١ - باب الشهادة وحكمها
فصل فيمن لا تجوز شهادتهم
قال مالك: ولا تجوز شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده، ولا الرجل لامرأته، ولا المرأة لزوجها. ولا تجوز شهادة خصم على خصمه، ولا ظنين يتهم بمحبة، ولا عدو على عدوه. ولا تجوز شهادة عبد في حق ولا حدّ.
فصل في شهادة الأبناء على الآباء
لا تجوز شهادة الابن لأبيه على أمه، ولا لأمه على أبيه. وقد قيل تجوز شهادة الابن لأمه على أبيه في الشيئ اليسير، ولا تجوز شهادته لأبيه على أمه لحال.
وإذا شهد ابنان على أبيهما بطلاق أمهما، فإن كانت الأم مدعية للطلاق لم تجز شهادتهما، وإن كانت منكرة له جازة شهادتهما لأنها شهادة على الأبوين جميعًا وليست لواحد منهما على الآخر.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
فصل في شهادة الوصي والصديق والسائل والأخ وابن العم
وال تجوز شهادة الوصي لمن يلي عليه. وعن مالك في شهادة الوصي على من يلي عليه روايتان:
إحداهما: جوازها. والأخرى: منعها.
وكل من لم تجز شهادته لغير فشهادته عليه جائزة، وكل من لم تجمز شهادته على غيره فشهادته له جائزة. ولا تجوز شهادة الصديق الملاحظ لصديقه إذا كانت تناله صلته ومعروفة.
ولا تجوز شهاد السُّؤَّال الذين يطلبون صلة الناس ومعروفهم. وتجوز شهادة الأخ لأخيه إلا في النسب ودفع المعرّة عنه. وشهادة ابن العم لابن عمه جائزة.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
فصل في شهادة الدائن على المدين والوصي على الوصية
ولا تجوز شهادة الرجل على الرجل بمال له بعضه. وإذا شهد رجل على وصية قد أُوصي له فيها بشيئ ففيها ثلاث روايات:
[ ٢ / ٢٣٩ ]
إحداهن: أن شهادته في الوصية كلها باطلة.
والأخرى: أن شهادته في الوصية كلهاجائزة إذا كان الذي أوصي له به يسيرًا لا يتهم على مثله.
والرواية الثالثة: أنها لغيره جائزة وفي حقه خاصة باطلة.
وشهادة الأعمى في الأقوال جائزة. وشهادة الأخرس إذا فهمت شهادته جائزة. ولا بأس بشهادة ولد الزنا إلا في الزنا وما أشبهه من الحدود، فإنه لا تجوز فيه.
فصل في شهادة العبيد، والصغار، والمشركين والفاسقين
وإذا شهد المملوك في حال رقه، والصبي في حال صغره والمشرك في حال كفره بشهادة فردّ عليهم، ثم شهدوا بها بعد تغير أحوالهم لم تُقبل شهادتهم وإن كانوا شهدوا بها في الأحوال التي تقدمت قُبلت شهادتهم.
وإذ شهد الفاسق بشهادة، فردت لفسقه، ثم زال الفسق عنه فشهد بها ثانية لم تقبل شهادته.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
فصل في شهادة النصارى واليهود
ولا تجوز شهادة النصارى، ولا اليهود بعضهم على بعض، ولا على المسلمين ولا لهم. وقد قيل: إنها جائزة في السفر.
[ ٢ / ٢٤١ ]
فصل في شهادة الصبيان
وتجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض في القتل والجراحات خاصة إذا شهدوا قبل أن يفترقوا ويخّببوا، فإ، افترقوا وأمكن تخبيبهم لم تقبل شهادتهم إلا أن يكون الكبار قد شهدوا على شهادتهم قبل افتراقهم فلا يضر رجوعهم ولا يعتبر الآخر من قولهم. ولا تجوز شهادة الصبيان على كبير أنه قتل صغيرًا ولا صغير أنه قتل كبيرًا.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
٢ - باب شهادة النساء واليمين مع الشاهد
فصل في شهادة النساء
ولا تجوز شهادة النساء في دم ولا نسب ولا في طلاق، ولا عتاق، ولا في نكاح، ولا في حدّ ولا رجعة، وما أشبه ذلك من أحكام الأبدان كلها. وتجوز شهادة امرأتين مع رجل في حقوق الأموال كلها.
وتجوز شهادة امرأتين في الولادة والاستهلال وعيوب الإماء. ولا تجوز في ذلك شهادة امرأة واحدة. ولا تجوز شهادة النساء في تعديل النساء ولا الرجال ولا في تجريحها.
ولا تجوز شهادة النساء بعضهن على بعض في المواضع التي لا يحضرها الرجال مثل الحمامات والعرس، والمأتم وما أشبه ذلك. وقال بعض أصحبنا تجوز شهادتهم في ذلك واعتبروها بشهادة الصبيان بعضهم على بعض.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
فصل في اليمين مع الشاهد
ويحكم بشهادة الشاهد مع اليمين في الأموال خاصةولا يحكم في شيئ من أحكام الأبدان كلها. ويحكم بالشاهد والنكول فيما يحكم فيه بالشاهد اليمين.
وإذا ادعى رجل أن رجلًا جرحه، وأتى على ذلك بشاهد واحد ففيها روايتان:
إحداهما: أنه يجب له القصاص بشهادة شاهد ويمين. والأخرى: أنه لا ينقص له بشهادة شاهد ويمين.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
٣ - باب التعديل والتجريح في الشهادة
فصل في عدالة الشهود
والعدالة شرط في قبول الشهادة ووصفها أن يكون الشاهد من أهل الرضى والأمانة والاعتدال في أحواله، معروفًا بالطهارة والنزاهة والتوفي، والتحري في المعاملة والمخالطة.
وحدّ الشهادة على التعديل والتزكية أن يقول الشاهدان: نشهد أن فلانًا عدل رضى ولا يقتصران علىوصفه بالعدالة دون الرضى ولا بالرضى دون العدالة حتى يقولا بالوصفين معًا.
ومن عرفه الحاكم بالعدالة والرضى لم يطالبه بالشهادة على تزكية، وأمضى بعلمه شهادته. ومن عرفه الحاكم بما يوجب سقوط الشهادة لم تقبل شهادته وإن كان ظاهر أمره العدالة، ولا يرجع بعد علمه فيه إلى قول المزكي.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
فصل في تزكية الشهود
ولا بأس أن يكون للقاضي رجل واحد مُزَكَّ يخبره بأحوال الشهود فيقبل في ذلك قوله وحده وإن لم يشهد بما يقول غيره. وإذا سأل رجلًا ورجلين أن يزكياه عند الحاكم فحسن أن يفعلان ذلك إذا عرفوه بالعدالة ومن جاور قومًا مدة يسيرة فسألهم أن يزكوه فلا يفعلوا حتى تطول مدته ويختبروا عدالته وأمانته.
وإذا عدّ الرجل رجلان وجرحه آخران ففيها روايتان:
إحدهما: أنه يحكم بأعدل البينتين. والأخرى: أن الجرح أولى من التعديل.
٤ - باب الشهادة على الشاهد
فصل في الشهادة على شهادة الشهود
وتجوز الشهادة على اشهود في الحدود والحقوق كلها وذلك أن يشهد شاهدان على شهادة شاهدين يشهدان جميعًا على شهادة كل واحد من الشاهدين الأولين، ولا يصح أن يشهد كل واحد من الشاهدين الأولين، ولا يصح أن يشهد كل واحد منهما على شهادة واحد من الشاهدين الأولين، والشهادة على الشهادة في الزنا جائزة، وذلك أن يشهد أربعة على شاهد كل واحد شهود الأصل الأربعة.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
فصل في سقوط الشهادة على شهادة الشهود
وإذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين، ثم أنكر الشاهدان الأولان الشهادة أو نسياها أو رجعا عنها سقطت شهادة الشاهدين الآخرين، ولو سمع شاهدان شاهدين يخبران أن رجلاص بعينه أقر عندهما بحق لغيره وأشهدهما على نفسه بذلك لم يجز لهما أن يشهدا على شهادة الشاهدين المخبرين إلا أن يكونا أشهداهما على شهادتهما.
٥ - باب في الرجوع عن الشهادة
وإذا شهد الشاهدان بشهادة وحُكمَ بها ثم رجع عن شهادتهما وذكر أنهما غلطا، لم ينتقض الحكم المنعقد شهادتهما وغرماما أتلفاه على المشهود عليه بشهادتهما. وكذلك لو تعمدا الكذب.
وقال عبد الملك: لا شيئ عليهما إذا غلطا، وعليهما الغرم إذا كذاب، ولو رجع أحدهما عن شهادته غرم نصف ما شهد به عليه.
فصل في الرجوع عن الشهادة بالقتل
ولو شهدا على رجل بالقتل فَقُتِل بشهادتهما ثم رجعا عن شهادتهما وأقر بالكذب أو الغلط غرمًا الدية ولو لم يلزمها القَوَد وكانت على العاقلة وي العمد تؤخذ من مال القاتل.
وقال أشهب: يُقتص منهما إذا تعمدا، ويغرمان الدية إذا غلطا.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
فصل في الرجوع عن الشهادة في الطلاق
إذا شهدا على رجل أنه طلق امرته، ثم رجعا عن شهادتهما فلا غُرم عليهما. ولو شهدا على رجل أنه نكح امرأة ثم طلقها قبل الدخول بها وأغرمه الحاكم نصف الصداق، ثم رجعا عن شهادتهما غرما له نصف الصداق الذي غرم.
ولو شهدا عليه في زوجة أنه دخل بها وطلقها بعد الدخول بها وهو مقر بالنكاح والطلاق منكر للدخول، ثم رجعا عن شهادتهما غرما له نصف الصداق الذي لزمه شهادتهما.
فصل في الرجوع عن الشهادة بالعتق
ولو شهدا على رجل أنه أعتق عبده ثم رجعا عن شهادتهما غرما قيمته. ولو شهدا عليه أنه أعتق مكاتبه عتقًا ناجزًا ثم رجعا عن ذلك، غرما قيمة كتابته.
ولو شهدا عليه أنه أعتق أم ولده، ثم رجعا لم يلزمهما غرم. وإذا شهد شاهد واحد على رجل أنه أعتق فلم تقبل شهادته وحده، ثم اشتراه الشاهد من المشهود عليه لزمه عتقه لإقراره بحريته.
٦ - باب في الدعوى والأيمان والبيّنات
فصل في الدعوى بدون بينة
وإذا تداعى رجلان شيئًا ولا يد ولا بينة لواحد منهما قسم بينهما بعد أيمانهما، فإن كان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه. فإن نكل عن اليمين حلف الآخر وانتزعه من يده فإن نكل عن اليمين أقر في يد صاحبه.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
فصل في الدعوى مع النية
فإن كانت لأحدهما بينة حكم له ببينة كانت له عليه يد أو لم تكن، فغ، كان لكل واحد منهما بينة حُكم بأعدل البينتين، فإن تكافآ في العدالة حُكم لصاحب اليد.
فإن لم يكن في أحدهما قسم بينهما بعد أيمانهما. فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان للحالف منهما دون الناكل. وإن نكلا جميعًا عن اليمين لم يحكم بينهما بشيئ وتركاعلى ما كانا عليه.
[ ٢ / ٢٥١ ]
فصل في الحكم باليمين
وإذا ادعى رجل على رجل دعوى لم يحلف له المدعي عليه بمجرد دعواه حتى يثبت أنه بينهما خلطة، فإن ثبت ذلك، حلف المُدَّعى عليه وبرئ.
فإن نكل عن اليمين لم يحكم له عليه بمجرد الكول، وحلف المدعي على ما ادعاه واستحق ما ادعاه بيمينه ونكول خصمه.
فإن لم يحلف لم يحكم له بشيئ وتركا على ما كانا عليه.
فصل في صفة اليمين
واليمين في الحقوق كلا بالله الذي لا إله لا هو، فقط. ويحلف الناس في المساجد، ولا يحلف عند منبر من المنابر إلا عند منبر الرسول ﷺ، ولا يحلف عنده إلا في ربع دينار فصاعدًا.
ويحلف على أقل من ذلك في سائر المساجد. وإذا وجبت يمين على امرة حلفت في المسجد ليلًا، إن كانت ممن لا تخرج نهارًا. ويحلف اليهودي والنصراني حيث يعظمان من الكنيسة والبيعة. ولا يحلفان إلا بالله ﷿.
فصل في الحكم بالبينة واليمين
ومن كان له على رجل حق بينة، فادعى الذي عليه الحق أنه قد قضاه إياه حلف صاحب الحق أنه ما اقتضاه، وبرئ من دعواه. فإن نكل عن اليمين حلف
[ ٢ / ٢٥٢ ]
الذي عليه الحق وسقط الحق عنه.
وإن نكل عن اليمين غرم الحق وسقطت دعواه. ولو مات الذي له الحق حلف ورثته ما يعلمون أن مورثهم اقتضى حقه ولا شيئًا منهواستحقوا حقوقهم، فغن نكلوا عن الأيمان حلف الذي عليه الحق وبرئ.
فصل في تأخير البينة
ومن حلف على دعوى، ثم وجدت عليه بينة، فإن كان للمدعي عذر في
[ ٢ / ٢٥٣ ]
تأخيرها حكم له بها. وإن لم يكن له عذر في ذلك، ففيها روايتان:
إحداهما: أنه يحكم له ببينته. والأخرى: أنه لا يحكم له بها.
٧ - باب في حكم الحاكم بعلمه
فصل في منع الحاكم من الحكم بعلمه في الحدود والحقوق
ولا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في حد ولا حق. فإذا علم شيئًا من ذلك، كان شاهدًا فيه وله أن يشهد به عند غيره من الحكام ويكون كواحد من الشهود، وينبغي للحاكم ألا يحكم بين المتنازين إلا بحضرة الشهود ليسمع الدعاوى وينقلونها إليه بشهادتهم لا يحكم بعلمه.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
فصل في إنكار الحاكم للحكم
وإذا حكم الحاكم بحكم ثم أنكر أنه حكم به وشهد شاهدا عدل عليه بحكمه قبلت شهادتهما وثبت الحكم، ولم يبطل بإنكاره.
فصل في إنكار المحكوم عليه للحكم
وإذا ذكر الحاكم أنه حكم بحكم في أمر من الأمور، وأنكر ذلك المحكوم عليه، لم يقبل قول الحاكم إلا ببينة تشهد على حكمه.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
٨ - باب في كتاب القاضي إلى قاض غيره والشهادة على الخط
فصل في الحكم بكتاب قاض آخر
وإذا كتب الحاكم إلى حاكم كتابًا في حق قد ثبت عنده، لم يحكم بكتابه إلا ببينة تشهد علىكتابه ولا تقبل الشهادة على خطه دون لفظه.
فصل في الشهادة على الخط
وإذا ادعى رجل دعوى على رجل فأنكرها فشهد له شاهدان على خطه دون لفظه ففيها روايتان:
إحداهم: أنه يحكم له بالشهادة على الخط. والأخرى: أنه لا يحكم له بها.
فإذا قلنا: إنه يحكم له بالشهادة على الخط. فهل عليهيمين مع الشهادة أم لا؟
ففيها روايتان:
إحداهما: أنه يحكم له بمجرد الشهادة على الخط. والأخرى: أنه لا يحكم له بمجرد الشهادة حتى يحلف معها فيستحق حقه بالشهادة واليمين.
وإذا شهد له شاهد واحد على الخط ففيها روايتان:
إحداهما: أنه يحكم له بالشهادة على الخط مع يمينه. والأخرى: أنه لا يحكم له بذلك.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
٩ - باب الحبس في الحقوق
فصل في الحبس في الحقوق
وللحاكم أن يحبس كل من وجب عليه حق. والحبس واجب في الحقوق كلها ما كان منها على معاوضة مال أوغير مال. ولا حبس على معسر، ومن ثبتت عسرته وجبت نظرته. وليس للحبس حد محدود.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
فصل في نظر الحاكم في أمر المحبوسين
وينبغي للحاكم أن ينظر في أمر المحبوسين، ولا يهمل أمرهم، فمن عليم إعساره، أنظره، ومن عُلم لدده أطال حبسه.
١٠ - باب في تحكيم غير القاضي
فصل في تحكيم غير القاضي
وإذا حكَّم الرجلان رجلًا فحكم بينهما، فرضى أحدهما بحكمه وسخط الآخر لزمه حكمه إذا كان من أهل العلم وحكم بما يجوز بين المسلمين، وسواء وافق حكم قاضي البلد أو خالفه ما لم يخرج بحكمه عن إجماع أهل العلم.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
فصل في التحكيم في الشهادة
وإذا حَكّم الرجلان رجلًا في شهادة فشهد على أحدها بشهادة فأنكرها لم تلزمه شهادته بتحكيمه.
١١ - باب في كتابة الحقوق
فصل في كتابة الحقوق
ومن كان له على رجل حق وأراد أن يكتب به علهي فينبغي أن يُمليه الذي عليه الحق. وإن أملاه الذي له الحق بحضرته ورضاه فذلك جائز. وإن أملاه رجل غيرهما فرضيا به جميعًا فذلك جائز.
فصل في أجرة الكاتب
وأجرة الكاتب عليهما جميعًا. وإن كان لجماعة حق على رجل فكتبوا بذلك كتابًا واحدًا وسهامهم فيه مختلفة فإن أجرة الكاتب بينهم بالسوية.
١٢ - باب في القضاء على الغائب
فصل في القضاء على الغائب
ويحكم على الغائب في الحقوق كلها، والوكالات، والمقاسمات، وسائر المعاملات، والمداينات. وقد كره الحكم على الغائب في الرَّبع والعقار إلا أن تطول غيبته ويضر ذلك بخصمه، فيحكم عليه إذاطالت غيبته. وقال أشهب: يحكم عليه في الرَّبع وغيره.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
١٣ - باب القضاء في المداينات والتفليس
فصل في حكم السلة يجدها بائعها قبل قبض
ثمنها عند مشتريها الذي أفلس
ومن كان عليه دين إلى أجل فمات أو أفلس فقد حَلّ دينه. ومن باع من رجل سلعة، ثم أفلس مشتريها قبل أن يقب البائع ثمنها فوجدها البائع عنده فهو بالخيار إن شاء أخذها بالثمن الذي باعها به وإن شاء تركها. وحاصَّ غرماءه بثمنها. وإن وجدهاناقصة في سوقها أو بدنها فله أخذها ولا يحط عنه شيئ لنقصها.
وإن وجدهازائدة في بدنها أو سوقها فله أخذها إلى أن يضمن له الغرماء ثمنها.
ولو اقضى بعض ثمنها، ثم أراد أخذها ردّ ما اقتضاه من ثمنها وأخذها، وليس له أن يأخذ بعضها بما بقي له من ثمنها. ولو باع المشتري بعضها وبقي عنده بعضها، لكان للبائع أخذ ما وجه منها بحاسهب من ثمنها.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
فصل في حكم من باع عبدين وقبض جزءًا من ثمنها
ثم أفلس المشتري بعد فوت أحدهما
ومن باع عبدين بعشرين دينارًا فاقتضى من ثمنهما عشرة وباع المشتري أحدهما وبقي الآخر عنده ثم أفلس فأراد البائع أخذ العبد الباقي منهما، ردّ خمسة من العشرة التي اقتضاها وأخذه.
فصل فيمن باع أمة فولدت عند المشتري الذي أفلس
قبل دفع ثمنها وقد فاتت أو فات ولدها
ولو باعه أمة فولدت عنده، ثم ماتت الأم وبقي الولد كان له أخذه بالثمن كله، ولو مات الولد وبقيت الأم أخذها بالثمن كله، ولم يوضع عنه لموت الولد شيئ.
[ ٢ / ٢٦١ ]
ولو باع الأم أو الولد كان له أخذ الباقي منهما بحسابه من الثمن.
فصل في حكم الدنانير والزيت إذا خلطها
مشتريها، ثم أفلس قبل نقد ثمنها
ومن ابتاع من رجل دنانير فخلطها في كيسه قبل أن ينقده ثمنها، ثم أفلس مبتاعها، فصاحب الدنانير أحق بمقدارهامن سائر غرمانه.
ومن اشترى من رجل زيتًا فصبه في جراره، ثم أفلس قبل أن ينقده ثمنه فالبائع أحق بمكيلة زيته من غرمائه.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
فصل في السلعة توجد عند المبتاع بعد موته ولا وفاء في ماله
وإذا مات المبتاع فوجد البائع سلعته عنده ولا وفاء في ماله فهو أسوة غرمائه وليس له إلى لسلعة سبيل.
وإذا أفلس المبتاع فوجد البائع سلعته عنده فحكم له فأخذها، فلم يقضها حتى مات مبتاعها فله أخذها بعد موته.
فصل في ضمان مال المفلس
وإذا جمع الحاكم مال المفلس لبيعه لغرمائه فتلف قبل بيعه، فعلى المفلس ضمانه، ودين الغرماء ثابت في ذمته ولو باع الحاكم ماله وقبض ثمنه ثم تلف الثمن قبل قبض الغرماء له كانعليهم ضمانه وقد برئ المفلس منه.
وقال محمد بن عبد الحكم: ضمان الثمن من المفلس دون غلرماء. وقال عبد الملك: إذا كان ماله ذهبًا أو ورقًا ودينه كذلك فتلف ماله بعد جمعه ونزعه فضمان الذهب ممن له عليه الذهب وضمان الورق ممن له عليه الورق.
فصل في السلعة إذا صنعت ثم أفلس ربها
أو مات قبل دفع أجرها
ومن استؤجر على صنعة في سلعة فصنعها ثم أفلس رب السلعة فالصانع أحقّ
[ ٢ / ٢٦٣ ]
بالسلعة حتى يقبض أجرته في فلس ربها وموته.
فصل في الزرع إذا مات مكتري الأرض أو أفلس قبل نقد أجرتها
ومن أكترى أرضًا فزرعها، ثم مات أو أفلس قبل أن ينقد أجرتها فربّ الأرض أولى بالزرع من الغرماء حتى يستوفي كراءه.
فصل في حكم لدار يموت مكتريها أو يفلس قبل نهاية مدة الكراء دون أن ينقد أجرتها
ومن استأجر دارًا سنة ولم ينقد أجرتها، وسكنها بعض السنة، ثم أفلس أو مات، قرب الدار أحق بما بقي من مدة الإجارة ويحاص غرماءه بأجرة ما مضى.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
فصل في راعي الغنم وحافظ المتاع إذا أفلس مستأجرهما
ومن استؤجر على رعي غنم أو حفظ متاع، ثم أفلس مستأجره فالأجير أسوة غرمائه، ولا سبيل له إلى الغنم أو المتاع الذي استؤجر على حفظه.
فصل في الصداق إذا أفلس الزوج أو مات
وللمرأة أن تحاص غرماء زوجها إذ أفلس بصداقها في حياته، ولا تحاصهم بصداقها بعد وفاته قاله ابن القاسم.
وقال غيره تحاصهم بصداقها في فلسه وموته.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
فصل في إقرار المفلس بدين يعد فلسه
وإذا أقر المفلس بدين بعد فلسه لم يقبل ذلك على غرمائه ووجب ما أقرّ به في ذمته، وفإن أفاد مالًا غير ما في يده قضى من ذلك المال ما أقر به.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
فصل في المفلس والمديان في بيعها وهبتهما وعتقهما وصدقتهما
وبيع المفلس وابتياعه جائز على غرمائه إذا لم يحاب في بيعه وشرائه. ولا تجوز هبته ولا عتقه ولا صدقته إلا بإذن غرمائه.
وكذلك المديان الذي لم يفلسه غرماؤه في عتقه، وهبته، وصدقته.
فصل في رهن المفلس وقضائه بعض غرمائه دون بعض
وفي رهن المفلس روايتان: إحداهما: جوازه. والأخرى: منعه.
وليس له بعد الفلس أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، وله ذلك قبل فلسه.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
فصل فيمن أعتق عبده على مال فأفلس العبد قبل أدائه
ومن أعتق عبده على مال، ثم أفلس العبد قبل أدائه لم يحاص السيد بدينه غرماءه.
فصل في الغرماء إذا أقرضوا رجلًا مالًا فإحياء زرع فأفلس
ومن زرع زرعًا فأصابته جائحة فاستقرض من رجل مالًا فأنفقه عليه فلم يكفه، فاستقرض من آخر مالًا فانفقه عليه أيضًا، ثم أفلس، فالثاني أحق بالزرع من الأول، ثم الأول أحق بما بقي من سائر غرمائه.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
فصل فيمن أفلس مرة بعد مرة
ومن أفلس فانتزع غرماؤه ماله، ثم داين آخرين ثم أفلس مرة أخرى فالغرماء الآخرون أحق بماله من الأولين حتى يستوفوا حقوقهم، فغ، فضل فضل فهو للأولين.
وهذا فيما حصل في يده من معاملة الآخرين. فأما ما ملكه بميراث أو هبة أو أرش جناية أو وصية فإن الأولين والآخرين فيه أسوة الغرماء.
١٤ - باب المأذون
فصل في إفلاس العبد
وإذا تجر العبد بغير إذن سيده فللسيد أن يسقط الدين عنه، فإن لم يسقطه عنه حتى عتق، كان للغرماء أن يتبعوه به. وإذا تجر العبد بإذن سيده، ثم أفلس فدينه في ماله وذمته وغرماؤه أحق بماله من سيده ولا سبيل لهم على رقبته، ولا على سيده إلا أن يضمن الدين عنه فيلزمه غرمه بضمانه. وإن داينه السيد فو أسوة الغرماء.
وإذا أقر العبد المفلس لسيده أو لغيره بِدَين له، لم يقبل غقرارهعلى غرمائه إلا ببينة. فإن كان سيده تحمل له بذلك فهو في مال السيد، وإن لم يكن تحمل له ذلك فهو في ذمته، وإن عتق يومًا أتبع به.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
١٥ - باب في الحجر والمولى عليه
فصل فيمن يحجر عليهم
ويحجر على الأصاغر حتى يبلغوا ويؤنس منهم الرشد. ويحجر على السهفاء من الأكابر وهم المبذرون لأموالهم. ولا يحجر على فاسق إذا كان مصلحًا لماله. ولا يجوز للمرأة ذات الزوج أن تتصرف بهبةولا عتق ولا صدقة بأكثر من ثلثها إلا بإذن زوجها، فإ، تصدقت بأكثر من ثلثها فزوجها بالخيار في إجازة ما زاد على الثلث من صدقتها أو رده.
وقد قيل: له رد صدقتها كلها إذا زادت على الثلث. ولا بأس ببيع المرأة ذات الزوج وشرائها ما لم تحاب في ذلك، وليس لزوجها منعهامن بيعها وشرائها.
وإذا وهبت أو تصدقت بأكثر من ثلثها ولم يعلم بذلك زوجها حتى طلقها أو
[ ٢ / ٢٧٠ ]
مات عنها نفذ فعلها.
وكذلك العبد إذاوهب أو تصدق ولم يعلم السيد بذلك حتى أعتقه، نفذ فعله ولم يرد بعد عتقه.
[ ٢ / ٢٧١ ]
فصل في دين السفيه
وإذا استدان السفيه دينًا بغير إذن وليه، لم يلزمه دينه في حال حجره ولا بعد فك حجره والدين ساقط عنه.
وإن أذن ولي السفيه في التجارة في مال بعينه فاستدان دينًاوجب دينه في ماله ولم يجب عليه شيئ في ذمته، فإن فضل الدين عن مالهلم يتبع بالفضل في ذمته. وقال ابن القاسم: ولا شيئ عليه في ماله ولا في ذمته.
فصل في تصرف الوصي في مال الموصى عليه
والوصي مصدق في نفقة اليتيم، وكذلك ولي السفيه مصدق في نفقته، فإذا بلغ اليتيم وادعى وصيه أنه قد رَدّ ماله إليه لم يصدق ولم يقبل قوله إلا ببينة تشهد
[ ٢ / ٢٧٢ ]
له، ولا بأس بالتجارة في مال اليتيم ولا ضمان على الوصي في ذلك.
ولا بأس أن يخلط نفقة يتيمه بماله إذ كان الرفق في ذلك لليتيم. ولا يجوز أن يكون الرفق في ذلك للمولى. وينبغي لولي اليتيم أن يوسع علهي في نفقته وكسوته بالمعروف على قدر حاله. ولا بأس بتأديبه.
وينفق على أم اليتيم من ماله إذا كانت محتاجة. وتخرج الزكاة من ماله، وتخرج عنه زكاة الفطر من ماله، ويضحي عنه من ماله.
١٦ - باب في القضاء في الرهون
فصل في البيع مع شرط الرهن
قال مالك: والرهن في البيع والقرض والحقوق كلها جائز. ومن باع بيعًا واشترط رهنًا بعينه لزم المشتري دفعه إليه فإن اشترط رهنًا مطلقًا فامتنع المشتري ممن دفعه إليه، فالبائع بالخيار في إمضاء البيع بغير رهن وفي فسخه.
ومن باع سلعة واشترط أنها رهن بحقه إلى أجل ثمنها، فلا بأس بذلك في
[ ٢ / ٢٧٣ ]
العروض والدور والأرضين. ومن باع حيوانًا بثمن إلى أجل واشترط أنه رهن إلى أجل لم يجز ذلك.
فصل في ضمان الرهن
والرهون على ضربين: مضمونة، وغير مضمونة.
فالمضمونة منها: الأموال الباطنة مثل: العروض والحلي. وغير المضمونة منها: الأموال الظاهرة مثل: الربَّع والحيوان.
ومن ارتن من ذلك مالًا يضمن عليه على أنه ضامن له لم يلزمه ضمانه بشروطه. ومن ارتهن ما يضمن على أنه لا ضمان عليه لم يسقط عنه ضمانه بشروطه وحمل في ذلك على سُنّته. ومن قامتله بينة على تلف رهن باطن ففيها روايتان:
إحداهما: سقوط الضمان عنه. والأخرى: وجوبه عليه.
فصل في رهن الفرع مع الأصل
ونَيْل الحيوان رهن مع أمهته، وفراخ النحل والشجر رهن مع أصوله، وثمر النخل والشجر لا يدخل في رهنها إلا أن يشترط ذلك مرتهنها، وألبان الإبل والغنم وأصوافها غير داخلة في رهنها إلا أن يشترط ذلك مرتهنها.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
فصل في رهن الغرر
ولا بأس برهن الغرر والمجهول مثل العبد الآبق، والبعير الشارد والأجنة في بطون أمهاتها.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
فصل في نفقة الرن والانتفاع به
ونفقة الرهن على راهنه، ومنفعته وخراجه لرانه دون مرتهنه. ومن ارتن رهنًا على ثمن سلة فاشترط الانتفاع بالرهن في أجل الثمن. فال بأس به. ومن أقرض رجلًا مالًا وارتهن منه بذلك رهنًا واشترط الانتفاع بالرهن مدة أجل القرض فلا يجوز ذلك.
فصل فيمن ارتهن عبدًا له مال
ومن ارتهن عبدًا له مال لم يكن ماله رهنًا معه. ولو أفلس رب العبد كان المرتهن أولى برقبة العبد منغرماء سيده، فإن فضل من حق شيئ كان أسوة
[ ٢ / ٢٧٦ ]
الغرماء في مال العبد.
فصل في منع الران والعبد من وطء الأمة المرهونة
ومن رهن أمة لعبده لم يكن للعبد وطؤها حتى يفكها سيدها، وكذلك لو رُهِنَ العبد وأمته لم يطأها العبد حتى تخرج من الرهن.
ومن رهن أمته لم يجز له وطؤها، فن وطئها بإذن المرتهن بطل رهنها، وإن وطئها بغير إذنه فلم تحمل رهن بحالها، وإن حملت وله مال كانت له أم ولد ودفعللمرتن حقه الذي ارتهنها به، وإن لم يكن له مال بيعت الأمة عليه، وقضى المرتهن حقه من ثمنها، فإن فضل له فضل من حقه ابتاعها به دينًا في ذمته، وإن كان ثمن الأمة أكثر من الحق باع منها بقدر الحق وكان ما بقي منها بحساب أم الولد، ولا يباع الولد بحال كان الراهن معسرًا أو موسرًا.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
فصل في المرتهن يطأ الأمة المرهونة عنده
ومن رهن أمة فوطئها المرتهن فو زان، ولعيه الحد ولا يلحق به الولد، وولدها رهن معها يباع ببيعها. وإن وطئها بإذن الراهن، وأحلها له، فلم تحمل ألزم المرتهن قيمتهاوقاصه الراهن بها من حقه الذي له عليه. وإن حملت كانت له أم ولد ولزمته قيمتها دون قيمة ولدها، ويقاص بقيمتها من قيمة حقه الذي له.
فصل في إيجار الدار ورهنها
ومن آجر داره من رجل، ثم رهنها منه فلا بأس بذلك، وكذلك لو آجرها من رجل، ثم رهنها من غيره، فلا بأس به.
فصل في رهن المشاع ورهن السهم من الدار
ولا بأس برهن المشاع. ومن كانت له دار فرهن سهمًا منها، لم يصح رنه للسهم حتى يسلم الدار كلها للمرتهن. ومن كان له سهم في داره فرهنه فلا بأس به إذا رفع يده عنه وحلت يد المرتهن فيه.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
فصل في مساقاة لحائط ثم رهنه
ومن ساقى في حائط من رجل ثم رهنه من غيره فلا بأس به. وينبغي للمرتهن أن يستخلف مع العامل في الحائط غيره.
فصل في رنالشئ في حقين مختلفين
ومن رهن رهنًا على أقل من قيمته، ثم أراد أن يرهن فضلته من آخر فليس له ذلك إلاّ بإذن مرتهنه، فإن أذن له المرتهن في رهنه ففيها روايتان: إحداهما صحته، والأخرى: بطلانه.
ومن ارتهن فضل رهن بإذن مرتهنه ثم حَلّ الحقان جميعًا لى رهنه بيع الرهن وبدئ بالأول فقضى حقهن ثم كان الباقي لمن ارتهن فضله، ولو رهن رهنًا من رجل ثم رهن نصفه من آخر بإذن الأول فحل الحقان جميعًا، بيع الرهن وكان لكل واحد منهما نصف ثمنه.
فصل في القبص واتصال الحيازة في الرهن
ومن شرط الرهن: اتصال حيازته وقبضه. ومن ارتهن رهنًا ثم رده إلى ربه بطل رهنه.
فصل في الرهن يؤجره المرتهن من ربه
ومن استأجر دارًا ثم ارتهنها، ثم آجرها من ربها بطل رهنه.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
فصل في الرن يفوق قيمته أو يقل عن حق المرتهن
ومن ارتهن رهنًا بدون ما يساوي فتلف في يده ضمن القيمة كلها، ورد على الراهن الفضل من حقه. وإن كانت قيمة الرهن أقل من حقه رجع على الراهن بتمام حقه.
فصل في التداعي في الرهن
ومن ارتهن رهنًا، فأخرجه إلى ربه، فذكر أنه غير رهنه فالقول في ذلك قول المرتهن مع يمينه. ولو ادعى المرتهن أنه رده على ربه لم يقبل في ذلك قوله إلاّ ببينة. ومن أقر لرجل بسلعة في يده، وادَّعى أنها رهن عنده، وأنكر ذلك ربها، لم يقبل قول الذي في يده السلعة إلاَّ ببينة.
[ ٢ / ٢٨١ ]
فصل في اختلاف الراهن والمرتهن في تلف الرهن وصفته وقيمته
ومن ارتهن رهنًا فتلف في يديه واختلف هو وربه في تلفه وصفته وقيمته، كانالقول في ذلك قول المرتهن مع يمينه، ثم إذا حلف على تلفهوصفته قومه أهل البصيرة به، وإن جهل صفته حلف على قيمته، فإ، جهل قيمته حُمل رب الرهن على صفته إن عرفها أو قيمته إن جهل صفته.
فصل في اختلاف الراهن والمرتهن في قدر الحق الذي رهن به
ومن ارتهن رهنً فتلف في يده واتفق هو والراهن على قيمته واختلفوا في قدر الحق الذي رُهِنَ به. فالقول قول المرتهن إلى قدر قيمة الرهن، ويحلف على ما ادعاه كله، ويحكم له بقدر قيمته، ثم يحلف الراهن على الفضل ويبرأ منه بيمينه. فإن نكل عن اليمين غرم الفضل بنكوله ويمين خصمه، وكذلك لو كان الرهن
[ ٢ / ٢٨٢ ]
قائمًا بحاله، واختلفوا في قدر ما رهن به.
فصل في بيع المرتهن الرهن
وليس للمرتهن أن يبيعالرهن إلاّ بإذن راهنه فإن باعه بغير إذن راهنه لم يجز بيعه.
ومن رهن عند رجل رهنًا ووكله على بيعه في حقه جاز له بيعه إذا كان يسيرًا كالقضيب ونحوه مما لا يبقى مثله أو ينقص ببقائه. وإن كان ربعًا أو عرضًا تكثر قيمته ولا يضره بقاؤه، فقد كسره له بيعه إلاّ بإذن الحاكم إذا غاب ربه.
وقال أشهب: لا بأس ببيع الربع وغيره.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
فصل في التوكيل على بيع الرهن وقضاء دين المرتهن
ومن كل وكيلًا على بيع رهن وقضاء دين من ثمنه فليس له إخراجه من وكالته إلاّ برضى مرتهنه.
فصل في حكم الرهن إذا كان للمرتهن حقان
أحدهما بدون رهن، واختلف فيه مع الراهن
ومن كان له حقان الواحد برهن والآخر بغير رهن فقضاه أحدهما، وادعى أنه الحق الذي بالرهن، وأنكر ذلك المرتهن، تحالفًا، وقسم ما قضاه بين الحقين جيمعًا على قدرهما.
فصل في المنع مع أخذ شيئ من الرهن بقضاء جزء من الدين
ومن ارتهن رهنًا على مال، واقتضى منه بعضه، فليس لرب الرهن أخذ شيئ منه إلاّ بعد قضاء الحق كله.
فصل في الرهن يرهن فضله من دائن ثان
ومن رهن من رجل رهنًا ورهن من آخر فضله بإذن الأول فحل أجل الحق الثاني قبل الأول، فإن كان الرهن مما يمكن قسمته قسم بينهما جميعًا فباع الثاني نصيبه، وأمسك الأول نصيبه حتى يحل حقه. وإن كان مما لا يمكن قسمته بيعالرهن كله، وقضى المرتهنان جميعًا حقوقهما.
فصل في بيع الراهن الرهن
وإذا باع الراهن الرهن بغير إذن مرتهنه، لم يجز بيعه. وإن باعه بإذنه جاز بيعه، وقضى المرتهن أن يحلف أنه ما أذن له في بيعه إلاّ ليستوفي حقه.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
فصل في من رهن نصيبه من دار ثم استأجر نصيب شريكه
وإذا كانت دار بين اثنين فرهن أحدهما نصيبه من رجل ثم أراد أن يستأجر نصيب صاحبه، لم يكن ذلك له؛ لأنه يؤدي إلى بطلان رهنه. وإذا أراد الشريك أن يكري نصيبه من شريكه قاسمه على الدار ليحوز المرتهن رهنه بقسمته، وترتفع يد الراهن عنه، ثم يؤاجر الشريك نصيبه من شريكه.
١٧ - باب القضاء في العارية
فصل في ضمان العارية
والعارية على ضربين: مضمونة، وغير مضمونة.
فالمضمونة منها: الأموال الباطنة مثل: الثياب، والحلي، والسلاح، وسائر العروض.
وما لا يضمن منها: الأموال الظاهرة مثل: الحيوان، والرباع.
ومن استعار متاعًا يغاب عليه وادَّعى تلفه ضمنه ولم يقبل منه في ذلك قوله
[ ٢ / ٢٨٥ ]
إلا ببينة، فإن قامت له البينة على تلفه ففيها روايتان: إحداهما: أنه يسقط عنه الضمان. والأخرى: أنه لا يسقط عنه.
فصل في منع الرجوع في العارية قبل انتفاع المستعير بها
ومن أعار شيئًا إلى مدة معلومة فليس له أخذه من المستعير قبل انقضاء المدة. ومن أعار شيئًا عارية مطلقة فليس له أخذه من المستعير حتى ينتفع به انتفاع مثله.
فصل فيمن استعار أرضًا للبناء فيها
ومن أعار رجلًا أرضًا يبني فيها بناءً لينتفع به إلى مدة معلومة، فبنى فيها، وانتفع بالبناء المدة التي استعارها، فرب الأرض بالخيار بين أن يأمر المستعير بنقض بنائه وبين أن يعطيه قيمته منقوضًا، ويأخذه، وإن أذن له أن يبني في الأرض ولم
[ ٢ / ٢٨٦ ]
يضرب للانتفع بالبناء حدًّا كان عليه أن يمكن الباني من الانتفاع به مدة مثله، ثم يكون رب الأرض بالخيار على ما بيناه. وقد قيل: إنه إذا لم يضرب لذلك أجلًا كان له أن يعطي الباني قيمة بنائه قائمًا ويخرجه من أرضه.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
فصل في إجارة كراء العارية وإعارتها من قبل المستعير
ومن استعار شيئًا إلى مدة فلا بأس أن يكريه مثله في المدة، ولا بأس أن يعيره أيضًا مثله.
فصل في تعدي المستعير وضمانه
ومن استعار دابة إلىمكان فتعدى بها إلى أبعد منه، وسلمت في تعديه فعليه أجرة المثل من المكان الذي استعار إليه إلى المكان الذي تعَدّى إلهي وإن تلفت الدابة فيتعديه فربما بالخيار بين أن يضمنه قيمتها يوم تعدَّى بها، ولا كراء له،
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وبين أن يأخذ كراءا، ولا قيمة له. ومن استعاردابة فانفلتت منه أو عبدًا فأيق منه، فلا ضمان عليه. وكذلك إذا ماتا لم يضمنها، والقول في ذلك قوله مع يمينه.
١٨ - باب في القضاء في الوديعة
فصل في ضمانالوديعة وتلفها وردها على ربها
وليس على المودَع عنده ضمان الوديعة إلاّ أن يتعدّى فيضمن بتعديّه. ومن استودع وديعة، فادّعى تلفها أو ردّها على ربها فالقول في ذلك قوله مع يمينه إلاّ أن يكون قبضها ببينة، فلا يقبل قوله في ردها على ربها إلاّ ببينة، ويقبل قوله في
[ ٢ / ٢٩٠ ]
تلفها على كل حال، قبضها ببينة أو بغير بينة.
فصل في المستودع يودع الوديعة غيره
ومن اسْتُودِعَ وديعة في الحضر فعرض له سفر، فلا بأس أن يودعها غيره، ولا ضمان عليه. فإن استودعها غيره من غير عذر ضمنها. وإذا خاف عورة منزله، فلا بأس أن يخرجها منه إلى غيره، وأن يودعها من يثق به. ومن حمل معه مالًا إلى بلد فعرضت له إقامة في أضعاف سفره فلا بأس أن يبعث به مع غيره، ولا ضمان عليه.
[ ٢ / ٢٩١ ]
فصل في المستودع ينفق من وديعته أو يرفعها عند من يرفع ماله عنده أو يتلفها
ومن استودع ودية فأنفق بعضها، ضمن ما أنفقه ولم يضمن فيها. وإذا رد ما أنفقه إلىمكانه، ثم تلف سقط ضمانه عنه. ويقيل: إنه لا يسقط ضمانه عنه حتى يُشهد على ردها من حيث أخذها. وقيل أيضًا: لا يسقط عنه ضمانها حتى يردها إلى ربها. ولا بأس أن يرفعالمستودع وديعته عند زوجته، وخادمه ومن يرفع هو ماله عنده.
ومن استودع إناء فسقط منه وانكسر فلا ضمان عليه. ولو سقط من يده شيئ عليه فاكسر ضمنه.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
فصل في إنفاق الوديعة بغير إذن ربها والتجارة فيها
وفي إنفاق الوديعة بغير إذن ربها روايتان: إحداهما: الكراهية. الأخرى:" الإجازة إذا كان للمودع أموال مأمونة وأنفقها ببينة.
ومن استودع مالًا فتجر فيه ضمنه والربح له دون رب المال، ولو اشترى بالمال أمة فوطئها فحملت كانت له أم ولد، وضمن المال الذي اشتراها به ولم يكن لرب المال على الأمة سبيل.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فصل في فقدان رب الوديعة
ومن استودع وديعة ثم فُقِدَ ربها، فلم يعرف له خبر انتظر بها إلى اقصى ما يحيا إلى مثله، ثم دفعها إلى ورثَته، فإن لم يكن له ورثة تصدق بها عنه.
١٩ - باب القضاء في اللقطة والضوال
فصل في التعريف باللقطة وحكمها بعد مضي سنة
ومن التقط لقطة ذات بال عرّفها سنة فإن جاء صاحبها فعرّفها بعلاماتها دفعه إليه وإن مضت السّنَة ولم يأت لهاطالب فهو بالخيار إن شاء أنفقها أو تصدق بها وضمنها وإن شاء حبسها حتى يأتي ربها، فإن تلفت في يده فلا ضمان عليه فيها.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
فصل في أخذ اللقطة وتركها
ومن وجد لقطة، فإن كانت لمن يعرفه فلا بأس أن يأخذها وإن لم يعرف ربها فلا بأس أن يتركها. فإ، كانت ذال بال، فأخذها أحب إلي من تركها. ومن وجد طعامًا أو غيره مما يفسد بتركه ولا يبقى مثله، فلا بأس أن يتصدق به أو يأكله إن كان محتاجًا إليه، ولا ينتظر له أجلًا، وإذا أكله فعليه ضمانه لربه.
فصل في مكان التعريف باللقطة
ومن وجد لقطة فليعرّفها في الموضع الذي التقطها فيه أو في أقرب المواضع من المكان الذي وجدها فيه، ويذكرها لمن يقرب من موضعها. ومن أخذ لقطة، ثم ردها إلى المكان الذي أخذها منه فلا شيئ عليه إلاّ أن يكون أخذها بنية حفظها فلا يكون له ردها، فإن ردها بعد نيته بحفظها ضمنها.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
فصل في العبد يلتقط لقطة
وإذا التقط العبد اللقطة فأنفقها قبل السنة فهي جناية في رقبته، وإن أنفقها بعد السنة فهي دين في ذمته.
فصل في أخذ اللقطة وتركه
ومن وجد بعيرًا في الصحراء فلا يأخذه وليتركه من وجد شاة في الصحراء فليضمها إلى غنمه إن كان معه غنم أو إلى قريته إن كان بالقرب منها، وإن لم يجد ما يضمها إليه فلا بأس أن يأكلها ويضمنها. وقد قيل: لا ضمان عليه إذا أكلها.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
٢٠ - باب في القضاء في الغصب
فصل في ضمان الغاصب لما غصب
ومن غصب عرضًا أو حيوانًا فتلف عنده ضمن قيمته يوم غصبه لا يوم تلفه، ولا أكثر القيمتين. ومن غصب شيئًا من المكيلات أو الموزونات فتلف عنده وجب عليه رد مثلهولا تلزمه قيمته يوم عصبه إلاّ أن لا يجد مثله فيلزمه قيمته يوم غصبه.
ومن غصب شيئًا مما له مثل في وقت يوجد فيه مثله ولم يخاصم فيه حتى خرج أيامه وعدم مثله كان المغصوب منه بالخيار بين أن ينتظر وجود مثله فيأخذه وبين أن يغرم الغاصب قيمته يوم غصبه لا يوم عدمه.
فصل في المغصوب ينقص قيمته لانخفاض السوق أو لحدوث عيب فيه
ومن غصب حيوانًا فنقصت قيمته لانخفاض سوقه لم يضمن نقصه، وإن نقصت قيمته لعيب حدث فيه فربه بالخيار بين أخذه والأرش في نقصانه وبين تركه وأخذ قيمته.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
فصل في المغصوب يبيعه الغاصب
ومن غصب شيئًا فباعه ثم وجده ربه عند مبتاعه فربه بالخيار في فسخ بيعه وأخذه أو في إجازة بيعه وأخذ ثمنه من غاصبه دون مبتاعه. وإن باعه الغاصب وحدث به عيب عن مبتاعه فربه بالخيار بين أخذه ناقصًا وفسخ بيعه، وبين إجازة بيعه وأخذ قيمته أو ثمنه من غاصبه يوم غصبه.
فصل في استعمال الغاصب للمغصوب واستغلاله
ومن غصب حيوانًا واستعمله أو عبدًا فاستخدمه فلا شيئ عليه في استعماله واستخدامه. ومن غصب دارًا فسكنها فلا أجرة عليه في سكناها. ومن غصب دارًا أو حيوانًا أو غير ذلك فاستغله رد غلته على ربه.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
فصل فيمن غصب ساحة فبنى فيها بناء
ومن غصب ساحة فبنى فيها بناء فربها بالخيار بين نقضه وبين دفع قيمته نقضًا وتركه في أرضه قائمًا على أصله، ولا قيمة للغاصب فيما لا منفعة لمثله من
[ ٢ / ٣٠٠ ]
تجصيص أو تزويق أو ما لا مرجوع له.
فصل فيمن غصب خشبة فبنى عليها
ومن غصب خشبة فبنى عليها بناءً، فلرب الخشبة أخذها، وقلع بناء الغاصب عنها. وكذلك لو بنى حولها بناء فتركها فيه، كان لربها هدم البناء وأخذها.
فصل فيمن غصب شاة فذبحها
ومن غصب شاة فذبحها ضمن لربها قيمتها، وكان له أكلها. وقال محمد بن مسلمة: لربها أخذها ويغرم الغاصب ما بين قيمتها حية ومذبوحة.
[ ٢ / ٣٠١ ]
فصل فيمن غصب خشبة فشقها ألواحًا
ومن غصب ساجة فشقها ألواحًا أو عملها أبوابًا فعليه قيمتها، وليس ربها أخذها للفوت الذي دخلها. وقال عبد الملك لربّها أخذها، وليس شقها، وقطعها فوتًا لها.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
فصل فيمن غصب غزلًا فنسجه أو جلدًا فصنعه أو حنطة فزرعها
ومن غصب غزلًا فنسجه فعليه قيمة الغزل لربه. وقد قيل: عليه رد مثله. ومن غصب جلدًا فصنعه خفًّا أو نعلًا ضمن قيمته ومن غصب حنطة فزرعها لزمه رد مثلها والزرع له دون ربها.
فصل فيمن غصب بيضة فحضنها فأفرخت
ومن غصب بيضة فحضنها، فأفرخت فعليه رد بيضة مثلها، والفرخ له.
فصل فيمن غصب فضة فضربها دراهم
ومن غصب فضة فضربها دراهم رد فضة مثلها والدراهم له.
فصل في من غصب دراهم وأراد رد مثلها دون عينها
ومن غصب دراهم فوجدها رَبُّها بعينها، وأراد أخذها فأبى الغاصب أن يردها، وأراد رد مثلها فذلك إلى الغاصب دون ربها، قاله ابن القاسم. وقال غيره: ذلك لربها دون غاصبها، قاله الشيخ أبو بكر الأبهري ﵀.
فصل في من غصب أرضًا فزرعها
ومن غصب أرضًا فزرعها ثم أدركها ربها في إبان الزراعة، كان بالخيار بين ترك الزرع فيها وأخذ كراء مثلها من غاصبها، وبين قلع الزرع منها. ومن أدركها وقد فات وقت زراعتها ففيها روايتان:
إحداهما: كما ذكرناه آنفًا.
والأخرى: أنه ليس له قلع الزرع، وله أجرة مثلها.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
فصل فيمن غصب ثوبًا ولبسه
ومن غصب ثوبًا ولبسه، من ما نقصه لبسه، وإن أبلاه بلبسه إياه فربه بالخيار بين أخذه وما نقصه لبسه وبين تركه وأخذ قيمته كلها. وقد قيل: له ما نقصه لبسه، وليس له أخذ القيمة كلها وتركه.
فصل فيمن غصب أمه فوطئها
ومن غصب أمه فوطئها، فهو زان وعليه الحد، وما نقصها وطؤه لها. وإن ولدت لم يلحق به ولدها، وكان عبدًا لسيدها. ومن غصب أمة فولدت عنده من غيره فمات ولدها فلا ضمان عليه فيه، وإن ماتت الأم وبقي الولد فربها بالخيار بين أخذ الولد ولا شيئ له من قيمة الأم وبين تركه وأخذ قيمة الأم. فإ، وجدهما جميعًا حيّين كان له أخذهما جميعًا. ولو ماتا جميعًا كان له أخذ قيمة الأم دون قيمة الولد.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
فصل فيمن اغتصب عبدًا فَقُتل عنده
ومن غصب عبدًا فقتله عنده قاتل، فربه بالخيار بين أن يتبع الغاصب بقيمته يوم غصبه أو يمن القاتل قيمته يوم قتله. وإن أخذ من الغاصب قيمته يوم غصبه فاللغاصب على القاتل يوم قتله. وإن قتل الغاصب العبد بعد أن غصبه فلربما قيمته يوم غصبه، وإن شاء أخذ منه قيمته يوم غصبه، الخيار إليه في ذلك.
فصل فيمن غصب ثوبًا فصبغه
ومن غصب ثوبًا فصبغه صبغًا ينقصه فلربه أخذه ناقصًا أو تركه وأخذ قيمته من غاصبه يوم غصبه. وإن صبغه صبغًا يزيد في ثمنه فإن شاء ربه أخذهن ودفع إلى الغاصب ما زاد الصبغ في ثمنه، وإن شاء تركه، وأخذ قيمته، فإن أبى ربه أن يأخذه ويعطيه زيادة الصبغ فيه وأبى الغاصب أن يعطيه قيمته بيع الثوب ودفع إلى
[ ٢ / ٣٠٥ ]
ربه قيمته من ثمنه، وكان الفضل للغاصب.
٢١ - باب القضاء في الاستحقاق
فصل في استحقاق الأرض بعد البناء فيها من غير ربها
ومن عَمَّرَ أرضًا لا يظنها لأحد، ثم استحقها ربها فله أخذها عامرة ودفع قيمة عمارتها إلى الباني يها، فإن أبى ذلك كان لعامرها دفع قيمتها غير مبنية، فإن أبى ذلك كان شريكه في الأرض وبناؤها لصاحب البناء بقدر قيمة بنائه، ولصاحب الأرض قد قيمة أرضه.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
فصل في استحقاق الدار والعبد بعد الاستغلال من غير صاحب الحق
ومن اشترى دارًا ثم استحقت وقد استغلها فليس عليه رد الغلة ربها، وكذلك العبد.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
فصل في ضمان ما أفسدته المواشي
وما أفسدت المواشي بالليل من الزرع والشجر والنخل والثمر فضمان ذلك على أربابها، وإن زاد على قيمتها. وما أفسدته بالنهار، فلا ضمان على أربابها فيها. وما أتلفته المواشي من الأموال سوى الزرع والثمار، من النفوس والعروض، ليلًا كان أو نهارًا، فلا ضمان عليهم فيها.
فصل في استحقاق الأمة بعد أولدها مشتريها
ومن اشترى أمة فأولدها، ثم استحقها سيدها، ففيها روايتان:
إحداهما: أن السيد يأخذ الأمة وقيمة الولد من واطئها.
والأخرى: أنه يأخذ قيمة الأمة من واطئها، وتكون أم ولد له ولا شيئ للسيد في ولدها. ولو ولدت أولادًا فماتوا كلم، لم يكن فيمن مات منهم قيمة. ولو استحق قيمة الولد على الأب فوجده معسرًا والولد موسرًا أخذها من الودل، ولم يرجع بها الولد على أبيه. وإذا غرمها الأب وكان موسرًا، لم يرجع بها على الولد موسرًا كان الولد أو معسرًا. ولو قتل الولد قاتل، وأخذ الأب ديته، ثم استحق سيد الأمة قيمته كان على الأب الأقل من ديته أو قيمته.
[ ٢ / ٣١٠ ]
فصل في استحقاق الأمة بعد أن ادّعت الحرية وتزوجت
وإذا غرت الأمة من نفسها وادعت أنها حرة فتزوجها رجل على انها حرة وأولدها ولدًا، ثم استحقها سيدها، ففيها روايتان مثل التي قبلها. وإذا غرت أم الولد من نفسها وادّعت الحرية فتزوجت حُرًا فأولدها، ثم استحقها سيدها فإن الأولاد يقوّمون على أبيهم أنهم أحرار بعد موت سيد أمهم، فإن لم يقوّم الولد حتى مات سيد الأم، فلا شيئ لورثته لأنهم عتقوا بعتقها.
فصل التعدي
ومن جنى على بهيمة جناية فعلية ما نقص من ثمنها. ومن تعدى على دابة رجل فقطع ذنبها أو أذنها أو شانها شينًا فاحشًا فإن كانت من دواب الركوب والزينة ففيها روايتان:
[ ٢ / ٣١٢ ]
إحداهما: أن عليه ما نقص من ثمنها بالغًا ما بلغ.
والأخرى: أن صاحبها بالخيار بينأخذ قيمتها وتركها للجاني عليها، وبين أخذها معيبة وأخذ أرش عيبها.
وإن كانت من دواب الحمل والنقل، فعليه ما نقص من ثمنها بالغًا ما بلغ إلاّ أن تكون الجناية أذهب جلّ منافعها فيكون فيها.
٢٢ - باب القضاء في الحمالة
فصل فيما تجوز فيه الكفالة
والكفالة هي الحمالة في الحقوق كلها جائز. ولا تجوز الكفالة بشيئ من الحقوق والكفالة يتكلفها المكاتب باطلة، ولا بأس بضمان المعلوم والمجهول.
فصل في الضامن والمضمون عنه
ومن ضمن عن رجل مالًا بغير إذنه لم يكن له مطالبته به قبل أدائه فإن أداه عنه كان له أن يرجع به عليه. ومن ضمن عن رجل مالًا بإذن فللضامن أن يطالب الذي عليه المال بأدائه إلى ربه ليبرأ الضامن من ضمانه، فإذا أداه عنه كان له مطالبته بدفعه إليه. ومن ضمن عن رجل مالًا بإذنه فلرب المال أن يطالب الضامن والمضمون عنه، فإذا أداه المضمون عنه سقط عن الضامن، وإن أداه الضامن رجع به على المضمون عنه. وقد قيل: ليس لرب المال أن يطالب الضامن
[ ٢ / ٣١٣ ]
إلاّ أن يغيب المضمون عنه أو يموت أو يفلس.
فصل في الاختلاف بين صاحب الحق والغريم إذا كان
بينهما مالان أحدهما غير مضمون
وإذا كان على رجل مالان أحدهما بضمين، والآخر بغير ضمين. فأدى أحد المالين، وادعى أنه المضمون، وأنكر رب المال. تحالفًا وقسم ما أده بين المالين، المضمون وغير المضمون.
فصل في القذف
فصل في موت الضامن من قبل حلول أجل الدين
وإذا ضمن رجل عن رجل مالًا إلى أجل، فمات الضامن قبل حلول الأجل، ففيها روايتان:
[ ٢ / ٣١٤ ]
إحداهما: أنه يؤخذ الحق من ماله، فيدفع إلى رب المال ويرجع به ورثة الضامن على المضمون عنه إذا حَلّ الأجل.
والرواية الأخرى: أنه يوقف من ماله بقدر الحق حتى يحل الأجل، فإن أمكن أخذ المال من الغريم وإلاّ دفع إلى رب الحق المال الموقوف من تركه الضامن.
فصل في موت الذي عليه الحق قبل حلول أجل الدين
وإذا مات الذي عليه الحق قبل حلول الأجل أخذ الحق من ماله، وبرئ الضامن.
وإن لم يكن له مال لم يؤخذ من الضامن شيئ حتى يحل الأجل.
[ ٢ / ٣١٥ ]
فصل في الضمان بالوجه
ومن تكلف بوجه رجل، فلم يأت به غرم الحق عليه. ومن قال: أنا كفيل بوجه فلان، ولا شيئ عليّ من الحق الذي عليه، فلم يأت به لم يلزمه من الحق الذي عليه شيئ.
[ ٢ / ٣١٦ ]
فصل في الكفالة المبهمة
ومن ضمن عن رجل ما عليه وهو لا يعلم بقدره لزمه ما قامت به البينة عليه.
ومن قال لرجل عامل فلانًا وأنا ضامن لما تعامله به لزمه ما ثبت عليه مما يعامل به مثله.
[ ٢ / ٣١٧ ]
٢٣ - باب القضاء في الحوالة
فصل فيما تجوز فيه الحوالة
ومن كان له على رجل مال فحلّ فلا بأس أن يحتال به على غيره فيما قد حلّ، ويما لم يحلّ. ولا يجوز أن يحتال بما لم يحل فيما قد حل أو لم يحل. ومن كان له على رجل عروض فلا يجوز أن يحتال بها في ذهب ولا ورق ولا عروض مخالفة لها. ولا بأس أن يحتال بها في مثلها.
فصل في إفلاس المحال عليه
ومن كان له على رجل مال، فأحاله به على غيره فقبله ورضي، ثم أفلس المحال عليه أو مات، فليس له أن يرجع على المحيل بشيئ إلاّ أن يكون المحال عليه مفلسًا، لا يعلم بفلسه.
[ ٢ / ٣١٨ ]
٢٤ - باب في الصلح
فصل في الصلح
والصلح على الإقرار والإنكار جائز، والصلح كالبيع فما جاز في البيع جاز في الصلح، وما امتنع في البيع امتنع في الصلح، ومن كان له على رجل مال حالّ، فصالحه على إسقاط بعضه وتأخير بعضه فلا بأس به. ولا يجوز أن يصالحه قبل حلوله على تعجيل بعضه وإسقاط بعضه. ولا يجوز أن يصالحه قبل حلوله على إسقاط بعضه وتأخير بعضه، ولا بأس أن يصالحه من ذهب له عليه، على ورق يأخذها منه، ومن ورق على ذهب إذا كانت حالّة، وأخذ منه العروض في الحال قبل أن يفارقه.
ومن صالح رجلًا من حق له عليه على بعضه وإسقاط بعضه فليس له أن يرجع في صلحه والوضيعة لازمة له.
[ ٢ / ٣١٩ ]
٢٥ - باب القضاء في إحياء الموات وحريم الآبار
فصل في شروط إحياء الموات
ومن أحيا أرضًا ميتة، لم يتقدم عليها ملك مسلم ولا ذمي، فهي له، وإحياؤها بالماء والبناء. ومن أحيا أرضًا، ثم تركها حتى خربت، وعادت إلى حالتها الأولى، فأحياها آخر بعده، فليس للأول فيها حق.
وما كان من الموات بالقرب من العمارة فلا يجوز إحياؤه إلاّ بإذن الإمام، وما بعد من العمارة، فمن سبق إليه فهو أحق به ممن بعده.
[ ٢ / ٣٢١ ]
فصل في حريم الآبار
وليس للآبار المحفورة في الفلوات حريم محصور. ومن حفر بئرًا في موضع، فأراد آخر أن يحفر بقربها بئرًا منع من ذلك، إذا كان حفره يضر بالأول، وإن لم يضر به لم يمنع منه. ومن سبق إلى ماء بئر فهو أحق به حتى يأخذ منه كفايته. وإذا استغنى عنه، كان الفضل لمن بعده، ولا يحل له منع فضله. وكذلك الحشيش
[ ٢ / ٣٢٢ ]
والحطب وسائر المباحات.
فصل في من صاد صدًا فأفلت منه وصاده آخر
ومن صاد صيدًا فأفلت منه، ولحق بالصيد، ثم صاده آخر فو لمن صاده أخيرًا، ولا حق للأول فيه إلاّ أن يجده بقرب إفلاته قبل أن يلحق بالصيد، ويستوحش، فيكون الأول أحق به ممن أخذه بعده.
٢٦ - باب في البنيان والمرافق ونفي الضرر
فصل في غرز خشبة في جدار الجار
ويستحب لمن سأله جاره أن يغرس خشبته في جداره أن يأذن له في ذلك، لا يمنعه منه، فإن أبى لم يحكم عليه به. ومن أذن لجاره أن يغرس خشبة له في جداره فليس له قلعها إلاّ أن يريد هدم جداره أو تغيير داره. فإن أعاره إلى مدة معلومة فله قلعها بعد المدة وإن أعاره عارية مطلقة فهي على التأييد إلاّ أن يحتاج إلى تغيير حائطه فيأمره بقلع خشبته.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
فصل في فتح كوّة على الجار
وليس للرجل أن يفتح في جداره نفسه كوة يشرف منها على جاره، ولا بأس أن يفتح كوة عالية يضئ بها داره.
فصل في الحائط المشترك
ولا بأس أن يعلّي الرجل بناءه وإن أضر ذلك بجاره، وإذا كان حائطًا مشتركًا بين اثنين فليس لأحدهما أن يتصرف فيه إلاّ بإذن شريكه، وكذلك كل ما اشترك فيه. وإذا تهدم الحائط المشترك وكان سترًا بين اثنين فأراد أحدهما بناءه وأبى الآخر ففيها روايتان:
إحداهما: أنه يجبر الذي أبى على بنائه مع شريكه.
والأخرى: أنه لا يجبر عليه، ولكن يقتسمان عرضة الحائط ونقضته، ثم بين من شاء منهما لنفسه.
فصل في البئر المشتركة
وإن كانت بئر بين اثنين فغارت فإصلاحها عليهما جميعًا فإن أراد أحدهما
[ ٢ / ٣٢٤ ]
إصلاحها، وأبى الآخر ذلك فإنه يتخرج عليه على ما بيناه في الحائط المشترك.
فصل فيمن له ميل ماء على سطح جاره أو شرب في بستان غيره
ومن كان له ميل ماء على سطح رجل فانهدم فإصلاح السطح على ربه، وليس على صاحب الميل شيئ من نفقته، ومن كان له شرب في بستان رجل فاحتاجت ساقيته أو نهره إلى تنقية فتنقيته على صاحب الملك والشرب جميعًا.
فصل في إصلاح السفل والعلو إذا كان ملك اثنين
وإذا كان لرجل علوه ولآخر سفله، فانهدم، فإصلاح السفل وبناؤه وتسقيفه على صاحب السفل، وإن أبى أن يبنيه أُجبر على بنائه فإن امتنع من ذلك جاز لصاحب العلو أن يبني السفل من ماله، ثم يمنعه الانتفاع به حتى يرد عليه نفقته.
فصل فيمن غارت بئره ولجاره بئر فيها فضل
ومن زرع زرعًا فغارت بئره، وانقطع سقيه، وخيف على زرعه ولجاره بئر
[ ٢ / ٣٢٥ ]
فيها فضل عن شربه فعليه أن يمكن صاحب الزرع المخوف عليه من فضل مائه حتى يصلح بئره، فإن امتنع من ذلك أُجبر عليه.
٢٧ - باب في القضاء فيما طرح من السفن
فصل في طرح ما في السفن خشية الغرق
وإذا أصاب المركب الخوف من الغرق فطرح ما فيه بإذن أهله أو بغير إذنهم فهم شركاء فيه على قدر اموالهم، ولا شيئ على صاحب المركب ولا على الأجراء، ولا على الركاب الذين لا مال لهم فيه. وما كان فيه من الرقيق للتجارة حسب على أربابه بقدر أثمانهم. وما كان من الرقيق نواتيّه وهم ملاحون لم يحسب عليهم شيئ. ويقوّم المتاع المطروح يوم طرح، وقيل يوم حمله في المركب وقيل: يحسب بالثمن الذي اشترى به.
فصل في غرق المركب واصطدامه
وإذا شد مركب بمركب، ثم هاجت، يرح فحل أحدهما مركبه من الآخر أو حلّه غيره من لآخر، خوفًا من الغرق، فغرق المحلول منهما فلا شيئ على
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وإذا اصطدم مركبان في جريهما فانكسر أحدهما فلا ضمان على الآخر بخلاف الفرسين يصطدمان.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
٢٨ - باب في القسمة
فصل في قسم الأموال المشترك
وإذا كان بين جماعة شركة في دار أو أرض، وطلب أحدهم القسمة، وأبى الباقون أجبروا على القسمة حتى يأخذ كل واحد منهم حقه، وتقسم الثياب، والعروض والحيوان، والدواب بين أربابها.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
فصل فيما لا ينقسم
وإذا كان بين الرجلين دابة أو ثوب أو سفينة أو غير ذلك مما لا ينقسم فتشاحنا فيه، ولم يتراضيا بالانتفاع به وأراد أحدهما البيع، وأبى الآخر أجبر الذي أبى على البيع حتى يتحصل الثمن فيقتسمانه. وإذا قسمت الدار وتركت عرصتها مرفقًا لأهلها ثم أراد بعضهم قسمتها ففيها روايتان:
إحداهما: أنها تقسم، والأخرى: أنها لا تقسم، وتترك مرفقًا لجماعتهم.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
فصل في صفة قسم الدور والأرضين
وإذا كانت الدور والأرضين مشتركة بين جماعة وأرادوا قسمتها فما كان من ذلك متقارب المنافع والمواضع في القسمة، ولم يفرق. وما تباعدت مواضعه أو تفاوتت منافعه فرق في القسمة، ولم يضم بعضه إلى بعض إلاّ أن يتراضى أربابه على ضمه. وإذا كانت الدار مختلفة البناء قسمت بالقيمة وعدلت وضرب عليها بالسهام إلاّ أن يختاير أربابها فيجوز ذلك بينهم. وكذلك الحائط إذا كان مختلف النخل والشجر قسم على القيمة والتعديل، ثم ضرب عليه بالسهام.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
فصل في ضرب السهام في القسمة
وتقسم الدور والأرضون على أقل السهام ويسهم عليها فإن خرج السهم اليسير لصاحب السهم الكبير، ضم إليهمما يليه حتى يستوفي حقه. وإن خرج لمن له ذلك القدر من الشركاء أخذه وأقرع بين الباقين حتى يستوفوا حقوقهم. ولا يجمع القاسم بين اثنين في القسم إلاّ أن يتراضى الشركاء كلهم بذلك. وأجرة
[ ٢ / ٣٣٢ ]
القاسم عليهم بالسوية وليست على قدر حصصهم في الملك.
وإذا اختلف المتقاسمان في القرعة، فأراد أحدهما أن يقرع على جهة بعينها، وأراد الآخر سواها، أقرع بين الجهتين، فأيتهما خرجت قرعتها أسهم عليها. وكل ما لا يجبر على قسمته فلا يجوز أن يسهم عليه، وما يجبر على قسمته فلا بأس بالاستهام عليه.
فصل في القسمة بين الورثة
والقسمة بين الورثة على قدر السهام، وليست على عدد الرؤوس، ولا فرق بين أهل سهم في القسم. ويقسم لكل أهل سهم نصيبهم في حيّز واحد ثم يقتسمونه بينهم قسمة ثانية إن شاء أو يتركونه مشتركًا بينهم.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
فصل في قسمة الحمام
وإن كان حمام بين اثنين فأراد أحدهما قسمته وأبى الثاني ففيها روايتان:
إحداهما: أنه يقسم بينهما. والأخرى: أنه لا يقسم، ولكن يباع فيقتسمان ثمنه على ما بيناه فيما لا ينقسم.
٢٩ - باب القضاء في الشفعة
والشفعة في الدور والأرضين مستحقة، وكذلك في الحوانيت، ولا شفعة في عرض ولا حيوان. والشفعة للخليط، وليست للجار شفعة ولا شفعة في طريق
[ ٢ / ٣٣٤ ]
ولا بئر، ولا فحل نحل. ومن كان له في دار طريق أو ميل ماء فبيعت، فلا شفعة له فيها.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
فصل في من له حق الشفعة
والشفعة على قدر الأنصباء، وليست على قدر الرؤوس، ولاشفعة بين أهل الميراث على قدر سهامهم، وأهل كل سهم أحق بشفعتهم فيما بينهم دون أهل السهم الآخر. فإذا باع جميعهم سهمهم كانت الشفعة لأهل السهم الآخر، وإن كان في الورثة ذوو سهام وعصبة فباع أحد من ذوي السهام حقه فالشفعة لأهل سهمه، وإن باع بعض العصبة حقه، فالشفعة لذوي السهام والعصبة جميعًا.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
فصل في الشفعة في سهم العقار المفوت فيه على وجه الهبة أو الصداق أو الدية
ومن وهب سهمًا من دار أو أرض مشتركة ففيها روايتان: إحداهما: أن فيه الشفعة بقيمته. والأخرى: أنه ليس فيه شفعة. ومن تزوج امرأة بسهم في أرض أو دار ففيه الشفعة بقيمته دون صداق المثل. ومن صالح مندم عمد على سهم من دار أو أرض مشتركة ففي ذلك الشفعة بقيمة السهم. ومن صالح مندم خطأ علىسهم مندار أو أرض مشتركة ففيه الشفعة بالدية.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
فصل الشفعة فيما بيع مع ما لا شفعة فيه صفقة واحدة
ومن باع ما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه صفقة واحد فللشفيع أن يأخذ ما فيه الشفعة بحصته من الثمن.
[ ٢ / ٣٤١ ]
فصل في منع الشفيع من الشفعة في بعض السهم
دون بعض من دار أو دور مشتركة
ومن باع سهمًا من دور مشتركة، وشفيعها واحد، فأراد أن يأخذ بعض ذلك دون بعضه، فليس له ذلك إلا أن يأخذ الجميع أو يتركه.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
فصل في تعدد الشفعاء
وإذا بيع سهم له شفعاء عدّة فترك بعضهم الأخذ بالشفعة فلمن بقي أن يأخذ الكل بشفعته أو يتركه وليس له أن يأخذ منه بقدر نصيبه.
فصل في الشفعاء إذا كان بعضهم حضورًا وبعضهم غائبين
وإذا كان بعض الشفعاء حضورًا وبعضهم غيبًا، فالحاضر يأخذ الكل بشفعته أو يتركه، وليس له أن يأخذ منه بقدر حصته. وإذا قدم الغائب أخذ من الحاضر بقدر حصته ولا تنقطع الشفعة للغائب بطول غيبته.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
فصل في سقوط الشفعة بمرور الزمن
وإذا أخر الحاضر الأخذ بشفعته مع علمه بوجوب الشفعة له ففيها روايتان:
إحداهما: أنه إذا مضت له سنة انقضت شفعته.
والأخرى: أنه لا تنقطع شفعته أبدًا حاضرًا كان أو غائبًًا، إلاّ أن يسقطها أو يظهر منه ما يدل على إسقاطها.
فصل في هبة الشفعة وشهادة الشفيع في البيع ومساومته للمشتري
ومن وهب شفعة قبل وجوبها لم تصلح هبته، ولم تسقط شفعته، وشهادته في البيع لا تسقط شفعته، ومساومته للمشتري بعد البيع تسقط شفعته في الشراء والكراء.
فصل في الشفعة فيما بيع بعرض أو حيوان
أو شيئ من المكيلات أو الموزونات
ومن اشترى سهمًا فيه الشفعة بعرض أو حيوان فللشفيع أخذه بقيمة العرض أو الحيوان. وإن اشتراه بشيئ من المكيلات أو الموزونات، فللشفيع أخذه بمثله.
فصل في عهدة الشفيع
وعهدة الشفيع على المشتري ودركه في الاستحقاق لازم له دون البائع، وسواء أخذ بالشفعة قبل القبض أو بعده. ومن ادعى بيع سهم فيه الشفعة على رجل، فأنكر ذلك المشتري وحلف عليه وبرئ فليس للشفيع فيه شفعة، وإن كان ربه مقرًا بذلك.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
الشفعة في حال الإقالة
ومن باع سهمًا ثم استقال المشتري فيه فللشفيع أخذه بالشفعة، ولا تسقط الإقالة شفعته وقد اختلف قوله على من عهدته بعد الإقالة، فعنه فيه روايتان:
أحداهما: أن عهدته على المشتري، والإقالة باطلة.
والأخرى: أنه بالخيار إن كتب عهدته على المشتري وإن شاء كتبها على البائع.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
فصل في الشفعة إذا تعدد البيع مرارًا قبل أخذ الشفيع لها
وإذا بيع السهم الذي فيه الشفعة مرارًا قبل أخذ الشفيع له فله أن يأخذه بأي الصفقات شاء فإن أخذه بالصفقة الأخيرة صحّت الصفقات التي قبلها، وإن أخذها بالصفقة الأولى صحّ الصفقات التي بعدها، اتفق الأثمان أو اختلفت. والاختيار إليه في العهدة والثمن. وإن أخذه بالصفقة الوسطى صح ما قبلها من الصفقات وبطل ما بعدها.
فصل في مطل الشفيع
وإذا أراد الشفيع الأخذ بالشفعة، واستنظر المشتري بجميع المال أُجَّلَ ثلاثة أيام، فإن جاء بالمال وإلاّ قضي عليه ببطلان الشفعة وللمشتري أن يرفع الشفيع إلى الحاكم فيأمره بالأخذ أو الترك، فإن أبى الأخذ أو الترك حكم عليه الحاكم بسقوط الشفعة.
٣٠ - باب المزارعة وكراء الأرض بالطعام وغيره
فصل في الشركة في الأرض
ولا بأس بالشركة في الزرع إذا تكافأ في العمل والمؤنة والبذر. ولا يجوز أن يكون الأرض من عند أحدهما والبذر من عند الآخر. ولا بأس إذا كانت الأرض بينهما شراء أو بكراء أن يكون البذر من عند أحدهما والمؤنة من عند الآخر إذا تكافأ في قيمة ذلك.
وإذا زرعا أرضًا والبذر من عند أحدهما، والأرض من عند الآخر، وتكافآ فيما سوى ذلك، فالزرع بينهما نصفان وعلى صاحب الأرض نصف مكيلة البذر، وعلى صاحب البذر نصف كراء الأرض.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
فصل في الشريك يساهم بالبذر فقط أو بالأرض فقط
وإذا دفع رجل إلى رجل بذرًا يبذره في أرضه على أن الزرع بينهما نصفان فالزرع كله لصاحب الأرض وعليه مكيلة البذر لربه. وإذا دفع رجل إلى رجل أرضًا يزرعها ببذر من عنده على أن الزرع بينهمان صفان فالزرع كله لزراعه إذا كان الزارع هو الخادم له، والمقيم له، ولصاحب الأرض كراء المثل في أرضه. وإذا كان صاحب الأرض المقيم به والعامل فيه فالزرع كله له، ولصاحب البذر مكيلة بذره.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
فصل في البذر يحتمله السيل من أرض ربه
ويطرحه في أرض غيره فيثبت فيها
ومن بذر بذرًا فأتى السيل فاحتمله فطرحه في أرض غيره، فثبت فهو لصاحب الأرض التي ثبت فيها ولا شيئ عليه لصاحب البذر. وقد قيل: إن الزرع لصاحب البذر وعليه أجرة الأرض.
فصل في ما يجوز أن تكري به الأرض
ولا بأس بكراء الأرض بالذهب والورق والعروض والحيوان. ولا يجوز كراؤها بالحيوان، كان مما تنبت الأرض أو لا تنبته. ولا يجوز كراؤها بشيئ مما تنبته طعامًا كان أو غيره مثل القطن، والكتان وما أشبه ذلك. ولا بأس بكرائها
[ ٢ / ٣٥١ ]
بالخشب والقصب والحطب والعود، ولا يجوز كراؤها بالزعفران ولا العصفر.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
فصل في كراء أرض الري
ولا بأس بكراء أرض مصر التي تروى بزيادة النيل قبل ريها، يكره النقد فيها بشرط قبل ريها. فإ، تطوع المستأجر بانلقد من غير شرط فلا بأس به. وإن كانت لأرض مأمونة لا يخلف ريها فلا بأس بالنقد فيها. ولا بأس بكراء الأرض
[ ٢ / ٣٥٣ ]
المطر والنقد فيها إذا كانت الأرض مأمونة لا يخلف ريّها.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
فصل في كراء الأرض إذا تلف الزرع بانقطاع الماء أو بحائحه
ومن اكترى أرضًا فزرعها، ثم انقطع ماؤها فتلف الزرع سقط عنه كراؤها. ومن اكترى أرضًا فزرعها، ثم أصابت زرعه جائحة فأتلفته، لم يسقط الكراء عنه.
فصل في كراء الأرض إذا غار بئرها
ومن اكترى أرضًا ليزرعها فغارت بئرها قبل زرعه لها انفسخ كراؤها، إلاّ أن يعَمّر البئر ربُّها، ويتمكن المكتري من زرعها، فيلزمه كراؤها. وإن زرعها ثم غار بئرها بعد زرعها فالمكتري بالخيار بين فسخ كرائها، وبين أن ينفق عليها أجرة سنَتَها إن لم يكن نقد كراءها، أو يسترجع من المكري كراء سنة إن كان نقد
[ ٢ / ٣٥٦ ]
كراءها، فينتفعه على بئرها. فإن جاءه من الماء ما يكفيه لزمه الكراء، وإن لم يجئه من السماء ماء يكفيه لم يلزمه شيئ، ولا يكون على رب الأرض غرم لنفقته.
وقال عبد الملك: إن اكتراها سنين فزرعها ثم غارت بئرها، فله أن ينفق عليها كراء السنين كلها إن احتاجت إلى ذلك.
٣١ - باب في الحبس (وهو الوقف)
فصل في وجوه الحبس
والحبس جائز صحيح، ومن حبس حبسًا على وجه صحيح لزمه إخراجه في الوجه الذي جعله فيه، ولم يجز له الرجوع فيه بعد حبسه. ومن حبس حبسًا ولم تجعل له وجهًا جُعل في وجوه البر والخير، وهو موقوف أبدًا، ولم يرجع ملكًا له ولا لورثته بعد وفاته. ومن قال: مالي حبس من وجه كذا، ففيها روايتان:
إجداهما: أنه يتأبد تحبيسه فيكون أولًا في الوجه الذي جعله فيه، فإذا انقرض ذلك الوجه جعل حبسًا على أقرب الناس إليه فإذا انقرضت قرابته كان على الفقراء والمساكين.
والرواية الأخرى: أنه يكون في الوجه الذي جعله فيه، فإذا انقرض ذلك الوجه رجع ملكًا له في حياته وورثته بعد وفته وكذلك إذا قال: مالي صدقة في وجه كذا إلاّ أن يريد التصدق بعين ماله لا بمنفعته فيكون ملكًا لما تصدق به عليه.
وإن قال: مالي حبس صدقة أو صدقة حبس، ففيها روايتان على ما بيناه.
وإن قال: مالي حبس لا يباع ولا يوهب ولا يملك، وما أشبه ذلك من الألفاظ التي توجب التأييد كان حبسًا أبدًا، ولم يرجع ملكًا له ولا إلى ورثته ولو قال: مالي وقف على وجه كذا وكذا كان واقفًا أبدًا ولم يرجع ملكًا له ولا لورثته.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
فصل في الوقت إذا لم يقبض من الواقف حتى مات
ومن حبس حبسًا، فلم يقبض منه ولم يخرج من يده حتى مات، فهو باطل ويصير ملكًا لورثته. ومن وقف وقفًا في صحته فهو في رأس ماله.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
فصل فيمن وقف وقفًا في مرضه أو وصيته
وإن وقف وقفًا في مرضه أو في وصيته فهو من ثلثه ومن وقف وقفًا في مرضه أو وصيته، على ورثته خاصة دون غيرهم لم يصح وقفه، وكان ملكًا لورثته. ومن وقف وقفًا في مرضه على ورثته وغيرهم من الأجانب، جاز وقفه من ثلثه، وقسم بين ورثته والأجانب على شرطه، فإذا انقرض ورثته جعل في الوجه الذي جعله بعضهم فيه.
ومن وقف وقفًا في مرضه على بعض ورثته وعلى أجانب سواهم قسم الوقف بين من وقفه عليهم من ورثته والأجانب، فما أصاب الورثة جعل بين جميعهم من أدخله في الوقف ومن أخرجه منهم على الفرائض، فإذا انقرض ورثته صار الوقف كله لمن جعله له بعد ورثته، فإذا انقرض واحد من ورثته سقط حقه، وصار لمن جعله له بعده.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
فصل في جواز حيازة الوقف على الصغير
ومن وقف وقفًا على ولد له صغير فحيازته له جائزة إذا لم يتصرف فيه
[ ٢ / ٣٦١ ]
لنفسه، وتصرف فيه لولده
[ ٢ / ٣٦٢ ]
فصل فيما ينقسم وما لا ينقسم
إذا وقف على رجلين حياتهما فمات أحدهما
ومن حبس عبدًا أو دابة على رجلين حياتهما، ثم جعلهما في وجه آخر بعد وفاتهما، فمات أجد الرجلين رجع نصيبه على الآخر، فإذا ماتا جميعًا رجع على وجه الذي بعدهما.
وقد قيل: يرجع نصيب الميت منهما في الوجه الثاني بعده، ولا يرجع نصيبه على الرجل الآخر. وإن حبس عليهما ثمرة أو غلة أو شيئًا مما يتجزأ أو ينقسم فمات أحدهما، لم يرجع نصيبه على صاحبه ورجع في الوجه الآخر. وإن حبس عليهما مسكنًا فهو على وجهين:
- إن حبسه للسكن كان كما ذكرناه في العبد والدابة.
- وإن كان حبسه عليهما ليستغلاه، كان كما ذكرناه فيما يتجزأ وينقسم.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
فصل فيمن أسكن مسكنًا إلى أجل فمات
قبل الأجل ومن أوصى بالنفقة عليه إلى مدة فمات قبل تمامها
ومن أسكن رجلًا مسكنًا إلى أجل فمات الساكن قبل الأجل فذلك لورثته إلى تمام أجله، فإن لم يكن له ورثة عاد المسكن إلى ربه. ومن أوصى بنفقة على رجل إلى مدة، فمات قبل تمامها لم يكن لورثته شيئ من نفقته.
فصل في منع بيع الحبس
ومن حبس عقارًا فخرب لم يجز بيعه. ومن حبس حيوانًا فهرم فلا بأس ببيعه، واستبدال مثله. وقال عبد الملك: لا يجوز بيعه، اعتبارًا بالعقار.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
فصل في تحبيس الحيوان والثمار والزكاة فيها
ولا بأس بتحبيس الخيل في سبيل الله ﷿، وقد اختلف في قوله إذا حبس غير الخيل من الحيوان فكرهه مرة، وأجازه مرة أخرى. ومن حبس ماشية،
[ ٢ / ٣٦٦ ]
فالزكاة فيها واجبة إذا كانت نصابًا. وكذلك من حبس ثمرة أخذت الزكاة منها.
فصل في حبس الدور مع استمرار السكن فيها
من حبس دارًا فسكن منها بيتًا، أو ما شابهه، جازت كلها، ما سكنه منها وما لم يسكنه، وما سكن منها كثيرًا بطلت كلها ما سكنه وما لم يسكنه. وكذلك لو حبس دورًا عدة فسكن يسيرًا منها، جازت كلها ما سكنه وما لم يسكنه، وإن سكن كثيرًا منها، بطلت كلها، ما سكنه منها وما لم يسكنه.
وقال ابن القاسم يبطل ما سكنه قليلًا كان أو كثيرًا، ويجوز وينفذ ما لم يسكنه قليلًا كان أو كثيرًا.
٣٢ - باب في الصدقة
فصل في شرط القبض في الصدقة
والصدقة لازمة بالقول وتمامها بالقبض. ومن تصدق بصدقة، وهو صحيح، ثم مات قبل إخراجها فهي باطلة. وإن كان مريضًا فهي جائزة من ثلثه. وإن مات المتصدق بها عليه، فلورثته. ومن تصدق على ولده صغيرًا فحيازته له جائزة إذا أشهد على صدقته وميزها بتصرفه له فيها.
فصل فيما يجوز وما لا يجوز في الصدقة
ومن تصدق بصدقة فلا رجعة له فيها ولا ثواب له عليها. وإن مات المتصدق بها عليه فورثها المصدق جاز له تملكها والتصرف فيها، ويكون له شراؤها، واستيهابها. ومن تصدق على ولد له بدنانير أو دراهم مقدرة غير معينة، وأشهد له بذلك فصدقته باطلة، وإن تصدق عليها بجزء مشاع في دار أو أرض وأشهد على ذلك، ففيها روايتان:
إحداهما: جوازها.
والأخرى: بطلانها وكذلك الهبة.
٣٣ - باب في الهبة
فصل في إلزام الواهب دفع ما وهب
ومن وهب شيئًا من ماله لزمه دفعه إلى الموهوب له إذا طالبه به، فإذا أبى
[ ٢ / ٣٦٧ ]
ذلك حكم عليه به إذا أقرّ وقامت عليه بينة، وإن أنكر الهبة حلف عليها وبرئ منها، وإن نكل عن اليمين حلف الموهوب له وأخذها منه.
فصل في الهبة إذا مات الواهب أو الموهوب له قبل قبضها
وإذا مات الواهب قبل دفعها إلى الموهوب له بطلت الهبة إذا كان قد أمكنه أخذها ففرط فيها، فإن مات الموهوب له قبل قبضه قام ورثته مقامه في مطالبة الواهب بهبته.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
فصل في الرجعة في الهبة
وكل من وهب هبة فليس له فيها رجعة ولا عصرة إلا للوالدين خاصة فإن لهما الرجعة فيما وهباه لولدهما ما لم يداين أو يتزوج، فإن داين أو تزوج لم يكن للوالدين في الهبة رجعة، فإن تغيرت العلة عند الولد فليس للوالدين فيها رجعة، وإن باعها الولد وأخذ ثمنها لم يكن للوالدين إلى الثمن سبيل، ومن وهب لولده دنانير أو دراهم أو شيئًا مما له مثل فخلطه الولد بمثله فليس للوالد فيه رجعة ولا شريكًا للولد بقدره.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
فصل في الهبة للثواب والعوض
والهبة للثواب والعوض جائزة، ومن وهب هبة للثواب فمات قبل دفع الهبة فهي صحيحة لازمة وليس تحتاج هبة الثواب لحيازة. ومن وهبت له هبة للثواب فقبضها فهو بالخيار إن شاء أصاب منها قيمتها، وإن شاء ردها، فإن أثاب منها قيمتها لزم واهبها قبولها شاء أو أبى، وإن ردها انفسخت هبتها، وإن فاتت عبده لزمه قيمتها إلاّ أن يرضى الواهب بأقل من قيمتها.
فصل في الاختلاف في الغرض من الهبة
ومن وهب هبة مطلقة، وادَّعى أنه وهبها للثواب نظر في ذلك وحمل على العرف فيه، فإن كان مثله يطلب الثواب على هبته قُبل قوله مع يمينه. وإن كان مثله لا يطلب الثواب على هبته، فالقول قول الموهوب له مع يمينه. فإن أشكل
[ ٢ / ٣٧٠ ]
ذلك واحتمل الوجهين فالقول قول الواهب مع يمينه.
فصل في الهبة لصلة الرحم والهبة لله عزل وجل
ومن وهب هبة لصلة رحم فليس فيها مثوبة. وكذلك من وهب هبة الله ﷿ حسبْه فليس له على هبته مثوبة.
فصل في هبة الرجل ولده دون البعض والتصدق بماله كله
ومن ولا بأس أن يهب الرجل لبعض ولده دون بعض جزءًا من ماله، ويكره أن يهب له ماله كله إلاّ أن يكون ماله يسيرًا ولا بأس أن يتصدق المرء بماله كله.
٣٤ - باب القضاء في الوكالة
فصل في الوكالة وفي ضمان الوكيل
والوكالة جائزة على البيع والابتياع، والخصومة والقضاء، والاقتضاء وغير ذلك.
والوكيل مؤتمن لا يضمن إلاّ أن يتعدّى. ويصدق في رد السلعة أو ثمنها إلى الآمر. ولو باع الوكيل ولم يشهد على المشتري فجحده، فإنه ضامن لتغريره.
وإذا وكلت المرأة زوجها في حق لها من بيع أو شراء، ثم ادعت أنه لم يعطها شيئًا فإنه ليس عليه إلاّ يمينه ويبرأ.
وكذلك يقوم الوكلاء بالبلدان يقبضون لهم الأموال، وإذا وكله لقبض ماله، فزعم الوكيل أنه قد أخذه، وليس للذي عليه الدّين بينه بالدفع والوكيل مقر له،
[ ٢ / ٣٧١ ]
ولم يدفع إلى صاحب الحق شيئًا فليس ينفع إقرار الوكيل إلاّ بينة عليه وإلاّ غرم الغريم الحق. ومن باع متاعًا ووكل على قبض ثمنه رجلًا، فزعم الوكيل أنه قد قبضه ودفعه إلى صاحب الحق فعلى الذي عليه الحق البينة يدفعه إلى الوكيل، وليس على الوكيل إلاّ اليمين بالله لقد دفع. ولا يخاصم في الغائب قريبه إلاّ بوكالة أو أمر يعرف.
فصل في تصرف الوكيل بعد موت الموكل
وإذا اشترى الوكيل بعد موت الآمر، ولم يعلم بموته، لزم الشراء ورثته، وإن لم يكن قبض الثمن لزم الثمن تركته. وإذا اشترى بعد علمه بموته لم يلزم الورثة وعليه غرم الثمن، وكذلك ما باع بهذا المعنى.
فصل في خلع الوكيل
ومن وكل وكيلًا وفوض إليه في البيع والشراء واقتضاء الديون وأشهد له بذلك، ثم خلعه وأشهد على خلعه، ولم يعلم بذلك غرماؤه، فلا يبرأ غريم بما دفع إليه بعد خلعه، كان ذلك من ثمن شيئ باعه الوكيل أو من غير ذلك. وقد قيل: إن لم يعلم الوكيل والغريم بالخلع، فالغريم برئ. فإن علم بذلك أحدهما والآخر عالم أو غير عالم لم يبرأ الغريم.
فصل في الوكيل المفوض والوكيل المخصوص
وإذ حطّ الوكيل المفوض إليه أو أخر نظرًا أو استيلافًا جاز، إلاّ أن يكون
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وكيلًا مخصوصًا فلا يجوز ما أحط أو أخر، بخلاف المفوَض إليه.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
فصل في الوكيل والموكل يبيعان شيئًا واحدًا ببيعين مختلفين
وإذا باع الآمر وباع الوكيل، فأول البيعين أحق إلاّ أن يقبض الثاني السلعة فهو أحق بها كإنكاح الوليين.
فصل في تعدي الوكيل
وإذا باع الوكيل بالدين فقد تعدى، كالمقارض. وكذلك لو أخذ بالثمن رهنًا فهو متعد، وكذلك إن باع بالعرض ما يباع بالعين. وإن باع الوكيل أو ابتاع بما لا يشبه الثمن أو بما لا يتغابن الناس بمثله لم يلزمه الموكل. وإذا وكله على شراء جارية أو ثوب، ولم يصف له ذلك، فإن اشترى ما لا يشبه أن يبتاع لمثله لم يلزمه إلاّ أن يشاء، ويلزم ذلك الوكيل.
وإن وكله على شراء سلعة بعشرة فابتاعها بخمسة، فغ، كانت على الصفة لزمته وإلاّ فلا، وإن ابتاعها بعشرين فهو مخير في أخذها أو ردها ولو زاد يسيرًا مما يزاد في مثل الثمن لزمته الزيادة، وإن وكل على شراء شيئ بعينه، ولم يدفع إليه ثمنًا أو اشترى بما أمره، ولم ينقد، ثم أخذ الثمن منه لينقده فضاع، فعليه غرمه ثانية.
وكذلك لو ضاع مرارًا حتى يصل إلى البائع. ولو كان الموكل دفع إلى الوكيل الثمن قبل الشراء فضاع بعد الشراء لم يلزمه غرمه؛ لأنه مال بعينه ذهب، ويلزم الوكيل الثمن، والسلعة له. [
[ ٢ / ٣٧٤ ]
فصل فيما يجوز وما يكره من الوكلاء
ولا بأس أن يوكل عبدًا محجورًا عليه أو مأذونًا له. ويكره أن يوكل نصرانيًّا على بيع أو ابتياع أو يبضع معه، وكذلك لو كان عبدًا له.
[ ٢ / ٣٧٦ ]