[بَاب فِي الْبَغْيُ]
[صِفَاتُ الْبُغَاةِ وَأَحْكَامِهِمْ]
بَابٌ ابْنُ شَاسٍ كِتَابُ الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَاتِ.
وَهِيَ سَبْعٌ: الْبَغْيُ، وَالرِّدَّةُ، وَالزِّنَا، وَالْقَذْفُ، وَالسَّرِقَةُ، وَالْحِرَابَةُ، وَالشُّرْبُ، وَالْجِنَايَةُ. الْأُولَى الْبَغْيُ وَالنَّظَرُ فِي صِفَاتِ الْبُغَاةِ وَأَحْكَامِهِمْ (الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الْإِمَامَ لِمَنْعِ حَقٍّ أَوْ لِخَلْعِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْبَغْيُ
[ ٨ / ٣٦٥ ]
هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ وَلَوْ تَأَوُّلًا. قَالَ: وَحُكْمُ ثُبُوتِ الْإِمَامَةِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ. وَخَتَمَ أَبُو الْمَعَالِي كِتَابَ اللُّمَعِ بِمَا نَصُّهُ: فَصْلٌ شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُسْتَجْمِعًا لِشَرَائِطِ الْفَتْوَى.
الثَّانِي أَنْ يَكُونَ قُرَشِيَّ النَّسَبِ.
الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَا نَخْوَةٍ وَكَفَاءَةٍ فِي الْمُعْضِلَاتِ وَنُزُولِ الدَّوَاهِي وَالْمُلِمَّاتِ.
فَهَذِهِ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ تَلَقَّاهَا الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ أَمَّا فِيمَا تَكْمُلُ بِهِ هِدَايَةُ الْمُسْتَرْشِدِينَ وَيَقَعُ بِهِ الْإِقْنَاعُ فِي أُصُولِ الدِّينِ انْتَهَى الْفَصْلُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ: تُتَصَوَّرُ إمَامَةُ الْعَبْدِ اُنْظُرْهُ بَعْدَ هَذَا. وَقَالَ فِي إرْشَادِهِ: وَمِنْ شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُهْتَدِيًا إلَى مَصَالِحِ الْأُمُورِ وَضَبْطِهَا، ذَا نَجْدَةٍ فِي تَجْهِيزِ الْجُيُوشِ وَسَدِّ الثُّغُورِ، ذَا رَأْيٍ مُصِيبٍ فِي النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا تُزَعْزِعُهُ هَوَاءَةُ نَفْسٍ وَلَا خَوْرُ طَبِيعَةٍ عَنْ ضَرْبِ الرِّقَابِ وَالتَّنْكِيلِ لِلْمُسْتَوْجِبَيْنِ الْحُدُودَ، وَيَجْمَعُ مَا ذَكَرْنَاهُ الْكَفَاءَةَ وَهِيَ مَشْرُوطَةٌ إجْمَاعًا.
قَالَ: وَمِنْ شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ الْوَرَعُ وَالْعَدَالَةُ وَكَيْفَ يَتَصَدَّرُ لَهَا مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: افْتَرَضَ اللَّهُ قِتَالَ الْخَوَارِجِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: وَإِنْ كَانُوا يَظْلِمُونَ الْوَالِيَ الظَّالِمَ فَلَا يَجُوزُ لَك الدَّفْعُ عَنْهُ وَلَا الْقِيَامُ عَلَيْهِ، وَلَا يَسَعُك الْوُقُوفُ عَنْ الْعَدْلِ كَانَ هُوَ الْقَائِمَ أَوْ الْمُقَامَ عَلَيْهِ.
قَالَ عِيَاضٌ: انْحَدَرَ الْمَأْمُونُ إلَى مُحَارَبَةِ بَعْضِ بِلَادِ مِصْرَ وَقَالَ لِلْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ: مَا تَقُولُ فِي خُرُوجِنَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الرَّشِيدَ سَأَلَهُ عَنْ قِتَالِ أَهْلِ دَمِكَ فَقَالَ: إنْ كَانُوا خَرَجُوا عَنْ ظُلْمِ السُّلْطَانِ فَلَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ، وَمِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] لَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يُسَارِعُوا إلَى نُصْرَةِ مُظْهِرِ الْعَدْلِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَاسِقًا لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَطْلُبُ الْمُلْكَ يُظْهِرُ مِنْ نَفْسِهِ الصَّلَاحَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ فَيَعُودَ بِخِلَافِ مَا أَظْهَرَ. وَسَأَلَ ابْنُ نَصْرٍ مَالِكًا عَنْ الْفِتَنِ بِالْأَنْدَلُسِ وَكَيْفِيَّةِ الْمَخْرَجِ مِنْهَا إذَا خَافَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا أَنَا فَمَا أَتَكَلَّمُ فِي هَذَا بِشَيْءٍ فَأَعَادَ الرَّجُلُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَقَالَ: إنِّي رَسُولُ مَنْ خَلْفِي إلَيْك فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: كُفَّ عَنْ الْكَلَامِ فِي هَذَا وَمِثْلِهِ وَأَنَا لَك نَاصِحٌ وَلَا تُجِبْ فِيهِ.
وَلِابْنِ مُحْرِزٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: مَنْ شَارَكَ فِي عَزْلِ إنْسَانٍ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَأْمَنْ سَفْكَ دَمِ مُسْلِمٍ فَقَدْ شَارَكَ فِي سَفْكِ دَمِهِ إنْ سُفِكَ، رَاجِعْهُ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ مِنْهُ.
وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُمَا: مَنْ شَارَكَ فِي قَتْلِ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَوْلِهِ: " وَلَا تُنَازِعْ الْأَمْرَ أَهْلَهُ " يَعْنِي مَنْ مَلَكَهُ لَا مَنْ يَسْتَحِقُّهُ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيمَنْ يَمْلِكُهُ أَكْثَرُ مِنْهُ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّهُ
[ ٨ / ٣٦٦ ]
وَالطَّاعَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْجَمِيعِ، فَالصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ التَّعَرُّضِ لِإِفْسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ: قَوْلُهُ - ﷺ -: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا» قَالَ: تُتَصَوَّرُ إمَامَةُ الْعَبْدِ إذَا وَلَّاهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ وَتَغَلَّبَ عَلَى الْبِلَادِ بِشَوْكَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ فَيُسْمَعُ لَهُ وَيُطَاعُ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ: ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَعَامَّةِ الْخَوَارِجِ إلَى مُنَازَعَةِ الْجَائِرِ قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ فَقَالُوا: الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ الْجَائِرِ أَوْلَى. قَالَ: وَالْأُصُولُ تَشْهَدُ وَالْعَقْلُ وَالدِّينُ أَنَّ أَعْظَمَ الْمَكْرُوهَيْنِ أَوْلَاهُمَا بِالتَّرْكِ. قَالَ: وَكَتَبَ ابْنُ مَرْوَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يُبَايِعَ الْحَجَّاجَ قَالَ: لِأَنَّ فِيك خِصَالًا لَا تَصِحُّ مَعَهَا الْخِلَافَةُ وَهِيَ الْبُخْلُ وَالْغَيْرَةُ وَالْعِيُّ.
[ ٨ / ٣٦٧ ]
فَجَاوَبَهُ ابْنُ عُمَرَ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَك رَبَّنَا وَإِلَيْك الْمَصِيرُ. اللَّهُمَّ إنَّ ابْنَ مَرْوَانَ يُعَيِّرُنِي بِالْبُخْلِ وَالْغَيْرَةِ وَالْعِيِّ، فَلَوْ وُلِّيتُ وَأَعْطَيْت النَّاسَ حُقُوقَهُمْ وَقَسَمْتُ بَيْنَهُمْ فَأَيُّ حَاجَةٍ لَهُمْ حِينَئِذٍ فِي مَالِي يَعْنِي فَيُبْخِلُونِي، وَلَوْ جَلَسْت إلَيْهِمْ مَجَالِسَهُمْ فَقَضَيْت حَوَائِجَهُمْ لَمْ تَبْقَ لَهُمْ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ فَيَعْرِفُونَ غَيْرَتِي، وَمَا مَنْ قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ وَوُعِظَ بِهِ بِعِيٍّ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَعَادَ أَبَدًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ فَلَا يُعِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ صَلَاتِهِ سَكْرَانَ.
قَالَهُ مَنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَوْ قَاضٍ أَوْ خَلِيفَةٍ أَوْ صَاحِبِ شُرْطَةٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُمْ الْجُمُعَةَ أَوْ غَيْرَهَا إذْ مَنْعُ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ دَاعِيَةٌ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ طَاعَتِهِمْ. وَقَدْ صَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَنَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ وَقَالَ عِيَاضٌ فِي إكْمَالِهِ: أَحَادِيثُ مُسْلِمٍ كُلُّهَا حُجَّةٌ فِي مَنْعِ الْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْجَوَرَةِ وَفِي لُزُومِ طَاعَتِهِمْ. وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يُخْلَعُ السُّلْطَانُ بِالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ وَتَعْطِيلِ الْحُقُوقِ. وَلَا يَجِبُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ وَعْظُهُ وَتَخْوِيفُهُ.
زَادَ أَبُو حَامِدٍ: وَتَضْيِيقُ صُدُورِهِمْ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ فِي قَوْلِهِ - ﷺ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ إلَيَّ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ» قَالَ: أَوْجَبُ مَا يَكُونُ هَذَا عَلَى مَنْ وَاكَلَهُمْ وَجَالَسَهُمْ وَكُلِّ مَنْ أَمْكَنَهُ نُصْحُ السُّلْطَانِ لَزِمَهُ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ إذَا رَجَا أَنْ يَسْمَعَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالدُّعَاءُ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ سَبِّ الْأُمَرَاءِ ثُمَّ نَقَلَ بِسَنَدِهِ: كَانَ الْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَنْهَوْنَ عَنْ سَبِّ الْأُمَرَاءِ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ كَوْنُهُ قُرَشِيًّا ".
(فَلِلْعَدْلِ قِتَالُهُمْ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ قَامَ عَلَى إمَامٍ مَنْ أَرَادَ إزَالَةَ مَا بِيَدِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَبَ عَلَى النَّاسِ الذَّبُّ عَنْهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَعَا عَلِيٌّ - ﵁ - بَعْضَهُمْ إلَى الْقِتَالِ مَعَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا فَعَذَرَهُمْ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ لَا يَعِيبَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ. الْقَرَافِيُّ: الزَّوَاجِرُ مَشْرُوعَةٌ لِدَرْءِ الْمَفْسَدَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ وَقَدْ لَا يَكُونُ الْمَزْجُورُ آثِمًا كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبَهَائِمِ، وَكَذَلِكَ الْبُغَاةُ إنَّمَا قِتَالُهُمْ دَرْءٌ لِتَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ مَعَ عَدَمِ التَّأْثِيمِ لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ قَالَ: وَيَفْتَرِقُ قِتَالُهُمْ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ بِأَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا مِنْهَا: أَنَّهُ يَقْصِدُ بِالْقِتَالِ رَدْعَهُمْ لَا قَتْلَهُمْ، وَيَكُفُّ عَنْ مُدَبَّرِهِمْ وَلَا يُجْهِزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يَقْتُلُ أَسْرَاهُمْ وَلَا تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ، وَلَا تُنْصَبُ عَلَيْهِمْ الرَّعَّادَاتُ، وَلَا تُحَرَّقُ مَسَاكِنُهُمْ وَلَا تُقْطَعُ أَشْجَارُهُمْ وَلَا يَدْعُهُمْ عَلَى مَالٍ، وَيَفْتَرِقُ أَيْضًا قِتَالُهُمْ مِنْ قِتَالِ الْمُحَارَبِينَ بِأَنَّ الْبُغَاةَ لَا يُطْلَبُونَ بِمَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ وَمَا أَخَذُوهُ مِنْ خَرَاجٍ وَزَكَاةٍ وَسَقَطَتْ عَمَّنْ كَانَتْ عَلَيْهِ، وَلَمَّا ذَكَرَ عِزُّ الدِّينِ مِثْلَ الزَّوَاجِرِ قَالَ مَا نَصُّهُ: الْمِثَالُ الثَّانِي الزَّجْرُ عَنْ مَفْسَدَةِ الْبَغْيِ، فَإِنْ رَجَعُوا إلَى الطَّاعَةِ كَفَفْنَا عَنْ قَتْلِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَهَذَا زَجْرٌ عَنْ مَفْسَدَةٍ لَا إثْمَ فِيهَا.
(وَإِنْ تَأَوَّلُوا) أَبُو عُمَرَ: رَأَى مَالِكٌ قِتَالَ الْخَوَارِجِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: يُسْتَتَابُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ.
قَالَ سَحْنُونَ: أَدَبًا لَهُمْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى تَرْكِ قِتَالِهِمْ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْخَوَارِجِ إنْ كَانَ رَأْيُ الْقَوْمِ أَنْ
[ ٨ / ٣٦٨ ]
يَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ فَسَادٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا عَلَى قَطْعِ سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَذْهَبُوا حَيْثُ شَاءُوا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا رَأْيُهُمْ الْقِتَالُ فَوَاَللَّهِ لَوْ أَنَّ أَبْكَارِي خَرَجُوا رَغْمَةً عَنْ جَمَاعَةٍ الْمُسْلِمِينَ لَأَرَقْت دِمَاءَهُمْ أَلْتَمِسُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ. ابْنُ شَاسٍ: بِنَاءُ بَغَى لِلطَّلَبِ، وَوَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهَا هُنَا عَمَّنْ يَبْغِي مَا لَا يَنْبَغِي عَلَى عَادَةِ اللُّغَةِ فِي تَخْصِيصِ الِاسْمِ بِبَعْضِ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَهُوَ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى الْإِمَامِ يَبْتَغِي خُلْفَهُ أَوْ يَمْتَنِعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ أَوْ يَمْنَعُ حَقًّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ قَاتَلَ الصِّدِّيقُ مَانِعِي الزَّكَاةِ بِالتَّأْوِيلِ وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ قَاتَلَ أَهْلَ الشَّامِ.
(كَالْكُفَّارِ) فِي النَّوَادِرِ: إذَا امْتَنَعَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَلَوْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ مِنْ الْإِمَامِ الْعَدْلِ فَلَهُ فِيهِمْ مَا لَهُ فِي الْكُفَّارِ وَلَا يَرْمِيهِمْ بِالنَّارِ وَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَلَا ذُرِّيَّةٌ (وَلَا يُسْتَرَقُّونَ) قَالَ سَحْنُونَ فِي الْخَوَارِجِ: سَمَّاهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - مَارِقِينَ وَلَمْ يُسَمِّهِمْ كُفَّارًا، وَسَنَّ عَلِيٌّ - ﵁ - قِتَالَهُمْ فَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ وَلَا سَبَاهُمْ وَلَا أَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، فَمَوَارِيثُهُمْ قَائِمَةً وَلَهُمْ أَحْكَامُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قُوتِلُوا بِالسُّنَّةِ وَبِمَا أَحْدَثُوا مِنْ الْبِدْعَةِ فَكَانَ ذَلِكَ كَحَدٍّ يُقَامُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُتْبَعُوا بِمَا سَفَكُوا مِنْ دَمٍ وَنَالُوا مِنْ فَرْجٍ لَا بِقَوَدٍ وَلَا بِدِيَةٍ وَلَا صَدَاقٍ وَلَا حَدٍّ (وَلَا تُحَرَّقُ أَشْجَارُهُمْ وَلَا تُرْفَعُ رُءُوسُهُمْ بِأَرْمَاحٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْقَرَافِيُّ: لَا تُحَرَّقُ مَسَاكِنُهُمْ وَلَا تُقْطَعُ أَشْجَارُهُمْ وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَى قِتَالِهِمْ بِمُشْرِكٍ وَلَا يُوَادِعُهُمْ عَلَى مَالٍ (وَلَا يَدْعُوهُمْ بِمَالٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْقَرَافِيُّ: لَا يُوَادِعُهُمْ عَلَى مَالٍ.
(وَاسْتُعِينَ بِمَالِهِمْ عَلَيْهِمْ إنْ اُحْتِيجَ لَهُ ثُمَّ رُدَّ) قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَصَابَ الْإِمَامُ مِنْ عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ قَائِمَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ الْإِمَامُ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى قِتَالِهِمْ إنْ احْتَاجُوا إلَيْهِ، فَإِنْ زَالَتْ الْحَرْبُ رُدَّ لِأَهْلِهِ (كَغَيْرِهِ) قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَغَيْرُ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ تُوقَفُ حَتَّى تُرَدَّ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ قَائِمَةٌ رُدَّ ذَلِكَ مِنْ سِلَاحٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا فَعَلَ عَلِيٌّ - ﵁ -.
(وَإِنْ أُمِّنُوا لَمْ يُتَّبَعْ مُنْهَزِمُهُمْ وَلَمْ يُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحٍ) قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إنْ أُسِرَ مِنْ الْخَوَارِجِ أَسِيرٌ وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْحَرْبُ فَلَا يُقْتَلُ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً إذَا خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ ضَرَرٌ. وَعَلَى هَذَا يَجْرِي حُكْمُ التَّذْفِيفِ عَلَى الْجَرِيحِ وَاتِّبَاعِ الْمُنْهَزِمِ، وَقَالَهُ سَحْنُونَ. وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَأُمِّنُوا فَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَمُنْهَزِمِهِمْ.
(وَكُرِهَ لِرَجُلٍ قَتْلُ أَبِيهِ) ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ فِي قِتَالِهِمْ أَخَاهُ وَقَرَابَتَهُ، فَأَمَّا الْأَبُ وَحْدَهُ فَلَا أُحِبُّ قَتْلَهُ تَعَمُّدًا وَكَذَلِكَ الْأَبُ الْكَافِرُ (وَوَرِثَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ: مَوَارِيثُهُمْ قَائِمَةٌ.
(وَلَمْ يَضْمَنْ مُتَأَوِّلٌ أَتْلَفَ نَفْسًا وَمَالًا) .
[ ٨ / ٣٦٩ ]
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَالْخَوَارِجُ إذَا خَرَجُوا فَأَصَابُوا الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ ثُمَّ تَابُوا وَرَجَعُوا وُضِعَتْ الدِّمَاءُ عَنْهُمْ وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا وُجِدَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ مَالٍ بِعَيْنِهِ، وَمَا اسْتَهْلَكُوهُ لَمْ يُتْبَعُوا بِهِ وَلَوْ كَانُوا أَمْلِيَاءَ لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ بِخِلَافِ الْمُحَارَبِينَ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ تَأَوَّلُوا ".
(وَمَضَى حُكْمُ قَاضِيه وَحَدٌّ أَقَامَهُ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ وَلَّى الْبُغَاةُ قَاضِيًا وَأَخَذُوا زَكَاةً وَأَقَامُوا حَدًّا فَقَالَ الْأَخَوَانِ: يَنْفُذُ ذَلِكَ كُلُّهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إمْضَاءُ ذَلِكَ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَا أَخَذُوهُ مِنْ الزَّكَاةِ تُجْزِئُ عَنْ أَرْبَابِهَا.
(وَرُدَّ ذِمِّيٌّ مَعَهُ إلَى ذِمَّتِهِ) الشَّيْخُ: وَظَاهِرُهُ مِنْ الْوَاضِحَةِ إنْ قَاتَلَ مَعَ الْمُتَأَوِّلِينَ أَهْلُ الذِّمَّةِ وُضِعَ عَنْهُمْ مَا وُضِعَ عَنْهُمْ وَرُدُّوا لِذِمَّتِهِمْ.
(وَضَمِنَ مُعَانِدٌ النَّفْسَ وَالْمَالَ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا أَحْكَامُ الْبُغَاةِ ثُمَّ قَالَ: وَمَا أَتْلَفُوهُ فِي الْفِتْنَةِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ مِنْ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ. هَذَا إنْ كَانُوا خَرَجُوا عَلَى تَأْوِيلٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعَصَبِيَّةِ وَأَهْلُ الْخِلَافِ لِسُلْطَانِهِمْ بَغْيًا بِلَا تَأْوِيلٍ فَيُؤْخَذُونَ بِالْقِصَاصِ وَرَدِّ الْمَالِ قَائِمًا كَانَ أَوْ فَائِتًا. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ وَالذِّمِّيُّ مَعَهُ نَاقِضٌ ". ابْنُ شَاسٍ: إنْ كَانَ الْمُسْتَعِينُونَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَهْلَ عَصَبِيَّةٍ وَخِلَافَ الْإِمَامِ الْعَدْلِ فَهُوَ نَقْضٌ لِعَهْدِهِمْ، وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ غَيْرَ عَادِلٍ وَاسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ نَقْضًا لِعَهْدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا إنْ خَرَجُوا مَعَ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ طَوْعًا.
(وَالْمَرْأَةُ الْمُقَاتِلَةُ كَالرَّجُلِ) ابْنُ شَاسٍ: إذَا قَاتَلَ النِّسَاءُ بِالسِّلَاحِ مَعَ الْبُغَاةِ فَلِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُهُنَّ فِي الْقِتَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قِتَالُهُنَّ إلَّا بِالتَّحْرِيضِ وَرَمْيِ الْحِجَارَةِ فَلَا يُقْتَلْنَ، وَإِنْ أُسِرْنَ وَقَدْ كُنَّ يُقَاتِلْنَ قِتَالَ الرِّجَالِ لَمْ يُقْتَلْنَ إلَّا أَنْ يَكُنَّ قَدْ قَتَلْنَ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ فِي غَيْرِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
[بَابٌ فِي الرِّدَّةُ]
[حَقِيقَة الرِّدَّة وَأَحْكَامهَا]
بَابٌ.
ابْنُ شَاسٍ: الْجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ الرِّدَّةُ وَالنَّظَرُ فِي حَقِيقَتِهَا وَحُكْمُهَا (الرِّدَّةُ كُفْرُ الْمُسْلِمِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الرِّدَّةُ كُفْرٌ بَعْدَ إسْلَامٍ تَقَرَّرَ. الْمُتَيْطِيُّ: إنْ نَطَقَ الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَوَقَفَ عَلَى شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَحُدُودِهِ ثُمَّ
[ ٨ / ٣٧٠ ]
الْتَزَمَهَا قُبِلَ إسْلَامُهُ وَإِنْ أَبَى مِنْ الْتِزَامِهَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إسْلَامُهُ وَلَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْتِزَامِهَا وَتُرِكَ عَلَى دِينِهِ وَلَمْ يُعَدَّ مُرْتَدًّا (بِصَرِيحٍ أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيه أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ) ابْنُ شَاسٍ: ظُهُورُ الرِّدَّةِ إمَّا التَّصْرِيحُ بِالْكُفْرِ أَوْ بِلَفْظٍ يَقْتَضِيه.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُهُ: " بِلَفْظٍ يَقْتَضِيه " كَإِنْكَارِ غَيْرِ حَدِيثٍ بِالْإِسْلَامِ وُجُوبَ مَا عُلِمَ وُجُوبُهُ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً (كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذَرٍ وَشَدِّ زُنَّارٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ: " أَوْ بِفِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ " هُوَ كَلُبْسِ الزُّنَّارِ وَإِلْقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي صَرِيحِ النَّجَاسَةِ وَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَسِحْرٍ) مُحَمَّدٌ: قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ: هُوَ كَالزِّنْدِيقِ إذَا عَمِلَ السِّحْرَ بِنَفْسِهِ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ.
وَمَنْ لَمْ يُبَاشِرْ عَمَلَ السِّحْرِ وَجَعَلَ مَنْ يَعْمَلُهُ لَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يُؤَدَّبُ أَدَبًا شَدِيدًا. الْبَاجِيُّ: وَلَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ هُوَ مِنْ السِّحْرِ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ.
قَالَ أَصْبَغُ: يَكْشِفُ عَنْ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ. يُرِيدُ وَيَثْبُتُ ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَتْلُ فَلَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَتَحْقِيقِهِ كَسَائِرِ مَا يَجِبُ بِهِ الْقَتْلُ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: فَاَلَّذِي يَقْطَعُ أُذُنَ الرَّجُلِ أَوْ يُدْخِلُ السَّكَاكِينَ فِي جَوْفِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ سِحْرًا قُوتِلَ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَهُ عُوقِبَ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ فِي امْرَأَةٍ عَقَدَتْ زَوْجَهَا عَنْ نَفْسِهَا أَوْ عَنْ غَيْرِهَا أَنَّهَا تُنَكَّلُ وَلَا تُقْتَلُ (وَقَوْلٍ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ أَوْ شَكٍّ فِي ذَلِكَ أَوْ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ) عِيَاضٌ: وَكَذَلِكَ يُقْطَعُ عَلَى كُفْرِ مَنْ قَالَ بِقَدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْفَلَاسِفَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ، أَوْ قَالَ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ أَوْ انْتِقَالِهَا أَبَدَ الْأَبَدِ فِي الْأَشْخَاصِ (أَوْ بِقَوْلِهِ فِي كُلِّ جِنْسٍ نَذِيرٌ) عِيَاضٌ: وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ ذَهَبَ إلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْقُدَمَاءِ فِي أَنَّ لِكُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْحَيَوَانِ نَذِيرًا
[ ٨ / ٣٧١ ]
أَوْ نَبِيَّهَا مِنْ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَالدَّوَابِّ وَالدُّودِ (أَوْ ادَّعَى شِرْكًا مَعَ نُبُوَّتِهِ - ﷺ -) عِيَاضٌ: وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ ادَّعَى نُبُوَّةَ أَحَدٍ مَعَ نَبِيِّنَا - ﷺ - أَوْ بَعْدَهُ كَالْعِيسَوِيَّةِ وَكَالْجُرْمِيَّةِ وَكَأَكْثَرِ الرَّافِضَةِ.
(أَوْ بِمُحَارَبَةِ نَبِيٍّ) عِيَاضٌ: وَكَذَلِكَ أُجْمِعَ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ اسْتَخَفَّ بِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ أَزَرَى عَلَيْهِمْ أَوْ آذَاهُمْ أَوْ حَارَبَ نَبِيَّنَا - ﷺ - فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ (وَجَوَّزَ اكْتِسَابَ النُّبُوَّةِ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ يَصْعَدُ لِلسَّمَاءِ أَوْ يُعَانِقُ الْحُورَ) عِيَاضٌ: وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ دَافَعَ نَصَّ الْكِتَابِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: أَوْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ لِنَفْسِهِ أَوْ جَوَّزَ اكْتِسَابَهَا وَالْبُلُوغَ بِتَصْفِيَةِ الْقَلْبِ إلَى مَرْتَبَتِهَا كَالْفَلَاسِفَةِ وَعَامَّةِ الْمُتَصَوِّفَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى مِنْهُمْ أَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ، أَوْ أَنَّهُ يَصْعَدُ إلَى السَّمَاءِ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا وَيُعَانِقُ الْحُورَ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ كُفَّارٌ مُكَذِّبُونَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - (أَوْ اسْتَحَلَّ كَالشُّرْبِ) عِيَاضٌ: وَكَذَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ اسْتَحَلَّ الْقَتْلَ أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ بَعْدَ عِلْمِ هَذَا بِتَحْرِيمِهِ كَأَصْحَابِ الْإِبَاحَةِ مِنْ الْقَرَامِطَةِ وَبَعْضِ غُلَاةِ الْمُتَصَوِّفَةِ.
(لَا بِأَمَاتَهُ اللَّهُ كَافِرًا عَلَى الْأَصَحِّ وَفُصِّلَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ عَلَى الرِّدَّةِ دُونَ تَفْصِيلٍ لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي التَّكْفِيرِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا حَسَنٌ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي الشَّهَادَةِ فِي السَّرِقَةِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا شَهِدَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ فُلَانًا سَرَقَ مَا يُقْطَعُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ السَّرِقَةِ مَا هِيَ وَكَيْفَ هِيَ وَمِنْ أَيْنَ
[ ٨ / ٣٧٢ ]
أَخَذَهَا وَإِلَى أَيْنَ أَخْرَجَهَا.
(وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوعٍ وَعَطَشٍ وَمُعَاقَبَةٍ مَا لَمْ يَتُبْ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) قَالَ الرَّسُولُ - ﷺ -: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَى غَيْرِهِ لَا مَنْ خَرَجَ مِنْ مِلَّةٍ سِوَاهُ إلَى غَيْرِهَا. وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - وَعَنْ غَيْرِهِ اسْتِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ [الأنفال: ٣٨] وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ: أَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَغِيفًا فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ وَلَيْسَ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا تَابَ الْمُرْتَدُّ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِيمَا صَنَعَ فِي ارْتِدَادِهِ. وَمِنْ ابْنِ شَاسٍ: ثُمَّ عَرْضُ التَّوْبَةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ وَاجِبٌ وَالنَّصُّ أَنَّهُ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا عَلِمْت فِي اسْتِتَابَتِهِ تَعْطِيشًا وَلَا تَجْوِيعًا وَلَا عُقُوبَةً عَلَيْهِ إذَا تَابَ. ابْنُ الْحَاجِبِ
[ ٨ / ٣٧٣ ]
إنْ لَمْ يُبَتَّ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ غَيْرُ الْفِرْيَةِ وَيُقْتَلُ. وَانْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " لَا حَدَّ الْفِرْيَةِ إنْ أُخِذَ عَلَى ارْتِدَادِهِ لَمْ يُسْتَتَبْ إنْ حَارَبَ بِأَرْضِ الْكُفْرِ أَوْ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ " (وَاسْتُبْرِئَتْ بِحَيْضَةٍ) أَمَّا فِي حَدِّ الزِّنَا فَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَتُؤَخَّرُ الْمُتَزَوِّجَةُ لِحَيْضَةٍ " وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالْحَامِلُ وَإِنْ بِجَرْحٍ مَخُوفٍ " مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَأَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الْحَمْلِ.
(وَمَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ وَإِلَّا فَفَيْءٌ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا مَالُ الْمُرْتَدِّ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَمَالُهُ فَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ انْتَهَى. اُنْظُرْ مَنْ ارْتَدَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. قُلْت: أَرَأَيْت الْغُلَامَ إنْ ارْتَدَّ قَبْلَ بُلُوغِهِ الْحُلُمَ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيَرِثُهُ وَرَثَتُهُ. اللَّخْمِيِّ: الْأَحْسَنُ أَنَّ لِمَنْ ارْتَدَّ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَلِمَنْ أَسْلَمَ حُكْمُ الْمُسْلِمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ فِي مَرَضِهِ لَمْ أَكُنْ قَطُّ مُسْلِمًا وَكُنْت أُرَائِي فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَا غَيْرُهُمْ وَنَحْوُهُ لِمَالِكٍ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: إنْ اُتُّهِمَ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْعَ وَرَثَتِهِ وَرِثُوهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ مَاتَ لِلْمُرْتَدِّ مَوْرُوثٌ فِي حَالِ ارْتِدَادِهِ فَإِنْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ لَمْ يَرِثْهُ. فَإِنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَرِثُهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يَرِثُهُ كَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مَالُهُ. وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ كَانَ أَوْلَى بِمَالِهِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَفِي النُّكَتِ: إذَا وُقِفَ مَالُ الْمُرْتَدِّ لَمْ يُنْفَقْ مِنْهُ عَلَى وَلَدِهِ الصِّغَارِ وَيُنْفَقُ مِنْهُ عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرِهِ. اُنْظُرْ هَذَا فَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ رُدَّتْ إلَيْهِ أُمُّ وَلَدِهِ.
(وَبَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا كَأَنْ تُرِكَ) اُنْظُرْ مَا نَقَصَ هُنَا. ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا وَلَدُ الْمُرْتَدِّ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ فِي الرِّدَّةِ إذَا كَانَ صَغِيرًا إذْ تَبَعِيَّةُ الْوَلَدِ لِأَبِيهِ إنَّمَا تَكُونُ فِي دِينٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُتِلَ الْأَبُ عَلَى الْكُفْرِ بَقِيَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا. وَمِنْ ابْنِ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: صَغِيرُ وَلَدِ الْمُرْتَدِّ إنْ كَانَ وَلَدَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ جُبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْمَوْتَ، وَإِنْ وَلَدَهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ جُبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَرُدُّوا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرَكُوا حَتَّى بَلَغُوا تُرِكُوا لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَرَكَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ مَعَ مُطَلَّقَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ لِأَنَّهُ ابْنُهَا فَغَفَلَ عَنْهُ حَتَّى احْتَلَمَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ لِلْإِسْلَامِ لَمْ يُقْتَلْ.
(وَأُخِذَ مِنْهُ لَا جَنَى عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَا حُرٍّ مُسْلِمٍ كَأَنْ هَرَبَ لِبِلَادِ الْحَرْبِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ قَتَلَ فِي رِدَّتِهِ حُرًّا عَمْدًا وَهَرَبَ لِبِلَادِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لِوُلَاةِ الْمَقْتُولِ فِي مَالِهِ شَيْءٌ وَلَا يُنْفَقُ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا عَلَى عِيَالِهِ مِنْهُ بَلْ يُوقَفُ، فَإِنْ مَاتَ فَهُوَ فَيْءٌ وَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ. اُنْظُرْ آخِرَ فَصْلٍ مِنْ كِتَابِ الْمُحَارَبِينَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ. وَلِابْنِ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الشِّرْكِ فَتَنَصَّرَ وَأَصَابَ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ ثُمَّ أُخِذَ فَأَسْلَمَ أَنَّهُ يُهْدَرُ عَنْهُ جَمِيعُ مَا أَصَابَ كَالْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ سَوَاءٌ. وَهَذَا إذَا لَمْ يَكْفُرْ مَجْنُونًا وَفَاسِقًا، وَلَوْ ارْتَدَّ وَأَصَابَ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ انْهَدَرَتْ عَنْهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَحَدِّ الْحِرَابَةِ، وَأُخِذَ بِحُقُوقِ النَّاسِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَالْجِرَاحِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا إذَا أُخِذَ عَلَى ارْتِدَادِهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ حِرَابَتُهُ فِي أَرْضِ الشِّرْكِ أَوْ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ (إلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قُتِلَ عَلَى
[ ٨ / ٣٧٤ ]
رِدَّتِهِ فَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى كُلِّ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ لِلنَّاسِ إلَّا الْقَذْفَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لَهُ ثُمَّ يُقْتَلُ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا قَذَفَ الْحَرْبِيُّ مُسْلِمًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ أُسِرَ لَمْ يُحَدَّ لِلْقَذْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَتْلَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَانَ يَجْرِيَ لَنَا أَنَّ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ مُتَنَاقِضَانِ.
(وَالْخَطَأُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ كَأَخْذِهِ جِنَايَةً عَلَيْهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ قَتَلَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا حُرًّا خَطَأً فَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ إنْ تَابَ فَالدِّيَةُ عَلَى تَفْصِيلِهَا كَالْمُسْلِمِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ تَقَدَّمَتْ وَعَقْلُهَا إنْ لَمْ يُنْسَبْ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ تَابَ فَلَهُ. ابْنُ شَاسٍ: وَعَمْدُ مَنْ جَرَحَهُ كَالْخَطَأِ لَا يُقَادُ مِنْهُ. وَلَوْ جَرَحَهُ عَبْدٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فَلَا قَوَدَ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى دِينٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ وَفِيهِ الْعَقْلُ.
(وَإِنْ تَابَ فَمَالُهُ لَهُ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُوقِفُ السُّلْطَانُ مَالَ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَعْرُوفُ إنْ تَابَ رَجَعَ إلَيْهِ مَالُهُ. اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَبَقِيَ وَلَدُهُ ".
(وَقُدِّرَ كَالْمُسْلِمِ فِيهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ تَابَ الْمُرْتَدُّ قُدِّرَ جَانِيًا مُسْلِمًا فِي الْقَوَدِ وَالْعَقْلِ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: الْأَحَبُّ إلَيَّ إذَا تَابَ الْمُرْتَدُّ أَنْ يَكُونَ مَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ عَمْدًا أَوْ خَطَأً كَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَكَذَلِكَ فِيمَا جَرَحَ أَوْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ أَوْ سَرَقَ أَوْ قَذَفَ فَلْيُقَمْ عَلَيْهِ إنْ تَابَ مَا يُقَامُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا فَعَلَهُ وَتَحْمِلُ عَاقِلَتُهُ مِنْ الْخَطَأِ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ وَيَقْتَصُّ مِنْهُ الْحَرْبِيُّ جِرَاحَ الْعَمْدِ وَيُحَدُّ فِي قَذْفِهِ وَيُقْطَعُ إنْ سَرَقَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ إنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْكُفْرِ أَنَّهُ كَالْحَرْبِيِّ يُهْدَرُ عَنْهُ مَا أَصَابَ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ.
(وَقَتْلُ الْمُسْتَسِرِّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إلَّا أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا وَمَالُهُ لِوَرَثَتِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الزِّنْدِيقُ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُسِرُّ الْكُفْرَ، إنْ ثَبَتَتْ زَنْدَقَتُهُ بِإِقْرَارِهِ فَفِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ طَرِيقَانِ: الْأُولَى قَبُولُهَا اتِّفَاقًا. ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ إذَا جَاءَ تَائِبًا عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ. ابْنُ شَاسٍ: مَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ قُتِلَ لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَخْرُجْ بِمَا أَبْدَاهُ عَنْ عَادَتِهِ وَمَذْهَبِهِ، فَإِنَّ التَّقِيَّةَ عِنْدَ الْخَوْفِ عَيْنُ الزَّنْدَقَةِ. قَالَ: وَيُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ مَنْ عَبَدَ شَمْسًا أَوْ قَمَرًا أَوْ حَجَرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مُسْتَسِرًّا بِهِ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يُقِرُّونَ بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
(وَقُبِلَ عُذْرُ مَنْ أَسْلَمَ وَقَالَ أَسْلَمْت عَنْ ضِيقٍ إنْ ظَهَرَ) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ قُرْبٍ وَقَالَ: أَسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ ضُيِّقَ عَلَيَّ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ ضِيقِ حَالٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ شَبَهِهِ عُذِرَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ، وَإِذَا كَانَ عَنْ ضِيقٍ أَوْ عَذَابٍ أَوْ غُرْمٍ أَوْ خَوْفٍ.
قَالَ أَصْبَغُ: إذَا صَحَّ ذَلِكَ وَكَانَ زَمَانٌ يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي جَوْرِهِ.
(كَأَنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى وَأَعَادَ مَأْمُومُهُ) سَمِعَ يَحْيَى بْنَ الْقَاسِمِ فِي إمَامٍ صَحِبَ قَوْمًا يُصَلِّي بِهِمْ أَيَّامًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ: أَعَادُوا مَا صَلَّوْا خَلْفَهُ أَبَدًا وَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ.
(وَأُدِّبَ مَنْ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى الدَّعَائِمِ) الْمُتَيْطِيُّ: إنْ نَطَقَ الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَحُدُودِهِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهَا أَبَى مِنْ الْتِزَامِهَا، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ وَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى إبَايَتِهِ تُرِكَ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ، قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ
[ ٨ / ٣٧٥ ]
وَغَيْرُهُمَا وَبِهِ الْعَمَلُ وَالْقَضَاءُ. ابْنُ عَرَفَةَ: نَقْلُ الْمُوَثَّقِينَ عَنْ الْمَذْهَبِ: مَنْ أَجَابَ إلَى الْإِسْلَامِ مُجْمَلًا ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يُصَلِّيَ صَلَاةً وَاحِدَةً، وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ ثُمَّ رَجَعَ اُسْتُتِيبَ، فَقَوْلُهُ: " وَحَسُنَ إسْلَامُهُ " يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
(كَسَاحِرٍ ذِمِّيٍّ إنْ لَمْ يُدْخِلْ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنْ كَانَ السَّاحِرُ ذِمِّيًّا فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُدْخِلَ بِسِحْرِهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونَ ذَلِكَ نَقْضًا لِعَهْدِهِ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْبَةُ، وَإِنْ سَحَرَ أَهْلَ دِينِهِ أُدِّبَ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا.
قَالَ الْبَاجِيُّ: لَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ الذِّمِّيُّ إلَّا أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا أَوْ يَقْتُلَ ذِمِّيًّا. قَالَهُ مَالِكٌ.
(وَأَسْقَطَتْ صَلَاةً وَصِيَامًا وَزَكَاةً وَحَجًّا تَقَدَّمَ وَنَذْرًا أَوْ يَمِينًا بِاَللَّهِ أَوْ بِعِتْقٍ أَوْ بِظِهَارٍ وَإِحْصَانًا
[ ٨ / ٣٧٦ ]
وَوَصِيَّةً لَا طَلَاقًا وَرَدَّةَ مُحَلَّلٍ بِخِلَافِ رِدَّةِ الْمَرْأَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ وُضِعَ عَنْهُ مَا كَانَ لِلَّهِ قَدْ تَرَكَهُ قَبْلَ ارْتِدَادِهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ حَدٍّ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ بِعِتْقٍ أَوْ بِاَللَّهِ أَوْ بِالظِّهَارِ اهـ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَسَوَاءٌ كَانَ الظِّهَارُ حَنِثَ فِيهِ فَوَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، أَوْ كَانَ لَزِمَهُ مُجَرَّدُ ظِهَارٍ لَمْ يَحْنَثْ فِيهِ، كِلَا الصُّورَتَيْنِ قَدْ سَقَطَ بِالِارْتِدَادِ، وَخَالَفَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي هَذَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ لَمْ يُجْزِهِ مَا حَجَّ قَبْلَ رِدَّتِهِ وَلْيَأْتَنِفْ الْحَجَّ وَيَأْتَنِفَ الْإِحْصَانَ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ بَطَلَتْ وَصَايَاهُ وَلَمْ يَرِثْهُ وَرَثَتُهُ. اُنْظُرْ آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ النِّكَاحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: وَالرِّدَّةُ تُزِيلُ إحْصَانَ الْمُرْتَدِّ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَيَأْتَنِفَانِ الْإِحْصَانَ إذَا أَسْلَمَا، وَمَنْ زَنَا مِنْهُمَا بَعْدَ رُجُوعِهِ لِلْإِسْلَامِ لَمْ يُرْجَمْ حَتَّى يَتَزَوَّجَ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ طَلَّقَ الرَّجُلُ أَلْبَتَّةَ فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَحَلَّتْ لِلْأَوَّلِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ لَسَقَطَ ذَلِكَ الْإِحْلَالُ كَمَا يَسْقُطُ الْإِحْصَانُ. ابْنُ يُونُسَ: بِخِلَافِ ارْتِدَادِ الزَّوْجِ الَّذِي أَحَلَّهَا انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ وَوَصِيَّتَهُ إنَّمَا نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ إذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا تَجُوزُ وَصَايَاهُ فِي مَالِهِ، وَهَذَا الْمَالُ لَيْسَ لِلْمُرْتَدِّ وَإِنَّمَا هُوَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا ارْتَدَّ وُقِفَ مَالُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرُوهُ)، فَإِنْ أَسْلَمَ رَجَعَتْ إلَيْهِ أُمُّ وَلَدِهِ وَعَادَ إلَيْهِ مَالُهُ وَرَقِيقُهُ. وَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ عَتَقَتْ أُمُّ وَلَدِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَعَتَقَ مُدَبَّرُوهُ فِي الثُّلُثِ وَسَقَطَتْ وَصَايَاهُ وَيَكُونُ مَالُهُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَرِدَّةُ الزَّوْجِ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا فَلَا رَجْعَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ رِدَّةُ الْمَرْأَةِ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى الْإِسْلَامِ. انْتَهَى مِنْ التَّهْذِيبِ. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ مَا حُسِبَتْ لَهُمَا طَلْقَةٌ إلَّا لِيَكُونَا عَلَيْهَا إذَا رَجَعَا لِلْإِسْلَامِ، فَصَحَّ قَوْلُ خَلِيلٍ: " لَا طَلَاقًا " وَانْظُرْ الِاضْطِرَابَ فِي ظِهَارِ الْمُرْتَدِّ وَطَلَاقِهِ فِي التَّنْبِيهَاتِ.
(وَأُخِّرَ كَافِرٌ انْتَقِلْ لِكُفْرٍ آخَرَ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَ" اُسْتُتِيبَ " قَوْلُ مَالِكٍ: لَا مَنْ خَرَجَ مِنْ مِلَّةٍ سِوَاهُ إلَى غَيْرِهَا. وَانْظُرْ إذَا خَرَجَ إلَى غَيْرِ شَرِيعَةٍ مِثْلَ التَّعْطِيلِ وَمَذَاهِبِ الدَّهْرِيَّةِ فَقَدْ نَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّ مَنْ تَزَنْدَقَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُقْتَلُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُقْتَلُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا أَعْلَمُ مَنْ قَالَ هَذَا غَيْرَهُ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنْ يُرِيدَ بِالزَّنْدَقَةِ الْخُرُوجَ إلَى غَيْرِ شَرِيعَةٍ مِثْلُ التَّعْطِيلِ وَمَذَاهِبِ الدَّهْرِيَّةِ.
(وَحُكِمَ بِإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ فَقَطْ كَأَنْ مَيَّزَ) هَذِهِ عِبَارَةُ الْأَشْيَاخِ يَقُولُونَ: الْوَلَدُ تَابِعٌ لِأَبِيهِ فِي الدِّينِ وَالنَّسَبِ، وَلِأُمِّهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْوَلَدُ الصَّغِيرُ تَابِعٌ لِأَبِيهِ فِي الدِّينِ وَإِسْلَامُ الْأَبِ إسْلَامٌ لِصَغِيرِ وَلَدِهِ مُطْلَقًا.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: يُحْكَمُ
[ ٨ / ٣٧٨ ]
بِإِسْلَامِ الْمُمَيِّزِ عَلَى الْأَصَحِّ تَبَعًا لِإِسْلَامِ الْأَبِ كَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَكَالْمَجْنُونِ. اُنْظُرْ قَوْلَهُ الْأَصَحُّ. قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ هَارُونَ الْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَعَزَا الصَّقَلِّيُّ الْأَصَحَّ لِابْنِ وَهْبٍ وَلَمْ يَعْزُهُمَا اللَّخْمِيِّ.
(لَا الْمُرَاهِقَ وَالْمَتْرُوكَ لَهَا فَلَا يُجْبَرُ بِقَتْلٍ إنْ امْتَنَعَ وَيُوقَفُ إرْثُهُ) أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُرَاهِقِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَسْلَمَ وَلَهُ وَلَدٌ مُرَاهِقٌ مِنْ أَبْنَاءِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَبَهُ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وُقِفَ مَالُهُ إلَى بُلُوغِ الْوَلَدِ، فَإِنْ أَسْلَمَ وَرِثَ أَبَاهُ وَإِلَّا لَمْ يَرِثْهُ وَكَانَ الْمَالُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَسْلَمَ الْوَلَدُ قَبْلَ احْتِلَامِهِ لَمْ يُعَجَّلْ بِأَخْذِ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِسْلَامٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ أَسْلَمَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ جُبِرَ بِالضَّرْبِ وَلَمْ يُقْتَلْ؟ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَتْرُوكِ لِأُمِّهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَرَكَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ مَعَ مُطَلَّقَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ لِأَنَّهُ ابْنُهَا فَغَفَلَ عَنْهُ حَتَّى احْتَلَمَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ لِلْإِسْلَامِ لَمْ يُقْتَلْ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: مَنْ أَسْلَمَ وَلَهُ وَلَدٌ صِغَارٌ فَأَقَرَّهُمْ حَتَّى بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً أَوْ شَبَهَ ذَلِكَ فَأَبَوْا الْإِسْلَامَ لَمْ يُجْبَرُوا. وَانْظُرْ إذَا أَسْلَمَ وَلَدُ الذِّمِّيِّ فَالرِّوَايَةُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إنْ ارْتَدَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ زَوَّجَهُ مَجُوسِيَّةً فَعِصْمَتُهُ بَاقِيَةٌ حَتَّى يَحْتَلِمَ مُسْلِمًا. وَإِنْ مَاتَ مَنْ يَعْصِبُهُ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ لَا يَتَعَجَّلُ أَخْذَ إرْثِهِ حَتَّى يَحْتَلِمَ مُسْلِمًا، وَهُنَا قَالَ الْإِمَامُ: إسْلَامُهُ كَلَا إسْلَامٍ.
(وَبِإِسْلَامِ سَابِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ) ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ الصَّغِيرَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ ثُمَّ قَالَ: وَتَبَعًا لِلسَّابِي الْمُسْلِمِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ وَتَبَعًا لِلدَّارِ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ. اُنْظُرْ رَسْمَ الشَّجَرَةِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ هُنَاكَ أَنَّ سَادِسَ الْأَقْوَالِ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصَّغِيرَ مِنْ سَبْيِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِ حَتَّى يُجِيبَ إلَيْهِ.
(وَالْمُتَنَصِّرُ مِنْ كَأَسِيرٍ عَلَى الطَّوْعِ إنْ لَمْ يَثْبُتْ إكْرَاهُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْأَسِيرُ يُعْلَمُ تَنَصُّرُهُ فَلَا يُدْرَى أَطَوْعًا أَمْ كَرْهًا، فَلْتَعْتَدَّ زَوْجَتُهُ وَيُوقَفُ مَالُهُ وَحُكِمَ فِيهِ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ، وَإِنْ ثَبَتَ إكْرَاهُهُ بِبَيِّنَةٍ كَانَ بِحَالِ الْمُسْلِمِ فِي نِسَائِهِ وَمَالِهِ.
(وَإِنْ سَبَّ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا أَوْ عَرَّضَ أَوْ لَعَنَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ قَذَفَهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا وَإِنْ فِي بَدَنِهِ أَوْ خَصْلَتِهِ أَوْ غَضَّ مِنْ رُتْبَتِهِ أَوْ وَفَوْرِ عِلْمِهِ أَوْ زُهْدِهِ أَوْ أَضَافَ إلَيْهِ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ أَوْ قِيلَ لَهُ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلَعَنَ وَقَالَ: أَرَدْت الْعَقْرَبَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ حَدًّا) عِيَاضٌ. مَنْ أَضَافَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - الْكَذِبَ
[ ٨ / ٣٧٩ ]
فِيمَا بَلَغَهُ أَوْ أُخْبِرَ بِهِ أَوْ سَبَّهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ أَزَرَى عَلَيْهِمْ أَوْ أَذَاهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ، وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ اعْتَرَفَ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَلَكِنْ قَالَ: مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِيَ أَوْ لَيْسَ الَّذِي كَانَ بِمَكَّةَ وَالْحِجَازِ، أَوْ لَيْسَ الَّذِي كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَنَّ وَصْفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ نَفْيٌ لَهُ وَتَكْذِيبٌ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ سَائِرَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِمْ أَوْ أَكْذَبَهُمْ أَوْ أَنْكَرَهُمْ حُكْمُ نَبِيِّنَا - ﷺ - عَلَى مَسَاقِ مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ فِي الَّذِي قَالَ لِآخَرَ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلَكٍ غَضْبَانَ: إنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَصَدَ ذَمَّ الْمَلَكِ قُتِلَ. عِيَاضٌ: وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ حُقِّقَتْ كَوْنُهُمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ كَجِبْرِيلَ وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَالزَّبَانِيَةِ وَرِضْوَانَ وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتْ الْإِخْبَارَ بِنَفْسِهِ وَلَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْأَنْبِيَاءِ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلُقْمَانَ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَمَرْيَمَ وَآسِيَةَ وَخَالِدِ بْنِ سِنَانٍ الَّذِي قِيلَ: إنَّهُ نَبِيُّ أَهْلِ الرَّسِّ وزرادشت الَّذِي ادَّعَتْ الْمَجُوسُ نُبُوَّتَهُ، فَلَيْسَ الْحُكْمُ فِيهِمْ مَا ذَكَرْنَا إذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ لَكِنْ يُؤَدَّبُ مَنْ تَنْقُصُهُمْ.
وَأَمَّا إنْكَارُ كَوْنِهِمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ النَّبِيِّينَ فَإِنْ
[ ٨ / ٣٨٠ ]
كَانَ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا حَرَجَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ زُجِرَ عَنْ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا. وَقَدْ كَرِهَ السَّلَفُ الْكَلَامَ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سَحْنُونٍ فِي رَجُلٍ قِيلَ لَهُ وَحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: فَعَلَ اللَّهُ بِرَسُولِ اللَّهِ وَذَكَرَ كَلَامًا قِيلَ: مَا تَقُولُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّمَا أَرَدْت بِرَسُولِ اللَّهِ الْعَقْرَبَ. فَقَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ: أَشْهِدْ عَلَيْهِ وَأَنَا شَرِيكُك فِي قَتْلِهِ وَثَوَابِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ: لِأَنَّ ادِّعَاءَهُ لِلتَّأْوِيلِ فِي لَفْظٍ صُرَاحٍ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ امْتِهَانٌ وَهُوَ غَيْرُ مَعْزُوٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَا مُوَقِّرٌ لَهُ. وَأَفْتَى فُقَهَاءُ الْأَنْدَلُسِ بِقَتْلِ ابْنِ حَاتِمٍ وَصَلْبِهِ بِمَا شُهِدَ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ النَّبِيِّ - ﷺ - وَإِنْ زُهْدَهُ لَمْ يَكُنْ قَصْدًا. عِيَاضٌ: مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَوْ عَابَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ نَسَبِهِ أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ أَوْ عَرَّضَ بِهِ أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ لَهُ وَالْإِزْرَاءِ عَلَيْهِ أَوْ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ أَوْ الْغَضِّ مِنْهُ أَوْ الْعَيْبِ لَهُ، فَهُوَ سَابٌّ لَهُ وَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ السَّابِّ يُقْتَلُ كَمَا نُبَيِّنُهُ، وَلَا نَسْتَثْنِي فَصْلًا مِنْ فُصُولِ هَذَا الْبَابِ عَلَى هَذَا الْمَقْصِدِ وَلَا نَمْتَرِي فِيهِ تَصْرِيحًا كَانَ أَوْ تَلْوِيحًا،
[ ٨ / ٣٨١ ]
وَكَذَلِكَ مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ.
وَمَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا لِهَذَا لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا تَنْفَعُهُ اسْتِقَالَتُهُ وَفَيْئَتُهُ (إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ) عِيَاضٌ: الذِّمِّيُّ إذَا صَرَّحَ بِسَبِّ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ عَرَّضَ أَوْ اسْتَخَفَّ بِقَدْرِهِ أَوْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ، فَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.
وَعَنْ ابْنِ يُونُسَ: مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَوْ عَابَهُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا قُتِلَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا قُتِلَ صَاغِرًا إلَّا أَنْ يُسْلِمَ. وَلَيْسَ يُقَالُ لَهُ أَسْلِمْ وَلَكِنْ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ طَائِعًا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
(وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ بِجَهْلٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ تَهَوُّرٍ) عِيَاضٌ: إنْ كَانَ الْقَائِلُ لِمَا قَالَهُ فِي جِهَتِهِ - ﵊ - غَيْرَ قَاصِدٍ السَّبَّ وَالِازْدِرَاءَ وَلَا مُعْتَقِدًا لَهُ وَلَكِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي حَقِّهِ - ﵊ - بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مِنْ لَعْنِهِ أَوْ سَبِّهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ وَظَهَرَ بِدَلِيلِ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَمَّهُ وَلَمْ يَقْصِدْ سَبَّهُ إمَّا بِجَهَالَةٍ حَمَلَتْهُ عَلَى مَا قَالَهُ أَوْ ضَجَرٍ أَوْ سُكْرٍ اضْطَرَّهُ إلَيْهِ أَوْ قِلَّةِ مُرَاقَبَةٍ أَوْ ضَبْطٍ لِلِسَانِهِ وَعَجْرَفَةٍ وَتَهَوُّرٍ فِي كَلَامِهِ، فَحُكْمُ هَذَا الْوَجْهِ حُكْمُ الْأَوَّلِ دُونَ تَلَعْثُمٍ.
(وَفِيمَنْ قَالَ لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ جَوَابًا لِصَلِّ أَوْ قَالَ الْأَنْبِيَاءُ يُتَّهَمُونَ جَوَابًا لِتَتَّهِمنِي أَوْ جَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمْ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيُّ - ﷺ - قَوْلَانِ) عِيَاضٌ: إنَّ لَفَظَ بِكَلَامٍ مُشْكِلٍ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ غَيْرِهِ
[ ٨ / ٣٨٢ ]
فَهَاهُنَا مَظِنَّةُ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ. اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي رَجُلٍ أَغْضَبَهُ غَرِيمُهُ فَقَالَ: صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ. فَذَكَرَ الْخِلَافَ بَيْنَ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ. اُنْظُرْ الْوَجْهَ الرَّابِعَ مِنْ الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ. وَقَالَ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَيْضًا: اخْتَلَفَ شُيُوخُنَا فِيمَنْ قَالَ لِمَنْ قَالَ: تَتَّهِمُنِي فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ الْأَنْبِيَاءُ يُتَّهَمُونَ فَكَيْفَ أَنْتَ؟ اُنْظُرْهُ.
وَقَالَ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ: اسْتَفْسَرَ شَيْخُنَا ابْنُ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ تَنَقَّصَهُ آخَرُ بِشَيْءٍ فَقَالَ لَهُ: إنَّمَا تُرِيدُ نَقْصِي بِقَوْلِك وَأَنَا بَشَرٌ جَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمْ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَفْتَى بِإِطَالَةِ سِجْنِهِ وَإِيجَاعِهِ ضَرْبًا وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِقَتْلِهِ.
(وَالتَّثْبِيتُ فِي هُزِمَ) ابْنُ الْمُرَابِطِ: مَنْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - هُزِمَ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ لِأَنَّهُ تَنَقُّصٌ.
(أَوْ أَعْلَنَ بِتَكْذِيبِهِ أَوْ تَنَبَّأَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُسْلِمِ يُعْلِنُ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - ﷺ -: إنَّهُ كَالْمُرْتَدِّ يُسْتَتَابُ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ تَنَبَّأَ وَزَعَمَ أَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ (إلَّا أَنْ يُسِرَّ عَلَى الْأَظْهَرِ وَأُدِّبَ اجْتِهَادًا فِي أَدِّ وَاشْكُ لِلنَّبِيِّ وَلَوْ سَبَّنِي مَلَكٌ لَسَبَبْته) كَتَبَ قَاضِي كُورَةَ بِيَاسَةَ يَسْأَلُ عَنْ نَازِلَةٍ نَزَلَتْ بِغَرْنَاطَةَ فِي سَبِّ رَجُلٍ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ يَشُقُّ عَلَيْك إنْ رَاجَعْتُك بِاَللَّهِ لَوْ أَرَى نَبِيًّا سَبَّنِي أَوْ مَلَكًا لَرَدَدْت عَلَيْهِ، وَفِي رَجُلٍ عَشَّارٍ فَهِمَ مِنْ الْغَرِيمِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَكِيَ بِهِ فَقَالَ: اغْرَمْ وَاشْتَكِ لِلنَّبِيِّ فَرَاجِعْهُ. ابْنُ رُشْدٍ: يُقَالُ الْحَالِفُ بِاَللَّهِ لَوْ أَنَّ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا سَبَّهُ
[ ٨ / ٣٨٣ ]
مُتَهَاوَنٌ بِحُرْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ - ﵈ - يَجِبُ أَنْ يُؤَدَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْأَدَبَ الْمُوجِعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ فِي اعْتِقَادِهِ فَيُتَجَافَى عَنْ عُقُوبَتِهِ وَيُؤْمَرُ بِالِاسْتِغْفَارِ مِمَّا قَالَ وَلَا كَفَّارَةَ لِيَمِينِهِ بِحَالٍ. وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَيُؤَدَّبُ الْأَدَبَ الْمُوجِعَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِّ بِنَحْوِ هَذَا وَقَالَ فِي الْحَالِفِ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَنَحَّاهُ يُضْرَبُ الضَّرْبَ الْمُبَرِّحَ وَكَذَلِكَ الْعَشَّارُ الْفَاسِقُ أَسْحَقَهُ اللَّهُ وَمَقَتَهُ.
(أَوْ يَا ابْنَ أَلْفِ كَلْبٍ) وَمِثْلُ هَذَا مَا يَجْرِي فِي كَلَامِ السُّفَهَاءِ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: يَا ابْنَ أَلْفِ خِنْزِيرٍ وَيَا ابْنَ مِائَةِ كَلْبٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذَيْنِ الْعَدَدُ مِنْ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَعَلَّ هَذَا الْعَدَدَ يَقَعُ إلَى آدَمَ فَيَنْبَغِي الزَّجْرُ عَنْهُ وَشِدَّةُ الْأَدَبِ فِيهِ.
(أَوْ عُيِّرَ بِالْفَقْرِ فَقَالَ تُعَيِّرُنِي بِهِ وَالنَّبِيُّ قَدْ رَعَى الْغَنَمَ) قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ عَيَّرَهُ رَجُلٌ بِالْفَقْرِ فَقَالَ: أَتُعَيِّرُنِي بِالْفَقْرِ وَقَدْ رَعَى النَّبِيُّ - ﷺ - الْغَنَمَ فَقَالَ مَالِكٌ: عَرَّضَ بِذِكْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ.
(أَوْ قَالَ لِغَضْبَانَ كَأَنَّهُ وَجْهُ مُنْكَرٍ أَوْ مَالِكٍ) سُئِلَ الْقَابِسِيُّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ قَبِيحٍ كَأَنَّهُ وَجْهُ نَكِيرٍ وَلِرَجُلٍ عَبُوسٍ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَالِكٍ الْغَضْبَانِ فَقَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: هَذَا شَدِيدٌ لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى التَّحْقِيرِ وَالتَّهْوِينِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّبِّ لِلْمَلَكِ وَإِنَّمَا السَّبُّ وَاقِعٌ عَلَى الْمُخَاطَبِ، وَفِي الْأَدَبِ بِالسَّوْطِ وَالسَّجْنِ نَكَالٌ لِلسُّفَهَاءِ، وَأَمَّا ذِكْرُ مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ فَقَدْ جَفَا الَّذِي ذَكَرَهُ عِنْدَمَا أَنْكَرَهُ مِنْ عُبُوسِ الْآخَرِ. اُنْظُرْ الْوَجْهَ الْخَامِسَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقَسَمِ الرَّابِعِ مِنْ الشِّفَاءِ.
(أَوْ اسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِبَعْضِ جَائِزٍ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا حُجَّةَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ سَبَّهُ لِنَقْصٍ لَحِقَهُ لَا عَلَى التَّأَسِّي كَإِنْ كَذَبْت فَقَدْ كَذَبُوا) عِيَاضٌ: الْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا وَلَا يَذْكُرَ عَيْبًا وَلَا سَبًّا لَكِنَّهُ يَسْتَشْهِدُ بِبَعْضِ أَحْوَالِهِ الْجَائِزَةِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالْحُجَّةُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ عَلَى التَّشَبُّهِ بِهِ أَوْ عِنْدَ هَضِيمَةٍ نَالَتْهُ أَوْ عِضَاضَةٍ لَحِقَتْهُ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ التَّأَسِّي وَطَرِيقِ التَّحْقِيقِ بَلْ عَلَى مَقْصِدِ التَّرْفِيعِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَسَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَعَدَمِ التَّوْقِيرِ لِنَبِيِّهِ - ﷺ - كَقَوْلِ الْقَائِلِ:
[ ٨ / ٣٨٤ ]
إنْ قِيلَ فِي السُّوءِ فَقَدْ قِيلَ فِي النَّبِيِّ - ﷺ - وَإِنْ كُذِّبَتْ فَقَدْ كُذِّبَ الْأَنْبِيَاءُ، وَأَنَا أَسْلَمُ مِنْ النَّاسِ وَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنْهُمْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ وَكَقَوْلِ الْمُتَنَبِّي:
أَنَا فِي أُمَّةٍ تَدَارَكَهَا اللَّهُ غَرِيبٌ كَصَالِحٍ فِي ثَمُودِ
ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ كُلُّهَا وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْ سَبًّا وَلَا إضَافَةً إلَى الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ نَقْصًا وَلَا قَصَدَ قَائِلُهَا ازْدِرَاءً وَلَا غَضًّا فَمَا وَقَرَّ النُّبُوَّةَ ثُمَّ قَالَ: فَحَقُّ هَذَا إنْ دُرِئَ عَنْهُ الْقَتْلُ الْأَدَبُ وَالسَّجْنُ وَقُوَّةُ تَعْزِيرِهِ بِحَسَبِ شُنْعَةِ مُغَالَبَتِهِ. اُنْظُرْ الْوَجْهَ الْخَامِسَ مِنْ الْبَابِ الْمَذْكُورِ.
(أَوْ لَعَنَ الْعَرَبَ أَوْ بَنِي هَاشِمٍ وَقَالَ: أَرَدْت الظَّالِمِينَ) حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْعَرَبَ أَوْ لَعَنَ بَنِي هَاشِمٍ أَوْ لَعَنَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْأَنْبِيَاءَ وَإِنَّمَا أَرَادَ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِ الْأَدَبَ بِقَدْرِ اجْتِهَادِ السُّلْطَانِ. عِيَاضٌ: وَقَدْ يَضِيقُ الْقَوْلُ فِي نَحْوِ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ هَاشِمِيٍّ: لَعَنَ اللَّهُ بَنِي هَاشِمٍ وَقَالَ: أَرَدْت الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ. اُنْظُرْ الْوَجْهَ الرَّابِعَ مِنْ الْبَابِ الْمَذْكُورِ.
(وَشُدِّدَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ قَرْنَانِ وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا) تَوَقَّفَ الْقَابِسِيُّ فِي قَتْلِ رَجُلٍ قَالَ كُلُّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ قَرْنَانِ وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا مُرْسَلًا، فَأُمِرَ بِشَدِّهِ بِالْقُيُودِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ حَتَّى تَسْتَفْهِمَ الْبَيِّنَةُ عَنْ جُمْلَةِ أَلْفَاظِهِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى مَقْصِدِهِ هَلْ أَرَادَ أَصْحَابَ الْفَنَادِقِ الْآنَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَيَكُونُ أَمْرُهُ أَخَفَّ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ أَمْرِهِ الْعُمُومُ لِكُلِّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَقَدْ كَانَ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مَنْ اكْتَسَبَ الْمَالَ وَذَمُّ الْمُسْلِمَ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إلَّا بِأَمْرٍ بَيِّنٍ.
(وَفِي قَبِيحٍ لِأَحَدِ ذُرِّيَّتِهِ - ﷺ - فِي آبَائِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ كَأَنْ انْتَسَبَ لَهُ) لَمَّا ذَكَرَ عِيَاضٌ حُكْمَ مَنْ لَعَنَ الْعَرَبَ وَقَالَ أَرَدْت الظَّالِمِينَ قَالَ: وَقَدْ يَضِيقُ الْقَوْلُ فِي نَحْوِ هَذَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَوْلًا قَبِيحًا فِي آبَائِهِ أَوْ مِنْ نَسْلِهِ أَوْ وَلَدِهِ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَانْظُرْ آخِرَ فَصْلٍ مِنْ كِتَابِ الشِّفَا حُكْمُ مَنْ نَالَ مِنْ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ أَوْ انْتَقَصَهُمْ. وَلَمَّا نَالَ جَعْفَرٌ مِنْ مَالِكٍ مَا نَالَ حَتَّى حُمِلَ مَالِكٌ - ﵁ - إلَى دَارِهِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ دَخَلَ النَّاسُ عَلَى مَالِكٍ فَأَفَاقَ وَقَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَعَلْت جَعْفَرًا فِي حِلٍّ. فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: خِفْت أَنْ أَمُوتَ فَأَلْقَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَسْتَحِي مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ بَعْضُ آلِهِ النَّارَ بِسَبَبِي. وَقِيلَ: إنَّ الْمَنْصُورَ أَقَادَهُ مِنْ جَعْفَرٍ فَقَالَ مَالِكٌ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ وَاَللَّهِ مَا ارْتَفَعَ مِنْهَا سَوْطٌ مِنْ جِسْمِي إلَّا وَقَدْ جَعَلْته فِي حِلٍّ لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - (أَوْ احْتَمَلَ قَوْلُهُ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلٌ أَوْ لَفِيفٌ فَعَاصٍ عَنْ الْقَتْلِ) عِيَاضٌ: إنْ ثَبَتَ قَوْلُهُ لَكِنْ اُحْتُمِلَ وَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا أَوْ لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ إنَّمَا شَهِدَ عَلَيْهِ الْوَاحِدُ أَوْ اللَّفِيفُ مِنْ النَّاسِ، فَهَذَا يَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدِّ وَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ اجْتِهَادًا فَمَنْ قَوِيَ أَمْرُهُ أَذَاقَهُ مِنْ شَدِيدِ النَّكَالِ إلَى الْغَايَةِ (أَوْ سَبَّ مَنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى نُبُوَّتِهِ) اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ سَبَّ نَبِيًّا " (أَوْ صَحَابِيًّا) عِيَاضٌ سَبُّ آلِ
[ ٨ / ٣٨٥ ]
النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ وَتَنَقُّصُهُمْ حَرَامٌ مَلْعُونٌ فَاعِلُهُ، مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا الِاجْتِهَادُ وَالْأَدَبُ الْمُوجِعُ.
(وَسَبُّ اللَّهِ كَذَلِكَ وَفِي اسْتِتَابَةِ الْمُسْلِمِ خِلَافٌ) ابْنُ سَحْنُونٍ: مَنْ شَتَمَ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي بِهِ كَفَرَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: إلَّا أَنْ يُسْلِمَ. وَفِي التَّفْرِيعِ: مَنْ سَبَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْ سَبَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ.
وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ: لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالسَّبِّ حَتَّى يُسْتَتَابَ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَإِنَّ مَنْ عَابَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ وَمِيرَاثُهُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ بِلِسَانِهِ وَيُرَاجَعُ ذَلِكَ فِي سَرِيرَتِهِ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ صَاغِرًا. وَسُئِلَ أَصْبَغُ عَنْ رَجُلٍ أَيْقَنَ بِرَجُلٍ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ فَاغْتَالَهُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ: هُوَ مُحْسِنٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ لَكِنْ يُعَزِّرُهُ السُّلْطَانُ لِلْعَجَلَةِ قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ لِلسُّلْطَانِ، وَلَكِنَّهُ مُحْسِنٌ إذْ لَعَلَّ الْوُلَاةَ تُضَيِّعُ مِثْلَ هَذَا وَلَا تُصَحِّحُهُ وَقَالَ عِيسَى فِيمَنْ سَمِعَ نَصْرَانِيًّا يَشْتُمُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَاغْتَاظَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلَ.
(كَمَنْ قَالَ لَقِيت فِي مَرَضِي مَا لَوْ قَتَلْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ) اُنْظُرْ هَذَا الْفَرْعَ لَعَلَّهُ كَانَ مُخَرَّجًا فِي الطُّرَّةِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَسَبُّ اللَّهِ كَذَلِكَ " فَأَدْخَلَهُ الْمُخَرِّجُ هُنَا عِيَاضٌ: اخْتَلَفَ أَهْلُ قُرْطُبَةَ فِي مَسْأَلَةِ هَارُونَ أَخِي ابْنِ حَبِيبٍ وَكَانَ ضَيِّقَ الصَّدْرِ كَثِيرَ التَّبَرُّمِ قَالَ عِنْدَ اسْتِقْلَالِهِ مِنْ مَرَضٍ قَدْ لَقِيتُ فِي مَرَضِي هَذَا مَا لَوْ قَتَلْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْ هَذَا كُلَّهُ. فَأَفْتَى ابْنُ حَبِيبٍ بِمُوَافَقَةِ الْقَاضِي بِتَنْكِيلِهِ وَتَثْقِيلِ
[ ٨ / ٣٨٦ ]
أَدَبِهِ، وَأَفْتَى الْغَيْرُ بِقَتْلِهِ. ابْنُ شَاسٍ.
[بَاب فِي الزِّنَا]
[مُوجَبُ الزِّنَا وَمُوجِبِهِ وَكَيْفِيَّة اسْتِيفَاء الْحَدّ وَمُتَعَاطِيه]
الْجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ الزِّنَا وَهِيَ جَرِيمَةٌ تُوجِبُ الْعُقُوبَةَ وَالنَّظَرُ فِي طَرَفَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي الْمُوجِبِ وَالْمُوجَبِ. الطَّرَفُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ وَمُتَعَاطِيهِ. بَابٌ.
(الزِّنَا وَطْءُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الزِّنَا تَغْيِيبُ حَشَفَةِ آدَمِيٍّ فِي فَرْجِ آخَرَ دُونَ شُبْهَةٍ
[ ٨ / ٣٨٧ ]
عَمْدًا. وَشَرْطُ إيجَابِ حَدِّ الزِّنَى أَنْ يَكُونَ الزَّانِي مُكَلَّفًا مُسْلِمًا (فَرْجُ آدَمِيٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ
[ ٨ / ٣٨٨ ]
بِاتِّفَاقٍ تَعَمُّدًا) ابْنُ الْحَاجِبِ: الزِّنَى هُوَ أَنْ يَطَأَ آدَمِيٌّ فَرْجَ آدَمِيٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ مُتَعَمِّدًا. ابْنُ عَرَفَةَ: يَخْرُجُ بِهِ زَنَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ لَا وَاطِئَةٌ.
(وَإِنْ لِوَاطًا) ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: وَإِنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ بِذَكَرٍ بَالِغٍ أَطَاعَهُ فِيهِ رُجِمَا أُحْصِنَا أَوْ لَمْ يُحْصَنَا. ابْنُ شَاسٍ: الْمَشْهُورُ وَلَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ كَافِرَيْنِ.
(أَوْ إتْيَانَ أَجْنَبِيَّةٍ بِدُبُرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً فِي دُبُرِهَا حُدَّا جَمِيعًا. مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمَا يُرْجَمُ وَمَنْ كَانَ بِكْرًا جُلِدَ.
(أَوْ مَيِّتَةٍ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ زِنَا بِمَيِّتَةٍ أَوْ نَائِمَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ فِي حَالِ جُنُونِهَا حُدَّ (غَيْرَ زَوْجٍ) نَقَلَ هَذَا بَهْرَامَ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ.
(وَصَغِيرَةٍ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ زِنَا بِصَغِيرَةٍ لَمْ تُحْصَنْ طَائِعَةً وَمِثْلُهَا يُوطَأُ حُدَّ.
(أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ لِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَاطِئُ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْوَطْءِ أَوْ لِغَيْرِهِ يُحَدُّ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَطِئَ جَارِيَةً عِنْدَهُ رَهْنًا أَوْ عَارِيَّةً أَوْ وَدِيعَةً أَوْ بِإِجَارَةٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
(أَوْ مَمْلُوكَةٍ تَعْتِقُ) فِي الْعُتْبِيَّةِ: مَنْ وَطِئَ أَمَةً بِالْمِلْكِ مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ وَتَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ كَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ عَامِدًا عَالِمًا حُدَّ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِالْجَهَالَةِ فَلَا يُحَدُّ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(أَوْ يَعْلَمُ حُرِّيَّتَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى حُرَّةً وَهُوَ يَعْلَمُ بِهَا فَأَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَهَا حُدَّ.
(أَوْ مُحَرَّمَةٍ بِصِهْرٍ مُؤَبَّدٍ) اللَّخْمِيِّ: إنْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ زَوْجَتِهِ وَدَخَلَ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ لَوْ طَلَّقَ الْأُمَّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِالْأُمِّ وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ أُمَّ
[ ٨ / ٣٨٩ ]
امْرَأَتِهِ فَإِنْ دَخَلَ بِالِابْنَةِ حُدَّ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَمْ يُحَدَّ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ. وَإِنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ أَبِيهِ أَوْ زَوْجَةَ وَلَدِهِ حُدَّ إنْ كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ.
(أَوْ خَامِسَةٍ) اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ فِي مُتَزَوِّجِ الْخَامِسَةِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ يُحَدُّ. وَقَالَ فِي مُتَزَوِّجِ الْمُعْتَدَّةِ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ لَا يُحَدُّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(أَوْ مَرْهُونَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَطِئَ جَارِيَةً عِنْدَهُ رَهْنًا حُدَّ.
(أَوْ ذَاتِ مَغْنَمٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَهُ فِيهَا نَصِيبٌ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَإِنْ وَطِئَ مِنْهَا أَمَةً حُدَّ.
(أَوْ حَرْبِيَّةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَزَنَى بِحَرْبِيَّةٍ حُدَّ.
(أَوْ مَبْتُوتَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ امْرَأَةً طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ شَيْئًا مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ. قَالَ: وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يُحَدَّ وَعُوقِبَ، وَكَذَلِكَ نَاكِحُ امْرَأَتِهِ الْمَبْتُوتَةِ لَا يُحَدُّ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا. وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا فَإِنْ كَانَ عَالِمًا حُدَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يُحَدَّ. وَرَوَى عَلِيٌّ: مَنْ نَكَحَ فِي عِدَّةٍ وَوَطِئَ فِيهَا وَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهَالَةٍ أَنَّهُ يُحَدُّ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا خِلَافٌ لِلْمُدَوَّنَةِ (وَإِنْ بِعِدَّةٍ) الَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ: لَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً ثَلَاثًا وَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ وَلَا يُعْذَرُ بِدَعْوَى الْجَهَالَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ (وَهَلْ إنْ أَبَتَّ فِي مَرَّةٍ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ سَوَاءٌ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ فِي مَرَّةٍ أَوْ مُفْتَرَقَاتٍ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: مَنْ نَكَحَ مَبْتُوتَةً عَالِمًا لَمْ يُحَدَّ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا.
[ ٨ / ٣٩٠ ]
(وَإِنْ مُطَلَّقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ مُعْتَقَةً بِلَا عَقْدٍ كَأَنْ يَطَأَهَا مَمْلُوكُهَا) لَوْ قَالَ: " مُطَلَّقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ مُعْتَقَةً بِلَا عَقْدٍ وَإِلَّا حُدَّ كَأَنْ يَطَأَهَا مَمْلُوكُهَا " لَتَنَزَّلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ طَلْقَةً ثُمَّ وَطِئَهَا وَقَالَ: ظَنَنْتُهَا رَجْعِيَّةً كَالدُّخُولِ بِهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إنْ رَجَعَ عُذِرَ بِالْجَهَالَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ أَصَابَهَا وَقَالَ ظَنَنْتُهَا أَنَّهَا تَحِلُّ لِي فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَنْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إنْ وَطِئَهَا حُدَّ. ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا حُدَّ فِيمَنْ تَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ لِأَنَّهُنَّ أَحْرَارٌ بِعَقْدِ الشِّرَاءِ بِخِلَافِ مَنْ لَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ.
وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ مَكَّنَتْ مَمْلُوكَهَا مِنْ نَفْسِهَا حُدَّتْ.
(أَوْ مَجْنُونٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ زَنَتْ بِمَجْنُونٍ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ.
(بِخِلَافِ الصَّبِيِّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ زَنَتْ امْرَأَةٌ بِصَبِيٍّ مِثْلُهُ يُجَامِعُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْتَلِمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا ابْنُ عَرَفَةَ: فَهُوَ أَحْرَى (إلَّا أَنْ يَجْهَلَ الْعَيْنَ أَوْ الْحُكْمَ إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ إلَّا الْوَاضِحَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَخْرُجُ بِمُتَعَمِّدٍ الْمَعْذُورُ بِجَهْلِ الْعَيْنِ. ابْنُ شَاسٍ: كَانَ يَظُنُّ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ، ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَخْرُجُ أَيْضًا الْمَعْذُورُ بِجَهْلِ الْحُكْمِ إذَا كَانَ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ زِنًا وَاضِحًا فَفِي عُذْرِهِ قَوْلَانِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُعْذَرُ الْمُرْتَهِنُ إذَا وَطِئَ الْمَرْهُونَةَ، وَقَالَ ظَنَنْتُ: أَنَّهَا تَحِلُّ لِي وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: لَا يُعْذَرُ الْعَجَمُ إذَا ادَّعُوا الْجَهَالَةَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي قَالَتْ: زَنَيْتُ بِمَرْعُوشٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَرَأَى أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ فِي هَذَا. قِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ أَمَةً تَخْتَلِفُ إلَى عَبْدٍ مُقْعَدٍ فَأَعْطَاهَا دِرْهَمَيْنِ وَفَجَرَ بِهَا.
(لَا مُسَاحَقَةً وَأُدِّبَتْ اجْتِهَادًا) الْبَاجِيُّ: الْمُسَاحِقَتَانِ مِنْ النِّسَاءِ سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ فِي عُقُوبَتِهِمَا حَدٌّ وَذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا إنَّمَا بِمَعْنَى الْمُبَاشَرَةِ وَلَا حَدَّ إلَّا بِمُغَيَّبٍ.
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: أَنَّ حَدَّهُمَا خَمْسُونَ جَلْدَةً وَتَغْتَسِلُ وَإِنْ لَمْ تُنْزِلْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الِاسْتِمْنَاءِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَيْ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الزِّنَا. وَنَحْوُهُ لِأَبِي الشَّعَثِ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ. وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبَالِغَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ. قَالَهُ اللَّخْمِيِّ.
(كَبَهِيمَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ غَيْرِهَا لَا يُحَدُّ مَنْ أَتَى الْبَهِيمَةَ وَيُعَاقَبُ (وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْأَكْلِ وَالذَّبْحِ) الطُّرْطُوشِيُّ: لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا تُقْتَلُ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تُؤْكَلُ أُكِلَتْ.
(وَمَنْ حَرُمَ لِعَارِضٍ كَحَائِضٍ) ابْنُ شَاسٍ: قَوْلُنَا فِي حَدِّ الزِّنَا: إنَّهُ الْوَطْءُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ احْتَرَزْنَا بِهِ عَنْ وَطْءِ الْحَائِضِ وَالْمُحْرِمَةِ وَالصَّائِمَةِ فِي الْمِلْكِ (أَوْ مُشْتَرَكَةٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ) ابْنُ شَاسٍ:
[ ٨ / ٣٩٢ ]
إنْ كَانَتْ شُبْهَةٌ فِي الْمَحَلِّ بِأَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً مُحَرَّمَةً بِسَبَبِ شِرْكَةٍ أَوْ عِدَّةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي وَطْئِهَا.
(أَوْ مَمْلُوكَةٍ لَا تَعْتِقُ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ وَطِئَ أَمَةً بِمِلْكِ يَمِينٍ مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ وَلَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْ عَمَّةٍ أَوْ خَالَةٍ أَوْ بِنْتِ أُخْتٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَيْهِ (وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ) ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(أَوْ عَلَى أُخْتِهَا وَهَلْ إلَّا أُخْتَ النَّسَبِ لِتَحْرِيمِهَا بِالْكِتَابِ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» وَكَانَ يَقُولُ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَلَأَنْ يَخْطَأَ الْحَاكِمُ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَخْطَأَ فِي الْعُقُوبَةِ إذَا رَأَيْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا فَادْرَءُوا عَنْهُ الْحَدَّ» .
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا أَوْ عَلَى عَمَّتِهَا عَامِدًا لَمْ يُحَدَّ وَعُوقِبَ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْكَلَامُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ بَابٌ عَظِيمٌ وَلَيْسَ مَا حَرَّمَتْهُ السُّنَّةُ كَمَا حَرَّمَهُ الْقُرْآنُ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا عَالِمًا بِالنَّهْيِ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ بِالسُّنَّةِ بِخِلَافِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ بِالْقُرْآنِ، وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ إلَّا مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ النَّسَبِ عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ حُدَّ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ.
(أَوْ كَأَمَةٍ مُحَلَّلَةٍ وَقُوِّمَتْ وَإِنْ أَبَيَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كُلُّ مَنْ أُحِلَّتْ لَهُ جَارِيَةٌ أَحَلَّهَا لَهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ قَرِيبٌ أَوْ امْرَأَةٌ رُدَّتْ إلَى سَيِّدِهَا إلَّا أَنْ يَطَأَهَا مَنْ أُحِلَّتْ لَهُ فَلَا يُحَدُّ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ، وَلَيْسَ لِرَبِّهَا التَّمَاسُكُ بِهَا.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: إنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ حُدَّ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ.
(أَوْ مُكْرَهَةٍ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمُكْرَهُ عَلَى الزِّنَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهَةُ عَلَى التَّمْكِينِ لَا تُحَدُّ.
[ ٨ / ٣٩٣ ]
وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: إنْ انْتَشَرَ قَضِيبُهُ حُدَّ. اللَّخْمِيِّ: هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ قَدْ يُرِيدُ الرَّجُلُ شُرْبَ الْخَمْرِ وَيَكُفُّ عَنْهَا خَوْفَ أَمْرِ اللَّهِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْإِحْيَاءِ حِكْمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَنِعْمَتَهُ فِي اللِّسَانِ مِنْهَا أَنْ خَلَقَ اللَّهُ تَحْتَهُ عَيْنًا يُفِيضُ اللُّعَابُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَنْعَجِنَ بِهِ الطَّعَامُ، وَسَخَّرَهَا لِهَذَا الْأَمْرِ بِحَيْثُ تَرَى طَعَامًا عَلَى بُعْدٍ فَتَفُورُ الْمِسْكِينَةُ لِلْخِدْمَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا الطَّعَامُ.
(أَوْ مَبِيعَةٍ بِغَلَاءٍ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ جَاعَ فَبَاعَ امْرَأَتَهُ مِنْ رَجُلٍ فَأَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ فَوَطِئَهَا مُشْتَرِيهَا فَعَنْ مَالِكٍ وَهُوَ رَأْيٌ أَنَّهُمَا يُعَزَّرَانِ وَتَكُونُ طَلْقَةً بَائِنَةً وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ. وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُتَيْطِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ عَلَى هَذَا فَقَالَ: مَا جَاءَ فِيمَنْ بَاعَ امْرَأَتَهُ أَوْ زَوَّجَهَا جَادًّا أَوْ هَازِلًا. اُنْظُرْهُ فِيهِ.
(وَالْأَظْهَرُ إنْ ادَّعَى شِرَاءَ أَمَةٍ وَنَكَلَ الْبَائِعُ وَحَلَفَ الْوَاطِئُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَطِئَ أَمَةَ رَجُلٍ فَادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهَا فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ حُدَّ، فَإِنْ طَلَبَ الْوَاطِئُ يَمِينَ السَّيِّدِ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْهَا مِنْهُ أَحَلَفْته لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْوَاطِئُ وَقَضَى لَهُ بِهَا وَدُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ اهـ. فَانْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ: " وَالْأَظْهَرُ " (وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُكْرَهَ كَذَلِكَ وَالْأَكْثَرَ عَلَى خِلَافِهِ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ مُكْرَهَةٍ ".
(وَثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً) ابْنُ عَرَفَةَ: نُصُوصُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاضِحَةٌ بِحَدِّ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا طَوْعًا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ مُطْلَقًا) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ لِوَجْهٍ وَسَبَبٍ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي قَبُولِ رُجُوعِهِ. الْبَاجِيُّ: وَإِنْ رَجَعَ لِغَيْرِ شُبْهَةٍ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٌ أَنَّهُ يُقَالُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ (أَوْ يَهْرُبُ وَإِنْ فِي الْحَدِّ) أَبُو عُمَرَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُقِرِّ بِالزِّنَا أَوْ بِشُرْبِ الْخَمْرِ يُقَامُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَدِّ فَيَرْجِعُ تَحْتَ الْجَلْدِ فَقَالَ مَرَّةً: أَنْ يُقِيمَ أَكْثَرَ. وَقَالَ مَرَّةً: يُقَالُ وَلَا يُضْرَبُ بَعْدَ رُجُوعِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ.
(وَبِالْبَيِّنَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِبَكَارَتِهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَثْبُتُ الزِّنَا بِالْإِقْرَارِ وَلَوْ مَرَّةً وَبِالْبَيِّنَةِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِبَكَارَتِهَا لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ. وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا شَهِدَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا أَرْبَعَةٌ عُدُولٌ فَقَالَتْ: أَنَا عَذْرَاءُ وَنَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ وَصَدَّقْنَهَا لَمْ يُنْظَرْ إلَى قَوْلِهِنَّ وَأُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ.
(وَبِحَمْلٍ فِي غَيْرِ مُتَزَوِّجَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ظَهَرَ بِامْرَأَةٍ حَمْلٌ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِالنِّكَاحِ حُدَّتْ. اللَّخْمِيِّ: تُحَدُّ إنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ وَلَا شُبْهَةَ وَلَمْ تَكُنْ طَارِئَةً.
(وَذَاتِ سَيِّدٍ غَيْرِ مُقِرٍّ بِهِ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يَجِبُ رَجْمٌ وَلَا جَلْدٌ إلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا بِإِقْرَارٍ لَا رُجُوعَ بَعْدَهُ إلَى قِيَامِ الْحَدِّ، أَوْ يَظْهَرُ بِحُرَّةٍ غَيْرِ طَارِئَةٍ حَمْلٌ وَلَا يُعْرَفُ لَهَا نِكَاحٌ، أَوْ بِأَمَةٍ لَا يُعْرَفُ لَهَا زَوْجٌ وَسَيِّدُهَا مُنْكِرٌ لَوَطِئَهَا، وَبِشَهَادَةٍ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ ﷾.
(وَلَمْ يُقْبَلْ دَعْوَاهَا الْغَصْبَ بِلَا قَرِينَةٍ) اللَّخْمِيِّ:
[ ٨ / ٣٩٤ ]
فَإِنْ ظَهَرَ بِامْرَأَتِي حَمْلٌ وَادَّعَتْ أَنَّهُ مِنْ غَصْبٍ وَتَقَدَّمَ لَهَا ذِكْرُ ذَلِكَ أَوْ أَتَتْ مُتَعَلِّقَةً بِرَجُلٍ أَوْ كَانَ سَمَاعًا وَاسْتَشْكَتْ وَلَمْ تَأْتِ مُتَعَلِّقَةً بِهِ، لَمْ تُحَدَّ إنْ ادَّعَتْهُ عَلَى مَنْ يُشْبِهُ. وَإِنْ ادَّعَتْهُ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ حُدَّتْ وَتُعَزَّرُ إنْ لَمْ تُسَمِّ مَنْ اسْتَكْرَهَهَا إنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْخَيْرِ.
(وَيُرْجَمُ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ إنْ أَصَابَ بَعْدَهُنَّ بِنِكَاحٍ لَازِمٍ صَحَّ) ابْنُ الْحَاجِبِ: شَرْطُ مُوجِبِ الْحَدِّ: الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ: جَلْدٌ مُفْرَدٌ وَجَلْدٌ مَعَ تَغْرِيبٍ وَرَجْمٌ. فَالرَّجْمُ عَلَى الْمُحْصَنِ مِنْهُمَا وَيَحْصُلُ الْإِحْصَانُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالتَّزْوِيجِ الصَّحِيحِ اللَّازِمِ وَالْوَطْءِ الصَّحِيحِ الْمُبَاحِ الْمُحَلِّلِ لِلْمَبْتُوتَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُحَدُّ الْكَافِرُ فِي الزِّنَا وَيُرَدُّ إلَى أَهْلِ دِينِهِ وَيُعَاقَبُ إذَا أَعْلَنَهُ، وَأَمَّا فِي سَرِقَتِهِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَطْءُ الْمُبَاحُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ لَا خِيَارَ فِيهِ مِنْ بَالِغٍ مُسْلِمٍ حُرٍّ إحْصَانٌ اتِّفَاقًا فَحَدُّهُ إنْ زَنَى بَعْدَ ذَلِكَ الرَّجْمُ. أَبُو عُمَرَ: مَا يُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ لَا يُحْصَنُ وَاطِئُهُ بِخِلَافِ الَّذِي لَا يُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَإِنَّ الْوَطْءَ فِيهِ إحْصَانٌ، وَأَمَّا الْوَطْءُ الْفَاسِدُ كَوَطْءِ الْحَائِضِ وَالْمُحْرِمَةِ وَالْمُعْتَكِفَةِ وَالصَّائِمَةِ فَنَقَلَ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ وَالْمُغِيرَةِ أَنَّهُ يُحْصِنُ وَفِي كَوْنِ الْوَطْءِ فِي نِكَاحِ ذِي خِيَارٍ أَمْضَى بَعْدَ الْوَطْءِ إحْصَانًا نَقْلًا اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: تَحْصِينُ الْمَجْنُونَةِ وَاطِئُهَا وَلَا يُحْصِنُهَا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: كُلُّ وَطْءٍ أَحْصَنَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُ يُحِلُّ الْمَبْتُوتَةَ وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُحِلُّ يُحْصِنُ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَانَ يَجْرِي لَنَا إبْطَالُ صِدْقِ هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ بِنَقْلِ عَبْدِ الْحَقِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَطْءُ الْمَجْنُونَةِ يُحْصِنُ وَاطِئُهَا وَلَا يُحِلُّهَا، رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ) قَالَ مَالِكٌ: يُرْمَى بِالْحِجَارَةِ الَّتِي يُرْمَى بِمِثْلِهَا فَأَمَّا الصَّخْرُ الْعِظَامُ فَلَا (وَلَمْ يَعْرِفْ بُدَاءَةَ الْبَيِّنَةِ وَلَا الْإِمَامِ) قَالَ
[ ٨ / ٣٩٥ ]
مَالِكٌ: مُذْ أَقَامَتْ الْأَئِمَّةُ الْحُدُودَ فَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْهُمْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا أَلْزَمَ ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ: إنْ ثَبَتَ الزِّنَا بِبَيِّنَةٍ بَدَأَ الشُّهُودُ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ سَائِرُ النَّاسِ. .
(كَلَائِطٍ مُطْلَقًا وَإِنْ عَبْدَيْنِ وَكَافِرَيْنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: اللَّائِطَانِ كَالْمُحْصَنَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُحْصَنَا. ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: لَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ لَرُجِمَا خِلَافًا لِأَشْهَبَ.
(وَجُلِدَ الْحُرُّ الْبِكْرُ مِائَةً) ابْنُ عَرَفَةَ: حَدُّ زِنَا الْبِكْرِ الْحُرِّ جَلْدُ مِائَةٍ.
(وَتَشَطَّرَ بِالرِّقِّ وَإِنْ قَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: حَدُّ الْعَبْدِ فِي الزِّنَا خَمْسُونَ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ، وَكُلُّ مَنْ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ لَمْ يَتِمَّ كَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ.
(وَتَحَصَّنَ كُلٌّ دُونَ صَاحِبِهِ بِالْعِتْقِ وَالْوَطْءِ بِعِدَّةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَطْءُ بَعْدَ عِتْقِ أَحَدِهِمَا يُحْصِنُ الْمُعْتَقَ مِنْهُمَا.
(وَغُرِّبَ الْحُرُّ الذَّكَرُ فَقَطْ عَامًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا نَفْيَ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا عَلَى الْعَبِيدِ وَلَا تَغْرِيبَ وَلَا يُنْفَى الرَّجُلُ الْحُرُّ إلَّا بِالزِّنَا أَوْ فِي حِرَابَةٍ بِهِ فَيُسْجَنَانِ جَمِيعًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْفَيَانِ إلَيْهِ يُسْجَنُ الزَّانِي سَنَةً وَالْمُحَارِبُ حَتَّى تُعْرَفَ تَوْبَتُهُ (وَأَجْرُهُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: كِرَاؤُهُ فِي سَيْرِهِ عَلَيْهِ فِي مَالِ الزَّانِي وَالْمُحَارِبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَفِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ. (كَفَدَكَ وَخَيْبَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ فَيُسْجَنُ سَنَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ كَانَ يُنْفَى عِنْدَنَا إلَى فَدَكَ وَخَيْبَرَ. قَالَ: وَيُسْجَنُ الْمُحَارِبُ وَالزَّانِي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْفَيَانِ إلَيْهِ يُسْجَنُ الزَّانِي سَنَةً. ابْنُ الْقَاسِمِ: مِنْ يَوْمِ يَصِيرُ فِي السِّجْنِ مُطَرِّفٌ وَيُؤَرَّخُ يَوْمُ سَجْنِهِ (وَإِنْ عَادَ أُخْرِجَ ثَانِيَةً) ابْنُ شَاسٍ: فَإِنْ عَادَ أُخْرِجَ ثَانِيَةً.
(وَتُؤَخَّرُ الْمُتَزَوِّجَةُ لِحَيْضَةٍ) اللَّخْمِيِّ: إنْ شُهِدَ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا مُنْذُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أُخِّرَتْ وَلَمْ تُضْرَبْ وَلَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَتِمَّ لَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ زَنَتْ فَيُنْظَرُ
[ ٨ / ٣٩٧ ]
أَحَامِلٌ هِيَ أَمْ لَا، وَلَا يُسْتَعْجَلُ الْآنَ لِإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَمْضِ لَهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا جَازَ تَعْجِيلُ حَدِّهَا جَلْدًا أَوْ رَجْمًا إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ زَوْجٍ فَيُسْأَلُ، فَإِنْ قَالَ كُنْتُ اسْتَبْرَأْتُهَا فِيهَا حُدَّتْ وَرُجِمَتْ، وَإِنْ قَالَ لَمْ اسْتَبْرِئْهَا خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَقُومَ بِحَقِّهِ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَهُ فِيهَا فَتُؤَخَّرُ لِيَنْظُرَ هَلْ تَحْمِلُ مِنْهُ أَمْ لَا أَوْ يَسْقُطُ حَقُّهُ فَتُحَدُّ انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " لِلزَّوْجِ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ فَتُحَدُّ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَهُ فِيهَا " هَلْ هُوَ فَرْعُ جَوَازِ إفْسَادِ الْمَنِيِّ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَسَيَأْتِي لَهُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يُرَشِّحُ هَذَا. وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ " وَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ: رَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنُّطْفَةِ حُرْمَةٌ وَلَا لَهَا حُكْمُ الْوَلَدِ فِي الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي هَذَا وَلَمْ يَرَ إبَاحَةَ إفْسَادِ الْمَنِيِّ وَلَا تَسَبُّبَ إخْرَاجِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ فِي الرَّحِمِ بِوَجْهٍ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ بِخِلَافِ الْعَزْلِ قَبْلَ حُصُولِهِ فِي الرَّحِمِ. انْتَهَى نَصُّ عِيَاضٍ وَانْظُرْ إنْ لَمْ يَعْزِلْ لَكِنْ جَعَلَ بَيْنَ الْمَاءِ وَحُصُولِهِ فِي الرَّحِمِ مَا مَنَعَ عُلُوقَهُ بِهِ، أَفْتَى ابْنُ زَرْقُونٍ أَنَّهُ كَالْعَزْلِ قَالَ: لِأَنَّهُ مَا جَنَى عَلَى مَوْجُودٍ. اللَّخْمِيِّ: وَأَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا زَنَتْ مُنْذُ شَهْرَيْنِ أَنْ تُرْجَمَ إذَا نَظَرَ لَهَا النِّسَاءُ وَقُلْنَ: لَا حَمْلَ بِهَا وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ، لِأَنَّهُ - ﷺ - أَخْبَرَ بِكَوْنِهِ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ عَلَقَةً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّهْرَيْنِ عَلَقَةٌ وَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَشْرَبَ مَا تَطْرَحُهُ بِهِ.
(وَبِالْجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْمَرِيضُ إنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ أُخِّرَ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ خِيفَ عَلَى السَّارِقِ أَنْ يُقْطَعَ فِي الْبَرْدِ أُخِّرَ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَاَلَّذِي يُضْرَبُ الْحَدَّ فِي الْبَرْدِ مِثْلُهُ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ أُخِّرَ وَالْحَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْبَرْدِ. اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ ضَعِيفَ الْجِسْمِ سَقَطَ الْحَدُّ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالْمُوَالَاةُ فِي الْأَطْرَافِ ".
(وَأَقَامَهُ الْحَاكِمُ وَالسَّيِّدُ إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِغَيْرِ مِلْكِهِ)
[ ٨ / ٣٩٨ ]
ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا مُسْتَوْفِي الْحَدِّ فَهُوَ الْإِمَامُ فِي حَقِّ الْأَحْرَارِ، وَلَا بَأْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ عَلَى مَمْلُوكِهِ حَدَّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالْخَمْرِ لَا السَّرِقَةِ. اللَّخْمِيِّ: وَكَذَا إنْ كَانَ زَوْجُ أَمَتِهِ عَبْدَهُ فَلَهُ إقَامَتُهُ عَلَيْهَا. ابْنُ شَاسٍ: إنَّمَا يَحُدُّ أَمَتَهُ إذَا كَانَتْ غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ أَوْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدَهُ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً بِغَيْرِ عَبْدِ سَيِّدِهَا فَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهَا إلَّا الْإِمَامُ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ فَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهَا إلَّا الْإِمَامُ.
(بِغَيْرِ عِلْمِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَحُدُّ عَبْدَهُ فِي الزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةٍ سِوَاهُ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَنْ رَأَى أَمَتَهُ تَزْنِي لَمْ يَجْلِدْهَا إذْ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَجْلِدَ بِرُؤْيَتِهِ.
(وَإِنْ أَنْكَرَتْ الْوَطْءَ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً وَخَالَفَهَا الرَّجُلُ فَالْحَدُّ وَعَنْهُ فِي الرَّجُلِ يَسْقُطُ مَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ أَوْ يُولَدْ لَهُ وَأُوِّلَ عَلَى الْخِلَافِ أَوْ لِخِلَافِ الزَّوْجِ فِي الْأُولَى فَقَطْ أَوْ لِأَنَّهُ يَسْكُتُ أَوْ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَمْ تَبْلُغْ عِشْرِينَ تَأْوِيلَاتٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ زَنَتْ فَقَالَتْ: لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ جَامَعَنِي وَالزَّوْجُ مُقِرٌّ بِجِمَاعِهَا فَهِيَ مُحْصَنَةٌ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَتَقَادَمَ مُكْثُهُ مَعَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا فَشُهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا فَقَالَ: جَامَعْتُهَا مُنْذُ دَخَلْت عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِوَلَدٍ يَظْهَرُ أَوْ بِإِقْرَارٍ بِالْوَطْءِ لَمْ يُرْجَمْ لِدَرْءِ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ، وَإِنْ عُلِمَ مِنْهُ إقْرَارٌ بِالْوَطْءِ قَبْلَ ذَلِكَ رُجِمَ.
قَالَ يَحْيَى: هَذَا اخْتِلَافٌ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تُوُهِّمَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى أَنَّ الزَّوْجَ مُقِرٌّ بِجِمَاعِهَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ تَدَّعِ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ وَطِئَهَا. رَاجَعَ التَّنْبِيهَاتِ.
(وَإِنْ قَالَتْ: زَنَيْتُ مَعَهُ
[ ٨ / ٣٩٩ ]
وَادَّعَى الْوَطْءَ وَالزَّوْجِيَّةَ أَوْ وُجِدَا فِي بَيْتٍ وَأَقَرَّا بِهِ وَادَّعَيَا النِّكَاحَ أَوْ ادَّعَاهُ فَصَدَّقَتْهُ أَوْ وَلِيُّهَا وَقَالَا: لَمْ نُشْهِدْ حُدَّا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا قَالَتْ امْرَأَةٌ زَنَيْتُ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ وَقَالَ الرَّجُلُ: هِيَ زَوْجَتِي وَقَدْ وَطِئْتُهَا أَوْ وُجِدَا فِي بَيْتٍ فَأَقَرَّا بِالْوَطْءِ وَادَّعَيَا النِّكَاحَ فَإِنْ لَمْ يَأْتِيَا بِبَيِّنَةٍ حُدَّا. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ النِّكَاحِ الْإِظْهَارُ وَالْإِعْلَانُ وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ شَهَادَةَ الْوَلِيِّ بِالنِّكَاحِ لَغْوٌ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: اشْتَرَى حُرَّةً وَهُوَ يَعْلَمُ بِهَا فَأَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَهَا حُدَّ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا تَحُدُّ هِيَ إنْ أَقَرَّتْ لَهُ بِالْمِلْكِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَإِنْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّهَا حُرَّةٌ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهَا دَعْوَاهَا الْحُرِّيَّةَ إذْ لَا بَيِّنَةَ لَهَا تَقُومُ بِهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ فِي بَيْتٍ فَشَهِدَ أَبُوهَا وَأَخُوهَا أَنَّ الْأَبَ زَوَّجَهَا إيَّاهُ فَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ وَيُعَاقَبَانِ، وَإِنْ ثَبَتَ الْوَطْءُ حُدَّ. ابْنُ يُونُسَ: رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» وَيُقَالُ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَلَأَنْ يَخْطَأَ حَاكِمٌ مِنْ الْحُكَّامِ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَخْطَأَ فِي الْعُقُوبَةِ إذَا رَأَيْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا فَادْرَءُوا الْحَدَّ عَنْهُ» ابْنُ شَاسٍ.
الْجِنَايَةُ الرَّابِعَةُ الْقَذْفُ وَفِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِهِ وَمُوجِبُهَا. الْبَابُ الثَّانِي فِي مَجَامِعِ أَحْكَامِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَذْفُ الْأَخَصُّ بِإِيجَابِ الْحَدِّ نِسْبَةُ آدَمِيٍّ مُكَلَّفٍ غَيْرَهُ حُرًّا عَفِيفًا مُسْلِمًا بَالِغًا أَوْ صَغِيرَةً تُطِيقُ الْوَطْءَ لِزِنًى أَوْ قَطْعِ نَسَبِ مُسْلِمٍ.
[ ٨ / ٤٠٠ ]
بَابٌ (قَذْفُ الْمُكَلَّفِ) ابْنُ رُشْدٍ: حَدُّ الْقَذْفِ يَجِبُ بِوَصْفَيْنِ فِي الْقَاذِفِ وَهُمَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ (حُرًّا مُسْلِمًا بِنَفْيِ نَسَبٍ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ نِسْبَةُ آدَمِيٍّ مُكَلَّفٍ غَيْرَهُ حُرًّا عَفِيفًا مُسْلِمًا بَالِغًا أَوْ صَغِيرَةً تُطِيقُ الْوَطْءَ لِزِنًى أَوْ قَطْعِ نَسَبٍ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَذَفَ ذِمِّيًّا زُجِرَ، وَمَنْ قَذَفَ نَصْرَانِيَّةً زَوْجَةَ مُسْلِمٍ نُكِّلَ، وَإِذَا افْتَرَى ذِمِّيٌّ عَلَى مُسْلِمٍ حُدَّ ثَمَانِينَ وَلَا يُحَدُّ إذَا زَنَى وَيُقْطَعُ إذَا سَرَقَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ لَسْتَ لِأَبِيكَ وَأَبَوَاهُ نَصْرَانِيَّانِ حُدَّ قَدْ كَانَ آبَاءُ الصَّحَابَةِ مُشْرِكِينَ (عَنْ أَبٍ وَجَدٍّ لَا أُمٍّ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْقَذْفُ مَا يَدُلُّ عَلَى الزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ وَالنَّفْيُ عَنْ الْأَبِ وَالْجَدِّ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ لَسْت ابْنَ فُلَانَةَ
[ ٨ / ٤٠١ ]
لَمْ يُحَدَّ. (وَلَا إنْ نُبِذَ) اُنْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ مَجْهُولًا ".
(أَوْ زَنَى) ابْنُ رُشْدٍ: يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي وَجْهَيْنِ
[ ٨ / ٤٠٢ ]
أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْمِيَهُ بِالزِّنَا، وَالثَّانِي أَنْ يَنْفِيَهُ مِنْ نَسَبِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ أُمُّهُ أَمَةً أَوْ كَافِرَةً.
(إنْ كُلِّفَ وَعَفَّ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ بِآلَةٍ وَبَلَغَ) ابْنُ رُشْدٍ: حَدُّ الْقَذْفِ يَجِبُ بِخَمْسَةِ أَوْصَافٍ فِي الْمَقْذُوفِ وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَفَافُ وَالْبُلُوغُ وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَتَاعُ الزِّنَا لَيْسَ بِحَصُورٍ وَلَا مَجْبُوبٍ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَادَ ﴿الْعَقْلُ﴾ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْعَفَافِ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُشْتَرَطُ إسْلَامُ الْمَقْذُوفِ وَحُرِّيَّتُهُ وَعَفَافُهُ وَعَقْلُهُ حِينَ رُمِيَ بِالْفَاحِشَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهَا: كُلُّ مَا لَا يُقَامُ فِيهِ الْحَدُّ لَيْسَ عَلَى مَنْ رَمَى بِهِ رَجُلًا حَدُّ الْفِرْيَةِ.
(كَأَنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَذَفَ صَبِيَّةً لَمْ تَبْلُغْ الْوَطْءَ وَمِثْلُهَا يُوطَأُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
(أَوْ مَجْهُولًا) ابْنُ شَاسٍ: مَنْ قَذَفَ مَجْهُولًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. الْبَاجِيُّ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَرُوِيَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِجَمَاعَةٍ: أَحَدُكُمْ زَانٍ أَوْ ابْنُ زَانِيَةٍ فَلَا يُحَدُّ إذْ لَا يُعْرَفُ مَنْ أَرَادَ، فَإِنْ قَامَ بِهِ جَمِيعُهُمْ فَقَدْ قِيلَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ: مَنْ قَالَ لَسْت ابْنَ فُلَانٍ لِجَدِّهِ حُدَّ كَانَ جَدُّهُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا. أَشْهَبُ: وَهَذَا إذَا كَانَتْ وِلَادَةُ
[ ٨ / ٤٠٤ ]
جَدِّهِ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَكُنْ مَجْهُولًا فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يُحَدَّ إنْ كَانَ مَوْلًى. وَكَذَلِكَ إنْ نَفَاهُ مِنْ أَبِيهِ دَنِيَّةً لِأَنَّ الْمَجْهُولِينَ لَا تَثْبُتُ أَنْسَابُهُمْ وَلَا يَتَوَارَثُونَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ حُدَّ. وَإِنْ كَانَتْ وِلَادَةُ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَوُلِدَ الْمَنْفِيُّ فِي الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ مَحْمُولًا مَعَ أَبِيهِ لَمْ يُحَدَّ مَنْ نَفَاهُ. وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ يَا ابْنَ الزَّانِي حُدَّ، وَلَوْ كَانَ أَبُوهُ مُسْلِمًا وَأُمُّهُ كَافِرَةً أَوْ أَمَةً فَقَدْ وَقَفَ فِيهَا مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنْ يُحَدَّ وَقَدْ نَصُّوا أَنَّ الْمَجْهُولِينَ لَا تَثْبُتُ أَنْسَابُهُمْ وَلَا يَتَوَارَثُونَ.
(وَإِنْ مُلَاعَنَةً وَابْنَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: عَلَى قَاذِفِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ وَقَاذِفِ أُمِّهِ الْحَدُّ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ الْمُلَاعَنَةُ وَابْنُهَا كَغَيْرِهِمَا وَاضِحٌ فِي نِسْبَتِهِمَا إلَى الزِّنَا بِعَدَمِ نَفْيِ عِتْقِهِمَا بِمَا اتَّصَفَا بِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَمَنْ قَالَ لِوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ: لَا أَبَا لَكَ حُدَّ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ.
(أَوْ عَرَّضَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الصِّيغَةُ صَرِيحَةٌ وَتَعْرِيضٌ وَالتَّعْرِيضُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ بَيِّنَةٍ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: كَقَوْلِهِ: أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ بِزَانٍ (غَيْرُ أَبٍ) ابْنُ مُحْرِزٍ: مَنْ عَرَّضَ لِوَلَدِهِ بِالْقَذْفِ لَمْ يُحَدَّ لِبُعْدِهِ عَنْ التُّهَمِ فِي وَلَدِهِ (إنْ أَفْهَمَ) ابْنُ شَاسٍ: حُكْمُ التَّعْرِيضِ حُكْمُ التَّصْرِيحِ إذَا فُهِمَ مِنْهُ الْقَذْفُ أَوْ النَّفْيُ.
(يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) هَذَا خَبَرُ قَوْلِهِ: " قَذْفٌ ".
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَدْرُ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى الْحُرِّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَشَطْرُهَا عَلَى ذَوِي رِقٍّ مِنْهُمَا.
(وَإِنْ كُرِّرَ لِوَاحِدٍ) أَبُو عُمَرَ: مَنْ قَذَفَ إنْسَانًا وَاحِدًا مِرَارًا حُدَّ لَهُ حَدًّا وَاحِدًا، فَإِذَا حُدَّ لَهُ ثُمَّ عَادَ فَقَذَفَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَيُزْجَرُ عَنْ ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْمُدَوَّنَةِ يُحَدُّ.
(أَوْ جَمَاعَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَذَفَ نَاسًا فِي مَجَالِسَ فَحَدُّهُ لِأَحَدِهِمْ حَدٌّ لِجَمِيعِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حِينَ حَدَّهُ (إلَّا بَعْدَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَذَفَ رَجُلًا فَلَمَّا ضُرِبَ أَسْوَاطًا قَذَفَهُ ثَانِيًا وَآخَرَ اُبْتُدِئَ الْحَدُّ عَلَيْهِ ثَمَانِينَ مِنْ حِينِ يَقْذِفُهُ وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا مَضَى مِنْ السِّيَاطِ (وَنِصْفُهَا عَلَى الْعَبْدِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ: شَطْرُهَا عَلَى ذِي رِقٍّ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى (كَلَسْتُ بِزَانٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِقَوْلِهِ: " غَيْرَ أَبٍ ".
(أَوْ زَنَتْ عَيْنُكَ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ قَالَ: زَنَى فَرْجُكَ فَهُوَ قَاذِفٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: زَنَتْ عَيْنُكَ أَوْ يَدُكَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَآهُ مِنْ
[ ٨ / ٤٠٥ ]
التَّعْرِيضِ.
(أَوْ مُكْرَهَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ مُسْتَكْرَهَةٌ أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيَّةٍ لَاعَنَ الزَّوْجَةَ وَحُدَّ لِلْأَجْنَبِيَّةِ.
(أَوْ عَفِيفُ الْفَرْجِ) الْبَاجِيُّ: مَنْ قَالَ فِي مُشَاتَمَتِهِ: إنَّكَ لَعَفِيفُ الْفَرْجِ حُدَّ.
(أَوْ لِعَرَبِيٍّ مَا أَنْتَ بِحُرٍّ أَوْ يَا رُومِيُّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِعَرَبِيٍّ: يَا مَوْلًى أَوْ يَا عَبْدُ أَوْ يَا رُومِيُّ حُدَّ.
(كَأَنْ نَسَبَهُ لِعَمِّهِ بِخِلَافِ جَدِّهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ نَسَبَهُ إلَى جَدِّهِ وَلَوْ فِي مُشَاتَمَةٍ لَمْ يُحَدَّ، وَكَذَا لَوْ نَسَبَهُ إلَى جَدِّهِ لِأُمِّهِ، وَلَوْ نَسَبَهُ إلَى عَمِّهِ أَوْ خَالِهِ أَوْ زَوْجِ أُمِّهِ حُدَّ.
(وَكَأَنْ قَالَ: أَنَا نَغِلٌ أَوْ وَلَدُ زِنًى) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ عَنْ نَفْسِهِ: أَنَا نَغِلٌ حُدَّ لِأَنَّهُ قَذَفَ أُمَّهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا نَغِلُ حُدَّ لِأَنَّهُ قَذْفٌ. الْجَوْهَرِيُّ: فُلَانٌ نَغِلٌ فَاسِدُ النَّسَبِ وَنَغِلَ الْأَدِيمُ أَيْ فَسَدَ.
(أَوْ كَيَا قَحْبَةُ أَوْ قَرْنَانُ) يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا قَحْبَةُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا قَرْنَانُ جُلِدَ لِزَوْجَتِهِ إنْ طَلَبَتْهُ لِأَنَّ الْقَرْنَانَ عِنْدَ النَّاسِ زَوْجُ الْفَاعِلَةِ.
(أَوْ ابْنَ مُنَزِّلَةِ الرُّكْبَانِ أَوْ ذَاتِ الرَّايَةِ) الْبَاجِيُّ: مَنْ قَالَ: يَا ابْنَ مُنَزِّلَةِ الرُّكْبَانِ فَفِي الْوَاضِحَةِ يُحَدُّ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: يَا ابْنَ ذَاتِ الرَّايَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْمَرْأَةُ الْبَغِيُّ تُنَزِّلُ الرُّكْبَانَ وَتَجْعَلُ عَلَى بَابِهَا رَايَةً.
(أَوْ فَعَلْتُ بِهَا فِي عُكَنِهَا) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ: فَعَلْتُ بِفُلَانَةَ فِي أَعْكَانِهَا أَوْ بَيْنَ فَخِذَيْهَا حُدَّ. الْبَاجِيُّ: وَجْهُهُ أَنَّهُ أَشَدُّ مِنْ التَّعْرِيضِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُحَدُّ.
(لَا إنْ نَسَبَ جِنْسًا لِغَيْرِهِ وَلَوْ أَبْيَضَ لِأَسْوَدَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ لِفَارِسِيٍّ: يَا رُومِيُّ أَوْ يَا حَبَشِيُّ أَوْ نَحْوَ هَذَا لَمْ يُحَدَّ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا وَإِنِّي أَرَى أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: يَا ابْنَ الْأَسْوَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي آبَائِهِ أَسْوَدُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. فَأَمَّا إنْ نَسَبَهُ إلَى حَبَشِيٍّ فَيَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ الْحَبَشِيِّ وَهُوَ بَرْبَرِيٌّ فَالْحَبَشِيُّ وَالرُّومِيُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ إذَا كَانَ بَرْبَرِيًّا. ابْنُ يُونُسَ: وَسَوَاءٌ قَالَ يَا حَبَشِيُّ أَوْ يَا ابْنَ الْحَبَشِيِّ وَالرُّومِيُّ أَوْ يَا ابْنَ الرُّومِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ، وَكَذَلِكَ عَنْهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ. انْتَهَى مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ يُونُسَ فَانْظُرْهُ أَنْتَ.
(إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَرَبِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِعَرَبِيٍّ: يَا حَبَشِيُّ أَوْ يَا فَارِسِيُّ أَوْ يَا رُومِيُّ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُنْسَبُ إلَى آبَائِهَا وَهَذَا نَفْيٌ لَهَا مِنْ آبَائِهَا.
(أَوْ قَالَ مَوْلًى لِغَيْرِهِ: أَنَا خَيْرٌ مِنْكَ) ابْنُ شَعْبَانَ: إنْ قَالَ مَوْلًى لِغَيْرِهِ: أَنَا خَيْرٌ مِنْكَ
[ ٨ / ٤٠٦ ]
حُدَّ.
(أَمَّا مَا لَكَ أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ) الْبَاجِيُّ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: لَيْسَ لَك أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: فِيهِ الْحَدُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقَذْفِ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الضَّعَةِ وَالْخُمُولِ.
(أَوْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ: أَحَدُكُمْ زَانٍ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ: أَحَدُكُمْ زَانٍ أَوْ ابْنُ زَانِيَةٍ لَمْ يُحَدَّ إذْ لَا يُعْرَفُ مَنْ أَرَادَ وَلَوْ قَامَ بِهِ جَمَاعَتُهُمْ.
(وَحُدَّ فِي مَأْبُونٍ إنْ كَانَ لَا يَتَأَنَّثُ) الَّذِي نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ لِمَنْ قِيلَ لَهُ: يَا مَأْبُونُ وَهُوَ رَجُلٌ فِي كَلَامِهِ تَأْنِيثٌ يَضْرِبَ
[ ٨ / ٤٠٧ ]
الْكَبَرَ وَيَلْعَبُ فِي الْأَعْرَاسِ وَيُغَنِّي وَيُتَّهَمُ بِمَا قِيلَ فَمَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْحَدِّ إلَّا أَنْ يُحَقِّقَ ذَلِكَ.
(وَفِي يَا ابْنَ النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ الْأَزْرَقِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي آبَائِهِ كَذَلِكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الْأَقْطَعِ أَوْ الْأَزْرَقِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ كَذَلِكَ جُلِدَ الْحَدَّ. وَإِنْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْيَهُودِيِّ حُدَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ كَذَلِكَ فَيُنَكَّلُ.
(وَفِي مُخَنَّثٍ إنْ لَمْ يَحْلِفْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا مُخَنَّثُ حُدَّ إلَّا أَنْ
[ ٨ / ٤٠٨ ]
يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَذْفًا فَإِنْ حَلَفَ أُدِّبَ وَلَمْ يُحَدَّ.
(وَأُدِّبَ فِي يَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ وَيَا ابْنَ الْفَاجِرَةِ أَوْ يَا حِمَارُ يَا ابْنَ الْحِمَارِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ أَوْ يَا ابْنَ الْفَاجِرَةِ فَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ النَّكَالُ، وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا حِمَارَ أَوْ يَا ابْنَ الْحِمَارِ فَعَلَيْهِ النَّكَالُ، وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا سَارِقُ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ نُكِّلَ، وَإِنْ قَذَفَهُ بِبَهِيمَةٍ أُدِّبَ أَدَبًا مُوجِعًا وَلَمْ يُحَدَّ إذْ لَا يُحَدُّ مَنْ أَتَى الْبَهِيمَةَ. وَمِنْ ابْنِ سَلْمُونَ: مَنْ قَالَ لِآخَرَ: يَا كَلْبُ أَوْ يَا ثَوْرُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَذَى وَعَلَيْهِ الْأَدَبُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَهُ: يَا خِنْزِيرُ فَعَلَيْهِ الْأَدَبُ عَلَى مَا يَرَاهُ السُّلْطَانُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ مَا لَا يُعْرَفُ بِالْأَذَى وَإِنَّمَا هِيَ زَلَّةٌ أَوْ فَلْتَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَالَ وَإِذَا شُهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ حُبِسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيُؤَدَّبُ عَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ، وَإِنْ زَادَ شَرُّهُ أُمِرَ بِالْكَفِّ عَنْ الْجِيرَانِ وَإِلَّا أُكْرِيَتْ دَارُهُ عَلَيْهِ. عِيَاضٌ: كَانَ ابْنُ يَعِيشَ صَلِيبًا فِي الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ التَّقَدُّمِ فِي الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا، أَفْتَى فِي رَجُلٍ يُصِيبُ بِعَيْنِهِ بِإِلْزَامِهِ دَارِهِ قِيَاسًا عَلَى الْإِبِلِ الصَّائِلَةِ وَالْمَاشِيَةِ الْعَادِيَةِ أَنَّهَا تُغَرَّبُ حَتَّى لَا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِهَا.
(أَوْ أَنَا عَفِيفٌ أَوْ إنَّكِ عَفِيفَةٌ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ فِي مُشَاتَمَةٍ: إنِّي لَعَفِيفُ الْفَرْجِ وَمَا أَنَا بِزَانٍ حُدَّ. ابْنُ عَرَفَةَ: فَقَيَّدَ الْحَدَّ فِي قَوْلِهِ: مَا أَنَا بِزَانٍ بِكَوْنِهِ فِي مُشَاتَمَةٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ شَاسٍ بِقَوْلِهِ: أَمَّا أَنَا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: مَا أَنَا بِزَانٍ حُدَّ. وَلَمْ يُقَيِّدْهَا الصَّقَلِّيُّ بِشَيْءٍ.
وَفِي الْمُوَطَّأِ: تَقْيِيدُهُ بِالْمُسَابَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي مُشَاتَمَةٍ: إنِّي لَعَفِيفٌ حُدَّ، وَلَوْ قَالَهُ لِرَجُلٍ حُدَّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ أَرَادَ عَفِيفًا فِي الْمَكْسَبِ وَالْمَطْعَمِ فَيَحْلِفُ وَلَا يُحَدُّ وَيُنَكَّلُ. وَمَنْ قَالَ فِي مُشَاتَمَتِهِ: إنَّكَ لَعَفِيفُ الْفَرْجِ حُدَّ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الْعَفِيفَةِ حَلَفَ مَا أَرَادَ قَذْفًا وَعُوقِبَ. أَصْبَغُ: إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ حُدَّ.
(أَوْ يَا فَاسِقُ أَوْ يَا
[ ٨ / ٤٠٩ ]
فَاجِرُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا فَاسِقُ أَوْ يَا فَاجِرُ فَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ النَّكَالُ.
(وَإِنْ قَالَتْ بِكَ جَوَابًا لِزَنَيْت حُدَّتْ لِلزِّنَا وَالْقَذْفِ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ: بِكَ زَنَيْتُ فَقَالَ مَالِكٌ: تُحَدُّ
[ ٨ / ٤١٠ ]
لِلرَّجُلِ لِلْقَذْفِ وَلِلزِّنَا وَلَا يُحَدُّ لَهَا لِأَنَّهَا صَدَّقَتْهُ.
(وَلَهُ حَدُّ أَبِيهِ وَفُسِّقَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَذَفَ وَلَدَهُ أَوْ وَلَدَ ابْنَتِهِ فَقَدْ اسْتَثْقَلَ مَالِكٌ أَنْ يُحَدَّ لِوَلَدِهِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ قَامَ بِحَقِّهِ حُدَّ لَهُ. زَادَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَلَا تُقْبَلُ
[ ٨ / ٤١١ ]
شَهَادَةُ الْوَلَدِ. .
(وَالْقِيَامُ بِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْقَذْفَ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ. وَاخْتُلِفَ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ، ثَالِثُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامَ، فَإِذَا بَلَغَهُ صَارَ حَقًّا لِلَّهِ وَلَمْ يَجُزْ لِصَاحِبِهِ الْعَفْوُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ.
(وَإِنْ عَلِمَهُ مِنْ نَفْسِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ عَلِمَ الْمَقْذُوفُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ زَنَى بِحَلَالٍ لَهُ أَنْ يَحُدَّ مَنْ قَالَ لَهُ: إنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ.
(كَوَارِثِهِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ وَقَدْ عَفَا فَلَا قِيَامَ لِوَارِثِهِ، وَإِنْ أَوْصَى بِالْقِيَامِ بِهِ لِوَارِثِهِ لَمْ يَكُنْ لِوَارِثِهِ عَفْوٌ، فَإِنْ لَمْ يَعْفُ فَالْحَقُّ لِوَرَثَةِ الْعَاصِبِ.
(وَإِنْ قُذِفَ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ وَلَدٍ وَوَلَدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَذَفَ مَيِّتًا فَلِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَأَبِيهِ وَإِنْ عَلَا الْقِيَامُ بِذَلِكَ، وَمَنْ قَامَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ بِحَدِّهِ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ لِأَنَّهُ عَيْبٌ. وَلَيْسَ لِلْإِخْوَةِ وَسَائِرِ الْعَصَبَةِ مَعَ هَؤُلَاءِ قِيَامٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ هَؤُلَاءِ وَاحِدٌ فَلِلْعَصَبَةِ الْقِيَامُ (وَلِكُلٍّ الْقِيَامُ بِهِ وَإِنْ حَصَّلَ هَذَا الْأَقْرَبُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لِوَلَدِهِ الْقِيَامُ وَإِنْ سَفَلَ وَلِأَبِيهِ وَإِنْ عَلَا وَمَنْ قَامَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ.
(وَالْعَفْوُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ إنْ أَرَادَ سَتْرًا) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّ الْقَذْفَ إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ لَمْ يَجُزْ عَفْوٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا.
(وَإِنْ قَذَفَ فِي الْحَدِّ اُبْتُدِئَ لَهُمَا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلَّا بَعْدَهُ " (إلَّا أَنْ يَبْقَى يَسِيرًا فَيُكْمِلَ الْأَوَّلُ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ جُلِدَ لِلْأَوَّلِ شَيْئًا ثُمَّ قَذَفَ آخَرَ اُسْتُؤْنِفَ الْحَدُّ، وَإِنْ بَقِيَ مِثْلُ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ فَلْيُتِمَّ الْحَدَّ ثُمَّ يُؤْتَنَفُ الْحَدُّ الثَّانِي. ابْنُ شَاسٍ.
[بَاب فِي السَّرِقَةُ]
[مُوجِب حَدّ السَّرِقَة وَعُقُوبَتهَا وَحُكْمهَا]
: الْجِنَايَةُ الْخَامِسَةُ السَّرِقَةُ وَالنَّظَرُ فِي ثَلَاثَةِ أَطْرَافٍ: الْأَوَّلُ فِي الْمُوجِبِ وَهُوَ السَّرِقَةُ وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْمَسْرُوقُ وَنَفْسُ السَّرِقَةِ وَهِيَ الْإِخْرَاجُ الرُّكْنُ الثَّالِثُ السَّارِقُ. الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْعُقُوبَةِ وَالْغُرْمُ. الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ
[ ٨ / ٤١٢ ]
بَابٌ
(تُقْطَعُ الْيُمْنَى وَتُحْسَمُ بِالنَّارِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: تُقْطَعُ الْيُمْنَى مِنْ الْكُوعِ وَتُحْسَمُ بِالنَّارِ.
قَالَ مَالِكٌ: تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ ثُمَّ يُحْسَمُ مَوْضِعُ الْقَطْعِ بِالنَّارِ، وَكَذَا فِي الرِّجْلِ، وَفِي الْيَدِ مِنْ مِفْصَلِ الْكُوعِ، وَفِي الرِّجْلِ مِنْ مِفْصَلِ الْكَعْبَيْنِ. ابْنُ اللُّبِّيِّ: كَانَ الشَّيْخُ يَقُولُ: عَلَى مَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ بِحَقٍّ مُدَاوَاتُهَا بِخِلَافِ
[ ٨ / ٤١٣ ]
مَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ ظُلْمًا هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ تَرْكِ التَّدَاوِي (إلَّا لِشَلَلٍ أَوْ نَقْصِ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى وَمَحَا لِيَدِهِ الْيُسْرَى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ سَرَقَ وَلَا يَمِينَ لَهُ وَلَهُ يَمِينٌ شَلَّاءُ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى. قَالَهُ مَالِكٌ. ثُمَّ عَرَضْتهَا عَلَيْهِ فَمَحَاهَا وَقَالَ: تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى. وَقَوْلُهُ فِي الرِّجْلِ الْيُسْرَى أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ سَرَقَ وَقَدْ ذَهَبَ مِنْ يُمْنَاهُ أُصْبُعٌ قُطِعَتْ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلَّا أُصْبُعٌ أَوْ أُصْبُعَانِ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى.
(ثُمَّ يَدُهُ ثُمَّ رِجْلُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ سَرَقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى. ثُمَّ يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُمْنَى.
(ثُمَّ عُزِّرَ وَحُبِسَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ سَرَقَ وَلَا يَدَيْنِ لَهُ وَلَا رِجْلَيْنِ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ لَكِنْ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ وَيَضْمَنُ السَّرِقَةَ إنْ كَانَ مُعْدَمًا.
(وَإِنْ تَعَمَّدَ إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ يُسْرَاهُ أَوَّلًا فَالْقَوَدُ وَالْحَدُّ بَاقٍ وَإِنْ خَطَأً أَجْزَأَ فَرِجْلُهُ الْيُمْنَى) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ قَطَعَ الْجَلَّادُ أَوْ الْإِمَامُ الْيُسْرَى عَمْدًا فَلَهُ الْقِصَاصُ وَالْحَدُّ بَاقٍ، وَخَطَأً فَيُجْزِئُ فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[أَرْكَان السَّرِقَة]
(بِسَرِقَةِ طِفْلٍ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ) ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ الْمَسْرُوقُ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ مَالٌ وَغَيْرُ مَالٍ. فَأَمَّا غَيْرُ الْمَالِ فَهُوَ الْحُرُّ الصَّغِيرُ، وَأَمَّا الْمَالُ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ نِصَابًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِ السَّارِقِ مُلْكًا مُحْتَرَمًا تَامًّا مُحْتَرَزًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ. فَهَذِهِ سِتَّةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ النِّصَابُ رُبْعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ سَرَقَ صَبِيًّا حُرًّا أَوْ عَبْدًا مِنْ حِرْزِهِ قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ عَبْدًا كَبِيرًا فَصِيحًا لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا قُطِعَ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ: حِرْزُ الصَّبِيِّ أَنْ يَكُونَ فِي دَارِ أَهْلِهِ. مُحَمَّدٌ: وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ وَيَحْفَظُهُ.
(أَوْ بِرُبْعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ) ابْنُ رُشْد: فِي حَدِّ النِّصَابِ عَشَرَةُ أَقْوَالِ أَصَحُّهَا قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّهُ لَا تُقْطَعُ يَدُ مَنْ سَرَقَ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَلَا مَنْ
[ ٨ / ٤١٤ ]
سَرَقَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ كَيْلًا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ (خَالِصَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: وَسَوَاءٌ كَانَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ طَيِّبَيْنِ أَوْ دَنِيَّيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَا مَغْشُوشَيْنِ بِالنُّحَاسِ فَلَا يُقْطَعُ فِي النِّصَابِ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ النُّحَاسُ الَّذِي فِيهِمَا تَافِهًا يَسِيرًا لَا قَدْرَ لَهُ (أَوْ مُسَاوِيهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّمَا تُقَوَّمُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِالدَّرَاهِمِ فَمَنْ سَرَقَ عَرْضًا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قَطَعَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ مِنْ الذَّهَبِ رُبْعَ دِينَارٍ، وَلَوْ سَاوَى رُبْعَ دِينَارٍ وَلَمْ يُسَاوِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ لَمْ يُقْطَعْ وَصَرْفُ الدِّينَارِ فِي حَدِّ الْقَطْعِ وَالدِّيَةِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوْ انْخَفَضَ (بِالْبَلَدِ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا تُقَوَّمُ السَّرِقَةُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ، كَانَ الْبَلَدُ يَجْرِي فِيهِ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ أَوْ لَا يَجْرِي فِيهِ أَحَدُهُمَا وَإِنَّمَا يَتَعَامَلُ النَّاسُ فِيهِ بِالْعُرُوضِ. وَمَا حَكَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ أَنَّ مَنْ سَرَقَ عَرْضًا فِي بَلَدٍ لَا يَتَعَامَلُ النَّاسُ فِيهِ إلَّا بِالْعُرُوضِ فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ فِي أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ إلَيْهِ الَّتِي يُتَعَامَلُ فِيهَا بِالدَّرَاهِمِ فَخَطَأٌ صُرَاحٌ لَا يَصِحُّ (شَرْعًا) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْمُقَوَّمِ مَنْفَعَتُهُ الْمُبَاحَةُ. فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ سَرَقَ حَمَامًا عُرِفَ بِالسَّبَقِ أَوْ طَائِرًا عُرِفَ بِالْإِجَابَةِ إذَا دُعِيَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُرَاعَى إلَّا قِيمَتُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّعِبِ وَالْبَاطِلِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْأَظْهَرُ فِي الطُّيُورِ الْمُتَّخَذَةِ لِسَمَاعِ أَصْوَاتِهَا لَغْوٌ حُسْنُ أَصْوَاتٍ فِي تَقْوِيمِهَا انْتَهَى. اُنْظُرْ هَلْ هَذَا فَرْعُ جَوَازِ سَجْنِهَا لِذَلِكَ، وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - ﵀ - يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ. وَمِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ فِي خِصَاءِ الْغَنَمِ لِلسِّمَنِ وَالْبَقَرِ لِلْحَرْثِ جَائِزٌ كَمَا لَمْ يُمْنَعْ الْأَطْفَالُ مِنْ اللَّعِبِ بِالْحَيَوَانِ. وَقَالَ - ﷺ -: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ»، «وَكُرِهَ خِصَاءُ الْخَيْلِ وَحَرُمَ خِصَاءُ الْآدَمِيِّ» .
(وَإِنْ كَمَاءٍ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: يُقْطَعُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْمَاءِ إذَا أُخِذَ لِوُضُوءٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(أَوْ جَارِحٍ لِتَعْلِيمِهِ أَوْ جِلْدِهِ بَعْدَ ذَبْحِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ بَازًا أَوْ غَيْرَهُ قُطِعَ، وَكَذَلِكَ غَيْرَ سِبَاعِهِ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يُؤْكَلُ وَأَمَّا سِبَاعُ الْوَحْشِ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ لُحُومُهَا فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ جُلُودِهَا إذَا ذُكِّيَتْ دُونَ أَنْ تُدْبَغَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا سَرَقَ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ الْمُعَلَّمَةِ فَلْيُنْظَرْ إلَى قِيمَتِهَا عَلَى مَا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنَّهُ يُقَوَّمُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِغَيْرِ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ كَانَ بَازًا مُعَلَّمًا أَوْ غَيْرَهُ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي أَدَاءِ الْمُحْرِمِ إيَّاهُ إذَا قَتَلَهُ.
قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَمَنْ سَرَقَ كَلْبًا صَائِدًا أَوْ غَيْرَ صَائِدٍ لَمْ يُقْطَعْ. لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَرَّمَ ثَمَنَهُ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ. اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْ الْحَمَامِ لَيَأْتِي بِالْأَخْبَارِ لَا اللَّعِبِ قُوِّمَ عَلَى مَا عُلِمَ فِيهِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَبْلُغُهُ وَيُبَلِّغُ الْمُكَاتَبَةَ إلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا دَلِيلُ تَعْلِيلِ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ بَازًا أَوْ طَيْرًا مُعَلَّمًا يُقَوَّمُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ التَّعْلِيمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَاطِلِ.
(أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ إنْ زَادَ دَبْغُهُ نِصَابًا) الْبَاجِيُّ: لَا قَطْعَ فِي جِلْدِ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ وَأَمَّا الْمَدْبُوغُ فَقِيلَ: إنْ كَانَ قِيمَةُ مَا فِيهِ مِنْ الصَّنْعَةِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا هُوَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ.
(إنْ ظَنَّهَا فُلُوسًا أَوْ الثَّوْبَ فَارِغًا) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا أَوْ ثَوْبًا دُونَ النِّصَابِ فِيهِ دَرَاهِمُ
[ ٨ / ٤١٥ ]
قُطِعَ بِخِلَافِ خَشَبَةٍ أَوْ حَجَرٍ فِيهِ ذَلِكَ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الثَّوْبُ وَشَبَهُهُ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ يُدْفَعُ فِي مِثْلِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، وَلَوْ سَرَقَ شَيْئًا لَا يُدْفَعُ ذَلِكَ فِيهِ كَالْحَجَرِ وَالْخَشَبَةِ لَمْ يُقْطَعْ إلَّا فِي قِيمَةِ ذَلِكَ دُونَ مَا دُفِعَ فِيهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ.
(أَوْ شَرِكَةِ صَبِيٍّ لَا أَبِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ سَرَقَ رَجُلٌ مَعَ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ مَعَ أَبِي الْوَلَدِ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
(وَلَا طَيْرٍ لِإِجَابَتِهِ) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " شَرْعًا " (وَلَا إنْ تَكَمَّلَ بِمِرَارٍ فِي لَيْلَةٍ) اُنْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ سُمِعَ أَشْهَبُ فِي السَّارِقِ يَجِدُ الْقَمْحُ فِي الْبَيْتِ فَيَنْقُلُ مِنْهُ قَلِيلًا لَا يُقْطَعُ فِيهِ وَيَجْتَمِعُ مِنْهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ يُقْطَعُ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ لَمَّا رَأَى جَمِيعَهُ قَصَدَ أَخْذَ جَمِيعِهِ بِقَصْدٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ بِخِلَافٍ لِسَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ بْنَ الْقَاسِمِ إنْ دَخَلَ السَّارِقُ الْبَيْتَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ عِشْرِينَ مَرَّةً يُخْرِجُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ وَفِي جَمِيعِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ لَا يُقْطَعُ. ابْنُ عَرَفَةَ فَالْخِلَافُ فِي هَذَا خِلَافٌ فِي حَالِ.
(أَوْ اشْتَرَكَا فِي حَمْلٍ إنْ اسْتَقَلَّ كُلٌّ وَلَمْ يَنُبْهُ نِصَابٌ) اللَّخْمِيِّ: إنْ خَرَجَ جَمِيعُهُمْ لِسَرِقَةٍ حَمَلُوهَا لَا يُسْتَطَاعُ إخْرَاجُهَا إلَّا بِجَمَاعَتِهِمْ قُطِعُوا بِبُلُوغِهَا رُبْعَ دِينَارٍ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً خَرَجَ بِهَا جَمِيعُهُمْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِهَا أَحَدُهُمْ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُقْطَعُونَ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَقَطْ. اُنْظُرْ رَابِعَهُ تَرْجَمَةً مِنْ كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(لَا إنْ قَالَ سَرَقْت مِلْكَ غَيْرٍ وَلَوْ كَذَّبَهُ رَبُّهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا وَكَذَّبَهُ فُلَانٌ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِإِقْرَارِهِ وَيَبْقَى الْمَتَاعُ لَهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ رَبُّهُ فَيَأْخُذَهُ.
(أَوْ أَخَذَ لَيْلًا وَادَّعَى الْإِرْسَالَ وَصُدِّقَ إنْ أَشْبَهَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ سَرَقَ مَتَاعًا لِرَجُلٍ وَقَالَ: إنَّ رَبَّ الْمَتَاعِ أَرْسَلَنِي فَلْيُقْطَعْ، وَإِنْ صَدَّقَهُ رَبُّهُ أَنَّهُ بَعَثَهُ كَانَ مَعَهُ فِي بَلَدٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَإِنْ أَخَذَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَمَعَهُ مَتَاعٌ فَقَالَ: فُلَانٌ أَرْسَلَنِي إلَى مَنْزِلِهِ فَأَخَذْت لَهُ مِنْهُ هَذَا الْمَتَاعَ، فَإِنْ عُرِفَ مِنْهُ انْقِطَاعٌ إلَيْهِ وَأَشْبَهَ مَا قَالَ: لَمْ يُقْطَعْ وَإِلَّا قُطِعَ وَلَمْ يُصَدَّقْ.
(لَا مِلْكِهِ مِنْ مُرْتَهِنٍ وَمُسْتَأْجِرٍ كَمِلْكِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ) ابْنُ شَاسٍ: الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا
[ ٨ / ٤١٦ ]
لِغَيْرِ السَّارِقِ. فَلَوْ سَرَقَ مِلْكَ نَفْسِهِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا قَطْعَ، وَلَوْ طَرَأَ الْمِلْكُ بِإِرْثٍ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحِرْزِ فَلَا قَطْعَ وَبَعْدَهُ لَا يُؤَثِّرُ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا نَصُّ الْغَزَالِيِّ وَمُقْتَضَى مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ.
(مُحْتَرَمٍ لَا خَمْرٍ وَطُنْبُورٍ إلَّا أَنْ يُسَاوِيَ بَعْدَ كَسْرِهِ نِصَابًا) ابْنُ شَاسٍ: الشَّرْطُ الثَّالِثُ يَعْنِي مِنْ شُرُوطِ الْمَسْرُوقِ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرَمًا، فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَلَا عَلَى سَارِقِ الطُّنْبُورِ مِنْ الْمَلَاهِي وَالْمَزَامِيرِ وَالْعُودِ وَشَبَهِهِ مِنْ آلَاتِ اللَّهْوِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي قِيمَةِ مَا يَبْقَى مِنْهَا بَعْدَ إفْسَادِ صُورَتِهَا وَإِذْهَابِ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ بِهَا رُبْعُ دِينَارٍ فَأَكْثَرُ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ لَا قَطْعَ فِي خَمْرٍ وَلَوْ سَرِقَةً لِذِمِّيٍّ، إلَّا أَنَّهُ يُغْرَمُ لَهُ مَعَ وَجِيعِ الْأَدَبِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدُّفِّ وَالْكَبَرِ (وَلَا كَلْبٍ مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ جَارِحٍ ".
(أَوْ جَارِحٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ بَعْدَ ذَبْحِهَا) أَصْبَغُ: إنْ سَرَقَ أُضْحِيَّةً قَبْلَ ذَبْحِهَا قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَهَا بَعْدَ الذَّبْحِ لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ فِي فَلَسٍ وَلَا تَوَارُثٍ إنَّمَا تُورَثُ لِتُؤْكَلَ (بِخِلَافِ لَحْمِهَا مِنْ فَقِيرٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ الذَّبْحِ قَوْلَانِ بِخِلَافِ لَحْمِهَا مِمَّنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ قَدْ مَلَكَهَا. وَانْظُرْ هَذَا فَهُوَ فَرْعُ جَوَازِ بَيْعِ الْمِسْكِينِ لَهُ وَهُوَ مُخْتَارُ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ لِأَكْلِهِ - ﷺ - هَدِيَّةَ بَرِيرَةَ خِلَافًا لِقَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي لَمْ يُنْقَلْ. ابْنُ يُونُسَ: خِلَافُهُ. اُنْظُرْ الْمُنْتَقَى فِي نَقْلِهِ عَنْ أَشْهَبَ وَتَوْجِيهَهُ.
(تَامِّ الْمِلْكِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ وَإِنْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْغَنِيمَةِ) ابْنُ شَاسٍ: الشَّرْطُ الرَّابِعُ يَعْنِي مِنْ شُرُوطِ الْمَسْرُوقِ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ تَامًّا قَوِيًّا، فَلَوْ كَانَ لِلسَّارِقِ فِيهِ شَرِكَةٌ وَلَمْ يُحْجَبْ عَنْهُ بَلْ يَدُهُ جَائِلَةٌ مَعَ شَرِيكِهِ فَلَا قَطْعَ، وَأَمَّا مَا حُجِبَ عَنْهُ فَسَرَقَ مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى نَصِيبِهِ مِنْ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا كَامِلًا فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. أَمَّا مَالُ بَيْتِ الْمَالِ وَالْمَغَانِمِ بَعْدَ حِيَازَتِهَا فَيُقْطَعُ سَارِقُهَا وَإِنْ لَمْ يَزِدْ مَا أَخَذَ عَنْ النِّصَابِ إذْ لَا بَالَ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى. اُنْظُرْ لَوْ كَانَتْ سَرِيَّةً مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(أَوْ مَالِ شَرِكَةٍ إنْ حُجِبَ عَنْهُ وَسَرَقَ فَوْقَ حَقِّهِ نِصَابًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ سَرَقَ الشَّرِيكُ مِنْ مَتَاعِ الشَّرِكَةِ مَا قَدْ أَغْلَقَا عَلَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ أَوْدَعَاهُ رَجُلًا قُطِعَ إنْ كَانَ فِيمَا سَرَقَ مِنْ حَظِّ شَرِيكِهِ مَا قِيمَتُهُ رُبْعُ دِينَارٍ فَضْلًا عَنْ حِصَّتِهِ.
(إلَّا لِجَدٍّ وَلَوْ لِأُمٍّ) اللَّخْمِيِّ: لَا قَطْعَ عَلَى أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ فِي سَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ الْأَجْدَادُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَالْأَبِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُقْطَعُوا لِأَنَّهُمْ آبَاءٌ، وَإِنْ سَرَقَ الِابْنُ مِنْ مَالِ أَبِيهِ قُطِعَ.
(وَلَا مِنْ جَاحِدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ سَرَقَ مَتَاعًا كَانَ قَدْ أَوْدَعَهُ رَجُلًا فَجَحَدَهُ إيَّاهُ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْدَعَهُ هَذَا الْمَتَاعَ نَفْسَهُ لَمْ يُقْطَعْ.
(أَوْ مُمَاطِلٍ لِحَقِّهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَا قَطْعَ عَلَى مُسْتَحَقِّ الدَّيْنِ إذَا سَرَقَ مِنْ غَرِيمِهِ الْمُمَاطِلِ جِنْسَ حَقِّهِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ فِي كَافِيهِ مَا نَصُّهُ: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ مِثْلَ دَيْنِهِ، وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ بِتَجْوِيزِهِمْ لِذِي الْحَقِّ أَخْذَ مَالِهِ مِنْ غَرِيمِهِ كَيْفَ مَا أَمْكَنَهُ، وَقَدْ
[ ٨ / ٤١٧ ]
رَوَى ذَلِكَ زِيَادٌ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
(مُخْرَجٍ مِنْ حِرْزٍ بِأَنْ لَا يُعَدُّ الْوَاضِعُ فِيهِ مُضَيَّعًا) ابْنُ شَاسٍ: الشَّرْطُ السَّادِسُ يَعْنِي مِنْ شُرُوطِ الْمَسْرُوقِ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّزًا. مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان هُوَ حِرْزٌ لِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَادَاتِ النَّاسِ فِي إحْرَازِ أَمْوَالِهِمْ. وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كُلُّ مَا لَا يُعَدُّ صَاحِبُ الْمَالِ فِي الْعَادَةِ مُضَيِّعًا لِمَالِهِ بِوَضْعِهِ فِيهِ (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ هُوَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ أَخَذَ فِي الْحِرْزِ بَعْدَ أَنْ أَلْقَى الْمَتَاعَ خَارِجًا مِنْهُ فَقَدْ شَكَّ فِيهِ مَالِكٌ بَعْدَ أَنْ قَالَ لِي يُقْطَعُ وَأَنَا أَرَى أَنْ يُقْطَعَ.
(أَوْ ابْتَلَعَ دُرَّةً) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ ابْتَلَعَ دُرَّةً وَخَرَجَ قُطِعَ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا مُقْتَضَى الْمُدَوَّنَةِ وَلَا أَعْرِفُهُ نَصًّا إلَّا لِلْغَزَالِيِّ.
(أَوْ ادَّهَنَ بِمَا يُحَصَّلُ مِنْهُ نِصَابٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا دَخَلَ السَّارِقُ الْحِرْزَ فَأَكَلَ الطَّعَامَ فِيهِ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ: يُقْطَعْ وَضَمِنَهُ، وَإِنْ دَهَنَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ فِي الْحِرْزِ بِدُهْنٍ ثُمَّ خَرَجَ فَإِنْ كَانَ مَا فِي رَأْسِهِ مِنْ الدُّهْنِ لَوْ سُلِتَ بَلَغَ رُبْعَ دِينَارٍ قُطِعَ وَإِلَّا لَمْ يُقْطَعْ.
(أَوْ أَشَارَ إلَى شَاةٍ بِالْعَلَفِ فَخَرَجَتْ) سُمِعَ أَشْهَبُ: مَنْ أَشَارَ إلَى شَاةٍ فِي حِرْزٍ لَمْ يَدْخُلْهُ بِالْعَلَفِ فَخَرَجَتْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْطَعُ. ابْنُ رُشْدٍ: الْقَطْعُ هُوَ الْأَظْهَرُ (أَوْ اللَّحْدِ) قَالَ بَعْدَ هَذَا: أَوْ قَبْرٍ فَانْظُرْ أَنْتَ هَذَا.
(أَوْ الْخِبَاءِ أَوْ بِمَا فِيهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا وَضَعَ الْمُسَافِرُ مَتَاعَهُ فِي خِبَائِهِ أَوْ خَارِجًا مِنْهُ وَذَهَبَ لِحَاجَةٍ فَسَرَقَهُ رَجُلٌ أَوْ سَرَقَ لِمُسَافِرٍ فُسْطَاطًا مَضْرُوبًا بِالْأَرْضِ قُطِعَ.
(أَوْ فِي حَانُوتٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ الْحَوَانِيتِ وَالْمَنَازِلِ وَالْبُيُوتِ (أَوْ فِنَائِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مَا وُضِعَ فِي أَفْنِيَةِ الْحَوَانِيتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقْطَعُ مَنْ أَخَذَ مِنْ خَارِجِ الْخِبَاءِ.
(أَوْ مَحْمَلٍ أَوْ ظَهْرِ دَابَّةٍ وَإِنْ غِيبَ عَنْهُنَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَالدُّورُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا غَابَ أَهْلُهَا أَوْ حَضَرُوا، وَيُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مَا وُضِعَ فِي أَفْنِيَةِ الْحَوَانِيتِ. اللَّخْمِيِّ: يُرِيدُ إذَا كَانَ مَعَهُ صَاحِبُهُ، وَاخْتُلِفَ إنْ غَابَ عَنْهُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ سَرَقَ مِنْ مَحْمَلٍ شَيْئًا أَوْ أَخَذَ مِنْ أَعْلَى الْبَعِيرِ غَرَائِرَ أَوْ شَقَّهَا فَأَخَذَ مِنْهَا مَتَاعًا أَوْ أَخَذَ ثَوْبًا مِنْ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ مُسْتَتِرًا
[ ٨ / ٤١٨ ]
قُطِعَ. وَسُمِعَ أَشْهَبُ: مَنْ سَرَقَ مِنْ الْمَحْمَلِ وَلَيْسَ صَاحِبُهُ فِيهِ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ.
(أَوْ بِجَرِينٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ جَمَعَ الْجَرِينَ الْحَبَّ وَالتَّمْرَ وَغَابَ رَبُّهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ وَلَا حَائِطٌ وَلَا غَلَقَ قُطِعَ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ.
(أَوْ سَاحَةِ دَارٍ لِأَجْنَبِيٍّ إنْ حُجِرَ عَلَيْهِ) ابْنُ يُونُسَ: الدَّارُ الْمُشْتَرَكَةُ الْمَأْذُونُ فِيهَا لِسَاكِنِهَا مَنْ سَرَقَ مِنْ السُّكَّانِ مِنْ بَيْتِ مَحْجُورٍ عَنْهُ فَإِنَّهُ إذَا أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ الْبَيْتِ إلَى السَّاحَةِ قُطِعَ لِأَنَّهُ صَيَّرَهُ إلَى غَيْرِ حِرْزٍ لَهُ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ السَّاحَةِ لَمْ يُقْطَعْ وَإِنْ خَرَجَ بِهِ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ السَّارِقُ غَيْرَ السَّاكِنِ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ، سَوَاءٌ سَرَقَ الْمَتَاعَ مِنْ الْبَيْتِ أَوْ مِنْ السَّاحَةِ، وَقَالَهُ سَحْنُونَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا إنَّهُ يُقْطَعُ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْبَيْتِ إلَى السَّاحَةِ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ السَّاحَةِ لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْجَمِيعِ.
(كَالسَّفِينَةِ) ابْنُ رُشْدٍ: حُكْمُ السَّرِقَةِ مِنْ السَّفِينَةِ بَيْنَ أَهْلِهَا كَحُكْمِ السَّرِقَةِ مِنْ صَحْنِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ.
(أَوْ خَانِ الْأَثْقَالِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الدَّارُ الْمُشْتَرَكَةُ الْمَأْذُونُ فِيهَا إذَا سَرَقَ الرَّجُلُ مِنْهَا دَوَابَّ مِنْ مَرَابِطِهَا قُطِعَ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنْ أَخَذَ فِي الدَّارِ إذَا جَاوَزَ مِنْهَا مَرَابِطَهَا وَكَذَلِكَ الْأَعْكَامُ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَعْدَالُ أَوْ الشَّيْءُ الثَّقِيلُ قَدْ جُعِلَ ذَلِكَ مَوْضِعُهُ فَهُوَ كَالدَّابَّةِ عَلَى مُدُودِهَا فِي الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ أَنَّهُ يُقْطَعُ إذَا بَرَزَ بِهِ مِنْ مَوْضِعِهِ.
قَالَ: وَأَمَّا الْمَتَاعُ يَكُونُ فِي قَاعَتِهَا مِمَّا جُعِلَ لِيُدْفَعَ لَا عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ، فَهَذَا إنَّمَا يُقْطَعُ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يُؤْذَنُ فِيهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ كَالْقَيَاصِيرِ فَلَا يُقْطَعُ فِي هَذَا الْمَتَاعِ.
(أَوْ زَوْجٍ بِمَا حُجِرَ عَلَيْهِ) وَلِلَّخْمِيِّ: إنْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ مِنْ مَوْضِعٍ مَحْجُورٍ بَائِنٍ عَنْ مَسْكَنِهِمَا قُطِعَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَسَرَقَ مِنْ تَابُوتٍ مُغْلَقٍ أَوْ بَيْتٍ مَحْجُورٍ مَعَهُمَا فِي الدَّارِ أَوْ الدَّارُ غَيْرُ مُشْتَرَكَةٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْطَعُ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يُقْطَعُ. وَعَدَمُ الْقَطْعِ أَحْسَنُ إنْ كَانَ الْقَصْدُ بِالْغَلْقِ وَالتَّحَفُّظِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ يَطْرُقُهَا، وَإِنْ كَانَ لِتَحَفُّظِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ قُطِعَ.
(أَوْ مَوْقِفِ دَابَّةٍ لِبَيْعٍ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: فِي الشَّاةِ تُوقَفُ فِي السُّوقِ لِلْبَيْعِ مَنْ سَرَقَهَا قُطِعَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَرْبُوطَةً.
(أَوْ غَيْرِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ كَانَ لِلدَّوَابِّ مَرَابِطُ مَعْرُوفَةٌ فِي السِّكَّةِ فَمَنْ سَرَقَهَا مِنْ مَرَابِطِهَا قُطِعَ لِأَنَّ ذَلِكَ حِرْزُهَا.
(أَوْ قَبْرٍ) ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: الْقَبْرُ حِرْزٌ لِمَا فِيهِ كَالْبَيْتِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ سَرَقَ كَفَنًا مِنْ الْقَبْرِ قُطِعَ (أَوْ بَحْرٍ لِمَنْ رُمِيَ بِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ مَاتَ فِي الْبَحْرِ فَكُفِّنَ وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ قُطِعَ مَنْ أَخَذَ كَفَنَهُ سَوَاءٌ شُدَّ فِي خَشَبَةٍ أَمْ لَا. ابْنُ عَرَفَةَ: لِأَنَّهُ قَبْرُهُ (لِكَفَنٍ) قَالَ بَهْرَامَ: هَذَا رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ.
(أَوْ سَفِينَةٍ بِمِرْسَاةٍ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: إنْ كَانَتْ السَّفِينَةُ فِي الْمَرْسَى عَلَى أَوْتَادِهَا أَوْ بَيْنَ السُّفُنِ أَوْ بِمَوْضِعٍ لَهَا حِرْزٌ فَعَلَى سَارِقِهَا الْقَطْعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّاةً أَوْ فَلَتَتْ وَلَا أَحَدَ مَعَهَا فَلَا قَطْعَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا أَحَدٌ. وَإِذَا كَانَ فِيهَا
[ ٨ / ٤١٩ ]
مُسَافِرُونَ فَأَرْسَوْهَا فِي مَرْسًى وَرَبَطُوهَا وَنَزَلُوا كُلُّهُمْ وَتَرَكُوهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَهَا.
(أَوْ أَكَلَ شَيْئًا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ فَمَكَانُهُ حِرْزٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَعَ صَاحِبِهِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَهُوَ مُحْرَزٌ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ سُرِقَ رِدَاؤُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ نَائِمٌ قَرِيبٌ مِنْهُ قُطِعَ سَارِقُهُ إنْ كَانَ مُنْتَبِهًا، وَكَالنَّعْلَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَحَيْثُ يَكُونَانِ مِنْ الْمُنْتَبِهِ.
(أَوْ مَطْمَرٍ قَرُبَ) سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ سَرَقَ مِنْ مَطَامِيرَ فِي الْفَلَاةِ أَسْلَمَهَا رَبُّهَا وَأَخْفَاهَا فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ بِحَضْرَةِ أَهْلِهِ مَعْرُوفًا مُبَيَّنًا قُطِعَ سَارِقُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُحْرِزْ طَعَامَهُ بِحَالٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: فَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ.
(أَوْ قِطَارٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ احْتَمَلَ بَعِيرًا مِنْ الْقِطَارِ فِي سَيْرِهِ وَبَانَ بِهِ قُطِعَ. ابْنُ يُونُسَ: وَرَوَى مُحَمَّدٌ: إنْ سِيقَتْ الْإِبِلُ غَيْرُ مَقْطُورَةٍ فَمَنْ سَرَقَ مِنْهَا قُطِعَ وَالْمَقْطُورَةُ أَبْيَنُ.
(وَنَحْوِهِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الدَّارُ الْمُشْتَرَكَةُ الْمَأْذُونُ فِيهَا إذَا سَرَقَ رَجُلٌ مِنْهَا دَوَابَّ مِنْ مَرَابِطِهَا قُطِعَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهَا مَرَابِطُ مَعْرُوفَةٌ فِي السِّكَّةِ فَسَرَقَهَا رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قُطِعَ لِأَنَّ ذَلِكَ حِرْزُهَا.
(أَوْ أَزَالَ بَابَ الْمَسْجِدِ أَوْ سَقْفَهُ) سُمِعَ عِيسَى: مَنْ سَرَقَ أَبْوَابَ الْمَسْجِدِ قُطِعَ. ابْنُ رُشْدٍ: وَكَذَا مَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِمَّا هُوَ مُثَبَّتٌ بِهِ كَجَائِزَةٍ مِنْ جَوَائِزِهِ. مُحَمَّدٌ: أَوْ خَشَبَةً مِنْ سَقْفِهِ.
(أَوْ أَخْرَجَ قَنَادِيلَهُ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْقَطْعِ فِي قَنَادِيلِ الْمَسْجِدِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ مَسْجِدًا يُغْلَقُ عَلَيْهِ.
(أَوْ حُصْرَهُ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْقَطْعِ فِي حُصْرِ الْمَسْجِدِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ تَسَوَّرَ عَلَيْهَا لَيْلًا، وَرَابِعُهَا إنْ خُيِّطَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَخَامِسُهَا إنْ كَانَ عَلَيْهَا غَلْقٌ.
(أَوْ بُسُطَهُ إنْ تُرِكَتْ بِهِ) ابْنُ الْمَاجِشُونِ: الطَّنْفَسَةُ يَبْسُطُهَا الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ لِجُلُوسِهِ إنْ جَعَلَهَا كَحَصِيرٍ مِنْ حُصْرِهِ فَسَارِقُهَا كَسَارِقِ الْحَصِيرِ، وَأَمَّا طَنْفَسَةٌ يَذْهَبُ بِهَا رَبُّهَا وَتُرْفَعُ فَإِنْ نَسِيَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا قَطْعَ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَسْجِدِ غَلْقٌ لِأَنَّ الْغَلْقَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَجْلِهَا وَلَمْ يَكِلْهَا رَبُّهَا إلَى غَلْقٍ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ اُنْظُرْ سَمَاعَ عِيسَى فِي الْبُسُطِ.
(أَوْ حَمَّامٍ إنْ دَخَلَ لِلسَّرِقَةِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ فِي الْحَمَّامِ مَعَ الثِّيَابِ مَنْ يَحْرُسُهَا فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَهَا حَتَّى يَخْرُجَ بِهَا مِنْ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ السَّارِقُ قَدْ دَخَلَ لِلتَّحْمِيمِ. وَأَمَّا مَنْ دَخَلَ لِلسَّرِقَةِ فَأَخَذَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْحَمَّامِ فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَجْنَبِيِّ يَسْرِقُ مِنْ بُيُوتِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ السَّاكِنِينَ فَيُؤْخَذُ فِي الدَّارِ
[ ٨ / ٤٢٠ ]
قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ.
(أَوْ نَقَبَ أَوْ تَسَوَّرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ سَرَقَ مَتَاعًا مِنْ الْحَمَّامِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يَحْرُسُهُ قُطِعَ وَإِلَّا لَمْ يُقْطَعْ إلَّا أَنْ يَسْرِقَهُ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ الْحَمَّامَ مِنْ مَدْخَلِ النَّاسِ مِنْ بَابِهِ مِثْلُ أَنْ يَتَسَوَّرَ أَوْ يَنْقُبَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمَتَاعِ حَارِسٌ.
(أَوْ حَارِسٌ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي تَقْلِيبٍ وَصُدِّقَ مُدَّعِي الْخَطَأِ أَوْ حَمَلَ عَبْدًا لَمْ يُمَيِّزْ أَوْ خَدَعَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ سَرَقَ عَبْدًا فَصِيحًا كَبِيرًا لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا قُطِعَ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ حَمَلَ عَبْدًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ خَدَعَهُ فَأَخَذَهُ قُطِعَ بِخِلَافِ الْمُمَيِّزِ.
(أَوْ أَخْرَجَهُ فِي ذِي الْإِذْنِ الْعَامِّ لِمَحَلِّهِ) بَهْرَامَ: أَيْ إلَى مَحَلِّ الْإِذْنِ الْعَامِّ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزٍ إلَى غَيْرِ حِرْزٍ.
قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ. ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الدَّارُ الَّتِي أَذِنَ فِيهَا سَاكِنُهَا أَوْ مَالِكُهَا إذْنًا عَامًّا لِلنَّاسِ كَالْعَالِمِ وَالطَّبِيبِ يَأْذَنُ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِمْ إلَيْهِ فِي دَارِهِ أَوْ كَالرَّجُلِ يَحْجُرُ عَلَى نَفْسِهِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ دَارِهِ وَيَتْرُكُ بَابَهَا مَفْتُوحًا تُدْخَلُ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَهَذِهِ يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بُيُوتِهَا الْمُحَجَّرَةِ إذَا خَرَجَ بِسَرِقَتِهِ عَنْ جَمِيعِ الدَّارِ، وَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ قَاعَةِ الدَّارِ وَمَا لَمْ يُغْلَقْ مِنْ بُيُوتِهَا وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الدَّارِ.
(لَا إذْنٍ خَاصٍّ كَضَيْفٍ مِمَّا حُجِرَ عَنْهُ وَلَوْ خَرَجَ مِنْ جَمِيعِهِ) ابْنُ زَرْبٍ: خِصَالٌ لَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ فِيهَا فَمِنْهَا سَرِقَةُ الضَّيْفِ وَالْجَائِعِ فِي الشِّدَّةِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا الدَّارُ الَّتِي أَذِنَ فِيهَا سَاكِنُهَا أَوْ مَالِكُهَا الْخَاصُّ مِنْ النَّاسِ كَالرَّجُلِ يُضَيِّفُ الضَّيْفَ فَيُدْخِلُهُ دَارِهِ أَوْ يَبْعَثُ الرَّجُلَ إلَى دَارِهِ لِيَأْتِيَهُ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِهَا بِمَتَاعِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَاخْتُلِفَ إذَا سَرَقَ الضَّيْفُ أَوْ الرَّجُلُ الْمَبْعُوثُ مِنْ بَيْتٍ مُغْلَقٍ قَدْ حُجِرَ عَلَيْهِ دُخُولُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ لَا يُقْطَعُ وَإِنْ خَرَجَ بِمَا سَرَقَ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ لِأَنَّهُ خَائِنٌ وَلَيْسَ بِسَارِقٍ.
(وَلَا إنْ نَقَلَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ نَقَلَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ لَمْ يُقْطَعْ. ابْنُ حَارِثٍ: اتَّفَقُوا فِي السَّارِقَيْنِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مِنْ دَاخِلِ الْحِرْزِ وَالْآخَرُ مِنْ خَارِجِهِ فَيُخْرِجُ الدَّاخِلُ يَدَهُ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ بِالْمَتَاعِ فَيَتَنَاوَلُهُ الْخَارِجُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى الْخَارِجِ. فَلَوْ أَدْخَلَ الْخَارِجُ يَدَهُ إلَى دَاخِلِ الْحِرْزِ فَأَعْطَاهُ الدَّاخِلُ بِالْمَتَاعِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْطَعُ الْخَارِجُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْطَعَانِ مَعًا. وَاتَّفَقُوا فِي السَّارِقِ يُؤْخَذُ فِي الْحِرْزِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ الْمَتَاعَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ.
(وَلَا فِيمَا عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَعَهُ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ سَرَقَ قُرْطَ صَبِيٍّ أَوْ شَيْئًا مِمَّا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ وَلَا حَافِظَ لَهُ وَلَا فِي حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ وَإِلَّا قُطِعَ (وَلَا عَلَى دَاخِلٍ تَنَاوَلَ مِنْ الْخَارِجِ) تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا إنْ لَمْ يُخْرِجْ الدَّاخِلُ يَدَهُ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ.
(وَلَا إنْ اخْتَلَسَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي اخْتِلَاسٍ (أَوْ كَابَرَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَلَوْ أَخَذَ اخْتِلَاسًا أَوْ مُكَابَرَةً عَلَى غَيْرِ حِرَابَةٌ فَلَا يُقْطَعُ.
(أَوْ هَرَبَ بَعْدَ أَخْذِهِ فِي الْحِرْزِ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: إنْ دَخَلَ سَارِقٌ بَيْتَ رَجُلٍ فَاِتَّزَرَ بِإِزَارٍ فَأُخِذَ فِي الْبَيْتِ فَفَرَّ مِنْهُمْ وَالْإِزَارُ عَلَيْهِ وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَهْلُ الْبَيْتِ أَوْ لَمْ
[ ٨ / ٤٢١ ]
يَعْلَمُوا لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ إلَّا مُخْتَلِسًا.
(أَوْ لِيَأْتِيَ بِمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ تَرَكَ السَّارِقَ يَسْرِقُ مَتَاعَهُ وَأَتَى بِشَاهِدَيْنِ لَهُ يُعَايِنَانِهِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَهُ مَنَعَهُ فَلَا قَطْعَ. قَالَهُ مَالِكٌ.
(وَأَخَذَ دَابَّةً بِبَابِ مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَالدَّابَّةُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ السُّوقِ إذَا كَانَ مَعَهَا مَنْ يُمْسِكُهَا قُطِعَ وَإِلَّا فَلَا.
(أَوْ ثَوْبًا بَعْضُهُ فِي الطَّرِيقِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ جَرَّ ثَوْبًا مَنْشُورًا عَلَى حَائِطٍ بَعْضُهُ فِي الدَّارِ وَبَعْضُهُ خَارِجٌ عَنْهَا إلَى الطَّرِيقِ لَمْ يُقْطَعْ.
(أَوْ ثَمَرًا مُعَلَّقًا) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ فَإِذَا آوَاهَا الْمَرَاحُ أَوْ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَلَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ فِي الْحَوَائِطِ وَلَا فِي زَرْعٍ أَوْ بَقْلٍ قَائِمٍ حَتَّى يَأْوِيَهُ الْجَرِينُ. مُحَمَّدٌ: وَأَمَّا فِي نَخْلَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ فِي دَارِ رَجُلٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا جُمِعَ فِي الْجَرِينِ الْحُبُّ أَوْ التَّمْرُ وَغَابَ رَبُّهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ وَلَا حَائِطٌ وَلَا غَلْقٌ قُطِعَ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ. ابْنُ يُونُسَ: لِعُمُومِ الْحَدِيثِ (إلَّا بِغَلْقٍ فَقَوْلَانِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَمَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ غَيْرُهُ (وَإِلَّا بَعْدَ حَصْدِهِ فَثَالِثُهَا إنْ كُدِّسَ) سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْقَمْحِ وَالْقُرْطِ زَرْعِ مِصْرَ يُحْصَدُ وَيُوضَعُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي حُصِدَ فِيهِ أَيَّامًا لِيَيْبَسَ فَيُسْرَقَ
[ ٨ / ٤٢٢ ]
أَتَرَى عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهُ قَطْعًا؟ قَالَ: لَا إنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ «إذَا آوَاهُ الْجَرِينُ» . وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّهُ يُقْطَعُ لِأَنَّهُ إذَا ضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ صَارَ ذَلِكَ لَهُ حِرْزًا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ الْقَائِمِ، وَلِأَنَّ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ مِنْ الثَّمَرِ بِمَنْزِلَةِ مَا قَدْ جُدَّ وَوُضِعَ فِي أُصُولِهَا. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
(وَلَا إنْ نَقَبَ فَقَطْ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ نَقَبَ وَأَخْرَجَ غَيْرُهُ وَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِفِعْلِهِ دُونَ اتِّفَاقٍ بَيْنَهُمَا فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ هَذَا عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ النَّقْبَ يُبْطِلُ حَقِيقَةَ الْحِرْزِ وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ.
(وَإِنْ الْتَقَيَا وَسَطَ النَّقْبِ أَوْ رَبَطَهُ فَجَبَذَهُ الْخَارِجُ قُطِعَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا الْتَقَتْ أَيْدِيهِمَا فِي الْمُنَاوَلَةِ فِي وَسَطِ النَّقْبِ قُطِعَا مَعًا، وَلَوْ رَبَطَهُ الدَّاخِلُ بِحَبْلٍ
[ ٨ / ٤٢٤ ]
وَجَبَذَهُ الْخَارِجُ قُطِعَا.
[شَرْطَ قَطْعِ السَّارِقِ]
(وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ) ابْنُ عَرَفَةَ: نُصُوصُ الْمَذْهَبِ وَاضِحَةٌ بِأَنَّ شَرْطَ قَطْعِ السَّارِقِ تَكْلِيفُهُ حِينَ سَرِقَتِهِ (فَيُقْطَعُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ وَإِنْ لِمِثْلِهِمْ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَيُقْطَعُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ وَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ لِأَحَدِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعُوا. ابْنُ عَرَفَةَ: لِأَنَّ حَدَّ الْقَطْعِ لِلَّهِ. وَعِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ: يَجِبُ عَلَى الْمُعَاهَدِ يَسْرِقُ مَالَ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ. اُنْظُرْهُ أَنْتَ (إلَّا الرَّقِيقَ لِسَيِّدِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا لَمْ يُقْطَعْ الْعَبْدُ فِي سَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ إذْ لَا يَجْتَمِعُ عَلَى السَّيِّدِ عُقُوبَتَانِ ذَهَابُ مَالِهِ وَقَطْعُ يَدِ غُلَامِهِ.
(وَتَثْبُتُ بِإِقْرَارٍ إنْ طَاعَ) ابْنُ عَرَفَةَ: تَثْبُتُ السَّرِقَةُ بِالْبَيِّنَةِ كَالْإِقْرَارِ بِهَا طَوْعًا (وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ عَيَّنَ السَّرِقَةَ أَوْ أَخْرَجَ الْقَتِيلَ) اللَّخْمِيِّ: فِيمَنْ أَقَرَّ بَعْدَ التَّهْدِيدِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ. قَوْلُ مَالِكٍ إنَّهُ لَا حُكْمَ لِإِقْرَارِهِ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَخْرَجَ السَّرِقَةَ أَوْ عَيَّنَ الْقَتِيلَ فِي حَالِ التَّهْدِيدِ لَمْ أَقْطَعْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ حَتَّى يُقِرَّ بَعْدَ ذَلِكَ آمِنًا.
(وَقُبِلَ رُجُوعُهُ وَلَوْ بِلَا شُبْهَةٍ) أَبُو عُمَرَ: اتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى قَبُولِ رُجُوعِ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ إذَا لَمْ يَدَّعِ الْمَسْرُوقُ مَا أَقَرَّ بِهِ السَّارِقُ. الْبَاجِيُّ: إنْ رَجَعَ لِغَيْرِ شُبْهَةٍ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٌ أَنَّهُ يُقَالُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ اُنْظُرْهُ فِيهِ.
(وَإِنْ رُدَّتْ الْيَمِينُ فَحَلَفَ الطَّالِبُ أَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ وَاحِدٌ وَحَلَفَ أَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِالْغُرْمِ فَلَا قَطْعَ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ رَدَّ السَّارِقُ الْيَمِينَ فَحَلَفَ الطَّالِبُ ثَبَتَ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا وَاضِحٌ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ لَمْ يُقْطَعْ، وَضَمِنَ قِيمَةَ ذَلِكَ وَلَا يَمِينَ عَلَى رَبِّ الْمَتَاعِ. وَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ حَلَفَ الطَّالِبُ مَعَ شَهَادَتِهِ وَأَخَذَ الْمَتَاعَ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ. وَإِذَا أَقَرَّ عَبْدٌ أَوْ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ بِسَرِقَةٍ قُطِعُوا إذَا عَيَّنُوا السَّرِقَةَ فَأَظْهَرُوهَا، فَإِذَا ادَّعَى السَّيِّدُ أَنَّهَا لَهُ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إقْرَارُ الْعَبْدِ يُثْبِتُ الْقَطْعَ دُونَ الْغُرْمِ اهـ.
قَالَ بَهْرَامَ: فَقَوْلُ خَلِيلٍ سَهْوٌ.
(وَوَجَبَ رَدُّ الْمَالِ إنْ لَمْ يُقْطَعْ) ابْنُ عَرَفَةَ: مُوجِبُ السَّرِقَةِ قَطْعُ السَّارِقِ وَضَمَانُهُ السَّرِقَةَ إنْ لَمْ يُقْطَعْ لَازِمٌ لَهُ اتِّفَاقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا سَرَقَ عُزِّرَ وَضَمِنَ السَّرِقَةَ. وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا مُطْلَقًا قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: لَوْ سَرَقَ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إمَّا لِقِلَّتِهِ أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُتْبَعُ بِذَلِكَ فِي عَدَمِهِ وَيُحَاصَّ بِهِ غُرَمَاؤُهُ، وَإِذَا كَانَ يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ لَمْ يُتْبَعْ فِي عُدْمِهِ وَلَا يُتْبَعُ إلَّا فِي يُسْرٍ مُتَّصِلٍ مِنْ يَوْمِ سَرَقَ إلَى يَوْمِ يُقْطَعُ وَإِلَّا لَمْ يُتْبَعْ. وَإِنْ
[ ٨ / ٤٢٥ ]
كَانَ مَلِيًّا بَعْدَ عُدْمٍ تَقَدَّمَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَوْ قُطِعَ إنْ أَيْسَرَ.
(عَلَيْهِ مِنْ الْأَخْذِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّمَا يَضْمَنُ السَّارِقُ السَّرِقَةَ إذَا سَرَقَ وَهُوَ مُوسِرٌ فَتَمَادَى يُسْرُهُ إلَى أَنْ قُطِعَ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِنْ قُطِعَ وَالسَّرِقَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا اسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا وَإِنَّ اسْتَهْلَكَهَا فَأَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، ثَالِثُهَا قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ اتَّصَلَ يُسْرُهُ بِهَا مِنْ السَّرِقَةِ إلَى يَوْمِ الْقَطْعِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لِمَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَقَالَةٌ عَظِيمَةٌ أَوْجَبَ الْقَطْعَ فِي يَدِهِ عُقُوبَةً وَأَوْجَبَ الْغُرْمَ فِي مَالِهِ عُقُوبَةً أُخْرَى. فَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَغْرَمْ إذْ لَوْ أَوْجَبْنَا الْغُرْمَ فِي ذِمَّتِهِ لَكُنَّا قَدْ جَمَعْنَا بَيْنَ عُقُوبَتَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا وُجِدَتْ السَّرِقَةُ بِعَيْنِهَا رُدَّتْ لِصَاحِبِهَا بِإِجْمَاعٍ، وَأَمَّا إنْ تَلْفِت فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَّصِلَ الْيَسِيرِ مِنْ يَوْمِ سَرَقَ إلَى يَوْمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ضَمِنَ قِيمَةَ السَّرِقَةِ، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا أَوْ أَعْدَمَ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ فَلَا غُرْمَ إذْ لَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ اتِّبَاعُ ذِمَّتِهِ وَقَطْعُ يَدِهِ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا غَصَبَ حُرَّةً وَهُوَ مُعْدِمٌ فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَيُتْبَعُ بِالْمَهْرِ. قَالَهُ مَالِكٌ.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لِأَنَّ هَاتَيْنِ عُقُوبَتَانِ عَنْ سَبَبَيْنِ.
(وَيَسْقُطُ الْحَدُّ إنْ سَقَطَ الْعُضْوُ بِسَمَاوِيٍّ) قَالَ مَالِكٌ: إنْ ذَهَبَتْ الْيُمْنَى بَعْدَ السَّرِقَةِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ أَوْ تَعَمُّدِ أَجْنَبِيٍّ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الْقَطْعَ كَانَ وَاجِبًا فِيهَا. ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ سَرَقَ فَسَقَطَتْ يُمْنَاهُ بِآفَةٍ لَسَقَطَ الْحَدُّ.
(لَا بِتَوْبَةٍ وَعَدَالَةٍ وَإِنْ طَالَ زَمَانُهُمَا) ابْنُ شَاسٍ: لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالتَّوْبَةِ وَلَا بِصَلَاحِ الْحَالِ وَلَا بِطُولِ الزَّمَانِ وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَتَدَاخَلَتْ إنْ اتَّحَدَ الْمُوجِبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ كَانَ ذَلِكَ لِكُلِّ سَرِقَةٍ تَقَدَّمَتْ أَوْ قِصَاصٍ وَجَبَ فِي تِلْكَ الْيَدِ.
(كَقَذْفٍ وَشُرْبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَذَفَ وَشَرِبَ خَمْرًا جُلِدَ حَدًّا وَاحِدًا (وَإِلَّا تَكَرَّرَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا اجْتَمَعَ عَلَى الرَّجُلِ مَعَ حَدِّ الزِّنَا حَدُّ قَذْفٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أُقِيمَا عَلَيْهِ وَيَجْمَعُ ذَلِكَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ فَيُفَرِّقُ الْحَدَّيْنِ قَالَ: وَكُلُّ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ اجْتَمَعَ مَعَ الْقَتْلِ فَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا حَدَّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَتْلِ.
[بَاب فِي الْحِرَابَةِ]
[صفة المحاربين وَحُكْم قِتَالهمْ وَعُقُوبَتهمْ وَحُكْمهَا]
ابْنُ شَاسٍ: الْجِنَايَةُ السَّادِسَةُ الْحِرَابَةُ
[ ٨ / ٤٢٦ ]
وَالنَّظَرُ فِي ثَلَاثَةِ أَطْرَافٍ: الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْمُحَارِبِينَ وَحُكْمِ قِتَالِهِمْ. الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْعُقُوبَةِ وَالْغُرْمِ. الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ. بَابٌ.
(الْمُحَارِبُ قَاطِعُ الطَّرِيقِ) ابْنُ شَاسٍ: كُلُّ مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ وَأَخَافَ النَّاسَ فَهُوَ مُحَارِبٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ السِّلَاحَ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَلَا ثَائِرَةٍ فَهُوَ مُحَارِبٌ.
(لِمَنْعِ سُلُوكٍ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ خَرَجَ لِقَطْعِ السَّبِيلِ لِغَيْرِ مَالٍ فَهُوَ مُحَارِبٌ كَقَوْلِهِ لَا أَدَعُ هَؤُلَاءِ يَخْرُجُونَ إلَى الشَّامِ أَوْ إلَى غَيْرِهَا.
(أَوْ أَخْذِ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَطَعُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَهُوَ سَوَاءٌ، وَقَدْ قَتَلَ عُثْمَانُ - ﵁ - مُسْلِمًا قَتَلَ ذِمِّيًّا عَلَى وَجْهِ الْحِرَابَةِ عَلَى مَالٍ كَانَ مَعَهُ.
(عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ دَخَلَ دَارًا. بِاللَّيْلِ وَأَخَذَ الْمَالَ بِالْمُكَابَرَةِ وَمَنَعَ مِنْ الِاسْتِغَاثَةِ فَهُوَ مُحَارِبٌ. ابْنُ الْحَاجِبِ: كُلُّ مَا
[ ٨ / ٤٢٧ ]
يُقْصَدُ بِهِ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ تَتَعَذَّرُ مَعَهُ الِاسْتِغَاثَةُ عَادَةً.
(وَإِنْ انْفَرَدَ بِمَدِينَةٍ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: قَدْ يَكُونُ الْوَاحِدُ مُحَارِبًا (كَسَقْيِ السَّكْرَانِ لِذَلِكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: سَاقِي السَّكْرَانِ مُحَارِبٌ. عِيَاضٌ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا يَكُونُ مُحَارِبًا إذَا كَانَ مَا سَقَاهُ يَمُوتُ بِهِ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
. (وَمُخَادِعِ الصَّبِيِّ أَوْ غَيْرِهِ لِيَأْخُذَ مَا مَعَهُ) ابْنُ شَاسٍ: قَتْلُ الْغِيلَةِ أَيْضًا مِنْ الْحِرَابَةِ وَهُوَ أَنْ يَغْتَالَ رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا فَيَخْدَعُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ مَوْضِعًا فَيَأْخُذَ مَا مَعَهُ فَهُوَ كَالْحِرَابَةِ.
(وَالدَّاخِلِ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فِي زُقَاقٍ أَوْ دَارٍ لِيَأْخُذَ الْمَالَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: السَّارِقُ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ فِي دَارٍ أَوْ زُقَاقٍ مُكَابَرَةً يَمْنَعُ الِاسْتِغَاثَةَ مُحَارِبٌ.
(فَيُقَاتَلُ بَعْدَ الْمُنَاشَدَةِ إنْ أَمْكَنَ) ابْنُ عَرَفَةَ
[ ٨ / ٤٢٨ ]
فِي دَعْوَى اللِّصِّ إلَى التَّقْوَى قَبْلَ قِتَالِهِ إنْ أَمْكَنَ قَوْلَانِ فِي جِهَادِهَا.
وَعَنْ ابْنِ يُونُسَ: إنْ طَلَبَ اللُّصُوصُ مِثْلَ الْعَلَفِ وَالثَّوْبِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعْطَوْهُ وَلَا يُقَاتَلُوا.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يُعْطَوْا شَيْئًا وَلَا يُدْعَوْا لِأَنَّ الدَّعْوَةَ لَا تَزِيدُهُمْ إلَّا إشْلَاءً وَجُرْأَةً.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُتَّبَعُ الْمُحَارِبُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَتَلَ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: يُتَّبَعُ. قِيلَ لَهُ: فَلَوْ أَنَّ لِصًّا عَرَضَ لِي فَضَرَبْته بِشَيْءٍ فَأَسْقَطْته، أَتَرَى أَنْ أُجْهِزَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَأَعْلَمْته بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُجْهَزُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَهُ شَيْئًا وَقَالَ: قَدْ حَلَّ حِينَ نَصَبَ الْحَرْبَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَوْ يُقْطَعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ سُلْطَانًا.
(ثُمَّ يُصْلَبُ فَيُقْتَلُ) ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ الْمُحَارِبُ يُصْلَبُ حَيًّا وَيُقْتَلُ فِي الْخَشَبَةِ (أَوْ يُنْفَى الْحُرُّ كَالزِّنَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: أَمَّا النَّفْيُ فَلِلْحُرِّ لَا لِلْعَبْدِ كَمَا ذُكِرَ فِي الزِّنَا إلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: النَّفْيُ أَنْ يُنْفَى مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ آخَرَ أَقَلُّهُ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَيُسْجَنُ فِيهِ إلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ بِخِلَافِ الزِّنَا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ سِجْنَهُ سَنَةً (أَوْ تُقْطَعَ يَمِينُهُ وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى وَلَاءً) ابْنُ رُشْدٍ: الْقَطْعُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ قَطْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى. ابْنُ رُشْدٍ: ثُمَّ إنْ عَادَ
[ ٨ / ٤٢٩ ]
قُطِعَ مَا بَقِيَ (وَبِالْقَتْلِ يَجِبُ قَتْلُهُ) ابْنُ عَرَفَةَ: حَدُّ الْحِرَابَةِ بِأَحَدِ الْأَرْبَعَةِ مَا لَمْ يَقْتُلْ فَإِنْ قَتَلَ تَعَيَّنَ قَتْلُهُ
[ ٨ / ٤٣٠ ]
وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ.
(وَلَوْ لِكَافِرٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَتَلَ عُثْمَانُ مُسْلِمًا قَتَلَ ذِمِّيًّا حِرَابَةً.
(أَوْ بِإِعَانَةٍ وَلَوْ جَاءَ تَائِبًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانُوا جَمَاعَةً قَتَلُوا رَجُلًا وَلِيَ أَحَدٌ قَتْلَهُ وَالْبَاقُونَ عَوْنٌ لَهُ فَأُخِذُوا قُتِلُوا كُلُّهُمْ وَإِنْ تَابُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذُوا دُفِعُوا إلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ فَقَتَلُوا مَنْ شَاءُوا وَعَفَوْا عَمَّنْ شَاءُوا وَأَخَذُوا الدِّيَةَ مِمَّنْ شَاءُوا انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ إطْلَاقِ قَوْلِهِ: " وَلَوْ جَاءَ تَائِبًا ". وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَتَى الْمُحَارِبُ تَائِبًا إلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْحِرَابَةِ وَثَبَتَ مَا لِلنَّاسِ عَلَيْهِمْ مِنْ جَرْحٍ أَوْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ، ثُمَّ لِلْأَوْلِيَاءِ الْعَفْوُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: وَقَتَلَ عُمَرُ رِيبَةً كَانُوا نَاظُورًا لِلْبَاقِينَ.
(وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ) مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ وَلِيَ أَحَدُ الْمُحَارِبِينَ بَيْنَ قَتْلِ رَجُلٍ مِمَّنْ قَطَعُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُعَاوِنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قُتِلُوا أَجْمَعُونَ وَلَا عَفْوَ فِيهِمْ لِإِمَامٍ وَلَا وَلِيٍّ.
(وَنُدِبَ لِذِي التَّدْبِيرِ الْقَتْلُ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ كَانَ الْمُحَارِبُ مِمَّنْ لَهُ الرَّأْيُ وَالتَّدْبِيرُ فَوَجْهُ الِاجْتِهَادِ فِيهِ قَتْلُهُ أَوْ صَلْبُهُ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَدْفَعُ ضَرَرَهُ (وَالْبَطْشُ وَالْقَطْعُ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُحَارِبُ لَهُ تَدْبِيرٌ إنَّمَا يُخِيفُ بِقُوَّةِ جِسْمِهِ قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ (وَلِغَيْرِهَا وَلِمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةُ النَّفْيِ وَالضَّرْبِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحَارِبِ تَدْبِيرٌ وَلَمْ يَكُنْ يُخِيفُ بِقُوَّةِ جِسْمِهِ وَأُخِذَ بِحَضْرَةِ خُرُوجِهِ أُخِذَ فِيهِ بِأَيْسَرِ ذَلِكَ وَهُوَ الضَّرْبُ وَالنَّفْيُ. ابْنُ الْحَاجِبِ: تَعَيَّنَ لِذِي الْبَطْشِ وَالتَّدْبِيرِ الْقَتْلُ وَلِذِي الْبَطْشِ الْقَطْعُ وَلَا يُضْرَبُ بِهَا وَلِغَيْرِهِمَا وَلَمِنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ النَّفْيُ وَيُضْرَبُ بِهَا إنْ شَاءَ.
(وَالتَّعْيِينُ لِلْإِمَامِ لَا لِمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَنَحْوُهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالتَّعْيِينُ لِلْإِمَامِ
[ ٨ / ٤٣١ ]
لَا لِمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ لَهُ.
(وَغَرِمَ كُلٌّ عَنْ الْجَمِيعِ مُطْلَقًا) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ وَلِيَ أَحَدٌ مِنْ الْمُحَارِبِينَ أَخْذَ الْمَالِ ثُمَّ ظَفِرْنَا بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ غُرْمَ جَمِيعِ ذَلِكَ، كَانَ قَدْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ حِصَّةً أَمْ لَمْ يَأْخُذْ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا وَلِيَ أَحَدُهُمْ أَخْذَ الْمَالِ وَكَانَ الْبَاقُونَ لَهُ قُوَّةٌ ثُمَّ اقْتَسَمُوا فَتَابَ أَحَدُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَلِ أَخْذَ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ جَمِيعَ مَا أَخَذَ فِي سَهْمِهِ وَمَا أَخَذَ أَصْحَابُهُ.
(وَاتُّبِعَ كَالسَّارِقِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ الْمَالَ ثُمَّ تَابُوا وَهُمْ عُدَمَاءُ فَذَلِكَ عَلَيْهِمْ دَيْنًا وَإِنْ أُخِذُوا قَبْلَ أَنْ يَتُوبُوا فَأُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ قُطِعُوا أَوْ قُتِلُوا وَلَهُمْ أَمْوَالٌ أُخِذَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، يُرِيدُ وَيُسْرِهِمْ مُتَّصِلٌ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ مَالٌ لَمْ يُتَّبَعُوا بِشَيْءٍ مِمَّا أَخَذُوا كَالسَّرِقَةِ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.
(وَدُفِعَ مَا بِأَيْدِيهِمْ لِمَنْ طَلَبَهُ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ وَالْيَمِينِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أُخِذَ الْمُحَارِبُونَ وَمَعَهُمْ أَمْوَالٌ فَادَّعَاهَا قَوْمٌ لَا بَيِّنَةَ لَهُمْ دُفِعَتْ إلَيْهِمْ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ فِي اسْتِبْرَاءِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ طُولٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ مَنْ يَدَّعِيهَا بِشَيْءٍ دُفِعَتْ إلَيْهِمْ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ بِغَيْرِ حَمِيلٍ وَيُضَمِّنُهُمْ الْإِمَامُ إيَّاهَا إنْ جَاءَ لِذَلِكَ طَالِبٌ وَيُشْهِدُ عَلَيْهِمْ.
(أَوْ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ مِنْ الرُّفْقَةِ لِأَنْفُسِهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: تَجُوزُ عَلَى الْمُحَارِبِينَ شَهَادَةُ مَنْ حَارَبُوهُ إنْ كَانُوا عُدُولًا بِقَتْلٍ أَوْ مَالٍ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ فِي نَفْسِهِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
(وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ بِهَا ثَبَتَتْ وَإِنْ لَمْ يُعَايِنَاهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَإِنْ مِنْ الرُّفْقَةِ لَا لِأَنْفُسِهِمَا، وَلَوْ كَانَ مَشْهُورًا بِالْحِرَابَةِ فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ فُلَانٌ الْمَشْهُورُ ثَبَتَتْ الْحِرَابَةُ وَإِنْ لَمْ يُعَايِنُوهَا.
(وَسَقَطَ حَدُّهَا بِإِتْيَانِ الْإِمَامِ طَائِعًا أَوْ تَرْكِ مَا هُوَ عَلَيْهِ) ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ جُلِّ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ تَوْبَةَ الْمُحَارِبِ تُقْبَلُ مِنْهُ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ تَوْبَتَهُ تَكُونُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ الْإِمَامَ، وَالثَّانِي أَنْ يُلْقِيَ السِّلَاحَ وَيَأْتِيَ الْإِمَامَ طَائِعًا. ابْنُ شَاسٍ.
[بَابٌ فِي الشُّرْبِ]
[مُوجِب الشُّرْب وَالْوَاجِب فِيهِ]
: الْجِنَايَةُ السَّابِعَةُ الشُّرْبُ وَالنَّظَرُ فِي الْمُوجِبِ وَالْوَاجِبِ.
[ ٨ / ٤٣٢ ]
بَابٌ (يَجِبُ بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الشُّرْبُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ: شُرْبُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ مُخْتَارًا لَا لِضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ.
(أَوْ ظَنِّهِ غَيْرًا) ابْنُ عَرَفَةَ: سُقُوطُ حَدِّ مَنْ يَشْرَبُ مُسْكِرًا غَلَطًا وَاضِحٌ كَقَوْلِهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ كَذَلِكَ، وَلَا حَدَّ أَيْضًا عَلَى مَنْ شَرِبَ مُبَاحًا ظَانًّا أَنَّهُ خَمْرٌ لَكِنْ تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ.
قَالَهُ عِزُّ الدِّينِ. قَالَ فِي قَوَاعِدِهِ: وَعَلَيْهِ دَرَكُ الْمُخَالَفَةِ.
(وَإِنْ قَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ.
(وَإِنْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا لَوْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ لَحُدَّ قَوْلًا وَاحِدًا.
(أَوْ الْحُرْمَةِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ شَرِبَهُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ تَحْرِيمَهُ كَالْأَعْجَمِيِّ الَّذِي دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَعْرِفُ فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ بِهَذَا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ.
(وَلَوْ حَنَفِيًّا يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَصَحَّحَ نَفْيَهُ) الْبَاجِيُّ: مَنْ تَأَوَّلَ فِي الْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ أَنَّهُ حَلَالٌ حُدَّ وَلَمْ يُعْذَرْ. رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَلَعَلَّ هَذَا فِيمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعِلْمِ فَالصَّوَابُ عَدَمُ حَدِّهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمُقَلِّدُ مُبِيحِهِ مِثْلُهُ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
(ثَمَانُونَ) هَذَا هُوَ الْمَخْبَرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ إلَخْ " ابْنُ عَرَفَةَ: حَدُّهُ ثَمَانُونَ فِيهَا وَيَنْشَطِرُ بِالرِّقِّ (بَعْدَ صَحْوِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ. زَادَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ: وَلَوْ خَافَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِشَفَاعَةٍ تُبْطِلُ حَدَّهُ.
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونَ: فَخُفِّفَ بَعْضُ التَّخْفِيفِ فِي الشَّرَابِ.
وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا شَرِبَ فَانْطُلِقَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمَّا حَاذَى دَارَ الْعَبَّاسِ انْفَلَتَ فَدَخَلَهَا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَضَحِكَ وَقَالَ: أَفَعَلَهَا وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ» (وَتُشْطَرُ بِالرِّقِّ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا.
(إنْ أَقَرَّ أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِشُرْبٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
(أَوْ شُمَّ) ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَثْبُتُ بِثُبُوتِ رَائِحَةٍ. أَبُو عُمَرَ: الْحَدُّ بِالرَّائِحَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْحِجَازِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ.
[ ٨ / ٤٣٣ ]
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا رَأَى الْحَاكِمُ تَخْلِيطًا فِي قَوْلٍ أَوْ شَيْءٍ شِبْهَ السَّكْرَانِ أَمَرَ بِاسْتِنْكَاهِهِ لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ إلَى الْحَاكِمِ فَلَا يَسَعُهُ إلَّا تَحَقُّقُهُ، وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَمْ يَسْتَنْكِهْهُ وَلَمْ يُتَجَسَّسْ عَلَيْهِ. انْتَهَى مِنْ الْمُنْتَقَى.
(وَإِنْ خُولِفَ وَجَازَ لِإِكْرَاهٍ) أَمَّا جَوَازُ شُرْبِ الْخَمْرِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي التَّهْدِيدِ هَلْ هُوَ إكْرَاهٌ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إكْرَاهٌ، فَإِذَا قَالَ لَهُ الظَّالِمُ: إنْ لَمْ تَفْعَلْ كَذَا سَجَنْتُك أَوْ أَخَذْتُ مَالَكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَحْمِيهِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا اللَّهُ، فَلَهُ أَنْ يُقْدِمَ إلَّا عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ فَلَا يَفْدِي نَفْسَهُ بِقَتْلِ غَيْرِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي الزِّنَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّهُ أَلْزَمَهُ الْحَدَّ، لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا شَهَادَةٌ خُلُقِيَّةٌ لَا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهَا إكْرَاهٌ وَلَكِنَّهُ غَفَلَ عَنْ السَّبَبِ فِي بَاعِثِ الشَّهَادَةِ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى شَهَادَةٍ بَعَثَ عَلَيْهَا سَبَبٌ اخْتِيَارِيٌّ فَقَاسَ الشَّيْءَ عَلَى ضِدِّهِ فَلَمْ يَخْلُ صَوَابٌ مِنْ عِنْدِهِ. وَانْظُرْ الْفَرْقَ السَّابِعَ وَالْأَرْبَعِينَ وَالْمِائَتَيْنِ لِشِهَابِ الدِّينِ: وَأَمَّا الْكُفْرُ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ بِلَا خِلَافٍ لَكِنْ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَلْفِظَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُنْشَرِحٌ بِالْإِيمَانِ، وَلَمَّا سَمَحَ اللَّهُ فِي الْكُفْرِ بِهِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ حَمَلَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ فُرُوعَ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا. وَأَمَّا سُقُوطُ الْحَدِّ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُكْرَهُ لَا يُحَدُّ لِوُضُوحِ الشُّبْهَةِ أَوْ عَدَمِ تَكْلِيفِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِعُمُومِهِ فِي الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ.
(أَوْ إسَاغَةٍ) أَمَّا الْجَوَازُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبِ: إنْ غَصَّ بِطَعَامٍ فَلَهُ أَنْ يُجَوِّزَهُ بِالْخَمْرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَزِيدُهُ الْخَمْرُ إلَّا شَرًّا. ابْنُ رُشْدٍ: الْمُضْطَرُّ لِلْإِسَاغَةِ لَا يُحَدُّ لِوُضُوحِ تَعْلِيلِهِ. هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي شُرْبِهَا مَنْفَعَةٌ لَجَازَ لَهُ شُرْبُهَا، وَأَمَّا سُقُوطُ الْحَدِّ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُضْطَرُّ لِلْإِسَاغَةِ لَا يُحَدُّ لِوُضُوحِ الشُّبْهَةِ.
(لَا دَوَاءٍ وَلَوْ طِلَاءً) مَالِكٌ: التَّدَاوِي مِنْ الْقُرْحَةِ بِالْبَوْلِ أَخَفُّ مِنْ التَّدَاوِي فِيهَا بِالْخَمْرِ. ابْنُ رُشْدٍ: لِمَا جَاءَ فِي الْخَمْرِ إنَّهَا رِجْسٌ وَلَمْ يَأْتِ فِي الْبَوْلِ إلَّا أَنَّهُ نَجِسٌ. ابْنُ شَعْبَانَ: لَا يَتَعَالَجُ بِالْمُسْكِرِ وَإِنْ غُسِلَ بِالْمَاءِ وَلَا يُدَاوَى بِهِ دُبُرُ الدَّوَابِّ.
(وَالْحُدُودُ بِضَرْبٍ وَسَوْطٍ مُعْتَدِلَيْنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: صِفَةُ الضَّرْبِ فِي الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالْفِرْيَةِ وَالتَّعْزِيرِ
[ ٨ / ٤٣٤ ]
وَاحِدٌ، ضَرْبٌ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، لَيْسَ بِالْمُبَرِّحِ وَلَا بِالْخَفِيفِ، وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ ضَمَّ الضَّارِبِ يَدَهُ إلَى جَنْبِهِ. وَلَا يُجْزِئُ الضَّرْبُ فِي الْحُدُودِ بِقَضِيبٍ وَشِرَاكٍ وَلَا دُرَّةٍ وَلَكِنْ السَّوْطِ وَإِنَّمَا كَانَتْ دُرَّةُ عُمَرَ لِلْأَدَبِ (قَاعِدًا بِلَا رَبْطٍ وَلَا شَدِيدٍ بِظَهْرِهِ وَكَتِفَيْهِ) مُحَمَّدٌ: لَا يَتَوَلَّى ضَرْبَ الْحَدِّ قَوِيٌّ وَلَا ضَعِيفٌ وَلَكِنْ وَسَطٌ مِنْ الرِّجَالِ وَيُضْرَبُ عَلَى الظَّهْرِ وَالْكَتِفَيْنِ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَالْحُدُودِ
[ ٨ / ٤٣٥ ]
قَاعِدًا لَا يُرْبَطُ وَلَا يُمَدُّ وَتُخَلَّى لَهُ يَدَاهُ. (وَجُرِّدَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِمَّا يَقِي الضَّرْبَ) مِنْ الْعُتْبِيَّةِ: وَيُجَرَّدُ الرَّجُلُ لِلضَّرْبِ وَيُتْرَكُ لِلْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُ جَسَدَهَا وَلَا يَقِيهَا الضَّرْبَ (وَنُدِبَ جَعْلُهَا فِي قُفَّةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: بَلَغَ مَالِكًا أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ أَقْعَدَ الْمَرْأَةَ فِي قُفَّةٍ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ انْتَهَى أَبْوَابُ الْجِنَايَاتِ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: الْجِنَايَاتُ الْمُوجِبَاتُ لِلْحَدِّ سَبْعَةٌ وَمَا عَدَا هَذِهِ الْجِنَايَاتِ وَمُقَدَّمَاتِهَا فَيُوجِبُ التَّعْزِيرَ وَهُوَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
(وَعَزَّرَ الْإِمَامُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَمَّا النَّكَالُ وَالتَّعْزِيرُ فَيَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ وَالشَّفَاعَةُ وَإِنْ بَلَغَ الْإِمَامَ. وَانْظُرْ الْفَرْقَ السَّادِسَ وَالْأَرْبَعِينَ وَالْمِائَتَيْنِ لِشِهَابِ الدِّينِ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الْحُدُودَ مُقَدَّرَةٌ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ وَالْحَدُّ وَاجِبٌ إقَامَتُهُ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ وَالْحَدُّ تَعَبُّدٌ، فَحَدُّ مَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ أَوْ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَاحِدٌ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ فَبِحَسَبِ الْجِنَايَةِ، وَالْحَدُّ فِي مُقَابَلَةِ الْمَعَاصِي بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُكَلَّفِ وَالْبَهِيمَةِ وَالْمَجَانِينَ وَالتَّعْزِيرُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ إلَّا الْحِرَابَةَ، وَالْحَدُّ يُقَامُ وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ فَإِنَّ الْيَسِيرَ يَسْقُطُ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ، وَالْكَثِيرَ يَسْقُطُ لِعَدَمِ مُوجِبِهِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَمَّا الْكُفْرُ فَانْظُرْهُ قَبْلَ هَذَا (لِمَعْصِيَةِ
[ ٨ / ٤٣٦ ]
اللَّهِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: مُوجِبُ الْمَعْصِيَةِ الْمُوجِبَةِ حَدًّا عُقُوبَةُ فَاعِلِهَا. ابْنُ شَاسٍ: وَالسَّيِّدُ يُعَزَّرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ اللَّهِ، وَالزَّوْجُ يُعَزَّرُ فِي النُّشُوزِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَالْأَبُ يُؤَدِّبُ الصَّغِيرَ دُونَ الْكَبِيرِ وَمُعَلِّمُهُ أَيْضًا يُؤَدِّبُهُ. وَمِنْ ابْنِ سَلْمُونَ: إذَا رُفِعَ لِلْوَالِي أَنَّ فِي بَيْتِ فُلَانٍ خَمْرًا فَإِنْ أَتَاهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَلَا يَكْشِفُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَهْتِكُ سِتْرَ مُسْلِمٍ بِذَلِكَ، وَإِنْ أَتَاهُ بِذَلِكَ عُدُولٌ فَشَهِدُوا عِنْدَهُ عَلَى الْبَتِّ كَشَفَ عَنْ ذَلِكَ وَأَهْرَاقَهَا وَضَرَبَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَهُ حُرْمَةٌ وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ بِالسُّوءِ فَيَتْرُكَهُ وَلَا يَكْشِفَهُ.
وَإِذَا مَشَتْ امْرَأَةٌ مَعَ أَهْلِ الْفَسَادِ ثُمَّ يُؤْتَى بِهَا لَمْ يَنْبَغِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَكْشِفَهَا عَمَّا كَانَتْ فِيهِ هَلْ زَنَتْ أَوْ كَانَتْ خَرَجَتْ عَنْ طَوْعٍ وَيُؤَدِّبُهَا الْإِمَامُ وَلَا يَكْشِفُ عَنْ شَيْءٍ، وَنَقَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِنَصِّهَا وَرَشَّحَهَا بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَعَلَّك قَبَّلْتَ لَعَلَّك لَمَسْتَ» . وَمَنْ تَغَامَزَ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ تَضَاحَكَ مَعَهَا ضُرِبَ عِشْرِينَ سَوْطًا وَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ. وَمَنْ حَبَسَ امْرَأَةً ضُرِبَ أَرْبَعِينَ سَوْطًا، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ هِيَ فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ قَبَّلَهَا ضُرِبَ خَمْسِينَ سَوْطًا وَهِيَ كَذَلِكَ إنْ طَاوَعَتْهُ، وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: سَرَقْتَ مَتَاعِي فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ يُتَّهَمُ وَإِلَّا لَزِمَ الْقَائِلَ لِذَلِكَ الْأَدَبُ. وَإِذَا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ حُبِسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيُؤَدَّبُ عَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ، وَإِنْ زَادَ شَرُّهُ أَمَرَهُ بِالْكَفِّ عَنْ الْجِيرَانِ وَإِلَّا بِيعَتْ عَلَيْهِ دَارُهُ وَأُكْرِيَتْ عَلَيْهِ.
وَأَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي الَّذِي يُؤْذِي النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ (حَبْسًا وَلَوْمًا) مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا كَلْبُ فَذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَإِنْ كَانَا مَعًا مِنْ ذَوِي الْهَيْئَةِ عُوقِبَ الْقَائِلُ عُقُوبَةً خَفِيفَةً يُهَانُ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ السِّجْنَ، وَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ مِنْ ذِي الْهَيْئَةِ وَالْمَقُولُ لَهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَةِ عُوقِبَ بِالتَّوْبِيخِ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْإِهَانَةَ وَلَا السِّجْنَ، وَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَةِ وَالْمَقُولُ لَهُ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَةِ عُوقِبَ بِالضَّرْبِ (وَبِالْإِقَامَةِ وَنَزْعِ الْعِمَامَةِ) ابْنُ شَاسٍ: كَانُوا يُعَاقِبُونَ الرَّجُلَ عَلَى قَدْرِهِ وَقَدْرِ جِنَايَتِهِ؛ مِنْهُمْ مَنْ يُضْرَبُ، وَمِنْهُمْ مِنْ يُحْبَسُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَامُ وَاقِفًا عَلَى قَدَمَيْهِ فِي الْمَحَافِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تُنْزَعُ عِمَامَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَلُّ إزَارُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِمَّا جَرَى بِهِ عَمَلٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْزِيرِ ضَرْبُ الْقَفَا مُجَرَّدًا عَنْ سَاتِرٍ بِالْأَكُفِّ. عِيَاضٌ: وَحَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ فِي مَجْلِسِ. سَحْنُونٍ: فَأَمَرَ سَحْنُونَ بِصَفْعِ قَفَاهُ.
(وَضَرْبٍ بِسَوْطٍ أَوْ غَيْرِهِ) ابْنُ شَاسٍ: جِنْسُ التَّعْزِيرِ لَا يُخَصَّصُ بِسَوْطٍ أَوْ يَدٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ زَائِدًا عَلَى الْحَدِّ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَشْهُورُ صِحَّةُ الزِّيَادَةِ عَنْ الْحَدِّ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ لِعِظَمِ جُرْمِ الْجَانِي. ضَرَبَ عُمَرُ مِائَةً لِمَنْ نَقَشَ عَلَى خَاتَمِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: فِي مُؤَدِّبِ الصِّبْيَانِ إنْ زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ (أَوْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يَلْزَمُهُ فِي التَّعْزِيرِ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا دُونَ الْحَدِّ
[ ٨ / ٤٣٧ ]
وَلَا لَهُ انْتِهَاءٌ بِهِ إلَى الْقَتْلِ، وَأَمَرَ مَالِكٌ بِضَرْبِ شَخْصٍ أَرْبَعَمِائَةِ سَوْطٍ وُجِدَ مَعَ صَبِيٍّ مُجَرَّدًا فَانْتَفَخَ وَمَاتَ وَلَمْ يَسْتَعْظِمْ ذَلِكَ مَالِكٌ. انْتَهَتْ الْجِنَايَاتُ وَمُوجِبَاتُ التَّعْزِيرِ. .
[ ٨ / ٤٣٨ ]