فصل في الوصية
قال مالك يرحمه الله: مت مات وعليه دين فأوصى بثلثه، فإنه يبدأ من تركته بكفنه وحنوطه ومؤنة دفنه بالمعروف متوسة. ثم يقضي دينه، ثم يخرج ثلثه في وجوه وصيته. ثم يكون ما بقي بعد ذلك لورثته على كتاب الله ﷿ وفرائضه. وللرجل أن يوصي بثلثه وبمن يليه من ولده إلى من شاء إذا كان مأمونًا. ولا بأس أن يوصي بثلثه إلى رجل وبولده إلى آخر. ومن قال: وصيتي إلى فلان فهو وصيُّهُ في ثلثه، وَوَل على صغار ولده.
فصل فيما تجوز الوصية
والوصية بالنكاح جائزة كالوصية بالمال، وللموصي أن يوصي بما إليه من الوصية إذا لم يمنعه الموصي من ذلك. ويجوز عفو الرجل عن قاتله عمدًا، ولا يجوز عفوه عن قاتله خطأ، إلاّ أن يحمل الثلث من ديته. ومن أوصى لرجل بوصية، ثم قتله الموصي له خطأ، لم تسقط وصيته، وإن قتله عمدًا، بطلت وصيته، إلاّ أن يوصي له بعد علمه بقتله.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
فصل في حكم الوصية إن مات الموصَى له قل الموصِي
ومن أوصى لجماعة بوصيات فمات واحد منهم قبل موت الموصي وعلم بموته أو لم يعلم ففيها ثلاث روايات:
إحداها: أنه يحاصّ بقدر وصيته علم بموته أو لم يعلم، فما أصابه كان لورثة الموصي ولا شيئ لورثة الموصّى له.
والرواية الأخرى: أنه قد بطلت وصيته ولا يحاص أهل الوصي علم بموته أو لم يعلم.
والرواية الثالثة: أنه إن كان علم بها لم يحاص أهل الوصايا بقدرها، وإن كان لم يعلم بها حاصّ أهل الوصايا بها، فما أصاب الموصي له كان لورثة الموصي.
فصل في الوصية بأكثر من الثلث
وليس للمرء أن يوصي بأكثر من ثلثه إلا بإذن ورثته ومن استأذن ورثته وهو مريض في الوصية بأكثر من الثلث فأذنوا له بأكثر من ثلثه فأوصى به، فليس لهم رجعة في إذنهم. وإن استأذنهم وهو صحيح فأذنوا له فلهم الرجوع فيما زاد على
[ ٢ / ٣٧٨ ]
الثلث. ومن لم يكن له وارث، فليس أن يوصي بأكثر من ثلثه.
ومن أوصى بأكثر من ثلثه، فورثته بالخيار في إجازة ما زاد على ثلثه وفي رده، فإن أجازوه مضى، وإن ردوه بطل، وإن أجازه بعضهم ورده بعضهم جاز نصيب من أجازه منهم، وأخذ من لم يُجزه منهم حقه.
فصل في ترتيب الوصايا والكفارات والنذور
لا وصية لوارث من ثلث ولا غيره إلاّ أن يجيز ذلك الورثة. ومن أوصى بعتق معين، ووصايا، ولم يسع ذلك ثلثه، فالعتق مُبَدًّ على غيره. ومن أوصى بعتق معين، وزكاة، فالزكاة مبدّاةٌ. قال عبد الملك يُبدأ بالعتق على الزكاة. ومن أوصى بزكاة وكفارة، فالزكاة مبدأة على الكفارة. ومن أوصى بوصايا وكفارات
[ ٢ / ٣٧٩ ]
ونذور، فالكفارات والنذور مبدأة على الوصايا. وكذلك كل ما بعضه آكد من بعض إذا أوصى به جميعًا فإنه يبدأ بالآكد فالآكد.
فصل في الوصية بالعتق المطلق غير المعين مع وصايا أخرى
ومن أوصى بعتق مطلق غير معين ووصايا، فهو على وجهين: إن كان العتق واجبًا من نذر أو كفارة يمين أو قتل نفس، فهو مبدأ على الوصايا. وإن كان تطوعًا ففيه فيما أظن روايتان:
والأخرى: أنه وسائر الوصايا سواء.
فصل في وصية الصبي المميز، والسفيه والمحجور عليه
ووصية الصبي المميز جائزة، ووصية السفيه المحجور عليه جائزة إذا كان عقله صحيحًا.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
فصل في الوصية إلى المرأة، والعبد،
والكافر والفاسق، وقبول الوصية
والوصية إلى المرأة والعبد جائزة، وعبد نفسه وعبد غيره بمنزلة واحدة. والوصية إلى الكافر، والفاسق باطلة. ومن قبل وصية لم يجز له تركها بعد قبولها إلاّ أن يعجز عنها أو يكون له عذر في تركها.
[ ٢ / ٣٨١ ]
فصل في الرجوع في الوصية والإقرار بحق للغير عند الموت
وللموصي أن يرجع في وصيته في مرضه أو صحته. ومن أقر عند موته لغير وارث بحق، فإقراره لازم. وإن أقر لوارثه بحق لم يجز إقراره له إذا كان متّهمًا فيما أقر له به، وإن كان متّهم جاز إقراره له، ومن أقر لصديق له ملاطف بإقرار عند موته ففيها روايتان:
إحداهما: أن إقراره باطل لا يجوز من رأس ماله، ولا من ثلثه.
والأخرى: أنه جائز من ثلثه دون راس ماله.
فصل في الموصى إليهم بأكثر من الثلث
ومن أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بثلث ماله أيضًا، ولم يرجع عن إحدى وصيته إلى الأخرى ولم يجز له ورثته أكثر من ثلثه، جعل الثلث بين الرجلين نصفين. وإن أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بنصفه، فالثلث بينهما على خمسة أسهم. لصاحب الثلثان سهمان، ولصاحب النصف ثلاثة أسهم.
ومن أوصى لرجل لثلث ماله ولآخر بربعه، فالثلث بينهما على سبعة أسهم لصاحب الثلث أربعة أسهم ولصاحب الربع ثلاثة أسهم. ومن أوصى لرجل بربع ماله ولآخر بسدسه، فالثلث بينهما على خمسة أسهم لصاحب الربع ثلاثة
[ ٢ / ٣٨٢ ]
أخماسه، ولصاحب السدس خمساه.
فصل في الوصية بمثل نصيب الابن
ومن أوصى لرجل بمثل نصيب ابنه وله ابن واحد فقط أوصى له بماله كله، فإن أجاز له الابن وصيته وإلاّ كان له ثلث ماله، وإن كان له ابنان فقط أوصى له بنصف ماله فإن أجاز ذلك ولداه وإلاّ كان له الثلث. وإن كان له ثلاثة بنين فقط أوصى له بثلث ماله فوصيته له جائزة. وإن كان له أربعة بنين فقط أوصى له بربع ماله، ولا فضل أن يوصي بمثل نصيب ابنه أو بمثل نصيب بنيه. والوصية باللفظين جميعًا جائزة.
فصل في الوصية بمثل نصيب أحد الولد إذا كانوا ذكورًا وإناثًا
ومن له بنون وبنات فأوصى لرجل بمثل نصيب أحد ولده ولم يبين، جعل
[ ٢ / ٣٨٣ ]
ماله بين ورثته ذكورهم وإناثهم بالسوية وجعل للموصي له مثل سهم واحد منهم ثم كان ما بقي للورثة يقسمونها على فرائضهم.
فصل في الوصية بجزء من المال والوصية بمال مسمى
ومن أوصى لرجل بجزء من ماله ولآخر بدنانير ودراهم مسماة، ولم يحمل ثلثه جميع وصيته ففيها ثلاث روايات:
إحداهن: أنه يُبدأ بأهل التجزئة على أهل التسمية.
والثانية: أنه يُبدأ بأهل التسمية على أهل التجزئة.
والثالثة: أنهم يتحاصون بقدر وصاياهم.
فصل في الوصية بشيئ معين يفوت قبل القبض
ومن أوصى لرجل بشيئ معين فتلف الشيئ الموصى به بطلت وصيته. ومن أوصى لرجل بثيابه، وله ثياب يوم وصيته، فباعها، واستخلف غيرها، ثم مات، فللموصى له ثيابه التي استخلفها، إلاّ أن يسمى تلك الثياب الأولى بأعيانها، فلا يكون للموصى له شيئ مما استحقه.
فصل في الوصية إذا كان للموصي مال يعلمه ومال لا يعلمه
ومن أوصى بثلث ماله، وله مال يعلمه ومال لا يعلمه فوصيته فيما علم به دون ما لم يعلم. ومن دبر عبدًا له وله مال يعلم به، ومال لا يعلم به وليس بخرج المدبر من ثلث ماله الذي يعلم به دون المال الذي لا يعلم به ففيها روايتان:
إحداهما: أن المدبر يخرج من ثلث المال الذي يعلم، به دون المال الذي لا يعلم به كالوصية والرواية الأخرى: أن المدبر يخرج من ثلث المالين جميعًا كالدين.
فصل في مال العبد إذا أوصى سيده برقبته
ومن أوصى بعبده لرجل وللعبد مال ففيها روايتان:
إحداهما: أن مال العبد تبع له يكون لموصى له برقبته، دون ورثة سيده كالعتق والأخرى أن ماله لورثة سيده كالبيع، والهبة والصدقة.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فصل في من أوصى بعبد من عبيده إذا اختلف قيمتهم أو مات بعضهم
ومن أوصى لرجل بعبد من عبيده وهم جماعة مختلفة قيمتهم، فله جزء منهم، إن كانوا عشرة فلهعشرهم، وإن كانوا خمسة فله خمسهم. ومن أوصى لرجل بعبد من عبيده وهم عشرة فمات منهم ثمانية وبقي عبدا، فإن كان له مال غيرهم فله نصف العبدين إذا خرج من ثلثه. وإن لم يكن له مال غيرهم، فله ثلث العبدين.
ومن أوصى لرجل بعُشر عبيده وهم عشرة فمات منهم ثمانية وبقي اثنان فله عُشرهما بالقيمة.
فصل في الوصية بنفقة العمر
ومن أوصى لرجل بنفقة عمره عَمّر تمام سبعين سنة بما مضى من عمره، وقد قبل تسعين سنة، وأخرج له بقدر ما بقي من عمره وأنفق عليه، فغ، مات قبل ذلك رجع باقي نفقته على ورثة الموصى أو أهل الوصايا إن لم يكونوا استوفوا وصاياهم. وإن عاش حتى نفدت نفقته لم يرجع على أهل الوصايا ولا ورثة الموصي بشيئ.
وقال أشهب: يرجع على أهل الوصيا، فيحاصهم حصاصًا ثانيًا، ويجتهد له في باقي عمره.
فصل في الوصية بما يتأبد مع الوصايا الأخرى
ومن أوصى بمصباح في مسجد أو ما أشبه ذلك مما يتأبد وأوصى مع ذلك بوصايا، فإنه يحاص للمصباح بجميع الثلث، ولأهل الوصايا بقدر وصاياهم.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
فصل في المريض المخوف عليه في إخراج المال بغير عوض
والمريض المخوف عليه ممنوع من الهبة الصدقة وإخراج المال بغير عوض إلاّ في ثلثه. وما وهبه أو تصدق به في مرضه فهو موقوف على صحته أو موته. فإن مات كان ذلك في ثلثه، وإن صح كان من رأس ماله. ولا يجوز له الرجوع فيه إلاّ أن يكون أراد به وجه الوصية، فيجوز له أن يرجع فيه.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
فصل في تصرف المريض مرضًا غير مخوف
ومن كان مريضًا مرضًا غير مخوف كالجذام والبرص، والبلغم، وما أشبه ذلك، فهو كالصحيح لا يمنع من التصرف في ماله، إلاّ أن يشتد مرضه ويخاف عليه. وللمريض المخوف عليه أن يبيع ويشتري ويأكل ويكتسي.
فصل في تصرف المرأة الحامل لستة أشهر فصاعدًا
والمحبوس في القتل والزاحف في الصف
وإذا بلغ حمل المرأة ستة أشهر فصاعدًا فهي كالمريض مرضًا مخوفًا، وكذلك المحبوس في القتل، والزاحف في الصف.
فصل في تعدد الوصايا لموصي له واحد
ومن أوصى بوصيتين أو أكثر من ذلك جازت وصاياه كلها إلاّ أن يبطل بعضها ببعض. ومن أوصى لرجل بدنانير متساوية في موضعين ولم يذكر إبطال إحداهما ولا جميعهما جميعًا للموصى له، فله إحدى التسميتين، وإن كانت إحداهما أكثر من الأخرى فله الأكثر من الوصيتين. وإن أوصى له بنوعين مختلفين في موضع واحد أو موضعين فله جميع الوصيتين.
فصل في من أوصى لرجل بمائة ولآخر بخمسين ولثالث بمثل
إحدى الوصيتين ولم يبين
ومن أوصى لرجل بمائة ولآخر بخمسين، ثم أوصى لثالث بمثل إحدى الوصيتين، ولم يبين ففيها روايتان:
إحداهما: أن له نصف الأولى، ونصف الأخيرة.
والثانية: أن له مثل الأخيرة دون الأولى.
وقال أشهب: له الأقل من الوصيتين؛ لأنه يقين وغيره ظن وتخمين.
[ ٢ / ٣٨٧ ]