[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ] [بَاب أَهْلِيَّة الشَّهَادَة وَمَا يفيد قَبُولهَا وَمُسْتَنِد عِلْم الشَّاهِد وتحمله وَأَدَائِهِ]
وَفِيهِ سِتَّةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ يُفِيدُ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ وَمَا يُفِيدُ قَبُولَهَا وَمَا يَمْنَعُ مِنْهُ. الْبَابُ الثَّانِي فِي الْعَدَدِ وَالذُّكُورَةِ.
الثَّالِثُ فِي مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ وَتَحَمُّلِهِ وَأَدَائِهِ. الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. الْبَابُ السَّادِسُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ خَاتِمَةُ الْكِتَابِ بِذِكْرِ اطِّلَاعِ الْقَاضِي بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَى خَلَلٍ فِي الشُّهُودِ. الْمُتَيْطِيُّ: مَرَاتِبُ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَاتِ إحْدَى عَشْرَةَ مَرْتَبَةً، وَالشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ الشَّيْءَ دُونَ يَمِينٍ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ، وَاَلَّتِي تُوجِبُهُ مَعَ الْيَمِينِ خَمْسَةٌ، وَاَلَّتِي تُوجِبُ حُكْمَهُ وَلَا تُوجِبُ الْحَقَّ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ مُوجِبَةً لِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِمُقْتَضَاهَا اكْتَسَبَتْ مِنْ الشَّرَفِ مَنْزِلَةً فَاشْتُرِطَ فِيهَا شُرُوطٌ (الْعَدْلُ حُرٌّ مُسْلِمٌ عَاقِلٌ بَالِغٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ فِي
[ ٨ / ١٦١ ]
الِاسْتِهْلَالِ وَنَحْوِهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ عِدْلَتَيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ: مِنْ شُرُوطِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَا تَحَمُّلِهَا الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ. الْمَازِرِيُّ: شَرْطُ الْعَقْلِ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ وَلَا يَضْبِطُهُ وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا يُخْتَلَفُ فِي الْعَقْلِ فِي حَالَتَيْ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ، وَلَا يَضُرُّ ذَهَابُ الْعَقْلِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ وَنَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَذْكُرُهُ مِنْ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا أَعْرِفُهُ، بَلْ نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْكَبِيرِ يُخْنَقُ ثُمَّ يُفِيقُ وَإِنْ كَانَ يُفِيقُ إفَاقَةً يَعْقِلُهَا جَازَتْ شَهَادَتُهُ وَبَيْعُهُ وَابْتِيَاعُهُ، وَالْبُلُوغُ فِي عُمُومِهَا اتِّفَاقًا. الْمَازِرِيُّ: لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَبْلُغْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَلَا يَأْثَمُ فِيمَا يَفْعَلُهُ مِنْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَهَذَا يَمْنَعُ الثِّقَةَ بِشَهَادَتِهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا شَهِدَ عَبْدٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ صَبِيٌّ بِشَهَادَةٍ ثُمَّ رَدُّوهَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ وَالْحُلُمِ جَازَتْ.
(بِلَا فِسْقٍ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا مَا يُفِيدُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَا يُشْتَرَطُ الِاتِّصَافُ بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ فَوَصْفَانِ: الْأَوَّلُ الْعَدَالَةُ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهُوَ الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ. ابْنُ شَاسٍ: لَيْسَتْ الْعَدَالَةُ أَنْ يُمَحِّصَ الرَّجُلُ الطَّاعَةَ حَتَّى لَا يَشُوبَهَا مَعْصِيَةٌ إذْ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ، لَكِنْ مَنْ كَانَتْ الطَّاعَةُ أَكْثَرَ حَالِهِ وَأَغْلِبَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ مُحَافَظٌ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ فَهُوَ الْعَدْلُ.
(وَحَجْرٍ) سَمِعَ أَشْهَبُ: أَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ عَدْلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُهُ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ قِيَاسُ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي لَغْوِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْيَتِيمِ الْبَالِغِ فِي جَوَازِ أَفْعَالِهِ وَرَدِّهَا، وَأَمَّا الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمَعْلُومِ وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي أَنَّ الْمَوْلَى لَا تَنْفُذُ أَفْعَالُهُ وَإِنْ كَانَ رَشِيدًا فِي أَفْعَالِهِ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ وَلَوْ كَانَ مِثْلُهُ لَوْ طَلَبَ مَالَهُ أَخَذَهُ.
(وَبِدْعَةٍ وَإِنْ تَأَوَّلَ كَخَارِجِيٍّ وَقَدَرِيٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الْمُبْتَدِعِ سَاقِطَةٌ لِأَنَّهُ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ. ابْنُ الْقَصَّارِ: وَلَوْ كَانَ عَنْ تَأْوِيلٍ غَلِطَ فِيهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَتَأْوِيلٍ كَالْخَارِجِيِّ وَالْقَدَرِيِّ.
(لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً) عِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ: أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ.
زَادَ عِيَاضٌ: وَمُتَوَقِّي الْمُثَابَرَةَ عَلَى الصَّغَائِرِ. ابْنُ عَاتٍ:
[ ٨ / ١٦٢ ]
وَمُجَانِبًا مُخَالَطَةَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ (أَوْ كَثِيرَ كَذِبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ الشَّاهِدُ قِيَامُ بَيِّنَةٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ (أَوْ صَغِيرَةَ خَسَّةٍ وَسَفَاهَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَدَالَةُ صِفَةُ مَظِنَّةٍ تَمْنَعُ مَوْصُوفَهَا الْبِدْعَةَ وَمَا يَشِينُهُ عُرْفًا وَمَعْصِيَةَ غَيْرِ قَلِيلِ الصَّغَائِرِ.
فَالصَّغَائِرُ الْخَسِيسَةُ مُنْدَرِجَةٌ فِيمَا يَشِينُ، وَنَادِرُ
[ ٨ / ١٦٣ ]
الْكَذِبِ فِي غَيْرِ عَظِيمِ مَفْسَدَةٍ غَيْرِ مُنْدَرِجٍ فِي قَلِيلِ الصَّغَائِرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهَا مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ (وَلَعِبَ نَرْدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الشِّطْرَنْجُ أَشَرُّ مِنْ النَّرْدِ. الْمَازِرِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِدَامَةُ شِطْرَنْجٍ ".
(ذُو مُرُوءَةٍ بِتَرْكِ غَيْرِ لَائِقٍ) ابْنُ شَاسٍ: الْوَجْهُ الثَّانِي الْمُرُوءَةُ، فَيُشْتَرَطُ فِي الْعَدْلِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُرُوءَةُ هِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى فِعْلِ مَا تَرَكَهُ مِنْ
[ ٨ / ١٦٤ ]
الْمُبَاحِ يُوجِبُ الذَّمَّ عُرْفًا كَتَرْكِ الْمَلِيءِ الِانْتِعَالَ فِي بَلَدٍ يُسْتَقْبَحُ فِيهِ مَشْيُ مِثْلِهِ حَافِيًا، وَعَلَى تَرْكِ مَا فَعَلَ مِنْ مُبَاحٍ يُوجِبُ ذَمَّهُ عُرْفًا كَالْأَكْلِ عِنْدَنَا فِي السُّوقِ وَفِي حَانُوتِ الطَّبَّاخِ لِغَيْرِ الْغَرِيبِ.
ابْنُ رُشْدٍ: لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ ذَوِي الْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ كَالْكَنَّاسِ وَالْحَجَّامِ إلَّا مَنْ رَضِيَهَا اخْتِيَارًا مِمَّا لَا تَلِيقُ بِهِ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى خَبَلٍ فِي عَقْلِهِ. الْبُرْزُلِيِّ: حَكَى عَنْ الصَّالِحِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّبْتِيِّ حَالَاتٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَقَدْ فِيهِ إلَّا الْخَيْرُ لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ صَلَاحِهِ وَزُهْدِهِ وَإِيثَارِهِ، وَكَذَا حَكَى الشَّيْخُ الصَّالِحُ الرَّاوِيَةَ الْبَطْرِينِيُّ أَنَّ الْوَلِيَّ الْمَشْهُورَ الزَّوَاوِيَّ كَانَ مُخَرَّبَ الظَّاهِرِ وَهُوَ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَشْهُورٌ بِالْوِلَايَةِ فَلَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ تَخْرِيبُ ظَاهِرِهِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ: الْحِيَاكَةُ بِحَسَبِ الْبُلْدَانِ وَهِيَ فِي إقْلِيمِ إفْرِيقِيَّةَ مِنْ الصِّنَاعَاتِ الرَّفِيعَةِ يَسْتَعْمِلُهَا وُجُوهُ النَّاسِ، وَكَذَا كُلُّ صَنْعَةٍ بِحَسَبِ رِفْعَتِهَا وَخِسَّتِهَا.
(مِنْ حَمَامٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُجْرَحُ الشَّاهِدُ بِثُبُوتِ لَعِبِهِ بِالْحَمَامِ إذَا كَانَ يُقَامِرُ عَلَيْهَا. مُحَمَّدٌ: مَنْ فَعَلَهُ عَلَى قِمَارٍ أَوْ أَدْمَنَ عَلَيْهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
(وَسَمَاعِ غِنَاءٍ) الْمَازِرِيُّ: الْغِنَاءُ لَا بِآلَةٍ عِنْدَنَا مَكْرُوهٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مَنْ أَدْمَنَ عَلَى سَمَاعِ غِنَاءٍ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَيُمْكِنُ أَنَّهُ رَآهُ عَلَمًا عَلَى سُقُوطِ الْمُرُوءَةِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ إنْ عُرِفُوا بِذَلِكَ بِشَرْطِ اشْتِهَارِهِمْ بِذَلِكَ، وَالِاشْتِهَارُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْخَسَاسَةِ. قَالَ: وَلَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَكَانَ ضَرْبُ الْأَوْتَارِ وَالنَّفْخُ فِي الْمِزْمَارِ يُقَارِنُ شُرْبَهَا غَالِبًا وَيُحَرِّكُ النَّفْسَ إلَى شُرْبِهَا، انْسَحَبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَا يُطْرِبُ وَلَا يَدْعُو إلَى الشُّرْبِ.
وَفِي الْإِحْيَاءِ: كُلُّ آلَةٍ يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا صَوْتٌ مُسْتَطَابٌ مَوْزُونٌ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَعْتَادُهُ أَهْلُ الشُّرْبِ حَرُمَ سَمَاعُهَا وَإِلَّا فَهِيَ بَاقِيَةٌ
[ ٨ / ١٦٥ ]
عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ قِيَاسًا عَلَى صَوْتِ الْكَبَرِ، بَلْ أَقُولُ: سَمَاعُ الْأَوْتَارِ مِمَّنْ يَضْرِبُهَا عَلَى غَيْرِ وَزْنٍ حَرَامٌ أَيْضًا اهـ. رَاجِعْ أَوَاخِرَ قَوَاعِدِ عِزِّ الدِّينِ وَفَتَاوِيهِ فِي حُكْمِ السَّمَاعِ وَهُوَ أَوْلَى مَنْ يُقَلَّدُ فِي هَذَا الْبَابِ.
(كَدِبَاغَةٍ وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَارًا) تَقَدَّمَ هَذَا وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّ الْحِيَاكَةَ مِنْ الصِّنَاعَاتِ الرَّفِيعَةِ (وَإِدَامَةِ شِطْرَنْجٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَدْمَنَ عَلَى اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ الْمَرَّةُ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا. وَكَرِهَ مَالِكٌ اللَّعِبَ بِهَا وَقَالَ: هِيَ أَشَدُّ مِنْ النَّرْدِ.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يُدْمِنُ عَلَى اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ إذْ لَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ مِنْ لَهْوٍ وَمَزْحٍ يَسِيرٍ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ اهـ. مَا لِابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: قَوْلُ مَالِكٍ " إنْ كَانَ لَعِبُهُ بِالشِّطْرَنْجِ إنَّمَا هُوَ الْمَرَّةُ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّعِبَ بِهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ لِنَفْسِهِ وَعَيْنِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ فِي تَحْرِيمِهِ وَلَيْسَ اللَّعِبُ بِهَا بِمُضْطَرٍّ إلَيْهِ وَلَا مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَيُعْفَى عَنْ الْيَسِيرِ مِنْهُ قَالَ: وَمِمَّنْ أَجَازَ اللَّعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ عَلَى غَيْرِ قِمَارٍ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُهُ هِشَامٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَعَطَاءٌ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونَ: مَنْ كَانَ يَبِيعُ النَّرْدَ وَالزَّمَامِيرَ وَالْعِيدَانَ وَالطَّنَابِيرَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَكَذَا مَنْ يَشْتَغِلُ بِطَلَبِ عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ. وَأَفْتَى الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْمُنْتَصِرُ بِمَنْعِ إمَامَتِهِ.
وَحَدَّثَنِي شَيْخِي ابْنُ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إنْسَانًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُحْكِمُ عِلْمَهَا قَالَ - ﵀ -: فَقُلْت لَهُ: الَّذِي أُفْتِيك بِهِ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تُبَيِّنَ لِلَّذِي تَشْتَرِي مِنْهُ أَنَّهَا مُدَبَّرَةٌ إذْ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُمَ أَحَدًا مِنْ أَمْرٍ عَرَضَهُ مَا إذَا ذَكَرَهُ كَرِهَهُ الْآخَرُ، أَوْ كَانَ ذِكْرُهُ أَبْخَسَ لَهُ وَكُلُّ النَّاسِ يُؤْثِرُ الْمَعْدِنِيَّ عَلَى الْمُدَبَّرِ.
(وَإِنْ أَعْمَى فِي قَوْلٍ أَوْ أَصَمَّ فِي فِعْلٍ) ابْنُ شَاسٍ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَصَمِّ فِي الْأَفْعَالِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا نَحْوُ نَقْلِ الْمَازِرِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ " يَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِيمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَهُ
[ ٨ / ١٦٦ ]
الْبَصِيرُ ". وَلِابْنِ شَعْبَانَ: شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ جَائِزَةٌ إذَا عُرِفَتْ إشَارَتُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَبُولُ شَهَادَتِهِ كَصِحَّةِ عَقْدِ نِكَاحِهِ وَثُبُوتِ طَلَاقِهِ وَقَذْفِهِ وَكِلَاهُمَا فِيهِ.
(لَيْسَ بِمُغَفَّلٍ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْغَيْرِ الْمَأْمُونِ عَلَى مَا يَقُولُ وَقَدْ يَكُونُ عَدْلًا وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُغْتَفَلَ أَوْ يُضْرَبَ عَلَى خَطِّهِ وَيَشْهَدَ عَلَى الرَّجُلِ وَلَا يَعْرِفُهُ يَتَسَمَّى لَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَتُهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (إلَّا فِيمَا لَا يَلْبِسُ) الْمَازِرِيُّ: إطْلَاقُ الْمُتَقَدِّمِينَ رَدَّ الشَّهَادَةِ بِالْبَلَهِ وَالْغَفْلَةِ، قَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِمَا كَثُرَ مِنْ الْكَلَامِ وَالْجُمَلِ الْمُتَعَلِّقِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لَا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ رَأَيْت هَذَا الشَّخْصَ قَتَلَ هَذَا الشَّخْصَ أَوْ سَمِعْته قَالَ هِيَ طَالِقٌ.
(وَلَا مُتَأَكِّدَ الْقُرْبِ كَأَبٍ وَإِنْ عَلَا وَأَمٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ تُهْمَةُ الْحُبِّ لِأَصْلٍ أَوْ عَارِضٍ. رَوَى ابْنُ نَافِعٍ يَدْخُلُ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ شَهَادَةُ الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ. الْمَازِرِيُّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، كَانَ جَدًّا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ، وَلَا شَهَادَةُ بَنِي بَنِيهِمْ لَهُمْ (وَزَوْجِهِمَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: مِنْ الْمَوَانِعِ أَكِيدُ الشَّفَقَةِ بِالنَّسَبِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَكَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةِ فِيهِمَا (وَوَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمَازِرِيِّ " وَلِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ " (كَبِنْتِ الْوَلَدِ) شَمَلَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَإِنَّمَا خَصَّ الْبِنْتَ تَوْطِئَةً (وَزَوْجِهِمَا) اللَّخْمِيِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ
[ ٨ / ١٦٧ ]
لِزَوْجِ ابْنَتِهِ وَلَا لِزَوْجَةِ وَلَدِهِ.
(وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ وَاحِدَةٌ لِكُلٍّ عِنْدَ الْآخَرِ أَوْ عَلَى شَهَادَتِهِ أَوْ حُكْمِهِ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْخِلَافُ فِي شَهَادَةِ الْأَبِ عِنْدَ ابْنِهِ، وَالِابْنِ عِنْدَهُ، وَشَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى شَهَادَةِ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حُكْمِ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ وَاحِدٌ. قِيلَ: كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَمُطَرِّفٍ. وَقِيلَ: ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ، وَفَرَّقَ
[ ٨ / ١٦٨ ]
ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ، وَأَمَّا تَعْدِيلُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ فَلَمْ يُجِزْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إلَّا ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَفِي ذَلِكَ بُعْدٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَدْرَكْت قَاضِيًا حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْ تَقْدِيمِ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ إلَّا قَاضِيًا وَاحِدًا جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ عَلِمَ الْحَقَّ وَعَمِلَ بِهِ.
وَلِبَعْضِ شُيُوخِ الشُّورَى بِقُرْطُبَةَ: شَهَادَةُ الْأَخَوَيْنِ فِي حَقِّ وَاحِدٍ لِرَجُلٍ جَائِزَةٌ وَلَيْسَ كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ.
(بِخِلَافِ أَخٍ لِأَخٍ إنْ بَرَزَ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِخِلَافِهِ
[ ٨ / ١٦٩ ]
كَأَجِيرٍ وَمَوْلًى وَمُلَاطِفٍ وَمُفَاوِضٍ فِي غَيْرِ مُفَاوَضَةٍ وَزَائِدٍ أَوْ مُنَقِّصٍ وَذَاكِرٍ بَعْدَ شَكٍّ وَتَزْكِيَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: سِتَّةٌ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا الْعَدْلُ الْمُبْرِزُ: الشَّهَادَةُ لِلْأَخِ وَلِلْمَوْلَى وَلِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ وَلِشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ
[ ٨ / ١٧٠ ]
التِّجَارَةِ وَإِذَا زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ وَالتَّعْدِيلُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُشْتَرَطُ التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ وَالْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ، وَشَهَادَةِ الْمَوْلَى لِمَنْ أَعْتَقَهُ، وَشَهَادَةِ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ لِصَدِيقِهِ، وَشَهَادَةِ الشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ لِشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ، وَفِيمَنْ سُئِلَ فِي مَرَضِهِ شَهَادَةٌ لِتُنْقَلَ عَنْهُ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهَا ثُمَّ شَهِدَ بِهَا وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ خَشِيَ فِي مَرَضِهِ عَدَمَ تَثَبُّتِهِ فِيهَا، وَمَنْ زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ بَعْدَ أَدَائِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِالْمَالِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: إنْ كَانَ الشَّاهِدُ فِي نَفَقَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ مَعْرُوفُهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَإِلَّا فَثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ وَكَانَ مُبْرِزًا فِي حَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ إنَّ الْأَخَ يُعَدِّلُ أَخَاهُ.
عِيَاضٌ: اشْتَرَطَ فِي شَهَادَةِ الْأَخِ أَوَّلَ الْكِتَابِ التَّبْرِيزُ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ أَثْنَاءَهُ، فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ خِلَافٌ، مَرَّةً اشْتَرَطَ التَّبْرِيزَ وَمَرَّةً لَمْ يَشْتَرِطْهُ. وَعَلَى اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ اخْتَصَرَهَا الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَيَكُونُ مَرَّةً بَيَّنَهُ وَمَرَّةً أَهْمَلَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَيْهِ، وَجَرُّهُ إلَيْهِ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ إذَا كَانَ مُبْرِزًا فِي الْعَدَالَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَنْ أَعْتَقَهُ إذَا كَانَ عَدْلًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا لَمْ يَدْفَعْ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ شَرًّا أَوْ يَجُرَّ إلَيْهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ الَّذِي تَحْتَ إنْفَاقِ مَنْ شَهِدَ لَهُ لَغْوٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ إنْفَاقِهِ فَطَرِيقُ الْمَازِرِيِّ
[ ٨ / ١٧١ ]
مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ قَبُولُ شَهَادَتِهِ لِصَدِيقِهِ إنْ كَانَ لَيْسَ فِي نَفَقَتِهِ وَلَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ بِرُّهُ وَصِلَتُهُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَجُوزُ فِي التَّزْكِيَةِ فِي الْعَلَانِيَةِ إلَّا الْمُبْرِزُ النَّافِذُ الْفَطِنُ الَّذِي لَا يُخْدَعُ فِي عَقْلِهِ وَلَا يُسْتَذَلُّ فِي رَأْيِهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَإِنْ ارْتَضَى الْقَاضِي رَجُلًا لِلْكَشْفِ جَازَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ مَا نَقَلَ إلَيْهِ مِنْ التَّزْكِيَةِ عَلَى رَجُلَيْنِ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.
(وَإِنْ بِحَدٍّ) الْمُتَيْطِيُّ وَالتَّعْدِيلُ يَجُوزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي الدِّمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ (مِنْ مَعْرُوفٍ إلَّا الْغَرِيبَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى حَقٍّ فَعَدَلَهُمْ قَوْمٌ غَيْرُ مَعْرُوفِينَ وَعَدَّلَ الْمُعَدِّلِينَ آخَرُونَ، فَإِنْ كَانَتْ الشُّهُودُ غُرَبَاءَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْقَاضِي لَا يَقْبَلُ
[ ٨ / ١٧٢ ]
عَدَالَةً عَلَى عَدَالَةٍ (بِأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُجْزِي فِي التَّعْدِيلِ إلَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ (مِنْ فَطِنٍ عَارِفٍ لَا يُخْدَعُ) تَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ بِهَذَا (مُعْتَمِدٌ عَلَى طُولِ عَشْرَةٍ) سَحْنُونَ: لَا يُزَكِّي إلَّا مَنْ خَالَطَهُ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَطَالَتْ صُحْبَتُهُ إيَّاهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ.
اللَّخْمِيِّ: وَلَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ بِيَسِيرِ الْمُخَالَطَةِ (لَا سَمَاعٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ وَجْهُ التَّعْدِيلِ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ عَدَالَتَهُ بِطُولِ الصُّحْبَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ لَا بِالتَّسَامُعِ (مِنْ سُوقِهِ أَوْ مَحَلَّتِهِ إلَّا لِتَعَذُّرٍ) اللَّخْمِيِّ: لَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ مِنْ غَيْرِ سُوقِهِ وَمَحَلَّتِهِ، فَإِنْ وَقَفَ أَهْلُ سُوقِهِ وَمَحَلَّتِهِ عَنْ تَعْدِيلِهِ فَذَلِكَ رِيبَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ قُبِلَ مِنْ سَائِرِ بَلَدِهِ. الْمُتَيْطِيُّ لَا يُزَكِّي الشَّاهِدَ إلَّا أَهْلُ مَسْجِدِهِ وَسُوقِهِ وَجِيرَانِهِ.
رَوَاهُ أَشْهَبُ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَا يُزَكِّي الشَّاهِدَ مَنْ شَهِدَ مَعَهُ أَوْ نَقَلَ مَعَهُ شَهَادَةً فِي ذَلِكَ الْحَقِّ (وَوَجَبَتْ إنْ تَعَيَّنَ كَجُرْحٍ إنْ بَطَلَ حَقٌّ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَجُوزُ أَنْ يُزَكِّي الرَّجُلَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ عَدْلًا وَكَذَلِكَ فِي تَجْرِيحِهِ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ غَيْرُ عَدْلٍ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إحْيَاءً لِلْحَقِّ فَلَا يَسَعُهُ تَرْكُ ذَلِكَ (كَجَرْحٍ) وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ " كَالزِّنَا " أَنَّ الشَّهَادَةَ تَجِبُ بِالتَّجْرِيحِ (وَنُدِبَ تَزْكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا) سُمِعَ الْقَرِينَانِ: أَتَرَى الْمَسْأَلَةَ عَنْ الشُّهُودِ سِرًّا؟ قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ تَعْدِيلُ السِّرِّ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي فِعْلُهُ وَلَا يَكْتَفِي بِتَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ دُونَهُ، وَيَكْتَفِي بِتَعْدِيلِ السِّرِّ دُونَ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ. حَكَى هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ وَالْأَخَوَيْنِ. وَمَعْنَاهُ فِي الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى اللُّزُومِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا (مِنْ مُتَعَدِّدٍ) ابْنُ رُشْدٍ: تَعْدِيلُ السِّرِّ يَفْتَرِقُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِ وَفِي أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ بِخِلَافِ الْعَلَانِيَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إنَّ نَقْلَ تَزْكِيَةِ السِّرِّ تَكُونُ عَنْ رَجُلَيْنِ فَانْظُرْهُ مَعَ هَذَا.
(وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الِاسْمَ) سَحْنُونَ: مَنْ عَدَّلَ رَجُلًا لَمْ يَعْرِفْ اسْمَهُ قَبْلَ تَعْدِيلِهِ (أَوْ لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ التَّعْدِيلِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: التَّزْكِيَةُ جَائِزَةٌ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ: قَوْلُهُ " لَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا " لَغْوٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِثْلُهُ لَا بَأْسَ بِهِ (بِخِلَافِ
[ ٨ / ١٧٣ ]
الْجَرْحِ) اللَّخْمِيِّ: فِي قَبُولِ التَّجْرِيحِ إجْمَالًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: قِيلَ: يُقْبَلُ، وَقِيلَ: لَا، وَقَالَ الْأَخَوَانِ يُقْبَلُ مِمَّنْ يَعْرِفُ وَجْهَ التَّجْرِيحِ كَانَ الْمُجَرِّحُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ أَمْ لَا. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُقْبَلُ فِي مَشْهُورِ الْعَدَالَةِ إلَّا مُفَسَّرٌ.
الْمَازِرِيُّ: أَكَّدَ الشَّافِعِيُّ فِي وُجُوبِ الْكَشْفِ فِي الْجَرْحِ لِأَنَّ شَاهِدًا جَرَّحَ شَاهِدًا فَسُئِلَ عَنْ جُرْحَتِهِ فَقَالَ: رَأَيْته يَبُولُ قَائِمًا. فَقِيلَ لَهُ: وَإِذَا بَال قَائِمًا مَاذَا يَكُونُ؟ قَالَ: يَتَطَايَرُ عَلَيْهِ الْبَوْلُ. فَقِيلَ لَهُ: هَلْ رَأَيْته صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، فَظَهَرَ غَلَطُهُ.
(وَهُوَ الْمُقَدَّمُ) ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ اجْتَمَعَ تَعْدِيلٌ وَتَجْرِيحٌ فَطُرُقٌ. رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الشَّاهِدِ يُعَدِّلُهُ رَجُلَانِ وَيَأْتِي الْمَطْلُوبُ بِرَجُلَيْنِ فَيُجَرِّحَانِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ إلَى الْأَعْدَلِ مِنْ الشُّهُودِ فَيُؤْخَذُ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: الْمُجَرِّحَانِ أَوْلَى لِأَنَّهُمَا زَادَا وَيَسْقُطُ التَّعْدِيلُ. وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَسَحْنُونٌ. وَقَالَ: لَوْ عَدَّلَهُ أَرْبَعَةٌ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ وَالْأَرْبَعَةُ أَعْدَلُ أُخِذَتْ بِشَهَادَةِ الْمُجَرِّحَيْنِ لِأَنَّهُمَا عَلِمَا مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْآخَرُونَ.
(وَإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى تَرَدُّدٌ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمَجْهُولُ الْحَالِ إذَا عُدِّلَ مَرَّةً فِي أَمْرٍ ثُمَّ شَهِدَ ثَانِيَةً فَقَالَ سَحْنُونَ: يُطْلَبُ تَعْدِيلُهُ كُلَّمَا شَهِدَ حَتَّى يَكْثُرَ تَعْدِيلُهُ وَيَشْتَهِرَ مُطْلَقًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَكْتَفِي بِالتَّعْدِيلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَطُولَ سَنَةً، فَلَوْ طَلَبَ تَعْدِيلَهُ بِالْقُرْبِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ أَوْ بِالْبُعْدِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ لِفَقْدِ مَنْ عَدَّلَهُ أَوَّلًا، وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ لِأَنَّ طَلَبَ تَعْدِيلِهِ ثَانِيَةً إنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَمَلُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ.
(وَبِخِلَافِهَا لِأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ أَبَوَيْهِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لَهُ) سُمِعَ عِيسَى ابْنُ الْقَاسِمِ
[ ٨ / ١٧٤ ]
لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ عَلَى كَبِيرٍ لِتُهْمَتِهِ بِالْجَرِّ لِنَفْسِهِ لِمَكَانِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ وَوِلَايَتِهِ، وَإِنْ شَهِدَ لِكَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ أَوْ لِكَبِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ جَازَتْ إنْ كَانَ عَدْلًا لَا أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ لَهُ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ الِانْقِطَاعُ عَنْهُ إلَيْهِ وَالْأَثَرَةُ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَتِهِ أَوْ عَرَفَ جَفْوَتَهُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ. لِسَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: فِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ تَفْصِيلٌ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الِابْنِ يَشْهَدُ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبْرِزًا أَوْ يَكُونَ مَا شَهِدَ بِهِ يَسِيرًا. ابْنُ رُشْدٍ: وَشَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ بِطَلَاقِهِ أَوْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ بِطَلَاقِ أُمِّهِ جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ طَالِبَةً لِلطَّلَاقِ، وَبِطَلَاقِ غَيْرِ أُمِّهِ جَائِزَةٌ إنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَيِّتَةً وَغَيْرُ جَائِزَةٍ إنْ كَانَتْ حَيَّةً فِي عِصْمَتِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ هِيَ الطَّالِبَةُ لِلطَّلَاقِ.
(وَلَا عَدُوٍّ عَلَى عَدُوٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: عَدَاوَةُ الشَّاهِدِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْمَانِعِيَّةِ اتِّفَاقًا.
وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ: إنْ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا فِي الْأَمْوَالِ وَالْمَوَارِيثِ وَالتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَضَبًا لِلَّهِ لِفِسْقِهِ وَجَرَاءَتِهِ عَلَى اللَّهِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ تَسْقُطْ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مُفَسِّرٌ لِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ (وَلَوْ عَلَى ابْنِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: شَهَادَتُهُ عَلَى ابْنِ عَدُوِّهِ أَوْ أَبِيهِ بِقَتْلٍ أَوْ حَدٍّ سَاقِطَةٌ وَفِي الْمَالِ وَالْجِرَاحِ ثَالِثُهَا
[ ٨ / ١٧٥ ]
فِي الْجِرَاحِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى ابْنِ عَدُوِّهِ بِمَالٍ وَمَا لَا تَلْحَقُ الْأَبَ مِنْهُ مَعَرَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ.
(أَوْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) عِيَاضٌ: قَوْلُهُ فِي آثَارِ الْكِتَابِ " تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ " هَذَا مَا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَعَدَاوَةُ الدِّينِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِأَنَّهَا عَامَّةٌ غَيْرُ خَاصَّةٍ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْعَدَاوَةُ الْخَاصَّةُ.
وَاخْتُلِفَ إذَا طَرَأَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ عَدَاوَةٌ حَدِيثَةٌ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، فَاعْتَبَرَهَا بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُجِزْ الشَّهَادَةَ وَهَذَا الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَاصٌّ.
(وَلْيُخْبِرْ بِهَا) سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ فَاحْتَاجَ أَهْلُ الشَّهَادَةِ إلَيْهَا، فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ وَلْيُخْبِرْ مَعَ شَهَادَتِهِ بِعَدَاوَتِهِ إيَّاهُ وَلَا يَكْتُمُ.
ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُ هَذَا فِي سَمَاعِ عِيسَى خِلَافُ سَمَاعِ سَحْنُونٍ وَنَوَازِلِهِ، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يُخْبِرُهُ بِعَدَاوَتِهِ لِأَنَّهُ
[ ٨ / ١٧٦ ]
يُبْطِلُ بِذَلِكَ حَقًّا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَغُرْمِ شُهُودٍ عَلِمُوا ". اُنْظُرْ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لَهُ وَعَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَسْقُطُ فِيهِمَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي بُطْلَانِ كُلِّ الشَّهَادَةِ بِبُطْلَانِ بَعْضِهَا لِلتُّهْمَةِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْهَا مَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ.
(كَقَوْلِهِ بَعْدَهَا تَتَّهِمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجْنُونِ مُخَاصِمًا لَا شَاكِيًا) مِنْ نَوَازِلِ أَصْبَغَ: مَنْ شَهِدَ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَائِمٌ يَسْمَعُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ شَهَادَتِهِ تَحَوَّلَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ وَالْقَاضِي يَسْمَعُ أَنْتَ تَشْتُمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجَانِينِ.
لَمْ يَطْرَحْ ذَلِكَ شَهَادَتُهُ إلَّا بِعَدَاوَةٍ قَدِيمَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ لَهُ: فِي الثَّمَانِيَةِ إنْ قَالَ عَلَى وَجْهِ الشَّكْوَى وَالِاسْتِنْهَاءِ مِنْ الْأَذَى لَا عَلَى وَجْهِ طَلَبِ الْخُصُومَةِ وَلَا يُسَمِّي الشَّتْمَةَ فَلَا أَرَاهُ شَيْئًا، وَإِنْ سَمَّى الشَّتْمَةَ وَهِيَ مِمَّا فِي مِثْلِهَا الْخُصُومَةُ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الطَّلَبِ لِخُصُومَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الشَّتْمَةَ فَشَهَادَتُهُ بَاطِلَةٌ وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ هُنَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا. ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَدُوُّهُ انْتَهَى.
وَنَحْوُ هَذَا اخْتَارَ اللَّخْمِيِّ.
قَالَ: وَطَرْحُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَحْسَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبْرِزًا. قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ عَادَاهُ وَقَبُولُهَا هُنَا أَحَقُّ، إذَا كَانَتْ قُيِّدَتْ قَبْلَ الْعَدَاوَةِ.
(وَاعْتَمَدَ فِي إعْسَارِهِ بِصُحْبَتِهِ وَقَرِينَةِ صَبْرِ ضَرٍّ كَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي شَرْطِ شَهَادَةِ غَيْرِ السَّمَاعِ يَقْطَعُ الشَّاهِدُ بِالْعِلْمِ بِالْمَشْهُودِ فِيهِ مُطْلَقًا، وَصِحَّتُهَا بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ فِيهِمَا يَعْسُرُ الْعِلْمُ بِهِ عَادَةً طَرِيقَانِ. الْأُولَى
[ ٨ / ١٧٧ ]
لِلْمُقَدِّمَاتِ قَائِلًا: الْعِلْمُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَبِالْعَقْلِ مَعَ أَحَدِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَبِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَمِنْهُ نَظَرُهُ كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ بِشِرَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْفَرَسَ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ بِمَا عُلِمَ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ جَائِزَةٌ كَالْوَلَاءِ وَالْمَوْتِ وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَالْقَطْعُ بِهَا.
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لِلْمَازِرِيِّ قَالَ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ بِزَوْجِيَّةِ رَجُلٍ امْرَأَةً بِرُؤْيَةِ حَوْزِهِ إيَّاهَا حَوْزَ الْأَزْوَاجِ زَوْجَاتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ حِينَ التَّزْوِيجِ: هَذَا نَوْعٌ خَارِجٌ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ الْقَوِيُّ الْمُزَاحِمُ لِلْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَالشَّهَادَةِ بِالتَّفْقِيرِ. وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ: وَيُعْتَمَدُ عَلَى الْقَرَائِنِ الْمُغَلِّبَةِ لِلظَّنِّ فِي التَّعْدِيلِ وَفِي الْإِعْسَارِ وَضَرَرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ فَقَدْ رَدَّ الطَّرِيقَتَيْنِ إلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ: وَلَوْ صَرَّحَ فِي أَدَاءِ شَهَادَتِهِ بِالظَّنِّ لَمْ تُقْبَلْ يَعْنِي عَلَى كِلَا الطَّرِيقَتَيْنِ.
(وَلَا إنْ حَرَصَ
[ ٨ / ١٧٨ ]
عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ فِيمَا رَدَّ فِيهِ بِفِسْقٍ أَوْ صِبًا أَوْ رِقٍّ أَوْ كُفْرٍ أَوْ عَلَى التَّأَسِّي كَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِيهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ التُّهْمَةُ عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ عَرَضَ أَوْ تَخْفِيفِ مَعَرَّةٍ بِمُشَارِكٍ فِيهَا مِنْ الْوَرَثَةِ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إلَى قَاضٍ فَرَدَّهَا لِمَوَانِعِهِمْ لَمْ تَجُزْ بَعْدَ زَوَالِهَا أَبَدًا. أَشْهَبُ: مَنْ قَالَ لِقَاضٍ يَشْهَدُ لِي فُلَانٌ الْعَبْدُ أَوْ النَّصْرَانِيُّ أَوْ فُلَانٌ الصَّبِيُّ فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ ثُمَّ زَالَتْ مَوَانِعُهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ فُتْيَا لَا رَدٌّ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ فِي رَدِّ شَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِي الزِّنَا وَقَبُولِهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالزِّنَا.
(أَوْ مَنْ حُدَّ فِيمَا حُدَّ فِيهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: كُلُّ مَنْ حُدَّ فِي قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتَابَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ مَا حُدَّ فِيهِ. وَقَالَهُ ابْنُ حَارِثٍ فِي الْقَاذِفِ اتِّفَاقًا. وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهَا أَيْضًا تَصِحُّ فِيمَا حُدَّ فِيهِ قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ
[ ٨ / ١٧٩ ]
وَأَصْبَغُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَرَوَى الْأَخَوَانِ وَأَصْبَغُ لَا تَصِحُّ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
(وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ كَمُخَاصَمَةِ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَشَهِدَ وَحَلَفَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَانِعُ السَّادِسُ مَنْ ظَنَّ عَدَمَ اسْتِيفَاءِ وَاجِبِ التَّحَمُّلِ أَوْ تَرَكَ الْقِيَامَ بِهَا الْمُوجِبَ دَوَامَ مُحَرَّمٍ أَوْ الْحِرْصَ عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: شَهَادَةُ الْمُخْتَفِي لَا خَفَاءَ فِي رَدِّهَا عَلَى الْقَوْلِ بِلَغْوِ الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِ الْمُقِرِّ دُونَ قَوْلِهِ أَشْهَدُ عَلَى، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَرِوَايَتُهُ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ: إلَّا أَنْ يَكُونَ قَذْفًا. ابْنُ عَرَفَةَ: أَوْ غَيْرُهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِتُهْمَةِ الْحِرْصِ عَلَى قَبُولِهَا.
قِيلَ: إذَا حَلَفَ الشَّاهِدُ عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ إنَّ حَلِفَهُ قَادِحٌ فِيهَا لِأَنَّ حَلِفَهُ كَالْعِلْمِ عَلَى التَّعَصُّبِ وَالْحَمِيَّةِ. قَالَ: وَاخْتُلِفَ إذَا قَامَ الشُّهُودُ وَخَاصَمُوا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَسْقَطَ ابْنُ الْقَاسِمِ شَهَادَتَهُمْ لِأَنَّ خِصَامَهُمْ عَلَمٌ عَلَى شِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى إنْفَاذِ شَهَادَتِهِمْ، وَشِدَّةَ الْحِرْصِ عَلَى إنْفَاذِهَا يَحْمِلُ عَلَى تَحْرِيفِهَا أَوْ زِيَادَةٍ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ. فَقَالَ الْبَاجِيُّ: مَنْ
[ ٨ / ١٨٠ ]
قَامَ يَطْلُبُ حَقًّا لِلَّهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهِ. قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ: شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ لِأَنَّهَا فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ.
(أَوْ رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ فِي مَحْضِ حَقِّ الْآدَمِيِّ) ابْنُ رُشْدٍ: الشَّهَادَةُ بِمَالِ الْحَاضِرِ تَبْطُلُ بِتَرْكِ إعْلَامِهِ لَا بِتَرْكِ رَفْعِهَا لِلسُّلْطَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَبُّهَا مِمَّنْ هُوَ إلَى نَظَرِ السُّلْطَانِ كَالْيَتِيمِ الْمُهْمَلِ.
[ ٨ / ١٨٤ ]
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَدَاءِ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ طَلَبِهِ فِيمَا تَمَحَّضَ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ قَادِحٌ.
(وَفِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالْإِمْكَانِ إنْ اُسْتُدِيمَ تَحْرِيمُهُ كَعِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَوَقْفٍ وَرَضَاعٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لِلَّهِ يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّضَاعِ وَالْوَقْفِ لَمْ تَقْدَحْ الْمُبَادَرَةُ، بَلْ تَجِبُ. ابْنُ رُشْدٍ: الشَّهَادَةُ بِمَا يُسْتَدَامُ تَحْرِيمُهُ تَبْطُلُ بِتَرْكِ رَفْعِهِ إلَى السُّلْطَانِ إلَّا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ أَشْهَبَ. (وَالْأَخِيرُ كَالزِّنَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لِلَّهِ فَيُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالزِّنَا
[ ٨ / ١٨٥ ]
وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلَا تَقْدَحُ وَلَا تَجِبُ إلَّا فِي التَّحْرِيمِ إنْ شَهِدَ عَلَى أَحَدٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: الشَّهَادَةُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ لَا يَلْزَمُ الْقِيَامُ بِهَا، وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ إلَّا فِي الْمُشْتَهِرُ، وَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَإِنْ كَانَ مُشْتَهِرًا اتِّفَاقًا.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَسَالِكِهِ: الْمَشْهُودُ بِهِ إنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ وَلَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخُمُورِ. زَادَ أَصْبَغُ: وَالسَّرِقَةِ. فَتَرْكُ الشَّهَادَةِ لَهُ جَائِزَةٌ، وَلَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَكْتُمُهَا وَلَا يَشْهَدُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَتَعَلَّقُوا بِهِ وَرَفَعُوا لِلسُّلْطَانِ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَيُحَدُّونَ لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّ تَعَلُّقَهُمْ بِهِ وَرَفْعَهُمْ إيَّاهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ لَهُمْ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَأْمُورٌ بِالسَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ.
قَالَ - ﷺ -: «مَنْ أَصَابَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ» قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّتْرَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ إذَا أَتَى فَاحِشَةً، وَوَاجِبُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إذَا رَأَيْته عَلَى مَعْصِيَةٍ فَعِظْهُ فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ وَلَا تَفْضَحْهُ. رَوَى النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا» «وَقَالَ - ﷺ - لِهَزَّالٍ: هَلَّا سَتَرْته بِرِدَائِك» خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ. وَلَمَّا «أَمَرَ - ﷺ - بِقَطْعِ السَّارِقِ وَقَالَ صَفْوَانُ: لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» وَكَذَلِكَ الْجِوَارُ أَمَانَةٌ وَالْجَارُ عَلَيْهِ أَمِينٌ يَغُضُّ بَصَرَهُ وَيَصُمُّ أُذُنَيْهِ وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَاهُ وَيَسْدُلُ دُونَهُ حِجَابَهُ، فَإِنْ رَأَى عَوْرَةً سَتَرَهَا أَوْ سَيِّئَةً غَفَرَهَا أَوْ حَسَنَةً بَثَّهَا وَنَشَرَهَا.
كَانَ لِأَبِي حَنِيفَةَ جَارٌ إسْكَافٌ يَعْمَلُ نَهَارَهُ أَجْمَعَ فَإِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ وَقَدْ حَمَلَ لَحْمًا فَطَبَخَهُ أَوْ سَمَكَةً فَشَوَاهَا ثُمَّ لَا يَزَالُ يَشْرَبُ حَتَّى إذَا دَبَّ الشَّرَابُ فِيهِ غَزَلَ بِصَوْتٍ يَقُولُ: أَضَاعُونِي وَأَيُّ فَتًى أَضَاعُوا. لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسَدَادِ ثَغْرٍ. فَلَا يَزَالُ يَشْرَبُ وَيُرَدِّدُ هَذَا الْبَيْتَ حَتَّى يَأْخُذَهُ النَّوْمُ. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ فَفَقَدَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْلَةً صَوْتَهُ فَاسْتَخْبَرَ عَنْهُ فَقِيلَ: أَخَذَهُ الشُّرَطُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو حَنِيفَةَ الصُّبْحَ مِنْ غَدِهِ رَكِبَ بَغْلَتَهُ وَجَاءَ الْأَمِيرَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ وَأَنْ لَا يَنْزِلَ حَتَّى يَطَأَ الْبِسَاطَ، فَلَمْ يَزَلْ الْأَمِيرُ يُوَسِّعُ لَهُ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى أَنْزَلَهُ مُسَاوِيًا لَهُ. فَقَالَ: مَا حَاجَتُك؟ فَقَالَ: إسْكَافٌ أَخَذَهُ الْحَرَسُ لِيَأْمُرْ الْأَمِيرُ بِتَخْلِيَتِهِ.
قَالَ: نَعَمْ وَكُلُّ مَنْ أُخِذَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَخَلَّى جَمِيعَهُمْ فَرَكِبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْإِسْكَافُ يَمْشِي وَرَاءَهُ، وَلَمَّا نَزَلَ مَضَى إلَيْهِ وَقَالَ: يَا فَتَى أَضَعْنَاك؟ قَالَ: لَا، بَلْ حَفِظْت وَرَعَيْت جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا عَنْ حُرْمَةِ الْجَارِ وَرِعَايَةِ الْحَقِّ، وَتَابَ الرَّجُلُ عَمَّا كَانَ فِيهِ بَيْدَ أَنَّ هَذَا فِي كُلِّ ذَنْبٍ يَخْتَصُّ بِالْعَبْدِ لَا يَتَعَدَّاهُ، فَإِنْ كَانَ يَلْحَقُ غَيْرَهُ مِنْهُ ظُلْمٌ فَخَيْرُ الشُّهُودِ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا مِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ ابْنِ عَوْفٍ فِي حَدِيثِ الْوَفَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ الرَّجُلِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنَّ حَمْلَهَا لَيْسَ مِنْهُ.
وَأَمَّا شَهَادَتُهُ عَلَى رُؤْيَتِهِ لِزِنَاهَا فَمَكْرُوهٌ، وَالْفِرَاقُ مَعَ السَّتْرِ أَفْضَلُ وَأَوْلَى وَأَوْجَبُ وَأَحْرَى، وَأَمَّا مَعَ إلْحَاقُ غَيْرِ وَلَدِهِ بِهِ فَلَا صَبْرَ.
[ ٨ / ١٨٦ ]
عِيَاضٌ: كَانَ مَعَ تَمِيمٍ قَوْمٌ بِبَابِ دَارِهِ إذْ وَثَبَ وَقَالَ لَهُمْ: قُومُوا فَادْخُلُوا فَدَخَلُوا وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَلَا يَدْرُونَ مَا السَّبَبُ فَقَالَ: رَأَيْت سَكْرَانًا فَلَمْ أُرِدْ أَنْ تَرَوْهُ فَقَالُوا: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: إنَّمَا سَتَرْته عَنْكُمْ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ بِهِ. فَقَالَ عِيَاضٌ: اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى فَضْلِ هَذَا الرَّجُلِ أَعْنِي تَمِيمًا الْمَذْكُورَ وَقُرِئَ عَلَيْهِ بِالْقَيْرَوَانِ وَسُمِعَ مِنْهُ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَأَمَرَ ابْنُ سَلَمَةَ الْقَاضِي بِإِنْسَانٍ فِي رَأْسِهِ غِرَارَةٌ وَبِيَدِهِ كَبَرٌ فَأَمَرَ بِكَسْرِ الْكَبَرِ وَعَلِمَ وَلَمْ يَشُكَّ أَنَّ الْغِرَارَةَ مَمْلُوءَةٌ أَكْبَارًا فَقَالَ: أَنْزِلُوا الْغِرَارَةَ: قَالَ: وَكَانَ مَعَهُ أَحْمَدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: مَا عَلَيْك أَنْ تُفَتِّشَ أَمْتِعَةَ النَّاسِ إنَّمَا عَلَيْك أَنْ تُغَيِّرَ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمُنْكَرِ. فَأَمْسَكَ الْقَاضِي عَمَّا أَمَرَ بِهِ مِنْ تَفْتِيشِ الْغِرَارَةِ ثُمَّ اجْتَمَعَ الْقَاضِي مَعَ ابْنِ لُبَابَةَ ذَكَرَ لَهُ الْقَضِيَّةَ.
فَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ مِثْلَ مَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَأَقْبَلَ الْقَاضِي عَلَى أَحْمَدَ وَقَالَ: لَقَدْ انْتَفَعْت الْيَوْمَ بِصُحْبَتِك يَا رُعَيْنِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ فِي إحْيَائِهِ: مَنْ سَتَرَ مَعْصِيَةً فِي دَارِهِ وَأَغْلَقَ بَابَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَجَسَّسَ عَلَيْهِ، وَإِذَا رَأَى فَاسِقًا وَتَحْتَ ذَيْلِهِ شَيْءٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُ. نَعَمْ لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ اسْتِخْبَارٍ بِأَنَّ فُلَانًا فِي دَارِهِ خَمْرٌ فَلَهُ الدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ وَعَبْدَانِ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْلَى الْمَنْعُ إذْ لَا يَسْقُطُ حَقٌّ إلَّا بِعَدْلَيْنِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ أَيْضًا إذَا شَهِدَ أَحَدٌ عَلَى إنْسَانٍ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُنَكَّلُ الشَّاهِدُ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ: مَشَى عُمَرُ - ﵁ - بِاللَّيْلِ فَرَأَى نَارًا فِي بَيْتٍ فَأَتَى إلَيْهَا فَإِذَا بِقَوْمٍ يَشْرَبُونَ وَشَيْخٌ فَاقْتَحَمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْكُمْ. فَقَالَ الشَّيْخُ: مَا نَحْنُ بِأَعْظَمَ مِنْك ذَنْبًا، تَعَدَّيْت وَدَخَلْت بِغَيْرِ إذْنٍ فَاحْتَشَمَ عُمَرُ وَقَالَ: ذَرُوا هَذِهِ بِهَذِهِ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ مَا يُعَارِضُ هَذَا إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَسْتَظْهِرُ وَيَشْتَهِرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْقِيَامِ بِهَا وَإِنْ كَانَ مُشْتَهِرًا اتِّفَاقًا. وَانْظُرْ قَدْ يَكُونُ يَتَضَرَّرُ بِالرَّفْعِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ كَمَا يَسْقُطُ التَّغْيِيرُ لِمَا ذُكِرَ. عِيَاضٌ: شَرُفَ مَالِكٌ فِي رُجُوعِ أَشْيَاخِهِ لِكَلَامِهِ. حُكِيَ أَنَّ ابْنَ هُرْمُزَ مَرَّ بِدَارِ بَعْضِ أَهْلِ الْأَقْدَارِ وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَ مَوْلًى لَهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُرْمُزَ: إنَّك عَلَى الطَّرِيقِ وَلَيْسَ يَحِلُّ لَك هَذَا، فَقَالَ لِعَبِيدِهِ: طَئُوا بَطْنَهُ فَوَطِئُوهُ حَتَّى حُمِلَ إلَى مَنْزِلِهِ، فَعَادَهُ النَّاسُ وَفِيهِمْ مَالِكٌ فَجَعَلَ يَشْكُو وَالنَّاسُ يَدْعُونَ لَهُ وَمَالِكٌ سَاكِتٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَك أَنْ تَأْتِيَ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْقَدَرِ عَلَى بَابِ دَارِهِ مَعَهُ حَشَمُهُ وَمَوَالِيهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُرْمُزَ: أَفَتَرَانِي أَخْطَأْت؟ قَالَ: إي وَاَللَّهِ.
وَقِيلَ لِمَالِكٍ: الرَّجُلُ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالسُّنَّةِ يُجَادِلُ عَلَيْهَا قَالَ: لَا يُخْبِرُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ سَمِعَ مِنْهُ وَإِلَّا سَكَتَ. قِيلَ: فَيَنْصَحُ السُّلْطَانَ؟ قَالَ: إنْ رَجَا أَنْ يَسْمَعَهُ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ. وَانْظُرْ إذَا كَانَ الدَّارُ لِمُنْكَرٍ وَالْجِيرَانُ يَتَضَرَّرُونَ بِهِ وَالْفِقْهُ أَنَّهُ لَا يَقْتَحِمُ عَلَيْهِ فِي الدَّارِ وَلَكِنْ تُرْفَعُ الشَّكْوَى بِهِ لِلْقَاضِي وَيَعْذِرُ لَهُ ثُمَّ تُكْرَى عَلَيْهِ غَيْرَ أَنْ يَقْذِفَ أَوْ يَكْشِفَ عَلَيْهِ. اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيُّ.
(بِخِلَافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ كَالْمُخْتَفِي) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ الْحِرْصُ عَلَى التَّحَمُّلِ مِثْلُ أَنْ يَجْلِسَ مُخْتَفِيًا فِي زَاوِيَةٍ لِتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ فَيَنْبَنِي قَبُولُ شَهَادَتِهِ عَلَى جَوَازِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُقِرِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي شَهَادَةِ
[ ٨ / ١٨٧ ]
الشَّاهِدِ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ أَوْ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ: إحْدَاهُمَا يَشْهَدُ إذَا كَانَ قَدْ اسْتَوْعَبَ ذَلِكَ وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَبِهِ الْعَمَلُ قَالَهُ فِي الْمُفِيدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَوَّلَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ " وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ ".
(وَلَا إنْ اُسْتُبْعِدَ كَبَدْوِيٍّ لِحَضَرِيٍّ) الْمَازِرِيُّ: تُعْرَضُ التُّهْمَةُ مِنْ جِهَةِ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَةِ وَمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ» ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مَالِكٌ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ إذَا شَهِدُوا فِي الْحَاضِرَةِ لِأَنَّهَا تُهْمَةٌ أَنْ يَشْهَدَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ دُونَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ، وَأَجَازَهَا فِي الدِّمَاءِ وَالْجِرَاحِ وَحَيْثُ تُطْلَبُ الْخَلَوَاتُ وَالْبُعْدُ مِنْ الْعُدُولِ (بِخِلَافِ إنْ سَمِعَهُ أَوْ مَرَّ بِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: حَدِيثُ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ» مَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحَضَرِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ، فَأَمَّا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ سَمِعَهَا أَوْ رَآهَا أَوْ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَلَا رِيبَةَ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ.
(وَلَا سَائِلٍ فِي كَثِيرٍ) اللَّخْمِيِّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْفَقِيرِ الْمُتَكَفِّفِ. قِيلَ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الْيَسِيرِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السُّؤَالِ فِي الْكَثِيرِ مِنْ الْأَمْوَالِ أَوْ شَبَهِهَا (بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسْأَلْ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ يَقْبَلُ الشَّيْءَ مِمَّنْ يُعْطِيه مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ «مَا أَتَاك مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَك اللَّهُ»، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ بَابِ السُّؤَالِ، وَذَكَرَ اللَّخْمِيِّ هَذَا اخْتِيَارًا لِنَفْسِهِ وَابْنُ يُونُسَ أَقْدَمُ (أَوْ يَسْأَلْ الْأَعْيَانَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ سُؤَالًا لِلْإِمَامِ أَوْ الْأَعْيَانِ قُبِلَتْ مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: الْفَقِيرُ الَّذِي
[ ٨ / ١٨٨ ]
لَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ شَهَادَتُهُ فِي الْيَسِيرِ جَائِزَةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي الْكَثِيرِ.
(وَلَا إنْ جَرَّ بِهَا كَعَلَى مُوَرِّثِهِ الْمُحْصَنِ
[ ٨ / ١٨٩ ]
بِالزِّنَا أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ إلَّا الْفَقِيرَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَانِعُ الثَّانِي جَرُّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ لِنَفْسِهِ نَفْعًا لِأَنَّهُ بِهَا مُتَّهَمٌ. فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ عُمَرُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ.
الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: هُوَ الْمُتَّهَمُ الَّذِي يُظَنُّ بِهِ غَيْرُ الصَّلَاحِ. ابْنُ كِنَانَةَ: شَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ مَرْدُودَةٌ وَإِنْ كَانَ مُبْرِزًا فِي الْعَدَالَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَبِيهِمْ بِالزِّنَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يُرْجَمُ لِأَنَّهُمْ يُتَّهَمُونَ عَلَى إرْثِهِ وَيُحَدُّونَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَ الْأَبُ عَدِيمًا جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ إنْ كَانُوا عُدُولًا، وَرُجِمَ الْأَبُ بِشَهَادَتِهِمْ إلَّا إنْ كَانَ مُوسِرًا فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ لِتُهْمَتِهِمْ بِالْمِيرَاثِ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ وَكَذَا إنْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا عَمْدًا.
وَقَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا لِتُهْمَتِهِمْ عَلَى سُقُوطِ نَفَقَتِهِ عَنْهُمْ
[ ٨ / ١٩١ ]
بِرَجْمِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ: قَالَ: قَالَ أَشْهَبُ يُرْجَمُ الْأَبُ بِشَهَادَتِهِمْ إلَّا إنْ كَانَ مُوسِرًا فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ لِتُهْمَتِهِمْ بِالْمِيرَاثِ، قَالَ: وَكَذَا لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا عَمْدًا وَهُوَ مُعْسِرٌ أَيْضًا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الرَّاحَةَ مِنْهُ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: فِي تَسْوِيَةِ أَشْهَبَ بَيْنَ شَهَادَتِهِمْ بِزِنَاهُ وَشَهَادَتِهِمْ بِقَتْلِهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ بِقَتْلِهِ وَاجِبَةٌ إنْ دُعُوا إلَيْهَا، وَمُسْتَحَبَّةٌ إنْ لَمْ يُدْعَوْا، فَوَاجِبٌ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ بِذَلِكَ مَا لَمْ يُتَّهَمُوا عَلَى إرْثِهِ وَالرَّاحَةِ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَشَهَادَتُهُمْ بِزِنَاهُ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالسَّتْرِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى النَّاسِ، فَالصَّوَابُ رَدُّ شَهَادَتِهِمْ بِزِنَاهُ لِأَنَّهَا عُقُوقٌ إلَّا أَنْ يُعْذَرُوا بِجَهْلٍ أَوْ لِأَنَّهُمْ دُعُوا إلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يَقُومَ بِحَدٍّ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ بِالزِّنَا فَسَأَلَ الْقَاذِفُ بَنِيهِ أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ بِزِنَاهُ لِيَسْقُطَ عَنْهُ حَدُّ قَذْفِهِ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي حَمْلُ قَوْلِ أَشْهَبَ.
(أَوْ بِعِتْقِ مَنْ يُتَّهَمُ فِي وَلَائِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا نِسَاءٌ وَالْعَبْدُ يَرْغَبُ فِي وَلَائِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْغَبُ فِي وَلَائِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا نِسَاءٌ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا.
(أَوْ بِدَيْنٍ لِمَدِينِهِ) اُنْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ وَقَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا: وَالْمِدْيَانُ الْمُعْسِرُ لِرَبِّهِ، فَسُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِرَجُلٍ وَلِلشَّاهِدِ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ حَقٌّ جَائِزَةٌ. ابْنُ الْقَاسِمِ: بَلَغَنِي إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ مُوسِرًا قُبِلَتْ وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَهِدَ لِنَفْسِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَا إنْ كَانَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الشَّاهِدِ حَقٌّ إنْ كَانَ مَلِيًّا جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا لَمْ تَجُزْ.
ابْنُ رُشْدٍ: مَا بَلَغَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مُفَسِّرٌ لَمَّا سَمِعَهُ مِنْهُ مُجْمَلًا، وَهَذَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ قَرِيبَ الْحُلُولِ، وَإِنْ بَعُدَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ كَمَا لَوْ كَانَ مَلِيًّا
[ ٨ / ١٩٢ ]
وَشَهَادَتُهُ لَهُ فِيمَا عَدَا الْأَمْوَالِ جَائِزَةٌ.
(بِخِلَافِ الْمُنْفِقِ لِلْمُنْفِقِ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي عِيَالِ الشَّاهِدِ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذْ لَا تُهْمَةَ هُنَا. اُنْظُرْ أَوَّلَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(وَشَهَادَةُ كُلٍّ لِلْآخَرِ وَإِنْ بِالْمَجْلِسِ) سُمِعَ أَبُو زَيْدٍ: إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ عَلَى رَجُلٍ بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا إنْ كَانَا عَدْلَيْنِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا ثَالِثُ الْأَقْوَالِ.
رَاجِعْ الْمَسْأَلَةَ فَفِيهَا طُولٌ.
(وَالْقَافِلَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي حِرَابَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: تَجُوزُ عَلَى الْمُحَارِبِينَ شَهَادَةُ مَنْ حَارَبُوهُ إنْ كَانُوا عُدُولًا إذْ لَا سَبِيلَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، شَهِدُوا بِقَتْلٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَسُمِعَ يَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهُ شَهِدَ مَسْلُوبَانِ أَنَّ هَؤُلَاءِ سَلَبُونَا هَذِهِ الثِّيَابَ وَالدَّوَابَّ وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَيْدِيهِمْ أُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَمْ يَسْتَحِقُّوا الدَّوَابَّ وَالْمَتَاعَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ سِوَاهُمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: فِي صِحَّةِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ وَلَوْ لِأَنْفُسِهِمَا وَرَدُّهَا فِيهِمَا وَلَوْ بِالْمَالِ لِغَيْرِهِمَا، ثَالِثُهَا فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ لِغَيْرِهِمَا لَا لِأَنْفُسِهِمَا، وَرَابِعُهَا لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، رَاجِعْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهَا طَوِيلَةٌ. وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ فِيمَنْ أَوْصَى بِفِدَاءِ مَنْ لَا طَالِبَ لَهُ قَالَ: هَذَا بَابٌ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِشَهَادَةِ مَنْ يَخْتَلِفُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ، فَإِذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ رُضِيَتْ هَدْيُهُ عَمِلَتْ بِهِمْ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: شَهَادَةُ الْأَسْرَى عَلَى التَّوَسُّمِ جَائِزَةٌ لِلضَّرُورَةِ.
وَعَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: رَأَيْنَا مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ يُجِيزُونَ لِلضَّرُورَةِ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الرُّفْقَةِ عَلَى بَعْضٍ إذَا عَرَضَ لَهُمْ خِصَامٌ فِيمَا يَدُورُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْبَيْعِ وَالْكِرَاءِ وَالسَّلَفِ وَالْمُعَامَلَةِ بِتَوَسُّمِ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ كَانُوا مِنْ بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ
[ ٨ / ١٩٣ ]
بُلْدَانٍ شَتَّى، وَلَا تَجْرِيحَ لِلْخَصْمِ فِيهِمْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحُدُودِ وَالْغَصْبِ لِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ لَا شَهَادَةَ فِيهَا إلَّا بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا لِإِصْلَاحِ السُّبُلِ وَرَدْعِ الشِّرَارِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ.:
الْمَصَالِحُ الضَّرُورِيَّةُ كَنَفَقَةِ الْإِنْسَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْحَاجِيَّةِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَالْحَاجِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّمَامِيَّةِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى أَقَارِبِهِ وَالْمَشَقَّةُ مُصْلِحَةٌ وَلَوْ أَفَضْت إلَى مُخَالَفَةِ الْقَوَاعِدِ وَذَلِكَ ضَرُورِيٌّ يُؤَثِّرُ فِي الرُّخَصِ كَالْبَلَدِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ فِيهِ الْعُدُولُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي نَوَادِرِهِ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَمْثَالِهِمْ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ فِي الْقُضَاةِ وَسَائِرِ الْوُلَاةِ.
وَقَالَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ: أَوَّلُ بَدْءِ الْإِنْسَانِ فِي زَمَنِ آدَمَ كَانَ الْحَالُ ضَيِّقًا فَأُبِيحَتْ الْأُخْتُ لِأَخِيهَا، فَلَمَّا اتَّسَعَ الْحَالُ حُرِّمَتْ وَحُرِّمَ السَّبْتُ وَالشُّحُومُ وَالْإِبِلُ، وَفُرِضَتْ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَكَانَتْ التَّوْبَةُ بِقَتْلِ النَّفْسِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِقَطْعِ الثَّوْبِ، فَلَمَّا هَرِمَتْ الدُّنْيَا وَقَلَّ الْجَلَدُ أُحِلَّتْ تِلْكَ الْحُرُمَاتُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ.
(لَا الْمَجْلُوبِينَ إلَّا كَعِشْرِينَ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْحِصْنِ يُفْتَحُ فَيُسْلِمُ أَهْلُهُ فَيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَأَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِأَنْسَابِهِمْ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ حِينَ أَسْلَمَتْ: وَأَمَّا الْعَدَدُ الْقَلِيلُ يَتَحَمَّلُونَ إلَيْنَا فَهَؤُلَاءِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا سِوَاهُمْ مِنْ تُجَّارٍ أَوْ أُسَارَى كَانُوا عِنْدَهُمْ فَيَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْعِشْرُونَ عَدَدٌ كَثِيرٌ. وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا لِابْنِ عَاتٍ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ إذَا شَهِدُوا فِي حَقٍّ لِامْرَأَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ أَنَّهُ يَسْتَكْثِرُ مِنْهُمْ وَيَقْضِي بِشَهَادَتِهِمْ.
وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ هَذَا فِي نَوَازِلِهِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ بِالْقُرَى عَلَى ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ الْبَلَدِ فِيهَا الثَّلَاثُونَ رَجُلًا وَالْأَرْبَعُونَ وَالْأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَقَلُّ وَلَيْسَ فِيهِمْ عَدْلٌ مَشْهُورٌ بِالْعَدَالَةِ وَلَا يَجِدُونَ مَنْ يَعْرِفُهُمْ فَقَالَ: لِكُلِّ قَوْمٍ عُدُولُهُمْ وَلْيَسْتَكْثِرْ مِنْهُمْ مَا اسْتَطَاعَ وَيَقْضِي بِهِمْ، وَانْظُرْ أَنْتَ يَجُوزُ أَنْ يُزَكِّيَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ مَنْ هُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَيَعْدِلُ هَذَا مَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ.
اُنْظُرْهُ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " مِنْ مَعْرُوفٍ إلَّا الْغَرِيبَ ".
(وَلَا مَنْ شَهِدَ لَهُ بِكَثِيرٍ وَلِغَيْرِهِ بِوَصِيَّةٍ وَإِلَّا قُبِلَ لَهُمَا) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِوَصِيَّةٍ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ اضْطِرَابٌ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ
[ ٨ / ١٩٤ ]
فِيمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ فِي ذِكْرِ حَقٍّ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ: لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ عَلَى وَصِيَّةٍ أَوْصَى لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ. هَذَا إنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ فِيهَا شَيْءٌ تَافِهٌ لَا يَتَّهِمُ عَلَيْهِ جَازَتْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُجَازَ الشَّهَادَةُ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ هَلَكَ فَشَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ أَوْصَى لِقَوْمٍ بِوَصَايَا وَأَوْصَى لِلشَّاهِدِ مِنْهَا بِوَصِيَّةٍ وَأَسْنَدَ الْوَصِيَّةَ إلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ يَشْهَدُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ تَافِهًا لَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ. ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيهَا ضَرُورَةٌ أَوْ قَدْ يَخْشَى الْمُوصِي مُعَاجَلَةَ الْمَوْتِ وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا الَّذِي أَوْصَى لَهُ وَلَا ضَرُورَةَ تَلْحَقُهُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْحُقُوقِ، وَكَمَا أَجَازُوا شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ لِلضَّرُورَةِ وَشَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ فَكَذَلِكَ هَذَا.
(وَلَا إنْ دَفَعَ كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ) عَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَدْفَعَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ خَطَأً ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِرَدِّ هَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءٌ وَالْمِقْدَارَ الَّذِي يَلْزَمُ الْغَنِيَّ أَدَاؤُهُ يَسِيرٌ جِدًّا.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ مَقُولٌ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَا أَعْرِفُهُ إلَّا لِلْمَازِرِيِّ وَوَجِيزُ الْغَزَالِيِّ (وَالْمِدْيَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ مَدْيُونٍ لِمَدِينِهِ ".
(وَلَا مُفْتٍ عَلَى مُسْتَفْتِيهِ إنْ كَانَ فِيمَا يُنَوَّى فِيهِ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَاتِ شَهَادَةٌ لَا يَجُوزُ الْقِيَامُ بِهَا وَلَوْ دُعِيَ إلَيْهَا وَهِيَ الَّتِي يُعْلَمُ مِنْ بَاطِنِهَا خِلَافُ مَا يُوجِبُ ظَاهِرَهَا كَالرَّجُلِ يَأْتِي الْعَالِمَ فَيَقُولُ حَلَفْت بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا فَكَلَّمْته بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهْرٍ لِأَنِّي كُنْت نَوَيْت أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إلَى شَهْرٍ، فَإِنْ دَعَتْهُ امْرَأَتُهُ لِيَشْهَدَ لَهَا فِيمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ مَنْ حَلَّفَهُ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ بَعْدَ شَهْرٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِلَّا رَفَعَ.
(وَلَا إنْ شَهِدَ بِاسْتِحْقَاقٍ وَقَالَ أَنَا بِعْته لَهُ وَلَا إنْ حَدَثَ فِسْقٌ بَعْدَ الْأَدَاءِ) الَّذِي لِابْنِ يُونُسَ: إنْ ارْتَدَّ الشُّهُودُ أَوْ فَسَقَوْا قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمْ وَسَقَطَتْ وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ فِسْقٌ أَوْ أُخِذُوا يُشْرِبُونَ خَمْرًا وَذَلِكَ بَعْدَ حُكْمِ الْإِمَامِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ أَوْ الْقِصَاصِ لَا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ بَعْدُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَدُ وَيُقِيمُ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ لِأَنَّهُ حُكْمٌ نَفَذَ الْأَمْرُ بِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِذَا كَتَبَ الْقَاضِي شَهَادَةَ رَجُلٍ وَلَمْ يَحْكُمْ حَتَّى قَتَلَ قَتِيلًا عَلَى نَائِرَةٍ أَوْ
[ ٨ / ١٩٥ ]
قَذَفَ رَجُلًا وَقَاتَلَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَلَا تَسْقُطُ بِهَذَا شَهَادَتُهُ الَّتِي وَقَعَتْ عِنْدَ الْحُكْمِ إلَّا أَنْ يَحْدُثَ مَا يَسْتُرُهُ النَّاسُ مِنْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَتَسْقُطُ شَهَادَتُهُ تِلْكَ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لِأَنَّهُ مِمَّا يَظُنُّ أَنَّهُ فَعَلَهُ قَدِيمًا. وَلَوْ حُكِمَ بِشَهَادَةِ بَيِّنَةٍ فِي حَدٍّ فَلَمْ يُقَمْ حَتَّى ظَهَرَ مِنْهُمْ شُرْبُ الْخَمْرِ أَوْ فِسْقٌ أَوْ ارْتِدَادٌ فَالْحُكْمُ نَافِذٌ لَا يُرَدُّ، وَاذَا لَمْ يُحْكَمْ بِهَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ. وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَهُوَ كَالرُّجُوعِ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ قَاتَلَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَ الشَّهَادَةِ لَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ شَهَادَتَهُمْ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ أَشْهَبُ: إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عِنْدَ قَاضٍ ثُمَّ جَنَتْ أَوْ شَجَّتْ خَطَأً لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهَا، وَإِنْ أَحْدَثَتْ بَعْدَ أَدَائِهَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا بَعْدَ تَعْدِيلِهَا مَا يُمْكِنُ إسْرَارُهُ كَشُرْبِ خَمْرٍ رُدَّتْ شَهَادَتُهَا. مُحَمَّدٌ: مِمَّا يُظَنُّ أَنَّهُ فَعَلَهُ قَدِيمًا وَلَيْسَ مِمَّا يُعْلِنُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إسْرَارُهُ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كَقَتْلٍ عَلَى نَائِرَةٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ قَتْلِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَفِي رَدِّهَا قَوْلَانِ. وَسَمِعَ سَحْنُونَ ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ شَهِدَ وَهُوَ عَدْلٌ فَلَمْ يَحْكُمْ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ خُصُومَةٌ لَمْ تُرَدَّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهَا ابْنُ رُشْدٍ شَيْئًا.
(بِخِلَافِ تُهْمَةِ جَرٍّ وَدَفْعٍ وَعَدَاوَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: التُّهْمَةُ بِالْعَدَاوَةِ تَحْدُثُ وَالظِّنَّةُ تَقَعُ لَا تُؤَثِّرُ فِي إجَازَةِ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ لِذَلِكَ سَبَبٌ قَبْلَ أَدَائِهَا كَمَنْ شَهِدَ لِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُهَا قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ لَهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ خَاصَمَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ لَمْ تَبْطُلْ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّ مَا يُطَالِبُهُ بِهِ قَبْلَ إيقَاعِ الشَّهَادَةِ.
(وَلَا عَالِمٍ عَلَى مِثْلِهِ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: خُذُوا الْعِلْمَ حَيْثُ وَجَدْتُمْ وَلَا تَقْبَلُوا شَهَادَةَ الْفُقَهَاءِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ لِأَنَّهُمْ يَتَغَايَرُونَ كَمَا يَتَغَايَرُ التُّيُوسُ فِي الزَّرِيبَةِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ
[ ٨ / ١٩٦ ]
الْقَارِئِ عَلَى الْقَارِئِ يَعْنِي الْعُلَمَاءَ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ تَحَاسُدًا.
وَقَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى خِلَافِ هَذَا وَشَهَادَةُ ذَوِي الْقَبُولِ مِنْهُمْ مَقْبُولَةٌ بَيْنَهُمْ كَغَيْرِهِمْ. انْتَهَى. وَانْظُرْ كَثِيرًا مَا يَكُونُ هَذَا التَّغَايُرُ فِي خِلَافِهِمْ فِي تَحْقِيقِ الْمُنَاظَرَاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَطِعَ فِيهَا الِاجْتِهَادُ أَبَدًا، فَانْظُرْ كَيْفَ اخْتَلَفَتْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ مَعَ قَبُولِهِمْ حَدِيثَ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا» الْحَدِيثَ.
وَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ لِلْأَوْلِيَاءِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ. ذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ الْمَعَارِجِ أَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إنْكَارُ الْقَوْمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إلَى أَنْ يُكَفِّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْكُمَ بِحَالِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ فِي إحْيَائِهِ: وَلِذَلِكَ تَخْتَلِفُ أَجْوِبَتُهُمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ تَاجِ الدِّينِ: تَنَوَّعَتْ أَجْنَاسُ الْأَعْمَالِ لِتَنَوُّعِ وَارِدَاتِ الْأَحْوَالِ، وَوَارِدَاتُ الْأَحْوَالِ مَا يَرِدُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ الْمَعَارِفِ، فَقَدْ يَكُونُ وَارِدٌ يُرِيدُ قَبْضًا وَآخَرُ يُرِيدُ بَسْطًا أَوْ هِبَةً أَوْ أُنْسًا أَوْ رَجَاءً أَوْ خَوْفًا. وَانْظُرْ قَضِيَّةَ يَحْيَى وَعِيسَى - ﵉ - حِينَ الْتَقَيَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: كَأَنَّك آمِنٌ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْآخَرُ لَهُ: وَأَنْتَ كَأَنَّك آمِنٌ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ. فَتَنَوَّعَ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِمَا لِتَنَوُّعِ وَارِدَاتِ أَحْوَالِهِمَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَادِقٌ بِنِسْبَةٍ، فَبِهَذَا يَجِبُ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْجَمِيعِ وَلَا نَسْمَعُ كَلَامَ الْبَعْضِ فِي الْبَعْضِ لِأَجْلِ غَيْرَتِهِمْ عَلَى الدِّينِ لَا تَحَاسُدِهِمْ.
(وَلَا إنْ أَخَذَ مِنْ الْعُمَّالِ أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُمْ) سَحْنُونَ: مَنْ قَبِلَ الْجَوَائِزَ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، وَمَنْ كَانَتْ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَالْفَلْتَةُ فَغَيْرُ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْخَفِيفَ مِنْ الزَّلَّةِ وَالْفَلْتَةِ لَا يَضُرُّ فِي الْعَدَالَةِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُمْ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا جَوَائِزُ الْخُلَفَاءِ فَجَائِزَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا لِاجْتِمَاعِ الْخَلْقِ عَلَى قَبُولِ الْعَطِيَّةِ مِنْ الْخُلَفَاءِ مِمَّنْ يَرْضَى مِنْهُمْ وَمِمَّنْ لَا يَرْضَى وَمَا يَظْلِمُ فِيهِ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ " قَبُولُهُ مِنْ الْعُمَّالِ جُرْحَةٌ " وَمَعْنَاهُ عِنْدِي عُمَّالُ الْجِبَايَةِ الَّذِينَ إنَّمَا جُعِلَ لَهُمْ قَبْضُ الْأَمْوَالِ وَتَحْصِيلُهَا دُونَ وَضْعِهَا فِي وُجُوهِهَا بِالِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ فَوَّضَ لَهُمْ الْخَلِيفَةُ أَوْ خَلِيفَتُهُ قَبْضَ الْأَمْوَالِ وَصَرْفَهَا فِي وُجُوهِهَا بِاجْتِهَادِهِمْ كَالْحُجَّاجِ وَشَبَهِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الْبِلَادِ الْمُفَوَّضِ جَمِيعَ الْأُمُورِ فِيهَا إلَيْهِمْ فَجَوَائِزُهُمْ كَجَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ.
وَأَمَّا الْقُضَاةُ وَالْأَجْنَادُ وَالْحُكَّامُ فَلَهُمْ أَخْذُ أَرْزَاقِهِمْ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ
[ ٨ / ١٩٧ ]
وَإِنْ كَانَ الْمُجْبَى حَلَالًا لَكِنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي قَسْمِهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجَائِزَةِ مِنْهُمْ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنْ شَابَ الْمُجْبَى حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَالْأَكْثَرُ عَلَى كَرَاهَةِ الْأَخْذِ مِنْهُ، مِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمُجْبَى حَرَامًا فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ أَخْذَ الْجَائِزَةِ وَالرِّزْقِ عَلَى عَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ مِنْهُمْ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ.
اهـ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ. وَاَلَّذِي نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ مَالِكٌ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إنَّ مَنْ بِيَدِهِ مَالٌ حَرَامٌ فَاشْتَرَى بِهِ دَارًا أَوْ ثَوْبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ أَحَدًا، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَشْتَرِيَ أَنْتَ تِلْكَ الدَّارَ أَوْ الثَّوْبَ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِالْمَالِ الْحَرَامِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشُّفْعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْفَعَ فِي الشِّقْصِ الْمُشْتَرَى بِالْمَالِ الْحَرَامِ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي قَبُولِ هِبَةِ هَذَا الْمُشْتَرِي بِالْمَالِ الْحَرَامِ وَمَعَ كَوْنِ مُشْتَرِيه مُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ، فَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ لَمْ تَجُزْ صَدَقَتُهُ وَلَا هِبَتُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَجَازَ قَبُولَ هَذَا الْمُشْتَرَى هِبَةً. ابْنُ سَحْنُونٍ وَابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْعُمَّالُ مَا اشْتَرَوْهُ فِي الْأَسْوَاقِ فَأَهْدَوْهُ لِرَجُلٍ طَابَ لِلْمُهْدَى لَهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَجْهُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْحَرَامَ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ وَالْمُهْدِي فَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ وَالْمَسْئُولُ عَنْهُ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَوْدَعْتَهُ دَنَانِيرَ فَابْتَاعَ بِهَا سِلْعَةً فَلَيْسَ لَك أَخْذُهَا، إنَّمَا لَك أَخْذُ دَنَانِيرِك، وَفِيهَا: إنْ غَصَبَ دَنَانِيرَ فَاشْتَرَى بِهَا شِقْصًا كَانَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِلشَّفِيعِ لِأَنَّهَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ غَرِمَ مِثْلَهَا وَلَمْ يُنْقَضْ الْبَيْعُ، وَانْظُرْ ابْنَ بَطَّالٍ مِنْ الْجَنَائِزِ، وَنُقِلَ عَنْ الطَّبَرِيِّ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِيَدِهِ مَالٌ لَا يَدْرِي مِنْ حَرَامٍ كَسَبَهُ أَوْ مِنْ حَلَالٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَبُولُهُ لِمَنْ أُعْطِيَهُ بَعْدَ أَنْ لَا يَعْلَمَهُ حَرَامًا بِعَيْنِهِ.
قَالَ: وَبِنَحْوِ هَذَا قَالَتْ الْأَئِمَّةُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَمَنْ كَرِهَهُ فَإِنَّمَا رَكِبَ فِي ذَلِكَ طَرِيقَ الْوَرَعِ وَتَجَنُّبِ الشُّبُهَاتِ لِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيِّنًا غَيْرَ مُشْكِلٍ. وَنَحْوُ هَذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ. وَانْظُرْ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ لِأَنَّهُمْ لَا يَمُنُّونَ وَالْإِخْوَانُ يَمُنُّونَ، وَكَانَتْ هَدَايَا الْمُخْتَارِ تَأْتِي ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَرُدُّ عَطَايَاهُمْ إلَّا أَحْمَقُ أَوْ مُرَاءٍ وَهَذَا فِيمَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ الْحَرَامُ بِعَيْنِهِ. اهـ مِنْ التَّمْهِيدِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَسُئِلَ النَّخَعِيُّ عَنْ الرَّجُلِ يَرِثُ الْمِيرَاثَ مِنْهُ الْحَلَالُ وَمِنْهُ الْحَرَامُ قَالَ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إلَّا الْحَرَامُ بِعَيْنِهِ.
وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ: مَنْ عَمِلَ عَمَلَ السُّلْطَانِ فَظَلَمَ النَّاسَ أَوْ كَانَ قَاهِرًا غَاصِبًا أَوْ قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ أَوْ سَارِقًا أَوْ تَاجِرًا عَمِلَ بِالرِّبَا، ثُمَّ مَرِضَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَخَلَّصَ وَأَنَالَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَرَادَ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: أَنَا قَدْ نِلْتُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ
[ ٨ / ١٩٨ ]
جَمِيعِ مَالِي وَلَا أَعْرِفُ أَصْحَابَهُ، فَأَنَا أُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْمَسَاكِينِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إذَا أَبَى وَرَثَتُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَجَازَ لَهُ الثُّلُثُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ اهـ.
وَانْظُرْ آخِرَ الثُّلُثِ الْوَسَطِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي نَفَقَةِ تِبَاعَتِهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ، وَحُكْمُ مَنْ وَجَدَ فِي الْمُشْتَرَى مِنْ الْمَغْنَمِ كُبَّةَ خُيُوطٍ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدَ فِيهَا صَلِيبًا ذَهَبًا يَكُونُ فِيهِ سَبْعُونَ دِينَارًا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ، فَانْظُرْ هَذَا الْفِقْهَ وَالْفِقْهَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الطُّرَرِ هَلْ يَقْتَضِيه قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْمُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ بِالْمَالِ الْحَرَامِ يُعَامَلُ فِيهِمَا بِيَدِهِ بِالْقِيَمِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْعَطِيَّةِ، بَلْ مَنْ تَمَكَّنَ بِشَيْءٍ مِمَّا بِيَدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ فُتْيَا الْمُحَاسِبِ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ حَبْسِ وَدِيعَةٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ فَقَالَ لَهُ: إنْ رَدَدْتَهَا لَهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِمِثْلِهَا عَنْ الْمَسَاكِينِ إنْ لَمْ تَعْرِفْ أَرْبَابَهَا.
وَعَلَى هَذَا لَوْ جَنَى هَذَا الْمُسْتَغْرَقُ الذِّمَّةِ عَلَى دَابَّةِ رَجُلٍ فَقَتَلَهَا أَوْ عَلَى ثَوْبٍ فَأَفْسَدَهُ لَمَا سَاغَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يُغَرِّمَهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ يُدْخِلُ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَاتِهِ نَقْصًا. وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَسُوغُ لِأَجِيرٍ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً فِي خِدْمَتِهِ إيَّاهُ وَلَا لِحَجَّامِ، إجَارَةً فِي حِجَامَتِهِ لِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَتِهِ نَقْصًا، وَلَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ لَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ مُبَايَعَتِهِ، وَعُرِّفَ عِيَاضٌ بِعَبْدِ الْجَبَّارِ الْمَشْهُورِ بِالْوَرَعِ دَفَعَ إلَيْهِ جُنْدِيٌّ فَرَسَهُ فَرَكِبَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: مَا لَكُمْ إمَّا وَرَعٌ نَقَصَ وَإِمَّا عِلْمٌ زَادَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَعَلَّهُ تَصَدَّقَ بِقَدْرِ انْتِفَاعِهِ بِهِ. وَعُرِّفَ عِيَاضٌ بِابْنِ مُجَاهِدٍ الْبِيرِيِّ لَمَّا زَارَ الْجُبَيْرِيُّ بِالزَّهْرَاءِ وَأَكَلَ مَعَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إلَّا مِنْ السُّلْطَانِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ أَمْسَكْتُ عَنْ طَعَامِهِ لَكَانَ جَفَاءً عَلَيْهِ وَقَدْ قَوَّمْتُ مَا أَكَلْتُ وَأَجْمَعْتُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِهِ وَثَوَابُ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ، وَرَأَيْتَ هَذَا أَفْضَلَ مِنْ الشُّهْرَةِ وَالْإِمْسَاكِ عَنْ طَعَامِهِ وَالْجَفَاءِ عَلَيْهِ (بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ) الْمُتَيْطِيُّ: لَا تَسْقُطُ الشَّهَادَةُ
[ ٨ / ١٩٩ ]
بِقَبْضِ جَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ مَنْ يَرْضَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَرْضَى بِخِلَافِ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ فَالْقَبُولُ مِنْهُمْ مُسْقِطٌ لِلشَّهَادَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَكْلُ عِنْدَهُمْ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ الزَّلَّةَ وَالْفَلْتَةَ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ، وَأَمَّا الْمُدْمِنُ الْأَكْلَ عِنْدَهُمْ فَسَاقِطُ الشَّهَادَةِ.
(وَلَا إنْ تَعَصَّبَ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ " (كَالرِّشْوَةِ وَتَلْقِينِ خَصْمٍ) ابْنُ عَاتٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُرْتَشٍ وَلَا مُلَقِّنٍ لِلْخُصُومَةِ فَقِيهًا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُضْرَبُ عَلَى يَدَيْهِ وَيُشَهَّرُ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ وَيُعْرَفُ بِهِ وَيُسَجَّلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ بِقُرْطُبَةَ بِكَبِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ لِمَشُورَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَهُ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ ".
وَسُئِلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ الْهَدِيَّةِ تَأْتِي الْفَقِيهَ عَنْ الْفُتْيَا فَقَالَ: إنْ كَانَ يَنْشَطُ فِي الْفُتْيَا أَهْدَى إلَيْهِ أَوْ لَمْ يُهْدِ إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهَا، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ خُصُومَةٌ وَإِنَّمَا يَسْتَفْتِيهِ فِي شَيْءٍ يَعْرِضُ لَهُ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ لَا يَقْبَلَ هَدِيَّةً مِنْ صَاحِبِ فُتْيَا وَلَا مَسْأَلَةٍ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَيْشُونَةَ، وَكَانَ يَجْعَلُ غَيْرَ ذَلِكَ رِشْوَةً.
وَقَالَ - ﵇ -: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً وَأَهْدَى إلَيْهِ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» وَمِنْ هَذَا انْقِطَاعُ الرَّعِيَّةِ إلَى الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّقِينَ بِالسُّلْطَانِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ فِيمَا دُونَهُمْ لِذَلِكَ.
وَمَا أَهْدَى إلَى الْفَقِيرِ رَجَاءَ الْعَوْنِ عَلَى الْخُصُومَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَبُولُهُ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ، وَكَذَلِكَ إذَا تَنَازَعَ عِنْدَهُ خَصْمَانِ فَأَهْدَيَا إلَيْهِ جَمِيعًا أَوْ أَحَدُهُمَا يَرْجُو أَنْ يُعِينَهُ فِي حُجَّتِهِ عِنْدَ حَكَمٍ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُسْمَعُ مِنْهُ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا شَيْئًا عَلَى ذَلِكَ.
(وَلَعِبٍ بِنَيْرُوزَ) عِبَارَةُ ابْنِ عَاتٍ: يُجْرَحُ الرَّجُلُ بِصَنِيعَةِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ إذْ هُوَ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى لِقَوْلِهِ - ﵇ -
[ ٨ / ٢٠٠ ]
«مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ» .
(وَمَطْلٍ) فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: سَحْنُونَ: مَطْلُ الْغَنِيِّ جُرْحَةٌ لِقَوْلِهِ - ﵇ - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» .
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ بِالْمَطْلِ دُونَ ضَرُورَةٍ جُرْحَةٌ لِأَنَّهُ إذَايَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي مَالِهِ. ابْنُ مُحْرِزٍ: وَرَأْي بَعْضُهُمْ أَنَّ شَهَادَةَ الْبَخِيلِ لَا تُقْبَلُ.
(وَحَلِفٍ بِعِتْقٍ وَطَلَاقٍ) فِي الرِّسَالَةِ: وَيُؤَدَّبُ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَيَلْزَمُهُ. قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَمَنْ لَزِمَ ذَلِكَ وَاعْتَادَهُ فَهُوَ جُرْحَةٌ فِيهِ.
الْمُتَيْطِيُّ: وَاسْتَحْسَنَ مَالِكٌ كِتَابَ هِشَامٍ أَنْ يُضْرَبَ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ، وَكَذَلِكَ الْحَالِفُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَمَنْ تَكَرَّرَ حَلِفُهُ بِذَلِكَ وَعُرِفَ بِهِ كَانَ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ وَإِنْ بَرَّ فِي حَلِفِهِ بِهِ.
(وَبِمَجِيءِ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلَاثًا بِلَا عُذْرٍ) سَحْنُونَ: لَا يَكُونُ
[ ٨ / ٢٠١ ]
عَدْلًا مَنْ أَتَى مَجْلِسَ الْقَاضِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ.
(وَبِتِجَارَةٍ لِأَرْضِ حَرْبٍ) سَحْنُونَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ تَجَرَ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. وَأَجَازَهَا أَبُو صَالِحٍ فِي الْمُخْتَلِفِينَ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ إذَا كَانُوا لَا بَأْسَ بِحَالِهِمْ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: كَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَقُولُ: فِي السَّفَرِ فِي مَرَاكِبِ الرُّومِ نَظَرٌ فِي حَالٍ لِهَذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الصَّلَاحِ يَرْكَبُ مَعَهُمْ.
(وَبِسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ أَوْ مَعَ وَلَدٍ شِرِّيبٍ وَبِوَطْءِ مَنْ لَا تُوطَأُ) سَحْنُونَ: مَنْ وَطِئَ جَارِيَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا أُدِّبَ مُوجَعًا مَعَ طَرْحِ شَهَادَتِهِ إنْ كَانَ عَالِمًا بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَبْلُغْ الْمَحِيضَ وَمِثْلُهَا يُوطَأُ فَكَذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ الْحَمْلُ مَأْمُونًا عَلَيْهَا لَمْ تَسْقُطْ بِهِ شَهَادَتُهُ لِرِوَايَةِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا.
(وَبِالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ) الْأَخَوَانِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رُكُوعِهِ دُونَ عُذْرٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ. ابْنُ كِنَانَةَ: وَلَوْ فِي النَّفْلِ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ إنْ عُلِمَتْ إقَامَتُهُ فِي الْفَرْضِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ (وَبِاقْتِرَاضِهِ حِجَارَةً مِنْ الْمَسْجِدِ) سَحْنُونَ: إذَا تَسَلَّفَ مِنْ حِجَارَةِ الْمَسْجِدِ وَرَدَّ عِوَضَهَا وَقَالَ ظَنَنْتُ أَنَّ هَذَا يَجُوزُ.
(وَعَدَمِ إحْكَامِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالزَّكَاةِ لِمَنْ لَزِمَتْهُ) ابْنُ كِنَانَةَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يُحْكِمُ الْوُضُوءَ، وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ لِسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، وَكَذَا مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ نِصَابِ الْمَالِ وَهُوَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يَكُونُ مِمَّنْ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لَا يَفْتَقِرُ فِي زَكَاتِهِ لِتَحْقِيقِ قَدْرِ النِّصَابِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ إخْرَاجُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَهَذَا فِي الْمَالِ الْعَيْنِ، وَأَمَّا فِي الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ فَلَا (وَبَيْعِ نَرْدٍ وَطُنْبُورٍ) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِدَامَةِ شِطْرَنْجٍ ".
(وَاسْتِحْلَافِ أَبِيهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفَ الْأَبُ لِلِابْنِ فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ شَحَّ الِابْنُ فِي اسْتِحْلَافِ أَبِيهِ أُحْلِفَ لَهُ وَكَانَتْ جُرْحَةً عَلَى الِابْنِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَذَلِكَ عُقُوقٌ إذَا اسْتَحْلَفَهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ حَدًّا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ عُذِرَ بِجَهَالَةٍ أَوْ كَانَ حَقُّهُ حَقًّا.
(وَقُدِحَ فِي الْمُتَوَسِّطِ بِكُلٍّ) اللَّخْمِيِّ: يُسْمَعُ الْجَرْحَ فِي الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا (وَفِي الْمُبَرِّزِ بِعَدَاوَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ وَإِنْ بِدُونِهِ كَغَيْرِهِمَا عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: وَيُسْمَعُ الْجَرْحُ فِي الرَّجُلِ الْمُبَرِّزِ وَالْمَعْرُوفِ بِالْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الْعَدَاوَةِ وَالْهِجْرَةِ أَوْ الْقَرَابَةِ أَوْ مَا أَشْبَهَ
[ ٨ / ٢٠٢ ]
ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْبَلُ فِيهِ الْجَرْحُ مِنْ وَجْهِ الْإِسْفَاهِ؛ فَمَنَعَهُ أَصْبَغُ وَأَجَازَهُ سَحْنُونَ وَقَالَ: يُمَكَّنُ الْخَصْمُ مِنْ تَجْرِيحِ الرَّجُلِ الْبَيِّنِ الْفَضْلِ وَالْمُبَرِّزِ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ جَرْحِهِ بِالْإِسْفَاهِ وَغَيْرِهَا.
وَاخْتُلِفَ بَعْدَ الْقَوْلِ بِقَبُولِ تَجْرِيحِهِ وَيُقْبَلُ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدِهَا لِسَحْنُونٍ، وَالثَّانِي لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَالثَّالِثِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالرَّابِعِ لِمُطَرِّفٍ قَالَ: يُجَرَّحُ الشَّاهِدُ بِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَفَوْقَهُ وَدُونَهُ بِالْإِسْفَاهِ وَالْعَدَاوَةِ. اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّ الْجَرْحَ مِمَّا يَكْتُمُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ وَهِيَ بِشَهَادَةٍ وَعِلْمٍ عِنْدَهُ يُؤَدِّيهِ مِثْلَ سَائِرِ الشَّهَادَاتِ.
وَالِاسْتِحْسَانُ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ لَيْسَ بِالْمُبَرِّزِ قَبْلَ جَرْحِهِ مِنْ عَدْلٍ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ هَلْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ مُبَرِّزًا قُبِلَ مِنْ مُبَرِّزٍ كَانَ أَيْضًا مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ، وَلْيُسْأَلْ الْمُجَرِّحُ بِمَاذَا يُجَرِّحُهُ؛ فَإِنْ ذَكَرَ وَجْهًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَنْفَرِدَ ذَلِكَ بِمَعْرِفَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْفَى مِثْلُهُ قُبِلَ مِنْ مُجَرِّحِهِ وَجَازَ ذَلِكَ.
(وَزَوَالِ الْعَدَاوَةِ وَالْفِسْقِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بِلَا حَدٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: جُرْحَةُ الْفِسْقِ تَزُولُ بِالتَّوْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْفِقْهِ.
الْمَازِرِيُّ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ ثَبَتَ إنَّمَا تُقْبَلُ بِدَلَالَةِ حَالِهِ وَالْقَرَائِنِ عَلَى صِدْقِهِ مَعَ اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْعَدَالَةِ، وَلَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ وَوَقَّتَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالتَّحْقِيقُ مَا قُلْنَاهُ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَزَوَالُ الْعَدَاوَةِ كَالْفِسْقِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا لِغَيْرِهِ. رَاجِعْهُ فِيهِ.
(وَمَنْ امْتَنَعَتْ لَهُ لَمْ يُزَكِّ شَاهِدَهُ وَيُجَرِّحْ شَاهِدًا عَلَيْهِ وَمَنْ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ فَالْعَكْسُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَنْ امْتَنَعَتْ لَهُ امْتَنَعَتْ فِي تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ وَتَجْرِيحِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، وَمَنْ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ امْتَنَعَتْ فِي الْعَكْسِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: أَقَلُّ مِنْ شَطْرِ عَدَدِ كَلِمَاتِهِ التَّزْكِيَةُ فِي شَيْءٍ بِهِ كَشَهَادَتِهِ بِهِ وَالتَّجْرِيحُ فِيهِ كَشَهَادَةٍ بِنَقِيضِهِ عِلَّةُ الْجَمِيعِ جَرُّ نَفْعٍ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ (إلَّا الصِّبْيَانَ) قَالَ الْمُقْرِي: كُلُّ مَنْ لَيْسَ بِحُرٍّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ مُسْتَعْمَلٍ لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلَّا بَعْضِ ذُكُورِ صِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ الذُّكُورِ فِي جِرَاحِهِمْ الْمَذْهَبُ صِحَّتُهَا وَشَرَطَ الْقَاضِي أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَعْقِلُ الشَّهَادَةَ. ابْنُ عَرَفَةَ: لِقَوْلِهَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا يُقَارِبُهَا (لَا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ) اللَّخْمِيِّ: فِي إلْحَاقِ النِّسَاءِ بِالصِّبْيَانِ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُنَّ مِنْ الْجِرَاحِ فِي الْمَآتِمِ وَالْعُرْسِ وَالْحَمَّامِ، نَقَلَ الْجَلَّابُ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: وَلَوْ لَمْ تَكُونَا عَدْلَتَيْنِ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَحْضُرُهُ الْعُدُولُ وَأَرَى أَنْ يُقْسِمَ مَعَهُمَا فِي الْقَتْلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْجَلَّابِ أَنَّ الْمَذْهَبَ سُقُوطُهَا (فِي جَرْحٍ أَوْ قَتْلٍ) ابْنُ سَحْنُونٍ: قُلْت لِسَحْنُونٍ: لِمَ أَجَزْتَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ بَيْنَهُمْ فِي الْجِرَاحِ وَلَمْ تُجِزْهَا فِي الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ؟ قَالَ: لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّ الْحُقُوقَ يَحْضُرُهَا الْكِبَارُ. قُلْت: فَيَلْزَمُك أَنْ تُجِيزَهَا فِي غَصْبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. قَالَ: هَذَا مَوْضِعُ اتِّبَاعِ الْمَاضِينَ وَلَا وَجْهَ لِلْقِيَاسِ فِيمَا هُوَ سُنَّةٌ أَوْ كَالسُّنَّةِ (وَالشَّاهِدُ حُرٌّ) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الصِّبْيَانُ الْمَمَالِيكُ وَلَا أَحْفَظُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافًا أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا
[ ٨ / ٢٠٣ ]
تَجُوزُ وَكَذَا صِبْيَانُ أَهْلِ الذِّمَّةِ (مُمَيِّزٌ) تَقَدَّمَ شَرْطُ الْقَاضِي هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ " لَا نِسَاءً " (ذَكَرٌ تَعَدَّدَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ فَأَكْثَرَ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ. وَلَا تَجُوزُ أَيْضًا شَهَادَةُ الْإِنَاثِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَإِنْ كَثُرْنَ (لَيْسَ بِعَدُوٍّ وَلَا قَرِيبٍ) ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ لِقَرِيبٍ وَلَا لِعَدُوٍّ مِنْهُمْ إذَا ثَبَتَتْ الْعَدَاوَةُ.
مُحَمَّدٌ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَى عَدَالَةٍ وَلَا إلَى جُرْحَةٍ فِيهِمْ (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ) ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَوْ شَهِدَ صَبِيَّانِ أَنَّ صَبِيًّا قَتَلَ صَبِيًّا وَشَهِدَ آخَرُ أَنْ لَيْسَ مِنْهُمَا الْقَاتِلُ وَأَنَّ دَابَّةً أَصَابَتْهُ جُبَارًا قَالَ: تَمْضِي شَهَادَةُ الصَّبِيَّيْنِ عَلَى الْقَتْلِ.
وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ: هَذَا اخْتِلَافٌ يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَتِهِمْ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ " قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ " وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْقِينِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ فَتُقْبَلُ عَلَى شُرُوطٍ تِسْعَةٍ مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمْ مُتَّفِقَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ خَاصَّةً لَا لِكَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ وَلَا لِصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ وَفُرْقَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ مَا لَمْ يَفْتَرِقُوا أَوْ يُخَبِّبُوا. مُحَمَّدٌ: أَوْ يَدْخُلْ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ. الْبَاجِيُّ: التَّخْبِيبُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يُلَقِّنَهُمْ. ابْن فَتُّوحٍ: مَعْنَى يُخَبَّبُ أَيْ يُعَلَّمُوا (إلَّا أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا قَيَّدْت شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ بِالْعُدُولِ لَمْ يُبْطِلْهَا رُجُوعُهُمْ إلَّا أَنْ يَتَرَاخَى الْحُكْمُ حَتَّى يَكْبَرُوا وَيَعْدِلُوا فَيُؤْخَذُوا بِرُجُوعِهِمْ إذَا أَيْقَنُوا أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالْبَاطِلِ، وَقَالَ نَحْوَهُ سَحْنُونَ (وَلَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ أَوْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ التَّلْقِينِ بِهَذَا فَانْظُرْهُ مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ لِابْنِ يُونُسَ.
قَالَ مَا نَصَّهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا دَخَلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ شَاهِدٌ أَوْ مَشْهُودٌ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ الصِّغَارِ لِأَنَّ الْكَبِيرَ يُعَلِّمُهُمْ إلَّا كَبِيرَ مَقْتُولٍ لَمْ يَبْقَ حَتَّى يُعَلِّمَهُمْ (وَلَا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ) قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ " لَمْ يُبْطِلْهَا رُجُوعُهُمْ " (وَلَا تَجْرِيحُهُمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ مُحَمَّدٍ " لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى عَدَالَةٍ
[ ٨ / ٢٠٤ ]
وَلَا إلَى جُرْحَةٍ فِي الصِّبْيَانِ "
(وَلِلزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ بَيِّنَةِ الزِّنَا كَوْنُهَا أَرْبَعَةً بِنَصِّ التَّنْزِيلِ وَحُكْمِ عُمَرَ. الْمَازِرِيُّ: وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ: وَالشَّهَادَةُ فِي اللِّوَاطِ كَالزِّنَا. (بِوَقْتٍ وَرُؤْيَةٍ اتَّحَدَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَجْهُ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا أَنْ يَأْتِيَ الْأَرْبَعَةُ الشُّهَدَاءُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَشْهَدُونَ عَلَى وَطْءِ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِهَذَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ (وَفُرِّقُوا فَقَطْ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكْشِفَ الشُّهُودُ بِالزِّنَا عَنْ شَهَادَتِهِمْ كَيْفَ رَأَوْهُ وَكَيْفَ صَنَعَ، فَإِنْ رَأَى فِي شَهَادَتِهِمْ مَا يُبْطِلُهَا أَبْطَلَهَا.
وَفِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ الشُّهُودِ لَا يُفَرَّقُونَ وَلَا يُسْأَلُونَ إنْ كَانُوا عُدُولًا إلَّا فِي الزِّنَا فَإِنَّهُمْ يُفَرَّقُونَ وَيُسْأَلُونَ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا. مَالِكٌ: لَا تَتِمُّ شَهَادَتُهُمْ حَتَّى يَقُولُوا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ. الْغَزَالِيُّ: وَنِيطَ الزِّنَا بِهَذَا وَهَذَا قَطُّ لَا يَتَّفِقُ فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ
[ ٨ / ٢٠٦ ]
عَلَى طَلَبِ الشَّرْعِ لِسَتْرِ الْفَوَاحِشِ، فَانْظُرْ إلَى الْحِكْمَةِ فِي جَرْحِهِمْ فِي بَابِ الْفَاحِشَةِ بِإِيجَابِ الرَّجْمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْعُقُوبَاتِ، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى كَشْفِ سِتْرِ اللَّهِ كَيْفَ أَسْبَلَهُ عَلَى الْعُصَاةِ بِتَضْيِيقِ الطَّرِيقِ فِي كَشْفِهِ فَنَرْجُو مِنْ اللَّهِ أَنْ لَا نُحْرَمَ هَذَا مِنْ هَذَا الْكَرَمِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (وَلِكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قِيلَ: إنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ إلَيْهِمَا لِنُثْبِتَ الشَّهَادَةَ قَالَ: كَيْفَ يَشْهَدُ الشُّهُودُ إلَّا هَكَذَا.
وَنَاقَضَ هَذَا ابْنُ هَارُونَ بِعَدَمِ إجَازَتِهِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي عُيُوبِ الْفَرْجِ، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ وَهِيَ بِكْرٌ أَنَّهَا تُصَدَّقُ وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ.
قَالَ الْقَرَوِيُّونَ: ذَلِكَ مُشْكِلٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُرَدُّ هَذَا بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ الْحَدُّ حَقٌّ لِلَّهِ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ وَحَقُّ اللَّهِ آكَدُ لِقَوْلِهَا: مَنْ سَرَقَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا قُطِعَ لِلسَّرِقَةِ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ.
الثَّانِي مَا لِأَجْلِهِ نَظَرٌ وَهُوَ الزِّنَا مُحَقَّقُ الْوُجُودِ أَوْ رَاجِحُهُ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ مُحْتَمَلٌ عَلَى السَّوِيَّةِ.
الثَّالِثُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِي الزِّنَا مَغِيبُ الْحَشَفَةِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ النَّظَرُ إلَى الْعَيْبِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ لَمْ يَكُنْ
[ ٨ / ٢٠٧ ]
هَذَا الزَّانِي مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ فَفِي تَعَمُّدِ النَّظَرِ إلَيْهِمَا نَظَرٌ، يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا يَكْشِفُونَ وَلَا تَتَحَقَّقُ عَلَيْهِمْ الشَّهَادَةُ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ لَا يُبَلِّغُوا الشَّهَادَةَ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِيَتَعَمَّدْ النَّظَرَ خَوْفَ أَنْ يَحِدُّوا قَاذِفَهُ وَلَكِنَّ السَّتْرَ أَوْلَى لِأَنَّ مُرَاعَاةَ قَذْفِهِ نَادِرٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَلِقَوْلِهَا مَنْ قَذَفَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى حَلَالٌ لَهُ الْقِيَامُ بِحَدِّ مَنْ قَذَفَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَهَذَا كُلُّهُ إنْ عَجَزَ الشُّهُودُ عَنْ مَنْعِ الْفَاعِلَيْنِ إتْمَامَ مَا ابْتَدَآهُ مِنْ الْفِعْلِ، وَلَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فَلَمْ يَفْعَلُوا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِعِصْيَانِهِمْ بِعَدَمِ تَغْيِيرِ هَذَا الْمُنْكَرِ. (وَنُدِبَ سُؤَالُهُمْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الشُّهُودِ فِي الزِّنَا: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَيْفَ رَأَوْهُ وَكَيْفَ صَنَعَ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْرَأُ بِهِ الْحَدَّ دَرَأَهُ. مُحَمَّدٌ: فَإِنْ غَابُوا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ غَيْبَةً بَعِيدَةً أَوْ مَاتُوا أَقَامَ الْحَدَّ بِشَهَادَتِهِمْ (كَالسَّرِقَةِ مَا هِيَ وَكَيْفَ أُخِذَتْ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ الشُّهُودَ بِالسَّرِقَةِ مَا
[ ٨ / ٢٠٨ ]
هِيَ وَكَيْفَ أَخَذَهَا وَمِنْ أَيْنَ وَإِلَى أَيْنَ.
[بَاب الشَّهَادَات فِي الْعَدَد وَالذُّكُورَة]
(وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ كَعِتْقٍ وَكِتَابَةٍ وَرَجْعَةٍ عَدْلَانِ) ابْنُ شَاسٍ: الشَّهَادَاتُ فِي الْعَدَدِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَرَاتِبَ: أَعْلَاهَا بَيِّنَةُ الزِّنَا عَدَدُهَا أَرْبَعَةٌ، الثَّانِيَةُ مَا عَدَا الزِّنَا مِمَّا لَيْسَ بِمَا وَلَا يَئُولُ إلَى مَالٍ كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْوَلَاءِ وَالْعِدَّةِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَثُبُوتِهِ فِي النَّفْسِ وَالْإِطْرَافُ فِيهَا عَلَى خِلَافٍ فِيهَا وَثُبُوتِ النَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَشَبَهِ ذَلِكَ، شَرْطُ ذَلِكَ كُلِّهِ الْعَدْلُ وَالذُّكُورِيَّةُ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَلَا تَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
اُنْظُرْ فِي الرِّسَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَمِائَةُ امْرَأَةٍ كَامْرَأَتَيْنِ " قَالَ شَارِحُهَا: اُنْظُرْ لَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ لِلْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ جَمَاعَةِ النِّسْوَةِ قَالَ اللَّخْمِيِّ: يَخْرُجُ هَذَا عَلَى بَابِ الشَّهَادَةِ وَيُكْتَفَى بِهِنَّ.
وَقَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ (وَإِلَّا فَعَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ) ابْنُ شَاسٍ: الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ الْأَمْوَالُ وَحُقُوقُهَا كَالْأَجَلِ وَالْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ وَالْإِجَارَةِ وَقَتْلِ الْخَطَأِ وَكُلِّ جُرْحٍ لَا يُوجِبُ إلَّا الْمَالَ فَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ،
[ ٨ / ٢٠٩ ]
وَكَذَا فَسْخُ الْعُقُودِ وَقَبْضُ نُجُومِ الْكِتَابَةِ حَتَّى النَّجْمَ الْأَخِيرَ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَا مُتَعَلَّقُهُ مَالٌ أَوْ آيِلٌ إلَيْهِ تَتِمُّ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمِنْ ذَلِكَ الْوَكَالَةُ بِالْمَالِ أَوْ الْوَصِيَّةُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (أَوْ أَحَدُهُمَا بِيَمِينٍ) ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَا جَازَ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ جَازَ فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ مَعَ الْيَمِينِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَحْلِفُ الطَّالِبُ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ وَيُقْضَى بِهِ لَهُ (كَأَجَلٍ وَخِيَارٍ وَشُفْعَةٍ وَإِجَارَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا.
(وَجُرْحِ خَطَأٍ أَوْ مَالٍ) اُنْظُرْ هَذَا التَّخْصِيصَ وَهُوَ قَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا " أَوْ قِصَاصٍ فِي جُرْحٍ ".
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي جِرَاحِ الْخَطَأِ وَقَتْلِ الْخَطَأِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ، وَإِنْ شَهِدَ مَعَ رَجُلٍ عَلَى مُنَقِّلَةٍ عَمْدًا أَوْ مَأْمُومَةٍ عَمْدًا جَازَتْ شَهَادَتُهُنَّ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِيهِمَا إنَّمَا هُوَ مَالٌ. مُطَرِّفٌ: قَوْلُ مَالِكٍ " يَجُوزُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فِي الْحُقُوقِ وَالْجِرَاحِ عَمْدُهَا وَخَطَؤُهَا وَفِي الْمُشَاتَمَةِ عَدَا الْحُدُودِ وَالْفِرْيَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ " قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي جَرْحِ الْعَمْدِ يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ؟ قَالَ: قَدْ كَلَّمْت مَالِكًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ شَيْءٌ اسْتَحْسَنَّاهُ وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا.
(وَأَدَاءِ كِتَابَةٍ) قَالَ مَالِكٌ فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا يُؤَدِّي إلَى طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَنَقْضِ عِتْقٍ وَحْدَهُنَّ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدْنَ عَلَى شِرَاءِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فَيَحْلِفُ وَتَصِيرُ مِلْكًا لَهُ فَيَجِبُ بِذَلِكَ الْفِرَاقُ أَوْ عَلَى أَدَاءِ كِتَابَةِ مُكَاتَبٍ فَيَحْلِفُ وَيَتِمُّ عِتْقُهُ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَوْ يَشْهَدْنَ بَعْدَ عِتْقِهِ أَنَّ سَيِّدَهُ كَانَ بَاعَهُ مِنْ فُلَانٍ فَيَحْلِفُ وَيَرُدُّ عِتْقَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَدَيْنٍ مُتَقَدِّمٍ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ عَلَى مِدْيَانٍ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَيَحْلِفُ وَيَرُدُّ الْعِتْقَ.
قَالَ مَالِكٌ: أَوْ يُقِيمُ الْقَاذِفُ شَاهِدًا أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَنَّ الْمَقْذُوفَ عَبْدٌ فَيَزُولُ الْحَدُّ.
(وَإِيصَاءٍ بِتَصَرُّفٍ فِيهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْوَصِيَّةِ مَعَ يَمِينِ الْمُوصَى لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِتْقٌ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا شَهِدَ النِّسَاءُ لِرَجُلٍ أَنَّ فُلَانًا أَوْصَى لَهُ بِكَذَا جَازَتْ شَهَادَتُهُنَّ بِذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ. ابْنُ شَاسٍ:
[ ٨ / ٢١٠ ]
أَجَازَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ جَوَازَ إسْنَادِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إلَّا الْمَالُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
(أَوْ بِأَنَّهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ) اُنْظُرْ بَنَى هَذَا عَلَى قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى حُكْمِ قَاضٍ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي مَالٍ حَلَفَ الطَّالِبُ مَعَ شَاهِدِهِ وَثَبَتَ لَهُ الْقَضَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَجُوزُ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ عَلَى حُكْمِ قَاضٍ وَإِنْ كَانَ بِمَالٍ، فَانْظُرْ أَنْتَ فِي هَذَا (كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ " قَدْ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ ".
اُنْظُرْهُ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَإِيصَاءٍ " (وَتَقَدُّمِ دَيْنٍ عِتْقًا
[ ٨ / ٢١١ ]
وَقِصَاصٍ فِي جَرْحٍ) مُضَمَّنُ هَذَا أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجَرْحِ يَثْبُتُ بِعَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَعَ يَمِينِ الْمَجْرُوحِ فَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ. ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَثْبُتُ الْقِصَاصُ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ قِصَاصٌ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ سَحْنُونَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَثَبَتَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ وَلَا يُعْجِبُنِي. وَأَصْلُهَا أَنَّهَا تَجُوزُ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ.
قِيلَ لِسَحْنُونٍ: فَأَنْتَ تُجِيزُ الشَّاهِدَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مَعَ الْقَسَامَةِ وَلَا تُجِيزُ فِيهِ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ الْقَسَامَةِ. قَالَ: لَا يُشْبِهُهُ هَذِهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَالْقَسَامَةُ خَمْسُونَ يَمِينًا. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَفِي الْقَطْعِ حَلِفُ الْمَقْطُوعِ ". اُنْظُرْ قَدْ نَصُّوا أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي قَامَ مَالِكٌ فِيهَا بِرَأْيِهِ وَلَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ.
الثَّانِي فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْ الْإِبْهَامِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، الثَّالِثُ الشُّفْعَةُ فِي الثِّمَارِ، الرَّابِعُ الشُّفْعَةُ فِي الْأَنْقَاضِ.
(وَبِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ امْرَأَتَانِ كَوِلَادَةٍ وَعَيْبٍ فِي فَرْجٍ وَاسْتِهْلَالٍ وَحَيْضٍ وَنِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتٍ أَوْ سَبْقِيَّتِهِ أَوْ مَوْتٍ وَلَا زَوْجَةَ وَلَا مُدَبَّرَ وَنَحْوَهُ) أَمَّا أَنَّ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ كَافِيَةٌ فِي الْوِلَادَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَالْحَيْضِ فَبَيِّنٌ.
وَزَادَ ابْنُ شَاسٍ الرَّضَاعَ فَقَالَ: أَمَّا مَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَالْوِلَادَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ وَالرَّضَاعِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِطُ فِيهِ الْعَدَدَ فَحَسْبُ وَيَقُومُ النِّسَاءُ مَقَامَ الرِّجَالِ فَيَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِهْلَالُ وَالْحَيْضُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٍ: يَجُوزُ الِاسْتِهْلَالُ وَالْوِلَادَةُ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ عَدْلَتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَجُوزُ فِي الرَّضَاعِ وَعُيُوبِ الْفَرْجِ وَمَعْرِفَةِ حَيْضٍ وَجَسِّ حَمْلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ شَيْءٍ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ امْرَأَتَيْنِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِنِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتٍ فَلَيْسَتْ بِكَافِيَةٍ، فَهَذَا الْفَرْعُ كَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِلَّا فَعَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ ".
قَالَ اللَّخْمِيِّ: مِنْ الشَّهَادَاتِ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَيُسْتَحَقُّ بِهِ مَالٌ أَنْ يَشْهَدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِنِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ أَوْ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَهُ أَوْ عَلَى نَسَبٍ أَنَّ هَذَا ابْنُ الْمَيِّتِ أَوْ أَخُوهُ، فَالشَّهَادَةُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ صَحِيحَةٌ. وَأَمَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِسَبْقِيَّةِ مَوْتِ أَحَدِ الْمُتَوَارِثِينَ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْمَرْأَةِ تَلِدُ ثُمَّ تَهْلِكُ هِيَ وَوَلَدُهَا فِي سَاعَةٍ عَلَى أَيِّهِمَا مَاتَ أَوَّلًا فَجَائِزَةٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّهَا عَلَى مَا لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَالِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِمَوْتٍ وَلَا زَوْجَةَ وَلَا مُدَبَّرَ وَنَحْوَهُ فَلَيْسَتْ أَيْضًا كَشَهَادَتِهِنَّ بِالِاسْتِهْلَالِ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا مَاتَ رَجُلٌ فَشَهِدَ عَلَى مَوْتِهِ امْرَأَتَانِ
[ ٨ / ٢١٢ ]
وَرَجُلٌ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَا أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ وَلَا لَهُ مُدَبَّرٌ وَلَمْ يَكُنْ إلَّا مَا لَا يُقَسَّمُ، فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ جَائِزَةٌ.
(وَثَبَتَ الْإِرْثُ وَالنَّسَبُ لَهُ وَعَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ) لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " وَلِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ امْرَأَتَانِ ". وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: مَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَوِلَادَةٍ يَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَثْبُتُ الْمِيرَاثُ وَالنَّسَبُ لَهُ وَعَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَمْ يَتَعَرَّضْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِشَرْحِ هَذَا، وَقَرَّرَهُ ابْنُ هَارُونَ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ أَنْ تَشْهَدَ امْرَأَتَانِ بِوِلَادَةِ أَمَةٍ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِوَطْئِهَا وَأَنْكَرَ الْوِلَادَةَ، فَإِنَّ نَسَبَ الْوِلَادَةِ لَاحِقٌ بِهِ، وَكَذَا مُوَارَثَتُهُ إيَّاهُ لَهُ وَعَلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِثْلُ هَذَا هُوَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ ادَّعَتْ الْأَمَةُ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَأَنْكَرَ لَمْ أُحَلِّفْهُ لَهَا إلَّا أَنْ تُقِيمَ رَجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى إقْرَارِ السَّيِّدِ بِالْوَطْءِ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى الْوِلَادَةِ فَتَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ وَيَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ، فَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا عَلَى إقْرَارِهِ بِالْوَطْءِ أَوْ امْرَأَةً عَلَى الْوِلَادَةِ أُحَلِّفُهُ.
(وَالْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ) هَذَا الْفَرْعُ رَاجِعٌ لَمَّا يَئُولُ لِلْمَالِ فَيَكْفِي فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ بِالسَّرِقَةِ لَمْ يُقْطَعْ وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ الْمَتَاعَ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ مَتَاعَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ ضَمِنَ الْمَالَ وَلَمْ يُقْطَعْ كَمَا لَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ الْقَاتِلُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَلَكِنْ يَكُونُ جِنَايَةً فِي رَقَبَتِهِ.
(كَقَتْلِ عَبْدٍ آخَرَ) هَذَا مِثْلُ الْفَرْعِ قَبْلَهُ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ عَبْدَ فُلَانٍ قَتَلَ عَبْدَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدًا وَيَسْتَحِقُّ الْعَبْدَ، وَلَا يَقْتُلُهُ إنْ كَانَ عَمْدًا وَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَعْدَ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ الْمَقْتُولِ أَوْ يُسَلِّمَ عَبْدَهُ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ لَمْ يُقْتَلْ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَلَا قَسَامَةَ فِي الْعَبْدِ. سَحْنُونَ: وَكُلُّ مَا جَازَ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ جَازَتْ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ قَتَلَ عَبْدًا عَمْدًا ".
(وَحِيلَتْ أَمَةٌ مُطْلَقًا كَغَيْرِهِمَا إنْ طُلِبَتْ بِعَدْلٍ أَوْ اثْنَيْنِ يُزَكَّيَانِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا فَطُولِبَ بِالتَّزْكِيَةِ أُجِيبَ إلَى الْحَيْلُولَةِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ قَبْضِ أُجْرَةِ الْعَقَارِ وَتُحَالُ الْأَمَةُ.
وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا عَلَيْهَا وَمَا يَفْسُدُ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ قَالُوا: يُبَاعُ إنْ كَانَ شَاهِدًا وَيَسْتَحْلِفُ وَيُخَلَّى إنْ كَانَ شَاهِدًا. ابْنُ عَرَفَةَ: الْحَيْلُولَةُ بِإِقَامَةِ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ هُوَ نَقْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَكَذَا قَبْلَ تَعْدِيلِهِمَا وَهِيَ قَوْلُهَا إنْ كَانَ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ بِإِذْنِ الْقَاضِي فَنُظِرَ فِي تَعْدِيلِهِمَا أَوْ خَافَ عَلَى الْمُدَّعِي فِيهِ الْفَسَادَ أَمَرَ أَمِينًا فَبَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، وَفِي الْحَيْلُولَةِ بِإِقَامَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ عَدْلٍ خِلَافٌ.
ابْنُ سَهْلٍ: اُخْتُلِفَ فِي الْعُقْلَةِ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ وَاحِدٍ؛ فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ: يَجِبُ الْعَقْلُ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فِي الدُّورِ بِالْإِقْفَالِ لَهَا، وَفِي الْأَرْضِ بِمَنْعِ حَرْثِهَا.
وَعَنْ ابْنِ لُبَابَةَ: لَا تَجِبُ الْعُقْلَةُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ: هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ، لَا تَجِبُ الْعُقْلَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ لَكِنَّهُ يُمْنَعُ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُحْدِثَ فِي
[ ٨ / ٢١٣ ]
الْعَقَارِ بِنَاءً أَوْ بَيْعًا أَوْ شَبَهَ ذَلِكَ بِالْعَدْلِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ يَدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتُحَالُ الْأَمَةُ وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا عَلَيْهَا. وَقِيلَ: تُحَالُ الرَّائِعَةُ مُطْلَقًا.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ حَمَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ ادَّعَى مُدَّعٍ مِلْكَهَا إلَّا أَنَّهَا ادَّعَتْ الْحُرِّيَّةَ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ. وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى لِمَنْ يَدَّعِي مِلْكَهَا لَمْ تَجِبْ الْحَيْلُولَةُ إلَّا بِطَلَبِهِ. هَذَا تَحْقِيقُ النَّقْلِ وَإِنْ كَانَ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ. وَلِابْنِ رُشْدٍ: إنْ ادَّعَتْ الْجَارِيَةُ أَوْ الْعَبْدُ الْحُرِّيَّةَ فَإِنْ سَبَّبَا لِذَلِكَ سَبَبًا مِنْ بَيِّنَةٍ كَإِشْهَادِ الْعُدُولِ أَوْ الشُّهُودِ غَيْرِ الْعُدُولِ وُقِفَ السَّيِّدُ عَنْ الْجَارِيَةِ وَأُمِرَ بِالْكَفِّ عَنْ وَطْئِهَا إنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا وُضِعَتْ عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ. وَإِنْ لَمْ يُسَبِّبْ لَهُ لِذَلِكَ سَبَبًا مِنْ بَيِّنَةٍ وَلَمْ يَأْتِيَا بِسِوَى الدَّعْوَى، فَإِنْ ادَّعَيَا لِذَلِكَ وَجْهًا يُشْبِهُ وَيُعْرَفُ كَادِّعَائِهِمَا أَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ بَلَدٍ عُرِفَ وَإِلَيْهِ بِالتَّعَسُّفِ عَلَى أَهْلِ ذِمَّةِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَبَيْعِهِ لَهُمْ أَوْ يُنْسَبَا إلَى قَوْمٍ مَعْرُوفِينَ وَيَأْتِيَا عَلَى ذَلِكَ بِأَمَارَةٍ مَعْرُوفَةٍ وَكَانَ مَوْضِعُ بَيِّنَتِهِمَا قَرِيبًا، أَخَذَ الْإِمَامُ مِنْ رَبِّهِمَا حَمِيلًا أَنْ لَا يَخْرُجَ بِهِمَا وَلَا يَفُوتُهُمَا وَيَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَا ادَّعَيَاهُ وَجْهٌ يُعْرَفُ وَالْمَوْضِعُ بَعِيدٌ لَمْ يَلْزَمْ رَبَّهَا شَيْءٌ، وَاخْتُلِفَ إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ قَرِيبًا.
رَاجِعْ رَسْمَ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ
[ ٨ / ٢١٤ ]
الِاسْتِحْقَاقِ.
(وَبِيعَ مَا يَفْسُدُ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ مَعَهُمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِيمَا يَفْسُدُ مِنْ اللَّحْمِ وَرَطْبِ الْفَوَاكِهِ وَأَقَامَ الطَّالِبُ شَاهِدَيْنِ فَأَوْقَفَ الْقَاضِي ذَلِكَ الشَّيْءَ لِيَكْشِفَ عَنْهُمَا، فَإِنْ خَافَ فَسَادًا بَاعَهُ وَأَوْقَفَ ثَمَنَهُ، فَإِنْ ضَاعَ ثَمَنُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ كَانَ مِمَّنْ قَضَى لَهُ بِهِ (بِخِلَافِ الْعَدْلِ فَيَحْلِفُ وَيَبْقَى بِيَدِهِ) هَذِهِ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِيمَا يَفْسُدُ وَقَدْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى الْحَقِّ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَادَّعَى بَيِّنَةً قَرِيبَةً أَجَّلَهُ الْقَاضِي بِإِحْضَارِ شَاهِدٍ ثَانٍ مَا لَمْ يَخَفْ فَسَادَ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
عِيَاضٌ: قَوْلُهُ " وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ " إنْ أَرَادَ لَا أَحْلِفُ مَعَهُ الْآنَ لِأَنِّي أَرْجُو شَاهِدًا آخَرَ بِيعَ حِينَئِذٍ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ إنْ خَشِيَ فَسَادَهُ وَلَيْسَ هَذَا بِأَضْعَفَ مِنْ شَاهِدَيْنِ يَطْلُبُ تَعْدِيلَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ: وَحَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إنَّ مَا يَفْسُدُ يُبَاعُ إنْ كَانَ شَاهِدَانِ، وَيَحْلِفُ وَيُخْلَى إنْ كَانَ شَاهِدٌ. وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ عِيَاضٍ وَأَبِي حَفْصٍ بْنِ الْعَطَّارِ مُرَاعِيًا أُصُولَ الْمَذْهَبِ عَلِمَ أَنَّ مَا فَهِمَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْمَذْهَبِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَمُوجِبُ كَلَامِهِ عَدَمُ وُقُوفِهِ عَلَى كَلَامِ عِيَاضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ إذْ هَذَا النَّقْلُ لَيْسَ بِكَافٍ وَمَا الْقَصْدُ بِهِ إلَّا التَّنْشِيطُ
[ ٨ / ٢١٥ ]
لِمُرَاجَعَةِ الْأُمَّهَاتِ.
(وَإِنْ سَأَلَ ذُو الْعَدْلِ أَوْ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ وَإِنْ لَمْ تُقْطَعْ وَضْعَ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى بَلَدٍ يَشْهَدُ لَهُ عَلَى عَيْنِهِ أُجِيبَ لَا إنْ انْتَفَيَا وَطَلَبَ إيقَافَهُ لِيَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ بِكَيَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً أَوْ سَمَاعًا يَثْبُتُ بِهِ فَيُوقَفُ وَيُوَكَّلُ بِهِ فِي كَيَوْمٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ادَّعَى عَبْدًا بِيَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا يَشْهَدُ عَلَى الْقَطْعِ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ عَبْدًا سُرِقَ لَهُ مِثْلُ مَا يَدَّعِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةٌ قَاطِعَةٌ وَلَهُ بَيِّنَةٌ بِبَلَدٍ آخَرَ فَسَأَلَ وَضْعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى بَيِّنَةٍ لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِ عِنْدَ قَاضِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ شَاهِدًا وَلَا بَيِّنَةً عَلَى سَمَاعِ ذَلِكَ وَادَّعَى
[ ٨ / ٢١٨ ]
بَيِّنَةً قَرِيبَةً بِمَنْزِلَةِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَسَأَلَ وَضْعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى بَيِّنَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَالَ أَوْقِفُوا الْعَبْدَ حَتَّى آتِيَ بِبَيِّنَتِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً عَلَى الْحَقِّ أَوْ سَمَاعًا يُثْبِتُ بِهِ دَعْوَاهُ، فَإِنَّ الْقَاضِي يُوقِفُ الْعَبْدَ وَيُوَكَّلُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ فِيمَا قَرُبَ مِنْ يَوْمٍ، فَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ سَمَاعٍ سَأَلَ إيقَافَ الْعَبْدِ لِيَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةٌ بَعِيدَةٌ وَفِي إيقَافِهِ ضَرَرٌ اسْتَحْلَفَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَسْلَمَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ كَفِيلٍ. (وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْقَضَاءِ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُوقَفُ مَا لَا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ وَزَوَالُهُ، وَأَمَّا الْمَأْمُونُ كَالرِّبَاعِ وَالْعَقَارِ وَمَا لَهُ الْغَلَّةُ فَإِنَّمَا يُوقَفُ وَقْفًا يَمْنَعُ مِنْ الْإِحْدَاثِ فِيهَا، وَالْغَلَّةُ أَبَدًا لِلَّذِي هِيَ بِيَدِهِ لِأَنَّ ضَمَانَهَا مِنْهُ حَتَّى يُقْضَى بِهَا لِلطَّالِبِ.
قَالَ سَحْنُونَ: هَذَا إنْ كَانَ مُبْتَاعًا أَوْ صَارَتْ إلَيْهِ مِنْ مُبْتَاعٍ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَتْ غَنَمًا
[ ٨ / ٢١٩ ]
فَرَعْيُهَا فِي الْإِيقَافِ عَلَى مَنْ تَصِيرُ إلَيْهِ وَغَلَّتُهَا لِلَّذِي هِيَ بِيَدِهِ.
وَقَالَ عِيسَى: الرَّعْيُ عَلَى مَنْ لَهُ الْغَلَّةُ. اهـ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي حَالِ الْوَقْفِ أَوْ فِي غَلَّتِهِ إنْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ وَفِي مُصِيبَتِهِ إنْ هَلَكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: نَفَقَتُهُ عَلَى مَنْ يُقْضَى لَهُ بِهِ وَغَلَّتُهُ لِمَنْ هُوَ فِي يَدَيْهِ لِأَنَّهُ إنْ هَلَكَ كَانَ فِي ضَمَانِهِ.
(وَجَازَتْ عَلَى خَطِّ مُقِرٍّ) مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَغَيْرِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ مُقِرٍّ جَائِزَةٌ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْخَطَّ رَسْمٌ يُدْرَكُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ وَأَصَبْنَا الْبَصَرَ يُمَيِّزُ الْخَطَّيْنِ وَالشَّخْصَيْنِ مَعَ جَوَازِ اشْتِبَاهِ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَوَّزُوهَا فِي الشَّخْصِ مَعَ جَوَازِ الِاشْتِبَاهِ فِيهِ جَازَتْ فِي الْخَطِّ (بِلَا يَمِينٍ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا: مَنْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ ذِكْرَ حَقٍّ وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِهِ بِخَطِّهِ فَهَلَكَ الشُّهُودُ ثُمَّ جَحَدْنَ فَشَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ ذَلِكَ خَطُّهُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ عَلَيْهِ كَإِقْرَارِهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ مَعَ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ شَهِدَ عَلَى خَطِّهِ رَجُلٌ
[ ٨ / ٢٢٠ ]
حَلَفَ الطَّالِبُ وَاسْتَحَقَّ. وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: امْرَأَةٌ كَتَبَ إلَيْهَا زَوْجُهَا بِطَلَاقِهَا فَشَهِدَ عَلَى خَطِّهِ رَجُلَانِ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهَا. اهـ.
نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهَا عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ الْحُكْمِ لَهَا بِطَلَاقِهَا إذَا شَهِدَ عَلَى خَطِّهِ عَدْلَانِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْخَطُّ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ مِثْلُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى رَجُلٍ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ لِزَوْجَتِهِ بِذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا ابْتِدَاءً، فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ كَتَبَهُ مُجْمِعًا عَلَى الطَّلَاقِ.
(وَخَطِّ شَاهِدٍ مَاتَ أَوْ غَابَ) الْبَاجِيُّ: مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ. رَوَاهُ مُحَمَّدٌ. لِأَنَّ غَايَةَ خَطِّهِ أَنَّهُ كَلَفْظِهِ وَهُوَ لَوْ سَمِعَهُ يَنُصُّ شَهَادَتَهُ لَمْ يَنْقُلْهَا عَنْهُ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ إجَازَتَهَا. وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ لِغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ صَحِيحَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ أَوْ الْغَائِبِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي الْأُمَّهَاتِ الْمَشْهُورَةِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إجَازَتِهَا وَإِعْمَالِهَا. ابْنُ عَرَفَةَ: فَطَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمَشْهُورَ إعْمَالُهَا خِلَافُ قَوْلِ الْبَاجِيِّ لَا تَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ (بِبُعْدٍ) اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْغَيْبَةِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ عِنْدَ مُجِيزِهَا، فَقَالَ سَحْنُونَ: الْغَيْبَةُ الْبَعِيدَةُ وَلَمْ يَحُدَّ قَدْرَهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: مِثْلُ إفْرِيقِيَّةَ مِنْ مِصْرَ وَمَكَّةَ مِنْ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: حَدُّ ذَلِكَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ (وَإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا إنْ عَرَفْتَهُ) ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ مَعْنَى مَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فِي طَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا حَدٍّ وَلَا نِكَاحٍ لِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الرَّجُلِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ نَكَحَ، بَلْ هِيَ جَائِزَةٌ عَلَى خَطِّهِ بِذَلِكَ كَمَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ. وَمِنْ الْمُفِيدِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَارِثٍ: جَرَى الْعَمَلُ مِنْ الْقُضَاةِ بِبَلَدِنَا يَعْنِي قُرْطُبَةَ بِإِجَازَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ، وَلَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي الْأَحْبَاسِ وَغَيْرِهَا فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ.
وَلَقَدْ شَهِدْت ابْنَ أَبِي عِيسَى قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ يَحْكُمُ بِإِجَازَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى خُطُوطِ الشُّهُودِ الْمَوْتَى فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ، وَمِنْ الْأَحْكَامِ لِلْبَاجِيِّ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ إلَّا فِي الْمَالِ فَقَطْ وَحَتَّى يَكُونَ ذُو الْخَطِّ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ وَتُعْرَفُ مَعْرِفَتُهُ بِمَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ خَطَّ الشَّاهِدِ. وَأَمَّا خَطُّ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: أَكْثَرُ مَا يَجْرِي الْعَمَلُ بِإِجَازَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي الْأَحْبَاسِ الْقَدِيمَةِ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا تَجُوزَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فَإِنَّ شَهَادَةَ الْأَحْيَاءِ رُبَّمَا دَخَلَتْهَا الدَّاخِلَةُ
[ ٨ / ٢٢١ ]
فَكَيْفَ شَهَادَاتُ الْمَوْتَى؟ الْمُتَيْطِيُّ: هَذَا الَّذِي احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ إذَا كَتَبَ شَهَادَتَهُ يَحْمِلُهَا عَلَى كُلِّ الْوُجُوهِ، وَمِنْ أَصْلِنَا أَنْ لَا نَتْرُكَ أَمْرًا قَدْ وَجَبَ لِأَمْرٍ يَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ (إنْ عَرَفْتَهُ كَالْمُعَيَّنِ) قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: دَلَّ قَوْلُهُمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْقَطْعِ.
وَفِي كِتَابِ
[ ٨ / ٢٢٢ ]
الْقَزْوِينِيِّ: إنَّهَا فِي ذَلِكَ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ. ابْنُ عَرَفَةَ: مُغَايَرَتُهُ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْعِلْمِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْعِلْمِ الظَّنُّ. (وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ) ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ زَرْبٍ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ حَتَّى يَعْرِفَ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَى خَطِّهِ كَانَ يَعْرِفُ مَنْ أَشْهَدَهُ مَعْرِفَةَ الْعَيْنِ صَحِيحٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَيْطِيُّ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةٌ عَلَى الْخَطِّ إلَّا مِنْ الْفَطِنِ الْعَارِفِ بِالْخُطُوطِ وَمُمَارَسَتِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ
[ ٨ / ٢٢٣ ]
يَكُونَ قَدْ أَدْرَكَ ذَا الْخَطِّ.
(وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا) الْمُتَيْطِيُّ: تُذْكَرُ فِي كَيْفِيَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْغَائِبِ أَنَّ الشُّهُودَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُ كَانَ يَرْسُمُ الْعَدَالَةَ وَالْقَبُولَ فِي تَارِيخِ الشَّهَادَةِ وَبَعْدَهَا إلَى أَنْ تُوُفِّيَ، قَالَهُ مَالِكٌ. وَأَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُ قَدْ سَقَطَتْ بِجُرْحَةٍ أَوْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُهُ " إلَى أَنْ تُوُفِّيَ " قِيلَ: الصَّوَابُ إلَى حِينِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ.
(لَا عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا وَأَدَّى بِلَا نَفْعٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا عَرَفَ الشَّاهِدُ خَطَّهُ فِي كِتَابٍ فَلَا يَشْهَدُ حَتَّى يَذْكُرَ الشَّهَادَةَ وَيُوَكِّلَ بِهَا، وَلَكِنْ يُوَفِّي ذَلِكَ كَمَا عُلِمَ ثُمَّ لَا يَنْفَعُ الطَّالِبَ.
سَحْنُونَ: اخْتَلَفَ فِي هَذَا أَصْحَابُنَا، وَقَوْلِي إذَا لَمْ يَرَ فِي الْكِتَابِ مَحْوًا وَلَا لَحَقًا وَلَا مَا يَسْتَنْكِرُهُ فَلْيَشْهَدْ بِمَا فِيهِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْهُ بُدًّا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ شَيْئًا. ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ " يَرْفَعُ شَهَادَتَهُ " لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى الْحَاكِمُ إجَازَتَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا وَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: رِوَايَةُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ خَطِّهِ أَحْسَنُ. وَمَحْمَلُ قَوْلِ مَالِكٍ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْحِفْظِ لَوْ وُكِلَ النَّاسُ الْيَوْمَ إلَى حِفْظِ الشَّهَادَاتِ لَمْ يُؤَدِّ أَحَدٌ شَهَادَةً وَلَتَعَطَّلَتْ حُقُوقُ النَّاسِ.
(وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ أَشْهَدَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ جَمَاعَةً يَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ فَلِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ مِنْهُمْ أَنْ يَضَعَ شَهَادَتَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ لَا مِنْهُ بِمَعْرِفَةِ بَعْضِهِمْ أَنْ يَتَسَمَّى بِاسْمِ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ كُرِهَ لَهُمْ أَنْ يَضَعُوا شَهَادَتَهُمْ عَلَيْهِ خَوْفًا أَنْ يَتَسَمَّى بِاسْمِ غَيْرِهِ فَيُقِرُّ أَنَّهُ بَاعَ دَارِهِ مِنْ فُلَانٍ ثُمَّ يَشْهَدُ عَلَى خُطُوطِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ. قَالَهُ الْأَخَوَانِ.
ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي أَقُولُهُ فِيمَنْ دُعِيَ لِيَشْهَدَ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا وَيَشْهَدُ لَهُ رَجُلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَتَتْ بِهِمَا فَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى شَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي سَأَلَهُمَا فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِمَا. وَكَذَا لَوْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَجُلًا وَاحِدًا يَثِقُ بِهِ أَوْ امْرَأَةً، وَلِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا يَجُوزُ اسْتِئْمَارُ الْبِكْرِ إلَّا عَلَى عَيْنِهَا. الْبُرْزُلِيِّ: وَنَزَلْتُ بِتُونُسَ لِبِنْتِ بَعْضِ الْمُلُوكِ حَضَرَ فِيهَا ابْنُ عَرَفَةَ وَالْغُبْرِينِيُّ، فَطَلَبَ الْغُبْرِينِيُّ الِاطِّلَاعَ عَلَى عَيْنِهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ شَيْخُ الْمُوَحِّدِينَ وَرَئِيسُ الدَّوْلَةِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَوْلَا جُلَّةٌ كَانَتْ لَهُ لَنَكَّلَ بِهِ، وَالصَّوَابُ فِي هَذَا أَنَّ التَّعْرِيفَ كَافٍ. وَقَدْ اتَّفَقَ لِي مِثْلُ هَذَا وَطَلَبْت كَلَامَهَا لِأَنَّهُ سِيقَ إلَيْهَا بَعْضُ الْجِهَازِ عُرُوضًا.
وَانْظُرْ أَوَّلَ النِّكَاحِ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ (إلَّا عَلَى عَيْنِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ بِالْعَيْنِ وَالِاسْمِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا إلَّا عَلَى عَيْنِهِ.
(وَلَا يُسَجِّلُ عَلَى مَنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا ابْنَةُ فُلَانٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى عَيْنِ امْرَأَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ فَلَا يُسَجِّلُ عَلَى بِنْتِ زَيْدٍ.
(وَلَا
[ ٨ / ٢٢٤ ]
عَلَى مُنْتَقِبَةٍ لِتَتَعَيَّنَ لِلْأَدَاءِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَشْهَدُ عَلَى مُنْتَقِبَةٍ حَتَّى يَكْشِفَ وَجْهَهَا لِيُعَيِّنَهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ (وَإِنْ قَالُوا أَشْهَدَتْنَا مُنْتَقِبَةٌ وَكَذَلِكَ نَعْرِفُهَا قُلِّدُوا) سَأَلَ ابْنُ حَبِيبٍ سَحْنُونًا عَنْ امْرَأَةٍ أَنْكَرَتْ دَعْوَى رَجُلٍ عَلَيْهَا فَأَقَامَ عَلَيْهَا بَيِّنَةً قَالُوا: أَشْهَدَتْنَا عَلَى نَفْسِهَا وَهِيَ مُنْتَقِبَةٌ بِكَذَا وَكَذَا وَلَا نَعْرِفُهَا إلَّا مُنْتَقِبَةً وَإِنْ كَشَفَتْ وَجْهَهَا لَمْ نَعْرِفْهَا. قَالَ: هُمْ أَعْلَمُ بِمَا تَقَلَّدُوا وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا وَقَالُوا عَرَفْنَاهَا قَطَعَ بِشَهَادَتِهِمْ.
(وَعَلَيْهِمْ إخْرَاجُهَا إنْ قِيلَ لَهُمْ عَيِّنُوهَا) الَّذِي لِابْنِ عَرَفَةَ: سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اعْتَرَفَ دَابَّةً أَوْ رَأْسًا هَلْ تُجْمَعُ دَوَابُّ أَوْ رَقِيقٌ وَيَدْخُلُ فِيهَا وَيُكَلَّفُ الشُّهُودُ إخْرَاجَهَا؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ فِي شَيْءٍ وَذَلِكَ خَطَأٌ، وَلَكِنْ لَوْ كَانُوا عُدُولًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
أَصْبَغُ: وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ إنْ شُهِدَ عَلَيْهِنَّ.
وَعَنْ سَحْنُونٍ: وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِنِكَاحٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ بَرَاءَةٍ وَسَأَلَ الْخَصْمُ إدْخَالَهَا فِي نِسَاءٍ لِيُخْرِجُوهَا وَقَالُوا شَهِدْنَا عَلَيْهَا عَنْ مَعْرِفَتِهَا بِعَيْنِهَا وَنَسَبِهَا وَلَا نَدْرِي هَلْ نَعْرِفُهَا الْيَوْمَ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهَا وَقَالُوا لَا نَتَكَلَّفُ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُخْرِجُوا عَيْنَهَا. وَإِنْ قَالُوا نَخَافُ أَنْ تَكُونَ تَغَيَّرَتْ قِيلَ لَهُمْ: إنْ شَكَكْتُمْ وَقَدْ أَتْقَنْتُمْ أَنَّهَا ابْنَةُ فُلَانٍ وَلَيْسَ لِفُلَانٍ إلَّا بِنْتٌ وَاحِدَةٌ مِنْ حِينِ شَهِدُوا عَلَيْهَا إلَى الْيَوْمِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ (وَجَازَ الْأَدَاءُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ وَإِنْ بِامْرَأَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ بِالْعَيْنِ وَالِاسْمِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا إلَّا عَلَى عَيْنِهِ، وَإِنَّمَا تَسَامَحَ الْعُلَمَاءُ وَالْخِيَارُ فِي وَضْعِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُونَهُ سِيَاسَةً فِي نَفْعِ الْعَامَّةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ " أَوْ امْرَأَةٍ " وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ ".
(لَا بِشَاهِدَيْنِ إلَّا نَقْلًا) اُنْظُرْ مَا لِابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ ". وَفِي الْمَجْمُوعَةِ: مِنْ دُعِيَ لِيَشْهَدَ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا وَشَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ فَلْيَشْهَدْ.
قَالَ فِي سَمَاعِ
[ ٨ / ٢٢٥ ]
ابْنِ عَاصِمٍ: لَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى شَهَادَتِهِمَا. وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ يَشْهَدُ (وَجَازَتْ بِسَمَاعٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَقَبٌ لَمْ يُصَدَّقْ الشَّاهِدُ فِيهَا بِإِسْنَادِ شَهَادَتِهِ لِسَمَاعٍ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَتَخْرُجُ شَهَادَةُ الْبِنْتِ وَالنَّقْلِ.
التُّونِسِيُّ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَا يُسْتَخْرَجُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ يَدِ حَائِزٍ وَإِنَّمَا تَصِحُّ لِلْحَائِزِ الْكَافِي مِثْلُ ذَلِكَ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ دَارٌ تُعْرَفُ بِهِ وَبِآبَائِهِ قَبْلَهُ فَيَأْتِي رَجُلٌ مِمَّنْ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهَا مِلْكُهُ قَدِيمًا فَيَأْتِي الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ بِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ عَلَى السَّمَاعِ الْفَاشِي أَنَّا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ بِانْتِقَالِ مِلْكِهَا إلَى الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْقَائِمِ أَوْ مِنْ آبَائِهِ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ تُوجِبُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الدَّارَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ دُونَ الَّذِي شُهِدَ لَهُ أَنَّهَا مِلْكُهُ قَدِيمًا، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ الْفَاشِي لِلْمُدَّعِي الطَّالِبِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ حَائِزًا لَهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي مِلْكِ الدَّارِ فِي خَمْسِ سِنِينَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا أَتَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِيمَا أَدْرَكْتُ وَأَفْتَى بِهِ شُيُوخُنَا فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَقَارًا بِيَدِ غَيْرِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ مِنْ مُوَرِّثِهِ عَنْهُ، أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يُثْبِتَ الطَّالِبُ مَوْتَ مَوْرُوثِهِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ وَرِثَ ذَلِكَ الْعَقَارَ عَنْهُ وَوِرَاثَتُهُ لَهُ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَقَفَ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ عَلَى الْإِقْرَارِ وَلَمْ يُسْأَلْ مِنْ أَيْنَ صَارَ لَهُ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَقَالَ الْمِلْكُ مِلْكِي اُكْتُفِيَ مِنْهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَكُلِّفَ الطَّالِبُ إثْبَاتَ الْمِلْكِ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ وَرِثَهُ عَنْهُ وَإِثْبَاتَ مَوْتِهِ وَوِرَاثَتِهِ لَهُ، فَإِنْ أَثْبُتَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَجِبُ مِنْ صِحَّةِ شُرُوطِهِ سُئِلَ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ مِنْ أَيْنَ صَارَ إلَيْهِ وَكُلِّفَ الْجَوَابَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَوْرُوثِ الطَّالِبِ الَّذِي ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ لَمْ يَثْبُتْ إلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ مِنْ قِبَلِ مَوْرُوثِ الطَّالِبِ بِوَجْهٍ يَذْكُرُهُ كُلِّفَ إثْبَاتَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَثْبَتَهُ وَعَجَزَ الطَّالِبُ عَنْ الْمَدْفَعِ فِي ذَلِكَ بَطَلَتْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِ ذَلِكَ قُضِيَ عَلَيْهِ لِلطَّالِبِ. هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ أَحْفَظُهُ انْتَهَى.
وَلِشَيْخِ الشُّيُوخِ ابْنِ لُبٍّ فِي رَجُلٍ وَهَبَ أَحَدَ أَوْلَادِهِ فَدَّانًا ثُمَّ مَاتَ وَقَامَ أَخُو الْمَوْهُوبِ لَهُ بِكَفَالَةِ أَخِيهِ وَصَارَ يَجْعَلُ الْغُبَارَ فِي قِطْعَةٍ مِنْ الْفَدَّانِ إلَى أَنْ قَامَ وَرَثَةُ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى وَرَثَةِ الْأَخِ، وَقَالُوا الْقِطْعَةُ مِنْ حَرِيمِ فَدَّانِنَا لَا يُقْبَلُ هَذَا مِنْهُمْ إذْ رُبَّمَا فَوَّتَ عَلَى الْمَحْجُورِ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ، وَعُقُودُ الْأُصُولِ بِالْبُيُوعِ وَالْهِبَاتِ لَا
[ ٨ / ٢٢٦ ]
تُوجِبُ اسْتِحْقَاقًا مِنْ الشَّيْءِ بِيَدِهِ إذْ لَيْسَتْ حُجَّةً، وَيُكَلَّفُ وَرَثَةُ الْمَوْهُوبِ لَهُ إثْبَاتَ الْفَدَّانِ لِمَوْرُوثِهِمْ إلَى الْآنَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ فَاتَ مِنْ قِبَلِ مَنْ ذَكَرَ إلَى الْآنَ.
اُنْظُرْ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ لِابْنِ سَلْمُونَ.
(فَشَا) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى السَّمَاعِ عَنْ غَائِبٍ سَمِعُوا هَاهُنَا أَنَّ فُلَانًا مَاتَ بِبَلَدِ كَذَا أَوْ قُتِلَ أَوْ أَخَذَهُ الْعَدُوُّ، فَإِنْ كَانَ سَمَاعًا مُسْتَفِيضًا وَوَقَعَ بِهِ الْعِلْمُ لِكَثْرَةِ عَدَدِ الطَّارِئِينَ حُكِمَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا. وَلَا يُقْتَصَرُ فِي ذَلِكَ عَلَى شَاهِدَيْنِ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُسْتَفِيضَ الْمُنْتَشِرَ لَا يُؤْخَذُ عِلْمُهُ عَنْ اثْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَا طَارِئَيْنِ شَهِدَا عَلَى اسْتِفَاضَةِ الْبَلَدِ الَّذِي قَدِمَا مِنْهُ قُبِلَتْ.
(عَنْ ثِقَاتٍ وَغَيْرِهِمْ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْمَسْمُوعِ مِنْهُمْ ثَالِثُهَا إلَّا فِي الرَّضَاعِ. وَظَاهِرُ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ غَيْرِهَا أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ عَدَالَةً فِي السَّمَاعِ مِنْهُمْ.
وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ مَا نَصُّهُ: وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الشَّهَادَةُ عَلَى السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ جَائِزَةٌ بِطُولِ زَمَانِهَا يَشْهَدُونَ أَنَّا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ. ابْنُ الْمَوَّازِ: عَنْ الثِّقَاتِ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ حَبْسٌ تُحَازُ بِحَوْزِ الْأَحْبَاسِ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلُوا عَنْ بَيِّنَةٍ مُعَيَّنَيْنِ إلَّا قَوْلَهُمْ سَمِعْنَا وَبَلَغَنَا وَلَوْ نَقَلُوا عَنْ قَوْمٍ
[ ٨ / ٢٢٧ ]
عُدُولٍ أُشْهِدُوا هُمْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعٌ وَكَانَ شَهَادَةً تَعْمَلُ.
(بِمِلْكٍ لِحَائِزٍ مُتَصَرِّفٍ طَوِيلًا) تَقَدَّمَ نَصُّ التُّونِسِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَجَازَتْ بِسَمَاعٍ ".
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي مِثْلِ الْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَا يَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا الْقَطْعُ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةٌ لِمُدَّعٍ دَارًا بِيَدِ غَيْرِهِ قَدْ حَازَهَا، إنَّمَا تَجُوزُ لِمَنْ الدَّارُ فِي يَدِهِ إذَا أَثْبَتَ الَّذِي يَدَّعِيهَا بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهَا لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ لِمَنْ هُوَ وَارِثُهُ، وَتَكُونُ الدَّارُ قَدْ قَامَتْ فِي يَدِ حَائِزِهَا سِنِينَ يَنْقَطِعُ فِي مِثْلِهَا الْعِلْمُ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ إلَّا عَلَى السَّمَاعِ أَنَّا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الْعُدُولِ أَنَّ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ أَوْ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ ابْتَاعَهَا مِنْ الْقَائِمِ أَوْ مِنْ أَحَدٍ مِمَّنْ وَرِثَهَا الْقَائِمُ عَنْهُ، بِذَلِكَ يُقْطَعُ حَقُّ الْقَائِمِ.
(وَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ إلَّا بِسَمَاعٍ أَنَّهُ
[ ٨ / ٢٢٨ ]
اشْتَرَاهَا مِنْ كَأَبِي الْقَائِمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَامَتْ بِيَدِهِ دَارٌ خَمْسِينَ سَنَةً ثُمَّ قَدِمَ رَجُلٌ كَانَ غَائِبًا فَادَّعَاهَا وَثَبَتَ الْأَصْلُ لَهُ فَقَالَ الَّذِي بِيَدِهِ الدَّارُ اشْتَرَيْتهَا مِنْ قَوْمٍ وَقَدْ انْقَرَضُوا أَوْ انْقَرَضَتْ الْبَيِّنَةُ وَأَتَى بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّمَاعِ، فَاَلَّذِي يَنْفَعُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ وَاحِدٌ مِنْ آبَائِهِ ابْتَاعَهَا مِنْ الْقَادِمِ أَوْ أَحَدِ آبَائِهِ أَوْ مِمَّنْ وَرِثَهَا الْقَادِمُ عَنْهُ أَوْ مِمَّنْ ابْتَاعَهَا مِنْ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا، فَذَلِكَ يَقْطَعُ دَعْوَى حَقِّ الْقَائِمِ مِنْهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَهَاهُنَا دُورٌ لَمْ يُعْرَفْ لِمَنْ أَصْلُهَا بِالْمَدِينَةِ قَدْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَمْلَاكُ، فَشَهَادَةُ السَّمَاعِ عَلَى مِثْلِ هَذَا جَائِزَةٌ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَتَى الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ هَذَا الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ أَوْ أَحَدًا مِنْ آبَائِهِ ابْتَاعَهَا وَلَا يَدْرِي مِمَّنْ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ عَلَى السَّمَاعِ وَأَنَّ أَبَاهُ ابْتَاعَهَا مِمَّنْ ذَكَرْنَا مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ وَنَحْوِهَا لَمْ يَنْفَعْهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ فِي مِثْلِ هَذَا الْقُرْبِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقْطَعُ عَلَى الشِّرَاءِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِيمَا كَثُرَ مِنْ السِّنِينَ وَتَطَاوَلَ مِنْ الزَّمَانِ وَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ حَيًّا لِأَنَّ شِرَاءَهُ رُبَّمَا تَقَدَّمَ حَتَّى يَمْضِيَ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرُ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ الْحَائِزُ بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ عَلَى قِدَمِ الشِّرَاءِ فِي قَرِيبِ الزَّمَانِ أَوْ عَلَى السَّمَاعِ فِي بَعِيدِهِ قَضَى بِهَا لِلْقَائِمِ الَّذِي اسْتَحَقَّهَا، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ تَسَلَّفَ مِنْ فُلَانٍ وَقَضَاهُ: فَإِنْ كَانَ مَا يَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثًا لَمْ يَطُلْ زَمَانُهُ لَمْ يَنْفَعْهُ قَوْلُهُ قَضَيْته وَغَرِمَ الْوَرَثَةُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً قَاطِعَةً عَلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ طَالَ زَمَنُ ذَلِكَ حَلَفَ الْمُقِرُّ وَبَرِئَ فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَسْأَلَتِك فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ ذَكَرَ ذَلِكَ
[ ٨ / ٢٢٩ ]
عَلَى مَعْنَى الشُّكْرِ يَقُولُ جَزَى اللَّهُ فُلَانًا خَيْرًا أَسْلَفَنِي وَقَضَيْته، فَلَا يَلْزَمُهُ فِي هَذَا شَيْءٌ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ قَرُبَ الزَّمَانُ أَوْ بَعُدَ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَكَذَلِكَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الذَّمِّ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
(وَوَقْفٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ جَائِزَةٌ بِطُولِ زَمَانِهَا (وَمَوْتٍ بِبُعْدٍ) الْقَاضِي: يُشْهِدُ عَلَى الْمَوْتِ بِالسَّمَاعِ فِيمَا بَعُدَ مِنْ الْبِلَادِ لَا فِيمَا قَرُبَ. ابْنُ عَرَفَةَ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَطُولَ زَمَانُ تَقَدُّمِ الْمَوْتِ كَعِشْرِينَ عَامًا وَنَحْوِهَا هَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا الْبَتُّ.
اُنْظُرْ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّ الْعِشْرِينَ طُولٌ.
(إنْ طَالَ الزَّمَانُ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي مِثْلِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً وَلَا تَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا عَلَى الْقَطْعِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي حَدِّ الطُّولِ خَمْسُ مَقَالَاتٍ.
(بِلَا رِيبَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: لُحُوقِ الرِّيبَةِ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ يُبْطِلُهَا.
فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى السَّمَاعِ وَفِي الْقَبِيلِ مِائَةٌ مِنْ أَسْنَانِهِمْ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ إلَّا بِأَمْرٍ يَفْشُو أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَنْ اثْنَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَا شَخْصَيْنِ قَدْ بَادَ جِيلُهُمَا فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا اهـ. اُنْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ مَا تَتَوَفَّرُ فِيهِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ فَنُقِلَ مِنْ وَجْهٍ شَاذٍّ فَإِنَّهُ
[ ٨ / ٢٣٠ ]
لَا يُسْمَعُ.
(وَحَلَفَ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ تَمَامِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ يَمِينُ الْمَشْهُودِ لَهُ بِهَا؛ طُرُقُ. ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا دُونَ يَمِينٍ.
وَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: لَا يُقْضَى لِأَحَدٍ مِمَّنْ يُقْضَى لَهُ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ.
(وَشَهِدَ اثْنَانِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ. ثُمَّ قَالَ التُّونِسِيُّ بَعْدَ يَمِينِهِ: إذْ لَعَلَّهُ عَنْ وَاحِدٍ وَيَجْتَزِي بِقَوْلِ اثْنَيْنِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهَا كَالنَّقْلِ فَاحْتِيطَ فِيهَا. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا فِي الْخُلْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَرَدُّ الْمَالِ بِشَهَادَةِ سَمَاعٍ عَلَى الضَّرَرِ "، وَأَنَّهُ إنْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى الْقَطْعِ وَشَهِدَ مَعَهُ آخَرُ عَلَى السَّمَاعِ بَعْدَ ذَلِكَ.
لِابْنِ يُونُسَ: وَمِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى السَّمَاعِ لَمْ يُقْضَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ بِالْمَالِ وَإِنْ حَلَفَ، لِأَنَّ السَّمَاعَ نَقْلُ شَهَادَةٍ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ شَاهِدَانِ فِي كُلِّ حَالٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَجُوزُ إلَّا أَكْثَرُ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَفَرْقٌ فِي سَمَاعِ عِيسَى.
(كَعَزْلٍ وَجَرْحٍ وَكُفْرٍ وَسَفَهٍ وَنِكَاحٍ وَضِدِّهَا وَإِنْ بِخُلْعٍ وَضَرَرِ زَوْجٍ وَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَوِلَادَةٍ وَحِرَابَةٍ وَإِبَاقٍ وَعُدْمٍ وَأَسْرٍ وَعِتْقٍ وَلَوْثٍ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّتِي تَفْتَدِي مِنْ زَوْجِهَا فَيَشْهَدُ لَهَا قَوْمٌ بِالسَّمَاعِ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ يَضْرِبُهَا: فَذَلِكَ جَائِزٌ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ الْجِيرَانِ وَشَبَهِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ الْفَاشِي. الْمُتَيْطِيُّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الثَّمَانِي عَشْرَةَ مَسْأَلَةً الَّتِي تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِيهَا.
وَفِي نَظْمِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ، وَزَادَ ابْنُهُ سِتَّةً، وَزَادَ ابْنُ هَارُونَ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةً، وَزَادَ اللَّخْمِيِّ وَاحِدًا. الْمُتَيْطِيُّ: فَمِنْ ذَلِكَ عَزْلُ الْقَاضِي وَوِلَايَتُهُ وَالتَّجْرِيحُ وَالْعَدَالَةُ وَالْكُفْرُ وَالْإِسْلَامُ وَالتَّسْفِيهُ وَالتَّرْشِيدُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَالنِّكَاحُ وَالْخُلْعُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الضَّرَرِ، وَزَادَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ. الْمُتَيْطِيُّ: وَالْوِلَادَةُ، وَزَادَ وَلَدُ ابْنِ رُشْدٍ وَالْحِرَابَةِ وَالْإِبَاقِ. ابْنُ هَارُونَ: وَالْمِلَاءُ وَالْعُدْمُ وَالْأَسْرُ الْكَافِي، وَالشَّهَادَةُ عَلَى السَّمَاعِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ جَائِزَةٌ فِي النَّسَبِ الْمَشْهُورِ وَفِي الْوَلَاءِ الْمَشْهُورِ، وَفِي الْأَحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ الَّتِي تَقَادَمَ أَمْرُهَا إذَا قَالَ الشُّهُودُ لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ تُحَازُ حَوْزَ الْأَحْبَاسِ وَأَنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ مَوْلَى فُلَانٍ مَوْلَى عَتَاقَةٍ وَيَثْبُتُ بِذَلِكَ النَّسَبُ وَالْوَلَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ نَسَبٌ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مُشْتَهِرًا مِثْلَ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَا يَثْبُتُ بِهَا نَسَبٌ وَلَا وَلَاءٌ. اللَّخْمِيِّ: وَمِمَّا يَثْبُتُ بِهِ الْقَسَامَةُ السَّمَاعُ الْمُسْتَفِيضُ مِثْلُ مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَدَا عَلَى رَجُلٍ فِي سُوقٍ عَلَانِيَةً مِثْلُ سُوقِ الْأَحَدِ وَشَبَهِهِ مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ فَقَطَعَ كُلُّ مَنْ حَضَرَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ قَالَ: فَرَأَى مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا
[ ٨ / ٢٣١ ]
إذَا كَثُرَ هَكَذَا وَتَظَاهَرَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اللَّوْثِ، اُنْظُرْ نَظْمَ هَذِهِ الْفُرُوعِ فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَقَدْ عَقَدَ فَصْلًا فِي هَذَا فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ.
[بَابٌ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا]
(وَالتَّحَمُّلُ إنْ افْتَقَرَ إلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: التَّحَمُّلُ عُرْفًا عِلْمُ مَا يَشْهَدُ بِهِ بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ فَيَخْرُجُ عِلْمُهُ دُونَهُ كَمَنْ قَرَعَ أُذُنَهُ صَوْتٌ مُطَلِّقٍ وَنَحْوِهِ مِنْ قَوْلٍ يُوجِبُ عَلَى قَائِلِهِ حُكْمًا، فَالْمَعْرُوضُ لِلتَّكْلِيفِ بِهِ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] إنَّمَا هُوَ مَنْ يُدْعَى إلَى الشَّهَادَةِ بَعْدَ أَنْ يَشْهَدُوا مَا قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَشْهَدُ.
ابْنُ كِنَانَةَ: إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَخَافَ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ. ابْنُ رُشْدٍ: الدُّعَاءُ لِيَشْهَدَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَيَسْتَحْفِظَهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَدُعِيَ مَالِكٌ إلَى شَهَادَةٍ فَلَمْ يُجِبْ وَاعْتَذَرَ لِمَنْ دَعَاهُ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرِك مَا لَا أَرَى أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ فَيَقْتَدِي بِي مَنْ حَضَرَ، فَقَبِلَ مِنْهُ. وَحَكَى الشَّعْبَانِيِّ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْفُقَهَاءِ أَنْ يَشْهَدُوا بَيْنَ النَّاسِ وَلَا أَنْ يُضَيِّفُوا أَحَدًا وَلَا أَنْ يُكَافِئُوا عَلَى الْهَدَايَا.
(وَتَعَيَّنَ الْأَدَاءُ)
[ ٨ / ٢٣٢ ]
ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَيْنًا عَلَى مَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى عَدَدٍ يَثْبُتُ بِهِ الْمَشْهُودُ بِهِ، وَوَاجِبُ كِفَايَةٍ عَلَى مَنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَيْهِ حَاضِرًا كَوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا يُقْبَلُ فِيهِ اثْنَانِ وَمِنْ خَمْسَةٍ فَصَاعِدًا فِي الزِّنَا.
(مِنْ كِبَرِ يَدَيْنِ) سَحْنُونَ: إنْ كَانَ الشُّهُودُ عَلَى بَرِيدٍ أَوْ بَرِيدَيْنِ وَيَجِدُونَ الدَّوَابَّ وَالنَّفَقَةَ لَمْ يُعْطِهِمْ رَبُّ الْحَقِّ دَوَابَّ وَلَا نَفَقَةً، فَإِنْ فَعَلُوا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ عَلَى شَهَادَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا نَفَقَةً وَلَا دَوَابَّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ لَهُمْ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: وَإِنْ كَانُوا عَلَى مِثْلِ السَّاحِلِ مِنَّا كَتَبَ الْقَاضِي إلَى رَجُلٍ يَشْهَدُ عِنْدَهُ الشُّهُودُ فَيَكْتُبُ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَا يَعْنِي الْمَشْهُودَ إلَيْهِ بِالْقُدُومِ قِيلَ: كَمْ بُعْدُ السَّاحِلِ مِنَّا؟ قَالَ: سِتُّونَ مِيلًا (وَعَلَى ثَالِثٍ إنْ لَمْ يَجْتَزْ بِهِمَا) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: الْأَدَاءُ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى عَدَدِ مَنْ يَثْبُتُ بِهِ الْمَشْهُودُ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: مِنْ خَمْسَةٍ فَصَاعِدًا فِي الزِّنَا.
(وَإِنْ انْتَفَعَ بِجُرْحٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ إنْ أَعْطَاهُمْ رَبُّ الْحَقِّ دَوَابَّ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ إلَّا أَنْ لَا يَجِدُوا (إلَّا رُكُوبَهُ لِعُسْرِ مَشْيِهِ وَعَدَمِ دَابَّةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الْقُرْبُ الَّذِي يَلْزَمُ الشَّاهِدَ الْإِتْيَانُ لِأَدَاءِ شَهَادَتِهِ قِسْمَانِ: قَرِيبٌ جِدًّا تَقِلُّ فِيهِ النَّفَقَةُ وَمُؤْنَةُ الرُّكُوبِ، هَذَا لَا يَضُرُّ الشَّاهِدَ رُكُوبُ دَابَّةِ الْمَشْهُودِ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ دَابَّةٌ وَلَا أَكْلُ طَعَامِهِ.
وَغَيْرُ قَرِيبٍ جِدًّا تَكْثُرُ فِيهِ النَّفَقَةُ وَمُؤْنَةُ الرُّكُوبِ، وَهَذَا تَبْطُلُ فِيهِ شَهَادَتُهُ إنْ رَكِبَ دَابَّةَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَلَهُ دَابَّةٌ أَوْ أَكَلَ طَعَامَهُ عِنْدَ سَحْنُونٍ. وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّفَقَةِ وَلَا عَلَى اكْتِرَاءِ دَابَّةٍ وَهُوَ مِمَّنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ رَاجِلًا لَمْ تَبْطُلْ شَهَادَتُهُ إنْ أَنْفَقَ لَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ أَوْ اكْتَرَى لَهُ دَابَّةً. وَقِيلَ: تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ إنْ كَانَ مُبْرِزًا فِي الْعَدَالَةِ. قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لِأَنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَعَكَسَ ابْنُ الْحَاجِبِ.
(لَا كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ) سَحْنُونَ: إنْ كَانَ الشُّهُودُ عَلَى مِثْلِ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَأَكْثَرَ لَمْ يَشْخَصُوا مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَلْيَشْهَدُوا عِنْدَ مَنْ يَأْمُرُهُمْ الْقَاضِي فِي تِلْكَ الْبِلَادِ وَيَكْتُبُوا بِمَا شَهِدُوا بِهِ عِنْدَهُ إلَى الْقَاضِي.
(فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِدَابَّةٍ وَنَفَقَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ الشَّاهِدُ مِنْ الْبُعْدِ بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي مَنْ يَشْهَدُ عِنْدَهُ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ فَلَا يَضُرُّهُ أَكْلُ طَعَامِ الْمَشْهُودِ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَلَا رُكُوبُ دَابَّتِهِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ دَابَّةٌ. وَإِنْ احْتَجَبَ السُّلْطَانُ عَنْ الشَّاهِدِ لَمْ يَضُرَّهُ إنْفَاقُ الْمَشْهُودِ لَهُ مُدَّةَ انْتِظَارِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ وَيَنْصَرِفُ. وَقِيلَ: تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ذِكْرًا انْتَهَى.
اُنْظُرْ حُكْمَ الِانْتِفَاعِ عَلَى الْأَدَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى التَّحَمُّلِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي جَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَى التَّحَمُّلِ خِلَافٌ وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَغَيْرِهَا عَلَى أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَحَمُّلِهَا بِالْكُتُبِ فِيمَنْ انْتَصَبَ لَهَا وَتَرَكَ التَّسَبُّبَ الْمُعْتَادَ مِنْ أَجْلِهَا وَهُوَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ الْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً
[ ٨ / ٢٣٣ ]
مُسَمَّاةً وَيَجُوزُ بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَكْتُوبُ لَهُ مُضِرًّا لِلْكَاتِبِ إمَّا لِقَصْرِ الْقَاضِي الْكُتُبَ عَلَيْهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمُوجِبِ ذَلِكَ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْكَاتِبِ أَنْ لَا يَطْلُبَ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ، فَإِنْ فَعَلَ فَهِيَ جُرْحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ الْكَاتِبُ الْمَكْتُوبُ لَهُ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ وَهُوَ عِنْدِي مَحْمَلُ الْهِبَةِ عَلَى الثَّوَابِ.
فَإِنْ أَعْطَاهُ قَدْرَ أَجْرِ الْمِثْلِ فِي ذَلِكَ لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَإِلَّا كَانَ مُخَيَّرًا فِي قَبُولِ مَا أَعْطَاهُ وَتَمَسُّكِهِ بِمَا كُتِبَ لَهُ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ حَقٌّ لِلْمَكْتُوبِ لَهُ فَيَكُونُ فَوْتًا وَيُجْبَرُ لَهُ عَلَى أَجْرِ الْمِثْلِ.
[بَابٌ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ]
(وَحَلَفَ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَا نِكَاحٍ فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ وَإِنْ طَالَ دُيِّنَ) ابْنُ شَاسٍ: الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ أَنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ كَشَاهِدَيْنِ.
رَوَى الْمُحَمَّدَانِ إنَّمَا يَجُوزُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُدُودِ. ابْنُ سَحْنُونٍ: وَالنِّكَاحِ وَالْقَتْلِ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَخَامِسُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَقَامَتْ امْرَأَةٌ بِطَلَاقِهَا شَاهِدًا وَاحِدًا أَوْ امْرَأَتَيْنِ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِي الْحُقُوقِ مُنِعَ الزَّوْجُ مِنْهَا حَتَّى يَحْلِفَ. قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ نَكَلَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ مَكَانَهَا وَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُحْبَسُ سَنَةً فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا دِينَ وَخُلِّيَ مَعَ زَوْجَتِهِ، وَبِهَذَا أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَأَمَّا الْعِتْقُ فَثَالِثُ الْأَقْوَالِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: إنْ ادَّعَى عَبْدٌ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لِلنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ لَمْ يَشَأْ عَبْدٌ إلَّا حَلَّفَ سَيِّدَهُ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا حَلَّفَتْ زَوْجَهَا كُلَّ يَوْمٍ. فَإِنْ أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدًا أَوْ امْرَأَتَيْنِ مِمَّنْ يُقْبَلَانِ فِي الْحُقُوقِ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ الْعَبْدُ وَلَكِنْ يَحْلِفُ السَّيِّدُ، فَإِنْ نَكَلَ الْعَبْدُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يُسْجَنُ، فَإِنْ طَالَ سَجْنُهُ دِينَ وَالطُّولُ سَنَةٌ. وَأَمَّا النِّكَاحُ فَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ فَأَنْكَرَتْ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ يَمِينٌ، وَلَوْ أَقَامَ مُدَّعِي النِّكَاحَ شَاهِدًا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَرْأَةِ يَمِينٌ وَلَا تُحْبَسُ لَهُ وَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ شَاهِدًا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: تَحْلِفُ وَتَرِثُ. وَأَشْهَبُ يَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْمِيرَاثُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ النِّكَاحِ وَالنِّكَاحُ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قِيَاسُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ النِّكَاحُ عَلَى الطَّلَاقِ فِيهِ نَظَرٌ لِتَقَرُّرِ دَعْوَى الطَّلَاقِ دُونَ النِّكَاحِ.
وَانْظُرْ إذَا أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّهُ شَتَمَهُ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ مَعَهُ وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا قَذَفَهُ وَفِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي الْقِصَاصِ مِنْ جِرَاحِ الْعَمْدِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ثَالِثُهَا فِيمَا صَغُرَ مِنْ الْجِرَاحِ لَا فِيمَا عَظُمَ كَقَطْعِ الْيَدِ. اُنْظُرْهُ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ ".
(وَحَلَفَ عَبْدٌ وَسَفِيهٌ مَعَ شَاهِدِهِ لَا صَبِيُّ) ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ كَانَ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ حَقًّا لِسَفِيهٍ فَطَرِيقَانِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: يَحْلِفُ
[ ٨ / ٢٣٤ ]
مَعَ شَاهِدِهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبُرِّئَ، فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ.
قَالَ أَصْبَغُ: كَالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ النِّسَاءُ لِعَبْدٍ أَوْ لِامْرَأَةٍ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ، وَأَمَّا إنْ شَهِدَ الصَّبِيُّ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ حَتَّى يَبْلُغَ. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَحْلِفُ لَهُ الْمَطْلُوبُ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ وَإِنْ حَلَفَ تُرِكَ حَتَّى يَكْبُرَ الصَّبِيُّ فَيَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: فَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَسْتَحِقُّوا وَيَقُومُوا مَقَامَ الصَّبِيِّ لَوْ كَبِرَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا شَهِدَ النِّسَاءُ لِرَجُلٍ أَنَّ فُلَانًا أَوْصَى لَهُ بِكَذَا جَازَتْ شَهَادَتُهُنَّ بِذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ كَمَا لَوْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ قَالَ: وَامْرَأَتَانِ فِي ذَلِكَ وَمِائَةُ امْرَأَةٍ سَوَاءٌ، يَحْلِفُ الطَّالِبُ مَعَهُنَّ وَيَسْتَحِقُّ وَلَا يَحْلِفُ مَعَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ لِصَبِيٍّ بِمَالٍ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحْلِفُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَيُتْرَكُ حَتَّى يَحْتَلِمَ الصَّبِيُّ فَيَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقَّ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ لِسَفِيهٍ حَلَفَ مَعَهُ الْآنَ وَيَسْتَحِقُّ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالشَّرْعِ وَهُوَ كَالرَّشِيدِ فِي الْيَمِينِ، وَاخْتُلِفَ إذَا نَكَلَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ وَيُبَرَّأُ وَلَا يَحْلِفُ السَّفِيهُ إذَا رَشَدَ. ابْنُ رُشْدٍ. وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ الْمُوَلَّى عَلَيْهَا تَنْكُلُ عَنْ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهَا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا إذَا رُضِيَ حَالُهَا.
(وَأَبُوهُ وَإِنْ أَنْفَقَ) رَوَى مُحَمَّدٌ: إنْ أَقَامَ شَاهِدٌ لِطِفْلٍ بِدَيْنٍ لَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ أَبُوهُ.
قِيلَ: وَإِنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ؟ قَالَ: مَا أَظُنُّ ذَلِكَ لَهُ. اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ لِلصَّبِيِّ أَبٌ فَصَارَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ فَأَرَادَ الْأَبُ أَنْ يَحْلِفَ لِأَجْلِ نَفَقَتِهِ عَلَى الِابْنِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَظُنُّ ذَلِكَ لَهُ يُرِيدُ لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلصَّبِيِّ فَقَدْ يَتَوَرَّعُ عَنْهَا وَلَا يَحْلِفُ. وَلَهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْلِفُ.
(وَحَلَفَ مَطْلُوبٌ لِيُتْرَكَ بِيَدِهِ وَسُجِنَ لِيَحْلِفَ إذَا بَلَغَ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا قَامَ لِلْمَيِّتِ شَاهِدٌ بِدَيْنٍ وَوَارِثُهُ صَغِيرٌ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ حَلَفَ تُرِكَ حَتَّى يَكْبَرَ الصَّبِيُّ فَيَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ. قَالَ: أَوْ يَكْتُبَ لَهُ الْقَاضِي قَضِيَّتَهُ بِمَا صَحَّ عِنْدَهُ وَيَشْهَدَ عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ لِيُنَفِّذَهُ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ الْقُضَاةِ مَاتَ شَاهِدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ فَسَقَ، فَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ غَرِمَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَحْلِفْ الصَّغِيرُ إذَا كَبِرَ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الصَّغِيرَ إذَا انْفَرَدَ بِالْحَقِّ أَنَّ الْمَطْلُوبَ يَسْتَحْلِفُ لَهُ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ الْأَخَوَانِ، وَعَلَيْهِ فَيُسَجِّلُ الْإِمَامُ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ خَوْفَ مَوْتِهِ أَوْ طَرُوَ جُرْحَتِهِ (كَوَارِثٍ قَبْلَهُ) تَقَدَّمَ قَوْلُ بَعْضِ شُيُوخِ ابْنِ يُونُسَ: إنْ مَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ الْبُلُوغِ حَلَفَ وَرَثَتُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ نَكَلَ أَوَّلًا فَفِي حَلِفِهِ قَوْلَانِ) تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ إنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ غَرِمَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَحْلِفْ الصَّغِيرُ إذَا كَبِرَ. ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا فَانْظُرْ أَنْتَ مَا مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ (وَإِنْ نَكَلَ اكْتَفَى بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ الْأَوَّلِ) الْبَاجِيُّ: إذَا قُلْنَا يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ فَإِنْ حَلَفَ بَقِيَ الْحَقُّ عِنْدَهُ، مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ فِي الذِّمَّةِ، حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ فَيَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقَّ مَعَهُ، فَإِنْ فَاتَ الْمُعَيَّنُ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ بِهِ، فَإِنْ نَكَلَ الصَّبِيُّ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يَحْلِفُ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ حَلَفَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ يَمِينَ الْمَطْلُوبِ
[ ٨ / ٢٣٥ ]
يَمِينُ اسْتِحْقَاقٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ: يَمِينُ الْمَطْلُوبِ لِتَوَقُّفِ الْحَقِّ بِيَدِهِ فَقَطْ فَيَحْلِفُ الْآنَ يَمِينَ الِاسْتِحْقَاقِ وَهَذَا أَصْلٌ مُتَنَازَعٌ فِيهِ، رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يَحْلِفُ الصَّغِيرُ إذَا بَلَغَ حَتَّى يَعْلَمَ بِالْخَبَرِ الَّذِي يَتَيَقَّنُ بِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ كَمَا يَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى مَا لَمْ يَحْضُرْ وَهُوَ لَا يَدْرِي شَهِدَ لَهُ بِحَقٍّ أَمْ لَا، فَيَحْلِفُ مَعَهُ عَلَى خَبَرِهِ وَيُصَدِّقُهُ كَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ الشَّاهِدَانِ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمَا. ابْنُ عَرَفَةَ: فَفِي شَرْطِ حَلِفِهِ مَعَ شَاهِدِهِ بِتَيَقُّنِهِ أَوْ ظَنِّهِ قَوْلَا مُحَمَّدٍ وَمَالِكٍ.
(وَإِنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ أَتَى بِآخَرَ فَلَا ضَمَّ وَفِي حَلِفِهِ مَعَهُ وَيَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ إنْ لَمْ يَحْلِفْ فَقَوْلَانِ) الْبَاجِيُّ: مَنْ نَكَلَ عَنْ الْحَلِفِ مَعَ شَاهِدِهِ فَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ وَجَدَ الطَّالِبُ شَاهِدًا آخَرَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَضُمُّ هَذَا الشَّاهِدَ إلَى الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَقَالَ مَالِكٌ: يَضُمُّ هَذَا الشَّاهِدَ لِلشَّاهِدِ الْأَوَّلِ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ ابْنُ كِنَانَةَ: هَذَا وَهْمٌ إنَّمَا قَالَ هَذَا مَالِكٌ فِيمَنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا عَلَى طَلَاقِهَا فَحَلَفَ الزَّوْجُ ثُمَّ وَجَدَتْ شَاهِدًا آخَرَ فَإِنَّهُ يُضَمُّ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا نُكُولٌ. الْبَاجِيُّ: وَإِذَا قُلْنَا بِأَنْ لَا يُضَمَّ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: يُؤْتَنَفُ لَهُ الْحُكْمُ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا يَحْلِفُ الْآنَ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَيْضًا نَكَلَ قَبْلُ. وَقَالَهُ أَيْضًا ابْنُ الْقَاسِمِ. وَعَلَى حَلِفِهِ إنْ نَكَلَ ثَانِيَةً فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: تُرَدُّ الْيَمِينُ ثَانِيَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَسْقَطَ بِالْأُولَى شَهَادَةَ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ: لَا تُرَدُّ عَلَيْهِ ثَانِيَةً لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى هَذَا الْحَقِّ مَرَّةً. ابْنُ مَرْزُوقٍ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ يَمِينٌ بِبَعْضٍ كَشَاهِدٍ بِوَقْفٍ عَلَى بَنِيهِ وَعَقِبِهِمْ أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ حَلَفَ وَإِلَّا حُبِسَ فَإِنْ مَاتَ فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَوَّلِينَ أَوْ الْبَطْنِ الثَّانِي تَرَدُّدٌ) لَمْ يَتَهَيَّأْ لِي فِي الْوَقْتِ أَنْ أُحَصِّلَ مَا تَكُونُ بِهِ الْفَتْوَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَمْ أَفْهَمْ كَلَامَ خَلِيلٍ فَانْظُرْهُ أَنْتَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: شَهَادَةُ وَاحِدٍ بِحَبْسٍ فِي السَّبِيلِ أَوْ وَصِيَّةٍ فِيهِ أَوْ لِيَتَامَى أَوْ لِمَنْ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ سَاقِطَةٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ عَدَمُ حَلِفِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَلَى إبْطَالِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ طَالِبِهِ خِلَافًا لِلْمَازِرِيِّ وَاللَّخْمِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِوَصِيَّةٍ بِعِتْقٍ وَمَالٍ لِرَجُلٍ حَلَفَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَالِ وَلَمْ يُقْضَ لَهُ إلَّا بِمَا فَضَلَ عَنْ الْعِتْقِ لِأَنَّهُ يُقَالُ لِلْحَالِفِ مِنْ أَهْلِ الْوَصَايَا إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ حَقًّا إنَّمَا لَك مَعَ الْعِتْقِ مَا فَضَلَ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ لِمَنْ لَا يَحْصُرُهُ الْعَدَدُ كَآلِ فُلَانٍ وَمَسَاكِينِ آلِ فُلَانٍ وَشَبَهِهِ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِمْ حَقَّهُمْ يَحْلِفُ جُلُّهُمْ وَسُقُوطُ الْحَلِفِ فِي هَذَا قَوْلَانِ قَائِمَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ مُمْكِنَةً مِنْ بَعْضٍ مُمْتَنِعَةً مِنْ بَعْضٍ كَالشَّاهِدِ يُوقِفُ عَلَى بَنِيهِ وَعَقِبِهِمْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، فَرَوَى مُطَرِّفٌ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ وَاحِدٌ ثَبَتَ الْجَمِيعُ، وَرَوَى ابْن الماجشون إذَا حَلَفَ الْجُلُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ: كَمَسْأَلَةِ الْفُقَرَاءِ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ لِمَنْ حَلَفَ نَصِيبُهُ فَلَوْ مَاتَ فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَوَّلِينَ أَوْ الْبَطْنِ الثَّانِي أَوْ مَنْ حَلَفَ أَبُوهُ خِلَافٌ ثُمَّ فِي
[ ٨ / ٢٣٦ ]
أَخْذِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ قَوْلَانِ.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى حَاكِمٍ قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي إلَّا بِإِشْهَادِهِ) مِنْ الْمُفِيدِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ سَمِعْته يَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَلَمْ يُشْهِدْك فَاشْهَدْ بِمَا سَمِعْت إنْ كُنْت سَمِعْته يُؤَدِّيهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِلْحُكْمِ بِهَا وَإِلَّا فَلَا، حَتَّى يُشْهِدَك إذْ لَوْ عَلِمَ أَنَّك تَنْقُلُهَا عَنْهُ لَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُنْقِصُهَا، وَإِنَّمَا تَشْهَدُ بِمَا سَمِعْت مِنْ قَذْفٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ بِخِلَافِ الْحُقُوقِ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: لَا تَشْهَدُ بِقَوْلِ الْقَاضِي قَدْ ثَبَتَ لِفُلَانٍ عِنْدِي كَذَا حَتَّى يُشْهِدَك عَلَى ذَلِكَ نَصًّا أَوْ يُشْهِدَك الْقَاضِي عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ (كَاشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي) ابْنُ رُشْدٍ: شَهَادَةُ الرَّجُلِ بِمَا سَمِعَهُ دُونَ إشْهَادٍ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَا سَمِعَهُ مِنْهُ مِنْ قَذْفٍ يُوجِبُ حَدَّهُ أَوْ عُقُوبَتَهُ شَهَادَتُهُ بِهِ مَقْبُولَةٌ اتِّفَاقًا. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا سَمِعَهُ مِنْهُ مِنْ إقْرَارٍ عَلَى نَفْسِهِ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: تَصِحُّ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَوْلُهُ الْآخَرُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا لَا تَصِحُّ.
الثَّالِثُ: شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ بِمَا سَمِعَ مِنْ شَهَادَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ بِحَقٍّ أَوْ قَذْفٍ أَوْ زِنًا لَا تَجُوزُ اتِّفَاقًا. الْبَاجِيُّ: مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُصُّ شَهَادَتَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَنْقُلَهَا عَنْهُ حَتَّى يُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَذْكُرُ شَهَادَتَهُ يَقُولُ سَمِعْت فُلَانًا يَقْذِفُ فُلَانًا أَوْ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ فَلَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ حَتَّى يَقُولَ لَهُ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِيمَنْ قَالَ عِنْدِي شَهَادَةٌ فِي كَذَا فَلَا يَنْقُلُ ذَلِكَ عَنْهُ مَنْ سَمِعَهَا وَإِنْ نَقَلَهَا لَمْ تُقْبَلْ.
(أَوْ رَآهُ يُؤَدِّيهَا) قَالَ مُطَرِّفٌ: مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَشْهَدُ عِنْدَ الْقَاضِي بِشَهَادَةٍ ثُمَّ مَاتَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَتَكُونُ شَهَادَةً عَلَى شَهَادَةٍ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا تَجُوزُ حَتَّى يُشْهِدَك عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُشْهِدَ عَلَى قَبُولِ الْقَاضِي لِتِلْكَ الشَّهَادَةِ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ أَصْبَغَ أَعْدَلُ وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ سَمِعَهُ يُؤَدِّيهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ كَانَ هُوَ الْحَاكِمُ فَشَهِدَ بِهِ عِنْدَهُ أَوْ سَمِعَهُ يُشْهِدُ غَيْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ.
[بَابٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ]
(إنْ غَابَ الْأَصْلُ وَهُوَ رَجُلٌ) ابْنُ الْمَوَّازِ: تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ
[ ٨ / ٢٣٧ ]
فِي كُلِّ شَيْءٍ وَإِنَّمَا يُنْقَلُ عَنْ مَرِيضٍ أَوْ غَائِبٍ، وَلَا يَجُوزُ النَّقْلُ عَنْ الصَّحِيحِ الْحَاضِرِ، يُرِيدُ إلَّا النِّسَاءَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ النَّقْلُ عَنْهُنَّ وَهُنَّ أَصِحَّاءُ حُضُورٌ لِضَرُورَةِ النَّقْلِ بِسَبَبِ الْكَشَفَةِ. وَأَمَّا فِي الْحُدُودِ فَلَا يُنْقَلُ عَنْ الْبَيِّنَةِ إلَّا فِي غَيْبَةٍ بَعِيدَةٍ، فَأَمَّا الْيَوْمَانِ وَالثَّلَاثَةُ فَلَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْحُدُودِ فَجَائِزَةٌ فِي مِثْلِ هَذَا.
(بِمَكَانٍ لَا يَلْزَمُ الْأَدَاءُ مِنْهُ وَلَا تَكْفِي فِي الْحُدُودِ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامِ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْغَيْبَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي الْحُدُودِ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ لَا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَتَجُوزُ الْيَوْمَانِ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: إنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ أَوْ السِّتِّينَ مِيلًا جَازَ النَّقْلُ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَالٍ وَحَدٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السِّتِّينَ مِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَدَاءِ بُعْدٌ، اُنْظُرْهُ عِنْدَ كَبَرِيدَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
(أَوْ مَاتَ أَوْ مَرِضَ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ النَّقْلِ تَعَذُّرُ أَدَاءِ الْأَصْلِ أَوْ تَعَسُّرُهُ كَمَوْتِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ بُعْدِ مَكَانِهِ مِنْ مَحَلِّ الْأَدَاءِ.
(وَلَمْ يَطْرَأْ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَمَّا كَانَ تَمَامُ شَهَادَةِ النَّقْلِ بِأَدَائِهَا نَقْلُهَا عَنْهُ كَانَ طُرُوءَ مَانِعِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ قَبْلَ أَدَائِهَا نَقْلَهَا كَطُرُوءٍ عَلَى شَاهِدِهِ قَبْلَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْحُكْمِ، وَالْأَوَّلُ وَاضِحٌ وَالثَّانِي تَقَدَّمَ حُكْمُهُ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: إذَا طَرَأَ عَلَى الْأَصْلِ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ أَوْ رِدَّةٌ امْتَنَعَتْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ (بِخِلَافِ جِنٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: طُرُوءُ الْعَمَى وَالْجُنُونِ لَغْوٌ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِلَغْوِهِمَا فِي شَهَادَةِ غَيْرِ النَّقْلِ.
(وَلَمْ يُكَذِّبْهُ أَصْلُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ وَإِلَّا مَضَى بِلَا غُرْمٍ) فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي شَاهِدَيْنِ نَقَلَا شَهَادَةَ رَجُلٍ ثُمَّ قَدِمَ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَشْهَدَهُمَا أَوْ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عِلْمٌ وَقَدْ حُكِمَ بِهَا
[ ٨ / ٢٣٨ ]
قَالَ مَالِكٌ: يُفْسَخُ.
وَفِي سَمَاعِ عِيسَى: الْحُكْمُ مَاضٍ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمَا وَلَا يُقْبَلُ تَكْذِيبُهُ لَهُمَا. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا أَصْوَبُ قَالَ: وَلَوْ قَدِمَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَقَالَ ذَلِكَ سَقَطَتْ الشَّهَادَةُ. ابْنُ يُونُسَ: كَالرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ.
(وَنَقَلَ عَنْ كُلٍّ اثْنَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ تَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ عَدَدٍ كَثِيرٍ وَلَا يَنْقُلُ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ فِي الْحُقُوقِ عَنْ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ وَاحِدٍ عَنْ وَاحِدٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ لِأَنَّهَا بَعْضُ شَهَادَةِ شَاهِدٍ وَالنَّقْلُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَوْ أُجِيزَ ذَلِكَ لَمْ يَصِلْ إلَى قَبْضِ الْمَالِ إلَّا بِيَمِينٍ، وَإِنَّمَا «قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الْأَمْوَالِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَاحِدَةٍ» .
(لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إذَا شَهِدَ رَجُلٌ فِي حَقٍّ عَلَى عِلْمِهِ وَشَهِدَ هُوَ وَآخَرُ يَنْقُلَانِ عَنْ رَجُلٍ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ، فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ وَاحِدًا أَحْيَا الشَّهَادَةَ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى عِلْمِ نَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ عَنْ الْآخَرِ. وَانْظُرْ إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا وَثَالِثٌ عَلَى شَهَادَةِ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ. وَنَصَّ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ وَاحِدًا أَحْيَا شَهَادَتَهُمَا.
(وَفِي الزِّنَا أَرْبَعَةٌ أَوْ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ اثْنَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَى مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ، أَوْ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ آخَرَانِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ حَتَّى يَتِمُّ أَرْبَعَةٌ مِنْ كُلِّ النَّاحِيَتَيْنِ.
(وَلُفِّقَ نَقْلٌ بِأَصْلٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا ".
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: تَتِمُّ الشَّهَادَةُ بِبَعْضِ أَصْلٍ وَالنَّقْلِ عَنْ بَاقِيهِ بِشَرْطِ عَدَدِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى رُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَثَلَاثَةٌ عَلَى شَهَادَةِ ثَلَاثَةٍ فَذَلِكَ تَامٌّ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ لَهُ اثْنَانِ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَاثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ، وَأَمَّا وَاحِدٌ عَلَى رُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَاثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ ثَلَاثَةٍ لَمْ تَجُزْ، وَحُدَّ شَاهِدُ الرُّؤْيَةِ لِلْقَذْفِ.
(وَجَازَ تَزْكِيَةُ نَاقِلٍ أَصْلُهُ) مِنْ الْمُوَازِيَةِ: لَيْسَ النَّقْلُ عَلَى الشَّاهِدِ بِتَعْدِيلٍ حَتَّى يُعَدِّلَهُ النَّاقِلُونَ أَوْ يَعْرِفَهُ الْقَاضِي بِعَدَالَةٍ.
أَشْهَبُ: وَإِلَّا طَلَبَ مِنْهُ مَنْ يُزَكِّيه.
(وَنَقْلُ امْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ فِي بَابِ شَهَادَتِهِنَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَفِي الْوَكَالَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ إذَا كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَا يَنْقُلْنَ شَهَادَةً
[ ٨ / ٢٣٩ ]
إلَّا مَعَ رَجُلٍ نَقَلْنَ عَنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ.
[بَابٌ السَّادِسُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ]
(وَإِنْ قَالُوا وَهَمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا سَقَطَتَا) اُنْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ. ابْنُ شَاسٍ: الْبَابُ السَّادِسُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ ثُمَّ قَالَا قَبْلَ الْحُكْمِ بَلْ هُوَ هَذَا الْآخَرُ وَقَدْ وَهَمْنَا، لَمْ يُقْبَلَا فِي الْأُولَى وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ قَالَا قَبْلَ الْقَطْعِ وَهَمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا الْآخَرُ، لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَقَدْ خَرَجَا مِنْ حَدِّ الْعَدَالَةِ بِإِقْرَارِهِمْ أَنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَى الْوَهْمِ وَالشَّكِّ. سَحْنُونَ: إذَا رَجَعَ الشُّهَدَاءُ قَبْلَ الْحُكْمِ وَقَدْ شَهِدُوا بِحَقٍّ أَوْ وَاحِدٍ فَإِنَّهُمْ يُقَالُونَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَلَا عِقَابَ وَلَوْ اُتُّهِمُوا أَوْ رَجَعُوا لِشَكٍّ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ تُوجِبُ أَنْ لَا يَرْجِعَ أَحَدٌ، ابْنُ يُونُسَ: رَوَى الْمُغِيرَةُ «أَنَّ الرَّسُولَ - ﷺ - قَالَ فِي شَاهِدٍ شَهِدَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ - ﷺ -: تَمْضِي شَهَادَتُهُ الْأُولَى لِأَهْلِهَا وَالْآخِرَةُ بَاطِلَةٌ» .
وَأَخَذَ بِهَذَا مَالِكٌ وَغَيْرُهُ (وَنُقِضَ إنْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ أَوْ جَبِّهِ قَبْلَ الزِّنَا لَا رُجُوعِهِمْ وَغُرِّمَا مَالًا وَدِيَةً وَلَوْ تَعَمَّدَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: لِلرُّجُوعِ ثَلَاثُ صُوَرٍ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَلَا قَضَاءَ. فَإِنْ قَالَ وَهَمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: سَقَطَتَا مَعَ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُسْتَوْفَى الدَّمُ كَالْمَالِ.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يُسْتَوْفَى لِحُرْمَةِ الدَّمِ انْتَهَى. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ فَيَغْرَمَانِ الدِّيَةَ وَغَيْرَهَا إنْ لَمْ يَثْبُتْ عَمْدُهُمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَإِنْ ثَبَتَ عَمْدُهُمَا فَالدِّيَةُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالْقِصَاصُ لِأَشْهَبَ انْتَهَى.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا نَصَّ عَنْ مَالِكٍ فِي التَّغْرِيمِ فِي الرُّجُوعِ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَغْرِيمِ مَا أَتْلَفَهُ بِالتَّعَمُّدِ. وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا خِلَافَ فِي تَعَلُّقِ الْغَرَامَةِ بِهِمْ إذَا ثَبَتَ كَذِبُهُمْ كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ مَالِكًا أَخَذَ بِالْحَدِيثِ أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا رَجَعَ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ. وَمِنْ ابْنِ عَرَفَةَ مَا نَصُّهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَوْ رَجَعَا عَنْ رُجُوعِهِمَا الْمُوجِبِ غَرَّمَهُمَا لَمْ يُقَالَا
[ ٨ / ٢٤٠ ]
وَقَضَى عَلَيْهِمَا بِمَا يُقْضَى عَلَى الرَّاجِعِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إثْرَ هَذَا الْفَرْعِ: أَمَّا لَوْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ نَقَضَ إذَا أَمْكَنَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ثُبُوتُ كَذِبِهِمْ عَسِرٌ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ عَلَى تَجْرِيحِ الشُّهُودِ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ بِالْكَذِبِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَشْهَدُونَ بِكَذِبِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ فِيهَا، وَلِهَذَا عَلَّقَ الْمُؤَلِّفُ ثُبُوتَ كَذِبِهِمْ عَلَى الْإِمْكَانِ وَإِلَيْهِ يَعُودُ هَذَا الشَّرْطُ لَا إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ.
ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُهُ: " ثُبُوتُ كَذِبِهِمْ عَسِيرٌ " يَرُدُّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ أَخِيرًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَجْبُوبِ وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْ شَهِدَ بِقَتْلِهِ ثُمَّ قَدِمَ حَيًّا، وَبِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيمَنْ شَهِدَتْ بِمَوْتِهِ إلَخْ، الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إنَّ الشَّرْطَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إنْ أَمْكَنَ رَاجِعٌ إلَى ثُبُوتِ كَذِبِهِمْ لَا إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ وَهْمٌ، وَالْحَقُّ الْوَاضِحُ لِمَنْ أَنْصَفَ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ لَا إلَى ظُهُورِ كَذِبِهِمْ لِأَنَّ نَقْضَهُ قَدْ لَا يُمْكِنُ كَكَوْنِهِ حُكْمًا بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ وَقَعَ، وَقَدْ يُمْكِنُ كَكَوْنِهِ بِاسْتِحْقَاقِ رُبْعٍ.
وَنَحْوِهِ كَمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ شَهِدَتْ بِمَوْتِهِ بَيِّنَةٌ فَبِيعَتْ تَرِكَتُهُ وَتَزَوَّجَتْ زَوْجَتُهُ ثُمَّ قَدِمَ حَيًّا، فَإِنْ ذَكَرَ الشُّهُودُ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فَهَذَا تُرَدُّ إلَيْهِ زَوْجَتُهُ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ مَتَاعِهِ إلَّا مَا وَجَدَ، وَمَا بِيعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ إنْ وَجَدَهُ قَائِمًا، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ الْبَيِّنَةُ بِمَا تُعْذَرُ بِهِ فَذَلِكَ كَتَعَمُّدِهِمْ الزُّورَ فَلْيَأْخُذْ مَتَاعَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَعَبْدَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعْتِقَ وَأَمَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ. وَمِنْ الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَتَلَ ابْنَ هَذَا عَمْدًا فَقَضَى بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ ثُمَّ قَدِمَ الِابْنُ حَيًّا، غَرِمَ الشَّاهِدُ أَنَّ دِيَتَهُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَإِنْ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا عَلَى الْأَبِ.
اُنْظُرْ الْبَحْثَ فِي هَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ: وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَى فَرَجَمَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ وُجِدَ مَجْبُوبًا لَمْ يَحُدَّ الشُّهُودُ إذْ لَا يُحَدُّ مَنْ قَالَ لِلْمَجْبُوبِ يَا زَانِي، وَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمْ مَعَ وَجِيعِ الْأَدَبِ وَطُولِ السَّجْنِ. وَمِنْ الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى حُرٍّ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا فَحَكَمَ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ وَدُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ فَذَهَبُوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ فَرَجَعَا وَأَقَرَّا بِالزُّورِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهِ الْقَوْلُ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْفُذُ فِيهِ الْقَتْلُ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ وَلَكِنْ أَقِفُ عَنْ قَتْلِهِ لِحُرْمَةِ الْقَتْلِ، وَكَذَلِكَ الْقَطْعُ وَشَبَهُهُ وَأَرَى فِيهِ الْعَقْلَ أَحَبَّ إلَيَّ انْتَهَى.
رَاجِعْ أَنْتَ هَذِهِ النُّصُوصَ فَإِنِّي قَدْ أَجْحَفْت فِي الِاخْتِصَارِ حَتَّى فِي نَقْلِي عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ إذْ مَا كَانَ الْقَصْدُ إلَّا الْإِشَارَةَ لِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَلِيلٌ أَرَادَهُ، ثُمَّ مَعَ هَذَا مَا تَحَصَّلَ لِي مِنْ عِبَارَةِ خَلِيلٍ حَاصِلٌ فَانْظُرْهُ أَنْتَ.
(وَلَا يُشَارِكُهُمْ شَاهِدَا الْإِحْصَانِ) ابْنُ يُونُسَ: إنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا وَشَهِدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ غَيْرُهُمْ بِالْإِحْصَانِ فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعَ جَمِيعُ الشُّهُودِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الدِّيَةُ عَلَى شُهُودِ الزِّنَا وَلَا شَيْءَ عَلَى شَاهِدَا
[ ٨ / ٢٤١ ]
الْإِحْصَانِ، وَبِهَذَا قَالَ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ.
(كَرُجُوعِ الْمُزَكِّي) سَحْنُونَ: إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ بِحَقٍّ وَالْقَاضِي لَا يَعْرِفُهُمَا فَزَكَّاهُمَا رَجُلَانِ وَقَبِلَهُمَا الْقَاضِي فَحَكَمَ بِالْحَقِّ ثُمَّ رَجَعَ الْمُزَكِّيَانِ وَقَالَا: زَكَّيْنَا غَيْرَ عَدْلَيْنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الْحَقَّ بِغَيْرِهِمَا أُخِذَ. وَلَوْ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ وَمَنْ زَكَّاهُمَا لَمْ يَغْرَمْ إلَّا الشَّاهِدَانِ لِأَنَّ بِهِمَا قَامَ الْحَقُّ.
(وَأَدَبًا فِي كَقَذْفٍ) قَالَ سَحْنُونَ: إذَا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَ رَجُلًا أَوْ شَتَمَهُ أَوْ لَطَمَهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ فَجَلَدَهُ الْقَاضِي فِي الْقَذْفِ وَأَدَّبَهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَبُ ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ وَأَقَرُّوا بِالزُّورِ، فَلَيْسَ فِي هَذَا عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا غُرْمٌ وَلَا قَوَدٌ وَلَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ إلَّا الْأَدَبُ مِنْ السُّلْطَانِ، وَلَا تَقَعُ الْمُمَاثَلَةُ فِي اللَّطْمَةِ وَلَا ضَرْبِ السَّوْطِ بِأَمْرٍ يُضْبَطُ وَلَا أَرْشَ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَدَبُ.
(وَحُدَّ شُهُودُ الزِّنَا مُطْلَقًا) ابْنُ الْحَاجِبِ: لِلرُّجُوعِ ثَلَاثُ صُوَرٍ: قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ وَبَعْدَهُ وَيُحَدُّونَ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا (كَرُجُوعِ أَحَدِ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ حُدَّ الرَّاجِعُ وَحْدَهُ فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ رَجَعَ شُهُودُ الزِّنَا بَعْدَ الرَّجْمِ حُدُّوا وَكَانَتْ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنْ رَجَعَ وَاحِدٌ جُلِدَ وَحْدَهُ وَغَرِمَ رُبْعَ الدِّيَةِ، وَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ جُلِدَ الْأَرْبَعَةُ، وَكَذَلِكَ إنْ ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدٌ أَوْ مَسْخُوطٌ. وَلَوْ قَضَى بِرَجْمٍ أَوْ بِجَلْدٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدٌ فَإِنَّهُمْ يُحَدُّونَ كُلُّهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ مَسْخُوطًا لَمْ يُحَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ تَثْبُتُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ عَلَى ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ، وَالْعَبْدُ لَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُ تَثْبُتُ وَذَلِكَ خَطَأٌ مِنْ الْإِمَامِ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الشُّهُودُ فَذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ، وَإِنْ عَلِمُوا فَذَلِكَ عَلَى الشُّهُودِ فِي أَمْوَالِهِمْ.
(وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ فَلَا غُرْمَ وَلَا حَدَّ) مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَغَيْرِهِ: إنْ شَهِدَ سِتَّةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَى فَرُجِمَ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ وَأَقَرَّا بِتَعَمُّدِ الزُّورِ، فَلَا شَيْءَ
[ ٨ / ٢٤٢ ]
عَلَى مَنْ رَجَعَ مِنْ حَدٍّ وَلَا غُرْمٍ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ أَرْبَعَةٌ أَثْبَتُوا أَنَّهُ زَانٍ وَعَلَى مَنْ رَجَعَ الْأَدَبُ، ثُمَّ إنْ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْ الْأَرْبَعَةِ غَرِمَ هُوَ وَالرَّاجِعَانِ قَبْلَهُ رُبْعُ الدِّيَةِ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا مَعَ الْحَدِّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ رَجَعُوا مَعًا أَوْ مُفْتَرِقِينَ، وَلَا أَدَبَ عَلَيْهِمْ مَعَ الْحَدِّ ثُمَّ إنْ رَجَعَ آخَرُ لَزِمَهُ رُبْعُ الدِّيَةِ يُشَارِكُهُ فِيهِ كُلُّ مَنْ رَجَعَ وَيُشَارِكُهُمْ فِيمَا غَرِمُوا فَيَصِيرُ نِصْفُ الدِّيَةِ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا، ثُمَّ إنْ رَجَعَ ثَالِثٌ لَزِمَهُ أَيْضًا رُبْعُ الدِّيَةِ يَشْتَرِكُ فِيهِ كُلُّ مَنْ رَجَعَ فَتَكُونُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا (إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ عَبْدٌ فَيُحَدُّ الرَّاجِعَانِ وَالْعَبْدُ وَغَرِمَا فَقَطْ رُبْعَ الدِّيَةِ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَوْ شَهِدَ سِتَّةٌ بِزِنَا رَجُلٍ فَرَجَعَ اثْنَانِ وَظَهَرَ أَنَّ أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ لَمْ يَرْجِعُوا عَبْدٌ حُدَّ الرَّاجِعَانِ وَغَرِمَا رُبْعَ الدِّيَةِ، لِأَنَّ الْحَدَّ أُقِيمَ بِأَرْبَعَةٍ بَطَلَ أَحَدُهُمْ لِكَوْنِهِ عَبْدًا وَاَلَّذِي بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ لَوْ كَانَ حُرًّا رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ حُدَّ وَغَرِمَ رُبْعَ الدِّيَةِ، وَلَا غُرْمَ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ شَهَادَتِهِ وَيُحَدُّ لِكَوْنِهِ قَذَفَ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ زِنَاهُ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، وَلَا يَلْزَمُ الثَّلَاثَةَ الْأَحْرَارَ حَدٌّ وَلَا غُرْمٌ.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ (ثُمَّ إنْ رَجَعَ ثَالِثٌ حُدَّ هُوَ وَالسَّابِقَانِ وَغَرِمُوا رُبْعَ الدِّيَةِ وَرَابِعٌ فَنِصْفُهَا) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ.
(وَإِنْ رَجَعَ سَادِسٌ بَعْدَ فَقْءِ عَيْنِهِ وَخَامِسٌ بَعْدَ مُوضِحَتِهِ وَرَابِعٌ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَلَى الثَّانِي خُمُسُ الْمُوضِحَةِ مَعَ سُدُسِ الْعَيْنِ كَالْأَوَّلِ وَعَلَى الثَّالِثِ رُبْعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ) مُحَمَّدٌ: إنْ شَهِدَ سِتَّةٌ عَلَى مُحْصَنٍ بِالزِّنَا فَأَمَرَ الْإِمَامُ بِرَجْمِهِ فَلَمَّا فُقِئَتْ عَيْنُهُ فِي الرَّجْمِ رَجَعَ وَاحِدٌ ثُمَّ عَادُوا فِي رَجْمِهِ فَأَوْضَحَهُ مُوضِحَةً، ثُمَّ رَجَعَ ثَانٍ ثُمَّ تَمَادَوْا فِي رَجْمِهِ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ رَجَعَ الثَّالِثُ فَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ هَذَا الثَّالِثُ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ رَجَعَ قَبْلَهُ شَيْءٌ فَأَرَى عَلَى الرَّاجِعِ الْأَوَّلِ سُدُسَ دِيَةِ الْعَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي خُمُسَ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ وَسُدُسَ دِيَةِ الْعَيْنِ، وَعَلَى الرَّاجِعِ بَعْدَ قَتْلِهِ رُبْعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ لِأَنَّ دِيَةَ النَّفْسِ تَأْتِي عَلَى مَا قَبْلَ ذَلِكَ.
(وَمُكِّنَ مُدَّعٍ رُجُوعًا مِنْ بَيِّنَةٍ كَيَمِينٍ إنْ أَتَى بِلَطْخٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ ادَّعَى أَنَّهُمَا رَجَعَا مُكِّنَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَهُمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَرْجِعَا فَقَوْلَانِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ سَحْنُونٍ: إنْ ادَّعَى الْمُقْضَى عَلَيْهِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا وَأَنْكَرَا، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِلَطْخٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ أَتَى بِلَطْخٍ حَلَفَا وَبُرِّئَا، وَإِنْ نَكَلَا حَلَفَ الْمُدَّعِي وَأَغْرَمَهُمَا مَا أَتْلَفَاهُ لَهُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ أَقَامَ عَلَيْهِمَا شَاهِدَيْنِ بِإِقْرَارِهِمَا بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ فَلْيَغْرَمَا مَا شَهِدَا بِهِ وَيَغْرَمَانِ أَرْشَ الْجِرَاحِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى رُجُوعِهِمَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ.
(وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمَا عَنْ الرُّجُوعِ) هَذِهِ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَعْقَبَهَا بِقَوْلِهِ: أَمَّا لَوْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ نُقِضَ فَانْظُرْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَنُقِضَ إنْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ " وَعِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ: لَوْ رَجَعَا عَنْ الرُّجُوعِ لَمْ يُقَالَا بَلْ يُقْضَى عَلَيْهِمَا عَلَى
[ ٨ / ٢٤٣ ]
الرَّاجِعِ الْمُتَمَادِي فِي رُجُوعِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ رُجُوعَ الشَّاهِدِ عَنْ شَهَادَتِهِ لَيْسَ بِشَهَادَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ.
(فَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ وَحَكَمَ فَالْقِصَاصُ) الْمَازِرِيُّ: لَوْ أَنَّ الْقَاضِي عَلِمَ بِكَذِبِ الشُّهُودِ فَحَكَمَ بِالْجَوْرِ وَأَرَاقَ هَذَا الدَّمَ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الشُّهُودِ إذَا لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ بَلْ أَمَرَ بِهِ مَنْ تَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: اتَّبَعَ ابْنُ شَاسٍ الْمَازِرِيَّ فِي هَذَا، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَقَرَّ الْقَاضِي أَنَّهُ رَجَمَ أَوْ قَطَعَ الْأَيْدِي أَوْ جَلَدَ تَعَمُّدًا لِلْجَوْرِ أُقِيدَ مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْقَوَدَ يَلْزَمُ الْقَاضِي إنْ لَمْ يُبَاشِرْ. وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْمَازِرِيِّ وَمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَإِنْ رَجَعَا عَنْ طَلَاقٍ فَلَا غُرْمَ كَعَفْوِ الْقِصَاصِ إنْ دَخَلَ وَإِلَّا فَنِصْفُهُ) أَمَّا رُجُوعُهُمَا عَنْ طَلَاقٍ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا رَجَعَا فِي عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ قِيمَةَ الْمُعْتَقِ.
وَفِي الطَّلَاقِ إنْ دَخَلَ بِالزَّوْجَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ ضَمِنَا نِصْفَ الصَّدَاقِ لِلزَّوْجِ وَيَضْمَنَانِ الدَّيْنَ وَيَضْمَنَانِ الْعَقْلَ فِي الْقِصَاصِ فِي أَمْوَالِهِمَا. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: عِنْدَنَا فِي الْأَصْلِ ضَمِنَا نِصْفَ الصَّدَاقِ حَمَلَهُ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ إنْ غَرِمَهُ الزَّوْجُ، وَحَمَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إنْ غَرِمَهُ لِلْمَرْأَةِ. وَأَمَّا رُجُوعُهُمَا عَنْ عَفْوِ الْقِصَاصِ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ الطَّلَاقِ وَأَقَرَّا بِالتَّعَمُّدِ نَفَذَ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمَا كَشَهَادَةِ عَفْوِ الْقِصَاصِ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ سَحْنُونَ: إذَا رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِعَفْوِ وَلِيِّ الدَّمِ عَنْ قَاتِلِ وَلِيِّهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِإِسْقَاطِ الْقَوَدِ لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا، وَلَا قِصَاصَ عَلَى الْقَاتِلِ.
وَشَبَهُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ بِرُجُوعِهِمَا عَنْ الطَّلَاقِ. سَحْنُونَ: وَيُجْلَدُ الْقَاتِلُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً وَيُؤَدَّبُ الشَّاهِدَانِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يَغْرَمَا الدِّيَةَ لِأَنَّ لَهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ.
(كَرُجُوعِهِمَا عَنْ دُخُولِ مُطَلَّقَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ الدُّخُولِ فِي مُطَلَّقَةٍ غَرِمَا نِصْفَ الصَّدَاقِ وَهُوَ نَصُّ الْجَلَّابِ: لَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ فِي زَوْجَةٍ لَهُ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا وَطَلَّقَهَا وَهُوَ مُقِرٌّ بِالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَمُنْكَرٌ لِلدُّخُولِ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا غَرِمَا لَهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ وَاَلَّذِي لَزِمَهُ بِشَهَادَتِهِمَا.
(وَاخْتَصَّ الرَّاجِعَانِ
[ ٨ / ٢٤٤ ]
بِدُخُولٍ عَنْ الطَّلَاقِ وَرَجَعَ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ إنْ أَنْكَرَ الطَّلَاقَ وَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ إرْثٍ دُونَ مَا غَرِمَ وَرَجَعَتْ عَلَيْهَا بِمَا فَوَّتَاهَا مِنْ إرْثٍ وَصَدَاقٍ) اُنْظُرْ إتْيَانَهُ بِالضَّمِيرِ فِي " عَلَيْهِمَا ". ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالطَّلَاقِ وَاثْنَانِ بِالدُّخُولِ فَالْأَكْثَرُ لَا غَرَامَةَ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ وَيَرْجِعُ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ إذَا كَانَ مُنْكِرًا طَلَاقَهَا، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ الْمِيرَاثِ دُونَ مَا غَرِمَ لَهَا، وَتَرْجِعُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهَا مِنْ الْمِيرَاثِ وَالصَّدَاقِ.
ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلَوْ غَرِمَ شَاهِدَا الْبِنَاءِ لِرُجُوعِهِمَا ثُمَّ مَاتَتْ الزَّوْجَةُ رَجَعَا عَلَى الزَّوْجِ بِمَا غَرِمَا، لِأَنَّ إنْكَارَهُ طَلَاقَهَا وَالْبِنَاءَ بِهَا يُوجِبُ أَنَّ مَوْتَهَا فِي عِصْمَتِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَذَلِكَ مُوجِبٌ عَلَيْهِ كُلَّ الصَّدَاقِ. ابْنُ شَاسٍ: إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَقَضَى عَلَيْهِ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ فَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَإِنَّهُمَا يَغْرَمَانِ لِلْمَرْأَةِ مَا حَرَمَاهَا مِنْ مِيرَاثِهِ وَمَا أَسْقَطَا مِنْ صَدَاقِهَا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا مَاتَتْ هِيَ لَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهِمَا بِمِيرَاثِهِ فَقَطْ لَا بِشَيْءٍ مِمَّا غَرِمَ مِنْ الصَّدَاقِ. وَهَذَا الْجَوَابُ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مُنْكِرًا مَا شَهِدَ بِهِ مِنْ الطَّلَاقِ.
(وَإِنْ كَانَ عَنْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطِ شَاهِدَيْ طَلَاقِ أَمَةٍ غَرِمَا لِلسَّيِّدِ مَا نَقَصَ بِتَزْوِيجِهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ رَجَعَا عَنْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطِ شَاهِدَيْ طَلَاقِ أَمَةٍ
[ ٨ / ٢٤٥ ]
غَرِمَا لِلسَّيِّدِ مَا نَقَصَ وَيَرُدُّهَا زَوْجَةً. ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ لَهُ أَمَةٌ ذَاتُ زَوْجٍ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِطَلَاقِهَا وَالسَّيِّدُ يَدَّعِيه فَقَضَى لَهُ ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِمَا أُسْقِطَ بِشَهَادَتِهِمَا مِنْ أَنَّهُمَا زَوَّرَا شَهَادَتَهُمَا أَوْ كَانَا غَائِبَيْنِ عَنْ الْبَلَدِ الَّذِي شَهِدَا بِهِ فَأَثْبَتَ الْقَاضِي النِّكَاحَ ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ أَخِيرًا، فَعَلَيْهِمَا غُرْمُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا ذَاتِ زَوْجٍ وَقِيمَتِهِمَا خَالِيَةً مِنْهُ.
(وَلَوْ كَانَ بِخُلْعٍ بِثَمَرَةٍ لَمْ تَطِبْ أَوْ بِآبِقٍ فَالْقِيمَةُ حِينَئِذٍ كَالْإِتْلَافِ بِلَا تَأْخِيرٍ لِلْحُصُولِ فَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ حِينَئِذٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ رَجَعَا عَنْ الْخُلْعِ بِثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَغْرَمَانِ قِيمَتَهَا عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ كَمَنْ أَتْلَفَهَا وَفِي الْعَبْدِ الْآبِقِ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُؤْخَذُ الْجَمِيعُ لِلْحُصُولِ فَيَغْرَمَانِ مَا يَحْصُلُ انْتَهَى.
وَنَحْوُ هَذَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا قَائِلًا: وَإِلَى هَذَا رَجَعَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي أَنَّهُمَا يَغْرَمَانِ لَهَا قِيمَةَ الثَّمَرَةِ يَوْمَ يَجِدُهَا الزَّوْجُ وَيَقْبِضُهَا، وَكَذَلِكَ إنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ آبِقٍ أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ أَوْ جَنِينٍ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَلْزَمْهُمَا غُرْمٌ إلَّا مِنْ بَعْدِ خُرُوجِ الْجَنِينِ وَقَبْضِهِ وَبَعْدَ وِجْدَانِ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ وَقَبْضِهِمَا، فَيَغْرَمَانِ لَهَا قِيمَةَ ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْأَحْسَنِ. اُنْظُرْ أَنْتَ هَذَا.
(وَإِنْ كَانَ بِعِتْقٍ غَرِمَا قِيمَتَهُ وَوَلَاؤُهُ لَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَدْ شَهِدَا بِعِتْقٍ ضَمِنَا قِيمَةَ الْمُعْتَقِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ذَكَرَ الشَّيْخُ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ بِلَفْظِ: فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُقِيمًا عَلَى الْجَحْدِ فَلَهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَيَبْقَى وَلَاؤُهُ لَهُ
[ ٨ / ٢٤٦ ]
لِأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ رَجُلٍ فَالْوَلَاءُ لِلرَّجُلِ.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَهَلْ إنْ كَانَ لِأَجَلٍ فَيَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ وَالْمَنْفَعَةُ إلَيْهِ لَهُمَا أَوْ تَسْقُطُ مِنْهَا الْمَنْفَعَةُ أَوْ يُخَيَّرُ فِيهَا أَقْوَالٌ) مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ إلَى سِنِينَ فَقَضَى بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا فَعَلَيْهِمَا لِسَيِّدِهِ قِيمَتُهُ حَالَّةً وَيَطْلُبَانِ ذَلِكَ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ فَيُؤَاجِرَاهُ أَوْ يَسْتَخْدِمَاهُ، فَإِنْ قَبَضَا مَا أَدَّيَا قَبْلَ الْأَجَلِ رَجَعَ الْعَبْدُ يَخْدُمُ سَيِّدَهُ إلَى الْأَجَلِ، وَإِنْ تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَتِمَّ مَا أَدَّيَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا مِمَّا بَقِيَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يَغْرَمَانِ قِيمَتَهُ مُسْقِطًا مِنْهَا قِيمَةَ خِدْمَتِهِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ بَعْدَمَا أَغْرَمَهُ قِيمَتَهُ أَنَا لَا أُسَلِّمُهُ إلَى الشَّاهِدَيْنِ وَلَكِنْ أَنَا أَسْتَخْدِمُهُ وَأَدْفَعُ إلَيْهِمَا مَا يَحِلُّ عَلَيَّ مِنْ خِدْمَتِهِ فَذَلِكَ لَهُ، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِمَا لِيَأْخُذَا مِنْ خِدْمَتِهِ مَا أَدَّيَا أَوْ يَحْبِسَهُ وَيَدْفَعَ إلَيْهِمَا كُلَّمَا حَصَلَ مِنْ خِدْمَتِهِ إلَى مَبْلَغِ مَا أَدَّيَا. انْتَهَى.
(وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ تَدْبِيرٍ فَالْقِيمَةُ وَلْيَسْتَوْفِيَا مِنْ خِدْمَتِهِ) نَحْوُ هَذَا هِيَ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ.
قَالَ سَحْنُونَ: لَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ دَبَّرَ عَبْدَهُ فَقَضَى بِذَلِكَ وَالسَّيِّدُ يُنْكِرُ ثُمَّ رَجَعَا وَأَقَرَّا بِالزُّورِ فَلْيَتَعَجَّلْ مِنْهُمَا قِيمَةَ الْعَبْدِ وَيُقَالُ لَهُمَا: اُدْخُلَا فِيمَا أَدْخَلْتُمَاهُ فَاقْتَضِيَا مِنْ الْخِدْمَةِ الَّتِي أَبْقَيْتُمَا فِي يَدِهِ مَا أَدَّيْتُمَا ثُمَّ رَجَعَ بَقِيَّةُ خِدْمَتِهِ لِسَيِّدِهِ. وَانْظُرْ لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ بَتَلَ عِتْقَ مُدَبَّرِهِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ مُدَبَّرَهُ فَقَضَى بِتَعْجِيلِ عِتْقِهِ ثُمَّ رَجَعَا فَعَلَيْهِمَا قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً كَانَ لَهُ وَطْؤُهَا وَيُقْضَى بِهَا دَيْنُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ (فَإِنْ عَتَقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ فَعَلَيْهِمَا وَهُمَا أَوْلَى إنْ رَدَّهُ دَيْنٌ أَوْ بَعْضَهُ) ابْنُ الْمَوَّازِ: فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَهُمَا فِي الْخِدْمَةِ الَّتِي صَارَتْ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَا وَخَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقَ وَلَا شَيْءَ لَهُمَا غَيْرَ مَا أَخَذَا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بَعْضُهُ فَالشَّاهِدَانِ أَحَقُّ بِمَا رَقَّ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَا مَا بَقِيَ لَهُمَا، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ثَمَنِ مَا رَقَّ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ وَلَمْ يَرْبَحَا فِيمَا أَدَّيَا (كَالْجِنَايَةِ) سَحْنُونَ: لَوْ مَاتَ الْمُدَبَّرُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَا وَتَرَكَ مَالًا أَوْ قُتِلَ لَأَخَذَا مِنْ مَالِهِ أَوْ قِيمَتِهِ مَا بَقِيَ لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا.
(وَإِنْ كَانَ بِكِتَابَةٍ فَالْقِيمَةُ وَاسْتَوْفَيَا مِنْ نُجُومِهِ وَإِنْ رَقَّ فَمِنْ رَقَبَتِهِ) سَحْنُونَ: إنْ شَهِدَ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدَهُ فَقَضَى بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا وَأَقَرَّا بِالزُّورِ، فَالْحُكْمُ مَاضٍ وَلْيُؤَدِّيَا قِيمَتَهُ نَاجِزَةً لِلسَّيِّدِ يَوْمَ الْحُكْمِ وَيَتأَدَّيانِهَا مِنْ الْكِتَابَةِ عَلَى النُّجُومِ، فَإِنْ اقْتَضَيَا مِنْهَا مِثْلَ مَا أَدَّيَا رَجَعَ السَّيِّدُ فَأَخَذَ بَاقِي الْكِتَابَةِ مُنَجَّمَةً، فَإِنْ أَدَّاهَا عَتَقَ، وَإِنْ عَجَزَ رَقَّ لَهُ، وَإِنْ عَجَزَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الرَّاجِعَانِ مَا أَدَّيَا. نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ يُبَاعُ لَهُمَا مِنْهُ تَمَامُ مَا بَقِيَ لَهُمَا مِنْهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَمَامِهِ لَهُمَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَبِهِ أَقُولُ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ وَابْنَ يُونُسَ.
(وَإِنْ كَانَ بِإِيلَادٍ فَالْقِيمَةُ وَأَخَذَا مِنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا وَفِيمَا اسْتَفَادَتْهُ قَوْلَانِ) مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَوْلَدَ جَارِيَةً أَوْ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا، فَعَلَيْهِمَا قِيمَتُهَا لِلسَّيِّدِ وَلَا شَيْءَ
[ ٨ / ٢٤٧ ]
لَهُمَا وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلسَّيِّدِ يَطَؤُهَا وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا وَلَمْ تَبْقَ فِيهَا خِدْمَةٌ وَلَا يَرْجِعَانِ فِيهَا بِمَا غَرِمَا إلَّا أَنْ تُجْرَحَ أَوْ تُقْتَلَ فَيُؤْخَذُ لِذَلِكَ أَرْشٌ، فَلَهُمَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ الْأَرْشِ بِمِقْدَارِ مَا أَدَّيَا وَالْفَضْلُ لِلسَّيِّدِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا يَرْجِعَانِ فِيمَا تَسْتَفِيدُ مِنْ مَالٍ بِعَمَلٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَذَلِكَ لِلسَّيِّدِ مَعَ مَا أَخَذَ، وَقَالَ سَحْنُونَ: يَرْجِعَانِ فِي الْأَرْشِ فِي كُلِّ مَا تَسْتَفِيدُهُ.
(وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِهَا فَلَا غُرْمَ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ شَهِدَا فِي أُمِّ وَلَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا فَحُكِمَ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا فَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ: لَا شَيْءَ عَلَى الشَّاهِدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا غَيْرُ الْوَطْءِ وَلَا قِيمَةَ لَهُ كَمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ رَجَعَا، وَأَنَّ السَّفِيهَ يُعْتِقُ أُمَّ وَلَدِهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَى الشَّاهِدَيْنِ قِيمَتُهُمَا لِلسَّيِّدِ كَمَا لَوْ قَتَلَهَا رَجُلٌ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْوَمُ وَأَوْضَحُ.
(أَوْ بِعِتْقِ مُكَاتَبِهِ فَالْكِتَابَةُ) سَحْنُونَ: إنْ شَهِدَ الْمُكَاتَبُ أَنَّ سَيِّدَهُ قَبَضَ مِنْهُ كِتَابَتَهُ وَأَعْتَقَهُ أَوْ شَهِدَا عَلَى أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُ كِتَابَتَهُ وَخَرَجَ حُرًّا فَقَضَى بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا، فَلْيَغْرَمَا لِلسَّيِّدِ مَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ مِمَّا كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ كَانَ ذَلِكَ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا. قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: يُؤَدِّيَانِهِ عَلَى النُّجُومِ.
وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
. (وَإِنْ كَانَ بِبُنُوَّةٍ فَلَا غُرْمَ إلَّا بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ بِإِرْثٍ) مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ وَالْأَبُ يَنْفِيهِ فَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ الْأَبَ أَقَرَّ أَنَّهُ ابْنُهُ فَحُكِمَ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَا قَبْلَ مَوْتِ الْأَبِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا فِي النَّسَبِ قَبْلَ أَنْ يَرِثَ وَيَمْنَعُ الْعَصَبَةَ وَحِينَئِذٍ يَغْرَمَانِ لِلْعَصَبَةِ مَا أَتْلَفَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَقِيمَتُهُ أَوَّلًا ثُمَّ إنْ مَاتَ وَتَرَكَ آخَرَ فَالْقِيمَةُ لِلْآخَرِ وَغَرِمَا لَهُ نِصْفَ الْبَاقِي) مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَإِنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ فِي عَبْدِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ فَقَضَى بِإِلْحَاقِ نَسَبِهِ وَحُرِّيَّتِهِ ثُمَّ رَجَعَا وَالسَّيِّدُ
[ ٨ / ٢٤٨ ]
صَحِيحُ الْبَدَنِ، فَالْحُكْمُ بِالنَّسَبِ مَاضٍ وَعَلَيْهِمَا لِلسَّيِّدِ قِيمَةُ الْعَبْدِ، فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَرَكَ وَلَدًا آخَرَ مَعَ الْمُسْتَلْحَقِ فَلْيَقْتَسِمَا تَرِكَتَهُ إلَّا قِيمَةَ الْمُسْتَلْحَقِ الَّتِي أَخَذَ الْأَبُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنَّهَا تُعْزَلُ مِنْ التَّرِكَةِ فَتَكُونُ لِابْنِ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ، لِأَنَّ الْمُسْتَلْحَقَ يَقُولُ إنَّ أَبَاهُ ظَلَمَ فِيهَا الشُّهُودَ وَأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُ فِيهَا، وَيُنْظَرُ مَا حَصَلَ لِلْمُسْتَلْحَقِ مِنْ الْمِيرَاثِ غَيْرُ الْقِيمَةِ فَيَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ مِثْلَهُ لِلِابْنِ الْأَوَّلِ بِمَا أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْقِيمَةَ لِلِابْنِ الْأَوَّلِ لِأَنَّا لَوْ اقْتَسَمْنَاهَا بَيْنَهُمَا لَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْمُسْتَلْحَقِ بِمَا أَخَذَ مِنْهَا فَأَخَذَاهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِأَبِيهِ عَلَيْهِمَا لِصِحَّةِ نَسَبِهِ، فَإِذَا أُخِذَ ذَلِكَ مِنْهُ قَامَ عَلَيْهِمَا الِابْنُ الْأَوَّلُ فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ يَقُولُ لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُسْتَحِقِّ وَجَبَ لَهُ الرُّجُوعُ بِمِثْلِهِ عَلَيْكُمَا أَنْ تَغْرَمَا كُلَّ مَا أُخِذَ لِي مِنْ تَرِكَةِ أَبِي لِأَنَّكُمَا أَلْحَقْتُمَاهُ بِأَبِي (وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَأُخِذَ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ وَكُمِّلَ بِالْقِيمَةِ وَرَجَعَا عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيمِ) قَالَ مُحَمَّدٌ: فَلَوْ طَرَأَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مِائَةُ دِينَارٍ فَلْيَأْخُذْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَلَدَيْنِ نِصْفَهَا، فَإِنْ عَجَزَ ذَلِكَ أَتَمَّ قَضَاءَ ذَلِكَ الدَّيْنِ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْأَوَّلُ وَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الِابْنِ الثَّابِتِ فَأَغْرَمَاهُ مِثْلَ الَّذِي غَرِمَهُ الْمُسْتَلْحَقُ لِلْغَرِيمِ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا غَرِمَا لَهُ مِثْلَ مَا أَخَذَ الْمُسْتَلْحَقُ وَاَلَّذِي أَخَذَ الْمُسْتَلْحَقُ قَدْ قَضَى بِهَا دَيْنَ الْأَبِ
[ ٨ / ٢٤٩ ]
وَلَا مِيرَاثَ لِلِابْنِ الثَّابِتِ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ الدَّيْنِ. وَأَيْضًا فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَأْخُذْ الْمُسْتَحِقُّ شَيْئًا لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِمَا غُرْمُ ذَلِكَ لِلثَّابِتِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَرْجِعَا بِهِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ بِرِقٍّ لِحُرٍّ فَلَا غُرْمَ وَإِلَّا لِكُلِّ مَا اُسْتُعْمِلَ وَمَالٍ اُنْتُزِعَ وَلَا يَأْخُذُهُ الْمَشْهُودُ لَهُ وَوُرِثَ عَنْهُ وَلَهُ عَطِيَّتُهُ لَا تَزَوَّجَ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُ فُلَانٍ وَهُوَ يَدَّعِي الْحُرِّيَّةَ فَقَضَى بِرِقِّهِ ثُمَّ رَجَعَا، فَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِمَا وَيَغْرَمَانِ لِلْعَبْدِ كُلَّ مَا اسْتَعْمَلَهُ سَيِّدُهُ وَخَرَاجُ عَمَلِهِ وَمَا انْتَزَعَهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِمَنْ قَضَى بِمِلْكِهِ أَخْذَهُ لَهُ ذَلِكَ مِنْهُ لِأَنَّهُ عِوَضُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ.
وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ لَمْ يَرِثْ ذَلِكَ السَّيِّدُ وَلَكِنْ يُوقَفُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَحِقَّ ذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ ثُمَّ يَرِثُهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ أَوْصَى مِنْهُ الْعَبْدَ كَانَ ذَلِكَ فِي الثُّلُثِ، وَإِنْ وَهَبَ مِنْهُ أَوْ تَصَدَّقَ جَازَ ذَلِكَ وَيَرِثُ بَاقِيه وَرَثَتُهُ إنْ كَانَ لَهُ مَنْ يَرِثُهُ إنْ كَانَ حُرًّا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ ثَمَّ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُنْقِصُ رَقَبَتَهُ.
(وَإِنْ كَانَ بِمِائَةٍ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو ثُمَّ قَالَا لِزَيْدٍ غَرِمَا خَمْسِينَ لِعَمْرٍو فَقَطْ) اُنْظُرْ هَذَا إنَّمَا يَغْرَمَانِهَا لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ. نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ إنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَضَى بِذَلِكَ لَهُمَا ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ فَقَالَا إنَّمَا شَهِدْنَا بِهَا لِأَحَدِهِمَا وَسَمَّيَاهُ،
[ ٨ / ٢٥٠ ]
فَلِلْمُقْضَى عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِمَا بِخَمْسِينَ لِأَنَّهُمَا أَقَرَّا أَنَّهُمَا أَخْرَجَاهَا مِنْ يَدِهِ إلَى يَدِ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّ الْمِائَةَ كُلَّهَا لَهُ لِأَنَّهُمَا مُجَرَّحَانِ بِرُجُوعِهِمَا وَلَا عَلَيْهِمَا أَنْ يَغْرَمَا لَهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فَقَدْ بَقِيَ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُمَا يَغْرَمَانِ خَمْسِينَ لَهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُمَا لَهُ إنَّمَا أَخَذَا خَمْسِينَ مِنْ مَالِ الْمَطْلُوبِ فَأَعْطَيَاهَا مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ.
اهـ مِنْ تَرْجَمَةِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَاتِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
(وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ) هَذِهِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ يُونُسَ فِي تَرْجَمَةِ دَعْوَى الرُّجُوعِ عَلَى الْبَيِّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ أَحَدُ الشَّهِيدَيْنِ عَنْ شَهَادَتِهِ بِحَقٍّ بَعْدَ الْحُكْمِ غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ فَقَطْ (كَرَجُلٍ مَعَ نِسَاءٍ) سَحْنُونَ: لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدُ وَامْرَأَةٌ، عَلَى الرَّجُلِ نِصْفُ الْحَقِّ وَحْدَهُ وَلَا تُضَمُّ الْمَرْأَةُ إلَى رَجُلٍ وَإِنَّمَا تُضَمُّ إلَى مِثْلِهَا وَاثْنَانِ مِنْهُمَا فَأَكْثَرُ رَجُلٌ عَدْلٌ، فَلَوْ رَجَعَ الرَّجُلُ وَالنِّسْوَةُ كُلُّهُمْ لَزِمَ الرَّجُلَ نِصْفُ الْحَقِّ وَالنِّسْوَةَ نِصْفُهُ (وَهُوَ مَعَهُنَّ فِي الرَّضَاعِ كَاثْنَيْنِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ فِي الرَّضَاعِ وَثَبَتَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ.
قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِمَا.
[ ٨ / ٢٥١ ]
اُنْظُرْهُ مَعَ هَذَا. ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ كَانَ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَتَانِ كَالرَّضَاعِ وَنَحْوِهِ وَرَجَعُوا فَعَلَى الرَّجُلِ سُدُسٌ وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ نِصْفُ سُدُسٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُرِيدُ أَنَّ الشُّهُودَ رَجُلَانِ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ. كَذَا صَوَّرَهَا ابْنُ شَاسٍ وَذَكَرَ فِيهَا مِنْ الْحُكْمِ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ: قَالَ ابْنُ هَارُونَ: جَعَلُوا عَلَى الرَّجُلِ ضِعْفُ مَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَفِيهِ، فَانْظُرْ وَالْقِيَاسُ اسْتِوَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْغُرْمِ فِي هَذَا الْفَصْلِ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ فِيهِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ. وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إنَّمَا ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ فَأَضَافَهَا ابْنُ شَاسٍ لِلْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ تَعَقُّبٌ عَامٌّ وَهُوَ إضَافَتُهُ مَا يَظُنُّهُ أَنَّهُ جَارٍ عَلَى الْمَذْهَبِ إلَى الْمَذْهَبِ كَأَنَّهُ نَصٌّ فِيهِ، وَتَعَقُّبٌ خَاصٌّ وَهُوَ حَيْثُ يَكُونُ الْأُجَرَاءُ غَيْرُ صَحِيحٍ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَالْحَيْضِ وَالرَّضَاعِ وَالِاسْتِهْلَالِ أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ الْعَدْلَتَيْنِ تَقُومَانِ مَقَامَ الْعَدْلَيْنِ. وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ عَنْ مَالِكٍ إلَّا رِوَايَةَ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا شَهِدَتْ امْرَأَةٌ وَرَجُلٌ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا قَالَ: وَقَالَهُ رَبِيعَةُ وَابْنُ هُرْمُزَ وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَذَلِكَ لِارْتِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِحُضُورِ الرَّجُلِ فَسَقَطَتْ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ وَبَقِيَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ فَلَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُجِيزُ ذَلِكَ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ. وَانْظُرْ فِي الرَّضَاعِ قَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهُ يَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ وَبِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَرَجُلٍ.
(وَعَنْ بَعْضِهِ غَرِمَ نِصْفَ الْبَعْضِ) ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ: لَوْ رَجَعَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ نِصْفِ مَا شَهِدَا بِهِ غَرِمَ الرُّبْعَ، وَإِنْ رَجَعَ عَنْ الثُّلُثِ غَرِمَ السُّدُسَ.
(وَإِنْ رَجَعَ مَنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ فَلَا غُرْمَ فَإِذَا رَجَعَ غَيْرُهُ فَالْجَمِيعُ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ ثَلَاثَةً فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِبَقَاءِ مَنْ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ، فَإِنْ رَجَعَ ثَانٍ غَرِمَ هُوَ وَالْأَوَّلُ نِصْفَ الْحَقِّ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَلِلْمُقْضَى عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهُمَا بِالدَّفْعِ لِلْمُقْضَى لَهُ.
(وَلِلْمُقْضَى لَهُ ذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ مِنْ الْمُقْضَى عَلَيْهِ) قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إذَا حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَا فَهَرَبَ الْمُقْضَى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ فَطَلَبَ الْمُقْضَى لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الشَّاهِدَيْنِ بِمَا كَانَا يَغْرَمَانِ لِغَرِيمِهِ لَوْ أَعْدَمَ قَالَ: لَا يَلْزَمُهُمَا غُرْمٌ حَتَّى يُعْدِمَ لِلْمُقْضَى عَلَيْهِ فَيَغْرَمَانِ لَهُ حِينَئِذٍ إنْ أَقَرَّا بِتَعَمُّدِ الزُّورِ، وَلَكِنْ يُنَفِّذُ الْقَاضِي الْحُكْمَ لِلْمُقْضَى عَلَيْهِ عَلَى الرَّاجِعِينَ بِالْغُرْمِ هَرَبَ أَوْ لَمْ يَهْرُبْ، فَإِذَا عَدِمَ أَغْرَمَهُمَا. وَكَمَا لَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ لِسَنَةٍ ثُمَّ رَجَعَا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا حَتَّى تَحِلَّ السَّنَةُ وَيَغْرَمُ هُوَ، وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ الْمَقْضِيَّ بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا وَلَا يَغْرَمَانِ الْآنَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لِلْمُقْضَى عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ الشَّاهِدَيْنِ بِالْمَالِ حَتَّى يَدْفَعَاهُ عَنْهُ إلَى الْمُقْضَى لَهُ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا غُرْمَ عَلَى الرَّاجِعِينَ عِنْدَ عَدَمِ الْمُقْضَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْضَى لَهُ شَيْءٌ لِعُسْرِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَهْنًا. انْتَهَى كِتَابُ الشَّهَادَاتِ عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ، وَيَتْلُوهُ عِنْدَهُ كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ وَمَجَامِعِ الْخُصُومَاتِ.