مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
قال القاضي الجليل أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي ﵀: الحمد لله نشكره ونستعينه ونستغفره ونعبده ونذكره
[ ١ / ١٥ ]
ونؤمن به ولا نكفره ونسأله الصلاة على خيرته من خلقه محمد نبيه ﷺ وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته صلاة تامة نحظى بفضيلتها ونسعد بمزيتها آمين.
[ ١ / ١٦ ]
كتاب الطهارة
مدخل
كتاب الطهارة
الطهارة من الحدث فريضة واجبة على كل من لزمته الصلاة وهي ثلاثة أنواع وضوء وغسل وبدل منها عند تعذرهما وهو التيمم.
فأما الوضوء ففي ثمانية مواضع وهي الوجه وداخل الفم وداخل الأنف وما بين الصدغ والأذن واليدان إلى آخر المرفقين والرأس والأذنان ظاهرهما وباطنهما والرجلان إلى آخر الكعبين.
وطهارته نوعان: غسل ومسح فالمسح بالرأس والأذنين والغسل فيما عداها وأحكامه ثلاثة أنواع: فرض وسنة وفضيلة.
ففروضه ستة وهي النية وغسل الوجه كله وغسل اليدين إلى آخر المرفقين والمسح بالرأس كله وغسل الرجلين إلى الكعبين وما به يفعل ذلك وهو الماء المطلق وسننه سبع وهي غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء والمضمضة والاستنشاق وغسل البياض الذي بين الصدغ والأذن ومسح داخل
[ ١ / ١٧ ]
الأذنين وفي ظاهرهما خلاف وتجديد الماء لهما والترتيب. وفضائله ثلاث وهي السواك قبله والتسمية عند بعض أصحابنا وتكرار مغسوله مرتين أو ثلاثًا هذا ذكر جملة ونحن نبين تفصيله.
فصل
أما النية فقد بينا أنها من فروضه وهي قصده به ما لزمه والذي يلزمه أن ينوي بوضوئه رفع الحدث أو استباحة فعل معين يتضمن رفع الحدث ومعنى رفع الحدث استباحة كل فعل كان الحدث مانعًا منه ومعنى تعيين ما يتضمن ذلك هو أن ينوي به استباحة فعل بعينه لا يستباح إلا بعد التطهر من الحدث وذلك كالصلوات كلها على اختلاف أنواعها من الصلوات المعهودة وصلاة الكسوف والجنازة وسجود القرآن على اختلاف أحكامها من فرض على الأعيان أو على كفاية وسنة ونفل وكالطواف بالبيت كل هذا لا يجزئ إلا بعد التطهر من الحدث فقصده استباحة واحدة كقصده استباحة جميعه.
[ ١ / ١٨ ]
وأما الوجه فالفرض "إيعاب جميعه" وحده ما انحدر من منابت شعر الرأس إلى آخر الذقن للأمرد وآخر اللحية للملتحي طولًا وما دار عليه من العذارير عرضًا فإن كان عليه شعر لزم إمرار الماء عليه ثم ينظر فإن كان كثيفًا قد ستر البشرة سترًا لا تتبين معه انتقل الفرض إليه وسقط فرض إيصال الماء إلى البشرة وإن كان خفيفًا تبين منه البشرة لزم إمرار الماء عليه وعلى البشرة وسواء في ذلك أن يكون على خد أو شفة أو حاجب أو عذار أو عنفقة ويلزم فيما انسدل عن البشرة كلزومه فيما تحت بشرة.
وأما اليدان ففرض غسلهما إلى استيفاء المرفقين على تخليل أصابعهما وأما الرأس فهو ما صعد عن الجبهة إلى آخر القفا طولًا وإلى الأذنين عرضًا واختلف في الأذنين هل هما منه حقيقة أو حكمًا فمن
أوجب مسحهما عدهما منه ومن لم يوجبه عدهما زائدتين عليه والاختيار في صفة مسح الرأس أن يبدأ بيديه من مقدمه ثم يمر بهما إلى مؤخره ثم يردهما إلى حيث بدأ.
والفرض في تطهير القدمين غسلهما إلى الكعبين والكعبان هما اللعظمان اللذان عند معقد الشراك وقيل الناتئان في طرف الساق وهما داخلان في الوجوب وعلى أقطعهما غسل ما بقي له منهما بخلاف المرفقين.
[ ١ / ١٩ ]
ومن شيوخنا من يعد الموالاة فرضا مع الذكر والذي يجب أن يقال أن التفريق يفسده مع التعمد أو التفريط ومع الطول المتفاحش الخارج عن الموالاة ولا يفسد قليله ولا على وجه السهو هذا الكلام في تفصيل فروضه وبيان الماء المطلق يأتي في موضعه إن شاء الله.
فصل
فأما بيان سننه فمنها غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وذلك من سنة الوضوء لكل طاهر اليد مريد للوضوء بأي نوع كان انتقاض وضوئه من الأحداث وأسبابها من بول أو غائط أو ريح أو نوم من ليل أو نهار أو لمس أو مس فرج أو كان مجددًا للوضوء.
وأما تطهير داخل الفم فإنه سنة وهو المضمضة وصفتها أن يوصل الماء إلى فيه ثم يخضخضه ويمجه. وأما تطهير داخل الأنف فإنه سنة وصفته أن يجذب الماء إلى خياشيمه وهو الاستنشاق ويستحب له المبالغة فيه إلا في الصوم.
[ ١ / ٢٠ ]
وأما غسل البياض الذي بين الصدغ والأذن فسنة ويستوفى جميعه بالغسل وأما الأذنان فيستحب استيفاؤهما بالمسح ظاهرهما وباطنهما وإدخال الأصابع إلى الصماخين وقد بينا القول في الرجلين.
وأما بيان الترتيب المسنون فهو أن يبدأ بعد النية فيسمي الله ويغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء ثم يتمضمض ثم يستنشق ثم لينتشر ثم يغسل وجهه يبدأ من أعلاه ثم يمني يديه ثم يسراهما من أطراف الأصابع إلى المرافق ثم يمسح الرأس على الصفة التي ذكرنا ثم المسح بالأذنين ثم يغسل يمني رجليه ثم يسراهما.
فصل
فأما فضائله فالسواك بعود يابس أو رطب إلا أن يكون صائمًا فيكره له الأخضر خيفة أن يصل طعمه إلى الحلق فيفطره فإن لم يجد شيئًا فإن أصبعه يجزيه.
وأما التكرار ففضيلة في المغسول دون الممسوح فيكرره مرتين أو ثلاثا الثلاث أفضل من الاثنين وما زاد على الثلاث سرف ممنوح والمرة هي الفرض ولا فضيلة في تكرار مسح الرأس والأذنين.
[ ١ / ٢١ ]
باب مايوجب الوضوء وما ينقضه بعد صحته
باب ما يوجب الوضوء وما ينقصه بعد صحته
يوجب الوضوء شيئان أحداث وأسباب للأحداث فأما الأحداث الموجبة للوضوء فهي ما خرج من السبيلين من المعتاد دون النادر الخارج على وجه المرض والسلس من غائط أو ريح أو بول أو مذي أو ودي إذا كان ذلك على غير وجه السلس والاستنكاح وإن كان البول والمذي خارجين على وجه السلس والاستنكاح فلا وضوء فيهما واجب وكذلك ما خرج من السبيلين من غير المعتاد كالحصى والدم والدود فلا وضوء فيه ويفسد الوضوء الردة ولا يوجب الوضوء ما خرج من البدن من غير السبيلين من قيئ ولا قلس ولا بلغم ولا رعاف ولا حجامة ولا فساد ولا غير ذلك.
وأما أسباب الأحداث فهي ما أدت إلى خروج الأحداث غالبًا وذلك نوعان أحدهما: زوال العقل بالنوم والسكر والجنون والإغماء.
فأما النوم المستثقل فيجب منه الوضوء على أي حال كان النائم من اضطجاع أو سجود أو جلوس أو غير ذلك وما دون الاستثقال يجب منه الوضوء في الاضطجاع والسجود ولا يجب في الجلوس.
وأما السكر والجنون والإغماء فيجب الوضوء بقليله وكثيره.
والنوع الآخر: وهو ضربان لمس النساء ومس الذكر.
فأما لمس النساء فيجب منه الوضوء إذا كان للذة قليلًا كان أو كثيرًا مباشرًا أو من وراء حائل رقيق لا يمنع اللذة وإن كان صفيقًا لم يوجب الوضوء لمنعه اللذة ولا فرق بين اللمس باليد أو الفم أو بغيرهما من الأعضاء إذا وجد اللذة ولا بين
[ ١ / ٢٢ ]
لمس الأعضاء أو الشعر إذا كان هناك لذة ولا فرق بين الزوجة والأجنبية وذات المحرم.
وأما مس الذكر فالمراعاة فيه اللذة عند بعض أصحابنا البغداديين كلمس النساء وعند المغاربة وبعض البغداديين ببطن الكف أو الأصابع فقط ومس المرأة فرجها مختلف فيه.
ولا وضوء من مس الأنثيين ولا الدبر ولا شيء من أرفاغ البدن وهي مغابنة الباطنة كتحت الابطين وما بين الفخدين وما أشبه ذلك ولا من أكل شيئًا أو شربه كان مما مسته النار أو مما لم تمسه ولا من قهقهة في صلاة أو غيرها ولا من ذبح بهيمة أو غيرها.
[ ١ / ٢٣ ]
باب ما يوجب الغسل
يجب الغسل على الرجل بشيئين:
إنزال الماء الدافق عن اللذة في نوم أو يقظة فإن عري عن اللذة فلا غسل فيه والإيلاج بالحشفة في قبل أودبر وعلى المرأة بهذين وبشيئين آخرين وهما الحيض والنفاس وهو خروج الولد وعليهما بإسلام الكافر منهما.
[ ١ / ٢٣ ]
باب صفة الاغتسال
قد بينا أن الغسل من الجنابة وسائر ما ذكرناه معها فريضة وهو مشتمل على مفروض ومسنون وفضيلة فمفروضات ثلاث وهي النية وتعميم ظاهر البدن وإمرار اليد على البدن مع الماء "وهذا عندنا من شرط كونه غسلًا" فيستوي فيه الغسل والوضوء إلا أن العادة قد جرت بذكره مع الغسل ويفعل الغسل بما يفعل به الوضوء من الماء المطلق فأما مسنوناته فهي المضمضة والاستنشاق وفي تخليل اللحية روايتان أحداهما: الوجوب والآخر: أنه سنة.
وأما الفضيلة فهي أن يبدأ بغسل يديه ثم يتنظف من أذى إن كان عليه ثم يتوضأ وضوء للصلاة ثم يخلل أصول شعر رأسه بالماء ثم يغرف عليه ثلاثًا ثم
[ ١ / ٢٣ ]
يفيض الماء على بدنه كله ومن له شعر معقوص من رجل أو امرأة لم ينقضه وأجرى الماء ثم ضغثه بيده.
[ ١ / ٢٤ ]
باب المياه وأحكامها
الأصل في المياه كلها الطهارة والتطهير على اختلاف صفاتها ومواضعها من سماء أو أرض أو بحر أو نهر أو عين أو بئر ملح أو عذب أو راكد كان باقيًا على أصل مياعته أو ذائبًا بعد جموده إلا ما تغيرت أوصافه التي هي اللون والطعم والريح أو أحدها من مخالطة ما ينفك عنه غالبًا أو بما ليس بقرار له ولا متولد عنه فما تغير بذلك فإنه خارج عن أصله ثم المخالط له على ضربين طاهر ونجس فالطاهر يسلبه التطهير فقط فيصير طاهرا غير مطهر كسائر المائعات والنجس يسلبه الصفتين جميعًا الطهارة والتطهير ويصير به نجسًا من غير حد في ذلك مضروب ولا مقدار موقوت سوى أنه يكره استعمال القليل منه الذي لا مادة له ولا أصل إذا خالطته نجاسة ولم تغيره "كماء الحب" والجرة وسائر الأواني وآبار الدور الصغار.
ولا يكره في الكثير كالحياض والغدر والآبار الكبار ويجمع أوصافه أن يقال الماء على ضربين مطلق ومضاف فالمتطهير هو المطلق دون المضاف
[ ١ / ٢٤ ]
فالمطلق ما لم يتغير أحدا أوصافه بما ينفك عنه غالبًا مما ليس بقرار له ولا متولد عنه فيدخل في ذلك الماء القراح وما تغير بالطين لأنه قراره وكذلك ما يجري على الكبريت وما تغير بطول المكث لأنه متولد عن مكثه وما تغير "بالطحلب" لأنه من باب مكثه وما انقلب عن العذوبة إلى الملح لأنه من أرضه وطول إقامته.
ويدخل فيه الماء المستعمل على كراهة استعماله وكذلك القليل الذي لم تغيره النجاسة والمضاف نقيض المطلق وهو ما تغير أوصافه أو أحدها من مخالط له مما ينفك عنه غالبًا وهو على ضربين مضاف نجس ومصاف طاهر وذلك بحسب المخالط له وما تغير بزعفران أو عصفر أو كافور أو غير ذلك من الطيب أو بلبن أو خل أو بشيء من المائعات أو الجامدات لأنه مما خالطه ما ينفك عنه غالبا فشبه بماء الباقا فهو طاهر غير مطهر.
فصل
والحيوان كله طاهر العين طاهر "السؤر" إلا ما لا يتوقي النجاسات غالبًا كالكلب والخنزير والمشركين فأسئارهم مكروهة وفي الحكم طاهرة إلا ما تغير منها عند إصابتهم النجاسة أكل الكلب الميتة وأكل النصراني الخنزير وشربه الخمر فإنه نجس.
[ ١ / ٢٥ ]
ويغسل الإناء من "ولوغ الكلب" في الماء سبعًا ويراق الماء استحبابًا ولا يراق ما ولغ فيه الكلب من سائر المائعات وفي غسل الإناء منه روايتان وأسار البغال والحمير وسائر الدواب والسباع والطير طاهرة الا يكون شيء منها يأكل النجاسة على ما بيناه وفي غسل الإناء من ولوغ الخنزير روايتان ثم الحيوان بعد ذلك على ضربين بري وبحري فالبحري طاهر العين حيًا وميتًا كان سمكًا أو غيره كان مما له شبه في البر أو مما لا شبه له ينجس في نفسه ولا ينجس ما مات فيه من مائع ويجوز التطهر بما مات فيه على الإطلاق إلا أن تغيره فيصير مضافًا لا نجسًا.
والبري ضربان منه ما له نفس سائلة كسائر ما ذكرناه من الدواب وغيرها من الطير والفأرة والسنانير فمات مات من ذلك نجس في نفسه وينجس ما مات فيه من مائع غيره أو لم يغيره ولا ينجس الماء إلا أن تغيره النجاسة إلا أنه يستحب نزح البئر التي تموت فيها بحسب كبر الدابة وصغرها وكثرة ماء البئر وقلته وذلك توق واستحباب وما تغير وجب نزح جميعه إلى أن يزول التغير.
والضرب الآخر ما لا نفس له سائلة كالزنبور والعقرب والخنفساء والصرار وبنات وردان وشبه ذلك فحكم هذا حكم دواب البحر لا ينجس في نفسه إذا مات ولا ينجس ما مات فيه من مائع أو ماء وكذلك ذباب العسل والباقلاء ودود الخل.
ولا يجوز التطهر من حدث ولا نجس ولا بشيء من المسنونات والمفروضات والقربات بمائع سوى الماء المطلق.
ونبيذ التمر المسكر نجس كالخمر ولا يجوز شربه ولا التطهر به للحدث ولا للنجس.
[ ١ / ٢٦ ]
باب في الاستنجاء وآداب الأحداث
ويختار لمريد الغائط والبول أن يبعد بموضع لا يقرب منه أحد ولا يتسقبل القبلة ولا يستدبرها إلا أن يكون في منزله أو بين البنيان فيجوز ذلك
ولا ينبغي له قضاء الحاجة على "قارعة الطريق" ولا شاطئ نهر ولا في ماء دائم إلا أن يكون كثيرًا جدًا "كالمستبحر" ولا يكلم أحدًا في حال جلوسه للحدث وإذا أراد الاستنجاء فبشماله إلا أن يكون له عذر ويفرغ الماء على يديه قبل أن يلاقي بها الأذى والأفضل له أن يجمع بين الماء والأحجار ويبدأ بالأحجار فإن اقتصر على أحدهما أجزأه والماء أفضل وإن اقتصر على الأحجار جاز ما لم يعد المخرج أو ما يقاربه فإن انتشر على ذلك الموضع لم يجزه إلا الماء.
ويستحب له أن يأتي بالثلاثة وأن أنقى بدونها أجزأه وكل جامد يحصل به الإنقاء فهو كالحجر في الإجزاء وقد يخالفه في إباحة الابتداء إذا كان مما له حرمة ويكره له العظم والبعر وإن وقع بهما الإنقاء جاز ومن ترك الاستنجاء "والاستجمار" وصلي بالنجاسة، فإن كان لعذر من سهو أو عدم ما يزيلها به
[ ١ / ٢٧ ]
أجزاه وأعاد إن وجد الماء في الوقت وإن كان عامدًا قادرًا على الإزالة لم يجزه وأعاد أبدًا وليس على من بال أن يقوم أو يقعد أو يزيد في التنحنح ولكن "ينتثر" ذكره ويستفرغ جهده على ما يرى أن حاله يقتضيه من طالة أو إقصار ويكره البول قائمًا في موضع صلب لا يأمن تطايره عليه أو مقابلة الريح ويجوز في الرمل والمواضع التي يأمن ذلك فيها.
[ ١ / ٢٨ ]
باب منه آخر
كل مائع خرج من أحد السبيلين نجس وذلك هو البول والغائط والمذي والودي والمني ودم الحيض والنفاس والاستحاضة وغير ذلك من أنواع البلل والدماء كلها نجسة من إنسان أو حيوان له نفس سائلة تجوز الصلاة بقليلها ولا تجوز بكثيرها إلا دم الحيض ففيه روايتان.
والأبوال على ثلاثة أضرب: بل حيوان محرم الأكل فهو نجس وبول حيوان مكروه الأكل فهو مكروه وبول حيوان مباح الأكل فهو طاهر مباح إلا أن يعرض ما يمنعه مثل أن يكون غذاء ذلك الحيوان النجاسة أوغالبه.
وأجزاء الميتة كلها نجسة إلا ما لا حياة فيه كالشعر والصوف والوبر وكل حيوان في ذلك واحد وجلود الميتة كلها نجسة لا يطهرها الدباغ غير أنه يجوز استعمالها في اليابسات وعظم الميتة وقرنها نجس.
[ ١ / ٢٨ ]
باب التيمم
وفصوله خمسة: من يجوز له التيمم من المحدثين وشروط جوازه وصفة التيمم وما يتيمم به والصلوات التي يتيمم لها وتؤدي به فأما من يجوز له التيمم فكل محدث حدثًا أعلى أو أدنى ممن يلزمه الوضوء أو الغسل.
وأما شروط جوازه فشرطان: عدم الماء الذي يتطهر به أو عدم بعضه فإن وجد دون الكفاية لم يلزمه استعماله والشرط الآخر تعذر استعمال الماء مع وجوده وكل واحد من هذين الشرطين متعلق بشروط منها ما يعم ومنها ما يخص فأما ما يعم فهو أن يكون محتاجًا إلى التيمم وذلك بأن يدخل الوقت ويتوجه عليه فرض الصلاة فإن قدمه على ذلك فلا يجزئه.
وأما ما يخص فهو عادم الماء لا يجوز له التيمم إلا بعد طلب الماء "واعوازه" وإن وجده بثمن مثله أو غالبًا غير "متفاحش" لزمه شراؤه إلا أن "يجحف به" وهذه الشروط منتفية في القسم الآخر وهو تعذر استعماله وأما جوازه لتعذر الاستعمال فيعتبر فيه أربعة شياء خوف تلف أو زيادة مرض أو تأخر برء أو حدوث مرض يخاف معه ما ذكرناه.
والثاني: أن يجد الماء ويخاف لخروجه إليه لصوصًا أو سباعًا فيجوز له التيمم.
والثالث: أن يخاف متى تشاغل باستعماله فوات الوقت لضيقه أو تأخر المجيء به أو لبعد المسافة في الوصول إليه أو لعدم الآلة التي توصله إليه كالدلو "والرشاء".
والرابع: أن يخاف على نفسه أو إنسان يراه التلف من شدة العطس أو يخاف ذلك في ثاني حال أو يغلب على ظنه أنه لا يجده وأما المحبوس فكعادم
[ ١ / ٢٩ ]
الماء وكذلك المريض الذي عنده ماء ولا يجد من يناوله إياه فهو كعادم الآلة وليس من شرطه ألا يكون حاضرًا بل يجوز للحاضر والمسافر على الشروط التي ذكرناه.
وأما صفة التيمم فهي أن يضع يديه على الصعيد ثم يمسح بها وجهه كله ويديه إلى المرفقين وقيل إن اقتصر على الكوعين أجزأه.
والاختيار ضربان وإن اقتصر على واحدة جاز.
فأما ما يتيمم به فالأرض نفسها وما تصاعد عليها من أنواعها كالتراب "والجص" والنورة والرمل والزرنيخ وغير ذلك مما في بابه وليس من شروطه "علوق" شيء بالكف بل يجوز بالحجر الصلد الذي لا يتعلق باليد شيء منه فأما ما يتيمم له فكل قربة لزم التطهر لها بالماء كالصلوات كلها ومس المصحف وغسل الميت ولا يكاد يتصور في الطواف إلا للمريض ولا يجوز التيمم لجنازة في الحضر إلا أن يتعين الفرض عليه ولا يجوز الجمع بالتيمم بين صلوات فروض على وجه ويجوز بين نوافل عدة ويجوز الجمع بين الفرض والنفل إذا قدم الفرض قبل النفل ويجوز التنفل بتيمم الفرض ولا يجوز الفرض يتيمم النفل والجنب ينوى بتيممه الحدث الأصغر ناسيًا لجنابته ففيه روايتان ولا يخلو مريد التيمم من ثلاثة أحوال إما أن يغلب على ظنه اليأس من وجود الماء في الوقت أو يغلب على ظنه وجوده ويقوي رجاؤه أو يتساوي عنده الأمران فالأول يتيمم أول الوقت والثاني آخره والثالث وسطه. هذا هو الاختيار ومن تيمم ثم وجد الماء فله ثلاثة أحوال إما أن يجده قبل الدخول في الصلاة أو بعد الشروع فيها أو بعد الفراغ منها فالأول يلزمه استعماله ويبطل تيممه إلا أن يكون الوقت من الضيق بحيث يخشى معه فوات الصلاة إن تشاغل به والثاني يمضى على صلاته ولا يؤثر وجود الماء شيئًا وكذلك الثالث والتيمم لا يرفع الحدث وفائدة ذلك شيئان منع الجمع بين الفرضين بتيمم واحد وأنه إذا وجد الماء بعد تيممه تطهر للحدث المتقدم.
[ ١ / ٣٠ ]
باب المسح على الخفين وما يتعلق به
المسح على الخفين جائز في السفر والحضر للرجال والنساء إذا أدخل رجليه في الخفين بعد كمال وضوئه من غير توقيت بمدة من الزمان لا يقطعه إلا الخلع،
[ ١ / ٣٠ ]
أو حدوث ما يوجب الغسل كان الخف صحيحًا أو فيه خرق يسير لا يمنع متابعة المشى ويستحب للمقيم خلعه كل جمعة للغسل وإذا خلعهما غسل رجليه وبطل حكم المسح ولا يجوز المسح على "جوربين" غير مجلدين وفي المجلدين والجرموقين روايتان والمختار مسح أعلاهما وأسفلهما فإن اقتصر على أعلاهما أجزأه وإن اقتصر على أسفلهما لم يجزه ولا يجوز المسح على عمامة ولا على خمار ولا على حائل دون عضو سوى الرجلين إلا لضرورة كسر أو جرح فيمسح على الجبائر والعصائب شدهما محدثًا أو متطهرًا بخلاف الخفين.
[ ١ / ٣١ ]
باب في الحيض والنفاس وما يتصل بهما
والدماء التي "ترخيها" الرحم ثلاثة دم حيض ودم نفاس ودم علة وفساد وهو الاستحاضة. فأما دم الحيض فهو الخارج من الفرج على وجه الصحة بغير ولادة والنفاس ما كان عقيب الولادة والفساد ما خرج عن صفتيهما "ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئا".
[ ١ / ٣١ ]
وهي وجوب الصلاة وصحة فعلها وفعل الصوم دون وجوبه وفائدة الفرق لزوم القضاء للصوم ونفيه للصلاة والجماع في الفرج وما دونه والعدة والطلاق والطواف ومس المصحف ودخول المسجد والاعتكاف وفي قراءة القرآن روايتان ويمنع الجنب من القرآن إلا الآيات اليسيرة للتعوذ.
وأقل الحيض والنفاس لا حد له وأكثر الحيض خمسة عشر يومًا وأكثر النفاس ستون يومًا ولا حد لأقل الاستحاضة ولا أكثرها ولا بد من طهر يفصل بين الحيضتين وأقله خمسة عشر يومًا على الظاهر من المذهب ولا حد لأكثره والحائض ضربان مبتدئة ومعتادة فالمبتدئة تترك الصلاة برؤية أول دم تراه إلى انقطاعه وذلك إلى تمام خمسة عشر يومًا أو مدة أيام لذاتها على اختلاف الرواية فإن زاد على ذلك فإن اعتبرنا الخمسة عشر يومًا اغتسلت وصلت وصامت وكانت مستحاضة وإذا اعتبرنا أيام لذاتها استظهرت بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا.
وفي المعتادة روايتان إحداهما بناؤها علي عادتها وزيادة ثلاثة أيام والأخري جلوسها إلى آخر الحيض ثم يعملان فيما بعد على التمييز إن كانت من أهله فإن عدمتا التمييز صلتا أبدًا ولم تعتبرأبعاده وإذا انقطعت أيام الحيض والنفاس وجب التلفيق إلى أن تكمل الأيام المعتبرة في الجلوس مالم
[ ١ / ٣٢ ]
يتخللها طهر كامل فيكون ما بعده حيضًا مؤتنفًا والصفرة والكدرة كالدم الأحمر والأسود.
والحامل تحيض ولا تمنع الاستحاضة شيئًا يمنعه الحيض وللطهر علامتان الجفوف والقصة البيضاء وإذا طهرت الحائض لم توطأ إلا بعد الغسل.
[ ١ / ٣٣ ]
كتاب الصلاة
مدخل
كتاب الصلاة
[ ١ / ٣٤ ]
[ ١ / ٣٥ ]
الصلاة ركن من أركان الدين ومعالمه ومما بني الإسلام عليه وهي في الشرع على خمسة أقسام فرض على الأعيان وفرض على الكفاية وسنة وفضيلة ونافلة فالفرض على الأعيان الصلوات الخمس وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر ووجوب الجمعة داخل في وجوب الظهر لأنها بدل منها إذ لا يجتمع وجوبهما لأنهما يتعاقبان.
والفرض على الكفاية الصلاة على الجنازة والسنة على ضربين سنة مبتدأة إما لأوقات وإما لأسباب تفعل عندها وسنة مشترطة في عبادة غيرها فالأول هي السنة المفردة وهي خمس صلاة الوتر وصلاة العيدين وصلاة كسوف الشمس والاستسقاء واختلف في ركعتي الفجر فقيل إنها سنة وقيل من الرغائب والضرب الثاني ركعتا الطواف والركوع عند الإحرام والفضيلة تحية المسجد وصلاة خسوف القمر وقيام شهر رمضان وقيام الليل وسجود القرآن والنافلة ركعتان بعد الظهر وقبل العصر ووقت الضحى وسائر ما يتنفل به ابتداء غير متعلق بسبب يقتضيه ولا وقت بعينه.
فإذا ثبت هذا فالصلوات الخمس التي هي فرض على الأعيان من جحد وجوبها فهو كافر ومن تركها أو واحدة منها معترفًا بوجوبها غير جاحدًا لهذا فليس
[ ١ / ٣٦ ]
بكافر ويؤخذ بفعلها ولا يرخص له في تأخيرها عن وقتها فإن أتى بها وإلا قتل ولها أوقات مختلفة الأحكام منها أوقات لا يجوز تقديمها عليها ولا تأخيرها عنها.
وتنقسم إلى أوقات توسعة وتضييق ومنها ما يتعلق به الفوات ومنها ما لا يتعلق به ونحن نبين ذلك إن شاء الله.
فصل
الأوقات وقتان وقت أداء ووقت قضاء فأما القضاء فيذكر فيما بعد وأما وقت الأداء فعلى خمسة أضرب وقت اختيار وفضيلة ووقت إباحة وتوسعة ووقت عذر ورخصة ووقت سنة يأخذ شبهًا من وقت الفضيلة والعذر ووقت تضييق من ضرورة.
وفائدة الفرق بين وقت الاختيار والفضيلة وبين الإباحة والتوسعة أن وقت الاختيار والفضيلة يتعلق به من الثواب والفضل أكثر مما يتعلق بوقت الإباحة والتوسعة من غير مأثم يلحق بتأخير العبادة إلى وقت التوسعة وذلك كفضيلة أول الوقت على وسطه وفضيلة وسطه على آخره.
وفائدة الفرق بين وقت العذر والرخصة وبين وقت الإباحة والتوسعة أن له تأخير الصلاة عن وقت الفضيلة إلى وقت الإباحة والتوسعة ابتداء من غير عذر لولاه لم يكن له تأخيرها إما حظرًا وإما ندبًا كتأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره وليس كذلك في العذر والرخصة لأنه إنما أبيح لوجد العذر أو لتوقعه على طريق الرفق مع صحة أدائه في الوقت المختار وإمكانه كترخيصنا للمسافر إذا أراد الرحيل وخاف أن يجد به السير أن يجمع بين الظهر والعصر عقيب الزوال وإذا كان راكبًا أن يؤخر المغرب الميل ونحوه وكرخصة الجمع بين الصلاتين في المطر.
وأما الوقت الآخذ شبهًا من وقت الفضيلة والعذر فهو وقت سنة وفضيلة يؤتى بها في وقت العذر والرخصة وذلك كالجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة لأن هذا في صورة وقت العذر والتوسعة وهو مع ذلك فضيلة وسنة.
وأما وقت التضييق والضرورة فهو تقدم العبادة على الوقت المتعلق بالفضيلة الذي لا يجوز قبله لولا الضرورة لم تقدم عليه أو تأخيره إلى الوقت الذي يتعقبه الفوات لولا الضرورة لم يؤخر إليه وهذا الوقت لخمسة: للحائض تطهر،
[ ١ / ٣٧ ]
والمغلوب يفيق، والكافر يسلم، والصبي يبلغ، والمسافر يقدم، والحاضر يسافر، ومن قد نسي صلاة. وكل قسم من هذه الأقسام يرد بيانه في موضعه إن شاء الله إلا أن البداية ها هنا بأوقات الوجوب التي يتعلق الإجزاء بها وفي امتدادها وضيقها ثم نعقب ذلك بفروض الصلاة وسننها ثم ما يقتضيه الحال من ترتيب الأبواب.
فصل في أوقات الصلاة
أما وقت الظهر الذي لا تجب قبله ولا يجوز تقديمها عليه فهو زوال الشمس ومعرفة ذلك في غالب الأحوال هو بأن تقيم عودًا مستويًا فترى ظله في أول النهار طويلًا ممتدًا ثم لا يزال في نقصان مع اتساع النهار كلما قرب من الزوال إلى أن ينتهي إلى حد يقف عنده ثم يعود في الطول فذلك هو الزوال ويستحب تأخيرها في مساجد الجماعات إلى أن يكون الفيء ذراعًا والإبراد بها في الحر أفضل ثم لا يزال وقتها ممتدًا إلى أن يكون زيادة الظل مثله ويعتبر ذلك وقت تناهي نقصانه وأخذه في الزيادة لا من أصله فإذا بلغ مثله فهو آخر وقت الظهر وهو بعينه أول وقت العصر وتكون وقتًا لهما ممتزجًا بينهما فإذا زاد على المثل زيادة بينة خرج وقت الظهر واختص الوقت بالعصر فلا يزال ممتدا إلى أن يصير كل شيء مثليه فذلك آخر وقت العصر.
ويستحب في العصر تأخيرها قليلًا في مساجد الجماعات كنحو ما يستحب في الظهر لا زيادة على ذلك بل تعجيلها بعد هذا التأخير أفضل وتأخيرها زيادة على ذلك مكروه.
[ ١ / ٣٨ ]
ووقت المغرب الذي لا تحل قبله غروب الشمس وهو وقت واحد مضيق غير ممتد يقدر آخره بالفراغ منها في حق كل مكلف ويرخص للمسافر أن يمد الميل ونحوه ثم يصلي وذلك داخل في باب الأعذار والرخص وهو خارج عن هذا الباب.
ووقت العشاء الآخرة مغيب الشفق وهو الحمرة لا البياض وآخر وقتها ثلث الليل الأول ويتسحب في مساجد الجماعات تأخيرها قليلًا قدرًا لا يضرب الناس ثم لا يزال وقتها ممتدًا إلى أن ينقضي الثلث الأول ووقت صلاة الفجر طلوع الفجر الثاني ويسمى الصادق وهو الضياء المعترض في الأفق
الذاهب فيه عرضًا يبتديء من المشرق ومعترضًا حتى يعم الأفق ثم لا يزال ممتدًا ما لم تطلع الشمس وهي الصلاة الوسطى.
والتغليس بها أفضل فهذه أوقات الوجوب المبتدأة وهي على ضربين منها ما يكون ابتداؤها علمًا على الإجزاء في كل حال عمومًا لا خصوصًا وذلك لثلاث صلوات وهي الزوال في الظهر وغروب الشمس في المغرب وطلوع الفجر في صلاة الفجر فهذه الأوقات هي أوقات الوجوب والإجزاء فلا يجوز تقديم هذه الصلوات عليها بوجه لا في حال عذره ولا غيره.
وأما المثل في العصر ومغيب الشفق في العشاء الآخرة فهو في الرفاهية والاختيار لأن الإجزاء والرخصة قد يتعلقان بتقديمهما على هذه الأوقات في حال ضرورة على ما نبينه إن شاء الله.
فصل
فأما أوقات الضرورة والتضييق فهي لخمسة للحائض تطهر والمغلوب يفيق والصبي يبلغ والكافر يسلم والناسي يذكر ويتصور في اثنين من هؤلاء العكس وهو أن يكون في حق الطاهر تحيض والمفيق يغلب ولا يتصور في الصبي يبلغ لأنه لا يعود إلى الصغر.
[ ١ / ٣٩ ]
ولا الكافر يسلم لأنه إذا ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم يؤخذ بقضاء ما فات وأخذ في حال التضييق بما يؤخذ به الكافر الأصلي إذا أسلم ويمكن تصويره في الناسي يذكر وبسط ذلك يطول.
وبيان هذه الأوقات هو أن ابتداء الزوال وقت للظهر مختص به لا تشاركها فيه العصر بوجه ومنتهى هذا الاختصاص قدر أربع ركعات للحاضر وركعتين للمسافر ثم يصير الوقت مشتركًا بينهما وبين العصر فلا يزال الاشتراك قائمًا إلى أن يصير قبل الغروب بقدر أربع ركعات للحاضر أو ركعتين للمسافر فيزول الاشتراك ويختص الوقت بالعصر وتفوت الظهر حينئذ على كل وجه وإدراك وقت الصلاة المعتد به هو إدراك ركعة منها وما قصر عن ذلك فليس بإدراك.
فإذا طهرت حائض أو أفاق مغمى عليه أو بلغ صبي أو أسلم كافر وقد بقي من النهار بعد فراغهم ما يمكنهم به أداء الصلاة من طهارة وستر عورة وغير ذلك قدر خمس ركعات في الحضر أو ثلاث في السفر فعليهم الظهر والعصر لإدراكهم وقتهما وذلك لقاء ركعة من وقت الظهر المشترك وإدراك جميع وقت العصر وإن كان الباقي أربعًا أو أقل من الخمس فقد فات وقت الظهر فسقط عنهم ويخاطبون في بالعصر فقط لإدراكهم وقتها ولو أدركوا من وقت العصر قدر ركعة فقط كانوا مدركين لوقتها فإن أدركوا دون ذلك لم يدركوا ما يلزمهم به وكذلك لو أخرت امرأة الظهر والعصر إلى أن طرأ عليها الحيض وقد بقي من النهار قدر خمس ركعات أو ثلاثًا على التفصيل الذي ذكرناه فلا قضاء عليها إذا طهرت لأنها حاضت في وقتهما وإن كان الباقي دون ذلك كان عليها قضاء الظهر لإدراك وقتها ولم يلزمها قضاء العصر لأنها حاضت في وقتها وكذلك الحكم في المغلوب وغيره ومثل ذلك في المغرب والعشاء وهو أن تطهر حائض أو يفيق مغلوب وقد بقي للفجر قدر خمس ركعات فتلزمه الصلاتان لإدراكه وقتهما فإن أدرك قدر ثلاث ركعات سقطت المغرب لفوات وقتها وأنه لو صلاها لم يبق للعشاء وقت وإن أدراك قدر أربع ركعات فقيل يصليهما لأنه تبقى ركعة لعشاء وقيل يصلي العشاء فقط لأنه لم يدرك شيئًا من وقت المغرب.
وابن القاسم يرى في الكافر يسلم أن يعتبر الوقت من وقت إسلامه دون فراغه من أمره ويفرق بينه وبين غيره من أهل الضرورات لأنه لم يكن معذورًا بتأخير الصلاة وغيره من أصحابنا يسوي بينهم وهو النظر لأن بالإسلام قد سقط عنه التغليظ.
[ ١ / ٤٠ ]
فأما المسافر ينسى في سفره الظهر والعصر فيذكرهما بعد دخوله الحضر فإن كان قدومه بقدر خمس ركعات فأكثر صلاهما تامتين وإن كان دون ذلك صلى الظهر مقصورة لفوات وقتها والعصر تامة لبقاء وقتها وإن سافر وقد نسى الظهر والعصر وكان عليه وقت أن فارق الحضر من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما مقصورتين لإدراكه وقتها وهو مسافر فإن كان دون ذلك صلى الظهر تامة قضاء وصلى العصر مقصورة لبقاء وقتها وكذلك القول في المغرب والعشاء.
[ ١ / ٤١ ]
باب في ذكر الآذان والإقامة
هما سنتان غير واجبتين وسنة الآذان في الجماعة الراتبة دون الانفراد والإقامة أهبة للصلاة في الجماعة والانفراد والآذان في الصبح تسع عشرة كلمة وغيرها سبع عشرة كلمة وحكاية لفظ في غير الصبح الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وفي الصبح يزيد بعد حي على الفلاح الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم ولفظ الإقامة الله أكبرالله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح والتوجه إلى القبلة في الأذان حسن والأفضل أن يوذن متطهرًا ولا يؤذن لنافلة ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين وإن أتمه جاز.
[ ١ / ٤١ ]
باب العمل في الصلاة
والصلاة مشتملة على فروض وسنن وفضائل فالفروض ضربان منفصلة ومتصلة فالمنفصلة نوعان متقدم ومصاحب فمن فروضها الطهارة من الحدث وإزالة النجاسة وستر العورة فهذه هي المنفصلة وأما المتصلة فاستقبال القبلة والنية والترتيب في الأداء ونريد بالانفصال جواز تقديم فعلها وأنها مكتفية بنفسها وذلك يتم في الطهارة وستر العورة.
وأما استقبال القبلة والنية فمصاحبان لا حكم لهما إلا بإضافتهما إلى الصلاة ومن هذه الفروض ما هو مفروض على الإطلاق ولا تصح الصلاة مع تركه على وجه وهو الطهارة من الحدث والصحيح من مذهبنا أنه إذا عدم الماء والصعيد لم يصل حتى يجد أحدهما وقد قيل: أنه يصلي إذا لم يجدهما.
ثم إذا وجده بعد انقضاء الوقت فهل يلزمه القضاء أو لا يلزمه نظر آخر.
[ ١ / ٤١ ]
والنية أيضًا فرض مطلق لا تصح الصلاة مع تركها على وجه وأما إزالة النجاسة فاختلف فيه هل هو من شروط الصحة أو ليس من شرطها فإذا قيل ليس من شرطها فلا نقول إنه ليس بفرض ولكن ليس كل الفروض من شرط الصحة وإذا قيل إنه من شرط الصحة فذلك مع الذكر والقدرة ونريد بذلك ما على البدن فأما ما كان على الثوب فلا يتوجه عليه فرض إلا في ترك محله أو فعل الإزالة إن اختار المحل أو وجب وحكم ستر العورة حكم إزالة النجاسة إلا أنه لا يتصور فيه الترك.
وأما استقبال القبلة ففرض بشرط القدرة فإن كان معاينًا لزمه استقبالها إلا مع عدم القدرة وهو في حال المسايفة وأما مع الغيبة فالفرض فيه الاجتهاد مع القدرة فإن كان مسايفًا لم يلزمه وصلى كيف أمكنه وكذلك المتنفل على دابته في سفر القصر.
فأما في السفينة فمع التعذر يسقط عنه وإذا اجتهد مع القدرة فصلى ثم بان له غلطه فالإجزاء حاصل ويستحب له الإعادة في الوقت فأما أركان الصلاة التي هي منها فتسعة وهي التحريم والقراءة والقيام والركوع والسجود والرفع والفصل بين السجدتين والجلوس والتسليم.
وقد بينا وجوب النية واستقبال القبلة والواجب المعتد به من النية ما قارن تكبيرة الإحرام سواء ابتدأ به في حال واحد أو تقدمت النية واستصحب ذكرًا إلى التكبير ولفظ التكبير متعين وهو أن يقول الله أكبر لا يجزئ غيره من قوله الأكبر أو أجل أو أعظم والواجب من القراءة متعين وهو فاتحة الكتاب لا يجزئ غيرها في كل ركعة هذا هو الصحيح من المذهب وقول آخر الاكتفاء بأكثر الصلاة أو نصفها أو بعضها وهي ضعيفة في المذهب والاعتدال في الركوع والسجود واجب منه ويجزئ منه أدني لبث ولم نعده فرضًا زائدًا على
[ ١ / ٤٢ ]
الركوع والسجود لأن اسمها قد تضمنه ويسجد على جبهته وأنفه فإن ترك الجبهة فلا يجزئه وإن اقتصر عليها أجزأه.
والاعتدال في القيام للفصل بينهما مختلف فيه والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب وكذلك في الجلسة بين السجدتين والواجب من التسليم مرة ولفظة متعين وهو أن يقول السلام عليكم لا يجزئ غيره وقدر القيام الواجب ما يكبر فيه تكبيرة الإحرام ويقرأ أم الكتاب وما زاد على ذلك مسنون.
فصل في سنن الصلاة
وسنن الصلاة اثنتا عشرة وهي قراءة سورة مع أم القرأن والجهر بالقراءة في موضع الجهر والإسرار بها في موضع الإسرار والاعتدال في الفصل بين الأركان والتشهد الأول والجلوس له والتشهد الثاني. والمختار من ألفاظ التشهد تشهد عمر بن الخطاب ﵁ ولفظه التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فأما الجلوس فالواجب منه قدر ما يسلم فيه وما يوقع فيه التشهد مسنون وكذلك القيام الذي يقرأ فيه الزيادة على أم القرآن مسنون غير مفروض والتكبير في كل خفض ورفع وقوله سمع الله لمن حمده في الرفع من الركوع والصلاة على النبي ﷺ ولم نذكر سجود السهو لأنه يتنوع إلى واجب وسنة على ما نبينه
[ ١ / ٤٣ ]
وفضائلها سبع: وهي رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام إلى المنكبين لا إلى الأذنين وعنه في رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان وإطالة القراءة في الصبح على ما سنذكره والتأمين بعد أم الكتاب والتسبيح في الركوع والسجود والقنوت في الصبح وقول المأموم ربنا ولك الحمد وسجود التلاوة وصفة الجلوس كله صفة واحدة وهي أن يفضي إهام رجله إلى الأرض بيسرى وركبيه ويضع رجله اليسرى تحت يمنى ساقيه وينصب رجله اليمنى ويضع كفيه على فخذيه ويقبض يمناهما ويشير بسبابته
منها ويبسط يسراهما والسنن والفضائل كثيرًا ما تتداخل وقد بينا جملها ونحن نبين تفصيلها في تضاعيف ما نورده من المسائل إن شاء الله.
والمختار له بعد تكبيرة الإحرام أن يعقبها بقراءة أم القرآن من غير أن يفصل بينهما بتسبيح أو توجيه أو قراءة بسم الله الرحمن الرحيم سرًا أو جهرًا أو استعاذة لا عند قراءة أم القرآن ولا في السورة التي بعدها إلا الذي يصلي التراويح أو يقوم الليل أو يعرض القرآن فإن شاء فصل بين السور بالبسملة والمختار من قدر القراءة في الصلاة مختلف باختلاف أعيانها وهو على ثلاثة أضرب إطالة وقصر وبينهما فالإطالة في الصبح والظهر ويستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل أو ما زاد عليهما بقدر ما يحتمله التغليس ولا يبلغ به الإسفار في الصبح بطوال المفصل أو ما زاد عليهما بقدر ما يحتمله التغليس ولا يبلغ به الإسفار والظهر تليها في ذلك أو تقاربها ويستحب التخفيف في العصر والمغرب ويستحب في العشاء الآخرة بين القراءتين.
والصلوات في الجهر والإسرار على ثلاثة أضرب منها ما يجهر في جميعها وهي الفجر والجمعة ومنها ما يسر في جميعها وهي الظهر والعصر ومنها ما
[ ١ / ٤٤ ]
يجمع الأمرين وهي المغرب والعشاء وهذا حكم الفرائض فأما النوافل فتذكر فيما بعد.
والمصلون ثلاثة إمام ومأموم ومنفرد وهم في أداء الصلاة على ثلاثة أضرب.
أحدها يشتركون في الخطاب بفعله والآخر يختص به الإمام والمنفرد والآخر يختص به المأموم دونهما وليس في ذلك ما يختص به الإمام دون المنفرد إلا في مواضع لا يتصور مقصودها في الانفراد على ما نبينه فمما يخاطب به الجميع النية والإحرام والركوع والسجود والفصل بينهما والجلوس والتسليم المفروض وجميع الهيئات والذي ينفرد به الإمام والمنفرد وجوب القراءة والجهر بها وسجود السهو وفعل التسليم الواحد والذي ينفرد به المأموم سقوط فرض القراءة والجهر بها وسجود السهو وفعل التسليمة الثانية ونحن نذكر صفة أداء الصلاة كلها على سياقه وإن طال يتضح به ما ذكرناه.
فنقول والله الموفق: إن وجوب استقبال القبلة واعتقاد نية الفريضة يستوي فيه الصلوات كلها والمصلون كلهم وينفرد المأموم باعتقاد نية الائتمام ولا يلزم الإمام أن ينوي الإمامة إلا في الجمعة وصلاة الخوف ولا يجوز للمأموم أن يخالف الإمام في اعتقاد نية الفرض ولا في النفل ولا في عين الصلاة التي يأتم به فيها إلا أن يكون المأموم متنفلًا فله أن يأتم بمفترض.
ومن أحرم لصلاة الصبح يرفع يديه حذو منكبيه والإمام والمنفرد يعقبان التكبير بقراءة أم القرآن وسورة من الطوال جهرًا على ما قدمناه في كلتي الركعتين والمأموم سنته بعد التكبير الإنصات والاستماع ومن لا يحسن أم القرآن صلى خلف من يحسنها فإن لم يقدر كبر واعتدل وسبح إن أحسن ثم ركع ولا يجزئه أن يقوم من يحسنها وعليه أن يأتم به إلا ألا يصلح للإمامة ويجوز أن يؤم مثله ومن فرغ منهم من قراءة أم القرآن أمن المنفرد والمأموم والأفضل للإمام الإجزاء
[ ١ / ٤٥ ]
بتأمين المأموم والاختيار إخفاء التأمين وإذا فرغ من القراءة كبروا والركوع واعتدلوا فيه ورفع جميعهم منه.
فأما الإمام فيقول إذا رفع رأسه سمع الله لمن حمده ولا يقول ربنا ولك الحمد والمأموم لا يقول سمع الله لمن حمده ويقول اللهم ربنا ولك الحمد والمنفرد يجمع الأمرين ثم يكبر للسجود ويجلس منه ثم يسجد الثانية فإذا هوى للسجود فإن شاء وضع يديه قبل ركبتيه أو ركبتيه قبل يديه إلا أن وضع اليدين ابتداء أحسن وينهض من السجود قائمًا لا يقعد ثم يقوم إلا أن يضطر إلى ذلك لمرض أو ضعف ويفعل في الثانية من القراءة ما يفعل في الأولى إلا أنه يقنت إن شاء قبل الركوع وإن شاء بعده واختار مالك ﵀ قبله من غير تضييق.
ودعاء القنوت على نحو ما ورد في الحديث:
"اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونخنع لك ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفذ نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق".
"اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وقنا شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك ولا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت وتعاليت".
هذه الألفاظ وما يقاربها وإن كانت في نفسه حاجة دعا الله تعالى بها وكل ذلك سر ثم يركع ويسجد ويجلس على ما بيناه.
فإذا فرغ من تشهده سلم الإمام والمنفرد واحدة والمأموم اثنتين ينوي بالأولى التحليل وبالثانية الرد على الإمام وإن كان على يساره من يسلم عليه نوى الرد عليه.
[ ١ / ٤٦ ]
فأما الظهر فليست تفارق الصبح في الأداء إلا في الإسرار والاختيار للمأموم أن يقرأ إذا أسر إمامه ويؤمن الإمام فيما يسر فيه ويكبر القائم من اثنتين بعد اعتداله في القيام بخلاف التكبير في سائر أفعال الصلاة التي يأتي بها مع الشروع في الفعل.
والسنة الجهر في المغرب والعشاء في الركعتين الأوليين منهما وكل صلاة تزيد على الركعتين فالسنة فيها قراءة سورة مع أم الكتاب في الركعتين الأوليين منها والاقتصار على أم الكتاب في الأخيرتين.
وعورة الرجل المخاطب يسترها في الصلاة مع سرته إلى ركبتيه.
وكذلك الأمة وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين وتجزيء الصلاة في ثوب واحد إلا أنه يكره له أن يعري كتفيه من رداء أو ما يقوم مقامه في الجماعة وله أن يتقى بثوبه الحر والبرد وأذى الأرض وليس له كفت ثوبه ولا شعره عند الصلاة إلا أن يكون في صنعة صادفته الصلاة عليها فلا يكره له ويكره له التلثم والإقناع وزيادة الانحناء عن التعديل في الركوع.
[ ١ / ٤٧ ]
باب السهو وما يفسد الصلاة وما يتصل بذلك
السهو يقع على وجهين: بنقصان وبزيادة وله سجدتان كثر أم قل كان من أحد الوجهين أو كليهما ويؤخر سجوده إلى آخر الصلاة فيؤتي بهما في
[ ١ / ٤٧ ]
النقصان قبل السلام وفي الزيادة بعده وفي اجتماعهما يغلب النقصان فيسجد قبل السلام ويكبر لهما في ابتدائهما والرفع منهما ويتشهد للتين بعد السلام ويسلم وأما اللتان قبل السلام فإن السلام من الصلاة يكفى منهما وفي التشهد لهما روايتان فإن سها عنهما سجد اللتين بعد السلام متى ما ذكر وأما اللتان قبله فيسجدهما ما لم يطل أو ينتقض وضوؤه وإن كان ذلك أعاد الصلاة.
فصل
والمتروك بالسهو أربعة أنواع فريضة وسنة وفضيلة وهيئة ولا يسجد لشيء من ذلك إلا للسنة وحدها فأما الفريضة فلا يجزئ منها إلا الإتيان بها وقد بينا السنن فيما تقدم ومن لم يدر كم صلى بنى على يقينه وسجد بعد السلام إلا أن يكون ممن لا يقين له لاستنكاح الشكوك له وغلبتها عليه فلا يلزمه إلا غالب الظن ويستحب له السجود بعد السلام ولا يسجد المأموم لسهوه والإمام يحمله ويسجد هو مع الإمام في سهو الإمام أدركه أو سبقه به فإن سبقه به سجد معه إن كان قبل السلام وإن كان بعده انتظر إلى أن يفرغ من القضاء ثم يسلم ويسجد.
ومن قام من اثنتين قبل الجلوس رجع ما لم يعتدل قائمًا فإن اعتدل قائمًا مضى وسجد قبل السلام لأنه نقص فإن أخطأ فرجع جالسًا سجد بعد السلام لأنه زاد وقيل قبله لأنه زاد ونقص.
فصل
ويفسد الصلاة اثنتا عشرة خصلة قطع النية عنها جملة فأما تغييرها ونقلها فله تفصيل والردة وطروء الحدث على أي وجه كان من سهو أو عمد أو غلبة أو تعمد الكلام من غير إصلاحها ولا يفسدها سهو ولا عمده المقصود به إصلاحها ويفسدها ترك ركن من أركانها والعمل الكثير فيها من غير جنسها والقهقهة سهوًا أو عمدًا، وذكر صلاة يجب عليه ترتيبها وفساد صلاة الإمام لغير سهو وطروء النجاسة المقدور على إزالتها وانكشاف العورة المقدور على تغطيتها إذا تعمد ترك الإزالة أو لتغطيته في المجتمع عليه من ذلك فإن كان قدرًا مختلفا فيه سهل الأمر.
[ ١ / ٤٨ ]
باب الإمامة والجماعة وقضاء الفوائت والنوافل وأوقات النهي ومواضعه والجمع وما يتصل بذلك
ويقدم في الإمامة كل من كان أفضل والفقيه أولى من القاريء ولا تجوز إمامة الفاسق ولا المرأة ولا الصبي إلا في نافلة فتجوز دون المرأة ولا العبد
[ ١ / ٤٨ ]
في الجمعة ومقامات المأموم مع الإمام أربعة أحدها عن يمين الإمام وذك الرجل وحده والثاني خلفه وذلك للرجلين فأكثر وللرجل والصبي العاقل يثبت والمرأة وحدها وجماعة النساء إذا لم يكن معهن رجل والثالث صفوف خلفه لا صف واحد وذلك للرجلين فأكثر وإن كان معها امرأة أو نساء فإن الرجال يقومون صفًا واحدًا خلف الإمام والنساء خلفهم والرابعة إلى جنبه أو خلفه وذلك لرجل واحد والمرأة أو جماعة النساء فإن الرجل يكون عن يمين الإمام والنساء خلفه.
فصل
والجماعة في غير الجمعة مندوب إليها متأكد الفضيلة ويستحب للمنفرد إعادة ما عدا المغرب في الجماعة والترتيب في الفوائت واجب بالذكر في الخمس فدون وهي أولى عند ضيق الوقت من الحاضرة ويقضيها على صفة أدائها ومن فاته بعض الصلاة قضى أولها كما فعل الإمام والنوافل ضربان منها ما له وقت مرتب وهو ما لا سبب له سوى وقته ومنها ما يتعلق بسبب فهو تابع له ولا يتعلق بالوقت ومنها مبتدأ لا سبب له.
المتعلق بالأوقات منها صلاة العيدين والوتر وركعتي الفجر والمتعلق بسبب فصلاة الكسوف والاستسقاء وسجود القرآن وتحية المسجد والركوع عند الإحرام وركوع الطواف ويلحق بالأول قيام رمضان وقيام الليل والركوع قبل العصر وبعد المغرب.
فصل
فأما صلاة العيدين والكسوف والاستسقاء فتذكر في مواضعها وأما الوتر فسنته بعد العشاء الآخرة وهو ركعة بعد شفع منفصلة عنه وأما سجود القرآن فعزائمه إحدى عشرة سجدة أولها خاتمة الأعراف وثانيها في الرعد عند قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ١٥] وثالثها في النحل عند قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ﴾ [الرعد:٥٠] ورابعها في بني إسرائيل عند قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الاسراء: الآية
[ ١ / ٤٩ ]
١٠٩] وخامسها في مريم عند قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم الآية: ٥٨] وسادسها في الحج عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج الآية: ١٨] وسابعها في الفرقان عند قوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفقان الآية: ٦٠] وثامنها في النمل عند قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل الآية: ٢٦] وتاسعها في ألم تنزيل عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة الاية: ١٥] وعاشرها في سورة ص عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص الآية: ٢٤] والحادية عشر في فصلت عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت الآية: ٣٧] وقيل: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت الآية: ٣٨] وليس في المفصل منها شيء ويسجدها من قرأها في صلاة فرض أو نفل واختلف عنه في فعلها في الأوقات المنهي عنها.
والأوقات التي نهي عن التنفل فيها وقتان بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع فأما الأحوال التي نهي عن التنفل فيها فنخص ولا نعم كحال خطبة الإمام وشروعه في الصلاة وغير ذلك والاختيار في التنفل مثنى مثنى والجهر بالقراءة فيها جائز ليلا ونهارا.
فصل
وتكره الصلاة في معاطن الإبل وفي البيع والكنائس والفرض داخل البيت عند مالك وعلى ظهره وتجوز الصلاة في مراح البقر والغنم ويجوز الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت أيتهما شاء إذا جد به السير والاستحباب في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية، وذلك في الظهر والعصر وفي المغرب والعشاء ولا يتنفل بينهما ويجوز في الحضر لعذر المطر في المغرب والعشاء دون الظهر والعصر.
فصل
ومن رعف في صلاته فإن كان يسيرا فتله وتمادى وإن كان كثيرًا نظر فإن كان قبل تمام الركعة بسجدتيها قطع ومضى فغسل الدم واستأنف وإن كان بعد
[ ١ / ٥٠ ]
عقد ركعة واحدة بسجدتيها فهو مخير إن شاء قطع وإن شاء مضي فغسل الدم في أقرب موضع اليد وبنى وهذا للمأموم واختلف في المنفرد.
فصل
وصلاة المريض بحسب إمكانه ولا يسقط عنه ما يقدر عليه لعجزه عن غيره ويختار له أن يجلس متربعًا ويثني رجليه في السجود فإن لم يقدر على السجود أومأ وجعله أخفض من الركوع فإن عجز عن الجلوس اضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فإن لم يتمكن من ذلك فعلى ظهره ويقف المصلي خلف الصفوف وحده إذا لم يجد في الصف موضعًا ولا يجبذ إليه أحد من الصف ولا ينتظر الإمام لمن سمع حسه ولا يقطع الصلاة مرور شيء بين يدي المصلي.
فصل
ويستحب للمصلي في الفضاء أن تكون بين يديه لديه سترة تحول بينه وبين المارين وقدرها عظم الذراع في غلظ الرمح.
[ ١ / ٥١ ]
باب في قصر الصلاة في السفر
القصر في الصلاة الرباعية، لأن المغرب لا تنصف والفجر لو قصرت لكانت ركعة وذلك ممنوع وأداؤها على صفة أداء التامة إلا في الإتمام وحد سفر القصر ثمانية وأربعون ميلًا وفي البحر يوم تام.
والأظهر من المذهب أن القصر سنة والإتمام مكروه فإن كان خلف مقيم فليتسبقه وإن كان خلف مسافر فأتم فلا يتبعه ويستمر المسافر على القصر وإن عرضت له إقامة ما لم يبلغ بعزيمته أربعة أيام بلياليهن فإن بلغته أتم ولا يقصر حتى يفارق بلده ويخلفه وراء ظهره وفي عوده حتي ينتهي إلى الموضع الذي بدأ منه ولا يقصر العاصي بالسفر وإذا فرغ من صلاة مقصورة ثم عزم على الإقامة لم تلزمه إعادة وإن عزم على ذلك في الصلاة جعلها نافلة وابتدأها تامة.
[ ١ / ٥١ ]
باب الجمعة
وهي فرض على الأعيان وشروط وجوبها ستة: البلوغ والعقل والذكورية والحرية والإقامة وموضع يستوطن فيه ويكون محلًا للإقامة به يمكن
[ ١ / ٥١ ]
الثواء فيه بلدًا كان أو قرية وشروط أدائها ستة الإسلام وما يعتبر في سائر الصلوات من الطهارة والستر وإمام وجماعة ولا حد لهذه الجماعة إلا أن يكونوا عددًا تتقرى بهم قرية ومسجد وخطبة وليس من شرطها أن يقيمها سلطان ولا أن يكون العدد أربعين ويجب على من كان خارج المصر المجيء إليها من ثلاثة أميال أو ما يقاربها ووقتها وقت الظهر ولها أذانان عند الزوال وعند جلوس الإمام على المنبر ويؤذن لها على المنارة لا جمعًا بين يدي الإمام والخطبة فيها قبل الصلاة يجلس أولها وبعد الفراغ من الأولى ويخطب متوكئا على قوس أو عصا ولا يسلم.
والأفضل أن يكون متطهرًا وينصت له ولا يركع من دخل والإمام يخطب ثم يقام لها عند الفراغ من الخطبة الثانية وعدد ركعاتها ركعتان بجهرة كلتيهما ويقرأ في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالأعلى أو بالمنافقين وتدرك بقدر ركعة من فعلها أو وقتها ويكره السفر قبل الزوال من يومها ويحرم بعد البيع، ومن سننها المؤكدة الغسل متصلًا بالرواح ولا يجمع إلا في موضع واحد، ولا يصلى الظهر من فاتته في جماعة إلا أن يظهر عذره.
[ ١ / ٥٢ ]
باب صلاة الخوف
قولنا: صلاو الخوف عبارة عن صفة أداء الصلاة في حال الخوف، وهي الصلاة تحضر والمسلمون منصدون لحرب العدو فيقسم الإمام المعسكر فريقين فريق يصلي معه والآخر بإزاء العدو فيصليها بأذان وإقامة ويصلي بالطائفة التي معه نصف الصلاة فإن كان في حضر وكانت ظهرًا أو عصرًا أو عشاء صلى بهم ركعتين فإذا فرغ من تشهده قام إلى الثالثة وفي رواية أخرى
[ ١ / ٥٢ ]
يشير إليهم فيتمون لأنفسهم ما بقي عليهم من الصلاة وإن كان في سفر فإذا رفع رأسه من سجود الركعة الأولى وقام إلى الثانية أخذوا في إتمام صلاتهم فإذا فرغوا مضوا وكانوا مقام الفرقة الأخرى ثم جاءت تلك فيصلي بهم ما بقي في تلك الصلاة من ركعة أو ركعتين ثم يسلم ثم يتمون بقية صلاتهم وفي المغرب يصلي بالأولى ركعتين ثم يشير إليهم بعد فراغه من تشهده في إحدى الروايتين وفي الرواية الأخري يقوم إلى الثالثة ويصليها على حسب ما كان يصليها قبل ذلك من جهل أو أسرار وهذا مع التمكن.
وأما إن اشتد خوفهم ولم يمكنهم العدو أو كانوا في حال المسايفة صلوا بحسب الإمكان.
[ ١ / ٥٣ ]
باب صلاة العيدين
وصلاة العيدين سنة واجبة وقتها إذا أشرقت الشمس وسنتها المصلى دون المسجد إلا في حالة العذر ووقت الغدو إليها بحسب قرب المسافة من المصلي وبعدها.
ويستحب في الفطر الأكل قبل الغدو إلى المصلى وفي الأضحى تأخيره إلى الرجوع من المصلي ومن سننها الغسل والطيب والزينة وإظهار التكبير في المشي والجلوس والتكبير بتكبير الإمام والرجوع من غير الطريق الذي مضي فيه.
وهي ركعتان يزاد في الأولى ست تكبيرات بعد الإحرام وفي الثانية خمس بعد تكبيرة القيام وهي فيما عدا ذلك ركعتان كسائر الصلوات يجهر فيهما بالقراءة بسبح والغاشية ونحوهما ولا أذان فيهما ولا إقامة والخطبة فيهما بعد الصلاة خطبتان كخطبتي الجمعة إلا أنه يكبر في تضاعيفهما ثم صفتهما في الأداء كصفة خطبتي الجمعة من جلوس متقدم ومتوسط وما يتوكأ عليه ويكبر خلف الصلوات يبدأ بالظهر من يوم النحر ويقطع إذا كبر عقيب الصبح من رابعه وهي خمس عشرة صلاة ولفظه الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وإن شاء قال الله أكبر الله أكبر ثلاثًا نسقًا.
[ ١ / ٥٣ ]
باب صلاة الكسوف
وصلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة وصفتها أن يدخل المسجد بغير أذان ولا إقامة فيكبر للإحرام ثم يقرأ سرًا بأم القرآن وسورة ويستحب له إطالتها ما لم يضر بمن خلفه إن كان إمامًا ثم يركع ويطيل ركوعه نحو من قراءته ثم يرفع رأسه قائلًا سمع الله لمن حمده ثم يقرأ بأم القرآن وسورة طويلة دون ما تقدم في الطول ثم يركع بقدر قراءته ثم يرفع قائلًا سمع الله لمن حمده ثم يسجد سجدتين كسائر الصلوات ثم يأتي بمثل ما أتي به في الأولى ثم يتشهد ويسلم فيذكر ويعظ ويخوف من غير خطبة مرتبة ولا اجتماع لخسوف القمر ويصلي له الناس أفذاذًا ركعتين كسائر النوافل.
[ ١ / ٥٤ ]
باب صلاة الاستسقاء
وصلاة الاستسقاء سنة تفعل عند تأخير المطر والحاجة إليه ومن سننها المصلى والخطبة ويخرج الإمام والناس معه متخشعين متواضعين غير مظهري زينة ويقدم الصلاة على الخطبة ويؤذن لها ولا يقام وهي ركعتان كسائر الصلوات يكبر فيها التكبير المعهود ويجهر بالقراءة بسبح ونحوها إذا فرغ صعد المنبر متوكئًا على قوس أو عصى فيجلس فإذا أخذ الناس مجالسهم قام فخطب وأكثر من الاستغفار ثم يجلس ثم يقوم فيخطب الثانية فإذا فرغ استقبل القبلة وحول رداءه فيجعل ما على يمينه على شماله وما على شمال على يمينه ولا ينكسه ثم يدعو الله تعالى بما تيسر له وهو قائم والناس جلوس وإن احتج إلى تكرار الخروج لصلاة الاستسقاء لتأخير المطر جاز وفعل في كل مرة مثل ما ذكرناه وليس من سننها تقديم صوم أو صدقة على فعلها ولا يمنع من تطوع به.
[ ١ / ٥٤ ]
كتاب الجنائز
مدخل
كتاب الجنائز
وغسل الميت المسلم واجب وصفته كصفة غسل الجنابة ويجتهد في تنظيفه وإزالة الأذي عنه على الميسور ويستحب الوتر على قدر ما يحتاج إليه بماء وسدر ويجعل في الآخرة كافور وتنزع ثيابه وتستر عورته وإن احتج إلى مباشرتها فبخرقة إلا أن يضطر إلى إخراج شيء بيده فيجوز ويعصر بطنه عصرًا خفيفًا ليخرج ما هناك من أذي ويرفق به في كل ذلك ولا يزال عنه شيء من خلقته من ظفر أو شعر من عانة أو غيرها ويغسل كل واحد من الزوجين صاحبه ولا يغسل من لا رجعة له عليها وفي الرجعية روايتان ويغسل الرجل أمته التي يحل له وطئها ومدبرته وأم ولده وكل من مكان يستبيحه إلى موته ويغسل ذوو المحارم بعضهم بعضًا من الرجال والنساء الرجل للرجل وكذلك المرأة للمرأة.
والرجل إذا لم يكن من يلي ذلك من الأجانب يغسل الرجل المرأة منهن في ثيابها ولا يغسل الرجل الأجنبية ولا المرأة الأجنبي فإن كانوا في سفر ولم يجدوا من يغسل يمم الرجل وجهه ويداه إلى المرفقين والمرأة إلى كفيها
[ ١ / ٥٥ ]
ويستحب الاغتسال من غسل الميت ومن مات له نسيب كافر خلا بينه وبين أهل ذمته فإن لم يجد من يكفنه لفه في شيء وواراه ولا يغسله ولا يصلي عليه.
فصل
والكفن والحنوط من رأس المال ويستحب في الكفن الوتر والبياض ويجوز فيه اللبيس ويجوز في الحنوط المسك والكافور وكل الطيب وتعتمد به مفاصله ومواضع سجوده.
فصل
والصلاة على الميت المسلم واجبة وهي من فروض الكفايات لا تجزيء إلا بطهارة كسائر الصلوات يكبر فيها أربعًا يدعو بين التكبيرات من غير قراءة بأم القرآن ولا غيرها وليس فيها إلا الاجتهاد بالدعاء وهي جائزة في كل الأوقات وبعد العصر ما لم تصفر الشمس وإلا تصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها إلا أن يخاف تغييرها ولا تترك الصلاة على مسلم إلا أن أهل الفضل يجتنبون الصلاة على المبتدعة والبغاة ويجتنب الإمام خاصة الصلاة على من قتله في حد من لم يعلم حياته من الأجنة بصراخ أو ما يقوم مقامه من طول مكثه لم يغسل ولم يصل عليه ولا اعتبار بحركته إذا لم يقارنها طول إقامة ولا يغسل الشهيد في المعترك ولا يصلي عليه ويدفن في ثيابه وكذلك إن حمل جريحًا ثم مات في العمرة ويصلي على كل الشهداء سواه.
فصل
والصلاة إلى الأئمة ثم العصبة ولا ولاية فيها للزواج ولذي رحم غير عصبته وأولادهم الابن ثم ابنه ثم الأب ثم الأخ الشقيق ثم الأخ للأب ثم أبناءهم على هذا الترتيب ثم الجد ثم العمومة ثم بنوهم على ترتيب الإخوة ولا تعاد الصلاة
[ ١ / ٥٦ ]
على ميت إذا سقط فرضها لا قبل الدفن ولا بعده وإذا اجتمعت جنائز رجال ونساء وصلى عليها صلاة واحدة وقدم إلى الإمام الرجل وبعده إلى القبلة المرأة وإن كان معها صبي جعل بعد الرجل والمرأة بعد الصبي واللحد أفضل من الشق مع القدرة عليه ويجعل الميت على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فإن تعذر ذلك جعلت رجلاه في القبلة واستقبلها بوجهه وليس لعدد من يتولا ذلك حد سوى الكفاية.
[ ١ / ٥٧ ]
كتاب الزكاة
مدخل
كتاب الزكاة الزكاة
من فروض الدين وأركانه وهي من حقوق الأموال تتعلق بثلاثة أشياء بمالك وملك ومملوك فصفة المالك أن يكون من أهل الطهرة وهم المسلمون كانوا كبارًا أو صغارًا ذكورًا وإناثًا وصفة الملك أن يكون تامًا غير ناقص وفائدة ذلك ألا يكون لغير مالكه انتزاعه من مالكه في أصله وأن يكون مالكه حرًا لا رق فيه.
وأما صفة المملوك فكل عين جاز بيعها جاز تعلق الزكاة بها فإذا ثبت هذا فالزكاة تتعلق بالمال على وجهين زكاة عين وزكاة قيمة فزكاة العين في ثلاثة أنواع وهي الذهب والورق والمواشي والحرث ولا تجب فيما سوى ذلك
[ ١ / ٥٨ ]
من لؤلؤ أو جوهر أو طيب ولا في خيل ولا رقيق ولا عسل ولا في لبن ولا في شيء سوى ما ذكرناه إلا أن يكون للتجارة فتجب فيه زكاة القيمة دون زكاة العين على ما نذكره.
فصل
فأما زكاة العين التي من الذهب والفضة فلها شرطان نصاب وحول فالنصاب شرط في جميع أنواعها والحول يخص ما سوى المعدن منها على ما نذكره ونصاب الذهب عشرون دينارًا وازنة وما يجوز جوازها من النقصان الذي لا يتشاح الناس في مثله عادة ونصاب الورق مئتا درهم وازنة أو ناقصة على سبيل ما قدمناه وفي كل واحد ربع عشر وهو نصف دينار من الذهب أو خمسة دراهم من الورق وما زاد عليه فبحسابه في كل ممكن وتجب في أنواع كل جنس من غير اعتبار بصفته من جودة أو ردأة أو تبر أو مضروب أو غلة أو صحاح الإأن يكون مصوغًا.
والمصوغ على خمسة أوجه منها الأواني المنهى عن أستعمالها واتخاذها ومنها الحلبي للتجارة ومنها المصوغ لإحراز المال وحفظه ومنها الحلي الملبوس على الوجه المباح ومنها المتخذ للكراء وفي جميعها الزكاة إلا في الملبوس وفي حلي الكراء خلاف.
[ ١ / ٥٩ ]
ويجمع بين الذهب والفضة على تعديل المثقال بعشرة دراهم ويخرج عن كل جنس منه وله أن يخرج من أحد الجنسين عن الآخر بالقيمة إلا أن ينقص عن التعديل ولا يجوز تقديم زكاة قبل وجوبها. والفوائد نوعان: نماء من نفس المال وفائدة بوجه غير النماء فما كان من نماء المال فحكمه حكم أصله يزكى لحوله كان الأصل نصابًا أو دونه إذا أتم نصابًا بربحه وما سوى النماء كالميراث والهبة لا يضم إلى النصاب الذي ليس منه فإن كان الأول أقل من نصاب وإن ضم إلى الثاني كان نصابًا أو كان الثاني نصابًا ضم الأول إلى الثاني واستقبل بهما الحول.
وإذا وجبت الزكاة فلم يخرجها حتى تلف المال لم يضمن إلا أن يكون أخرها مع الإمكان والدين مسقط للزكاة على قدرها ما يقابله من العين إلا أن يكون هناك عروض تباح فيه فتجعل بإزائه ولا يسقطها في الحرث والماشية.
فصل
فأما زكاة القيمة فهي عرض ابتيع بنية التجارة والعرض هو ما لا زكاة في عينه من الأمتعة والعقار والمأكول والحيوان وغير ذلك فما ابتيع بذلك
[ ١ / ٦٠ ]
بنية القنية أو بغير نية التجارة فلا شيء فيه ولا في ثمنه إبيع وما اشتري بنية التجارة ففيه الزكاة إذا بيع فإن أقام أعواما فلا شيء فيه ما دام عرضًا ولا يقوم في كل سنة فإذا بيع زكى ثمنه لسنة واحدة ومن ملك عرضًا بميراث أو بهبة أو بمعاضة بعرض مثله لقنية فلا زكاة فيه ويستقبل بثمنة حولا.
فصل
والديون على ثلاثة أضرب دين مدين يذكر فيما بعد ودين غير مدين فلا زكاة فيه ما دام دينًا فإذا قبض فهو على ضربين منه ما يكون أصله عينًا فذلك يزكي لسنة واحدة وإن أقام أعوامًا ومنه ما ملك دينًا من غير أن يكون أصله عينًا مثل الميراث والهبة وابتياعه بغرض قنية فلا زكاة فيه ويستقبل به حولًا ولا زكاة فيما يقبض إلا أن يكون نصابًا أو يكون عنده مما حال عليه الحول مما يتم مع ما قبضه نصابًا أو يكون مما يتم نصابًا من معدن ثم يزكي عما قبض من بعد قل أو كثر.
فصل
والمزكون ضربان عارف بحول أمواله وقد ذكرنا حكمه ومدير لا يعرف حول ماله ولا ينضبط له كسائر التجار الذين يريدون البيع والشراء فلا يتحصل لهم حول يعولون عليه فالوجه في زكاة من هذه صفته أن يكون له شهر من السنة يعرف فيه ما معه من العين ويقوم ما عنده من العروض بحسب ماله من دين يرتجيه فإذا عرف ذلك نظر فإن كان عليه دين أسقط مقابله ثم زكى عما فضل عنه إن كان نصابا.
فصل
وتجب الزكاة في معادن الذهب والفضة فقط ومن شرطها النصاب وليس من شرطها الحول ويبني فيها ما خرج من النيل الواحد بعضه على بعض ولكل نيل حكمه وما خرج بغير كلفة ولا كبير مؤنة كالندرة ففيه الخمس
[ ١ / ٦١ ]
ولا زكاة في الركاز وفيه الخمس في عينه وعروضه في قليله وكثيره وهو دفن الجاهلية.
[ ١ / ٦٢ ]
باب زكاة المواشي
وتجب زكاة الماشية بثلاثة شروط وهي الحول والنصاب أو مجيء الساعي ولا زكاة في الإبل حتي يبلغ خمس ذود ففيها شاة فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه والغنم المأخوذة فيها من غالب أغنام البلد ثم يزول فرض الغنم ويؤخذ عنهما من جنسها ففي خمس وعشرين بنت مخاض وهي التي قد دخلت في السنة الثانية إلى استكمالها فإن لم تكن فيها فابن لبون ذكر فإن عدما لم يجزأه إلا بنت مخاض فإذا بلغت ستًا وثلاثين ففيها بنت لبون أو ولد اللبون هو الذي قد دخل في السنة الثالثة إلى استكمالها.
[ ١ / ٦٢ ]
فإذا بلغت ستًا وأربعين ففيها حقة وهي التي قد دخلت في السنة الرابعة إلى استكمالها وسميت بذلك لاستحقاقها أن يطرقها الفحل وصلحت للحمل فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة وهي بنت خمس سنين إلى تمامها وهي آخر سن تجب في الزكاة فإذا بلغت ستًا وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائة وعشرين فما زاد ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون ويتغير الفرض بزيادة عشر وفي تغييره بما دونها خلاف فإذا قيل يتغير فالتخيير للساعي بين حقتين وبين ثلاث بنات مالك ﵀ وإلى ثلاث بنات لبون قطعًا عند ابن القاسم ثم هي على هذا الحساب إلى مائتين فيخير الساعي في السنين.
فصل
ولا زكاة في البقر حتى تبلغ ثلاثين فيكون فيها تبيع جدع أو جذعة وسنه سنتان إلى أربعين فيكون فيها مسنة ولا يؤخذ إلى الأنثى وسننها أربع سنين ثم ما زاد ففي كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة إلى مائة وعشرين فيكون الساعي مخيرًا في السنين.
[ ١ / ٦٣ ]
فصل
ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين ففيها شاة جذعة أو ثنية من غالبها فإن تساوت فمن واحدة منهما ثم لا شيء فيها حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان إلى مائتين وشاة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة وتسعة وتسعين فيؤخذ منها فيما بعد عى حساب كل مائة شاة.
ويضم أنواع كل جنس من الماشية بعضها إلى بعض كالبخت والعراب من الإبل والجواميس إلى البقر والضأن والمعز في الغنم والعاملة والسائمة سواء وتضم فصلان الإبل إلى أمهاتها وكذلك عجاجيل البقر وسخال الغنم كانت الأمهات نصابًا أو دونه فإذا كملت بالسخال نصابًا فتزكي بحول الأمهات بقيت الأمهات أو ماتت جميعها أو بعضها إذا كان الباقي منها نصابًا من أيها كان.
ويضم ما استفاد إليها من غير نمائها إلى نصاب إن كان عنده منها فيزكى بحوله ولا شيء في الأوقاص والوقص ما بين النصابين ولا يؤخذ في زكاة الماشية كرائمها إلا أن يتطوع بها أربابها وهي المواخض واللوابن والأكولة والفحولة المعدة للضراب ولا يؤخذ ألائمها وهي التيس
[ ١ / ٦٤ ]
والمريضة وذات العيب إلا أن يكون نظرًا ومن لم يكن عنده السن الوسط كلف شراؤها.
فصل
وللخلطة في الماشية ثأثير في الزكاة وتأثيرها هو أن المالكين يزكيان زكاة المالك الواحد إذا كان لكل واحد نصاب كامل اختلطا في جميع الحول أو في بعضه إذا بقيا على الخلطة إلى آخره وصفة تأثيرها أن يكون للاثنين ثمانون شاة لكل واحدة أربعون فيأخذ الساعي منها شاتين وإن كانت مائة وعشرين لثلاثة فثلاث شياة هذا إذا كانوا مفترقين فإن اختلطوا أخذ عن الثمانين شاة واحدة وكذلك عن المائة والعشرين وتأثيرها في هاذين الموضعين التخفيف وقد تؤثر التثقيل وهو أن يكون للاثنين مائتان وشاة وفيؤخذ منها ثلاث شياه ولا يجوز للمختلطين أن ينفردا ولا للمنفردين أن يختلطا خيفة ذلك فإن علم ذلك منهما أخذًا بما كان عليه قبل ذلك.
وما به يكونان مختلطين هو أن يجتمعا في الراعي والمرعي والفحل والدلو والمسرح والمبيت فقيل يراعي اجتماعها في أكثرها وقيل في وصفين منها وقيل في الراعي واحد وقيل في الراعي والمرعى ولا خلطة في غير المواشي ومن أبدل جنسًا من أموال الزكاة بجنسه لم تسقط الزكاة عليه كان بنوعه أو بخلافه وفي العين خاصة إبداله الذهب بالورق والورق بالذهب كإبداله بجنسه ولا يخرج في الزكاة قيمة ولا يجوز إلا العين الواجبة.
[ ١ / ٦٥ ]
باب زكاة الحرث
وشرطها النصاب دون الحول وهي واجبة في المقتات والمدخر للعيش غالبًا وما يجري مجراه وهو نوعان حبوب وثمار فالحبوب البر ولاشعير والأرز والذرة والدخن
[ ١ / ٦٥ ]
والسلت وسائر القطاني وهي الحمص واللوبيا والعدس والفول والسمسم والترمس والجلبان والبسلة وحب الفجل وما قارب ذلك والثمار ثلاثة أنواع التمر والزبيب والزيتون وتجب الزكاة بطيب الثمر ويبسي الزرع وفي كل جنس منفرد بنفسه لا يضم إليه إلا أنواعه دون جنس غيره إلا شيئين الحنطة يضم إليها الشعير والسلت وضم بعض القطاني إلى بعض مختلف فيه والمذهب وجوبه وإذا كانت الثمرة نوعًا واحدًا أخذت الزكاة منها جيدًا كان أو رديئًا وإن كانت نوعين أخذ من كل واحد بقدره فإن كانت ثلاثة أنواع أخذ الوسط منها وقيل من كل واحد بقدره والنصاب خمسة أوسق والوسق ستون صاعًا والصاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث بالعراقي ويعرف جملة ذلك من ضم فصيله بعضه إلى بعض والواجب فيه معتبر بسقيه فإن كان شربه سيحًا أو بعلًا أو ماء السماء أو العيون ففيه العشر وإن كان نضحًا أو بدالية فنصف العشر وإن كان بهما فبأكثرها فإن استويا فثلاثة أرباع العشر.
[ ١ / ٦٦ ]
فصل
ويخرص الرطب والعنب فما بلغ نصابًا ثمره وزبيبه ففيه الزكاة وما قصر عن ذلك فلا شيء فيه ولا تضر مخالفة الوجود للخرص وما لا يثمر من الرطب أو لا يزبب من العنب فيخرص على تقدير لو تأتي فيه ويخرج عنه من مثله ويجزئ من ثمنه ولا زكاة فيما أنبتت الأرض من المقتات كالبقول والخضروات وما لا يدخر من الفواكه وغيرها وإذا لم تجب في غير المقتات فوجوبها في غير المأكول أبعد.
[ ١ / ٦٧ ]
باب زكاة الفطر
تلزم الرجل عن نفسه وعن من تلزمه نفقته من المسلمين من ولد صغير لا مال له أو كبير زمن فقير أو زوجته أو عبده وعن والديه إذا لزمته نفقاتهما ويلزم إخراجها عن العبد المشترك بقدر الحصص وعن من بعضه حر وعلى من له فيه بقية رق بقدرة ولا شيء على العبد في نصيبه الحر وقيل عليه بقدره وقدرها صاع من غالب قوت البلد من الأقوات العامة من الحبوب والثمار كالحنطة والشعير والسلت والدخن والذرة والأرز وما أشبه ذلك كالتمر والزبيب ولا ينقص عن صاع من أيها أخرجت وتجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان وقيل بطلوع الفجر من يوم الفطر ووقت استحبابها قبل الغدو إلى المصلى وتجب على من فضل عن قوته وقوت عياله بقدرها.
[ ١ / ٦٧ ]
باب في قسم الصدقات
مصرفها في الأصناف الثمانية وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل فالفقير من له بلغة لا تكفيه لعيشه والمسكين أحوج منه وهو الذي لا شيء له جملة والعاملون عليها جباتها وسعاتها والمؤلفة قلوبهم قوم كانوا في صدر الإسلام يتألفون بدفع سهم من الصدقات إليهم ينكف بإسلامهم غيرهم وقد أغنانا الله بحمده في هذا الوقت عنهم وفي الرقاب وهو أن
[ ١ / ٦٧ ]
يبتاع الإمام من أموال الصدقات رقابًا فيعتقهم عن المسلمين ويكون ولاؤهم للمسلمين.
والغارمون من أدان في غير سفه وفي سبيل الله الجهاد دون الحج وابن السبيل الغريب المنقطع عن ماله وإن كان غنيًا في بلده قسمها على الاجتهاد وعلى قدر الحاجة ويعطي العامل منها بقدر عمله ولا يجوز نقلها عن موضع وجوبها الإأن يكون بأهل البلد حاجة فادحة فإن نقلت مع الغناء عنها كره وجاز ويجوز أخذ الفقير منها وإن كان صانعًا بيده إلا أنه فقير في الحال ولا يجوز صرفها إلا إلى المسلمين ولا غير الأصناف المذكورة.
فصل
ويعشر أهل الذمة إذا اتجروا إلى غير بلادهم بعد أن يحصل لهم غرضهم من بيع وشراء أو أكثر في كل مدة ولا يقتصر على مرة في السنة والقدر المأخوذ منهم العشر إلا فيما حملوا من الزيت والحنطة إلى مكة والمدينة فيخفف عنهم بأخذ نصف العشر ليكثروا حملهم إليها وعبيدهم كأحرارهم وتجار أهل الحرب كتجار أهل الذمة وقيل ليس العشر لهم بمقدار.
[ ١ / ٦٨ ]
كتاب الصيام
مدخل
كتاب الصيام
الصوم الشرعي هو إمساك عن الأكل في جميع أجزاء النهار بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن فيما عدا أزمان الحيض والنفاس وأيام الأعياد والذي يجب الإمساك عنه في الصوم نوعان أحدهما إيصال شيء إلى داخل البدن والآخر إخراج شيء عنه فأما الذي يوصل إلى داخل البدن فما يصل إلى الحلق مما يساغ ويقع الاغتذاء به أو لايساغ أو يتطعم أو لا يتطعم وذلك كالطعام والشراب المغذين وكالدراهم والحصى وببلعهما وسائر الجامدات التي لا يتطعم ولا يساغ ولا يقع بها غذاء ومثلها الكحل والدهن والشموم وغير ذلك من المائعات والجامدات الواصلة إلى الحلق وصلت من مدخل الطعام والشراب أومن غير مدخلها من المنافذ كالعين والأنف والأذن وما ينحدر من الدماغ بعد وصوله من بعض هذه المنافذ.
والنوع الآخر إيلاج الذكر في قبل أو دبر قارنه أو إنزال أو لم يقارنه فأما ما يخرج من داخل البدن فنوعان إنزال الماء الدافق عن تلذذ ولا يحتاج أن نقول مما يمكن التحرز منه لأن ما لا يمكن ذلك فيه لا يصح الإمساك عنه والنوع
[ ١ / ٦٩ ]
الآخر عمد الاستقاء وإجهاد النفس فيه.
فصل
فأما ما يفسد الصوم فثلاثة أنواع أحدها إعراؤه مما اشترط فعله فيه من النية والإمساك من غير مراعاة لصفة تركه من عمد أو سهو أو تفريط أو عذر أو تقصر في اجتهاد وذلك كترك النية عمدًا أو سهوًا أو خطأ أو حرم الإمساك عن شيء مما ذكرناه عمدًا أو سهوًا أو خطأ كالمجتهد في دخول الليل أو طلوع الفجر يتبين له أنه أكل في الوقت الذي كان يلزمه الإمساك فيه.
والنوع الثاني ما يكون عن غلبة وهو ينقسم إلى ضربين ضرب منه لا يكون إلا كذلك فلا يصح وجوده إلا مفسدًا للصوم وذلك كالحيض والنفاس المانعين من ابتدائه وقد يمنعان من استصحابه على وجه والضرب الآخر يتصور وقوعه عن غلبة وعن اختيار وذلك كالأكل والشرب وغيرهما مما عددناه فيصح وقوعه اختيارًا وعمدًا.
وغلبته ضربان ضرب يكون غلبته تنافي الاختيار وذلك كالمكره على الأكل فيأكل خوفًا من القتل أو من الضرب المهدد به وضرب يكون غلبته مبتدأة بالإيقاع دون فعل من المكلف كإيجار الطعام والشراب في الحلق
[ ١ / ٧٠ ]
وكذرع القيء ويقرب من الضربين سبق الماء إلى الحلق عند المبالغة في الاستنشاق
والنوع الثالث لا يتصور وقوعه إلا عن اختياره وقصد وهو فعل ما ينافي القربة وذلك نوعان أحداهما الردة والآخر اعتقاد قطع النية وترك استدامتها فهذا جميع ما يفسد الصوم.
فصل
فأما ما يتعلق على ذلك من الأحكام فأربعة أضرب قضاء وكفارة وقطع متتابع وقطع نية وتفصيل ذلك يذكر فيما بعد.
فصل
والصوم ضربان: واجب ونفل والنية مستحقة في جميع أنواعهما يوقعها المكلف لكل يوم من كل نوع من ليلة ويستديمها إلى آخره حكمًا وليس عليه أن يستديم ذكرها فإن قطعها بطل صومه وأي وقت نوى من الليل جاز ولا يضره أن نام بعدها أو أكل أو جامع ذاكرًا لها أو ساهيًا عنها فإن طلع الفجر ولم ينو لم يصح منه صوم ذلك اليوم بنية يوقعها بعد الفجر وله في شهر رمضان أن يجمعه بنية واحدة ما لم يقطعه فيلزمه استئناف النية وجوز ذلك في شهري التتابع ولمن شأنه سرد الصوم استحسانًا والقياس منعه وصوم شهر رمضان واجب مفروض على أعيان وللعلم بدخوله ثلاث طرق رؤية الهلال أو الشهادة بها من رجلين عدلين والجنس والعدد مستحقان والعدد فيه فلا يقبل النساء ولا الواحد من الرجال فيه كانت السماء مصحية أو مغيمة
[ ١ / ٧١ ]
وإكمال عدة شعبان ثلاثين عند تعذر ما ذكرناه وليس من جهات العلم بدخوله قول منجم أو حاسب.
وإذا ترآى الناس الهلال فلم يروه فإن كانت السماء مصحية جاز أن يصام الغد أي أنواع الصوم كان ما عدا اعتقاد رمضان وجاز أن يفطر بدلًا من صومه وإن كانت السماء متغيبة وبات الناس على الشك فالاختيار إمساكه وترك صومه والأكل فيه من غير حظر كما يجوز مع الأصحاء ثم إن ثبت بعد طلوع فجره أن الهلال رئي في أمسه فلا يخلو المكلف من أحواله إما أن يكون أصبح ناويًا لصومه من رمضان قطعًا أو على الشك لينظر فإن ثبت من رمضان كان أداء وإلا كان تطوعًا أو أن يكون أصبح ناويًا غير ذلك من أنواع الصوم أو غير ناو لصوم أصلًا فأما من نوى صومه عن رمضان قطعا فإنه لا يجزئه وعليه قضاءه وأما من نواه من غير فلا يخلو أن يكون نواه عن واجب في الذمة أو عن واجب متعين أو عن تطوع فإن نواه عن واجب في الذمة كالقضاء والكفارة والنذر غير المعين فلا يجزئة عما كان نواه ولا ينقلب عن رمضان وعليه قضاؤه لرمضان وإعادته عن ما كان نواه من غيره وأما الناوي به واجبا متعينا كنادر صوم يوم الخميس أو غد الليلة التي يقدم فيها فلان أو غيره فيوافق ذلك اليوم تعين نذره فإنه لا يجزئه عنه ولا عن فرض يومه وعليه قضاؤه عن رمضان ولا قضاء عيله لفواته عن نذره.
وأما من أصبح غير ناو لصوم فلا يخلو أن يكون أكل أو لم يأكل فإن كان أكل كف بقية يومه وإن كان لم يأكل استدام الإمساك إلى انقضائه وعليه في الحالين قضاؤه على ما ذكرناه.
وتعين النية واجب لكل صوم واجب فإن أطلق النية لم يجزه فإن عينها عن نوع منه لم يخل أن يكون في رمضان أو في غيره فإن كان في رمضان لم يجزئه إلا أن يعينه عن الشهر نفسه فإن عين غيره لم يجزه عن رمضان ولا عن ما نواه وإن كان في غيره أجزأه عن ما عينه وإن جمع في بنيته بين وجهين مما يصح صوم اليوم عليه كان كمن لم ينو فلا يجزئه عن واحد منهما.
[ ١ / ٧٢ ]
فصل
وإذا لم ير هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان ثم رؤي من الغد كان الغد يوم رؤيته سواء رؤي قبل الزوال أو بعده ولم يكف الناس عن الأكل هذا هو الظاهر من المذهب.
ويلزم المنفرد برؤية الهلال ما يلزم من شورك في رؤيته من لزوم صومه ومنع فطره ووجوب الكفارة بتعمد إفساده أو ترك صومه من غير اعتبار بثبوته عند الإمام إلا أن عليه إعلامه برؤيته إن كان ممن يرى أنه تقبل شهادته ويلزم في الشهادة على هلال آخره ما يلزم في أوله فإن رؤي ثبت كون الغد من شوال وإن لم ير كان من رمضان ولزم صومه.
فإن ثبت رؤيته بعد الفجر أفطر الناس عند علمهم بذلك أي وقت من اليوم وصلوا العيد إن كان قبل الزوال وإن كان بعده لم يصلوا في بقية اليوم ولا في غده.
فصل
الأيام على خمسة أضرب منها ما لايصح صومه بوجه وهي يوما العيدين ومنها ما يصح صومه على وجه مخصوص وهي أيام التشريق للمتمتع دون غيره ومنها ما يصح أن يصام ويكره على وجه وهو ثالثها ومنها مستحق العين لصوم مخصوص لا يصح صومه عن غيره وهو زمان رمضان ومنها ما يصح صومه على كل وجه من أنواع الصيام سوي رمضان وهو ما عدا رمضان وأيام أعياد.
فأما زمان الحيض والنفاس فإن امتناع الصوم فيه ليس براجع إلى عينه وإنما يرجع إلى الصفة يكون المكلف عليها فيمتنع فيه ويصح في غيره.
فصل
ولا يفسد الصوم ذرع قيء ولا حجامة وإنما كرهت خوف التغرير ولا إصباح على جنابة في الليل وانقطاع دم حيض أو نفاس إذا نوى
[ ١ / ٧٣ ]
الصيام قبل الفجر وتأخر الغسل ولا ركوب مأثم لا يخرجه عن اعتقاد وجوبه ومضيه على نيته أو إمساكه كالغيبة والقذف ولا يكره للصائم السواك في أي أوقات اليوم كان إلا ما يرجع إلى نوع ما يستاك به دون الوقت كالرطب المتطعم خيفة وصول طعمه إلى الحلق ويكره له ذوق قدر ومحو مداد ومضغ علك فإن سلم من وصول شيء من ذلك إلى الحلق فلا شيء عليه.
فصل
والأحكام المتعلقة بإفساد الصوم أربعة وقد ذكرناها وهي القضاء والكفارة وقطع التتابع وقطع النية فأما القضاء فيختلف بحسب اختلاف أنواع الصوم ووجوه إفساده ولا يخلو الصوم المتروك أو المفسد من ثلاثة أقسام أما أن يكون واجبًا متعينًا أو واجبًا غير متعين أو تطوعًا والواجب المتعين ضربان ضرب متعين بتعين من الله تعالى وهو رمضان وقضاؤه ما بينه وبين رمضان ثان ومتعين بتعيين المكلف كنذر صوم يوم بعينه يتكرر أولا يتكرر واليوم الذي يقدم فيه فلان وما أشبه ذلك. فأما رمضان فيلزم قضاؤه بإفساده أو تركه على أي وجه كان جملة بغير تفصيل إلا على المنفذ الذي لا يستطيع صومه إلا بخوف التلف وأما المتعين سوي رمضان فيلزم قضاؤه مع عدم العذر في فطره ولا يلزم مع العذر الفاطر بالمرض والإكراه والإغماء والحيض والنفاس فإن لم يفعل لزمه قضاؤه وليس منه السفر.
وأما الواجب غير المتعين كالقضاؤه والكفارة والنذر المطلق فحكمه حكم رمضان نفسه وفي وجوب القضاء بما يوجب قضاءه بغير تفصيل.
وأما التطوع فواجب على الداخل فيه إتمامه وليس له قطعة إلا عذر ومع الأعذار التي ذكرناها لا يلزم قضاؤه ويلزم مع عدمها وفي السفر الطاريء عليه والمبتدأ فيه روايتان.
فصل
فأما الكفارة فضربان: كبرى وصغرى فأما الكبرى فلا تجب إلا في رمضان دون غيره من أنواع الصوم وتجب بالخروج عن صومه على وجه الهتك من كل معتقد لوجوبه من رجل أو امرأة لكل يوم كفارة ولا يسقطها عن يوم وجوبها في آخر من غير اعتبار بالأنواع التي يخرج عن الصوم بها من أكل أو اجماع أو غيره ولا بالوجه الذي يخرج عن الصوم من اعتقاد تركه أو بعد عقده بقطع
[ ١ / ٧٤ ]
نية أو إمساك ولا بطروء عذر بعد ذلك أو عدمه كمعتمد الفطر بمرض أو تحيض أو يسافر أو يجن.
فصل
والكفارة الكبرى لثلاثة أنواع إعتاق رقبة كاملة غير ملفقة مؤمنة محررة وتحريرها أن يبتديء إعتاقها من غير أن يكون مستحقًا بوجه سابق والصوم هو صوم شهرين متتابعين والإطعام هو لستين مسكينًا مدًا بمد النبي ﷺ وهي على التخيير دون الترتيب.
وأما الصغرى فهي إطعام مد عن كل يوم ولا تجب إلا على مؤخر قضاء رمضان إلى مجييء آخر من غير عذر دون مؤخرة لعذر متصل.
ولا تجب أيضًا على من أفطر في رمضان لعذر يسوغ له الفطر من أجل نفسه أو من أجل غيره سوى أنها تستحب للمرضع والهرم وأما قطع التتابع فهو أن يفطر لغير عذر أولعذر يمكنه دفعه كالسفر وأما ما لايمكنه دفعه من سهو أو مرض أو خطأ عد أو حيض أو نفاس فله البناء معه وأما قطع النية فهو إفساد الصوم أو تركه على الأطلاق لغذر أو لغير عذر أو بحصول الوجه الذي يسقط معه الانحتام وأن أثر الصوم معه كالسفر والمرض ولا يقطع استدامتها وإنما يقطع استصحاب ابتدائها.
فصل
وكل مسافر يجوز له قصر الصلاة فيه فإن انحتام صوم رمضان ساقط عنه في ذلك السفر وهو مخير بين صومه فيه أو فطره وقضائه وصومه أفضل ولا ينحتم عليه إلا بأن يقيم بعزيمته في موضع لا أهل له به أربعة أيام بلياليها.
فإن أقام هذا القدر أو طول مدة الشهر غير عازم على هذه المدة أو عازم على ما دونها فإنه على أصل التخيير والأعذار التي يسوغ معها الفطر في رمضان ضربان منها ما يجب الكف عن الطعام بزواله في بقية اليوم ومنها ما لا يجب ذلك فيه ويعتبر بأن تكون إباحة الفطر مطلقة مع العلم بكون اليوم من الشهر أو بشرط عدمه ففي الأولى لا يلزمه الكف كالمسافر والمريض والمرضع يموت ولدها والثاني يلزمه كالناسي ومخطيء الوقت أو العدة.
[ ١ / ٧٥ ]
باب الاعتكاف
الاعتكاف قربة ومن نوافل الخير ويلزم بالنذر ومعناه في الشرع ملازمة المسجد بنية تخصة مع صوم وأما لغيره والمرأة والرجل سواء فيه.
ولا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلا لأربعة أمور:
أحدها: حاجة الإنسان
والثاني: طرؤ حيض أو نفاس
والثالث: شراء طعام إن اضطر إليه
والرابع: مرض لا يمكنه المقام معه ويلزمه من حكم الاعتكاف في حال خروجه ما يلزمه في حال مقامه فإذا زال عذره عاد إلى المسجد حين زواله ولا يجوز له الخروج لغير ما ذكرناه من عيادة مريض أو صلاة على جنازة وإن كانت لأهله ولا غيرها من الصلوات ولا كتبه علمًا أو غير ذلك ولا أن يشترط أن له ذلك حين دخوله والمساجد كلها سواء إلا لمريد اعتكاف أيام تتخللها الجمعة فينبغي له أن يعتكف في الجامع دون غيره لئلا يفسد اعتكافه لخروجه لصلاة الجمعة أو يترك به فرضها ويجتنب المعتكف الوطء وجميع أنواع المباشرة والاستمتاع من القبلة واللمس وذلك كله مفسد للاعتكاف إن وقع فيه.
وكذلك ركوب شيء من الكبائر كشرب الخمر أو القذف وله أن يتطيب أو يعقد النكاح لنفسه ولغيره وليل المعتكف ونهاره سواء فيما يلزمه ويجتنبه إلا الصوم وينبغي له التشاغل بالذكر والعبادة والصلاة والدعاء وقراءة القرآن دون التصدي لغير ذلك من أفعال القرب كالانتصاب للأقراء وتدريس العلم والمشي لعيادة مريض أو صلاة على جنازة إلا أن يقرب ذلك من موضعه أو تكلم في يسير مما يسأل عنه من العلم ويختار له أن يدخل إلى معتكفه قبل غروب الشمس من ليلة اليوم الذي هو مبتدأ اعتكافه.
والاختيار فيه إلا ينقص عن عشرة أيام وأقله يوم وليلة وفي حقيقة الواجب أن يدخل قبل طلوع الفجر بما يأمن معه أن يطلع قبل دخوله ويخرج
[ ١ / ٧٦ ]
عقيب مغيب الشمس فإن وافق اعتكافه آخر شهر رمضان استحب له ألا ينصرف إلى بيته إلا بعد شهود العيد وإن تخلف يوم الفطر زمان اعتكافه شهده ثم عاد إلى معتكفه كزمن الليل والاعتكاف مقتض بإطلاقه التتابع بخلاف نذر مطلق الصوم فمن قطع تتابعه عمدا أو جهلا أو يتفريط استأنفه وإن كان لعذر بني عليه إن شاء الله.
[ ١ / ٧٧ ]
كتاب المناسك
الحج فرض واجب على مستطيعه من أحرار المكلفين الرجال والنساء، مرة في العمر وشرط وجوبه أربعة: البلوغ والعقل والحرية والاستطاعة.
وشروط أدائه شيئان: الإسلام مع القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وإمكان المسير وذلك يختلف باختلاف العادة في الطرق من الأمن والخوف فأما الاستطاعة فمعتبرة بحال المستطيع فمن قدر على الوصول إلى البيت من غير تكلف بذلة يخرج بها عن عادته لزمه ذلك.
فان كان ممن لات يمكنه الحج إلا بزاد وراحلة لم يلزمه إلا بحصولهما له وإن وجد الزاد وعدم الراحلة لم يلزمه إلا أن تكون عادته المشي كالفيوج ومن جرى مجراهم فيلزمه وإن وجد راحلة وعدم الزاد لم يلزمه إلا أن تكون عادته المسألة.
[ ١ / ٧٨ ]
وليس المحرم للمرأة من الاستطاعة فإن وجد رفقة مأمونة لزمها الحج رجالًا كانوا أو نساء ويلزم الأعمى إذا وجد قائدًا والبحر لا يمنع الوجوب إذا كان يركب وغالبه السلامة.
وفرض الحج ساقط عن المعضوب الذي لا يستمسك على الراحلة ولا يلزمه أن يحج غيره عنه.
وفرض الحج على الفور لا يجوز للقادر عليه تأخيره وقد قيل السنة والسنتين وذلك استحسان ورفق لصعوبته وموضع الاجتهاد في استطاعته.
ومن مات قبل أن يحج لم يلزم الحج عنه في رأس ماله ولا في ثلثه إلا أن يوصى به فيكون في ثلثه ويلزم النائب في الحج عن غيره أن ينوي به من ينوب عنه ويكره لمن لم يؤد فرض نفسه أن ينوب عن غيره وإن فعل جاز ولم ينقب إحرامه به إلى نفسه ويكره التنقل بالحج قبل أداء فرضه ويصح إن وقع ولا ينقلب إلى الفرض والنيابة في الحج بأجر أو بغير أجر سواء والإجازة للحج صحيحة وهي على ضربين إجارة بعوض يكون ثمنًا للمنافع كسائر الإجارات فذلك يكون ملكًا للمستأجر فما عجز عن كفايته لزمه إتمامه من ماله وما فضل عن كفاية كان له والوجه الآخر يسميه أصحابنا البلاغ وهو أن يدفع اليه ما لايحج به فهذا لا يجوز له صرفه في غير الحج فإن احتاج إلى زيادة رجع بها وإن فضل شيء رده
[ ١ / ٧٩ ]
والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر ويكره تكرارها في السنة مرارًا وحكمها في الاستطاعة والنيابة والإجازة حكم الحج.
فصل
وللحج ميقاتان ميقات زمان وميقات مكان فميقات الزمان شهور الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة قيل جمعية وقيل العشرة الأول منه وفائدة الفرق تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة عن أشهر الحج ويكره الإحرام به قبل أشهره ويصح إن وقع ولا ينقب عمرة ولا ميقات للعمرة من الزمان ويصح الإحرام بها في كل وقت من السنة من غير كراهة إلا في أيام منى لمن حج.
وميقات المكان خمسة مواقيت منقسمة على جهات الحرم وهي ذو الحليفة وقرن لأهل نجد والجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب ويلملم لأهل اليمن وذات عرق لأهل العراق وخراسان والمشرق.
والأفضل الإحرام بالحج من ميقاته زمانًا ومكانًا ويكره تقديمه عليه ويلزم إن فعل وميقات العمرة من مواقيت الحج التي ذكرناها إلا لمن كان في الحرم فالاختيار له أن يحرم من الجعرانة أو التنعيم ولا يجوز لأحد يريد دخول مكة أن يدخلها إلا محرمًا إلا لمن كان يكثر الترداد إليها كالحنطابين ومن يحمل الفاكهة أو من يخرج عنها من أهلها لحاجة ثم يعود ومن سوي هؤلاء فلا يدخلها إلا محرما فإن خالف ذك فقيل عليه الدم وقيل أساء ولا دم عليه ولا يجوز لمريد الإحرام إذا مر على بعض هذه المواقيت أن يتجاوزه فيحرم بعده لا إلى ميقات سواه ولا إلى غير ميقات إلا أن يتعداه إلى ميقات له كشامي يمر بذي الحليفة فأخر الإحرام إلى الجحفة والمار على ميقات من هذه المواقيت لا يخلو من ثلاثة أحوال.
أحدها: أن يكون مر عليها لحاجة دون مكة فهذا ليس عليه أن يحرم فإن تجددت له نية في الإحرام بعد تجاوزه أحرم من حيث هو ولم يلزمه عود إلى الميقات فإن تجاوز موضعه ثم أحرم لزمه الدم. والثاني: أن يريد دخول مكة فهذا يلزمه الإحرام.
[ ١ / ٨٠ ]
والثالث: أن يمر عليها مريد الإحرام فيلزمه الإحرام منها ولا يجوز له تأخيره إلى ما بعدها فإن تجاوزها رجع ما لم يحرم ولا دم عليه فإن أحرم مضى ولزمه الدم ولا ينفعه رجوعه ومن منزله بعد المواقيت إلى مكة فيمقاته منزله فإن أحرم بعده فعليه دم.
والإحرام من الحرم جائز لمريد الحج ولا يجوز لمريد العمرة أن يحرم إلا من الحل فإن أحرم من الحرم كان عليه أن يخرج إلى الحل ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم وفي إحرام القارن من مكة خلاف.
فصل
وأركان الحج أربعة وهي: الإحرام والطواف والسعي والوقوف بعرفة وزاد عبد الملك رمي جمرة العقبة والقاطع للحج شيئان فوات وإفساد فالفوات متعلق بالوقوف والفساد متعلق بالإحرام وذلك يذكر فيما بعد.
والإحرام هو اعتقاد دخوله في الحج وبذلك يصير محرمًا وله الشروط من السنن والفروض.
فأما السنن والمندوبات فأن يحرم من الميقات نفسه إن كان منزله منه أو قبله أو مر عليه وأن يغتسل له وأن يتجرد الرجل من مخيط الثياب والخفاف وأن يكشف وجهه ورأسه وأن يصلي نفلًا ثم يحرم عقبيه فإن كان في وقت يمنع فيه النفل أقام إلى الوقت الذي يجوز فيه النفل إلا أن تمنعه ضرورة وإن أحرم
[ ١ / ٨١ ]
عقيب مكتوبة جاز وعقيب النفل أفضل منه بغير صلاة جملة فإذا فرغ من صلاته ركب راحلته فإذا استوت به أحرم ولا ينتظر أن تنبعث به وإن كان ماشيًا فحين يأخذ في المشي ويهلل للتلبية حين اعتقاده للإحرام رافعًا بها صوته إلا النساء فيكره لهن رفع الصوت.
فأما واجباته فإن يحرم من الميقات ولا يتجاوزه وأن يتجرد من مخيط الثياب وقت إرادته الإحرام ومن كل ما يمنع في الإحرام مما يفسده إذا طرأ عليه والتلبية سنة مؤكدة يبتدئها عند الإحرام ثم في أدبار الصلوات وعند كل شرف ويقطعها بعد الزوال من يوم عرفة وقيل عند الرواح إلى الموقف ويكف عنها في الطواف والسعي ويتشاغل بالدعاء ولا يكثر منها إكثارًا يخرجه إلى الإسراف فإن قلل منها ولو مرة فلا دم عليه.
فإن لم يأت بها جملة فعلية الدم والاختيار أن يقتصر في إحرامه على النية في تعيين ما ينويه دون التلفظ به.
وصفة الإحرام بالعمرة صفته بالحج إلا وقت قطع التلبية فالمستحب للمحرم بها من بعض المواقيت أن يقطعها إذا انتهى إلى الحرم وللمحرم بها من الجعرانة إلى دخول مكة ومن التنعيم إلى رؤية البيت.
فصل
الإحرام يمنع الرجل عشرة أشياء: لبس المخيط كله وتغطية رأسه ووجهه ولبس الخفين والشمشكين مع القدرة على النعلين وحلق شعر رأسه وغيره من جميع بدنه والطيب وقص الأظفار وقتل القمل وقتل الصيد وعقد النكاح والوطء في الفرج وإنزال الماء الدافق والاستمتاع بما دون الوطء مكروه إلا أن يقارنه الإنزال فيفسده وذلك يذكر فيما بعد والمرأة مساوية للرجل في ذلك كله إلا في اللباس فإن عليها كشف وجهها ما فوق الدقن منه وكفيها فإن
[ ١ / ٨٢ ]
غطت بعض ذلك فانتفعت بترفيه فعليها الفدية وكذلك إن لبست القفازين.
ويلزم الرجل الفدية بتغطية رأسه أو بعضه ولا يلزمه بتغطية وجهه وتلزمه بلبس المخيط والخفين وبفعل كل ما ذكرناه من محظورات الإحرام من إماطة الأذى وللمرأة لبس الخفين والمخيط كله والأحسن الإحرام في البياض ولا بأس به في غيره من الألوان إلا المعصفر فيكره له وللمحرم حك رأسه وجلده ويرفق فيما لا يراه من جسده خيفة قتل الدواب وكذلك يكره له غسل رأسه بما لا يأمن معه ذلك وله أكل ما طبخ بطيب واختلف فيا خلط به الطيب من الطعام من غير طبخ. وللرجل أن يكتحل بما لاطيب فيه ولا فدية عليه وعلى المرأة في الكحل
الفدية بما فيه طيب وبما لا طيب فيه وما يوجب الفدية من ذلك فيوجبها عمدًا وسهوًا أو اضطرارًا وجهلًا والفدية الواجبة به ثلاثة أنواع صيام وصدقة ونسك مخير فيها غير مرتبة فالصيام ثلاثة أيام يستحب تتابعها والإطعام ستة مساكين مدين والنسك شاة وليس لشىء منها مكان مخصوص.
فصل
ويحرم على المحرم في الحل والحرم وعلى الحلال في الحرم الاصطياد وإتلا صيد البر كله ما أكل لحمه وما لم يؤكل مما لا يبتدىء بالضرر ويلزم الجزاء بقتله أو بتعريضه للقتل إلا أن يتبين سلامته مما عرض له وعلى المشارك من إكمال الجزاء ما على المنفر ويستوي في ذلك عمده وسهوه وخطأوه وجهله وضرورته واختياره ولا يسقط إلا في صولة إذا قصد دفعه فأدى إلى تلفه وأكل الصيد للمحرم جائز إذا لم يصد لأجله أو المحرم سواه فإن أكل مما صيد له دون غيره فعليه الجزاء.
[ ١ / ٨٣ ]
ومن قتل صيدًا فأكله فعليه جزاء واحد لقتله دون أكله ولا يجوز أن يدل أحدًا محرمًا على صيد ومن فعل ذلك أثم وكان الجزاء على القاتل دون الدال وللحلال أن يذبح صيدًا مملوكًا في الحرم وينهي عن قطع شجر الحرم ولا جزاء فيه والجزاء الواجب بإتلاف الصيد مثل المقتول أو مقارية في الخلقة والصورة إن كان له مثل كالنعامة المشبهة للبدنة وحمار الوحش والإبل المشبهين للبقرة وحمار مكة المشبهة للشاة يخرجه هديًا وما لا مثله فيه حكومة وذلك كالأرنب واليربوع وحمام الحل.
واختلف في حمام الحرم سوى مكة فقيل كحمام مكة وقيل كحمام الحل وصفة الجزاء فيما له مثل أن يحكم قاتل الصيد حكمين سواه فيخبرا له بين إخراج مثل الصيد المتلف من بهيمة الأنعام وبين قيمته طعام من غالب أنواعه بموضع الإتلاف أو بدلًا من الإطعام صيامًا عن كل مد يومًا أو كسوة ثوبًا بالغًا ما بلغ وفي صغير الصيد مثل ما في كبيرة من الجنس والصفة وأما لا مثل له فقيمة لحمه دون ما يراد له من الأعراض.
وللمحرم قتل السباع العادية المبتدئة بالضرر ولا جزاء عليه فيها وذلك كالأسد والذئب والنمر والفهد.
ومن الطير الغراب والحدأة فأما الكلب العقور والحية والفأرة والزنبور والعقرب فله قتل ذلك بغير معني الصيد وليس من ذلك الصقر
[ ١ / ٨٤ ]
والبازي ولا القرد والخنزير إلا أن يتبدئ شيء من ذلك بالضرر وقتل صغار ما يجوز قتل كباره من الصيد كالسباع والطير مكروه ولا جزاء فيه فأما صغار الحيات والعقارب والزنانبير فغير مكروه ولا يجوز إخراج شيء من جزاء الصيد بغير الحرم إلا الصيام ولا تصح تذكية المحرم الصيد ومن لم يجد من المحرمين إلا صيدًا وميتة أكل الميتة ولم يذبح الصيد.
فصل
والإحرام على ثلاثة أوجه إفراد وتمتع وقران والإفراد أفضلها ثم التمتع فأما القران فصفته اشتراك العمرة والحج في إحرام واحد وذلك على ضربين ابتداء وإردافًا فالابتداء أن يحرم بهما في حال واحدة معتقدًا ذلك في نيته دون لفظه والإرداف أن يبتديء الإحرام بالعمرة وحدها ثم يردف الحج عليها فقيل ما لم يشرع في الطواف وقيل ما بقي عليه شيء من عملها وفعل القارن كفعل المنفرد فيما يصفه وما يلزمه من فدية أو جزاء ويكفيه طواف وسعي واحد وللصيد جزاء وإنما يختلفان في النية.
وأما المتمتع فله ستة شروط يجمعها أن يقال هو أن يأتي غير الملكي إلى أفقه أو ما كان في حكمه من مسافة ومتي انخرم بعض هذه الأوصاف خرج عن المتمع الموجب للدم وتفصيلها أن له ستة شروط أحدهما الجمع بين العمرة والحج في عام واحد والثاني في سفر واحد والثالث تقديم العمرة على الحج والرابع أن يأتي بها أو ببعضها في أشهر الحج والخامس أن يحرم بعد الإحلال منها بالحج والسادس أن يكون المتمع مقيمًا بغير مكة فأما الإفراد فما عري من صفة التمتع والقران ولا يكون القران إلا بين عمرة وحجة ولا يكون بين عمرتين ولا حجتين.
ولا يصح إرداف عمرة على حجة فمن أحرم بحجتين أو بعمرتين لزمته واحدة ولا قضاء عليه للأخرى ومن أردف عمرة على حج لم يلزمه شيء بالإرداف ولا دم على المكي في قرانه إفا عند عبد الملك والواجب بكل واحد من التمتع والقران هدي ينحره بمنى ولا يجوز تقديمه قبل فجر يوم النحر فمن
[ ١ / ٨٥ ]
لم يجده صيام ثلاثة أيام في الحج وهي من وقت إخراجه إلى يوم عرفة فإن فاته ذلك فأيام التشريق وسبعة أيام يصومها في أهله ويجزئه إن صامها راجعًا في طريقه ولا يجزئ الصوم ما دام متمكنًا من الهدي.
فصل
ويستحب لمن دخل مكة محرمًا أن يدخل من كداء الثنية التي بأعلا مكة فيبدأ بالمسجد فيستلم الحجر بغيه إن قدر فإن لم يقدر وضع يده عليه ثم وضعها على فيه من غير تقبيل ثم يبدأ بطواف القدوم وسنته لغير المكي وصفة الطواف كله صفة واحدة وهي أن يبدأ بعد استلامه فيجعل البيت.
أشواط الثلاثة الأولى خببا والأربعة مشياص فيستلم الحجر كلما مر به فإذا أتمه صلى عند المقام ركعتين ثم عاد فاستلم الحجر ثم مضى للسعي فيصعد على الصفا حتي يرى البيت فيكبر ويهل ويدعو بما يريده ثم ينحدر ماشيًا إلى المروة فإذا ظهر عليها فعل مثل ذلك فإذا أكمل سبعة أشواط يبتدأ بالصفا ويختم بالمروة فقد كمل سبعة ويستحب له أن يسعى في الوادي بين الشعبين فإذا فرغ من ذلك فإن كان في وقته فضل خرج إلى منى
[ ١ / ٨٦ ]
يوم التروية فصلى بها الظهر والعصر وبات بها ثم راح إلى عرفة ليقف بها بعد الزوال وقطع التلبية حينئذ فجمع بها بين الظهر والعصر مع الإمام ثم يقف حيث يقف الناس فالاختيار أن يقف راكبًا وأي موضع جاز ويتنكب عن بطن عرفة ثم يستديم الوقوف إلى غروب الشمس فإذا غربت وهو بها دفع المزدلفة فيجمع بها بين المغرب والعشاء وبات بها في أي موضع شاء ما عدا بطن محسر ويحرك دابته إذا انتهى إليه فإذا صلى الفجر أتى المشعر الحرام فوقف عنده وكبر الله راكبًا ثم نحر هديًا إن كان معه ثم حلق أو قصر والحلاق للرجال أفضل ثم عاد إلى مكة فطاف طواف الإفاضة ثم رجع إلى منى فبات بها ليالي أيام التشريق يرمي في كل يوم الجمار الثلاثة كل جمرة بسبع حصيات.
وينصرف نهار أيامها في حوائجه فإذا خرجت أيامها وفرغ من رميه عاد إلى مكة فطاف طواف الوداع ثم انصرف هذا جملة أفعال الحج والمكي وغيره فيه سواء إلا في شيئين طواف القدوم وطواف الوداع فإن المكي غير مخاطب بهما ويقتصر على طواف الإفاضة إلا ما يتنقل به ويكون سعيه عقيب طواف الإفاضة والأفضل في أفعال الحج كلها أن تكون بطهارة فإن أتى بها محدثًا جاز إلا الطواف فلا يجوز إلا بطهارة ولا يجزئ منكسا ولا يجزئ إلا باستيفاء أشواطه فمن ترك شوطًا أو بعضًا منه أو من السعي عاد على إحرامه من بلاده لإتمامه وفي ترك ركعتي
[ ١ / ٨٧ ]
الطواف لمن رجع إلى بلده دم وفي ترك طواف القدوم لغير المراهق دم وفي ترك المبيت بالمزدلفه لغير العذر دم وللإمام تقديم ضعفة أهله ليلة المزدلفة إلى منى بشرط الدم وقيل إنها رخصت له خصوصًا والحلاق نسك يثاب فاعله وما يفعل بمنى من رمي ونحر وحلاق فلا شيء في تقديم بعض منه على بعض إلا تقديم الحلاق على الرمي ففيه دم ولحج تحللان تحلل أصغر وهو رمي جمرة العقبة بمنى يوم النحر وهذا التحيسل يبيح لبس المخيط وإماطة الأذى وغير ذلك ما عدا قتل الصيد والنساء ويكره الطيب ولا شيء فيه والتحلل الأكبر هو طواف الإفاضة يباح معه الصيد والنساء وجميع محظورات الإحرام.
ويفسد الحج الوطء في الفرج كان معه إنزال أم لا وكل أنزال عن استمتاع بقلبة أو جسة أو استدامة نظر أو فكر ما لم يكن أحد التحللين وإكان بعد الرمي وقبل الطواف فعليه العمرة والهدي على الظاهر من المذهب.
ويجب على مفسد الحج والعمرة المقضي فيهما واستيفاء أفعالهما وعليه قضاء فرضهما وتطوعهما ويتفرق الزوجان إذا أراد القضاء حين يحرمان ويلزم بفساد الحج بدنة تكون هديًا ولا يكون الهدي إلا من بهيمة الأنعام يسوقه من الحل إلى الحرم وينحره في الحج بمنى ويلزم مريد نحره بمنى أن يقفه بعرفة فإن فاته ذلك نحره بمكة والمنحر في الحج منى وفي العمرة مكة.
وتقلد البدن وتشعر وكذلك البقر إن كان لها أسنة
[ ١ / ٨٨ ]
ولا تقلد الغنم ولا تشعر ويؤكل من الهدايا كلها إلا جزاء الصيد ونسك الأذى ونذر المساكين وهدي التطوع إذا عطب قبل محله.
فصل
ومن أحصر بعدو فله التحليل بغير هدي ولا قضاء عليه إلا أن يكون ضرورة فيأتي بفرضه الذي عليه في الأصل والمحصر بمرض أو بما سوي العدو فلا رخصة له في التحليل وكذلك ضال الطريق ومن فاته الوقت لم يتحلل إلا بعمل العمرة وعلى جميعهم الهدي ولا رمي عليهم ولا شيء من أفعال المناسك.
وللصغير حج يحرم به وليه وإن كان لا يعقل والزائد على نفقته في مقامه من حال وليه ومن بلغ من الصبيان أو عتق من العبيد بعد تلبسه بالإحرام أتمه ولم يجزئه عن حجة الإسلام.
وليس لامرأة أن تحرم بغير الفريضة إلا بإذن زوجها فإن فعلت فله أن يحللها ولا لعبد أن يحرم بغير إذن سيده فإن فعل فلسيده أن يحله.
[ ١ / ٨٩ ]
فصل
جملة ما يرميه الحاج سبعون حصاة منها في يوم النحر جمرة العقبة بسبع وفي كل يوم الثلاث الجمار بإحدى وعشرين حصاة ولا يرمي إلا بعد الزوال إلا في يوم النحر وله أن يتعجل بأن يرمي ثاني النحر وثالثه ثم ينفر ولمن كان من رعاة الإبل ترك الرمي ثاني النحر ويرمي ثالثه ليومه ولأمسه وينفر ويسقط عنه رمي الغد ما لم يبت أحد من الفريقين فيلزمه الوقوف إلى أن يرمي وطواف الوداع مستحب لا دم على تاركه.
[ ١ / ٩٠ ]
كتاب الجهاد
الجهاد من فروض الكفاية وقد يتعين في بعض الأوقات على من يفاجئه العدو ولا يجوز تركه إلى الهدنة إلا من عذر ولا يكف عنهم إلا بأن يسلموا أو يدخلوا في ذمتنا ويؤدوا الجزية في دارنا وينبغي أن يدعوا قبل قتالهم إلا أن يعاجلونا وتجوز النكاية في العدو بكل ما يقدر عليه من إحراق الأراضي الزروع والعلوفات وقطع النخل والشجر وعقر الدواب وإخراب البلاد ولا تمس النحل إلا أن تكون من الكثرة والاجتماع يؤثر إتلافها وتخمس الغنيمة كلها عنها وعرضها سواء إلا الأراضي فإنها تترك وقفًا والسلب وغيره سواء لا يختص به القاتل إلا بإذن الإمام إذا رأى ذلك ويأخذ الإمام من الغنيمة خمسها ويقسم بين الجيش أربعة أخماسها ولا يجوز الغلول ويؤدب فاعله ولا يحرق رحله ولا يحارم سهمه وللعسكر أكل
[ ١ / ٩١ ]
الطعام وذبح الماشية وأخذ العلوفات بغير إذن الإمام ولا يحتسب له في الغنيمة وما حصل في أيد العدو من أموال المسلمين فإن أسلموا عليه كان لهم فإن عاد شيء من ذلك إلى الغنيمة فهو لمن كان يملكه من المسلمين يأخذه قبل القسم بغير ثمن وهو أحق به بعده بالثمن.
ولا يجوز قسمه إن علم به والنفل كله من الخمس ويستحق الإسهام بثلاثة شروط:
أحدها: أن تغنم الغنيمة بقتال أو إيجاف عليها بخيل أو ركاب فأما ما سوى ذلك ما ينجلي عنه أهله بغير قتال بل رهبة وفزعًا فإنه في غير المقسوم يصرفه الإمام في مصالح المسلمين.
والثاني: ما قوتل عليه فالإسهام مستحق فيه بشهود الواقفة عليه ولا يسهم لمن مات قبلها ولا لمدد إن جاء بعدها وليس من شروط من يسهم له أن يكون منه قتال ولا يكون صحيحًا غير مريض ولا أن يبقى إلى انقضائها بل يسهم لمن حضر من صحيح ومريض قاتل أو لم يقاتل قاتل في أولها أو بقى إلى انقضائها.
[ ١ / ٩٢ ]
كان مقيما مع المعسكر أو متشاغلًا بكمين أو تجسيس ومثل ذلك السرية المنفصلة من جملة العسكر برأي الإمام فإن غنم العسكر شاركوهم في الغنيمة وإن غنمت السرية فالغنائم بينها وبين باقي العسكر خرجت بإذن الإمام أو غيره إذنه فإن خرجت ابتداء من البلد فالغنيمة لها خاصة
والثالث: أن يكون المسهم له من جيش يلزمه القتال وذلك بأربعة أوصاف العقل والحرية والذكورية وإطاقة القتال للبالغ والمراهق ومن سوى هؤلاء من العبيد والمرأة ومن دون المرأهق يرضخ لهم ولا يسهم وكذلك الإجراء والصناع والمسهم لهم ضربان فرسان وأراجل فللفارس ثلاثة أسهم سهم باسمه وسهمان باسم فرسه وللراجل سهم.
ولا يسهم إلا لفرس واحد وإذا أجاز الإمام الهجن والبراذين أسهم لها ولا يسهم بغل ولا حمار ولا لما سوى الخيل.
ولا يقتل النساء والصبيان ولا الشيخ الفاني ولا أهل الصوامع والديارات إلا أن يخاف منهم أذى أو تدبير وترد لهم أموالهم إلا أن يكون كثيرًا فيؤخذ ويترك لهم اليسير.
[ ١ / ٩٣ ]
وأمان الأمراء نافذ وأمان غيرهم من سائر الناس عند مالك ﵀ عليهم نافذ لا يجوز نقضه وقال غيره إليهم إجازته ورد فإذا أجيز فسواء كان من رجل أو امرأة أو عبد أو حر بالغ أو مراهق إذا عقل الأمان.
والإمام في الأسرى مخير في خصال خمس وهي القتل والاسترقاق والمن والفداء وعقد الذمة وفي الجاسوس الاجتهاد وترد الرهائن وإن أسلموا ومن أسلم صلحًا فأرضه ملكًا له ومن أسلم من
[ ١ / ٩٤ ]
فتحت أرضهم عنوة فهي مغنومة لا ترجع إليهم بإسلامهم يسكنها الإمام من يراه ويأخذ خراجها ممن هي في يده وحكم الفيء والخمس والخراج والجزية واحد يأخذ الإمام حاجته منه بغير تقدير ويصرف الباقي في مصالح المسلمين ويعطي القرابة منه بالاجتهاد.
[ ١ / ٩٥ ]
كتاب الأيمان والنذور
الأيمان على ضربين يمين جائزة ويمين ممنوعة فالجائزة هي اليمين بالله تعالى وبجميع أسمائه كالرحمان والرحيم والسميع والعليم وغير ذلك من أسمائه وبصفات ذاته كعلمه وقدرته وعزته وكلامه وعهده وميثاقه وكفالته وأمانته والممنوعة الحلف بما عدا ذلك ثم هي بعد هذا على قسمين منها ما يصح رفعه فيسقط حكمه وهو القسم الأول الجائز ومنها ما لا يصح ذلك فيه وهو الحلف بغير الله وصفاته.
ورفع اليمين بوجهين: بالاستثناء وبالكفارة.
[ ١ / ٩٦ ]
أما الاستثناء فإن يقرن بيمينه قوله إن شاء الله وإصلابها غير قاطع ناويًا بها الاستنثاء فإن قطعها عنه أو أطلق لم تكن شيئًا إلا أن يكون قطعها بغير اختيار من سعال أو عطاس أو ما أشبه ذلك.
وأما الكفارة فتذكر فيما بعد وأما النوع الآخر وهو ما لا يصح رفعه فضربان أحدهما لا يتعلق به حكم كقوله والنبي والكعبة وكقوله هو يهودي أو نصراني أو بربيء من الله أو من النبي أو من الإسلام أو أشرك بالله أو أكفر أو ما أشبه ذلك وكقوله لعمري أو عيشي أو عيشك كل هذا لا يتعلق به حكم ولا يتصور فيه رفع.
[ ١ / ٩٧ ]
والآخر أن يكون يمينا بإيقاع شيء معين أو بنذر معين فيلزم به تنفيذ ما حلف به كالطلاق والعتاق والمشي وغيره من نذر الطاعات ولا يرفع شيئًا من ذلك استثناء ولا كفارة.
والألفاظ التي يحلف بها في القسم الأول قسمان أحدهما تجريد الاسم المحلوف به كقوله والله لا فعلت والآخر زيادة عليه وهي ضربان زيادة متصلة وزيادة منفصلة.
والمتصلة هي الحروف نحو والله وبالله وتالله وايم الله ولعمر الله والمنفصلة هي الكلمة نحو أحلف وأشهد وأقسم فهذه إن قرنها بالله أو بصفات ذاته نطقًا أو نية كانت أيمانًا.
وإن أراد بها غير ذلك أو أعراها من نية لم تكن أيمانًا يلزم بها حكم ولفظ ماضيها كمستقبلها وليس من الأيمان لا من ألفاظها ولا من معانيها تحريم محلل أو حظره كالمأكل والمشارب وغيرها إلا في الزوجة فإنه يكون طلاقًا وفي العبد والأمة إن أراد به العتق لزمه وإن أراد التحريم من غير عتق لم يلزمه شئ.
[ ١ / ٩٨ ]
فصل
والأيمان على ثلاثة أوجه: لغو وغموس وعقد.
فاللغو والغموس لا كفارة فيهما والعقد هو الذي يتعلق به الكفارة.
واللغو هو أن يحلف علي شئ يظنه غلي ما حلف عليه ثم يتبين له خلافه وقيل: هو القول والله وبلى والله الجاري على اللسان من غير قصد والغموس هو الكذب فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة.
والمنعقد هو اليمين على مترقب يمكن إتمامها وحلها كان متعلقها من فعله أو من غير فعله ثم لا بد فيه من أحد أمرين بر أو حنث فالبر الموافقة والحنث المخالفة.
والكفارة تجب بالحنث دون البر وصفة البر والحنث راجعة إلى لفظ اليمين فإن كانت اليمين على نفي فالحالف في الحال على بر وحنثه بإيقاع ما حلف على نفيه وإن كانت على إثبات كان في الحال على حنث وكان بره بالإيقاع ومجموع ذلك أربعة ألفاظ للنفي لفظان وهما لا فعلت وإن فعلت فالحالف بذلك على بر لأنه بالانتفاء ما حلف عليه موافق وللإثبات
[ ١ / ٩٩ ]
لفظان وهما لأفعلن وإن لم أفعل فالحالف بذلك في الحال على الحنث لأنه بانتفاء ما حلف عليه مخالف وبره بأن يفعل إلا أن الكفارة لا تلزمه إلا أن ييئس من البر فيتحقق الحنث.
وتجب بالمخالفة سهوًا أو عمدًا أو خطأ أو قصدًا إلا أن يكره على اليمين أو يكون أمرًا مضطرًا إليه لا يمكنه الانفكاك منه فلا يحنث في ذلك القدر دون ما زاد عليه كالحالف لا ألبس ثوبًا هو لابسه ولا أدخل دارًا هو فيها ولا أركب دابة هو عليها فيلزمه النزع في أول أوقات الإمكان فإن زاد على ذلك مع الإمكان حنث.
وأعداد الكفارة معتبرة بالأيمان دون متناولها فإذا حلف يمينًا واحدة على عدة أشياء حنث بفعل واحد منها ولزمته الكفارة بذلك ثم لا شيء عليه في باقيها وإن حلف على شيء واحد بأيمان عدة قاصدًا بها الاستثناء دون التأكيد والتكرار فإذا حنث كان عليه من الكفارات بأعداد أيمانه.
فصل
ويعتبر في اليمين ثلاثة أشياء أولها النية فيحمل عليها إذا كانت مما يصلح أن يراد اللفظ بها كانت مطابقة له أو زائدة فيه أو ناقصة عنه بتقييد مطلقة أو بتخصيص عامه فإن عدم الحالف تحصيلها نظرًا لسبب المثير لليمين ليعرف منه فإن عدم أجرى اللفظ على ما يقتضيه إطلاقه في عرف اللغة وعادة التخاطب دون عادة الفعل وذلك كالحالف لا آكل رؤوسًا أو
[ ١ / ١٠٠ ]
بيضًا أو لا أسبح في نهر أو غدير فإن قصد معنى عامًا وعبر عنه بلفظ خاص أو معنى خاصًا وعبر عنه بلفظ عام حكم بنيته إذا قارنها عرف التخاطب كالحالف لا أشرب لفلان ماء يقصد قطع المن دون عين المحلوف عليه وقد قال ابن القاسم يؤخذ الناس في الطلاق بألفاظهم.
فصل
والكفارة أربعة أنواع إعتاق وإطعام وكسوة وصوم.
فالإطعام والكسوة والإعتاق مخير فيهما أيهما شاء أن يخرج جاز مع القدرة على ما معه ولا يجزئه الصوم مع القدرة على واحد منها والإطعام والكسوة لعشرة مساكين والعدد فيهما مستحق ولا يجوز النقصان منه ولا زيادة عليه وهو بالمدينة مد بالأصفر وبالأمصار وسط مع الشبع وهو رطلان بالبغدادي وشيء من الأدام والكسوة أقل ما تجزيء به الصلاة ولا يجوز صرفها إلا إلى الأحرار من المسلمين الفقراء ويعطي الصغير المتغذي بالطعام ما يعطى الكبير.
وأما الإعتاق فتحرير رقبة مؤمنة سليمة من العيوب والكبيرة أحب إلينا من الصغيرة وخالية من شركة أو عقد عتق أو استحقاقه ويجمعه خمسة شروط:
أحدها: أن تكون مؤمنة.
والثاني: أن تكون سليمة.
والثالث: أن تكون كلها ملكًا للمكفر.
والرابع: ألا يكون فيها عقد من عقود العتق.
والخامس: ألا يستحق إعتاقها حين ملكها بجهة غير الكفارة من نذر أو قرابة.
وأما الصوم فثلاثة أيام يستحب متابعتها ويجزئ تفريقها وفي تقديم الكفارة ى الحنث روايتان ويستوي في ذلك أنواعها.
[ ١ / ١٠١ ]
فصل
النذور على وجهين مطلق ومقيد فالمطلق ما استقل بنفسه عن شىء يتعلقبه به
والمقيد ما تعلق بما ذكرناه لقوله عقيب النذر إن شفى الله مرضى أوقدم غائبي فالأول يلزم أطلاقه والثاني عند وجود شرطه وسواء كان شرطه مباحًا أو محظورًا أو قربة أو معصية كان فعلًا للنادر أو لغيرة من العباد أو من الله تعالى.
والنذور نوعان: وجهين مجهول ومعلوم فالمجهول ما لا يتبين نوعه مثل أن يقول لله علي نذر ولا يبين ما هو فهذا فيه كفارة يمين.
والمعلوم ما يبين مخرجه لفظًا أو نية ثم لا يعدوا ما يبين من ذلك أحد أربعة أنواع إما طاعة أو معصية أو مكروهًا أو مباحًا ولا يلزم منها إلا الطاعة ويسقط ما عداها.
ولا نذر في غير الملك إلا بشريطته ولا اعتبار بخلاف الوجوه التي يقع النذور عليها من لجاج أو تبرم أو غضب أو غير ذلك ومن حلف بصدقة ماله كله أو نذره لزمه ثلثه يوم حلف لا يوم حنث ويلزم نذرالمشي
[ ١ / ١٠٢ ]
إلى بيت الله في حج أو عمرة معينًا إن عينه أو مطلقًا إن أطلقه ويلزم المشي في الحج إلى آخر طواف الإفاضة وفي العمرة إلى انقضاء السعي وإن ركب في بعضه لعذر عاد قابلًا فلفق المشي وأهدى إلا أن يكون من الكبر أو المرض بحيث لا يطيق الرجوع فيجزئه الهدي إلا أن يكون الذي ركب يسيرًا فيغنيه الهدي عن العودة.
ومن نذر المشي إلى مسجد الرسول أو الأقصى لصلاة فيهما لزمه ومن نذر المشي إلى مسجد الرسول أو الأقصى لصلاة فيهما لزمه ومن نذر ذبح ابنه في يمين أو على وجه القربة فدى عنه هديًا وإن نذره مجردًا لم يلزمه ومن نذر هديًا من مال غيره فلا شيء عليه ويلزمه نذر ماله فيهديه إن كان يهدي مثله أو يبيعه إن كان مما لا يهدي مثله ويصرف ثمنه في هدي.
[ ١ / ١٠٣ ]
كتاب الضحايا والعقيقة
مدخل
كتاب الضحايا والعقيقة
والأضحية سنة مؤكدة يخاطب بها كل قادر عليها إلا الحاج بمنى وهي إراقة دم كامل لكل مضح منفرد به غير مشارك في ثمنه وإن ضحى رجل بأضحية واحدة عنه وعن أهل بيته بغير عوض جاز ولا يكون إلا من بهيمة الأنعام.
وأفضل الأجناس منها: الغنم ثم البقر ثم الإبل والعجول من كل جنس أفضل من الإناث.
وسنها من الضأن الجذع ومما سواه الثني ويتقي فيها كل عيب ينقص اللحم أو مرض الحيوان وكذلك كالأعمى وبين العور والعجفاء والظلع وقطع بعض الأعضاء المأكورة أو نقصانه في أصل الخلقة وكذلك الشديدة المرض والمكسورة القرن إن كان يدمى.
ومحلها الأيام المعلومات وهي ثلاثة أياما يوم النحر وثانيه وثالثه فأما رابعه فليس من المعلومات وتعجيلها يوم النحر أفضل.
ويستحب أن يلي ذبحها إن كان ممن يحسن الذبح وإن استناب فيها من هو من أهل القربة أجزأه.
وذلك المسلم العاقل فقط حرًا كان أو عبدًا رجلًا أو امرأة بالغًا أو مراهقًا ووقتها بعد الصلاة والخطبة وبعد ذبح الإمام إن كان ممن يظهر النحر وذلك الأولى به وإلا فليتحر الناس وقت ذبحه أو ذبح أقرب أئمة البلد إليهم ثم إن بان لهم الغلط في تحريهم فلا شيء عليهم ويسمى عند ذبحها ويكبر ولا يباع شيء منها ولا يعاوض به لجار ولا يصرف في ماعون ولا غيره ويجوز أن يطعم الغني والفقير ويأكل منها المضحى ويدخر القدر الذي يجوز أكله.
[ ١ / ١٠٤ ]
فصل
والعقيقة سنة مستحبة غير واجبة وهي شاة كاملة عن كل مولود ذكرًا كان أو أنثى ووقتها سابع يوم الولادة فإن فات فاتت بفواته وقيل السابع الثاني.
ويحسب السابع إذا سبقت الولادة فجره وإن تأخرت عنه ألغى وحسب غده وسنتها في الجنس والسن واتقاء العيب ووقت الذبح من اليوم وجواز الأكل سنة الأضحية وكسر عظامها مباح غير ممنوع ولا مندوب وحلاق رأس المولود والتصدق بوزنه جائز لمن أراده وتلطيخه بالدم ممنوع وإبداله بالخلوق جائز والختان واجب بالسنة في الذكور ومثله الخفاض في الإناث وليس بواجب وجوب فرض.
[ ١ / ١٠٥ ]
باب الذبائح
يتعلق بالذكاة خمسة أشياء: أنواع التذكية وشرط كل نوع منها وصفة الذابح وصفة المذكي وصفة الآلة المذكى بها.
[ ١ / ١٠٥ ]
فأما أنواع التذكية فهي ثلاثة: الذبح والنحر والعقر فأما العقر فإنه في غير المقدور عليه وهو في المتوحش طبعًا ما لم يقدر عليه وذلك يبين في بابه.
وأما النحر والذبح ففي المقدور عليه إنسيًا كان أصله أو وحشيًا فتأنس أو قدر عليه مع استيحاشه أو كان غير مقدور عليه لتوحشه بعد أنسه ولا تبيح الضرورة فيما ذكاته النحر أن يذكى بالعقر كالبعير يقع في بئر فلا يوصل إلى تذكية في حلقه ولبته.
فأما شروط الذكاة فشرط الذبح هو استيفاء قطع الحلقوم والودجين في قطع واحد.
وأما النحر ففي اللبة والنحر سنة ذكاة الإبل ويجوز ذبحها للضرورة والذبح سنة ذكاة الغنم ويجوز نحرها للضرورة وسنة البقر الذبح والنحر جائز فيها من غير ضرورة وما ذكى من ذلك بغير سنته لغير ضرورة فقيل لا يؤكل تحريمًا وقيل كراهة.
فأما سننه ومندوباته فأربعة: إحداد الآلة والتسمية واستقبال القبلة والصبر عليها إلى أن تبرد فإن ترك ذلك كله أو بعضه سهوًا أو عمدًا كره له ولم تحرم الذبيحة إلا في ترك التسمية فإن تعمد تركها يحرمها عند جمهور أهل المذهب إلا أن يتأول.
فأما صفة الذابح فأن يكون مسلمًا أو كتابيًا عاقلًا عارفًا بالذبح قاصدًا به التذكية فإن قصد اللعب أو إتلاف البهيمة أو دفعها عن نفسه أو تجريب السيف.
[ ١ / ١٠٦ ]
ولم يقصد التذكية لم يكن ذلك ذكاة وإن أصاب صورتها وليس من شرطه الذكورية ولا البلوغ إذا كان مراهقًا يتأتى منه الذبح ويعرف شروطه.
ولا يجوز ذبح الكافر غير الكتابي ولا المجنون ولا السكران.
فأما صفة المذكي فأن يكون حيًا غير ميئوس من بقاءه مثل أن يكون قد أصابه من وقذ أو نطح أو ترد أو عرقًا أو حرقًا أو عقر سبع أو غير ذلك مما يعلم معه أنه لا يعيش بمستقر العادة فمتى أصابه بعد ذلك لم تصح تذكيته.
وأما الآلة المذكى بها فأن تكون مما ينهر الدم ويحصل به القطع جرحًا كالمنحدد من السيف والسكين والرمح والحرية والزجاج والحجر والقطب الذي له حد يصنع ما يصنعه بحد السلاح ولا يجوز التذكية بسن ولا ظفر متصل بالمذكي ولا منفصل ولا بمثقل.
[ ١ / ١٠٧ ]
باب الصيد
كل حيوان مأكول اللحم طبعه التوحش والامتناع لا يقدر عليه إلا بالاصطياد فتذكيته بالعقر في أي موضع كان منه من مقتل أو غيره من جارح أو محدد سلاح إذا تلف عنده في حال امتناعه وانتفاء القدرة على تذكيته بالذبح من غير تفريط كأن فوت نفسه مشاهدًا لصائده أو غائبًا عنه ما لم يفرط في طلبه إلا أن يبيت عنه ففيه تفصيل نذكره إن شاء الله.
والآلة المصيد بها نوعان جوارح وسلاح فأما الجوارح فلجواز أكل ما صيد به شرطان أحدهما أن يكون معلمًا والآخر أن يكون بإرسال من صاحبه من أي أصناف الجوارح كان من كلب أو باز أو صقر أو شاهين أو غيره من سباع الوحش والطير التي تفقه التعليم.
وتعليمه أن يفقه عن مرسله فيأتمر إذا أمره وينزجر إذا زجره وليس من شرطه ترك الأكل من كلب أو غيره.
وأما الإرسال فأن يبتديء صاحبه بعثه من يده ناويًا إرساله للاصطياد والتذكية مسميًا لله تعالى عند ذلك.
ثم قتله الصيد بنوعين بعقر وبغير عقر فأما العقر فبجرح من تنبيب
[ ١ / ١٠٨ ]
أو تخليب فذكاة له وغير العقر ضربان أحدهما فعل فيه كالصدم والنطح وما أشبه ذلك مما لا يبلغ فيه الجرح وهذا فيه خلاف والآخر أن يتلف عند مشاهدة الجارح طالبًا له فزعًا أو دهشًا فلا يجوز أكله.
وأما السلاح فكل ما جرى فالاصطياد به جائز من سيف ورمح وسكين وسهم ومعراض أصاب بحده دون عرضه فإن بات الصيد عنه بعد إرسال الجارح أو السهم فوجده من الغد مقتولًا لم يؤكل من الجارح وفي السهم خلاف.
[ ١ / ١٠٩ ]
وشركة الجارح غير المعلم أو مرسل المجوسي مانعة من أكل من شركا فيه جارح المسلم أو سهمه وإذا بان من الصيد عضو أو بضعة يعيش مع مفارقتها لم يؤكل البائن وأكل سائره وإن ساوى البائن ما بقى أكل جميعه ولا يؤكل ما قتلته الحبالة لأنه مقدور عليه ولا ما قتله السهم المسموم لشركة السم في قتله ولا صيد المجوس لأنه كذبه ويكره صيد الكتابي من غير
تحريم ولا يؤكل ما أدركه والجوارح تنهشه فلم يخلصه وهو قادر على ذلك أو طالبا لما يذبحه به للتفريط بذلك كله.
[ ١ / ١١٠ ]
باب الأطعمة والأشربة
الأطعمة ضربان حيوان يحتاج إلى ذكاة ونبات وغيره من الجامدات والمائعات لا يحتاج إلى ذكاة.
فما لا يحتاج إلى ذكاة من جميع الأطعمة المعتادة فأكله جائز ما لم يكن نجسًا بنفسه أو مخالطة نجس. وأما الحيوان فنوعان بري وبحري فأما البحري فيؤكل جميعه كان مما له شبه في البر أو مما لا شبه له من غير حاجة إلى ذكاة تلف بنفسه أو بسبب أتلفه مسلم أو مجوسي طفا أو لم يطف.
فأما البري فمحتاج إلى ذكاة وهي مختلفة باختلاف أنواعه على ما بيناه فبهيمة الأنعام والوحش كله مباح ما عدا الخنزير ولا تؤكل فإنه حرام والسباع فإنها مكروهة.
فأما الإنسي من ذوات الحوافر فالخيل مكروهة دون كراهة السباع والبغال والحمير مغلظة الكراهية جدًا وقيل محرمة بالسنة دون تحريم الخنزير.
[ ١ / ١١٠ ]
ولا تؤكل الجراد عند مالك ﵀ إلا أن يتلف بسبب ومن أصحابه من لا يرى فيه السبب. والطير كله مباح ذو المخلب وغيره وما عدا ذلك فمكروه مستقذر غير مقطوع على تحريمه.
وأما الأشربة فلا يحرم منها إلا ما أسكر فيحرم جميعه من أي نوع كان من عنب أو زبيب أو تمر أو رطب أو بسر نيًا كان أو مطبوخًا قليله وكثيره وشرب الخليطين مما ذكرناه.
وانتباذهما مكروه والانتباذ فيما عدا الدباء والمزفة جائز وفيهما مكروه وشرب العصير جائز وكذلك العقيد إذا ذهب منه بالطبخ الأكثر الثلثان وشبهها.
[ ١ / ١١١ ]
كتاب النكاح وما يتصل به
والنكاح مندوب إليه للقادر عليه من غير إيجاب والمنكوحات ضربان حرائر وإماء فالحرائر يجوز نكاحهن على الإطلاق والإماء لا يجوز للحر نكاحهن إلا بشرطين عدم الطول وخشية العنت وذلك سيذكر فيما بعد والحرائر نوعان أبكار وثيب وكل واحد من النوعين ينقسم إلى قسمين أصاغر وبوالغ.
ولا نكاح إلا بولي ذكر ولا يجوز لامرأة أن تنكح نفسها ولا غيرها بوجه وذلك باطل متى وقع لا يجوز بوجه ثم الأولياء ضربان آباء وغير آباء فأما صغار النساء فلا يزوجهن أحد من الأولياء سوى الآباء وللآباء إنكاحهن أبكارًا وثيبًا.
وأما الإبكار البوالغ فلآباء إنكاحهن بغير إذنهن ويستحب استئذانهن من غير إيجاب وينقطع الإجبار عن المعنسة وهي التي برزت وجهها وباشرت الأمور بنفسها وعرفت مصالحها وقيل إنه باق عليها ببقاء البكارة.
[ ١ / ١١٢ ]
وأما الثيب من البوالغ فلا إجبار عليها ولا تنكح إلا بإذنها.
والثيوبة المسقطة للإجبار هي الوطء بنكاح أو ملك أو بشبهتهما.
وأما الحرام المحض فلا يقطع الإجبار كان طوعًا أو اغتصابًا.
والولاية ولايتان خاصة وعامة فالخاصة في أربعة أوجه نسب أو خلافة نسب أو ولاء أو سلطان فأما ولاية النسب فمستحقة بالتعصيب لا مدخل فيها لذوي الأرحام الذين لا تعصيب لهم كالأخ للأم والخال وغيرهما ثم ما يملك بهما نوعان إجبار وإنكاح بإذن فأما الإجبار فلا يملكه إلا الأب وحده على صغار بناته وأبكار بوالغهن على ما قدمناه والسيد في أمته.
وأما الإنكاح بالاستئذان فيستوي الأب وسائر الأولياء وترتيب العصابات فيه بحسب قوة تعصيبهم فأولاهم البنون ثم بنوهم وإن سفلوا ثم الأب
ثم الإخوة للأب والأم ثم للأب ثم بنو الإخوة للأب والأم ثم بنو الإخوة للأب ثم الأجداد للأب وإن علوا ثم العمومة على ترتيب الإخوة ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة وإن سفلوا ثم الموالى ثم السلطان.
وإن أنكح الأبعد مع وجود الأقرب فيمن تستأذن جاز فأما خلافة النسب فوصى الأب خاصة في البكر هو أولى من سائر الأولياء بإذنها وهو في الثيب واحد منهم.
والمستأذنان أبكار وثيب فإذن الثيب بالقول وإذن البكر بالقول أو بالصمات ويستحب أن تعلم البكر بأن صماتها محمول منها على الإذن.
وأما الولاية العامة فولاية الدين وهو جائز مع تعذر الولاية الخاصة.
فأما مع وجودها فقيل: إنه جائز في الدنية التي لا خطر لها وكل واحد كفؤلها ولا يجوز في ذات القدر والشرف وقيل لا يجوز بحال مع القدرة.
وإذا تقدم العقد على الإذن فالصحيح أن لا يجوز وإن تعقبته الإجازة.
وللولي إنكاح صغار الذكور كان أبًا أوصى أبًا أو حاكمًا وإذا أنكح الأب ابنه الصغير فإن سمي الصداق عليه أو على الابن الذي له المال جاز وإن سكتا
[ ١ / ١١٣ ]
عنه فهو على الابن إن كان له مال وعلى الأب إن لم يكن للابن مال ثم لا ينتقل إليه بيسره.
ويجوز خلع الأب عن ولده الصغير الذكر والأنثي وكذلك إنكاحه البكر بأقل من صداق مثلها إذا رءاه حظا والعفو عن نصف صداقها بطلاقها قبل الدخول وللولي أن يلي إنكاح نفسه من وليته التي يجوز له نكاحها بنفسه بأي شيء كانت ولايته.
وإذا زوج الوليان فالداخل من الزوجين أولى ولا ولاية لعبد ولا لمن فيه بقية رق ولا لكافر على مسلمة ولا لمسلم على كافرة إلا بالرق وللسيد إجبار عبيده وإمائه وعبيد من يلي عليه من ولده أو بوصية على النكاح ولا يجوز لعبد ولا لأمة أن ينكحا إلا بإذن سيدهما والسيد في العبد بالخيار إذا نكح بغير إذنه بين أن يجيز أو يرد إلا أن يعتق قبل علمه بالنكاح فيمضي ولا رد له ولا خيار له في الأمة بخلاف العبد.
وللعبد أن ينكح أربعًا كالحر وله أن ينكح الأمة مع القدرة على الحرة بخلاف الحر.
والإشهاد من شروط كمال النكاح وفضيلته دون نفوذه وصحته وكذلك الإعلان والتراضي بكتمان العقد يفسده.
ولا يجوز لولي عضل وليته إذا دعته إلى كفء في الدين والحال والمروءة ويزوجها عليه الإمام وإن اتفقا على غير كفء جاز وليس كمال مهر المثل من الكفاءة والمتوك في عقد النكاح جائز.
فصل
الصداق مستحق في عقد النكاح ولا يجوز التراضي على إسقاطه ولا النكاح المشترط فيه سقوطه ولا حد لأكثره وأقله محدود وهو ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم فضة أو ما يساوي أحداهما من العروض ويجوز أن يكون أعيانا ومنافع والأعيان أحب إلينا.
ولا يجوز الصداق ما لا يجوز بيعه لتحريم عينه أو لغرره كالخمر والخنزير وكالآبق والشارد وفي فسخ النكاح به روايتان إحداهما أنه يفسخ قبل الدخول
[ ١ / ١١٤ ]
وبعده والأخرى أنه يفسخ قبله ويثبت بعده ويجب صداق المثل ويجوز على وصف أو عبد مطلق أو جهاز بيت ويرجع إلى العرف والوسط من ذلك ويجوز تعجيل المهر وتأجيله ويستحب تقديم ربع دينار قبل الدخول والصداق واجب بالعقد والتسمية ويستقر وجوبه بالدخول فيؤمن سقوطه وما لم يكن دخول فهو معرض لأن يسقط نصفه بطلاق أو جميعه بما يكون من جهة المرأة مثل أن ترتد أو تختار نفسها إذا أعتقت أو يبيعها سيدها من زوجها وعلى المرأة أن تتجهز لزوجها من صداقها وغيره بما يجري العرف في موضعها وله إن طلقها قبل الدخول نصف ما ابتاعته إلا أن يكون صرفته في شيء تختص به فتغرمه عينًا.
ونكاح الشغار باطل وهو أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما فإن سميا مهرا لهما أو لأحدهما صح النكاح المسمى فيه المهر ووجب صداق المثل.
ونكاح المتعة باطل وهو العقد المشروط فيه الأجل والخطبة على خطبة الغير جائزة على وجه وممنوعة على آخر فجوازها ما لم يكن بينهما إنعام وركون وتقدير صداق وما أشبهه ومنعها مع وجود ذلك وإذا اشترط المنكح في
[ ١ / ١١٥ ]
العقد حباءًا لنفسه والصداق للزوجة فهو لها حق بصداقها وما دفعه الزوج إليه بعد العقد فهو له. ونكاح التفويض جائز وصفته أن يعقدا ولا يسميا صداقًا أو على أن يفرضاه بعد أعقد ومن فرض منهما فرضية الآخر جاز وكان هو الصداق ومن كره لم يلزمه ونظر فإن كانت المرأة لزمها مما يفرضه صداق المثل دون ما قصر عنه وإن كان الزوج كان خير بين أمور ثلاثة إما أن يبذل لها صداق المثل أو يرضي بفرضها أو يطلق ولا يلزمه شيء بفرضها فإن طلق استحب له أن يمتع والمتعة هي أن يعطيها شيئًا يجري مجرى الهبة بحسب ما يحسن من مثله على قدر حاله من يسره وعسره ومن مات من الزوجين قبل الفرض فبينهما الميراث ولا صداق في من لم يفرض والموت في استقرار الصداق به كالدخول.
وصداق المثل معتبر بحالها وما هي عليه من جمال وحال وأبوه فيكون لها بحسب ذلك وما يكون مثله لأقرانها في السن ومن كان في مثل حالها ولا اعتبار بنساء عصبتها ومن أعتق أمته على أن يتزوجها نفذ العتق ولم يلزمها ذلك وإن شرط عتقها صداقها لم يصح ولزمه الصداق وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها وليس لها ذلك بعد طوعها بالتسليم. وإذا اختلفا في مقدار الصداق فإن كان قبل الدخول تحالفا وتفاسخا وبدئت باليمين ومن نكل منهما قضى عليه مع يمين صاحبه.
[ ١ / ١١٦ ]
وإن اختلفا بعد الدخول فالقول قول الزوج مع يمينه وإن كان الاختلاف في القبض فالقول قولها قبل الدخول فإن دخل رجع إلى الموضع الذي هما فيه فعمل على غالب أحوالهم وعرفهم فإن عدم ذلك فالقول قولها وإن كان هناك عرف يصدق الزوج ومعها كتاب ذكر الحق فالقول قولها.
فصل
ويثبت الخيار للزوجين بعيوب توجد فيهما أو في أحدهما فيكون الخيار لمن لم توجد به وذلك على ضربين منها ما يختص به الزوج ومنها ما تختص به المرأة ومنها ما يشتركان فيه.
فالذي يختص بالزوج هو ما يمنع الوطء وذلك أربعة عيوب الجب والخصي والعنة والاعتراض فالمجبوب هو المقطوع ذكره وأنثياه والخصي هو المقطوع أحدهما والعنين هو الذي له الذكر لا يتأتى الجماع مثله لصغره وامتناع تأتي إيلاجه والمعترض هو الذي لا يقدر على الوطء لعارض وهو بصفة من يمكنه وربما كان بعد وطء قد تقدم منه وربما كان عن امرأة دون أخرى ففي الجب والخصي والعنة لها الخيار وكذلك إذا كان الخصي قائم الذكر يمكنه الوطء إلا أنه لا ينزل فالخيار لها.
فأما المعترض فيضرب له الأجل سنة من يوم توقفه ويخلي بينه وبينها والقول قوله إن ادعى الوطء في السنة فإن مضت وتقارا على عدم الوطء فالخيار لها وذلك إذا لم يكن منه وطء قبل الاعتراض فلا يقبل قولها في دعوى ذلك به إلا بتصديقه إياها.
والفسخ إذا اختار الفرقة بطلاق وفي تكميل الصداق روايتان إحداهما إثباته على الإطلاق والأخرى بشرط طول إقامتها وتلذذه بها واستمتاعه بقدر تمكنه ثم إن تزوجته ثانية كان لها الخيار أيضًا بخلاف المجبوب والخصي لأن هذين لا يتوقع زوال ما بهما ويكمل الصداق في حقهما.
[ ١ / ١١٧ ]
وأما العيوب المختصة بالمرأة فهي داء الفرج المانع من وطئها.
وهو الرتق والقرن فذلك يوجب الخيار إن شاء أقام واستمتع بقدر ممكنة وإن شاء طلق ولا شيء عليه.
وأما المشتركة فالجنون والجذام والبرص فإذا وجد بالزوج فالمرأة بالخيار فإن اختارت الفسخ قبل الدخول فلا مهر لها وإن وجد ذلك الرجل بالمرأة فهو بالخيار إن شاء دخل ولزمه الصداق كاملًا وإن شاء طلق ولا شيء عليه فإن كان دفعه استرده وإن لم يعلم إلا بعد الدخول ترك لها ربع دينار وأخذ ما زاد عليه إن كانت هي الغارة وإن كان الغار وليها رجع الزوج بما دفعه إليها على الولي فلم يترك لها ربع دينار.
وكل هذه إذا كانت العيوب موجودة بمن وجد به منهما في حال العقد ولا خيار إن سلم في حال العقد ثم طرأت عليه.
ولا خيار فيما سوى ذلك من العيوب كالقطع والعمى والعور والحد في الزنا أو كونها ولد زنا أو ما أشبه ذلك.
ويستحب المتعة لكل مطلقة ومن جرى مجراها كانت مدخولًا بها أو غير مدخول بها إلا المطلقة المسمى لها قبل الدخول والمختلعة والملاعنة ولا يجبر عليها من أباها.
[ ١ / ١١٨ ]
فصل
وتجب النفقة للزوجة بالعقد والتمكين من الاستمتاع مع بلوغ الزوج وكونها ممن يستمتع بمثلها إلا أن تنشز والاعتبار في تقديرها بحالهما فيلزمه لها كفايتها على قدر حالها ويخدمها كفايتها إلا أن تتزوجه عالمة بفقره وأنه متكفف لا مال له فلا قول لها ولها في غير ذلك أن تفارق مع الإعسار بعد
ضرب الأجل ليتضح إعساره وطلاقه رجعي وله الرجعة إن أيسر في العدة والخيار لها في الإعسار بالصداق بعد ضرب الأجل على ما يرجى لمثله.
فصل
ونكاح المريض المخوف عليه المحجور عليه في ماله غير جائز ويفسخ إن وقع صح أو لم يصح وقيل يثبت إن صح وطلاقه ثلاثًا لا يقطع الميراث جملة بغير تفصيل إلا أن يصح من ذلك المرض ولا نكاح لمولى عليه إلا بإذن وليه.
فصل
ولا يجوز استباحة الفرج في الشرع إلا بأحد وجهين إما عقد النكاح أو ملك يمين فكل امرأة فجائز في الجملة العقد عليها ما لم يكن فيها ما يقتضي تحريمها والتحريم ضربان مؤبد وغير مؤبد فالمؤبد يرجع إلى عين المرأة فلا تحل بوجه وذلك بوجهين أحدهما أصل والأخرى معنى طاريء على العين يحظرها بعد إباحتها وجملته خمسة أشياء نسب ورضاع وصهر ولعان ووطء في العدة.
فالأصل هو النسب والفرع ما عددناه معه فالتحريم بالنسب هو في الأعيان السبعة وهي الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت فالأم اسم لكل أنثى لها عليك ولادة فتدخل في ذلك الأم دنية وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداتها وإن علون والبنت اسم لكل أنثى لك عليها ولادة أو على من له عليها ولادة فتدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها وبنات
[ ١ / ١١٩ ]
الأبناء وإن نزلن والأخت اسم لكل أنثى جاورتك في أصليك أو في أحدهما.
والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو في أحدهما والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة وبنت الأخت اسم لكل أنثى لأختك عليها ولادة بمباشرة أو واسطة.
وأما الرضاع فإنه يكسب من وجد به من الاسم ما يكسبه النسب فإذا أرضعت المرأة طفلًا حرمت عليه لأنه أمه وبنتها لأنها أخته وأختها لأنها خالته وأمها لأنها جدته وبنت زوجها صاحب اللبن لأنها أخته وأخته لأنها عمته وأمه لأنها جدته وبنات بنيها وبناتهما لأنهن بنات أخوته وأخواته.
وأما الصهير فأربع أم المرأة وابنتها وزوجة الأب وزوجة الابن.
فالأم تحرم بمجرد العقد الصحيح على ابنتها والبنت تحرم بشرط الاستمتاع بالأم لمن الدخول فما دونه استمتاعا مباحا أو شبهه وفي محض الزنا روايتان وسواء كانت الربيبة في حجر المتزوج بأمها أم لا.
وأما اللعان فيحرم على التأبيد وكذلك وطء المتزوجة في عدة بنكاح أو ملك فهذه جملة التحريم المتأبد.
وأما التحريم غير المؤبد فهو الذي يكون لعارض يزول بزواله وذلك يرجع إلى أمرين أحدهما صفة لأحد المتزوجين يزول التحريم بزوالها.
والآخر صفة في العقد وجملة ذلك أشياء وهي "ستة عشر وجها":
أحداها" أن تكون المرأة ذات زوج.
والثاني: أن تكون في عدة من زوج رجعية أو بائنة.
والثالث: أن تكون مستبرأة من غير الناكح أو حاملًا حملًا لا يلحق به كان لاحقًا بالواطء أو غير لاحق.
والرابع: أن يكون أحدهما مرتدًا.
والخامس: أن تكون المرأة كافرة غير كتابية.
والسادس: أن يكون الرجل كافرا أي أنواع الكفر كان.
والسابع: أن تكون أمة كافرة.
والثامن: أن يكون في حال إحرام.
[ ١ / ١٢٠ ]
والتاسع: أن تكون المرأة أمته أو أمة ولده.
والعاشر: أن يكون الرجل عبدًا للمرأة أو لوالدها.
والحادي عشر: نكاح الأمة المسلمة للحر الذي يجد الطول ولا يخشى العنت.
والثاني عشر: أن يكون جامعًا بين أكثر من أربع.
والثالث عشر: أن يكون عنده من ذوات محارمها من لا يجوز له الجمع بينه وبينها.
والرابع عشر: أن يكون أحدهما مريضًا مرضًا يحجر عليه فيه ويشتد الخوف عليه على ما ذكرناه. والخامس عشر: أن تكون قد ركنت إلى غيره وتمهد الأمر بينهما ولم يبق إلا العقد أو شبيه به. والسادس عشر: فيخ خلاف وهو أن يكون العقد يوم الجمعة والإمام يخطب على المنبر وربما أغفلنا شيئا يرد في التفصيل.
فصل
ولا يجوز العقد على معتدة من غيره وأن يصرح بخطبتها في العدة ويجوز التعريض لها نحو القول إني فيك لراغب والمقرب منك لمؤثر وما أشبه ذلك ويجوز لمن زنا بامرأة أن يتزوجها إذا استبرأها وأن يزوج زانيته بغيره ويكره تزويج المعروفة بالزنا والكتابيات ولا يفسخ نكاح المرأة بزناها عند زوجها ولا يطؤها إلا بعد استبرائها ونكاح حرائر الكتابيات جائز.
ووطء أمهاتهن بالملك دون النكاح جائز وللرجل أن ينكح أمة أبيه وأمه بخلاف أمة ابنه والأم في عبد ابنها.
وإذا أسلم الكافر وتحته من لو ابتدأ العقد عليها في الإسلام جاز ثبت عليها وإن كانت ممن لو أراد ابتداء العقد عليها في الإسلام لم يجز له ذلك لم يثبت عليها كذات المحرم والمرضعة وغيرهما قبل الدخول وبعده وإذا أسلم الكتابي وتحته كتابية ثبت عليها وإن كانت مجوسية عرض عليها الإسلام فإن أسلمت ثبتت معه وإن أبت انفسخ النكاح في الحال كان قبل الدخول أو بعده وكذلك إن كانا مجوسيين أو صابئين أو غير ذلك من أنواع الشرك وإن أسلمت هي
[ ١ / ١٢١ ]
فإن كان قبل الدخول بانت منه وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة فإن أسلم قبل خروجها تمسك بها وإلا بانت منه.
فصل
ومن أنواع التحريم تحريم الجمع وهو التحريم الراجع إلى صفة العقد وذلك ينقسم إلى ضربين أحدهما راجع إلى الأعيان والآخر راجع إلى عدد دون الأعيان.
فالراجع إلى الأعيان كالجمع بين الختين وبين المرأة وعمتها وخالتها وحصر ذلك أن كل امرأتين لو كانت كل واحدة منهما ذكرًا لم يجز له أن يتزوج الأخرى لم يجز الجمع بينهما وما عدا ذلك فجائز وطريق الجواز في الأول أن يحرم الأولى فيخرج عن الجمع ولا يجوز الجمع في الوطء بملك اليمين بين ما يحرم جمعه بالنكاح فتحريمها إن كانت زوجة بأن تبين منه وإن كانت أمة فبإخراجها عن ملكه ببيع أو هبة لمن لا يعتصرها منه أو بأن يزوجها أو يكاتبها أو يقنعها منجزًا أو مؤجلًا أو غير ذلك.
وأما الراجع إلى العدد دون الأعيان فهو الجمع بين أكثر من أربع نسوة وليس في ملك اليمين حد ومن بانت منه زوجته فله أن يتزوج من كان يمنع الجمع بينه وبينها وإن كانت البائن في عدتها.
وإذا أسلم المشرك وعنده من لا يجوز الجمع بينهن في الإسلام اختار منه أربعًا أو واحدة من الأختين وفارق البواقي وله اختيار الأوائل والأواخر كان نكاحهن في عقد واحد أو في عقود متفرقة والعدل بين الزوجات واجب في القسم وغيره من حقوق النكاح.
ومن تزوج بكرًا وله زوجة غيرها أقام عندها سبعًا وإن كانت ثيبًا أقام ثلاثًا ثم استأنف التسوية ولم يقض والأمة والحرة في القسم سواء وكذلك المسلمة والكتابية ويقرع بينهن إذا أراد السفر.
فصل
ومن غاب عن امرأته فعمي خبره وانقطع أثره ولم يعلم حياته من موته وأضر ذلك بزوجته فإنها ترفع أمرها إلى السلطان فيبحث عن خبره ويسأل عنه ويجتهد فإن وقف له على خبر حياته فليس بمفقود ويكاتبه بالعود أو الطلاق فإن أقام على الإضرار طلق عليه وإن لم يوقف له على خبر ولم يتميز له حياة ضرب لها حينئذ
[ ١ / ١٢٢ ]
أجل أربع سنين ثم اعتدت بعدها عدة الوفاة ثم نكحت فإن جاء في الأجل أو في العدة أو بعدها وقبل أن تتزوج فهي امرأته.
فإن جاء بعد أن تزوجت فإن كان الثاني دخل بها فهي له دون الأول وإن كان لم يدخل بها ففي رجوعه عليها بنصف الصداق روايتان وإن جاء قبل دخول الثاني بها ففيها روايتان والأسير بخلافه فلا يضرب لآمرته أجل وتبقى إلى أن ينكشف أمره.
ولا يقسم مال المفقود بين ورثته إلا أن يأتي عليه ما لا يعيش إلى مثله غالبًا وحده سبعون سنة وقيل ثمانون وقيل تسعون وقيل مائة والمفقود في المع يجتهد فيه من غير ضرب أجل فإذا لم يوقف له على حياة اعتدت امرأته وتزوجت.
[ ١ / ١٢٣ ]
كتاب الطلاق وأقسامة ومايتصل به
مدخل
كتاب الطلاق وأقسامه وما يتصل به
الطلاق ضربان كامل وناقص فالكامل طلاق الحر وهو ثلاث والناقص طلاق العبد وهو طلقتان.
والطلاق معتبر بالرجال دون النساء فإن أعتق العبد قبل إيقاع شيء منه كمل له وإن أعتق وقد أوقع بعضه لم يكمل له وبقى له بحساب طلاق العبد ثم كل واحد من كل الطلاقين نوعان رجعي وبائن فالرجعي ما دون الثلاث للحر والواحدة للعبد.
والبائن ضربان بائن مطلق وبائن في مقابلة الرجعي.
فالبائن المطلق طلاق غير المدخول بها وطلاق العنين والخلع والفسوخ كلها بائنة كالفسخ بالردة والملك والرضاع وغير ذلك.
والبائن في مقابلة الرجعي هو طلاق المدخول بها من غير عوض وهي ثلاثة للحر واثنتان للعبد مجتمعا كان أو متفرقا والرجعة ثابتة في الرجعي وفي الثلاثة يحرم العقد فلا تحل بنكاح ولا بملك إلا بثلاثة شروط أحدها أن تنكح زوجًا غيره نكاحًا جائزًا والثاني أن يطأها وطئًا مباحًا في غير حيض ولا إحرام ولا صوم ولا غير ذلك ونكاح المحلل باطل وهو الذي يتزوجها لا لغرض إلا قصده إحلالها لمطلقها ولا اعتبار بقصدها والثالث أن تبين منه بطلاق أو فسح أو موت.
وينقسم الطلاق من وجه آخر إلى ضربين طلاق السنة وطلاق بدعة ويتفرعان إلى قسم ثالث وهو أن يعري بوصفه عن واحد منهما.
فطلاق السنة هو الواقع على الوجه الذي أباح الشرع إيقاعه عليه والسنة والبدعة يرجعان إلى أمرين إلى الوقت والعدد.
ولطلاق السنة ستة شروط:
أحدها: أن تكون المطلقة ممن تحيض مثلها.
والثاني أن تكون طاهرًا غير حائض ولا نفساء.
[ ١ / ١٢٤ ]
والثالث: أن تكون في طهر لم تمس فيه.
والرابع: أن يكون الطهر تاليًا لحيض لم تطلق فيه.
والخامس: أن يطلق واحدة.
والسادس: أن تترك ولا يتبعها طلاقًا ومتى انخرم بعض هذه الأوصاف خرج الطلاق عن السنة ثم قد يكون للبدعة وهو أن يكون في حيض أو طهر مس فيه ثم طلق أو اثنتين أو ثلاثًا أو واحدة مبتدأة ثم يتبع بتمام الثلاث فكل ذلك البدعة.
وأما من يتساوى أوقاتها في جواز طلاقها فثلاث الصغيرة واليائسة والحامل البين حملها فطلاق هؤلاء لا يوصف بأنه للسنة ولا للبدعة من حيث الوقت ويوصف بذلك من حيث العدد.
وطلاق الحائض والنفساء محرم ويلزم إن وقع ويجبر المطلق على الرجعة فيما كان منه رجعيًا ثم ليس له أن يطلق إلا أن تطهر من الحيضة الثانية التالية للحيضة التي طلق فيها فإن طلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلق فيها كره له ذلك ولم يجبر على الارتجاع إن غفل عنه فإن اطلع عليه أجبر ما بقي شيء من العدة وقيل إلى الطهر الثاني وفي طلاق غير المدخول بها حائضًا خلاف.
والمستحاضة كالطاهر ولا يلزم طلاق غير مكلف من صبي أو مجنون أو نائم أو مبرسم أو هاد في غمرة المرض أو مكره يخاف شدة
[ ١ / ١٢٥ ]
الضرب وسواء أكره على إيقاعه أو على الإقرار به والسكران خارج من هؤلاء فيلزم طلاقه.
وعقد الطلاق والعتق بشرط التزويج والملك يلزم على وجه ولا يلزم على آخر والوجه الذي يلزم عليه أن يبقي لنفسه معه بعض الجنس وذلك بثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعين صفة من الجنس من نسب أو خلقة أو ما أشبه ذلك.
والثاني: أن يعين بلدًا بعينه.
والثالث: أن يضرب أجلًا يبلغه عمره.
والوجه الذي لا يلزم عليه أن نعم الجنس كله فلا يبقى لنفسه شيئًا منه والطلاق على ضربين معجل ومؤجل.
فالمعجل هو المطلق الذي لا يناط به شرط أو صفة يقف وقوعه على حصولهما والآخر ما يتعلق على ذلك ثم ما يتعلق به خمسة أضرب.
الأول: صفة أو شرط يتوصل إلى حصولهما.
والثاني: أجل لا بد أن يأتي أو صفة لا بد أن تأتي.
والرابع: صفة يجوز مجيئها وامتناعها فيعلق الطلاق على أحد الجائزين فيها على وجه الحلف مع كونها غائبًا.
والخامس: صفة لا يقصدها العقلاء كالهزل.
فأما الأول فمثل أن يقول إن دخلت الدار أو كلمت زيدًا أو قدم غائبي أو ما أشبه ذلك فهذا تعليق الطلاق بوصف صحيح يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون فيقف الطلاق عليه.
والثاني هو ما لابد أن يأتي فينجز الطلاق معه في الحال كمجيء الشهر أو موت زيد غير أن هذا النوع على ضربين منها ما يمكن بقاء الحالف إلى مجيئه فيلزم كالشهر والسنة ومنه ما يعلم أنه يبلغه كقوله خمسمائة سنة وما أشبه ذلك ففيه خلاف فقيل لا يلزم وقيل يلزم في الحال.
وأما إن صرح بتعليق الطلاق بعد موته كقوله أنت طالق إن مت أو إذا مت فلا يلزمه ويتخرج فيها وجه آخر أنه يلزمه من طريق الهزل.
وأما الثالث فهو ما يغلب مجيئه كقوله: إذا حضت أو طهرت أو وضعت حملك ففيه روايتان إحداهما التنجيز في الحال والآخر الوقوف على مجيئ الصفة.
[ ١ / ١٢٦ ]
وأما الرابع فهو قوله أنت طالق إن لم تكون حاملًا أو إن لم تمطر السماء غدًا أو إن لم تكن في هذه اللوزة توأم فالظاهر أن الطلاق يقع وإن وجد ما حلف عليه.
وأما الخامسة فهو صفات الهزل كقوله إن لم يكن هذا الإنسان إنسانًا وإن لم تكن الساعة نهارًا أو ما أشبه ذلك فيقع الطلاق لأنه هزل.
وأما تعليق الطلاق بالمشيئة فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي داخلة فيما قدمناه.
أحدها: الاستثناء بمشيئة الله تعالى واشتراطها.
والآخر: اشتراط مشيئة زيد أو غيره.
والثالث: تعليقه بمشيئة من لا تصح مشيئته كالحجر والحمار والمجنون والطفل فأما مشيئة الله تعالى فإن الطلاق لا يقف عليها ويقع الطلاق في الحال سواء أطلق أو كان في يمين وهذا إذا أعاد الاستثناء إلى الطلاق فإن عاد إلى الفعل المحلوف عليه فيه خلاف وأما مشيئة زيد فإن الطلاق يقف عليها ولا يقع دون حصولها وأما مشيئة من لا تصح مشيئة كالشاة والبقر والحمار والحجر فعند ابن القاسم لا يلزمه الطلاق ويلزمه عند سحنون وغيره.
ويجوز استثناء العدد من الطلاق من غير اعتبار لكون الاستثناء أكثر من المبقى أو أقل ويلزمه المبقى وإن لم يبق شيئًا كان رجوعًا ولزم طلاقه وفي وقوع الطلاق بمجرد عقد القلب خلاف.
[ ١ / ١٢٧ ]
فصل في صيغ الطلاق
وألفاظ الطلاق أربعة:
أحدها: صريح وهو ما تضمن ذكر الطلاق مثل قوله: أنت طالق أو أنت الطلاق أو مطلقة أو طلقتك أو ما أشبه ذلك.
وكنايات ظاهرة كقوله: أنت خلية أو برية وبتة وبائن وحرام وحبلك على غاربك فهذه جارية مجرى الصريح لا يقبل منه أنه لم يرد الطلاق وهي في المدخول بها ثلاث لا يقبل منه أنه أراد دونها إلا أن يكون على وجه الخلع ويقبل دعواه في غير المدخول بها وفي ألبتة خلاف قيل أنها ثلاث لا يقبل دعواه دونها بوجه.
[ ١ / ١٢٨ ]
وأما اعتدى فيقبل منه ما أراده من أعداد الطلاق وإن قال لم أرد طلاقًا فإن كان قد تقدم كلام يجوز صرفه إليه قبل منه وإن كان ابتداء كان طلاقًا.
وأما خليتك وفارقتك وسرحتك فدعواه ما دون الثلاث مختلف فيه والصحيح أنه لا يقبل منه. والثالث: هو الكناية المحتملة كقوله اذهبي وانطلقي وانصرفي وأغربي وما أشبه ذلك فيقبل منه ما يدعيه من إرادة الطلاق أو غيره أو الثلاث فدونها.
والرابع: هو الطلاق بغير ألفاظه كقوله اسقي ماء أو أشبه ذلك ففي وقوع الطلاق به خلاف. وتبعيض الطلاق كتكميله وكذلك المطلقة بعضها جزءًا أو عضوًا.
وإذا كتب الطلاق بيده قاصدًا التطليق به لزمه وإن كتبه مرويًا لم يلزمه وإذا قال أنت طالق قبل قوله فيما أراد به فإن لم يرد شيئًا كان واحدة.
ولا يهدم الزوج الثاني ما دون الثلاث وإذا شك في مراده بلفظ الطلاق وفي أعداده كان ثلاثًا فإن خرجت من العدة وهو على شكه فأي وقت تزوجها ثم طلقها واحدة لم تحل له إلا بعد زوج وفي تحليلها له بعد ثلاث أنكحة خلاف وإذا حلف بالطلاق على شيء فطلقها ثم تزوجها عادت اليمين عليه ما بقى من الطلاق المحلوق به شيء.
[ ١ / ١٢٩ ]
والرجعة بوجهين بالقول وبالاستمتاع بالوطء فما دونه مع القصد به الارتجاع وفسخ النكاح ضربان بطلاق وبغير طلاق ويتصور فائدة الفرق في نقصان عدد الطلاق إذا عد طلاقًا وفي تعليل الفرق روايتان:
إحداهما أن الطلاق معتبر فيما فيه خلاف ولا يعتبر فيما لا خلاف فيه.
والثانية: اعتبار الغلبة وعدمها ففي الغلبة يكون الفسخ بغير طلاق كالرضاع والملك والردة وفي غير الغلبة وهي ما لو شاء الزوجان المقام مع الحال الموجبة للفسخ لكان لهما ذلك فإن الفسخ يكون بطلاق وذلك كالفسخ بالعنة وبإيلاء وبإعسار المهر والنفقة وخيار المعتقة وما أشبه ذلك.
ولا يقبل في الشهادة على الإطلاق إلا الرجال وإذا اختلفا في الزمان أو المكان وكانت الشهادة على قول لزم الطلاق وإن كانت على فعل في يمين حلف بها لم يلزمه دون أن يتفقا على صفته ولا يجب كمال المهر بالخلوة دون المسيس والقول قولها عند التداعي على ظاهر المذهب.
وإذا أعتقت الأمة تحت العبد فلها الخيار في أن تثبت معه أو تفارقه ولا خيار لها تحت الحر.
فصل
والخلع جائز
وهو طلاق وصفته أن يوقع الطلاق بعوض يأخذه من الزوجة أو مس يبذله عنها ثم له ثلاثة أحوال حال يحرم معها العوض وحال يكره وحال يباح ولا يكره.
فأما الحال التي يحرم معه فيرجع إلى أمرين: أحدهما: يرجع إليه والآخر: إلى العوض فأما الراجع إليه فأن يكون مضرًا بها مؤذيًا لها مسيئًا إليها فتبذل له العوض للتخلص من ظلمه وتطلب الراحة من أذيته فهذا ينفذ طلاقه ويرد العوض.
[ ١ / ١٣٠ ]
والآخر أن يكون العوض خمرًا أو خنزيرًا أو ما لا يصلح تملكه فإن الطلاق يلزمه ولا شيء له عليه. وأما الحال التي تكره فأن يقطع منها ما يعلم أنه تستضر به إلا أنه لا يلزمه ولا يمكنها المقام معه فيكره له.
وأما المباح فأن يكون إيثار الفرقة من قبلها أو باختيارها دون الزوج وطلاق الخلع بائن لا رجعة فيه ولا يلحقه إرداف إلا أن يكون متصلًا به من غير تراخ فيكون كلفظ الواحد وله أن ينكحها في العدة ولا نفقة لها ولا توارث بينهما.
[ ١ / ١٣١ ]
باب الحكمين
وإذا قبح ما بين الزوجين وظهر الشقاق فإن علم الإضرار من أحدهما أمر بإزالته وإن انغلق الأمر فيه بعث الحاكم حكمين ويختار أحدهما من أهل الرجل والآخر من أهل المرأة فقيهين عدلين ينظران ويجتهدان ويعملان على ما يريانه صلاحًا للفريقين من إصلاح أو تفريق من غير اعتبار برضا الزوجين ولا بموافقة حاكم البلد أو مخالفته.
فصل
وللرجل أن يجعل إلى المرأة طلاقها وذلك على والجهين:
أحدهما: أن يوكلها.
والآخر أن يملكها ففي التوكيل له أن يرجع ما لم تطلق نفسها وفي التمليك ليس له ذلك إلا أن تبطل تملكها.
والتمليك على وجهين: تمليك تفويض وتمليك تخيير وهو الخيار على ما ذكره فأما تمليك التفويض فهو أن يقول قد ملكت أمرك أو أمرك بيدك أو طلاقك بيدك أو ما أشبه ذلك ثم لا يخلو حالها من خمسة أقسام أما أن تجيب بصريح يفهم عنها مرادها منه أو أن تجيب بلفظ مبهم يحتمل الإيقاع وغيره أو أن تفعل ما يدل على مرادها أو أن ترد فتقول قد اخترتك ولا حاجة لي إلى التمليك أو أن تمسك ولا يظهر منها جواب ولا ما يدل على مرادها.
فأما الأول فهو أن تجيب بصريح فإنه يعمل عليه ثم لا يخلو من أمرين: إما أن تطلق واحدة أو زيادة عليها ففي الواحدة لا مناكرة له فيها وفيما زاد عليها
[ ١ / ١٣١ ]
له المناكرة وذلك بأربعة شروط:
أحدها: أن ينكر حين سماعه من غير سكوت ولا إمهال وإن سكت عن ذلك ثم أنكر من بعد لم يقبل منه.
والآخر: أن يقر بأنه أراد بتمليكه الطلاق وتكون مناكرته في عدده فإن نفى أن يكون أراد طلاقًا لم يقبل منه ويقع ما أوقعته ثم إن ادعى بعد ذلك أنه أراد دون ما قضت به قبل منه عند مالك مع يمينه وقال غيره من أصحابه لا يقبل منه لاعترافه بأنه لم تكن له نية طلاق.
والثالث: أن يدعي أنه نوى واحدة أو اثنتين في حال تمليكه إياها فإن قال لم تكن لي نية لم تكن له مناكرة.
والرابع: أن يكون تمليكه طوعًا فإن كان بشرط شرط عليه لم تكن له المناكرة.
فأما القسم الثاني وهو أن تجيب بلفظ مبهم كقولها قبلت أمري أو قبلت ما ملكتني أو قبلت بهما فإنها تسأل عن مرادها فإن قالت أردت البقاء على الزوجية قبل منها وبطل تمليكها وإن قالت أردت طلاقًا قبل منها وكان على ما تقدم وإن قالت أردت بالقبول تقبل ما ملكنيه دون رده وإسقاطه وتأخير إنجازه لأنظر وأرى قبل منها وأخذت الآن بالتخيير من إيقاع أو رد.
وأما الثالث: فهو أن تفعل ما يدل على مرادها مثل أن تنتقل وتنقل قماشها وتنفرد عنه ويظهر من فعلها ما يدل على سرورها بالبعد منه وزوال سلطانه عنها فيحمل ذلك منها على الطلاق ولا يقبل منها إن قالت لم أرده.
[ ١ / ١٣٢ ]
وأما الرابع: وهو أن ترد وتصرح باختيارها لزوجها فيقبل منها ويسقط تمليكها وتعود إلى ما كانت.
وأما الخامس: فهو أن تمسك عن جواب أو فعل يقوم مقامه حتى يفترقا أو يطول بهما المجلس طولًا يخرج عن أن يكون ما يأتي به جوابًا ففيه روايتان:
إحداهما: إبطال حقها من التملك والأخرى: بقاؤه وأخذها بموجبه من تطليق أورد فإن فعلت وإلا رفعت إلى الحاكم ليحكم عليها بسقوط التمليك واختلاف القول فيه لاختلاف ما بني عليه فعلى الأول يكون حكمه حكم العقود التي تبطل بتراخي الجواب وعلى الثانية حكمه حكم التمليكات كخيار العتق وفي طول المجلس بها أيضًا خلاف بين أصحابنا.
وأما تمليك التخيير فهو على ضربين: تخيير مطلق وتخيير مقيد فأما المقيد فهو أن يخيرها في عدد بعينه من أعداد الطلاق فيقول لهل اختاريني أو اختاري طلقة أو طلقتين فليس لها أن تختار زيادة على ما جعل لها.
والمطلق هو التخيير في النفس وهو أن يقول لها اختاريني أو اختاري نفسك فهذا يقتضي اختيار ما تنقطع به العصمة وهو الثلاث وإن قالت اخترت واحدة أو اثنتين لم يكن ذلك لها وبطل خيارها فإن قالت اخترت نفسي كانت ثلاثًا ولا يقبل منها إن يكون فسرته بما دونه.
فصل
والمولى مخاطب بأحد أمرين إما بالفيء أو بالطلاق.
والإيلاء الشرعي هو الذي يلزم فيه الوقف وهو أن يحلف بيمين يلزم بالحنث فيها حكم على ترك وطء زوجته أو ما يتضمن ترك الوطء زيادة على أربعة أشهر أو بمدة مؤثرة حرة كانت أو أمة مسلمة كانت أو كتابية فإن انحرم بعض ذلك لم يكن إيلاء يلزم به الوقف ويضرب له أجل أربعة أشهر من يوم حلف ويمكن منها فإن فاء فيها سقط عنه حكم الإيلاء وإن مضت ولم يفيء أوقف فإما
[ ١ / ١٣٣ ]
فاء وإما طلق ولا يلزمه طلاق بنفس مضى الأجل وهذا إذا قصد الحلف على ترك الوطء.
فأما إن حلف على غيره مما يمنع الوطء إلا بعد بره أو فعل موجبه فإنه يصير موليًا بالحكم ويضرب له الأجل حين يحكم عليه ومن ترك الوطء مضارًا وعرف ذلك منه وطالبت به المرأة كان حكمه حكم المولي بيمين وأجله حين الحكم.
فصل
والظهار محرم وقول زور ومنكر وحقيقته تشبيه محللة له بنكاح أو ملك بمحرمة عليه تحريمًا مؤبدًا بنسب أو رضاع أو صهر والشبيه على أربعة أضرب تشبيه جملة بجملة كقوله أنت علي كأمي وتشبيه جملة ببعض كقوله أنت على كظهر أمي وتشبيه بعض جملة بجملة كقوله فرجك علي كأمي وتشبيه بعض ببعض مثل أن يشبه بعض زوجته ببعض أمه وفي التشبيه بمحرمة عليه على غير التأبيد خلاف قيل هو ظهار وقيل هو طلاق.
ويحرم بالظهار الوطء وجميع أنواع الاستمتاع.
ولا تجب الكفارة فيه إلا بالعود وهو العزم على الوطء والكفارة ثلاثة أنواع مرتبة إعتاق ثم صيام ثم إطعامز
فالإعتاق تحرير رقبة مؤمنة سليمة من العيوب والصوم صيام شهرين متتابعين والإطعام أن يطعم ستين مسكينا مسكيننا مدًا لكل مسكين بمد هشام.
ولا يجوز أن يطأ قبل التكفير ولا في خلال الكفارة ويكفر العبد بما سوى الإعتاق.
فصل
واللعان بين كل زوجين حرين أو عبدين عدلين أو فاسقين وهو موضوع لشيئين رفع النسب وسقوط حد في القذف ويجب بثلاثة أوجه:
أحدها: أن يدعي أنه رأى امرأته زنت ويصف ذلك كما يصف الشهود على الزنا وفي اللعان بمجرد قذفها خلاف ومن شروط الالتعان بغير الرؤية ألا يطأ بعدها.
والثاني: أن يستبري ثم لا يطأ حتى يظهر الحمل:
والثالث أن يقول لم أطأها أصلًا.
[ ١ / ١٣٤ ]
ويتعلق باللعان أربعة أحكام سقوط الحد ونفي السبب وقطع النكاح وتأبيد التحريم فأما سقوط الحد عن الزوج فمتعلق بالتعانه وحده وكذلك نفي النسب وأما سقوط الحد عن المرأة فمتعلق بالتعانها وأما الفرقة فمتعلقة بالتعانهما معًا.
وتأبيد التحريم يتبع الفرقة وهي واقفة بنفس فراغهما من اللعان من غير حاجة إلى حكم حاكم. ويلتعن في النكاح الفاسد ولا يرتفع التحريم بإكذابه نفسه.
وصفة اللعان أن يشهد الرجل أربع شهادات بالله لقد زنت ولقد رآها تزنى على الصفة المشترطة ويخمس بأن يقول وإلا فلعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم تلتعن هي فتشهد أربع شهادات بالله بنقيض ما شهد به وتخمس بأن تقول وإلا فغضب الله عليها إن كان من الصادقين.
فإن استلحق النسب بعد الالتعان حد ولحق به الولد ويلاعن الأخرس منها بما يفهم عنه من إشارة أو كتابة ويلاعن الأعمى في نفي النسب وفي القذف خلاف وإذا تصادقا على نفي النسب أو الزنا ففي الاكتفاء بذلك من اللعان خلاف.
[ ١ / ١٣٥ ]
باب العدة والاستبراء وما يتعلق بهما
يوجب العدة شيئان طلاق وما في معناه من فسخ والآخر الموت والعدة في غير الموت لا تكون إلا في مدخول بها وأنواع العدة ثلاثة أضرب أقراء ووضع حمل وشهور ثم هي على ضربين منها ما يشترط فيه الطلاق والموت وهو وضع الحمل ومنها ما يشتركان في جنسه دون تعينه وهو الأقراء والشهور على ما نبين تفصيله.
والأقراء ثلاثة هي الأطهار وإذا طلقت في آخر الطهر مخاصت عقيب الطلاق بجزء من الطهر كان ذلك قرءًا كاملًا وتحل المطلقة بالدخول في دم الحيض الثالثه وعقدة الأمة قرءان وتحل بالدخول في دم الحيض الثانية وأما وضع الحمل فيستوي فيه جميع المعتدات من الحرائر والإماء المسلمات والكتابيات وفي الأسباب الموجبة له من الطلاق والفسخ والشبهة والموت.
[ ١ / ١٣٥ ]
ولا تنقضي العدة إلا بوضع جميعه وسواء كان علقة أو مضغة من غير مراعاة لتمام الخلق أو لتخطيطه فأما العدة بالشهور ففي الطلاق والفسخ بثلاثة أشهر فإن ابتدأت من أول الشهر فعلى ما يكون عليه من تمام أو نقصان وإن ابتدأت من بعضه كمل أوله بالحساب فتجلس بقيته من يوم وجبت العدة وجبت العدة ثم تعتد الشهرين بعده ثم تتم باقي الأول بالعدد المكمل وإن طلقت في بعض يوم حسبت العدة من ذلك الوقت إليه وقيل تلغيه وتحسبه من غده وهذا النوع من الاعتداد في المدخول بها المطيقة للوطء إلا أنها لم تحض لصغر أو ليأس منه من كبر ويستوي فيه الإماء والحرائر المسلمات والكوافر.
وأما عدة الوفاة لغير الحامل فللحرة أربعة أشهر وعشر ليال صغيرة كانت أو كبيرة مدخولة بها أو غير مدخول بها لا يفترقان إلا في الحاجة إلى الحيض
[ ١ / ١٣٦ ]
فالمدخول بها لا بد لها من حيضة أما في أثناء العدة أو بعدها إلى غالب مدة الحمل وغير المدخول بها لا تحتاج إلى حيض.
وعدة الأمة شهران وخمس ليال وفي عدة الكتابية من الوفاة روايتان:
إحداهما: أنها كالمسلمة.
والأخرى: استبرأ رحمها.
والمرتابة هي التي ترتفع حيضتها من غير إيياس ولا يخلو ذلك أن يكون لعارض يعلم بالعادة تأثيره في رفعة كالرضاع والمرض أو لغير عارض فإن كان لرضاع فلا يبرئها إلا الحيض طال بها الوقت أم قصر وفي المرض خلاف.
وأما إن كان لغير عارض معلوم فإنها تنتظر تسعة أشهر فإن حاضت في خلالها حسبت ما مضى قرءًا ثم تنتظر القرء الثاني فإن حاضت وإلا انتظرت تمام تسعة أشهر فإن مضت تسعة أشهر ولم تحض اعتدت بثلاثة أشهر فيكون الكل سنة.
فإن حاضت قبل انقضاء السنة ولو بساعة استقبلت الحيض فإن مضت السنة انقضت عدتها ولا تنظر إلى حيضتها بعدها ولو بساعة.
وفي عدة المستحاضة من الطلاق روايتان إحداهما سنة والآخر العمل على التمييز.
وفي الوفاة روايتان: إحداهما تسعة أشهر والأخرى أربعة أشهر وعشرًا كغير المستحاضة وعدة أم الولد من وفاة سيدها حيضة أو ثلاثة أشهر إن كانت يائسة والحيضة استبراء في الحقيقة لا عدة وإذا مات عن الرجعية انتقلت إلى عدة الوفاة والبائن تمضي على عدتها.
والمعتقة في العدة تمضي في عدتها ولا تنتقل إلى عدة الحرة إلا أن يموت عنها بعد أن تعتق من طلاق رجعي فتنتقل إلى عدة الوفاة وكل رجعة تهدم العدة إلا رجعة المولى والمعسر بالنفقة فإنهما يقفان على الفيء واليسار وإذا تزوجت في العدة ووطئها الثاني ففي تداخل العدتين روايتان ولا إحداد على مطلقة والإحداد على كل زوجة مات زوجها عنها.
والإحداد هو الامتناع من الزينة والحلي كله والطيب ولباس المصبغ ومن الكحل والحناء والامتشاط بما يختمر في الرأس إلا للضرورة.
ولا إحداد على ملك اليمين ولا يجوز لمعتدة من وفاة أو طلاق أن تنتقل عن بيتها الذي كانت فيه حتى تنقضي عدتها إلا من ضرورة.
[ ١ / ١٣٧ ]
فصل
وللرجعية النفقة والسكنى حاملًا أو حائلًا حتى تنقضي عدتها وللمبتوتة السكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا ولا نفقة للملاعنة حاملًا كانت أو حائلًا ولا للمعتدة من وفاة ولها السكنى إن كانت الدار للميت يملك رقبتها أو سكناها.
وعلى المرأة إرضاع ولدها ما دامت زوجة لأبيه الإأن يكون مثلها لا ترضع إما لشرف أو علو قدر أو لسقم أو قلة لبن فيكون على الأب أن يسترضع له من ماله وليس ذلك عليه إذا طلقت إلا بأجرة والمتوفي عنها إذا وضعت فرضاعها من مال الصبي.
فصل
وعلى الرجل نفقة ولده الصغير إذا كان فقيرًا وإذا بلغ الابن سقطت نفقته إلا أن يكون مجنونًا أو زمنًا لا مال له فإن وجوب النفقة مستدام على الأب ولا تسقط نفقة البنت وإن بلغت حتى يدخل بها زوجها ولا نفقة على الأم لولدها وعلى الولد الموسر أن ينفق على أبويه المعسرين ولا نفقة لجد ولا لجدة ولا عليهما لولد ولدهما ولا على سوى من ذكرنا من الأقارب.
وإذا طلق امرأته فالحضانة للأم فإن تزوجت ودخل بها زوجها انقطع حقها من الحضانة وانتقل إلى أمها إن كانت لا زوج لها إلا أن يكون زوجها جد الطفل ثم بعد الجدة إلى الخالة فإن لم يوجد من جهة الأم أحد انتقلت إلى جهة الأب أمه وأخته.
والحضانة للغلام إلى البلوغ وللجارية إلى أن تنكح ويدخل بها زوجها وليس للأب أن يسافر بولده الصغير إلا أن يكون خروج انتقال.
[ ١ / ١٣٨ ]
فصل
ومن ملك أمة حاملًا لم يكن له وطئها ولا التلذذ بها حتى تضع فإن كانت حائلًا فحتى تحيض حيضة أو يمر بها ثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض أو تسعة أشهر إن ارتابت وإن كانت معتدة فحتى تخرج من عدتها وليس عليه استبراء فيمن لا يوطء مثلها ولا فيمن يعلم براءة رحمها ولا يجوز لمن وطء أمة أن يبيعها قبل أن يستبرئها ولا يجوز للمشتري أيضًا وطئها حتى يستبرئها وإن اتفقا على استبراء واحد جاز.
[ ١ / ١٣٩ ]
باب الرضاع
والرضاع يوجب التحريم وينشر حرمة بين المرضع والمرضعة وبين زوجها الذي له اللبن وللتحريم الرضاع ستة شروط:
أحدها: وصول اللبن من المرضعة إلى حلق الرضيع أو جوفه من أي المنافذ كان من فم أو سعوط كان بإرضاع أو وجور قليلًا أو كثيرًا.
والثاني: أن يكون من أنثى بكرًا كانت أو ثيبًا موطوءة أو غير موطوءة فأما لو در لبن فأرضع به طفلًا لم يحرم به تحريم الرضاع.
والثالث: أن ذلك مقصور على الأدميات لو ارتضع طفلان من لبن بهيمة لم يثبت بينهما إخوة الرضاع.
والرابع: أن يكون في الحولين أو زيادة عليها بالأيام اليسيرة دون ما زاد على ذلك.
[ ١ / ١٣٩ ]
والخامس: أن يكون المرضع محتاجًا إلى اللبن فأما لو فصل قبل الحولين واستغنى بالطعام مدة بينة ثم أرضع لم يحرم وإن كان في الحولين.
والسادس: أن يكون إما منفردا بنفسه وإما مختلطا بما لم يستهلك فيه فأما إن خاطها ما أستهلك فيه من طبيخ أو دواء أو غير ذلك فلا يحرم عند أصحابنا وليس من شرطه أن تكون المرضعة حية ويحرم لبن الفحل كالذى له امرأتان ترضع إحداهما صبيًا والأخرى صبية وتسافر المرأة مع مرضعها وكل من حرم بالولادة حرم بالرضاع.
تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني
وأوله كتاب البيوع
[ ١ / ١٤٠ ]