[كِتَابُ الْغَصْبِ] [بَاب فِي ضَمَانِ الْمَغْصُوب وَمَا يَطْرَأ عَلَيْهِ مِنْ زِيَادَة أَوْ نقصان]
وَفِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ فِي الضَّمَانِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْأَوَّلُ الْمُوجِبُ وَالْمُوجَبُ فِيهِ وَالْوَاجِبُ. الْبَابُ الثَّانِي فِي الطَّوَارِئِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْ نُقْصَانٍ أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ تَصَرُّفٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالْمُتَعَدِّي.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: التَّعَدِّي عَلَى رِقَابِ الْأَمْوَالِ يَنْقَسِمُ سَبْعَةَ أَقْسَامٍ، لِكُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ. وَذَلِكَ كُلُّهُ يَحْرُمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَهِيَ أَخْذُ الْأَمْوَالِ عَلَى وَجْهِ الْغَصْبِ مِنْ غَيْرِ حِرَابَةٍ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِلَاسِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْخِيَانَةِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِدْلَالِ، أَوْ عَلَى
[ ٧ / ٣٠٦ ]
وَجْهِ الْجَحْدِ وَالِاقْتِطَاعِ (الْغَصْبُ أَخْذُ مَالٍ قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلَا حِرَابَةٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْغَصْبُ أَخْذُ الْمَالِ عُدْوَانًا قَهْرًا مِنْ غَيْرِ حِرَابَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِأَخْذِ الْمَنَافِعِ. كَذَلِكَ كَسُكْنَى رَبْعٍ وَحَرْثٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ غَصْبًا بَلْ تَعَدِّيًا، وَإِنَّمَا الْغَصْبُ أَخْذُ مَالِ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ظُلْمًا قَهْرًا لَا بِخَوْفٍ وَقِتَالٍ، فَخَرَجَ أَخْذُهُ غِيلَةً إذْ لَا قَهْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَمُوتُ مَالِكُهُ وَحِرَابَتُهُ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ: إنَّ مَنْ قَصَدَ إلَى التَّعَدِّي عَلَى مَنْفَعَةِ الشَّيْءِ كَعَبْدٍ يَسْتَخْدِمُهُ وَثَوْبٍ يَلْبَسُهُ وَلَمْ يَقْصِدْ إلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَى رَقَبَةِ الْعَيْنِ وَالثَّوْبِ وَلَا الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا فِي التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَصَرَّفُ بِهِ الْمَالِكُ فِي الرِّقَابِ، فَإِنَّ هَذَا يُسَمَّى تَعَدِّيًا، وَكَذَلِكَ إذَا أَتْلَفَ بَعْضَ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ قَاصِدًا ذَلِكَ الْبَعْضَ مُعْرِضًا عَنْ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى
[ ٧ / ٣٠٧ ]
مَا سِوَاهُ مِنْ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ كَرَجُلٍ قَطَعَ يَدَ عَبْدِ رَجُلٍ أَوْ قَطَعَ مِنْ ثَوْبِهِ بَعْضَهُ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: الْقَضَاءُ: إنَّ الْمُتَعَدِّيَ يُفَارِقُ الْغَاصِبَ فِي جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ إنَّمَا جَنَى عَلَى بَعْضِ السِّلْعَةِ، وَالْغَاصِبُ كَانَ غَاصِبًا لِجَمِيعِهَا فَضَمِنَهَا يَوْمَئِذٍ بِالْغَصْبِ.
(وَأُدِّبَ مُمَيِّزٌ) ابْنُ رُشْدٍ: يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ لِحَقِّ اللَّهِ الْأَدَبُ وَالسِّجْنُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ لِيَتَنَاهَى النَّاسُ عَنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فَإِنَّ الْأَدَبَ
[ ٧ / ٣٠٨ ]
يَسْقُطُ عَنْهُ لِحَدِيثِ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ ". وَقِيلَ: إنَّ الْإِمَامَ يُؤَدِّبُهُ كَمَا يُؤَدَّبُ الصَّبِيُّ فِي الْمَكْتَبِ، وَأَخَذَ بِحَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا لَا يَعْقِلُ فَقِيلَ: إنَّ مَا أَصَابَهُ هَدَرٌ كَالْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ.
(كَمُدَّعِيهِ عَلَى صَالِحٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ غَصْبًا وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ بِذَلِكَ عُوقِبَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِذَلِكَ نَظَرَ فِيهِ الْإِمَامُ وَأَحْلَفَهُ، فَإِنْ نَكِلَ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ حَتَّى يَرِدَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَفِي حَلِفِ الْمَجْهُولِ قَوْلَانِ) الَّذِي لِابْنِ يُونُسَ: الْمُتَّهَمُ يَحْلِفُ وَاَلَّذِي هُوَ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ لَا يَحْلِفُ وَلَا يُؤَدَّبُ رَامِيهِ وَالْخَيِّرُ يَلْزَمُ رَامِيَهُ الْأَدَبُ، وَأَشْهَبُ يَقُولُ: لَا
[ ٧ / ٣٠٩ ]
أَدَبَ عَلَى مُدَّعٍ.
(وَضَمِنَ بِالِاسْتِيلَاءِ) ابْنُ عَرَفَةَ: مُجَرَّدُ الِاسْتِيلَاءِ هُوَ حَقِيقَةُ الْغَصْبِ يُوجِبُ الضَّمَانَ.
وَقَالَ أَيْضًا: مُجَرَّدُ حُصُولِ الْمَغْصُوبِ فِي حَوْزِ الْغَاصِبِ يُوجِبُ ضَمَانَهُ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: يَضْمَنُهُ يَوْمَ الْغَصْبِ. وَإِنْ هَلَكَ مِنْ سَاعَتِهِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ أَوْ بِجِنَايَتِهِ أَوْ جِنَايَةِ غَيْرِهِ أَوْ كَانَتْ دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَمَاتَ مِنْ وَقْتِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ ضَمِنَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ غَصَبَ دَارًا فَلَمْ يَسْكُنْهَا حَتَّى انْهَدَمَتْ: غَرِمَ قِيمَتَهَا. ابْنُ عَبْدُوسٍ: وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا (وَإِلَّا فَتَرَدُّدٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَارِحِهِ أَنَّ غَيْرَ الْعَقَارِ لَا يَتَقَرَّرُ فِيهِ الضَّمَانُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ وَلَيْسَ الْمَذْهَبُ كَذَلِكَ. اُنْظُرْهُ أَنْتَ.
(كَأَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَبْدٌ قِصَاصًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا مَاتَ مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ انْهَدَمَ مِنْ الرَّبْعِ بِيَدِ غَاصِبِهِ بِقُرْبِ الْغَصْبِ أَوْ بِغَيْرِ قُرْبِهِ بِغَيْرِ سَبَبِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَوْتُ الْمَغْصُوبِ بِحَقٍّ قِصَاصٍ أَوْ حِرَابَةٍ كَمَوْتِهِ.
(أَوْ رَكِبَ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ إثْبَاتُ الْيَدِ فِي الْمَنْقُولِ بِالنَّقْلِ إلَّا فِي الدَّابَّةِ فَيَكْفِي فِيهَا الرُّكُوبُ. ابْنُ عَرَفَةَ: مُجَرَّدُ الِاسْتِيلَاءِ هُوَ حَقِيقَةُ الْغَصْبِ. لَوْ غَصَبَ أَمَةً كَانَتْ بِبُقْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمُتَمَلَّكَاتِ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا دُونَ رَبِّهَا ضَمِنَهَا. وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ " يَكْفِي الرُّكُوبُ فِي الضَّمَانِ " يَقْتَضِي نَفْيَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَضْعُ الْيَدِ وَحْدَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. اُنْظُرْهُ فِيهِ.
(أَوْ ذَبَحَ) الْجَلَّابُ: مَنْ غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَكَانَ لَهُ أَكْلُهَا. وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ ذَبَحَ
[ ٧ / ٣١١ ]
لِرَجُلٍ شَاةً فَيَلْزَمُهُ غُرْمُ قِيمَتِهَا لَا يَجُوزُ لِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِلَحْمِهَا؛ لِأَنَّ رَبَّ الشَّاةِ مَا لَمْ يَفُتْ لَحْمُهَا مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهَا مَذْبُوحَةً وَفِي أَخْذِ قِيمَتِهَا حَيَّةً، فَيَدْخُلُهُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، فَإِنْ فَاتَ لَحْمُهَا فَلَا بَأْسٍ بِذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَبِلَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فِي أَنَّ لِرَبِّهَا أَخْذَهَا مَذْبُوحَةً. اُنْظُرْ إنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْغَرِيمِ أَخْذَ عَيْنِ مَالِهِ إلَّا إنْ طُحِنَتْ الْحِنْطَةُ أَوْ ذُبِحَ كَبْشُهُ، فَغُرَمَاءُ الْغَاصِبِ يَكُونُونَ فِيهِ أُسْوَةً. وَانْظُرْ فِي الْبُيُوعِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " فَلَا يَجُوزُ إنْ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ ".
(أَوْ جَحَدَ وَدِيعَةً) ابْنُ شَاسٍ: جَحْدُ الْوَدِيعَةِ مِنْ مَالِكِهَا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الرَّدِّ مُوجِبٌ لِضَمَانِهَا بِخِلَافِ جَحْدِهَا مِنْ غَيْرِهِ.
(أَوْ أَكَلَ بِلَا عِلْمٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ غَصَبَ طَعَامًا أَوْ إدَامًا أَوْ ثِيَابًا ثُمَّ وَهَبَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ فَأَكَلَ الطَّعَامَ وَالْإِدَامَ وَلَبِسَ الثِّيَابَ حَتَّى أَبْلَاهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ رَجُلٌ، فَلْيَرْجِعْ بِذَلِكَ عَلَى الْوَاهِبِ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَوْهُوبِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمَوْهُوبُ عَلَى الْوَاهِبِ بِشَيْءٍ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقَالَ أَشْهَبُ: يُتْبِعُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُشْتَرِي يَأْكُلُ الطَّعَامَ أَوْ يَلْبَسُ الثِّيَابَ أَنْ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُتْبِعَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَيَبْتَدِئَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ غَيْرَ غَاصِبٍ لَمْ يُتْبِعْ إلَّا الْمَوْهُوبَ الْمُنْتَفَعَ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا خِلَافُ مَالِهِ فِي مُكْرِي الْأَرْضِ يُحَابِي فِي كِرَائِهَا ثُمَّ يَطْرَأُ لَهُ أَخٌ يُشْرِكُهُ وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِالْمُحَابَاةِ عَلَى أَخِيهِ إنْ كَانَ مَلِيًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ رَجَعَ عَلَى الْمُكْتَرِي، فَقَدْ سَاوَى فِي هَذَا بَيْنَ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرِهِ، وَهَذَا أَصْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَرْجِعُ
[ ٧ / ٣١٢ ]
أَوَّلًا عَلَى الْوَاهِبِ إلَّا أَنْ يُعْدِمَ فَيَرْجِعُ عَلَى الْمَوْهُوبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْغَصْبِ فَهُوَ كَالْغَاصِبِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَيَرْجِعُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ.
ابْنُ يُونُسَ: وَقَوْلُ أَشْهَبَ أَقْيَسُ وَلَا يَكُونُ الْمَوْهُوبُ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ الْمُشْتَرِي وَبِهِ أَقُولُ. اُنْظُرْ تَوْجِيهَهُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَلِلْمَازِرِيِّ: إذَا كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَ الْمَغْصُوبِ فَمُشْتَرِيهِ كَغَاصِبِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ الْمَغْصُوبِ فَفِيهِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُسْتَحَقُّ مِنْهُ مَا اشْتَرَى، فَإِنْ أَرَادَ إبْرَاءَ ذِمَّتِهِ وَالِاحْتِيَاطَ بِنَفْسِهِ فَلْيَفْعَلْ بِقِيمَةِ مَا اشْتَرَى مَا يُحِبُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ إمَامٌ عَادِلٌ لَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ غَيْرَهُ، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي لَحْمِ الشَّاةِ الْمَغْصُوبَةِ هَلْ تَفُوتُ بِالذَّبْحِ؟ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَا تَفُوتُ بِهِ.
وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ. الْبُرْزُلِيِّ: وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ رَدِّ الشَّاةِ إذَا وَجَدَ جَوْفَهَا أَخْضَرَ بَعْدَ ذَبْحِهَا مَعَ مَا نَقَصَهَا، هَلْ هُوَ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ الْمَازِرِيُّ: وَأَمَّا إذَا طُبِخَ فَقَدْ فَاتَ. الْبُرْزُلِيِّ: هَذَا إنْ طُبِخَ بِأَبْزَارٍ.
(أَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى التَّلَفِ) سُئِلَ سَحْنُونَ فِي نَوَازِلِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْعُمَّالِ أَكْرَهَ رَجُلًا أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ رَجُلٍ يُخْرِجُ مِنْهُ مَتَاعًا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ لَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ ثُمَّ عُزِلَ ذَلِكَ الْعَامِلُ الْغَاصِبُ، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ طَلَبُ مَالِهِ مِمَّنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُبَاشِرِ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ، وَلِهَذَا الْمُبَاشِرِ أَنْ يَطْلُبَ الْعَامِلَ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ غَائِبًا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ أَنَا الْمَأْخُوذُ بِهِ إذَا جَاءَ صَاحِبُهُ. ابْنُ رُشْدٍ: فِي هَذَا اُنْظُرْ، وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّهُ يُوقَفُ لِصَاحِبِهِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ هَذَا الْمُبَاشِرُ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ. وَلِسَحْنُونٍ أَيْضًا: مَنْ أُكْرِهَ عَلَى رَمْيِ مَالِ رَجُلٍ فِي مَهْلَكَةٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِ رَبِّهِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ، وَإِنْ أَكْرَهَ رَبَّهُ عَلَى الْإِذْنِ فَالْفَاعِلُ ضَامِنٌ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي أَكْرَهَهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْفَاعِلِ إذَا أَيْسَرَ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ عَدِيمًا أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَى الْآمِرِ الْمُكْرَهِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي نَوَازِلِهِ. وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَالَ الْمُكْرَهَ عَلَى أَخْذِهِ قَبَضَهُ الْآمِرُ الْمُكْرِهُ فِي مَسْأَلَتِهِ الْأُولَى فَنَاسَبَ كَوْنَهُ أَحَدَ الْغَرِيمَيْنِ عَلَى السَّوِيَّةِ. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(أَوْ حَفَرَ بِئْرًا تَعَدِّيًا) ابْنُ عَرَفَةَ: فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا: مَنْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ غَيْرَهَا حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَوْ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ لِمَا لَا يَجُوزُ لَهُ ضَمَّنَ مَالِكٌ بِذَلِكَ وَنَصُّهَا: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَعَطِبَ فِيهِ إنْسَانٌ ضَمِنَهُ الْحَافِرُ، وَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِهِ أَوْ جَعَلَ حِبَالَةً لِيَعْطَبَ بِهَا سَارِقًا فَعَطِبَ بِهَا السَّارِقُ أَوْ غَيْرُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ.
قَالَ أَشْهَبُ: لِأَنَّهُ احْتَفَرَهُ لِمَا لَا يَجِبُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ جَعَلَ عَلَى
[ ٧ / ٣١٣ ]
حَائِطِهِ حَفِيرًا لِلسِّبَاعِ أَوْ حِبَالَةً لَمْ يَضْمَنْ مَا عَطِبَ بِذَلِكَ مِنْ سَارِقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ جَعَلَ بِبَابِ خِبَائِهِ قَصَبًا تَدْخُلُ فِي رِجْلِ مَنْ يَدْخُلُهُ، أَوْ اتَّخَذَ تَحْتَ عَتَبَتِهِ مَسَامِيرَ لِمَنْ يَدْخُلُ، أَوْ رَشَّ فِنَاءَهُ يُرِيدُ بِهِ زَلَقَ مَنْ يَسْلُكُهُ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ إنْسَانٍ، أَوْ اتَّخَذَ فِيهِ كَلْبًا عَقُورًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ رَشَّهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ مَا عَطِبَ بِهِ.
(وَقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي) ابْنُ شَاسٍ: يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ فَتَرَدَّتْ فِيهِ بَهِيمَةٌ أَوْ إنْسَانٌ، فَإِنْ رَدَاهُ غَيْرُهُ فَعَلَى الْمُرْدِي تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ عَلَى التَّسَبُّبِ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَذَا نَقَلَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْقَفَصِ الْآتِيَةِ، وَعَارَضَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِتَسْوِيَةِ سَحْنُونٍ بَيْنَ الْمُكْرِهِ غَيْرَهُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ لَهُ مَالَ رَجُلٍ مِنْ بَيْتِهِ. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ (إلَّا الْمُعَيَّنُ فَسِيَّانِ) هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ.
وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: يُقْتَلُ الْمُرْدِي دُونَ الْحَافِرِ تَغْلِيبًا لِلْمُبَاشَرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُقْتَلُ الْمُرْدِي إلَّا إنْ عُلِمَ بِقَصْدِ الْحَافِرِ وَيَتَقَدَّمُ فِعْلُهُ فَيُقْتَلَانِ مَعًا كَبَيِّنَةِ الزُّورِ مَعَ الْقَاضِي الْعَالِمِ بِزُورِهَا انْتَهَى.
وَاسْتَظْهِرْ عَلَى هَذَا النَّقْلَ فَإِنِّي لَمْ أُصَادِفْهُ حِينَ رَاجَعْته. وَانْظُرْ هَذَا الْمَوْضِعَ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الْأَخْذَ مِنْ الْغَاصِبِ الْعَالِمِ بِالْغَصْبِ غَاصِبٌ، وَمَنْ حَلَّ رِبَاطَ زِقٍّ مَمْلُوءٍ زَيْتًا لِرَجُلِ وَأَبْقَاهُ مُسْتَنِدًا كَمَا وَجَدَهُ فَأَسْقَطَهُ رَجُلٌ.
(أَوْ فَتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ لِئَلَّا يَأْبَقَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَّ عَبْدًا مِنْ قَيْدٍ قُيِّدَ بِهِ لِئَلَّا يَأْبَقَ فَذَهَبَ الْعَبْدُ ضَمِنَ.
(أَوْ عَلَى غَيْرِ عَاقِلٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ فَتَحَ بَابَ قَفَصٍ فِيهِ طَيْرٌ فَذَهَبَ الطَّيْرُ ضَمِنَ، وَمَنْ حَلَّ دَوَابَّ مِنْ مَرَابِطِهَا فَذَهَبَتْ ضَمِنَهَا كَالسَّارِقِ يَدَعُ بَابَ الْحَانُوتِ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ فِيهِ رَبُّهُ فَيَذْهَبُ مَا فِي الْحَانُوتِ فَالسَّارِقُ يَضْمَنُهُ.
(إلَّا بِمُصَاحَبَةِ رَبِّهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ فَتَحَ بَابَ دَارٍ فِيهَا دَوَابُّ فَذَهَبَتْ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ مَسْكُونَةً فِيهَا أَهْلُهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَرْبَابُهَا ضَمِنَ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا رَبُّهَا نَائِمًا لَمْ يَضْمَنْ. وَكَذَلِكَ السَّارِقُ يَدَعُ الْبَابَ مَفْتُوحًا وَأَهْلُ الدَّارِ فِيهَا نِيَامٌ أَوْ غَيْرُ نِيَامٍ، فَلَا يَضْمَنُ مَا ذَهَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ إذَا تَرَكَ الْبَيْتَ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ أَرْبَابُ الْبَيْتِ فِيهِ (أَوْ حِرْزًا) اُنْظُرْ إنْ كَانَ هَذَا مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: " غَيْرَ عَاقِلٍ " أَنْ يَضْمَنَ إنْ فَتَحَ عَلَى غَيْرِ عَاقِلٍ أَوْ فَتَحَ حِرْزًا إلَّا بِمُصَاحَبَةِ رَبِّ غَيْرِ الْعَاقِلِ وَرَبِّ الْحِرْزِ.
(لِمِثْلِيٍّ وَلَوْ بِغَلَاءٍ بِمِثْلِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمِثْلِيُّ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَالْمَعْدُودُ الَّذِي لَا تَخْتَلِفُ أَعْيَانُ عَدَدِهِ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ فِي الْكِتَابِ اُنْظُرْهُ هُنَاكَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ غَصَبَ لِرَجُلٍ طَعَامًا أَوْ إدَامًا فَاسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ بِمَوْضِعِ غَصْبِهِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ هُنَاكَ مَثَلًا لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ. وَإِنْ لَقِيَهُ رَبُّهُ
[ ٧ / ٣١٤ ]
بِغَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي غُصِبَ فِيهِ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ فِيهِ هُنَاكَ بِمِثْلِهِ وَلَا قِيمَتِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ بِمَوْضِعِ عَطَبِهِ فِيهِ. اللَّخْمِيِّ: وَيَخْتَلِفُ إنْ غَصَبَهُ طَعَامًا فِي شِدَّةٍ ثُمَّ صَارَ إلَى رَخَاءٍ، هَلْ يَغْرَمُ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّهُ يَغْرَمُ أَغْلَى الْقِيَمِ؟ الْمَازِرِيُّ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَغَيَّرُ بِذَلِكَ وَيُقْضَى بِمِثْلِهِ (وَصَبَرَ لِوُجُودِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ فَقَدَ الْمِثْلَ حِينَ طَلَبَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُهُ. اللَّخْمِيِّ: يُرِيدُ أَنَّهُ يَصْبِرُ حَتَّى يُوجَدَ. أَشْهَبُ يُخَيَّرُ الطَّالِبُ فِي الصَّبْرِ أَوْ الْقِيمَةِ.
(وَلِبَلَدِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَقِيَهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ الْبَلَدِ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ هُنَاكَ بِمِثْلِهِ وَلَا قِيمَتِهِ. وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي الْوَكِيلِ عَلَى شِرَاءِ طَعَامٍ فَاشْتَرَاهُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ثُمَّ بَاعَهُ بِزَيْتٍ وَقَدِمَ بِالزَّيْتِ لِبَلَدِ الْمُوَكِّلِ، فَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يُضَمِّنَ الْوَكِيلَ مِثْلَ طَعَامِهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبَيْنَ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فِيهِ بِالزَّيْتِ فَيَأْخُذَهُ بِمِثْلِهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إذْ قَدْ فَاتَ بِحَمْلِهِ لِبَلَدٍ الْمُوَكِّلِ. وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الزَّيْتِ هُنَاكَ إلَّا بِرِضَا الْوَكِيلِ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ أَنَّ لَهُ أَخْذَ الزَّيْتِ؛ لِأَنَّهُ زَيْتُهُ بِعَيْنِهِ. اُنْظُرْ رَسْمَ عَبْدِ الْقَادِرِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْبَضَائِعِ.
(وَلَوْ صَاحِبُهُ) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الطَّعَامِ يُسْرَقُ فَيَجِدُهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ، لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ السَّارِقَ وَالْغَاصِبَ بِمِثْلِهِ فِي مَوْضِعِ سَرِقَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ اتَّفَقَا أَنْ يَأْخُذَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ مِثْلِهِ بِمَوْضِعِ نَقْلِهِ أَوْ يَأْخُذَ فِيهِ ثَمَنًا جَازَ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ الطَّعَامِ الْقَرْضِ قَبْلَ قَبْضِهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ لَمْ يَكُنْ الطَّعَامُ مَعَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَصْبِرُ لِقُدُومِهِ بَلَدَ الْغَصْبِ لِيَغْرَمَ مِثْلَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي غَيْرِ الطَّعَامِ طَرِيقَانِ. ابْنُ رُشْدٍ: سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ نَقْلَهُ مِنْ بَلَدٍ لِآخَرَ فَوْتٌ فِي الْعُرُوضِ لَا الْحَيَوَانِ.
(وَمُنِعَ مِنْهُ لِلتَّوَثُّقِ) الَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ فِيمَنْ لَقِيَ مَنْ غَصَبَهُ بِغَيْرِ بَلَدِ غَصْبِهِ وَالطَّعَامُ مَعَهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ حَتَّى يَتَوَثَّقَ مِنْهُ (وَلَا رَدَّ لَهُ) ابْنُ عَرَفَةَ: مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّهِ جَبْرُ الْغَاصِبِ عَلَى رَدِّهِ لِبَلَدِ الْغَصْبِ. وَأَجَابَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ أَكْرَى مَلَّاحًا عَلَى حَمْلِ تِينٍ مِنْ إشْبِيلِيَّةَ إلَى سَبْتَةَ فَحَمَلَهُ إلَى سَلَأَ فَغَرِمَ الْمَلَّاحُ مِثْلَ التِّينِ بِإِشْبِيلِيَّةَ وَيَحْمِلُهُ إلَى سَبْتَةَ فَقِيلَ لَهُ: أَفْتَى غَيْرُكَ بِوُجُوبِ رَدِّ الْمَلَّاحِ إلَى سَبْتَةَ وَهُوَ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهَا. فَقَالَ: مَا أَجَبْت بِهِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَمِنْ الذَّخِيرَةِ: نَقْلُ الْغُصُوبِ تَشَعَّبَتْ فِيهِ الْمَذَاهِبُ وَاضْطَرَبَتْ الْآرَاءُ وَتَبَايَنَتْ بِنَاءً عَلَى مُلَاحَظَةِ أُصُولٍ وَقَوَاعِدَ مِنْهَا، أَنَّ الْغَاصِبَ أَنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْرَمَ كُلْفَةَ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مَعْصُومٌ كَمَالِ الْمَغْصُوبِ.
(كَإِجَازَتِهِ بَيْعَهُ مَعِيبًا زَالَ وَقَالَ أَجَزْتُ لِظَنِّ بَقَائِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ غَصَبَ أَمَةً بِعَيْنِهَا بَيَاضٌ فَبَاعَهَا، ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ وَأَجَازَ رَبُّهَا الْبَيْعَ، ثُمَّ عَلِمَ بِذَهَابِ الْبَيَاضِ فَقَالَ إنَّمَا أَجَزْت الْبَيْعَ وَلَمْ أَعْلَمْ بِذَهَابِهِ،
[ ٧ / ٣١٦ ]
وَأَمَّا الْآنَ فَلَا أُجِيزُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكْتَرِي يَتَعَدَّى الْمَسَافَةَ فَتَضِلُّ الدَّابَّةُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا ثُمَّ تُوجَدُ: فَهِيَ لِلْمُكْتَرِي وَلَا شَيْءَ لِرَبِّهَا فِيهَا.
(كَنُقْرَةٍ صِيغَتْ) ابْنُ يُونُسَ: لَوْ غَصَبَهُ سَوِيقًا فَلَتَّهُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَرَاضَيَا أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُعْطِيَهُ مَا لَتَّهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ الطَّعَامَيْنِ. وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ الْفِضَّةَ دَرَاهِمَ أَوْ صَاغَهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهَا وَيُعْطِيَهُ أُجْرَتَهُ لِلتَّفَاضُلِ بَيْنَهُمَا.
(وَطِينٍ لُبِنَ وَقَمْحٍ طُحِنَ وَبَذْرٍ زُرِعَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ عَمِلَ الْغَاصِبُ مِنْ الْخَشَبَةِ بَابًا، أَوْ غَصَبَ تُرَابًا يَعْمَلُ مِنْهُ بَلَاطًا، أَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا وَحَصَدَ مِنْهَا حَبًّا كَثِيرًا، أَوْ غَصَبَ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ، أَوْ غَصَبَ فِضَّةً فَصَاغَهَا حُلِيًّا، أَوْ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ فَعَلَيْهِ فِي هَذَا كُلِّهِ مِثْلُ مَا غَصَبَ فِي صِفَتِهِ وَوَزْنِهِ وَكَيْلِهِ أَوْ الْقِيمَةُ فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، وَكَذَلِكَ فِي السَّرِقَةِ. الْمَازِرِيُّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ غَصَبَ قَمْحًا فَطَحَنَهُ ضَمِنَ مِثْلَهُ وَلَا يُمَكِّنُ رَبَّ الْقَمْحِ مِنْ أَخْذِ الدَّقِيقِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ. وَاتَّفَقَا إنْ طَحَنَ الْقَمْحَ سَوِيقًا وَلَتَّهُ أَنْ لَيْسَ لِرَبِّ الْقَمْحِ أَخْذُهُ.
(وَبَيْضٍ أَفْرَخَ) . أَشْهَبُ: مَنْ غَصَبَ بَيْضَةً فَحَضَنَهَا تَحْتَ دَجَاجَةٍ لَهُ فَخَرَجَ مِنْهَا دَجَاجَةٌ فَعَلَيْهِ بَيْضَةٌ مِثْلُهَا كَغَاصِبِ الْقَمْحِ يَزْرَعُهُ عَلَيْهِ مِثْلُ الْقَمْحِ وَالزَّرْعِ لَهُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ، لَا مَا بَاضَ أَوْ حُضِنَ. أَشْهَبُ: لَوْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَبَاضَتْ عِنْدَهُ فَحَضَنَتْ بَيْضَهَا، فَمَا خَرَجَ مِنْ الْفَرَارِيجِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا مَعَهَا كَالْوِلَادَةِ، وَأَمَّا لَوْ حَضَنَ تَحْتَهَا بَيْضًا لَهُ مِنْ غَيْرِهَا فَالْفَرَارِيجُ لِلْغَاصِبِ وَالدَّجَاجَةُ لِرَبِّهَا وَلَهُ فِيمَا حَضَنَتْ كِرَاءُ مِثْلِهَا. ابْنُ الْمَوَّازِ: مَعَ مَا نَقَصَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا بَيِّنًا فَيَكُونُ لِرَبِّهَا قِيمَتُهَا يَوْمَ غَصَبَهَا، وَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْ بَيْضِهَا وَلَا مِنْ فَرَارِيجِهَا شَيْءٌ. قَالَ: وَلَوْ غَصَبَ حَمَامَةً فَزَوَّجَهَا حَمَامًا لَهُ فَبَاضَتْ وَأَفْرَخَتْ، فَالْحَمَامَةُ وَالْفِرَاخُ لِلْمُسْتَحِقِّ وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِيمَا أَعَانَهَا ذَكَرَهُ مِنْ حَضَانَتِهِ، وَلِمُسْتَحِقِّ الْحَمَامَةِ فِيمَا حَضَنَتْ مِنْ بَيْضِ غَيْرِهَا قِيمَةُ حَضَانَتِهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا حَضَنَهُ غَيْرُهَا مِنْ بَيْضِهَا وَإِنَّمَا لَهُ بَيْضٌ مِثْلِ بَيْضِ حَمَامَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فِي أَخْذِ الْبَيْضِ ضَرَرٌ فِي تَكَلُّفِ حَمَامٍ يَحْضُنُهُمْ، فَلَهُ أَنْ يُغَرِّمَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ ذَلِكَ الْبَيْضِ اهـ.
[ ٧ / ٣١٧ ]
اُنْظُرْ هَذَا كُلَّهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ فِي اشْتِرَاكِ ذِي طَيْرٍ وَطَيْرَةٍ.
(وَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ غَصَبَ خَمْرًا فَتَخَلَّلَ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ، وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ كُسِرَتْ عَلَيْهِ وَغَرِمَ مِثْلَهُ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا غَصَبَ مُسْلِمٌ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا فَأَرَاقَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ مِنْ الْإِرَاقَةِ الَّتِي كَانَ مُخَاطَبًا بِهَا مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ، وَلَوْ أَمْسَكَهَا حَتَّى تَخَلَّلَتْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا لِمَنْ غَصَبَهَا مِنْهُ. وَقَدْ خَرَّجَ حُذَّاقُ شُيُوخِي فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى طَائِرٍ لَا يَحُوزُهُ أَحَدٌ.
(وَإِنْ تَخَلَّلَ خُيِّرَ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَلَّلَ خُيِّرَ رَبُّهُ فِي أَخْذِهِ مِثْلَهُ (كَتَخَلُّلِهَا لِذِمِّيٍّ) أَشْهَبُ: إنْ غَصَبَ مُسْلِمٌ خَمْرًا لِذِمِّيٍّ فَخَلَّلَهَا خُيِّرَ فِي أَخْذِهَا خَلًّا أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ اسْتَهْلَكَ مُسْلِمٌ لِذِمِّيٍّ خَمْرًا غَرِمَ قِيمَتَهَا (وَتَعَيَّنَ لِغَيْرِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمَازِرِيِّ وَنَقْلُهُ عَنْ حُذَّاقِ شُيُوخِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ تَخَلَّلَ ".
(وَإِنْ صَنَعَ) ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ غَصَبَ خَمْرًا فَفِي كَوْنِهَا بِتَخْلِيلِهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ لَهُ أَوْ لِرَبِّهَا، ثَالِثُهَا إنْ تَسَبَّبَ لِتَخْرِيجِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ وَالْمَعْرُوفِ وَمَفْهُومِ تَعْلِيلِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
(كَغَزْلٍ وَحُلِيٍّ وَغَيْرِ مِثْلِيٍّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ) لَا شَكَّ أَنَّ النَّاسِخَ قَدَّمَ هُنَا وَأَخَّرَ. وَإِنَّمَا مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ: وَضَمِنَ بِالِاسْتِيلَاءِ كَكَذَا وَكَذَا لِمِثْلِيٍّ وَلَوْ بِغَلَاءٍ وَغَيْرِ مِثْلِيٍّ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ كَغَزْلٍ أَوْ حُلِيٍّ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْعُرُوض وَالرَّقِيقُ وَالْحَيَوَانُ إذَا اسْتَهْلَكَهَا فَلَهُ قِيمَةُ ذَلِكَ بِبَلَدِ الْغَصْبِ يَوْمَ الْغَصْبِ يَأْخُذُهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ أَيْنَمَا لَقِيَهُ مِنْ الْبُلْدَانِ، نَقَصَتْ الْقِيمَةُ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ أَوْ زَادَتْ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ غَصَبَ غَزْلًا فَنَسَجَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْغَزْلِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَاسْتَهْلَكَهُمَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا مَصُوغَيْنِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ. ابْنُ يُونُسَ: وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَذَلِكَ إذَا كَسَرَهُمَا لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُمَا وَكَانَا لَهُ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ غَصَبَ حُلِيًّا فَكَسَرَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ لِهَيْئَتِهِ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ وَهَذَا هُوَ
[ ٧ / ٣١٨ ]
الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَاغَةَ غَيْرُ تِلْكَ فَكَأَنَّهُ أَفَاتَ السِّوَارَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ أَفَاتَهُ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ يَأْخُذُهُمَا.
(وَإِنْ جِلْدَ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ أَوْ كَلْبًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ غَيْرَ مَدْبُوغٍ فَعَلَيْهِ إنْ أَتْلَفَهُ قِيمَتُهُ مَا بَلَغَتْ كَمَا لَا يُبَاعُ كَلْبُ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٌ أَوْ ضَرْعٌ وَعَلَى قَاتِلِهِ قِيمَتُهُ مَا بَلَغَتْ. اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ كَانَ كَلْبَ دَارٍ لَمْ يَغْرَمْ فِيهِ شَيْئًا.
(وَلَوْ قَتَلَهُ تَعَدِّيًا وَخُيِّرَ فِي الْأَجْنَبِيِّ) كَذَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ غَصَبَ أَمَةً ثُمَّ قَتَلَهَا. وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: الْمُقَوَّمُ كَالْحَيَوَانِ يَتْلَفُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ خُيِّرَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ غَصَبَ أَمَةً فَزَادَتْ قِيمَتُهَا عِنْدَهُ أَوْ نَقَصَتْ ثُمَّ قَتَلَهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ، فَقَطْ، وَلَوْ قَتَلَهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ أَجْنَبِيٌّ وَقِيمَتُهَا يَوْمَئِذٍ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُ الْقَاتِلِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَتْلِ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ يَوْمَئِذٍ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ عَلَى الْغَاصِبِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ كَانَ إنَّمَا أَخَذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ مِنْ الْغَاصِبِ فَكَانَتْ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَتْلِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ بِشَيْءٍ وَلِلْغَاصِبِ طَلَبُ الْقَاتِلِ بِجَمِيعِ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَتْلِ (فَإِنْ تَبِعَهُ تَبِعَ هُوَ الْجَانِي) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لِرَبِّهَا أَخْذُ الْقَاتِلِ. وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَلِلْغَاصِبِ طَلَبُ الْقَاتِلِ (فَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ أَقَلَّ فَلَهُ طَلَبُ الزَّائِدِ مِنْ الْغَاصِبِ فَقَطْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ عَلَى الْغَاصِبِ.
(وَلَهُ هَدْمُ بِنَاءٍ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ غَصَبَ خَشَبَةً أَوْ حَجَرًا فَبَنَى عَلَيْهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا وَهَدْمُ الْبِنَاءِ، وَكَذَلِكَ إنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَجَعَلَهُ ظِهَارَةً لِجُبَّةٍ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ أَوْ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَهُ أَخْذُ عَيْنِ شَيْئِهِ وَيَفْتَقُ لَهُ الْجُبَّةَ وَيَهْدِمُ لَهُ الْبِنَاءَ، وَالْهَدْمُ وَالْفَتْقُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ لَهُ أَيْضًا أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الْخَشَبَةِ وَكَانَ الْغَاصِبُ لَمَّا أَفَاتَهَا رَضِيَ مِنْهُ بِالْتِزَامِ قِيمَتِهَا. وَانْظُرْ لَوْ أَنْشَأَ سَفِينَةً عَلَى لَوْحٍ مَغْصُوبٍ أَوْ غَصَبَ خَيْطًا خَاطَ بِهِ جُرْحًا، هَلْ يَتَخَرَّجُ عَلَى تَهْوِينِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ؟ الْمَازِرِيُّ: وَمِنْ هَذَا الْأُسْلُوبِ الْكَبْشُ يُدْخِلُ رَأْسَهُ فِي قِدْرِ غَيْرِ رَبِّهِ، وَالدِّينَارُ يَقَعُ فِي إنَاءِ الْغَيْرِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَّا بِكَسْرِ الْإِنَاءِ، وَمِنْ دُرَّةِ الْغَوَّاصِ فِي ثَوْرٍ احْتَبَسَ رَأْسُهُ بَيْنَ أَغْصَانِ زَيْتُونَةٍ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَى صَاحِبِ الثَّوْرِ بِقِيمَةِ مَا يُقْطَعُ مِنْ أَغْصَانِ الزَّيْتُونَةِ حَتَّى يَتَخَلَّصَ رَأْسُهُ مِنْهَا. قَالَهُ الدَّاوُدِيِّ. وَانْظُرْ إذَا اُسْتُحِقَّتْ خَشَبَةٌ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِرَبِّهَا قَلْعُهَا إذَا كَانَ الْبَانِي غَيْرَ غَاصِبٍ.
(وَغَلَّةُ مُسْتَعْمَلٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي غُرْمِ الْغَاصِبِ غَلَّةَ الْمَغْصُوبِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ. كُلُّ رَبْعٍ اغْتَصَبَهُ غَاصِبٌ فَسَكَنَهُ أَوْ اغْتَلَّهُ أَوْ
[ ٧ / ٣١٩ ]
أَرْضًا فَزَرَعَهَا، فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مَا سَكَنَ أَوْ زَرَعَ بِنَفْسِهِ وَغُرْمُ مَا أَكْرَاهَا بِهِ مِنْ غَيْرِهِ مَا لَمْ يُحَابِ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا وَلَا انْتَفَعَ بِهَا وَلَا اغْتَلَّهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا اغْتَصَبَهُ مِنْ دَوَابَّ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ سَرَقَهُ فَاسْتَعْمَلَهَا شَهْرًا وَطَالَ مُكْثُهَا بِيَدِهِ أَوْ أَكْرَاهَا وَقَبَضَ كِرَاءَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ مَا قَبَضَ مِنْ كِرَائِهَا وَإِنَّمَا لِرَبِّهَا عَيْنُ شَيْئِهِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ قِيمَتَهَا إذَا كَانَتْ عَلَى حَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ فِي يَدِكَ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى تَغَيُّرِ سُوقٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا الْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرُ يَتَعَدَّى الْمَسَافَةَ تَعَدِّيًا بَعِيدًا أَوْ يَحْبِسُهَا أَيَّامًا كَثِيرَةً وَلَمْ يَرْكَبْهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا بِحَالِهَا، فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي، أَوْ يَأْخُذُهَا مَعَ كِرَاءِ حَبْسِهِ إيَّاهَا بَعْدَ الْمَسَافَةِ. وَلَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى الْمُكْتَرِي الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ وَالسَّارِقُ وَالْغَاصِبُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا قِيمَةٌ وَلَا كِرَاءٌ إذَا رَدَّهَا بِحَالِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْلَا مَا قَالَهُ مَالِكٌ لَجَعَلْت عَلَى السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ كِرَاءَ رُكُوبِهِ إيَّاهَا وَأُضَمِّنُهُ قِيمَتَهَا إذَا حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا كَالْمُكْتَرِي وَلَكِنِّي آخُذُ فِيهَا بِقَوْلِ مَالِكٍ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْفَرْقُ أَنَّ الْغَاصِبَ غَصَبَ الرَّقَبَةَ فَلَا يَضْمَنُ الْمَنَافِعَ لِضَمَانِهِ الرَّقَبَةَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ عَلَى الْمَنَافِعِ فَضَمِنَهَا انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا التَّعْلِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّبْعِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَغْرَمُ غَلَّةَ مَا اسْتَغَلَّ. وَانْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ: " وَغَلَّةُ مُسْتَعْمَلٍ " وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّبْعَ بِخِلَافِ الدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ يَبْقَى صُوفُ الْغَنَمِ وَلَبَنُهَا وَنَسْلُ الْحَيَوَانِ وَثَمَرُ الشَّجَرِ سَيَأْتِي حُكْمُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَمَرْكَبٍ نَخِرٍ ". وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا مَا بَاضَ ".
(وَصَيْدُ عَبْدٍ وَجَارِحٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا وَأَمَرَهُ بِالصَّيْدِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّيْدَ لِرَبِّ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ آلَةً كَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّيْدَ لِلْغَاصِبِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا انْتَفَعَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فَرَسًا فَقَدْ أَلْحَقُوهُ بِالْآلَاتِ، وَإِنْ كَانَ جَارِحًا كَالْبَازِ وَالْكَلْبِ فَهُوَ يَلْحَقُ بِالْعَبْدِ؟ قَوْلَانِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي الَّذِي يَتَعَدَّى عَلَى كَلْبِ رَجُلٍ أَوْ بَازِهِ فَيَصِيدُ بِهِ، وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَحْمَلَهُ مَحْمَلُ الَّذِي يَتَعَدَّى عَلَى الْعَبْدِ فَيُرْسِلُهُ فَيَصِيدُ لَهُ؛ لِأَنَّ جُلَّ الْعَمَلِ إنَّمَا هُوَ لِلْبَازِ وَالْكَلْبِ؛ لِأَنَّهُمَا هُمَا اتَّبَعَا الصَّيْدَ وَهُمَا أَخَذَاهُ، فَلَهُمَا سَبَبَانِ: الِاتِّبَاعُ وَالْأَخْذُ، وَلَيْسَ لِلْمُتَعَدِّي فِيهِ إلَّا التَّحْرِيضُ عَلَى ذَلِكَ مَا تُؤُوِّلَ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ أَنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ فِيهَا لِمَنْ أَخْرَجَ شَيْئَيْنِ انْتَهَى. فَانْظُرْ جَعْلَ ابْنُ رُشْدٍ مَوْضُوعَ مَسْأَلَةِ إذَا تَعَدَّى عَلَى عَبْدِ رَجُلٍ أَوْ كَلْبِهِ أَوْ بَازِهِ أَنَّ الصَّيْدَ لِرَبِّ الْعَبْدِ بِاتِّفَاقٍ وَلِرَبِّ الْكَلْبِ وَالْبَازِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَفَرَضَهَا ابْنُ بَشِيرٍ فِي غَصْبِ الْعَبْدِ وَالْكَلْبِ وَالْبَازِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَا اُغْتُصِبَ مِنْ دَوَابَّ أَوْ رَقِيقٍ فَاسْتَعْمَلَهَا أَوْ أَكْرَاهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ مَا قَبَضَ مِنْ كِرَائِهَا وَإِنَّمَا لِرَبِّهَا عَيْنُ شَيْئِهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: لَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ نَفْسَهُ اسْتَغَلَّ الْعَبْدَ أَوْ أَخَذَ كِرَاءَ الدَّارِ لَلَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ الْغَلَّةَ وَالْكِرَاءَ لِلْمُسْتَحِقِّ. وَانْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِلَّا
[ ٧ / ٣٢٠ ]
بُدِئَ بِالْغَاصِبِ ".
(وَكِرَاءُ أَرْضٍ بُنِيَتْ) اللَّخْمِيِّ: لَا أَعْلَمُهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَبَنَاهَا ثُمَّ سَكَنَ أَوْ اسْتَغَلَّ أَنَّهُ لَا يَغْرَمُ سِوَى غَلَّةِ الْقَاعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا غَصَبَ خَرَابًا لَا يُسْكَنُ إلَّا بِإِصْلَاحِهِ فَأَصْلَحَ وَسَقَفَ وَرَّمَ ثُمَّ اسْتَغَلَّ قَالَ: لِلْمُسْتَحِقِّ جَمِيعُ الْغَلَّةِ وَكِرَاءُ مَا سَكَنَ وَلِلْغَاصِبِ قِيمَةُ مَا لَوْ نُزِعَ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ.
(كَمَرْكَبٍ نَخِرٍ) اللَّخْمِيِّ: إنْ غَصَبَ مَرْكَبًا نَخِرًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إلَّا بِإِصْلَاحِهِ فَعَمَّرَهُ وَرَجَّحَهُ بِجَوَانِحِهِ وَأَطْرَافِهِ ثُمَّ اغْتَلَّ غَلَّةً، كَانَ جَمِيعُ الْغَلَّةِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْفَقَهُ إلَّا مِثْلُ طَيْرٍ أَوْ جَمَلٍ. ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَشْهَبَ وَرَجَّحَهُ اُنْظُرْهُ فِيهِ. وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَا أَثْمَرَ عِنْدَ الْغَاصِبِ مِنْ نَخْلٍ أَوْ مِنْ شَجَرٍ أَوْ تَنَاسُلٍ مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ جَزَّ مِنْ الصُّوفِ أَوْ حَلَبَ مِنْ اللَّبَنِ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَعَ مَا اغْتَصَبَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَمَا أَكَلَ رَدَّ الْمِثْلَ مَا لَهُ مِثْلٌ، وَالْقِيمَةَ فِيمَا لَا يُقْضَى بِمِثْلِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ إتْبَاعُ الْمُسْتَحِقِّ بِمَا أَنْفَقَ فِي ذَلِكَ أَوْ سَقَى أَوْ عَالَجَ أَوْ رَعَى، وَلَكِنْ لَهُ الْمُقَاصَّةُ بِذَلِكَ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ غَلَّةٍ؛ لِأَنَّ عَنْ عَمَلِهِ تَكَوَّنَتْ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَجِيرَ أَحَقُّ بِهَا فِي الْفَلَسِ، وَإِنْ عَجَزَتْ الْغَلَّةُ عَنْهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ بِشَيْءٍ.
وَقَالَهُ أَشْهَبُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا: لَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا سَقَى أَوْ عَالَجَ أَوْ أَنْفَقَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْغَلَّةِ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ: إذْ لَيْسَ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ وَلَا مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ الْقَلْعِ فَيُرَدُّ، وَهُوَ كَمَا لَوْ غَصَبَ مَرْكَبًا خَرِبًا فَأَنْفَقَ فِي قَلْفَطَتِهِ وَمَرَمَّتِهِ وَتَرْجِيحِهِ وَأَطْرَافِهِ وَجَوَانِحِهِ ثُمَّ اغْتَلَّ فِيهِ غَلَّةً كَثِيرَةً، فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ مُقَلْفَطًا مَصْلُوحًا بِجَمِيعِ غَلَبَتِهِ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلَ الصَّارِي وَالْأَرْجُلِ وَالْحِبَالِ.
وَمَا يُؤْخَذُ لَهُ ثَمَنٌ إذَا أُخِذَ فَلِلْغَاصِبِ أَخْذُهُ وَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا غِنَى عَنْهُ إذْ لَا يَجِدُ صَارِيًا وَلَا أَرْجُلًا وَلَا أَحْبُلًا إلَّا هَذِهِ، أَوْ لَا يَجِدُ ذَلِكَ بِمَوْضِعٍ لَا يُنَالُ حَمْلُهَا إلَيْهِ إلَّا بِالْمَشَقَّةِ وَالْمُؤْنَةِ الْعَظِيمَةِ وَهُوَ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِمَّا يَجْرِي بِهِ الْمَرْكَبُ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى مَوْضِعِهِ، فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ بِمَوْضِعِهِ كَيْفَمَا كَانَ أَوْ يُسْلِمَ ذَلِكَ إلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِيمَا سَقَى أَوْ عَالَجَ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ كَالْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَأْخُذُهُ كَالْمُسْتَحِقِّ حَتَّى يَدْفَعَ قِيمَةَ السَّقْيِ وَالْعِلَاجِ وَهَذَا هُوَ الْأَصْوَبُ.
(وَأَخَذَ مَا لَا عَيْنَ لَهُ قَائِمَةٌ) اُنْظُرْ إنْ كَانَ يَعْنِي بِهَذَا أَنَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ أَرْضَهُ وَمَرْكَبَهُ وَيَأْخُذَ مَعَهُمَا مَا لَا قِيمَةَ لَهُ إنْ قُلِعَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ " كَمَرْكَبٍ " أَنَّ لِلْغَاصِبِ قِيمَةَ مَا لَوْ نُزِعَ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: كُلُّ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْغَاصِبِ بَعْدَ الْقَلْعِ كَالْجِصِّ وَالنَّقْشِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَا حَفَرَ مِنْ بِئْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا أَحْدَثَهُ الْغَاصِبُ فِي الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ خَرَجَ مِمَّا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَالصَّبْغِ وَالنَّقْضِ فِي الْبُنْيَانِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ يُمْكِنُ إعَادَتُهُ عَلَى حَالِهِ كَالْبُقْعَةِ بَيْنَهُمَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَالْمَغْصُوب مِنْهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ الْغَاصِبَ بِإِعَادَةِ الْبُقْعَةِ عَلَى حَالِهَا وَإِزَالَةِ مَا لَهُ فِيهَا مِنْ نَقْضٍ إنْ كَانَ فِيهَا نَقْضٌ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ مَا لَهُ فِيهَا مِنْ النَّقْضِ مَقْلُوعًا مَطْرُوحًا بِالْأَرْضِ، بَعْدَ أَجْرِ الْقَلْعِ. قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَابْنُ الْمَوَّازِ. وَهَذَا إذَا كَانَ الْغَاصِبُ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ
[ ٧ / ٣٢١ ]
بِنَفْسِهِ وَلَا بِعَبِيدِهِ وَإِنَّمَا يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إنَّهُ لَا يُحَطُّ مِنْ ذَلِكَ أَجْرُ الْقَلْعِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَاغْتُلَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ هَدَمَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْهَدْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبُنْيَانِ الَّذِي بَنَى الْغَاصِبُ مَا لَهُ قِيمَةٌ إذَا قَلَعَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - ﷺ -: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» .
(لَا صَيْدَ كَشَبَكَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ آلَةً كَالسَّيْفِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّيْدَ لِلْغَاصِبِ، وَمِثْلُ السَّيْفِ الشِّبَاكُ وَالْحَمَّالَاتُ.
(وَمَا أُنْفِقَ فِي الْغَلَّةِ) تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ: إنَّ مَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ مِنْ سَقْيٍ وَعِلَاجٍ لَهُ الْمُقَاصَّةُ بِهِ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ غَلَّةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلًا آخَرَ مَشْهُورًا أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ كَمَا أَنْفَقَ فِي الْمَرْكَبِ النَّخِرِ مِنْ قَلْفَطَةٍ. وَانْظُرْ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ أَنَّ لَهُ مَا أَنْفَقَ إنَّمَا يَرْجِعُ بِذَلِكَ فِي الْغَلَّةِ إنْ كَانَتْ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ، وَاَلَّذِي لِابْنِ عَرَفَةَ: عَلَى غُرْمِ الْغَاصِبِ الْغَلَّةَ فِي رُجُوعِهِ بِالنَّفَقَةِ طَرِيقَانِ، كَمَنْ تَعَدَّى عَلَى رَجُلٍ فَسَقَى لَهُ شَجَرَةً أَوْ حَرَثَ أَرْضَهُ أَوْ حَصَدَ زَرْعَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَجْرَ ذَلِكَ. رَاجِعْ اللَّخْمِيَّ وَابْنَ عَرَفَةَ.
(وَهَلْ إنْ أَعْطَاهُ فِيهِ مُتَعَدِّدٌ عَطَاءً فَبِهِ أَوْ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ وَمِنْ الْقِيمَةِ؟ تَرَدُّدٌ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَسَوَّقَ سِلْعَةً فَيُعْطِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ بِهَا ثَمَنًا ثُمَّ يَسْتَهْلِكُهَا لَهُ رَجُلٌ، فَلْيَضْمَنْ مَا كَانَ أَعْطَى فِيهَا وَلَا يَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهَا إذَا كَانَ عَطَاءً قَدْ تَوَاطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَبِيعَ بَاعَ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَضْمَنُ إلَّا قِيمَتَهَا.
وَقَالَ عِيسَى: يَضْمَنُ الْأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنَ اهـ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ مَالِكٍ " لَا يَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهَا " مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ، فَقَوْلُ عِيسَى مُفَسِّرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ.
(وَإِنْ وَجَدَ
[ ٧ / ٣٢٢ ]
غَاصِبَهُ بِغَيْرِهِ وَغَيْرِ مَحَلِّهِ فَلَهُ تَضْمِينُهُ وَمَعَهُ أَخْذُهُ إنْ لَمْ يَحْتَجْ لِكَبِيرِ حَمْلٍ) اُنْظُرْ إنْ كَانَ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ. وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: لَوْ وَجَدَ الْغَاصِبَ خَاصَّةً يَعْنِي دُونَ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَوْ صَاحِبُهُ " أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الطَّعَامِ الْمَغْصُوبِ جَبْرُ الْغَاصِبِ عَلَى رَدِّهِ لِبَلَدِ الْغَصْبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ: اتَّفَقُوا إذَا غَصَبَهُ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً ثُمَّ لَقِيَهُ بِمَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، وَلَا تَجِبُ لَهُ قِيمَتُهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِرَدِّهِ إلَى مَوْضِعِهِ. وَرَوَى الْبَاجِيُّ: وَيُخَيَّرُ فِي الْبَزِّ وَالْعُرُوضِ فِي أَخْذِ عَيْنِهَا أَوْ قِيمَتِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ رُشْدٍ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ النَّقْلَ فَوَّتَ فِي الرَّقِيقِ وَالْعُرُوضِ لَا فِي الْحَيَوَانِ. وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ فِي نَقْلِ غَيْرِ الطَّعَامِ طَرِيقَانِ. وَلَخَّصَ ابْنُ يُونُسَ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ: الطَّعَامُ لَيْسَ لَهُ فِي الْحُكْمِ إلَّا مِثْلُهُ بِمَوْضِعِ غَصْبِهِ، وَالْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ وَالْحَيَوَانُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُمْ إلَّا حَيْثُ وَجَدَهُمْ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرُوا، وَأَمَّا الْبَزُّ وَالْعُرُوضُ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهَا أَوْ أَخْذِ قِيمَتِهَا بِمَوْضِعِ غَصْبِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ أَشْهَبَ يُخَيِّرُهُ أَيْضًا فِي الْحَيَوَانِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ قَالَ: إنْ نَقَلَ خَشَبَةً تَعَدِّيًا بِمَالٍ كَثِيرٍ جُبِرَ عَلَى رَدِّهَا لِمَحَلِّهَا اهـ. وَبِتَلْخِيصِ ابْنِ يُونُسَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ كُنْت اكْتَفَيْت فِي النَّقْلِ لَوْلَا لَفْظَةُ خَلِيلٍ فَانْظُرْهُ أَنْتَ مَعَ مَا تَقَرَّرَ.
(لَا إنْ هَزَلَتْ جَارِيَةٌ أَوْ نَسِيَ عَبْدٌ صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ) ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ هَزَلَتْ الْجَارِيَةُ ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ نَسِيَ الْعَبْدُ الصَّنْعَةَ ثُمَّ ذَكَرَهَا حَصَلَ الْجَبْرُ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا لِغَيْرِهِمَا وَهُوَ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ فِيمَا ابْتَاعَهُ فَلَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى زَالَ فَلَا رَدَّ لَهُ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمَا أَنَّ الْهُزَالَ فِي الْجَارِيَةِ يُوجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانَهَا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: هُزَالُ الْجَارِيَةِ لَغْوٌ بِخِلَافِ الدَّابَّةِ.
(أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ) ابْنُ شَاسٍ: إذَا غَصَبَ عَبْدًا فَخَصَاهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَهُ،
[ ٧ / ٣٢٣ ]
فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْهُ ذَلِكَ أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا وَعُوقِبَ. ابْنُ عَرَفَةَ: سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ: مَنْ خَصَى عَبْدًا. اُنْظُرْهُ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ.
(أَوْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ فِي صَلَاةٍ) ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ: مَنْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ رَجُلٍ فِي الصَّلَاةِ فَيَقُومُ صَاحِبُ الثَّوْبِ الْمَجْلُوسِ عَلَيْهِ وَهُوَ تَحْتَ الْجَالِسِ فَيَنْقَطِعُ فَلَا يَضْمَنُ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْهُ بُدًّا فِي صَلَوَاتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ.
(أَوْ دَلَّ لِصًّا) أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ أَخْبَرَ لُصُوصًا بِمَطْمُورِ رَجُلٍ أَوْ أَخْبَرَ بِهِ الْغَاصِبَ وَقَدْ بَحَثَ عَنْ مَطْمَرِهِ أَوْ مَالِهِ فَدَلَّهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَلَوْلَا دَلَالَتُهُ مَا عَرَفُوهُ، فَضَمَّنَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا، وَلَمْ يُضَمِّنْهُ بَعْضُهُمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَنَا أَقُولُ بِتَضْمِينِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ التَّغْرِيرِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا الرَّجُلُ يَأْتِي السُّلْطَانَ بِأَسْمَاءِ قَوْمٍ وَمَوْضِعِهِمْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يَطْلُبُهُمْ بِهِ السُّلْطَانُ ظُلْمٌ فَيَنَالُهُمْ بِسَبَبِ تَعْرِيفِهِ بِهِمْ غُرْمٌ أَوْ عُقُوبَةٌ، فَأَرَاهُ ضَامِنًا لِمَا غَرَّمَهُمْ مَعَ الْعُقُوبَةِ الْمُوجِعَةِ. ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَ أَشْهَبُ: إذَا دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِمَا الْجَزَاءُ جَمِيعًا. وَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: لَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ. فَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ تَجْرِي مَسَائِلُ الدَّالِّ فِيمَا ذَكَرْنَا. الْمَازِرِيُّ: فِي ضَمَانِ الْمُتَسَبِّبِ بِقَوْلٍ كَصَيْرَفِيٍّ يَقُولُ فِيمَا عَلِمَهُ زَائِفًا: طَيِّبٌ، وَكَخَبَرِ مَنْ أَرَادَ صَبَّ زَيْتٍ فِي إنَاءٍ عَلِمَهُ مَكْسُورًا: صَحِيحٌ، وَكَدَالٍّ ظَالِمًا عَلَى مَالٍ أَخْفَاهُ رَبُّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ قَوْلَانِ. الْمَازِرِيُّ كَقَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي لُزُومِ الْجَزَاءِ عَلَى مَنْ دَلَّ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ بِدَلَالَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فُتْيَا ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ الْمُفْتِيَ لَا يَضْمَنُ إنْ أَفْتَى بِمَالٍ لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ إذْ هُوَ غُرُورٌ بِالْقَوْلِ، وَالصَّحِيحُ لَا يَضْمَنُ بِهِ.
(أَوْ أَعَادَ مَصُوغًا عَلَى حَالِهِ وَعَلَى غَيْرِهَا فَقِيمَتُهُ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَحَكَى أَنَّ الصَّوَابَ غُرْمُ الْقِيمَةِ وَإِنْ أَعَادَهُ لِهَيْئَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَاغَةَ غَيْرُ تِلْكَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يَأْخُذُهُ بِلَا غُرْمٍ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنْ صَاغَهُ عَلَى
[ ٧ / ٣٢٤ ]
غَيْرِ صِيَاغَتِهِ لَمْ يَأْخُذْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصَبَهُ (كَكَسْرِهِ) تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا كَسَرَ الْحُلِيَّ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ.
(أَوْ غَصَبَ مَنْفَعَةً فَتَلِفَتْ الذَّاتُ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ سَكَنَ دَارًا غَاصِبًا لِلسُّكْنَى مِثْلُ مَا سَكَنَ السُّدَّةَ حِينَ دَخَلُوا فَانْهَدَمَتْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، فَلَا يَضْمَنُ إلَّا قِيمَةَ السُّكْنَى إلَّا أَنْ تَنْهَدِمَ مِنْ فِعْلِهِ. وَأَمَّا لَوْ غَصَبَهُ رَقَبَةَ الدَّارِ ضَمِنَ مَا انْهَدَمَ وَكِرَاءَ مَا سَكَنَ. انْتَهَى وَانْظُرْ فِي. ابْنِ يُونُسَ هُنَا إذَا اكْتَرَى دَارًا أَوْ أَرْضًا فَاغْتَصَبَهَا مِنْهُ رَجُلٌ فَسَكَنَ أَوْ زَرَعَ أَنَّ الْكِرَاءَ عَلَى الْمُكْتَرِي إلَّا أَنْ يَكُونَ سُلْطَانًا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا صَوَابٌ؛ لِأَنَّ مَنْعَ السُّلْطَانِ كَمَنْعِ مَا هُوَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ كَهَدْمِ الدَّارِ وَقَحْطِ الْأَرْضِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا نَزَلَ سُلْطَانٌ عَلَى مُكْتِرٍ فَأَخْرَجَهُ وَسَكَنَ الدَّارَ أَنَّ الْمُصِيبَةَ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ وَيَسْقُطُ عَنْ الْمُكْتَرِي مَا سَكَنَهُ السُّلْطَانُ.
(أَوْ أَكَلَهُ مَالِكُهُ ضِيَافَةً) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ قَدَّمَ الْغَاصِبُ الطَّعَامَ إلَى الْمَالِكِ فَأَكَلَهُ مَعَ الْجَهْلِ بِحَالِهِ فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ، بَلْ لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى أَكْلِهِ فَأَكَلَهُ لَبَرِئَ الْغَاصِبُ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ نَقَلَ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ،. فَأَمَّا مَا أَكَلَهُ طَوْعًا فَالْجَارِي عَلَى الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يُحَاسَبَ الْمَغْصُوبُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِمَا يُقْضَى عَلَيْهِ أَوْ طَعِمَهُ مِنْ مَالِهِ مِمَّا لَيْسَ بِسَرَفٍ فِي حَقِّ الْآكِلِ، وَأَمَّا مَا أَكَلَهُ مُكْرَهًا فَهُوَ كَمَنْ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى إتْلَافِ مَالٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(أَوْ نَقَصَتْ لِلسُّوقِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا اغْتَصَبَهُ غَاصِبٌ فَأَدْرَكَهُ رَبُّهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي بَدَنِهِ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَى نَقْصِ قِيمَتِهِ بِاخْتِلَافِ سُوقِهِ، طَالَ زَمَانُ ذَلِكَ سِنِينَ أَوْ كَانَ سَاعَةً وَاحِدَةً إنَّمَا يَنْظُرُ إلَى تَغَيُّرِ بَدَنِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ بِخِلَافِ الْمُتَعَدِّي فِي حَبْسِ الدَّابَّةِ مِنْ مُكْتِرٍ أَوْ مُسْتَعِيرٍ يَأْتِي بِهَا أَحْسَنَ حَالًا، فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ الْكِرَاءِ أَوْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ يَوْمَ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّهُ حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا إلَّا فِي الْحَبْسِ الْيَسِيرِ لَا تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهِ فِي سُوقٍ أَوْ بَدَنٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ مَا أَصْلُهُ أَمَانَةٌ فَتَعَدَّى فِيهِ بِإِكْرَاهٍ أَوْ رَكِبَهُ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ كِرَاءٍ، فَهَذَا سَبِيلُهُ وَهُوَ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ. ابْنُ يُونُسَ: الْقِيَاسُ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يَكُونُ الْغَاصِبُ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ الْمُتَعَدِّي، وَكَمَا كَانَ يَضْمَنُ فِي النَّقْصِ الْيَسِيرِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَضْمَنَ فِي نَقْصِ السُّوقِ. وَقَدْ نَحَا ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا لَوْلَا خَوْفُ مُخَالَفَةِ
[ ٧ / ٣٢٥ ]
الْإِمَامِ مَالِكٍ.
(أَوْ رَجَعَ بِهَا مِنْ سَفَرٍ وَلَوْ بَعُدَ كَسَارِقٍ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَا اُغْتُصِبَ مِنْ دَوَابَّ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ سَرِقَةٍ وَطَالَ مُكْثُهَا بِيَدِهِ، فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَنْ يُلْزِمَهُ قِيمَتَهَا إذَا كَانَتْ عَلَى حَالِهَا. وَلَا يَنْظُرُ إلَى تَغَيُّرِ سُوقٍ بِخِلَافِ الْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرِ يَتَعَدَّى الْمَسَافَةَ تَعَدِّيًا بَعِيدًا فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَغَلَّةُ مُسْتَعْمَلٍ ". وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ مِثْلَ هَذَا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ثُمَّ قَالَ: وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ: إنْ سَافَرَ غَاصِبُ الدَّابَّةِ سَفَرًا بَعِيدًا ثُمَّ رَدَّهَا بِحَالِهَا خُيِّرَ رَبُّهَا وَأَمْرُ الْمُكْتَرِي وَالْغَاصِبِ وَاحِدٌ.
(وَلَهُ فِي تَعَدِّي كَمُسْتَأْجِرٍ كِرَاءُ الزَّائِدِ إنْ سَلِمَتْ) اُنْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَغَلَّةُ مُسْتَعْمِلٌ " قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرِ يَتَعَدَّى ثُمَّ يَرُدُّهَا بِحَالِهَا أَنَّ رَبَّهَا مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا مَعَ كِرَاءِ حَبْسِهِ إيَّاهَا بَعْدَ الْمَسَافَةِ بِخِلَافِ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ. اُنْظُرْهُ هُنَاكَ.
(وَإِلَّا خُيِّرَ فِيهِ وَفِي قِيمَتِهَا وَقْتَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا زَادَ مُكْتَرِي الدَّابَّةِ أَوْ مُسْتَعِيرُهَا فِي الْمَسَافَةِ مِيلًا أَوْ أَكْثَرَ فَعَطِبَتْ، ضَمِنَ وَخُيِّرَ رَبُّهَا. فَإِمَّا ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا كِرَاءَ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ كِرَاءَ الزِّيَادَةِ وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ، وَلَهُ عَلَى الْمُكْتَرِي - الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ رَدَّهَا بِحَالِهَا، وَالزِّيَادَةُ يَسِيرَةٌ مِثْلُ
[ ٧ / ٣٢٦ ]
الْبَرِيدِ وَالْيَوْمِ وَشِبْهِهِ لَمْ يَلْزَمْ قِيمَتُهَا وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ الزِّيَادَةِ انْتَهَى.
(وَإِنْ تَعَيَّبَ وَإِنْ قَلَّ كَكَسْرِ نَهْدَيْهَا أَوْ
[ ٧ / ٣٢٧ ]
جَنَى هُوَ أَوْ أَجْنَبِيٌّ خُيِّرَ فِيهِ كَصَبْغِهِ فِي قِيمَتِهِ وَأَخْذِ ثَوْبِهِ وَدَفْعِ قِيمَةِ الصَّبْغِ) . ابْنُ رُشْدٍ: يُفِيتُ الْمَغْصُوبُ النُّقْصَانَ وَالْعُيُوبَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُفْسِدَةً، كَانَتْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ أَوْ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ أَوْ جِنَايَةِ غَيْرِهِ غَيْرَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِأَمْرٍ مِنْ السَّمَاءِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ أَوْ يَأْخُذَهُ نَاقِصًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَتْ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْغَصْبِ أَوْ يَسْقُطَ عَنْهُ حُكْمُ الْغَصْبِ، فَيَأْخُذَهُ وَمَا نَقَصَتْهُ جِنَايَتُهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ بِجِنَايَةِ غَيْرِ الْغَاصِبِ فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ يَوْمَ الْغَصْبِ وَيَتَّبِعَ الْغَاصِبُ الْجَانِيَ، وَبَيْنَ أَنْ يُسْقِطَ عَنْ الْغَاصِبِ طَلَبَهُ وَيَتَّبِعَ الْجَانِيَ بِحُكْمِ الْجِنَايَةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: مَنْ غَصَبَ شَابَّةً فَصَارَتْ إلَى تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ كَانْكِسَارِ النَّهْدَيْنِ وَنَحْوِهِ لَهُ تَضْمِينُهُ قِيمَتَهَا إنْ شَاءَ انْتَهَى. فَقَدْ تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الْعَيْبِ السَّمَاوِيِّ بَيْنَ أَخْذِهِ بِنَقْصِهِ وَبَيْنَ أَخْذِهِ قِيمَتَهَا بِخِلَافِ الْعَيْبِ مِنْ
[ ٧ / ٣٢٨ ]
الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ مَعَ مَا نَقَصَهُ وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ الْعَيْبُ بِجِنَايَةٍ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ لَكِنْ إنْ أَخَذَهُ أَتْبَعَ الْجَانِيَ بِمَا نَقَصَهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ " وَإِنْ قَلَّ " لَوْ قَالَ " وَلَوْ قَلَّ " لَكَانَ مُنَاسِبًا؛ لِأَنَّهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَعَلَيْهِ عَوَّلَ فِي التَّفْرِيعِ.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَهُوَ أَبْيَنُ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مِنْ الْعَيْبِ الْيَسِيرَ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّبْغِ فَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، خُيِّرَ رَبُّهُ فِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْغَاصِبِ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصَبَهُ أَوْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ صَبْغِهِ وَيَأْخُذَ ثَوْبَهُ، وَلَا يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الْغَصْبِ. اُنْظُرْ لَوْ سَقَطَ ثَوْبٌ فِي قِدْرِ صَبَّاغٍ فَانْصَبَغَ الثَّوْبُ قَالُوا: يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِ، هَذَا بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ وَهَذَا بِقِيمَةِ صَبْغِهِ.
(وَفِي بِنَاءٍ فِي أَخْذِهِ وَدَفْعِ قِيمَةِ نَقْضِهِ بَعْدَ سُقُوطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا غَرْسًا أَوْ بَنَى فِيهَا بِنَاءً ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا قِيلَ لِلْغَاصِبِ: اقْلَعْ الْأُصُولَ وَالْبِنَاءَ إنْ كَانَ لَكَ مَنْفَعَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْأُصُولِ مَقْلُوعًا. ابْنُ الْمَوَّازِ: بَعْدَ طَرْحِ أُجْرَةِ الْقَلْعِ فَذَلِكَ لَهُ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَأَخَذَ مَا لَا عَيْنَ لَهُ قَائِمَةٌ " قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا إنْ كَانَ الْغَاصِبُ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
(وَمَنْفَعَةُ الْحُرِّ وَالْبُضْعِ بِالتَّفْوِيتِ) . ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ فَلَا تُضْمَنُ إلَّا بِالتَّفْوِيتِ، فَعَلَيْهِ فِي الْحُرَّةِ صَدَاقُ الْمِثْلِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا، وَكَذَلِكَ مَنْفَعَةُ بَدَنِ الْحُرِّ لَا تُضْمَنُ إلَّا بِالتَّفْوِيتِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إنْ رَجَعَ شَاهِدُ الطَّلَاقِ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا فِي مُتَعَمِّدَةِ إرْضَاعِ مَنْ يُوجِبُ رَضَاعُهَا فَسْخَ نِكَاحِهَا.
(كَحُرٍّ بَاعَهُ وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ) .
[ ٧ / ٣٢٩ ]
سَحْنُونَ: وَإِذَا غَصَبَ أُمَّ وَلَدٍ فَمَاتَتْ عِنْدَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا كَالْحُرَّةِ يَغْتَصِبُهَا فَتَمُوتُ عِنْدَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ: إنَّ أُمَّ الْوَلَدِ أَحْكَامُهَا أَحْكَامُ أَمَةٍ حَتَّى يَمُوتَ سَيِّدُهَا أَصَحُّ فَلَا تُشْبِهُ الْحُرَّةَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُرَّةَ لَا يَضْمَنُهَا بِالنَّقْلِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ غَصَبَ حُرًّا فَبَاعَهُ أَنَّهُ يُكَلَّفُ طَلَبُهُ، فَإِنْ يَئِسَ مِنْهُ أَدَّى دِيَتَهُ إلَى أَهْلِهِ. وَقَدْ نَزَلَتْ بِطُلَيْطِلَةَ فَكَتَبَ قَاضِيهَا إلَى ابْنِ بَشِيرٍ بِقُرْطُبَةَ فَجَمَعَ ابْنُ بَشِيرٍ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَفْتَوْا بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ أَغْرِمْهُ دِيَةً كَامِلَةً فَقَضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ (وَغَيْرِهِمَا بِالْفَوَاتِ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَضَمِنَ بِالِاسْتِهْلَاكِ وَإِنْ تَعَيَّبَ وَإِنْ قَلَّ كَنُقْرَةٍ صِيغَتْ وَقَمْحٍ طُحِنَ ".
(وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمُغَرِّمٍ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إنْ ظَلَمَ أَوْ الْجَمِيعَ أَوْ لَا، أَقْوَالٌ) اُنْظُرْ مُقْتَضَى ابْنِ الْقَاسِمِ وَفَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ أَنْ لَا غُرْمَ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ دَلَّ لِصًّا " وَقَوْلُ ابْنِ يُونُسَ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِ مَنْ اعْتَدَى عَلَى رَجُلٍ فَقَدَّمَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَالْمُتَعَدِّي يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا قَدَّمَهُ إلَيْهِ تَجَاوَزَ فِي ظُلْمِهِ وَأَغْرَمَهُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: عَلَيْهِ الْأَدَبُ وَقَدْ أَثِمَ. وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُفْتِي فِي مِثْلِ هَذَا إنْ كَانَ هَذَا السَّاعِي إلَى السُّلْطَانِ الصَّالِحِ أَوْ الْعَالِمِ وَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ فِي شَكْوَاهُ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا أَغْرَمَهُ الْوَالِي بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ كَانَ السَّاعِي مَظْلُومًا وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَنْتَصِفَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ إلَّا بِالسُّلْطَانِ فَشَكَاهُ فَأَغْرَمَهُ السُّلْطَانُ وَعَدَا عَلَيْهِ ظُلْمًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الشَّاكِي؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَلْجَئُونَ مِنْ الظَّلَمَةِ إلَى السُّلْطَانِ، وَيَلْزَمُ السُّلْطَانَ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَغْرَمَ الشَّاكِي ظُلْمًا، وَكَذَلِكَ مَا أَغْرَمَ الرَّسُولُ إلَى الْمُشْكِي وَهُوَ مِثْلُ مَا أَغْرَمَهُ السُّلْطَانُ أَوْ الْوَالِي يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ ظُلْمِ الشَّاكِي وَبَيْنِ ظُلْمِ غَيْرِهِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُفْتِي أَنْ يَنْظُرَ الْقَدْرَ الَّذِي لَوْ اسْتَأْجَرَ الشَّاكِي رَجُلًا فِي الْمَسِيرِ فِي إحْضَارِ الْمُشْكَى فَذَلِكَ عَلَى الشَّاكِي عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا أَغْرَمَهُ الرَّسُولُ فَيُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الصَّالِحِ وَالْمَظْلُومِ حَسْبَمَا قَدَّمْنَاهُ انْتَهَى.
وَفُتْيَا الْأَشْيَاخِ عِنْدَنَا أَنَّ الشَّاكِي لِجَائِرٍ يَغْرَمُ لِلْمَشْكُوِّ بِهِ مَا غَرِمَ. اُنْظُرْ نَوَازِلَ شَيْخِ الشُّيُوخِ ابْنِ لُبٍّ. وَمِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: جَرَتْ الْعَادَةُ فِيمَنْ رَفَعَ شِكَايَتَهُ لِقَائِدِ الْفَحْصِ وَنَحْوِهِ أَنَّ الْقَاضِيَ يُؤَدِّبُهُ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَهُ لِظُلْمِهِ عِنْدَ هَذَا الْجَائِرِ لَا سِيَّمَا إذَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ إلَى الْقَاضِي فَيَدْعُوهُ هُوَ إلَى هَؤُلَاءِ الْحُكَّامِ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ يَأْمُرُ مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقٌّ أَنْ يَدْفَعَ إلَى هَؤُلَاءِ وَيَقُولُ: هُمْ أَهْيَبُ مِنْ الْقَاضِي وَأَجْهَزُ فِي الْقَضِيَّةِ، لَكِنْ إذَا عَلِمَ أَنَّ خَصْمَهُ لَا يَظْلِمُهُ هَذَا الْوَالِي وَإِنَّمَا يُوصِلُهُ بِسَطْوَتِهِ، إلَى حَقِّهِ.
وَارْتَضَى
[ ٧ / ٣٣٠ ]
هَذَا شَيْخُنَا الْإِمَامُ وَرُبَّمَا فَعَلَهُ فِي بَعْضِ حُقُوقِهِ انْتَهَى (وَمِلْكُهُ إنْ اشْتَرَاهُ وَلَوْ غَابَ) اُنْظُرْ فِي الْبُيُوعِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمَغْصُوبٌ إلَّا مِنْ غَاصِبِهِ ".
(وَغَرِمَ قِيمَتَهُ إنْ لَمْ يُمَوِّهْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ قَضَيْتُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْقِيمَةِ ثُمَّ ظَهَرَتْ الْأَمَةُ بَعْدَ الْحُكْمِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا وَرَدُّ مَا أَخَذَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْهَا رَبُّهَا إلَّا أَنْ تَظْهَرَ أَفْضَلَ مِنْ الصِّفَةِ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ.
وَقَالَهُ أَشْهَبُ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ لَهُ أَخْذَهَا فَقَدْ أَخْطَأَ (وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِفَضْلَةٍ أَخْفَاهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ظَهَرَتْ أَفْضَلَ مِنْ الصِّفَةِ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ قَالَ: وَكَانَ الْغَاصِبُ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ بِجَحْدِ بَعْضِهَا.
(وَالْقَوْلُ لَهُ فِي تَلَفِهِ وَنَعْتِهِ وَقَدْرِهِ وَحَلَفَ) اُنْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ غَصَبَ أَمَةً وَادَّعَى هَلَاكَهَا وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهَا صُدِّقَ الْغَاصِبُ فِي الصِّفَةِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ صُدِّقَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي الصِّفَةِ مَعَ يَمِينِهِ. وَمَنْ انْتَهَبَ صُرَّةً بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ قَالَ كَانَ فِيهَا كَذَا وَالْمَغْصُوبُ
[ ٧ / ٣٣١ ]
مِنْهُ يَدَّعِي أَكْثَرَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ انْتَهَبَهَا وَطَرَحَهَا فِي مَتْلَفٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْتَهِبِ. ابْنُ يُونُسَ: أَمَّا إذَا طَرَحَهَا وَلَمْ يَفْتَحْهَا وَلَمْ يَدْرِ مَا فِيهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْتَهَبِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ فِيمَا يُشْبِهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي حَقِيقَةً، وَأَمَّا إنْ غَابَ عَلَيْهَا وَقَالَ الَّذِي كَانَ فِيهَا كَذَا وَكَذَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْتَهِبِ مَعَ يَمِينِهِ.
(كَمُشْتَرٍ مِنْهُ ثُمَّ غَرِمَ لِآخَرَ رُؤْيَةً) سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي سِلْعَةً فَيُقِيمُ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا اُغْتُصِبَتْ مِنْهُ فَيَزْعُمُ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ قَالَ: إنْ كَانَ حَيَوَانًا فَهُوَ مُصَدَّقٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَحَلَفَ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ. قِيلَ: فَإِنْ بَاعَهَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ عَلَيْهِ إلَّا ثَمَنُهَا. وَقَوْلُهُ مَقْبُولٌ فِي الثَّمَنِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ جَيِّدَةٌ. وَقَوْلُهُ " يَحْلِفُ إذَا ادَّعَى تَلَفَ السِّلْعَةِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ غَيَّبَهَا " وَمِثْلُ هَذَا يَجِبُ فِي الْمُرْتَهَنِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالصَّانِعِ يَدَّعُونَ تَلَفَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ. انْتَهَى مِنْ رَسْمِ اسْتَأْذَنَ. وَلَمَّا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ هَذَا قَالَ: فَإِنْ رُئِيَ الثَّوْبُ عِنْدَهُ بَعْدَ شَهْرٍ مِنْ يَوْمِ اشْتَرَاهُ وَادَّعَى ضَيَاعَهُ لِمَا اسْتَحَقَّ، فَالْأَشْبَهُ أَنْ يَضْمَنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ رُئِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ الشَّهْرِ بِخِلَافِ
[ ٧ / ٣٣٢ ]
الصَّانِعِ وَالْمُرْتَهِنِ يَدَّعِي ضَيَاعَهُ بَعْدَ أَنْ رُئِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ شَهْرٍ فَهَؤُلَاءِ لَا يَضْمَنُونَ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبَضُوهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَبَضُوهُ عَلَى الضَّمَانِ فَلَمَّا غَيَّبُوهُ بَعْدَ شَهْرٍ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا قَبَضُوهُ لِيَسْتَهْلِكُوهُ فَأَشْبَهُوا الْمُتَعَدِّيَ، وَالْمُشْتَرِي إنَّمَا قَبَضَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ لَكِنْ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ إذَا لَبِسَهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ لَبِسَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي لُبْسِهِ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا اُنْظُرْهُ فِي ثَالِثِ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْغَصْبِ. وَانْظُرْ رُجُوعَ الْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ عَلَى الْبَائِعِ نَقَلَ ابْنُ سَلْمُونَ أَنَّهُ إنْ كَانَ عِنْدَ الْقِيَامِ عَلَيْهِ ادَّعَى مَدْفَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ رُجُوعٌ عَلَى الْبَائِعِ. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ " لَا إنْ قَالَ: دَارِهِ ". وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى فِي الْبَضَائِعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اسْتَحَقَّتْ مِنْ يَدِهِ دَابَّةٌ وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّهَا أُنْتِجَتْ عِنْدَ بَائِعِهَا: إنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَظْلُومٌ.
وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ رَأْيَ أَشْهَبَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ بِسَبَبِكَ وَصَلَ إلَيَّ الْغُرْمُ.
(وَلِرَبِّهِ إمْضَاءُ بَيْعِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ غَصَبَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً فَبَاعَهَا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ وَهِيَ بِحَالِهَا، فَلَيْسَ لَهُ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ قِيمَتَهَا وَإِنْ حَالَتْ الْأَسْوَاقُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا أَوْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ الْغَاصِبِ.
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ابْتَاعَ ثَوْبًا مِنْ غَاصِبٍ وَلَمْ يَعْلَمْ فَلَبِسَهُ حَتَّى أَبْلَاهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ، غَرِمَ الْمُبْتَاعُ الْقِيمَةَ لِرَبِّهِ يَوْمَ لَبِسَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ، أَوْ أَجَازَ بَيْعَهُ وَأَخَذَ الثَّمَنَ. وَلَوْ تَلِفَ الثَّوْبُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ تَلِفَ عِنْدَ الْغَاصِبِ بِأَمْرٍ مِنْ
[ ٧ / ٣٣٣ ]
اللَّهِ ضَمِنَهُ.
(وَنَقْضُ عِتْقِ الْمُشْتَرَى وَإِجَازَتُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: مَنْ غَصَبَ أَمَةً فَبَاعَهَا فَقَامَ رَبُّهَا وَقَدْ أَعْتَقَهَا الْمُبْتَاعُ فَلَهُ أَخْذُهَا وَنَقْضُ الْعِتْقِ، نَقَصَتْ أَمْ زَادَتْ. وَلَهُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فَإِنْ أَجَازَهُ ثَمَّ الْعِتْقُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ (وَضَمِنَ مُشْتَرٍ لَمْ يَعْلَمْ فِي عَمْدٍ لَا سَمَاوِيٍّ) اُنْظُرْ قَبْلَ الْفَرْعِ قَبْلَ هَذَا.
(وَلَا غَلَّةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ ابْتَاعَ دَارًا أَوْ عَبِيدًا مِنْ غَاصِبٍ وَلَمْ يَعْلَمْ فَاسْتَغَلَّهُمْ زَمَانًا ثُمَّ اُسْتُحِقُّوا فَالْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ بِضَمَانِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا وَرِثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَدْرِ بِمَا كَانُوا لِأَبِيهِ فَاسْتَغَلَّهُمْ ثُمَّ اُسْتُحِقُّوا فَالْغَلَّةُ لِلْوَارِثِ. وَلَوْ وَهَبَ ذَلِكَ لِأَبِيهِ رَجُلٌ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْوَاهِبَ لِأَبِيهِ هُوَ الَّذِي غَصَبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ مِنْ رَجُلٍ هَذَا الْمُسْتَحِقُّ وَارِثُهُ فَغَلَّةُ مَا مَضَى لِلْمُسْتَحِقِّ، فَإِنْ جَهِلَ أَمْرَ الْوَاهِبِ أَغَاصِبٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَهُوَ عَلَى الشِّرَاءِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ غَاصِبٌ انْتَهَى. وَانْظُرْ هُنَا مَسْأَلَةَ مَنْ وَرِثَ مَالًا فَاسْتَحَقَّ حَبْسًا فِيهَا فِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ، وَنَزَلَتْ بِقُرْطُبَةَ فَقَضَى فِيهَا بِهَذَا.
قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى بِكْرًا فَوَطِئَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بِحُرِّيَّةٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَا صَدَاقَ وَلَا مَا نَقَصَهَا.
(وَهَلْ الْخَطَأُ كَالْعَمْدِ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ قَتَلَ الْجَارِيَةَ مُبْتَاعُهَا مِنْ غَاصِبٍ لَمْ يَعْلَمْ بِغَصْبِهِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَتْلِ ثُمَّ يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْغَاصِبِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا ابْتَاعَهُ أَيْ مِنْ طَعَامٍ فَأَكَلَهُ أَوْ ثِيَابٍ فَلَبِسَهَا حَتَّى أَبْلَاهَا فَلِمُسْتَحِقِّ ذَلِكَ أَخْذُهُ بِمِثْلِ الطَّعَامِ وَقِيمَةِ الثَّوْبِ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُبْتَاعِ كُلُّ مَا عُرِفَ هَلَاكُهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ هَلَاكُهُ مِنْ سَبَبِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ.
قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ عَمْدًا، وَأَمَّا فِي الْخَطَأِ فَهُوَ كَمَا لَوْ ذَهَبَ ذَلِكَ
[ ٧ / ٣٣٤ ]
بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: الْخَطَأُ كَالْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ. ابْنُ رُشْدٍ: تَفْرِقَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى تَفْسِيرُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا لَمْ يُفَرَّقْ فِيهَا بَيْنَ عَمْدٍ وَخَطَأٍ.
وَابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ وِفَاقٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةَ. اُنْظُرْ ثَالِثَ تَرْجَمَةٍ مِنْ ابْنِ يُونُسَ (وَوَارِثُهُ وَمَوْهُوبُهُ إنْ عَلِمَا كَهُوَ) . ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا: مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنْ غَاصِبٍ أَوْ قَبِلَهُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ غَاصِبٌ فَهُوَ كَالْغَاصِبِ فِي الْغَلَّةِ وَالضَّمَانِ (وَإِلَّا بُدِئَ بِالْغَاصِبِ) أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُشْتَرِي يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَلْبَسُ الثِّيَابَ فَقَالَ مَالِكٌ: لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَبْتَدِئَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَوْهُوبِ فَلَا يَتْبَعُهُ الْمُسْتَحِقُّ إلَّا إنْ كَانَ الْغَاصِبُ عَدِيمًا أَوْ لَمْ يُوجَدْ أَوْ وُجِدَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ.
وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا غَرِمَ أَتْبَعَ الْغَاصِبَ بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ إذَا أُغْرِمَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ إذْ لَا عُهْدَةَ لَهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَهُوَ يَقُولُ: لَمْ أَلْبَسْ عَلَى مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يَجِبُ عَلَيَّ إذَا كَانَ ثَمَّ مَنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: يَبْتَدِئُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: بِهَذَا أَقُولُ وَلَا يَكُونُ الْمَوْهُوبُ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَارِثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ غَصَبَ دَارًا أَوْ عَبِيدًا فَوَهَبَهُمْ لِرَجُلٍ فَاغْتَلَّهُمْ وَأَخَذَ كِرَاءَهُمْ ثُمَّ قَامَ مُسْتَحِقٌّ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ فَلِلْمُسْتَحِقِّ الرُّجُوعُ بِالْغَلَّةِ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَرْجِعَ أَوَّلًا بِالْغَلَّةِ عَلَى الْغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا رَجَعَ بِهَا عَلَى الْمَوْهُوبِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ غَصَبَ ثَوْبًا أَوْ طَعَامًا فَوَهَبَهُ لِرَجُلٍ فَأَكَلَهُ، أَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ حَتَّى أَبْلَاهُ، أَوْ كَانَتْ دَابَّةً فَبَاعَهَا وَأَكَلَ ثَمَنَهَا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بَعْدَ فَوَاتِهَا بِيَدِ الْمَوْهُوبُ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ نَفْسَهُ اغْتَلَّ الْعَبْدَ وَأَخَذَ كِرَاءَ الدَّارِ لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ الْغَلَّةَ، وَالْكِرَاءَ وَلَوْ مَاتَ الْغَاصِبُ وَتَرَكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَاسْتَغَلَّهَا وَلَدُهُ كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَغَلَّتُهَا لِلْمُسْتَحِقِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْمَوْهُوبُ لَا يَكُونُ فِي عَدَمِ الْوَاهِبِ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ الْوَارِثِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ قَمْحًا فَأَكَلَهُ أَوْ ثِيَابًا فَلَبِسَهَا حَتَّى أَبْلَاهَا أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَأَكَلَ لَحْمَهَا ثُمَّ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ رَجُلٌ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ غُرْمَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا يُوضَعُ ذَلِكَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ. وَإِنْ هَلَكَ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ وَانْتِفَاعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ وَقَامَتْ بِهَلَاكِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَضْمَنُ مَا هَلَكَ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالرَّبْعِ لَوْ انْهَدَمَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ، فَكَمَا كَانَ الْمُشْتَرِي حِينَ أَكَلَ وَلَبِسَ لَمْ يَضَعْ عَنْهُ الِاشْتِرَاءُ الضَّمَانَ كَانَ مَنْ وَهَبَهُ الْغَاصِبُ فَاسْتُغِلَّ أَحْرَى أَنْ يَرُدَّ مَا اُسْتُغِلَّ فِي عَدَمِ الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ أَشْهَبُ: إنَّ مَنْ وَهَبَ
[ ٧ / ٣٣٥ ]
الْغَاصِبُ لَهُ الْغَلَّةَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ كَالْمُشْتَرِي قَالَ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ أَنَّ مَا اسْتَغَلَّ الْمُشْتَرِي مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ أَوْ سَكَنٍ أَوْ زَرْعٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ كِرَاءٍ، وَلَا عَلَى الْغَاصِبِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ، وَيَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى الْغَاصِبِ لَا يُحَاسِبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ كِرَاءٍ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُشْتَرِي بِغَصْبِهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ فَيَكُونَ كَالْغَاصِبِ.
(وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِغَلَّةٍ مَوْهُوبَةٍ فَإِنْ أَعْسَرَ فَعَلَى الْمَوْهُوبِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ ابْتَاعَ مِنْ غَاصِبٍ وَلَمْ يَعْلَمْ دُورًا أَوْ أَرْضِينَ أَوْ حَيَوَانًا أَوْ ثِيَابًا أَوْ مَالَهُ غَلَّةً أَوْ نَخْلًا فَأَثْمَرَتْ عِنْدَهُ، فَالثَّمَرَةُ وَالْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ بِضَمَانِهِ إلَى يَوْمِ يَسْتَحِقُّهَا رَبُّهَا، وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ إنَّمَا وَهَبَهُ ذَلِكَ لَرَجَعَ الْمُسْتَحِقُّ بِالْغَلَّةِ عَلَى الْمَوْهُوبِ فِي عَدَمِ الْغَاصِبِ، وَيَكُونُ لِلْمَوْهُوبِ مِنْ الْغَلَّةِ قِيمَةُ عَمَلِهِ وَعِلَاجِهِ.
(وَلُفِّقَ شَاهِدٌ بِالْغَصْبِ لِآخَرَ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَقَمْتَ شَاهِدًا أَنَّ فُلَانًا غَصَبَكَ هَذِهِ الْأَمَةَ وَشَاهِدًا آخَرَ عَلَى إقْرَارِ الْغَاصِبِ أَنَّهُ غَصَبَكَ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ.
(كَشَاهِدٍ بِمِلْكِكَ لِثَانٍ بِغَصْبِكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَقَمْتَ شَاهِدًا أَنَّ فُلَانًا غَصَبَكَ هَذِهِ الْأَمَةَ وَشَاهِدًا آخَرَ أَنَّهَا لَكَ فَقَدْ اجْتَمَعَا عَلَى إيجَابِ مِلْكِكَ لَهَا، فَيَقْضِي لَكَ بِهَا بَعْدَ أَنْ تَحْلِفَ أَنَّكَ مَا بِعْتَ وَلَا وَهَبْتَ كَمَنْ اسْتَحَقَّ شَيْئًا بِبَيِّنَةٍ، وَذَلِكَ إذَا ادَّعَاهَا الْغَاصِبُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى إيجَابِ الْغَصْبِ. ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ شَهَادَتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ فَإِذَا لَمْ تَفُتْ حَلَفَ مَعَ أَيِّ الشَّاهِدَيْنِ شَاءَ، فَإِنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ حَلَفَ أَنَّ شَاهَدَهُ شَهِدَ بِحَقٍّ وَأَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ، وَإِنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ الْغَصْبِ حَلَفَ لَقَدْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِحَقٍّ فَقَطْ وَرُدَّتْ إلَى يَدِهِ بِالْحِيَازَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ الْغَصْبِ لَمْ يُثْبِتْ لَهُ مِلْكًا وَشَاهِدَ الْمِلْكِ لَمْ يُثْبِتْ لَهُ غَصْبًا. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَتْ مِنْ يَدِهِ بِبَيْعٍ إلَى الَّذِي هِيَ بِيَدِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى مِلْكٍ وَلَا غَصْبٍ حَلَفَ كَمَا قَدَّمْنَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ دَخَلَ الْجَارِيَةَ نَقْصٌ كَانَ لَكَ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ بِالْغَصْبِ وَتُضَمِّنَ الْغَاصِبَ بِالْقِيمَةِ (وَجُعِلْتَ ذَا يَدٍ لَا مَالِكًا) لَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَانْظُرْ إتْيَانَ ابْنِ يُونُسَ بِهِ هَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمُدَوَّنَةِ، وَانْظُرْ قَوْلَهُ " وَجُعِلْتَ حَائِزًا " إنَّمَا قَالَ هَذَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إذَا حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ الْغَصْبِ وَلَمْ يَذْكُرْ خَلِيلٌ أَنَّهُ يَحْلِفُ (إلَّا أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ
[ ٧ / ٣٣٦ ]
الْمِلْكِ وَيَمِينِ الْقَضَاءِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: إنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ حَلَفَ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ اسْتِكْرَاهًا عَلَى غَيْرِ لَائِقٍ بِلَا تَعَلُّقٍ حُدَّتْ لَهُ) نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا فِي النِّكَاحِ فِي فَصْلِ الطَّلَاقِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْغَصْبِ قَالَ: مَنْ اسْتَكْرَهَ أَمَةً أَوْ حُرَّةً فَوَطِئَهَا فَعَلَيْهِ فِي الْحُرَّةِ صَدَاقُ مِثْلِهَا، وَفِي الْأَمَةِ مَا نَقَصَهَا، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا. وَهَذَا إذَا ثَبَتَ الْوَطْءُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِهِ وَادَّعَتْ هِيَ ذَلِكَ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى غَيْبَتِهِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا إنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا وَلَا بَيِّنَةَ لَهَا فَإِنْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ وَلَمْ تَأْتِ مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الرَّجُلِ وَأَنَّهَا تُحَدُّ لَهُ حَدَّ الْقَذْفِ وَحَدَّ الزِّنَا إنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بِهَا حَمْلٌ فَتُحَدُّ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ تَرْجِعَ عَنْ قَوْلِهَا. وَإِنْ أَتَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ فَهَذَا يُسْقِطُ عَنْهَا حَدَّ الزِّنَا؛ لِمَا بَلَغَتْ مِنْ فَضِيحَةِ نَفْسِهَا وَتُحَدُّ لَهُ حَدَّ الْقَذْفِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاسِقٍ وَلَا تَأْتِي مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَهَذَا لَا تُحَدُّ لَهُ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا تُحَدُّ أَيْضًا حَدَّ الزِّنَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَلَا صَدَاقَ لَهَا، وَيَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي أَمْرِهِ. وَإِنْ أَتَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَذَا الْفَاسِقِ فَيَسْقُطُ عَنْهَا حَدُّ الْقَذْفِ وَحَدُّ الزِّنَا وَإِنْ ظَهَرَ حَمْلٌ. رَاجِعْ الْمُقَدِّمَاتِ فَفِيهِ طُولٌ.
(وَالْمُتَعَدِّي جَانٍ عَلَى بَعْضٍ غَالِبًا) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ: الْمُتَعَدِّي إنَّمَا جَنَى عَلَى بَعْضِ السِّلْعَةِ وَالْغَاصِبُ غَصَبَ جَمِيعَهَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَعَدِّي وَالْغَاصِبِ مُشْكِلٌ. فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَعَدِّي جَانٍ عَلَى بَعْضٍ لَا يَعُمُّ جَمِيعَ صُوَرِ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ إذَا زَادَ فِي الْمَسَافَةِ حُكِمَ لَهُ بِالتَّعَدِّي. ابْنُ عَرَفَةَ: التَّعَدِّي التَّصَرُّفُ فِي شَيْءٍ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ دُونَ قَصْدِ تَمَلُّكِهِ.
(فَإِنْ أَفَاتَ الْمَغْصُوبَ كَقَطْعِ ذَنَبِ دَابَّةٍ ذِي هَيْئَةٍ أَوْ أُذُنِهَا أَوْ طَيْلَسَانِهِ أَوْ لَبَنِ شَاةٍ هُوَ الْمَقْصُودُ وَقَلْعِ عَيْنَيْ عَبْدٍ أَوْ يَدَيْهِ فَلَهُ أَخْذُهُ وَنَقْصُهُ أَوْ قِيمَتُهُ) اللَّخْمِيِّ: التَّعَدِّي عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: يَسِيرٌ لَمْ يُبْطِلْ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ، وَيَسِيرٌ يُبْطِلُ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ، وَكَثِيرٌ لَمْ يُبْطِلْ الْغَرَضَ مِنْهُ، وَكَثِيرٌ بَطَلَ ذَلِكَ مِنْهُ. فَالْيَسِيرُ الَّذِي يُبْطِلُ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ فِيهِ خِلَافٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: يَضْمَنُ جَمِيعَهُ. قَالَ: فَإِنْ قَطَعَ ذَنَبَ دَابَّةِ الْقَاضِي أَوْ أُذُنَهَا ضَمِنَهَا، وَكَذَا مَرْكُوبُ كُلِّ مَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَرْكَبُ مِثْلَ ذَلِكَ فَذَلِكَ سَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّابَّةُ حِمَارًا أَوْ بَغْلًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَرْكُوبِ وَالْمَلْبُوسِ كَقَلَنْسُوَةِ الْقَاضِي وَطَيْلَسَانِهِ وَعِمَامَتِهِ، وَكَذَا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَعْمِلُهُ فِيمَا قَصَدَ إلَيْهِ، وَهَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ
[ ٧ / ٣٣٧ ]
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَوْ تَعَدَّى عَلَى شَاةٍ بِأَمْرٍ قَلَّ لَبَنُهَا بِهِ، فَإِنْ كَانَ عَظُمَ مَا تَرَادَّ لَهُ اللَّبَنُ ضَمِنَ قِيمَتَهَا إنْ شَاءَ رَبُّهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَهَا. وَأَمَّا النَّاقَةُ وَالْبَقَرَةُ فَإِنَّمَا فِيهِمَا مَا نَقَصَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَنَافِعَ غَيْرِ ذَلِكَ بَاقِيَةً. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدِ رَجُلٍ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ جَمِيعًا فَقَدْ أَبْطَلَهُ وَيَضْمَنُ الْجَارِحُ قِيمَتَهُ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُبْطِلْهُ مِثْلَ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنًا وَاحِدَةً أَوْ جَدَعَ أَنْفَهُ وَشِبْهَهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ. ابْنُ رُشْدٍ: إنْ قَطَعَ الْيَدَ الْوَاحِدَةَ مِنْ صَانِعٍ ضَمِنَ اتِّفَاقًا قِيمَتَهُ.
(وَإِنْ لَمْ يُفِتْهُ قَبَضَهُ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ التَّعَدِّي يَسِيرًا وَلَمْ يُبْطِلْ الْغَرَضَ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْ بِذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا رَفَاهُ أَوْ قَصْعَةً أَصْلَحَهَا وَغَرِمَ مَا نَقَصَهَا بَعْدَ الْإِصْلَاحِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ إصْلَاحُهُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إلَّا بَعْدَ إصْلَاحِهِ وَقَدْ كَانَ فِي مَنْدُوحَةٍ عَنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْقَضَاءِ بِالْمِثْلِ فِيمَا قَلَّ قَدْرُهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَا غَرِمَ النَّقْصَ بَعْدَ الْإِصْلَاحِ؛ لِأَنَّ مَنْ غَرِمَ مِثْلَ مَا تَعَدَّى عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُرْمٌ آخَرُ. وَقَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الثَّوْبِ سَالِمًا مِائَةً وَمَعِيبًا تِسْعِينَ وَيَغْرَمُ فِي رَفْوِهِ عَشَرَةً، ثُمَّ تَكُونُ قِيمَتُهُ خَمْسَةً وَتِسْعِينَ فَيَخْسَرُ الْمُتَعَدِّي خَمْسَةً. وَقَدْ لَا يُرِيدُ الْإِصْلَاحَ. وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَصْلِ هَلْ يَغْرَمُ الْجَارِحُ أَجْرَ الطَّبِيبِ؟ فَقِيلَ: ذَلِكَ عَلَيْهِ فَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ غَرِمَهُ أَيْضًا، وَهَذَا قَوْلٌ مُوَافِقٌ لِلرَّفْوِ أَنَّهُ عَلَى الْمُتَعَدِّي. وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَجْرُوحِ فَإِنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْجَارِحِ شَيْءٌ وَفِي هَذَا ظُلْمٌ عَلَى الْمَجْرُوحِ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ أَنَّ عَلَى الْجَانِي الرَّفْوَ وَأُجْرَةَ الطَّبِيبِ. قَالَ: وَأَمَّا إنْ كَانَ التَّعَدِّي كَثِيرًا وَلَمْ يُبْطِلْ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَسِيرِ (كَلَبَنِ بَقَرَةٍ) تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ النَّاقَةَ وَالْبَقَرَةَ فَإِنَّمَا فِيهِمَا مَا نَقَصَهُمَا (وَيَدِ عَبْدٍ أَوْ عَيْنِهِ) تَقَدَّمَ النَّصُّ لِهَذَا وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ إلَّا يَدَ الصَّانِعِ (وَعَتَقَ عَلَيْهِ إنْ قُوِّمَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ غَرِمَ قِيمَةَ الْعَبْدِ عَتَقَ عَلَيْهِ.
(وَلَا مَنْعَ لِصَاحِبِهِ فِي الْفَاحِشِ عَلَى الْأَرْجَحِ) . ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْجَانِي عَلَى الْعَبْدِ جِنَايَةً مُفْسِدَةً يَغْرَمُ الْقِيمَةَ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ إنَّمَا هَذَا إذَا طَلَبَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ، وَأَمَّا إنْ أَرَادَ أَخْذَ عَبْدِهِ وَمَا نَقَصَهُ فَلَهُ ذَلِكَ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا
[ ٧ / ٣٣٨ ]
خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالصَّوَابُ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ أَنَّهُ إذَا أَفْسَدَهُ هَكَذَا أَنْ يَغْرَمَ الْجَانِي قِيمَتَهُ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ عِوَضُهُ فَهُوَ مُضَارٌّ فِي تَرْكِ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَأَخْذِ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَإِحْرَامُ الْعَبْدِ الْعِتْقُ، وَإِنْ لَمْ يُفْسِدْهُ مِثْلُ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنَهُ الْوَاحِدَةَ أَوْ يَقْطَعَ يَدَهُ الْوَاحِدَةَ وَلَمْ تَذْهَبْ بِهَا أَكْثَرُ مَنَافِعِهِ، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ وَمَا نَقَصَهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ أَوْ يَغْرَمُ الْجَانِي قِيمَتَهُ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ أَدَبًا لَهُ لِتَعَدِّيهِ وَظُلْمِهِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ. وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ يَسِيرَةً مِثْلَ أَنْ يَجْدَعَ أَنْفَهُ أَوْ يَقْطَعَ أُذُنَهُ أَوْ يَقْطَعَ أُصْبُعَهُ وَلَمْ يُفْسِدْهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا غُرْمُ مَا نَقَصَهُ.
(وَرَفَا الثَّوْبَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَعَدَّى عَلَى صَحْفَةٍ أَوْ عَصًا لِرَجُلٍ فَكَسَرَهَا أَوْ خَرَقَ لَهُ ثَوْبًا فَإِنْ أَفْسَدَ ذَلِكَ فَسَادًا كَثِيرًا خُيِّرَ رَبُّهُ فِي أَخْذِ قِيمَتِهِ جَمِيعِهِ أَوْ أَخْذِهِ بِعَيْنِهِ أَوْ أَخْذِ مَا نَقَصَهُ مِنْ الْمُتَعَدِّي، وَإِنْ كَانَ الْفَسَادُ يَسِيرًا فَلَا خِيَارَ لِرَبِّهِ وَإِنَّمَا لَهُ مَا نَقَصَهُ بَعْدَ رَفْوِ الثَّوْبِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا أَفْسَدَ الثَّوْبَ فَسَادًا كَثِيرًا وَاخْتَارَ رَبُّهُ أَخْذَهُ وَمَا نَقَصَهُ فَإِنَّمَا يَعْنِي بَعْدَ أَنْ يُرْفَأَ الثَّوْبُ أَوْ يُخَاطَ وَتُشَعَّبَ لَهُ الْقَصْعَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ فِي الْفَسَادِ الْيَسِيرِ إنَّهُ يَأْخُذُ الثَّوْبَ وَمَا نَقَصَهُ بَعْدَ الرَّفْوِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ هَذَا لَيْسَ عَلَى الْجَانِي أَنْ يَغْرَمَ مَا نَقَصَ بَعْدَ أَنْ يُدَاوِيَ لَهُ الدَّابَّةَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا يُنْفَقُ عَلَى الْمُدَاوَاةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا يُعْلَمُ هَلْ تَرْجِعُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَالرَّفْوُ وَالْخِيَاطَةُ مَعْلُومٌ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِمَا وَيَرْجِعَانِ إلَى مَا كَانَا. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي الْفَسَادِ الْكَثِيرِ فِي الثَّوْبِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ وَمَا نَقَصَهُ بَعْدَ الرَّفْوِ خِلَافٌ ظَاهِرٌ وَجْهُ فَسَادِهِ أَنَّهُ قَدْ يَغْرَمُ فِي رَفْوِ الثَّوْبِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ (مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي النُّكَتِ لَا أَنَّ ابْنَ يُونُسَ قَالَ إنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِمْ خِلَافُهُ.
(وَفِي أُجْرَةِ الطَّبِيبِ قَوْلَانِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ
[ ٧ / ٣٣٩ ]
ابْنِ يُونُسَ: لَيْسَ عَلَى الْجَانِي أَنْ يُدَاوِيَ وَمَا نُقِلَ غَيْرُ هَذَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّخْمِيَّ حَكَى الْخِلَافَ قَالَ: إنَّ الْأَحْسَنَ أَنَّ عَلَى الْجَانِي أَجْرَ الطَّبِيبِ وَالرَّفْوِ.
[فَصْلٌ فِي الِاسْتِحْقَاقُ]
(فَصْلٌ) .
ابْنُ عَرَفَةَ: الِاسْتِحْقَاقُ تَرْجَمَةٌ مِنْ تَرَاجُمِ كُتُبِ الْمُدَوَّنَةِ وَهِيَ: رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ أَوْ
[ ٧ / ٣٤٠ ]
حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ (وَإِنْ زَرَعَ فَاسْتُحِقَّتْ فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالزَّرْعِ أُخِذَ بِلَا شَيْءٍ) اُنْظُرْ آخِرَ صَفْحَةٍ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَعَدَّى عَلَى أَرْضِ رَجُلٍ فَزَرَعَهَا فَقَامَ رَبُّهَا وَقَدْ نَبَتَ الزَّرْعُ، فَإِنْ قَامَ فِي إبَّانٍ يُدْرِكُهُ فِيهِ الْحَرْثُ فَلَهُ قَلْعُهُ تُرِيدُ فِي قَلْعِهِ الْمُتَعَدِّيَ، وَإِنْ فَاتَ الْإِبَّانُ فَلَهُ كِرَاءُ أَرْضِهِ. أَشْهَبُ: وَكَذَلِكَ غَاصِبُ الْأَرْضِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ صَغِيرًا إذَا قُلِعَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْغَاصِبِ قَضَى بِهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ بِلَا ثَمَنٍ وَلَا زَرِيعَةٍ وَلَا شَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا جِدًّا فِي الْإِبَّانِ فَأَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ تَرْكَهُ وَيَأْخُذُ الْكِرَاءَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ فَكَأَنَّهُ يَبِيعُ زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مَعَ كِرَاءِ الْأَرْضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا كَانَ فِي الْإِبَّانِ وَهُوَ إذَا قَلَعَ انْتَفَعَ بِهِ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْكِرَاءَ أَوْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى أَمْرٍ يَجُوزُ، وَإِنْ رَضِيَ الزَّارِعُ أَنْ يَتْرُكَهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ جَازَ إذَا رَضِيَ رَبُّ الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْعِهِ نَفْعٌ تُرِكَ لِرَبِّ الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَأْبَاهُ فَيَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ قَلْعُهُ لِقَوْلِهِ - ﵇ - «لَيْسَ
[ ٧ / ٣٤١ ]
لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَهَذَا عِرْقٌ ظَالِمٌ، وَلِأَنَّ مَنَافِعَهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ وَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا فَلَيْسَ لَهُ إشْغَالُهَا عَلَى رَبِّهَا قَالَ: فَإِنْ قَامَ عَلَيْهِ وَقَدْ فَاتَ إبَّانُ الزِّرَاعَةِ وَلَا يَنْتَفِعُ الْمَالِكُ بِأَرْضِهِ إنْ قَلَعَ الزَّرْعَ فَقِيلَ لَهُ أَنْ يَقْلَعَهُ، وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ قَلْعُهُ وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ أَرْضِهِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ الزَّرْعَ إذَا أَسْبَلَ لَا يُقْلَعُ؛ لِأَنَّ قَلْعَهُ مِنْ الْفَسَادِ الْعَامِّ لِلنَّاسِ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَبْحِ الْفَتِيِّ مِنْ الْإِبِلِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَمُولَةِ وَذَبْحِ ذَوَاتِ الدَّرِّ مِنْ الْغَنَمِ.
قَالَ غَيْرُهُ: قَالَ مَالِكٌ: وَكَمَا نَهَى عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَاحْتِكَارِ الطَّعَامِ لِمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَمَنَعَ الْخَاصَّ مِنْ بَعْضِ مَنَافِعِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْعَامَّةِ انْتَهَى.
قَالَ رَبِيعَةُ: الْعِرْقُ أَرْبَعَةٌ: عِرْقَانِ فَوْقَ الْأَرْضِ الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ، وَعِرْقَانِ فِي جَوْفِهَا الْمِيَاهُ وَالْمَعْدِنُ (وَإِلَّا فَلَهُ قَلْعُهُ إنْ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ مَا تُرَادُ لَهُ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ قَامَ وَقَدْ نَبَتَ الزَّرْعُ وَهُوَ فِي إبَّانٍ يُدْرَكُ فِيهِ الْحَرْثُ فَلَهُ قَلْعُهُ.
(وَلَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ الْغَاصِبُ هُوَ الزَّارِعَ كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ قَبْلَ الْحَرْثِ وَبَعْدَهُ وَلَا عِوَضَ عَلَيْهِ عَنْ الْحَرْثِ بِانْفِرَادِهِ وَلَا عَنْ الزَّرْعِ إذَا لَمْ
[ ٧ / ٣٤٢ ]
يَبْرُزْ أَوْ بَرَزَ وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ إنْ قُلِعَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَانَ لِلْغَاصِبِ. وَاخْتُلِفَ إذَا أَحَبَّ الْمَغْصُوبُ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا وَيُقِرَّهُ، هَلْ لَهُ ذَلِكَ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْوَبُ؟ انْتَهَى؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عَلَى الْبَقَاءِ فَيَزِيدُ لِلْبَقَاءِ ثَمَنًا وَلَا يَدْرِي هَلْ يُسْلِمُ وَهَذَا يَدْفَعُ قِيمَتَهُ مَطْرُوحًا.
(وَإِلَّا فَكِرَاءُ السَّنَةِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَإِنْ فَاتَ الْإِبَّانُ فَلَهُ كِرَاءُ أَرْضِهِ (كَذِي شُبْهَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا سِنِينَ لِلْبِنَاءِ أَوْ الزَّرْعِ أَوْ الْغَرْسِ فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ أَوْ زَرَعَ وَكَانَتْ تُزْرَعُ السَّنَةَ كُلَّهَا ثُمَّ قَامَ مُسْتَحِقٌّ قَبْلَ تَمَامِ الْأَمَدِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَكْرَاهَا مُبْتَاعًا فَالْغَلَّةُ لَهُ بِالضَّمَانِ إلَى يَوْمِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُجِيزَ كِرَاءَ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ أَوْ يَفْسَخَ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْضًا تُزْرَعُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَاسْتَحَقَّهَا وَهِيَ مَزْرُوعَةٌ قَبْلَ فَوَاتِ إبَّانِ الزَّرْعِ فَكِرَاءُ تِلْكَ السَّنَةِ لِلْمُسْتَحِقِّ، وَلَيْسَ لَهُ قَلْعُ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ زَرَعَ فِيهِ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ. وَانْظُرْ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْأَرْضِ يَغْرِسُهَا أَوْ يَبْنِيهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ هَلْ هُوَ كَالْغَاصِبِ وَآخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ الشَّرِكَةِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. (أَوْ جُهِلَ حَالُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اسْتَحَقَّهَا بَعْدَ إبَّانِ الزِّرَاعَةِ وَقَدْ زَرَعَهَا مُشْتَرِيهَا أَوْ مُكْتَرٍ مِنْهُ فَلَا كِرَاءَ لِلْمُسْتَحِقِّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ،
[ ٧ / ٣٤٣ ]
وَكِرَاؤُهَا لِلَّذِي أَكْرَاهَا إنْ لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا وَكَانَتْ فِي يَدَيْهِ بِشِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ. وَكَذَلِكَ إنْ سَكَنَ الدَّارَ مُشْتَرِيهَا أَوْ أَكْرَاهَا أَمَدًا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بَعْدَ الْأَمَدِ، فَلَا كِرَاءَ لَهُ وَكِرَاؤُهَا لِلْمُبْتَاعِ، وَإِذَا كَانَ مُكْرِي الْأَرْضَ لَا يَعْلَمُ أَغَاصِبٌ هُوَ أَوْ مُبْتَاعٌ فَزَرَعَهَا الْمُكْتَرِي مِنْهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بَعْدَ إبَّانِ الْحَرْثِ فَمُكْتَرِيهَا كَالْمُشْتَرِي يَعْنِي فِي الْغَلَّةِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ غَاصِبٌ.
(وَفَاتَتْ بِحَرْثِهَا فِيهَا بَيْنَ مُكْرٍ وَمُكْتَرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَاسْتُحِقَّ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ أَوْ يَحْرُثَ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَمَا أَحْدَثَ فِيهَا عَمَلًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ كِرَاءِ الْأَرْضِ. ابْنُ يُونُسَ: فَإِنْ قَالَ مُسْتَحِقُّ ذَلِكَ أَنَا أُجِيزُ بَيْعَهُ وَآخُذُ الْأَرْضَ مَحْرُوثَةً فَذَلِكَ لَهُ بَعْدَ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْحَارِثِ قِيمَةَ حَرْثِهِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْأَرْضَ. وَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ اسْتَحَقَّ أَرْضًا بَعْدَ أَنْ حُرِثَتْ أَنَّهُ يَدْفَعُ قِيمَةَ الْحَرْثِ وَيَأْخُذَهَا، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْآخَرِ: أَعْطِهِ كِرَاءَ سَنَةٍ، فَإِنْ أَبَى أَسْلَمَهَا بِحَرْثِهَا. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَأُجْرَةُ دَلَّالٍ فِي الشُّفْعَةِ " وَانْظُرْ عَلَى مَا يَتَخَرَّجُ التَّمْتِيعُ.
(وَلِلْمُسْتَحِقِّ أَخْذُهَا وَدَفْعُ كِرَاءِ الْحَرْثِ فَإِنْ أَبَى قِيلَ لَهُ: أَعْطِ كِرَاءَ سَنَةٍ وَإِلَّا أَسْلِمْهَا بِلَا شَيْءٍ) قَالَ يَحْيَى: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ اسْتَحَقَّ أَرْضًا وَقَدْ قَلَعَهَا الَّذِي كَانَتْ فِي يَدِهِ يَعْنِي
[ ٧ / ٣٤٤ ]
بِوَجْهِ شُبْهَةٍ وَأَنْعَمَ حَرْثَهَا لِيَزْرَعَهَا قَالَ: الْمُسْتَحِقُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُ قِيمَةَ عَمَلِهِ وَأَخَذَهَا، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلَّذِي اُسْتُحِقَّتْ فِي يَدِهِ إنْ شِئْتَ فَاغْرَمْ كِرَاءَهَا، وَإِنْ شِئْتَ أَسْلِمْهَا بِمَا فِيهَا مِنْ الْعَمَلِ وَلَا شَيْءَ لَكَ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ زَبَّلَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَهْلَكٌ فِيهَا. ابْنُ رُشْدٍ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصَحُّ إذْ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ، وَإِنَّمَا عَمِلَ عَلَى وَجْهِ شُبْهَةٍ فَلَا يُظْلَمُ عَمَلَهُ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ لِابْنِ يُونُسَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُسْتَحِقِّ الشَّيْءِ الْمُكْتَرَى بِهِ إذَا أَجَازَ الْكِرَاءَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَلِيلٌ قَصَدَهُ وَتَدْخُلُ لَهُ مَسْأَلَةُ يَحْيَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ " وَإِنْ شِئْتَ فَأَسْلِمْهَا وَلَا شَيْءَ لَكَ " عَلَى غَيْرِ أَصْلِ قَوْلِهِ بَلْ يَنْبَغِي إذَا أَبَى أَنْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي كِرَائِهَا ذَلِكَ الْعَامَ، رَبُّ الْأَرْضِ بِقِيمَةِ كِرَائِهَا غَيْرَ مَحْرُوثَةٍ وَرَبُّ الْحَرْثِ بِقِيمَتِهِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ أَحْيَا أَرْضًا وَهُوَ يَظُنُّهَا مَوَاتًا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ: إنَّهُ يُقَالُ لَهُ ادْفَعْ قِيمَةَ الْعِمَارَةِ وَخُذْهَا، فَإِنْ أَبَى قِيلَ أَعْطِهِ قِيمَةَ الْأَرْضِ، فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الْأَرْضِ وَالْعِمَارَةِ، هَذَا بِقِيمَةِ أَرْضِهِ وَهَذَا بِقِيمَةِ عِمَارَتِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَوِّمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ شَيْئَهُ عَلَى حِدَتِهِ، وَأَمَّا بِمَا زَادَتْ الْعِمَارَةُ فَقَدْ لَا تَزِيدُ الْعِمَارَةُ فِي مِثْلِ هَذَا.
(وَفِي سِنِينَ يَفْسَخُ أَوْ يَمْضِي إنْ عَرَفَ النِّسْبَةَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا سِنِينَ لِلْبِنَاءِ أَوْ الزَّرْعِ أَوْ الْغَرْسِ فَبَنَى فِيهَا أَوْ زَرَعَ أَوْ غَرَسَ وَكَانَتْ تُزْرَعُ السَّنَةَ كُلَّهَا ثُمَّ قَامَ مُسْتَحِقٌّ قَبْلَ تَمَامِ الْأَمَدِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَكْرَاهَا مُبْتَاعًا فَالْغَلَّةُ لَهُ بِالضَّمَانِ إلَى يَوْمِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُجِيزَ بَقِيَّةَ كِرَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ يَفْسَخَ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَا يُجِيزُ الْكِرَاءَ فِيمَا بَقِيَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يُجِيزُ جَمْعَ السِّلْعَتَيْنِ لِلرَّجُلَيْنِ فِي الْبَيْعِ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَنُوبُ مَا بَقِيَ لِيُجِيزَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ قَالَ: فَإِنْ أَجَازَهُ فَلَهُ حِصَّةُ الْكِرَاءِ مِنْ يَوْمِئِذٍ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ بَنَى ".
(وَلَا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي لِلْعُهْدَةِ وَانْتَقَدَ إنْ انْتَقَدَ الْأَوَّلُ وَأَمِنَ هُوَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا سَنَةً مِنْ غَيْرِ غَاصِبٍ فَلَمْ يَنْقُدْهُ الْكِرَاءَ حَتَّى اُسْتُحِقَّتْ الدَّارُ فِي نِصْفِ السَّنَةِ، فَكِرَاءُ مَا مَضَى لِلْأَوَّلِ وَلِلْمُسْتَحِقِّ فَسْخُ مَا بَقِيَ أَوْ الرِّضَا بِهِ فَيَكُونُ لَهُ كِرَاءُ بَقِيَّةِ السَّنَةِ، فَإِنْ أَجَازَ الْكِرَاءَ فَلَيْسَ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَفْسَخَ الْكِرَاءَ فِرَارًا مِنْ عُهْدَتِهِ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْكُنُ، فَإِنْ عَطِبَتْ الدَّارُ أَدَّى بِحِسَابِ مَا سَكَنَ. وَلَوْ انْتَقَدَ الْأَوَّلُ كِرَاءَ السَّنَةِ كُلِّهَا لَدَفَعَ إلَى الْمُسْتَحِقِّ كِرَاءَ بَاقِي الْمُدَّةِ إنْ كَانَ مَأْمُونًا وَلَمْ يَخَفْ مِنْ دَيْنٍ أَحَاطَ بِهِ
[ ٧ / ٣٤٥ ]
وَنَحْوُهُ لَا يَرُدُّ بَاقِيَ الْكِرَاءِ عَلَى الْمُكْتَرِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ: فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ غَيْرَ مَأْمُونٍ قِيلَ لِلْمُكْتَرِي إنْ شِئْتَ أَنْ تَدْفَعَ إلَى الْمُسْتَحِقِّ كِرَاءَ بَقِيَّةِ السَّنَةِ وَتَسْكُنَ، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْمُسْتَحِقِّ إنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ الْكِرَاءَ عَلَى أَنَّكَ لَا تَأْخُذُ مِنْهُ إلَّا كِرَاءَ مَا سَكَنَ كُلَّمَا سَكَنَ شَيْئًا أَخَذْتَ بِحِسَابِهِ وَإِلَّا فَلَكَ أَنْ تَفْسَخَ كِرَاءَ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ. ابْنُ يُونُسَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ فِي دَارٍ يَخَافُ عَلَيْهَا الْهَدْمَ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ صَحِيحَةَ الْبِنَاءِ فَلَهُ أَنْ يَنْتَقِدَ وَلَا حُجَّةَ لِلْمُكْتَرِي مِنْ خَوْفِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالدَّارِ مِنْ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ.
(وَالْغَلَّةُ لِذِي الشُّبْهَةِ أَوْ الْمَجْهُولِ لِلْحُكْمِ) فِي الْحَدِيثِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الَّذِي اغْتَلَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدَيْهِ كَانَ مِنْهُ وَذَهَبَ الثَّمَنُ الَّذِي نَقَدَ فِيهِ فَالْغَلَّةُ لَهُ بِضَمَانِهِ اهـ. وَانْظُرْ الْغَاصِبَ هُوَ فِي الرِّبَاعِ ضَامِنٌ وَيَضْمَنُ الْخَرَاجَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ ابْتَاعَ دَارًا أَوْ عَبِيدًا مِنْ غَاصِبٍ وَلَمْ يَعْلَمْ فَاسْتَغَلَّهُمْ زَمَانًا ثُمَّ اُسْتُحِقُّوا فَالْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ بِضَمَانِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا وَرِثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَدْرِ بِمَا كَانُوا لِأَبِيهِ فَاسْتَغَلَّهُمْ زَمَانًا ثُمَّ اُسْتُحِقُّوا فَالْغَلَّةُ لِلْوَارِثِ. وَلَوْ وَهَبَ ذَلِكَ لِأَبِيهِ رَجُلٌ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْوَاهِبَ لِأَبِيهِ هُوَ غَصَبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ مِنْ رَجُلٍ هَذَا الْمُسْتَحِقُّ وَارِثُهُ فَغَلَّةُ مَا مَضَى لِلْمُسْتَحِقِّ، فَإِنْ
[ ٧ / ٣٤٦ ]
جَهِلَ أَمْرَ الْوَاهِبِ أَغَاصِبٌ هُوَ أَمْ لَا، فَهُوَ عَلَى الشِّرَاءِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ غَاصِبٌ. (كَوَارِثٍ وَمَوْهُوبٍ
[ ٧ / ٣٤٧ ]
وَمُشْتَرٍ لَمْ يَعْلَمُوا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا وَرِثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَدْرِ فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَلَوْ وَهَبَ ذَلِكَ لِأَبِيهِ رَجُلٌ وَجَهِلَ أَمْرَ الْوَاهِبِ فَهُوَ عَلَى الشِّرَاءِ. وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: مَنْ ابْتَاعَ مِنْ غَاصِبٍ وَلَمْ يَعْلَمْ فَالْغَلَّةُ
[ ٧ / ٣٤٨ ]
لِلْمُبْتَاعِ. وَانْظُرْ قَوْلَهُ " وَمَوْهُوبٌ " مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ بِغَلَّةِ مَوْهُوبِهِ ".
(بِخِلَافِ ذِي دَيْنٍ عَلَى وَارِثٍ كَوَارِثٍ طَرَأَ عَلَى مِثْلِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ طَرَأَ عَلَى الْوَارِثِ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ بِالْوِرَاثَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَرُدُّ مَا اغْتَلَّ وَسَكَنَ لِانْتِفَاءِ وُجُوهِ الضَّمَانِ عَنْهُ، فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ شَرِيكُهُ فِي الْمِيرَاثِ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ إذَا سَكَنَ وَلَمْ يُكْرِ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الْكِرَاءِ عَلَيْهِ فِي حِصَّةِ الْوَارِثِ الطَّارِئِ عَلَيْهِ. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا طَرَأَ ذُو دَيْنٍ عَلَى وَرَثَةٍ أَنَّ الْوَرَثَةَ لَا يَضْمَنُونَ التَّلَفَ بِأَمْرٍ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ مَا أَكَلُوهُ وَاسْتَهْلَكُوهُ وَاسْتَنْفَقُوهُ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اسْتَحَقَّ الْأَرْضَ بَعْدَ إبَّانِ الزِّرَاعَةِ وَقَدْ زَرَعَهَا مُشْتَرِيهَا أَوْ مُكْتَرٍ مِنْهُ فَلَا كِرَاءَ لِلْمُسْتَحِقِّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَكِرَاؤُهَا لِلَّذِي أَكْرَاهَا لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا، وَكَانَتْ فِي يَدَيْهِ بِشِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ. وَكَذَلِكَ إنْ سَكَنَ الدَّارَ مُشْتَرِيهَا أَوْ أَكْرَاهَا أَمَدًا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بَعْدَ الْأَمَدِ فَلَا كِرَاءَ لَهُ وَكِرَاؤُهَا لِلْمُبْتَاعِ، وَإِذَا كَانَ مُكْرِي الْأَرْضَ وَارِثًا ثُمَّ طَرَأَ لَهُ أَخٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَوْ عَلِمَ بِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى أَخِيهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِرَاءِ، وَأَمَّا إنْ سَكَنَهَا هَذَا الْوَارِثُ أَوْ زَرَعَ فِيهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ طَرَأَ
[ ٧ / ٣٤٩ ]
أَخٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَا كِرَاءَ لَهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ وَرِثَ دَارًا فَسَكَنَهَا ثُمَّ قَدِمَ لَهُ أَخٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي السُّكْنَى.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْكِرَاءُ فِي هَذَا بِخِلَافِ السُّكْنَى اهـ وَانْظُرْ إذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ وَسَكَنَ أَوْ زَرَعَ قَدْرَ حَظِّهِ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ سَافَرَ بِالْمَرْكَبِ. اُنْظُرْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي آخِرِ فَصْلِ الْمُزَارَعَةِ (إلَّا أَنْ يَنْتَفِعَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: الْكِرَاءُ خِلَافُ السُّكْنَى وَالزِّرَاعَةِ. وَتَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: الْأَصَحُّ خِلَافُهُ.
(وَإِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى قِيلَ لِلْمَالِكِ أَعْطِهِ قِيمَتَهُ قَائِمًا فَإِنْ أَبَى فَلَهُ دَفْعُ قِيمَةَ الْأَرْضِ فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكَانِ بِالْقِيمَةِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ اُسْتُحِقَّتْ وَقَدْ غَرَسَ أَوْ بَنَى قِيلَ لِلْمَالِكِ ادْفَعْ قِيمَتَهُ قَائِمًا، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ الْمُكْتَرِي أَعْطِهِ قِيمَةَ أَرْضِهِ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكَانِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا سِنِينَ لِلْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ فَبَنَى أَوْ غَرَسَ ثُمَّ قَامَ مُسْتَحِقٌّ قَبْلَ تَمَامِ الْأَمَدِ فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُجِيزَ كِرَاءَ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ أَوْ يَفْسَخُ، فَإِنْ أَجَازَ فَلَهُ حِصَّةُ الْكِرَاءِ مِنْ يَوْمِئِذٍ ثُمَّ لَهُ بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُكْتَرِي قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ مَقْلُوعًا.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: بَعْدَ طَرْحِ أَجْرِ الْقَلْعِ إذْ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ الْمُكْتَرِي. وَإِنْ فَسَخَ الْكِرَاءَ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَلْعُ ذَلِكَ وَلَا أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُ: ادْفَعْ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ قَائِمًا، يُرِيدُ
[ ٧ / ٣٥٠ ]
عَلَى أَنْ يُقْلَعَ إلَى وَقْتِهِ، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْمُكْتَرِي أَعْطِهِ قِيمَةَ أَرْضِهِ فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ (يَوْمَ الْحُكْمِ) الْمَازِرِيُّ: فِي كَوْنِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ يَوْمَ بَنَاهُ أَوْ يَوْمَ الْمُحَاكَمَةِ قَوْلَانِ، وَلَمْ يُشْهِرْ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْهُمَا قَوْلًا. اُنْظُرْ الْمَازِرِيَّ فِي السُّؤَالِ الرَّابِعِ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ.
(إلَّا الْمُحَبَّسَةَ فَالنَّقْضُ) قَالَ سَحْنُونَ: مَنْ اشْتَرَى قَاعَةً فَبَنَاهَا ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهَا حَبْسٌ فَإِنَّهُ بِخِلَافِ مَنْ بَنَى بِشُبْهَةٍ هَذَا يَقْلَعُ نَقْضَهُ إذْ لَيْسَ ثَمَّ مَنْ يُعْطِيهِ قِيمَةَ بِنَائِهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَنَى دَارِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ فَلَهُ هَدْمُهُ. قَالَ سَحْنُونَ: كَأَنَّهُ نَحَا إلَى أَنَّ النَّقْضَ لَمَّا كَانَ لَهُ لَا يَأْخُذُ قِيمَتَهُ وَلَكِنْ يَأْخُذُهُ وَيَجْعَلُهُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ.
(وَضَمِنَ قِيمَةَ الْمُسْتَحَقَّةِ وَوَلَدِهَا يَوْمَ
[ ٧ / ٣٥١ ]
الْحُكْمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ابْتَاعَ أَمَةً فَأَوْلَدَهَا فَلِمُسْتَحِقِّهَا أَخْذُهَا إنْ شَاءَ مَعَ قِيمَةِ وَلَدِهَا يَوْمَ الْحُكْمِ عَبِيدًا، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ - ﵁ -. ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ: يَأْخُذُ قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا يَوْمَ يَسْتَحِقُّهَا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ فِي أَخْذِهَا ضَرَرًا عَلَى الْمُبْتَاعِ إذَا أُخِذَتْ مِنْهُ كَانَ عَارًا عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُبْتَاعِ إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ وَطِئَهَا وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ فِي وَلَدِهَا، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرُهُ وَبِهِ أَقُولُ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقَضَاءُ إنْ كَانَ وَطِئَ بِشُبْهَةٍ فَالْوَلَدُ فِيهِ لَاحِقٌ، وَلَا يَلْحَقُ فِي الْوَطْءِ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ وَإِنَّ الْوَلَدَ بِخِلَافِ الْغَلَّةِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
قَالَ أَشْهَبُ فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ بِالشِّرَاءِ أَوْ بِالنِّكَاحِ: إنَّمَا يَلْزَمُ الْأَبَ قِيمَتُهُمْ إذْ لَيْسُوا بِغَلَّةٍ فَيَكُونُ لَهُمْ حُكْمُ الْغَلَّةِ وَلَا يُرَقُّونَ فَيَأْخُذَهُمْ سَيِّدُ الْأَمَةِ، وَجُعِلَتْ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ فِي الرَّحِمِ وَلَا قِيمَةَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ اهـ. مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَعَلُّقِ حَقِّ مُسْتَحِقِّهَا بِقِيمَتِهَا أَوْ عَيْنِهَا اضْطِرَابٌ.
(وَالْأَقَلُّ إنْ أَخَذَ دِيَةً) ابْنُ يُونُسَ: لَوْ قُتِلَ الْوَلَدُ خَطَأً فَدِيَتُهُ لِأَبِيهِ مُنَجَّمَةٌ، وَلِلْمُسْتَحِقِّ مِنْهَا قِيمَتُهُ يَأْخُذُ فِيهَا أَوْ نُجِّمَ، فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ أَخَذَ تَمَامَهُ مِنْ الثَّانِي ثُمَّ مِمَّا يَلِيهِ حَتَّى يَتِمَّ ثُمَّ يُورَثُ عَنْ الِابْنِ مَا فَضَلَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ قُتِلَ الْوَلَدُ عَمْدًا فَصَالَحَ الْأَبُ فِيهِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَ مَا أَخَذَ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ رَجَعَ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْأَقَلِّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ
[ ٧ / ٣٥٢ ]
بَاقِي الدِّيَةِ.
(لَا صَدَاقَ حُرَّةٍ أَوْ غَلَّتَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ابْتَاعَ أَمَةً فَوَطِئَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ أَوْ بِكْرٌ فَافْتَضَّهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بِمِلْكٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْوَطْءِ، لَا صَدَاقَ وَلَا مَا نَقَصَهَا. ابْنُ يُونُسَ: كَأَنَّهُ رَأَى لَمَّا وُطِئَتْ عَلَى الْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ لَهَا صَدَاقٌ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ لَوْ اغْتَلَّهَا أَنَّ الْغَلَّةَ لِلْمُشْتَرِي، وَالْأَشْبَهُ أَنْ
[ ٧ / ٣٥٣ ]
لَا غَلَّةَ لَهُ إذْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا؛ وَلِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ لَرَجَعَ بِثَمَنِهَا.
(وَإِنْ هَدَمَ مُكْتَرٍ تَعَدِّيًا فَلِلْمُسْتَحِقِّ النَّقْضُ وَقِيمَةُ الْهَدْمِ وَإِنْ أَبْرَأَهُ مُكْرٍ بِهِ كَسَارِقِ عَبْدٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا فَهَدَمَهَا مُتَعَدِّيًا ثُمَّ قَامَ مُسْتَحِقُّ الدَّارِ فَلَهُ أَخْذُ النَّقْضِ إنْ وَجَدَهُ قَائِمًا وَقِيمَةُ الْهَدْمِ مِنْ الْهَادِمِ. وَلَوْ كَانَ الْمُكْرِي قَدْ تَرَكَ لِلْمُكْتَرِي قِيمَةَ الْهَدْمِ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ لَرَجَعَ بِهَا الْمُسْتَحِقُّ عَلَى الْهَادِمِ كَانَ مَلِيًّا أَوْ مُعْدِمًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَزِمَ ذِمَّتَهُ بِالتَّعَدِّي وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْتَرِي إذْ لَمْ يَتَعَدَّ وَفَعَلَ
[ ٧ / ٣٥٤ ]
مَا يَجُوزُ لَهُ، وَهُوَ كَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا فَسَرَقَهُ مِنْهُ رَجُلٌ فَتَرَكَ لَهُ قِيمَتَهُ ثُمَّ قَامَ رَبُّهُ فَإِنَّمَا يَتَّبِعُ السَّارِقَ خَاصَّةً.
(بِخِلَافِ مُسْتَحَقِّ مُدَّعِي حُرِّيَّةٍ إلَّا الْقَلِيلَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ نَزَلَ عَبْدٌ بِبَلَدٍ فَادَّعَى الْحُرِّيَّةَ فَاسْتَعَانَهُ رَجُلٌ فَعَمِلَ لَهُ عَمَلًا لَهُ بَالٌ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَجْرٍ أَوْ وَهَبَهُ مَالًا يَلْزَمُهُ إذَا اسْتَحَقَّهُ، أَخَذَ قِيمَةَ عَمَلِهِ مِمَّنْ اسْتَعْمَلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَمَلًا لَا بَالَ لَهُ كَسَقْيِ الدَّابَّةِ وَنَحْوِهِ (وَلَهُ هَدْمُ مَسْجِدٍ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ " إلَّا الْمُحَبَّسَةَ فَالنَّقْضُ ".
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَذَلِكَ كَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ فَلِرَبِّهِ رَدُّ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ، وَانْظُرْ إذَا اُسْتُحِقَّتْ الْبُقْعَةُ الْمُحَبَّسَةُ وَرَجَعَ مُحَبِّسُهَا بِالثَّمَنِ عَلَى مَنْ بَاعَ مِنْهُ مَا يَفْعَلُ بِالثَّمَنِ. اُنْظُرْهُ فِي أَوَاخِرِ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ قَبْلَ تَرْجَمَةِ بَيْعِ نَقْضِ الْحَبْسِ إذَا انْهَدَمَ.
(وَإِنْ
[ ٧ / ٣٥٥ ]
اُسْتُحِقَّ بَعْضٌ فَكَالْعَيْبِ) لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا تَصْحِيفٌ وَإِنَّمَا هُوَ " فَكَالْمَبِيعِ "؛ لِأَنَّ بَابَ الْبَيْعِ وَبَابَ الِاسْتِحْقَاقِ فِي هَذَا وَاحِدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعُيُوبِ قَوْلُهُ " وَرَدَّ بَعْضَ الْمَبِيعِ بِحِصَّتِهِ " ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِأَقَلَّ اُسْتُحِقَّ أَكْثَرُهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ صَوَابَ هَذَا أَيْضًا أَنْ يَقُولَ عَيْبًا أَكْثَرُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَحَالَ عَلَيْهِ. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى ثِيَابًا كَثِيرَةً فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهَا أَوْ وُجِدَ بِهِ عَيْبٌ قَبْلَ قَبْضِهَا أَوْ بَعْدَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّهَا رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ. مُحَمَّدٌ: مِثْلُ أَنْ يَقَعَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الثَّمَنِ انْتَقَضَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَرَدَّ مَا بَقِيَ، ثُمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَمَاسَكَ بِمَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ إذْ لَا يُعْرَفُ حَتَّى يُقَوَّمَ، وَقَدْ وَجَبَ الرَّدُّ فَصَارَ بَيْعًا مُؤْتَنَفًا بِثَمَنِ مَجْهُولٍ. وَأَجَازَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَلَوْ كَانَ مَا ابْتَاعَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، فَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْقَلِيلُ مِنْهُ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَزِمَهُ مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَحْبِسَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّهُ. وَكَذَلِكَ فِي جُزْءٍ شَائِعٍ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ؛ لِأَنَّ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ قَبْلَ الرِّضَا بِهِ. انْتَهَى
[ ٧ / ٣٥٦ ]
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا. وَمُخْتَارُ ابْنِ يُونُسَ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْعُيُوبِ وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِأَقَلَّ.
(وَرَجَعَ لِلتَّقْوِيمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ابْتَاعَ سِلَعًا كَثِيرَةً صَفْقَةً وَاحِدَةً فَإِنَّمَا يَقَعُ لِكُلِّ سِلْعَةٍ مِنْهَا حِصَّتُهَا مِنْ الثَّمَنِ يَوْمَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ، وَمَنْ ابْتَاعَ صُبْرَةَ قَمْحٍ وَصُبْرَةَ شَعِيرٍ جُزَافًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ صُبْرَةٍ خَمْسِينَ دِينَارًا، أَوْ ثِيَابًا أَوْ رَقِيقًا عَلَى أَنَّ لِكُلِّ عَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ مِنْ الثَّمَنِ كَذَا وَكَذَا، فَاسْتُحِقَّ أَحَدُ الصُّبْرَتَيْنِ أَوْ أَحَدُ الْعَبِيدِ أَوْ أَحَدُ الثِّيَابِ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ عَلَى جَمِيعِ الصَّفْقَةِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا سَمَّيَا مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْ هَذِهِ بِكَذَا إلَّا عَلَى أَنَّ الْأُخْرَى بِكَذَا فَبَعْضُهَا يَحْمِلُ بَعْضًا. مُحَمَّدٌ: وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْحِصَّةِ الَّتِي قَابَلَتْ مِنْهُ الْمُسْتَحَقَّ، يُرِيدُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ عَبْدًا وَقَدْ اُسْتُحِقَّ رُبُعُ الصَّفْقَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِرُبُعِ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَلَا يَرْجِعُ فِي عَيْنِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ وَجَدَ بِبَعْضِ الصَّفْقَةِ عَيْبًا. وَانْظُرْ إذَا اُسْتُحِقَّ جُزْءٌ مُشَاعٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا فَرْقٌ.
(وَلَهُ رَدُّ أَحَدِ عَبْدَيْنِ اُسْتُحِقَّ أَفْضَلُهُمَا بِحُرِّيَّةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فِي صَفْقَةٍ فَاسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا بِحُرِّيَّةٍ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ أَوْ قَبْلُ، فَإِنْ كَانَ وَجَّهَ الصَّفْقَةَ فَلَهُ رَدُّ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجَّهَهَا لَزِمَهُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ لَوْ كَانَ عَبْدًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ مُكَاتِبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا النَّصَّ هُنَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ التَّمَسُّكَ بِالْبَاقِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجَّهَ الصَّفْقَةَ بِخِلَافِ الْفَرْعِ بَعْدَ هَذَا وَبِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَرَجَعَ لِلتَّقْوِيمِ ".
(كَأَنْ صَالَحَ عَنْ عَيْبٍ بِآخَرَ وَهَلْ يُقَوَّمُ الْأَوَّلُ يَوْمَ الصُّلْحِ أَوْ يَوْمَ الْبَيْعِ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَصَابَ بِهِ عَيْبًا فَصَالَحَهُ الْبَائِعُ مِنْ الْعَيْبِ عَلَى عَبْدٍ آخَرَ دَفَعَهُ لَهُ جَازَ، وَكَأَنَّهُمَا فِي صَفْقَةٍ، فَإِنْ اُسْتُحِقَّ أَحَدَهُمَا فَلْيُفِضْ الثَّمَنَ عَلَيْهِمَا وَيَنْظُرْ، هَلْ هُوَ وَجَّهَ الصَّفْقَةِ أَمْ لَا كَمَا وَصَفْنَا فِيمَنْ ابْتَاعَ عَبْدَيْنِ فِي صَفْقَةٍ فَاسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا. انْتَهَى نَصُّ
[ ٧ / ٣٥٧ ]
ابْنِ يُونُسَ. وَمِنْ النُّكَتِ: يُفِضْ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْعَقْدِ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ الْآخَرِ يَوْمَ أَخَذَهُ يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ كُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمَا يَوْمَ وَجَبَ. اُنْظُرْ التَّأْوِيلَ الْآخَرَ فِي التَّنْبِيهَاتِ.
(وَإِنْ صَالَحَ فَاسْتُحِقَّ مَا بِيَدِ مُدَّعِيهِ رَجَعَ فِي مُقِرٍّ بِهِ لَمْ يَفُتْ وَإِلَّا فَفِي عِوَضِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ ادَّعَى شَيْئًا بِيَدِ رَجُلٍ ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى الْإِقْرَارِ عَلَى عِوَضٍ فَاسْتَحَقَّ مَا أَخَذَ الْمُدَّعِي فَلْيَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ إنْ لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ بِتَغَيُّرِ سُوقٍ أَوْ بَدَنٍ وَهُوَ عَرَضٌ أَوْ حَيَوَانٌ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ ابْنُ يُونُسَ: تَحْصِيلُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ وَقَالَ: إنَّهُ إذَا اُسْتُحِقَّ مَا بِيَدِ الْمُدَّعِي وَالصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي شَيْئِهِ أَوْ قِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ إنْ فَاتَ كَالْبَيْعِ انْتَهَى. فَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ خَلِيلٍ: " وَإِلَّا فَفِي عِوَضِهِ " (كَإِنْكَارٍ عَلَى الْأَرْجَحِ لَا إلَى الْخُصُومَةِ) . سَحْنُونَ: إنْ اُسْتُحِقَّ مَا قَبَضَ الْمُدَّعِي فِي الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلْيَرْجِعْ بِقِيمَةِ مَا قَبَضَ، وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ لَا الرُّجُوعُ إلَى الْخُصُومَةِ، وَيَكُونُ كَمَنْ صَالَحَ مِنْ دَمِ عَمْدٍ وَجَبَ لَهُ عَلَى عَبْدٍ فَاسْتُحِقَّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ إذْ لَا ثَمَنَ مَعْلُومٌ لِعِوَضِهِ فَكَذَلِكَ هَذَا. (وَمَا بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَفِي الْإِنْكَارِ يَرْجِعُ بِمَا دَفَعَ إنْ لَمْ يَفُتْ وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَاسْتُحِقَّ مَا بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلْيَرْجِعْ بِمَا دَفَعَ إنْ لَمْ
[ ٧ / ٣٥٨ ]
يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ بِتَغَيُّرِ سُوقٍ أَوْ بَدَنٍ وَهُوَ عَرَضٌ أَوْ حَيَوَانٌ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ (وَفِي الْإِقْرَارِ لَا يَرْجِعُ) . أَشْهَبُ: إنْ اصْطَلَحَا عَلَى الْإِقْرَارِ فَاسْتُحِقَّ مَا بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْحُكْمِ فَلْيَرْجِعْ عَلَى الْمُدَّعِي بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ لِلْمُدَّعِي وَإِنَّمَا أَخَذَ مِنْهُ ظُلْمًا وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ
[ ٧ / ٣٥٩ ]
أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
(كَعِلْمِهِ صِحَّةَ مِلْكِ بَائِعِهِ) الْمُتَيْطِيُّ: مَنْ ابْتَاعَ مِلْكًا عَلَى صِحَّةِ تَمَلُّكِ الْبَائِعِ لَهُ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ تَحْوِيزُهُ وَلَا إنْزَالُهُ فِيهِ، فَإِنْ دَفَعَهُ عَنْهُ دَافِعٌ كَانَتْ الْمُصِيبَةُ مِنْ الْمُبْتَاعِ. قَالَهُ سَحْنُونَ.
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونَ: غَيْرُ الْأُصُولِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالْعُرُوضِ يَكْتُبُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ يُعَرِّفُ شُهُودَهُ أَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى الْآنَ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ أَنَّهُ مَا خَرَجَ ذَلِكَ عَنْ مِلْكِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِدْعَاءُ وَالْيَمِينُ أَعْذَرَ إلَى الَّذِي أَلْفَى ذَلِكَ بِيَدِهِ، فَإِنْ ادَّعَى مَدْفَعًا أَجَّلَهُ ثُمَّ لَا رُجُوعَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَاعَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَلِّ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكْذَبَ مَا ثَبَتَ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ مَدْفَعًا رَجَعَ عَلَى مَنْ بَاعَ مِنْهُ وَتُكْتَبُ أَعْذَرَ إلَيَّ فُلَانٌ فِيمَا ثَبَتَ فَقَالَ إنَّهُ لَا مَقَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا مَدْفَعَ إلَّا الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ بَاعَ مِنْهُ
[ ٧ / ٣٦٠ ]
انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا هَلْ هُوَ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَيْسَ بِهَا الْقَضَاءُ وَسَتَأْتِي الرِّوَايَتَانِ.
(إلَّا إنْ قَالَ دَارِهِ) . الْمُتَيْطِيُّ: وَقَوْلُنَا ابْتَاعَ مِنْهُ جَمِيعَ الدَّارِ أَوْلَى مِنْ إضَافَتِهَا إلَى الْبَائِعِ فَيَقُولُ جَمِيعُ دَارِهِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَبْتَاعُ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ سِلَعِهِ لِمَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ، فَقَدْ قِيلَ: إذَا أُضِيفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْبَائِعِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مِنْ الْمُبْتَاعِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ إلَّا فِي إضَافَةِ ذَلِكَ إقْرَارًا مِنْ الْمُبْتَاعِ بِتَحْقِيقِ تَمَلُّكِ الْبَائِعِ لِمَا بَاعَ مِنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْأُصُولُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ أَضَافَ الْمَبِيعَ إلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا مَضَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي عَقْدِ الْوَثَائِقِ يَفْتَتِحُونَهَا فَاشْتَرَى مِنْ فُلَانٍ مَا حَوَتْ أَمْلَاكُهُ. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. لَوْ أَنَّ الْمُبْتَاعَ صَرَّحَ بِتَمَلُّكِ الْبَائِعِ لِلْمَبِيعِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ فَإِنَّ فِي رُجُوعِهِ عَلَى الْبَائِعِ رِوَايَتَيْنِ، وَاَلَّذِي بِهِ الْقَضَاءُ أَنَّهُ يَرْجِعُ. هَذَا فِي صَحِيحِ الْإِقْرَارِ فَكَيْفَ فِي هَذَا، ابْنُ رُشْدٍ: شِرَاءُ الرَّجُلِ دَارًا لَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَنْ يُقِرَّ لِلْبَائِعِ بِالْيَدِ، وَالْمِلْكِ، أَوْ بِالْمِلْكِ لَا بِالْيَدِ، أَوْ بِالْيَدِ لَا بِالْمِلْكِ، أَوْ لَا يُقِرُّ لَهُ بِيَدٍ وَلَا مِلْكٍ. مِنْ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ.
(وَفِي
[ ٧ / ٣٦١ ]
عَرَضٍ بِعَرَضٍ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا بِعَبْدٍ فَاسْتَحَقَّ أَحَدَهُمَا مِنْ
[ ٧ / ٣٦٢ ]
يَدِ مُبْتَاعِهِ أَوْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي عَبْدِهِ الَّذِي أَعْطَاهُ فَيَأْخُذُهُ إنْ وَجَدَهُ، وَإِنْ مَاتَ بِتَغَيُّرِ سُوقٍ أَوْ بَدَنٍ لَمْ يَكُنْ إلَّا قِيمَتُهُ يَوْمَ الصَّفْقَةِ وَلَا يُجْمَعُ لِأَحَدٍ فِي هَذَا خِيَارٌ فِي أَخْذِ السِّلْعَةِ أَوْ تَضْمِينِهَا.
(إلَّا نِكَاحًا وَخُلْعًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ بِشِقْصٍ مِنْ دَارٍ فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ فَلْيَأْخُذْهُ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ لَا بِصَدَاقِ مِثْلِهَا. وَمَنْ نَكَحَ بِعَبْدٍ فَاسْتُحِقَّ أَوْ وَجَدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ عَيْبًا فَإِنَّهَا تَرُدُّهُ وَتَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ لَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا وَتَبْقَى لَهُ زَوْجَةً وَالْخُلْعُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. قَالَ أَشْهَبُ: وَسَوَاءٌ اُسْتُحِقَّ بِمِلْكٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ فَإِنَّمَا تَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ.
(وَصُلْحِ عَمْدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ صَالَحَ مِنْ دَمِ عَمْدٍ عَلَى عَبْدٍ جَازَ ذَلِكَ، فَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ إذْ لَا ثَمَنَ مَعْلُومٌ لِعِوَضِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَتْلِ.
(أَوْ مُقَاطَعًا بِهِ عَنْ عَبْدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَالْعِتْقُ مَاضٍ لَا يُرَدُّ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ مَالٌ انْتَزَعَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ انْتَهَى. فَإِنْ كَانَ خَلِيلٌ عَنَى هَذَا فَانْظُرْ مَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ هَذَا الْفَرْعِ وَالْفَرْعَيْنِ قَبْلَهُ فَإِنَّ حُكْمَ هَذَا الْفَرْعِ غَيْرُ حُكْمِ النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ.
(أَوْ مُكَاتَبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى عَرَضٍ مَوْصُوفٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ طَعَامٍ فَقَبَضَهُ وَأَعْتَقَ الْعَبْدَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مَا دَفَعَ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَرُدَّ الْعِتْقَ وَلَكِنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
قَالَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ: فَإِنْ قَاطَعَهُ عَلَى عَبْدٍ فَاعْتَرَفَ مَسْرُوقًا فَلْيَرْجِعْ السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ.
[ ٧ / ٣٦٣ ]
(أَوْ عُمْرَى وَإِنْ أُنْفِذَتْ وَصِيَّةُ مُسْتَحِقٍّ بِرِقٍّ لَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ وَحَاجٌّ إنْ عُرِفَ بِالْحُرِّيَّةِ وَأَخَذَ السَّيِّدُ مَا بِيعَ وَلَمْ يَفُتْ بِالثَّمَنِ كَمَشْهُودٍ بِمَوْتِهِ إنْ عُذِرَتْ بَيِّنَتُهُ وَإِلَّا فَكَالْغَاصِبِ وَمَا فَاتَ فَالثَّمَنُ كَمَا لَوْ دَبَّرَ أَوْ كَبِرَ صَغِيرٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَوْصَى بِحَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ مَاتَ فَبِيعَتْ تَرِكَتُهُ
[ ٧ / ٣٦٤ ]
وَأُنْفِذَتْ وَصِيَّتُهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ رَقَبَتُهُ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْحُرِّيَّةِ لَمْ يَضْمَنْ الْوَصِيُّ وَلَا مُتَوَلِّي الْحَجِّ شَيْئًا وَيَأْخُذُ السَّيِّدُ مَا كَانَ قَائِمًا مِنْ التَّرِكَةِ لَمْ يُبَعْ، وَمَا بِيعَ وَهُوَ قَائِمٌ بِيَدِ مُبْتَاعِهِ فَلَا يَأْخُذُهُ السَّيِّدُ إلَّا بِالثَّمَنِ وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِمَوْتِهِ فَبِيعَتْ تَرِكَتُهُ وَتَزَوَّجَتْ زَوْجَتُهُ ثُمَّ قَدِمَ حَيًّا، فَإِنْ ذَكَرَ الشُّهُودُ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فِي دَفْعِ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ مِثْلَ أَنْ يَرَوْهُ فِي مَعْرَكَةِ الْقَتْلَى فَيَظُنُّوا أَنَّهُ مَيِّتٌ أَوْ طُعِنَ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ بِهِ حَيَاةٌ بِأَنْ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِمْ فَهَذَا تُرَدُّ إلَيْهِ زَوْجَتُهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ مَتَاعِهِ إلَّا مَا وَجَدَهُ لَمْ يُبَعْ، وَمَا بِيعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ إنْ وَجَدَهُ قَائِمًا.
وَأَمَّا إنْ فَاتَتْ عَيْنُهُ بِيَدِ مُبْتَاعِهِ أَوْ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ فِي بَدَنِهِ أَوْ فَاتَ بِعِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ أَمَةٍ بِحَمْلٍ مِنْ السَّيِّدِ أَوْ صَغِيرٍ يَكْبَرُ فَإِنَّمَا لَهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى مَنْ بَاعَ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِ الْبَيِّنَةُ بِمَا تُعْذَرُ بِهِ مِنْ شُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ كَتَعَمُّدِهِمْ الزُّورَ فَلْيَأْخُذْ مَتَاعَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ، وَإِنْ شَاءَ الثَّمَنَ الَّذِي بِيعَ بِهِ وَتُرَدُّ إلَيْهِ زَوْجَتُهُ، وَلَهُ أَخْذُ مَا أُعْتِقَ مِنْ عَبْدٍ أَوْ كُوتِبَ أَوْ دُبِّرَ أَوْ صَغِيرٍ كَبِرَ
[ ٧ / ٣٦٥ ]
أَوْ أَمَةٍ اُتُّخِذَتْ أُمَّ وَلَدٍ فَلْيَأْخُذْهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ يَوْمَ الْحُكْمِ كَالْمَغْصُوبَةِ يَجِدُهَا بِيَدِ مُشْتَرٍ.
ابْنُ يُونُسَ: وَشَبَهُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةُ الَّذِي بَاعَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ مَتَاعَهُ فِي دَيْنٍ ثَبَتَ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ فَيَأْتِي فَتَثْبُتُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ قَضَاهُ فَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا مِمَّا بِيعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي. ابْنُ يُونُسَ: اعْرِفْ أَنَّ كُلَّ مَا بَاعَهُ يَظُنُّهُ لِرَجُلٍ فَإِذَا هُوَ لِغَيْرِهِ فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ أَصْلُهُ مَا بِيعَ فِي الْمَغَانِمِ انْتَهَى. اُنْظُرْ مَسْأَلَةً كَثِيرَةَ الْوُقُوعِ مَنْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ بِدَرَاهِمَ فَيَدْفَعُ فِيهَا دَنَانِيرَ أَوْ عَرَضًا مِنْ الْعُرُوضِ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ السِّلْعَةُ ثُمَّ يَرْجِعُ، هَلْ بِمَا عَقَدَ أَوْ بِمَا دَفَعَ؟ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَرْقٌ. وَقَدْ تَرَجَّحَ عَلَى هَذَا ابْنُ يُونُسَ فِي هَذَا الْكِتَابِ فَقَالَ فِيمَنْ ابْتَاعَ بِشَيْءٍ فَنَقَدَ خِلَافَهُ فَاسْتُحِقَّ الثَّمَنُ أَوْ الْمَثْمُونُ فِي ذَلِكَ رَاجِعْهُ فِيهِ. ابْنُ شَاسٍ.