كتاب البيوع
كتاب البيوع
كل بيع فالأصل فيه الجوار إلا ما تعلق به ضرب من ضروب المنع.
وفساد البيع يكون بوجوه:
منها: ما يرجع إلى المبيع.
ومنها: ما يرجع إلى الثمن.
ومنها: ما يرجع إلى المتعاقدين.
ومنها: ما يرجع إلى صفة العقد.
ومنها: ما يرجع إلى الحال التي وقع فيه العقد وربما انفرد بعض هذه الأقسام بنفسه وربما تداخلت أما ما يرجع إلى المبيع فبكونه مما لا يصح بيعه وذلك كبيع الحر والخمر والخنزير في حق المسلم وبيع النجاسات وما لا منفعة فيه كخشاش الأرض والكلاب واختلف فيما يجوز الانتفاع به منها.
[ ٢ / ١٤١ ]
وأما ما يرجع إلى الثمن فبكونه مما لا تصح المعاوضة بجنسه ويرجع ذلك إلى أنه لا يصح بيعه.
وأما ما يرجع إلى المتعاقدين فمثل أن يكونا أو إحداهما ممن لا يصح عقده كالصغير والمجنون أو غير عالم بالبيع أو محجور عليه والحجر يؤثر في منع البيع تارة وفي وقفه أخرى وأما ما يرجع إلى صفة العقد فضروب منها الربا ووجوهه ومنها الغرر وأبوابه ومنها المزابنة والبيع والسلف وغير ذلك مما نذكره مفصلا.
فصل
المبيعات ثلاثة أنواع عين حاضرة مرئية وعين غائبة عن المتعاقدين فيجوز بيعها بالصفة ويجب أن تحصر بالصفات المقصودة التي تختلف الأثمان باختلافها وثقل الرغبة وتكثر لأجلها ولا يكتفي بذكر الجنس والنوع فقط ولا يجوز بيعها بغير صفة إلا أن يكون على رؤية متقدمة من وقت لا تتغير في مثله إلى وقت العقد ولا خيار للمبتاع إذا جاءت على الصفة أو على ما يعرف من الرؤية إلا أن يشترطه وله الخيار إن جاءت على دون الصفة وضمانها من البائع إلا أن يشترطه على المشتري في ظاهر المذهب ويجوز النقد فيه بغير شرط فإن كان بشرط فسد البيع إلا في المأمون كالعقار ونحو ذلك كبيع الأعدال على البرنامج فإنه جائز إذا تبين ما تضمنه برنامجه فإن وافق الصفة لزم.
والنوع الثالث هو السلم في الذمة وهو جائز في كل ما تحصره الصفة على ما نذكره.
فصل
والبيع جائز منجزًا أو بشرط الخيار والخيار يثبت في البيع بأمرين أحدهما بمقتضى العقد والآخر بالشرط.
فالأول ضربان أحدهما أن يخرج المبيع علي خلاف ما دخل عليه وذلك بأن يخالف ما شرطه من الصفة أو بأن يوجد به عيب.
والآخر مختلف فيه وهو أن تكون فيه مغابنة خارجة عن حد ما يتغابن الناس بمثله فقيل أن البيع لازم ولا خيار وقيل للمغبون الخيار إذا دخل على بيع الناس المعتاد.
[ ٢ / ١٤٢ ]
فأما خيار الشرط فلا يثبت بمقتضى العقد وإنما يثبت بالشرط وليس خيار المجلس من مقتضى العقد ومجرد القول المطلق كاف في لزومه ويجوز شرط الخيار لمن شرطه من المتعاقدين أولهما ثم لمن ثبت له أن يمضي أو يفسخ ولا حد في مدته إلا قدر ما يختبر المبيع في مثله وذلك يختلف باختلاف أنواع المبيعات فإن عينا مدة تحتمل ذلك جاز وإن أطلقا ضرب خيار المثل وإذا اختلفا في الرد والإمضاء فالقول قول مختار الرد ويقوم الوارث فيه مقام الموروث.
ويحكم بالإمضاء في كل تصرف يفعله المالك في ملك لا يحتاج في اختيار المبيع إليه وذلك كالوطء والاستمتاع بما دونه والإعتاق والتدبير والكتابة وتزويج الأمة والعبد وغير ذلك مما في معناه وتلفه من البائع إن كان في يده أو في يد غيرهما ومن المشتري إن كان في يده وكان مما يغاب عليه.
فصل
بيع الربا غير جائز والربا ضربان تفاضل ونساء فالتفاضل على وجهين تفاضل في العين وتفاضل في القيمة فالتفاضل في العين يحرم في جنسين أحدهما الجنس الواحد من المقتات المدخر وما في معناه مما يصلح للأقوات وذلك في المسميات الأربع التي نص عليها الرسول ﵇ وهي الحنطة والشعير والتمر والملح ويلحق بها ما في معناها كالأرز والدخن والذرة والسمسم والقطاني كالفول واللوبيا والعدس والحمص وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت وأثمار كالعنب والزبيب والزيتون واختلف في التين ويلحق بها العسل والسكر ولا يحرم التفاضل في الماء كله ولا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفاح والبطيخ والرمان والكمثرى
[ ٢ / ١٤٣ ]
والقثاء والخيار والباذنجان وغير ذلك من الخضروات ولا فيما يدخر من الفواكه للأدوية كالمشمش والإجاص أو على وجه الخصوص والندور كالخوخ وغيره.
وكل مسمى مما يحرم التفاضل فيه فإنه صنف منفرد بنفسه لا يضم إليه سوى أنواعه إلا الحنطة والشعير والسلت فإنها كصنف واحد واختلف قوله في القطنية واللحوم ثلاثة أصناف لحوم ذوات الأربع من الأنعام والوحش صنف ولحوم الطير كلها صنف ولحوم دواب الماء صنف وقيل الجراد صنف رابع والجنس الآخر مما يحرم التفاضل في عينه هو الذهب والفضة على اختلاف صفاتها من تبر ومضروب ومهمل ومصوغ فلا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه بجنسه وما غيرته الصنعة من المأكول صار كجنس آخر فيجوز التفاضل بينه وبين ما بقى على صفته وذلك كالحنطة والدقيق والعجين بخبزها واللحم النيئ بمطبوخه والرطب والتمر والزبيب بخلها.
وأما التفاضل في المعنى فمثل صاع معقلي وصاع دقل بصاعين برني لأن المعقلي أعلى من البرني والدقل أدون منه والبرني وسط بينهما وكل ما حرم التفاضل فيه جاز البيع فيه مع التماثل والجهل بالتماثل في المنع كتحقق التفاضل.
[ ٢ / ١٤٤ ]
فأما النساء فهو على ضربين أحدهما معلل بتفاضل في جنس واحد فكل جنس من أجناس المملوكات المتمولات فإن التفاضل فيه حرام لا يجوز بوجه كان مما يحوز التفاضل في نقده أو يحرم والجنسية المعتبرة فيما لا يحرم التفاضل في نقده اختلاف الأغراض والمنافع دون الخلق والألوان.
والضرب الآخر: المطعومات والنقود فلا يجوز مطعوم بمطعوم نساء على وجه لا متفاضلًا ولا متماثلًا لا من جنسه ولا من خلافه وكذلك النقود لا يجوز ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا أحدهما بالآخر نساء على الوجه الذي لا يجوز نقدًا ولا على خلافه.
فصل
والمزابنة يجمعها بيع معلوم بمجهول من جنسه كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب ورطب كل ثمرة بيابسها أو حب كالحنطة المبلولة بيابسها والدقيق
[ ٢ / ١٤٥ ]
بالعجين والحي الذي يراد للحم كالكبير باللحم من جنسه والمشوي بالنيئ والمالح بالطري والسمسم بالشيرج وما أشبه ذلك وهذا فيما نقده الربا.
ومنها بيع مجهول بمجهول من جنسه كصبرة بصبرة وجزاف بجزاف وثمرة نخلة بثمرة نخلة أخرى.
فأما فيما يجوز التفاضل في نقده فإن تحققت الزيادة جاز وإن لم تتحقق دخله الحظر ويجوز الرطب بالرطب متماثلًا وكذلك اللبن باللبن وقسمة اللحم والبيض على التحري جائز.
فصل
والأعيان المبيعة ضربان طعام وغير طعام فغير طعام والشراب من سائر المبيعات من العروض والعبيد والحيوان والعقار وما ينقل ويحول أو لا ينقل ولا يحول فبيعه جائز قبل قبضه في الجملة ما لم يعرض فيه ما يمنع منه.
وأما الطعام فلا يجوز فيما تعلق به حق توفية من كيل أو وزن أو عدد أن يباع قبل قبضة أو يعاوض عليه إلا أن يكون على غير وجه المعاوضة كالهبة والصدقة أو على وجه المعروف كالقروض والبدل فيجوز ثم لا يجوز لمن صار إليه ذلك أن يعاوض عليه قبل قبضه ويجوز فيه إلا حالة والشركة والتولية قبل قبضه وما أبيح منه جزافًا أو مصبرًا فبيعه جائز قبل نقه إذا خلى البائع بينه وبينه وكل مبيع هلك قبل قبضه فهو من المشتري إن كان متعينًا متميزًا وإن كان مما يجب فيه حق توفية فهو من البائع وبيع الطعام وسائر المكيلات جزافًا جائز في الغرائز وصبر على الأرض وكذلك العروض المكيلة والموزونة كالجص والنورة والقطن وغير ذلك.
[ ٢ / ١٤٦ ]
ولا يجوز فيما يعظم الغرر فيه كالعبيد والحيوان والثياب والجواهر ومن شرط جواز بيع الجزاف تساوى المتعاقدين في الجهل بمقداره ولا يجوز مع علم بائعه به ويكون للمشتري الخيار ولو دخل على الرضى بذلك لم يجز ويجوز تصديق المشتري للبائع في كيله إن كان بنقد ويكره في النساء.
فصل
بيع الثمار بعد بدو صلاحها جائز مطلقًا وبشرط التبقية والقطع وإطلاقها يقتضي التبقية فأما قبل البدو فيجوز بشرط القطع ولا يجوز مطلقا ولا بشرط التبقية وبدو الصلاح يختلف باختلاف أنواعها ففي النخل باحمرار البسر أو اصفراره وفي العنب بأن يسود أو تدور الحلاوة فيه وفي الفواكة كلها والبقول بإطعامها وتمام بناتها وكل صنف يعتبر طيبه بنفسه لا بغيره وبيع المقاثي والمباطخ جائز يبدو صلاح أوله وإن لم يظهر ما بعده وكذلك الأصول المغيبة في الأرض كالبصل والجزر والفجل وكذلك الورد والياسمين إذا انتفع به ويكون للمشتري إلى آخر إبانة وكذلك الموز إذا ضرب فيه أجلًا.
ولا يجوز شراء الكتان إذا استثنى البائع حبه ولا القرط واستثنى برسيمه إلا حال يبسه ولا يجوز بيع الحنطة في سنبلها ويجوز بيع السنبل على حدته ويجوز بيع الجوز والباقلا في قشره الأعلى ومن باع أصل نخل
[ ٢ / ١٤٧ ]
وفيها ثمر مؤبرة فالثمر للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فإن كان غير مؤبرة فهو للمبتاع بالعقد من غير شرط فإن كان بعضه مؤبرًا وبعضه غير مؤبر فإن كانا متساويين فالمؤبر للبائع وغير المؤبر للمشتري.
فإن كانا متزايدين فقيل هما كالمتساويين وقيل الأقل تبع الأكثر وفي سائر الشجر بانعقاد الثمر ويبسها يجري مجري الإبار في النخل والزرع الصغير إذا لم يظهر إذا بيعت الأرض وسكت عنه فقيل للبائع وقيل للمبتاع وبيع الثمار على رؤوس النخل جائز فإن استثنى بعضها فعلى وجهين إن كان جزافًا جاز على الإطلاق في القليل والكثير وإن كان كيلًا جاز في الثلث فدونه.
واستثناء الجلد والسواقط في الشاة المبيعة جائز حيث تقل قيمتها ويخف خطرها ولا يجوز إذا كان لقيمتها بال.
فصل
والعرية جائزة وهي هبة ثمرة نخلة أو نخلات ولا يجوز لمن أعريها بيعها حتى يبدو صلاحها ثم له بيعها لمن شاء بالذهب والورق ومن معريها خاصة بخرصها تمرًا وذلك بثلاثة شروط:
أحدها: أن يدفعها إليه عند الجذاذ فإن شرط أنها حالة لم يجز.
والثاني: أن يكون في خمسة أوسق فدون فإن زاد على ذلك لم يجز.
والثالث: أنه مقصور على معريها دون غيره وهي في كل ثمرة تيبس وتدخر.
[ ٢ / ١٤٨ ]
فصل
والجوائح موضوع إذا أتت على ثلث مكيلة الثمرة فصاعدًا ولا توضع فيما قصر عنه وتكون من مشتريها وذلك مع الحاجة إلى تبقيتها في رؤوس النخل والشجر والبرد والثلج والريح والجراد والعفن والترتيب كل ذلك جائحة واختلف في العسكر والصحيح في البقول أنها كالثمرة.
فصل
وقد بينا تحريم التفاضل في الجنس الواحد من الذهب والفضة بجنسه وأن اختلاف الصفات غير مؤثر في ذلك.
والتقابض في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة وفي أحد الجنسين بالآخر مستحق عقيب العقد ولا يجوز فيه نظرة ولا حمالة ولا حوالة فإن تراخى القبض على العقد أفسده وإن كانا في المجلس ولا يراعى في ذلك التفرق فإن تقابضا فوجد أحدهما رديئًا أو زائفًا فأراد رده بطل الصرف وله أن يمسكه ولا يبطل العقد.
ويجوز اقتضاء الذهب من الورق والورث من الذهب إذا حلا وتطارحا صرفًا ولا يجوز في الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة أن يكون مع أحدهما غيره قليلًا كان أو كثيرًا.
وكذلك كل جنس فيه الربا فلا يجوز إذا بيع بجنسه أن يكون مع الجنسين أو مع أحدهما غيره كان ذلك الغير مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه ولا يجوز دينار ذهب عال ودينار دون بدينارين ويجوز وسط بدل الدينار الناقص بالوازن على وجه المعروف والرفق يدًا بيد.
[ ٢ / ١٤٩ ]
وتجوز المراطلة وهي الذهب بالذهب متماثلة في الميزان بغير صنجة ولا يجوز أن ينضم إلى الصرف عقد بيع إلا في يسير يكون تبعًا مثل أن يعجز عن ثمن الدينار نصف درهم فيدفع إليه عرضًا بقيمته.
ومن باع بنقد أو اقتراض ثم بطل التعامل به لم يكن له عليه غيره إن وجد وإلا فقيمته إن فقد.
ومن اقترض ذهبًا وقدره بقيمته فضة أو اقترض فضة وقدرها بقيمتها ذهبًا لم يجز ولزمه دفع مثل ما قبض.
والتفاضل في الفلوس إذا حصل التعامل بها ممنوع وهو في الحقيقة منع كراهة لا نص التحريم وشراء تراب المعادن من الذهب والفضة جائز من الجنس بخلافه وشراء تراب الصاغة غير جائز.
فصل
يجمع بيع الغرر ثلاثة أوصاف.
أحدهما: تعذر التسليم غالبًا.
والثاني: الجهل
والثالث: الخطر والقمار.
فأما ما يرجع إلى تعذر التسليم فكالآبق والضالة والشارد والمغصوب والطير في الهواء والسمك في الماء وبيع الأجنة واستثنائها وحبل الحبلة وهو نتاج ما تنتج الناقة
[ ٢ / ١٥٠ ]
والمضامين وهي ما في ظهور الفحول.
وأما ما يرجع إلى الجهل فيتنوع فمنه الجهل بجنس المبيع كقوله بعتك ما في كمي أو ما في صندوقي أو في يدي ومنه ما يرجع إلى الجهل بصفاته كقولك بعتك ثوبًا في بيتي أو فرسًا في أصطبلي ومنه الجهل بالثمن في جنسه أو مقداره أو أجله مثل أن يقول بعتك بما يخرج به سعر اليوم أو بما يبيع به فلان متاعه أو بما يحكم به زيد ومنه البيعتان في بيعه وهو قوله بعتك هذا الثوب بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر إلى أجل على أنه قد وجب بأحد الثمنين ومنه بيع اللحم في جلده والحنطة في تبنها ومنه شرط الخيار الممتد والأجل المجهول نحو قدوم زيد وموت فلان وما أشبه ذلك.
وأما الخطر فبيع مالا ترجى سلامته كالمريض في السياق وما لا يدري أيسلم أم يتلف ولا ظاهر ولا أمارة تغلب على الظن معهما سلامته كبيع الثمرة قبل دو صلاحها.
وأما القمار فكبيع الملامسة وهو أن يلمس الرجل الثوب فيلزمه البيع بلمسه ولم يبينه.
وبيع المنابذة وهو أن ينبذ أحدهما ثوبًا إلى الآخر وينبذ الآخر ثوبه إليه فيجب البيع بذلك ومنه بيع الحصاة وصفته أن تكون بيده حصاة فيقول إذا
[ ٢ / ١٥١ ]
سقطت من يدي فقد وجب البيع وقيل تكون ثياب عدة فيقول على أيهما سقطت عليه الحصاة فقد وجب البيع ومنه المزابنة وقد ذكرناها وهذه كلها بيوع الجاهلية وكثير منها يتداخل فيجتمع الجهل وتعذر التسليم كالآبق والشارد فإن انضم إلى ذلك جهل بالثمن أو بالأجل تأكد الغرر لكثرة أسبابه.
فصل
وأما ما يرجع إلى الحال فبيع الإنسان على بيع أخيه إذا ركن إليه وقرب اتفاقهما فإن العقد يفسخ على نحو ما ذكرناه في النكاح ومنه بيع النجش وهو أن يزيد التاجر في ثمن السلعة ليغر غيره لا لحاجة منه إليها ومنه تلقى السلع قبل أن تورد للأسواق فهذا ممنوع إلا أنه لا يفسخ ويخير بقية أهل السوق في أن يشاركوا من ابتاع بالتلقي أو يتركوا له ومنه بيع الحاضر للبادي ومنه البيع يوم الجمعة بعد النداء من تلزمها أو أحدهما فرض الجمعة فيفسخ إن وقع.
فصل
وبيع الأعمى وشراؤه جائز والتسعير على أهل الأسواق غير جائز ومن زاد في سعر أخرج من سوق المسلمين إلا أن يلحق بالناس.
[ ٢ / ١٥٢ ]
والحكرة ممنوعة إذا أضرت بأهل البلد في كل ما بهم حاجة إليه من طعام أو غيره ولا تمنع إذا لم تعد بالضيق والضرر.
ومن جلب طعامًا خلى بينه وبينه ولم يجبر على بيعه.
وبيع العربان على وجهين أحدهما ممنوع وهو أن يشتري سلعة بثمن معلوم أو يكثري دابة بأجرة معلومة ويعربن شيئًا على أنه إن رضي كان ذلك العربون من الثمن أو الأجرة وإن كره لم يعد إليه فهذا من أكل المال بالباطل.
والآخر جائز وهو الاحتساب له به إذا أمضى ورده عليه إذا كره فذلك جائز والدين بالدين ممنوع إذا كان من الطرفين.
والوضع على التعجيل ممنوع وهو أن يكون له عليه كراء حنطة جيدة إلى سنة فيعطيه قبل الأجل دون صفته فلا يجوز لأنه وضع الصفة التي له ليتعجل القبض وما كان خارجًا عن أصله للرفق والمعروف فلا يقاس عليه.
والإقالة والشركة والتوليه في بيع الطعام مستثناة من بيع الرطب بالتمر والسلم مستثنى من بيع ما ليس عندك.
وإذا باع ملك غيره أو اشترى له لم يبطل ووقف على إذنه.
وإذا كان للنصراني عبد نصراني فأسلم بيع عليه وإذا اشترى نصراني عبدًا مسلمًا لم يجز وفسخ العقد وقيل: يصح ويجبر على بيع.
فصل
ومن ابتاع سلعة على السلامة فظهر بها عيب يوجب الرد فهو بالخيار بين أن يرد ويرجع بالثمن شاء البائع أو أبى أو يمسك ولا شيء له من أرش ولا غيره
[ ٢ / ١٥٣ ]
إلا أن يبذل له البائع الأرش هو ما لا يمكن الرد ولا يلزم بذل الأرش ولا أخذه إلا بالتراضي مادام رد العين ممكنًا فإن فات ذلك لم يكن له إلا الأرش والفوت هو ما لا يمكن معه أما للتلف في المبيع كالموت والزمانة والهرم الذي لا يبقى معه انتفاع به أو لتلف الملك كالعتق والتدبير والاستيلاد والكتابة وفي بيعه خلاف والصحيح أنه فوت يوجب الأرض والإباق فوت.
وحدوث عيب عند المشتري ليس بفوت يمنع الرد وهو بالخيار إن شاء رده وما نقصه العيب عنده وإن شاء تمسك به أخذ الأرش إلا أن يكون البائع دلس بالعيب فيكون للمشتري رده من غير أن يؤخذ بما نقصه إلا أن يكون بتصرفه فيه قد أتلفه بوجه لا يتصرف الناس بمثله فليس له إلا الأرش وكذلك إن تلف العبد من العيب الذى دلس به البائع لم يضمنه المشتري ورجع بالثمن ووطء الثيب لا يمنع الرد ولا يوجب على المشتري شيئًا ووطء البكر عيب يردها وما نقص وإذا رضى المبتاع بالعيب لم يكن له رده به وكذلك إن تصرف في المبيع أو استعمله
[ ٢ / ١٥٤ ]
بعد علمه بالعيب كان ذلك رضا منه به ولم يكن له الرد إن تصرف مضطرًا ففيه روايتان.
وإن ابتاع رجلان عبدًا فوجدا به عيبًا فأراد أحدهما الرد والآخر الإمساك ففيه روايتان إحداهما أن لمن شاء منهما الرد أن يرده والأخرى أن عليهما الرد.
وإذا نما المبيع عند المشتري ثم أراد رده بعيب فلا يخلو النماء أن يكون منفعة أو غلة أو عينًا فإن كان منفعة أو غلة كان له رده ولا يلزمه شيء لأجله لأن له الخراج بالضمان وإن كان عينًا فلا يخلو أن يكون ولادة أو نتاجًا أو غيره ففي الولادة والنتاج يردهما مع الأمهات وأما غير ذلك فيختلف.
فأما ثمرة النخل فلا يردها مع الأصل إذا حدثت عنده فإن كان ابتاع الأصل وفيه ثمر فإن كانت لم تؤبر لم يردها وإن كانت مأبورة ففيها خلاف وكذلك في صوف الغنم فأما الألبان والسمون فلا يرد شيئًا منها.
ولا يجوز لبائع السلعة المعيبة أن يكتم عيبها لأن ذلك غش.
ولا يقبل دعوى المبتاع أن بالسلعة عيبًا دون أن يبينه بالمشاهدة إن كان مشاهدًا أو بالبينة إن كان غير مشاهد ثم لا يخلو أن يكون مما لا يحدث عند المشتري أو أن يكون مما يعلم أنه لم يكن عند البائع والقول في الموضعين قول من قوى سببه منهما مع يمينه أو أن يكون محتملًا فالقول قول البائع مع يمينه إلا أن ينكل فيحلف المشتري.
والعيوب الموجبة للرد هي ما أثرت نقصًا في المبيع أو في الثمن أو في التصرف أو خوفًا في العاقبة ومن ذلك نقصان الأعضاء كالعمى والعور والقطع والضلع الزمانة والخصى والإفضاء ونقصان الأحكام كالجنون والجذام والبرص والتعسر والزعر وبياض الشعر والإباق والزنا والبخر والسرقة والزوج والولد في العبد والأمة والحمل والدين.
ومن هذه العيوب ما يعم ومنها ما يخص الرائعة المنتخذه للوطء وذلك بحسب ما يعلم في العادة وزواله قبل الرد مسقط للرد إلا أن يكون مما تبقى علاقته كالزوجة والزوج والاستدامة في سفه وما أشبه ذلك أو مما لا يؤمن عوده.
وعهدة الثلاث لازمة في الرقيق ثم عهدة السنة بعدها من الأدواء الثلاثة الجنون والجذام والبرص في كل بلد جرت عادتهم باشتراطها أو استأنفوها ولا يلزم في الموضع التي لم يتعارفوها إلا بأن يستأنفوا اشتراطها.
[ ٢ / ١٥٥ ]
ويجوز البيع بشرط البراءة في الرقيق دون غيره ويبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ مما علمه فكتمه.
والعبد يملك ملكًا ناقصًا ينتزعه سيده إذا شاء وماله في البيع لسيده وفي العتق يتبع العبد إلا أن يستثنيه السيد وفي هبته والوصية وإسلامه بجنايته خلاف.
ولا يجوز التفرقة بين الأم وولدها الصغير في البيع وحدها ويجوز في الأدب والتصرية عيب وإذا علم المبتاع بعد أن حلبها فله الخيار في إمساكها أو ردها مع صاع من تمر وإذا فات المبيع في البيع الفاسد ضمنه المبتاع بالقيمة يوم القبض وبالمثل فيما له مثل ورد الثمن عليه وإن تلف في يد البائع فتلفه منه.
فصل
والبيع جائز مساومة ومرابحة فالمساومة أن يبيعها بما يتقرر بينه وبين المبتاع من الثمن من غير أن يخبره برأس ماله والمرابحة أن يذكر رأس ماله ويتقرر الربح بينهما إما مجملًا كقوله شراء هذه السلعة عشرون دينارًا فيربحه دينارًا أو نصفه وإما مفصلًا كقوله قد ابتعتها منك على أن أربحك في كل عشرة دينارًا أو اثنين.
ويحتاج في بيع المرابحة إلى بيان ما ينضم إلى السلعة فيكون له قسط من رأس المال والربح أو من رأس المال وحده وذلك على ضربين:
أحدهما: أن ينضم إلى السلعة ماله تأثير في عينها أو ينضم إليها ما لا تأثير له في عينها.
فالأول: كالقصارة والخياطة والصبغ والطرز.
والثاني: مثل الطي والشد والسمسرة والدلالة وكراء حمل المتاع وما أشبه ذلك.
[ ٢ / ١٥٦ ]
ولا يخلو البائع إذا أخبر برأس مال المتاع أن يخبر بما لزمه من هذه التوابع ويشترط ضمه إلى رأس المال أن يكون له قسط من الربح أو أن يسكت عن اشتراط ضم هذه التوابع إلى رأس المال وعن اشتراط ربح لها ففي الأول له شرطه وفي الثاني يضم إلى رأس المال منها ماله عين قائمة في المتاع ويكون له قسط من الربح ولا يضم إليه مالا تأثير له في عين المتاع مما يمكن توليه بنفسه لا في رأس المال ولا في ربحه وما لا يمكن توليه بنفسه مثل كراء المتاع ونقله من بلد إلى بلد والسمسرة فيما جرت العادة بأنه لا يباع إلا بوسيط فيضم ما لزمه عليه إلى رأس المال ولا يكون له قسط في الربح.
وإذا اختلفا المتبايعان فلا يخلو اختلافهما أن يكون فيما يؤدي إلى فساد العقد أو إلى نفي لزومه أو إلى سقوط بعض حقوقه فإن كان اختلافهما فيما يؤدي إلى فساد العقد مثل أن يقول بعتك هذه السلعة ولم ترها ولم أصفها لك أو بثمن إلى أجل مجهول أو ما أشبه ذلك ويدعى الآخر أنه قد رآها أو وصفها له وأن الأجل في الثمن معلوم فالقول قول مدعي الصحة الصحة منهما مع يمينه وإن كان اختلافهما فيما ينفي اللزوم مثل أن يدعى أحدهما أنه شرط الخيار لنفسه وينكر الآخر ذلك فالقول قول من ينكر وعلى مدعى اشتراطه البينة.
وإن كان ذلك في حق من حقوق العقد فإن كان في عين الثمن أو جنسه تخالفا وتفاسخا وإن كان في مقداره فالأظهر من المذهب أنه إن كان قبل القبض تخالفا وتفاسخا.
وإن كان بعده فالقول قول المشتري مع يمينه وإن كان الاختلاف في قبض الثمن رجع إلى العرف في موضعهما وحلف من شهد له العرف منهما فإن لم يكن عرف فالقول قول البائع مع يمينه.
فصل: في استبراء الأمة
ولا يجوز لمن وطء أمة ثم أراد بيعها أن يبيعها إلا أن يستبرئها بحيضة ولا يجوز للمشتري أن يطأها حتى يستبرئها إلا أن يكون عالمًا ببراءة رحمها فلا يلزمه ذلك ويجوز أن يتفق هو والبائع على استبراء واحد فإن باعها قبل أن يستبرئها ووطئها المبتاع قبل أن يستبرئها فأتت بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء الأول والثاني دعى له القافة فلحق بمن يلحقونه به منهما وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني ولستة من وطء الأول فهو للأول دون الثاني ولا يحكم بالقافة في ولد الزوجة.
[ ٢ / ١٥٧ ]
كتاب الإجارة
مدخل
كتاب الإجارة
الإجارة جائزة وهي معاوضة على منافع الأعيان ولا تصح إلا أن تكون المنافع المعقود عليها معلومة وللعلم بها طريقا:
أحدهما: أن يكون جنسها معلومًا كركوب الدابة وبناء الحائط وما أشبه ذلك.
والآخر: أن يكون جنسها غير معلوم فيعلم بالعرف فيحتاج فيه إلى ضرب الأجل ينحصر به ذلك كأجير الخدمة وفي الأول لا يحتاج إلى ضرب الأجل.
وكل عين لها منفعة يجوز تناولها بغير أجرة فإجارتها لتلك المنفعة جائزة.
وإجارة الأعيان مدة معلومة على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يبين ابتداءها وانتهاؤها فيقول استأجرت منك هذه الدار أو العبد شهرًا أو له كذا وآخره كذا أو كذا وكذا يومًا أولها كذا وآخرها كذا.
والثاني: أن يذكر المدة ولا يحدها فيقول استأجرت منك هذه الدار شهرًا أو سنة فتصح ويكون من وقت العقد.
والثالث أن يستأجرها مشاهرة وهو على حساب الشهر بكذا فيصح وإن لم يعين مدة ما يعقد عليها ويكون لكل واحد منهما الترك إذا شاء ويلزمه من الإجارة بحساب ما سكن وقيل يلزمه أجرة واحدة مما جعلا علمًا على حساب الأجرة من شهر أو سنة.
وعقد الإجارة لازم من الطرفين ليس لأحدهما فسخة مع إمكان استيفاء
المنافع فإن طرأ ما يمنع ذلك كاحتراق الدار وانهدامها أو غصبها أو مرض العبد أو الدابة فإن العقد ينفسخ معه.
وتسليم الأجرة غير مستحقة بمجرد العقد إلا أن تكون هناك عادة أو شرط أو يقارن العقد ما يوجب التقديم مثل أن تكون الأجرة عرضًا معينًا أو طعامًا رطبًا وما أشبه ذلك وما عرى من هذا فلا يستحق تقديم جزء من الأجرة إلا بالتمكين من استيفاء ما يقابله من المنفعة وإذا حصل التمكين فالأجرة مستحقة استوفيت المنفعة أولا.
[ ٢ / ١٥٨ ]
والإجارة ضربان إجارة عين وإجارة في الذمة.
فالعين يتعلق الحق بها وينفسخ العقد بتلف العين قبل استيفاء المنفعة وتقع المحاسبة.
وأما التي في الذمة فتجوز حالة ومؤجلة ولابد أن تكون معلومة إما بمسافة كركوب الدابة أو الحمل عليها أو اكتراء رسول إلى بلد بعينه أو يكون الفعل متعذرا بنفسه كخياطة القميص أو بضرب مدة ويجب فيها تعجيل أحد الطرفين من الأجرة أو الشروع في الاستيفاء فيخرج عن الدين بالدين.
وموت أحد المتعاقدين لا يوجب فسخ الإجارة ما دام استيفاء المنافع ممكنا.
فصل
وإذا استأجر أرضًا للزرع فغرقت سقط كراؤها ولا يسقط بأن لا ينبت زرعها أو بأن لا يسلم من جائحة أو ما عدا الشرب ولا يتعين ما يستوفي به المنافع وإن عين.
وإذا استأجر دابة ليركبها جاز أن يركبها مثله وكذلك إذا استأجرها ليحمل عليها بزافله أن يحمل عليها مافي معناه.
وكذلك ليزرع في الأرض نوعًا من الزرع وله أن يزرع ما ضرره كضرره فإن زاد على ذلك ضمن قيمة الزيادة.
وفي الدابة يزيد عليها في المسافة فربها مخير بين كراء الزيادة وبين تضمينه قيمتها يوم التعدي والأجرة الأولى لازمة على كل حال.
والأجرة كالثمن في وجوب انتفاء الجهالة والغرر عنها إلا أنه رخص في الظئر وللأجير أن يستأجر بطعامه وكسوته ويكون له الوسط مما لمثله.
[ ٢ / ١٥٩ ]
ويجوز أن تكون الأجرة عينًا أو منفعة من جنس الشيء المستأجر وغيره مثل أن يستأجر دارًا للسكنى دار أخرى أو بخدمة عبدًا أو بخياطة ثوب.
وإجارة المشاع جائز منم الشريك وغيره ويجب باستيفاء المنافع في الإجارة الفاسدة أجرة المثل ولا يضمن أجير ما تلف على يده مما سوى الطعام إلا بتفريط.
ولا يضمن الراعي ما هلك من الغنم ولا صاحب الحمام ولا صاحب السفينة إذا غرقت واختلف في كرائه على الراكب إذا عطبت الدابة وقد ضربها أو ساقها على ما يعرف الناس من غير خرق.
ويضمن الصناع الموثرون بصناعتهم كالصائغ والقصار وغيرهما ما سلم إليهم وغابوا عليه عملوه بأجر أو بغير أجر والقول قول الصانع إذا خالفه رب السلعة فيما استأجره عليه.
فصل
والجعل جائز وليس بلازم إلا أن يشرع في العمل ومن شروطه تقدير الأجرة دون العمل ومن ذلك الجعل في المجييء بالآبق والشارد.
فأما مشارطة الطبيب على برء العليل والمعلم على تعليم القرآن فتردد بين الجعل والإجارة.
وكذلك الجعل على استخراج المياه من الآبار والعيون على صفة معلومة من شدة الأرض ولينها وقرب الماء وبعده.
[ ٢ / ١٦٠ ]
باب القراض
والقراض جائز وصفته أن يدفع الرجل ما لا يتجر به ويبتغي من فضل الله سبحانه ويكون الربح بينهما على ما يتفقان عليه وإن عقده على أن جميع الربح لأحدهما جاز.
ولا يكون رأس المال فيه عرضًا ولا غيره سوى الدراهم والدنانير وفي التبر والنقار خلاف.
والقراض عقد خارج عن الأصول وهو مستثنى من أصول ممنوعة وهي الغرر والإجارة المجهولة
وموضوعة الجواز دون اللزوم ولا يجوز التأجيل فيه ولكل واحد منهما تركه إلا أن يتعلق للآخر فيه حق.
[ ٢ / ١٦٠ ]
ولا يجوز أن ينضم إليه عقد غيره إلا أن يشترط أحدهما الزيادة على صاحبه وله أن يسافر بالمال إلا أن يشترط عليه ترك السفر وليس له أن يبيع بدين إلا أن يؤذن له.
وإذا سافر بالمال فله النفقة الزائدة على نفقة الحضر من المال والخسران على رب المال دون العامل وكذلك ضياع المال إلا أن يكون من العامل تفريط.
وإذا قبض المال ببينة ثم ادعى رفعه لم يقبل منه إلا ببينة وإذا قال قراض وقال ربه سلف فالقول قوله دون العامل وإذا طرأ ربح بعد الخسران فإن لم يكونا تفاصلا لم يكن للعامل شيء إلا بعد إكمال رأس المال وإن كان بعد أن تفاصلا لم يجبر الخسران من هذا الربح وكان له حكم نفسه.
ولا يفسخ العقد بموت أحد المتقارضين ولورثة العامل أن يعملوا بالمال إن كانوا أمناء أو يأتوا بأمين وإن عجزوا أسلموه ولا مقال لربه.
وفي المستحق بالقراض الفاسد روايتان قيل أجرة المثل وقيل قراض المثل وفرق بينهما بأن أجر المثل متعلق بذمة رب المال وقراض المثل يؤخذ من ربح إن كان.
وزكاة رأس المال على رب المال وزكاة الربح تابعة لأصله وتلزم
العامل في حصته بحلول الحول على رأس المال كان ما ناله نصابًا أو أقل وأنهما شرط زكاة الربح وحده على صاحبه فإن شرط رب المال على العامل زكاة رأس المال وربح لم يجز.
[ ٢ / ١٦١ ]
باب المساقاة وكراء الأرض والمزارعة وما يتبع ذلك
المساقات جائزة في الأصول كلها من النخل والكرم وجميع الشجر وفي الزرع يعجز عنه صاحبه ويجوز في الثمر بعد ظهورها وقبل طيبها واختلف فيها بعد الطيب.
وهي عقد لازم وصفتها أن يدفع الرجل حائطه إلى من يعمل في نخله وشجره ما يصلحه من سقي وإبار وجذاذ وعلوفة دواب وغير ذلك وجميع الكلف والنفعة فيما يحتاج في الثمر على العامل ويكون له جزء من الثمرة يتفقان عليه.
ولا يلزمه عمل ما يبقى بعده كبناء جدار وحفر بئر أو ما أشبه ذلك وانتهاؤها إلى الجذاذ.
[ ٢ / ١٦١ ]
والمساقاة على كل أنواع الشجر جائزة وإذا أخرج الحائط خمسة أوسق بين العامل ورب المال ففيه الزكاة وليس لأحدهما زيادة شرط على الآخر كالقراض واشتراط أحدهما الزكاة على الآخر جائز.
وإذا كان في الحائط بياض جاز أن يشترطه العامل لنفسه إن كان قيمة أجرته بقدر ثلث ثمن لثمرة بعد وضع قيمة ما يلزم العامل عليها.
وشرط رب الأرض جزءًا مما يخرج منها جائز وكذلك من اكثرى دارًا يسكنها أو أرضًا يزرعها وفيها نخلة أو شجرة فاستثنى ثمرها جاز إن كانت قيمة ثمرتها الثلث فدون ولا يجوز إن زاد على ذلك.
وكراء الأرض للزرع بما عدا الطعام جائز ولا يجوز بالطعام كله كان مما تنبته الأرض أو مما لا تنبته كالسعل واللحم واللبن وغيره ولا ببعض ما تنبته الأرض من غير الطعام كالقطن والكتان والزعفران والمعصفر والجون بالخشب والقصب.
ولا يجوز اشتراط النقد إلا في المأمون منها.
والشركة في الزرع جائزة إذا أمن أن تؤدي إلى ما ذكرناه من المنع أو انتفاء التساوي فإذا تكافأ في العمل والمؤنة والأرض والبذر جاز.
[ ٢ / ١٦٢ ]
باب في الشركة
الشركة ضربان بمال أو بدون وضرب آخر غير جائز وهو شركة الوجوه مثل أن يشتركا على الذمم بغير مال ولا صنعة حتى إذا اشتريا شيئًا كان في ذمتهما فإذا باعاه اقتسما ربحه فذلك غير جائز.
وشركة المال ضربان عنان ومفاوضة.
[ ٢ / ١٦٢ ]
فالعنان أن يخرج كل واحد منهما رأس مال ويشترط الربح بقدره ثم يخلطاه مشاهدة أو حكمًا بأن يكونا في صندوق واحد أو تابوت واحد ويعملان جميعًا فيه.
والمفاوضة أن يفوض كل واحد منهما إلى الآخر التصرف مع حضوره وغيبته وتكون يده كيده ولا يكون شركة إلا بما يعقد أن الشركة عليه وكل ذلك جائز.
فأما شركة الأبدان فجائزة ولها شرطان اتفاق الصناعتين والمكان ولا تجوز مع اختلاف الصناعتين كقصار وحداد وإسكاف وخياط ولا أن يكون في صفة واحدة منفردين في مكانين.
وتجوز في الاحتطاب والاصطياد ويجوز أن يكون رأس المال فيها عينًا وعرضًا وتنعقد على قيمته دون ثمنه كان العرض مما يتميز عينه كالرقيق والحيوان أو مما لا يتميز عينه كالحنطة والشعير.
[ ٢ / ١٦٣ ]
باب الرهون
معنى الرهن احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفي الحق من ثمنه أو ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم مفردة كانت أو مشاعة.
وهو جائز بكل دين لازم أمكن استيفاءه من ثمنه كان الدين من قرض أو بيع أو قيمة متلف أو غير ذلك.
ويصح عقده قبل وجوب الحق وبعده ومقارنًا له ويلزم بمجرد القول والقبض شرط في صحته واستدامته وليس بشرط في انعقاده وإذا عقداه قولًا لزم وأجبر الراهن على إقباضه للمرتهن.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وإذا تراخى المرتهن في المطالبة به أو رضى بتركه في يده بطل الرهن وإن قبضه ثم رده إلى الراهن بعارية أو وديعة أو استخدام أو ركوب بطل الرهن ويجوز أن يجعلاه على يد أمين يرضيان به.
وضمان الرهن من مرتهنه إن كان مما يغاب عليه إلا أن يقوم بهلاكه بينة وإن كان مما لا يغاب عليه كالعقار والحيوان فضمانه من راهنه وكذلك إن كان على يد أمين.
ونماء الرهن داخل معه إن كان مما لا يتميز عنه كالسمن أو كان نسلًا كالولادة والنتاج وما في معناه كغسيل النخل وما عدا ذلك من غلة أو ثمرة أو لبن أو صوف وما أشبه ذلك فلا يدخل فيه إلا أن يشترطه ونفقته على راهنه ومال العبد ليس برهن معه ويثبت رهنًا بتقاريرهما ما لم يفلس الراهن.
ولا يقبل إقراره بالإقباض دون معاينة البينة وإذا كان فيه فضل جاز أخذ حق آخر عليه من مرتهنه وكان رهنًا بهما ويجوز من غيره بإذن المرتهن الأول واختلف فيه إن لم يأذن.
والرهن متعلق بجملة الحق وبأبعاضه فما بقي جزء منه فهو رهن به.
ولا يجوز غلق الرهن وهو أن يشترط المرتهن أنه يستحقه إن لم يأت به عند أجله وإذا حل الحق وتعذر أخذه من الغريم باعه الوكيل على الراهن واستوفى المرتهن حقه في ثمنه من غير حاجة إلى إذن الحاكم.
[ ٢ / ١٦٤ ]
ويجوز أن يكون المرتهن وكيلًا في بيعه وليس للراهن فسخ والوكالة وإن لم يكن له وكيل فإن المرتهن يثبت حقه عند الحاكم ويرهنه أو يبيعه الحاكم عليه.
وإذا اختلف المراهنات في عين الرهن فالقول قول المرتهن مع يمينه وإذا اختلفا في قدر الحق فلا يخلو الرهن أن يكون باقيًا أو تالفًا فإن كان باقيًا فلا يخلو أن يكون في يد المرتهن أو في يد أمين فإن كان في يد المرتهن حلف على ماادعاه وكان القول قوله في قدر قيمة الرهن ثم حلف الراهن على ما زاد على ذلك ويسقط عنه وإن كان في يد أمين فالقول قول المدعى عليه مع يمينه.
وإذا كان الرهن تالفًا فلا يخلو أن يكون اختلافهما في قيمته أو في مقدار الحق أو الأمرين فإن اختلافا في قيمته وتصادقا على مقدار الحق قيل لهما صفا الرهن فإذا وصفاه قوم على تلك الصفة وكان المرتهن قيمتها يقاص بها من دينه ويترادان الفضل.
وإن اختلفا في الصفة فالقول قول المرتهن مع يمينه فإن تصادقا على الصفة واختلفا في قدر الحق كان على ما تقدم من الحكم للمرتهن بقدر قيمته الرهن والتحالف فيما زاد على ذلك.
وإن اختلفا في الأمرين وصفه المرتهن وحلف على صفته وضمنه بقيمة تلك الصفقة.
ومن رهن عبدًا ثم أعتقه نفذ عتقه إن كان موسرا وعجل للمرتهن حقه وغن كان معسرًا لم ينفذ عتقه وبقى رهنًا.
ومن رهن أمة لم يجز له وطؤها وإن وطئها بإذن المرتهن بطل الرهن وإن كان بغير إذنه فإن لم تحمل فهي رهن بحالها وإن حملت كانت أم ولد وعجل
[ ٢ / ١٦٥ ]
للمرتهن حقه وإن كان معسرًا بيعت عليه وقضى الحق من ثمنها وإن وطئها فهو زان ويحد ولا يلحق به الولد ويكون رهنًا معها يباح بيعها.
وإذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن فللمرتهن إجارته وفسخه فإن أجازه بطل حقه في الرهن فإن زعم أن إجازته ليتعجل حقه من الرهن حلف على ذلك وكان له ذلك.
[ ٢ / ١٦٦ ]
كتاب الحجر والتفليس وما يتصل بهما
مدخل
كتاب الحجر والتفليس وما يتصل بهما
المستحق عليهم الحجر ضربان ضرب يستحق عليهم لحقوقهم والضرب الآخر لحقوق غيرهم فالمستحق عليهم لحقوقهم ضربان صغار وكبار.
فالصغار ذكور وإناث وهم نوعان عقلاء وغير عقلاء فمن له أب فحق الحجر عليه لأبيه فإن عدم فوصيه ثم وصى وصيه فإن لم يكن وصى فالحاكم.
ثم هم نوعان عقلاء وغير عقلاء فغير العقلاء يستدام الحجر عليهم إلى أن يعقلوا والعقلاء ضربان أصاغر وأكابر فالأصاغر يستدام الحجر عليهم حتى يبلغوا ويؤنس منهم الرشد فحينئذ ينفك عنهم الحج وذلك في الغلام بأن يعرف منه إصلاح ماله وحفظه وتأتيه لتنميته والتحرز من تبذيره وإضاعته وإنفاقه في وجوهه ولا تراعى عدالته في دينه أو فسقه إذا كان مصلحًا لماله.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وأما في الصغيرة فيراعى مع البلوغ وإصلاح المال أن تتزوج ويدخل بها زوجها.
وحد البلوغ في الذكور ثلاث علامات وفي النساء خمس. فالثلاثة التي يجتمعون فيها الاحتلام والإنبات والانتهاء من السن إلى ما يعلم بالعادة بلوغ من انتهاء إلى مثله وقال أصحابنا مثل ثمانية عشر سنة وما قاربها وما يزيد به الإناث على الذكور شيئان: الحيض والحمل وأما الأكابر فمن كان منهم مبذرًا لماله مضيعًا له ابتدى الحجر عليه كان ذلك منه لعجز عن إصلاحه أو لتعمد لإضاعته في شهواته فلا يحجر عليه إلا الحاكم ولا ينفك عنه إلا بحكم حاكم.
وأما المحجور عليهم لحق غيرهم فأربعة زوجات ومرضى وعبيد ومفلسون فأما الزوجات فكل امرأة ذات زوج فليس لها أن تتصرف في مالها فيما زاد على ثلثه بهبة أو صدقة أو عتق وكل ما ليس بمعاوضة إلا بإذن الزوج فإن فعلت فالأمر للزوج إن أجازه جاز وإن رده فسخ جميعه وقيل ما زاد على الثلث ثم ليس لها التصرف في بقية المال الذي أخرجت ثلثه ولها ذلك في مال آخر إن طرأ لها.
وأما المريض فمحجور عليه لحقوق ورثته إذا كان مرضه مخوفًا عليه منه ويلحق بالمريض من كان في حكمه من حصوله في حال يعظم الخوف عليه فيها كالزاحف في الصف والمحبوس للقتل والحامل إذا بلغت ستة أشهر وذلك مذكور في كتاب الوصايا.
وأما العبيد فلساداتهم الحجر عليهم ومنعهم من التصرف في قليل أموالهم وكثيرها بمعأوضة وغيرها كانوا ممن يحفظها أو يضيعها ولسيد العبد أن يأذن له في التجارة ويمنع السيد من انتزاع ماله ويكون دينه في ذمته وفي ماله الذي في يده دون قيمته.
ومن استدان من المحجور عليهم دينًا بغير إذن وليه ثم فك حجره لم يلزمه ذلك فيمن حجر عليه لحق نفسه كالسفيه والصغير ولزم فيمن حجر عليه لحق غيره كالعبد يعتق إلا أن يفسخه عنه سيده قبل عتقه.
[ ٢ / ١٦٨ ]
ولولي المحجور عليه لسفه أو صغر أن يأذن له في التجارة في يسير من ماله يختبره به ويصدق الوصي على ما يذكر من الإنفاق على اليتيم فيما يشبه فإن كان له أم أو حاضنة تمسكه فإن الوصي يدفع إليها نفقته على ما يرى من شهر بشهر أو غير ذلك ويلزمه إقامة البينة على ما يدفعه من ذلك بخلاف ما يتولي إنفاقه بنفسه.
ونفقة الأيتام مختلفة باختلاف أحوالهم وأموالهم فيوسع على من ألف السعة وكان ماله محتملًا لذلك في إدامه وكسوته وينفق على أمه إن كانت محتاجة ومن دونه ينفق عليه بالمعروف على قدر ما يحتمله ماله ولا بأس بتأديب اليتيم وضربه إذا احتيج إلى ذلك بالمعروف.
وللولي أن يتجر بماله إذا رأى ذلك حظًا له وللناظر في ماله من وصي أو أمين أن يأكل منه بقدر أجرة مثله ولا يقبل قوله في دفع المال إليه بعد بلوغه إلا ببينة بخلاف النفقة.
فصل
فأما المفلس فإذا طلب غرماؤه أو بعضهم الحجر عليه فإن الحاكم يحجر عليه ويمنعه التصرف في ماله وتحل الديون المؤجلة عليه بفلسه ولا يحل ماله من دين مؤجل.
والميت كالمفلس في ذلك كله وتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس يختلف فمنهم من يتعلق حقه بمال معين ومنهم من يتعلق حقه مشاعًا في جميع أمواله فالأول كالبائع يجد عين سلعته على حالها لم تفت فله الخيار بين أخذها بالثمن الذي باعها به أو تركها والحصاص فإن كان قبض بعض الثمن رده وأخذها وفي الموت لا رجوع له بخلاف الفلس وهو والغرماء أسوة.
والثاني: هو مع سائر الغرماء الذين لا يعرفون أعيان أموالهم فيتسون في المحاصة.
وإذا جمع الحاكم مال المفلس ليبيعه فتلف قبل بيعه فتلفه من المفلس فإن باعه فتلف ثمنه فالتلف من الغرماء وقيل من المفلس وإذا ادعى المديان الفلس.
ولم يعلم صدقة ولا ظهرت أمارة لصدقه لم يقبل منه ويحبس إلى أن ينكشف أمره ومدة الحبس غير مقدرة وهي موكولة إلى اجتهاد
[ ٢ / ١٦٩ ]
الحاكم فإذا ثبتت عسرته خلى سبيله ولم تكن للغرماء مطالبته ولا إجارته ولا أخذه بعمل صنعة يكتسب منها ولا استئناف بملك إلى أن يوسر وكل دين ثابت في الذمة يستحق المطالبة فإنه يحبس فيه والصناع إذا أقبضوا السلع وأفلس أربابها بأجرتهم فهم أحق بها في الموت والفلس وكذلك مستأجر الأرض للزرع يكون ربها أحق بالزرع والسكنى يكون ربها أحق بما بقى من مدة السكنى.
[ ٢ / ١٧٠ ]
باب في الصلح والمرافق وإحياء الموات.
والصلح ضربان معاوضة كالبيع فحكمه حكم البيع فيما يجوز فيه ويمتنع وإسقاط وإبراء ويجوز على الإقرار والإنكار
وافتداء اليمين بشيء يبذله من لزمته جائز وإن علم المبذول له أنه مطالب بغير حق لم يحل له أخذه.
وإحياء الموات على ضربين منهما ما يفتقر إلى إذن الإمام وهو ما كان بقرب العمران بحيث تقع المشاحة ولا تؤمن الخصومة فيها ومنها ما لا يفتقر إلى ذلك وهو ما كان في فيافي الأرض وفلوائها وإحياؤها ما يعلم بالعادة أنه إحياء لمثله من بناء وغراس وحفر بئر وإجراء ماء وغير ذلك من أنواع العمارة وذلك فيما لم يتقدم عليه ملك.
وفيما أحيي ثم خرب ودثر فهو لمن أحياه ثانية وليس لحريم البئر حد إلا الاجتهاد وذلك يختلف باختلاف مواضع الأرض من الصلابة والرخاوة.
ومن أراد أن يحفر بئرًا في ملك نفسه ويخاف منه الإضرار بجاره لم يكن له ذلك وقيل إن كان له مندوحة عنه فليس له ذلك وإن لم يكن له مندوحة عنه فله ذلك.
ومن حفر بئرًا في ملكه فإن البئر مع الأرض ملك له وله منع الناس منها كسائر أملاكه إلا بعوض إلا أن تنهار بئر جاره وله زرع زرعه على أصل ماء ويخاف عليه التلف فيلزمه أن يدخل له فضل مائه ما دام متشاغلًا بإصلاح بئره.
[ ٢ / ١٧٠ ]
ومن حفر بئرًا في بادية فهو أحق بقدر كفايته ثم يكون ما فضل عن ذلك للمسلمين ليس له منعه.
ويستحب لمن سأله جاره أن يغرز خشبة في جداره ألا يمنعه ذلك فإن أبي وشدد لم يحكم عليه فإن أذن له ثم طالبه بالقلع لم يكن له ذلك إلا أن تدعوه الضرورة حاجة إليه.
وللرجل أن يفتح في جداره المنفرد بملكه كوة للضوء إذا لم يتطرف بذلك إلى الإشراف على جاره فيمنع حينئذ.
وإذا كان علو الدار لرجل وسفلها للآخر فتنازعا السقف حكم به لصاحب السفلى وكان عليه إصلاحه ولم لشعثه وبناؤه إن انهدم ولصاحب العلو حق الجلوس عليه وإن كان فوقه غرفة ثانية فسقفها لصاحب الغرفة الأولى وسقف كل بيت تابع في الملك لسفله.
وإذا تنازعا جدارًا بين دارين حكم به لمن يشهد له العرف بأن له فيه من التصرف ما يفعله الملاك في أملاكهم من الرباط ومعاقد القمط ووجوه الآجر واللبن وما أشبه ذلك.
وليس لأحد الشريكين في الحائط أن يتصرف فيه إلا بإذن شريكه.
ومن له حق في إجراء مائه على سطح غيره فنفقة السطح على صاحبه وإذا خيف على المركب الغرق جاز طرح بعض ما فيه من المتاع أذن أربابها أو لم يأذنوا إذا رجي بذلك نجاته وكان المطروح بينهم على قدر أموالهم وإذا اصطدم مركبان في جريهما فانكسرا أو أحدهما فلا ضمان في ذلك.
[ ٢ / ١٧١ ]
باب الوديعة والعارية
والوديعة أمانة محضة لا تضمن إلا بالتعدي والقول قول المودع في تلفها على الإطلاق مع يمينه وفي ردها إلا أن يكون قبضها ببينة فلا يقبل منه إلا ببينة.
فليس له أن يودعها غيره إلا من ضرورة ويضمن إن أودعها من غير عذر وليس له أن يسافر بها على وجه إلا أن تكون دفعت إليه في السفر فعرضت له الإقامة فله أن يبعثها مع غيره ولا ضمان عليه.
وإذا أنفقها أو بعضها ثم رد قدر ما أنفق سقط عنه الضمان إلا أن يكون المردود قيمة وقيل الضمان باق.
والعارية تمليك منافع العين بغير عوض وهي أمانة في الرباع والحيوان وما يظهر هلاكه ومضمونه فيما يغاب عليه إلا أن تقوم بينة فإن كانت إلى أجل لم يكن للمعير فيها إلى انقضاء الأجل.
[ ٢ / ١٧٢ ]
باب التعدي والاستحقاق والغصب وما يتصل بذلك
ومن أتلف مالًا لغيره ظلمًا لزمه بدل ما أتلف.
والأبدال ضربان: مثل المتلف في الخلقة والصورة والجنس وقيمته وذلك لانقسام المتلفات فالمثل يراعى في المكيل والموزون والقيمة تراعى فيما عدا ذلك من سائر العروض والحيوان والاعتبار في القيمة في حال الجناية ثم الجناية ضربان منها ما يبطل قدرًا من المنفعة دون جلها والمقصود من العين فهذا يجب فيه ما نقص ومنها ما يذهب بجملتها أو بالمنفعة المقصودة منها والتي لها تراد.
وإن كانت العين باقية ففي إتلاف جملتها تجب القيمة وفي إتلاف المقصود إن شاء أخذ ما نقص وإن شاء أسلمها وأخذ قيمتها كاملًا وذلك كالمركوب الذي يجني عليه بما لا يمكنه معه ركوبه.
أما مشاهدة أو عادة وكالعبد الذي يتلف المنفعة المقصودة منه بقطع يده أو عرجه وإن بقيت هناك منافع تابعة غير مقصودة والمغصوب مضمون باليد إلى أن يرده وهو مضمون بقيمته يوم الغصب على أي وجه تلف ولا يبرئه إلا رده ثم لا يخلو رده من ثلاثة أحوال إما أن يرده ناقصًا في بدنه أو زائدًا فيه أو على الحال التي غصبه عليها فإن رده زائدًا في بدنه لزم مالكه أخذه وبريء الغاصب وذلك كالصغير يكبر والعليل يصح والمهزول يسمن وما أشبه ذلك وإن رده ناقصًا في
[ ٢ / ١٧٢ ]
بدنه فالمالك مخير بين أن يسلمه ويضمنه القيمة يوم الغصب وبين أن يأخذه ثم ينظر في ذلك النقص.
فإن كان من قبل الله تعالى لا بفعل من الغاصب لم يكن للمالك اتباع الغاصب بشيء من قبله وإن كان بفعل الغاصب فقيل له اتباعه بالأرش وقيل ليس له إلا أخذه بغير أرش أو إسلامه والرجوع بقيمته يوم الغصب فإن رده بحاله لزمه أخذه.
ولا ضمان على الغاصب في زيادة أن طرأت عنده ثم تلف في بدن أو قيمة ولا له في رده زيادة قيمته بتعلم صنعة أو حوالة سوق.
ولا أجرة على الغاصب في المدة التي يحبس فيها العين المغصوبة من غير انتفاع بها ولا اغتلال
وأما إن انتفع به أو اغتل ففيه خلاف فقيل عليه بدل ذلك وقيل لا بدل عليه وقيل ذلك عليه فيما عدا الحيوان.
وإن غصب ساحة وبني عليها لزمه ردها وإن تلف بناؤه وإن أدرك مالك الأرض وفيها زرع للغاصب فله قلعة إلا أن يكون وقت الزرع قد فات فله الأجرة وقيل له قلعه.
وإذا وجد المغصوب بعد أخذ قيمته كان للغاصب إلا أن يكون أخفاه ويضمن فاتح القفص عن الطير فطار عقيب الفتح أو بعد مهلة.
واختلف في ضمان قيمة ما يتلف على الذمي من خمر أو خنزير على وجه التعدي
فصل
ومن ابتاع أمة فأولدها ثم استحقت فولدها حر وفي أخذها روايتان:
إحداهما: أن للمالك أن يأخذها:
[ ٢ / ١٧٣ ]
والأخرى: أن يأخذ قيمتها وتكون أم ولد للواطء وفي أخذ قيمة الولد خلاف وإن غرته بأنها حرة فللسيد أخذها وأخذ قيمة الولد إن كان ممن لا يعتق عليه.
فأما الغاصب إذا وطيء الأمة المغصوبة فإن السيد يأخذها وولدها ملكًا له ولا يلحق النسب بالغاصب.
ومن بني أرضًا أو غرسها ثم جاء مستحقها فلا يخلو الباني والغارس أن يكون غاصبًا أو مبتاعًا من غاصب أو محييًا مواتًا.
فأما الغاصب فللمالك أخذه بقلع بنيانه وغرسه أو دفع قيمة إليه مقلوعًا بعد حط أجرة القلع.
وأما المبتاع من غاصب فلا يخلو أن يكون عالمًا بأن البائع غاصب أو غير عالم فإن كان عالمًا فحكمه حكم الغاصب وإن كان غير عالم فالملك لمالكه ويدفع إلى الباني أو الغارس قيمة العمارة قائمة فإن أبى دفع الآخر إليه قيمة الأرض براحًا فإن أبيا كان شريكين بقدر قيمة البراح براحًا وقيل العمارة قائمة وحكم المحيي مثل ذلك.
[ ٢ / ١٧٤ ]
باب الحوالة والحمالة
معنى الحوالة تحويل الحق من ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولي ما لم يكن غارًا وفي غيبة الثانية وتشتغل الثانية ويعتبر بها رضا المحيل والمحال دون المحال عليه ولا رجوع فيها وإن تلف الحق إلا بغرور.
وأما الحمالة فمعناها شغل ذمة أخرى بالحق ومعناها ومعنى الكفالة والزعامة والضمان واحد ولا تصح إلا بحق يمكن استيفاؤه من الضامن أو بما يضمن ذلك كالكفالة بالوجه لمن عليه مال تصح الكفالة بما عليه فإن جاء الكفيل به بريء وإن لم يأت به لزمه ما عليه إلا أن يشترط أنه لا يلزمه إلا إحضاره فقط.
فلا يلزم شيء من المال إلا أن يموت المتكفل به فلا يلزم الكفيل شيء شرط أو لم يشترط.
[ ٢ / ١٧٤ ]
وتصح في المعلوم والمجهول وقبل وجود الحق وبعده وعن الميت والحيي وإن كانت بالمال لم يبرأ الضمين بإحضار الغريم وإن كانت بالوجه بريء بأي الأمرين كان وللطالب أخذ الضمين عند تعذر أخذ الحق من الغريم وفيه مع القدرة على الغريم خلاف.
[ ٢ / ١٧٥ ]
باب في الوكالة
كل حق جازت فيه النيابة جازت الوكالة فيه كالبيع والشراء والإجارة واقتضاء الديون وخصومة
الخصم والتزويج والطلاق وغير ذلك وهي جائزة من الحاضر والغائب مع حضور الخصم وغيبته.
وهي من العقود الجائزة وليس للوكيل أن يتصرف بعد علمه بعزل الموكل له وتصرفه باطل يضمن به ما أتلف وفي ضمانه بالتصرف بعد العزل وقبل العلم خلاف.
ويجوز إطلاق الوكالة في البيع ومقتضي ذلك ثمن المثل نقدًا بنقد البلد وإن كان هو المشتري جاز وكذلك في الشراء يقتضي الإطلاق ثمن المثل فإن كانت في شراء جارية للخدمة أو للوطء أو تزويج أو غير ذلك لزم منه ما يشبه دون ما لا يشبه.
والوكيل مؤتمن فيما بينه وبين موكله والقول قوله في رد ما أودعه أو أمره بالتصرف فيه أو دفعه إليه من ديون قبضها له ثبت قبضه لها ببينة فادعى تسليمها إلى الموكل أو ضياعها فإن لم يكن إلا إقراره أو إقرار الغريم فإن الغريم لا يبرأ إلا ببينة على دفع ذلك إلى الوكيل وإذا وكله بأن يقضي عنه دينًا أو يودع له مالًا لم يكن له بأن يدفع ذلك إلا ببينة فإن دفعه بغير بينة ضمن إلا أن يقر المدفوع إليه.
[ ٢ / ١٧٥ ]
باب الإقرار
المقربة ضربان حق الله تعالى وحق الآدمي.
[ ٢ / ١٧٥ ]
فأما حق الآدمي فليس للمقر الرجوع فيه وفي حقوق الله تعالى كالزنا والسرقة وشرب الخمر روايتان إلا أن يكون رجوعًا إلى شبهة أو أمر يشبه فإنه يقبل.
وإذا أقر بدنانير أو دراهم أو جمع من أي الأصناف كان لزمه ثلاثة إلا أن يفسره بزيادة عليها وسواء أورده بصيغته أو بصيغة التصغير كقوله دريهمات وإن أقر بمال لزمه ما يفسره به إلا ما لا ينطلق عليه في العرف اسم مال لنزارته وفي وصفه بالكثرة والعظم يلزمه زيادة على ما يلزمه بمطلقة.
ويصح استثناء القليل من الكثير والكثير من القليل من الجنس وغيره والتهمة مؤثرة في منع الإقرار وذلك في حالين حال المرض وحال الإفلاس ففي المرض يقبل إقراره للأجانب ومن لا يتهم له من صديق أو وارث ويرد فيما تقوى فيه التهمة من ذلك وفي الإفلاس لا يقبل إقراره لغريم سوى غرمائه.
وإذا أقر أحد الإبنين بثالث لم يثبت نسبه ويلزمه إعطاؤه ثلث ما في يده وكذلك الإقرار بزوجة أو بدين أو بوصية وفي ثبوت الحكم بلفظ الإقرار على وجه الشكر والمدح خلاف.
[ ٢ / ١٧٦ ]
باب اللقطة والضوال وإلاباق
ويستحق لواجد اللقطة أن يأخذها بنية حفظها إن كانت مما لها خطر وبال وتعرف سنة في الموضع الذي أصابها فيه وما يقرب منه فإن جاء من يعرف عفاصها ووكاءها وادعاها سلمت إليه وإن مضت
[ ٢ / ١٧٦ ]
سنة ولم يأت من يطلبها فإن شاء الملتقط تركها في يده أمانة وإن شاء تصدق بها بشرط الضمان
فإن شاء تملكها على كراهة منا لذلك وأما الطعام الرطب وما يفسد بتركه فإن شاء تصدق به أو أكله وضمنه إن كان في موضع له قيمة.
وأما الضوال فإن كانت من الإبل تركها ولم يتعرض لها وإن كانت من الغنم أخذها إن كانت بقرب قرية أو موضع يضمها إليها وإن كانت بمفازة لا يؤمن عليها الذئب والهلاك فإن شاء تركها وإن شاء أكلها ولا ضمان عليه وإذا أخذ الملتقط ثم ردها ضمنها إن كان أخذها بنية الالتقاط وإن كان ليتأملها وينظر هل يأخذها أم لا فلا شيء عليه.
[ ٢ / ١٧٧ ]
كتاب الشفعة والقسمة
ولا شفعة إلا في عقار وما يتصل به وما تجب فيه الشفعة ثلاثة أنواع:
أحدها: مقصود لنفسه وهو العقار من الدور والحوانيت والبساتين.
والثاني: تابع لغيره وهو ما يتعلق بالعقار مما هو ثابت فيه لا ينقل ولا يحول وذلك كالبئر وفحل النخل.
وتجب الشفعة فيه ما دام أصله على صفة تجب فيه الشفعة وهو أن يكون مشاعًا غير مقسوم فإن قسم أصله فلا شفعة في تبعه.
والثالث مشبه بهذا وهو ما يتعلق الضرر بالشركة فيه كالثمار وكراء الأرض للزرع وكتابة المكاتب وما أشبه ذلك.
وتجب الشفعة بالخلطة ولا تجب في مقسوم ولا شفعة في سائر العروض والحيوان والرقيق.
وما يعتبر في انتقال الملك الذي تجب به الشفعة فيه روايتان:
إحداهما: أن يكون بعوض وذلك كالبيع والصلح والمهر وغير ذلك.
والأخرى أن يكون باختيار وفائدة الفرق يتصور في الهبة والصدقة فأما الميراث فمجمع على أن لا شفعة فيه ولا تجب إلا بشركة في رقبة الملك دون حق من حقوقه كالممر أو سيل الماء أو طريق إلى علو وما أشبه ذلك وهي على قدر الحصص.
[ ٢ / ١٧٨ ]
والشريك الأخص أولى من الشريك الأعم وذلك كأهل المورث الواحد يتشافعون بينهم دون الشركاء الأجانب ثم أهل السهام أولى من بقية أهل الميراث.
وتجب الشفعة بمثل العوض وصفته إن كان من الأثمان أو مما يكال أو يوزن وبقيمته إن كان من غير ذلك وبقيمة الشقص إن كان في مهر أو دم عمد وليس للشفيع تبعيض الصفقة وإن سلم بقيمة الشفعاء إلا أن تجمع الصفقة ما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه فلا يلزمه إلا ما فيه الشفعة ولا تبطل الشفعة إلا بتركها أو ما يدل على الترك أو أن يأتي من طول المدة ما يعلم معه أنه تارك.
ولا تجب إلا بعد تمام البيع واستقراره وهي موروث كسائر الحقوق وإذا بني المشتري أو غرس لم يكن للشفيع أن يأخذ بالشفعة إلا مع قيمة البنيان أو الغراس.
وإذا اختلفا في الثمن فالقول قول المشتري مع يمينه إذا أتى بما يشبه ومن أتى منهما بما لا يشبه فالقول قول من أتى بما يشبه.
وإذا بيع الشقص بثمن إلى أجل فإن وثق المشتري بالشفيع وإلا آتاه بثقة ملي ويوضع عن الشفيع ما حط عن المشتري من الثمن مما يشبه دون ما زاد عليه.
وفي الحمام وغيره مما لا ينقسم إلا بعد إتلاف صفته روايتان.
[ ٢ / ١٧٩ ]
فصل
الأعيان ضربان منها ما تنقسم أنواعه دون أعيانه ومنها ما تنقسم أنواعه وأعيانه فالأول كالثوب والدابة والعبد والسفينة وما في حكم العين الواحدة كالخف والنعل والباب وما لا يجوز إفراده.
وإذا تشاح الشريكان في عين من هذه الأعيان ولم يتراضيا بالانتفاع به على الشياع وأراد أحدهما بالبيع فإن أجابه الأخر وإلا أجبر على البيع معه ثم له أخذ حصته بما دفع به إلا أن يختار الشريك بيع حصته مشاعًا فلا يلزمه الآخر ببيع حصته معه وإن اختارا أن يتقاوما رقبة المبيع فمن زاد منها على صاحبه أخذه.
وأما النوع الثاني وهو ما ينقسم أعيانه فإنه يقسم ما لم يعد بالضرر وإتلاف حصة أحد الشركاء والقسمة على ثلاثة أضرب مهايأة وهي أن يتهيأ الشريكان بأن يسكن أحدهما دارًا والآخر أخرى أو يزرع أحدهما بستانًا والآخر غيره فهذه جائزة غير واجبة.
وقسمة بيع وصفتها قريبة من هذه وهي أن يأخذ أحد الشركاء دارًا والآخر أخرى.
والنوع الثالث: قسمة قيمة وتعديل ووجهها أن تقسم الفريضة على ما تصح منه فإن اختلفت قيمة الأرض لاختلاف ما فيها من نخل أو شجر أو سبط عدلت بالقيمة على أقل السهام فإن تراضوا على بعض الأطراف وإلا أسهم عليه وصفة
[ ٢ / ١٨٠ ]
ذلك أن تكتب أسماؤهم في رقاع وتجعل في طين أو شمع ثم ترمى كل رقعة في جهة فمن حصل اسمة في جهة أخذ حقه متصلًا في تلك الجهة وقيل تكتب الأسماء والجهات ثم يخرج أول بندقة من الأسماء ثم أول بندقة من الجهات فيعطى من خرج اسمه نصيبه في تلك الجهة.
وإذا أراد بعض الورثة قسمة دور أو دكاكين أو بساتين في كل عين منها وأراد الباقون أن يجمع حظ كل واحد في عين ينفرد بها فينظر في ذلك فإن تسأوت منافعها أو تقاربت واتصلت مواضعها وتقاربت رغبة الناس فيها قسمة على العدد وإن تباينت في ذلك أو في بعضه قسمت كل عين على انفرادها.
وكل ما يحتمل القسمة ولكن تبطل صفته التي هو عليها ففي قسمته روايتان وذلك كالحمام والرحى وأجرة القسام على الرؤوس.
وإذا طلب القسمة بعض أهل سهم قسم لأهل السهام كلهم ثم استؤنف القسم بينهم.
فصل
والصغير مسلم بإسلام أبيه ولا يتبع أمه في الإسلام فقال ابن وهب من أسلم من أبويه نتبعه ومن أنفق على لقيط كان متطوعًا وليس له أن يبتديء الإنفاق بشرط اتباعه استأذن الإمام أو لم يستأذن.
[ ٢ / ١٨١ ]
كتاب الجنايات وموجباتها من قصاص ودية وما يتصل بذلك من أحكامها
القصاص واجب في القتل وما دونه من الجراح في الجملة ولوجوبه في القتل ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون دم المقتول غير ناقص عن دم القاتل بأن يكون مكافئًا له أو زائدًا عليه.
والثاني: أن يكون القتل عمدًا محضًا لا شبهة فيه.
والثالث: أن يكون القتل طارئًا على من حياته معلومة متيقنة وتكافؤ الدماء يعتبر بأمرين:
أحدهما: مسأواة المقتول للقاتل في الحرمة أو زيادته عليه ونريد بالحرمة ما يرجع إلى الحرية والرق وأحكامهما.
والآخر: مساواته له في الدين أو زيادته عليه ولا يراعى في القاتل أن يكون دمه مكافأ لدم المقتول أو ناقصًا عنه وإنما يراعى ألا يزيد عليه.
وتفصيل هذه الجملة أن الحر لا يقتل بعبد ولا بمن بعضه رق ولا بمن فيه عقد من عقود العتق من مكاتب أو مدبر أو أم ولد أو معتق بعضه إلى أجل ويقتل كل هؤلاء بالحر.
ولا يقتل مسلم بكافر قصاصًا ذميًا كان أو معاهدًا أو مستأمنًا كتابيًا أو غير كتابي ويقتل كل هؤلاء بالمسلم.
[ ٢ / ١٨٢ ]
وكل ما لا يقتص لهم من الحر لنقصان حرمتهم بالرق فدماؤهم متكافئة يقتص بعضهم من بعض وإن رجح أحدهم علي الآخر بعقد من عقود العتق أو بحصول بعض الحرية ما لم يكن حرًا كامل الحرية فيخرج حينئذ أن يكون دمه مكافئًا لدم من قصر عنه.
وكل من لا يقتص له من مسلم لنقصان عنه من في الدين فيقتص بعضهم من بعض وإن اختلف مللهم وأحكامهم.
وإذا صادف القتل تكافؤ الدماء بين القاتل والمقتول لم يسقط القصاص بزواله من بعد كنصرانيين قتل أحدهما الآخر فأسلم القاتل قبل القصاص وكذلك العبدان.
وليس من شرط تكافؤ الدماء انتفاء القرابة ولا العصبية ولا تساوي القاتل والمقتول في أعداد النفوس ولا في صفة الخلقة أو نوعها أو صحتها أو السن.
وبيان ذلك أن القصاص واجب بين الأقارب كوجوبه بين الأجانب يقتص للأعلى من الأدنى والأدني من الأعلى وللمتساويين فيها فيقتل الأخ بأخيه والعم بابن أخيه وابن الأخ بعمه والأب بابنه والجد بابن ابنه وابن الابن بجده والخال بابن أخته وابن الأخت بخاله وأحد الزوجين بالآخر إلا أنه يراعى في قتل الأب بابنه أن يكون القتل عمدًا محضًا لا شبهة فيه ولا احتمال كاضجاعه وذبحه وما أشبه ذلك.
فأما المحتمل لمحض العمد بأن يكون أراد أدبه أو ما أشبه ذلك مما لا يكون عذرًا في الأجنبي فإنه يكون عذرًا في حق الأب فيسقط به عنه القود وتجب الدية مغلظة في ماله والأم في ذلك كالأب وقيل يراعى في الجد مثل ذلك.
[ ٢ / ١٨٣ ]
وأما الأعداد فإن الجماعة تقتل بالواحد ويقتل الواحد بها إلا أن يكون القتل ثبت بقسامة فلا يقتل بها إلا واحد على ما نذكره.
وأما صفة الخلقة وغيرها فكالذكر والأنثى والأسود والأبيض والكبير والصغير والأعمى والبصير والأقطع والصحيح والمريض الذي لم يبلغ السياق كل هؤلاء يقتل بعضهم ببعض.
وأما تساوي الديات وتفاضلها فلا عبرة به كالرجل والمرأة والكتابي والمجوسي فهذا جملة ما في تكافؤ الدماء.
فصل
وأما قتل العمد المراعي في وجوب القصاص فهو ما خالف الخطأ واختلف في أنواع القتل فقيل هو نوعان عمد محض وخطأ محض وقيل ثلاثة أنواع زيد فيه شبه العمد.
فأما العمد فيجمعه وصفان:
أحدهما: قصد إتلاف النفس.
والآخر: أن يكون بآلة تقتل غالبًا من محدد أو مثقل أو بإصابة المقاتل كعصر الأنثيين وشدة الضغط والخنق ويلحق بذلك الممسك لغيره على من يريد قتله عمدًا عالمًا بذلك فيلزمه القود كالذابح.
وأما إن حصل أحدهما مع عدم الآخر مثل أن يقصد الضرب دون القتل فيحصل عنده القتل أو أن يقصد الإتلاف بما لا يقتل مثله غالبًا فيتلف عنده النفس فذلك عند من يراعى شبه العمد عمد محض وعند من يراعى شبه عمد لا قصاص فيه.
[ ٢ / ١٨٤ ]
فأما المكره لغيره فلا يخلو أن يكون ممن تلزم المكره طاعته كالسلطان والسيد لعبده فالقود في ذلك لازم لهما أو أن يكون ممن لا يلزمه ذلك فيقتل المباشر دون الآخر.
ولا يسقط القود في قتل العمد بأن يشارك في الدم من لا يقود عليه أو من لاقود عليه أو من لاقود بفعله كالكبير والصغير والعامد والمخطئ والعاقل والمجنون.
بل يجب القود في ذلك على من يلزمه إذا انفرد وإن سقط عن مشاركة والسكران كالصاحي في ما يلزم بقتل العمد من قود وغيره.
وأما علم حياة المقتول فلأن الجنين إذا سقط ميتًا بضرب من ضرب أمه فلا قصاص فيه لأن حياته لم تكن معلومة.
فصل
وأما ما دون النفس فضربان قطع وجرح فالقطع معروف وهو إزالة عضو أو بعضه والجراح ضربان ضرب فيه القصاص وضرب لا قصاص فيه وجملتها إحدى عشرة:
أولها الدامية: وهي التي تدمي الجلد.
ثم الخارصة: وهي التي تشقه.
ثم السمحاق: وهي التي تكشفه.
ثم الباضعة: وهي تبضع اللحم.
ثم المتلاحمة: وهي التي تقطع اللحم في عدة مواضع.
ثم الملطأة: وهي التي يبقى بينها وبين انكشاف العظم ستر رقيق.
ثم الموضحة: وهي التي توضح عن العظم.
ثم الهاشمة وهي التي تهشم العظم.
ثم المنقلة: وهي التي يطير فراش العظم منها مع الدواء.
[ ٢ / ١٨٥ ]
ثم المأمومة: وهي التي تخرق إلى أم الدماغ ويقال لها أيضا الأمة والجائغة وهي التي تصل إلى الجوف.
ويراعى في وجوب القود بكل ذلك أربعة شروط:
أحدها: تكافؤ الدماء ولا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال أحدها أن يوجد التكافؤ من الطرفين كالحر يجرح الحر أو العبد يجرح العبد فهذا لا خلاف في وجوب القصاص فيه.
والثاني: أن يكون دم الجارح مكافئًا لدم المجروح ودم المجروح غير مكافيء لدم الجارح فهذا لا قصاص فيه كالحر يقطع يد عبد والمسلم يقطع يد كافر.
والثالث: عكسه وهو أن يكون دم المجروح مكافئًا لدم الجارح ودم الجارح غير مكافيء لدم المجروح كمسلم يقطع يده كافر وحر يقطع يده عبد فقيل في هذين لا قصاص فيه لأن المراعي التكافؤ من الطرفين وقيل يجب القصاص كالقتل وهذا أقيس والأول أظهر من المذهب.
والثاني: أن يكون الجرح لا يعظم الخطر فيه ولا يغلب الخوف منه على النفس كالموضحة فما قبلها فإن كان مما يغلب خوفه ويعظم خطره فلا قصاص فيه وفيه الدية حالة في مال الجاني وذلك كالمأمومة والجائفة والمنقلة على خلاف فيها خاصة.
[ ٢ / ١٨٦ ]
والثالث: أن يكون مما تأتي فيه المماثلة فإن تعذرت لم يجب القود وذلك يكون بثلاثة شروط:
أحدها: يعود إلى الفعل كالشلل وما يضطرب من الكسر وكذهاب بعض البصر والسمع وقطع ما يمنع بعض الكلام من اللسان وما أشبه ذلك.
والثاني: يعود إلى فقد المحل كالأعمى يقلع عين بصير والأقطع يقطع يد الصحيح.
والثالث: يعود إلى عارض يمنعها مع إمكانها قبل حصولها وذلك كعفو بعض الأولياء فيتعذر القود بتعذر تمييز حقه ثم عدنا إلى أصل التقسيم فقلنا.
والرابع: ألا يتعقبه قتل المجروح أو غيره فيجب حينئذ القود في النفس وسقط حكم الجرح إلا أن يكون قصد التمثيل بالمقتول فيجرح ثم يقتل.
واختلف في الواجب بقتل العمد فقيل القصاص فقط ولا تجب الدية إلا بالتراضي وقيل يخير ولي الدم بين القود والدية.
ويجب القصاص في الحل والحرم وقع القتل فيه أو في غيره ولجأ إليه ولا يقاد من قطع أو جرح إلا بعد اندماله فإن اندمل واقفًا على قدر الجناية لا زائدًا عليها فالقصاص واجب وإن ترامى إلى زيادة عليه فلا يخلو أن يبلغ النفس أو ما دونها فإن بلغ دونها اقتص من عينه دون سرايته ثم لا يخلو اندمال القصاص أن يكون بقدر الجناية وسرايتها فإن كان ذلك فقد استوفى المقتص حقه أو يكون قاصرًا عنها فللمجروح ما بينهما.
أو أن يكون زائدًا عليها فالزائد هدر كانت النفس أو دونها.
وإن بلغت الجناية النفس فلا يخلو أن يكون ذلك في الحال أو بعد زمان فإن كان في الحال وجب القصاص في النفس وسقط حكم الجرح وإن كان بعد أيام وجب القتل بقسامة وكل هذا في العمد.
فأما إن كان أصل الجناية خطأ فلا قود فيها ولا في سرايتها وفيها الدية ومقدار ما يجب منها معتبر بالجرح ولا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يندمل على موضع الجناية ففيه دية تلك الجناية أو الحكومة إن لم يكن فيها شيء مسمى.
[ ٢ / ١٨٧ ]
والآخر أن يرى إلى زيادة فلا يخلو أن يكون إلى النفس أو دونها فإن كان إلى النفس فلا يخلو أن يكون في الحال أو بعدها فإن كان في الحال ففيه الدية بغير قسامة وإن كان بعد أيام ففيه الدية بقسامة وإن كانت السراية إلى ما دون النفس فلا يخلو أن يسري إلى ما يتفرع عن الجناية أو إلى أجنبي منها فالأول كالموضحة تصير منقلة ففيها دية منقلة والثاني كالموضحة تقضي إلى ذهاب البصر أو السمع ففيها ديتان دية الجناية ودية السراية.
والمماثلة في القصاص معتبرة في ثلاثة أشياء:
أحدها: في صفة الفعل كالجراح أو القطع.
والثاني: في الحل كاليمنى واليسرى والرأس وغيره.
والثالث: فيما يستوفي به القصاص وهو الآلة كالمحدد والمثقل والنار والتغريق وما أشبه ذلك إلا موضعين:
أحدهما: أن يكون بمعصية كاللواط أو ما في معناه فيقتصر به على السيف أو أن يكون الآلة معذبة كالعصى التي تحتاج إلى الإكثار من الضرب بها أو السكين الكالة فيعدل على ما هو أوحي ولا يراعى في ذلك الزمان ولا الحال إلا أن يعرض ما يوجب مراعاته وهو في ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يخاف على المقتص منه التلف بالقطع في شدة البرد أو ما أشبه.
والآخر" أن يكون مريضًا يخاف تلفه فيؤخر إلى برئه
والثالث: أن تكون حاملًا فتؤخر إلى وضعها.
فصل
والواجب بالقتل وما دونه من الجراح ثلاثة أشياء القصاص والدية والحكومة فالقصاص في العمد المحض على الشروط التي ذكرناها.
[ ٢ / ١٨٨ ]
والدية في أربعة مواضع:
أحدها: الخطأ المحض
والثاني: العمد المحض إذا تعذر القود.
والثالث: في فعل الأب بابنه مما لا قصاص فيه ويلحق بذلك شبه العمد عند من أثبته.
والرابع: فيما لا قود فيه من جراح العمد ومثله من الجناية على النفس المضمونة بالدية وذلك في موضعين:
أحدهما: ابتداء والآخر إسقاطها بعد وجوبها.
فالابتداء كالمسلم يقتل الكافر وجرح المنقلة والمأمومة والجائفة والثاني عفو بعض الأولياء في العمد الذي فيه القصاص أو الدية ثلاثة أنواع إبل وذهب وفضة ويؤخذ كل نوع منها من أهله الذي يكون غالب أموالهم لا يؤخذ سوى هذه.
وأماالدية الخطأ ففي النفس مائة من الإبل أخماس خمس بنات مخاض "وخمس بنات لبون" وخمس بنون اللبون وخمس حقاق وخمس جذاع وهي من الذهب ألف دينار ومن الورث اثنا عشر ألف درهم.
وأما دية العمد المحض فهي من الإبل أرباع ينقص منها عن الخطأ بنو اللبون وهما في الذهب والورق متساويان.
وأما دية شبه العمد أو مثل فعل المدلجى بابنه فإنها مغلظة وهي في الإبل ثلاثة أنواع: ثلاثة حقة وثلاثون جذعة وأربعون خليفة وهي الحوامل وفي تغليظها على غير أهل الإبل روايتان:
إحداهما: نفيه.
والآخرى: إثباته وفي كيفية تغليظها إذا أثبتناه روايتان:
إحداهما أنها تؤخذ قيمة الإبل المغلظة بلغت ما بلغت إلا أن تنقص عن دية الذهب أو الورق.
وتغلظ في الجروح والأخرى أنه ينظر قدر ما بين دية الخطأ والتغليظ فيجعل جزءًا زائدًا على دية الذهب والورق.
وتغلظ في الجرح كالقتل إذا كان مما فيه القود وتحمل العاقلة دية الخطأ وتحمل مما دون النفس ما بلغ الثلث فصاعدًا وما دون ذلك ففي مال الجاني.
[ ٢ / ١٨٩ ]
والاعتبار بثلث دية المجروح وقيل غيره وتنجم الدية الكاملة على العاقلة في ثلاث سنين وما دونها مختلف فيه قيل حالة وقيل منجمة والعاقلة العصبة الأقرب فالأقرب فيدخل فيهاالأب والابن ومن بعدت عنه قبيلته أخذ من أقرب القبائل إليها وإن عجزت ضم إليها الأقرب فالأقرب ومن لا عاقلة له ففي بيت المال.
واختلف في جراح العمد الذي لا قود فيه أوفى مثل فعل الأب بابنه فقيل في مال الجاني حالة وقيل على العاقلة حالة.
ومن قتل نفسه فدمه هدر ولا تحمله عاقلة ولا غيرها.
فصل
والدية تختلف باختلاف حرمة المقتول ودينه فدية المسلم الذكر هي الدية الكاملة وقد بيناها ودية المرأة المسلمة نصفها ودية الكتابي الذكر كدية المرأة ودية إناثهم نصف دية ذكورهم ودية المجوسي ثمانمائة درهم ودية إناثهم على النصف من دية ذكورهم.
وفي أعضائهم وجراحهم بقدرها من دياتهم كالمسلمين وذلك يفصل فيا بعد.
وليس في شيء من الجراح دية إلا في أربع وهي الموضحة ففيها نصف عشر الدية وهي خمس من الإبل والمنقلة ففيها عشر ونصف عشر الدية وهي خمس عشر من الإبل والمأمومة والجائفة ففي كل واحدة منهما ثلث دية وما سوى ذلك من الجراح ففيه حكومة وكل زوج من البدن ففيه دية كاملة وفي الفرد منه نصف الدية وذلك العينان والشفتان واليدان والرجلان وثديا المرأة وإليتاها.
وفي أشراف الأذنين خلاف.
قيل: الدية وقيل حكومة وتجب الدية في العينين بذهاب البصر وفي ذهابه من أحدهما نصف الدية إلا من الأعور ففي عينه الدية كاملة وفي ذهاب بعض البصر بحسابه.
واختباره بأن يعرف نهاية ما ينظر بعينه الصحيحة فتسد ثم ينظر نهاية ما ينظر به من العين المصابة ثم يقاس إحداهما بالأخرى وإذا عرف قدر النقص كان فيه بحسابه.
وفي ذهاب السمع الدية وفيه من أحد الجهتين نصف الدية وفي نقصه ومن إحداهما أو كلتيهما بحسابه واختبار ذلك بأن يصاح به من الجهة السليمة
[ ٢ / ١٩٠ ]
فإذا سمع بعد الصياح عنه ثم صاح به إلى أن ينتهي سماعه فإذا عرف ذلك صيح به من الجهة الأخرى فإذا انتهى موضع سماعه قيس سماعه بالجهة السليمة فإذا عرف قدر النقص كان فيه بحسابه.
وتجب الدية في اليدين قطعت من المنكب أو من المرافق أو الكوع أو قطعت الأصابع فقط ولو قطعت الأصابع وحدها كان فيها ما في القطع من المنكب ثم قطع بعد ذلك ففيه الحكومة وكذلك الرجلان قطعهما من الفخذين كقطع أصابعهما ثم قطع بعد ذلك ففيه حكومة وفي كل أصبع من أصابع اليد أو الرجل عشر من الإبل وفي كل أنملة ثلاثة أباعر وثلث إلا في الإبهام ففي كل أنملة خمسة أباعر لأنهما أنملتان وفي قطع بعض الأصابع بحساب الأنملة.
وتجب الدية في الثدي بإبطال مخرج اللبن ثم بعد ذلك حكومة وفي العقل الدية وفي الشم إذا ذهب بقطع الأنف أو بعضه الدية وفي قطع الأنف مستوعبًا من أصل المارن ومن العظم دية كاملة ذهب الشم أو بقي.
وفي ذهاب أحدهما بعد الآخر دية كاملة وفي ذهابهما في ضربة واحدة دية واحدة وفي قطع بعض الأنف بحسابه من المارن.
وفي كسر الصلب الدية وفي اللسان الدية فأما قطع بعضه فإن منع جملة الكلام ففيه الدية وفي منع بعضه بحسابه وفي الذكر الدية وفي الأنثيين الدية وذلك إذا قطعا معًا في ضربة واحدة وفي قطع أحدهما بعد اندمال الآخر حكومة فإذا كان في قطع واحد ففيه روايتان:
وأقل ما تجب فيه الدية قطع الخشفة وفي بعضها بحسابه ثم باق الذكر حكومة.
وفي كل واحد من الأسنان والأضراس خمس من الإبل وتتم دية السن بإسودادها ثم في قطعها بعد إسودادها دية أيضًا وكل ما فيه جمال منفرد عن منفعة أصل ففيه حكومة كالحاجبين وذهاب شعر اللحية وشعر الرأس وثدي الرجل وأليته.
وصفة الحكومة أن يقوم المجني عليه لو كان عبدًا سليمًا ثم يقوم مع الجناية فما نقص من قيمته جعل جزاء من ديته بالغًا ما بلغ.
وفي لسان الأخرس وذكر الخصي واليد واليد الشلاء حكومة.
[ ٢ / ١٩١ ]
فصل
وتجب بالجناية على العبد قيمته لا دية وهي في مال الجاني أو في ذمته دون عاقلته ففي نفسه قيمته وقت قتله بالغة ما بلغت وفيما دون ذلك من أعضائه وجراحاته ما نقص من قيمته إلا في الشجاج الأربع وهي الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة ففي كل واحد منهما من قيمته بحساب ما في الحر من ديته.
وإذا جنى العبد فقتل حرًا أو عبدًا فولي الجاني بالخيار إن شاء أسلمه فصار ملكًا للمجني عليه وإن كانت قيمته أضعاف أرش الجناية وإن شاء افتداه بأرش الجناية.
ويضمن السائق والقائد والراكب إلاأن تكون الجناية بغير صنع منهم وما تلف بمعدن أو بئر بهيمة لم يفرط صاحبها في حفظها فذلك هدر فلا شيء فيه.
فصل
والحكم بالقسامة واجب وهو على ضربين في عمد وفي الخطأ وإذا ثبت الدعوى ففي العمد القود وفي الخطأ الدية وللحكم بها شروط:
[ ٢ / ١٩٢ ]
أحدها: أن يدعي الدم على من لايعرف قاتله ببينة ولا بإقرار من يدعي عليه فأما إن علم ببينة أو بالإقرار بعد الدعوي عليه فإنه يقتل بغير قسامة.
والثاني: أن يكون المقتول حرًا مسلمًا وإن كان عبدًا مسلمًا أو ذميًا فلا قسامة فيه.
والثالث: أن يكون في قتل فإن كان في جرح فلا قسامة.
والرابع: أن يكون للأولياء لوث يقوي دعواهم واللوث أشياء منها الشاهد الواحد العدل على رؤية القتل وفي شهادة من لا نعلم عدالته أو العدل يرى المقتول يتشحط في دمه والمتهم نحوه أو قربه وعليه آثار القتل خلاف.
ومنها أن يقول المقتول في العمد دمي عند فلان وفي كون ذلك لوثًا في الخطأ روايتان وفي شهادة النساء والعبيد خلاف ثم عدنا إلى أصل التقسيم فقلنا:
والخامس: أن يتفق الأولياء على ثبوت القتل في العمد فإن اختلفوا فلا قسامة فأما في الخطأ إذا ادعاه بعضهم ولم يدعه الباقون فقال مالك إن المدعين يقسمون ويأخذون حقوقهم من الدية.
والسادس: في العمد أن يكون ولاة الدم اثنين فصاعدًا فإن كان واحدًا لم يقسم إلا أن يعينه عمن عصبته من يحلف معه وإن لم تكن له ولاية كالابن يستعين بعمومته وأما في الخطأ فيقسم الواحد.
والسابع أن يكون الأولياء في العمد رجالًا عقلاء بالغين فإن لم يكن إلا نساء فلا قسامة.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وإذا حصل اللوث بدئ بأولياء الدم فحلفوا خمسين يمينًا تردد الأيمان عليهم فإن زادوا على الخمسين فقيل يكفي خمسون وقيل يحلف كل واحد يمينًا واحدة ولهم أن يستعينوا من عصبته الميت بمن يحلف معهم وإن لم تكن له ولاية معهم في الدم ويكمل كسر اليمين على من عليه أكثرها.
ونكول المستعان بهم غير مؤثر إذا بقي من ولاة الدم اثنان فصاعدًا فإن نكل بعض ولاة الدم فللباقين أن يحلفوا ويأخذوا حقوقهم من الدية وقيل: ترد اليمان علي المعي عليه وإن نكل لزمته الدية في ماله وقيل: يحبس إلى أن يحلف.
وإذا عفي بعض الولياء بعد القسامة إلا واحد ويضرب من بقي مائة ويحبس سنة وتقسم الدية بين الورثة كسائر التركة على أي أنواع القتل وجبت.
ودية الجنين موروثة والجنة خمسة أنواع:
جنين حرة ففيه غرة أو أو وليدة تقوم بعشر دية أمه وهي خمسون دينارًا أو ستمائة درهم.
وجنين كتابية حرة من زوجها المسلم ففيه نصف عشر دية أبيه مثل ما في جنين الحرة المسلمة.
وجنين حرة كافرة من زوجها الكافر ففيه ديتها إن ارتفعوا إلينا.
وجنين أمة من سيدها الميلم الحر ففيه مثل ما في جنين الحرة.
وجنين أمة من غير سيدها ففيه عشر قيمتها وهذا كله إذا انفصل منها ميتًا فإن انفصل صارخًا ثم مات ففيه الدية بكمالها ولو ماتت الأم ثم خرج الجنين ميتا بعد موتها لم يكن فيه شيء.
[ ٢ / ١٩٤ ]
فصل
وتجب الكفارة في قتل الخطأ دون غيره كان القتل بانفراد أو اشتراك إذا كان المقتول مؤمنًا حرًا وهي إعتاق وصيام فالإعتاق تحرير رقبة مؤمنة والصيام صوم شهرين متتابعين.
فصل
والردة محبطة للعمل بنفسها من غير وقوف على موت المرتد ويستتاب ثلاثة فإن تاب قبل منه وإن أبي قتل وكان ماله فيئًا غير موروث ملكه قبل الردة أو بعدها ولا يلزمه إن تاب قضاء شيء مما ترك من صلاة أو صوم أو غير ذلك من حقوق الله تعالى وعليه استئناف الحج.
والزنديق الذي يسر الكفر ويظهر الإسلام يقتل ولا تقبل توبته.
ولا يعترض الكافر إذا انتقل إلى ملة أخرى من ملل الكفر مما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه.
ولا تقبل توبة الساحر ويقتل إن عمله بنفسه.
وإذا فاءت الفئة الباغية لم تتبع بما استهلكت من مال أو دم وكذلك لو نصب المرتدون رأيه في الحرب وقاتلوا ثم تابوا بعد أن قاتلوا وأتلفوا أموالًا ومن قتل من الفئة الباغية غسل وصلى عليه.
ويقام على المحارب إذا أخذ قبل التوبة حد الحرابة وهو القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف أو النفي والحبس وذلك موكول إلى اجتهاد الحاكم على ما يراه أردع له ولأمثاله.
[ ٢ / ١٩٥ ]
ويسقط عنه إن جاء تائبًا قبل القدرة عليه حقوق الله ويؤخذ بحقوق الآدميين ويقتل فيها المسلم بكافر والحر بالعبد ولا يراعى تكافؤ الدماء.
وصفة المحارب هو القاطع للطريق المخيف للسبيل الشاهر للسلاح المقاتل على المال برًا أو بحرًا وحكم اللص حكمه.
ولا عفو في الحرابة لولي الدم وللمطلوب ماله أن يمانع عنه فإن آل إلى قتل من يطلبه فهو هدر وإن قتل المطلوب فأجره على الله وللرجل أن يدفع عن نفسه ما يصول عليه من إنسان أو بهيمة ولا ضمان عليه فيما يئول أمره إليه وفي تضمين الطبيب ما أتي على يده مما لم يقصده روايتان:
ومن حفر بئرًا في موضع ليس له حفرها فيه ضمن ما أصيب بها وكذلك ممسك الكلب العقور وواقف الدابة بحيث لا يجوز له أن يقفها فيه.
ويضمن أرباب المواشي ما أفسدته في الليل دون النهار.
[ ٢ / ١٩٦ ]
كتاب الحدود
الزنا موجب للحد والحد الواجب به مختلف باختلاف أحوال الزناة والحد فيه نوعان رجم وجلد ثم الجلد ضربان منفرد بنفسه ومضمون إليه غيره وهو تغريب عام وهو من وجه آخر بتنوع إلى تمام ونقصان.
والزناة ضربان ثيب وبكر فالثيب هو المحصن وحده الرجم حتى يموت ولا يجلد قبله وشروط الحصانة ستة وهي البلوغ والعقل والإسلام والحرية والتزويج الصحيح والوطء المباح فيه وإذا حقق ما يحصنه أو وجد ثلاثة منها وهي الحرية والتزويج والوطء وما عدا ذلك مشترط في أصل الزنا وليس من شرطه أن يجتمع الإحصان من الطرفين.
وأما الجلدالكامل فهو جلد مائة بانفرادها أو مع غيرها فحد الزاني البكر لا يخلو من ثلاثة أقسام إما أن يكون رجلًا حرًا فحده مائة وتغريب عام وهو نفيه إلى غير بلده وحبسه فيه سنة أو أن تكون المرأة حرة فحدها مائة بانفرادها من غير تغريب.
أو مملوكًا ذكرًا أو أنثى فحده خمسون من غير تغريب والأسباب التي يثبت بها الزنا ثلاثة وهي الإقرار والبينة وظهور الحمل فأما الإقرار فيكفي منه مرة يقيم عليها فإن رجع عنه إلى شبهة أو أمر يعذر به قبل منه وإن أكذب نفسه ففيه روايتان.
وأما البينة فشهادة أربعة رجال عدول يشهدون مجتمعين لا تراخي بين أوقات إقامتهم الشهادة على معاينة الزنا الواحد ورؤية فرجه في فرجها كالمرود
[ ٢ / ١٩٧ ]
في المكحلة وما جرى مجرى ذلك فإن قصر عددهم في الابتداء أو بوقوف أحدهم على الشهادة أو برجوعه بعد إقامتها وقبل الحكم بها لم يحد المشهود عليه وحد الشهود كلهم وإن كان ذلك بعد إقامة جميعهم الشهادة حد الراجع وحده.
وأما الحمل فإن يظهر من غير عقد ولا شبهة ولا ظهور أمارة تدل على استكراه.
ويقام الحد على المشهور عليه حين تتم الشهادة عليه تاب أو لم يتب ولا يؤخر إلا أن يعرض ما يوجب التأخير والعوارض الموجبة بذلك ثلاثة:
منها: معنى في المحدود يختص به.
ومنها: معنى فيه يتعلق بغيره.
ومنها: معنى منفصل عنه.
فالأول: كالمرض الذي يخاف منه إن حد تلفه.
والثاني: الحمل الذي يخاف تلفه بحد الحامل.
والثالث: الزمن الذي يعلم الخطر فيه فيؤدي إلى التلف ولا حد على الزاني بجارية ابنه ولا على واطيء أمة له فيها شرك وتقوم عليه إن حملت وفيه خلاف إن لم تحمل ويحد إن زنا بجارية أبيه. ومن أكره امرأة فزنا بها فذلك على ضروب:
أحدها: أن يكره حرة فعليه صداق مثلها بكرًا كانت أو ثيبًا.
والثاني: أن يكره أمة فعليه ما نقص من قيمتها دون الصداق.
والثالث: أن يستكره نصراني حرة مسلمة فيقتل.
والرابع: أن يستكره أمة مسلمة فعليه ما نقص من ثمنها بكرًا كانت أو ثيبًا وعلى المسلم في كل ذلك الحد.
وللسيد أن يقيم على عبده وأمته حد الزنا بالبينة أو الإقرار أو ظهور الحمل وفي علمه خلاف.
وذلك إذا لم تكن لها زوج أجنبي فإن كانت لها زوج أجنبي فلا يكون للسيد حدها وله ذلك إن كانت لا زوج لها أو كان زوجها عبدًا له وله حدهما في الشرب وليس له ذلك في السرقة.
[ ٢ / ١٩٨ ]
وينبغي للإمام إحضار طائفة من المؤمنين وأقلهم أربعة ممن تجوز شهادتهم ويجب بالإيلاج في اللواط الرجم عليها من غير مراعاة إحصان وطريقة إثباته طريق إثبات الزنى.
ويؤدب من أتي بهيمة ولا يقتل هو ولا البهيمة.
فصل
القذف موجب للحد والمراعاة في ذلك تسع خصال اثنتان في القاذف وخمس في المقذوف واثنتان في الشيء المقذوف به وخمس في المقذوف واثنتان في الشئ المقذوف به.
فما يراعى في القاذف البلوغ والعقل وما يراعى في المقذوف فالعقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة عما رمي به ويختلف حكم البلوغ في المقذوف بالذكورية والأنوثية فيراعى في الذكر بلوغ التكليف وفي الأنثى إطاقة الوطء.
وأما ما يراعى في الشيء المقذوف به فهو أن يكون القذف بوطء يلزم به الحد وهو الزنا واللواط أو نفي نسب المقذوف عن أبيه فقط.
ويلزم بالتعريض الذي يفهم منه القذف وحدالقذف مختلف بالحرية والرق فهو على الحر ثمانون وعلى العبد أربعون.
والحدود كلها سواء في الإيجاع والصفة وما كان منها من جنس واحد وسببه واحد تداخل وأجزأ واحد عن جميعه وذلك مثل أن يزني مرارًا أو يشرب مرارًا أو يقذف مرارا واحدا أو جماعة فيجزئ من كل سبب حد واحد عن جميع ما فعل منه ولو قذف وشرب ألزم حدًا واحدًا.
ومن سب النبي ﷺ قتل ولم تقبل توبته وذلك إن كان مسلمًا فأما الكافر إذا قال أنا أسلم ففيه روايتان.
[ ٢ / ١٩٩ ]
كتاب القطع
ويجب القطع في السرقة باجتماع أوصاف تكون في السارق والشيء المسروق والموضع المسروق منه وصفة السرقة.
فأما ما يراعى في السارق فأن يكون بالغًا عاقلًا وأن يكون غير مالك للمسروق منه فإن كان مالكًا له لم يقطع كالعبد يسرق من مال سيده.
وأما ما يراعى في المسروق فأن يكون مما ينتفع به وذلك على ضربين مال وغير مال فأما المال فيراعى فيه أن يكون نصابًا أو ما قيمته نصاب لا ملك فيه لسارق ولا شبهة ملك.
والنصاب ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق وكل صنف أصل بنفسه لا يقوم بالآخر. والعروض تقوم بأغلبهما من نقود موضعه وذلك حين السرقة ولا اعتبار بوقت القطع وكذلك ملك المسروق وأن يكون مما تصح سرقته دون ما لا تصح فيقطع سارق العبد الصغير وسارق العبد الكبير الأعجمي الشديد البلادة دون البالغ البلادة دون البالغ الفصيح لأن مثل هذا لا يصح أن يسرق.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
ولا يقطع الأبوان في سرقتهما من مال ولدهما لشبهتهما فيه واختلف في السرقة من المغنم فأوجب مالك ﵀ القطع فيها ولم يره شبهة ورآه عبد الملك شبهة تسقط القطع.
ويقطع في سرقة جميع المتمولات الجائز بيعها وأخذ العوض عليها كان أصلها مباحا أو محظورا طعامًا كان أو غيره.
وفي رطب الطعام ويابسه قدر ما يراعى في المال فأما في غير المال فلا يتصور إلا في الحر الصغير فإنه يقطع سارقه وقيل في المجنون الحر إن كان ينتفع به قطع سارقه.
فأما الموضع المسروق منه فأن يكون حرزًا لمثل ذلك المسروق وذلك
يختلف باختلاف عادة الناس في إحراز أموالهم فمن سرق شيئًا من موضع قد أحرز فيه وهو حرز مثله في عادة الناس قطع.
والدور والدكاكين إحراز لما يجوز فيها والقبر حرز للكفن إذا سد وأدرج الميت في أكفانه وأبنية حوانيت الباعة حرز لما يوضع فيها من الأحمال والأعدال والإنسان حرز لما معه في جيبه أو كمه أو يده أو وسطه أو ثوب على كتفه لبسه لبس مثله.
ولا قطع في ثمر معلق إلا إذا أواه الجرين فذلك حرزه ولا حريسة جبل إلا إذا أوت في المراح والصبي ليس بحرز لما معه أو عليه من ثياب أو حلي إلا أن يكون معه من يحفظه وفروع هذا الباب كثيرة جدًا.
وأما صفة السرقة فأن يخرج المسروق من الحرز وهو يساوي نصابًا فإن أتلفه في الحرز ثم أخرجه فلا قطع عليه ولا يراعى أن يخرجه بمباشرة أو بمعاونة وذلك بأن يأخذ بيده ويخرج به بنفسه وكذلك إن رماه إلى خارجه أو أخرجه بيده إلى خارج الحرز فأخذه غيره وأخرجه على ظهر دابة أو كانوا جماعة فرفعوه على رأس أحدهم أو ظهره فخرج به وبقواهم في الحرز أو خرجوا معه ففي كل ذلك القطع.
[ ٢ / ٢٠١ ]
ولا قطع على مختلس ولا مستلب ولا مكابر ولا غاصب ولا مستعير جحد وإذا أكملت للسارق أسباب القطع وكان ذلك أول سرقته وهو صحيح الأطراف قطعت يمنى يديه وفي الثانية يسرى رجليه وفي الثالث يسري يديه وفي الرابعة يمنى رجليه وفيما بعد ذلك الضرب والحبس.
ومن لم يكن له الطرف المستحق قطعه قطع ما بعده ومثله إن كان أشل لا منفعة فيه.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
كتاب العتق والولاء وما يتصل به من عقوده
ولا يجوز تبعيض العتق ابتداء ومن بعض العتق باختياره له أو بسبب لزمه تكميله كان باقي المعتق له أو لغيره بشرطين:
أحدهما: وجود ثمنه والآخر بقاء ملكه وقيل في هذا يلزم في ثلاثة سواء كان أحد الثلاثة مسلمًا أو ذميًا ولا يعتق نصيب شريكه بالسراية ولكن بعد أن يقوم عليه ويدفع القيمة إلى الشريك وتكون القيمة يوم الحكم.
والولاء لمن أعتق عليه ولا يراعى في ذلك اختيار الشريك أو العبد أو إباؤهما إلا أن يبدل الشريك إعتاق نصيبه فيكون له ذلك ويسقط حينئذ عن المبتدي بالإعتاق والتكميل.
وإن كان باقية له فقيل بالسراية وقيل بالحكم وإن كان مريضًا قوم عليه نصيب الشريك في ثلثه وعتق باقيه إن كان له في الثلث.
ومن لم يجد ثمن حصة الشريك كاملة قوم عليه بقدر ما يجده منها وبقي الباقي رقًا وإن مات العبد قبل تقويمه مات عبدًا وسقطت المطالبة عن العتق وإذا بعض العتق عدة الشركاء في لفظ متفق زمانه قوم باقية على عدد رؤوسهم فإن كان بعضهم بعد بعض ألزم الأول دون من بعده.
وإذا أعتق المريض المحجور عليه عبيدًا له هم جميع ماله أقرع بينهم بعد موته فأعتق ثلثهم ممن وقع عليه السهم ورق باقيهم ولو أعتق جزءًا منهم فذلك على ضربين أن نسب الجزء إلى جميعهم أقرع بينهم كأنه قال ثلث عبيدي أحرار أو ربعهم وإن نسب إلى كل واحدة عتق ذلك القدر من كل واحد بغير قرعة.
ومن مثل بعبده مثلة بينة ظاهرة قاصدًا لذلك عتق قيل بنفس المثلة وقيل بالحكم وله ولاؤه وإن كان ذلك عن غير قصد وإنما جر إليه غيره لم يعتق عليه ويعتق الحمل بإعتاق الحامل ولا تعتق الحامل بعتق الحمل ولا يجوز إعتاق دون البالغ ولا غير العاقل ولا المولي عليه وإن كان بالغًا عاقلًا ولا المديان إلا بإجازة غرمائه ولاالراهن إلا بيساره.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
ويعتق بالقرابة ثلاثة أصناف عمود النسب علوًا أو سفلًا والإخوة نفسها من غير مجاوزة إلى ولدها وعتقهم بنفس الملك من غير حاجة إلى حكم.
فصل
والولاء للمعتق إذا كان عنه فإن كان عن غيره فلمعتق عنه بإذنه كان أو بغير إذنه وولاء السائبة للمسلمين ولا يحل بيع الولاء ولا هبته وهو لعصبته المعتق الذكور ولا شيء للإناث وأولاهم به الابن ثم ابنه ثم الأب ثم ولد الأب والأم ثم ولد الأب ثم بنوهم على ترتيب آبائهم ثم الجد ثم العمومة على ترتيب الإخوة ثم بنوهم على ترتيب آبائهم ثم الجد ثم العمومة على ترتيب الإخوة ثم بنوهم آبائهم ثم الموالي ذكورهم دون إناثهم بخلاف النسب.
ويستحق الولاء بالكبر لا يصل إلى البطن الثاني إلا بعد انقراض البطن الذي قبله وصورة ذلك أن يترك الرجل ثلاثة بنين وله ولاء فيموت اثنان عن ولد ثم يموت المولي فيكون ميراثه للباقي دون ولد أخويه.
ولا ولاء بموالات ولا على منبوذ لملتقطه ولا لغيره ولا على من أسلم على يدي رجل ولا ولاء لعبد فيما يعتقه وإن كان بإذن سيده إلا أن يعتق قبل علم سيده ولا لمن فيه بقية رق أو عقد من عقود العتق والولاء لسادتهم ولا يرجع إليهم بعد عتقهم إلا المكاتب وحده وكذلك المسلم يعتق الكافر.
وجر الولاء ثابت ولا يجره إلا الأب أو الجد وصفته أن يتزوج عبد معتقة لقوم فيولدها فإن ولاء ولده منها لموالي أمه ما دام الأب رقًا فإن عتق جر ولاء ولده إلى معتقه.
ولو كان للعبد أب عبد فأعتق قبل ابنه جر ولاء ابنه إلى من أعتقه ما دام ابنه رقيقًا فإن أعتق الابن جر ولاء ولده إلى مواليه وانتقل عن موالي أبيه الذي هو الجد فإن تزوج العبد حرة لا ولاء عليها ورث من يموت من ولدها بعد نصيب أمه المسلمون.
وإن أعتق العبد قبل موت الولد جر ولاءهم إلى معتقه ولا يكون جر الولاء فيمن مسه رق.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وولد الملاعنة العربية لا ولاء عليه وإن كانت معتقة كان لمواليها فإن اعترف به الأب عاد إليه أو إلى مواليه ولا ولاء لامرأة إلا في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن تعتق مباشرة.
والثاني: أن تعتق معتقها.
والثالث: أن يموت معتقها عن ولد من أمته أو من معتقته.
فأما عتقها بالمباشرة فإنها إذا أعتقت عبدًا أو أمة فماتا عن غير وارث فميراثه لها وما يعتقه معتقها فمثل أن يعتق هذا العبد الذي أعتقه عبدًا ويموت المعتق الأول عن غير وارث فيكون ولاء الثاني لها. والقسم الثالث أن يتزوج عبدها أمة فيولد له ثم تعتقه أو يتزوج بعد عتقه فيكون الولاء لها إما ابتداء أو جرًا على الترتيب الذي قدرناه.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
فصل
الكتابة جائزة لا يجبر السيد عليها إن طلبها العبد بقيمته أو بأكثر أو بأقل وفي إجبار السيد إياه عليها خلاف وهي جائزة بما يتراضيان عليه من القليل والكثير بكل ما يجوز أن يكون عوضًا في بيع أو إجازة أو نكاح كالوصفاء وإن لم يوصفوا ويلزم الوسط منهم ولا تكون إلا منجمة أو مؤجلة فإن كانت حالة جاز وتكون قطاعه وهي عتق بصفة أداء جميعها.
ويرق بالعجز عن بعضها قل أم كثر ويستحب للسيد وضع شيء من آخرها قل أو كثر من غير إيجاب وللمكاتب تعجيلها ويعتق لوقته وليس للسيد الامتناع عليه وبيع رقبة المكاتب غير جائز وبيع كتابته جائز من المكاتب وغيره وجوازها منه على الإطلاق بكل ما كمان يجوز ابتداؤها به ومن غيره بعرض معجل إن كانت ذهبا أو ورقا وإن كانت بعرض فيذهب أو ورق بعرض مخالف له معجل كل ذلك جائز.
فإذا أدى إلى المشتري كتابته عتق وكان ولاؤه لمكاتبه دون مشتري كتابته وإن عجز رق وكانت رقبته ملكا للمشتري كتابته.
ولا تجوز بيع نجم منها وفي بيع الجزء خلاف.
وإذا أعتق المكاتب تبعه ماله وولده الذين حدثوا من أمته بعد عقد كتابته دون من كان قبلها بولادة أو حمل أو من زوجة إلا أن يشترطهم في كتابته فيعتقون بعتقه وإذا مات المكاتب عن ولد معه في كتابته إما بالشرط أو بمقتضي العقد لم تنفسخ الكتابة بموته وتؤدى الكتابة حالة إن ترك وفاء ثم لهم ما بقي إرثًا دون ولده الأحرار الذين لم يدخلوا معه في كتابة وإن لم يترك وفاء وقوى ولده على السعي سعوا وأدوا باقي الكتابة وإن كانوا صغارًا أدي عنهم إن كان في المال وفاء وإلا أتجر لهم به وأدى على نجومه إلى بلوغهم فإن قدروا على السعي وإلا رقوا.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
ويجوز الجمع بين عدة عبيد في كتابة واحدة ويلزم كل واحد منهم بقدر قوته وبعضهم حملاء عن بعض.
وليس للعبد تعجيز نفسه مع قدرته على الأداء ولا للسيد تعجيزه وفي اتفاقهما على ذلك خلاف إلا أن يكون له ولد فلا يجوز.
وإذا أوصى السيد لمكاتبه بكتابته كلها وضع في الثلث الأقل من قيمتها أو قيمة رقبته فإن حمل الثلث ذلك وإلا بقدر ما يحمله.
وليس للمكاتب أن يتصرف في ماله بإتلاف ولا غيره إلا بما يؤدى إلى مصلحته وتنميته ولا ينكح ولا يسافر إلا بإذن سيده وحاله في جراحه وحدوده وشهادته وطلاقه وقذفه وغير ذلك حال العبد.
ولا يجوز للسيد وطء مكاتبه ولا انتزاع مال مكاتبه وعقل ما يخرح به المكاتب له يحتسب به من كتابته.
فصل
والتدبير إيجاب وإلزام وهو أن يقول السيد لعبده أنت مدبر أو قد دبرتك أو أنت حر عن دبر مني أو إذا مت فأنت حر بالتدبير أو لفظ يفيد تعليق عتقه بموته على الإطلاق لا على وجه الوصية فإن قيد ذلك بوجه مخصوص كقوله إن مت من مرضي هذا كان وصية ولم يكن تدبيرًا أو إن قال أنت حر بعد موتي فقيل يكون وصية وقيل: يكون تدبيرًا.
ولا يجوز بيع المدبر ولا إبطال تدبيره ويكمل بتبعيض التدبير كالعتق.
وللسيد انتزاع مال مدبره واستخدامه وإجارته ووطؤها إن كانت أمة وجنايته في خدمته.
وإذا مات سيده عتق في ثلثه أو ما يحمله الثلث وإن كان عليه دين يستغرق تركته رق وبطل وبطل تدبيره وإن لم يترك غيره عتق ثلثه ورق باقية للورثة.
وللسيد مقاطعته على مال يتعجل به إعتاقه وحاله في جراحه وحدوده وطلاقه وشهادته حال عبد.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
فصل
حمل الأمة من سيدها الحر يوجب لها حرمة يمنع بيعها وهبتها وإجارتها وإسلامها في جناية وعتقها عن سبب موجب للعتق ولا يبقى للسيد فيها إلا الاستمتاع وما يقرب من الاستخدام الذي لا يشق مثله فإذا مات عتقت من رأس ماله لا يردها دين قبل حملها أو بعده ولا يراعى وضع ولد كامل الخلقة بل مااستحال عن النطفة إلى علقة أو مضغة فتثبت لها به حرمة الاستيلاد وإن ولدت منه قبل ملكه وهي زوجة لم تكن بذلك أم ولد فإن ملكها حاملًا ففيها روايتان وليس له مكاتبتها وله انتزاع مالها وولد كل من وجبت له عقد عتق من مدبر ومكاتب وأم ولد ومعتق إلى أجل فإن كان عن وطء بزوجيه أو زنا فهو تابع في الحرية والرق لأمه وإن كان عن وطء بملك يمين فهو تابع لأبيه.
وللسيد إجارة ولد أم ولده بخلاف أمهم ولا يجوز إسلامها في جناية ويلزم السيد افتكاكها بأقل من الأرش أو قيمتها وحكمها في الحدود والشهادات والعدة حكم الأمة.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
كتاب الأقضية والشهادات
ولا يستقضي إلا فقيه من أهل الاجتهاد لا عامي مقلد لأنه يحتاج فيما ينزل من الحوادث إلى الاجتهاد فلا يصح أن يكون عاميًا لأنه ليس بمجتهد وإنما هو مقلد غيره ولأن الحاكم يتفقد الأحكام في غيره فلم يصح أن يكون مقلدًا.
ولا يكون الحاكم عبدًا ولا امرأة وينبغي للحاكم أن يجلس في المسجد وأن يسوي بين الخصمين في المجلس والإقبال عليهما ولا يحكم بعلمه في شيء من الأشياء لا فيما علمه قبل ولايته ولا بعدها لا في مجلسه ولا في غيره وله أن يقبل شهادة من علمه عدلًا من غير حاجة إلى تزكيته ويرد شهادة من علمه فاسقًا.
ولا تقبل شهادة من لاتعلم عدالته إلا بتزكية ولا تقبل التزكية إلا من عالم بوجوه التعديل والتجريح عارف بطرقها ولا يكفي في ذلك أقل من اثنين وإذا نسي الحاكم حكمًا حكم به فإن شهد به عنده.
عدلان أنفذه بشهادتهما وكذلك يلزم كل من شهد به عنده ولا يحلف المدعي عليه بمجرد دعوى المدعي دون أن ينضم إليها سبب يقويها من مخالطة أو ما يجرى مجراها وإذا حكم المتداعيان بينهما أو رجلًا ارتضا به جاز حكمه عليهما إذا حكم بما يسوغه الشرع وافق حكم قاضي بلدهما أو خالفه.
ويحكم على الغائب وتسع البينة عليه وقيل يتوقف في الرباع.
وإذا ثبت حق عند قاضي بلد لرجل في بلد غيره وكتب به إلى قاضي البلد الذي فيه صاحب الحق ينفذ المكتوب إليه ما كتب به إليه مات الكاتب أو عزل أو بقي ولو مات المكتوب إليه قبل وصول الكتاب إليه لزم المنصوب مكانه من إنفاذها ما لزمه.
وحكم الحاكم ينفذ في الظاهر ولا يحيل الباطن عما هو عليه ولا تقبل شهادة غير العدول ولا يكفي ظاهر الإسلام من العدالة وشروط العدالة أن يكون
[ ٢ / ٢٠٩ ]
الشاهد بالغًا عاقلًا حرًا مسلمًا أمينًا عفيفًا منتفية عنه سمات الفسق كلها متيقظًا ضابطًا غير مغفل عارفًا بالشهادات.
وشروط تحملها وأدائها متحرز من الحيل التي تتم على من يقل تحفظه حافظًا لمروءته من الدناءة ومما يطرق التهم عليه وقد يعرض في العدل ما يمنع قبول شهادته وذلك يرجع إلى التهمة ويعتبر في ثلاثة مواضع:
أحدها: فيما بين الشاهد والمشهود له عليه
والثاني: في المشهود به أو فيه.
والثالث: ما يرجع إلى الحال.
فالأول: مثل شهادة الابن للأبوين والأبوين له وكذلك جهات عمودي النسب الأعلى والأسفل أحدهما للآخر وأحد الزوجين لصاحبه وشهادته على عدوه وما يجر به نفعًا إلى نفسه كشهادته لغريم له مفلس بدين له على آخر أو ما يدفع به ضررًا عنه أو عارًا كجرحه من شهد على أبيه أو ابنه أو أخيه بزنى.
والثاني: كشهادة ولد الزنا في الزنا وشبهه واختلف فيمن كان على كبيرة من الفسق كالزنا وشرب الخمر ثم تاب منها وعرفت عدالته وقبلت شهادته هل تقبل في النوع الذي تاب منه فقيل تقبل وقيل لاتقل.
والثالث: شهادة البدوي للقروي أو عليه في الحقوق لأن التهمة تقوى في بطلان ما شهد به والانتفاء التهمة قبلناها في القتل والجراح.
ومثله أن يشهد الفاسق أو الصبي أو العبد أو الكافر بشهادة في حال النقص فترد ثم بلغ الصبي أو أعتق العبد أو أسلم الكافر ويحسن حال الفاسق في التوبة فتقبل شهادتهم في غير ذلك الشيء ولا تقبل فيه للتهمة لأنهم يحبون زوال النقص عنهم بما رد من شهادتهم.
وفي تبعيض الشهادة تفصيل فإن جمعت ما فيه تهمة وما لا تهمة فيه ردت جميعها وإن جمعت ما يختلف جنسه في قبول شهادة الشاهد في بعضه قبلت فيما تقبل يه وردت في الباقي.
والمراعى في تزكية الشاهد المزكي بأنه عدل رضا وذلك يغني عما سواه ولا يغني عنه غيره وإذا زكاة شاهدان وجرحه آخران فقيل يؤخذ بأعدلهما وقيل الجرح أولى من التعديل.
واختلف في قبول الجرح مجملًا فقيل يقبل وقيل لا يقبل إلا بعد تعيين ما يجرح به.
[ ٢ / ٢١٠ ]
وتحمل الشهادة والقيام بها فرض على الكفاية إلا أن يتفق ما يتعين معه وجوبها كخوف الفوات ولا يوجد غير الشاهدين.
فصل
والبينات تختلف باختلاف الحقوق المشهود بها من التوسعة والتضييق والضعف والتأكيد وما تدعو إليه الضرورة فيجوز فيه ما لا يجوز في غيره.
[ ٢ / ٢١١ ]
وجملته ثلاثة أنواع شهادة ويمين وكتاب قاض إلى قاض وتزيد على ذلك رابعًا وهو معنى يقتضيه شاهد الحال ثم بعد ذلك على ثلاثة أضرب منها منفرد بنفسه ومنها ما لا ينفرد بنفسه ومنها ما تختلف أحكامه فينفرد بعضه ولا ينفرد سائره وجملة أعدادها قد أتينا على ذكره وهو في التفصيل ستة عشر.
منها أربعة شهود من الرجال البالغين:
الثاني: رجلان عدلان.
والثالث: رجل وامرأتان
والرابع: شاهد ويمين.
والخامس: امرأتان ويمين.
والسادس: وشاهد ونكول المدعى عليه.
والسابع: امرأتان ونكول المدعى عليه.
والثامن: يمين المدعي ونكول المدعى عليه.
والتاسع: امرأتان مع ظهور المشهود به واستفاضته.
والعاشر: امرأتان بانفرادهما.
[ ٢ / ٢١٢ ]
والحادي عشر: شهادة الصبيان في الجراح.
والثاني عشر: كتاب قاض إلى قاض.
والثالث عشر: اللوث مع أيمان الأولياء في القسامة.
والرابع عشر: معرفة العفاص والوكاء في اللقطة.
والخامس عشر: اليمين مع قوة السبب.
والسادس عشر: شهادة السماع.
والحقوق المشهود فيها ستة وهي:
أحدها: حقوق أبدان وأحكام تثبت فيما يطلع عليها الرجال في غالب الحال وذلك كالنكاح والطلاق والعتاق والرجعة ورؤي الأهلة والقتل والجراح.
والثاني: حقوق أبدان مستتريها جملة عن الرجل والنساء كالزنا واللواط.
والثالث: حقوق أبدان لا يطلع عليها الرجال في غالب الحال ويطلع عليها النساء كعيوب النساء والولادة والاستهلال والرضاع.
والرابع: أموال كالقرض والوديعة والعارية والرهن والغصب وغير ذلك.
والخامس: حقوق أبدان متعلقة بأموال هي المقصودة بها كالوكالة في الأموال وحقوقها.
والسادس: حق يندر من ذلك ويقل وقوعه وقد يكون في البدن وقد يكون في المال كاللقطة والسرقة وجراح الصبيان وما تدعو إليه الضرورة ثم نحن نفصل ذلك على ترتيب الكتاب.
فأما الأربعة الشهود فللزنا واللواط والشهادة على الشهادة فيهما وكتاب القاضي بهما وأما الرجلان فلحقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال غالبًا وأما الرجل والمرأتان فللأموال وحقوقها وفي حقوقها المتعلقة بالأبدان خلاف.
وأما الشاهد واليمين والمرأتان واليمين والشاهد والنكول فللأموال وما يقصد به المال فقط دون حقوق الأبدان المتعلقة بالأموال وقد بينا الخلاف في الشاهد والنكول وحكم المرأتين والنكول وحكم الشاهد واليمين وكذلك يمين المدعي مع النكول.
[ ٢ / ٢١٣ ]
وأما المرأتان بانفرادهما ففي عيوب النساء والولادة والاستهلال وأما المرأتان مع الظهور والاشتهار ففي شهادتين بالرضاع وقيل تكفي شهادتهما فقط.
وأما شهادة الصبيان في الجراح والقتل على شروط تسعة:
وهي أن يكونوا ممن يعقل الشهادة وأن يكونوا أحرارًا ذكورًا محكومًا لهم بالإسلام وأن يكون المشهود به جرحًا أو قتلًا وأن يكون ذلك بينهم خاصة لا لكبير على صغير ولا لصغير على كبير وأن يكونوا اثنين فأكثر وأن يكون ذلك قبل تفرقهم وتحبيهم وأن تكون شهادتهم متفقة غير مختلفة. وإذا شهدوا بما حصل عليهم ثم رجعوا عنه بعد تفرقهم إلى غيره أخذوا بأول شهادتهم ولم يلتفت إلى آخر قولهم.
وأما كتاب قاض إلى قاض فيعم كل مشهود به من الحقوق والحدود.
وأما اللوث في القسامة ومعرفة العفاص والوكاء في اللقطة واليمين مع قوة السبب فقد تقدم كل نوع من ذلك في موضعه.
وأما شهادة السماع ففيما لا يتغير وذلك أربعة أشياء في النسب والموت والولاء والحبس والوقف وقيل في النكاح وتقادم الملك وشهادة الأعمى جائزة وكذلك الأخرس إذا فهم عنه.
ومن شهد بشهادة ثم رجع عنها فلا يخلو أن يرجع بإكذاب نفسه أو بادعاء غلط في الشهادة فإن كان بإكذاب نفسه نظر فإن كان قبل الحكم لم يحكم بشهادته الأولى ولا غيرها وإن كان بعد الاستيفاء فلا يخلو المشهود به أن يكون قتلًا أو حدًا أو طلاقًا أو مالًا ففي القتل والحد خلاف قيل يقتص منهما في العمد وقيل يغرمان الدية وفي ادعائهما الغلط يغرمان الدية ولا يمنع ذلك قبول شهادتهما في المستأنف.
وفي المال يغرمان ما تلف بشهادتهما وفي الطلاق إن كانوا شهدوا به والزوج مقر بالطلاق ومنكر للدخول غرموا نصف الصداق وكذلك لو كان قبل الدخول والزوج منكرللنكاح وفي العتق يغرمان قيمة العبد ولذلك فروع لا يحتمله الكتاب.
ولو ثبت فسق الشهود بعد الحكم والاستيفاء بشهادتهم لم يلزم الحاكم شيء مما أتلف بشهادتهم ولو ثبت رقهم أو كفرهم ضمن.
[ ٢ / ٢١٤ ]
فصل في تداعي الرجلين شيئا في أيديهما
وإذا تداعى رجلان شيئا بأيديهما أو يد غيرهما ممن لا يدعيه لنفسه أو ليس في يد أحدهم حكم به لمن أقام البينة على أنه له فإن أقام كل واحد منهما بينة فإن كان مالًا حكم بأعدل البينتين وإن تساويا أحلفا فإن نكل أحدهما حكم به للحالف فإن حلفا قسم بينهما.
ولو كان التداعي في شيء بيد أحدهما فعلى الخارج إقامة البينة فإن أقامها حكم له به وإن لم تكن بينة حكم به لصاحب اليد مع يمينه.
ومن ترك ابنتين فأقر أحدهما بثالث أعطاه ثلث ما في يده ولو أقر بزوجة أعطاها ثمن ما في يده وإن أقر بدين على أبيه أعطي المقر له نصف الحق ويعتبر ذلك بأن ينظر ما كان نصيب المقر به ولو ساعده باقي الورثة فيلزمه ذلك القدر مع إنكارهم.
ويحكم في تداعي الزوجين متاع البيت بدعوى الأشبه مع يمين مدعيه وفي اتفاقهما في الأشبه يكون للرجل مع يمينه وقيل يقسم بينهما بعد أيمانهما ومن مات عن دين فيه شاهد وعليه دين فللورثة أن يحلفوا ويحكم لهم ثم يأخذ الغرماء ديونهم منه فإن فضل كان للورثة وإن أبي الورثة أن يحلفوا حلف الغرماء واستحقوا.
ومن أحلف خصيمه ثم على علم بأن له بينة أقامها وحكم له بها ولو حلفه عالمًا بها تاركًا لها لم يكن له ذلك وفيه خلاف ويحلف الحالف على فعل نفسه قطعًا وعلى فعل غيره علمًا.
وتغلظ الأيمان بالمكان والزمان ويراعى في الأمكنة شرفها وحيث يعظم أهلها ففي المدينة عند منبر النبي ﷺ وفي مكة عند البيت وفي غيرها في المساجد الجامعة وغيرها مما هو معظم عند أهل ذلك البلد.
وتغلظ في الدماء والطلاق واللعان ولا يحلف عند المنبر إلا في ربع دينار فما زاد وتغلظ على أهل الذمة في بيعهم وكنائسهم.
وأما الزمان ففي الدماء واللعان بعد العصر ولا تغلظ بالألفاظ ولا يزاد على أن يحلفا بالله الذي لا إله إلا هو ويحلف الحالف في كل الحقوق قائمًا وقيل مستقبل القبلة وافتداء اليمين في الجملة جائز. ومن أدرك كتب وثيقة على غيره أمللها المكتوب عليه وله أن يستنيب صاحب الحق في ذلك.
[ ٢ / ٢١٥ ]
كتاب الأحباس والوقوف والصدقات والهبات وما يتصل بذلك
ويلزم الوقف والحبس إذا كان على سبيله من غير حاجة إلى حكم حاكم ويلزم في محوز الرباع ومشاعها وفي الحيوان روايتان وعلى رواية الجواز يباع ما يخشى عليه التلف ويستبدل به ولاتباع الرباع بوجه.
وألفاظ الوقف والحبس ضربان ضرب يتجرد وهو قوله وقفت وحبست وتصدقت وضرب يقترن به ما يقتضي التأبيد وهو أن يقوم محرم مؤبد ولا يباع ولا يوهب أو أن يكون على مجهولين أو موصوفين كالعلماء والفقراء فيجري مجرى المحرم باللفظ ولفظ الوقف مفيد بمجرده التحريم.
وأما الحبس والصدقة ففيها روايتان وكذلك في ضم أحدهما إلى الآخر خلاف أيضًا إلا أن يريد بالصدقة هبة الرقبة فيخرج عن هذا.
والوقف في الصحة من رأس المال وفي المرض لوصية من الثلث.
ومن شروطه خروجه عن يد الواقف وتركه الانتفاع به ومن وقف أو حبس ولم يجعل له مخرجًا صح وصرف في وجوه الخير والبر.
والعمري جائزة وهي تمليك المعمر منفعة العين دون رقبتها مدة عمره وكذلك الإسكان هو تمليك المسكن سكنى الربع إما حياته أو المدة المضروبة له وكذلك إخدامه عبده ونفقة المخدم على المالك وقيل على من أخدمه.
ويلزم عقد الصدقة والهبة بالقول ويجبر الواهب على الإقباض وتصح في المحوز والمشاع ولا تبطل إلا بتراخي الموهوب له عن القبض أو موت الواهب قبل أن يقبض الموهوب إلا أن يهب لولده الصغير فيكون قبض الأب قبضًا له.
وهبة الثواب جارية مجرى البيع والموهوب له مخير إن شاء قبل وأثابه وإن شاء رده ولا يبطلها عدم الرد ولا يبطلها عدم القبض والثواب الذي يلزم قبوله قيمة الموهوب ولا يلزم الواهب قبول دونها ولا الموهوب بذل زائد عليها.
وإذا اختلفا المتواهبان وتداعيا الثواب حكم لمدعي الأشبه مع يمينه وفي الاحتمال القول الواهب مع يمينه.
[ ٢ / ٢١٦ ]
ويكره للرجل أن يبتاع صدقته ويستحب للمتصدق على ولده التسوية بينهم في الصدقة والهبة فإن فضل أو خص جاز ولم تبطل.
وللأبوين الرجوع فيما وهباه للولد ما لم يتعلق به حق لغيره مثل أن يتزوج البنت ويستدين الابن فيمنع الأبوان حينئذ من الرجوع.
[ ٢ / ٢١٧ ]
كتاب الوصايا والفرائض والمواريث
والوصية مندوبة إليها وفيها احتياط للدين وللموصي من ماله الثلث فإن زاد عليه وقف على إجازة الورثة والوصية لغير وارث جائزة وللوارث موقوفة على إجازة الورثة كان ما أوصى به قليلًا أو كثيرًا فإن أوصى لوارث وغيره فلم يجز الورثة وصية الوارث فلهم محاصة الأجنبي بمقدار وصية الوارث ومن أجاز منهم لزمه ولكل واحد منهم حكم نفسه في الإجازة والرد.
ومن لا وارث له فليس له أن يوصي بكل ماله وإذن الورثة معتبر بأن يكون طوعًا من غير خوف في الحال التي تتعلق لهم حق بمال الموصى بكل ماله وذلك بعد الموت أو في حال شدة المرض المخوف.
وليس للمريض المخوف عليه إخراج ماله في غير معاوضة فإن فعل وقف على صحته فيلزم أو موته فيصير الحق للورثة ويلزمهم منها الثلث فدونه ويقف ما زاد عليه على إجازتهم.
وإذا أوصى بوصايا زائدة على الثلث فلم يجز الورثة قسم الثلث على الموصي لهم بقدر الوصايا من مساوات أو مفاضلة.
ومن أوصى لرجل بنصيب أحد بنيه دفع إليه نصيب الابن لولم يوص فإن كان له ابن واحد فللموصى له كل المال وإن كان له ابنان فله النصف أو ثلاثة فله الثلث ومن أوصى لرجل بمثل نصيب أحد ورثته يعطى جزءا بعدد رؤوسهم وفي السهم والجزء خلاف والأظهر سهم مما بلغته سهام الورثة في الفريضة.
وتصح وصية السفيه ومن يعقل القرب من الصبيان وللموصى أن يعين النوع الذي يوصى فيه ولا يكون الوصي النظر في غيره وله أن يطلق فيكون وصيا في كل شيء يوصى فيه وليس للموصى أن يأبي النظر بعد القبول ولا يترك الفاسق وصيًا ومن أوصى له بشيء بعينه فتلف فلا شيء له.
[ ٢ / ٢١٨ ]
ومن أوصى له بنفقة عمره عمر سبعين سنة وأعطى بحساب ما بقى له منها.
وحكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر والمحبوس للقود والزاحف في الصف وراكب البحر إذا حصل في اللجة على خلاف في هذا وحده حكم المريض المخوف عليه.
وتجب الوصية بموت الموصى وقبول الموصى له بعده وإذا ضاق الثلث على الوصايا قدم آكدها على ما دونه.
ويقدم المدبر في الصحة على المبتل في المرض ويقدم الواجب على التطوع ويقدم عتق العبد المعين على المطلق.
وتجوز الوصية للقاتل والذمي وللميت إذا علم الموصى بموته ومن أوصى بنوع من تركته وهي أنواع كثيرة من عقار وناض ورقيق
[ ٢ / ٢١٩ ]
وعروض وديون فأوصى بجملة الناض لرجل فأبي الورثة أن يجيزوا فإنهم بالخيار بين أن يجيزوا جميع الثلث.
فصل
أسباب التوارث ثلاثة رحم وولاء ونكاح.
والعلل المانعة من الميراث ثلاثة كفر ورق وقتل.
ولا توارث بين مسلم وكافر وقليل الرق وكثيره وكماله ونقصه سواء.
لا يرث قاتل العمد من مال ولا دية مقتولة ويرث قاتل الخطأ من ماله دون ديته.
ولا يرث الجنين إلا بعد وضعه والعلم بحياته وذلك بالاستهلال وهو الصراخ أو ما يقوم مقامه من طول مكث أو ارتضاع واختلف في العطاس ولا يرث مرتد ولا يورث إذا مات على ردته أو قتل وماله فئ.
ولا يجب ميراث بشك ولا يتوارث الغرقى والهدمى ومن جرى مجراهم ممن لا يعلم سبق موت أحدهما ويرث كل واحد منهم أحياء ورثته.
وما بقى من ميراث ولد الملاعنة المعتقة لموالي أمه والغريبة للمسلمين وولد الزنا لا حق بأمه ويتوارث توأمهما بأنهما أخوان لأم وتوأمًا الملاعنة بأنهما شقيقان.
ولا يقبل دعوى الأعاجم في السبي لأنسابهم إلا ببينة وما فضل عن ذوي السهام فللعصبة فإن لم يكونوا فللموالي فإن لم يكونوا فلبيت المال ولا يرد على ذوي السهام.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وأتوام الملاعنة يتوارثان بالأب والأم وأتوام الزانية والمغتصبة بالأم وحدها وأتوام السبية من قبل الأم والأب إذا كانت الولادة في بلد الإسلام ولا ميراث لذوي الأرحام ويعتبر في الخنثى بالمبال وفي المشكل نصف الميراثين وإذا اجتمع في الشخص سببان يورث بهما ورث بأقواهما إلا ابن عم يكون أخًا لأم فإنه يرث بهما والزوج يكون ابن عم فإنه يرث بالسببين معًا وكذلك البنت والزوج يكونان موليان.
فصل
قد ذكرنا أن جهات التوارث ثلاثة نسب وولاء ونكاح.
والوارثون عشرة أصناف ولد الصلب ذكورهم وإناثهم وولد الابن ذكورهم وإناثهم وإن نزلوا والأبوان والجد أب الأب وآباؤه وإن علوا والإخوة ذكورهم وإناثهم وبنو الأخوة لغير الأم دون بناتهم والعمومة لغير الأم وبنوهم دون بناتهم وإن نزلوا والزوجان والموالي ذكورهم وولدهم وباقي عصبتهم.
[ ٢ / ٢٢١ ]
وقد ألف الناس عبارات الفرضيين وهو الوارثون من الرجال عشرة الابن وابن الابن وإن سفل والأب والجد أب الأب وإن علا والأخ وابن للأخ وإن سفل والعم وابن العم وإن سئل والزوج ومولي النعمة.
ومن النساء سبع الابنة وابنة الابن وإن سفلت والأم والجة وإن علمت والأخت والزوجة ومولاة النعمة.
والميراث بوجهين بتعصيب وبفرض والفروض ستة وهي النصف ونصفه وهو الربع ونصفه وهو الثمن والثلثان ونصفها وهو الثلث ونصفه وهو السدس.
فالنصف لخمسة لابنة الصلب وابنة الابن والأخت للأب وأم أو لأب والزوج مع عدم الولد أو ولد الابن والربع فرض الصنفين الزوج مع الولد أو ولد الابن والزوجة أو الزوجات مع عدمهم والثمن فرض صنف واحد وهو الزوجة والزوجات إذا اجتمعن مع الولد أو ولد الابن والثلثان فرض أربع الابنتين فصاعدا من بنات الصلب والاثنتين فصاعدا من بنات الابن والاثنتين فصاعدا من الأخوات للأب والأم أو لأب فقط والاثنتين فصاعدًا من الأخوات للأب.
والثلث فرض لصنفين الأم مع عدم الولد أو ولد الابن والإخوة وفرض الاثنين فصاعدا من ولد الأم والسدس فرض سبعة فرض كل واحد من الأبوين مع الولد أو ولد الابن واحد فروض الجد والجدة أو الجدات إذا اجتمعن وفرض
[ ٢ / ٢٢٢ ]
بنات الابن مع بنت الصلب وفرض الأخوات للأب مع الأخت للأب والأم وفرض الواحد من ولد الأم ذكرًا كان أو أنثى وكل واحد من ذوي الفروض فذلك فرضه إذا انفرد عمن يحجبه عنه وحجبه عنه يكون إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: إسقاط:
والآخر: حجب إلى نقصان منه وهو انتقال إلى فرض آخر دونه.
والثالث: إزالته عنه إلى تعصيب وإلى نقصان فنبدأ بمن فرضه النصف فنقول إن ابنة الصلب يحجبها عن النصف إلى التعصيب بنو الصلب فقط الواحد فما زاد عليه فترث معهم للذكر مثل حظ الأنثيين ويحجبها إلى النقصان بغير تعصيب بنت أو بنات إن كن معها للصلب إلا ابن معهن وينتقل فرض الكل إلى الثلثين ويقتسمنه على عدد رؤسهن وأما ابنة الابن فيحجبها عن النصف إلى التعصيب الواحد فصاعدا من بني الابن إخوة كانوا أو بني عمومة فيأخذون المال للذكر مثل حظ الأنثيين ويحجبها إلى النقصان بنت الصلب فقط فتنتقل إلى فرض آخر وهو السدس تكملة الثلثين ويحجبها بنت الابن أو بنات ابن إن كن معها فيقتسمن الثلثين بينهن.
وأما الأخت الأب والأم فيحجبها عن النصف إلى التعصيب صنفان إخوتها لأبيها وأمها الواحد فما زاد فتقاسمهم للذكر مثل حظ الأنثيين والواحدة فصاعدا من بنات الصلب أو بنات الابن فإذا أخذت الواحدة النصف والجماعة الثلثين أخذت الأخت ما بقى بالتعصيب.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وأما الأخت للأب فيحجبها إلى التعصيب أخوتها لأبيها وأمها أو لأبيها فتقاسمهم على المفاضلة ويحجبها بنات الصلب وبنات الابن إلى التعصيب فتأخذ معهن ما بقي بعد فروضهن قل أم كثر ويحجبها الواحدة من الأخوات للأب والأم إلى السدس تكملة الثلثين.
ويحجبها أخوات إن كن معها فيكون فرضهن الثلثين.
وأما الزوج فحجبه بنوع واحد وهو الانتقال إلى الربع فيحجبه الولد أو ولد الابن الواحد فأكثر الذكور والإناث منه أو من غيره.
فأما حجب أصحاب الربع فإن الزوج لا يحجب عنه بوجه ويحجب الزوجة عنه الولد وولد الابن إلى الثمن ومشاركة زوجة أخرى أو زوجات فيقتسمنه على عدد رؤوسهن وأما الحجب عن الثمن فإنما يكون بالمشاركة فيه فيقتسمنه على عدد رؤوسهن وأما حجب أصحاب الثلثين فيحجب بنات الصلب عنه بنو الصلب إلى التعصيب فيقتسمون للذكر مثل حظ الأنثيين وليس فيه حجب إلى نقصان وأما بنات الابن فيحجبهن عنه إلى التعصيب بنو الابن فيتقسمون للذكر مثل حظ الأنثيين ويحجبهن إلى النقصان بنت الصلب يأخذن السدس يقتسمنه على عدد رؤوسهن.
وأما الأخوات للأب والأم فيحجبهن عنه إلى التعصيب نوعان:
أحدهما الأخوة للأب والأم فيقتسمون للذكر مثل حظ الأنثيين.
والنوع الآخر: بنات الصلب وبنات الابن وإن سفلن الواحد فصاعدًا فيقتسمن ما بقى بعد أخذ البنات فروضهن على عدد رؤوسهن بالتعصيب وأما الأخوات للأب فيحجبهن عن الثلثين إلى التعصيب الإخوة للأب فيقتسمون للذكر مثل حظ الأنثيين وبنات الصلب وبنات الابن على سبيل حجب الأخوات للأب والأم ويحجبهن إلى السدس الأخت للأب والأم وأما حجب أصحاب الثلث فإن الأم يحجبها عنه إلى السدس الولد وولد الولد والاثنان فصاعدًا من الإخوة أو الأخوات ويحجبها عنه الأب إلى ثلث ما بقى في مسئلتين وهما زوج وأبوان وزوجة وأبوان فيأخذ ثلث ما بقى عن فروض الزوجين فمرة يكون السدس ومرة يكون الربع.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وأما الإخوة والأخوات للأم فلا يتصور فيهم حجب إلا الإسقاط وأما حجب أصحاب السدس فيحجب بنات الابن عنه مع بنت الصلب بنو الابن إلى المقاسمة وكذلك الأخوات للأب مع الأخت للأب والأم يحجبهن الإخوة للأب وأما الحجب الذي هو الإسقاط فإنه لا يكون في ثلاثة أصناف وهم ولد الصلب والأبوان والزوجان ويكون فيمن عداهم.
وأما ولد الابن فلا يحجبهم إلا ذكور ولد الصلب فقط ويحجب إناثهم الاثنان فصاعدا من إناث ولد الصلب إذا لم يكن مع إناث ولد الابن ذكر في درجتهن أو أنزل منهن وأما الأجداد فلا يحجبهم إلا الآباء وكل أب يحجب من فوقه فالأب دنية يحجب الجد أباه والجد يحجب أباه وهو جد الأب على هذا.
والأخوة والأخوات للأب والأم يحجبهم البنون وبنو البنين والأب ويحجب الإخوة والأخوات للأب ذكور الإخوة للأب والأم وكل من يحجبهم ويحجبهم الأخوات والأم مع البنات ويحجب إناث ولد الأب الاثنتان فصاعدا من إناث ولد الأب والأم إلا أن يكون معهن ذكر في درجتهن خاصة وأما ولد الأم فيحجبهم أربعة الولد وولد الابن والأب والجد ويحجب بني الإخوة للأب والأم آباؤهم وكل من حجب آباؤهم ويحجبهم الجد والإخوة للأب ويحجب بنو الإخوة للأب آباؤهم وكل من حجبهم ويحجبهم الجد وبنو الإخوة للأب والأم ويحجب العمومة بنو الإخوة ومن يحجبهم ويحجب بني العمومة وكل من حجبهم.
ولا يرث مولى وهناك عصبة ويحجب الجدات الأمهات على سبيل حجب الآباد الأجداد وهذه في الجملة ثم نتكلم عن التفصيل.
فصل
أما بنو الصلب فإن الابن الواحد يجوز المال إذا انفرد والاثنان والجماعة يقتسمون المال بالسواء وإذا اجتمع الذكور والإناث اقتسموا المال للذكر مثل حظ
[ ٢ / ٢٢٥ ]
الأنثيين وفرض الواحدة إذا انفردت النصف وفرض الاثنتين فصاعدا الثلثان وأما ولد الابن فميراثهم مع عدم ولد الصلب على سبيل ميراث ولد الصلب جملة بغير تفصيل.
وميراثهم مع إناث ولد الصلب أن يأخذ ذكورهم ما فضل عن فرض الإناث بالتغصيب وإن كان معهم إناث قاسموهن للذكر مثل حظ الأنثيين وأما إناثهم فيأخذون مع بنت الصلب السدس تكملة الثلثين الواحدة والجماعة ويسقطهن مع الاثنتين فصاعدا إلا أن يكون معهن ذكر في درجتهن أو أنزل منهن فيعصبهن.
وأما إذا انفردت فميراثهن كميراث إناث ولد الصلب للواحدة النصف وللاثنتين فصاعدا الثلثان وإن كان معهن ذكر تقاسموا على المفاضلة وإن كان معهن ذكور أنزل منهن أخذوا الفاضل عنهن فإن كان معهن إناث فقط أنزل من درجتهن سقط من سفل منهن بمن علا إذا كن اثنتين فصاعدا إلا أن يكون مع النوازل ذكر في درجتهن أو أنزل منهن.
وأما الأب فإذا انفرد حاز المال بالتعصيب فإن كان معه ذو فرض سواء إناث ولد الصلب وولد الابن أخذوا فروضهم وأخذ هو الباقي بالتعصيب وأما ميراثه مع ولد الصلب وولد الابن فيفرض له مع ذكورهم وإناثهم السدس ثم إن فضل عن إناثهم فضل أخذه بالتعصيب.
وأما الأم ففرضها الثلث إلا مع الولد وولد الابن والاثنين من الإخوة والأخوات فإن فرضها مع هؤلاء السدس وإن كان معها أب وزوج أو زوجة ففرضها بعد أخذ الزوج أو الزوجة ثلث ما بقي.
وأما الجد فيجوز المال إذا انفرد ويأخذ السدس مع الولد وولد الابن إذا لم يكن إخوة وأخوات على سبيل ميراث الأب.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
فأما ميراثه مع الإخوة والأخوات فيقاسم ذكورهم بالسواء ما كانت المقاسمة أحظى له من ثلث جميع المال ويقاسم كذلك إناثهن إذا انفردون للذكر مثل حظ الأنثيين كإخوتهن وإذا اجتمع إخوة وأخوات كان الجد كأخ معهم في مقاسمة وميراثه مع ولد الأب إذا انفردوا كميراثه مع ولد الأب والأم وكل هذا يراعى فيه الأحظ له من المقاسمة أو الثلث فإن كان معهم ذو فرض أخذ فرضه ثم نظر في الأحظى له من ثلاثة أشياء:
أما المقاسمة أو ثلث ما بقى أو سدس من رأس المال إلا في مسألة واحدة وهي الأكدرية وهي زوج وأم وأخت لأب وأم وجد فإنه إذا فرض له السدس جمع حقه وحق الأخت وقسم بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
وإذا اجتمع ولد الأب مع ولد الأب والأم والجد عاذوه بهم إخوة الأب وأم وقاسموه ثم رجع ولد الأب والأم على ولد الأب فيأخذون ما معهم على سبيل فروضهم ولو لم يكن جد فإن فضل شيء كان لولد الأب وإن لم يفضل فلا شيء لهم ومثال ما لا يفضل أن يكون جد وأخ لأب وأم وأخ لأب فيقسمون المال أثلاثًا ثم يأخذ الأخ للأب والأم ما مع الأخ للأب ويبقي بغير شيء ومثال ما يفضل أن يكون جد وأخت لأب وأم وأخ لأب فيقاسمهم الجد للذكر مثل حظ الأنثيين على خمسة أسهم للجد سهمان وللأخ سهمان ولأخت سهم ثم ترجع الأخت على الأخ للأب فتأخذ تمام النصف ويأخذ الأخ ما فضل.
وأما الجدات فقد ذكرنا أن فرض الواحدة السدس إذا انفردت فإن كان معها أخرى اشتركتا فيه ولا يرث منهن إلا جدتان أم الأم وأمهاتها وأم الأب وأمهاتها ولا ترث أم جد وإذا اجتمع جدتان فإن كانت من جنس واحد فالسدس للقربي وتسقط البعدي كأم أم وأمها وأم أب وأمها وإن كانت من جهتين أسقطت القربي من جهة الأم البعدي من جهة الأب ولا تسقط القربي من جهة الأب البعدي من جهة الأم بل تشتركان في السدس.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وأما ميراث الإخوة والأخوات للأب والأم والإخوة للأب فعلى سبيل ميراث ولد الصلب والابن والأخ للأب والأم إذا انفرد حاز المال وإن كانوا إخوة اقتسموا بالسواء فإن كان معهم إناث اقتسموه للذكر مثل حظ الانثيين وفرض الواحدة إذا انفردت النصف والأنثيين فصاعد الثلثان وفرض ولد الأب إذا انفردوا كميراث ولد الأب والأم فأما إذا اجتمعوا معهم فإن ذكور ولد الأب والأم يسقطون ولد الأب جملة.
فإذا اجتمع ولد الأب مع إناث ولد الأب والأم فإن ذكورهم يأخذون ما بقى بالتعصيب بعد فرض الإناث ويأخذ إناثهم مع الواحدة من إناث ولد الأب والأم السدس تكملة الثلثين ويسقطن مع الأنثتين إلا أن يكون معهم ذكر في درجتهن خاصة فيعصبهن.
وأما ولد الأم فللواحد السدس وللاثنين فصاعدا الثلث الذكر والأنثى فيه سواء فإذا اجتمع معهم ولد الأب أو ولد الأب والأم كانوا كسائر أهل السهام لا حجب بينهم ولا إسقاط إلا في موضع واحد وهو أن يجتمع زوج وأم واثنان من ولد الأم وأخ أو أخوات ذكور من ولد الأب والأم فها هنا يشاركون ولد الأم في الثلث وتسمى هذه المسألة المشتركة.
وأما العمومة وبنو العمومة فيرثون بالتعصيب ويقدم منهم ولد الأب والأم على ولد الأب ومن كان منهم أخا لأم أخذ بالفرض والتعصيب ولا يرث إناثهم وقد تقدم ميراث الزوجين والموالي.
فصل
وأصول مسائل الفرائض سبعة مبنية على الفروض وقد ذكرنا أن الفروض ستة النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس.
وأصول المسائل السبعة وهي الاثنان والثلاثة والأربعة والستة والثمانية والإثنى عشرة والأربعة والعشرون فالاثنان النصف وما بقى وللنصفين
[ ٢ / ٢٢٨ ]
كزوج وأخت لأب وأم أو للأب فأما ما بقى فليست له مسألة بعينها فلا وجه لذكره.
وأما الثلاثة فللثلث والثلثين اجتمعا أو انفردا والأربعة للربع وللربع والنصف وللربع وثلث ما بقى وهذا في امرأة وأبوين خاصة والسنة للسدس وللنصف والسدس والثلث والنصف وللنصف والثلثين وللثلثين والسدس وللنصف والثلثين والسدس وللنصف وثلث ما بقى وهذا في زوج وأبوين خاصة وللثلثين والسدسين وأكثر هذا بالعول وأما الثمانية فللثمن وله وللنصف وأما الاثنى عشر فلا تكون بفرض منفرد وإما تكون باجتماع الربع مع الأثلاث والأسداس وربما اجتمع معه النصف ولكن الأصل ما ذكرناه وأما الأربعة والعشرون فخاصيتها في اجتماع الثمن مع الأثلاث والأسداس وقد يجتمع مع ذلك النصف.
واعلم أن ثلاثة من هذه الأصول تعول وهي الستة والاثنى عشر والأربعة والعشرون فالأربعة لا تعول فعول الستة إلى السبعة كزوج وأختين لأب وأم أو لأب أو زوج وأخت لأب وأم وأخت لأب وإلى ثمانية كزوج وثلاثة أخوات مفترقات وإلى تسعة كزوج وأم وثلاث أخواتم فترقات وإلى عشرة كزوج وأم وأختين لأب وأختين لأم وهذه نهاية عول الستة وتسمى ما عال إلى عشرة أم الفروج.
وأما الإثنا عشر فعولها إلى ثلاثة عشر كزوج وبنت وأبوين وإلى خمسة عشر كزوجة وأم وثلاث أخوات مفترقات وإلى سبعة عشر كزوجة وجدة وأختين لأب وأختين لأم وهذا نهاية ما تعول إليه الإثنا عشر.
ومن هذا العول ثلاث زوجات وجدتان وثمان أخوات لأب وأربع أخوال لأم وتسمى أم الأرامل وربما ألغزتفيقال لك سبعة عشر أنثى ورثن سبعة عشر دينارًا فاقتسمتها دينارًا دينارًا.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وعول الأربعة والعشرون عول واحد وهو إلى سبعة وعشرين ومن مسائله زوجة وأبوان وابنتان.
فصل
وإذا انقسمت السهام على الورثة فقد صحت عليهم فأغنى ذلك عن ضرب وإذا لم تنقسم عليهن فانكسرت إما على بعضهن أو على جميعهم فذلك يتفرع إلى وجوه كثيرة منها أن تنكسر على حيز من الورثة فقط فلا توافق سهامهم أبدانهم فهذا بابه أن نضرب عدد المنكسر عليهم في المسألة أو في عولها إن كانت عائلة فما انتهى بك الضرب إليه فمنه تصح.
مثاله زوج وإخوة لأب فهي من اثنين للزوج النصف سهم ويبقى سهم للأخوات وينكسر عليهم فتضرب عددهم في المسألة فإن كانوا ثلاثة ضربتها في المسألة فكانت ستة للزوج النصف ثلاثة ويبقى ثلاثة للإخوة وهم ثلاثة.
ومنها أن تنكسر على حيز واحد وتكون أبدانهم موافقة لسهامهم فتأخذ العدد الموافق من أبدانهم لسهامهم فتضربه في المسالة فما بلغ فمنه تصح والموافقة هي أن تكون لأبدانهم جزء صحيح وتكون لسهامهم مثله كان منتسبًا أو أصح كنصف ونصف وربع وربع وواحد من إحدى عشر أو ثلاثة عشرا وسبعة عشر أو تسعة عشر ومثاله زوجة وستة إخوة أصلها من أربعة للزوجة الربع سهم والباقي وهو ثلاثة للإخوة وهم ستة لا تصح عليهم وتجد لعددهم ثلثًا صحيحًا ولسهامهم مثله فتضرب ثلث عددهم وهو اثنان في المسألة فتكون ثمانية تنقسم عليهم فإذا أردت معرفة نصيب كل واحد من الورثة فأضرب تفصيل سهام المسألة فيما ضربت فيه الجملة.
ومنها أن تنكسر على صنفين مختلفين وأبدانهم لا توافق سهامهم فبابه أن تضرب أحد العددين في الآخر فما حصل معك فاضربه في المسألة أو في عولها إن كانت عائلة فما بلغ فمنه تصح ثم اعمل في معرفة نصيب كل واحد من الورثة
[ ٢ / ٢٣٠ ]
على ما بينت لك ومثاله زوجتان وخمسة أخوة أصلها من أربعة وسهام كل واحد من الحيزين منكسر عليه ولا يوافقه بوجه فتضرب أحد العددين في الآخر فتكون عشرة ثم في المسألة فتكون أربعين ومنها تصح فإذا أردت أن تعرف حصة الزوجين فقد كان لهما من الأربعة سهم مضروب لهما فيما ضربت القريضة فيه وهو عشرة فيكون عشرة وكان للإخوة ثلاثة مضروبة لهم فيما ضربت القريضة فيه فتكون ثلاثين.
ومنها أن تنكسر على صنفين متساويين في الأعداد من غير موافقة بينهما وبين سهامهما فبابه أن تضرب أحد العددين في سهام المسألة ويكون العدد الآخر كأنه لم يكن كأربع زوجات وأربعة إخوة فنضرب أحد الأربعين في المسألة وهي أربعة فتكون ستة عشر ومنها تصح.
ومنها أن تنكسر على جنسين لا موافقة بين أعدادهما وسهامهما وهما يتداخلان ومعنى التداخل أن يكون أحدهما جزءًا من الآخر كاثنين من أربعة وثلاثة من تسعة فهذا يكتفي فيه بضرب العدد الأكثر ويصير الأقل كأنه لم يكن وذلك مثل أربع زوجات وثمانية إخوة أصلها من أربعة وينكسر على الفريقين وعدد الزوجات داخل في عدد الإخوة فيكتفي بعدد الإخوة فتضربه في المسألة فيكون اثنين وثلاثين ومنها تصح.
ومنها أن تنكسر على حيزين يتفق أعدادهما من غير موافقة بينهما وبين سهامهما فبابه أن تضرب وفق أحدهما في الآخر ثم في المسألة.
مثاله: أربع زوجات وأخت لأب وأم وستة عمومة أصلها من أربعة وتنكسر على الزوجات والعمومة ولا موافقة بينهما وبين سهامهما وأعدادهما يتفق بالإنصاف فتضرب نصف أيهما شئت في كل الآخر فيكون اثنى عشر ثم في المسألة فتكون ثمانية وأربعين ومنها تصح ووجه معرفة الموافقة أن تسقط أقل العددين من أكثرهما أبدًا إلى أن يبقى من الأكثر أقل من العدد الأقل فتسقط من الأقل فإن فنى به فالموافقة بينهما بواحد من العدد الذي فنى به كائنًا من كان فإن لم يغن به
[ ٢ / ٢٣١ ]
نقصت ما بقى من الأقل أبدًا فإن بقى واحد فلا موافقة بينهما مثال ذلك إذا قيل لك بم توافق الستة خمسة عشر.
فبابه أن تسقط الستة من خمسة عشر فإذا أسقطها مرتين علمت أنه بقى ثلاثة فتسقطها من الستة فتفنى بها فتكون الموافقة بواحد من ثلاثة وهي الثلث وكذلك إذا قيل لك بم توافق الستة والستون الثمانية والثمانين فبابه أن تسقط الستة والستين من الثمانية فيبقى اثنان وعشرون فتسقطها من ستة وستين فتفنى بها فتعلم أن الموافقة بواحد من اثنين وعشرين فتضرب وفق الستة والستين وهو ثلاثة في ثمانية وثمانين أو وفق الثمانية والثمانين وهو أربعة في ستة وستين فيغنيك ذلك عن ضرب جملة أحد العددين أحدهما في الآخر.
ومنها أن تنكسر على حيزين يوافق أحدهما سهامه ويكون وفقه مساويًا للعدد الآخر فتكتفي بضرب أي المتساويين في المسألة مثاله بنت وأربع زوجات وأربعة إخوة وأربع أخوات لأب أصلها من ثمانية للابنة النصف أربعة وللزوجات الثمن سهم ينكسر عليهن ولا يوافق ولولد الأب ثلاثة ينكسر عليهم ويوافق عددهم سهامهم بالأثلاث فتأخذ وفق عددهم وهو أربعة فتجده مساويًا لعدد الزوجات فتضرب أيهما شئت في المسألة فتكون اثنين وثلاثين ومنها تصح.
ومنها أن تنكسر على حيزين يوافق أحدهما سهامهم ويكون وفقه وجملة الحيز الآخر متداخلين فهذا يكتفي فيه بضرب الأكثر كما تفعل ذلك في جملة العددين المتداخلين مثاله أربع زوجات وثمانية إخوة وثمان أخوات أصلها من أربعة للزوجات سهم ينكسر عليهن ولا يوافق ولد الأب ثلاثة وأعدادهم أربعة وعشرون ينكسر عليهم ويوافق بالأثلاث فتأخذ ثلث عددهم وهو ثمانية فتجد عدد الزوجات داخلًا فيها فتضرب الثمانية في المسألة وهي أربعة فتكون اثنين وثلاثين ومنها فتصح.
ومنها موافقة الموافقة وهي أن تنكسر على حيزين يوافق عدد أحدهما سهامه ثم يكون وفقه موافقة لجملة عدد الآخر فبابه أن توفق بين وفق عدد الموافق
[ ٢ / ٢٣٢ ]
لسهامه وبين جملة العدد الآخر إذا عرفت الموافقة أخذت جزءها من أحدهما فتضربه في كل الآخر مثاله ثمان بنات وستة بني ابن أصلها من ثلاثة للبنات الثلثان بسهمين ينكسر عليهن ويوافق بالإنصاف فيرجعن إلى أربع وسهم بني الابن ينكسر عليهن ولا يوافق وفق أعداد البنات الذي هو الأربعة يوافق جملة عدد بني الابن وهو ستة بالإنصاف فتضرب نصف أحدهما في كل الآخر فيكون أثنى عشر ثم في أصل المسألة فيكون ستة وثلاثين ومنها تصح.
ومنها والباب بحاله أن يكون وفق أحدهما وجملة العدد الآخر مختلفين فبابه أن تضرب وفق العدد الموافق لسهامه في جملة العدد الآخر ثم تضرب ما بلغ في المسألة مثاله أربع بنات وخمسة بني ابن أصلها من ثلاثة للبنات الثلثان سهمان ينكسر عليهن ويرجعن بالموافقة إلى اثنين وسهم بني الابن ينكسر عليهم ولا يوافق فتضرب وفق عدد البنات وهو اثنان في جملة عدد بني الابن فيكون عشرة ثم في المسألة فيكون ثلاثين ومنها تصح.
ومنها أن يكون الجنسان المنكسر عليهما عددهما موافق لسهامها ووفقهما متساويان أو متداخلان أو متفقان أو متباينان فبابه إنك إذا عرفت وفق كل واحد منها جعلته كأصل العدد وعملت فيه ما تعمل في أصله وقد بيناه.
ومنها أن يكون الكسر على ثلاثة أصناف مختلفة غير موافقة لسهامها فبابه أن تضرب بعضها في بعض فما اجتمع فاضربه في المسألة أو عولها إن كانت عائلة ومثاله ثلاث أخوات لأب وخمس لأم وجدتان أصلها من ستة وتعول إلى سبعة فإذا ضربت الأصناف بعضها في بعض وجدتها ثلاثين فتضرب بها في المسألة بعولها وهي سبعة فتكون مائتين وعشرة من له شيء من سبعة مضروب له في الثلاثين ومنها تصح.
ومنها أن تكون الأحياز الثلاثة موافقة لسهامها ووفقها فيه أحد الأقسام الأربعة وهي المتساواة أو المتداخلة أو الاتفاق أو الاختلاف فتعمل فيه كما تعمل في الحيزين وقد ذكرناه.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وكذلك الكسر على أربعة أحياز وهو نهاية ما تنكسر عليه.
وإن كان في المسألة خمسة أحياز فما زاد فلا بد أن تصح على بعضها ولأهل الفرائض طريقة في الحساب والأعداد التي يوافق بعضها بعضًا ينقسم إلى طريقين يؤديان إلى شيء واحد.
فالبصريون يسمونها الموقوفة والكوفيون لا يلقبونها بأكثر من الاتفاق فأما الكوفيون فإنهمن يوفقون بين عدد وبين عدد آخر ثم يضربون وفق أحدهما في جملة العدد الآخر فما اجتمع وفقوا بينه وبين العدد الثالث فما اجتمع ضربوا وفق أحدهما في كل الآخر فما اجتمع ضربوه في المسألة.
وأما البصريون فإنهم يوفقون أحد الأحياز ثم يوفقون بينه وبين كل واحد من الأحياز الباقية فما حصل من وفق كل واحد من الأحياز عملوا فيه ما يعملونه في أصل الأعداد من الأقسام فما حصل من ذلك ضربوه في العدد الموقوف ثم في أصل المسألة مثاله سبع وعشرون بنتًا وست وثلاثون جدة وخمس وأربعون أختًا لأب فعلى طريقة الكوفيين إذا وفقت بين السبع والعشرين والستة والثلاثين وجدتهما يتفقان بالاتساع فتضرب تسع أحدهما في كل الآخر فتجده مائة وثمانية فتوافق بينهما وبين الخمس والأربعين فتجده تتفق بالاتساع فتضرب تسع أحدهما في كل الآخر فيكون خمسمائة وأربعين ثم في المسألة فتكون ثلاثة آلاف ومائتين وأربعين ومنها تصح.
وعلى طريقة البصريين يوقف أحد الأحياز والأحسن عندهم إيقاف الأكثر فتوقف الخمس والأربعين وإذا وفقت بينها وبين السبعة والعشرين وجدتها يتفقان بالاتساع فتأخذ تسع السبعة والعشرين وهو ثلاثة ثم توفق بين الستة والثلاثين وبين الخمس والأربعين فتجدهما يتفقان بالاتساع فتأخذ تسع الستة والثلاثين وهو أربعة ثم تجد وفقين مختلفين فتضرب أحدهما في الآخر فيكون اثني عشر في العدد الموقوف فيكون خمسمائة وأربعين ثم في أصل المسألة.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
فصل
في المناسخات صفتها أن يموت بعض الورثة قبل قسمة المال ويتفرع ذلك إلى بطن ثالث ورابع إلى ما لا يتناهى.
ووجه أن تنظر فإن كان ورثة الميت الثاني هم بقية ورثة الميت الأول يرثون الثاني على الوجه الذي ورثوا الأول فإنك تقسم التركة بينهم على أعدادهم وتدع المسألة الثانية لأن الاشتغال بها لا يفيد إلا الضرب والحساب الذي لا يرجع إلى إثبات فائدة ومثاله أن يموت رجل عن ثلاثة بنين فلا يقسم المال حتى يموت أحدهم فالوجه أن نقول أن التركة بينهما على سهمين لأن حصة الميت الثاني قد صارت إلى أخويه إذا لم يترك غيرهما وإن كان معهما من يرث من الأول ولا يرث من الثاني فإنك تفرد ذلك الوارث بنصيبه وتعمل في حصة الباقيين على ما تقدم ومثاله امرأة توفيت عن زوج وثلاثة بنين وثلاث بنات والزوج ليس بأبيهم فلم يقسم المال حتى مات ابنان وابنتان فإنك تجعل المسألة كأنها ماتت عن زوج وابن وابنة فتعطى الزوج الربع وما بقى بين الابن والابنه للذكر مثل حظي الأنثيين ولا فائدة في التطويل.
فأما إذا كان الورثة الأحياء غير عصبة للميتين وفيهم من يرث الثاني دون الأول أو الأول دون الثاني فبابه أن تصحح المسألة الأولى وتعرف حصة الميت الثاني منها ثم تصحح مسألته ثم تنظر فإن انقسمت تركته على مسألته فإن المسألتين تصحان مما صحت منه الأولى مثاله زوج وخمس أخوات مات الزوج قبل القسمة عن ابنين وابنة فإذا نظرت وجدت المسألة الأولى تصح من عشرة للزوج خمسة وهي مسألته فتصح المسألتان من عشرة.
فإن كانت تركة الميت الثاني لا تنقسم على مسألتة فلا يخلو أن يكون سهامه من المسألة الأولى يوافق مسألته أو لا يوافق فإن لم يوافق ضربت جملة المسألة الثانية في جملة الأولى فما بلغ فالمسألتان تصحان منه.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
ومعرفة نصيب كل وارث من المسألة الأولى بأن تضرب سهامه منها في المسألة الثانية ومعرفة نصيب كل وارث من المسألة الثانية بأن تضرب سهامه منها في سهام الميت الثاني من المسألة الأولى ومثاله زوج وثلاثة إخوة ثم مات الزوج وخلف ثلاثة بنين وابنتين فالمسألة الأولى تصح من ستة للزوج ثلاثة ولكل أخ سهم والمسألة الثانية من ثمانية ولا موافقة بين الثلاثة وبين الثمانية فنضرب المسألة الثانية في الأولى فتكون ثمانية وأربعين فمنه تصح المسألتان من له شيء في المسألة الأولى مضروب له في المسألة الثانية ومن له شيء من المسألة الثانية مضروب له في سهام الميت الثاني من الأولى فحصة الإخوة من الأولى ثلاثة أسهم مضروب لهم في ثمانية فتكون أربعة وعشرين وحصة ورثة الميت الثاني ثمانية مضروب لهم فيما مات عنه ميتهم من الأولى وهو ثلاثة فتكون أربعة وعشرين.
فإن كانت مسألة الميت الثاني توافق سهامه من المسألة الأولى ضربت الجزء الوفق من مسألته في جملة المسألة الأولى فما بلغ فمنه تصح المسألتان ومعرفة نصيب كل وارث بأن تضرب سهامه من المسألة الأولى في الوفق من الثانية ومن له سهام من الثانية ضربتها في وفق سهام الميت الثاني من المسألة الأولى مثاله والمسألة على حالها لو مات الزوج عن ابنين وابنتين مسألتة من ستة وسهامه من الأولى ثلاثة يتفقان بالأثلاث من له شيء من المسألة الأولى مضروب له في وفق الثانية وهو اثنان ومن له شيء من الثانية مضروب له في وفق سهام الميت الثاني وهو واحد وعلى هذا تجري مسائل هذا الباب.
فصل
وإذا أردت قسمة التركة وهي دنانير أو دراهم على السهام فلذلك ثلاثة طرق أحدها أن تقدر الفريضة وتعرف سهام كل وارث فإذا أردت ما يخصه
[ ٢ / ٢٣٦ ]
فاضرب سهام كل وارث في التركة ثم أقسم على عدد سهام المسألة فما بلغ فهو خصته مثاله زوج وأم وأخت لأب والتركة عشرون دنارا المسألة من ثمانية بالعول فإذا أردت معرفة نصيب الزوج فاضرب سهامه وهي ثلاثة في التركة تكن ستين فاقسم له على سهام المسألة من كل ثمانية دينارًا تكون سبعة دنانير ونصفًا وللأم على هذا خمسة دنانير وللأخت سبعة دنانير ونصف.
والطريق الثاني أن توفق بين سهام المسألة وعدد التركة ثم تصنع في الوفقتين ما كنت صانعة في الجملتين مثاله والمسألة بحالها أن الثمانية توافق العشرين بالأرباع وخصة الزوج من ثمانية ثلاثة فتضرب له في وفق العشرين وهي خمسة فتكون خمسة عشر فتقسم له على وفق الثمانية وهو اثنان فتكون سبعًا في حصة كل وارث.
والطريق الثالث أن تقسم التركة على سهام المسألة فما خرج لكل سهم ضربته في حصة كل وارث فما بلغ علمت أنه نصيبه مثاله والمسألة على حالها إنا إذا قسمنا العشرين على الثمانية خرج لكل سهم ديناران ونصف وللزوج ثلاثة أسهم وإذا ضربته في الاثنين والنصف كان سبعة ونصفًا.
فإن كان في التركة كسر بسطها من نوع ذلك ثم عملت فيها على ما تقدم فإن كانت التركة مشتملة على دنانير وعرض مثل ثوب أو سيف فأخذ بعض الورثة ذلك بحصته فأحببت أن تعلم قدر قيمته فبابه أن تسقط سهامه من المسألة على ما بيناه ثم تضرب سهام هذا الوارث في التركة فما بلغ قسمته على باقي سهام المسألة فما بلغ فهو حصته وهو قدر قيمة العرض.
مثاله: أخت وأم وعم والتركة خمسة عشر دينارًا وثوبًا أخذت الأخت الثوب بحصتها فالمسألة من ستة للأخت ثلاثة تسقط سهامها فيبقى من المسألة ثلاثة للأم سهمان وللعم سهم فتضرب سهام الأم وهما اثنان في التركة فيكون ثلاثين ثم تقسم لها على ثلاثة فيكون عشرة وللعم نصف ذلك ثم تضرب سهام الأخت وهي ثلاثة في التركة فتكون خمسة وأربعين فتقسمها على ثلاثة فتكون خمسة عشر وذلك قيمة الثوب.
ولهذا الباب فروع كثيرة.
والحمد لله رب العالمين.
انتهى كتاب التلقين
لأبي محمد عبد الوهاب المالكي البغدادي.
[ ٢ / ٢٣٧ ]