١ - باب من يلزمه فرض الحج
فصل من يلزمه الحج
قال مالك يرحمه الله: ومن قدر على أداء الحج ببدنه ووجد زادًا يقوته لزمه فرضه.
ومن عجز عنه ببدنه، ولم يستمسك على راحلته سقط عنه فرضه، ولم يلزمه أن يُحِجُّ من ماله غيره عنه، ويكره له أن يحج عنه غيره، فإن استأجر من يحج عنه لم تسخ إجارته.
ومن لزمه فرض الحج، لم يجز له تأخيره إلا من عذر وفرضه على الفور، دون التراخي، والتسويف.
ومن مات قبل أن يحج لم يلزم ورثته أن يُحِجّوا عنه أحدًا من ماله، فغ، أوصى بذلك كانت وصيته في ثلثه دون رأس ماله.
فصل: ما يكره من الحج
ويكره أن يحج الرجل عن غيره قبل أن يحج عن نفسه فإن حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، كانت حجته عمن حج عنه، ثم يحج بعد ذلك عن نفسه.
ويكره أن يتطوع أحد بالحج قبل أن يؤدي فرضه فإن تطوع به لم ينقلب إلى فرضه.
ويكره للمرء أن يحج عنه غيره، فإن استأجر من يحج عنه لم تفسخ إجارته.
ويكره أن يحرم أحد بالحج قبل أشهره، فإن أحرم به كان حجًّ، ولم ينقلب إلى العمرة.
وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
وقيل: عشر من ذي الحجة.
[ ١ / ١٩١ ]
ويكره لمن قارب الميقات أن يحرم قبله، فإ، فعل فلا شيئ عليه.
٢ - باب الإجارة في الحج والوصية
فصل: الإجارة المضمونة، والإجارة على البلاغ
والإجارة في الحج على وجهين:
الإجارة المضمونة، والإجارة على البلاغ وهي جائزة.
[ ١ / ١٩٢ ]
فالمضمونة: هو أن يستأجر الرجل عن حجة موصوفة من مكان معلوم بأجرة معلومة، فيكون الفضل له والنقص عليه.
فإن مات قبل الفراغ من الحج كان له من الأجرة بحساب ما عمل، وأُخِذَ الباقي من ماله.
وإجارة البلاغ: أن يدفع الرجل إلى الرجل مالًا ينفقه في الحج عن غيره، فإن فضل منه فضل رده على من استأجره، وإن عجز المال عن نفقته وجب على من استأجره إتمام نفقته.
ومن استؤجر بمال على البلاغ فضاع المال منه قبل إحرامه، رجع ولم ينفذ لوجهه.
وإن ضاع منه بعد إحرامه مضى في حجه ولزم من استأجره باقي النفقة.
ومن لم يحج فأوصى أن يحج عنه فلا يحج عنه عبد ولا صبي إلا أن يأذن في ذلك في وصيته، ومن حج ثم أوصى أن يحج عنه فلا بأس أن يستأجر له عبد أو صبي، إلا أن يمنع من ذلك في وصيته، ومن مات قبل أن يحج عن نفسه فأوصى
[ ١ / ١٩٣ ]
بذلك لورثته كانت الوصية في ثلثه دون رأس ماله، ومن أوصى أن يحج عنه رجل بعينه، فأبى أن يحج عنه، فإن كان الموصي لم يحج عن نفسه دفعت حجته إلى غيره، وإن كان قد حج عن نفسه بطلت وصيته ورد المال إلى ورثته.
ومن أوصى أن يحج عنه بمال معلوم ذكره، فوجد من يحج بدونه، رد الباقي إلى ورثته إلا أن يوصي بذلك لرجل بعينه فيكون المال كله له إلا أن يعلم بقدره فيرضى بدونه فيكون الباقي لورثة الموصي.
ومن استؤجر أن يحج مفردًا فحج قارنًا لم يجزئ عنه. وعليه الإعادة قاله ابن القاسم. وقال عبد الملك: يجزيه وعليه الدم. وقال ابن عبد الحكم عن مالك مثله.
ومن استأجر على أن يحج حجة، ولا يقدم بين يديها عمرة فاعتمر، ثم حج، فلا شيئ عليه، ويشبه ألا يجزيه على قول ابن القاسم اعتبارًا بالقارن. ويروى عن ابن القاسم أنه قال: لا يجزيه، ثم رجع إلى قول مالك.
٣ - باب مواقيت الحج
فصل: المواقيت
قال مالك يرحمه الله: ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة، وأهل الشام ومصر والمغرب: الجحفة، وأهل اليمن: يَلَمْلَم، وأهل نجد: قَرْن المنازل، وأهل العراق، وفارس وخراسان: ذات عِرْق.
[ ١ / ١٩٤ ]
ولا بأس أن يؤخر أهل الشام الإحرام من ذي الحليفة إلى الجحفة إذا مروا بالمدينة والاختيار لهم أن يحرموا من ذي الحليفة.
ومن كان منزله بعد المواقيت إلى مكة، أحرم من منزله، فإن أخر الإحرام منه فهو كمن أحرم من ميقاته في جميع ما ذكرناه من صفاته.
ومن كان منزله حذاء ميقات من المواقيت أحرم من منزله، ومن كان مقيمًا بمكة من غير أهلها ثم أراد الحج فالاختيار أن يخرج إلى ميقاتها فيحرم منه، وإحرامه من مكة مجزئ عنه، ويهل أهل مكة بالحج من مكة، ولا يهلون بالعمرة من مكة يخرجون لها أدنى الحل فيحرمون منه، ولا بأس أن يحرم المكي بالقران من مكة.
وقال ابن القاسم: لا يحرم بالقران من مكة، واعتبر ذلك بالعمرة.
[ ١ / ١٩٥ ]
فصل فيمن جاوز الميقات دون إحرام
ومن أتى الميقات يريد الحج أو العمرة فلا يجاوزه إلا محرمًا. ومن جاوز الميقات لحاجة له دون مكة، ثم عزم على الإحرام فليحرم من مكانه ولا دم عليه.
ومن أراد الإحرام عند الميقات فأخره وجاوز الميقات حالًا، فليرجع إلى الميقات وليحرم منه ولا شيئ عليه. فإن أحرم من مكانه ولم يرجع فعليه دم، وإن رجع إلى الميقات بعد إحرامه لم يسقط الدم عنه. ومن جاوز الميقات يريد دخول مكة حلالًا، ثم أحرم بعد أن جاوزه ففيها روايتان: إحداهما: أن عليه دم. والأخرى: أنه لا دم عليه.
ومن أحرم من الميقات بعمرة ثم أردف الحج على العمرة بعد أن جاوز الميقات، فلا دم عليه.
فصل: الإحرام لدخول مكة
ولا يجوز لأحد من أهل الآفاق أن يدخل مكة حلالًا وعليه إذا أراد دخولها أن يدخل بحجة أو عمرة، ولا بأس على أهل قرى مكة المترددين إليها بالحطب والفاكهة، وما أشبه ذلك أن يدخلوها مُحلين ومحرمين، كأهل جدة وقديد، وعسفان، ومر الظهران وما أشبه ذلك. وكذلك من خرج من مكة لحاجة ثم رجع إليها من قريب، فلا بأس أن يدخلها حلالًا.
[ ١ / ١٩٦ ]
٤ - باب الإحرام بالحج وفرضه والنية فيه
فصل: الغسل لأركان الحج كلها
قال مالك يرحمه الله: وفرض الحج أربعة وهي: النية، والإحرام، والوقوف بعرفة، والسعي والطوف. والنية في الحج والعمرة واجبة، والاقتصار على النية أحب إلينا من التسمية، ومن سَمّى مع النية فهو في سعة.
ويغتسل لأركان الحج كلها، فللإحرام غسل وللطواف والسعي غسل واحد، وللوقوف بعرفة غسل. ومن ترك الغسل للإحرام أو لغيره من الأركان فلا دم عليه، وتغتسل الحائض والنفساء للإحرام والوقوف بعرفة، ولا تغتسلان للسعي والطواف إذ لا يجزيهما فعلهما حتى تطهرا.
فصل في ركعتي الإحرام
ويركع المرء المحرم قبل إحرامه ركعتين، ثم يحرم علىإثرهما، ولا يحرم إثر المكتوبة، ولكن على إثر النافلة، ومن أراد الإحرام في غير وقت الصلاة فليؤخره حتى يدخل وقت الصلاة، إلا أن يخاف فوتًا، فليحرم بغير صلاة. ومن أحرم بغير صلاة من غير ضرورة فلا شيئ عليه.
فصل لفظ التلبية
والتلبية في الحج مسنونة غير مفروضة ولفظها:
"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". فهذه تلبية رسول الله ﷺ.
[ ١ / ١٩٧ ]
فمن اقتصر عليها فحسن، ومن زاد عليها زيادة ابن عمر فجائز. وزيادته ﵁: "لبيك لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، لبيك والرُغبى إليك والعمل".
ويلبي الراحل إذا استوت به راحلته، والماشي إذا شرع في مشيه.
[ ١ / ١٩٨ ]
فصل في التلبية وحكم تركها
من ترك التلبية في حجه كله فعليه دم، ومن تركها وقتًا وأتى بها وقتًا فلا شيئ عليه، ولا بأس أن يعلم العجمي التلبية بلسانه. ومن نادى رجلًا، فأجابه بالتلبية سفهًا فقد أساء، ولا يكون بذلك محرمًا.
ومن عَلّم محرمًا التلبية، لم يكن بتعليمه محرمًا، ويستحب للرجل رفع الصوت بالتلبية وللنساء خفضه. ويلبي المحرم عقيب الصلوات، وعلى أشراف الأرض، ويكف المحرم عن التلبية في طوافه وسعيه. وإن لبى في سعيه أو على الصفا والمروة فلا بأس به.
فصل: في قطع التلبية
ويقطع الحاج التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة، إلا أن يكون أحرم بالحج بعرفة فيلبي حتى يرمي جمرة العقبة. ومن أحرم بعمرة من ميقات الحج، قطع التلبية إذادخل الحرم. وإن أحرم بها من الجعرانة قطعها إذا دخل بيوت مكة. ومن أحرم من التنعيم قطعها إذا رأى البيت أو دخل المسجد الحرام. وروي عن مالك أنه لا يقطع التلبية حتى يأخذ في الطواف، وإن لبى في طوافه فلا حرج عليه.
٥ - باب اللباس للمحرم
فصل: إحرام الرجل
قال مالك يرحمه الله: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه ولا يجوز له تغطيتهما بشيئ من اللباس كله. والبياضش في الإحرام أحب إلينا من غيره. ولا يلبس المحرم معصفرًا، ولا مزعفرًا، ولا بأس بلبس الثياب السود والكحليات والدكن والخضر، ويكره للإمام، ومن يقتدي به أن يلبس ممشقًا في الإحرام، ولا بأس أن يلبس غير
[ ١ / ١٩٩ ]
الإمام، ولا يلبس المحرم قميصًا ولا سراويل ولا قباء، ولا جبة، ولا بأس أن يرتدي ويأتزر، ويتطلس، ولا يشد فوق مئزره تكة ولا خيطًا، ولا يلبس ثيابًا، ولا يستثفر بمئزره. وقد اختلف قوله في ذلك عند الركوب والنزول والعمل. فكره ذلك مرة، وأجازه أخرى، ولا يتقلد سيفًا إلا من ضرورة، ولا يشد على عضده تعويذًا ولا يتقلد مصحفًا، ولا يشد المحرم على ذكره خرقة إلا من ضرورة، ويفتدي إن فعل ذلك من ضرورة.
وإن كانت به قروح فألصق خرقًا صغارًا فلا شيئ عليه، وإن كانت كبارًا فعليه الفدية. ومن ألصق على صدغيه قرطاسين من الصداع فليفتد.
فصل في إحرام المرأة
وإحرام المراة في وجهها وكفيها، ولا تنتقب ولا تتبرقع، ولا تلبس القفازين، ولا بأس أن تلبس الثياب: القميص، والخمار، والسراويل، والخفين. ولا بأس أن تسدل ثوبها على وجهها ليسترها عن غيرها، وتسبله من فوق رأسها، ولا ترفعه من تحت ذقنها، ولا تشد على راسها، ولا تغرزه بإبرة وما أشبهها.
فصل: في النعلين والمنطقة
ولا يلبس المحرم خفين تامين ولا مقطوعين إلا أن لا يجد نعلين، وإذا وجد النعلين غاليين فليلبس الخفين المقطوعين. ولا بأس أن يلبس المحرم الهميان
[ ١ / ٢٠٠ ]
والمنطقة لحفظ نفقته ويشدها من تحت ثوبه، ويفضي بها إلى جلده فإن شدها من فوق ثوبه فعليه الفدية، وإن نفدت نفقته، ألقاه على نفسه، وإن تركه بعدنفاد نفقته فليفتد. ولا بأس أن يجعل نفقة غيره مع نفقته، فإن شده لنفقة غيره دون نفقة نفسه افتدى.
٦ - باب في الكحل، وحلق الشعر
وقتل الدواب للمحرم
فصل: في الكحل
قال مالك يرحمه الله: لا يكتحل الرجل ولا المرأة في الإحرام، ومن اكتحل منهما بكحل فيه طيب فعليه الفدية. وإن لم يكن فيه طيب فهو على وجهين:
إن كان لضرورة فليس عليه فدية. وإن كان لغير ضرورة فعليه فدية. وقال
[ ١ / ٢٠١ ]
عبد الملك: ليس على الرجل في الكحل فدية.
فصل: في حلق الشعر وتقليم الأظافر
ولا يحلق المحرم شعره ولا يقص أظفاره، ولا يقتل دواب جسدهع، ولا يطرحها على نفسه. ومن حلق شعر رأسه فعليه الفدية، ومن حلق موضع الحاجم من رقبته فعليه الفدية، ومن حلق شعر عانته فعليه الفدية، ومن خلل شعر لحيته فتساقط شيئ من شعر لحيته في وضوئه أو في غسله فلا شيئ عليه. وإن أدخل يده في أنفه فانتثر شيئ من شعر أنفه فلا شيئ عليه. وإن حلق الراكب شعر ساقيه فلا شيئ عليه، ولا يحلق المحرم شعر حلال ولا حرام، فإن فعل وسلم من قتل الدواب، فلا شيئ عليه. ولا يقص المحرم ظفره، فإن قص أظفار يديه أو رجليه فعليه الفدية.
وكذلك إن قص ظفرًا واحدًا من يديه أو رجليه، فعليه إطعام مسكين واحد، ولا يشتد المحرم في حك ما خفي من جسده، ولا بأس في ذلك فيما رآه من جسده. ولا بأس أن يتحجم المحرم إذا لم يحلق مواضع محاجمه، ولا بأس بأن يفتصد ويبطّ جرحه.
فصل: ما يجوز قتله من الحيوانات للمحرم
ولا بأس أن يقتل المحرم الأسد، والذئب والنمر، والفهد، وكل ما عدا على الناس.
ولو مال عليه ظبي أو حمار وحشي، وما أشبه ذلك من الصيد جاز دفعه عن نفسه ولو أدى ذإلى قتله. ولا بأس أن يقتل الحية والعقرة والفأرة. ولا يقتل من الطير إلا الغراب أو الحدأة. ويكره له قتل صغار الذائب، وأفراخ الغربان في وكورها.
ولا بأس بقتل صغار الحيات، والفأر والعقارب ولا يقتل المحرم ضبعًا ولا
[ ١ / ٢٠٢ ]
[خنزيرًا] خنزيرًا ولا قردًا إلا أن يكون يخاف شيئًا من ذلك على نفسه، فيجوز له حينئذ قتله.
فصل ما يحرم أن يقتله المحرم من الحيوان
ولا يقتل المحخرم دواب جسده، ولا يطرحها عن نفسه، ولا يقتل من دواب الأرض ما لا يخافه على نفسه، ولا يُقَرَّدْ دابته، ولا بعيره. ولا بأس أن يلقي العلق عن دابته وبعيره، ولا بأس أن يبدل المحرم ثوبه، وأن ينقل دواب بدنيه من مكان إلى مكان أخفى منه.
٧ - باب الفدية للمحرم فيما يدخل الرفاهية على نفسه وقدر الكفاء
وغسله تبردًا وما يجوز له وما لا يجوز له من الطيب
قال مالك يرحمه الله: وتجب الفدية في لبس الثياب وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، وإلقاء التفث، وإزالة الشعث، واستعمال الطيب، وما أشبه ذلك مما
[ ١ / ٢٠٣ ]
يدخل على نفسه.
[ ١ / ٢٠٤ ]
فإن جمع ذلك في فور واحد، فعلهي في جميعه كفارة واحدة، وإن فرقه في مواضع عدة، فعليه كفارات عدة، إلا أن يكون ذلك فلي مرض واحد نزل به فكرر استعمال ما يحتاج إليه فيه من لبس وطيب، فيكون عليه في ذلك كفارة واحدة.
ومن احتاج إلى قميص فلبسه، ثم احتاج إلى عمامة فلبسها فعليه كفارتان، فإن لبس سراويل، ثم لبس بعده قميصًا فعليه كفارتان فإن بدأ بالقميص، ثم لبس السراويل بعده فعليه كفارة واحدة، ولا يلبس السراويل إلا مع عدم المئزر، فإن فعل ذلك فعليه كفارة واحدة، ولا يلبس السراويل إلا مع عدم المئزر، فإن فعل ذلك فعليه الكفارة، والكفارة في ذلك إطعام ستة مساكين مُدّين لكل مسكين، أو صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة وهي على التخيير مع العسر واليسر، وليس لشيئ منها مكان مخصوص، وجائز أن يفعلها، حيث شاء
[ ١ / ٢٠٥ ]
٨ - باب قتل الصيد للمحرم وأكله منه ومن يحكم فيه، وما يجزئ فيه
بمكة وغيرها، والاختيار أن يأتي بالكفارة حيث وجبت عليه، فإن أتى بها في غيره أجزأت عنه.
فصل: ما يكره فعله للمحخرم
ولا بأس أن يغتسل المحرم تبردًا، ولا يدخل الحمام لينقي درنه، فإن فعل ذلك فعليه الفدية، ولا يعقص المحرم شعره ولا يضفره، ولا يلبده فإن فعل ذلك فليلحق شعره إذا حلّ له الحلاق ولا يقصره.
ولا يأكل المحرم طعامًا فيه طيب لم تمسه النار، فغ، فعل ذلك ففيه روايتان: إحداهما: أن عليه الكفارة. والأخرى: أنه لا كفارة عليه ولا بأس بما مسته النار منه. ولا يصحب المحرم أدالًا فيها طيب يجد ريحه. ولا يستديم شم الطيب بين الصفا والمروة، ولا يتجر في الطيب فيباشر رائحته، ولا يتطيب عند إحرامه، فإن فعل ذلك، فلا كفارة عليه. ولا يتطيب قبل إفاضته وبعد رمية، فإن فعل ذلك فلا كفارة عليه.
٨ - باب قتل الصيد للمحرم وأكله منه ومن يحكم فيه، وما يجزئ فيه، وما يقضى به، والتأخير في الكفارات، ومن أحرم وعنده صيد، ومن فعل فعلًا فهلك فيه صيد، ومن صاد صيدًا فقطع يده أو رجله ومن رمى صيدًا في الحِلّ وهو في الحرم، وقطع شجر الحرم
فصل: قتل المحرم الصيد وأكله منه
قال مالك يرحمه الله: وال يقتل المحرم شيئًا من الصيد كله، ما أكل لحمه وما لم يؤكل.
[ ١ / ٢٠٦ ]
ولا بأس أن يذبح المحرم الإوز والدجاج والغنم، والإبل، والبقر، ولا يذبح شيئًا من الطير المستأنس، ولا المستوحش، وإذا قتل جماعة صيدًا فعلى كل واحد منهم جزاء كامل وإذا قتل حلال وحرام صيدًا فعلى الحرام جزاء كامل ولا شيئ على الحلا، إلا أن يكون في الحرم، فعلى كل واحد منهما جزاء كامل، والحلا في الحرم كالحرام في الحل والحرم.
وكل ما جاز للمحرم قتله من الصيد فجائز للحلال قتله في الحرم، وقتل المحرم للصيد عمدًا أو خطأ سواء في وجوب الجزاء.
[ ١ / ٢٠٧ ]
ولا بأس على المحرم أن يأكل لحم الصيد إذا لم يُصَد من أجله، ولا يأكل من صَيْد صِيْدَ لأجله، فإ، أكل منه استحببنا له أن يُكفر عنه. وما قتله المحرم من الصيد أو ذبحه فهو ميتة لا يحل لحلال ولا لحرام أكله. ومن قتل صيدًا ثم أكل منه فليس عليه إلا جزاء واحد.
فصل: جزاء الصيد
ومن قتل صيدًا وهو محرم لم يتجزئ بمعرفة الحكم فيه وحَكَّم على نفسه في جزائه ذوي عدل من أهل العلم بالحكم فيه، وأخبرهما بما قتل من الصيد، فإذا
[ ١ / ٢٠٨ ]
عَرَّفهما خَبَّراه بمثله من النعم إن كان مما له مثل، يسوقه من الحل إلى الحرم فيذبحه فيه، أو قيمته طعامًا يفرقه على المساكين مُدًّا مُدًّا لكل مسكين أو أن يصوم مكانه كل مُدّ يومًا، فإن كان في الأمداد كسر واختار الصيام صام بدل الكسر يومًا كاملًا، وإن اختار الإطعام أطعم ذلك الكسر مسكينًا، ولم يكن عليه تكملته.
فصل: شرط سوق الهدي من الحل إلى الحرام
وجزاء الصيد من النعم هدي يساق من الحل إلى الحرم، ولا يجوز أن يذبح في الحرم إذا اشتراه فيه من غير أن يخرج به إلى الحل. فأما الطعام، والصيام، فجائز أن يفعلا في كل مكان، والاختيار أن يطعم القاتل، حيث وجب عليه الجزاء، فإن أطعم في مكان غيره أجزأه ويقيّم الصيد نفسه بالطعام، ولا يقيّم مثله من النعم، والواجب فيه مثله في خلقته لا في قيمته لتصرف في مثله. ويقيّم الصيد حيًّا قبل موته، في المكان الذي قتل فيه، فإن لم تكن له قيمة، قوّم في أقرب المواضع إليه.
فصل: التخيير في كفارة الصيد والتحلل من حرمته
كفارة الصيد على التخيير وليست على الترتيب. وفي الجرادة حفنة من طعام، وفي الكثير منه قيمته من الطعام. ويطعم المحرم إذا قتل الزنبور، والبق، والذباب، والبعوض والبرغوث.
[ ١ / ٢٠٩ ]
فصل: فيمن أحرم وعنده صيد ملكه قبل إحرامه
ومن أحرم وعنده صيد لم يزل ملكه عنه لم يجز له قتله حتى يحل من إحرامه إن لم يكن معه وإنما خلفه في أهله، ولا يمسكه بعد إحرامه في يده، ولا يصحبه في رفقته، فإن أمسكه في يده، أو صحبه في رفقته فعليه إرساله، فإن لم يرسله حتى مات في يده فعليه جزاؤه، وإن أرسله من يده محرم أو غيره فلا شيئ عليه، وإن نازعه حلال في إرساله فتلف بمنازعته، فعلى كل احد منهما جزاء كامل.
فصل: فيمن فعل فعلًا فهلك به صيد
ومن حفر بئرًا فسقط فيه صيد وهو محرم فعطب فلا شيئ عليه إذاكانت البئر في فنائه أو بنائه، وإن حفر بئرًا للسبع فوقع فيه صيد فتلف فعليه جزاؤه. وإذا نصب المحرم فسطاطه فتعلق بأطنابه صيد فعطب، فلا جزاء عليه. وقال ابن القاسم: عليه جزاؤه. ومن رآه صيد ففزع منه فعطب، فلا جزاء عليه. وقال ابن القاسم: عليه جزاؤه. فأما إن أفزع الصيد تعمدًا فعطب فعليه جزاؤه.
فصل: فيمن قطع عضو صيد ولم يقتله
ومن صاد صيدًا فقطع يده أو رجله أو شيئًا من أعضائه، وسلمت نفسه وصح بالصيد فلا شيئ عليه. وقال بعض أصحاب ابن القاسم: عليه بقدر ما نقص منه من الجزاء. ولو زَمِنَ ولم يلحق بالصيد، كان عليه جزاؤه وإن تركه مخوفًا عليه، وأخرج جزاءه ثم عطب بعد ذلك كان عليه جزاء ثان. ومن اشترى طيرًا وهو محرم فقصه فإنه يرسله في موضع ينسل فيه ريشه حتى ينبت ويخرج جزاءه إلا أن يمسكه حتى يثبت ريشه، ويلحق بالطير فلا يكون عيه شيئ.
فصل: فيمن رمى صيدًا في الحل وهو في الحرم
ومن رمى صيدًا في الحل وهو فيالحرم فقتله فعليه جزاؤه. وإن كان هو في
[ ١ / ٢١٠ ]
الحل والصيد في الحرم فرماه فقتله فعليه جزاؤه. وإن كان هو والصيد جميعًا في الحل فرماه فقتله، فلا جزاء عليه، إلا أن يكون محرمًا فعليه الجزاء.
ومن ارسل كلبه على صيد في الحل فقتله الكلب في الحرم فلا جزاء عليه، إلا أن يكون أرسله بقرب الحرم مغررًا، فعليه جزاؤه. وإن لم يدخل الحرم فقتله في الحل قريبًا من الحرم، فلاجزاء عليه؛ لأنه قد سلم من التغرير.
فصل: فيمن قطع من سجر الحرم شيئًا
ولا يقطع حلالًا ولا حرامًا من شجر الحرم المباح شيئًا. ولا بأس بقطع النخل ما أشبه ذلك مما غرسه الآدميون. ولا بأس أن يرعى في الحرم، ولا يحتش فيه ومن قطع شيئًا من شجر الحرم استغفر الله تعالى ولا كفارة عليه. ولا يقتل صيد في حرم المدينة، ولايقطع شيئ من المباح من شجره، ومن فعل ذلك فلا كفارة عليه. قال ابن نافع: عليه في الصيد الجزاء.
٩ - باب في الهدي وأحكامه
فصل: في الأكل من الهدي
قال مالك يرحمه الله: ويؤكل من الهدي كله واجبه وتطوعه، إلا أربعة أشياء جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين، وهدي التطوع إذا عطب قبل محله.
[ ١ / ٢١١ ]
ومن نذر نحر بدنة، فله أن يأكله منها إلا أن يكون سماها للمساكين، فلا يجوز له حينئذ الأكل منها. ومن أكل من هدي لا يجوز له الأكل منه ففيه روايتان: إحداهما: أنه يبدل الهدي كله. والأخرى: أنه يبدل قدر ما أكل. وبه قال عبد الملك.
فصل: في دم الهدي، ودم النسك
الدم في الحج دمان: هدي، ونسك.
فالهدي: في جزاء الصيد، والمتعة، والقران وتجاوز الميقات، وترك رمي الجمار بمني وما أشبه ذلك من نقصان مناسك الحج.
والنسك: في لبس الثياب، واستعمال الطيب وحلق الشعر، وتقليم الأظافر، وإزالة الشعث وإلقاء التفث، وما أشبه ذلك مما فيه رفاهية النفس. وكفارة الصيد على التخيير.
وهدي المتعة والقران وما أشبههما على الترتيب، فمن عد منها صام عشرة أيام، وليس في ذلك طعام.
[ ١ / ٢١٢ ]
فصل: في التقليد والإشعار للهدي
ومن ساق بدنه، فإنه يستحب له تقليدها وإشعارها. والتقليد: أن يجعل في عنقها حبلًا ويجعل فيه نعلًا. والإشعار: أن يشق في سنامها الأيسر شقًا حتى يخرج شيئ من دمها. وتقلد البقر، وتشعر، إذا كانت لها أسنمة، وإن لم تكن لها أسنمة قلدت ولم تشعر. وال تقلد الغنم ولا تشعر. ويستحب أن تجلل البدن، تشق الأجلال عن الأسنمة إلا أن تكون مرتفعة فلا تشق. وإن نحرت الإبل تصدق بجلالها وخطمها.
فصل عطبالهدي
ومن قلّد هديه وأشعره ثم حدث به عيب أجزأه ولم يجب عليه بدله. وقال شيخنا أبو بكر الأبهري - ﵀ -: القياس أن يبدله. ومن عطب هديه الواجب
[ ١ / ٢١٣ ]
قبل محله أو بعده وقبل نحره فعليه بدله. ولا يجوز له بيعه إذا نحره عند عطبة قبل محله وإن استعان بذلك في ثمن غيره، ومن قلّد هدية وأشعره وبه عيب لا يجزئ مثله، ولم يعلم بعيبه ثم عَمِم به بعدتقليده وإشعاره، رجع بأرش عيبه على بائعه واستعان به في هدي غيره.
[ ١ / ٢١٤ ]
وإن كان هديه تطوعًا ففيها روايتان: إحداهما: أنه يصنع بالأرش ما شاء. والأخرى: أنه يصرفه في هدي إن بلغه أو يتصدق به إن لم يبلغه.
فصل: حكم ولد البدنة التي سيقت هديًا
ومن قلد بدنته، ثم ولدت فولدها بمنزلتها يساق معها وينحر بنحرها، فإن عطب قبل محله نحره مكانه، وتصدق بلحمه، ولم يأكل منه، ولا يجب عليه بدله، وما ولدته البدنة قبل التقليد فإنه ستحب نحره، ولا يلزم ذلك له. ومن اضطر إلى ركوب بدنته جاز له ركوبها، فإذا استراح نزل عنها، وكذلك إن اضطر إلى حمل متاعه عليها، فإذا وجد غيرها نقله عنها.
فصل: موقف الهدي ومنحره
وموقف الهدي في الحد عرفة، ومنحره منى، ولا ينحر بمنى إلا ما وقف به بعرفة، وما فاته الوقوف بعرفة نةحره بمكة بعد خروج أيام منى، وإن نحره بمكة في أيام منى أجزأه نحره.
فصل: في الهدي يضل قبل الوقوف بعرفة ثم يوجد بمنى
ومن ساق هديًا واجبًا فضل قبل الوقوف بعرفة، ثم وجده ربه بمنى، ففيها روايتان:
إحدجاهما: أنه ينحره بمنى، ويبدله بهدي آخر، ينحره بمكة بعد خروج أيام منى. والرواية الأخرى: أنه يؤخره وينحره بمكة، ويجزيه عن واجبه.
[ ١ / ٢١٥ ]
فصل: فيمن عجز عن الهدي
ومن ضَلًّ هديه ولم يجد غيره أخّر الصيام إلى آخر أيام منى ثم صام، وإن وجد من يسلّفه فإنه يستحب له أن يستلف منه. ومن أخر الصيام حتى يرجع إلى بلده فقدر على الهدي أهدى ولم يصم. ومن لزمه الهدي لملتعة، فعجز عنه صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. ويصوم الثلاثة من حين يحرم بالحج إلى يوم عرفة، فإن فاته ذلك لم يصم يوم النحر، ويصوم أيام منى.
١٠ - باب في إفراد الحج، والقران، والتمتع
فصل: الإفراد، والقران، والتمتع
قال مالك يرحمه الله: وإفراد الحج أفضل من القران، ومن التمتع، ولا يصح الإحرام بحجتين ولا بعمرتين، ومن أحرم بذلك لزمه حجة واحدة أو عمرة واحدة، ولا يصح إدخال حج على حج، ولا عمرة على عمرة. ولا يجوز إدخال العمرة على الحج.
ولا بأس بالجمع بين الحج والعمرة بإحرام واحد لهما جميعًا. ولا بأس بإدخال الحج على العمرة قبل الفراغ منها، ويجزئ القارن طواف واحد وسعي واحد لججته وعمرته، وحكمه في ذلك حكم المفرد.
[ ١ / ٢١٦ ]
فصل: في إدخال الحج على العمرة قبل ركوع الطواف
قال مالك يرحمه الله: ومن أحرم بعمرة فطاف منها شوطًا واحدًا، ثم أحرم بالحج صار قارنًا، وسقط عنه باقي العمرة، ولزمه دم القران. وكذلك إذا أحرم بالحج في أضعاف طوافه أو بعد طوافه وقبل ركوعه. وقال أشهب: إذاطاف في عمرته شوطًا واحدًا ثم أحرم بالحج لم يلزمه إحرامه، ولم يكن قارنًا، ومضى على عمرته حتى يتمها، ثم يحرم بعد ذلك بالحج إن شاء. ومن فرغ من طوافه وركوعه لعمرته، ثم أحرم بالحج، قبل سعيه، أو في أضشعاف سعيه وقبل الفراغ منه ففيها روايتان: إحداهما: أنه يسقطها عنه باقي العمرة، ويصير قارنًا ويلزمه دم القران. والرواية الأخرى: أنه يمضي في باقي عمرته حتى يتمها ولا يكون قارنًا، ويحرم بالحج بعد فراغه منها.
وإن طاف وسعى لعمرته، ثم أحرم بالحج قبل حلاقه أو تقصيره لزمه الأحرام به، ولم يكن قارنًا وكان متمتعًا إن كانت عمرته في شهرو الحج وعليه دمان، دم لمتعته ودم لتأخير حلاقه، وكلاهما هدي فإن لم يجدهما، صام بدل كل واحد منهما عشرة أيام، ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
[ ١ / ٢١٧ ]
فصل: في هدي القارن
وإذا قتل القارن صيدًا فعليه جزاء صيد واحد وإن لبس وتطيب فعليه كفارة واحدة:
ومن أحرم بعمرة فساق فيها هديًا تطوع به، ثم أدخل الحج على العمرة فصار قارنًا ففيها روايتان: إحداهما: أنه يجزيه هدي عمرته عن قرانه. والأخرى: أنه لا يجزيه وينحره، وعليه هدي غيره لقرانه.
فصل: في المرأة تحرم بعمرة وتحيض قبل الطواف
وإذا دخلت المرأة مكة بعمرة فحاضت قبل الطواف فيستحب لها إذا لم تكن حجت وهي تريد الحج أن تحرم بالحج وتدخله على العمرة وتصير قارنة تعمل
[ ١ / ٢١٨ ]
أعمال الحج كلها من الوقوف والرمي، ثم تنتظر حتى تطهر فتطوف وتسعى، فإذا فرغت من حجها اعتمرت عمرة مستأنفة، وإن اقتصرت على قرانها أجزأها ذلك عن حجها وعمرها.
١١ - باب الطوفا والسعي
فصل: في صفة الطواف
قال مالك يرحمه الله: ومن أحرم بالحج من أهل الآفاق فقدم مكة فليطف وليسع قبل أن يتوجه إلى منى وصفة طوافه أن يبدأ بالحجر الأسود فيكبّر ويهلل، ويذكر الله وينوي به فرضه أو تطوعه، ويختم به. فيطوف سبعة أشواط، الثلاثة الأولى خببًا، والأربعة بعدها مشيًا. فإن ترك الخبب في طوافه فلا شيئ عليه
[ ١ / ٢١٩ ]
ويستلم الحجر الأسود في أشواطه كلها إن قدر عليه. واستلامه أن يضع يده عليه ثم يضعها على فيه، من غير تقبيل.
ولا يستلم الركنين اللذين يليان الحجْر. فإذا فرغ من طوافه عاد إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم ركع ركعتين عند المقام أو غيره، ثم عاد بعد ركوعه إلى الحجر الأسود فاستلمه عند خروجه إلى سعيه.
فصل: ما يجوز وما لا يجوز عند الطواف
ويصل طوافه ويواليه، ويذكر الله تعالى في طوافه ويكبر، ولا ينكس الطواف، فإن نكسه لم يجزئه. وإن بدأ بغير الحجر الأسود ألغى ما بينه وبينه، ثم عَدّ منه، وبنى على ما طافه من بعد ذلك حتى يتمه. فإن شك في طوافه فليبن على يقينه. ولا يتحدث مع أحد في أضعاف طوافه، ولا يأكل ولا يشرب في
[ ١ / ٢٢٠ ]
أضعافه.
ولا يقرأ القرآن، وقد قيل: لا بأس بالقراءةلمن أخفاها في نفسه، ولا يقطع طوافه لصلاة نافلة ولا بأس أن يقطعه للفريضة. فإذا فرغ منها بنى على طوافه قبل تنفله بعد فريضته، ولا بأس أن يطوف بعد إقامة الصلاة، شوطًا أو شوطين قبل الإحرام بالصلاة.
فصل: في السعي
وإذا طاف، وركع، وخرج إلى السعي، فليبدأ بالصفا، فيصعد في أعلاها، ثم يُكبر، ويهلل، ويذكر الله، ويدعو بما تيسر له. ثم ينزل عنها ماشيًا حتى يأتي بطن المسيل فيسعى فيه حتى يخرج منه، ثم يمشي حتى يأتي المروة، فيصعد إلى أعلاها، يُكبر ويهلل، فيفعل عليها مثل ما فعل على الصفا، ويعد ذلك شوطًا. ثم يأتي بتمام سبعة أشواط على هذه الصفة يعد البدأة شوطًا والرجعة شوطًا.
[ ١ / ٢٢١ ]
فإذا فرغ من سبعة أشواط فقد تم سعيه.
وذلك من الوقوف أربع وقفات على الصفا وأربعًا على المروة، فيبدأ بالصفا ويختم بالمروة. وإذا ترك الإسراع في بطن المسيل في أضعاف سعيه، فلا شيئ عليه.
فصل: تقديم السعي على الطواف والتفريق بينهما
ومن ترك شوطًا واحدًا أو أكثر
ولا يجوز تقديم السعي على الطواف، ولا تفريق أحدهما عن الآخر. ومن
[ ١ / ٢٢٢ ]
بدأ بالسعي قبل الطواف، ثم ذكر ذلك عند فراغه من طوافه، أعاد السعي مرة أُخرى.
وإن لم يذكر ذلك حتى تباعد الطواف والسعي جميعًا ترك من طوافه أو سعيه شوطًا واحدًا أو أكثر منه لم يجزئه. وإن لم يذكر ذلك حتى رجع إلى بلده عاد على بقية إحرامه، فطاف وسعى. فإن كان وطئ اعتمر، وأهدى، وإن لم يكن وطئ، أهدى هديًا إذا طاف وسعى.
فصل: فيمن ترك طواف القدوم
ومن قدم مكة مُراهقًا، فترك الطواف والسعي حتى خرج إلى منى فلا شيئ عليه، وليسع من طواف الإفاضة ويجزيه. وإن لم يكون مُراهقًا فترك الطواف والسعي عامدًا حتى خرج إلى منى فليطف وليسع إذا رجع منها وليهد لها هديًا. وإن ترك الطواف والسعي ناسيًا والوقت واسع، فلا دم علهي عند ابن القاسم. والقياس عندي أن يلزمه الدم، بخلاف المراهق، وكذلك قال الشيخ أبو بكر الأبهري رحمة الله عليه.
فصل: في تأخير الطواف والسعي لمن أهل بالحج من مكة
ومن أهل من أهل مكة بالحج أو منن غير أهلها فلا يطوف ولا يسعى حتى
[ ١ / ٢٢٣ ]
يرجع من منىن فإن طاف وسعى قبل خروجه فليعد ذلك إذا رجع منها، فإن لم يفعل حتى رجع إلى بلاده، فليهد هديًا. ولا بأس أن يطوف المحرم من مكة قبل خروجه إلى منى تطوعًا.
فصل الطواف بعد العصر والصبح
ولا بأس بالطواف بعد العصر وبعد الصبح، ومن طاف في هذين الوقتين أو احدهما فليؤخر الركوع حتى تغرب الشمس أو تطلع، ثم يركع، ولا بأس أن يركع إذا غربت الشمس قبل صلاة المغرب. ولا بأس أن يؤخر الركوع حتى يصلي المغرب، ثم يركع بعدها، وقبل أن ينتفل. وتقديم المغرب على ركوع الطواف أحب إلينا. ولا يطوف الطائف بعد الصبح والعصر إلا أسبوعًا واحدًا. ويكره أن يطوف المرء أسابيع ويؤخر ركوعها حتى يركعها في موضع واحد.
فصل: في وجوب الطهارة للطواف
ولا يجوز الطواف بالبيت إلا على طهارة، ومن طاف على غير طهارة لم يجزئه طوافه وعليه الإعادة فإن ترك الإعادة حتى رجع إلى بلده، فعليه الرجوع
[ ١ / ٢٢٤ ]
حتى يأتي بطوافه على وجهه. ومن ابتدأ طوافه بطهارة، ثم أحدث في أضعاف طوافه، قاصدًا أو غير قاصد انتقض طوافه، وتطهر وابتدأه من أوله.
فصل: في أنه مندوب الطهارة للسعي
وإن أحدث بعد طوافه وركوعه توضأ وسعى، وإن أحدث في أضعاف سعيه توضأ وبنى على سعيه. وإن مضى في سعيه محدثًا، فال شيئ عليه.
١٢ - باب: الخروج إلى منى، والوقوف بعرفة، والمزدلفة
فصل في الخروج إلى منى وعرفة
قال مالك يرحمه الله: ويخرج المكيون، ومن كان بمكة من غير أهلها إلى منى يوم التروية ضحى، ثم يقيمون بمنى يومهم وليلتهم، ثم يغدون منها إلى عرفة يوم عرفة.
وإن أقاموابمكة حتى غدوا منها يوم عرفة إليها، فلا شيئ عليهم، والاختيار
[ ١ / ٢٢٥ ]
ما ذكرناه. وإذا أتوا عرفة أقاموا بهاحتى تزول اشمس فإذا زالت الشمس خطب الإمام، وعلمهم الوقوف والدفع من عرفة إلى المزدلفة. فإذا فرغ من خطبته صلى الظهر والعصر جميعًا، وجمع بينهما بأذانين وإقامتين وهو الأشهر. وقد قيل: بأذان واحد وإقامتين. وقيل: بإقامتين فقط.
فصل: في الوقوف بعرفة
فإذا فرغ من صلاته، دفع إلى الموقف بعرفة، فوقف به، حتى تغرب الشمس، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرفة، فإنه يكره الوقوف به.
[ ١ / ٢٢٦ ]
فأما المسجد فإنه يكره الوقوف به، فمن وقف به أجزأه، وقد توقف مالك، وابن عبد الحكم فيه. وقال أصبغ: لا يجزيه ورىه من بطن عرفة - وهو الوادي الذي يلي المسجد الذي يصلي فيه الإمام ونحوه - لموضع من عرفة فضيلة على غيره، والاختيار الوقوف مع الناس. وفي رواية أخرى: وحيث يقف الغمام أفضل وبعض شيوخنا يقول: لا يجزيه الوقوف ببطن عرفة. ويكره الوقوف على جبال عرفة.
ولا يدفع أحد من عرفة قبل غروب الشمس، فإذا وقع منها قيل غروب الشمس رجع فوقف بها ليلًا، فإن لم يفعل حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج لفوات الوقوف. ولا يجزئ الوقوف بعرفة نهارًا قبل الزوال أو بعده. ولا يدفع أحد من عرفة بعد غروب الشمس وقبل دفع الإمام، فإن دفع قبله، وبعد غروب الشمس فلا شيئ عليه. ومن ترك الوقوف بعرفة نهارًا مختارًا ووقف بها ليلًا فعليه دم. فإن كان مُراهقًا أتى عرفة ليلًا، فلا شيئ عليه. ومن فاته الوقوف بعرفة مع اإمام فليقف بعده. ومن فاته الصلاة بعرفة مع الإمام فليجمع بين الصلاتين ولا يفرقهما.
[ ١ / ٢٢٧ ]
فصل: في قصر الصلاة بعرفة، والمزدلفة ومنى
ويقصر الصلاة بعرفة أهل مكة والآفاق، وأهل منى والمزدلفة، ولا يقصرها أهل عرفة بها، ويقصرون بمنى والمزدلفة، ولا يقصر أهل المزدلفة بها ويقصرون بمنى وعرفة، ولا يقصر أهل منى بها، ويصرون بالمزدلفة وعرفة.
فصل: في الدفع من عرفة
ومن دفع من عرفة فليؤخر الصلاة حتى يأتي المزدلفة فإذا أتاها جمع بين المغرب والعشاء، ثم بات بها حتى يصبح ومن ترك المبيت بالمزدلفة فعليه دم، وإن أقام بها بعض الليل دون كله فلا شيئ عليه. ومن وقف مع الإمام بعرفة، ودفع بدفعه، ثم تخلف في الطريق عنه فليجمع بين الصلاتين ومن فاته الوقوف بعرفة مع الإمام، وقفد بعده، ثم فليصل كل صلاة في وقتهأن فإذا أصبح بالمزدلفة فليصل الصبح بها، ويقف عند المشعر الحرام للدعاء والذكر، ثم يدفع بدفع الإمام، فإن تأخر الإمام فيدفع قبله، وليكن دفعه إلى منى في الإسفار الأعلى. ولا بأس أن
[ ١ / ٢٢٨ ]
يقدم ضعفه أهله من المزدلفة إلى منى ليلة النحر. ومن دفع من المزدلفة إلى منى، فيستحب للراكب أن يحرك دابته ببطن مُحَسَّر، وللراجل أن يسرع فيه حتى يخرج منه.
١٣ - باب فيما يفعله الحاج بمنى من الرمي
والنحر، الحلاقة، والإفاضة
فصل فيما يفعل الحاج بمنى
قال مالك يرحمه الله: وإذا دفع من مزدلفة إلى منى فأتى منى فليرم جمرة العقبة وحدها ضحى ولا يؤخرها إلى الزوال. ولا يرمي أحدجمرة العقبة قبل طلوع الفجر، ومن رماها قبله فليعد الرمي إذا طلعت الشمس، فإذا رمى جمرة العقبة
[ ١ / ٢٢٩ ]
فليذبح إن كان معه ذبح، ثم ليحلق إن شاء أو يُقَصَّر، والحلاق أفضل من التقصير فإن قَدَّم الذبح على الرمي فلا شيئ عليه، وإن قدَّم الحلاق على الذبح فلا شيئ عليه، ولا يقدم الحلاق على الرمي، فإنه قدَّمه فعليه الكفارة. ومن حلق أو قصر فليعم بذلك رأسه، ولا يجزيه الاقتصار على بعضه. وسُنَّة النساء التقصير، وليس لما يقصرنه حدّ في الطول والقصر وتقصر المرأة من سائر شعرها، ولا يجزيها الاقتصار على بعضه، فإذا آذاها شعرها وقمل رأسها فلا بأس بحلاقه.
فصل: في طواف الإفاضة
وإذا رمى وذبح وحلق فليمض إلى مكة، وليطف طواف الإفاضة، وهو الطواف المفروض في الحج، وليسع بين الصفا والمروة كل من لم يسع قبل عرفة ممن أحرم من مكة أو قدمها مراهقًا فأخر الطواف والسعي أو تركه عامدًا أو ناسيًا، فإذا فعل ذك فيأت منى من يومه للمبيت بها، فإذا بات بمكة ولم يأت منى فعليه دم. وكذلك إذا ترك المبيت ليلة من لياليها كاملة أو جلها، ولا بأس بتأخير الإفاضة إلى آخر أيام التشريق وتعجيلها أفضل، ولا يؤخرها عن ذلك. فإن أخرها إلى المحرم فعلهي دم، والله أعلم.
فصل: في رمي الجمار
ويرمي لي اليوم الثاني الجمار الثلاث بعد الزوال، ويرتبهن ويجمعهن ولا ينكسهن ولا يفرقهن يبدأ بالجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد منى فيرميها بتسع حصيات كحصى الخذف وأكبر منه أحب إلينا، ويكبر مع كل حصاة وإن ترك التكبير فلا شيئ عليه.
[ ١ / ٢٣٠ ]
ويرمي الحصارة رميًا، ولا يضعها وضعًا، ولا يرمي بحصاتين، ولا أكثر منهما في مرة واحدة، فإن فعل ذلك عدها حصاة واحدة. فإذا فرغ من رمي الأولى تقدم أمامها فدعا بما تيسر له، ومشى، ثم رمى الثانية وهي الوسطى كذلك، وانحرف عنها بعد رميه لها فصار أمامها، فدعا ثم رمى الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة، ولم يقف عندها ويرميها من أسفلها ولا يرميها من فوقها، فغ، رماها من فوقها أجزأه. والاختيار ما ذكرناه.
ويرمي يوم النحر راكبًا وسائر أيام منى ماشيًا. ويرمي جمرة العقبة يوم النحر ضحى، وسائر الأيام بعد الزوال. ومن رمى الجمار بعد يوم النحر قبل الزوال أعاد الرمي.
[ ١ / ٢٣١ ]
فصل في إصلاح أخطاء الرمي
ومن رمى الجمرة الأولى، ثم الآخرة، ثم الوسطى، أعاد الآخرة وحدها. وإن رمى الآخرة ثم الوسطى ثم الأولى أعاد الوسطى والآخرة معًا. وإن لم يذكر ذلك في فوره حتى تباعدعن وقته فليعد الرمي كله. وكذلك إن فرق رميه تفريقًا فاحشًا أعاده كله، ومن شك في رميه في جمرة واحدة أو في الجمار كلها فليبن على يقينه. ومن بقيت في يده حصاة لا يدري من أي الجمار هي فليرم بها الجمرة الأولى، ثم ليرم الوسطى، ثم ليرم الآخرة من بعدها. وقد قيل: يستأنف رمي الجمار كلها.
فصل: في تأخير الرمي
ومن أخّرَ الرمي نهارًا أو رمى ليلًا أجزأه رميه ولا شيئ عليه، وقد قيل عليه دم. ومن ترك رمي يومالنحر إلى غده، فليرم لليوم الماضي، ثم ليومه الثاني. وإن لم يذكر ذلك حتى رمى ليومه، فليرم لليوم الماضي، ثم يعيد رمي يومه الثاني. ومن ترك الرمي يومًا، ورمى يومًا بعده، ثم ذكر ذلك في اليوم الثالث بعد رميه فيه، فليرم لليوم الذي ترك الرمي فيه، ثم يعيد رمي يومه ولا يعيد اليوم الأوسط.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ومن ترك رمي الجما في يوم من أيام منى أو في جميعها، فعليها دم بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد البدنة ولا البقرة. وإن ذبح شاة مع وجود البدنة أو البقرة أجزأه والاختيار ما ذكرناه.
فصل: في الرمي عن المريض والصبي
ومن كان مريضًا لا يقدر على الرمي، فليرم عنه غيره. ويُرمى عن الصبي الذي لا يطيق الرمي. ومن رمى عن مريض أو صبي، فليبدأ بالرمي عن نفسه، فإن رمى عنهما قبل الرمي عن نفسه أجزأه. ولا يجزيه أن يقتصر على رمي واحد عنه وعن غيره. فإن نوى بالرمي عنه وعن غيره لم يجزه عن نفسه ولا عن غيره، وليرم عن نفسه مرة أخرى وعن غيره، والله أعلم. ويستحب للمريض إذا رمى عنه غيره أن يتحرى وقت رميه، فيكبر عنده، وإذا صح المريض في أيام الرمي، فليرم عن نفسه، وعليه دم، رمى عن نفسه أو لم يرم عنها.
فصل: في التحلل الأصغر والأكبر
ومن رمى جمرة العقبة يوم النحر، فقدحل له لبس الثياب وحلق الشعر وإزالة الشعث، وتقليم الأظافر، وإلقاء النفث، وهو ممنوع من الطكيب والنساء، والصيد حتى يفيض، فإن تطيب فلا كفارة عليه، وإن صاد فعليه الجزاء، وإن وطئ فحجه تام، ويهدي ويعتمر، فإذا طاف طواف الإفاضة، فقد حَلّ له جميع ما حرم بالإحرام عليه.
١٤ - باب النفر والتعجيل
فصل النفر والتعجيل
قال مالك يرحمه الله: ولأهل الآفاق أن يتعجلوا في اليوم الثالث من النحر وهو الثاني من أيام منى، يرمون بعد الزوال وينفرون نهارًا ولا ينفرون ليلًا. وإذا
[ ١ / ٢٣٣ ]
أراد أهل مكة التعجيل في النفر الأول ففيها روايتان: إحداهما: أن لهم أن يتعجلوا. والأخرى: أنهم لا يتعجلون. والاختيار لإمام الحاج أن يقيم إلى النفر الثاني ولا يتعجل في النفر الأول. ومن تعجل نهارًا، ثم كان ممره بمنى بعد عجيله فغربت الشمس عليه بها فلينفر وليس عليه أن يقيم.
فصل: في رمي رعاة الإبل
ويجوز لرعاة الإبل إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أن يخرجوا من منى إلى رعيهم فيقيمون فيه يومهم وليلتهم، وغدهم، ثم يأتون من الغد في اليوم الثالث من يوم النحر، فيرمون لليوم الذي مضى وليومهم الذي هم فيه. ثم يتعجلون إن شاءوا أو يقيمون، فإن أقاموا رموا اليوم الرابع مع الناس.
١٥ - باب المتعة، والقران والهدي
فصل في التمتع
قال مالك يرحمه الله: من أحرم بالعمرة قبل شهور الحج، ثم أخر عملها حتى دخلت شهور الحج، فتحلل منها ثم أقام بمكة حتى حج من عامه فهو متمتع وعليه الهدي.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وإن رجع بعد تحلله من العمرة في شهور الحج إلى بلده أو بلد مثل بلده في مسافته، ثم حج من عامه، فليس بمتمتع وسقط الهدي عنه. وإن رجع إلى بلد دون بلده في مسافته ثم حج في عامه، لم يسقط الهدي عنه.
ومن اعتمر من أهل الآفاق في شهر الحج، ثم أقام بمكة حتى حج فهو متمتع وعليه الهدي، وإن كانت عمرته في غير شهور الهدي، فلا شيئ عليه، وليس بمتمتع.
فصل: في تمتع أهل مكة وقرانهم
ولا هدي على أهل مكة لتمتعهم، ولا لقرانهم. وقال عبد الملك عليهم دم القران، وفرق بين التمتع والقران. وعلى أهل الحرم والمواقيت دم المتعة. ومن خرج من أهل الآفاق يريد المقام بمكة، فدخلها في شهور الحج بعمرة، ثم أقام بها حتى حج فعليه دم المتعة فيالعام الأول، ثم لا دم عليه بعد ذلك لتمتعه. ومن انقطع من أهل مكة إلى غيرها من البلدان ثم قدم معتمرًا في شهور الحج ثم قام بمكة حتى حج فعليه دم المتعة.
[ ١ / ٢٣٥ ]
ومن كان له أهل بمكة، أهل بغير مكة فقدمها في أشهر الحج بعمرة، ثم أقام بها حتى حج، فيستحب له أن يأتي بدم المتعة. وقد توقف فيها مالك ﵀ مرة، وقال: هي من مشكلات الأمور.
فصل في هدي التمتع
ويستحب للتمتع أن يذبح بدنه أو بقرة وتجزيه الشاة مع وجود البدنة والبقرة. ومن لزمه الهدي للمتعة فعحز عنه فليصم عشرةأيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، ووقت صومه من حين يحرم بحجه إلى آخر أيام
[ ١ / ٢٣٦ ]
التشريق. والاختيار له: تقديم الصيام في أول الإحرام فإن أخره صام قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، فإن فاته ذلك، صام أيام منى. فإن أخَّرَ ذلك حتى رجع إلى بلده صام عشرة أيام متصلات أو متفرقات. وإن شاء وصل الثلاثة بالسبعة، وإن شاء فرقها منها. وإذا مات المتمتع قبل أن يرمي جمرة العقبة فليس عليه دم المتعة في رواية ابن عبد الحكم، وقال أشهب عليه دم، وهو الياس والله أعلم.
١٦ - باب من أفسد حجه أو عمرته
فصل فيمن وطئ في الحج
قال مالك يرحمه الله: من وطئ في حجه قبل الوقوف بعرفة فقد فسد حجه، ويمضي في فساده حتى يتمه وعليه الهدي والقضاء للحج القابل واجب - كان حجه فرضًا أو تطوعًا - فإن وطئ بعد الوقوف بعرفة قبل رمي جمرة العقبة ففيها روايتان: إحداهما: أن حجه فاسد. والأخرى: أنه تام. وإن وطئ من بعد رمي جمرة العقبة وقبل طواف الإفاضة وقبل أن يرمي جمرة العقبة فعليه الهدي، ولا عمرة عليه. وإن أخَّر الطواف والرمي جميعًا، إلى ثاني يوم النحر، ثم وطئ قبلهما فعليه العمرة والهدي وحجة تام.
فصل فيمن أنزل أو أمذى أو أكره زوجته على الوطء
ومن وطئ فيما دون الفرج فأنزل فسد حجه، ومن أمذى في حجه فليهد
[ ١ / ٢٣٧ ]
هديًا. ومن تلذذ بأهله، ولم ينزل ولم يُمْذِ فيستحب له أن يهدي هديًا. وإن نظر
[ ١ / ٢٣٨ ]
أو تذكر فأدام فأدام النظر والتذكر حتى أنزل فسد حجه، وإن وجده لذة من تحريك دابته فتمادى فيه حتى أنزل فسد حجه. ومن وطئ في حجه مرارًا فعليه هدي واحد. ومن أكره امرأته على الوطء أحجها من ماله وأهدى عنها، وإن طاوعته حجت من مالها، وأهدت عن نفسها.
فصل في قضاء إذا فسد
ومن أفسد حجه، لم يجز له المقام على إحرامه إلى قبال، ليقضي حجه به، فإن أقام على إحرامه فحج به كان فاسدًا، وعليه قضاؤه. ومن أفسد حجه قارنًا قضاه قارنًا، وإن أفسده مفردًا قضاة مفردًا، ولا يقضي قرانًا عن إفراد. وقال عبد الملك: لا بأس به.
وإذا أفسد القارئ حجة فعلية في الحج الفاسد هدي واحد، وعليه في حجه القضاء هديان. ومن أفسد حجه، لم يقدم على حجة القضاء هديه، فإن قدمه أجزأه. والاختيار ما ذكرناه، ويستحب لمن أفسد حجه أن يفارق في حجه القضاء أهله من حين يحرم بحجه حتى يحل منه.
[ ١ / ٢٣٩ ]
فصل: فيمن أفسد عمرته
أفسد عمرته مضى فيها حتى يتمها، ثم أبدلها وأهدى هديًا، وإن وطئ في عمرته بعد سعيه، وقيل حلاقه: فعلهي الهدي وعمرته تامة. ومن أحرم بعمرة، فطاف بها، وسعى وحلق، ثم وطئ أهله، ثم ذكر أن طوافه وسعيه كانا على غير طهارة فإنه يتطهر، ثم يطوف ويسعى، ويمر الموسى على رأسه، ثم يبدل عمرته ويهدي.
١٧ - باب فيمن فاته الحج
فصل حكم من فاته الحج
قال مالك يرحمه الله: ومن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، وليس عليه
[ ١ / ٢٤٠ ]
عمل ما بقي من المناسك بعد الوقوف بعرفة. وهو بالخيار إن شاء أقام على إحرامه إلى قابل فحج وأجزأه حجه، وإن شاء تحلل بعمرة، ثم قضى قابلًا والاختيار أن يتحلل ولا يقيم على إحرامه. ويستحب لمن أقام على إحرامه إلى قابل أن يهدي، وإن أقام على إحرامه فله أن يتحلل منه ما لم تدخل أشهر الحج من قابل، فإذا دخلت أشهر الحج لزمه المقام على إحرامه ولم يجز له التحلل منه.
١٨ - باب الحصر في الحج
فصل: فيمن أحصر في الحج
قال مالك يرحمه الله: ومن حصره العدو عن البيت من المحرمين بالحج والعمرة فليتحلل حيث كان ولا هدي عليه لتحلله، فإن كان معه هدي فلينحره مكانه، ولا قضاء عليه إن كان متطوعًا، ولعيه القضاء إن كان مفترضًا.
[ ١ / ٢٤١ ]
فصل: فيمن أصابه مرض في الحج
ومن أحرم بالحج أو العمرة ثم مرض فأقام حتى فاته الحج لم يتحلل دون مكة، وعليه أن يأتيها حتى يتحلل بها بعمل عمرة وعليه القضاء متطوعًا كان أو مفترضًا. ومن دخل فطاف وسعى عند قدومه ثم مرض فتأخر عن
[ ١ / ٢٤٢ ]
الوقوف بعرفة حتى فغته لم يجزئه طوافه الأول وسعيه عن تحلله، وليطف وليسع مرة أخرى لتحلله.
١٩ - باب في العمرة
فصل: في العمرة ووقت أدائها
قال مالك يرحمه الله: والعمرة مسنونة غير مفروضة، ولا بأس أن يعتمر الرجل قبل أن يحج. ويكره أن يعتمر في السنة الواحدة مرارًا. ولا بأس على من
[ ١ / ٢٤٣ ]
اعتمر في ذي الحجة أن يعتمر في المحرم عمرة أخرى، والعمرة من الميقات أفضل منها من الجعرانة، والتنعيم.
ولا يحرم أهل مكة بالعمرة من مكة. ومن كان حاجًّا، فلا يعتمر حتى يفرغ من حجه، ومن رمى في آخر أيام التشريق فلا يعتمر حتى تغرب الشمس.
فإن أحرم بعمرة بعد رميه وقبل غروب الشمس لزمه الحرام بها ومضى فيها حتى يتمها بعد غروب الشمس، ولا يجزيه تمامها قبل غروبها. وإن أحرم بها قبل رميه، لم يلزمه أداؤها ولا قضاؤها.
٢٠ - باب في حج الصبي
فصل: في حج الصبي
قال ملك يرحمه الله: ولا بأس بالحج باأصاغر، يحرم بهم أولياؤهم آباؤهم وأوصياؤهم، ويجتنبون ما يجتنبون ما يجتنبه الأكابر. وإذا خافل الولي على الصغير ضيعة فحج به، فنفقته من ماله، وإن لم تخف عليه فمثل نفقته في الحضر من ماله، وما زاد على ذلك ففي مال وليه. وإذا قتل الصبي صيدًا فجزاؤه من مال الولي. وقال بعض أصحابنا: جزاؤه من مال الصبي كجنايته. ولا يجرد الرضيع ونحو للإحرام، وإنما يجرد المتحرك من الصغار.
ولا بأس أن يؤخر إحرام الصبي عن الميقات إلى قرب الحرم. وإذا بلغ الصبي في أضعاف حجه، مضى عليه حتى يتمه، ولم يجزه عن فرضه. وإذا بلغ بعد فراغه من حجه فعليه حجة أخرى عن فرضه.
ويُطاف بالصبي ويُسعى، ويرمي عنه إذا لم يستطع أن يفعل ذلك بنفسه، ولا
[ ١ / ٢٤٤ ]
يركع عنه، وليركع هو عن نفسه. وإذا بلغ الصبي يلة عرفة ووقف بعرفة قبل الفجر أجزأه عن حجة الإسلام.
٢١ - باب حج العبد وغيره
فصل في حج العبد
قال مالك يحرمه الله: لا يحج العبد بغير إذن سيده فإن أحرم بالحج بغير إذن سيده فهو بالخيار في فسخ إحرامه وفي تركه. ويستحب لمن استأذنه عبده في الحج أن يأذن له إذا لم يضر ذلك به. ومن خرج بعبده إلى مكة، فاستأذنه في الإحرام فليأذن له وإن نقص من ثمنه، فإن لم يفعل ذلك فلا شيئ عليه.
وإذا حج العبد ثم أعتق في أضعاف حجه مضى عليه حتى يتمه، ولم يجزه عن فرضه، وكذلك إذا أعتق بعد فراغه من حجه، فعليه حجة أخرى عن فرضه، وكذلك إذا نذر العبد الحج فمنعه سيد لزمه أداء ذلك بعد عنقه.
فصل: في إحرام المرأة بالحج بغير إذن زوجها
وإذا حج الرجل ثم ارتد عن الإسلام ثم تاب فعليه حجة أخرى، وقد حبطت حجته الأولى.
فصل: في العبد يعتق ليلة عرفة
وإذا أعتق العبد ليلة عرفة فأحرم بالحج ووقف بعرفة، قبل الفجر أجزأه عن فرضه.
فصل: فيمن أسلم قبل عرفة
وإذا أسلم الكافر فأحرم بالحج وأدرك الوقوف بعرفة أجزأه عن حجه الإسلام.
[ ١ / ٢٤٥ ]
٢٢ - باب جامع في المناسك
قال مالك يرحمه الله: وأشهر الحج: شوال وذو القعدة، وذو الحجة. وقيل: عشر من ذي الحجة. ويوم الحج الأكبر: يوم النحر. والأيام المعلومات: ثلاثة أيام وهي: يوم النحر، ويومان بعده، وليس في اليوم الرابع ذبح. والأيام المعدودات: أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر. ولا بأس بذبح الهدايا قبل الإمام. ولا يجوز ذبح الضحايا قبله. ولا يجوز ذبح شيئ من الهدايا ولا الضحايا ليلًا.
فصل: في خطب الحج
وخطب الحج ثلاثة: خطبة في اليوم السابع بمكة قبل يوم التروية. وخطبة يوم عرفة بعرفة. وخطبة يوم النفر بمنى، وهو ثاني يوم النحر. ويجلس الخطيب بين الخطبتين في يوم عرفة ويخطب قبل الصلاة، ولا يجهر فيها بالقراءة. وخطبة يوم السابع، ويوم الحادي عشر بعد صلاة الشظهر، ولا يجلس فيهما.
فصل: في الإقامة والصلاة بالمُحَصَّب والمُعَرَّس
ويستحب المقام بالمحصب عند الصدر من منى، قبل دخول مكة، ويصلي به الصلوات إلى العشاء الآخرة، ثم يدخل مكة ليلًا، ومن تركه فلا شيئ عليه. ويستحب المقام بالمُعَرّس لمن قفل إلى المدينة والصلاة فيه. ومن أتاه في غير وقت الصلاة فليقم حتى يصلي إلا أن يخاف فوتًا أو ضرورة، فلا بأس أن ينفر قبل أن يصلي.
[ ١ / ٢٤٦ ]
فصل: في طواف الوداع
قال مالك يرحمه الله: وطواف الوداع مستحب غير مستحق. ومن صدر من منى يوم النفر الأول، فطاف ونفر أجزأه ذلك، لإفاضته ووداعه. وإذا طاف المعتمر وسعى فليس عليه أن يودع إذا انصرف مكانه. ومن ودع ثم بات بمكة استحببنا له أن يعيد وداعه، ومن ودع ثم تأخر لشراء حاجة، فليس عليه إعادة. ومن ترك الوداع رجع إن كان قريبًا، فإن تباعد، فلا شيئ عليه. ومن نسى طواف الإفاضة وقد ودع أجزأه وداعه عن إفاضته إذا بعد.
[ ١ / ٢٤٧ ]