍ عَلَى حِصْنِ تَغْلِبَ عَلَيْهِ يُدْفَعُ فِي حِصْنٍ آخَرَ. قَالَ: وَمَا كَانَ لِلَّهِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ فَجَائِزٌ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ مَا هُوَ لِلَّهِ. وَمِنْهَا فُتْيَا ابْنِ رُشْدٍ فِي فَضْلِ غَلَّاتِ مَسْجِدٍ زَائِدَةٍ عَلَى حَاجَةٍ أَنْ يُبْنَى بِهَا مَسْجِدٌ تَهَدَّمَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: إنْ جَعَلَ حَبْسَهُ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ كَقَوْلِهِ حَبْسٌ فِي السَّبِيلِ أَوْ فِي وَقَيَّدَ مَسْجِدَ كَذَا أَوْ إصْلَاحِ قَنْطَرَةِ كَذَا. فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَبْسِ الْمُبْهَمِ يُوقَفُ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَا يَرْجِعُ مِلْكًا فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ الْوَجْهُ بِجَلَاءِ الْبَلَدِ أَوْ فَسَادِ مَوْضِعِ الْقَنْطَرَةِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُبْنَى وُقِفَ إنْ طُمِعَ بِعَوْدِهِ إلَى حَالِهِ أَوْ صُرِفَ فِي مِثْلِهِ. اُنْظُرْ الْبَابَ السَّابِعَ مِنْ الْعُمْرَى مِنْ الْمُنْتَقَى.
(وَلَا وُقِفَ لَهَا وَصَدَقَةٌ لِفُلَانٍ فَلَهُ) عِيَاضٌ: إنْ قَالَ مَكَانَ هُوَ حَبْسٌ أَوْ وَقْفٌ هِيَ صَدَقَةٌ، فَإِنْ عَيَّنَهَا لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَهِيَ مِلْكٌ لَهُ. وَإِنْ قَالَ دَارِي حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ وَعَيَّنَ شَخْصًا فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ، هَلْ يَكُونُ مُؤَبَّدًا لَا يَرْجِعُ مِلْكًا فَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ رَجَعَتْ حَبْسًا لِأَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحَبِّسِ عَلَى سُنَّةِ مَرَاجِعِ الْأَحْبَاسِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرَابَةٌ رَجَعَتْ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهَا تَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُحَبِّسِ عَلَيْهِ مِلْكًا لِلْمُحَبِّسِ أَوْ وَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ كَالْعُمْرَى.
(أَوْ لِلْمَسَاكِينِ فُرِّقَ ثَمَنُهَا بِالِاجْتِهَادِ) تَقَدَّمَ نَصُّ عِيَاضٍ: إنْ قَالَ صَدَقَةٌ وَجَعَلَهَا لِمَجْهُولِينَ غَيْرِ مَحْصُورِينَ كَالْمَسَاكِينِ فَهِيَ مِلْكٌ لَهُمْ وَيَجْتَهِدُ النَّاظِرُ إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعْمِيمِهِمْ.
[ ٧ / ٦٤٧ ]
(وَلَا يُشْتَرَطُ التَّنْجِيزُ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يُشْتَرَطُ التَّنْجِيزُ كَمَا إذَا قَالَ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَهُوَ وَقْفٌ، اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا قِيلَ قَوْلُهُ " وَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا ".
(وَحُمِلَ فِي الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: حُكْمُ مُطْلَقِهِ التَّنْجِيزُ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِاسْتِقْبَالٍ. ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ حَبَسَ أَوْ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ إنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ اتِّفَاقًا وَلِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِاخْتِلَافٍ انْتَهَى. اُنْظُرْ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ إذَا اشْتَرَطَ الْمُتَقَارِضَانِ ثُلُثَ الرِّبْحِ لِلْمَسَاكِينِ أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمَا بِهِ، وَسَيَأْتِي هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ ".
(كَتَسْوِيَةِ أُنْثَى بِذَكَرٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: صَوَّرَ الشَّيْخُ وَأَصْبَغُ مَسْأَلَةَ وَلَدِ الْأَعْيَانِ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ ثَلَاثَةٌ، وَكَذَلِكَ وَلَدِ الْوَلَدِ فَتَنْقَسِمُ غَلَّتُهَا عَلَى عَدَدِ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ وَالذَّكَرُ كَالْأُنْثَى، وَتُقْسَمُ بِالسَّوِيَّةِ إنْ اسْتَوَتْ حَالَتُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي مَسْأَلَةِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ: إنَّهُ لَا يُفَضَّلُ الْوَلَدُ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ قَالَ: هُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي جَوَازِ التَّحْبِيسِ عَلَى الْبَنِينَ دُونَ الْبَنَاتِ وَإِنْ تَزَوَّجْنَ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ.
(وَلَا التَّأْبِيدُ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَبْسِ التَّأْبِيدُ بَلْ لَوْ قَالَ عَلَى أَنَّ مَنْ احْتَاجَ مِنْهُمْ بَاعَ أَوْ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُحَبَّسَةَ تَصِيرُ لِآخِرِهِمْ مِلْكًا صَحَّ وَاتُّبِعَ الشَّرْطُ. مُحَمَّدٌ: إذَا قَالَ دَارِي حَبْسٌ عَلَى عَقِبِي وَهِيَ لِلْآخِرِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْآخِرِ مِنْهُمْ بَتْلًا وَهِيَ قَبْلَ ذَلِكَ مُحَبَّسَةٌ، فَإِنْ كَانَ آخِرُهُمْ رَجُلًا يُرْجَى لَهُ عَقِبٌ وُقِفَتْ عَلَيْهِ فَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يُعَقِّبْ وَرِثَهَا عَنْهُ وَرَثَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِمَوْتِهِ أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ لَهُ.
(وَلَا تَعْيِينُ مَصْرِفِهِ وَصُرِفَ فِي غَالِبٍ وَإِلَّا فَالْفُقَرَاءُ) عِيَاضٌ: أَمَّا لَفْظَةُ الْحَبْسِ الْمُبْهَمِ كَقَوْلِهِ دَارِي حَبْسٌ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا وَقْفٌ مُؤَبَّدٌ وَلَا تَرْجِعُ مِلْكًا وَتُصْرَفُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَوْضِعِ عُرْفٌ لِلْوُجُوهِ الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا الْأَحْبَاسُ وَتُجْعَلُ لَهَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ.
(وَلَا قَبُولُ مُسْتَحِقِّهِ إلَّا الْمُعَيَّنَ الْأَهْلَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ مَا جَازَ صَرْفُ مَنْفَعَةِ الْحَبِيسِ لَهُ أَوْ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا يَصِحُّ رَدُّهُ اُعْتُبِرَ قَبُولُهُ، وَعِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ: لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبُولُهُ إلَّا إذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَهْلًا لِلرَّدِّ وَالْقَبُولِ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ قَبُولُهُ شَرْطٌ فِي اخْتِصَاصِهِ بِهِ خَاصَّةً أَوْ فِي أَصْلِ الْوَقْفِيَّةِ؟ فَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: مَنْ قَالَ أَعْطُوا فَرَسِي فُلَانًا فَلَمْ يَقْبَلْهُ فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ حَبْسًا أُعْطِيَ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَبْسًا رُدَّ إلَى وَرَثَتِهِ. وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ رَجُلٍ حَبَسَ فَرَسًا عَلَى رَجُلٍ يُجَاهِدُ عَلَيْهِ عَلَى مَنْ يَكُونُ
[ ٧ / ٦٤٨ ]
عَلَفُهُ؟ قَالَ: لَا يَلْزَمُ الْمُحَبِّسَ عَلَفُ الْفَرَسِ الَّذِي حَبَسَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَإِنْ أَبَى الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلِفَهُ رَجَعَ إلَى صَاحِبِهِ مِلْكًا إنْ كَانَ حَبَّسَهُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يُبَتِّلْهُ فِي السَّبِيلِ، فَإِنْ كَانَ بَتَّلَهُ فِي السَّبِيلِ أُخِذَ مِنْهُ إنْ أَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَدُفِعَ إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يُلْزَمُ عَلَفُهُ وَيُجَاهِدُ عَلَيْهِ (فَإِنْ رُدَّ فَكَالْمُنْقَطِعِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إلَّا إنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَأَهْلًا، فَإِذَا رُدَّ بِذَلِكَ فَقِيلَ يَرْجِعُ مِلْكًا، وَقِيلَ يَكُونُ لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ مِنْ نَصِّ ابْنِ رُشْدٍ إنْ حَبَسَهُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ فَأَبَى أَنْ يَنْفِيَ رَجَعَ إلَى صَاحِبِهِ وَإِلَّا دُفِعَ لِغَيْرِهِ. وَلِلشَّيْخِ: مَنْ أَمَرَ بِشَيْءٍ لِسَائِلٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ دُفِعَ لِغَيْرِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ جُمِعَ لَهُ ثَمَنُ كَفَنٍ ثُمَّ كَفَّنَهُ رَجُلٌ مِنْ عِنْدِهِ رُدَّ مَا جُمِعَ لِأَهْلِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مُوَافِقٌ لِلْمُدَوِّنَةِ إنْ فَضَلَتْ لِلْمُكَاتَبِ فَضْلَةٌ رُدَّتْ عَلَى الَّذِينَ أَعَانُوهُ انْتَهَى. اُنْظُرْ نَحْوَ هَذَا فِي أَوَّلِ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ فِيمَنْ طَاعَ بِمَالٍ لِأَسِيرٍ فَهَرَبَ ذَلِكَ الْأَسِيرُ وَأَتَى قَوْمَهُ بِلَا فِدَاءٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ كَاَلَّذِي أَخْرَجَ كِسْرَةً لِمِسْكِينٍ فَلَمْ يَجِدْهُ.
وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ: بَلْ يُرَدُّ إلَى صَاحِبِهِ كَمَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ فِي الْجَنَائِزِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي قَوْمٍ جَمَعُوا دَرَاهِمَ يُكَفِّنُونَ بِهَا مَيِّتًا فَكَفَّنَهُ رَجُلٌ مِنْ عِنْدِهِ: أَنَّ الدَّرَاهِمَ تُرَدُّ إلَى أَهْلِهَا.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَفِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِيمَنْ أَوْصَى بِدَنَانِيرَ تُنْفَقُ فِي بِنَاءِ دَارٍ مُحَبَّسَةٍ فَاسْتُحِقَّتْ أَنَّ الدَّنَانِيرَ تُرَدُّ إلَى الْوَرَثَةِ. وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ فِي قَبْرٍ. اُنْظُرْ فَصْلَ الْوَصِيَّةِ مِنْ ابْنِ سَلْمُونَ.
(وَاتُّبِعَ شَرْطُهُ إنْ جَازَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: مَهْمَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مَا يَجُوزُ لَهُ اُتُّبِعَ كَتَخْصِيصِ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ أَصْحَابِ مَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ. الزَّاهِي: لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ مَا يَجُوزُ أَنْ يُبْدَأَ مِنْ غَلَّتِهَا بِمَنَافِعِ أَهْلِهِ وَيُتْرَكُ إصْلَاحُ مَا يَتَخَرَّمُ مِنْهُ بَطَلَ شَرْطُهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَثِيرًا مَا يُتَّفَقُ أَنْ يُتْرَكَ الْحَبْسُ بِلَا إصْلَاحٍ وَالْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ يَسْتَغِلُّهُ، هَلْ يَلْزَمُهُ فِي مَالِهِ إصْلَاحُ مَا وَهِيَ مِنْهُ؟ اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " لَا يُشْتَرَطُ إصْلَاحُهُ ".
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ: إنْ تَرَكَ الْوَكِيلُ جَنَّاتِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَكُرُومَهُ وَأَهْمَلَ عِمَارَتَهَا حَتَّى تَبَوَّرَتْ وَيَبِسَتْ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا نَقَصَ مِنْهَا لِتَضْيِيعِهِ إيَّاهَا. وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْحَبْسِ. وَإِنَّ مَنْ كَسَرَ خَشَبَةً أَعَادَ الْبُنْيَانَ كَمَا كَانَ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ. وَمِنْ ابْنِ عَرَفَةَ إنْ كَانَ عُلْوٌ وَسُفْلٌ لِرَجُلَيْنِ فَلِرَبِّ الْعُلْوِ رَدُّ تَحْبِيسِ ذِي السُّفْلِ سُفْلَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَسَدَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُصْلِحُهُ لَهُ وَكَذَا الْعَكْسُ.
(لِتَخْصِيصِ مَذْهَبٍ أَوْ نَاظِرٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: النَّظَرُ فِي الْحَبْسِ لِمَنْ جَعَلَهُ إلَيْهِ مُحَبِّسُهُ. الْمُتَيْطِيُّ: يَجْعَلُهُ لِمَنْ يُوثَقُ بِهِ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ، فَإِنْ غَفَلَ الْمُحَبِّسُ عَنْ ذَلِكَ كَانَ النَّظَرُ فِيهِ لِلْقَاضِي يُقَدِّمُ لَهُ
[ ٧ / ٦٤٩ ]
مَنْ يَقْتَضِيهِ وَيَجْعَلُ لِلْقَائِمِ بِهِ مِنْ كِرَائِهِ مَا يَرَاهُ سَدَادًا عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فَلَوْ قَدَّمَ الْمُحَبِّسُ
[ ٧ / ٦٥٨ ]
مَنْ رَآهُ لِذَلِكَ أَهْلًا فَلَهُ عَزْلُهُ وَاسْتِبْدَالُهُ.
(أَوْ تَبْدِئَةِ فُلَانٍ بِكَذَا وَإِنْ مِنْ غَلَّةِ ثَانِي عَامٍ إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ عَامٍ) الْمُتَيْطِيُّ: إذَا شَرَطَ الْمُحَبِّسُ فِي حَبْسِهِ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ غَلَّتِهِ عَلَى فُلَانٍ كَذَا فِي كُلِّ عَامٍ أَوْ يُخْرِجَ مِنْهُ كَذَا رُبُعًا مِنْ زَيْتٍ لِمَسْجِدِ كَذَا، أَوْ شَرَطَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ حَيَاتَهُ جَازَ إنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ وَإِلَّا بَطَلَ الْحَبْسُ إنْ كَانَ هُوَ الْحَائِزَ عَلَى مَنْ يَلِي، وَإِنْ كَانَ الْحَائِزُ مَنْ قَبَضَ لِنَفْسِهِ بَطَلَ مَا وَقَعَ فِيهِ الشَّرْطُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ: فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ يَجْرِي مِنْ غَلَّةِ حَبْسِي عَلَى فُلَانٍ كُلَّ عَامٍ كَذَا وَكَذَا، وَبَيْنَ أَنْ يَجْرِي عَلَى فُلَانٍ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ عَامٍ كَذَا وَكَذَا، فَفِي الْوَجْهِ الْوَاحِدِ يَقُولُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْعَامِ غَلَّةٌ أَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الْعَامِ الْآخَرِ، وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ لَا شَيْءَ لَهُ.
(أَوْ أَنَّ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ بَاعَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا التَّأْبِيدُ ".
وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ:
[ ٧ / ٦٥٩ ]
مَنْ حَبَسَ دَارِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَقَالَ فِي حَبْسِهِ: إنْ احْتَاجُوا أَوْ اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ عَلَى بَيْعِهَا بَاعُوهَا وَاقْتَسَمُوا الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ فَهَلَكُوا جَمِيعًا إلَّا وَاحِدًا فَأَرَادَ بَيْعَهَا فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُ وَلَا حَقَّ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ بَنَاتِ الْمُحَبِّسِ إنْ طَلَبُوا مِيرَاثَهُمْ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ بَتَّلَهَا خَاصَّةً فِي صِحَّتِهِ فَلَيْسَ لِسِوَاهُمْ مِنْ وَرَثَةِ أَبِيهِمْ فِيهَا حَقٌّ.
(وَإِنْ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ قَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ رَجَعَ لَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ) الْمُتَيْطِيُّ: إنْ شَرَطَ الْمُحَبِّسُ فِي حَبْسِهِ أَنَّهُ إنْ نَظَرَ قَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ فِي حَبْسِهِ هَذَا فَجَمِيعُهُ رَاجِعٌ إلَيْهِ إنْ كَانَ حَيًّا، أَوْ لِوَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا، أَوْ صَدَقَةً بَتْلَةً عَلَى فُلَانٍ فَلَهُ شَرْطُهُ.
(كَعَلَى وَلَدِي وَلَا وَلَدَ لَهُ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَبَّسَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ، فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَلَا بَيْعَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤَيِّسَ لَهُ مِنْ الْوَلَدِ، وَأَمَّا إنْ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ فَلَا حَبْسَ وَيَصِيرُ مِيرَاثًا.
(لَا بِشَرْطِ إصْلَاحِهِ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَبَسَ دَارًا عَلَى رَجُلٍ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، وَاشْتَرَطَ عَلَى الَّذِي حَبَسَ عَلَيْهِ إصْلَاحَ مَا يَرِثُّ مِنْهَا مِنْ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ وَهَذَا كِرَاءٌ مَجْهُولٌ، وَلَكِنْ يَمْضِي ذَلِكَ وَتَكُونُ مَرَمَّتُهَا مِنْ غَلَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا فَاتَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَا يُشْبِهُ الْبُيُوعَ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَبَّسَ عَلَى رَجُلٍ فَرَسًا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ثُمَّ هُوَ لَهُ مِلْكٌ بَعْدَ الْأَجَلِ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ إذْ قَدْ يَهْلِكُ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَتَيْنِ فَيَذْهَبُ عَلَفُهُ بَاطِلًا.
(كَأَرْضٍ مُوَظَّفَةٍ إلَّا مِنْ غَلَّتِهَا عَلَى الْأَصَحِّ) لِلْمُتَيْطِيِّ فِي هَذَا كَلَامٌ طَوِيلٌ وَمِنْهُ: إذَا تَصَدَّقَ عَلَى مَسَاكِينَ أَوْ مَسْجِدٍ بِمِلْكٍ مُوَظَّفٍ نَظَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَبُولُهُ بِوَظِيفَةٍ نَظَرًا لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ قَبْلَهُ وَأَمْضَى الْحَبْسَ أَوْ الصَّدَقَةَ وَإِلَّا فَسَخَ ذَلِكَ وَرَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ فِيمَا تُصُدِّقَ بِهِ كَذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ. رَاجِعْ كِتَابَ الصَّدَقَةِ مِنْ الْمُتَيْطِيِّ.
(أَوْ عَدَمِ بَدْءٍ بِإِصْلَاحِهِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ شَعْبَانَ: شَرْطُ الْوَاقِفِ الْبُدَاءَةَ بِمَنَافِعِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى إصْلَاحِهِ بَاطِلٌ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَاتُّبِعَ شَرْطُهُ " (وَنَفَقَةٍ) اُنْظُرْ أَنْتَ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا؟ هَلْ هُوَ يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَبْلُ قَوْلَهُ " فَإِنْ رُدَّ فَكَمُنْقَطِعٍ " وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ دَفَعَ فَرَسًا لِمَنْ يَغْزُو عَلَيْهِ سَنَتَيْنِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فِيهِمَا ثُمَّ هُوَ لَهُ مِلْكٌ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ.
(وَأُخْرِجَ السَّاكِنُ
[ ٧ / ٦٦٠ ]
الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لِلسُّكْنَى إنْ لَمْ يَصْلُحْ لِتُكْرَى لَهُ) اللَّخْمِيِّ: النَّفَقَةُ عَلَى الْحَبْسِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ نَفَقَتُهُ مِنْ غَلَّتِهِ إنْ كَانَ عَلَى مَجْهُولٍ أَوْ عَلَى الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ دِيَارُ الْغَلَّةِ وَالْحَوَائِطِ وَالْفَنَادِقِ وَنَفَقَتُهَا إنْ احْتَاجَتْ إلَى إصْلَاحٍ مِنْ غَلَّتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الدِّيَارُ لِلسُّكْنَى خُيِّرَ الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ بَيْنَ أَنْ يُصْلِحَ أَوْ يَخْرُجَ فَتُكْرَى بِمَا تُصْلَحُ بِهِ ثُمَّ يَعُودُ (وَأُنْفِقَ فِي كَفَرَسٍ لِغَزْوِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ عَدِمَ بِيعَ وَعُوِّضَ بِهِ سِلَاحٌ) اللَّخْمِيِّ: وَقِسْمٌ لَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ غَلَّتِهِ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ مَجْهُولٍ وَذَلِكَ الْخَيْلُ لَا تُؤَاجَرُ فِي النَّفَقَةِ، فَإِنْ كَانَتْ حَبْسًا فِي السَّبِيلِ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُبْعَثُ وَيُشْتَرَى بِالثَّمَنِ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَى نَفَقَتِهِ كَالسِّلَاحِ وَالدُّرُوعِ، وَإِنْ كَانَتْ حَبْسًا عَلَى مُعَيَّنٍ أُنْفِقَ عَلَيْهَا فَإِنْ قَبِلَهَا عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
(كَمَا لَوْ كَلِبَ) مَنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا ضَعُفَ مِنْ الدَّوَابِّ الْمُحَبَّسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى الْغَزْوِ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْخَيْلِ فَيُجْعَلُ فِي السَّبِيلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ فَرَسٍ أَوْ هَجِينٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ فَلْيُعِنْ بِذَلِكَ فِي ثَمَنِ فَرَسٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ يَكْلَبُ وَيَخْبُثُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا بَلِيَ مِنْ الثِّيَابِ الْمُحَبَّسَةِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهَا ثِيَابٌ يُنْتَفَعُ بِهَا فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ تُصُدِّقَ بِهِ فِي السَّبِيلِ.
(وَبِيعَ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ عَقَارٍ فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ) ابْنُ شَاسٍ: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا سِوَى الْعَقَارِ إذَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ الَّتِي وُقِفَ لَهَا كَالْفَرَسِ يَكْلَبُ أَوْ يَهْرَمُ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهَا. وَقَوْلُهُ " أَوْ الثَّوْبُ يَخْلَقُ " بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي وُقِفَ لَهُ وَشِبْهِ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ وَيُجْعَلُ مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى كَامِلٍ مِنْ جِنْسِهِ جُعِلَ فِي شِقْصٍ مِنْ مِثْلِهِ اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " كَمَا لَوْ كَلِبَ ".
(كَأَنْ أَتْلَفَ) ابْنُ شَاسٍ: مَنْ هَدَمَ حَبْسًا مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْبُنْيَانَ كَمَا كَانَ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ، وَأَمَّا إنْ قَتَلَ حَيَوَانًا وُقِفَ كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ أُخِذَتْ مِنْهُ الْقِيمَةُ فَاشْتُرِيَ بِهَا مِثْلُهُ وَجُعِلَ وَقْفًا مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فَشِقْصٌ مِنْ مِثْلِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْهَدْمِ الْقِيمَةُ مُطْلَقًا. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَاتُّبِعَ شَرْطُهُ ".
(وَفَضْلُ الذُّكُورِ وَمَا كَبُرَ مِنْ الْإِنَاثِ فِي إنَاثٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَدُ الْحَيَوَانِ الْمُحَبَّسِ
[ ٧ / ٦٦١ ]
مِثْلُهُ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا وَلَدَتْ بَقَرَاتٌ حُبِسَتْ يُقْسَمُ لَبَنُهَا فِي الْمَسَاكِينِ مِنْ أُنْثَى حُبِسَتْ مَعَهَا وَيُحْبَسُ وَلَدُهَا الذَّكَرُ لِنَزْوِهَا، وَمَا فَضَلَ مِنْ ذُكُورِهَا وَمَا كَبُرَتْ مِنْ أُنْثَى فَذَهَبَ لَبَنُهَا بِيعَا وَرُدَّ ثَمَنُهُمَا فِي إنَاثٍ أَوْ فِي عُلُوفَتِهَا. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ مَا ضَعُفَ مِنْ دَوَابِّ حَبْسِ السَّبِيلِ أَوْ بَلِيَ مِنْ ثِيَابِهِ فَذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ بِيعَ وَرُدَّ مِنْ ثَمَنِ الدَّوَابِّ فِي خَيْلٍ، فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ ثَمَنَ فَرَسٍ أَوْ هَجِينٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ أُعِينَ بِهِ فِي ثَمَنِ فَرَسٍ وَرُدَّ ثَمَنُ الثِّيَابِ فِي ثِيَابٍ، فَإِنْ قَصُرَ مِنْ ثَمَنِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فُرِّقَ فِي السَّبِيلِ.
(لَا عَقَارٌ وَإِنْ خَرِبَ) ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: يُمْنَعُ بَيْعُ مَا خَرِبَ مِنْ رَبْعِ الْحَبْسِ مُطْلَقًا.
قَالَ ابْنُ الْجَهْمِ: إنَّمَا لَمْ يُبَعْ الرَّبْعُ الْمُحَبَّسُ إذَا خَرِبَ؛ لِأَنَّهُ يَجِدُ مَنْ يُصْلِحُهُ بِإِجَارَتِهِ سِنِينَ فَيَعُودُ كَمَا كَانَ. ابْنُ رُشْدٍ: وَفِيهَا لِرَبِيعَةَ أَنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُ الرَّبْعَ إذَا رَأَى ذَلِكَ لِخَرَابِهِ وَهُوَ إحْدَى رِوَايَتَيْ أَبِي الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ اهـ. مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ ثُمَّ قَالَ: فِي جَوَازِ الْمُنَاقَلَةِ لِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ قَوْلَا الشَّيْخِ فِي رِسَالَتِهِ وَابْنِ شَعْبَانَ. وَعِبَارَةُ الرِّسَالَةِ: وَلَا يُبَاعُ الْحَبْسُ وَإِنْ خَرِبَ ثُمَّ قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ بِالرَّبْعِ الْخَرِبِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِطْعَةُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُحَبَّسَةِ انْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهَا جُمْلَةً وَعَجَزَ عَنْ عِمَارَتِهَا وَكِرَائِهَا، فَلَا بَأْسَ بِالْمُعَاوَضَةِ فِيهَا بِمَكَانٍ يَكُونُ حَبْسًا مَكَانَهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ بِحُكْمٍ مِنْ الْقَاضِي بَعْدَ ثُبُوتِ ذَلِكَ السَّبَبِ وَالْغِبْطَةُ فِي ذَلِكَ لِلْعِوَضِ عَنْهُ وَيُسَجَّلُ ذَلِكَ وَيُشْهَدُ بِهِ اهـ. وَانْظُرْ مَنْ عَهِدَ بِمَالٍ لِيُشْتَرَى بِهِ مِلْكٌ فَيُحْبَسُ لَيْسَ هَذَا الْحَبْسُ كَمَنْ يَشْتَرِي مِلْكًا لِنَفْسِهِ فَحَبَسَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا اشْتَرَى الْحَبْسَ لِلْإِيصَاءِ إلَيْهِ بِذَلِكَ فَلَمْ يَنْتَقِلْ الْمِلْكُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَتَحْبِيسُهُ إنَّمَا هُوَ إعْلَامٌ فَإِنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى مِنْ مَالِ الْمُوصِي عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ إلَيْهِ، هَكَذَا فِي نَوَازِلِ عِيَاضٍ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ. وَانْظُرْ أَيْضًا مِنْ بَابِ بَيْعِ مَا اشْتَرَى مِنْ وَفْرِ فَوَائِدِ أَحْبَاسِ الْمَسَاجِدِ إذَا اُحْتِيجَ لِبَيْعِهِ، وَانْظُرْ فِي النَّوَازِلِ الْمَذْكُورَةِ قَدْ ذُكِرَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ مَا يُعَارِضُ هَذَا.
(وَنَقْضٌ) الزَّاهِي: لَا يُبَاعُ نَقْضُ الْمُحَبَّسِ، وَأَجَازَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بَيْعَهُ وَلَا أَقُولُهُ.
وَفِي الطُّرَرِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْغَفُورِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَوَاضِعِ الْمَسَاجِدِ الْخَرِبَةِ؛ لِأَنَّهَا وَقْفٌ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ نَقْضِهَا إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ لِلضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ، وَتَوْقِيفُهُ لَهَا إنْ رُجِيَ عِمَارَتُهَا أَمْثَلُ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ عِمَارَتُهَا بِيعَ وَأُعِينَ بِثَمَنِهَا فِي غَيْرِهِ أَوْ صُرِفَ النَّقْضُ إلَى غَيْرِهِ وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إنْ فُقِدَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ وَلَمْ تُرْجَ لَهُ عِمَارَةٌ أَنَّهُ يُبَاعُ أَصْلُهُ وَيُنْفَقُ فِي أَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا قِيلَ فِي الْفَرَسِ الْمُحَبَّسِ يَكْلَبُ، وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ مُزَيْنٍ أَنَّهُ يُؤْخَذُ نَقْضُهُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَيُتْرَكُ مَا يَكُونُ عَلَمًا لَهُ لِئَلَّا يُدْرَسَ أَثَرُهُ. وَنَحْوُهُ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ الْمُوَثَّقُ: جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا بِبَيْعِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْمُشَاوِرُ فِي شِقْصٍ مُحَبَّسٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ يُبَاعُ الْجَمِيعُ وَيُشْتَرَى مَا يَقَعُ مِنْهُ لِلْحَبْسِ مِثْلُ مَا بِيعَ فِيهِ فَيَكُونُ صَدَقَةً مُحَبَّسَةً مُسَبَّلَةً كَمَا سَبَّلَهَا
[ ٧ / ٦٦٢ ]
صَاحِبُهَا.
قَالَ: وَبِهِ الْعَمَلُ. قَالَ: وَهِيَ فِي الْوَاضِحَةِ مَنْصُوصَةٌ. وَأَفْتَى ابْنُ عَرَفَةَ فِي جَوَامِعَ خَرِبَتْ وَأَيِسَ مِنْ عِمَارَتِهَا بِرَفْعِ أَنْقَاضِهَا إلَى مَسَاجِدَ عَامِرَةٍ احْتَاجَتْ إلَيْهَا. (وَلَوْ بِغَيْرِ خَرِبٍ) قَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُبَاعُ الْحَبْسُ وَإِنْ خَرِبَ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ بِهِ وَكَذَلِكَ نَقَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ مَسْأَلَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ خَلِيلٌ.
(إلَّا لِتَوْسِيعِ كَمَسْجِدٍ) سَحْنُونَ: لَمْ يُجِزْ أَصْحَابُنَا بَيْعَ الْحَبْسِ بِحَالٍ إلَّا دَارًا بِجِوَارِ مَسْجِدٍ اُحْتِيجَ أَنْ يُضَافَ إلَيْهَا لِيَتَوَسَّعَ بِهَا فَأَجَازُوا بَيْعَ ذَلِكَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا دَارٌ تَكُونُ حَبْسًا، وَقَدْ أُدْخِلَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ - دُورٌ مُحَبَّسَةٌ كَانَتْ تَلِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ كَقَوْلِ سَحْنُونٍ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ فِي مَسَاجِدِ الْجَوَامِعِ إنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ وَلَا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ إذْ لَيْسَتْ الضَّرُورَةُ فِيهَا كَالْجَوَامِعِ.
وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الدَّارِ الْمُحَبَّسَةِ وَغَيْرِهَا، وَيُكْرِهُ النَّاسُ السُّلْطَانَ عَلَى بَيْعِهَا إذَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهَا لِجَامِعِهِمْ الَّذِي فِيهِ الْخُطْبَةُ، وَكَذَلِكَ الطَّرِيقُ إلَيْهَا لَا إلَى الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا خُطْبَةَ فِيهَا وَالطُّرُقُ الَّتِي فِي الْقَبَائِلِ لِأَقْوَامٍ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: وَإِذَا كَانَ النَّهْرُ بِجَانِبِ طَرِيقٍ عُظْمَى مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَسْلُكُ عَلَيْهَا الْعَامَّةُ فَحَفَرَهَا حَتَّى قَطَعَهَا، فَإِنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ الَّتِي حَوْلَهَا يُجْبَرُونَ عَلَى بَيْعِ مَا يُوَسَّعُ بِهِ الطَّرِيقُ. (وَلَوْ جَبْرًا) ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتَلَفَ مُتَأَخِّرُو الشُّيُوخِ إنْ امْتَنَعُوا مِنْ الْبَيْعِ لِلْمَسْجِدِ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: تُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِالْقِيمَةِ جَبْرًا وَهُوَ الْآتِي عَلَى سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِجَعْلِ الثَّمَنِ فِي دَارٍ أُخْرَى
[ ٧ / ٦٦٣ ]
ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذَا نَظَرٌ انْتَهَى. اُنْظُرْ قَدْ ذَكَرُوا نَظَائِرَ لِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَنْ انْهَارَتْ بِئْرُهُ وَالْمَاءُ لِمَنْ بِهِ عَطَشٌ وَالْمُحْتَكِرُ، وَمِثْلُ جَارِ الطَّرِيقِ جَارُ السَّاقِيَةِ، وَكَذَلِكَ الْعِلْجُ لِفِدَاءِ مُسْلِمٍ، وَالْفَرَسُ يَطْلُبُهُ السُّلْطَانُ إنْ لَمْ يُدْفَعْ لَهُ جَبَرَ النَّاسَ، وَالْفَدَّانُ فِي قُرْبِ الْجَبَلِ إذَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهِ لِتَخَلُّصِهِمْ لِأَجْلِ وَعَرِهِ. (وَأُمِرُوا بِجَعْلِ ثَمَنِهِ فِي غَيْرِهِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ " فِي قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ نَظَرٌ " وَتَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ " وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهَا دَارًا تَكُونُ حَبْسًا " (وَمَنْ هَدَمَ وَقْفًا فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " كَأَنْ أَتْلَفَ ".
(وَتَنَاوَلَ الذُّرِّيَّةُ وَوَلَدُ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ أَوْ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَأَوْلَادُهُمْ الْحَفِيدَ) أَمَّا الذُّرِّيَّةُ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْلِ؛ فَقِيلَ إنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْعَقِبِ، وَالْوَلَدُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَقِيلَ: إنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِيهَا. وَفَرَّقَ ابْنُ الْعَطَّارِ فَقَالَ: النَّسْلُ كَالْوَلَدِ
[ ٧ / ٦٦٤ ]
وَالْعَقِبُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ بِخِلَافِ الذُّرِّيَّةِ فَتَشْمَلُ وَلَدَ الْبَنَاتِ اتِّفَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَعِيسَى﴾ وَهُوَ وَلَدُ بِنْتٍ. ابْنُ رُشْدٍ: صَحِيحٌ فِي أَنَّ وَلَدَ بِنْتِ الرَّجُلِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَكَذَا نَقُولُ فِي نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ انْتَهَى.
وَأَمَّا وَلَدَيْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ وَأَوْلَادُهُمْ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا إذَا قَالَ حَبَسْت عَلَى وَلَدِي وَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ ثُمَّ يُقَالُ وَعَلَى أَوْلَادِهِمْ، فَإِنَّ وَلَدَ الْبَنَاتِ يَدْخُلُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ زَرْبٍ فَهُوَ خَطَأٌ. وَأَمَّا لَفْظُ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَأَوْلَادِهِمْ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا قَالَ حَبَسْت عَلَى أَوْلَادِي ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ وَلَمْ يُسَمِّهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ ثُمَّ قَالَ وَعَلَى أَعْقَابِهِمْ، فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ يَدْخُلُونَ فِي ذَلِكَ كَمَا لَوْ سَمَّى بِخِلَافِ إذَا قَالَ أَوْلَادِي وَلَمْ يَقُلْ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ لِلْعِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ لَفْظَ الْأَوْلَادِ لَا يُوقِعُهُ النَّاسُ إلَّا عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ (لَا نَسْلِي) قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ النَّسْلُ كَالْوَلَدِ وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِيهِ وَفِي الذُّرِّيَّةِ وَاحِدًا فَانْظُرْ أَنْتَ هَذَا.
(وَعَقِبِي وَوَلَدِي) ابْنُ رُشْدٍ: لَا فَرْقَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ لَفْظِ الْعَقِبِ وَالْوَلَدِ فِي الْمَعْنَى. فَإِذَا قَالَ الْمُحَبِّسُ حَبَسْت عَلَى وَلَدِي أَوْ عَلَى أَوْلَادِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ الْحَبْسُ عَلَى أَوْلَادِهِ بَنِيهِ الذُّكْرَانِ وَالْإِنَاثِ وَعَلَى أَوْلَادِ بَنِيهِ الذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الْبَنَاتِ لَا مِيرَاثَ لَهُمْ.
(وَوَلَدُ وَلَدِي وَأَوْلَادِي وَأَوْلَادُ أَوْلَادِي وَبَنِي وَبَنِي بَنِيَّ) ابْنُ رُشْدٍ: إذَا قَالَ حَبَسْت عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي أَوْ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّيُوخِ إلَى أَنَّ وَلَدَ الْبَنَاتِ يَدْخُلُونَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا شَيْءَ
[ ٧ / ٦٦٥ ]
لِوَلَدِ الْبَنَاتِ. اُنْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ فَكَأَنَّهُ رَشَّحَ أَنْ لَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْبَنَاتِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا لَفْظُ " الْبَنِينَ " فِي قَوْلِهِ حَبَسْت عَلَى بَنِيَّ أَوْ عَلَى بَنِيَّ وَبَنِيهِمْ فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي لَفْظِ الْوَلَدِ وَالْعَقِبِ.
(وَفِي وَلَدِي وَوَلَدِهِمْ قَوْلَانِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا إذَا قَالَ حَبَسْت عَلَى وَلَدِي وَأَوْلَادِهِمْ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ لَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي هَذَا الْحَبْسِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَدُخُولُهُمْ بِهِ أَبْيَنُ وَبِهِ قَضَى ابْنُ الْقَاسِمِ.
(وَالْإِخْوَةُ الْأُنْثَى) ابْنُ شَعْبَانَ: لَفْظُ " إخْوَتِي " يَشْمَلُ إخْوَتَهُ وَلَوْ لِأُمٍّ فَقَطْ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ.
(وَرِجَالُ إخْوَتِي وَنِسَاؤُهُمْ الصِّغَارُ) ابْنُ شَعْبَانَ: لَفْظُ رِجَالِ إخْوَتِي وَنِسَائِهِمْ يَشْمَلُ أَطْفَالَ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ.
(وَبَنُو أَبِي إخْوَتَهُ الذُّكُورَ وَأَوْلَادَهُمْ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَتَنَاوَلُ بَنُو أَبِي إخْوَتَهُ الذُّكُورَ وَأَوْلَادَهُمْ الذُّكُورَ. ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ: لَفْظُ بَنُو أَبِي يَشْمَلُ إخْوَتَهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَإِخْوَتَهُ لِأَبِيهِ فَقَطْ وَمَنْ كَانَ ذَكَرًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ خَاصَّةً مَعَ ذُكُورِ وَلَدِهِ ابْنُ شَاسٍ: هَذَا يُشْعِرُ أَنَّهُ لَا يَرَى دُخُولَ الْإِنَاثِ تَحْتَ قَوْلِهِ " بَنِي " وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ فِي لَفْظِ الْبَنِينَ.
(وَآلِي وَأَهْلِي الْعَصَبَةَ وَمَنْ لَوْ رُجِّلَتْ لَعَصَّبَتْ) ابْنُ الْقَاسِمِ: الْآلُ الْأَهْلُ سَوَاءٌ وَهُمْ الْعَصَبَةُ وَالْبَنَاتُ وَالْعَمَّاتُ لَا الْخَالَةُ. الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ الْعَصَبَةَ وَمَنْ فِي عَقْدِهِمْ مِنْ النِّسَاءِ. ابْنُ عَرَفَةَ: فَتَدْخُلُ بَنَاتُ الْعَمِّ.
(وَأَقَارِبِي أَقَارِبَ جِهَتَيْهِ مُطْلَقًا وَإِنْ قَصَوْا) مَالِكٌ: مَنْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ قُسِمَ عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ بِالِاجْتِهَادِ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبَنَاتِ.
قَالَ عِيسَى: وَيُنْظَرُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ مَا يُرَى وَيُنْزَلُ فَرُبَّمَا لَمْ يَدَعْ غَيْرَ وَلَدِ الْبَنَاتِ وَوَلَدِ الْخَالَاتِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ فَيُعْطَوْا حِينَئِذٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَدْخُلُ الْخَالُ وَلَا الْخَالَةُ وَلَا قَرَابَتُهُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ قَرَابَةٌ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ.
(وَمَوَالِيهِ الْمُعْتَقَ وَوَلَدَهُ وَمُعْتَقَ أَبِيهِ وَابْنَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِمَوَالِي فُلَانٍ وَلَهُ مَوَالٍ أَنْعَمُوا عَلَيْهِ وَمَوَالٍ أَنْعَمَ
[ ٧ / ٦٦٦ ]
عَلَيْهِمْ كَانَ لِمَوَالِيهِ الْأَسْفَلِينَ دُونَ الْأَعْلَيْنَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ لَهُ مَوَالٍ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَمَوَالٍ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ وَمَوَالٍ مِنْ قِبَلِ قَرَابَةٍ يُوَارِثُونَهُ، فَلْيُبْدَأْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ دَنِيَّةً، وَيُعْطَى الْآخَرُونَ مِنْهُ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ سَعَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأَبْعَدِ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِنْ الْأَقَارِبِ فَيُؤْثَرُونَ عَلَيْهِ وَيُبْدَأُ أَهْلُ الْحَاجَةِ أَبَاعِدُ وَغَيْرُهُمْ وَمَا فِي ذَلِكَ أَمْرٌ بَيِّنٌ غَيْرَ مَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ وَيُرَى أَنَّهُ أَرَادَهُ. ابْنُ شَاسٍ: لَفْظُ " الْمَوَالِي " يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَدْخُلُ مَعَهُمْ فِي الْحَبْسِ، فَرَوَى أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُمْ مَوَالِي أَبِيهِ وَمَوَالِي ابْنِهِ وَمَوَالِي الْمَوَالِي.
(وَقَوْمُهُ عَصَبَتُهُ فَقَطْ) ابْنُ شَعْبَانَ: لَفْظُ الْقَوْمِ هُوَ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ الْعَصَبَةِ دُونَ النِّسَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١] وَقَالَ زُهَيْرٌ:
أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَبِلَ هَذَا الْبَاجِيُّ.
(وَطِفْلٌ وَصَبِيٌّ وَصَغِيرٌ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ وَشَابٌّ وَحَدَثٌ لِأَرْبَعَيْنِ وَإِلَّا فَكَهْلٌ لِلسِّتَّيْنِ وَإِلَّا فَشَيْخٌ وَشَمَلَ الْأُنْثَى كَالْأَرْمَلِ) أَمَّا طِفْلٌ وَصَبِيٌّ وَصَغِيرٌ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: لَوْ قَالَ كُلُّ أَطْفَالِ أَهْلِي تَنَاوَلَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ وَلَا الْمَحِيضَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَلَى صِبْيَانِهِمْ أَوْ صِغَارِهِمْ. وَأَمَّا شَابٌّ وَحَدَثٌ لِأَرْبَعَيْنِ لِمَنْ بَلَغَا مِنْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٍ فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: لَوْ قَالَ عَلَى شَبَابِهِمْ أَوْ عَلَى أَحْدَاثِهِمْ كَانَ ذَلِكَ لِمَنْ بَلَغَ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ إلَى أَنْ يُكْمِلَ أَرْبَعِينَ عَامًا. وَأَمَّا كَهْلٌ وَشَيْخٌ فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: لَوْ قَالَ عَلَى كُهُولِهِمْ كَانَ لِمَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ مِنْ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ إلَى أَنْ يُكْمِلَ السِّتِّينَ. وَلَوْ قَالَ عَلَى شُيُوخِهِمْ كَانَ لِمَنْ جَاوَزَ السِّتِّينَ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ. وَأَمَّا الْأَرْمَلُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: لَوْ قَالَ لِأَرْمَلِهِمْ لَكَانَ لِلرَّجُلِ الْأَرْمَلِ كَالْمَرْأَةِ الْأَرْمَلَةِ لِقَوْلِهِ:
فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ الذَّكَرِ
؟ اُنْظُرْ هَلْ يَكُونُ هَذَا الْقَائِلُ قَدْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ قَوْلِ الْآخَرِ:
[ ٧ / ٦٦٧ ]
اُطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصًا
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّ قَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ:
كَمْ بِالْيَمَامَةِ مِنْ شَعْثَاءَ أَرْمَلَةٍ وَمِنْ يَتِيمٍ ضَعِيفِ الصَّوْتِ وَالنَّظَرِ
ثُمَّ قَالَ:
كُلُّ الْأَرَامِلِ قَدْ قُضِيَتْ حَاجَتُهَا فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ الذَّكَرِ
إلَّا أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَدْ قَالُوا: إنَّ الْأَرَامِلَ يَنْطَلِقُ عَلَى الْمَسَاكِينِ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ.
(وَالْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ) ابْنُ عَرَفَةَ: صَرَّحَ الْبَاجِيُّ بِبَقَاءِ مِلْكِ الْمُحَبِّسِ عَلَى حَبْسِهِ وَهُوَ لَازِمُ تَزْكِيَةِ الْأَحْبَاسِ عَلَى مِلْكِ مُحَبِّسِهَا، فَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ الْحَبْسُ يُسْقِطُ مِلْكَ الْمُحَبِّسِ غَلَطٌ.
(لَا الْغَلَّةُ) ابْنُ شَاسٍ: الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ يَمْلِكُ الْغَلَّةَ وَالثَّمَرَةَ وَاللَّبَنَ وَالصُّوفَ وَالْوَبَرَ مِنْ الْحَيَوَانِ.
(فَلَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إصْلَاحَهُ) ابْنُ شَعْبَانَ: لَوْ خَرِبَ الْوَقْفُ فَأَرَادَ غَيْرُ الْوَاقِفِ إعَادَتَهُ فَلِلْوَاقِفِ أَوْ وَارِثِهِ مَنْعُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لِأَنَّ الْحَبْسَ مَمْلُوكٌ لِمُحَبِّسِهِ وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِشَخْصٍ لَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ غَيْرِهِ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِوَجْهٍ ابْنُ عَرَفَةَ: عِنْدِي عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ؛ إنْ كَانَ خَرَابُ الْحَبْسِ لِحَادِثٍ نَزَلَ دَفْعَةً كَوَابِلِ مَطَرٍ أَوْ شِدَّةِ رِيحٍ أَوْ صَاعِقَةٍ وَالْأَمْرُ كَمَا قَالُوهُ، وَإِنْ كَانَ بِتَوَالِي عَدَمِ إصْلَاحِ مَا يَنْزِلُ بِهِ مَنْ هَدَمَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ أَوْ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ يَسْتَقِلُّ مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ تَوَالِي الْهَدْمِ عَلَيْهِ كَحَالِ بَعْضِ أَهْلِ وَقْتِنَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ يَأْخُذُونَ غَلَّتَهُ وَيَدَعُونَ بِنَاءَهُ حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهِ الْخَرَابُ الْمُذْهِبُ كُلَّ الْمَنْفَعَةِ أَوْ جُلَّهَا، فَهَذَا الْوَاجِبُ قَبُولُ مَنْ تَطَوَّعَ بِإِصْلَاحِهِ وَلَا مَقَالَ بِمَنْعِهِ لِمُحَبِّسِهِ وَلَا لِوَارِثِهِ
[ ٧ / ٦٦٨ ]
لِأَنَّ مُصْلِحَهُ قَامَ بِأَدَاءِ حَقٍّ عَنْ ذِي حَقٍّ عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ عَنْ أَدَائِهِ أَوْ لَدَدِهِ.
(وَلَا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِزِيَادَةٍ) الْمُشَاوِرُ: إنْ أَكْرَى نَاظِرُ الْحَبْسِ رَبْعَ الْحَبْسِ بَعْدَ النِّدَاءِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِقْصَاءِ ثُمَّ جَاءَتْ زِيَادَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُ الْكِرَاءِ وَلَا قَبُولُ الزِّيَادَةِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ بِالْكِرَاءِ الْأَوَّلِ غَبْنًا عَلَى الْحَبْسِ فَتُقْبَلُ الزِّيَادَةُ وَلَوْ مِمَّنْ كَانَ حَاضِرًا، وَكَذَا الْوَصِيُّ فِي كِرَائِهِ رَبْعَ يَتِيمِهِ أَوْ إجَارَتِهِ ثُمَّ يَجِدُ زِيَادَةً لَمْ تُنْقَضْ الْإِجَارَةُ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَكِرَاءُ وَكِيلٍ بِمُحَابَاةٍ " أَنَّ لِلْمُوَكَّلِ أَنْ يَفْسَخَ الْكِرَاءَ أَوْ يُجِيزَ، وَقَبْلَ قَوْلِهِ " وَشَاةٌ وَاسْتِثْنَاءُ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ " كَوَجِيبَةٍ بِشَهْرِ كَذَا " وَعِنْدَ قَوْلِهِ " فَمَا حَصَدْت فَلَكَ نِصْفُهُ ".
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ فِي كِرَاءِ النَّاظِرِ فِي حَبْسِ تُونُسَ أَنَّهُ عَلَى قَبُولِ الزِّيَادَةِ.
(وَلَا يُقْسَمُ إلَّا مَاضٍ زَمَنُهُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّدَقَةِ أَنْ يُكْرِيَهَا بِنَقْدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَضَعُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ لَا يَقْسِمُ الْكِرَاءَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ كَمَالِ سُكْنَى الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْسِمُ عَلَى مَنْ يَحْضُرُ يَوْمَ الْقَسْمِ، فَمَنْ وُلِدَ يَوْمَ الْقَسْمِ ثَبَتَ حَقُّهُ، وَمَنْ مَاتَ قَبْلَهُ سَقَطَ. وَإِذَا قَسَمَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ بِالسُّكْنَى فَقَدْ يَمُوتُ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُ وَيُحْرَمُ مَنْ جَاءَ قَبْلَ الْوُجُوبِ مِمَّنْ يُولَدُ بَعْدَ الْقَسْمِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِيمَا يَجِبُ بِهِ بَعْدَ الثَّمَرَةِ لِمَنْ حُبِسَتْ عَلَيْهِ اضْطِرَابٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بَعْدَ الطِّيبِ فَحَظُّهُ لِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِبَارِ لَا شَيْءَ لِوَارِثِهِ اتِّفَاقًا فِيهِمَا، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ الْإِبَارِ وَقَبْلَ الطِّيبِ فَخَامِسُ الْأَقْوَالِ رَاجِعْهُ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَوْ وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ وَلَدٌ بَعْدَ الْإِبَارِ أَوْ قَبْلَهُ كَانَ حَقُّهُ فِي الثَّمَرَةِ، وَإِنْ وُلِدَ بَعْدَ طِيبِهَا فَلَا
[ ٧ / ٦٦٩ ]
شَيْءَ لَهُ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ وَلَهُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ طِيبِ الثَّمَرَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ فِيهَا نَفَقَةٌ أَنَّ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ الرُّجُوعَ بِالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ انْتَفَعُوا بِنَفَقَتِهِ وَهُوَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُ حَقٌّ فِي الثَّمَرَةِ، وَيُسْتَأْنَى بِهِ حَتَّى تَطِيبَ الثَّمَرَةُ فَيَرْجِعُ الْوَرَثَةُ عَلَيْهِمْ بِالْأَقَلِّ مِنْ نَفَقَةِ الْمَيِّتِ الَّتِي أَنْفَقَ أَوْ مَا يَنُوبُهُ مِنْ الثَّمَرَةِ بَعْدَ مُحَاسَبَتِهِمْ لِوَرَثَتِهِ بِمَا أَنْفَقُوا هُمْ أَيْضًا، وَلَوْ أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ شَيْءٌ وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: إذَا نُقِدَتْ لِمَيِّتٍ نَفَقَةٌ فَعَلَى أَصْحَابِهِ غُرْمُهَا مُعَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ كَالِاسْتِحْقَاقِ إذَا اُسْتُحِقَّ الْأَصْلُ أَنَّ عَلَيْهِ غُرْمَ السَّقْيِ وَالْعِلَاجِ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا أَبْيَنُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَأَنْ يُبْقُوهُ عَلَى نَصِيبِ الْمَيِّتِ فِي هَذِهِ الثَّمَرَةِ فَلَا تَلْزَمُهُمْ نَفَقَتُهُ. ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاجِيِّ: لَوْ كَانَتْ أَرْضًا فَحَرَثَهَا مَنْ حُبِسَتْ عَلَيْهِ وَهُمْ مُعَيَّنُونَ ثُمَّ مَاتُوا، خُيِّرَ رَبُّهَا فِي إعْطَاءِ الْوَارِثِ كِرَاءَ الْحَرْثِ أَوْ يُسْلِمُهَا لَهُمْ بِكِرَائِهَا تِلْكَ السَّنَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُعَيَّنِينَ كَالْحَبْسِ عَلَى رَجُلٍ وَعَقِبِهِ.
وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ: ثَالِثُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ أَنَّهَا تَجِبُ لَهُمْ بِالطِّيبِ لَا بِالْقَسْمِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَأَمَّا الْحَبْسُ عَلَى بَنِي زُهْرَةَ فَلَا يَجِبُ إلَّا بِالْقَسْمِ مَنْ مَاتَ قَبْلَهُ سَقَطَ حَظُّهُ، وَمَنْ وُلِدَ قَبْلَهُ ثَبَتَ حَظُّهُ.
وَفِي الِاسْتِغْنَاءِ: إنَّ مِثْلَ بَنِي زُهْرَةَ بَنُو تَمِيمٍ وَالْمَسَاكِينُ وَالْفُقَرَاءُ قَالَ: وَالتَّفْرِيقُ فِي ذَلِكَ كَالتَّفْرِيقِ فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ.
قَالَ: وَإِنْ رَأَى النَّاظِرُ قَسْمَ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ قَسَمَهَا، وَإِنْ رَأَى بَيْعَهَا وَقَسْمَ ثَمَنِهَا فَذَلِكَ لَهُ. وَمِنْ مُقَرِّبِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ: مَنْ حُبِسَتْ عَلَيْهِ دَارٌ وَعَلَى عَقِبِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ وَجُعِلَ لَهُ فِيهَا سُكْنَى حَيَاتَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكْرِيَهَا بِالنَّقْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَهَا سِنِينَ كَثِيرَةً بِكِرَاءٍ مُنَجَّمٍ كُلَّمَا انْقَضَى نَجْمٌ دَفَعَ كِرَاءَهُ. هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَرِوَايَتُهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " بِمَوْتِ مُسْتَحِقٍّ " إنْ مَاتَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مِنْ ذَوِي الْوَقْفِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّتِهَا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِي بَاقِي الْمُدَّةِ. وَمِنْ الْمُنْتَقَى: الْعُمْرَى وَالْحَبْسُ عَلَى مُعَيَّنِينَ يُقْسَمُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالسَّوَاءِ، وَعَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ كَمَنْ حَبَسَ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ فَإِنَّهُ
[ ٧ / ٦٧٠ ]
يُفَضَّلُ أَهْلُ الْحَاجَةِ.
(وَأَكْرَى نَاظِرُهُ إنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ كَالسَّنَتَيْنِ) الْمُتَيْطِيُّ: يَجُوزُ كِرَاءُ مَنْ حُبِسَ عَلَيْهِ رَبْعٌ مِنْ الْأَعْيَانِ أَوْ الْأَعْقَابِ لِعَامَيْنِ لَا أَكْثَرَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَبِهَا الْقَضَاءُ وَالْحَبْسُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَرْضَى وَالْمَسَاكِينِ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ يَجُوزُ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَاسْتَحْسَنَ قُضَاةُ قُرْطُبَةَ كَوْنَهُ لِأَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ خَوْفَ انْدِرَاسِهِ بِطُولِ مُكْثِهِ بِيَدِ مُكْتَرِيهِ.
(وَلِمَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ كَالْعَشْرِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ أَكْرَى الْمُتَوَلِّي مِمَّنْ يَرْجِعُ الْحَبْسُ إلَيْهِ جَازَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ عَامَيْنِ، وَقَدْ اكْتَرَى مَالِكٌ مَنْزِلَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَشْرَ سِنِينَ وَاسْتُكْثِرَتْ.
(وَإِنْ بَنَى مُحَبَّسٌ عَلَيْهِ فَمَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَهُوَ وَقْفٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَبَسَ دَارًا عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فَبَنَى بِهَا أَحَدُ الْبَنِينَ وَأَدْخَلَ خَشَبَهُ أَوْ أَصْلَحَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَذْكُرْ لِمَا أَدْخَلَ فِي ذَلِكَ ذِكْرًا فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهِ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْصَى أَوْ قَالَ هُوَ لِوَرَثَتِهِ فَذَلِكَ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ قَلَّ
[ ٧ / ٦٧١ ]
أَوْ كَثُرَ.
(وَعَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِ أَوْ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ أَوْ عَلَى كَوَلَدِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ، فَضَّلَ الْمُتَوَلِّي أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْعِيَالِ فِي غَلَّةٍ وَسُكْنَى) أَمَّا مَسْأَلَةُ الْقَسْمِ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِ أَوْ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَسْمُ مَا عَلَى غَيْرِ مُنْحَصِرٍ بِالِاجْتِهَادِ اتِّفَاقًا. وَرَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ: مَنْ حَبَسَ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ فَهَذَا كَالصَّدَقَةِ يُوصِي وَإِنْ تَفَرَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ لِمَنْ وَلِيَهَا أَوْ يُفَضِّلُ أَهْلَ
[ ٧ / ٦٧٢ ]
الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْمُؤْنَةِ وَالْعِيَالِ وَلِلزَّمَانَةِ وَكَذَا غَلَّةُ الْحَبْسِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْمَشْهُورُ أَنَّ قَسْمَ الْحَبْسِ لِمُعَقَّبٍ بَيْنَ آحَادِهِمْ بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ وَمَا عَلَى مُعَيَّنِينَ هُمْ فِيهِ بِالسَّوَاءِ، وَأَمَّا الْقَسْمُ عَلَى كَوَلَدِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ، فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَعْلُومُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْآبَاءَ يُؤْثَرُونَ عَلَى الْأَبْنَاءِ وَلَا يَكُونُ لِلْأَبْنَاءِ مَعَهُمْ فِي السُّكْنَى إلَّا مَا فَضَلَ عَنْهُمْ، وَسَوَاءٌ عَلَى قَوْلَيْهِمَا قَالَ حَبْسٌ عَلَى وَلَدِي وَلَمْ يَزِدْ فَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي السُّكْنَى إلَّا مَا فَضَلَ عَنْهُمْ، وَسَوَاءٌ عَلَى قَوْلِهِمَا قَالَ حَبْسٌ عَلَى وَلَدِي وَلَمْ يَزِدْ فَدَخَلَ مَعَهُمْ الْأَبْنَاءُ بِالْمَعْنَى، أَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فَدَخَلُوا مَعَهُمْ بِالنَّصِّ.
(وَلَمْ يُخْرَجْ سَاكِنٌ لِغَيْرِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَبَسَ دَارًا عَلَى وَلَدِهِ فَسَكَنَهَا
[ ٧ / ٦٧٣ ]
بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَجِدْ بَعْضُهُمْ فِيهَا مَسْكَنًا فَقَالَ الَّذِي لَمْ يَجِدْ: أَعْطُونِي مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِ حَقِّي، فَلَا كِرَاءَ لَهُ وَلَا أَرَى أَنْ يُخْرَجَ أَحَدٌ لِأَحَدٍ، وَلَكِنْ مَنْ مَاتَ أَوْ غَابَ غَيْبَةً يُرِيدُ الْمُقَامَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ اسْتَحَقَّ الْحَاضِرُ مَكَانَهُ، وَأَمَّا إنْ أَرَادَ السَّفَرَ إلَى مَوْضِعٍ ثُمَّ يَرْجِعُ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ مَنْزِلَهُ إلَى أَنْ يَرْجِعَ وَسَمِعَ عِيسَى: مَنْ حَبَسَ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ مُتَكَافِئُونَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ لَيُسْكِنَ فِيهَا مَنْ رَأَى أَوْ يُكْرِيَهَا فَيَقْسِمُ كِرَاءَهَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ سَبَقَ وَسَكَنَ فَهُوَ أَوْلَى وَلَا يُخْرَجُ مِنْهَا. ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَاهُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَتَحْبِيسِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ أَوْلَادِ فُلَانٍ وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ مُسَمَّيْنَ لَمْ يَسْتَحِقَّ السُّكْنَى مَنْ سَبَقَ إلَيْهِ وَهُمْ فِيهِ بِالسَّوِيَّةِ حَاضِرُهُمْ وَغَائِبُهُمْ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. مُحَمَّدٌ: وَغَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ سَوَاءٌ.
(إلَّا بِشَرْطٍ) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ حَائِطًا وَسَمَّى لِبَعْضِهِمْ مَا يُعْطَى كُلَّ عَامٍ مِنْ الْكَيْلِ وَلَمْ يُسَمِّ لِلْآخَرِينَ، فَيَبْدَأُ بِاَلَّذِي سَمَّى لَهُ إلَّا أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ عَامِلٌ فَيَكُونُ أَوْلَى بِحَقِّهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ فِي غَلَّةِ الدُّورِ (أَوْ سَفَرِ انْقِطَاعٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ غَابَ يُرِيدُ الْمُقَامَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ اسْتَحَقَّ الْحَاضِرُ مَكَانَهُ (أَوْ بَعِيدٍ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ سَافَرَ لِيَعُودَ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ لِسَفَرٍ بَعِيدٍ يُشْبِهُ الِانْقِطَاعَ أَوْ يُرِيدُ الْمُقَامَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ.
[ ٧ / ٦٧٤ ]
ِ ابْنُ شَاسٍ: فِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهَا الثَّانِي فِي حُكْمِهَا (الْهِبَةُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْهِبَةُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَطِيَّةِ وَهِيَ تَمْلِيكُ شُمُولٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْشَائِيٍّ (وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْهِبَةُ لَا لِثَوَابٍ تَمْلِيكُ ذِي مَنْفَعَةٍ لِوَجْهِ الْمُعْطِي بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالصَّدَقَةُ كَذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ بَدَلَ لِوَجْهِ الْمُعْطِي.
قَالَ الْأَكْثَرُ: وَالْهِبَةُ كَذَلِكَ مَعَ إرَادَةِ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ صَدَقَةٌ (وَصَحَّتْ فِي كُلِّ مَمْلُوكٍ يُنْقَلُ) ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّانِي الْمَوْهُوبُ وَهُوَ كُلُّ مَمْلُوكٍ يَقْبَلُ النَّقْلَ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: كَالدَّارِ وَالثَّوْبِ وَمَنَافِعِهِمَا لَا مَا لَا
[ ٨ / ٣ ]
يَقْبَلُ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ وَأَمِّ الْوَلَدِ. زَادَ ابْنُ هَارُونَ. كَالشُّفْعَةِ وَرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذِهِ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ (مِمَّنْ لَهُ تَبَرُّعٌ بِهَا) ابْنُ شَاسٍ: الْوَاهِبُ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَامِّيُّ يَعْرِفُ الْهِبَةَ وَلَا يَعْرِفُ التَّبَرُّعَ فَهِيَ أَعْرَفُ مِنْ التَّبَرُّعِ، وَالْأَوْلَى الْوَاهِبُ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ فَيَخْرُجُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ.
(وَإِنْ مَجْهُولًا) حَكَى مُحَمَّدٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الْمَجْهُولِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَهَبَ مُوَرَّثَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ جَازَ وَالْغَرَرُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ يَجُوزُ. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ فَإِنَّ هُنَا تَفْصِيلًا.
(أَوْ كَلْبًا)
[ ٨ / ٦ ]
ابْنُ شَاسٍ: تَصِحُّ هِبَةُ الْكَلْبِ.
(وَدَيْنًا وَهُوَ إبْرَاءٌ إنْ وُهِبَ لِمَنْ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَهَبَكَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْكَ فَقَوْلُكَ قَدْ قَبِلْتُ قَبْضٌ، وَإِذَا قَبِلْتَ سَقَطَ الدَّيْنُ. وَإِنْ قُلْتَ لَا أَقْبَلُ بَقِيَ الدَّيْنُ بِحَالِهِ. وَلَوْ كَانَ دَيْنُهُ عَلَى غَيْرِكَ فَوَهَبَهُ لَكَ فَإِنْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ وَجَمَعَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَرِيمِهِ وَدَفَعَ إلَيْكَ ذِكْرَ الْحَقِّ إنْ كَانَ عِنْدَهُ فَهُوَ قَبْضٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَتَبَ عَلَيْكَ ذِكْرَ الْحَقِّ وَأَشْهَدَ لَكَ وَأَحَالَكَ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا، وَكَذَلِكَ إنْ أَحَالَكَ بِهِ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ وَأَشْهَدَ لَكَ وَقَبَضْتَ ذِكْرَ الْحَقِّ كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا لِأَنَّ الدَّيْنَ هَكَذَا يُقْبَضُ لَيْسَ هُوَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ. رَاجِعْ مَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ وَهَبَتْ الصَّدَاقَ " (وَإِلَّا فَكَالرَّهْنِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ عَلَى غَيْرِك إلَخْ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: هِبَةُ الدَّيْنِ تَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ رَهْنُهُ ثُمَّ قَبْضُك قَبْضُهُ
[ ٨ / ٧ ]
فِي الرَّهْنِ مَعَ إعْلَامِ الْمِدْيَانِ بِالْهِبَةِ.
(وَرَهْنًا لَمْ يُقْبَضْ وَأَيْسَرَ رَاهِنُهُ أَوْ رَضِيَ مُرْتَهِنُهُ وَإِلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ بِفَكِّهِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ يُعَجَّلُ وَإِلَّا بَقِيَ لِبَعْدِ الْأَجَلِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ رَهْنَ عَبْدَهُ ثُمَّ وَهَبَهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَيُقْضَى عَلَى الْوَاهِبِ بِافْتِكَاكِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى افْتَكَّهُ الْوَاهِبُ فَلَهُ أَخْذُهُ مَا لَمْ يَمُتْ الْوَاهِبُ فَتَبْطُلُ الْهِبَةُ وَلَيْسَ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ حَقًّا فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ.
قَالَ أَشْهَبُ: إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ الْمَوْهُوبُ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهُ الْمُرْتَهِنُ فَهُوَ أَحَقُّ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وَيُعَجَّلُ لَهُ حَقُّهُ إلَّا فِي هِبَةِ الثَّوَابِ فَتَنْفُذُ الْهِبَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيُعَجَّلُ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّهُ مِنْ الثَّوَابِ كَالْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ فَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ قَبْلَ حَوْزِ الْمُرْتَهِنِ وَالْوَاهِبُ مَلِيءٌ ثُمَّ أَعْدَمَ فَلْيُتْبَعْ بِالدَّيْنِ وَتَمْضِ الْهِبَةُ. اهـ.
نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ: وَزَادَ اللَّخْمِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ: وَإِنْ وَهَبَهُ ثُمَّ قَامَا قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا جَازَتْ الْهِبَةُ وَكَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَحُكِمَ لِلْمُرْتَهِنِ بِتَعْجِيلِ حَقِّهِ، فَإِنْ أَعْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ اتَّبَعَهُ بِحَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَهَبَ ثُمَّ وَهَبَ فَحَازَهُ الثَّانِي أَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ أَحَقُّ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الرَّهْنُ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ.
قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ: قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ " يُقْضَى عَلَى الرَّاهِنِ بِافْتِكَاكِ الرَّهْنِ " يُرِيدُ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ قَرْضٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ
[ ٨ / ٩ ]
كَانَ الدَّيْنُ عَرْضًا مِنْ بَيْعٍ لَمْ يُجْبَرْ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قَبْضِهِ وَلَا أَخْذِ رَهْنِ غَيْرِهِ يَعْنِي وَيَبْقَى تَحْوِيزُ الْهِبَةِ لِبَعْدِ الْأَجَلِ.
وَانْظُرْ فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ الذَّخِيرَةِ هِبَةُ الْوَدِيعَةِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
(بِصِيغَةٍ أَوْ مُفْهِمِهَا وَإِنْ بِفِعْلٍ) ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ السَّبَبُ النَّاقِلُ لِلْمِلْكِ وَهِيَ صِيغَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّمْلِيكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَيَتَّصِلُ بِالصِّيغَةِ حُكْمُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَى التَّمْلِيكِ وَلَوْ جُعْلًا كَالْمُعَاطَاةِ. اُنْظُرْ هُنَا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ هَلْ يَتَنَاوَلُ الشَّجَرُ الْمَوْهُوبُ مَأْبُورَهَا وَشِرْبَهَا إنْ كَانَ لَهَا شِرْبٌ.
(كَتَحْلِيَةِ وَلَدِهِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ حَلَّى ابْنَهُ الصَّغِيرَ حُلِيًّا فَهُوَ لَهُ لَا مِيرَاثٌ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مَا حَلَّاهُ بِهِ مِثْلَ مَا كَسَاهُ مِنْ ثَوْبٍ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ الْأَبُ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْإِمْتَاعِ.
وَعَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا: وَكَذَلِكَ فِيمَا يَكْسِبُ لِلْبِكْرِ مِنْ الشُّورَةِ فِي بَيْتِ أَبِيهَا تَصْنَعُهُ بِيَدِهَا أَوْ يَدِ أُمِّهَا أَوْ يَشْتَرِي ذَلِكَ لَهَا أَبُوهَا ثُمَّ يَمُوتُ فَيُرِيدُ الْوَرَثَةُ الدُّخُولَ مَعَ الِابْنَةِ أَنَّهُ لَا دُخُولَ لَهُمْ، وَحَوْزُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِيَدِ الِابْنَةِ أَوْ بِيَدِ الْأُمِّ لِأَنَّهَا لَوْ وُهِبَتْ
[ ٨ / ١٠ ]
كُلَّ مَا عَمِلَتْهُ أَوْ حَمَلَتْهُ لَهَا أُمُّهَا أَوْ كَسَبَهُ لَهَا أَبُوهَا وَكُلِّفَ أَنْ يُشْهِدَ لَهَا بِهِ لَمْ يَسْتَطِعْ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِمَّا يُسْتَفَادُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ عَلَى أَنْوَاعٍ (لَا بِابْنٍ مَعَ قَوْلِهِ دَارِهِ) ابْنُ مُزَيْنٍ: مَنْ قَالَ لِابْنِهِ اعْمَلْ فِي هَذَا الْمَكَانِ كَرْمًا وَجِنَانًا أَوْ ابْنِ فِيهِ دَارًا فَفَعَلَ الْوَلَدُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَالْأَبُ يَقُولُ كَرْمُ ابْنِي وَجِنَانُ ابْنِي، أَنَّ الْقَاعَةَ لَا تُسْتَحَقُّ بِذَلِكَ وَهُوَ مَوْرُوثٌ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ إلَّا قِيمَةُ عَمَلِهِ مَنْقُوضًا.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ الرَّجُلِ فِي شَيْءٍ يُعْرَفُ لَهُ هَذَا كَرْمُ وَلَدِي أَوْ دَابَّةُ وَلَدِي، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يَسْتَحِقُّ الِابْنُ مِنْهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا إلَّا بِالْإِشْهَادِ بِصَدَقَةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ بَيْعٍ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ. وَقَدْ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا كَثِيرًا فِي النَّاسِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فِي الْوَلَدِ وَلَا فِي الزَّوْجِ.
(وَحِيزَ وَإِنْ بِلَا إذْنٍ وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ لَغْوُ التَّحْوِيزُ فِي الْحَوْزِ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ثَوَابٍ فَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَاهِبِ جَازَ قَبْضُهُ إذْ يُقْضَى
[ ٨ / ١١ ]
بِذَلِكَ عَلَى الْوَاهِبِ إنْ مَنَعَهُ إيَّاهَا.
(وَبَطَلَتْ إنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: إحَاطَةُ الدَّيْنِ بِمَالِهِ قَبْلَ الْعَطِيَّةِ تُبْطِلُهَا اتِّفَاقًا، وَفِي كَوْنِ إحَاطَتِهِ بَعْدَهَا قَبْلَ حَوْزِهَا كَذَلِكَ قَوْلَانِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: إذَا ادَّانَ الْمُعْطِي مَا أَحَاطَ بِمَالِهِ أَوْ بِالصَّدَقَةِ فَالدَّيْنُ أَوْلَى وَالْعَطِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَالصَّدَقَةُ بِيَوْمِ تُقْبَضُ لَا بِيَوْمِ يُتَصَدَّقُ بِهَا خِلَافًا لِأَصْبَغَ.
(أَوْ وَهَبَ لِثَانٍ وَحَازَ أَوْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ أَوْ اسْتَوْلَدَ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ أَعْطَى مَا وَهَبَ قَبْلَ حَوْزِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَحَازَهُ الثَّانِي فَفِي رَدِّهِ لِلْأَوَّلِ أَوْ مُضِيِّهِ لِلثَّانِيَّ، ثَالِثُهَا إنْ فَرَّطَ فِي الْحَوْزِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالْغَيْرُ مَعَ مُحَمَّدٍ وَأَصْبَغَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَهَبَ عَبْدًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى رَجُلٍ أَوْ أَخَدَمَهُ إيَّاهُ حَيَاتَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمُعْطِي قَبْلَ حَوْزِ الْمُعْطَى، جَازَ الْعِتْقُ وَبَطَلَ مَا سِوَاهُ عَلِمَ الْمُعْطَى بِالْهِبَةِ أَوْ بِالصَّدَقَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
مُحَمَّدٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَمَةً فَأَحْبَلَهَا قَبْلَ الْحِيَازَةِ وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ (وَلَا قِيمَةَ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ أَوْ أَوْلَدَهَا مُعْطِيهَا قَبْلَ حَوْزِهَا الْمُعْطَى فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَمْضِي فِعْلُهُ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يُرَدُّ عِتْقُهُ وَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ فِي الْإِيلَادِ.
(أَوْ اسْتَصْحَبَ هَدِيَّةً أَوْ أَرْسَلَهَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ الْمُعَيَّنَةُ لَهُ إنْ لَمْ يُشْهِدْ) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا اشْتَرَى مِنْ هَدَايَا الْحَجِّ لِأَهْلِهِ لَا يَنْفَعُ الشَّهَادَةُ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ أَشْهَدَهُمْ. قَالَ: لَوْ قَالُوا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ هَذَا لِامْرَأَتِي وَهَذَا لِابْنِي لَمْ يَنْفَعْهُ حَتَّى يَقُولُوا أَشْهَدَنَا عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَعَثَ بِهَدِيَّةٍ أَوْ صِلَةٍ لِرَجُلٍ غَائِبٍ ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطِي أَوْ الْمُعْطَى قَبْلَ وُصُولِهَا، فَإِنْ كَانَ الْمُعْطِي أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ حِينَ بَعَثَ بِهَا فَهِيَ لِلْمُعْطَى أَوْ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا حِينَ بَعَثَهَا فَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ فَهِيَ تَرْجِعُ إلَى الْبَاعِثِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا أَوَّلًا رَجَعَ ذَلِكَ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا أَبْيَنُ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُتَصَدِّقِ لَا بِمَوْتِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ،
[ ٨ / ١٤ ]
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابٍ آخَرَ: إنَّ كُلَّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِرَجُلٍ فَمَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ هِبَتَهُ فَوَرَثَتُهُ مَكَانَهُ يَقْبِضُونَ هِبَتَهُ، وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَشْهَدَ الْبَاعِثُ أَنَّهَا هَدِيَّةٌ لِفُلَانٍ ثُمَّ طَلَبَ اسْتِرْجَاعَهَا مِنْ الرَّسُولِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ.
(كَأَنْ دَفَعْتَ لِمَنْ يَتَصَدَّقُ عَنْكَ بِمَالٍ وَلَمْ تُشْهِدْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ دَفَعَ فِي صِحَّتِهِ مَالًا لِمَنْ يُفَرِّقُهُ فِي الْفُقَرَاءِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ إنْفَاذِهِ، فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ حِينَ دَفَعَهُ إلَى مَنْ يُفَرِّقُهُ نَفَذَ مَا فَاتَ مِنْهُ وَمَا بَقِيَ وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ حِينَ دَفَعَهُ إلَى الْمَأْمُورِ فَلْيَرُدَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ إلَى وَرَثَةِ الْمُعْطِي وَلَا يَنْفَعُهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَإِنْ فَرَّقَ مَا بَقِيَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْطِي ضَمِنَ الْبَقِيَّةَ لِلْوَرَثَةِ.
(لَا إنْ بَاعَ وَاهِبٌ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ وَإِلَّا فَالثَّمَنُ لِلْمُعْطِي) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِدَارٍ فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُعْطَى حَتَّى مَاتَ أَوْ بَاعَهَا الْمُعْطِي، فَإِنْ عَلِمَ الْمُعْطَى بِالصَّدَقَةِ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى بِيعَتْ تَمَّ الْبَيْعُ وَكَانَ الثَّمَنُ لِلْمُعْطِي، فَإِنْ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَمْ يُفَرِّطْ حَتَّى غَافَصَهُ بِالْبَيْعِ فَلَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ فِي حَيَاةِ الْوَاهِبِ وَأَخْذُهَا. فَأَمَّا إنْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُعْطَى فَلَا شَيْءَ لَهُ بِيعَتْ أَوْ لَمْ تُبَعْ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْمُعْطِي بِوَجْهٍ مَا فَلَيْسَ لِلْمُعْطِي شَيْءٌ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْبَيْعُ أَوْلَى وَلَا شَيْءَ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَحُزْ عَنْهُ، انْتَهَى.
نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ. وَعَزَا ابْنُ شَاسٍ لِلْمُدَوِّنَةِ أَنَّ الثَّمَنَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ.
وَقَالَ فِي الرُّهُونِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمَوْهُوبُ نُقِضَ الْبَيْعُ، وَإِنْ عَلِمَ مَضَى الْبَيْعُ وَعُوِّضَ الْمَوْهُوبُ بِالثَّمَنِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: بَطَلَتْ الْهِبَةُ كَبُطْلَانِ الرَّهْنِ إذَا بِيعَ قَبْلَ الْحَوْزِ وَالثَّمَنُ لِلْوَاهِبِ.
(أَوْ جُنَّ أَوْ مَرِضَ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ الْحَوْزِ كَوْنُهُ فِي صِحَّةِ الْمُعْطِي وَعَقْلِهِ وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كُلُّ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نِحْلَةٍ أَوْ عُمْرَى أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ لِغَيْرِ ثَوَابٍ فِي الصِّحَّةِ يَمُوتُ الْمُعْطِي أَوْ يُفْلِسُ أَوْ يَمْرَضُ قَبْلَ حَوْزِ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ فَتُحَازُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُقْضَى بِالْقَبْضِ لِلْمُعْطِي إنْ مَنَعَهُ. وَانْظُرْ حَوْزَهَا فِي مَرَضِهِ اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا. (وَاتَّصَلَا بِمَوْتِهِ)
[ ٨ / ١٥ ]
هَذَا نَصُّ ابْنِ شَاسٍ: وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ تَصَدَّقَتْ بِعَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي صِحَّتِهَا فَذَهَبَ عَقْلُهَا قَبْلَ حَوْزِهِ فَحَوْزُهُ بَاطِلٌ كَمَوْتِهَا. ابْنُ رُشْدٍ: هُوَ كَالْمَرَضِ وَرُجُوعُ عَقْلِهَا كَصِحَّتِهَا.
(أَوْ وَهَبَ لِمُودَعٍ وَلَمْ يَقْبَلْ لِمَوْتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا وَهَبَك وَدِيعَةً لَهُ فِي يَدِك فَلَمْ تَقْبَلْ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ (وَصَحَّ إنْ قَبَضَ لِيَتَرَوَّى) الْبَاجِيُّ: لَوْ وُهِبَ الْمُسْتَوْدَعُ مَا بِيَدِهِ فَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: بَلْ هِيَ حِيَازَةٌ جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَطِيَّةَ بِيَدِ الْمُعْطَى لَهُ فَتَأَخُّرُ الْقَبُولِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا قَالَ: وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَهَبْتَهُ هِبَةً فَلَمْ يَقُلْ قَبِلْتُ وَقَبَضَهَا لِيَنْظُرَ رَأْيَهُ فَمَاتَ الْمُعْطِي فَهِيَ مَاضِيَةٌ إنْ رَضِيَهَا وَلَهُ رَدُّهَا.
(أَوْ جَدَّ فِيهِ أَوْ فِي تَزْكِيَةِ شَاهِدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ثَوَابٍ فَامْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا قُضِيَ بِهَا عَلَيْهِ لِلْمَوْهُوبِ. وَلَوْ خَاصَمَهُ فِيهَا الْمَوْهُوبُ فِي صِحَّةِ الْوَاهِبِ وَرُفِعَتْ الْهِبَةُ إلَى السُّلْطَانِ يَنْظُرُ فِيهَا فَمَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ، فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهَا لِلْمَوْهُوبِ إنْ عُدِّلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَلَوْ لَمْ يُقِمْ الْمَوْهُوبُ فِيهَا حَتَّى مَرِضَ الْوَاهِبُ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَصِحَّ.
ابْنُ شَاسٍ: إذَا كَانَ الطَّالِبُ جَادًّا فِي الطَّلَبِ غَيْرَ تَارِكٍ كَمَا إذَا وَقَعَتْ الْهِبَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ أَوْ بِشَاهِدَيْنِ حَتَّى يُزَكِّيَ فَمَاتَ الْوَاهِبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ: هُوَ حَوْزٌ وَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَوَازِلَ إذَا وَهَبَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ التَّحْوِيزِ خُوِّفَ.
(أَوْ أَعْتَقَ أَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ إذَا أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ بَاعَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ، فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ الْبَيْعَ حِيَازَةٌ.
وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لَيْسَ الْبَيْعُ حِيَازَةً وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ إلَّا الْعِتْقُ وَحْدَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ وَهَبَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ، فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَمُطَرِّفٍ أَنَّ الْهِبَةَ حَوْزٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْهِبَةُ لَا تَكُونُ حَوْزًا لِأَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَى حِيَازَةٍ.
الْمُتَيْطِيُّ: وَيَصِحُّ حَوْزُ الْحَبْسِ بِعَقْدِ كِرَائِهِ أَوْ مُزَارَعَتِهِ إنْ كَانَ بَيَاضًا أَوْ فِيهِ سَوَادٌ تَبَعٌ لَهُ، وَإِنْ تَبِعَ بَيَاضُهُ سَوَادَهُ فَبِمُسَاقَاةٍ وَيُغْنِي عَنْ حَوْزِهِ بِالْوُقُوفِ عَلَى مُعَايَنَةِ نُزُولِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ فِيهَا. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَغَيْرُهُ. وَالْكِرَاءُ فِي الْأَرْضِ لِعَامَيْنِ وَزِيَادَةٍ أَقْوَى.
(وَلَمْ يُعْلَمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ) اُنْظُرْ أَنْتَ مَا مَعْنَى هَذَا. وَإِذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ قَالَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِالْهِبَةِ أَوْ لَا فَرْقَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ وَهَبْتَ لِحُرٍّ أَوْ عَبْدٍ فَلَمْ يَقْبِضْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ، فَلِوَارِثِهِ الْحُرِّ وَسَيِّدِ الْعَبْدِ قَبْضُهَا، وَلَيْسَ لَك أَنْ تَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ الْحَوْزِ بَطَلَتْ الْهِبَةُ، وَكَذَلِكَ إنْ حَازَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ. وَقَالَ أَشْهَبُ: يَصِحُّ لَهُ ثُلُثُهَا.
(وَحَوْزُ مُخْدَمٍ وَمُسْتَعِيرٍ مُطْلَقًا وَمُودَعٍ إنْ عَلِمَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَخْدَمَ عَبْدَهُ رَجُلًا سِنِينَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ هِبَةٌ لِفُلَانٍ بَعْدَ الْخِدْمَةِ فَقَبْضُ الْمُخْدَمِ، قَبْضُ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُخْدَمَ لَمْ يَجِبْ لَهُ فِي
[ ٨ / ١٦ ]
رِقْبَةِ الْعَبْدِ حَقٌّ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ آجَرَ عَبْدَهُ أَوْ دَابَّتَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ وَهَبَهَا لِآخَرَ فَلَيْسَ حَوْزُ الْمُسْتَأْجِرِ حَوْزًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ إجَارَةَ ذَلِكَ مَعَهُ لِيَتِمَّ الْحَوْزُ وَإِلَّا الْعَبْدُ الْمُخْدَمُ أَوْ الْمُعَارُ إلَى أَجَلٍ فَقَبْضُ الْمُسْتَعَارِ وَالْمُخْدَمِ قَبْضٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ لِلْمُخْدَمِ وَالْمُعَارِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ حَقٌّ، وَلَا يَكُونُ قَبْضُ الْمُخْدَمِ وَالْمُعَارِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ حَتَّى يَعْلَمَ وَيَرْضَى أَنْ يَكُونَ حَائِزًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ كَمَا قَالَ إذَا رَهَنَ فَضْلَةَ الرَّهْنِ لَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ حَائِزًا حَتَّى يَعْلَمَ وَيَرْضَى بِذَلِكَ.
وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ لِلْمُدَوَّنَةِ صِحَّةَ حَوْزِ الْمُخْدَمِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الرَّقَبَةَ مُطْلَقًا لَا بِشَرْطِ كَوْنِ الْإِخْدَامِ وَالْهِبَةِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ. قَالَ سَحْنُونَ فِيمَنْ أَعْطَى غَلَّةَ كَرْمِهِ أَوْ سُكْنَى دَارِهِ لِرَجُلٍ حَيَاتَهُ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ: فَذَلِكَ جَائِزٌ وَحَوْزٌ لِلِابْنِ وَأَنَّهُ لَحَسَنٌ إنْ أَشْهَدَ أَنَّهُ جَعَلَ الْمُكْرَى لِابْنِهِ قَابِضًا، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَذَلِكَ لِلِابْنِ حَوْزٌ. وَأَمَّا صِحَّةُ حَوْزِ الْمُودَعِ إنْ عَلِمَ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ وَهَبَ الْوَدِيعَةَ رَبُّهَا لِغَيْرِ الْمُسْتَوْدَعِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا وَأَشْهَدَ كَانَتْ حِيَازَةً.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ إذَا أَشْهَدَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى رَجُلٍ وَلَمْ يَأْمُرْ بِقَبْضِهَا حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ قَبْضِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ الَّذِي هِيَ عِنْدَهُ فَتِلْكَ حِيَازَةٌ تَامَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ صَارَ حَائِزًا لِلْمُعْطَى ثُمَّ لَيْسَ لِلْمُعْطِي أَخْذُهَا، وَلَوْ دَفَعَهَا الْمُودِعُ إلَى الْمُعْطَى قَبْلَ عِلْمِهِ ضَمِنَهَا.
(لَا غَاصِبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اغْتَصَبَهُ رَجُلٌ عَبْدًا فَوَهَبَهُ سَيِّدُهُ لِرَجُلٍ آخَرَ وَالْعَبْدُ بِيَدِ الْغَاصِبِ جَازَتْ الْهِبَةُ إنْ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ قَبْلَ مَوْتِ الْوَاهِبِ، وَلَيْسَ قَبْضُ الْغَاصِبِ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (وَمُرْتَهِنٍ) تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَرَهْنًا لَمْ يُقْبَضْ أَنَّ قَبْضَ الْمُرْتَهِنِ لَيْسَ قَبْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ".
(وَمُسْتَأْجِرٍ إلَّا أَنْ يَهَبَ الْإِجَارَةَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الْإِجَارَةَ فَيَتِمُّ الْحَوْزُ (وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ إلَّا لِحَوْزٍ بِقُرْبٍ كَانَ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا مَاتَ الْمُعْطِي فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ وَلِوَرَثَتِهِ الْقِيَامُ بِطَلَبِهَا، وَلَوْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ الْحِيَازَةِ فَالْعَطِيَّةُ تَبْطُلُ إلَّا فِيمَا أَعْطَى لِصِغَارِ بَنِيهِ، أَوْ مَنْ يَلِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْنًا. وَهَذَا فِي الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فَقَطْ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أُمٍّ وَلَا جَدٍّ وَلَا أَخٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا وَشَيْءٌ آخَرُ عِنْدَ رَبِّهِ مِثْلُ الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ فِي سَفَرِهِ، وَمِثْلُ الْحَاجِّ يَشْتَرِيه لِأَهْلِهِ فَيُشْهِدُ
[ ٨ / ١٧ ]
عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَمُوتُ فِي سَفَرِهِ فَيَجُوزُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يَنْفَعُ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهِ إشْهَادَ شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ الْحَبْسِ مِمَّا لَا غَلَّةٌ لَهُ مِثْلُ السِّلَاحِ وَالْمُصْحَفِ.
وَإِذَا أَخْرَجَ مُدَّةً فِيمَا جَعَلَهُ فِيهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى يَدِهِ فَهُوَ نَافِذٌ، وَإِنْ مَاتَ وَهُوَ فِي يَدِهِ فَهُوَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَشَيْءٌ آخَرُ الَّذِي تُحَازُ عَنْهُ الدَّارُ الَّتِي يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى قَوْمٍ فَيَحُوزُونَهَا مِثْلَ السَّنَةِ فَأَكْثَرَ ثُمَّ يَكْتَرِيهَا الْمُتَصَدِّقُ بِهَا مِنْهُمْ فَيَسْكُنُهَا فَيَمُوتُ فِيهَا فَهِيَ نَافِذَةٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ. وَأَمَّا عَلَى مَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ فَلَا، وَلَا عَلَى أَصَاغِرِ وَلَدِهِ. وَإِنْ حَازَ ذَلِكَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ حَتَّى يَكْبُرَ الْأَصَاغِرُ وَيَحُوزُوا مِثْلَ السَّنَةِ فَأَكْثَرَ ثُمَّ يَكْتَرِيهَا مِنْهُمْ ثُمَّ يَمُوتُ فِيهَا فَيَجُوزُ وَإِنْ كُنَّا نَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
قَالَ: وَإِذَا حَازَ الْمُعْطَى الدَّارَ وَسَكَنَ ثُمَّ اسْتَضَافَهُ الْمُعْطِي فَأَضَافَهُ أَوْ مَرِضَ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ أَوْ اخْتَفَى عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ الْعَطِيَّةُ. ابْنُ حَبِيبٍ: ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ إلَى أَنَّهُ إذَا حَازَهَا الْمُعْطَى سَنَةً ثُمَّ سَكَنَهَا الْمُعْطِي بِكِرَاءٍ أَوْ مِنْحَةٍ أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُهَا وَهِيَ نَافِذَةٌ انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَهُ فِي الْمُتَصَدِّقِ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ أَنَّهُ إنْ عَادَ إلَيْهَا بَعْدَ سَنَةٍ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ حَتَّى يَكْبَرُوا وَيَحُوزُوا مِثْلَ السَّنَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ بَعْدَ عَامٍ ".
وَأَذْكُرُ لِسَيِّدِي ابْنِ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمُذَاكَرَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: هَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَصْعُبُ عَلَيَّ كَثِيرًا يَعْظُمُ عَلَيَّ مُخَالَفَةُ الرِّوَايَةِ وَيَعْظُمُ عَلَيَّ مُخَالَفَةُ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ. (بِخِلَافِ سَنَةٍ) تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَهُ غَلَّةٌ وَعَلَى غَيْرِ صِغَارِ وَلَدِهِ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ. وَمِنْ الْمُتَيْطِيِّ: إذَا تَصَدَّقَ عَلَى مَنْ فِي حِجْرِهِ بِدَارِ سُكْنَاهُ فَلَا بُدَّ أَنْ تُعَايِنَهَا الْبَيِّنَةُ خَالِيَةً وَيُكْرِيَهَا الْأَبُ لِابْنِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَلَا بَأْسَ بِعَوْدَةِ الْأَبِ إلَى سُكْنَاهَا وَيُكْرِيهَا مِنْ نَفْسِهِ وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ. كَذَا فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ حَدَّ ذَلِكَ السَّنَةُ وَمَا أَشْبَهَهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي هَذَا. فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَا بَنَى إلَّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ شَيْخُ الشُّيُوخِ
[ ٨ / ١٨ ]
ابْنُ لُبٍّ وَبِهِ الْعَمَلُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَنَحْوُهُ فِي وَثَائِقِ الْغَرْنَاطِيِّ خِلَافُ مَا لِابْنِ رُشْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ " (أَوْ رَجَعَ مُخْتَفِيًا أَوْ ضَيْفًا فَمَاتَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ بِهَذَا أَيْضًا.
(وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَتَاعًا لِلْآخَرِ وَهِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا لَا الْعَكْسُ) مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِخَادِمِهِ وَهِيَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ فَكَانَتْ تَخْدُمُهَا بِحَالٍ مَا كَانَتْ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهَا إيَّاهَا فَهُوَ حَوْزٌ.
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: إذَا أَشْهَدَ لَهَا بِهَذِهِ الْخَادِمَ فَتَكُونُ عِنْدَهُمَا كَمَا كَانَتْ فِي خِدْمَتِهِمَا أَوْ وَهَبَتْ هِيَ لَهُ خَادِمَهَا فَكَانَتْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ مَتَاعًا فِي الْبَيْتِ فَأَقَامَ ذَلِكَ عَلَى حَالِهِ بِأَيْدِيهِمَا فَهِيَ ضَعِيفَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقَالَ لِي ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ: إنَّ ذَلِكَ فِيمَا تَوَاهَبَا جَائِزٌ وَهِيَ حِيَازَةٌ، وَكَذَلِكَ مَتَاعُ الْبَيْتِ وَبِهِ أَقُولُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْكَنُ الَّذِي هُمَا بِهِ يَتَصَدَّقُ وَهُوَ بِهِ عَلَيْهِمَا فَأَقَامَا فِيهِ حَتَّى مَاتَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِيرَاثٌ، وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ فِي صِحَّتِهِ قَضَى لَهَا أَصْبَغُ: يَعْنِي أَنْ يُسْكِنَهَا غَيْرَهُ حَتَّى تَحُوزَ الْمَسْكَنَ.
قَالَ
[ ٨ / ١٩ ]
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا لَوْ تَصَدَّقَتْ هِيَ عَلَيْهِ بِالْمَنْزِلِ وَهُمَا فِيهِ فَذَلِكَ حَوْزٌ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَ زَوْجَتَهُ فَسُكْنَاهَا فِيهِ حَوْزٌ.
أَصْبَغُ: وَكَذَا إذَا تَصَدَّقَتْ بِدَارِهَا عَلَى وَلَدِهَا الصَّغِيرِ وَالْأَبُ سَاكِنٌ مَعَهَا فِيهَا فَالصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ إذَا أَسْكَنَتْ الْأَبَ مِنْ الدَّارِ حَتَّى أَنْ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ الدَّارِ فَعَلَ.
(وَلَا إنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ إلَّا لِمَحْجُورَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَزَوَّجَ جَارِيَةً بِكْرًا قَدْ طَمَثَتْ أَوْ لَمْ تَطْمِثْ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ أَوْ وَهَبَهُ لَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَهِيَ سَفِيهَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ جُنُونًا مُطْبِقًا وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ، فَلَا يَكُونُ الزَّوْجُ حَائِزًا لَهَا إلَّا أَنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ وَيَجْعَلَهُ عَلَى يَدِ مَنْ يَحُوزُهُ لَهَا، وَلَا يَكُونُ مُتَصَدِّقٌ حَائِزًا إلَّا أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ لِمَنْ فِي وِلَايَتِهِ، وَالزَّوْجُ لَا يَجُوزُ أَمْرُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَلَا بَيْعُهُ لِمَالِهَا وَأَبُوهَا الْحَائِزُ لَهَا وَإِنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا مَا دَامَتْ سَفِيهَةً أَوْ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ لَهَا أَمْرًا. وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ ".
وَانْظُرْ قَوْلَهُ " إلَّا أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ " قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: ثَالِثُ الْأَقْوَالِ اُنْظُرْ رَسْمَ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ الثَّانِي
(إلَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَلَوْ خَتَمَ) ابْنُ عَرَفَةَ: حَوْزُ الْأَبِ لِصِغَارِ وَلَدِهِ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ صَحِيحٌ. ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا. الْبَاجِيُّ: وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَيَّنُ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَإِنَّهَا إنْ بَقِيَتْ بِيَدِ الْأَبِ غَيْرَ مَخْتُومٍ عَلَيْهَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهَا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ. فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهُ إنْ مَاتَ الْأَبُ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ فَالْعَطِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ مِنْ دَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ وَإِنْ طُبِعَ عَلَيْهَا حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ وَيَخْرُجَهَا عَنْ مِلْكِهِ وَذَلِكَ أَنَّهَا غَيْرُ مَعْرُوفَةِ الْعَيْنِ وَلَا مُتَعَيِّنَةٌ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُعْرَفَ بِعَيْنِهَا إذَا أُفْرِدَتْ مِنْ غَيْرِهَا.
وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا
[ ٨ / ٢٠ ]
فِي ذَلِكَ إذَا وَهَبَهُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ دَنَانِيرِهِ. وَأَمَّا إذَا خُتِمَ عَلَيْهَا أَوْ أَمْسَكَهَا عِنْدَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَبْطُلُ. زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنْ خَتَمَ عَلَيْهَا الشُّهُودُ وَالْأَبُ. وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيُّونَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا مَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا حِيَازَةٌ مَعَ بَقَائِهَا بِيَدِ الْمُعْطِي كَاَلَّتِي لَمْ يُخْتَمْ عَلَيْهَا.
وَفِي الْمُوَازِيَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ وَحَازَهَا غَيْرُهُ ثُمَّ تَسَلَّفَهَا ثُمَّ مَاتَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ دِينَارًا ثُمَّ قَبَضَهُ أَوْ عَبْدًا ثُمَّ بَاعَهُ وَهُوَ بِيَدِهِ هَذَا نَافِذٌ.
(وَدَارَ سُكْنَاهُ إلَّا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا وَيُكْرِيَ لَهُ الْأَكْثَرَ وَإِنْ سَكَنَ النِّصْفَ بَطَلَ فَقَطْ وَالْأَكْثَرُ بَطَلَ الْجَمِيعُ) الْمُتَيْطِيُّ: شَرْطُ صَدَقَةِ الْأَبِ عَلَى صِغَارِ بَنِيهِ بِدَارِ سُكْنَاهُ إخْلَاؤُهَا مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَثِقَلِهِ وَمُعَايَنَتُهَا الْبَيِّنَةَ فَارِغَةً مِنْ ذَلِكَ وَيُكْرِيهَا لَهُمْ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَبَسَ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ وَهَبَهَا لَهُمْ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِمْ فَحَوْزُهُ لَهُمْ حَوْزٌ إلَّا أَنْ يَسْكُنَهَا أَوْ جُلَّهَا حَتَّى مَاتَ فَيَبْطُلُ جَمِيعُهَا. وَإِنْ سَكَنَ مِنْ الدَّارِ الْكَبِيرَةِ ذَاتِ الْمَسَاكِنِ أَقَلَّهَا وَأَكْرَى لَهُمْ بَاقِيهَا نَفَذَ لَهُمْ ذَلِكَ فِيمَا سَكَنَ وَفِيمَا لَمْ يَسْكُنْ، وَلَوْ سَكَنَ الْجُلُّ وَأَكْرَى لَهُمْ الْأَقَلَّ بَطَلَ الْجَمِيعُ.
وَقَالَ فِي النُّكَتِ: أَحْفَظُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا: إذَا سَكَنَ أَبُو الْأَصَاغِرِ شَيْئًا أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ سَكَنَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ بَطَلَ الْجَمِيعُ، وَلَوْ سَكَنَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ صَحَّ لَهُمْ مَا سَكَنَ وَمَا لَمْ يَسْكُنْ.
وَإِذَا سَكَنَ الْقَلِيلَ وَأَبْقَى الْكَثِيرَ خَالِيًا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُكْرِيَهَا لِلْأَصَاغِرِ لِأَنَّ تَرْكَهُ لِكِرَائِهِ مَنْعٌ لَهُ فَكَأَنَّهُ أَبْقَاهُ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ كَانْتِقَالِهِ إيَّاهُ لِسُكْنَاهُ. عِيَاضٌ: وَهَذَا صَحِيحٌ مِنْ النَّظَرِ ظَاهِرٌ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ. اُنْظُرْ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِنِصْفِ دَارِهِ أَوْ بِنِصْفِ غَنَمِهِ وَتَرَكَ بَقِيَّةَ ذَلِكَ مِلْكًا لِنَفْسِهِ شَرِيكًا لَهُ بِهِ جَازَ وَهُوَ حَوْزٌ لَهُ.
ابْنُ سَهْلٍ: فِي هَذَا السَّمَاعِ جَوَازُ هِبَةِ الْمُشَاعِ وَإِنْ بَقِيَ لِلْوَاهِبِ سَائِرُ الْمَوْهُوبِ مِنْهُ. وَمِثْلُهُ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَكَذَلِكَ فِي صَدَقَةِ الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي آخِرِ الشُّفْعَةِ أَيْضًا. وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: جَرَى الْعَمَلُ بِجَوَازِ الصَّدَقَةِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعَ الْمُتَصَدِّقِ قَالَ: وَيَكْتُبُ فِي ذَلِكَ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الْمَالِكِ أَمْرَهُ وَتَوَلَّى الِابْنُ الْمَذْكُورُ قَبْضَ الصَّدَقَةِ مِنْ أَبِيهِ وَنَزَلَ فِيهَا مَعَ أَبِيهِ عَلَى الْإِشَاعَةِ مَنْزِلَةَ أَبِيهِ، وَعَزَا هَذَا لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَعْنِي جَوَازَ هِبَةِ الْمُشَاعِ إذَا عَمَّرَ مَعَ الْمُتَصَدِّقِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا وَهَبَ الرَّجُلُ جُزْءًا مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ عَلَى الْإِشَاعَةِ لِمَحْجُورِهِ، جَازَ حَاشَى مَا سَكَنَ مِنْ الدَّارِ أَوْ لَبِسَ مِنْ الثِّيَابِ إلَّا الطَّعَامَ وَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ يَدِهِ.
قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: إنْ كَانَ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ تَبَعًا لِمَا جَازَ فَالْجَمِيعُ نَافِذٌ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا عِنْدِي لِأَنَّهَا أَنْوَاعٌ، وَلَا يُجْعَلُ الْأَقَلُّ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ إلَّا فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ، وَمِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: إذَا حَالَ الْخَوْفُ قَبْلَ إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهَا.
(وَجَازَتْ الْعُمْرَى) ابْنُ عَرَفَةَ: الْعُمْرَى تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ حَيَاةَ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَحُكْمُهَا النَّدْبُ وَيَتَعَذَّرُ عُرُوضُ وُجُوبِهَا (كَأَعْمَرْتُكَ) الْبَاجِيُّ: صِيغَةُ الْعُمْرَى مَا دَلَّ عَلَى هِبَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ كَأَسْكَنْتُكَ
[ ٨ / ٢١ ]
هَذِهِ الدَّارَ وَوَهَبْتُكَ سُكْنَاهَا عُمُرَكَ (أَوْ وَارِثَكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ لَهُ قَدْ أَسْكَنْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ وَعَقِبَك رَجَعَتْ إلَيْهِ مِلْكًا بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ، فَإِنْ مَاتَ فَلِأَقْرَبِ النَّاسِ بِهِ يَوْمَ مَاتَ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِمْ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَاتٍ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَرَدَّ عَلَى ابْنِ الْهِنْدِيِّ وَلَمْ يَحْكِ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ إلَّا ابْنُ الْهِنْدِيِّ مَا قَالَ وَكَذَلِكَ الْجَزِيرِيُّ (وَرَجَعَتْ لِلْمُعْمَرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ قَدْ أَعَمَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ حَيَاتَك أَوْ قَالَ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةَ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَتَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَعْمَرَ ثَوْبًا قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ عَنْ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَأَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الدُّورِ.
قَالَ فِي كِتَابِ الْعَرِيَّةِ: وَالثِّيَابُ عِنْدِي عَلَى مَا أَعْرَاهَا عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ (كَحَبْسٍ عَلَيْكُمَا وَهُوَ لِآخِرِكُمَا مِلْكًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدِي هَذَا حَبْسٌ عَلَيْكُمَا وَهُوَ لِآخِرِكُمَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَهُوَ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا يَبِيعُهُ وَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ (لَا الرُّقْبَى كَذَوِي دَارَيْنِ قَالَا إنْ مِتَّ قَبْلِي فَهُمَا لِي وَإِلَّا فَلَكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَمْ يَعْرِفْ مَالِكٌ الرُّقْبَى فَفُسِّرَتْ لَهُ فَلَمْ يُجِزْهَا وَهِيَ أَنْ يَكُونَ دَارَانِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَيَحْبِسَانِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ أَوَّلًا فَنَصِيبُهُ حَبْسٌ عَلَى الْآخَرِ.
(كَهِبَةِ نَخْلٍ وَاسْتِثْنَاءِ ثَمَرَتِهَا سِنِينَ وَالسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوبِ أَوْ فَرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو سِنِينَ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ لَهُ وَلَا يَبِيعُهُ لِبَعْدِ الْأَجَلِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِحَائِطٍ وَفِيهِ ثَمَرٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِالثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ يَوْمَ الصَّدَقَةِ لَمْ تُؤَبَّرْ فَهِيَ لِلْمُعْطَى، وَإِنْ كَانَتْ مَأْبُورَةً فَهِيَ لِلْمُعْطِي كَالْبَيْعِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَرَبُّ الْحَائِطِ مُصَدَّقٌ مِنْ حِينِ تُؤَبَّرُ الثَّمَرَةُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. قُلْتُ: وَكَيْفَ حِيَازَةُ النَّخْلِ وَرَبُّهَا يَسْقِيهَا لِمَكَانِ ثَمَرَتِهِ؟ فَقَالَ: إنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَرَةِ يَسْقِيهَا كَانَتْ حِيَازَةً.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَقْبِضُ الْمَوْهُوبُ النَّخْلَ وَيَكُونُ سَقْيُهَا عَلَى الْوَاهِبِ فِي مَالِهِ لِمَكَانِ ثَمَرَتِهِ وَيَتَوَلَّى الْمَوْهُوبُ سَقْيَهَا لِمَكَانِ حِيَازَتِهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَثْنَى الْوَاهِبُ ثَمَرَتَهَا لِنَفْسِهِ عَشْرَ سِنِينَ فَإِنْ أَسْلَمَ النَّخْلَ إلَى الْمَوْهُوبِ يَسْقِيهَا بِمَاءِ الْوَاهِبِ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ ثَمَرَهَا كُلَّ سَنَةٍ فَذَلِكَ حَوْزٌ،
[ ٨ / ٢٢ ]
وَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ يَسْقِيهَا بِمَائِهِ وَالثَّمَرَةُ لِلْوَاهِبِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ اسْقِهَا لِي عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ هِيَ لَك وَلَا يَدْرِي أَيَسْلَمُ النَّخْلُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ أَمْ لَا؟ وَأَنَّهُ قَدْ قَالَ لِي مَالِكٌ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ فَرَسَهُ يَغْزُو عَلَيْهِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ الْفَرَسَ مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ هُوَ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ بَعْدَ الْأَجَلِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ.
وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ الْفَرَسُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَتَذْهَبُ نَفَقَتُهُ بَاطِلًا أَهَذَا غَرَرٌ؟ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ فِي النَّخْلِ. وَأَمَّا إنْ كَانَتْ النَّخْلُ بِيَدِ الْوَاهِبِ يَسْقِيهَا وَيَقُومُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدِهِ فَهَذَا إنَّمَا وَهَبَ نَخْلَهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ سَلِمَتْ النَّخْلُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَلَمْ يَمُتْ رَبُّهَا وَلَا لَحِقَهُ دَيْنٌ وَلَهُ أَخْذُهَا بَعْدَ الْأَجَلِ، وَإِنْ مَاتَ رَبُّهَا أَوْ لَحِقَهُ دَيْنٌ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا. وَمَعْنَى مَسْأَلَةِ الْفَرَسِ أَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ الْفَرَسَ يَغْزُو عَلَيْهِ (وَثَوَابُ غَزْوِهِ فِي الْأَجَلِ لِدَافِعِهِ) اُنْظُرْ رَسْمَ حَلِفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[ ٨ / ٢٣ ]
(وَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ) ابْنُ يُونُسَ: رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدِ.
[ ٨ / ٢٤ ]
قَالَ مَالِكٌ: فَكُلُّ صَدَقَةٍ فَلَا اعْتِصَارَ فِيهَا لِلْأَبَوَيْنِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالْعَطِيَّةُ وَالنِّحَلُ وَالْعُمْرَى فَلَهُمَا الِاعْتِصَارُ فِي ذَلِكَ.
(كَأُمٍّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثُوا دَيْنًا أَوْ يُحْدِثُوا فِيهَا حَدَثًا. .
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ صِحَّةُ اعْتِصَارِ الْأَبِ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ صَغِيرًا كَانَ الِابْنُ أَوْ كَبِيرًا وَمَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ الْأُمُّ مِثْلُهُ (فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَعْتَصِرُ الْوَلَدُ مِنْ الْوَالِدِ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبَوَيْنِ مِنْ جَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ عَمَّةٍ أَوْ خَالٍ أَوْ خَالَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ اعْتِصَارُ هِبَتِهِمْ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ الِاعْتِصَارُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا لِلْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا (وَهَبَتْ ذَا أَبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا وَهَبَتْ الْأُمُّ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصِّغَارِ وَلَا أَبِ لَهُمْ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ لِأَنَّهُ يَتِيمٌ، وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ (وَإِنْ مَجْنُونًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ وَهَبَتْ الْأُمُّ وَلَدَهَا وَالْأَبُ مَجْنُونٌ جُنُونًا مُطْبَقًا فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي وُجُوبِ الِاعْتِصَارِ لَهَا (وَلَوْ يَتِيمًا عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ لَهُ أَبٌ يَوْمَ الْعَطِيَّةِ فَلَمْ تَعْتَصِرْ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ كَانَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ اهـ.
وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ وَهَبَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فَبَلَغَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْأَبُ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ كَانَ لِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْهُ، فَأَمَّا إنْ مَاتَ قَبْلَ بُلُوغِ الْوَلَدِ فَلَيْسَ لِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْهُ لِأَنَّ بِمَوْتِ الْأَبِ قَبْلَ الْبُلُوغِ انْقَطَعَ الِاعْتِصَارُ فَلَا يَعُودُ اهـ. فَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ (إلَّا فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْآخِرَةُ) فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ: هِبَتُهُ لِابْنِهِ لِلصِّلَةِ لَا يَجُوزُ
[ ٨ / ٢٦ ]
اعْتِصَارُهَا، وَكَذَا هِبَتُهُ لِضَعْفِهِ وَخَوْفِ الْخَصَاصَةِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: كُلُّ هِبَةٍ لِوَلَدِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ أَوْ لِطَلَبِ الْأَجْرِ أَوْ لِصِلَةِ الرَّحِمِ لَا تُعْتَصَرُ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ مُطَرِّفٍ.
(كَصَدَقَةٍ بِلَا شَرْطٍ) الْبَاجِيُّ: إنْ أَطْلَقَ لَفْظَ الْهِبَةِ أَوْ الْعَطِيَّةِ أَوْ النِّحْلَةِ وَلَمْ يَقُلْ سَلَّطْتُ عَلَيْهَا حُكْمَ الِاعْتِصَارِ. فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَقْرِنْ بِهَا مَا يُخَلِّصُهَا لِلْقُرْبَةِ فَجَازَ فِيهَا الِاعْتِصَارُ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِيهَا الِاعْتِصَارَ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ: كُلُّ صَدَقَةٍ فَلَا اعْتِصَارَ فِيهَا لِلْوَالِدَيْنِ.
(إنْ لَمْ تَفُتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ أَوْ زَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ) لَوْ قَالَ: وَإِنْ فَاتَتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ لَا زَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ " لَوَافَقَ مَا يَتَقَرَّرُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: إذَا تَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي قِيمَتِهَا بِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ إنْ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الِاعْتِصَارَ. قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ. لِأَنَّ الْهِبَةَ عَلَى حَالِهَا وَزِيَادَةُ الْقِيمَةِ وَنَقْصُهَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي صِفَتِهَا فَلَمْ يَمْنَعْ الِاعْتِصَارَ كَنَقْلِهَا مِنْ مَوْضِعٍ لِآخَرَ، وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي عَيْنِهَا فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: زِيَادَتُهَا فِي عَيْنِهَا وَنَقْصِهَا لَا يَمْنَعُ اعْتِصَارَهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: بِمَنْعِ اعْتِصَارِهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، لِأَنَّ تَغَيُّرَ حَالَةِ ذِمَّةِ الْمُعْطِي تَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ فَإِنَّ بِمَنْعِهِ تَغَيُّرَ الْهِبَةِ فِي نَفْسِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى.
(وَلَمْ يُنْكَحْ وَلَمْ يُدَايَنْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ أَوْ نَحَلَ لِبَنِيهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصِّغَارِ أُمٌّ، لِأَنَّ الْيَتِيمَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ مَا لَمْ يُنْكَحُوا أَوْ يَسْتَحْدِثُوا دَيْنًا لِأَنَّهُ إنَّمَا أُنْكِحَ لِغِنَاهُ وَلِمَا أُعْطِيَ وَعَلَيْهِ دَايَنَهُ النَّاسُ.
وَكَذَلِكَ يَرْغَبُ فِي الِابْنَةِ وَيَرْفَعُ فِي صَدَاقِهَا فَلِذَلِكَ مُنِعَ الِاعْتِصَارُ، وَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ كَثِيرَةً مِمَّا يُزَادُ فِي الصَّدَاقِ مِنْ أَجْلِهَا، فَأَمَّا الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ فَلَا. وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَتَهُ غَلَّةً فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ رَجُلٌ ثُمَّ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ فَقَدْ انْقَطَعَ الِاعْتِصَارُ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَعُودُ دَيْنًا لَهَا أَوْ لَمْ يَبْقَ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَكَحَ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ أَوْ دَايَنَ ثُمَّ زَالَ الدَّيْنُ أَوْ زَالَتْ الْعِصْمَةُ فَلَا اعْتِصَارَ لَهَا.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَهُ أَوْ ابْنَتَهُ ثُمَّ نَكَحَا عَلَى ذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِنْ نَحَلَهَا بَعْدَ النِّكَاحِ فَذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَتَدَايَنَا أَوْ يَمُوتَا.
(أَوْ يَطَأْ وَلَوْ ثَيِّبًا) مُحَمَّدٌ: إذَا وَهَبَهُ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ بَعْدَ تَزْوِيجِهِ فَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا لَمْ يَتَدَايَنْ الْوَلَدُ أَوْ تُنَمَّى الْهِبَةُ أَوْ يَطَأْهَا إنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَيَفُوتُ الِاعْتِصَارُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِكْرًا وَلَمْ تَحْمِلْ.
قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ.
(أَوْ يَمْرَضُ كَوَاهِبٍ) قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: إنْ مَرِضَ الْأَبُ وَالِابْنُ فَلَا اعْتِصَارَ فِي مَرَضِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ فَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَامَلْ عَلَيْهِ فِي الْمَرَضِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: مِثْلُهُ فِي الْأَبِ. قَالَ: وَلَا يُشْبِهُ الْمُعْتَصَرَ مِنْهُ الْمُعْتَصِرُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَصْبَغُ: إذَا امْتَنَعَ الِاعْتِصَارُ بِمَرْضِ أَحَدِهِمَا أَوْ بِنِكَاحِ الْوَلَدِ أَوْ بِدَيْنٍ ثُمَّ زَالَ
[ ٨ / ٢٧ ]
الْمَرَضُ وَالدَّيْنُ وَالنِّكَاحُ فَلَا اعْتِصَارَ، وَإِذَا زَالَتْ الْعَصْرَةُ يَوْمًا مَا فَلَا تَعُودُ.
وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ: إذَا صَحَّ الْمُعْطِي أَوْ الْمُعْطَى لَهُ رَجَعَتْ الْعَصْرَةُ كَمَا تَنْطَلِقُ يَدُهُ فِي مَالِهِ فِيمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ اُخْتُلِفَ إذَا امْتَنَعَ الِاعْتِصَارُ لِمَرَضِ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ ثُمَّ بَرِئَا فَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَعْتَصِرُ وَهُوَ أَبْيَنُ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَرَضُ مَوْتٍ، فَإِذَا صَحَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا وَأَنَّهُ مَرَضٌ لَا يَمُوتُ مِنْهُ. وَلَوْ اعْتَصَرَ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ ثُمَّ صَحَّ مِنْهُ كَانَ الِاعْتِصَارُ صَحِيحًا لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ (إلَّا أَنْ يَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ وَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَفِي إفَاتَتِهَا الرُّجُوعُ قَوْلَانِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَقْرَبُ صِحَّةُ الِاعْتِصَارِ (أَوْ يَزُولُ الْمَرَضُ عَلَى الْمُخْتَارِ) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ بِهَذَا وَتَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ قَبْله فَانْظُرْهُ مَعَهُ.
(وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ. مُحَمَّدٌ: وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ بِاخْتِيَارٍ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ أَمْلَاكٌ وَمَوَارِيثُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ عَلَى النَّدْبِ أَوْ الْوُجُوبِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا. وَقَالَ: يُكْرَهُ. وَظَاهِرُ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. اللَّخْمِيِّ: وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ لِأَنَّ الْمَثَلَ ضُرِبَ لَنَا بِمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ الْفَاعِلِ بِتَشْبِيهِهِ بِالْكَلْبِ الْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ وَالذَّمُّ عَلَى الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ.
وَقَالَهُ عِزُّ الدِّينِ وَلِبُعْدِ اللَّخْمِيِّ عَنْ ذِكْرِ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ قَالَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَرُجُوعُهَا بِالْإِرْثِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ جَبْرٌ.
(وَلَا يَرْكَبُهَا وَلَا يَأْكُلُ غَلَّتَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا وَلَا يَرْكَبَهَا إنْ كَانَتْ دَابَّةً وَلَا يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا مِنْ ثَمَنِهَا، وَأَمَّا الْأُمُّ وَالْأَبُ إذَا احْتَاجَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهِمَا مِمَّا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى الْوَلَدِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا يَسْتَعِيرُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ
[ ٨ / ٢٨ ]
أَعْطَاهُ لِرَجُلٍ فِي السَّبِيلِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَإِنْ لَمْ يُبْتَلَ الْأَصْلُ وَإِنَّمَا تَصَدَّقَ بِالْغَلَّةِ عُمْرَى أَوْ أَجَلًا فَلَهُ شِرَاءُ ذَلِكَ. قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ (وَهَلْ إلَّا أَنْ يَرْضَى الِابْنُ الْكَبِيرُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ تَأْوِيلَانِ) قَالَ مُحَمَّدٌ: لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ غَنَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ مِنْ صُوفِهَا إذَا رَضِيَ الْوَلَدُ، وَكَذَلِكَ الْأُمُّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا فِي الْوَلَدِ الْكَبِيرِ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَلَا يَفْعَلُ وَقَالَهُ مَالِكٌ انْتَهَى. وَلَمْ أَجِدْ لِابْنِ يُونُسَ غَيْرَ هَذَا.
وَفِي الرِّسَالَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ (وَيُنْفِقُ عَلَى أَبٍ افْتَقَرَ مِنْهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: الْأَبُ وَالْأُمُّ إذَا احْتَاجَا أَنْفَقَ عَلَيْهِمَا مِمَّا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى الْوَلَدِ (وَتَقْوِيمُ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ لِلضَّرُورَةِ وَيُسْتَقْصَى مِنْ نَفْسِهِ لِوَلَدِهِ) إنَّمَا جَعَلَ الْمُتَيْطِيُّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَمَةِ خَاصَّةً لِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ خَاصَّةً.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِجَارِيَةٍ فَتَمَنَّتْهَا نَفْسُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَوِّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَيُسْتَقْصَى الِابْنُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّمَا رَخَّصَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ مِنْ أَبِيهِ، وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا أَوْ أَجْنَبِيًّا مَا حَلَّ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَهُ مَالِكٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: مِثْلُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمَوْهُوبُ عَبْدًا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْجَارِيَةِ أَعْذَرُ مِنْهُ فِي الْعَبْدِ لِتَعَلُّقِ نَفْسِهِ بِهَا.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ) ابْنُ يُونُسَ: الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ كَالْبَيْعِ فِي هَذَا فِي أَكْثَرِ الْحَالَاتِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْعِوَضَ عِنْدَ الْهِبَةِ أَجَازَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ خَالَفَتْ الْبَيْعَ فِي هَذَا كَخِلَافِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ لِنِكَاحِ التَّسْمِيَةِ، وَلَا
[ ٨ / ٢٩ ]
بَأْسَ بِاشْتِرَاطِ الثَّوَابِ عِنْدَ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ (وَلَزِمَ بِتَعْيِينِهِ) . ابْنُ رُشْدٍ: وَهِبَةُ الثَّوَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَهَبَ عَلَى ثَوَابٍ يَرْجُوهُ وَلَا يُسَمِّيه وَلَا يَشْتَرِطُهُ، فَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَنِكَاحِ التَّفْوِيضِ. وَالثَّانِي أَنْ يَهَبَ عَلَى ثَوَابٍ يَشْتَرِطُهُ وَلَا يُسَمِّيهِ فَقِيلَ إنَّهُ كَالْهِبَةِ الَّتِي يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ. قَالَهُ أَصْبَغُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: هَذَا غَرَرٌ لِأَنَّهُ بَاعَ سِلْعَةً بِقِيمَتِهَا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَهَبَ عَلَى ثَوَابٍ يَشْتَرِطُهُ وَيُسَمِّيهِ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ وَيُسَمِّيه فِيهَا، وَلَوْ قَالَ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ كَانَ أَوْلَى. الْبَاجِيُّ: مِنْ الْجَهَالَةِ فِي الثَّمَنِ أَنْ يَبِيعَهُ السِّلْعَةَ بِقِيمَتِهَا أَوْ بِمَا يُعْطَى فِيهَا، وَلَوْ قَالَ بِعْتُكهَا بِمَا شِئْتَ ثُمَّ سَخِطَ مَا أَعْطَاهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ لَزِمَهُ. الْبَاجِيُّ: حَمَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا عَلَى الْمُكَارَمَةِ كَهِبَةِ الثَّوَابِ، وَاعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ لَفْظَ الْبَيْعِ فَمَنَعَهُ وَلَمْ يَجْعَلْهُ كَهِبَةِ الثَّوَابِ فَجَعَلَ لِلَّفْظِ تَأْثِيرًا.
الْمُتَيْطِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَهَبَ الْأَبُ دَارَ ابْنِهِ الْمَحْجُورِ لِلثَّوَابِ وَيَكْتُبَ فِي ذَلِكَ " وَهَبَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ دَارَ ابْنِهِ لِمَا رَجَاهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لَهُ عَلَى سُنَّةِ الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ وَرَضِيَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِهَذِهِ الْهِبَةِ وَقَبِلَهَا وَالْتَزَمَ الثَّوَابَ فِيهَا وَصَارَتْ بِيَدِهِ ". وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ بِالْخِيَارِ بَعْدَ الْقَبْضِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ أَوْ يَرُدُّ مَا لَمْ تُفْتِ (وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ إنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا وَهَبْتَ لِقَرَابَتِكَ أَوْ ذَوِي رَحِمِكَ وَعَلَى أَنَّكَ أَرَدْتَ ثَوَابًا فَذَلِكَ لَكَ إنْ أَثَابُوكَ وَإِلَّا رَجَعْتَ فِيهَا، وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِثَوَابٍ كَصِلَتِكَ لِفَقْرِهِمْ وَأَنْتَ غَنِيٌّ فَلَا ثَوَابَ لَك وَلَا تُصَدَّقُ أَنَّكَ أَرَدْتَهُ وَلَا رُجُوعَ لَكَ فِي هِبَتِكَ، وَكَذَلِكَ هِبَةُ غَنِيٍّ لِأَجْنَبِيٍّ فَقِيرٍ أَوْ فَقِيرٍ لِفَقِيرٍ ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ وَلَا يُصَدَّقُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي أَصْلِ هِبَتِهِ ثَوَابًا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ فِي هِبَتِهِ (وَإِنْ لِعُرْسٍ) الْبَاجِيُّ: مَا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِبَلَدِنَا مِنْ إهْدَاءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ الْكِبَاشَ وَغَيْرَهَا عِنْدَ النِّكَاحِ. فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى الثَّوَابِ وَبِذَلِكَ رَأَيْتَ الْقَضَاءَ بِبَلَدِنَا.
قَالَ: لِأَنَّ ضَمَائِرَ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى
[ ٨ / ٣٠ ]
إلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ، يُرِيدُ أَنَّهُ الْعُرْفُ. قَالَ: وَذَلِكَ كَالشَّرْطِ فَيُقْضَى لِلْمُهْدِي بِقِيمَةِ الْكِبَاشِ حِينَ قَبَضَهَا الْمُهْدَى إلَيْهِ إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الْوَزْنِ، فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْوَزْنِ قُضِيَ بِوَزْنِهَا. وَإِنْ كَانَ الْمُهْدَى إلَيْهِ بَعَثَ إلَى الْمُهْدِي قَدْرًا مِنْ لَحْمٍ مَطْبُوخٍ أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُ فِي الْعُرْسِ حُوسِبَ فِي قِيمَةِ هَدِيَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي بَلَدٍ لَا يُعْرَفُ فِيهِ هَذَا لَمْ يُقْضَ فِيهِ بِثَوَابٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ.
رَاجِعْ الْمُنْتَقَى وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ لَا يُقْضَى فِي الثَّوَابِ إلَّا بِمَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ (وَهَلْ يُحَلَّفُ أَوْ إنْ أَشْكَلَ تَأْوِيلَانِ) عِيَاضٌ: قَوْلُهُ فِي هِبَةِ الْفَقِيرِ إنْ قَالَ: إنَّمَا وَهِبَتُهُ لِلثَّوَابِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ إنَّمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ يَمِينِهِ وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْجَلَّابِ.
وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: أَمَّا إذَا أَشْكَلَ فَإِحْلَافُهُ صَوَابٌ، وَإِنْ لَمْ يُشْكِلْ وَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ فَلَا يُحَلَّفُ (فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ إلَّا بِشَرْطٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا ثَوَابَ فِي هِبَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَإِنْ وَهَبَهَا فَقِيرٌ لِغَنِيٍّ وَمَا عَلِمْتُهُ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الثَّوَابَ فَيُثَابُ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا، وَأَجَازَ مَالِكٌ هِبَةَ الْحُلِيِّ الْمَصُوغِ لِلثَّوَابِ وَلَا يُعَوَّضُ مِنْ ذَلِكَ عَيْنًا لَا ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً. قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَيَجُوزُ قَبْلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ بِحَضْرَةِ الْحُلِيِّ.
(وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُقْضَى بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالثَّوَابِ فِي الْهِبَةِ وَلَا بَيْنَ وَالِدٍ وَوَلَدِهِ، إلَّا أَنْ يَظْهَرَ ابْتِغَاءُ الثَّوَابِ بَيْنَهُمْ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ لِلْمَرْأَةِ جَارِيَةٌ فَارِهَةٌ فَطَلَبَهَا مِنْهَا زَوْجُهَا وَهُوَ مُوسِرٌ فَأَعْطَتْهُ إيَّاهَا تُرِيدُ بِذَلِكَ اسْتِغْزَارَ صِلَتِهِ، وَالرَّجُلُ كَذَلِكَ يَهَبُ لِامْرَأَتِهِ وَالِابْنُ لِأَبِيهِ مِمَّا يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِغْزَارَ مَا عِنْدَ أَبِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ مِمَّا يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ وَجْهُ مَا طَلَبَ فِي هِبَتِهِ فَفِي ذَلِكَ الثَّوَابُ، فَإِنْ أَثَابَهُ وَإِلَّا رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي هِبَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهُ مَا ذَكَرْنَا فَلَا
[ ٨ / ٣١ ]
ثَوَابَ بَيْنَهُمَا.
(وَلِقَادِمٍ عِنْدَ قُدُومِهِ وَإِنْ فَقِيرًا لِغَنِيٍّ وَلَا يَأْخُذُ هِبَتَهُ وَإِنْ قَائِمَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا قَدِمَ غَنِيٌّ مِنْ سَفَرِهِ فَأَهْدَى إلَيْهِ جَارُهُ الْفَقِيرُ الْفَوَاكِهَ وَالرُّطَبَ وَشِبْهَهُ ثُمَّ قَامَ يَطْلُبُ الثَّوَابَ وَقَالَ إنَّمَا أَهْدَيْتُ إلَيْهِ رَجَاءَ أَنْ يَكْسُوَنِي أَوْ يَصْنَعَ بِي خَيْرًا، فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِغَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا لَهُ أَخْذُ هَدِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا.
(وَلَزِمَ وَاهِبَهَا لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ) هِبَةُ الثَّوَابِ يَكُونُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مُخَيَّرًا مَا كَانَتْ الْهِبَةُ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ بَيْنَ أَنْ يُثِيبَهُ مَا يَكُونُ فِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ الْهِبَةِ أَوْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ إلَّا بِالْفَوْتِ. وَعَلَى قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ الرِّضَا بِقِيمَةِ الْهِبَةِ إلَّا بَعْدَ فَوْتِهَا بِذَهَابِ عَيْنِهَا كَقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الَّذِي يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى حُكْمِهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا الرِّضَا بِصَدَاقِ الْمِثْلِ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ، خِلَافُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ يَلْزَمُهُمَا الرِّضَا بِالصَّدَاقِ الْمِثْلِيِّ إذَا فَوَّضَهُ لَهَا كَالتَّفْوِيضِ (وَإِلَّا لِفَوْتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ) ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي الْفَوْتِ الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهَا فَوْتٌ إلَّا بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ (وَلَهُ مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا هِبَةُ الثَّوَابِ فَلِلْوَاهِبِ مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَ الْعِوَضَ كَالْبَيْعِ (وَأُثِيبَ بِمَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمَّا كَانَتْ
[ ٨ / ٣٢ ]
الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ كَالْبَيْعِ فِي أَكْثَرِ الْحَالَاتِ كَانَ لَهَا حُكْمُهُ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ عِوَضِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ وَهَبَك حِنْطَةً فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ تُعَاوِضَهُ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ حِنْطَةً أَوْ تَمْرًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ مَكِيلِ الطَّعَامِ أَوْ مَوْزُونِهِ إلَّا أَنْ تُعَاوِضَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ طَعَامًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ، لِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ
[ ٨ / ٣٣ ]
تُعَاوِضَهُ مِثْلَ طَعَامِهِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ وَكَيْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ افْتَرَقَا.
(وَإِنْ مُعَيَّنًا) لَوْ قَالَ " وَلَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ " لَكَانَ أَبْيَنَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: إنْ سَمَّى الثَّوَابَ فَهُوَ بَيْعٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ فَالثَّوَابُ فَفِيهِ الْخِلَافُ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْهِبَةُ بِشَرْطِ عِوَضِ عَيْنَاهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ: هِيَ بَيْعٌ. وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُ شَرْطِ الثَّوَابِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ (وَإِلَّا كَحَطَبٍ فَلَا يَلْزَمُ أَخْذُهُ) ابْنُ شَاسٍ: نَوْعُ الثَّوَابِ الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُهُ بِاتِّفَاقِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَرَوَى أَشْهَبُ: الْخَسَارَةُ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى غَيْرِهِمَا.
وَرَأَى سَحْنُونَ أَنَّ كُلَّ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ثَوَابًا وَيَلْزَمَ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ إذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ هِبَتِهِ. وَوَافَقَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْعَيْنِ إلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْهَا الْحَطَبَ وَالتِّبْنَ وَشِبْهَهُ مِمَّا لَا يُثَابُ فِي الْعَادَةِ بِمِثْلِهِ.
(وَلِلْمَأْذُونِ وَلِلْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُقْضَى عَلَيْهِ أَنْ يُعَوِّضَ مَنْ يَهَبُهُ قَالَ: وَلِلْأَبِ أَنْ يَهَبَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ لِلثَّوَابِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْمَأْذُونِ أَنْ يَهَبَ لِلثَّوَابِ كَالْبَيْعِ وَيُعَوِّضَ عَنْهُ وَاهِبَهُ لِلثَّوَابِ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ بَيْعٌ وَبَيْعُ الْأَبِ جَائِزٌ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ.
(وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ وَإِنَّمَا بَتَلَهُ لِلَّهِ أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ إنْ كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ. عِيَاضٌ: عَلَى هَذَا اخْتَصَرَهَا أَكْثَرُ الْمُخْتَصِرِينَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهَا إلَّا إذَا كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: إنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ كَالْمَرْضَى وَالْمَسَاكِينِ فَفِيهَا قَوْلَانِ فِي حَبْسِ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْهِبَاتِ مِنْهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِمِدْيَانٍ أَنَا أَهَبُك فَلَا يَلْزَمُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا مَا أَدْخَلَهُ فِي وَعْدِهِ فَلَازِمٌ كَقَوْلِهِ زَوِّجْ بِنْتَك وَالصَّدَاقُ عَلَيَّ، فَهَذَا الْوَعْدُ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُعْطِي قَبْلَ الْقَبْضِ.
(وَفِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلَانِ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ لِمَسْجِدٍ بِعَيْنِهِ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهَا وَإِنْفَاذِهَا؟ فَقَالَ: يُجْبَرُ كَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: يُؤْمَرُ وَلَا يُجْبَرُ وَتُوقَفُ غَيْرُهُمَا وَقَالَ: لَا أَدْرِي.
(وَقُضِيَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فِيهَا بِحُكْمِنَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُقْضَى بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْهِبَاتِ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَا ذِمِّيَّيْنِ فَامْتَنَعَ الْوَاهِبُ مِنْ دَفْعِ الْهِبَةِ لَمْ أَعْرِضْ لَهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّظَالُمِ الَّذِي أَمْنَعُهُمْ مِنْهُ لِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ يَكُونُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَإِنَّمَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ.
[ ٨ / ٣٤ ]