[ ١ / ٣٧١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الصلاة الأول
(تعريف الصلاة)
وهي في اللغة عبارة عن الدعاء، وفي الشريعة عبارة عن دعاء على صفة (١) مخصوصة (٢). ولهذا قال بعض أصحابنا: إن معنى لفظ الصلاة في الشرع كمعناه في اللغة. لكن تصرفت الشريعة فيه بالاستعارة والتخصيص، وهو تصرف لغوي. فسمت الدعاء ساجدًا أو جالسًا (٣) صلاة، وسمت القيام والركوع وسائر الأركان صلاة لما كان المقصود منها الطلب والسؤال كالمقصود من الدعاء. وقيل: سميت صلاة أخذا من الصَّلَوَيْن وهما عظمان (٤) ينحنيان عند الركوع. وقيل: سميت صلاة أخذًا من المصلي في الخيل، وهو ثاني (٥) السابق، وكذلك الصلاة في الشريعة ثانية الشهادتين بالأْلوهية [والرسالة] (٦).
_________________
(١) في (ص) صفات.
(٢) في (ت) "عن دعاء مخصوص على صفة مخصوصة مما نحن في تحديدها"، وفي (ر) و(ص) "عن دعاء على صفة مخصوصة مما نحن في تحديدها".
(٣) في (ص) أو راكعًا أو جالسًا.
(٤) في (ت) عظمات في الظهر.
(٥) في (ق) وهو يأتي المستأمن.
(٦) ساقط من (ق).
[ ١ / ٣٧٣ ]
(أصناف الصلاة)
والصلاة تنقسم إلى فروض وغير فروض. والفروض قسمان: فروض أعيان وفروض كفاية؛ ففروض الأعيان الخمسة الواجبة في اليوم والليلة. واختلف في عد صلاة الجمعة صلاة سادسة لأنها قائمة بنفسها أو ردّها إلى الخمس؛ لأنها ظهر مقصور. وسيأتي بيان ذلك، ونذكر فائدة هذا الخلاف إن شاء الله.
وأما فرض الكفاية فصلاة الجنازة.
وغير الفروض ثلاثة أصناف: سنن، وفضائل، ونوافل.
فالسنن خمس وهي الوتر، وركعتا الفجر، وصلاة العيدين، وصلاة كسوف (١) الشمس، وصلاة الاستسقاء. ولا خلاف في عدّ أربعة من هذه [سنة] (٢). وأما ركعتي الفجر ففيهما قولان: أحدهما: إلحاقهما بالسنن، والثاني: عدّهما فضيلة. وقد قدمنا سبب ذلك في أول كتاب الطهارة.
والفضائل خمسة وهي: صلاة قيام رمضان، وركوع الضحى، وتحية المسجد، وصلاة خسوف القمر، وسجود القرآن. وفي السجود قولان: أحدهما: عدّه فضيلة كما ذكرنا. والثاني: عدّه سنة، وسيأتي في أول كتاب الصلاة الثاني إن شاء الله تعالى.
فما عدا هذا نافلة إلا ركعتي الإحرام (٣) بالحج، وركعتي الطواف فإنهما يلحقان بالسنن.
(شروط الصلاة)
وفروض الأعيان تجب بالعقل والبلوغ والإسلام ودخول الوقت. واشتراطنا البلوغ بعد ذكر العقل يجري على خلاف الأصوليين هل يوصف
_________________
(١) في (ق) خسوف.
(٢) ساقط من (ت) و(ق).
(٣) في (ص) إلا الركعتين للإحرام.
[ ١ / ٣٧٤ ]
غير البالغ بالعقل أم لا؟ فإن قلنا إنه موصوف (١) بذلك فيشترط البلوغ. وإن قلنا: إنه غير موصوف بذلك فيكتفى باشتراط العقل. وأما اشتراط الإسلام فيجري على الخلاف في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ وإن قلنا: إنهم مخاطبون فلا يشترط الإسلام، وإن قلنا: إنهم غير مخاطبين فيشترط.
وأما الأوقات فلا يتوجه الخطاب قبل دخولها بالإجماع.
فصل (حكم تارك الصلاة)
ومن ترك الصلاة فإن كان ذلك جحودًا فهو كافر بإجماع يحكم فيه بحكم المرتد. وإن أقر وامتنع من الصلاة ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يعدّ كافرًا لأنه لا يكفر بالذنوب. وعدّه ابن حبيب كافرًا (٢). وهذا لظواهر وردت بمقتضى تكفيره وجميعها لا يعوز (٣) تأويلها والعمدة الملجئة (٤) إلى التأويل قوله تعالى: (﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥). وإذا لم نحكم بتكفيره فإنا نأمره بالصلاة في الوقت. فإن لم يصل حتى خيف فوات الوقت قتل، لكنا نقتله حدًا لا كفرًا.
وما هو الوقت؟ في المذهب ثلاثة أقوال: المشهور المعروف في المذهب أن يبقى للصلاة مقدار من ركعة من الوقت الضروري، ومثاله: أن يبقى للظهر والعصر مقدار خمس ركعات في حق الحاضر، أو ثلاث في
_________________
(١) في (ر) يوصف.
(٢) النوادر والزيادات: ١/ ١٥١.
(٣) في (ق) لا يجوز.
(٤) في (ت) المصلحية وفي (ص) الملجي.
(٥) النساء: ١١٦
[ ١ / ٣٧٥ ]
حق المسافر قبل غروب الشمس. وحكى ابن خويز منداد (١) عن المذهب قولين آخرين: أحدهما: أن يبقى من الوقت الضروري مقدار الصلاة بجملتها، والثاني: أن يخاف فوات وقت الاختيار. وهذا بعيد عن الأصول جدًا؛ لأن التأخير عن ذلك لا يحرم فكيف نريق دمًا محقونا بارتكاب مكروه.
باب في أحكام الأوقات
(أوقات الصلاة من القرآن)
وقد أجملها الله سبحانه في كتابه وبينها على لسان نبيه - ﷺ - وأجمل تعالى ذكر الأوقات في ثلاثة مواضع؛ منها قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ (٢)، فقيل المراد به صلاة المغرب والعشاء (٣)، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٤) المراد به صلاة الصبح ﴿وَعَشِيًّا﴾ (٥) المراد به صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ المراد به صلاة الظهر. ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٦)، فقيل: تناولت (٧) صلاة الصبح وهي طرف وصلاة المغرب
_________________
(١) في (ت) ابن خويز منذاك. هو: محمد أبو بكر بن خويز منداد تفقه على الأبهري وعنده شواذ عن مالك وله اختيارات كقوله إن خبر الواحد يوجب العلم ولم يكن بالجيد النظر ولا قوي الفقه .. وكان يجانب الكلام وينافر أهله حتى يؤدي ذلك إلى منافرة المتكلمين من أهل السنَّة ويحكم على الكل منهم بأنهم من أهل الأهواء الذين قال مالك في مناكحتهم وشهادتهم وإمامتهم وتنافرهم ما قال. الديباج المذهب ص: ٢٦٨.
(٢) الروم: ١٧.
(٣) في (ص) قيل: هي صلاة المغرب وقيل: هي صلاة المغرب والعشاء.
(٤) الروم: ١٧.
(٥) الروم: ١٨.
(٦) هود: ١١٤.
(٧) في (ت) تأويل.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وهي طرف لأنها تؤدى عند الطرف. وصلاة العشاء وهي المراد بالزلف من الليل، وقيل: الطرف الثاني الظهر والعصر. فتتناول على هذا أربع صلوات. وقيل الزلف من الليل يتناول المغرب والعشاء فتتناول الآية على هذا خمس صلوات. وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (١) (٢)، فقيل المراد بالدلوك الظهر والعصر والمراد بغسق الليل العشاء الآخرة، وقيل: المراد به المغرب، وقرآن الفجر المراد به صلاة الصبح. وهذا الخلاف على خلاف بين الأصوليين في الأوامر هل تتعلق بوقت الكراهة عند إطلاقه أم لا؟
(أوقات الصلاة من السنة)
فهذا ما يتعلق بالأوقات من القرآن. وأما ما يتعلق بذلك من السنَّة فيخرج عن الحصر، لكن تلقت الأمة بالقبول الحديث المروي عنه - ﷺ - أنه صلى به جبريل ﵇ عند البيت يومين، فبيّن في اليوم الأول أوائل الأوقات، وفي اليوم الثاني أواخرها إلا المغرب فإنه صلاها في اليومين في وقت واحد وذلك عند مغيب الشمس (٣). وكذلك بيَّن (٤) - ﷺ - للسائل فصلى
_________________
(١) ساقط من (ت).
(٢) الإسراء: ٧٨.
(٣) أخرج الترمذي في الصلاة (١٤٩) واللفظ له، وأبو داود في الصلاة (٣٩٣)، وأحمد (١/ ٣٣٣) عن ابنِ عَبّاس أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "أَمَّنِي جِبرِيلُ ﵇ عِنْدَ البَيتِ مَرَّتَينِ فَصَلي الظهرَ فِيِ الأُولَى مِنهُمَا حِينَ كَانَ الفَيءُ مِثلَ الشراكِ، ثُم صلى العَصرَ حِينَ كَانَ كُل شَئء مِثل ظِلِّهِ ثُمَّ صلى المَغرِبَ حِين وَجَبَت الشَّمْسُ وَأَفطَرَ الصَّائِمُ ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُم صَلَّى الفَجرَ حِينَ بَرقَ الفَجْرُ وَحَرُمَ الطعَامُ عَلى الصَّائِم، وصَلَّى المَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَهُ لِوَقتِ العَصْرِ بالأَمْسِ، ثُم صَلى العَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيهِ ثُم صَلَّى المَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ حِينَ ذهَبَ ثلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتْ الأَرْضُ ثُمَّ التَفَتَ إِلَيَّ جِبرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمدُ هذا وَقتُ الأَنبِيَاءِ من قَبلكَ وَالوَقْتُ فِيمَا بَينَ هَذَيْنِ الوَقتَينِ". قَالَ الترمذي: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٤) فسر.
[ ١ / ٣٧٧ ]
في اليوم الأول في أول الوقت وفي الثاني في آخره (١).
(تفصيل أحكام الأوقات)
ولنرجع إلى تفصيل أحكام الأوقات فنقول هي على قسمين: وقت أداء ووقت قضاء؛ فوقت الأداء على قسمين: وقت اختيار ووقت اضطرار؛ فوقت الاختيار على أربعة أقسام: وقت فضيلة، ووقت إباحة، ووقت رخصة، ووقت سنة.
(وقت القضاء)
فأما وقت القضاء فهو بعد مضي الاختياري والضروري. وذلك في الظهر والعصر بعد مغيب الشمس (٢). وفي المغرب والعشاء بعد طلوع الفجر. وفي الصبح بعد طلوع الشمس.
(الوقت الضروري)
وأما الوقت الضروري فهو في الظهر بعد مضي القامة الأولى في قول، وبعد مضيها ومضي مقدار أربع ركعات في قول ثان. وهو في العصر بعد مضي القامة الثانية في قول، وبعد اصفرار الشمس في قول ثان. وهو في المغرب بعد إكمال (٣) أدائها في قول، وبعد مغيب الشفق في قول. وهو
_________________
(١) أخرجه مسلمِ في المساجد (٦١٣) واللفظ له والترمذي في الصلاة (١٥٢) عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بُرَيدةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ: "صَلِّ مَعَنَا هَذَينِ"- يَعْنِي اليَوْمَيْنِ- فَلَمَّا زَالَت الشَّمْسُ أَمَرَ بلاَلًا فَأذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظَّهْرَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ المَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبرَدَ بالظَّهْرِ فَأَبرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا وَصَلَّى العَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَة أَخَّرَهَا فَوْقَ الّذِي كَانَ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: " أَينَ السائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ" فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "وَقْتُ صَلَاِتكُمْ بَينَ مَا رَأَيتُم".
(٢) في (ق) الشفق
(٣) في (ص) إمكان أدائها وفي (ت) إمكانها.
[ ١ / ٣٧٨ ]
في العشاء الآخرة بعد مضي ثلث الليل في قول، ونصفه في قول. وهو في الصبح بعد الإسفار (١) في قول، وفي قول لا وقت ضرورة (٢) لها.
(وقت الرخصة)
وأما وقت الرخصة فهو وقت الجمع للمسافر وللمريض والأئمة في المساجد ليلة المطر.
(وقت السنة)
وأما وقت السنَّة فهو عند الزوال في حق الحاج بعرفة، فإنه يجمع حينئذ بين الظهر والعصر [وبعد مغيب الشفق بمزدلفة فإنه يجمع حينئذ بين المغرب والعشاء] (٣). ولكل واحد من هذه الأوقات موضع من الكتاب يأتي بيانه فيه إن شاء الله تعالى.
فصل
(أوقات الاختيار والفضيلة)
(الوقت الاختياري لصلاة الظهر)
ولنبين وقت الاختيار ووقت الفضيلة منه. ولنبدأ بالظهر كما بدأ بها جبريل ﵇ في صلاته بالنبي ﵇، ولهذا سميت الأولى. وأول وقتها زوال الشمس والزوال يعرف بأن يقيم الإنسان قائمًا (٤)، فإنه يكون ظله أول النهار مستطيلًا في جهة المغرب (٥) ثم لا يزال ينقص
_________________
(١) في (ت) الإسفرار.
(٢) في (ص) إلا وقت ضرورة.
(٣) ساقط من (ت).
(٤) في (ت) و(ص) قائمًا ما كان.
(٥) في (ق) المشرق.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وينقبض (١) إلى أن يقف في جهة (٢) دبر القبلة، مائلًا إلى المشرق وقوفًا تدركه الأبصار (٣) فإذا وقف على مقدار لا ينقص (٤) بعده كان ذلك وسط النهار واستوت الشمس في كبد السماء، فإذا زاد على مكان وقوفه زيادة تظهر للبصر (٥) فحينئذ كان الزوال ودخل وقت الظهر. وفيه صلى جبريل ﵇ بالنبي - ﷺ - في اليوم الأول. ثم لا يزال الظل يستطيل إلى جهة المشرق فيقاس من الموضع الذي وقف عليه فإذا كانت الزيادة على مقدار القائم فحينئذ خرج (٦) وقت الظهر المختار ودخل وقت العصر.
(الوقت الاختياري لصلاة العصر)
فإذا صارت الزيادة مثلي القائم فهاهنا قولان: أحدهما: أن ذلك آخر وقت العصر المختار (٧). والثاني: أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس على الجدران والأراضي.
(الوقت الاختياري لصلاة المغرب)
ووقت المغرب إذ غاب قرص (٨) الشمس في موضع لا جبال فيه. وأما موضع تغرب فيه خلف جبال فينظر إلى جهة المشرق؛ فإذا طلعت الظلمة كان دليلًا على مغيب الشمس. ثم اختلف المذهب هل يمتد وقتها كامتداد أوقات الصلوات أم ليس لها إلا وقت واحد؟ فإذا قلنا بامتداده فإنه يمتد إلى مغيب الشفق.
_________________
(١) في (ت) و(ق) ينقص وفي (ص) يتقلص.
(٢) في (ق) و(ت) يدركه الناظر في (ق) في جهة المغرب دبر.
(٣) في (ق) و(ت) يدركه الناظر.
(٤) في (ت) لا نقص.
(٥) في (ص) قد خرج وفي (ق) فإذا كان مكان وقوفه زيادة تظهر في النظر.
(٦) في (ص) قد خرج.
(٧) في (ت) أحدهما: أنه خرج وقت الظهر المختار ودخل وقت العصر أن ذلك آخر وقت العصر المختار.
(٨) في (ت) إذا غربت قرس وفي (ر) إذا غابت قرسة.
[ ١ / ٣٨٠ ]
وما الشفق؟ المشهور المعروف من المذهب أن الشفق الذي يدخل لغروبه وقت العشاء الآخرة هو الحمرة. وعند ابن شعبان عن مالك أن أكثر جوابه في الشفق أنه الحمرة. وعنه أيضًا في سماع ابن القاسم أنه أرجو أن تكون الحمرة والبياض الذي (١) لا شك فيه. وأخذ أبو الحسن اللخمي من هذا قولًا ثانيًا أن الشفق هو البياض (٢) كما يقوله أبو حنيفة. ويحتمل أن يكون كما قال، ويحتمل أيضًا أن يريد ابن شعبان عن مالك أن أكثر جوابه على التصميم من غير مراعاة الخلاف، ولا تردد أنه الحمرة. وقد يراعي الخلاف ويتردد كما في سماع ابن القاسم.
واختلف في آخر وقت العشاء؛ فقيل إذا ذهب ثلث الليلِ الأولُ، وقيل إذا ذهب نصفه.
(الوقت الاختياري لصلاة الصبح)
ووقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق- والأول وهو (٣) ذنب السرحان- وإنما سمي بذلك لأنه يظهر (٤) مستطيلا تأنس الأبصار به ثم يظهر أنه قد غاب، وليس كذلك؛ بل هو أول ما يطلع من نور الشمس إذا قرب دنوها (٥) من الأفق ثم إذا زاد الدنو كثر الضوء واستطال في الأفق، فسمي هذا المستطيل الفجر الصادق، وبه (٦) يتعلق حكم الإمساك عن الطعام (٧) وحكم الصلاة. والأول لا يتعلق عليه حكم. واختلف في آخر وقت الصبح؛ فقيل الإسفار الأعلى وهو قبل طلوع الشمس. وقيل آخر وقتها طلوعها (٨).
_________________
(١) في (ت) والذي.
(٢) التبصرة ص: ٥٠.
(٣) في (ص) وهو الفجر أيضًا الصادق دون الأول وهو ذنب السرحان.
(٤) في (ق) لأنه لا يظهر.
(٥) في (ق) ذنوبًا.
(٦) في (ق) و(ت) و(ص) وعليه.
(٧) في (ص) الصيام.
(٨) في (ص) و(ت) وقيل: آخره طلوع الشمس.
[ ١ / ٣٨١ ]
واختلف أيضًا في الظهر هل يشارك العصر بمقدار أربع ركعات من القامة الثانية أولًا يشاركها؟ ففي المذهب في ذلك قولان. كذلك اختلف في مشاركة المغرب للعشاء الآخرة في مقدار ثلاث ركعات بعد (١) مغيب الشفق. وهذا على القول بأن وقتها ممتد. فيتحصل من هذا أن أول الأوقات لا خلاف فيه إلا ما زاد (٢) أبو الحسن اللخمي في العشاء الآخرة. ولا خلاف أيضًا أن أوقاتها (٣) المختارة ممتدة إلا المغرب، ففي امتدادها (٤) قولان. وآخر أوقات الصلاة كلها فيه قولان.
وسبب الخلاف اختلاف في آثار واعتبار؛ وأما الآثار فمنها صلاة جبريل بالنبي - ﷺ - وهو يقتضي أن الظهر تشارك العصر لأنه قال: "وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله كوقت (٥) العصر بالأمس" (٦). ويقتضي أن آخر وقت العصر آخر القامة الثانية؛ لأنه قال: "فصلى بي العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه". ويقتضي أن المغرب لا يمتد وقتها؛ لأنه صلى به المغرب في اليومين حين غابت الشمس. ويقتضي أن آخر وقت العشاء ثلث الليل؛ لأنه حينئذ صلى به في اليوم الثاني. ويقتضي أن آخر وقت صلاة الصبح الإسفار؛ لأنه صلى به في اليوم الثاني حين أسفر. ومنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٧). وهو يقتضي عدم الاشتراك بين الظهر والعصر لأنه قال في وقت الظهر ما لم
_________________
(١) في (ق) قبل.
(٢) في (ق) و(م) و(ت) و(ص) أراد.
(٣) في (ص) أن أول أوقاتها.
(٤) في (ص) و(ق) و(ت) امتداد وقتها.
(٥) في (ص) و(ت): لوقت.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) أخرج مسلم في المساجد (٦١٢)، والنسائي في المواقيت (٥٢٢)، وأحمد في مسنده (٢/ ٢٢٣) واللفظ له عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "وَقْتُ صَلاَةِ الظهرِ مَا لَم يَحْضُرِ العَصْرُ وَوَقتُ صَلَاةِ العَصر مَا لَمْ تَصفَرَّ الشْمسُ ووَقتُ صَلاَةِ المغرِب مَا لم يَسقُطْ نُورُ الشَّفَقِ وَوَقْتُ صَلاَةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَوَقْتُ صَلاَةِ الفَجْرِ مَا لَمْ تَطلُعِ الشَّمْسُ".
[ ١ / ٣٨٢ ]
يحضر وقت العصر، وقال في العصر ما لم تصفر الشمس. ويقتضي امتداد وقت المغرب لأنه قال في وقتها ما لم يسقط نور الشفق. ويقتضي امتداد وقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل لأنه بذلك حدّه. ويقتضي امتداد وقت الصبح إلى طلوع الشمس لأنه بذلك حدّه أيضًا.
وأما الخلاف في الشفق ما هو؟ فإن الشفق ينطلق على الحمرة والبياض. وقد ورد في الشريعة تعليق صلاة العشاء الآخرة بمغيب الشفق. وبين الأصوليين خلاف؛ هل يؤخذ بأوائل الأسماء فيحمل الأمر هاهنا على الحمرة، أو بآخرها فيحمل على البياض؟
وأما الاعتبار فمن ينفي الاشتراك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء يقيس على نفيه ماعدا ذلك من الصلوات، ومن يثبته فلما ثبت من الجمع بين هذه الصلوات بعرفة والمزدلفة وفي الأعذار كالسفر والمرض. ولولا إشراك الأوقات لم يجمع بينهما كما لم يجمع بين الصبح والظهر و[لا] (١) العصر والمغرب و[لا] (٢) العشاء والصبح.
فصل (وقت الفضيلة لكل صلاة)
وأما وقت (٣) الفضيلة [فهو] (٤) في الظهر بعد مضي ربع القامة هذا في حق الجماعة؛ لأن هذه الصلاة تدرك الناس في القائلة والاشتغال. فكان تأخيرها من المصلحة ليتأهب الناس لها ويدرك جماعتها الجمهور.
وأما الفذ ففي وقت الفضيلة (٥) له قولان: أحدهما: كالجماعة، طردًا
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) سافط من (ر).
(٣) في (ق) أوقات.
(٤) ساقط من (ر)، وفي (ق) وهي، وفي (ت) فهي.
(٥) في (ص) الصلاة.
[ ١ / ٣٨٣ ]
لهذه القاعدة الكلية. والثاني: أنه يختص بأول الوقت، لفقدان العلة في التأخير. والمبادرة إلى أداء العبادات أفضل لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١)، وقوله - ﷺ - وقد سئل عن أفضل الأعمال فقال: "الصلاة لِأَوَّلِ وَقْتِهَا" (٢).
وهو في العصر بعد تحقيق دخول الوقت. ولا خلاف فيه في المذهب (٣) ويستوي في ذلك الفذ والجماعة؛ لأن هذه الصلاة تأتي على الناس وهم متأهبون لها.
وهو في المغرب عند سقوط الشمس ومغيبها عن الأبصار. ولا خلاف بين أهل السنَّة في ذلك.
واختلف في وقت الفضيلة في العشاء الآخرة؛ فقيل هو أول الوقت لما ذكرناه من الظواهر. وقيل آخره لما ورد (٤) عنه - ﷺ - لقوله: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَرْتُ [صَلاَةَ الْعِشَاءِ] (٥) إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ" الحديث (٦).
(معنى الإسفار بالفجر)
وهو في الصبح أول الوقت إذا تحقق دخوله ولم توجد ريبة. ولا شك في الامتناع من الأداء مع وجود الريبة. وقد قال - ﷺ -: "أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنهُ
_________________
(١) آل عمران: ١٣٣.
(٢) أخرجه الترمذي في الصلاة (١٧٠)، وأبو داود في الصلاة (٤٢٦)، وأحمد في مسنده (٦/ ٣٧٤) واللفظ للترمذي وأحمد.
(٣) في (ق) وقال أشهب يستحب تأخيرها لعصر الذراع من القامة الثانية.
(٤) في (ص) إلى آخر لما روى.
(٥) ساقط من جميع النسخ.
(٦) أخرجه الترمذي في الصلاة ١٦٧، وابن ماجه في الصلاة ٦٩١ واللفظ له، وأحمد في مسنده ٢/ ٢٥٠، كلهم عن أبي هريرة. وقَالَ الترمذي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهُوَ الذِي اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ - وَالتَّابِعيِنَ وَغَيْرِهِمْ: رَأَوْا تَأخِيِرَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَبِهِ يَقُولُ أحْمَدُ وإِسْحاقُ.
[ ١ / ٣٨٤ ]
أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ" (١). وإنما أراد الإسفار بمعنى الكشف والوضوح. ومنه أسفرت المرأة أي أبدت عن وجهها (٢) وكشفت عنه النقاب. وهي صلاة يؤذن لها قبل وقتها ليأتي أول الوقت والناس متأهبون لها. وقد كان - ﷺ - يصليها فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس (٣).
فصل (معنى الإبراد بالظهر)
وإذا اشتد الحر [كان] (٤) الأولى الإبراد بالظهر؛ وهو أن يُؤَخَّرَ (٥) ربع القامة. وهل ينتهي تأخيرها بذلك (٦) إلى آخر الوقت أو إلى وسطه، في المذهب قولان. وهما خلاف في حال؛ فمن البلاد ما يُفتقر فيه إلى التأخير لآخر وقتها لشدة حرها، ومنها ما لا يفتقر فيه إلى ذلك، فكذلك اختلف في الإبراد بالعصر وهو خلاف في حال (٧) أيضًا على حسب شدة (٨) الحر وخفته.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الصلاة ١٥٤ واللفظ له، والنسائي في المواقيت ٥٤٨، وأحمد في مسنده ٤/ ١٤٢، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٣٥٧ كلهم عن رافع بن خديج. وقَالَ الترمذي: حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيج حَدِيث حَسَن صَحِيحٌ.
(٢) في (ر) المرأة عن وجهها أي أبدته، وفي (ت) المرأة إذا أبدت وجهها.
(٣) أخرج البخاري في الأذان (٨٦٧) واللفظ له، ومسلم في المساجد (٦٤٥) "عَنْ عَائشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الغَلَسِ".
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ر) و(ت) يؤخر عن، و(ق) تؤخر.
(٦) في (ر) و(ص) لذلك وفي (ق) بذلك الوقت أو إلى وسطه.
(٧) في (ت) و(ق) الحال.
(٨) في (ص) حر البلاد.
[ ١ / ٣٨٥ ]
باب في أحكام الأذان
(سبب ثبوت الأذان)
ولنقدم مقدمة في سبب ثبوته ثم نعقد أركانه؛ أما المقدمة فإن المسلمين لما كثروا وافتقروا إلى علم [على (١) أوقات الصلاة والدعاء إليها وتشاوروا فذكروا النار والناقوس، فذكروا مشابهة النصارى والمجوس، فافترقوا عن غير رأي مبرم. فرأى عبد الله بن زيد وهو بين المستيقظ والنائم كأن ملكًا نزل من السماء وفي يده ناقوس فقال عبد الله: تبعني (٢) هذا. فقال الملك: وما تصنعون به؟ فقال نجعله علمًا على أوقات الصلاة. فقال ألا تؤذنون؟ فقال: ما صفة الأذان؟ ثم أذن واستأخر قليلًا فأقام. فأتى عبد الله بن زيد النبي - ﷺ - فأخبره، فأمره أن يلقيه على بلال لأنه أندى (٣) صوتًا. قال عبد الله: فاستأذنته أن أؤذن مرة واحدة، فأذنت بإذنه فجاء (٤) عمر يجر رداءه فأخبر الرسول - ﷺ - أنه رأى كتلك (٥) الرؤيا، ثم تتابع بضعة عشر من الصحابة يخبرونه بذلك (٦)، فاستمر الأذان في الشريعة. وهذا وإن
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ت) ألا تبعني وفي (ق) ألا تبغيني.
(٣) في (ق) اندأ منك. جاء في النهاية في غريب الحديث ٥/ ٣٦: أندَى صوتًا أي أرفع وأعلى وقيل: أحسنُ وأعذب وقيل: أْبْعَدُ.
(٤) في (ص) فخرج.
(٥) في (ق) و(ر) كذلك.
(٦) أخرجه أبو داود في الصلاة (٤٩٩)، وابن ماجه في الأذان (٧٠٦)، وأحمد في مسنده (٤/ ٤٣)، والدارمي في الصلاة (١١٨٧) بألفاظ تقاربة ولفظ أبي داود عن عَبْد اللهِ بْن زَيدِ قَالَ لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِالنَاقُوسِ يُعمَلُ ليُضْرَبَ بهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصلاةِ طَافَ بِي وَأَنا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا في يَدهِ فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ فَقُلْتُ نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ أَفَلَا أَدُلُكَ عَلَى مَا هُوَ خَيرْ مِنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ أشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إلا الله أشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ =
[ ١ / ٣٨٦ ]
كان أصله رؤيا فإن إثبات الرسول - ﷺ - له إما لأنه أوحي إليه بصحته، أو لأن اجتهاده أداه إلى ذلك (١) على خلاف الأصوليين هل له أن يحكم باجتهاده أم لا؟
(حكم الإقامة والأذان)
ولا خلاف في المذهب أن الإقامة سنة في حق الرجال، وأما الأذان فهل هو من السنن أو من فروض الكفاية؟ ووقع لمالك في الموطأ فإنما يجب الأذان في مساجد الجماعة، فحمله أبو محمد بن أبي زيد وغيره من المتأخرين من أهل المذهب على ظاهره في الوجوب. وتأوله القاضي أبو محمد عبد الوهاب على أن مراده وجوب السنن لا وجوب الفرائض. قال أبو الوليد الباجي: الأولى حمله على ظاهره.
ويجب الأذان على وجهين (٢): أحدهما: [في مساجد الجماعات] (٣)
لأنه شعار الإسلام، ويجب إظهار الشعار. وقد كان - ﷺ - يستمع فإن سمع أذانًا (٤) أمسك وإلا أغار (٥). والوجه الثاني: أنه عَلَمٌ على الأوقات في
_________________
(١) = حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَىَّ عَلَى الْفَلاَح حَىَّ عَلَى الفَلاَح الله أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لاَ إِلهَ إلاَّ الله قالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ: وَتَقُولُ إِذَا أقَمْتَ الصَّلاَةَ اللهُ أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ أشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَىَّ عَلَى الْفَلاَح قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتْ الصَّلاَةُ اللهُ أكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لاَ إِلهَ إلا اللهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأيْتُ فَقَالَ: "إنّهَا لَرُؤيَا حَقّ إِن شَاءَ اللهُ فَقُمْ مَعَ بِلاَلٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيتَ فَليُؤَذِّنْ بِهِ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ" فَقُمْتُ مَعَ بِلَالِ فَجَعَلْتُ أُلقِيهِ عَلَيْهِ وُيؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقَّ يَا رَسُولَ الله لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأى فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "فَلِلَّهِ الْحَمْدُ".
(٢) في (ق) اجتهاد إلى ذلك.
(٣) في (ق) بالوجهين وفي (ص) للوجهين.
(٤) ساقط من (ق) (و) (ت) (و) (ص).
(٥) في (ت) الأذان.
(٦) يدل عليه ما أخرجه البخاري في الجهاد ٢٩٤٤ واللفظ له، ومسلم في الصلاة ٣٨٢ عن أنس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ فَإِنْ سَمِعَ أذَانًا أَمسَكَ وَإنْ لَمْ يَسْمَعُ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبحُ" الحديث.
[ ١ / ٣٨٧ ]
مساجد الجماعات. ولا يجوز (١) إهمال الأوقات ولو تمادى أهل بلد على إهمالها لقوتلوا (٢) عليها (٣).
(أركان الأذان)
فإذا تقررت هذه المقدمة قلنا بعدها أحكامُ الأذان تنحصر في أربعة أركان: أحدها: صفته. والثاني: وقته. والثالث: من يؤمر به. والرابع: في صفة المؤذن.
فأما صفة الأذان فهي معلومة. لكن اختلف (٤) في ثلاث مسائل: أحدها: هل يبتدئ بالتكبير بصوت مرتفع ثم يخفض الصوت يسيرًا في التشهدين (٥)، أو يبتدئ مخفض الصوت؟ للمتأخرين في ذلك قولان.
وسبب الخلاف الاعتماد على النقل. والصحيح الابتداء برفع الصوت وهو مقتضى النقل. لأن سبب الخفض في الشهادتين أن أبا محذورة كان في جاهليته كثير الأذى لرسول الله - ﷺ -، وفي بعض الروايات أنه كان في الجاهلية إذا سمع الأذان يستهزئ به. فلما أسلم أمره - ﷺ - بالأذان فخفض صوته بالشهادتين (٦) حياء من قومه وما كانوا يعلمون منه في الوحدانية (٧) والرسالة من الطعن قبل الإسلام (٨). فأمره النبي - ﷺ - بأن يعود إلى الشهادتين رافعا صوته فعاد فرفع، فشرع ذلك في الأذان. وهذا يقتضي أنه كان الأذان في بدئه يُرفع الصوت به بالابتداء. وهذا لا يُنكِر أيضًا في الجاهلية (٩)
_________________
(١) فى (ق) ولا يجوز بلا الاتفاق.
(٢) فى (ر) ولو تمالوا لقتلوا.
(٣) فى (ر) عليه.
(٤) فى (ق) (و) (ت) اختلف المذهب.
(٥) فى (ص) الشهادين.
(٦) فى (ت) بالتشهدين.
(٧) فى (ر) الذين كان معهم يهزأ بالوحدانية.
(٨) في (ت) من قومه الذين كان معهم يهزأ بالوحدانية والرسالة قبل الإسلام.
(٩) فى (ق) (و) (ص) جاهليته.
[ ١ / ٣٨٨ ]
قول (١) "الله أكبر" وإنما يُنكر الوحدانية [والرسالة] (٢).
المسألة الثانية: هل يثني قوله في أذان الصبح "الصلاة خير من النوم" قياسًا على سائر ألفاظ الأذان، أو يفرده قياسًا على قوله:"قد قامت الصلاة" لأنه تنبيه على معنى زائد على ألفاظ الأذان فأشبه الإخبار بقيام الصلاة؟ والمشهور تثنيته، ولابن وهب إفراده.
والمسألة الثالثه: هل يفرد قوله "قد قامت الصلاة" -وهو المشهور- أو يثني ذلك -وهو رواية المصريين عن مالك ﵀؟
وسبب الخلاف ما ثبت عنه - ﷺ - أنه "أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الأذان وَيُوتِرَ الإِقَامَة" (٣). وفي بعض الطرق ويوتر الإقامة. وبين الأصوليين خلاف في زيادة الراوي العدل هل تقبل أم لا؟
ولو أراد أن يؤذن فأخطأ فأقام فإنه يعيد. وإن أراد الإقامة فأخطأ فأذن؛ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يعيد قياسًا على الأول، والثاني: أنه لا يعيد. وهذا مراعاة لقول من يقول أن الإقامة مثناة.
فصل [وقت الأذان]
وأما (٤) وقت الأذان فإنه عند دخول وقت (٥) الصلاة. ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح. فعندنا يؤذن لها قبل وقتها لقوله - ﷺ: "إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي
_________________
(١) في (ت) (و) (ص) كون.
(٢) ساقط من (ق) و(ر) و(ت).
(٣) البخاري في الأذان ٦٠٦، ومسلم في الصلاة ٣٧٨، والحاكم في مستدركه ١/ ٣١٣، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٥٦٨ واللفظ لهما، وقال الحاكم: "والشيخان لم يخرجا بهذه السياقة وهو صحيح على شرطهما".
(٤) في (ر) فأما.
(٥) في (ق) الوقت للصلاة وفي (ت) أوقات الصلوات.
[ ١ / ٣٨٩ ]
بِلَيْلِ فَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ (١) ابْنُ أُمْ مَكتُومِ" (٢).
ومتى يجوز الأذان لها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: إنما يؤذن لها في سدس الليل الآخر لأن المقصود التأهب لها، وذلك يحصل في هذا الوقت. والثاني: أن يؤذن لها بعد خروج الوقت (٣) المختار للعشاء الآخرة. والقول الثالث: أنه يؤذن لها بعد صلاة العشاء الآخرة، وإن صليت في أول وقتها. والصحيح هو الأول، ولا يحصل الغرض من التأهب على هذين القولين. ولعلهما يتعلقان بقوله - ﷺ -: "إِن بلاَلًا يُنَادِي بِلَيلٍ" ولم يعين، فكان الليل جميعه محلًا للأذان إلا أن تكون العشاء لم تصل فيمتنع لئلا يختلط أذان الصبح مع أذان العشاء، وهذا رأي الوقار (٤). وألا يكون (٥) وقت العشاء لم يخرج، إذ لا ينادى للصلاة في (٦) وقت غيرها، وهذا رأي ابن حبيب (٧).
فصل (من يؤمر بالأذان)
وأما من يؤمر بالأذان فكل من يؤمر بالدعاء إلى الصلاة. وذلك يختص بالأئمة حيث كانوا، أو بمساجد الجماعة. وأما الفذ والجماعة
_________________
(١) في (ص) حتى يؤذن.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان ٦٢٠ عن عبد الله بن عمر.
(٣) في (ق) أنه لا يؤذن لها خروج الوقت.
(٤) هو: زكريا أبو يحي الوقار بن يحيى بن إبراهيم بن عبد الله مصري روى عن ابن القاسم وابن وهب وأشهب وغيرهم وكان مختصًا بابن وهب، قرأ القرآن على نافع المدني استوطن طرابلس كان فقيهًا صاحب عجائب، توفي سنة أربع وخمسين ومائتين بمصر وقيل سنة ثلاث وستين. الديباج المذهب ص: ١١٨.
(٥) في (ص) و(ت) وإلا أن يكون وفي (ق) أن يكون.
(٦) في (ت) قبل وقتها وفي (ص) و(ق) في وقت آخر.
(٧) النوادر والزيادات: ١/ ١٦٠.
[ ١ / ٣٩٠ ]
المجتمعون بموضع ولا يريدون دعاء غيرهم إلى الصلاة فوقع في المذهب لفظان: أحدهما: أنهم إن أذنوا فحسن. والثاني: أنهم لا يؤذنون. فأراد (١) أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين، (٢) وليس كذلك. بل لا يؤمرون بالأذان كما يؤمر به الأئمة وفي مساجد الجماعات. فإن أذنوا فهو ذكر، والذكر لا ينهى عنه من أراده، لا سيما إذا كان (٣) من جنس المشروع.
(استحباب الأذان للمسافر)
واستحب متأخرو أهل المذهب الأذان للمسافر وإن كان فذًا، لما روي عنه - ﷺ - أنه أمر أبا سعيد الخدري بالأذان إذا كان في غنمه أو باديته (٤). ولما قاله سعيد بن المسيب (٥) من أنه إذا أذن وأقام صلى خلفه أمثال الجبال من الملائكة (٦). وهذا لا يمكن أن يقوله إلا على توقيف لأن القياس لا يتسلط على مثل هذا. وإذا صح ذلك صار الأذان في حق هذا دعاء إلى الجماعة وهم الملائكة.
_________________
(١) في (ت) وأراد.
(٢) التبصرة: ص ٥٤.
(٣) في (ر) كان بالأذان، وإذا كان.
(٤) أخرج البخاري في الأذان ٦٠٩ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمّن بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِي ثُمَّ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنهُ أخْبَرَهُ أَن أَبا سعيد الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ: إِنَّي أَرَاكَ تُحبُّ الغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كنتَ في غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاَةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالندَاءِ فَإِنهُ لاَ يَسمَعُ مَدَى صَوتِ المُؤَذنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيءٌ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَومَ الْقِيَامَةِ.
(٥) هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب أبو محمد القرشي المخزومي عالم أهل المدينة وسيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁ وقيل لأربع مضين منها بالمدينة. توفي سنة ٩٤ هـ. سير أعلام النبلاء ج: ٤ ص:٢١٧.
(٦) انظر مصنف عبد الرزاق ١/ ٥١٠.
[ ١ / ٣٩١ ]
فصل (يقام للفوائت ولا يؤذن لها)
ولا يؤذن عندنا للفوائت لأن الجماعة غير مشروعة فيها، ولأن الأذان يزيدها فواتا. ولا يؤذن إلا للفرائض الوقتية. وأما الإقامة فإنها مشروعة لكل مصل صلاة فرض وقتية (١) أو فائتة، لكن حكمها في الجماعة آكد منها في الانفراد، وحكمها على الرجال آكد منه على النساء. وفي الكتاب في المرأة إن أقامت فحسن (٢).
والفرق بين الأذان والإقامة أن الأذان إعلام بحضور وقت الصلاة، والإقامة إعلام للنفس للتأهب للصلاة. فلهذا اختص الأذان بما ذكرناه وشرعت الإقامة للجميع.
وإذا جمع الإمام الصلاتين فهل يؤذن لكل واحدة منهما؟ في المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: الأذان والإقامة لكل واحدة (٣). والثاني: أن يكتفي بالأذان الأول والإقامة لكل صلاة. والثالث: أنه يستغني عن الأذان وتكفيه الإقامة.
وسببه اختلاف (٤) الأحاديث في جمعه - ﷺ - بعرفة، هل كان بأذانين وإقامتين؟ أو بأذان وإقامة؟ (٥) [أو بإقامتين] (٦). وروى ابن عمر (٧) عنه أنه كان بإقامة واحدة للصلاتين جميعًا وبه أخذ (٨).
_________________
(١) في (ت) في وقتها.
(٢) المدونة ١/ ٥٩.
(٣) في (ق) و(ص) لكل صلاة.
(٤) في (ق) و(ت) و(ص) وهو على اختلاف الأحاديث.
(٥) في (ص) و(ق) إقامتين.
(٦) ساقط من (ق).
(٧) هكذا في (ق) وفي (ص) أبو عمر، وفي (ت) و(ر) فإنها غير واضحة.
(٨) مسلم في الحج ١٢٨٨.
[ ١ / ٣٩٢ ]
فصل (صفة المؤذن)
وأما صفة المؤذن فالمقتدى به في الأوقات يجب أن يكون ذا دين (١)، عارفًا بالأوقات. ومن كماله أن يكون بالغ (٢) الصوت، حسنه؛ لأن الأذان لغة وشرعًا للإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٣)، أي أعلمهم. وإذا كان المقصود الإعلام فالبالغ (٤) بالصوت أكمل في ذلك، والنفوس مجبولة على الميل إلى حسن الصوت. فلذلك قلنا من كماله أن يكون حسنًا.
(أمور ينبغي للمؤذن مراعاتها)
ويستحب للمؤذن أن يستقبل القبلة عند التكبير والتشهد (٥). وأما دورانه ووضع أصبعيه في أذنيه فإن قصد بذلك المبالغة في الإبلاغ (٦) فهو مشروع. ويكره التطريب المخرج عن باب الأذان إلى باب الأغاني. ولا يتكلم في أذانه إلا أن يضطر إلى الكلام بأن يخاف هلاكًا على نفسه (٧) أو على غيره أو على ماله. فإن تكلم بنى إلا أن يطول الكلام (٨) طولًا يخرج الأذان عن بابه.
وهل يرد السلام إشارة؟ قولان: المشهور أنه لا يرده. والشاذ أنه يرده كالمصلي. والفرق بينه وبين المصلي على المشهور أن المصلي ممنوع من الكلام فجاز له الانتقال إلى الإشارة، والمؤذن غير ممنوع كالمصلي، فلا
_________________
(١) في (ق) و(ص) آمنا ذا دين.
(٢) في (ر) بليغ.
(٣) الحج: ٢٧.
(٤) في (ت) و(ص) البليغ وفي (ر) فالتبليغ.
(٥) في (ر) و(ق) والتشهيد.
(٦) في (ر) الاستماع.
(٧) في (ق) الهلاك على نفسه وفي (ر) هلاك نفسه.
(٨) في (ق) كلامه.
[ ١ / ٣٩٣ ]
يجوز ابتداء السلام عليه لأنه بين أن يترك الرد فيأثم أو يتكلم ردًا فيفسد (١) نظم الأذان، فإذا تعدى المسلم فسلم عليه قوبل على عدوانه بترك الرد عليه.
ولا يؤذن جالسًا لأن المقصود الإبلاغ، وهو غير كامل من الجالس. ويؤذن راكبًا. ولا يقيم إلا نازلًا لئلا يفرق بين الإقامة والصلاة بالنزول، إلا أن يكون ممن يصلي على الراحلة للضرورة فيقيم على راحلته.
وهل يجوز أذان الجنب والصبي؟ في المذهب قولان: الكراهية، والجواز؛ فأما الكراهية فلأن المؤذن داع إلى صلاة وهذان ليسا ممن يستحق الدعاء إليها. والجواز لأنه ذكر وهذان من أهله.
وأعداد المؤذنين بحسب سعة الوقت وضيقه. ولهذا نأمر في المغرب بأن يجتمع جميعهم في أذان واحد.
(هل يجوز أخذ الإجارة على الأذان)
وهل يجوز أخذ الإجارة على الأذان؟ في المذهب قولان: المشهور جوازه، والشاذ كراهيته؛ فالجواز لما يتكلف من مراعاة الأوقات، والكراهية لأنه ذكر. وكذلك أمره - ﷺ - بأن يتخذ مؤذنًا لا يتخذ (٢) على أذانه الأجرة (٣).
ولا تجوز الإجارة على صلاة الفرض على المشهور من المذهب.
_________________
(١) في (ق) فيسقط.
(٢) في (ق) و(ص) لا يبتغي.
(٣) يشير إلى الحديث الذي أخرجه الترمذي في الصلاة ٢٠٩ واللفظ له، والنسائي في الأذان ٦٧٢، وأبو داود في الصلاة ٥٣١، وابن ماجه في الأذان ٧١٤ عَن عُثْمانَ بْن أَبي العَاص قَالَ: "إنَ مِنْ آخرِ ما عَهِدَ إِلَيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ اتخَّذْ مُؤَذنًا لاَ يَأخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجرًا" قَالَ الترمذي: "حَدِيثُ عُثمَانَ حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهلِ العِلمِ كَرِهُوا أَنْ يَأخُذَ المُؤَذِّنُ عَلَى الأَذَانِ أَجْرًا وَاستَحَبُّوا لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَحْتَسِبَ في أَذَانِهِ".
[ ١ / ٣٩٤ ]
لكن تجوز الإجارة على الأذان والصلاة جميعًا فتكون الصلاة بالأجرة على حكم التبع.
واختلف المتأخرون لو طرأ عليه ما يمنعه الإمامة هل يسقط نصيبها من الأجرة أو لا يسقط؟ وهو على الخلاف في الأتباع هل لها قسط من الثمن أم لا؟
فصل (في حكاية الأذان)
ويؤمر سامع الأذان بحكايته، لكن اختلف في منتهى ما يحكي السامع؛ فالمشهور أنه إلى آخر التشهدين (١). وهل يكرر التشهدين لتكرار المؤذن، أو يكرر إذا تكرر الأذان؟ في ذلك قولان: [أحدهما: التَّكرار في جميع ألفاظه، وبه تحصل الحكاية كما (٢) يفعل المؤذنون، والقول الثاني: أنه يكفيه حكايته إلى التشهدين. وكذلك الخلاف في المذهب أيضًا هل يحكي جماعة من المؤذنين أو يكفيه واحد؟ فيه قولان في المذهب. ينشأ (٣) على مسألة أصولية وهي أن الألف واللام هل للجنس أو للعهد؟ في ذلك قولان] (٤)، وقد مر عليه الكلام في سؤر الكلاب. والشاذ أنه يحكيه إلى آخر الأذان لما روى عمر عن النبي (٥) من وصفه لما يحكيه السامع إلى أن يبلغ "فقال السامع لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه دخل الجنة"، ويعوض عن الحيعلتين بالحوقلتين (٦). وإنما ذلك لأن سائر ألفاظ الأذان ذكر وهو يفيد
_________________
(١) في (ص) و(ر) الشهادتين.
(٢) في (ت) وكما.
(٣) في (ر) ينني.
(٤) ساقط من (ق) و(ص).
(٥) في (ر) و(ت) لما روي عنه.
(٦) أخرج مسلم في الصلاة ٣٨٥ واللفظ له، وأبو داود في الصلاة ٥٢٧ عن عُمَرَ بْنِ الخَطابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إذَا قَالَ المُؤَذنُ اللهُ أكَبَرُ اللهُ أكَبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ =
[ ١ / ٣٩٥ ]
الحاكي، وأما قول المؤذن "حي على الصلاة حي على الفلاح" فمعنى ذلك هلموا إلى الصلاة هلموا إلى الفلاح فلا يفيد الحاكي قولها فيما بينه وبين نفسه، فيعوض عن ذلك بأن يقول كلامًا يناسب قول المؤذن ويكون جوابًا له بأن يبرأ من الحول والقوة على إتيان الصلاة والفلاح إلا بحول الله تعالى وقوته.
(هل يحكي الأذان من كان في الصلاة)
وهل يحكي الأذان من كان في صلاة؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يحكيه (١) في الفرض ولا في النفل. والثاني: أنه يحكيه فيهما. والثالث: أنه يحكيه في النفل دون الفرض (٢)، وهو المشهور. وهاهنا عبادتان: إحداهما ما هو فيه من الصلاة، والثانية [ما أمر به من حكاية قول] (٣) المؤذن؛ فمن غلب حكم الصلاة، قال لا يحكي، ومن التفت إلى أنه ذكر- والصلاة محل الأذكار- قال يحكيه (٤)، ومن فرق فلتأكيد الفرض وخفة الأمر في النفل.
وإذا قلنا يحكيه في الصلاة فإنما يبلغ إلى آخر التشهدين. ولو قال في الصلاة حي على الفلاح (٥) فإنها تبطل، وهذا إذا كان عامدًا وأما الناسي فلا تبطل. والجاهل يجري على القولين (٦) في الجهل هل حكمه هو حكم
_________________
(١) = الله أَكبَرُ الله أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ الله قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ الله ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله قالَ أَشهَدُ أن مُحَمدًا رَسُولُ اللهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ قَالَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الفَلاَح قَالَ لاَ حَوْلَ وَلا قُوّةَ إِلاَّ باللهِ ثُمَّ قَالَ الله أَكَبَرُ اللْهُ أَكَبَرُ قَالَ اللهُ أكَبَرُ الله أَكَبَرُ ثُمَّ قَالَ لاَ إِلَهَ إلاَّ الله قالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ من قَلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ".
(٢) في (ق) لا يحاكيه.
(٣) في (ر) الفرض دون النفل.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ر) فلا يحكيه.
(٦) في (ص) حي على الصلاة وفي و(ق) و(ت) حي على الفلاح حي على الصلاة.
(٧) في (ص) الخلاف.
[ ١ / ٣٩٦ ]
العمد أم حكم النسيان؟ ولاشك أن من أمر بالأذان فتركه لا تبطل صلاته.
وأما من أمر بالإقامة فتركها فإن كان سهوًا لم تبطل صلاته. وأما العامد ففيه قولان: المشهور أنها لا تبطل، والشاذ أنها تبطل، وهو على الخلاف في تارك السنن متعمدًا هل يعد عابثًا فتبطل عبادته أم لا يعد كذلك؛ لأنه غير مأثوم في الترك فلا تبطل؟
(فروض الصلاة)
ولنذكر ما قال الناس في ذلك جملة ثم نأخذ في تفصيله. وأما الفروض فهي قسمان: أحدهما: ما ليس من نفس الصلاة، والآخر: من نفسها؛ والذي ليس من نفس الصلاة قسمان: قسم سابق، وقسم مقارن؛ فالسابق ثلاثة: طهارة الحدث، وطهارة الخبث، وستر العورة. والمقارن ثلاثة: استقبال القبلة، والنية، وترتيب الأداء. والذي هو من نفس الصلاة عشرة أشياء وهي: تكبيرة الإحرام، والقيام لها، وقراءة أم القرآن، والقيام لها، والركوع، والرفع منه، والسجود، والرفع منه، وقدر ما يوقع فيه [السلام] (١) من الجلسة الآخرة، والسلام.
(سنن الصلاة)
وسننها عشرة: وهي ماعدا تكبيرة الإحرام من التكبيرات، وقول الإمام سمع الله لمن حمده، وقراءة السورة التي مع أم القرآن، والقيام لها، والجهر فيما يجهر فيه، والإسرار فيما يسر فيه، والتشهد الوسط، والجلوس له. والزائد على مقدار الفرض من الجلوس الآخر، والتشهد فيه. وفي
_________________
(١) ساقط من (ر).
[ ١ / ٣٩٧ ]
الطمأنينة، والصلاة على النبي - ﷺ - قولان: قيل هما من الفروض، وقيل: من السنن.
(فضائل الصلاة)
وفضائلها سبع: وهي رفع اليدين في الافتتاح، وترتيب القراءة بأن يطيل (١) في الصبح، ويقصر في المغرب (٢)، والظهر تلي الصبح، والعشاء الآخرة تليها، والعصر تلي العشاء الآخرة، وقول المأموم آمين، وقوله ربنا ولك الحمد، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود، والقنوت.
وهذه الفروض والسنن والفضائل منها مجمع عليه، ومنها مختلف فيه؛ فأما الطهارة من الحدث فقد تقدم أنها من المجمع عليه، وأما الطهارة من الخبث فقد تقدم الخلاف في فرْضيتها. وأما ما عدا هاتين (٣) فنبين حكمه عند أبوابه على محاذاة (٤) ترتيب الكتاب.
باب في أحكام التكبير
وقد قدمنا أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة وما عداها سنة (٥) كما يحكي جميع أهل المذهب. وقال أبو الوليد الباجي: مقتضى مسائلهم وجوب التكبير جميعه. وإنما عول على أن السجود يجب عوضًا عن تركه (٦). فمتى (٧) ترك السجود بطلت الصلاة على قول. وهذا يأتي بيانه في باب السهو إن شاء الله.
_________________
(١) في (ص) بأن تطال وفي (ق) و(ت) يطال.
(٢) في (ق) المغرب والعصر.
(٣) في (ق) و(ص) و(ت) هاذين.
(٤) في (ر) عادة.
(٥) في (ص) مسنون.
(٦) في (ص) تاركه.
(٧) في (ر) فمن.
[ ١ / ٣٩٨ ]
ولا خلاف في وجوب تكبيرة الإحرام في حق الفذ والإمام. وأما المأموم ففي حمل الإمام لها عنه قولان: المشهور أنه لا يحملها قياسًا على الركوع والسجود. والشاذ أنه يحملها قياسًا على القراءة.
(حكم العاجز عن لفظ التكبير)
وأما لفظ التكبير عندنا فمتعين لا يجزي غيره من الأذكار؛ لأنه الوارد به والموضع موضع عبادة فيقتصر على ما ورد. ولا يجزي أن يؤتى من التكبير بلفظ سوى اللفظ المعلوم ولا يعوض بـ "الأكبر" ولا بـ "الكبير" لما قلناه من وجوب التعيين، هذا في حق القادر. وأما العاجز عن التكبير لامتناع (١) الكلام عليه فلا شك أنه يدخل في الصلاة بالنية، وإن كان عجزه لأنه (٢) لا يحسن العربية ففي المذهب قولان: أحدهما: يعوض بلسانه الذي يحسنه؛ لأن المعنى هو المطلوب في حقه. والثاني: أنه لا يعوض بلسانه الذي يحسنه جمودًا على ما ورد. ولا خلاف أنه لا يعوض عن القراءة بلسان غير عربي؛ لأن الإعجاز في اللفظ العربي. لكن اختلفوا هل يعوض أذكارًا أم لا على قولين؟
وسبب (٣) الخلاف ما ورد في بعض الطرق عنه - ﷺ - في تعليم الأعرابي الذي لم يحسن الصلاة فإنه أمره بالقراءة أو بذكر الله تعالى إن لم يحسنها (٤) ولم يرد ذلك في أكثر الطرق. وبين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟
_________________
(١) في (ق) و(ص) و(ت) وأما العاجز فإن كان عجزه لامتناع.
(٢) في (ر) و(ص) بأنه.
(٣) في (ص) ومدار.
(٤) يريد بذلك الحديث الذي أخرجه الترمذي في الصلاة ٣٠٢ وفيه أن الرسول - ﷺ - قال للمسيء صلاته: "إِذَا قُمتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأ كَمَا أَمَرَكَ الله ثُم تَشَهَّدْ وَأَقِمْ فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأ وَإلاَّ فَاحمَدِ اللهَ وَكَبّرهُ وَهَلُلْهُ" الحديث. وقال الترمذي: حَدِيثُ رِفَاعَةَ بنِ رَافِع حَدِيثٌ حَسَنٌ.
[ ١ / ٣٩٩ ]
فصل (تكبيرة الإحرام للمأموم)
وإذا قلنا بوجوب تكبيرة الإحرام في حق المأموم، فإن كبر للركوع [ناويًا للإجزاء عن تكبيرة الإحرام] (١) صح له ذلك، وإن كبر ولم ينو فلا يخلو من أن يعلم أنه لو عاد (٢) إلى القيام أمكنه تكبيرة الإحرام وإدراك الإمام، أو يعلم أنه لا يدركه؛ فإن علم أنه لا يدركه فهل يعود إليه؟ فيه قولان. وسببهما هل يراعى الخلاف فلا يعود- لأن أحد قولي مالك أنه يجزيه- أو لا يراعي فيعود.
وإذا قلنا إنه يعود فهل يسلم أم لا؟ قولان: وجوب السلام - وهو مقتضى الأخذ بالمذهب- ومراعاة قول من اجتزى بالأول. وتركه هو بناء على ترك مراعاة الخلاف بالجملة. وإذا قلنا إنه يتمادى ولا يعود أو قلنا بالتمادي لأنه خاف فواتها مع الإمام فإنه يتم الصلاة ويعيد.
وهل الإتمام هو الواجب والإعادة احتياطًا أو بالعكس؟ للمتأخرين قولان.
وفائدة الخلاف لو بطلت الصلاة التي تمادى عليها وصحت الأخرى (٣)، أو بطلت المعادة وصحت التي تمادى عليها ففي الإجزاء بالصحيحة قولان (٤). وهو على ما قدمنا من كون الإعادة واجبة والتمادي أحتياط أو بالعكس.
وإن لم يكبر للركوع فعلى المشهور يقطع متى علم، وعلى رواية ابن وهب تجزيه الصلاة. هذا في حق المأموم، وأما الإمام فلا يجزيه إلا تكبيرتان: أحدهما: للإحرام، والثانية: للركوع، وهذا هو المعروف (٥) من
_________________
(١) ساقط من (ت).
(٢) في (ت) أعاد وفي (ص) قام.
(٣) في (ق) الإعادة.
(٤) في (ق) خلاف.
(٥) في (ص) و(ق) و(ت) المعرفة.
[ ١ / ٤٠٠ ]
المذهب. وقال أبو الفرج: هذا على القول بأن القراءة فرض في كل ركعة يريد (١)، وعلى القول بأنها ليست بفرض (٢) في كل ركعة (٣) يكون الإمام والمأموم بمنزلة واحدة تجزيهما تكبيرة الركوع إذا قصد بها تكبيرة الإحرام.
(حكم القيام لتكبيرة الإحرام)
وهل يجب القيام لتكبيرة الإحرام؟ (٤) أما الفذ والإمام فيجب ذلك في حقهما، وهذا يظهر على القول بأن قراءة أم القرآن عليهما فرض في كل ركعة. وأما المأموم؛ ففي المذهب فيه قولان: فمذهب المدونة أنه لا يجب القيام في حقه لتكبيرة الإحرام (٥) لأن القيام يجب عنده للقراءة وهذا لا تجب القراءة في حقه. وفي كتاب ابن المواز وجوب القيام لها قياسًا على الإمام والفذ.
(ما يفعل من شك في تكبيرة الإحرام)
وما يفعله من شك في تكبيرة الإحرام؟ أما الفذ فإن شك [قبل] (٦) أن يركع كبر (٧) من غير سلام وأجزى. وإن ركع ففي قطعه وابتدائه قولان كالإمام. وأما المأموم فلا يقطع. وقد تقدم حكمه إذا أيقن بترك [تكبيرة] (٨) الإحرام. ولا شك مع شكه في الإتيان بها أنه يتمادى ويعيد. وأما الإمام ففيه قولان: أحدهما: أنه يتمادى ويعيد هو ومن خلفه إذا شكوا كشكه. والثاني: أنه يقطع ويقطعون ولا يصح استخلافه هاهنا؛ لأنه إذا لم يكبر لا تجزيهم الصلاة. وأيضًا فقد يمكن أن يكون كبر فيصير كالقاطع عمدًا
_________________
(١) في (ت) يزيد.
(٢) في (ق) بأن أم القرآن ليست فردا.
(٣) في (ق) في كل ركعة من الصلاة أو في جلها.
(٤) في (ت) الإحرام أم لا.
(٥) المدونة: ١/ ٦٣.
(٦) ساقط من (ص).
(٧) في (ر) قطع.
(٨) ساقط من (ق).
[ ١ / ٤٠١ ]
بخلاف استخلافه إذا ذكر أنه على غير طهارة (١). وأبو الحسن اللخمي يجعل حكمه (٢) كحكم الطهارة (٣). وقد فرقوا في الروايات بينهما، ولعل الفرق أن التكبيرة [ركن] (٤) من نفس الصلاة والطهارة لست كذلك. فإذا ترك التكبير فقد أسقط ركنا من الصلاة وهو الموجب (٥) لانعقادها. فإذا لم تنعقد في حقه فلا يصح الاقتداء به بخلاف إن سقط شرط لها وهو يظن أنه لم يسقطه. على أن قياس الشك في التكبير هو قياس الشك في الطهارة.
وبالجملة فقد فرقوا بين الطهارة وبين التكبير، والفرق ما ذكرت. وإذا سلم الشاك ثم ذكر أنه كان كبر ففي إجزائه قولان: أحدهما: الحكم بالإجزاء. حكاه ابن المواز عن مالك وأصحابه. وهذا لأنه ابتدأ الصلاة بنية جزمًا والحكم للابتداء (٦). والثاني: أنه لا يجزيه لأنه أتم الصلاة على تردد فتبطل ويجب عليه ابتداء صلاة لا شك فيها.
فصل (حكم مسابقة الإمام ومساواته في تكبيرة الإحرام)
ومن حكم الإمام أن يتقدم في تكبيرة الإحرام، فإن كبر المأموم من قبله فلا تجزيه الصلاة عندنا. ومتى علم بذلك قطع وابتدأ. وهل يقطع بسلام؟ قولان: مذهب الكتاب أنه يقطع بغير سلام (٧) وهذا جواب من لا يراعي الخلاف (٨). وقال سحنون: يقطع بسلام. وهو جواب من يراعي
_________________
(١) في (ت) وضوء.
(٢) في (ق) و(ت) حكم هذا كحكم.
(٣) التبصرة ص: ٥٩.
(٤) ساقط من كل النسخ.
(٥) في (ص) من الواجب.
(٦) في (ق) بنية إجزائها والحكم للابتداء.
(٧) المدونة: ١/ ٦٤.
(٨) في (ق) يقطع بسلام وهذا جواب من يراعي الخلاف.
[ ١ / ٤٠٢ ]
الخلاف. وألزمه أبو الحسن اللخمي أن يقول بصحة صلاته لنفسه لو (١) تمادى على (٢) ذلك الإحرام. وحكي عنه أنه قال: لا تصح الصلاة. قال أبو الحسن: وهذا اختلاف قول، أو أنه بني على مذهب مالك؛ (٣) يعني أنه يقطع بغير سلام. وهذا الذي قاله غير صحيح، وإنما مذهب سحنون أن ذلك التكبير لا يجزي كما قاله جميع أهل المذهب. لكنه يقطعه بسلام، ليس لأنه صحيح في نفسه ولكن مراعاة لمذهب الشافعي القائل بصحته.
وإن تساوى الإمام والمأموم في تكبيرة الإحرام ففي صحة صلاته في المذهب قولان. والقول بالصحة قياسًا على سائر أركان الصلاة، فإنه لو ساواه فيها لم يقل أحد من أهل المذهب ببطلان صلاته. والبطلان هو الصحيح؛ لأن حكم الإمامة يقتضي التقدم. فإذا كبرا معًا لم يحصل التميز الذي يوجبه حكم الإمامة. على أن المساواة في سائر الأركان إنما لم تفسد به الصلاة لأنهم سحبوا حكم السبق في التكبير على سائر (٤) الأركان، وإلا فالقياس يقتضي نفي الصحة.
ولو سبق المأموم الإمام في الأركان كالركوع والسجود، فإن المنصوص في المذهب أمر المأموم بالعودة إلى ما فعله قبل إمامه حتى يكون فاعلًا بعده. فإن لم يفعل (٥) فالمنصوص صحة (٦) الصلاة، وهذا مما ألزمت فيه بعض الأشياخ (٧)، البطلان. لأنه لم يحصل الاقتداء به في الأركان، فالتزموه على القول بأن الحركة إلى الأركان مقصودة. قال: وعلى
_________________
(١) في (ق) ولو.
(٢) في (ص) ولى ذلك.
(٣) التبصرة ص: ٥٩.
(٤) في (ت) لأنهم في حكم المسبق على تكبيرة الإحرام فانبنى عليها سائر.
(٥) في (ص) و(ق) و(ت) يعد.
(٦) في (ق) بطلان وخرم في (ص) و(م). والصواب ما أثبته لأنه قال بعده وهو المنصوص في الروايات.
(٧) في (ت) أشياخي.
[ ١ / ٤٠٣ ]
القول بأن [الحركة إلى الأركان] (١) غير مقصودة تصح الصلاة. وهو معنى ما وقع في الروايات (٢).
فصل (ما قيل في رفع اليدين في الصلاة)
واختلف في رفع اليدين في الصلاة على خمسة أقوال: فقيل: لا يرفع في تكبيرة الإحرام ولا في غيرها. وهذا في مختصر ابن شعبان. وتأوله بعض الأشياخ على المدونة لقوله: وكان رفع اليدين عند مالك ضعيف (٣). لكنه قد نص على ضعفه في غير تكبيرة الإحرام. والقول الثاني: أنه يرفع في تكبيرة الإحرام خاصة. والقول الثالث: أنه يرفع فيها، وفي الرفع من الركوع. والرابع: أنه يرفع فيهما وفي القيام إلى الثالثة (٤). والخامس: أنه يرفع في ذلك وفي الانحطاط إلى الركوع. وقد وردت أحاديث تقتضي هذه الأقوال.
وقد قدمنا أن الرفع من الفضائل. وسببه إما تأهب (٥) لما يقدم عليه من الصلاة ورهبة، وإما نبذ للدنيا على ما نذكره في صفة الرفع. فيمكن أنه - ﷺ - كان يرفع بحسب ما يكون عليه من الأحوال من رغبة أو رهبة، أو ما يخطر بباله من نبذ الدنيا وطرحها. وهذا (٦) خير ما تأولت عليه هذه الأحاديث الواردة المختلفة في صفة الرفع.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) الكتاب.
(٣) المدونة: ١/ ٦٨.
(٤) في (ق) الثانية.
(٥) في (ص) تهيئًا وفي (ت) تهيب وفي (ق) تنبيهًا.
(٦) في (ق) "حين رهب أو خطر بباله طرح الدنيا ونبذها رفع وإلا اكتفى بالتكبير وهذا". وفي (ر) "وطرحها رفع وإلا اكتفى بالتكبيرة وهذا"، وفي (ص) "فإن رعب أو خطر بباله طرح الدنيا ونبذها رفع وإلا اكتفى بتكبيرة وهذا".
[ ١ / ٤٠٤ ]
(ما ورد في صفه الرفع)
وإذا قلنا بالرفع ففي صفته قولان: أحدهما: أنه يبسط يديه فيجعل ظهورهما مما يلي السماء وبطونهما مما يلي الأرض، وهذه صفة الراهب. والثاني: أنه يرفعهما منتصبتين فيجعل أصابعهما مما يلي السماء (١)، وهذه صفة النابذ للدنيا وراء ظهره. واستحسن هذه الصفة المتأخرون؛ لأنه يمكن بها الجمع بين الأحاديث الواردة على منتهى الرفع. وقد اختلف المذهب في منتهاه على قولين: أحدهما: إلى الصدر، والثاني: إلى المنكبين (٢). فقد روي عنه - ﷺ -: "أنه كان يرفع يديه حذو صدره" (٣). وروي "حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ" (٤). وروي عنه "حذو أذنيه" (٥). وقد جمع بين هذه الأحاديث مالك ﵀ فقال: يكون الكوع حذو الصدر وطرف الكف حذو المنكبين والأصابع حذو الأذنين. وهذا إنما يعم على القول بأن الرفع صفته نصب الكفين كما تقدم.
_________________
(١) في الأرض.
(٢) في (ص) و(ق) الكتفين.
(٣) لم أقف على هذا الحديث. وقد أورده صاحب التاج والإكليل ١/ ٥٣٦ على أنه نص سماع أشهب، وذكره ابن جزي في القوانين الفقهية ص:٤٣ قولًا، بصيغة التمريض.
(٤) أخرج البخاري في الأذان ٧٣٥ واللفظ له، ومسلم في الصلاة ٣٩٠ عَنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنكِبَيهِ إذَا افْتَتَحَ الصلاَةَ وَإِذَا كبرَّ لِلرُّكُوع وإذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيضًا وَقَاَلَ: "سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ رَبنا وَلَكَ الحمدُ" وَكَانَ لاَ يَفعَلُ ذلِكَ في السُّجُودِ
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢٢/ ٣٩، والبيهقي في سننه الكبرى ٢/ ٢٥ وقال عقبه: "يزيد بن أبي زياد غير قوي" (يعني الراوي). قال ابن عبد البر في التمهيد ٩/ ٢٢٩: "اختلفت الآثار عن النبي - ﷺ - وعن الصحابة ومن بعدهم في كيفية رفع اليدين في الصلاة؛ فروي عنه - ﷺ - أنه كان يرفع يديه مدًا فوق أذنيه مع رأسه، وروي عنه أنه كان يرفع يديه حذو أذنيه، وروي عنه أنه كان يرفعهما إلى صدره. وكلها آثار محفوظة مشهورة وأثبت شيء في ذلك عند أهل العلم بالحديث حديث ابن عمر هذا وفيه الرفع حذو المنكبين وعليه جمهور الفقهاء بالأمصار وأهل الحديث".
[ ١ / ٤٠٥ ]
فصل (ماذا يفعل بعد التكبير)
وإذا كبر فما يفعل؟ (١) المشهور من المذهب كراهية الدعاء وغير ذلك من الأذكار بين التكبير وأم القرآن، وكذلك لا يقرأ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٢)، ولا يقول: "سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلهَ غيرُك" (٣)، ولا يقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في الفريضة سرًا ولا جهرًا. وقد رويت أحاديث تقتضي الفصل بين التكبير والقراءة ببعض هذه، فأنكرها مالك خيفة أن يُظن وجوب قراءتها (٤) كما تجب قراءة الفاتحة (٥).
لما (٦) روي عنه [من] (٧) أنه كان يقول بعضها. وقوله (٨) في المبسوط إن من جهر بالبسملة (٩) لا شيء عليه، ليس بخلاف كما ظنه أبو الحسن اللخمي، بل نهى في المبسوط (١٠) حرصًا على النفوس من أن تعتقد ذلك
_________________
(١) في (ق) يصنع.
(٢) آل عمران: ٨.
(٣) الترمذي في الصلاة ٢٤٢، والنسائي في الافتتاح ٨٩٩ واللفظ له.
(٤) في (ص) قولها.
(٥) من ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة قال: أحسبه قال: هنية فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد". صحيح البخاري: ١/ ٢٥٩. وقد قال البراذعي في سبب عدم أخذ مالك بهذه الأحاديث؛ إنه لم يكن يعرفها. التهذيب ١/ ٢٣٢. بينما ابن رشد أرجع ذلك إلى الاختلاف في صحة الأحاديث، أو مخالفتها لعمل أهل المدينة بداية المجتهد ١/ ٢٣٥.
(٦) في (ر) و(ت) وما.
(٧) ساقط من (ص).
(٨) في (ر) وله.
(٩) في (م) ظنه بالتسمية.
(١٠) في (ر) المشهور.
[ ١ / ٤٠٦ ]
فرضًا (١)، ولم ير بأسًا على قائله لأنه (٢) ذكر والصلاة محل الأذكار.
باب في أحكام القراءة في الصلاة
والمعروف من المذهب وجوب القراءة في الصلاة. وقد وقع لابن زياد (٣) ما يؤخذ منه أنها لا تجب، لكن كلامه على صلاة من لم يقرأ. ويمكن (٤) أن يحكم بالصحة مراعاة للخلاف. وروي عن عمر ﵁ أنه صلى فلم يقرأ، فقيل له في ذلك، فسأل عن الركوع والسجود هل أكملت؟ فقيل له أكملت، فقال: لا بأس إذًا. وقد تأول المالكية ذلك على أنه أعاد. وهذا بعيد؛ لأنه يبطل معنى سؤاله عن الركوع والسجود. وتأوله الشافعية على أنه ترك الجهر ولم يترك القراءة جملة. وهذا أقرب من التأويل الأول. وإذا قلنا بوجوب القراءة فهي (٥) متعينة عندنا فلا يقوم مقام أم القرآن غيرها.
(ذكر الخلاف في قراءة الفاتحة في الصلاة)
وهل تجب في كل ركعة (٦)؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تجب في كل
_________________
(١) في (ص) فرض.
(٢) في (ص) لكنه.
(٣) في (ت) وقد وقع بلغة لابن زياد. هو: علي بن زياد أبو الحسن التونسي العبسي ثقة مأمون سمع من مالك والثوري والليث بن سعد وغيرهم لم يكن بعصره في أفريقية مثله، سمع منه البهلول بن راشد وشجرة وأسد بن الفرات وسحنون وغيرهم، روى عن مالك الموطأ وهو معلم سحنون الفقه وكان سحنون لا يقدم عليه أحد من أهل أفريقية وكان أهل العلم بالقيروان إذا اختلفوا في مسألة كتبوا بها إلى علي بن زياد ليعلمهم بالصواب وكان خير أهل أفريقية في الضبط للعلم .. ومات علي بن زياد .. سنة ثلاث وثمانين ومائة. انظر الديباج المذهب: ص: ١٩٢ وطبقات الفقهاء ص: ١٥٦ وشجرة النور ٦٠.
(٤) في (ص) أن ما أمكن.
(٥) في (ر) فصل.
(٦) في (ر) الصلاة.
[ ١ / ٤٠٧ ]
ركعة. والثاني: أنها تجب في ركعة واحدة. والثالث: أنها تجب في الجل دون الكل؛ فأما تعينها على الجملة فلقوله - ﷺ -: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام" (١). وقوله - ﷺ -: "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقرَأ بِأُم القُرْآنِ" (٢). وبين الأصوليين خلاف في النفي هل يقتضي [الإجمال] (٣) ويقتضي نفي الصحة أو نفي الكمال (٤) على أقوال بيِانها محال على موضعه. لكن قوله: "لاَ صَلَاة" يحتمل أن يريد به جملة الصلاة فتكون القراءة (٥) في كل ركعة [واحدة] (٦) لازمة (٧). ويحتمل أن يريد الركعة الواحدة لأنها تسمى صلاة. وأما القول بالإجزاء إذا قرأ في الجل؛ فهو بناء على أن الأتباع تقتضي (٨) حكم متبوعها لا حكم نفسها. وفي حديث جابر: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصليها إلا وراء الإمام" (٩). فقد اختلف في رفعه إلى النبي - ﷺ - والصحيح إيقافه على جابر. وبين الأصوليين خلاف في قول الصحابي هل هو حجة أم لا؟
_________________
(١) أخرجه مسلم في الصلاة ٣٩٥، والترمذي في التفسير٢٩٥٣ بلفظ قريب. ولم أقف على هذا اللفظ إلا عند ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ١٩٦ غير مسند، ونيل الأوطار ٢/ ٢٣٤ عزاه إلى البيهقي عن علي مرفوعًا، لكني لم أقف عليه عنده. ولفظ مسلم "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَبِى - ﷺ - قَالَ: "مَن صلى صلاَة لَمْ يَقرَأ فِيهَا بِأُمً القُرْاَنِ فَهِي خِداج ثَلَاثا غَير تَمَام".
(٢) أخرجه البخاري في الأذان ٧٥٦، ومسلم في الصلاة واللفظ له ٣٩٤ عن عبادة بن الصامت.
(٣) ساقط من (ق).
(٤) في (ص) هل يقتضي الإجمال أو نفي الكمال أو نفي الصحة.
(٥) في (ت) الفاتحة.
(٦) ساقط من (ق) و(ص).
(٧) في (ق) لازمه و(ص) جازمه.
(٨) في (ق) و(ص) و(ت) تعطى.
(٩) لم أقف عليه بهذا اللفظ إلا بلقظ قريب عند الترمذي في الصلاة ٣١٣ ومالك في الموطأ ١٨٨ عن جَابِر بن عَبْدِ اللهِ قال: "مَن صَلَّى رَكعَة لَمْ يَقرَأ فِيهَا بِأُمَّ القُرْآنِ فَلَم يُصَلِّ إلاَّ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ". واللفظ للترمذي، وقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".
[ ١ / ٤٠٨ ]
فإذا صلى وترك أم القرآن في جميع الصلاة فقد قدمنا ما في ذلك من الخلاف وبطلانها على المشهور. وإن تركها في ثلاث ركعات أيضًا من الرباعية فالمشهور أيضًا أنها لا تجزيه. وعلى القول بالإجزاء بالأقل (١) تجزيه، وقد نص عليه علي بن زياد. وإن تركها في ركعتين فلا شك على قول ابن زياد في الإجزاء. [وأما على] (٢) المشهور، إن ذكر ذلك بعد الإكمال أعاد بعد أن يسجد لسهوه قبل السلام. والسجود مراعاة لقول (٣) من يقول إنها تجزيه. وإن ذكر ذلك وهو في الصلاة فهل يلغي الركعتين اللتين تركهما فيهما ويبني على ما قرأ فيه أو يتمادى ويعيد. في المذهب قولان؛ فالإلغاء بناء على فرضيتها في الكل أو الجل (٤) وترك مراعاة الخلاف، والتمادي والإعادة بناءً على مراعاة الخلاف. وإن تركها في ركعة من الصلاة الرباعية ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلغي تلك الركعة المتروكة فيها. والثاني: يسجد لسهوه ويكتفي بصلاته. والثالث: أنه يسجد لسهوه ويعيد. والسجود (٥) نص عليه في كتاب ابن المواز. والإلغاء بناء على فرضيتها في كل ركعة من غير مراعاة للخلاف. والاجتزاء بها بناء على فرضيتها في الجل. والتمادي [والإعادة] (٦) بناء على مراعاة الخلاف. لكن يحتمل أن يكون مذهبه في هذا القول أنها تجزيه، ولكن يراعى قول من يقول بعدم الإجزاء فيؤمر بالإعادة، أو يكون مذهبه أنها غير مجزية (٧). لكن يتمادى مراعاة لقول من يقول إنها مجزية (٨).
(ثمرة الخلاف)
ويكون ثمرة الخلاف لو تبين له بطلان إحدى الصلاتين هل يكتفي
_________________
(١) في (ق) بالأول.
(٢) ساقط من (ت).
(٣) في (ص) لخلاف.
(٤) في (ص) و(ت) في الجل والكل.
(٥) في (ت) ويعيد لسجود.
(٦) ساقط من (ق).
(٧) في (ق) مجزية عنه.
(٨) في (ق) لقول من يرى ما تجزي عنه.
[ ١ / ٤٠٩ ]
بالأخرى (١) أو تكون الإعادة في الوقت أو فيه وبعده؟ وعلى القول بالإلغاء هل يكون سجوده قبل السلام أو بعده؟ ينظر؛ فإن جلس بعد ركعتين صحيحتين قرأ فيهما بأم القرآن [وسورة] (٢) فسجوده (٣) بعد السلام لأنه تمخضت له الزيادة بما ألقاه، وإن لم يحصل له الجلوس بعد ركعتين صحيحتين [قرأ فيهما بأم القرآن] (٤) فقد اجتمعت له الزيادة- وهي الركعة الملغية والنقص وهو الجلوس- فيكون سجوده قبل السلام. فهذا أخصر ما قيل [فيه] (٥) من التطويل. وكل (٦) هذا إذا لم يذكر ما ترك من القراءة حتى ركع فرفع رأسه من الركوع. وإن لم يرفع رأسه فهل يعود إلى القيام ويقرأ؟ يجري على القولين في عقد الركعة [ما هو] (٧)؟ هل هو وضع اليدين على الركبتين فلا يعود؟ أو رفع الرأس فيعود؟
وأما إن لم يركع وذكر ذلك بعد ما قرأ السورة فإنه يعود ويقرأ أم القرآن. وهل يعيد قراءة السورة [لوضعها في غير موضعها أو لا إعادة عليه لأنه قرأها؟ قولان. وإذا قلنا يعيد قراءتها هل يسجد أم لا؟ قولان أيضًا. قال سحنون: يسجد لطول القيام (٨). فإذا قلنا لا يعيدها فهل يسجد] (٩) ويعد كالتارك لقراءة السورة لوضعها في غير موضعها أو لا سجود عليه لأنه قد قرأها؟ قولان.
فإن ترك أم القرآن في ركعة من الصلاة الثنائية كالصبح وصلاة المسافر وصلاة الجمعة، في المذهب قولان: أحدهما: أنه كالتارك لقراءتها في شطر
_________________
(١) في (ق) و(ر) وبالإجزاء.
(٢) ساقط من (ق) و(ص).
(٣) في (ت) وسجد، وفي (ر) فسجود.
(٤) ساقط من (ر) و(ق) و(ص).
(٥) ساقط من (ت) و(ص) و(ق).
(٦) في (ص) على.
(٧) ساقط من (ص).
(٨) في (ر) القيام أم لفواته؟ قولان.
(٩) ساقط من (ر) و(ص).
[ ١ / ٤١٠ ]
الصلاة الرباعية لأن نسبة الواحدة من الثانية كنسبة اثنتين إلى [اثنتين] (١) من الرباعية. والثاني: أنه كالتارك لقراءتها في ركعة من الرباعية.
والاختلاف في هذا اختلاف في النظر إلى الركعة في نفسها، أو نسبتها إلى ما معها من الركعات؛ فإن نظر إليها في نفسها فهي يسيرة (٢) وإن نظر إليها بالنسبة إلى ما معها فهي كثيرة (٣).
فصل (فيمن ترك السورة في الركعتين الأوليين)
وأما السورة التي مع أم القرآن في الركعتين الأوليين فقد تقدم أنها من السنن. وحكى أبو الحسن اللخمي عن المذهب قولين آخرين: أحدهما: أنها واجبة. والثاني: أنها مستحبة (٤). وهذا لا نجده في المذهب، وإنما عوَّل في الوجوب على ما نذكره من إعادة الصلاة لتركها عمدًا، وإن كان بعد الوقت. والاستحباب على سقوط السجود في تركها. وتركها (٥) لا يخلو من ثلاثة أقسام:
إما أن يكون عمدًا؛ ففي المذهب ثلاثة أقوال: المشهور: صحة صلاته ولا سجود عليه، بل يؤمر أن يستغفر لينوب (٦) له ثواب الاستغفار على ما فاته من تركها. والقول الثاني: أنه يعيد وإن خرج الوقت. وهذا بناءً على أن من ترك السنن عامدًا يجب عليه الإعادة أبدًا. والقول الثالث: أنه يسجد قبل السلام كالتارك لها ناسيًا (٧). وهذا لأنه يرى أن السجود ورد في
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) كثيرة.
(٣) في (ق) يسيرة.
(٤) التبصرة ص: ٦٢.
(٥) في (ت) وتاركها.
(٦) في (ق) ليست له ثواب، وفي (ر) ليتوب.
(٧) في (ق) لما نساها.
[ ١ / ٤١١ ]
الناسي تنبيهًا على أن العامد أحرى وأولى أن يتدارك الترك بالسجود. وإما أْن يكون سهوًا فالمشهور الأمر بالسجود قبل السلام. وفي مختصر ابن شعبان: لا سجود عليه. ومنه أخذ أبو الحسن اللخمي الاستحباب. ويحتمل أن يكون بناء على ما قاله [أولًا] (١) أو لأن السجود لم يرد في ذلك، ولا يتعدى به ما ورد فيه. وهذا هو الظاهر، وهو قول [مالك] (٢) والشافعي. وإما أن يكون جهلًا. وفي الجاهل قولان: هل هو كالعامد أو كالناسي؟ والمشهور أن قراءة غير أم القرآن في الركعتين الآخرتين لا تستحب. ومن قرأ بغير أم القرآن فيهما لم يكن عليه السجود ولا غيره. ووقع لمحمد بن عبد الحكم ما يقتضي استحباب القراءة. ولعله يرى أن الصلوات محل الأذكار، والقراءة من أفضل الأذكار. وتكثيرها في الصلاة مأمور به ما لم يؤد إلى التطويل المخرج للصلاة عن بابها.
فصل (هل يؤمن الإمام)
ويؤمر (٣) الفذ والمأموم عند ختم أم القرآن بأن يقول: "آمين" بلا خلاف. وهل يؤمن الإمام؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يؤمن، والشاذ أنه يؤمن.
وسبب الخلاف اختلاف ظواهر [الآثار] (٤). وثبت عنه - ﷺ - أنه قال: "فإذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين" (٥). وهذا يقتضي ظاهره أن الإمام
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ت).
(٢) ساقط من (ص) و(ق) و(ت).
(٣) في (ت) ويؤمن.
(٤) ساقط من (ق) و(ت).
(٥) أخرجه البخاري في الأذان ٧٨٢ واللفظ له، ومسلم في الصلاة ٤١٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "إِذَا قَال الإِمَامُ: غيرِ المغضُوبِ علَيهِم وَلاَ الضَّالينَ، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإنَّهُ مَن وَافَقَ قَولُهْ قَولَ المَلَاِئكَةِ غُفِرَ لَه مَا تَقَدمَ من ذَنْبِهِ".
[ ١ / ٤١٢ ]
لا يؤمِّن. وثبت عنه - ﷺ - أنه قال: "إِذَا أَمَّنَ الأِمَامُ فَأمَّنُوا" (١). وظاهره أن الإمام يؤمَّن. وقد تؤول الأول على أن المقصود به بيان محل تأمين المأموم. وأنه بعد قول الإمام "ولا الضالين" لا بعد تأمين الإمام. فعلى هذا لا تكون فيه حجة على أن الإمام لا يؤمن. وتؤول الثاني على أن معناه إذا بلغ الإمام التأمين لا أنه يؤمن (٢). والصحيح عند المتأخرين أن الإمام يؤمن لقول ابن شهاب: "وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: آمِينَ" (٣). هذا وإن كان من المراسيل، فإن الصحيح عند الأصوليين القول بها لا سيما مراسيل مثل ابن شهاب.
(ما يقول المصلي عند الرفع من الركوع)
وينخرط في سلك هذا الخلاف في قول: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". ولمالك في ذلك قولان. وقد روي أن الرسول - ﷺ - كان يقول ذلك (٤). وفي كتاب مسلم عنه - ﷺ - أنه كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ملئ السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٥). وما وقع لمالك من كراهية أن يقول المصلي: "حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه" (٦). فإنما كرهه لئلا يعتقد أنه من فروض الصلاة أو من فضائلها. وما ورد لابن شعبان من أن
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان ٧٨٠، ومسلم في الصلاة ٤١٠ عن أبي هريرة.
(٢) في (ت) لا أنه لا يؤمن.
(٣) البخاري في الأذان ٧٨٠.
(٤) البخاري في الأذان ٦٨٩.
(٥) لمِ أقف عليه بهذا اللفظ، ولفظ مسلم في الصلاة ٤٧١ حَدَّثَنَا شُعبَةُ عَنِ الْحَكم قَالَه غَلبَ عَلَى الكُوفَةِ رَجُلٌ قَدْ سَمَّاهُ زَمَنَ ابْن الأَشْعَثِ فَأَمَرَ أَبا عُبَيد بن عبدِ اللهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَاسِ فَكَانَ يُصَلِّي فَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ قَدْرَ مَا أَقُولُ: اللهُمَّ رَّبَنا لَكَ الحَمْدُ مِلءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلءُ الأَرضِ وَمِلءُ مَا شِئتَ من شيء بعدُ أَهلَ الثناءِ وَالمَجدِ لاَ مَانِع لِمَا أَعطَيْتَ وَلاَ مُعطِي لِمَا مَنَعتَ وَلاَ ينْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ.
(٦) في (ق) مباركا ثبت.
[ ١ / ٤١٣ ]
قائل ذلك تبطل صلاته لا معنى له، لما ثبت عنه - ﷺ - من الثناء، على قائل ذلك. وهل يقول المأموم والفذ والإمام على أحد القولين: "ربنا لك الحمد"، أو "ربنا ولك الحمد" بزيادة الواو، أو هو مخيّر في ذلك؟ واختلفت الروايات عن مالك في ذلك أيهما المستحب؟ فاستحب في رواية ابن القاسم زيادة الواو، وفي رواية إسقاطها. وهو على الخلاف في معنى قول الإمام: سمع الله لمن حمده؛ هل هو دعاء فيكون المستحب إضافة الواو لأن معنى ذلك: اللهم استجيب لنا ولك الحمد على استجابتك، [أو كأنه خبر] (١) فكانه يقول الله سامع لمن حمده فلا يضاف الواو؛ لأن معنى ذلك مجرد التحميد من غير دعاء ولا حمد على الاستجابة (٢).
باب في حكم من جاء والإمام راكع
والمطلوب في حق هذا إدراك الركعة والوصول إلى الصف. وقد اختلف المذهب إذا لم يمكنه الإتيان بهما أيهما الأوْلى؟ فقيل إدراك الركعة هو المقدم، فيركع حيث انتهى. وقيل: إدراك الصف هو المقدم، فلا يركع إلا أن يدرك الصف. وإذا أمرناه بالركوع فهل يدب إلى الصف؟ أما إن بعد فلا يدب إليه، وأما إن قرب دب إليه.
ومتى يفعل ذلك هل في حالة الركوع أو بعد رفع رأسه منه؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يدب راكعًا كي (٣) لا يرفع الإمام رأسه وهو غير مستو في الصف. والثاني: أنه يدب بعد رفع رأسه؛ لأن فعل ذلك راكعًا مما يشق، وقد يشوش المشي على حالة الركوع.
وما حدّ القرب في المذهب روايتان (٤): إحداهما: أنه الصفان.
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ق).
(٢) في (ق) الاستحباب.
(٣) في (ص) و(ق) و(ت) لئلا.
(٤) في (ق) قولان.
[ ١ / ٤١٤ ]
والثانية: أنه ثلاثة صفوف. وظنه أبو الحسن خلافًا، وليس كذلك؛ بل المقصود جواز الندب إذا كان قريبًا، والاثنان (١) من الثلاثة قريب، ولا أصل للتحديد إلا ما يعد قريبًا.
باب في أحكام الركوع والسجود والجلوس.
وقد قدمنا الخلاف في الطمأنينة في أركان الصلاة هل هي فرض أو سنة. وسبب الخلاف تعارض قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢). وقوله - ﷺ - للأعرابي: "ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا واجلس حتى تطمئن جالسًا فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" (٣). وبين الأصوليين خلاف في الألفاظ هل تطلق على أوائل الأسماء أو على أواخرها؛ فإن قلنا بانطلاقها على أواخر الأسماء كانت الآية والحديث متفقين. وإن قلنا بانطلاقها على الأوائل فيجزي أقل (٤) ما يقع عليه اسم ركوع بظاهر الآية ويعارضها نص الخبر، وهو من أخبار الآحاد. وبين الأصوليين خلاف في المقدم منها.
وكذلك الخلاف في الاعتدال في الرفع من الركوع والسجود هل يجب أم لا على هذا؟
وإذا قلنا بوجوب الطمأنينة فما مقدارها؟ هو أن تستقر الأعضاء في أماكنها وتسكن (٥). وإذا حصل ذلك وزاد المكلف عليه فهل تعد الزيادة
_________________
(١) في (ق) الإتيان.
(٢) الحج: ٧٧.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، والذي عند البخاري في الأذان ٧٥٧ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مرفوعًا وفيه: "ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعِ حَتى تَعْدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسجُد حَتى تَطمئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطمَئِنْ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاِتكَ كُلَّهَا".
(٤) في (ت) أول.
(٥) زيادة في (ر) غير واضحة.
[ ١ / ٤١٥ ]
فرضًا لأنها من جنس الفرض ولا فاصل أو تعد نفلًا لأن الفرض ما لا يسوغ تركه؟ وهذا مما لو تركه لم يأثم في ذلك، قولان. وهذا النظر في المقدار المجزي من الركوع والسجود والاعتدال منهما.
ويسجد على الأنف والجبهة جميعًا، فإن اقتصر على أحدهما ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجزي إلا السجود عليهما جميعًا لقوله - ﷺ -: "أُمِرْتُ أَن أَسجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ" (١). فذكر الجبهة، وأشار إلى الأنف. والثاني: إجزاء أحدهما عن الآخر. والثالث: إجزاء الجبهة عن الأنف دون الأنف عن الجبهة. والقولان مبنيان على أن الأمر هل ينطلق على المندوب؟ وقوله - ﷺ -: "أُمِرْتُ" يحتمل أن يريد [أمرت] (٢) ندبًا، والذمم على البراءة فلا تعمر إلا بيقين (٣). لكن التفرقة لأن الوجه (٤) على الجملة به تحصل حقيقة السجود. وفي الحديث: "عفر وجهك (٥) في التراب" (٦). وتخصيص الجبهة يدل على أن السجود على الأنف غير واجب.
وأما مقدار الكمال في الركوع والسجود فهي (٧) في الركوع انتصاب الظهر بعد انحنائه ومساواة الرأس حتى لو مُدَّ خيط مستقيم على الظهر والرأس لمُدَّ. ووضع اليدين على الركبتين. وهو في السجود أن يسجد على الرجلين والركبتين والكفين والأنف والجبهة، ويفرج بين بطنه وفخذيه، ويجافي بضبعيه وهما عضداه ومرفقاه عن جنبيه. ومن أهل المذهب من لا يستحب التفريج للمرأة لأن تركه لها (٨) أستر بخلاف الرجال.
وأين يضع يديه في سجوده؟ لم يحد مالك في ذلك حدًّا. وروي عن
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان ٨١٢، ومسلم في الصلاة ٤٩٠عن ابن عباس.
(٢) ساقظ من (ر).
(٣) في (ق) و(ص) بالأقل.
(٤) في (ت) بين الأنف والجبهة، وفي (ر) بين الأنف والوجه لأن الوجه.
(٥) في (ت) و(ص) جبهتك.
(٦) لم أقف عليه ولو مع اعتبار الفرق بين النسخ المخطوطة.
(٧) في (ص) و(ق) فهو.
(٨) في (ق) تركه للمرأة.
[ ١ / ٤١٦ ]
رسول الله - ﷺ - أنه كان يسجد بين كفيه، واستحب ذلك المتأخرون من أهل المذهب.
فصل (في هيئة الجلوس)
وهيئة الجلوس (١) عندنا على صفة واحدة في الجلسة الوسطى والآخرة وبين السجدتين. وهو التورك فيفضي بإليتيه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويجعل باطن إبهامها (٢) مما يلي الأرض، ويثني اليسرى، ويضع يديه على ركبتيه. أما في جلوسه بين السجدتين فيضعهما مبسوطتين. وأما في جلوسه للتشهدين فيبسط اليسرى ويقبض اليمنى. وصورة ما يفعل أن يقبض ثلاثة أصابع وهي الوسطى والخنصر وما بينهما، ويبسط المسبحة، ويجعل جانبها مما يلي السماء، ويمد الإبهام على الوسطى، وهذا كالعاقد (٣) ثلاثة [وعشرين] (٤). وهل يشير بالمسبحة أو يمدها غير محرك لها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه يشير بها. فقيل المراد بذلك طرد الشياطين وقمعها. وهذا أيضًا تحقيق معناه أنه يقرر (٥) على نفسه
_________________
(١) في (ر) السجود.
(٢) في (ر) بهمها.
(٣) يقصد حساب العقود وهو: عبارة عن إشارات بالأصابع تدل كل واحدة منها على عدد معين وقد وضعت لتسهيل التواصل بين الناس، خاصة التجار منهم، سيما عند استعجام كل من المتبايعين لسان الآخر. وكان هذا العلم يستعمله الصحابة ﵃ كما وقع في الحديث في كيفية وضع اليد على الفخذ في التشهد وفيه أنه عقد خمسا وخمسين وأراد بذلك هيئة وضع الاصابع لأن هيئة عقد خمس وخمسين في علم العقود هي عقد اصابع اليد غير السبابة والابهام وتحليق الابهام معها وهذا الشكل في العلم المذكور قال على العدد المرقوم. انظر أبجد العلوم ٢/ ٢٤٣ وكشف الظنون ١/ ٦٦٤.
(٤) ساقط من (ص).
(٥) في (ر) يفرق.
[ ١ / ٤١٧ ]
ما يذكر من التشهد (١). ويذكرها بالتقصير عن معاني ما يذكره ويمنعها أيضًا من الغفلة عن ذلك. والقول الثاني: أنه [يبسط (٢) مسبحته (٣) غير محرك (٤) لها. قيل المراد بذلك الإشارة إلى الوحدانية. والقول الثالث: أنه] (٥) يبسطها موحدًا إلى أن يبلغ قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" فيشير بأصبعه مقررًا على نفسه جميع ما يلزمه الإيمان به. وهذا كله لا ينبغي أن يعد خلافًا، وإنما يعد هيئات (٦). وهي عنوان على ما في الباطن فيعتقد (٧) الإنسان منها بقدر ما يكون في باطنه في تلك الحالة من التقرير على النفس، والإشارة إلى التوحيد أو تنبيه النفس على الغفلة عن الذكر.
باب في أحكام الناعس والغافل والزاحم (٨)
وقد قدمنا أن المشروع متابعة (٩) الإمام لا مسابقته ولا مقارنته. وذكرنا حكم المسابقة والمساواة في تكبيرة الإحرام، وحكمها فيما عدا ذلك من الأركان. والمتابعة (١٠) أن يفعل المأموم الأركان عقيب فعل الإمام. فإن لم يمكنه ذلك لأنه نعس نعاسًا لا ينقض وضوءه أو زوحم أو غفل، فلا يخلو أن يطرأ له ذلك بعد أن عقد الركوع وعند أخذ الإمام في السجود، أو قبل
_________________
(١) في (ر) التشهدين.
(٢) في (ق) يسقط.
(٣) في (ر) مسبحة.
(٤) في (ر) محركة.
(٥) ساقط من (ص).
(٦) في (ت) وإنما هذه صفات وفي (ق) و(ص) وإنما هذه مهيئات.
(٧) في (ق) و(ص) فيفعل.
(٨) في (ص) المزاحم.
(٩) في (ت) و(ق) مساواة.
(١٠) في (ق) و(ص) و(ت) والمساواة.
[ ١ / ٤١٨ ]
أن يعقد مع الإمام الركوع؛ فإن طرأ له بعد أن عقد الركوع فهاهنا يتبع الإمام في السجود ما لم يعقد الإمام الركعة الثانية.
وفي عقدها قولان: أحدهما: أنه رفع الرأس منها. والثاني: أنه وضع اليدين على الركبتين. وإن طرأ له ذلك قبل أن يعقد معه الركوع؛ فأما الناعس والغافل ففي تلافي ما فاته من الركوع ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يتلافى بوجه، صحت له مع الإمام ركعة أو لم تصح. لأن المشروع أن يفعل عقيب الإمام، وهذا قد تأخر عنه. وانشغاله بتلافي ما مضى مخالفة عليه. وإنما يشتغل باتباعه فيما يأتي به.
والقول الثاني: أنه يتبعه، صحت له مع الإمام ركعة أم لا. وهذا بناء على أن المتابعة (١) إنما تلزم مع القدرة عليها. فإن (٢) لم يتبعه فيصير زائدًا في صلاته زيادة مستغنى عنها. وكأن هذين القولين مبنيان على تقابل مكروهين: أحدهما: مخالفة الإمام، والثاني: محاذرة زيادة مستغنى عنها.
والقول الثالث: أنه إن عقد مع الإمام ركعة بسجدتيها اتبعه لأنه بانعقادها تنسحب عليها حرمة الجماعة. وإن لم يعقد معه ركعة [بسجدتيها] (٣) فلا يتبعه؛ لأن حرمة الجماعة غير حاصلة. وهذا مذهب الكتاب.
وإذا قلنا إنه يتبعه فإلى أي مكان؟ في المذهب قولان: أحدهما: ما لم يرفع رأسه من السجود. والثاني: ما لم يعقد (٤) الركعة الثانية.
وسبب الخلاف هل القيام فرض في حق المأموم وإنما يسقط عنه إذا كان مسبوقًا للضرورة (٥) فيتبعه هاهنا ما لم يرفع رأسه من السجود؟ أو القيام
_________________
(١) في (ق) و(ص) و(ت) المساواة.
(٢) في (ر) ولو.
(٣) ساقط من (ق) و(ص) و(ت).
(٤) في (ت) ما لم يرفع بعقد.
(٥) في (ر) للضرورة عليه.
[ ١ / ٤١٩ ]
في حقه غير فرض للاتفاق على إدراك المسبوق فيتبعه هاهنا ما لم يعقد الركعة الثانية؟
وإذا قلنا إنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من السجود فهل المراد بذلك السجدتان جميعًا أو السجدة الأولى؟ الظاهر من المذهب أنهما جميعًا. وقال بعض المتأخرين من الأندلسيين المراد السجدة الأولى؛ لأنه إذا رفع رأسه منها حال بينه وبين الاتباع فرض كامل وهو أحد السجدتين. وإذا قلنا إنه يتبعه ما لم يعقد الركعة الثانية فهل عقدها وضع اليدين على الركبتين أو رفع الرأس منها؟ قولان متقدمان (١).
(حكم الزاحم)
وأما الزاحم ففيه قولان: أحدهما: أنه معذور كالغافل والناعس، بل عذره أظهر إذ لا مبدأ (٢) تفريط عنده. والثاني: أنه غير معذور فلا يتبعه بوجه. وهذا بناء على ما قدمناه من أن الحاضر العقل المتلقي للخطاب لا يتعذر الفعل عليه وهذا إشارة إلى جواز تكليف ما لا يطاق. وقد قدمنا الخلاف فيمن أهريق ماؤه، هل يكون بمنزلة الناسي أو بمنزلة العامد؟ وكذلك المفرق ناسيًا إذا ذكر فطال طلبه للماء.
باب في صفة أداء الصلاة
ويؤمر المصلي بالخشوعِ باطنًا وظاهرًا، وإكمالِ (٣) الأركان، وتحسينِ السنن (٤) والفضائل، وملازمةِ الهيئات. على أن مالكًا كثيرًا ما كان يهرب من التحديدات التي لم يشتهر كونها فضيلة أو سنة (٥). ويحاذر أيضًا من ظهور
_________________
(١) في (ت) القولان فالمتقدمان وفي (ق) و(ر) فالقولان المتقدمان.
(٢) في (ق) و(ص) إذ لا مبادئ.
(٣) في ص: بإكمال.
(٤) في ص: الصلاة والفضائل.
(٥) في (ر) وهبة.
[ ١ / ٤٢٠ ]
الخشوع على الظاهر دون الباطن. ولهذا لم يحد أين يضع [المصلي] (١) بصره. وأنكر وضع اليدين إحداهما على الأخرى في القيام في الفرائض، وأجازه فيما إذا طال القيام في النوافل. ولم يحد في البداية عند الانحطاط إلى السجود حدًّا. وحكي في كتاب ابن حبيب أن ابن عمر كان يبتدئ (٢) بوضع ركبتيه على الأرض ثم يديه (٣). وفي المبسوط استحباب الابتداء باليدين قبل الركبتين. قال الأشياخ: وهو أقرب إلى الخشوع. وقد وقع في المذهب أيضًا خلاف؛ هل يستحب الاعتماد على اليدين عند القيام إلى الثانية والرابعة لأنه أقرب إلى الخشوع، أو لا يستحب ذلك إذ لا تحديد ثابت فيه يقتضي كراهية غيره. ومن التواضع وضع أعز الأعضاء على الأرض وهي الجبهة والأنف. وفي معنى الأرض كل ما تنبته مما لا يقصد به الترفه.
وقد اختلف في ثياب الكتان والقطن، هل يكره وضع الجبهة والكفين عليهما لأنهما خرجا بالصنعة عما تنبته الأرض، أو لا يكره ذلك التفاتًا إلى أصلهما؟ وقال المحققون من المتأخرين: إذا كان الأصل كراهية الرفاهية فكل ما فيه ترفه ولو كان مما تنبته الأرض كحصر السمان فإنه يكره، وكل ما لا ترفه فيه فإنه لا يكره. وإن كان مما لا تنبته الأرض كالصوف وما يصنع منه مما لا يخرج إلى ما يقصد به الترفه. وهذا إنما يكره في حق الوجه والكفين، وأما غيرهما من الأعضاء فيجوز أن يضعه على كل طاهر. والفرق أن الخشوع والتذلل يحصل بوضع الوجه واليدين على الأرض وما في معناها. وأما غير ذلك من الأعضاء فالرجلان مما لا خشوع (٤) في وضعهما على الأرض. والركبتان مما شرع سترهما، وعلى هذه الأعضاء السجود. والأصل في هذا المعنى الذي قدمناه كون المسجد الحرام محصبًا من غير حائل بين المصلي وبين الأرض. وقوله - ﷺ -:"عفر وجهك (٥) في
_________________
(١) ساقط من (ص) و(ر).
(٢) في (ر) يهتدي.
(٣) النوادر والزيادات: ١/ ١٨٣.
(٤) في (ر): لا خضوع.
(٥) في (ت) جبهتك.
[ ١ / ٤٢١ ]
الأرض" (١). ويكره ستر اليدين بالكمين في السجود إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة من حر أو برد.
فصل (حكم السجود على كور العمامة)
ويكره السجود على كور العمامة؛ وهو طاقتها. فإن سجد عليها فلا تبطل صلاته إلا أن تكثر الطاقة جدًا بحيث تكون كالحائل بين الوجه وبين الأرض، فيصير كأنه أومأ، وفرضه السجود فتبطل صلاته.
فصل (في حكم من اعتمد على حائط أو عصا)
ومن صفة الأداء أن لا يعتمد (٢) على حائط أو عصا في قيامه وجلوسه، فإن اعتمد على ذلك فإن كان اعتماده بحيث لو أزيل المعتمد عليه لسقط بطلت صلاته. لأنه لم يأت بحقيقة القيام ولا الجلوس. وإن كان بحيث لو أزيل لم يسقط صحت صلاته على كراهية (٣) فيها. وهذا في حق من يفرض عليه القيام؛ وهو القادر عليه في صلاة (٤) الفرض. وأما من يعجز عن القيام أو الجلوس إلا معتمدًا ففرضه الاعتماد، وله الجلوس مع الاختيار في النافلة (٥)، فأحرى أن يجوز له القيام معتمدًا. لكن في المذهب قولان: هل يجوز له الاضطجاع في النافلة مع القدرة على الجلوس؟ فعلى
_________________
(١) لم أقف عليه ولو مع اعتبار الفرق بين النسختين المخطوطتين.
(٢) في (ق) يتكئ.
(٣) في (ق) لا عن كراهة.
(٤) في (ق) و(ص) والصلاة فرض.
(٥) في (ق) النافلة مع القدرة على الجلوس إلا أن يقال إن النافلة محل الرخص، وهذا منه.
[ ١ / ٤٢٢ ]
القول بجواز ذلك لا شك في جواز الاعتماد في الجلوس، وعلى القول بمنع الاضطجاع مع الاختيار قد يمنع الاعتماد في الجلوس. إلا أن يقال إن النافلة محل الرخص وهذا منه. وإنما الخلاف في جواز الاضطجاع، فيه (١) خلاف في وروده على ما سيأتي بيانه.
باب في أحكام المريض
وقد قدمنا تحديد الفروض جملةً وتفصيلًا، وذلك في حق القادر. وأما العاجز فقد ذكرنا حكمه في التكبير والقراءة، وأما غير ذلك من الأركان فإن عجز عن جميعها بالمرض أو ما في معناه، فلا يخلو من أن يقدر على حركة بعض أعضائه، كرأسه أو يديه أو حاجبه أو غير ذلك من الأعضاء، فهذا لا خلاف أنه يصلي، ويؤمر بما قدر على حركته. وإن عجز عن جميع الحركات ولم يبق له سوى النية بالقلب فهذه الصورة لا نص فيها في المذهب. وأوجب الشافعي عليه إيجاب القصد إلى الصلاة بقلبه لأن روح الصلاة القصد [وبه تتم] (٢). فمقصودها حالة تحصل بالقلب.
وأسقط أبو حنيفة الصلاة عن من وصل إلى هذه الحالة. لأن الصلاة أقوال وأفعال، والنية قصد إلى التقرب بالأقوال والأفعال. فإذا عجز عن التقرب بها فلا مقصود هاهنا يتميز بالنية.
وقد طال بحثنا عن مقتضى المذهب في هذه المسألة. والذي عولنا عليه في المذاكرات موافقة مذهب الشافعي مع العجز عن نص يقتضيه في المذهب. فالمسالة في غاية الإشكال من [جهة أن التكليف لا يمكن إلا متمكنًا ولا يقع التكليف إلا بممكن (٣). ولكن] (٤) الاحتياط مذهب الشافعي،
_________________
(١) في (ر) و(ق) و(ت) فيهما.
(٢) ساقط من (ق) و(ص).
(٣) في (ر): متمعن.
(٤) ساقط من (ت) و(ص).
[ ١ / ٤٢٣ ]
والرجوع إلى براءة الذمة هو مقتضى مذهب أبي حنيفة. ولا يبعد أن يختلف المذهب في هذه المسألة [وإن وجد فيها نص] (١).
وإن قدر على بعض الأركان دون بعض أتى بالمقدور عليه وسقط عنه المعجوز عنه. لكن اختلف الأشياخ في من قدر على القيام فإن ركع وسجد لم يقدر على النهوض إلى القيام في باقي الركعات، وإن أومأ استمر على القيام؛ فقال بعضهم: يركع ويسجد ويسقط عنه القيام في باقي الصلاة؛ لأن الركوع والسجود فرض وله حق السبق في الحال، فلا يسقطه (٢) القيام. وفيه خلاف هل هو فرض لنفسه أو للقراءة. وفي القراءة خلاف هل هي فرض أم لا؟
وقال بعضهم: بل يكمل صلاته إيماء لأنه يأتي بالبدل عن الركوع والسجود وهو الإيماء، والقيام لا بدل عنه، لأن الجلوس حالة من أحوال الصلاة، وليس من جنس القيام بسبيل. وعلى هذا الرأي يركع ويسجد في الركعة الآخرة لأنه لا يجب عليه القيام فيعود إليه.
ولو قدر على القيام والجلوس ولم يقدر على الركوع والسجود جملة؛ فإنه يومئ للركوع والسجود. وكيف صفة إيمائه؟ قال الأشياخ: يومئ للسجدة الأولى (٣) من القيام وللسجدة الثانية من الجلوس إن أمكنه ذلك. وهذا لأنه يخر إلى السجدة الأولى من قيام، فيفعل في الإيماء ما كان يفعله في السجود. وهل عليه أن يبلغ في الإيماء منتهى وسعه؟ ظاهر المذهب على قولين: أحدهما: أنه ليس عليه ذلك. وأخذ من قوله في الكتاب: ويجعل إيماؤه للسجود أخفض منه للركوع (٤) والثاني: عليه استيفاء ما في وسعه. وأجرى أبو الحسن اللخمي هذا الخلاف على الخلاف في الحركة إلى الأركان. وهل هي مقصودة أم لا؟ وفي ذلك نظر لأن المطلوب هاهنا
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ق) و(ص).
(٢) في (ر) يسقط.
(٣) في (ر) بسجود الأول وفي (ق) بالسجد الأول.
(٤) المدونة ١/ ٧٧.
[ ١ / ٤٢٤ ]
إيماء يكون (١) عوضًا عما عجز عنه. وقد عجز عن كمال السجود فيطالب بكمال الإيماء. وكماله هو المعنى المفروض كنفس السجود، وليس هو في حق هذا كالحركة إلى الأركان، بل هو الركن في نفسه. والذي في الكتاب إنما ذكر فيه أن يفرق فيه بين الإيماء للركوع وبين الإيماء للسجود. فيمكن أن يريد أنه يبلغ وسعه في إيمائه إلى السجود ويقصر عن ذلك في الركوع للفرق بين الركعتين مما كان في المنزلة [لو كان صحيحًا] (٢).
فصل (في المريض يصلي حسب ما تيسر له)
ويصلي المريض بحسب ما يمكنه ويتدرج في إسقاط الفروض والسنن والفضائل بحسب ما تدعو الضرورة إلى إسقاطها. فإن قدر على القيام لكن عجز عن تطويل القراءة (٣) في الصبح والظهر مثلًا، فيصلي بأم القرآن وسورة [من] (٤) القصار (٥) أو بأم القرآن خاصة. فإن عجز عن كمال القيام بأم القرآن (٦)، فهاهنا مقتضى الروايات أنه ينتقل إلى الجلوس. وهذا ظاهر على القول بأن قراءة أم القرآن فرض في كل ركعة. وأما على القول بأنها فرض في ركعة واحدة فإنه ينبغي أن يقوم بمقدار ما يمكنه إلا في ركعة (٧) واحدة فإنه يجلس ليأتي بأم القرآن.
لكن اختلف المذهب هل القيام مقصود لنفسه وعليه يتخرج ما قلناه، أو هو مقصود للقراءة فإذا لم يمكن (٨) الإتيان بها سقط؟ وهكذا يجري الأمر
_________________
(١) في (ق) و(ص) و(ت): إنما يكون.
(٢) ساقط من (ق) و(ص).
(٣) في (ت) القيام.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ص) والسور القصار.
(٦) في (ر) عن القيام لكمال أم القرآن.
(٧) في (ت) إلا في مقدار ركعة واحدة.
(٨) في (ق) لم يكن.
[ ١ / ٤٢٥ ]
إن قلنا إن القراءة فرض في الجل فيختلف في الأقل على حسب ما بيناه (١).
ولو عجز عن القيام إلا متوكئًا ففرضه (٢) التوكؤ. فإن جلس أعاد أبدًا ولو عجز عن الجلوس إلا مستندًا ففرضه الاستناد. فإن اضطجع أعاد أبدًا (٣).
وفي الكتاب لا يستند بحائض ولا جنب (٤)، فإن فعل أعاد في الوقت. واختلف في علة ذلك. فقال أبو محمد بن أبي زيد إنما هذا إذا (٥) كان في ثيابهما وأبدانهما نجاسة. وعلى هذا لا فرق بين الحائض والجنب وغيرهما. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: إنما ذلك لأنهما معينات للمصلي. فيستحب أن يكون المعين على أكمل الأحوال، كما يؤمر حامل الجنازة بأن يتوضأ ليكون على (٦) أكمل الأحوال. وألزم على هذا ألا يستند إلا إلى متوضئ. والظاهر أنه خص الجنب والحائض بالكراهية لمخالفتهم حالة (٧) المصلي. فإن استند بهما فقد صار مرتكبًا لنهي الكراهية. فيتلافى (٨) ارتكابه لذلك بأن يعيد في الوقت استحبابًا. وأجاز أشهب الاستناد إلى الحائض والجنب. وعلى طريقة (٩) أبي محمد ابن أبي زيد لا يعد خلافًا لأن معنى الإجازة إذا لم تكن معهما نجاسة، وعلى الطريقة الأخرى يكون خلافًا.
_________________
(١) في (ق) ولا على حساب ما قلناه.
(٢) في (ت) لكان فرصة.
(٣) في (ر) أبدا ولو عجز عن الجلوس.
(٤) المدونة: ١/ ٧٧.
(٥) في (ت) إنما كره هذا إذا.
(٦) في (ق) كحامل الجنازة فإنه يلقي الوضوء وقد ألزم على.
(٧) في (ق) و(ص) و(ت) لبعدهما عن حال.
(٨) في (ر) فيبتلا في ارتكابه.
(٩) في (ت) والجنب على قول ابن مسلمة أن المؤمن لا يجلس وأما على طريقة، وفي (ر) والجنب فعلى طريقة.
[ ١ / ٤٢٦ ]
(كيف يستلقي المريض في صلاته)
وإن لم يقدر إلا على الاستلقاء بالأرض فيصلي مستلقيًا. وكيف صفته؟ فيه قولان: فقيل يبدأ بجنبه الأيمن تعويلًا على قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (١)، وحمل الذكر هاهنا على الصلاة، وقياسًا على الدفن. وقيل يبدأ بالاستلقاء على الظهر ويجعل رجليه مما يلي القبلة حتى لو أقيم لكان مستقبلًا. وهذا لأنه يشير برأسه ويديه. وبهذه الصورة تحصل الإشارة إلى القبلة. ويحمل قائل هذا الذكر (٢) [في الآية] (٣) على أنه في غير الصلاة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ (٤)، وظاهره ذكر بعد انقضاء الصلاة.
وإذا قلنا إنه يبتدئ بالجانب الأيمن فإن لم يستطع فهل يصلي مستلقيًا على ظهره لما قلنا من حصول الإشارة إلى القبلة أو على الجانب الأيسر لاشتمال الآية في أحد التأويلين عليه؟ في ذلك قولان.
ومتى افتتح الصلاة على صورة الكمال فطرأ له العجز أو بالعكس أتم على حسب ما عادت إليه حالته بلا خلاف عندنا. وإن عجز عن استقبال القبلة بنفسه حُوِّلَ إليها، فإن عجز عن تحويله سقط حكم الاستقبال في حقه كالمسايف. وفي الكتاب إذا صلى إلى غير القبلة أعاد ما دام في الوقت بمنزلة الصحيح (٥). فأما من صلى (٦) وهو قادر على التحويل أو التحول فينبغي أن يعيد أبدًا. وأما من لم يقدر على ذلك لفقد من يحوله فينبغي أن يختلف في إعادته كما اختلف في [إعادة] (٧) المريض يعدم من يناوله الماء فيتيمم ويصلي ثم يجد من يناوله. وقد مر الخلاف في ذلك.
_________________
(١) النساء:١٠٣.
(٢) في (ص) المذهب.
(٣) ساقط من (م).
(٤) النساء:١٠٣.
(٥) المدونة: ١/ ٧٦.
(٦) في (ت) صحا.
(٧) ساقط من (ر) و(ص) و(ت).
[ ١ / ٤٢٧ ]
(صفة جلوس المريض)
وإذا قدر المريض على الجلوس ولم يقدر على التخيير (١) في صفته صلى بحسب ما يمكنه. فإن قدر على التخيير؛ فالمشهور من المذهب فيه وفي المتنفل جالسًا أنه يتربع في موضع القيام. وعوَّل في ذلك على فعل ابن عمر. وقد كان يتربع، وهو كثير الاقتداء بأفعال الرسول - ﷺ -. وحكى محمد بن عبد الحكم أن الأولى أن يجلس في موضع القيام كجلوسه في موضع الجلوس، واستحبه (٢) المتأخرون؛ لأنه أقرب إلى التواضع والمتربع مخالف لصفة المتواضع. وقد قيل: إن ابن عمر إنما كان يجلس كذلك لعلة كانت برجله تمنعه من التربع. لكن هذا الذي حكاه محمد بن عبد الحكم لا يحصل به الفرق بين جلوس القيام وجلوس التشهد.
وحكى الشافعي في الاختيار في الجلوس ثلاثة أوجه: أحدها: ما حكاه ابن عبد الحكم. والثاني: أنه يجلس ويضم ركبتيه إلى صدره كالمحتبي. والثالث: أنه يجلس ضامًا لركبته اليمنى إلى صدره وثانيًا لركبته اليسرى، كالجالس بين يدي أستاذه.
وبالجملة فالمقصود صفة تفرق بينهما وبين الجلوس للتشهد وتكون صفة تقتضي التواضع، ومتى خولفت لم تبطل الصلاة بلا خلاف (٣).
فصل (إذا تعذر عليه السجود)
وإذا امتنع [السجود] (٤) لعلة بالوجه، فإن المشروع (٥) الإيماء كما
_________________
(١) في (م) التخير. والمقصود بذلك أن يختار أحسن الصفات.
(٢) في (ق) واستحسنه.
(٣) في (ق) و(ت) بلا خلاف في المذهب وفي (ص) بخلاف.
(٤) ساقط من (م) و(ت).
(٥) في (ت) و(م) فالوجه المشروع.
[ ١ / ٤٢٨ ]
قدمناه. فإن أبدل الإيماء بأن رفع إلى وجهه شيئًا، ففي الكتاب لا إعادة عليه (١). وقال أشهب: إنما ذلك إذا أومأ، فإن لم يومئ أعاد أبدًا. وقد قدمنا هل يجب عليه كمال ما في وسعه من الإيماء أم لا؟
فصل
وهذا حكمه إذا كان لم يدخل المرض على نفسه، فإن أدخله بأن قدح (٢) الماء من عينه حتى صار يصلي مستلقيًا؛ ففي المذهب قولان: أحدهما: صحة صلاته ولا إعادة عليه، قاله أشهب وغيره من أهل المذهب، كالمسافر يطلب الأرباح لأنه يسافر طلبًا لنماء المال وشق المفازات فينتقل إلى التيمم، فأحرى أن يجوز له الانتقال إلى الإيماء لطلب الصحة للجسم.
ومذهب المدونة يعيد (٣) أبدًا. ولعل هذا بناءً على أن الرخص لا يقاس عليها. وعلل بأن القادح لا يوقن (٤) بالبرء، والعادة جارية بذلك غالبًا. فكأنه انتقل عن الكمال إلى أمر متردد في نجحه وعدم نجحه، بخلاف الأسفار في طلب الأرباح فإن الغالب وجودها. وقائل هذا الأمر لم يقف على حقيقة الأمر في القدح. والغالب وجود المنفعة به. والدواء فيه أظهر نجحًا من غيره فأحرى أن يجوز له أن ينتقل إلى الإيماء ليطلب الصحة. ومذهب المدونة أنه يعيد أبدًا. وهل هذا بناء منه على أن الرخص لا يقاس عليها أو بناء منه على أنه لا ينجح في طلب المقصود، وأن العادة عنده جارية بذلك فلا يجوز له أن ينتقل إلى الإيماء وكذلك التيمم؟
_________________
(١) المدونة: ١/ ٧٨.
(٢) في (ص) قد.
(٣) في (ر) أن يعيد.
(٤) المدونة: ١/ ٧٨.
[ ١ / ٤٢٩ ]
باب في الصلاة على الدابة
ومن اضطر إلى الصلاة على الدابة لعدم القدرة على النزول إما لمرض أو لخوفه، صلى الفريضة عليها. فإن قدر على التحول إلى القبلة تحوّل، وإلا سقطت في حقه. فإن أمن الخائف في الوقت فهل يعيد؟ قولان: أحدهما: أنه يعيد في الوقت. وهذا لظهور الأمن في الوقت. وحقه أن يؤخر إليه. والثاني: أنه لا يعيد قياسًا على الخائف من العدو. وإن قدر المريض على النزول إلى الأرض وكانت صلاته بالأرض أكمل من صلاته على الدابة، فلا خلاف أنه يجب عليه النزول. فإن لم يفعل بطلت صلاته. وإن تساوت حالاته وكانت صلاته على الدابة كصلاته على الأرض لأنه لا يمكنه الإيماء، فهاهنا قولان: أحدهما: أنه ينزل لقوله ﵇: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ (١) مَسجدًا وَطَهُورًا" (٢). والثاني: أنه لا ينزل لتساوي حالته. والحديث محمول على بيان جواز الصلاة (٣) بكل مكان من غير اختصاص بمكان مخصوص. وقد حمل أبو محمد بن أبي زيد على المدونة أنه متى تساوت حالته صلى على الدابة. وإنما تكلم في الكتاب على أنه مختلف الحالة، وحمل عليها غيره من الأشياخ أنه ينزل وإن تساوت حالته حتى يباشر الأرض ليظهر التواضع. وهذا الكلام في الفرض.
وأما النافلة فلا يصلي عندنا على الدابة اختيارًا في الحضر والسفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، وقد ثبتت في رخص الشريعة. وهي على ثلاثة أقسام: قسم تقرر الإجماع أنه لا يختص بالسفر كأكل الميتة للمضطر ومسح الجبيرة، عند من أجازه. وقسم تقرر الإجماع على اختصاصه بالسفر كقصر الصلاة والفطر في رمضان. وقسم اختلف في اختصاصه وعدم اختصاصه كالمسح على الخفين. وقد تقدم الخلاف فيه. والتيمم تقدم الخلاف فيه
_________________
(١) في (ر) الأرض كلها.
(٢) أخرجه البخاري في الصلاة ٤٣٨، والترمذي في الصلاة ٣١٧ واللفظ له.
(٣) إلى هنا انتهت نسخة (ص).
[ ١ / ٤٣٠ ]
أيضًا. وتبديل هيئة الصلاة للخوف، وقد اختلف الناس فيه، وفي المذهب قولان.
والجمع في السفر لا اختلاف في تخصيصه من حيث الجملة، لكنه اختلف المذهب هل (١) يختص بسفر القصر أو يعم كل سفر.
وأما الجمع للمريض فإنه مما يعم السفر والحضر. والجمع للمطر (٢) اختلف الناس فيه (٣)، والمذهب جوازه. وإذا أجزناه عم الحضر والسفر.
وأما ما نحن بسبيله هو التنفل على الدابة؛ فيختص عندنا بالسفر كما تقدم إذ لم يثبت في غير سفر وإنما ورد في السفر. فإذا ثبت جوازه فلا يتعدى به ما ورد. ولهذا لا يؤمر المصلي على الدابة بالركوع والسجود، بل يجزيه الإيماء. وإن أمكنه التربع في موضع القيام والتهيئ للإيماء والتورك في موضع الجلوس فعل، وإلا سقط عنه ذلك. ويصلي حيث ما توجهت به دابته، ولا يلزمه التوجه للقبلة للإحرام ولا في غيره إذا كان توجهه إلى غير القبلة. لكن يجعل المكان الذي توجه إليه كالقبلة في حقه فلا يلتفت عنه. وقد حمل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤)، على التنفل على الدابة. وله أن يضرب الدابة التي تحته أو غيرها إن احتاج إلى ذلك ويركض ما تحته، لكن يلزم ترك الكلام، وهذا لأنه يفعل ما هو من مصلحة سفره بحسب ما تدعو الضرورة إليه ويترك ما لا تدعو إليه الضرورة.
_________________
(١) في (ق) والاختلاف في اختصاصه بالسفر لكنه اختلف هل، وفي (م) الجمع في السفر ولا اختلاف فيه في تخصيصه لكنه اختلف هل، وفي (ر) ولا خلاف في اختصاصه بالسفر في الجملة لكنه اختلف المذهب هل.
(٢) في (ر): للمرض.
(٣) في (م) وأما الجمع للمطر فإنه مما يعم السفر والحضر والجمع للمطر واختلف الناس فيه، وفي (ر) وأما الجمع للمريض فإنه مما يعم السفر والحضر والجمع للمرض اختلف الناس فيه، وفي (ت) وأما الجمع للمرض فإنه مما يعم السفر والحضر والجمع للمطر واختلف الناس فيه.
(٤) البقرة: ١١٥.
[ ١ / ٤٣١ ]
فصل (هل تقاس السفينة على الدابة)
وقد (١) ثبت جواز صلاة النافلة إلى غير القبلة على الدابة. وهل يجوز ذلك في السفينة إذا دعت الضرورة إليه؟ فيه قولان: المشهور منعه، والشاذ جوازه. ومبناه على الخلاف في القياس على الرخص هل يقاس عليها أم لا؟ فمن منع منه جاء منه (٢) ما في المشهور، ومن أجازه جاء منه الشاذ.
(جواز التنفل جلوسًا)
ولا خلاف (٣) في جواز ترك القيام في النافلة. وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه كان يصليها جالسًا مع القدرة على القيام، وأخبر أن صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم (٤). لكن اختلف أهل المذهب هل انحطاط الأجر مختص بالقادر لأنه تارك (٥) لحظه من القيام، أو يعم القادر والعاجز لعموم الحديث؟ فهذا إذا افتتح الصلاة جالسًا.
ولو افتتحها قائمًا ثم شاء الجلوس؛ ففي المذهب قولان: أجازه في الكتاب (٦)، ومنعه أشهب.
وسبب الخلاف هل تمادي القيام كالعمل المتصل فيلزم تمامه على ما ابتدأ به قياسًا على صلاة النافلة والصوم والحج، أو كل جزء من القيام
_________________
(١) في (ق) و(ت) وإذا.
(٢) في (ق) و(ت) فيمن جاء منه.
(٣) في (ت) ولا خلاف نعلمه.
(٤) أخرج مسلم في صلاة المسافرين ٧٣٥ واللفظ له، والنسائي في قيام الليل ١٦٥٩ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو قَالَ: حُدِّثتُ أَنَ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "صَلاَةُ الرَّجُل قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلاَة" قَالَ: فَأَتيتُهُ فَوَجَدتُهُ يُصَلي جَالِسًا فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ فَقَاَل: "مَا لَكَ يَا عَبدَ الله بنَ عَمرو؟ " قُلْتُ: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ قلتَ: "صَلاَةُ الرّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصلاةِ" وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا؟ قَالَ: "أَجَلْ وَلَكِنَّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ".
(٥) في (ق) هل الخطاب الآخر مختص بالقادر لأنه لا تارك.
(٦) المدونة: ١/ ٧٩.
[ ١ / ٤٣٢ ]
عبادة قائمة بنفسها فلا يلزمه تمامه على ما ابتدئ به إلا أن ينذره بلفظه؟ (١) ولا شك أن من افتتح الصلاة جالسًا فله القيام، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه كان يفعله (٢).
(الخلاف في التنفل للمضطجع)
وهل يجوز التنفل مضطجعًا؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز على الإطلاق؛ لأنها صفة لم ترد. والثاني: جوازه على الإطلاق، قياسًا على ترك فرض القيام، وأيضًا فلما ورد في بعض الطرق من أن صلاة القائم على النصف من صلاة الجالس (٣)، وصلاة المضطجع على النصف من صلاة الجالس (٤). لكن بين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ والثالث: جوازه لمن لا يمكنه الجلوس دون القادر، قياسًا على صلاة الفرض.
وكذلك اختلف في جواز الإيماء في النافلة مع القدرة على الركوع والسجود؛ فقيل: يجوز قياسًا على ترك القيام [في النافلة] (٥)، وقيل: يُمنع إذ لم يرد إلا في السفر على الدابة.
وفي الكتاب لا بأس بالاحتباء في النوافل للجالس بعقب تربعه (٦).
_________________
(١) في (ر) فلا يلزم إلا أن ينذر بلفظه.
(٢) أخرج البخاري في الجمعة ١١١٨، ومسلم في المسافرين ٧٣١ واللفظ له عَنْ عَلْقَمَةَ ابْنِ وَقاصِ قالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: كَيفَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ؟ قَالَت: كَانَ يَقرَأُ فِيهِمَا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكعَ.
(٣) في (ق) و(ت) صلاة القائم نصفها صلاة الجالس.
(٤) ورد الحديث بعدة ألفاظ منها ما أخرجه الترمذي في سننه من كتاب الصلاة ٣٧٢ عن عمران بن حصين قال سألت رسول الله - ﷺ - عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: "من صلى قائمًا فهو أفضل ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد" قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأنس والسائب وابن عمر قال أبو عيسى: حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح.
(٥) ساقط من (ر) و(ق).
(٦) المدونة: ١/ ٧٩.
[ ١ / ٤٣٣ ]
ومن صلى فرضه جالسًا وهو يقدر على القيام أعاد أبدًا. وقد روي بعقب تربعه بالباء، وقد روي تعقب تربعه بالتاء المعجمة باثنتين (١). فالرواية الأولى تقتضي أنه يحتبي بعد التربع. والثانية: تقتضي أنه يتنقل من التربع إلى الاحتباء ومن الاحتباء إلى التربع. على أن معنى الروايتين متقاربة في التحقيق.
باب صلاة الإمام أرفع مما عليه أصحابه (٢).
وروي أن الرسول - ﷺ - نهى أن يصلي الإمام على شيء أرفع (٣) مما عليه أصحابه. وكأنه أشار بذلك إلى ما أحدثه بعده بنو أمية من التكبر عن مساواة الناس، وكانوا يتخذون موضعًا مرتفعًا عن محل من يقتدون (٤) بهم تكبرًا وعبثًا. ولا خلاف في المذهب أن القصد إلى ذلك محرم، وأنه متى قصد ذلك (٥) بطلت الصلاة. وكذلك قالوا: لو صلى المقتدون على موضع مرتفع قصدًا في التكبر عن المساواة فإن صلاة المقاصد إلى ذلك باطلة. فإن صلى الإمام غير قاصد إلى التكبر؛ فإن كان الارتفاع يسيرًا صحت الصلاة بلا خلاف. وإن كان الارتفاع كثيرًا فللمتأخرين قولان: صحة الصلاة أخذًا من قوله في تعليل البطلان "لأن هؤلاء يعبثون". وقيل بالبطلان لعموم النهي في الحديث المتقدم.
ولو ساوى الإمام قومًا في الارتفاع وصلى غيرهم على موضع (٦)
_________________
(١) في (ق) بعقب تربعه بالباء تعقب تربعه بالتاء المعجمة باثنتين.
(٢) في (ص) من خلفه.
(٣) في (ر) و(ت) أنشر.
(٤) في (ق) و(ت) يقتدى.
(٥) في (ق) قصد إلى التكبر عن المساواة بطلت صلاته.
(٦) في (ر) موضع غير مرتفع.
[ ١ / ٤٣٤ ]
مرتفع. فإن قصد المرتفعون التكبر بطلت الصلاة، وإن لم يقصدوا ذلك ففي إعادة الصلاة في الوقت قولان. وهكذا قال ابن حبيب في الإمام يصلي في السفينة يقوم قوم معه في مكان وقوم فوق السفينة أن المرتفعين يعيدون في الوقت. ويحتمل أن يريد بالإعادة أنهم لا يرون فعل الإمام.
وقد اختلف قوله في المدونة في الإمام يصلي في المسجد ويصلي قوم فوق المسجد بصلاته فكرهه مرة وأجازه أخرى. وعلة الكراهية بالبعد عن الإمام وتفرقة الصفوف وعدم التحقيق لمشاهدة أفعال الإمام. فعلى هذا يكون الجواز إذا قرب أعلى (١) المسجد من أسفله، فيكون خلاف (٢) في حال. وكذلك كره في [الكتاب] (٣) الصلاة على أبي قبيس (٤) وقعيقعان (٥) بصلاة الإمام في المسجد الحرام (٦).
واختلف الأشياخ في صلاة من فعل ذلك؛ فمنهم من قال: بالصحة، ومنهم من قال: بالبطلان، وهو خلاف في حال. فإن أمكنهم مراعاة فعل الإمام صحت الصلاة، وإن تعذر عليهم ذلك بطلت الصلاة، وهذا يعلم بالمشاهدة.
وكره في الكتاب الصلاة بين يدي الإمام في دور محجورة (٧)، وأجازه إن كان في دور دبر القبلة إذا كانت هناك كوى ينظرون منها إلى أفعال الإمام. وفي هذا تفرقة الصفوف. وقد أجيزت إذا تقارب الموضعان (٨) نحوه كالنهر والطريق الصغير.
_________________
(١) في (ق) فوق.
(٢) في (ت) الخلاف.
(٣) ساقط من (ق).
(٤) قال في معجم ما استعجم ٣/ ١٠٤٠: "أبو قبيس الجبل المعلوم بمكة". وهو جبل يطل على الحرم المكي من جهة الصفا والمروة.
(٥) قال في معجم ما استعجم ٣/ ١٠٨٦: "قعيقعان على لفظ تصغير قعقعان جبل بمكة".
(٦) المدونة: ١/ ٨٢.
(٧) أي دور خاصة لا تفتح للعموم.
(٨) في (ت) الصفوف الموضعات.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وأجازوا لمن في السفن أن يجتمعوا على الإئتمام بإمام في إحداهما؛ فإن استصحبوا الدوام أتموا صلاتهم، وإن فرقهم الريح كانوا كمن طرأ على إمامهم ما يمنعه الائتمام (١) فيستخلفون لأنفسهم. وإن صلوا أفرادًا صحت صلاتهم، وإن اجتمعوا بعد التفريق والإمام لم يكمل فلا يرجعون إلى إمامته، ويجزيهم التمادي على ما هم عليه. [قالوا] (٢) بخلاف المأموم يظن أن إمامه أكمل فيقوم يقضي لنفسه، ثم تبين له أن الإمام لم يكمل فإن هذا لا يعتد بما فعله قبل إكمال الإمام ويرجع إلى اتباعه إن بقي له من الصلاة شيء. والفرق ظهور عذر من في السفن وتفريط الظان لإكمال الإمام.
فصل (حكم الصلاة بالمسمع)
وهل تجوز الصلاة بالمسمع؟ للمتأخرين ثلاثة أقوال: أحدها: صحة الصلاة لأنه نائب عن الإمام، فعله كفعله. وعمدتهم اقتداء أبي بكر ﵁ بالنبي - ﷺ - واقتداء الناس بأبي بكر وهو كالمسمع (٣). وهذا يدل على أن أبا بكر خرج عن الإمامة، ولأن العمل استمر في سائر الأمصار على تكرر الإعصار على الصلاة بالمسمع. والثاني: بطلان الصلاة لأنه إنما شرع الإقتداء بالإمام لا بعوض منه. والثالث: صحة الصلاة إن أذن الإمام للمسمع، فحينئذ يكون كوكيله، وبطلانها إن لم يأذن له إذ لا تصح الوكالة من غير إذن.
وكذلك اختلفوا على هذا في صحة صلاة المسمع نفسه لنفسه.
_________________
(١) في (ت) ما يمنع الإكمال.
(٢) ساقط من (ت).
(٣) انظر البخاري في الأذان ٧١٢.
[ ١ / ٤٣٦ ]
باب في أحكام الإمامة
(من الأحق بالإمامة)
ويفتقر الإمام إلى صفتين بعد حصول البراءة عن النقص الذي نذكره بعد. والصفتان: العلم والورع؛ فبالعلم يحصل الأداء، وبالورع تحصل الشفاعة. وقد قال - ﷺ -: "أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون به" (١). فإذا وجد من فيه هاتين الصفتين قدم، وإن شاركه غيره فيهما نظر إلى غير ذلك من الفضائل الشرعية والخلقية والمكانية؛ فالشرعية كالشرف في النسب والسن، والخلقية ككمال الصورة، ويلحق به حسن اللباس، والمكانية كمالك رقبة الدار ومنافعها.
وإذا اجتمع الأقرأ والأعلم، فالأعلم هو المقدم عندنا على الأقرأ. وما ورد عنه - ﷺ - من قوله: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقرَؤُهُم" (٢)، محمول عند العلماء على أن الأقرأ في ذلك الزمان هو الأعلم إذ كانوا يتعلمون مع التلاوة ما يتعلق بها من الأحكام والمعاني.
فإن اجتمع فقيه وصالح فالفقيه أولى، إذا لم يكن فيه مانع يمنع الإجزاء على ما نذكره.
وإن اجتمع الأصلح والأفقه فلم أر في المذهب نصًا في هذه المسألة. وللشافعية قولان: أحدهما: تقديم الأفقه مراعاة لقدرته على مراعاة إصلاح ما يعرض له (٣) في الصلاة من المفسدات الشواذ. والثاني: تقديم الأصلح إذا كان قِبَلَهُ من الفقه (٤) ما يمكن به أداء الصلاة وإصلاح ما يعرض له فيها
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه مسلم في المساجد ٦٧٣ واللفظ له، والترمذي في الصلاة ٢٣٥ كلاهما عن أبي مسعود الأنصاري. وقال الترمذي: "حدِيثُ أَبِي مَسْعُود حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ".
(٣) في (ت): ما يعرضه.
(٤) في (ر): التفقه.
[ ١ / ٤٣٧ ]
من المفسدات المتكررة والتي (١) ليست شاذة جدًا. وكان هذا التفاتًا إلى مراعاة الطوارئ البعيدة، وفي المذهب في مراعاتها قولان. وظاهر ما قدمناه أن من كان فقيهًا صالحًا شريفًا في نسبه (٢)، كبيرًا في سنه، كامل الصورة، حسن اللباس، عارفًا بالقرآن، مالكًا للموضع إن كان الموضع مملوكًا؛ هو أولى بالإمامة. فإن نقص من هذه وكان أكمل من غيره قدم.
ومتى اجتمع من تساوت صفاتهم فتشادوا على المتقدم أقرع بينهم إذا كان مطلوبهم حيازة فضل الإمامة لا طلب الرئاسة الدنيوية.
فصل (النقص المانع من الإجزاء في الإمامة)
وأما النقص المانع من الإمامة فهو على قسمين: نقص يمنع الإجزاء، ونقص يمنع (٣) الكمال.
فأما ما يمنع الإجزاء فهو نوعان: نوع يرجع إلى الخَلْقِ، ونوع يرجع إلى الخُلُقِ.
فأما ما يرجع إلى الخَلق فهو صنفان: صنف يمنع إكمال الفرض، وصنف لفقد الذكورية.
وما يمنع إكمال (٤) [الفرض] (٥) قسمان: قسم يمنع أحد الأركان كعلة تمنع القيام أو الركوع أو السجود أو جميع ذلك، وقسم يمنع النطق بالقراءة على حقيقتها.
_________________
(١) في (ق) و(ت) أو اللتي.
(٢) في (ق) نسبه.
(٣) في (ت) قسم يمنع الإجزاء وقسم يمنع.
(٤) في (ر) الكمال.
(٥) ساقط من (ق).
[ ١ / ٤٣٨ ]
وأما ما يرجع (١) إلى الخُلُق صنفان: صنف يرجع إلى الاعتقاد، وصنف يرجع إلى الجوارح.
وقد يحصل من هذا خمسة أقسام:
أحدها: ما يمنع كمال أحد الأركان أو جميعها. فإن منع القيام فهل تصح الإمامة أم لا؟ أما إن كان (٢) المقتدون به قادرون على القيام فالمشهور من المذهب أن الاقتداء به لا يصح. وهذا لما روي عنه - ﷺ - من قوله: "لا يؤم أحد (٣) بعدي جالسًا" (٤). والشاذ: صحة الاقتداء به. ويفعل المقتدون به من القيام ما يقدرون عليه. وهذا لما روي من صلاته - ﷺ - في مرضه بالناس وهو جالس وهم قيام. لكن اختلف فيمن كان إمامًا هل أبو بكر أو النبي - ﷺ - كما تقدمت الإشارة إليه. وإن كان المقتدون به عاجزين كعجزه فقولان: أحدهما: صحة الاقتداء به لتساوي الحالات ولا مخالفة، والثاني: عدم الصحة لقوله: "لا يؤم أحد بعدي جالسًا".
وإذا صححنا الإقتداء به فصح (٥) بعض المقتدين فما يفعل؟ قولان: قيل يقوم فيتم لنفسه فذا؛ لأنه افتتح الصلاة بوجه (٦) جائز، ولا يصح إتمامه مقتديًا. والثاني: أنهم يتمون معه الصلاة قائمين. وهذا تعويلًا على صحة الإقتداء به أولًا، ومراعاة (٧) لقول من يقول يجوز الاقتداء بالجالس وإن كان المقتدي به قائمًا. ويجري فيه قول ثالث: أنه يقطع الصلاة كالأمة تعتق في الصلاة وليس عليها ما يستر عورة الحرة.
وإن فقد الإمام عضوًا من الأعضاء التي يسجد عليها كقطع اليد
_________________
(١) في (ت) و(ق) وما يرجع.
(٢) في (ق) أو كان.
(٣) في (ت) أحدكم.
(٤) لم أقف عليه إلا عند ابن عبد البر ٦/ ١٤٢، والشافعي في الأم ٧/ ٢٠٠ بلفظ قريب.
(٥) في (ق) فصح فرض بعض.
(٦) في (ر): بأمر.
(٧) في (ق) لتساوي مراعاة.
[ ١ / ٤٣٩ ]
فالمشهور من المذهب أن ذلك لا يمنع الإجزاء لأنه يكمل الفروض. وظاهر رواية ابن وهب أنه يمنع الإجزاء لأنه قال: لا يصلى وراءه، واحتج بالحديث: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء" (١)، وذكر منها اليدين. فإن كان لا يقدر على الإيماء واضطجع (٢) فلا تصح إمامته بوجه.
والقسم الثاني: ما يمنع النطق بالقراءة على حقيقتها، وهذا إن كان للجهل بها فلا تصح إمامته بوجه. ومن ائتم به بطلت صلاته لأن القراءة فرض، وهذا ممن لا يمكنه الإتيان بذلك. وهل يجب عليه في نفسه أن يأتم بمن يحسن القراءة؟ قولان: قيل يجب عليه ذلك إن قدر عليه؛ لأن قراءة الإمام قراءة له فعليه تحصيل الفرض في نفسه، أو تحصيل ما فيه النيابة عن هذا الفرض وهو الاقتداء. وقيل لا يجب عليه؛ لأنه خوطب بما قدر عليه من الفرض.
وإن كان للكنة في لسانه فالمنصوص صحة الصلاة. وحكي عن إسماعيل القاضي أنه قال: إذا لم تكن اللكنة في القراءة. وهذا إن صح فيكون في المسألة قولان: صحة (٣) الإقتداء لأن اللكنة لا تغير المعنى [عندهم] (٤)، وعدم الصحة لأن المطلوب النطق بالحروف، وهو عاجز عن ذلك.
وأما اللّحان في القراءة ففي صحة الصلاة وراءه أربعة أقوال: أحدها: أنها لا تصح تنزيلًا للحسن منزلة التبديل، وكذلك قال أبو الحسن ابن القابسي وأبو محمد ابن أبي زيد فيمن لا يميز الظاء من الضاد. والثاني: صحتها لأن البدل حركات لا أصل الحروف. والثالث: التفرقة بين أن يكون لحنه في أم القرآن فلا تصح الصلاة لأنها فرض، وبين أن يكون في غيرها فتصح الصلاة لأنه [سنة] (٥). وإن أخرجه اللحن إلى الكلام فهو كالذكر. والرابع:
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في (ق) إلا على الإماء والاضطجاع.
(٣) في (ر): صحته.
(٤) ساقط من (ق) و(ت).
(٥) ساقط من (ت) و(ر).
[ ١ / ٤٤٠ ]
الإبطال إن كان اللحن يغير المعنى لأنه حينئذ يصير كالكلام، والصحة إن كان لا يغير المعنى لأنه لم يخرج القرآن عن المعنى.
والقسم الثالث: ما يفقد الذكورية. ولا تكون المرأة إمامًا للرجال عندنا لنقصها، ولأن صوتها عورة، وقياسًا على الخلافة فإن الأمة مجتمعة على أنها لا تكون خليفة، وقد قاس الصحابة الخلافة على الإمامة في الصلاة. وهل تصح إمامتها للنساء (١)؟ قولان: المشهور عدم الصحة طردًا للحكم الكلي، وروى ابن أيمن (٢) عن مالك أنها تؤم النساء (٣). وهذا لأنه عول على أن المنع من كون صوتها عورة، وهو مفقود هاهنا.
وأما الخنثى فإن حكم له بحكم أحد الصنفين عول عليه؛ إما الذكورية وإما الأنوثية. فإن كان حكم عليه بالذكورية فللمتأخرين في إمامته قولان: المشهور صحتها قياسًا على الميراث الذي بذلك الصفة يرث. والقول الثاني (٤) بالمخ للرجال؛ إذ يحتمل أن يكون أنثى.
وإن أشكل الأمر فلا يصح أن يؤم الرجال ولا النساء على المشهور ويؤمهن على الشاذ.
والقسم الرابع: ما يرجع إلى الاعتقاد؛ فإن كان كفرًا فلا شك أن إمامة الكافر لا تصح، لكنه (٥) إن أم مستترًا بكفره فهل يجعل ذلك علمًا على إسلامه؟ فإن تماد يُترك، وإن لم يتماد قتل بعد الاستتابة. أو لا يجعل علما على إسلامه؟ في ذلك قولان.
_________________
(١) في (ت) للنساء في الصلاة.
(٢) هو: محمد بن عبد الملك بن أيمن القرطبي الحافظ أبو عبد الله، رحل إلى العراق وسمع من محمد بن إسماعيل الصائغ ومحمد بن الجهم السمري وطبقتهما وألف كتابًا على سنن أبي داود. كان بصيرًا بمذهب مالك. توفي سنة ثلاثين وثلاثمائة وله ثمان وتسعون سنة" الديباج المذهب ص: ٣٢٠. وشجرة النور:٨٨ (١٨٨).
(٣) في (ت) صحة إمامتها للنساء، وفي (ق) صحة صلاتها بالنساء.
(٤) في (ت) الشاذ.
(٥) في (ر) لأنه.
[ ١ / ٤٤١ ]
وسبب الخلاف اختلافهم هل أنزلت الشريعة الصلاة منزلة الشهادتين لقوله - ﷺ -: "أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يَشْهَدُوا أن لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وَأَن مُحَمدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصلاَةَ" الحديث (١)، فقد ساوى بين الشهادتين والصلاة. لكن بين الأصوليين خلاف في الواو هل يقتضي الاشتراك (٢) في الحكم كما يقتضيه في الإعراب أم لا؟ وإذا حكمنا بإسلامه وتمادى عليه، فهل يعيد من صلى خلفه؟ قولان: الإعادة لأنه يمكن أن يبتدئ الإيمان في ساعته بعد أن يصلي عبثًا (٣)، وترك الإعادة لأن الصلاة علم على الإيمان كالشهادتين وقد أقر بأنه مسلم.
وإن كان بدعة، فقد اختلف الأصوليون في معتقد البدعة كالخوارج والمعتزلة؛ فللقاضي (٤) في تكفيرهم قولان. وكذلك اختلف قول الفقهاء؛ فعن مالك في ذلك روايتان، ومثلهما عن الشافعي. وقال أبو إسحاق التونسي وغيره من متأخري أهل المذهب: سبب الخلاف هل يكفرون بما آل القول إليه أم لا؟ ومعنى ذلك: أن المعتزلة والخوارج متفقون على نفي الصفات المعنوية في حق الباري؛ فينكرون كون الباري سبحانه عالمًا بعلم وقادرًا بقدرة إلى غير ذلك من الصفات. إلا أنهم لا ينكرون أنه عالم ولا قادر ولا حي ولا مريد. فمن رأى إنكارهم أن يكون عالمًا يؤدي إلى نفي العلم عنه جملة، [وقوَّلهم] (٥) أما يؤدي إليه مبدأ أقوالهم كَفَّرهم. ومن لم
_________________
(١) أخرجه البخاري في الإيمان ٢٥، ومسلم في الإيمان ٢٢ عن عبد الله بن عمر.
(٢) في (ت) التشريك.
(٣) في (ق) لا يمكن أن يبتدئ الإيمان إلا بعد أن يصلي عبثًا، وفي (ت) لأنه ممن يمكن منه أن يبتدئ في الإيمان في ساعة الآن بعد أن يصلي والقول الثاني.
(٤) هو: الإمام العلامة أوحد المتكلمين مقدم الأصوليين القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري ثم البغدادي ابن الباقلاني صاحب التصانيف، كان يضرب المثل بفهمه وذكائه، ثقة إمامًا بارعًا صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري ذكره القاضي عياض في طبقات المالكية فقال هو الملقب بسيف السنة ولسان الأمة المتكلم على لسان أهل الحديث، توفي سنة ٤٠٣ هـ سير أعلام النبلاء: ١٧/ ١٩٠.
(٥) ساقط من (م).
[ ١ / ٤٤٢ ]
يقوِّلهم] (١) ما يؤدي إليه مبدأ قولهم، لم يحكم بتكفيرهم وحكم بتفسيقهم (٢).
وقد سئل أبو المعالي (٣) عن هذه المسألة فحكى خلاف الأئمة فيها، ثم قال: وقد نبه الرسول - ﷺ - على وقوع هذا الخلاف بقوله في الخوارج "يَمْرُقُونَ مِنْ الدَّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهمُ مِنْ الرّمِيَّةِ" (٤)، وقال في آخر الحديث: "وَتَتَمَارَى في الفُوقِ" (٥). وهذه إشارة إلى خلاف الناس في تكفيرهم والمناظرة فيه؛ فلا شك أن من حكم بكفرهم حكم ببطلان الإقتداء بهم، ومن حكم بأنهم غير كفار فلا يحكم ببطلان الصلاة وراءهم كالزنديق.
وفي المذهب في صلاة من اقتدى بهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعيد أبدًا، وهذا على القول بتكفيرهم. والثاني: أنه يعيد في الوقت، وهذا على القول بعدم كفرهم، لكن يعيد في الوقت لنقصهم بالفسق. والثالث: أنه لا يعيد في وقت ولا غيره، وهذا بناء على ما بني عليه في القول الثاني، لكن فسقهم لا يسري إلى نقص في الصلاة.
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ق) فيما يؤديهم إليه مبدأ قولهم لم يحكم بتكفيرهم وحكم بفسقهم.
(٣) هو: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف العلامة إمام الحرمين ضياء الدين أبو المعالي الجويني رئيس الشافعية بنيسابور. جاور بمكة أربع سنين يدرس ويفتي ويجمع طرق المذهب ثم رجع إلى نيسابور وأقعد للتدريس بنظامية نيسابور واستقام أمور الطلبة وبقي على ذلك قريبًا من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع مُسلّم له المحراب والمنبر والتدريس ومجلس الوعظ وظهرت تصانيفه .. توفي في ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة طبقات الشافعية ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦ (٢١٨).
(٤) أخرجه البخاري في المناقب ٣٦١٠، ومسلم في الزكاة ١٠٦٤ عن أبي سعيد الخدري.
(٥) أخرجه البخاري في فضائل القرآن ٥٠٥٨، وأحمد في مسنده ٣/ ٦٠، ومالك في النداء للصلاة ٤٧٧ واللفظ له. ولفظ البخاري وأحمد "وَيَتَمَارَى في الفُوقِ" عن أبي سعيد الخدري. قال ابن منظور في لسان العرب ٦/ ٣٠٩ "الفُوق: موضع الوَتَرِ من السهم". قال ابن عبد البر في التمهيد ٦/ ٣٠٩: "تتمارى في الفوق أي تشك، والتماري الشك. وذلك يوجب أن لا يقطع على الخوارج ولا على غيرهم من أهل البدع بالخروج من الإسلام وأن يشك في أمرهم وكل شيء يشك فيه فسبيله التوقف عنه دون القطع عليه".
[ ١ / ٤٤٣ ]
وفي الكتاب: في الإمام القدري أنه لا يصلى خلفه. قال: ولا الجمعة إن استيقنت ذلك (١)، وإن كنت تتقيه وتخافه على نفسك فصلها معه (٢) وتعيدها ظهرًا أربعًا. وعقب المسألة قول ابن القاسم: ورأيت مالكًا إذا قيل له في إعادة الصلاة خلف أهل البدع يقف ولم يجب في ذلك (٣). وهذا كأنه مناقض للأول لأنه أجاب أولًا بإعادته ظهرًا، ووقف بعد ذلك. وقد قال الأشياخ: إنما أعاد الأولى لأنه دخل على الصلاة تقية (٤) فهو كالمصلي بنية الإعادة، فتجب عليه. والثاني: صلى ولا علم عنده من حال الإمام فدخل على الإجزاء، فلهذا وقف مالك في إعادته لأنه أشكل عنده في تلك الحال الأمر في كفرهم أو فسقهم (٥).
والقسم الخامس: ما يرجع إلى الجوارح؛ وهو الفاسق بجوارحه، كشارب الخمر وما في معنى ذلك من الكبائر. وفي صحة الصلاة خلف من هذه حاله قولان: أحدهما: أنها لا تصح الصلاة؛ لأنه إذا ارتكب كبيرة أمكن أن يترك ما يؤتمن عليه من فروض الصلاة كالطهارة والنية. والثاني: صحة إمامته؛ لأن فسقه غير متعلق بأحكام الصلاة. وهو خلاف في حال، وإنما ينبغي أن يعتبر حاله؛ فإن كان من أهل التهاون والاستجراء (٦) بحيث يمكن (٧) أن يترك بعض الفروض كما تقدم فلا تصح إمامته، وإن كان ممن اضطهره هوى غالب (٨) إلى ارتكاب كبيرة مع براءته من التهاون والجرأة صحت إمامته، وهذا يعلم بقرينة الحال.
_________________
(١) في (ق) إلا إن اتقيته في ذلك.
(٢) في (ت) فصلي خلفه.
(٣) المدونة: ١/ ٨٤.
(٤) في (ت) لأنها صلاة على تقية.
(٥) في (ق) في كفرهم وإيمانهم، وفي (ت) بكفرهم أو بفسقهم.
(٦) في (ر) والاستهزاء.
(٧) في (ق) يخشى.
(٨) تعذرت قراءة هذه العبارة من جميع النسخ. وما أثبته هو من منقولات صاحب التاج والإكليل عن ابن بشير ٢/ ٩٢.
[ ١ / ٤٤٤ ]
وإمامة السكران في حال سكره ينظر فيها هذا النظر، وفيه زيادة إذ عرقه مختلف فيه هل هو نجس أم لا؟ وهذا إنما يصح في النشو (١). وأما السكران على الحقيقة فهو فاقد للتمييز (٢) فلا تصح صلاته في نفسه ولا إمامته. ولا شك أننا نمنع صحة الصلاة وراء المجنون والصبي والفاقد للتمييز.
وأما الصبي المميز الذي يؤمر بالصلاة؛ ففي جواز إمامته في النوافل قولان: المشهور منعه إلا أن يكون بالغًا؛ لأنه لو قطع النافلة لم يأثم. والبالغ يأثم بقطعها بعد الدخول فيها. وكأن هذا التفاتًا إلى ما بعد الدخول. والإتمام فرض في حق الداخل، فصار المؤتم به كالمفترض وراء المتنفل. والشاذ جواز إمامته نظرًا إلى ما قبل الدخول، وهي نافلة في حقهما.
أما إمامة غير البالغ في الفرائض؛ وهو ممن يؤمر بالصلاة في الفريضة فلا تجوز ابتداء. فإن وقعت ففي بطلان الصلاة قولان: المشهور بطلانها لسقوط الفرض عن الصبي ووجوبه على البالغ. وقال أبو مصعب: تصح الصلاة. واحتج له بما في البخاري عن عمرو بن سلمة (٣) أنه كان يؤم قومه وهو دون البلوغ (٤). لكنه كان غائبًا عن حضرة الرسول - ﷺ -. ويمكن أن يكون لم يبلغه ذلك، وإنما يكون حجة لو بلغه فأقره. وقال أبو الوليد الباجي: ويحتمل هذا القول أن يكون بناء على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، ويحتمل أن يكون بناء على المشهور لكون (٥) الصبي معتقدًا للوجوب، فلم يكن اقتداء مفترض بمتنفل.
_________________
(١) في (ق) المنتبي و(ت) المنشر وفي (ر) المشار. كذا عبارة غير مفهوم.
(٢) في (ق) و(ت) و(ر) التميز.
(٣) في (ت) مسلمة.
(٤) يشير إلى حديث البخاري في المغازي ٤٣٠٢ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ والذي فيه: "فَإذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَليُؤَذِّن أَحَدُكُم وَلْيَؤُمَّكُم أَكْثَرُكُم قُرآنًا فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أتلَقَّى مِنَ الرُّكبَانِ فَقَدَّمُونِي بَينَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ".
(٥) في (ت) و(ق) لكن.
[ ١ / ٤٤٥ ]
فصل (١) (النقص المانع من الكمال)
وأما النقص المانع من الكمال على المشهور من المذهب فهو (٢) أربعة
أقسام: عدم الحرية، وقد اختلف في جواز كون العبد إمامًا راتبًا في غير الجمعة؛ فالمشهور من المذهب كراهية ذلك التفاتًا إلى كونه (٣) لا يصلح للخلافة ولا تكمل في حقه الفروض، إذ (٤) تسقط عنه الجمعة عندنا والحج. والشاذ: جوازه، لتساوي حكمه وحكم الأحرار في فرضية الصلاة.
والقسم الثاني: ما يلحق من نقص الأعضاء (٥) بالأنوثية كالخصي. وفي جواز اتخاذه إمامًا راتبًا قولان: المشهور كراهيته، التفاتًا إلى عدم الكمال في حقه. والشاذ جوازه، التفاتًا إلى حال الصلاة.
والقسم الثالث: ما يحط المنزلة، ويسرع إلى صاحبه الألسنة كولد الزنا. وقد اختلف في جواز كونه إمامًا راتبًا؛ فالمشهور كراهيته، والشاذ جوازه، وهو كالخلاف المتقدم. وينخرط في هذا السلك كراهية الإتمام بالمأبون (٦) والأغلف (٧).
والقسم الرابع: اختلف في تحديده (٨) هل يرجع إلى نقص الفروض أو إلى الجهل بالسنن. وهو ما كرهه في المدونة (٩) من اتخاذ الأعرابي إمامًا
_________________
(١) في (ت) و(ق) فصل وساقط من (ر).
(٢) في (ق) و(ت) على.
(٣) في (ق) قوله.
(٤) في (ت) قد تسقط.
(٥) هكذا في (ق) و(ت) وهو غير واضح في (ر).
(٦) في (ت) المأفون؟. قال في التاج والإكليل ٢/ ١٠٤ المأبون هو: أرذل الفاسقين. وقال في حاشية ابن عابدين ٤/ ٧٢: هو من يؤتى في دبره.
(٧) الأغلف: هو الذي لم يختن.
(٨) في (ت) تحذيره.
(٩) في (ق) المذهب.
[ ١ / ٤٤٦ ]
راتبًا. وأبو الوليد الباجي يرى أن العلة في الكراهية كالعلة في كراهة العبد، هو مداومته على ترك بعض الفروض كالجمعة، وإكمال الصلاة (١) لكثرة أسفاره. وابن حبيب وغيره من أهل المذهب يعللون لجهله بالسنن (٢). ولو صح ما قالوه لمنعت إمامته؛ لأنه إذا جهل أحكام الصلاة كان الإتمام به معرضًا للبطلان.
فصل (في العبد يكون إمامًا راتبًا في جمعة)
ولا يجوز اتخاذ العبد إمامًا راتبًا في جمعة بلا خلاف في المذهب، لأنه ليس من أهلها. فإن حضرها فهل يجوز ابتداء الإتمام به؟ وهل تجزي الصلاة وراءه إن وقعت أو لا تجزي؟ في المذهب ثلاثة أقوال: المشهور أنها لا تجزي. ووقع لأشهب قولان: أحدهما: إجزاؤها إن وقعت، والثاني: جوازها ابتداء.
فأما عدم الصحة فلأنها ليست فرضًا عليه. والنية (٣) وإن قارنت الافتتاح فلا بدّ من تقدمها عليه. ولا يصح أن ينوي الوجوب بحقيقته، فيصير العبد مخيرًا بين أداء الجمعة بدلا عن الظهر الواجب في حقه وبين أداء الظهر. والحر تتعين عليه الجمعة من غير تخيير فلا يصح أن يأتم ملتزم بمتخير، وهو من باب اقتداء مفترض بالمتنفل. وأما الصحة إن وقعت فنظر إلى تعيين الوجوب بالدخول. وأما الجواز ابتداء فبناء على أن سقوط الفرض في حق العبد لتعلق حق السيد، فإذا حضر موضع الجمعة فلا حق للسيد في منعه من نفس الصلاة فتصير حينئذ واجبة عليه.
_________________
(١) في (ر) الفروض.
(٢) النوادر والزيادات: ١/ ٢٨٧.
(٣) في (ت) عليه كالنية والنية وإن.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وقد اختلف المذهب هل الجمعة واجبة في الأصل في حق العبد وإنما تسقط لحق السيد، أو هي ساقطة لكن العبد يأتي بها بدلًا عن الظهر. وهذا على الخلاف بين الأصوليين في تناول الألفاظ الواردة للعبد.
فصل (في بيان موقف المأموم من الإمام)
ومقامات المقتدين بالإمام تختلف؛ فإن كنَّ نساء فخلفه (١) أو خلف الرجال إن كان معه رجال، كانت امرأة (٢) واحدة أو أكثر. وأما الرجال فإن انفرد الواحد مع الإمام فمقامه (٣) عن يمينه، فإن قام عن يساره أداره عن يمينه، وتكون الإدارة من وراء الإمام، لان كانوا أكثر من واحد قاموا وراءه. ولا فرق بين البالغ وغيره إذا كان ممن يؤمر بالصلاة ويثبت فيها (٤).
فصل (متى تجب نية الإمامة؟)
ولا يلزم الإمام عندنا القصد إلى اعتقاد الإمامة إلا في ثلاثة مواضع وهي: الجمعة؛ لأنها لا تجوز إلا بالجماعة، وصلاة الخوف لما يفعله الإمام من الانتظار للطائفة الثانية، ومخالفة الهيئة على ما نبينه في حكم صلاة الخوف، والموضع الثالث أن يكون مأمومًا فيستخلف على الائتمام، فهذا يلزمه اعتقاد ما عاد إليه لتبدل حالته. وأما المأموم فيلزمه اعتقادًا الإقتداء لأنه مكلف بمراعاة فعل الإمام، بخلاف الفذ والإمام فإنهما لا يراعيان غير فعل أنفسهما.
_________________
(١) في (ق) و(ت) تختلف فالنساء خلفه.
(٢) في (ق) و(ت) إن كانوا معه كانت مرأة.
(٣) في (م) وأما الرجل الواحد فمقامه.
(٤) في (ق) و(ت) لها.
[ ١ / ٤٤٨ ]
باب في إعادة الصلاة في جماعة
مذهب فقهاء الأمصار أن صلاة الجماعة سنة، فتجزي الفرد صلاته بلا خلاف عندهم. والدليل القاطع على ذلك قوله - ﷺ -: "صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين (١) درجة أو سبع وعشرين درجة" (٢)، على ما وقع في الحديث. فقد ضاعف صلاة الجماعة بالنسبة لصلاة الفذ. ولو كانت صلاة الفذ غير مجزئة لما صح تضعيف الأجر بالنسبة إليها؛ لأن الباطل كلما نسب إليه وضوعف كان باطلًا مثله لكن ثبت عنه - ﷺ - أنه أمر من صلى وحده بإعادة الصلاة في جماعة (٣)، ليكمل ما فاته من الأجر. وكأن الإنسان أمر بأن يؤدي الصلاة على صفة يحصل له بها أجر صلاة واحدة، أو على صفة يحصل له بها أجر سبعة وعشرين صلاة؛ فإن حصل أجر الواحدة كانت له الإعادة لتحصيل سبعة وعشرين (٤).
وعلى هذا النظر اختلف في الإعادة بأي نية تكون على أربعة أقوال: قيل: بنية النافلة لأن الفرض قد حصل، ومحال أن يعتقد تحصيله (٥) بعد أن
_________________
(١) في (ق) بسبع وعشرين درجة وقيل بأربع وعشرين.
(٢) لم أقف على هذا الحديث بهذا اللفظ، والذي عند البخاري في الأذان ٦٤٥ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الْفَذَّ بِسبَع وَعِشرِينَ دَرجة" وفي حديث آخر عنده في الأذان ٦٤٦ عَنْ أَبِي سعيد الخُدْرِيَّ أنَّهُ سَمِعَ النَبِيَّ يَقُولُ: "صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الفَذّ بِخَمْسٍ وَعشْرِينَ درَجَةً".
(٣) لعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه الترمذي في الصلاة ٢١٩ عن جَابِر بْن يَزِيدَ بْنِ الْأَسوَدِ الْعَامِرِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النبيَ - ﷺ - حَجَّتَهُ فَصَليتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبحِ في مَسْجِدِ الْخَيفِ قَالَ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْحَرَفَ إِنَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ في أُخْرَى القَوم لم يُصَليَا مَعَهُ فَقَالَ: "عَلَيَّ بهِمَا" فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمَا أن تُصليَا مَعَنَا" فَقَالاَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَا كُنَا قَدْ صَلَّينَا في رِحَالِنَا قَالَ: "فَلاَ تَفْعَلاَ إذا صَلَّيتمَا فِي رِحَالكُمَا ثُمَّ أَتَيتُمَا مَسجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَليا مَعَهُم فَإنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ". قَالَ الترمذي: حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٤) في (ق) لتحصل السبع وعشرين، وفي (ر) السبعة والعشرين.
(٥) في (ت) و(م) يفتقر إلى تحصيله.
[ ١ / ٤٤٩ ]
حصل، فيكون كأنه ابتدأ الفرض من نفسه، وذلك ليس إليه.
وقيل: بنية الفرض لأنه إنما يطلب تحصيل أجر فرض مضعف، وذلك لا يحصل بنية النافلة. وهذان القولان مبنيان على صحة الرفض (١)؛ فمن صححه قال: يعيد بنية الفرض، ومن أبطله قال: يعيد بنية النافلة. لكن مدار (٢) الخلاف ومأخذه ما نبهنا عليه.
والقول الثالث: أنه يفوض الأمر في ذلك إلى الله تعالى ليثبت له منهما ما شاء. وهذا مذهب المدونة.
والقول الرابع: أنه يعيد بنية إكمال الفرض، قاله أبو الوليد الباجي. وهو جار على القانون الذي نبهنا عليه في وجه الإعادة.
وفائدة هذا الخلاف لو أعاد ثم ذكر بطلان أحد الصلاتين لكونها عارية عن شرط كالطهارة (٣)، أو ركن كركعة، أو جزء منهما تبطل الصلاة بتركه. فإن قلنا: يعيد بنية النافلة راعينا صحة الصلاة الأولى دون الثانية، وبالعكس إن قلنا يعيد بنية الفرض فتلزمه المحافظة على الصلاة الثانية دون الأولى. كان قلنا يفوض الأمر إلى الله تعالى فيراعي صحة الصلاتين؛ لأنه لا يدري أيتهما المكتوبة. ولا شك على ما قاله أبو الوليد أنه إن بطلت الأولى لزمته الإعادة (٤)، وإن بطلت الثانية فهو مخير؛ إن شاء اكتفى بالأولى، وإن شاء طالب (٥) تكميل الأجر فأعاد.
(الصلوات التي تعاد في الجماعة)
وقد اختلف المذهب هل يعيد كل الصلوات على الإطلاق أو بعض الصلاة دون بعض على قولين: فالمشهور أنه يعيد كل الصلوات إلا المغرب
_________________
(١) في (ر) الفرد، وفي (ق) الفرض.
(٢) في (ت) و(ق) مثار.
(٣) في (ق) شرط الطهارة أو ركن ركعة.
(٤) في (ق) لزمه إعادة الثانية.
(٥) في (ت) بطل.
[ ١ / ٤٥٠ ]
والعشاء إذا أوتر بعدها. وقال المغيرة (١): يعيد المغرب. وألزمه الأشياخ إعادة العشاء وإن أوتر. وكأن المغيرة التفت إلى عموم أمره - ﷺ - بالإعادة، لكنه عموم خرج على سبب لم تكن الصلاة المأمور بها بالإعادة شبها (٢) إلى صلاة المغرب. وبين الأصوليين خلاف في العموم الوارد على سبب هل يقصر عليه أو يتعدى إلى غيره، وأيضًا فوجه المشهور من حيث (٣) القياس أن أحد الصلاتين نافلة فلا بدّ أن [يشفعها] (٤). والنافلة لا تكون بثلاث ركعات ولا بركعة واحدة. على أنه قد اختلف لو أعاد العشاء الآخرة هل يعيد الوتر أم لا؟ وهو خلاف بالإعادة بأية نية تكون وإن قلنا بنية الفرض أعاد الوتر، وإن قلنا بنية النافلة لم يعده. واختلف أيضًا إذا أعاد المغرب على القول بأنها لا تعاد؛ فقيل: يعيدها ثالثة (٥)، وهو مذهب ابن وهب. فبذلك تحصل وترًا. وقيل: إن كان بالقرب أضاف إليها ركعة وإن تباعد لم يضف إليها شيئًا ولم يعد، وهذا هو المشهور وكأنه يرى أن إعادتها ثالثة تكثير النافلة (٦) بثلاث، ومن منع هرب من إعادتها (٧). وهذا إذا كان لم يعلم بقبح ما صنع إلا بعد كمال الصلاة؛ فإن علم بذلك (٨) وهو مع الإمام فهل يقطع بعد ركعة أو بعد ركعتين، أو يتمادى؟ قولان. وهما على تغليب أحد المكروهين لأن الإعادة عنده لا تجوز وقطع الصلاة فيه مخالفة للإمام وإبطال العمل.
_________________
(١) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث .. المخزومي، سمع أباه ومالك وغيرهما. خرج عنه البخاري كان فقيه المدينة بعد مالك وله كتب فقه قليلة في أيدي الناس. توفي سنة ثمان وثمانين وقيل في صفر يوم الأربعاء لسبع خلون منه سنة ست وثمانين ومائة" الديباج المذهب ص: ٣٤٧ وطبقات الفقهاء ص: ١٥٢.
(٢) في (ق) نسميها.
(٣) في (ق) و(ت) جهة.
(٤) ساقط من (ر) و(ت).
(٥) كذا في جميع النسخ. ولعل الصواب: ثلاثة.
(٦) في (ق) للنافلة.
(٧) في (ق) ومنه منع من إعادتها، وفي (ر) ومنه هرب عن إعادتها.
(٨) في (ر) قبل ذلك.
[ ١ / ٤٥١ ]
فصل
وقد قدمنا أن صلاته قد (١) تجزيه. ولا شك على هذا أن من صلى فذا فلا تلزمه الإعادة في جماعة. هذا ما لم يلزمه حكم الإمام بأن يدخل المسجد؛ فإن دخله لزمته الإعادة لأنها صلاة مأمور بها في حقه فأشبهت ما لم يصله من الصلوات؛ فإنه إذا أقيمت الصلاة التي لم يصلها حرم عليه الخروج من المسجد.
(حكم من دخل في صلاة النفل وأقيمت الصلاة)
فإن أقيمت الصلاة وهو في المسجد يصلي فذًا، فلا يخلو أن تكون الصلاة التي هو فيها نفلا أو فرضا؛ فإن كانت نفلا، فقال في الكتاب: إن لم يركع وكان ممن يخفف في (٢) إتمامها (٣) ويدرك الإمام أتمها، وإلا قطعها (٤). وإن صلى منها ركعة أضاف إليها أخرى، أو سلم ودخل مع الإمام. وهذا كله إذا علم أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى.
(حكم ذلك إذا كان في صلاة المغرب)
فإن علم أنه لا يدركه قطعها. وهكذا في كل ما نذكره بعد من التفصيل، إنما يتمادى إذا علم أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى.
فإن كان في فرض وهي التي أقيمت عليه فلا يخلو أن يكون المغرب أو غيرها من الصلوات؛ فإن كانت المغرب فلا شك- على قول المغيرة- أنها كغيرها. وأما على المشهور فإنه إن لم يركع قطع، وإن ركع فقولان: المشهور أنه يقطع. والشاذ: أنه يضيف إليها ركعة أخرى. وهذا لتقابل
_________________
(١) في (ق) بدا مجزية.
(٢) في (ر) و(ق) يخفف عليه في.
(٣) في (ق) عليه تمامها.
(٤) المدونة: ١/ ٩٨.
[ ١ / ٤٥٢ ]
المكروهين: أحدهما: التنفل قبل المغرب. والثاني: الانصراف من ركعة واحدة. وإن صلى ركعتين فقولان: المشهور أنه يضيف إليهما ثالثة لينصرف. والشاذ أنه يسلم ويدخل مع الإمام. وهذا أيضًا لتقابل المكروهين: التنفل قبل المغرب، والمخالفة على الإمام بأن يصلي غيرها الإمام (١) ولا يتبعه. وإن قام إلى الثالثة فلا شك على المشهور أنه يتم (٢)، وعلى القول الثاني أنه يرجع إلى الجلوس ثم يسلم ويدخل مع الإمام. وإن ركع ولم يرفع رأسه، اختلف (٣) على القول بأنه يسلم من الاثنتين؛ هل يتم هاهنا (٤) أم يرجع إلى الجلوس. وهو على الخلاف في عقد الركعة هل هو وضع (٥) اليدين على الركبتين أو رفع الرأس منها.
فصل (إذا أقيمت صلاة غير المغرب)
وإن كانت غير المغرب، فإن لم (٦) يركع فقولان: أحدهما: أنه يكمل اثنتين ثم يدخل مع الإمام، ومذهب الكتاب أنه يقطع. وفرق بين الفرض والنفل، فقيل في الفرق وجهان: أحدهما: أنه في الفرض يقطع ليأتي بها على صفة الكمال، وفي النافلة إذا قطع لا يعود إليها. والثاني: أن التأثير إنما يكون بين متجانسين (٧) لا بين فرض ونفل، وأيضًا أنه في الفرض لا بدّ أن يقطع على أقل مما دخل (٨) عليه.
_________________
(١) في (ر) الإمام فيه ولا يتبعه، وفي (ق) غيرها الإمام يصلي.
(٢) في (ر) يتم الثلاثة.
(٣) (ق) اختلف.
(٤) في (ر) فاختلف.
(٥) في (ر) موضع.
(٦) في (ت) ولم.
(٧) في (ر) المتجانسين.
(٨) في (ق) ما يدخل.
[ ١ / ٤٥٣ ]
وفي النفل إذا أتمها اثنتين فقد أتى بما استفتح عليه. وإن ركع ركعة أتم اثنتين (١). وإن أتم الركعتين سلم ودخل مع الإمام. وإن قام إلى الثالثة رجع إلى الجلوس وسلم ودخل مع الإمام. وإن ركع في الثالثة ولم يرفع رأسه فيجري على القولين في عقد الركعة ما هو. وإن رفع رأسه أتم أربعًا ودخل مع الإمام.
ويقطع في جميع ما ذكرناه بسلام. فإن لم يسلم بطلت صلاته لأنه أضاف صلاة إلى صلاة. ولو تكلم عامدًا لكان بمنزلة السلام. وإن أقيمت (٢) غير التي هو فيها فإنه (٣) محال على [حكم] (٤) قضاء الفوائت من كتاب الصلاة الثاني.
فصل (لا إعادة لمن صلى في جماعة)
ولا يعيد عندنا من صلى في جماعة؛ لأن الإعادة لما قدمناه من التلافي لما فاته من الأجر بصلاته وحده. وإذا كانت الصلاة في جماعة فلا فائت يتلافى. قال ابن حبيب: إلا أن تكون الصلاة الأولى في غير المساجد الثلاثة: الكعبة ومسجد الرسول - ﷺ - ومسجد بيت المقدس، ثم يدرك الجماعة في أحد هذه المساجد؛ فإنه يعيد لعظم الأجر في هذه بخلاف غيرها (٥).
وألزمه أبو الحسن اللخمي أن يعيد في هذه المساجد فذًا، وإن صلى
_________________
(١) في (ق) أتم.
(٢) في (ق) وأما إن أقيم.
(٣) في (ر) فبينا أنها.
(٤) ساقط من (ق).
(٥) هذا القول نسبه ابن أبي زيد القيرواني لمالك في النوادر والزيادات: ١/ ٣٢٨.
[ ١ / ٤٥٤ ]
أولًا في غيرها في جماعة لتفاوت فضل الجماعة والانفراد في غيرها (١). وألزمه ذلك من طريق القياس (٢) إلا أن يقال: إنما ورد الأمر بإعادة الفذ في جماعة، وهذا عكسه. والموضع موضع عبادة فلا يتعدى به ما ورد.
ويتساوى الأمر في الصلاة الأولى بين أن تحصل فيها الجماعة وجوبًا ويحصل ذلك بالواحد فأكثر، أو حكمًا ويحصل ذلك بالإمام يصلي في الموضع الذي عادته الإمامة فيه، ولا يصلي معه غيره فله حكم الجماعة.
(حكم من صلى معه صبي أو صلى بأهله)
واختلف الأشياخ في صورتين حولهما؛ لو صلى إنسان (٣) واقتدى به صبي صغير، هل يعيد البالغ في جماعة لأن المقتدي به غير مفترض عليه فهو في حكم العدم، أو لا يعيد لأن الجماعة حاصلة؟
وقد قدمنا تردد الباجي في صلاة الصبي هل ينظر فيها إلى مقصده وهو يقصد الفرض، أو إلى حكم العدم. أو لا يعيد لأن الجماعة حاصلة.
والصورة الثانية (٤): لو صلى في داره بأهله هل يعيد إذا أتى المسجد لعموم قوله - ﷺ - "صل معنا وإن كنت قد صليت في أهلك" (٥)، أو لا يعيد لأنه صلى في جماعة؟
_________________
(١) في (ق) فصل الانفراد فيها والجماعة في غيرها.
(٢) التصرة ص: ٧٦.
(٣) في (ق) نسيانا.
(٤) في (ق) و(ت) أو إلى حكمه عند الله تعالى وهو غير مطلوب بالفرض والصورة الثانية.
(٥) أخرج النسائي في الإمامة ٨٥٧ واللفظ له، وأحمد في مسنده ٤/ ٣٤ عَنْ مِحْجَن أَنَّهُ كَانَ فِي مَجلِس مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَذَّنَ بالصَّلَاةِ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ رَجَعَ وَمِحْجَن في مَجلِسِهِ فَقَالَ لهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا مَنَعَكَ أن تُصَليَ أَلَسْتَ بِرِجُلٍ مُسْلِم؟ " قَالَ بَلَى وَلَكِنَّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:"إِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ".
[ ١ / ٤٥٥ ]
فصل (لا يقتدي مفترض بمتنفل)
وإذا صلى وحده فلا يؤم عندنا غيره في تلك الصلاة، لإمكان أن تكون الثانية نفلًا؛ [فيكون قد أتم بمن ينوي فرضًا وهو ينوي نفلًا]، (١). وقد يلزم من قال إنه يعيد بنية الفرض [أن تصح إمامته. وقد أشار أبو القاسم بن الجلاب وغيره إلى خلاف في المسألة. وهذا راجع] (٢) إلى صحة الرفض أن يؤم فيها، هذا (٣) إذا لم يراع الخلاف، فإن أم فيها على القول بأنه لا يجوز فيعيد من ائتم به. قال ابن حبيب: ويعيدون أفرادًا؛ وهذا لأن الصلاة الأولى تجزيهم عند الشافعي وغيره، فإذا أعادوها في جماعة صاروا عند هؤلاء كمعيد في جماعة بعد أن صلى في جماعة، فراعى في الإعادة مذهب المخالف لا مذهب نفسه.
باب في تكرار الجمع في المسجد الواحد
ولا خلاف أن ذلك ممنوع إذا كان للمسجد إمام راتب، واختلف في علة منعه؛ هل حماية من تطرف أهل البدع للجمع بإمامهم والامتناع من الصلاة بأئمة العدل؟ أو حماية من الأذى للأئمة بأن يترك أهل البدع أو غيرهم الاقتداء بهم إظهارًا لبغضهم (٤).
وينتج من هذا الخلاف أن الأئمة متى أذنوا في الجمع هل يجوز أم لا؟ فعلى التعليل الأول لا يجوز إلا أن يعلم براءة من يرى الجمع من كونهم مبتدعين، وعلى التعليل الثاني يجوز مع إذن الأئمة. ويستوي في هذا
_________________
(١) ساقط من (ق) و(م).
(٢) ساقط من (ق) و(م).
(٣) ما أثبته هو من (ل)، وفي (ر) وقال بصحة الفرض أن يؤم هذا فيها وهذا، وفي (ت) وقال بصحة الرفض أن يؤم فيها هذا.
(٤) في (ت) إظهار بغضهم.
[ ١ / ٤٥٦ ]
حكم وجود الجماعة الراتبة بالصورة أو بالحكم كما قدمنا، مثاله إذا صلى فيه الإمام ولم يقتد به أحد، فإن كان المسجد لا إمام له راتب فأجازوا الجمع في نصوص المذهب، وذلك بيِّن إذا عللنا بإذاية الإمام (١). وإذا عللنا بالجماعة من تطرف المبتدعين، فينبغي أن يمنع الجمع ثانيًا، إلا مع العلم بالسلامة من الابتداع.
ولو كان المسجد مما يجمع فيه بعض الصلوات دون بعض فهل يجوز [فيه] (٢) تكرار الجمع فيما ليس العادة أن يجمع فيه؟ في المذهب قولان: أحدهما: الجواز؛ لأنه في تلك الصلاة كمسجد ليس له إمام راتب. والثاني: المنع؛ لأنه له إمام راتب في بعض الصلاة [دون بعض] (٣)، فإذا جمع في غيرها فليس لمن أتى بعده الجمع. وكأنه مبتدئ الترتيب فيما جمع فيه. وللإمام الراتب أن يجمع إذا تعدى غيره فجمع قبله (٤) إذ لا حرمة للمتعدي.
فصل (للأئمة حرمة يلزم مراعاتها)
وينخرط في هذا السلك النظر إلى مراعاة حرمة الأئمة في حكم لزوم الاقتداء بهم لمن أقيمت عليه الصلاة وهو في المسجد. وسواء كان لم يصل تلك الصلاة أو صلاها فذًا على ما قدمناه، فإن صلى في جماعة جاز له الخروج.
ومنه أيضًا المخالفة على الإمام (٥) بأن يجلس أو يصلي وهو غير مقتد
_________________
(١) في (ت) و(ق) بإذاء قلب الإمام.
(٢) ساقط من (ق).
(٣) ساقط من (ق).
(٤) في (ت) و(ق) مبتدأ فيه بالجمع فيما يجمع فيه الإمام، وذلك ممنوع، وللإمام الراتب إذا تعدى غيره لجمع قبله.
(٥) في (ر) على الإمام على.
[ ١ / ٤٥٧ ]
به. وقد نهى - ﷺ - عن ركعتي الفجر بعد الإقامة، فقال: "أَصَلَاَتانِ مَعًا" (١). ولهذا قال أهل المذهب إنه لا يركع الفجر (٢) إذا كان الإمام يصلي الصبح في المسجد، ولا في رحابه وأفنيته المتصلة به.
ومن هذا القبيل أيضًا تعدي المسجد المجاور إلى غيره، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان إمامه ممن لا يجوز الاقتداء به؛ فإن فعل فلا تبطل الصلاة عندنا وقوله - ﷺ -: "لاَ صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجدِ إِلاَّ فِي المَسْجِدِ" (٣)، محمول عند فقهاء الأمصار على نفي الكمال لا نفي الإجزاء.
باب في المواضع التي تكره فيها الصلاة
وفي الترمذي وكتاب ابن سحنون عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - "نهى عن الصلاة في سبع مواضع: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله الحرام" (٤). والأحكام في هذه تختلف.
(حكم الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق)
فأما المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق النهي عن الصلاة فيها؛ لأن
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الصلاة ٤٢٢ عن قيس بن عمرو، ومالك في النداء للصلاة ٢٨٧ عن أبي سلمة بن عبد الرحمان.
(٢) في (ق) للفجر.
(٣) أخرجه الحاكم في مستدركه ١/ ٣٧٣، والدارقطني في سننه ١/ ٤٢٠، والبيهقي في سننه ٣/ ١١١ كلهم عن أبي هريرة مرفوعًا إلا البيهقي فقد أخرجه موقوفًا على علي بن أبي طالب.
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه الترمذي في الصلاة ٣٤٦، وابن ماجه في المساجد ٤٤٦ و٤٤٧. ولفظ الترمذي "عَنِ ابنِ عُمَرَ أّنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَهَى أَنْ يُصَلَّى في سَبْعَةِ مَوَاطِنَ فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجزَرَةِ وَالْمَقْبَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَفِي الْحَمَّام وَفِي مَعَاطِنِ الإِبِلِ وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ" وقال: وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ القَوَيَّ.
[ ١ / ٤٥٨ ]
الغالب نجاستها. ومن صلى فيها؛ فإن تيقن بوجود النجاسة جرى على ما قدمناه من الخلاف فيمن صلى بنجاسة أو عليها، فإن لم يتيقن بوجود النجاسة فهل يكون كالمتيقن نظرًا إلى الغالب؟ هذا مذهب عبد الملك بن حبيب (١). أو يرجع إلى الأصل، والأصل عدم النجاسة. ولا يعيد إلا في الوقت عامدًا كان أو غيره. هذا هو المشهور. وهو على ما قدمناه من النظر إلى الأصل أو إلى الغالب.
(حكم الصلاة في المقبرة)
وأما المقبرة؛ فإن كانت غير منبوشة وأمن في موضع الصلاة من شيء من أجزاء المقبورين (٢)؛ ففي المذهب قولان: الجواز، وهو المشهور. والكراهية، وهو الشاذ. وكأن الكراهية التفاتًا إلى عموم النهي، ولأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد. والجواز للأمن من ذلك على هذه الأمة، وحمل الحديث على توقي النجاسة.
فإن كان في موضع الصلاة شيء من أجزاء المقبورين، فيجري حكم الصلاة فيها على الخلاف في الآدمي هل ينجس بالموت أم لا؟ فإن قلنا بنجاسته كان المصلي فيها مصليًا على نجاسة، وإن قلنا بطهارته لم يكن كذلك. ولكنه تكره الصلاة هناك كراهية لوطء أعضاء الميت. هذا في مقابر المسلمين.
وأما مقابر الكفار فكره عند عبد الملك بن حبيب الصلاة فيها (٣). وعلل بأنه حفرة من حفر النار. ولكن من صلى فيها وأمن من النجاسة فلا تفسد صلاته وإن لم يأمن كان جاريًا على ما قدمناه في المصلي على نجاسة.
_________________
(١) النوادر والزيادات: ١/ ٢٢٠.
(٢) في (ت) القبور.
(٣) قال ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات ١/ ٢٢٠: (قال ابن حبيب في من صلى في مقبرة المشركين وهي عامرة أعاد أبدًا في العمد والجهل، وإن كانت دارسة لم يعد وقد أخطأ).
[ ١ / ٤٥٩ ]
(حكم الصلاة في الحمام)
وأما الحمام فتكره الصلاة فيه ابتداء؛ لأنه محل الأوساخ. وفي المذهب خلاف في [البخار] (١) المتصعد إلى أعلاه هل يكون ما يقطر منه نجس أم لا؟ وهو على الخلاف في رماد الميتة وما في معناه. وقد قدمنا سبب الخلاف في ذلك. فإن التجأ إلى الصلاة فيه، وسلم موضعه من النجاسة، صحت الصلاة.
وأما معاطن الإبل؛ فقد وقع في الحديث النهي عن الصلاة فيها ونهى عنها أهل المذهب. ولكن اختلفوا في علة النهي على أربعة طرق: أحدها: أن الناس يستترون بها عند البراز؛ فعلى هذا إن أمن من نجاسة الموضع جازت الصلاة، وإن تيقنت النجاسة لم تجز. وإن لم يتيقن فكان الغالب وجودها جرى على ما قدمنا من الخلاف التفاتًا إلى الأصل والغالب.
والطريقة الثانية أن العلة كونها خلقت من جان، وهذا لا يؤدي إلى منع الصلاة بل إلى كراهيتها (٢) إن صحت.
والثالثة: لزفور (٣) رائحتها. والمستحب في الصلاة النظافة والبعد عن الأقذار، وهذا أيضًا لا يؤدي إلى المنع.
والرابعة: شدة نفورتها (٤) فلا يأمن أن يثبت على جسمه (٥)، وإن لم يثبت فسدت الصلاة. وهذا قد يؤدي إلى المنع.
وقد اختلف المذهب هل يعيد من صلى في معاطنها عامدًا وإن ذهب
_________________
(١) ساقط من (ق) وفي (ر) و(ت) الدخان.
(٢) في (ق) بل ولا إلى كراهيتها.
(٣) في (ق) ادبور. لم أقف على معنى للزفورة يتناسب مع السياق، ولعل المقصود؛ نتن رائحتها.
(٤) في (ت) نفوزها وفي (ق) نقورها.
(٥) في (ق) حبسه.
[ ١ / ٤٦٠ ]
الوقت، ومثله الجاهل، وهذا رأي ابن حبيب. ولا يعيد إلا في الوقت استحبابًا. وهذا الخلاف يجري على التعليل الأول بالالتفات إلى النجاسة. وجمع القاضي أبو محمد في بعض كتبه هذا التعليل فقال: لا يصلي في معاطنها، وذكر العلل الأربعة فساقها مساقًا واحدًا.
فصل (في الصلاة فوق الكعبة وفي جوفها)
وأما الصلاة فوق الكعبة فالنهي عنها لمعنى آخر، وهو أن المذهب اختلف هل المقصود سمت (١) الكعبة أو عينها؟ وقد اختلف المذهب في الصلاة على ظهر الكعبة هل هي منهي عنها على الإطلاق؟ أو يشترط ألا يجعل عليها [بين يديه] (٢) قائمًا يقصده المصلي، والأول: رأي الجماعة، والثاني: تأويل القاضي أبي محمد على المذهب، فكأنه يرى أنه متى أقيم عليها قائم يستقبله المصلي صار كالمصلي إلى فنائها (٣) فتكون الصلاة هناك إلى الفناء (٤) لا إلى السمت، فهذا وإن صح له حكم الاتصال فإنه يكون المصلي إليه قد ترك بعض سمت القبلة (٥) وراء ظهره فأشبه المصلي في الكعبة. وفي المذهب خلاف في المصلي في الكعبة هل تبطل صلاته فيعيد وإن ذهب الوقت أو تصح صلاته فلا يعيد؟ أو يعيد في الوقت دون غيره؟ وقد رواه بلال عن النبي ﵊ أنه صلى النافلة في الكعبة (٦).
_________________
(١) سمت الكعبة: جهتها.
(٢) ساقط من (ق).
(٣) في (ق) و(ت) كالمصلي بفنائها.
(٤) في (ق) القائم.
(٥) في (ق) الكعبة.
(٦) أخرج البخاري في الصلاة ٣٩٧ عن ابن عمر قال: سَأَلْتُ بِلَالًا فَقُلْتُ: أَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - في الكَعْبَةِ قَالَ: نَعَمْ رَكعَتَينِ بَيْنَ السَّارَيتَيْنِ اللَّتين عَلَى يَسَارِهِ إِذا دَخَلتَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى في وَجْهِ الكَعْبَةِ رَكْعَتَينِ".
[ ١ / ٤٦١ ]
وروى ابن عباس أنه لم يصل (١)، وهي دخلة واحدة. لكن بناء الحديثين على أن بلالًا حكى ما رأى وشهد، وقد دخل معه - ﷺ -. وحكى ابن عباس ما ظنه، لأنه - ﷺ - لم يطل الجلوس، ولقرب خروجه ظنه لم يصل. وقيل: وفيه معنى قول بلال صلى يعني صلاة لغوية وهي الدعاء؛ فمن عول على رواية بلال تأول ما حكاه ابن عباس، ورأى أن الفريضة كالنافلة في وجوب الاستقبال في الحضر مع الاختيار لم (٢) يؤمر بالإعادة. وتأول أبو الحسن اللخمي على [رواية] (٣) أشهب جواز الصلاة ابتداء (٤) وهو مقتضى [هذا] (٥) الذي ذكرناه، ومن عول على رواية ابن عباس وتأول ما حكاه بلال قال بمنع الصلاة وأوجب الإعادة بعد الوقت لوجود (٦) الاقتصار عن استقبال القبلة. ومن صلى في جوفها لم يستقبل حقيقة.
ومن ترجح الأمر عنده أمر بالإعادة في الوقت. ويحتمل أن يبني على المنع لكن إذا صلى أوقع ما اختلف الناس فيه، ولا (٧) تجب الإعادة إلا في الوقت، أو يبني على الصحة ولكن يؤمر بالإعادة ليخرج من الخلاف احتياطًا. هذا الالتفات إلى الآثار.
وأما الاعتبار فقد سلك أهل المذهب في تعليل المنع طريقين: أحدهما: أن المصلي في الكعبة مستدبر لبعضها، وقد أمر باستقبال جميعها، وهذا تعليل متقدمي أهل المذهب. والثاني: أن المصلي في الكعبة يستحيل في حقه التكليف؛ لأنه حيثما أدار وجهه كان إلى جدار الكعبة، وإنما يصح
_________________
(١) أخرج البخاري في الصلاة ٣٩٨ عنِ ابْنَ عَبَّاس قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْبَيْتَ دَعَا فِي نَواحِيهِ كُلَّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرّجَ مِنْهُ فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكعَتَينِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ.
(٢) في (ر) ولم.
(٣) ساقط من (ر) و(ت).
(٤) التبصرة ص: ٧٩.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ق) لوجوب.
(٧) في (ق) فلا.
[ ١ / ٤٦٢ ]
التكليف متى كان المكلف قادرًا على الامتثال وتركه، وهاهنا (١) لا يقدر على الترك. وهذا مذهب عبد المنعم ابن خلدون (٢).
وهذا الذي قاله لا يشترط على أصلنا في التكليف، وأيضًا فإن المصلي في الكعبة قادر على الخروج منها جملة إلا أن يمنع الخروج. فيتصور ما قاله ابن خلدون. وحكم الحِجر حكم البيت وهو ما في فناء الكعبة. أصله منها (٣)، عجزت الجاهلية عن إدخاله فيها لما بنتها بعد أن هدمها السيل. وقد أعاده عبد الله بن الزبير (٤) إلى ما كان عليه قديمًا من اشتمال الكعبة عليه لما سمعه من قول النبي - ﷺ - لعائشة ﵂: "لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم ﵇" (٥). فلما استولى عليه الحجاج (٦) هدم ما بناه وأخرج الحجر فأعاده على ما بنته الجاهلية.
_________________
(١) في (ق) و(ر) هاهنا، وفي (م) وترك هاهنا.
(٢) هو: أبو الطيب بن خلدون عبد المنعم بن إبراهيم الكندي المعروف بابن بنت خلدون أخذ عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران الفاسي وبه تفقه اللخمي وأبو إسحاق بن منظور القفصي وغيرهم، له على المدونة تعليق مفيد توفي ٤٣٢ هـ" شجرة ١٠٧ (٢٨٠).
(٣) في (ق) و(ت) بناء أصلها.
(٤) هو: عبد الله بن الزبير ابن العوام بن خويلد بن أسد القرشي مسنده نحو من ثلاثة وثلاثين حديثًا كان عبد الله أول مولود للمهاجرين بالمدينة ولد سنة اثنتين وقيل سنة إحدى عداده في صغار الصحابة إن كان كبيرًا في العلم والشرف والجهاد والعبادة وقد روى أيضًا عن أبيه وجده لأمه الصديق وأمه أسماء وخالته عائشة قتل بمكة على يد الحجاج سنة ٧٣ هـ. سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٦٣.
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ وهو عند البخاري في الحج ١٥٨٣ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَن رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ لَهِا: أَلَم تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الكَعبَةَ اقتصَرُوا عن قوَاعِدِ إِبرَاهيمَ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ تَرُدُّها عَلَى قَوَاعِدِ إِبراهِيمَ قالَ: "لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بالكُفْرِ لَفَعَلتُ" وقال العجلوني في كشف الخفاء ٢/ ٢١٥ بعدما ساق حديث: "لولا قومك حديثو عهد بالجاهلية لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم": "هكذا اشتهر هذا اللفظ على ألسنة الفقهاء والمعربين".
(٦) هو الحجاج بن يوسف الثقفي، قال الذهبي: "أهلكه الله في رمضان سنة خمس وتسعين كهلًا وكان ظلومًا جبارًا ناصبيًا خبيثًا سافكًا للدماء وكان ذا شجاعة وإقدام ومكر ودهاء وفصاحة وبلاغة وتعظيم للقرآن حاصر ابن الزبير بالكعبة ورماها =
[ ١ / ٤٦٣ ]
ولا يصلى فيه ولا في الكعبة السنن، فإن صلى فيها أو صلى فيه ركعتي الطواف فهل يكتفي بهما أو يعيدهما؟ في المذهب قولان. وهو على ما قدمناه في المصلي في الكعبة هل يعيد أبدًا أم لا؟
فصل (حكم من صلى إلى غير قبلة)
وقد تقدم أن من فروض الصلاة استقبال القبلة، وذكرنا حكم المريض العاجز. ولا خلاف بين الأمة في وجوب استقبال القبلة مع القدرة والإمكان. فإن صلى مصل إلى غير القبلة فهل يعيد؟ لا يخلو أن يكون اجتهد فأخطأ، أو تعمد، أو نسي، أو جهل؛ فإن اجتهد فأخطأ فلا يخلو أن يعيد (١) بعد المعرفة بخطئه (٢) إلى يقين أم لا يأمن الخطأ في الإعادة كما لو لم يأمنه في الأولى (٣)؟ فإن رجع إلى [اليقين في الاستقبال فإنه يعيد في الوقت (٥)، وهل يعيد] (٤) بعد الوقت؟ قولان. فظاهر الكتاب أنه يعيد في الوقت (٥)، ولأصبغ وغيره أنه يعيد وإن خرج الوقت، وهو على الخلاف في حصول العذر بالاجتهاد. وإن انتقل إلى الاجتهاد مع القدرة على طلب اليقين أعاد أبدًا بلا خلاف.
_________________
(١) = بالمنجنيق وأذل أهل الحرمين تولى على العراق والمشرق كله عشرين سنة نسبه ولا نحبه بل نبغضه في الله فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله وله توحيد في الجملة " سير أعلام النبلاء ج: ٤ ص: ٣٤٣.
(٢) في (ر): يعود.
(٣) في (ق) بخطابه.
(٤) في (ق) الأداء.
(٥) خرم في (ت) وفي (ر) و(ق) و(م) "يقين ويتصور فيمن كان في جبال مكة وشعابها أو بالقرب منها بحيث يرجع إلى يقين استقبال القبلة فإن كان ممن يباح له الاجتهاد وأخطأ في اجتهاده ففي إعادته". وما أثبته من (ل).
(٦) المدونة:١/ ٩٣.
[ ١ / ٤٦٤ ]
قالوا: وهكذا يجري الحكم في مدينته - ﷺ - إذ كون قبلتها صحيحة مقطوعًا بها؛ لأن جبريل ﵇ أقامها (١) وألحق بهذا المتأخرون من أهل المذهب بيت المقدس. ولو اجتهد فتبين له أنه استدبر القبلة؛ فإنه يعود هاهنا إلى يقين كون القبلة في غير الجهة التي استقبلها.
(كيفية الاجتهاد في معرفة القبلة)
وكيف الطريق إلى الاجتهاد؟ أما العارف بأحكام الطوالع والمغارب وعروض البلاد ونسبتها إلى الكعبة فيحال إلى معرفته في حق هذا. والطريق إلى المعرفة في هذا أدق ويطول. ولكن يتوصل منها إلى اليقين، أو ما يقاربه. وأما غير هذا فقد قرب إليه بأن ينظر إلى نهاية الشمس في منتهى أرتفاعها في وسط النهار، فيقوم قائمًا فينظر إلى ظله فيعلم أنه أخذ من القبلة إلى الدبور. وهذا لا يتحصل منه ما يقارب اليقين لاختلاف الظلال في البلاد وبالشتاء والصيف. وأوضح من هذا أن ينظر إلى القطب (٢) الشمالي وهو: نجم خفي يدور عليه بنات نعش (٣) وهو: وسط السمكة (٤) فيجعلها على كتفه الأيسر ثم يستقبل الجنوب فيكون وجهه إلى القبلة. فهذا صحيح في قطر الشام والمغرب (٥). فإن فقد هذا بوجود السحاب استدل بالجبال والرياح، فإن عميت عليه طرق الأدلة فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يصلي أربع صلوات إلى الجهات الأربع لأنه لا يأمن الخطأ في أحدهما: والثاني: أنه يختار جهته فيصلي إليها. وهذا لأن الواجب في ذمته صلاة واحدة، وهو
_________________
(١) في (ت) إتمامها.
(٢) في (ر): القبض.
(٣) جاء في لسان العرب ٦/ ٣٥٥: بنات نعش: سبعة كواكب أربعة منها نعش لأنها مربعة وثلاثة بنات نعش؛ نيل شبهت بحملة النعش في تربيعه.
(٤) هي: كواكب كثيرة صغار على صورة السمكة يقال لها: بطن الحوت وفي سرتها كوكب نير ينزله القمر. انظر لسان العرب: ٦/ ٣٥٥.
(٥) قلت: لا يمكن أن يتفق الشام في اتجاه القبلة مع المغرب لأن أهل الشام يصلون إلى الجنوب وأهل المغرب إلى المشرق.
[ ١ / ٤٦٥ ]
معذور لخفاء الأدلة (١). وقد حمل على هذه الصورة قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢).
فصل (حكم من أعاد الصلاة ولم يتيقن بالجهة)
وإن كان لا يأمن الخطأ في الإعادة بأن يكون اجتهد في غير مكة والمدينة فأخطأ بأن شرَّق أو غرَّب، فالمنصوص من المذهب أنه لا يعيد إلا في الوقت؛ لأنه يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد. وهذا أوضح في حق غير العارف. فأما العارف فكما قلناه. ويتصور في رجوعه إلى اليقين، لكن أحكام الشريعة لا تبنى على الالتفات إلى معرفة مثل هذا، وإنما تبنى على ما يذكره الجمهور. وفي المذهب (٣) قولان في الالتفات إلى نوادر بعض الصور. وأشار بعض البغداديين إلى أن من أدرك العلم برؤية الأهلة بحسابه أنه (٤) يصوم على حسابه. وهذا من ذلك القبيل.
ومن استقبل غير القبلة ناسيًا؛ فظاهر المذهب أنه يعيد وإن خرج الوقت، ولا شك في ذلك في العامد، وهكذا حكم الجاهل. وحكى أبو الحسن اللخمي قولين في الناسي (٥)، فكذلك [في] (٦) الجاهل هل يعيد كل واحد منهما في الوقت وبعده؟ ولا يوجد (٧) خلاف في ذلك، وإن ما يقع في هذا الباب محمول على المجتهد، وهكذا حمله أبو الحسن اللخمي (٨).
_________________
(١) في (ق) لخفاء الأدلة عليه.
(٢) البقرة: ١١٥.
(٣) في (ت) المدونة.
(٤) في (ت) له أن.
(٥) التبصرة ص: ٧٨.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) في (ق) ولا يوجد نص خلاف.
(٨) في (ق) و(ت) أبو الحسن القابسي.
[ ١ / ٤٦٦ ]
باب فى حكم وقت الضرورة وما يتعلق به من النظر في صلاة أهل (١) الأعذار
وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ (٢)، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" (٣)، ولا خلاف في تناول (٤) الحديث لأصحاب الضرورة. وهل يتناول أهل الاختيار؟ في ذلك قولان يأتي بيانهما. واختلف أيضًا في الركعة المشار إليها هل هي كمال الركعة بسجدتيها، وهو المشهور؟ أو مجرد الركوع، وهو مذهب أشهب؟ وهذا على الخلاف في الألفاظ الواردة هل تحمل على العرف الشرعي أو على مقتضاها لغة؟ فمن حملها (٥) على العرف الشرعي حصل (٦) منه المشهور، ومن حملها على مقتضى اللغة حصل منه القول الشاذ. ويلتفت (٧) هذا إلى الخلاف في حمل الألفاظ على الأقل أو على الأكثر. وقد قال المحققون في الانتصار (٨) للمشهور إن رسول الله - ﷺ - إنما جعل مُدْرَكَ الصلاة قبل الطلوع أو قبل الغروب بالركعة لأن الركعة صلاة كاملة؛ فيها تكبير وقيام وقراءة وركوع وسجود، وهذه (٩) جملة أحكام الصلاة. ثم الركعات بعدها تكرير لهذه الأفعال من غير زيادة، وإنما تكررت لحصول تأثيرها في النفس وهي في
_________________
(١) في (ق) و(ت) أصحاب.
(٢) في (ر) "صلاة الصبح" بزيادة صلاة. ولم أقف على هذه الزيادة في أي من كتب الحديث التي وقفت عليها.
(٣) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة ٥٧٩، ومسلم في المساجد ٦٠٨ واللفظ له.
(٤) في (ت) و(ق) تأويل.
(٥) في (ت) مقتضى اللغة ممن حملها.
(٦) في (ر) و(ت) جاء.
(٧) في (ق) ويلتف.
(٨) في (ق) الاختصار.
(٩) في (ر) وهذا.
[ ١ / ٤٦٧ ]
معنى الأول قطعًا، فالمدرك للركعة حصلت له جملة الصلاة في الوقت، وتحصيل المقصود من التأثير بالتكرير بعد الوقت، ولا يكون ذلك مفيتًا للصلاة.
[فصل] (١) (أصحاب الأعذار الخمسة)
وأصحاب الأعذار [هم] (٢) خمسة: الحائض تطهر، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وفاقد عقله يفيق، والناسي يذكر. وهؤلاء إذا بقي لهم من الوقت الضروري الذي حددناه في أول الكتاب مقدار جملة الصلاة أو ركعة منها على ما حددناه من الاختلاف وجب عليهم القضاء (٣). وهل يقدر لهم للإدراك بعد كمال تحصيل شروط الصلاة؟ أما الحائض فيقدر لها ذلك بلا خلاف، وأما ما عدا ذلك (٤) ففي تقدير ذلك قولان. وقد اختلف المتأخرون هل يجري الخلاف في الحائض ويكون سببه في الجميع هل الطهارة شرط في الوجوب فلا يلزم هؤلاء الصلاة إلا لبقاء ركعة بعد كمال الطهارة، أو شرط في الأداء فيراعى زوال الأعذار دون أن تحصل الطهارة؟ أو لا يجري الخلاف فيها فيكون الفرق بين الحائض وبين من ذكر معها أن الكافر قادر على أن يشهد بالشهادة في أول النهار فلا يرخص له من جهة أنه متعذر. وهذا يجري على الخلاف فيه هل هو مخاطب بفروع الشريعة فلا يراعى إلا زوال عذره، أو هو غير مخاطب فيراعى كمال طهارته؟
والصبي كان ممن خوطب بالصلاة قبل البلوغ مخاطبة مثله إذ يؤدب
على تركها. فمن التفت إلى هذا لم يراع إلا زوال عذره ووجود الاحتلام.
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ق) و(ت).
(٢) ساقط من (ق) و(ر) و(ت).
(٣) في (ق) القضاء بلا خلاف.
(٤) في (ت) وأما ما عداها.
[ ١ / ٤٦٨ ]
ففي المذهب قولان في الصبي يبلغ بعد أن أدى الصلاة في أول الوقت ويكون بلوغه في الوقت. هل تجب عليه الإعادة أم لا؟ وإسقاط الإعادة يقتضي أنه مخاطب بالصلاة في أول الوقت؛ فمن التفت إلى هذا قال بمراعاة زوال العذر كما قدمنا، ومن التفت إلى حقيقة الوجوب وأنه لا يحصل إلا بعد البلوغ راعى تحصيل الغسل.
وللفاقد للعقل قد قال بعض المخالفين يجب عليه القضاء، فمن التفت إلى هذا الخلاف لم يراع إلا زوال عذره.
ولا خلاف في الحائض أنها غير مخاطبة بالصلاة في حال الحيض ولا تقضيها، فلهذا اتفق على مراعاة تحصيل الغسل. وإذا راعينا (١) ذلك فيراعى فيه القدر المأمور به دون مراعاة حال المتطهر في وسوسته وتطويله. ولا خلاف في الناسي يذكر، أنه لا يراعي إلا زوال عذره دون تحصيل الشروط. وظاهر حكم الصلاة الواحدة كالصبح أنه يراعى بقاء ركعة لطلوع الشمس. فإن كان في الذمة صلاتان كالظهر والعصر، أو المغرب والعشاء؛ فأما الظهر والعصر فاشترط أن يدرك جميع صلاة (٢) الأول، وركعة من الآخر. وذلك مقدار خمس ركعات للحاضر وثلاث ركعات للمسافر.
وأما المغرب والعشاء؛ فإن أدرك جميع الأولى وركعة من الآخرة كان مدركا للصلاتين. وهذا كأربع ركعات في حق المسافر (٣).
وأما الحاضر يدرك أربع ركعات والمسافر يدرك ثلاثًا ففي سقوط الأول من الذمة قولان.
وسبب الخلاف هل يجعل الوقت الذي زال فيه العذر لأول الصلاتين أو لآخرتيهما؛ فإن جعلنا الوقت للآخرة سقط المغرب في حق الحاضر يدرك أربع ركعات ووجبت الصلاتان في حق المسافر يدرك ثلاثًا، وإن
_________________
(١) في (ق) راعينا تحصيل.
(٢) في (ر): الصلاة.
(٣) في (ت) وهذا كما لو أدرك المسافر منها أربع ركعات.
[ ١ / ٤٦٩ ]
جعلنا (١) الوقت لأول الصلاتين وجبت الصلاتان في حق الحاضر يدرك أربع ركعات وسقطت الأولى في حق المسافر يدرك ثلاثًا. فهو على الخلاف في الاشتراك لأصحاب الضرورات هل يقدر من أول وقتي الصلاتين أو بعد مضي زمان مقدار الأول.
وعلى هذا الخلاف لو صلت العصر أولًا ثم حاضت وقد بقي مقدار أربع ركعات هل يسقط الظهر لأن هذا الوقت مستحق لها، أو تكون مقررة (٢) في ذمتها لأن هذا الوقت مختص بالعصر ووقوعها أولًا قبل الظهر كأنها وقعت في غير محلها؟
فصل (متى يجب على الحائض قضاء الصلاة)
وقد قدمنا ما في المذهب من مراعاة تحصيل الشروط لأصحاب الأعذار. فلو حصل للحائض تطهير أو لغيرها التطهر ثم أحدثت، وكانت إذا أعادت الطهر فات وقت الصلاة، فالقضاء واجب عليها باتفاق. لأنها بعد التطهر مطلوبة بالصلاة. فإحداثها كإحداث من هو مطلوب بالصلاة، وقد تعينت عليها فيجب عليها العودة للتطهر (٣) وقضاء الصلاة. ولو تطهرت بماء نجس ثم علمت به بعد أن أكملت طهرها وكانت لو أخذت في الظهر لانقضى الوقت، فهاهنا قولان: أحدهما: وجوب القضاء في ذمتها. والثاني: نفيه وهذا على الخلاف في المخطىء مجتهدًا هل يعذر بخطئه؟ وذلك إنما يتصور إذا لم يكن الماء متغير أحد الأوصاف أو كان متغيرًا بنجاسة فظن أنه متغير لقراره (٤). ولو علمت بتغيره لم يكن إشكال في
_________________
(١) في (ر) جعل.
(٢) في (ق) و(ر) مقدرة.
(٣) في (ق) التطهر.
(٤) في (ق) أنه تغير بقراره وفي (ت) متغير من قراره.
[ ١ / ٤٧٠ ]
وجوب القضاء عليها. ويجري على قول من حكم بطهارة الماء حلته النجاسة ولم تغير أحد أوصافه أن تصلي هذه (١) من غير إعادة. وعلى قول من جعله مشكوكا فيه أن تصلي به ثم تتطهر (٢) بغيره وتصلي إن وجدت. وإن لم تجد فيجري على الخلاف هل تصلي به وبالتيمم صلاة واحدة، أو بكل واحد منهما صلاة على ما قدمنا؟ ويظهر هاهنا أنها إذا ذكرت ذلك بعد التطهر به أنها تتيمم وتصلي (٣) صلاة واحدة لحصوله في الأعضاء.
[فصل] (٤) (تعويل أصحاب الأعذار على التقدير)
وأصحاب الأعذار يعولون على (٥) التقدير بغلبة الظن؛ فإن ثبت في ظنونهم أن الوقت بقي منه ما يدركون (٦) به الصلاتين جميعًا كما قدمناه عولوا على ما ثبت في ظنونهم، فإن قدرت الحائض مثلًا أن الوقت بقي منه مقدار خمس ركعات فعولت على صلاة الظهر والعصر، فلما صلت ركعة (٧) غربت الشمس، أنها تنصرف من صلاة الظهر وتصلي العصر.
وهل الأولى انصرافها من شفع أو تقطع بعد وتر إن شاءت؟ في المذهب قولان. وهاهنا التمادي إلى الشفع مأمورة (٨) به لحق الابتداء، والقطع مأمورة (٩) به لحق الصلاة الواجبة حقيقة. وفي العصر فيمن تقابل
_________________
(١) في (ت) أن تصلي عند من غير.
(٢) في (ر) وتتطهر.
(٣) في (ق) تصلي به.
(٤) هذا الفصل والفصلان المواليان له ساقطون من (ر).
(٥) في (ق) يقولون إن التقدير.
(٦) في (ت) يدرك.
(٧) في (ق) ركعتين من الظهر.
(٨) في (ت) مأمور.
(٩) في (ت) مأمور.
[ ١ / ٤٧١ ]
عنده الأمران خُيِّرَ، ومن ترجح عنده حكم الابتداء (١) وكان الانصراف على وتر عنده ممنوعًا أمر بالتمادي.
ولو قدرت بالعكس فظنت أن الباقي من الوقت يسع الصلاة الثانية دون الأولى فبدأت بالثانية ثم ظهر لها اتساع الوقت للصلاتين فلا يخلو أن يظهر لها ذلك في الصلاة أو بعد كمالها؟ فإن ظهر في الصلاة انصرفت عنها وأتت بالأولى ثم بالثانية.
وهل تنصرف على شفع؟ يجري على الخلاف الذي قدمناه. وإن ظهر (٢) ذلك بعد كمال العصر، أعادت الظهر. وهل تعيد العصر؟ قولان. وهذا على (٣) ما قدمناه في الوقت. وهل يقال إن أوله مستحق للأولى لا تشاركها الثانية فيه فيجب عليها هاهنا قضاء الصلاتين جميعًا، لأن الزمان الذي طهرت فيه مقدر بالزوال في حق المختار. فإذا أدت فيه صلاة العصر فكأنها أوقعتها في وقت الظهر المختص بها، فلا تجزيها.
ويقال: إن الوقت يقع فيه الاشتراك من بدايته إلى نهايته، فصارت موقعة للصلاة في وقتها حقيقة فتجزيها وتعيد الظهر. فتكون كأنها صلت صلاة العصر وأكملته، ثم ذكرت ظهرًا من يوم ثان ولم يبق من الوقت إلا مقدار ما يسع الصلاة المنسية، فإنها لا تعيد العصر. وأما لو صلت العصر ناسية الظهر ولا حيض بها أو غيرها من سائر الناس ثم ذكرت الظهر، ولم يبق من الوقت إلا ما يسع الظهر خاصة فهل تعيد العصر؟ قولان وهما على ما قدمناه أيضًا.
فصل (هل يُبْتَدَأ بالحاضرة أو المنسية عند ضيق الوقت)
ولو بقي من الوقت مقدار صلاة واحدة ثم ذكر أصحاب الأعذار صلاة منسية. فهل يبتدؤون بالحاضرة أو بالمنسية؟ قولان توجيههما محال على
_________________
(١) في (ق) الابتداء أو القطع.
(٢) في (ق) وإن ذكرت ذلك.
(٣) في (م) حاصل.
[ ١ / ٤٧٢ ]
حكم قضاء الفوائت. وإذا قلنا بالابتداء بالحاضرة -وهو الشاذ- فلا شك أن هؤلاء يصلون الحاضرة ثم المنسية بعد الوقت. فإذا قلنا بالابتداء بالمنسية فضاق الوقت على قضائها فهل عليهم قضاء الحاضرة بعد الوقت؟ [قولان: أحدهما: وجوب القضاء لتوجبه الصلاة في] (١) الوقت، وإنما بدئ بالمنسية لحق الرتبة (٢) في الصلاة المنسية. والثماني: سقوط القضاء؛ لأن الوقت [مستحق للمنسية ولم يبق للحاضرة بعده شيء. وكان الأعذار إنما ارتفعت بعد خروج الوقت (٣).
فصل (حكم المسافر يقدم والحاضر يسافر)
وقد ألحق أهل المذهب بأصحاب الأعذار المسافرَ يقدُم وقد [بقي من النهار مقدار خمس ركعات فيؤدي الصلاتين حضريتين (٤). والحاضر يسافر وقد بقي من النهار مقدار ثلاث ركعات فيؤديها سفريتين؛ فهذا يقتضي تنزيل قوله - ﷺ -:"من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة" الحديث (٥) كما تقدم على عمومه في أصحاب الأعذار. والاختيار يقتضي هذا من قولهم أن مؤخر الصلاة إلى أن يبقى من الوقت مقدار ركعة مؤد غير قاض. وحكى أبو الحسن اللخمي الاتفاق على تأثيم من فعل ذلك عمدًا. وما قاله أهل المذهب في حكم الحاضر والمسافر يقتضي خلاف
_________________
(١) غير واضح في (ت).
(٢) في (ق) الترتيب.
(٣) غير واضح في (ت).
(٤) غير واضح في (ت).
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وقد أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة ٥٧٩، ومسلم في المساجد ٦٠٨ بلفظ قريب ولفظ مسلم: "مَن أَدّرَكَ رَكعَة مِنَ الصُّبح قبلَ أَن تَطلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةَ مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ".
[ ١ / ٤٧٣ ]
قوله. وما قاله أيضًا يشبه قول أبي إسحاق التونسي أن من أخر صلاة العصر إلى الاصفرار يكون آثمًا مع كونه مؤديًا. ولا يتفق الأداء والتأثيم؛ لأن معنى الأداء موافقة الأمر، والتأثيم إنما يحصل لمخالفته. فكان بعض الأشياخ (١) يقول: لو قيل إن مؤخر الصلاة عن الأوقات التي حددها جبريل ﵇ في صلاته بالنبي ﵇ يكون آثما لكان صوابًا.
وما ورد من الجمع بعرفة والمزدلفة، والجمع في السفر والمرض والمطر، فذلك يقتضي اختصاص هذه الأوقات بهذه الضرورات ولا يلحق بها غيرها. وإلى هذا يميل أبو الحسن اللخمي (٢). وهو مذهب الإصطخري (٣) من أصحاب الشافعي. ولكن الجمهور على خلافه، معولين على قوله - ﷺ -: "من أدرك ركعة من العصر الحديث"] (٤).
فصل (هل يحصل انعكاس الأمر بطرء الأعذار)
وقد قدمنا حكم ارتفاع الأعذار. وهل يحصل (٥) انعكاس الأمر بطرء (٦) الأعذار؟ أما الحائض فظاهر انعكاس الأمر فيها بأن تكون طاهرًا (٧) فتحيض أو حائضًا فتطهر. وكذلك العاقل يجن، والمجنون يفيق، والحاضر
_________________
(١) في (ق) وكان بعض أشياخي.
(٢) في (ق) سبيل أبي الحسن اللخمي ﵁.
(٣) هو: الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى أبو سعيد الإصطخري شيخ الشافعية ببغداد ومحتسبها، له مصنفات مفيدة منها أدب القضاء توفي في ربيع الآخر وقيل في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. انظر طبقات الشافعية ٢/ ١٠٩ وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٥٠.
(٤) آخر السقط من (ر).
(٥) في (ق) يصح.
(٦) في (ق) بطرق.
(٧) في (ر) طاهرة.
[ ١ / ٤٧٤ ]
يسافر، والمسافر يحضر، والذاكر ينسى. ويتصور في هذا الطردُ والعكسُ دون غيره، ولا يصح بعد الوقت. ولا يصح ذلك في الصبي يحتلم ولا ينعكس الأمر في حقه، ولا الكافر يسلم.
وأما الناسي يذكر فيتصور انعكاس الأمر في حقه. لكن إن نسي بعد ذكره فلا يسقط عنه قضاء الصلاة، بخلاف الطاهر تحيض، والعاقل يفقد عقله. وما قالوا أيضًا في الطاهر والعاقل يقتضي كونهما مؤديين وإن أخرا الصلاة حتى لو لم يبق إلا [مقدار] (١) ركعة واحدة. لذلك ما وجبت الصلاة في ذمتيهما متى ظهرت أعذارهما ولو لم يبق إلا مقدار ركعة في حق الصلاة الواحدة أو صلاة كاملة، وركعة في حق الصلاتين جميعًا. ثم يجري الخلاف في هذين وفي المسافر يقدم والحاضر يسافر إذا بقي لطلوع الفجر أربع ركعات، أو ثلاث ركعات على ما قدمنا من الخلاف في جعل (٢) الوقت لآخر الصلاتين أو لأولهما.
ولو أخرت الطاهر مثلًا العصر حتى لم يبق إلا مقدار ركعة واحدة فقامت تصليها، فلما أكملتها وغربت الشمس حاضت قبل إكمال الصلاة، فهل يجب عليها قضاء هذه الصلاة لأنها حاضت بعد (٣) وقتها أو لا يجب عليها قضاؤها؟ في ذلك قولان.
ومثار هذا الخلاف في مدرك ركعة من الوقت هل يكون مؤديًا لجميع الصلاة؟ وهو مقتضى سقوط القضاء عنها، أو مؤديًا للركعة وقاضيًا للثلاث (٤) الواقعة بعد الوقت، وهو مقتضى وجوب القضاء عليها.
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ت).
(٢) في (ق) في من جعل.
(٣) في (ق) قبل.
(٤) في (ق) لثلاثة و(ر) لثلاث.
[ ١ / ٤٧٥ ]
باب في حكم ستر العورة وخصوصها بالصلاة
(تعريف العورة لغة)
والعورة في اللغة (١) هو ما يحاذر الإنسان التطرق إليه منه، والنظر إليه والتطلع عليه. قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ (٢)، ومعنى ذلك ما يحاذر الاطلاع عليه، وهو مقصودنا (٣)، وما يحاذر النظر إليه.
والنظر في هذا الباب في ثلاثة أركان: أحدها: [ما هي] (٤) العورة؟ والثاني: متى يجب عليه سترها؟ والثالث: في المقدار الساتر لها.
(ما هي العووة؟ وذكر الخلاف في تحديدها)
فأما العورة ما هي؟ فإن المكلفين صنفان: رجال ونساء، والنساء قسمان: أرقاء وحرائر (٥). فأما الرجال فاجتمعت الأمة على أن السوأتين منهم عورة، واختلفوا في ما عدا ذلك. وفي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: لا عورة إلا ما ذكرناه. والثاني: العورة من السرة (٦) إلى الركبة، والسرة والركبة داخلتان في ذلك. والثالث: هذا التحديد، ولكن السرة والركبتين غير داخلتين.
ومثار هذا الخلاف اختلاف ظواهر [الآثار] (٧) "فأجرى رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) في (ق) والعورة في الفقه ما يحاذر.
(٢) الأحزاب: ١٣.
(٣) في (ق) وهي في مقصودنا هذا.
(٤) ساقط من (ر) و(ت).
(٥) في (ر): أحرار.
(٦) في (ق) ما بين السرة.
(٧) ساقط من (ق).
[ ١ / ٤٧٦ ]
فرسًا (١) حتى بدا فخذه" (٢)، وكان جالسًا بين جماعة من أصحابه وركبته مكشوفة حتى دخل عثمان بن عفان فغطاها، فأعلم أنه استحيت منه ملائكة السماء ﵁ (٣)، وهذا يدل على أنها ليست بعورة ولكن تغطيتها من باب الأولى. وقد قال - ﷺ - (٤) لجرهد (٥): "غط فخذك فإنه عورة" (٦)، وهذا نص. ولكن ذكر البخاري ﵀ أن سند الحديث الأول أقوى، وهو يحتمل أن يكون بدا منه فخذه - ﷺ - وهو غير عالم بذلك، ويحتمل الحديث الآخر أن يكون غافلًا عن كشف ركبته حتى دخل عثمان ﵁ فنبهه لذلك. لكن هذا الاحتمال فيه بعد. وكان - ﷺ - شديد التحفظ ومحفوظ من كشف ما لا يسوغ كشفه، ولما كشف عورته في حال الصبا يستعين بذلك على نقل الحجارة لبناء الكعبة سقط إلى الأرض وفتحت (٧) عيناه إلى السماء فلم ير بعد ذلك مكشوف العورة. فهذا يدل على أنه كان محفوظًا مما ذكرناه في تأويل الحديثين المتقدمين.
وبالجملة فمثار الخلاف الترجيح بالنص (٨) الذي لا يحتمل التأويل أو
_________________
(١) هكذا في سائر النسخ، وفي (ل) اختلاف في ظاهر ما جرى في ذلك لأن رسول الله - ﷺ - أجرى فرسًا.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرج مسلم في فضائل الصحابة ٢٤٠١ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - مُضطجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ فَاسْتَأْذَنَ أبو بَكْر فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَتَحَدَّثَ ثُمّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَثَ ثُمَّ استَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَسَوَّى ثِيَابَهُ قَالَ: مُحَمَّدٌ وَلاَ أَقُولُ ذَلِكَ في يَوْم وَاحِدٍ فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَت عَائِشَةُ: دَخَلَ أبو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبُالِهِ ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ ثُمَّ دَخَلَ عُثمَانُ فَجَلَستَ وَسَوَيتَ ثِيَابَكَ فَقَالَ: "أَلاَ أَستَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الملَائِكَةُ".
(٤) في (ق) وقال الرسول - ﷺ - لنحو هذا.
(٥) هو الصحابي الجليل جرهد بن رزاح بن عدي الأسلمي توفي سنة٦١. انظر الإصابة ١/ ٥٤٨.
(٦) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وهو عند الترمذي في الأدب ٢٧٩٦ "غَطِّ فَخِذَكَ فَإنهَا مِنَ الْعَوْرَة" وقال الترمذي: "هَذَا حَدِيثْ حَسَنٌ".
(٧) في (ر): وطمحت.
(٨) في (ت) التنصيص و(ر) بالتنصيص.
[ ١ / ٤٧٧ ]
صحة (١) السند. وبين الأصوليين خلاف في أيهما يقدم.
هذا النظر في الآثار، وأما الاعتبار فالرجوع فيه إلى العوائد؛ فما جرت العادة أنه يستر منه (٢) ويحاذر من انكشافه فهو عورة. فلا شك في المحاذرة من انكشاف السوأتين. وتختلف العوائد فيما عداهما مما ذكرنا من الخلاف. ولهذا قال أبو حنيفة: إن العورة على قسمين: مثقلة وهي السوأتان، ومخففة وهي ما عداهما.
مراده أن الإعادة (٣) تجب في كشف السوأتين دون ما عداهما. وروى أبو الوليد الباجي أن المذهب يشير إلى ما قال أبو حنيفة. وقد قالوا في الرجل يصلي بادي الفخذ أنه يعيد في الوقت في قول، ولو كان بادي السوأتين أعاد أبدًا.
وفي الحرة تصلي بادية الشعر أو ظهور القدمين تعيد في الوقت، فإن بدا غير ذلك مما لا تبديه لذوي المحارم أعادت أبدًا. وقالوا في الأمة تصلي بادية الفخذ إنما تعيد في الوقت، بخلاف الرجل فإنه لا يعيد. وهذا كله يقتضي انقسام العورة إلى ما قاله أبو حنيفة.
وأما الأرقاء فحكمهم حكم الرجال الأحرار ذكورًا كانوا أو نساءً. وقد ذكرنا حكم الأمة.
وأما ستر الحرائر؛ فيجب عليهن ستر سائر أجسادهن إذ كلهن عورة إلا الوجه والكفين؛ فلا يجب عليهن سترها في مقصودنا، وهو الصلاة.
فصل (متى يجب ستر العورة؟)
وأما متى يجب عليه ستر العورة؟ فيجب عن أعين الإنسان بإجماع (٤).
_________________
(١) في (ر) وحجة.
(٢) في (ق) العوائد فالمعتاد أن يستر ويحاذر.
(٣) يعني إعادة الصلاة.
(٤) في (ق) وأما الستر فيجب ستر العورة عن أعين الإنس بإجماع.
[ ١ / ٤٧٨ ]
وهل يجب في الخلوة لحرمة الملائكة؟ حكى (١) أبو الحسن اللخمي استحبابه (٢). والذي سمعناه في المذاكرات القولين؛ الوجوب والندب. وقد قال - ﷺ - "إِياكم وَالتعَرَّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لاَ يُفَارِقُكُم"، (٣)، يعني الملائكة. ثم قال في آخر الحديث: "فَاستَحْيُوهُمْ وَأَكَرِمُوهُمْ"، هذا أمر. وبين الأصوليين خلاف في مقتضاه هل الوجوب أو الندب. وأيضًا فمن أوجب قاس على الإنسان، ومن أسقط الإيجاب رأى أن التزامه من المشقة التي تسقطها الشريعة السمحة.
وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين: هل يجب (٤) ستر العورة في الصلاة أو ليس (٥) كذلك، إذا كان المصلي في الخلوات حيث لا ناظر (٦). وإنما عوَّل على قول من قال من أهل المذهب: من صلى بادي العورة أعاد في الوقت، وليس كما ظنه". وإنما المذهب على قول واحد في وجوب الستر. لكن الخلاف في وجوب الإعادة في الوقت، أو فيه وبعده على الخلاف في ستر العورة هل هو من شروط الصحة أم لا؟
فإذا تقرر هذا قلنا: لا يخلو مريد الصلاة من أن يكون عاجزًا عن الستر أو قادرًا.
(حكم العاجز عن ستر العورة)
فإن كان عاجزًا فلا يخلو أن يكون بحيث لا آدمي ينظر إليه، أو بحيث ينظر إليه. وهذا لا يخلو إما أن يكون في ليل أو نهار. فإن كان
_________________
(١) في (ر) و(ت) وحكى.
(٢) التبصرة ص: ٨٢.
(٣) أخرجه الترمذي في الأدب ٢٨٠٠ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقال: "هَذَا حدِيثٌ غرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجهِ".
(٤) هكذا في سائر النسخ ولعل الصواب (في مسألة ستر العورة في الصلاة هل تجب أم لا؟).
(٥) في (ر) وليس.
(٦) التبصرة ص: ٨٢.
[ ١ / ٤٧٩ ]
عاجزًا أو لا ناظرًا صلى على حالته باتفاق ولا يسقط عنه فرض من الفروض إلا ما عجز عنه من ستر العورة. وهذا (١) حكمه إذا كان في ليل مظلم يأمن النظر إليه. فإن كان هناك جماعة وأرادوا الجمع جمعوا وتقدمهم إمامهم إن علموا أن الظلام ساتر. وإن كان الأكمل في الستر أن يصلوا صفًا واحدًا صلوا كذلك.
وإن كان النهار أو الليل المقمر والناظر موجود، فإن أمكنهم التباعد حتى يصلوا بموضع لا ينظر بعضهم إلى بعض طلبوا ذلك الموضع، ولا يصلوا جماعة إن خافوا مع الجمع نظر بعضهم إلى عورة بعض. ولا فرق في هذا بين الرجال والنساء.
وإن جمعهم موضع ولم يمكنهم التباعد، فهل ينتقلون إلى الجلوس والإيماء أو يصلون قياما ويؤمر كل واحد منهم أن يغض بصره؟ هاهنا للمتأخرين قولان. وسببهما تغليب أحد المكروهين؛ فالقيام والركوع والسجود فرض، والستر عن أعين المخلوقين فرض. فمن قال يصلون جلوسًا إنما رأى ذلك أولى إذ ما انتقل (٢) عنه من فروض الصلاة فقد أتى بأبدالها، وهي تقوم مقامها عند الضرورة. ومن قال يقومون، نظر إلى كثرة المتروك من الفروض. وأيضًا فيقدروا على الستر بأن يغض كل واحد منهم بصره، فإن لم يفعل أثم الناظر منهم.
وإذا أمرنا العاجز بالصلاة على حاله وافتتح كذلك ثم وجد وهو في الصلاة ما يستر به فهل يتمادى ويعيد؟ أو يقطع ويستأنف؟ قولان في المذهب: التمادي قياسًا على طرء الماء في الصلاة في التيمم، والإعادة هاهنا في الوقت. ويجري على قول (٣) أنه لا يعيد قياسًا على المتيمم.
والقطع هاهنا إذ لا بدل- بخلاف المتيمم (٤) [إذ هناك وجود البدل
_________________
(١) في (ق) وهكذا.
(٢) في (ر) إذ لا انتقال.
(٣) في (ق): ويجيء على قوله.
(٤) في (ر): إذ هناك وجود البدل يقوم مقام الماء.
[ ١ / ٤٨٠ ]
يقوم مقام الماء، وفي العورة لم يجزه ذلك إذ لا بدل لها بخلاف الماء] (١) فإنه يرجع فيه إلى البدل (٢) وهو ما أتى به من التيمم.
[فصل] (٣) (القادر يلزمه الستر على كل حال)
وأما القادر فيلزمه الستر، أما إذا كان بحيث لا يأمن النظر إليه فلا شك أنه فرض، وأما إن كان بحيث يأمن ذلك، فقد قدمنا أن المذهب على قولين (٤) في فرضيته، وما قاله (٥) أبو الحسن اللخمي في ذلك. وما حكيناه هو رأي أهل التحقيق من البغداديين ومن لقيناه من المشايخ. وذكر أبو القاسم بن محمد (٦) أن المذهب على قولين في ستر العورة: هل هو من فروض الصلاة، أو من سننها. ومراده أنه إن كان فرضًا فليس يشترط في الصحة (٧) على أحد القولين. وإن أراد ما قاله أبو الحسن فقد بينا ما فيه. لكن المذهب المشهور أنه لا يلزم إلا ستر العورة خاصة، وغير ذلك شرط في الكمال لا شرط في الإجزاء. وفي المذهب قول ثان أنه يلزم ستر سائر
_________________
(١) ساقط من (ق) و(ر) و(م).
(٢) في والقطع هاهنا بخلاف المتيمم فإنه يرجع وهو ما أتى من التيمم.
(٣) ساقط من (ق) و(م) و(ت).
(٤) في (ق): على قول واحد. وما أثبته هو الصواب لأنه يتفق مع ما جاء في الفصل الذي قبله.
(٥) في (ر) وأما ما قاله.
(٦) هو: عبد الرحمن أبو القاسم بن محمد الحضرمي المعروف باللبيدي، من مشاهير علماء إفريقية ومؤلفيها وعبادها تفقه بأبي محمد بن أبي زيد وأبي الحسن القابسي الشيخ الفاضل أبا إسحاق الجبنياني وانتفع به وألف كتابًا بليغًا في المذهب كبيرًا أزيد من مائتي جزء كبار في مسائل المدونة وبسطها والتفريع عليها وزيادات الأمهات ونوادر الروايات. توفي بالقيروان سنة أربعين وأربعمائة الديباج المذهب ص: ١٥٢.
(٧) في (ر): يفرض.
[ ١ / ٤٨١ ]
الجسد (١) لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢). وقد اختلف ما المراد بالمساجد هاهنا؟ هل هو ظاهر ما يدل عليه، أو المراد به الصلاة؟ وهذا مقتضى القول الشاذ. وهذا أمر، وبين الأصوليين خلاف في حمله على الوجوب أو الندب؛ فإن حملناه على الوجوب جاء منه الشاذ. وإن حملناه على الندب جاء منه المشهور.
وإذا أوجبنا ستر العورة فصلى باديها مع القدرة، هل يعيد أبدًا أو في الوقت؟ قولان، وهما على ما حكيناه من الخلاف.
والستر هل هو من شرط صحة الصلاة، أو هو فرضٌ، من تركه أثم لكنه ليس بشرط في صحة الصلاة؟ وقد قدمنا القولين في الرجل يصلي بادي الفخذين هل يعيد في الوقت، أو لا إعادة عليه؟ فأما الإعادة في الوقت فيحتمل أن يكون بناء على أن الفخذين ليسا بعورة ولكنه يعيد مراعاة للخلاف، أو على أنه عورة لكن يقتصر على الإعادة في الوقت مراعاة للخلاف. وأما ترك الإعادة فيحتمل أن يكون بناء على أن الفخذين ليسا بعورة وهو الظاهر أو على أنه عورة، لكنها عورة خفيفة. ولا شك أنه يجري فيه قول ثالث بوجوب الإعادة وإن خرج الوقت بناء على أنه عورة على ترك مراعاة الخلاف.
وقد قدمنا أيضًا أن عورة الأمة كهي من الرجل. وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين: أحدهما: ما قدمناه. والثاني: وجوب ستر سائر الجسد في الصلاة (٣). وعوَّل على ألفاظ وقعت في المدونة منها قوله: "لا تصلي الأمة إلا وعلى جسدها ثوب يستر جميع جسدها" (٤)، وهذا يحتمل أن يريد به الكمال لا الإجزاء. ولا شك أن من قال في الرجل يلزمه ستر جميع جسده في الصلاة يكون لزوم ذلك في الأمة أولى وأحرى عنده.
_________________
(١) في (ق) يلزم ستر الجسد في الصلاة لقوله.
(٢) الأعراف: ٣١.
(٣) التبصرة ص: ٨٢.
(٤) المدونة ١/ ٩٥.
[ ١ / ٤٨٢ ]
فإن افتتحت الأمة الصلاة على حالها التي تؤمر بها ثم طرأ عليها العلم بالعتق في أثناء الصلاة؛ فلا يخلو العتق الطارئ من أن يكون سابقًا للدخول في الصلاة لكنها إنما علمت (١) في أثنائها، أو يكون غير سابق وإنما وقع حيث علمت به. فإن سبق لها افتتاح الصلاة فهاهنا قولان: قيل تقطع (٢)، وقيل تتمادى.
وسبب الخلاف هل يعد النسخ واجبًا من حين البلوغ، فتكون هذه كالمعتقة في أثناء الصلاة؟ أو يعد من حين النزول والوجود، فتكون هذه كالحرة تدخل في الصلاة غير ساترة لما يجب عليها فيلزمها القطع؟
وإن كان العتق غير سابق، وإنما وقع في أثناء الصلاة؛ فإن قلنا تتمادى في الصلاة في المسألة الأولى (٣) فأحرى أن تتمادى هاهنا؛ لأنها دخلت في الصلاة بوجه جائز وهي أمة حقيقة في الظاهر والباطن، وإن قلنا تقطع [في] (٤) تلك، ففي هذه قولان: هل تقطع، أو تتمادى؟
وسبب الخلاف هل كل جزء من الصلاة قائم بنفسه، أو أولها موقوف على كمالها؟ وإذا قلنا في الصورتين: تتمادى، فذلك ظاهر إذا وجدت ما تستر به في الصلاة، فإن لم تجد فهاهنا قولان: أحدهما: أنها تتمادى لدخولها (٥) بوجه جائز قياسًا على المتيمم يطرأ عليه الماء في أثناء الصلاة، والثاني: أنها تقطع مراعاة للأجزاء الباقية، والمتيمم معه بدل فهاهنا لا بدل.
فصل (حكم من انكشفت عورته في الصلاة)
وينخرط في هذا السلك لو انكشفت عورة المصلي في الصلاة؛ فإن ترك الستر وهو قادر عليه كان كمفتتح الصلاة بادي العورة، وإن تستر في
_________________
(١) في (ق) في ذلك، وفي (ت) علمت به.
(٢) في (ق) و(ر) تقطع فلابد.
(٣) في (ق) تتمادى في الصورة الأولى.
(٤) ساقط من (ت).
(٥) في (ق) تتمادى التفاتا إلى دخولها في الصلاة.
[ ١ / ٤٨٣ ]
الحال فهاهنا قولان: أحدهما: [وجوب] (١) القطع نظرًا إلى الحالة التي انكشفت فيها العورة. وهذا لما قدمناه في ذكر النجاسة في الصلاة. والثاني: التمادي، نظرًا إلى كونه معذورًا (٢) في حال كشف عورته.
ووقع لسحنون في هذه المسألة بطلان صلاة من نظر إلى عورة المنكشف. فاعترضه الأشياخ فقالوا: يلزم على قياس قوله: أن تبطل (٣) صلاة كل من عصى في حال صلاته. فلا يبعد أن يلزم ذلك سحنون متى تصورت المعصية في أثناء الصلاة.
فصل (المقدار الساتر للعورة)
وأما المقدار الساتر فله صفتان: صفة إجزاء وصفة كمال؛ فأما صفة الإجزاء فقد تقدم حكمها، وأن المذهب على قولين: أحدهما: وجوب ستر العورة لا غير، والثاني: وجوب ستر سائر الجسد في حق من جسده غير عورة. ومن (٤) صفة الساتر أن يكون صفيقًا [كثيفًا] (٥) بحيث لا يشف ولا يصف. وإن كان خفيفا يشف فإنه كالعدم مع الانفراد، وإن كان خفيفًا بحيث يصف ولا يشف فهو مكروه، ولا يؤدي إلى بطلان الصلاة. وقد كره مالك ﵀ الصلاة بالسراويل منفردًا (٦) وخصه بالكراهة دون الإزار. وقيل في وجه الكراهية إنه من لباس الأعاجم. والظاهر أن مراده بذلك أنه
_________________
(١) في ساقط من (ر).
(٢) في (ت) و(ر): غير مقدور.
(٣) في (ق) قياسه أن تبطل.
(٤) في (ق) وأما.
(٥) ساقط من (ر). وثوب صفيق، أي جيد كثيف النسج. انظر لسان العرب: صفق.
(٦) كذا في (ت) وم، وفي (ر) في السراويل مفروكًا، وفي (ق) في السراويل مفردًا.
[ ١ / ٤٨٤ ]
يصف، وإلا فقد صلى رسول الله - ﷺ - في جبة شامية ضيقة الأكمام، وهي من لباس الأعاجم (١).
وأما صفة الكمال فأن يأخذ الإنسان الهيئة المعتادة من كمال الزي. وكره مالك ﵀ للأئمة الصلاة بغير رداء، والرداء مستحب في غير (٢) الأئمة إذا كان ذلك زيهم المعتاد. ومن الكمال حل الشعر إن كان معقوصا (٣)، وإرسال الثياب إن كانت مشمرة. ويكره كفت (٤) الشعر والثوب لأجل الصلاة- والكفت هي التشمر (٥) - لكن إن شُمَّرت الثياب وسُتِر (٦) الشعر لأنه من الزي المعتاد عندهم، أو الحالة (٧) التي أدركته الصلاة عليها، فلا يكره ذلك.
والإكمال إرسال (٨) الثياب والشعر كما قدمناه، وروي عنه - ﷺ - أنه قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكفت (٩) شعرًا ولا ثوبًا" (١٠).
_________________
(١) يشير إلى حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبةَ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في سَفَرٍ فَقَالَ: "يَا مُغِيرَةُ خُذِ الإِدَاوَةَ" فَأَخَذْتُهَا ثُمَّ خَرَجتُ مَعَهُ فَانْطَلَقَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيَّقَةٌ الكُمَّيْنِ فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ عَلَيْهِ فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى". أخرجه مسلم في الطهارة ٢٧٤ واللفظ له، والنسائي في الطهارة ٨٢.
(٢) في (ر) في حق.
(٣) في (ت) و(ق) معفوصًا.
(٤) في (ت) كشف.
(٥) في (ق) الستر. والكفت لغة الضم والجمع.
(٦) في (ت) أو ستر.
(٧) في (ق) والحاله.
(٨) في (ق) وإلا كل إرسال.
(٩) في (ق) أكتف.
(١٠) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وهو عند مسلم في الصلاة ٤٩٠ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاس أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ وَلاَ أَكْفِتَ الشَّعْرَ وَلاَ الثِّيَابَ: الجَبْهَةِ وَالأَنْفِ وَاليَدَينِ وَالرُّكبَتَينِ وَالقَدَمَينِ".
[ ١ / ٤٨٥ ]
وعنه - ﷺ - أنه نهى عن الصلاة والشعر معقوص (١). وقيل في هذا: إن الشعر يسجد (٢). والإشارة بذلك [إلى] (٣) الاسترسال وملاقاة محل الصلاة بما يكره الإنسان من شعر وثوب؛ لأن في سترهما (٤) رفاهية وكبرا عن ملاقاة محلَّ السجود بهما، وأيضًا ففعل ذلك خروج عن حالة المتذلل الخاضع.
ومن صفات الكمال إبراز اليدين حتى يلاقي بهما محل السجود. وفي الحديث النهي عن اشتمال الصَّماء (٥). وصورتها أن يشتمل بالثوب الواحد من غير أن يبرز يديه للسجود أو غيره، وهي مكروهة بالاتفاق لو (٦) لم يكن عليه إزار يستر به عورته، فإن كان عليه إزار حتى يمكنه إبداء يديه من تحت ثوبه في حين السجود ففيه قولان: الكراهية والجواز. والكراهية لعموم النهي، والجواز لقدرته على إبراز اليدين. ولا يقدر على ذلك من ليس عليه إزار؛ لأنه إن فعل ذلك بدت عورته. وعلل النهي عن اشتمال الصماء بوجهين: أحدهما: ما أشرنا إليه من ستر اليدين عند السجود، والثاني: لأنه قد يعرض للإنسان ما يفتقر إلى مدافعته بيديه ولا يمكنه ذلك مع سترهما. وعلى هذا التعليل يكره اشتمال الصماء في الصلاة وفي غيرها. ولو بدت أحد اليدين لكان مكروهًا أيضًا، وهو من باب الاشتمال. فالأكمل (٧) إذا لم يكن على المصلي سوى ثوب أن (٨) يتوشح به ويعقده على صدره إن افتقر
_________________
(١) أخرج مسلم في الصلاة ٤٩٢ واللفظ له، والنسائي في التطبيق ١١١٤، وأبو داود في الصلاة ٦٤٧ عَنْ عَبْدِ اللهَ بْنِ عَبَّاس أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللهِ بنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ فَلمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ فَقَالَ مَا لَكَ وَرَأسِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكتُوفٌ".
(٢) في (ر) يسجد كما يسجد.
(٣) ساقط من (ق) و(ت).
(٤) في (ق) كفتهما.
(٥) يشير إلى ما أخرجه البخاري في الصلاة ٣٦٧ ومسلم في اللباس ٢٠٩٩.
(٦) في (ق) و(م) و(ر) وإن.
(٧) في (ق) الإكمال.
(٨) في (ق) أو.
[ ١ / ٤٨٦ ]
إلى عقده. وقد صلى رسول الله - ﷺ - كذلك بهذه الصفة التي تسمى في العرف حراثية (١) وبالله التوفيق.
باب في حكم المسبوق وقضائه بعد إكمال إمامه
وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون (٢) وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (٣)، وفي طريق آخر: "وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا" (٤). وقوله: "فَأَتِمُّوا" يقتضي ظاهره أن ما أدرك أول صلاته وأن الذي يقضي هو آخرها، ويحتمل أن يريد بالتمام إكمال الصلاة فلا يكون فيه دليل على أن الذي يأتي به بعد سلام الإمام هو آخرها. وقوله: "فَاقضُوا" يقتضي ظاهره أن ما أدرك هو آخر الصلاة، وما يأتي به هو أولها. ويحتمل أن يعبر بالقضاء عن التمام والوفاء كما تقول: قضيت الحج وقضيت الدين إذا أديت ووفيت.
(اختلاف المذهب في المدرَك هل هو أول الصلاة أم آخرها)
وإذا تقرر هذا قلنا بعده؛ اختلف المتأخرون في مقتضى المذهب على ثلاثة طرق: أحدها: أن المذهب كله على قول واحد، وهو البناء في الأفعال والقضاء في الأقوال. وإذا أرادوا حكمه في القراءة قالوا: إن الذي أدرك هو آخر صلاته ويقضي ما فاته على نحو ما فاته. فإذا أرادوا حكمه في الجلوس قالوا: إن الذي أدرك هو أول صلاته فيكون مؤديا. وهذا معنى
_________________
(١) غير واضحة في (ق).
(٢) في (ت) ترعون.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولفظ البخاري في الجمعة ٩٠٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتمُّوا".
(٤) أخرجه النسائي في الإمامة ٨٦١، وأحمد في مسنده ٢/ ٢٣٨.
[ ١ / ٤٨٧ ]
ما وقع في المذهب من اختلاف الألفاظ وهي طريقة أبي محمد بن أبي زيد وجل المتأخرين.
والثانية: أن المذهب على قولين في القراءة خاصة وعلى قول واحد في الجلوس. وعلى أحد القولين أن ما أدركه آخرُ صلاته، ويقضي ما فاته على نحو ما فاته في (١) القراءة. والقول الثاني: إن ما أدرك هو أول صلاته ويقرأ فيما يأتي بعد سلام الإمام على نحو ما كان يقرأ مع إمامه لو كان حاضرا. وهذه طريقة بعض القرويين.
والطريقة الثالثة: أن المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بان في الأقوال والأفعال فيكون ما أدركه هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام وهو آخرها. والثاني: أنه قاض فيهما، فيكون ما أدرك فهو آخر (٢) صلاته، وما يأتي به فهو [أولها] (٣). والثالث: أنه قاض في القراءة بان في الأفعال كما قاله في المدونة وفي غيرها من الكتب المشهورة، فهذه طريقة أبي الحسن اللخمي (٤).
فأما الأولون فاعتمدوا على ما في المدونة والكتب المشهورة من أن المدرك لركعة (٥) من الصلاة الرباعية إذا سلم الإمام قام وأتى بركعة بأم القرآن [وسورة ثم يجلس ثم يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة] (٦)، ولا يجلس. ثم يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن وحدها خاصة ويجلس ويسلم. فقد جعله بان في حكم الجلوس، فجعل ما أدرك أول صلاته، وقاض في حكم القراءة، وجعل ما أدرك في ذلك آخر صلاته.
وأما من جعل المذهب على قولين فيعتمد على نص الخلاف فيمن
_________________
(١) في (ق) من.
(٢) في (ق) أول.
(٣) بياض في (ق).
(٤) التبصرة ص: ٨٤.
(٥) في (ق) لركعتين.
(٦) ساقط من (ق).
[ ١ / ٤٨٨ ]
فاتته سجدة مع الإمام حتى وجب عليه قضاء ركعة وكانت الأولى أو الثانية. فإن أصحاب مالك اختلفوا فيما يأتي به من تلك الركعة هل يقرأ فيها بأم القرآن خاصة. وهذا يقتضي أنه بان، أو بأم القرآن وسورة وهذا يقتضي أنه قاض. ولا فرق عند هؤلاء بين هذا وبين المسبوق لتساويهما في وجوب القضاء بعد سلام الإمام.
وقد فرق (١) الأولون بين المسألتين بأن هذا التارك للسجدة (٢) قرأ بأم القرآن وسورة مع الإمام أو حضر قراءتها، فلا يعيد إلا المقدار الواجب خاصة في قول (٣)، وهي أم القرآن. والمسبوق لم يقرأ ولم يحضر [القراءة] (٤). فأمر بتلافي ما فاته من القراءة.
وأما أبو الحسن اللخمي فاعتمد على ألفاظ وقعت في المذهب؛ منها قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب في تلقينه ما أدرك هو آخر صلاته وما يأتي به هو أولها، (٥) وحكى في الإشراف قولين هذا أحدهما، والقول الثاني أن ما أدرك هو أول صلاته وما فاته هو آخرها.
فأما ما احتج به مما (٦) في التلقين فلا حجة فيه لأنه في المدونة قال: ما أدرك هو أول (٧) صلاته، إلا أنه يقضي بمثل الذي فاته. وقد جعل ما أدرك أول الصلاة، وإنما يريد في حكم الجلوس، وجعل يقضي مثل الذي فاته، فإنه يريد (٨) في القراءة.
وأما ما احتج به من القولين اللذين في "الإشراف" فيحتمل أن يكون في القراءة خاصة، ويكون ذلك حجة من جعل المذهب على قولين. لكن
_________________
(١) في (ق) و(ت) يفرق.
(٢) في (ر) للسجود.
(٣) في (ر) قوله.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) انظر التلقين ص:٣٨.
(٦) في (ت) منها.
(٧) في (ق) قال مالك ما أدرك مع الإمام فهو أول.
(٨) في (ر): مراده.
[ ١ / ٤٨٩ ]
هذه المسألة نزلت قديمًا فطال بحثنا (١) عن روايات المذهب فيها، وخالفني بعض أشياخي ودافع ما قاله (٢) أبو الحسن كل المدافعة. وإنما اعتمدت له على أن ما قاله القياس، إذا لا بالروايات (٣). فأخرجت من كتاب "الإملاء" لابن سحنون أن من أدرك ركعة من المغرب يقوم فيأتي بركعتين بأم القرآن وسورة في كل واحدة منهما يجهر بالقراءة ولا يجلس بينهما، وهذا نص في صحة طريقة أبي الحسن اللخمي إذ جعل في هذه الرواية أن ما أدرك آخر صلاته في القراءة والجلوس جميعًا.
ولم يكن عند من خالفني (٤) في هذه المسألة أكثر من قوله لبعض تلامذته (٥): الكتب لا تقوم بأنفسها. والمشكل في هذه المسألة مذهب المدونة في تفريقه بين الأقوال والأفعال، ولا يتخرج له معنى إلا أن يقال إن ما أدرك هو أول صلاته حقيقة، فلهذا يبني عليه [في] (٦) الجلوس. لكنه يزيد فيما يأتي به بسورة مع أم القرآن، إذ لا تفسد الصلاة ولا ينقص كمالها بزيادة السورة، بل ينقص الكمال (٧) نقصها. فيأتي بالسورة ليتلافى ما فاته من الكمال. وقد قدمنا في باب الرعاف حكم اجتماع القضاء والبناء وتفصيل ذلك مستوفى (٨).
[فصل] (٩) (هل يقوم المسبوق بتكبيرة أو بغير تكبيرة)
والنظر في هذا الباب هل يقوم المسبوق بتكبير أو بغير تكبير؟ أما
_________________
(١) في (ق) بحثي وفي (ت) تحثي.
(٢) في (ق) كل ما قاله وفي (ت) قال.
(٣) في (ق) إذا لا بالرواية، وفي (ر) وإذ لا بالروايات.
(٤) في (ر) خالف.
(٥) في (ر) تلامذة.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) في (ر) الإكمال.
(٨) في (ر) و(ق) مستوعبًا.
(٩) ساقط من (ر) و(ت).
[ ١ / ٤٩٠ ]
كل من حصل له ركعتان مع الإمام فإن جلوسه (١) في موضع الجلوس، فيقوم بتكبير. وإن حصل له أقل من ركعتين أو أكثر (٢) فها هنا جلس (٣) في غير موضع جلوسه. وفي قيامه بالتكبير قولان: المشهور أنه يقوم بغير تكبير؛ لأنه ليس موضع جلوسه (٤) وإنما جلس لئلا يخالف الإمام. والشاذ أنه يقوم بتكبير؛ لأن التكبير (٥) جعل متى وجب حركة من ركن إلى ركن فها هنا قد وجب (٦). وقد استقرأه بعض أشياخي (٧) من المدونة [في قوله] (٨) فيمن أدرك الإمام في التشهد الآخر أنه يقوم بتكبير، وهو في جلوسه تابع للإمام وليس بجلوس [له] (٩) كما قال حيث قال: موضع جلوس [له] (١٠).
_________________
(١) في (ر) و(ت) الجلوس له.
(٢) في (ر) وأكثر.
(٣) في (ت) جلوس.
(٤) في (ر) و(ت) جلوس له.
(٥) في (ق) ووجهه أن التكبير.
(٦) في (ق) وجبت.
(٧) في (ر) الأشياخ وفي (ق) أشياخي.
(٨) ساقط من (ر).
(٩) في (ق) في الجلوس يتابع.
(١٠) هكذا في (ق) وساقط من (ر). جاء في المدونة ما يلي: "قال مالك فيمن أدرك مع الإمام ركعة وقد فاتته ثلاث ركعات فسلم الإمام. قال ينهض بغير تكبيرة لأن الإمام هو الذي حبسه وقد كبر هو حين رفع رأسه من السجود ولولا الإمام لقام بتكبيرته التي كبر حين رفع رأسه من السجدة ولكن لم يستطع أن يخالف الإمام فيجلس معه وليس ذلك له بجلوس إلا أنه لم يستطع أن يخالف الإمام فإذا نهض نهض بغير تكبيرة قال فإذا كان ذلك له فإذا نهض نهض بتكبيرة وذلك إذا أدرك مع الإمام ركعتين وجلوسه مع الإمام في آخر صلاة الإمام ذلك وسط صلاته فإذا سلم الإمام نهض هو بتكبيرة". وقال كذالك: "في رجل يأتي والإمام جالس في آخر صلاته فيكبر للإحرام قال: يقوم إذا فرغ الإمام بتكبيرة وان قام بغير تكبيرة أجزأه" ١/ ٩٦.
[ ١ / ٤٩١ ]
باب في أحكام النوافل
(صفة النوافل)
والنظر في هذا الباب في فصلين: أحدهما: في صفة النوافل، والثاني: أوقاتها. وأما صفاتها فمنها العدد.
(عدد النوافل)
والنوافل عندنا ركعتان ولا مزيد عليها في ليل ولا نهار، فإن زاد ثالثة في نهار فلا خلاف في المذهب نعرفه أنه يؤمر بإكمال الرابعة. وهذا إذا انعقدت له الثالثة على اختلاف في عقدها هل هو وضع اليدين على الركبتين أو رفع الرأس من الركوع؟ وإذا أكمل فإنه يسجد لسهوه إذا زاد سهوًا. ومتى يكون السجود؟ ففيه قولان: أحدهما: أن يكون قبل السلام لنقصه التسليم بعد الاثنين. والثاني: أنه بعد السلام لزيادة ركعتين (١)، وسيأتي بيانه في باب السهو.
وإن كانت الزيادة في ليل فهل يكمل الرابعة؟ قولان: المشهور (٢) أنه يكملها مراعاة للخلاف، إذ من المخالفين من يقول إن النافلة أربع ركعات في الليل والنهار، وهو قول مشهور. والشاذ أنه لا يكملها لقوله - ﷺ -: "صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" (٣). وهذا القول يقتضي كون الشاذ في الدليل لا يراعي القول المشهور في نفسه وهو في مقابلة الحديث فالتفت هذا إلى الحديث لا إلى شهرة (٤) القول.
ولو زاد على أربع ركعات ركعة أخرى أو أكثر من ذلك؛ فإنه يرجع
_________________
(١) في (ر) بزيادة الركعتين.
(٢) في (ق) أحدهما.
(٣) أخرجه البخاري في الجمعة ٩٩١، ومسلم في المسافرين ٧٤٩.
(٤) في (ت) مشهور.
[ ١ / ٤٩٢ ]
متى ذكر ثم يجلس ثم يسلم ويسجد بعد السلام للزيادة. وهذا ترك مراعاة قول من يقول إن النافلة أكثر من أربع ركعات.
(حكم الجهر والإسرار بالنافلة)
ومن صفاتها الجهر بالقراءة والسر. والجهر غير مكروه فيها بالليل بلا خلاف. واختلف في كراهية الجهر بالنهار على قولين، والقول بالكراهة قياسًا على الفريضة. ولقوله - ﷺ -: "صَلاَةُ النّهَارِ عَجْمَاء" (١). وهذا عموم يتناول النافلة والفرض. ومن قال بالجواز يقصر عنده الحديث على الفريضة، وقياسًا على جوازه في الليل. وهذا ما لم تعرض له حالة تمنع من الجهر، وهي فساد النية معه. ولا خلاف في جواز السر ليلًا ونهارًا. وقد كان الصديق ﵁ يسر في تنفله بالليل، وكان الفاروق يجهر فسألهما رسول الله - ﷺ - عن موجب فعلهما، فقال الصديق ﵁: أُسمع من أناجي، وقال الفاروق ﵁: أوقظ الوسنان (٢) وأطرد الشيطان (٣). فاستحسن رسول الله فعلهما. ومتى كان فعل المتنفل وقصده يناسب هذا المقصود جاز له السر والجهر بالليل والنهار.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٢/ ٤٩٣ من قول الحسن ومجاهد وأبي عبيدة. قال الزيلعي في نصب الراية ٢/ ١: "وقال النووي في الخلاصة حديث صلاة النهار عجماء باطل لا أصل له"، وقال أبو عبيد بن سلام في الغريب ١/ ٢٨٢ "صلاة النهار عجماء، يقال: لا تُسمع فيها قراءةٌ".
(٢) الوسن: أول النوم، والوسنان النائم الذي ليس بمستغرق في نومه. انظر النهاية في غريب الحديث: ٥/ ١٨٥.
(٣) أخرجه بألفاظ متقاربة الترمذي في الصلاة ٤٤٧، وأبو داود في الصلاة ١٣٢٩، والحاكم في المستدرك على الصحيحين ١/ ٤٥٤. ولفظ الحديث كما أخرجه أبو داود عنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بأبِي بَكْر ﵁ يُصَلِّي يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ قَالَ وَمَرَّ بعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ قَالَ: فَلَمَّا اجتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "يَا أَبا بَكْر مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ" قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: وَقَالَ لِعُمَرَ: "مَرَرُتُ بِكَ وَأنْتَ تُصَلِّي رَافعًا صَوْتَكَ" قال فقال: يَا رَسُولَ الله، أُوقِظُ الْوَسْنَانَ وَأَطرُدُ الشَّيْطَانَ" قال الترمذي:"هذا حديث غريب". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وقد ورد تحسين رسول الله - ﷺ - لفعلهما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه أبو داود في الصلاة ١٣٢٩.
[ ١ / ٤٩٣ ]
(حكم الجماعة للنافلة)
ومن صفاتها الانفراد والجماعة، ولا خلاف في جواز الانفراد مطلقًا. وأما الجمع فلا خلاف في جوازه في نافلة رمضان، لكن الانفراد عند مالك ﵀ أفضل. وأما غير ذلك من النوافل فإن كان الجمع في الموضع الخفي والجماعة يسيرة جاز. وقد تنفل (١) - ﷺ - في بيته واقتدى به ابن عباس (٢). وصلى ﵇ في بيت (٣) من بيوت أصحابه واقتدى به الصبي والرجل والمرأة (٤). وإن كان الموضع مشهورًا والجماعة كثيرة فكرهه عبد الملك بن حبيب وهو مقتضى المذهب. ومنه ما يفعل في بعض البلاد من الجمع ليلة نصف شعبان وليلة عاشوراء. ولا يختلف المذهب في كراهيته. وينبغي للأئمة [والفقهاء] (٥) أن يتقدموا في النهي عنه ولا يرخصوا فيه لأحد من الناس فإن فعل النبي - ﷺ - في نافلة البيوت إنما كان ليتبرك به (٦) في صلاته ولا يعتقد المعتقد أنه يفعل ذلك في المساجد أو عند كثرة الجماعة في البيوت فإن ذلك بدعة (٧).
_________________
(١) في (ت) وقام.
(٢) أخرج البخاري في الأذان ٦٩٨واللفظ له، ومسلم في المسافرين ٧٦٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قالَ نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ (خالته) وَالنَبِىُّ - ﷺ - عِنْدَهَا تِلْكَ الليْلَةَ فَتَوَضَأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فصلى ثَلاَثَ عَشرَةَ رَكعَةً" الحديث.
(٣) في (ق) في غير بيته.
(٤) لعله يقصد الحديث الذي أخرجه البخاري في الصلاة ٣٨٠ واللفظ له، ومسلم في المساجد ٦٥٨ عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكِ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ الله - ﷺ - لِطَعَام صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَد مِنْ طُولِ مَا لُبسَ فنَضَحْتُهُ بِمَاءِ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِن وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَينِ ثُمَّ انْصَرَفَ.
(٥) ساقط من (ق) و(ر).
(٦) في (ت) ليتبرك به وبصلاته.
(٧) في (ت) بدعة والله أعلم.
[ ١ / ٤٩٤ ]
فصل (أوقات النوافل)
وأما أوقات النوافل فإنه يحرم أداؤها عند طلوع الشمس وعند الغروب بإجماع. واختلف الناس فيما عدا ذلك، ولسنا للاختلاف، ولكن نذكر ما في المذهب فنقول: النافلة تمنع لثلاثة أشياء:
أحدها: مخالفة (١) الإمام، فمتى كان الإمام في جماعة وأقيمت (٢) الصلاة امتنعت النافلة حيث (٣) الإمام. وقد قدمنا حكم من افتتح النافلة ثم أقيمت عليه الصلاة.
والثاني: المحاذرة من ذوات وقت الفضيلة في المغرب والصبح، فلا يجوز عندنا التنفل قبل صلاة المغرب وإن غربت الشمس ولا بعد طلوع الفجر، لكن أجاز مالك ﵀ أن يتلافى [من فاته] (٤) حزبه من ليل فيصلي في هذا الوقت إن كان مغلوبًا على الفوات.
[حكم تحية المسجد بعد طلوع الفجر]
واختلف المذهب في الداخل في المسجد قبل صلاة الصبح وبعد (٥) طلوع الفجر هل يؤمر بالتحية للمسجد قبل ركعتي الفجر، أولًا (٦) يفعل إلا ركعتي الفجر خاصة؟ وجمهور أهل المذهب أن لا يؤمر بذلك لما روي عن النبي ﵇ من قوله: "إما طلع الفجر فلا ركوع إلا ركعتي الفجر" (٧)، وانفرد القابسي ﵀ بتحية المسجد، ولقوله - ﷺ -:" إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ
_________________
(١) في (ت) لمخالفة.
(٢) في (ر): أو أقيمت.
(٣) في (ر) و(ت) بحيث وفي (م) بجنب.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ر) عند.
(٦) في (ق) أم لا يفعل وفي (ر) ولا يفعل.
(٧) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
[ ١ / ٤٩٥ ]
المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَينِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ" (١).
وإن ركع في بيته للفجر ثم أتى المسجد فهاهنا قولان مشهوران: أحدهما: أنه يركع في المسجد ركعتين للأمر بالتحية. والثاني: أنه لا يركع للحديث المتقدم في نفي الركوع بعد الفجر. وإذا قلنا بأنه يركع فهل ينوي بركوعه النافلة، أو إعادة ركعتي الفجر؟ فيه قولان للمتأخرين. ونية النافلة تعويلًا على الأمر بتحية المسجد، ولأن ركعتي الفجر قد أديتا فلا معنى لإعادتهما. ونية الإعادة بناء على القول بصحة الرفض، وقدمنا القول في صحته.
والثالث: المحاذرة من تمادي الركوع حتى يقع في الوقت المنهي عنه بإجماع، ولهذا يمنع من النافلة بعد صلاة الصبح إلى الطلوع وبعد صلاة العصر إلى الغروب. وقد ثبت عن النبي - ﷺ - النهي عن ذلك (٢).
(حكم النافلة عند الزوال)
وهل تكره النافلة عند الزوال (٣)؟ قولان: المشهور جوازها قياسًا على اتصال العمل بالتنفل في هذا الوقت يوم الجمعة. وروي عن مالك كراهية ذلك لما ثبت عنه - ﷺ - أن الشمس تطلع على قرني الشيطان، وقال في الحديث: "فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا" (٤)، ونهى عن الصلاة حينئذ. ولكن هذا
_________________
(١) أخرج البخاري في الصلاة ٤٤٤، ومسلم في المسافرين ٧١٤، والترمذي في الصلاة ٣١٦ واللفظ له عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مرفوعًا. وقال الترمذي؛ وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٢) أخرج البخاري في المواقيت ٥٨٨عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ صلاَتَينِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
(٣) في (ت) زوال الشمس.
(٤) أخرج النسائي في المواقيت ٥٥٩ واللفظ له وابن ماجه في إقامة الصلاة ١٢٥٣ عَنْ عَبْدِ اللهِ الصُّنَابِحِىِّ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "الشَّمْسُ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا فَإذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا فَإذَا زَالَتْ فَارَقَهَا فَإذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا فَإذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا" وَنَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الصَّلاَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ.
[ ١ / ٤٩٦ ]
الحديث في بعض (١) طرقه لم يذكر الاستواء وذكره في بعضها. وبين الأصوليين خلاف في انفراد العدل بزيادة هل تقبل أم لا؟
(حكم النافلة عقب صلاة الجمعة)
ومما يلحق بهذا القسم كراهية التنفل عقيب صلاة الجمعة فهو للأئمة أشد كراهية. فلم يكن - ﷺ - يتنفل بعدها. وعللت الكراهية بالمحاذرة من التطرق إلى إظهار صلاة الجمعة وقصد (٢) صلاة الظهر، وهذا يقصده أهل البدع إذا صلوا مع أئمة الحق ويقصده (٣) الإمام إن كان مبتدعًا.
(حكم الصلاة عقب الوتر)
ومنه أيضًا [كراهية] (٤) الصلاة عقيب الوتر، والمستحب أن يكون الوتر آخر صلاة الليل لقوله - ﷺ -: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة توتر له ما قد صلى" (٥).
واختلف المذهب فيمن تنفل بالليل بعد أن أوتر؛ المشهور أنه لا يعيد الوتر؛ لأنه متى أعاده صار شفعًا. وقال ابن نافع: يعيده، وهو مقتضى ظاهر الحديث. وبالله التوفيق.
باب في حكم الأفعال [والأقوال] (٦) الواقعة في الصلاة من غير جنس أقوالها وأفعالها
ومن فعل فعلًا في الصلاة- فإن كثر- أفسدها، عمدًا كان أو سهوًا أو
_________________
(١) في (ق) أكثر.
(٢) في (ق) وقصر.
(٣) في (ق) ويقدمن أجل الإمام.
(٤) ساقط من (ت) و(ر).
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وهو عند البخاري في الجمعة ٩٩١ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَ رَجلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَلَاةِ اللَيْلِ فَقَالَ رَسُولُ الله عَلَيهِ السلاَم: "صَلاَةُ اللَّيلِ مثنى مثنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَة تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى".
(٦) ساقط من (ق).
[ ١ / ٤٩٧ ]
جهلًا. وإن قل جدًا ولم تدع إليه ضرورة وليس من مصلحتها كره، ولا يفسدها. وإن دعت إليه الضرورة كقتل ما يحاذر منه أو إنقاذ نفس أو مال فلا يكره، وتصح الصلاة. وإن لم يكن يسيرًا جدًا كالمشي اليسير إلى ذلك والمدافعة اليسيرة إن احتاج (١) إليها. وإن كان من مصلحة الصلاة كمشي المسبوق إلى ما يستتر به بعد سلام إمامه؛ فإنه لا يكره أيضًا إذا كان لا يفسد نظام الصلاة.
فصل (تفصيل في الكلام يقع في الصلاة)
(حكم الكلام إذا كان قرآنًا أو ذكرًا)
وأما الكلام يقع في الصلاة؛ فإن كان قرآنًا أو ذكرًا ولم يقصد به إفهام مخلوق، بل قصد به الواجب أو المندوب إليه في الصلاة فهو مشروع فيها، وإن قصد به إفهام مخلوق كمن يسبح أو يتلو قرآنًا ليفهم عنه الغير حاجته (٢)، ففي جوازه قولان. ومنه فتح المصلي على من ليس معه في الصلاة.
(حكم الكلام من غير القرآن والذكر)
وإن كان الكلام غير القرآن والذكر فلا يخلو وقوعه في الصلاة من أربعة أقسام: إما أن يقع عمدًا لغير إصلاح الصلاة، أو عمدًا لإصلاحها، أو سهوًا، أو جهلًا؛ فإن وقع عمدًا لغير إصلاح الصلاة، فلا خلاف في بطلانها. وإن وقع عمدًا لإصلاحها، ففي المذهب ثلاثة أقوال، وسيأتي بيانها في باب السهو إن شاء الله. فإن وقع سهوًا فكثر جدًا أبطل الصلاة،
_________________
(١) في (ر) احتج.
(٢) في (ق) ليفهم غيره حاجته وفي (ر) عنه صاحبه.
[ ١ / ٤٩٨ ]
وإن قل صحت الصلاة وأجزأ عنه سجود السهو [بعد السلام] (١)، وإن كان جهلًا أجزأ على القولين في الجاهل هل حكمه حكم العامد أو حكم الناسي.
وهل يتنزل التنحنح بمنزلة الكلام. أما إن كان بغلبة فلا خلاف في صحة الصلاة، وأما إن كان بغير غلبة، ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه بمنزلة الكلام، ينظر (٢) في السهو والعمد إلى ما قدمناه. والثاني: أنه ليس بمنزلته، وهو خلاف في شهادة تصوره (٣) هل تتركب منه حروف كما تتركب (٤) من الكلام، أم لا يتركب ذلك؟ وهكذا اختلفوا في النفخ هل يتنزل منزلة الكلام، وهو على ما قدمناه.
(حكم الضحك في الصلاة)
وأما الضحك فإن كان قهقهة فلا خلاف في بطلان الصلاة بعمده. واختلفوا في سهوه وغلبته؛ فقيل: هما بمنزلة الكلام، وقيل: تبطل الصلاة بالقهقهة على الإطلاق وردها إلى الكلام لأن أعلى مراتبها أن يتركب منها حروف تشبه (٥) الكلام. والبطلان به مطلقًا؛ لأنها تناقض مقصود الصلاة وهو الخشوع.
وإن كان تبسمًا فلا يبطل الصلاة، وإن كان تعمدًا فهل يسجد لسهوه؟ قولان: أحدهما: نفي السجود إذ ليس بزيادة قول ولا فعل. وقيل: بإثبات السجود. واختلف هؤلاء متى يكون محله؟ فقيل: قبل السلام لأنه نقص خشوع (٦)، وقيل: بعد لأنه زيادة حركات وإن قلت.
_________________
(١) ساقط من (ق) و(ت).
(٢) في (ت) و(ر) يفصل وفي (م) ينفصل.
(٣) في (ق) وصورته.
(٤) في (ت) يتركب منه حرفًا كما يتركب، وفي (ر) يتركب منه الحروف كما يتركب.
(٥) في (ر) فأشبه.
(٦) في (ر) و(ت) خشوعًا.
[ ١ / ٤٩٩ ]
(حكم الإشارة في الصلاة)
واختلف في الإشارة في الصلاة بالسلام وغيره؛ فالمشهور جوازها، والشاذ النهي عنها، إذ يحصل (١) بها ما يحصل بالكلام وهو الإفهام.
فصل (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)
وإذا اضطر المصلي إلى تنبيه الإمام أو غيره؛ فإن كان رجلًا يسبح، وإن كانت امرأة فقولان: أحدهما: أنها تسبح كالرجل، والثاني: أنها تنبه بالتصفيق. وفي الحديث لما صفق الرجال فقال النبي - ﷺ - "إِنما التَّصْفِيقُ لِلنسَاءِ" (٢). وتؤول على وجهين، أحدهما: أن معناه إنما التصفيق من شأن النساء، أي في غير الصلاة. والثاني: أن معناه هو المشروع (٣) للنساء في الصلاة، إذ أصواتهن عورة. وقد قدمنا الخلاف في القهقهة هل تتنزل منزلة الكلام أو تبطل الصلاة بكل حال، وإن قلنا بالإبطال؛ فإن كان المصلي فذًا قطع، وإن كان مأمومًا فقولان: قيل يقطع، وقيل لا يقطع ويتمادى ويعيد مراعاة للخلاف. وإن كان إمامًا فالقولان أيضًا في التمادي والقطع. وإذا أجزنا القطع فهل يستخلف أو يبطل ما تقدم من الصلاة؟ قولان: الاستخلاف لأنه مغلوب عند القائل به كغلبة الحدث، والبطلان لمناقضتها لمقصود الصلاة كما قدمناه. إذا قلنا بالتمادي فلا شك في إعادة من خلفه. وإذا تثاوب المصلي فقد قال في الكتاب: لا أدري ما فعله في الصلاة بعد أن كان حكى أنه رأى مالكًا ﵀ يضع يده على فمه، وينفث في غير الصلاة (٤). وفي غير المدونة أنه يضع يده على فيه في الصلاة أيضًا، وإن احتاج إلى النفث في الصلاة ففي طرف ثوبه.
_________________
(١) في (ت) إذ لا يحصل.
(٢) أخرجه البخاري في الجمعة ١٢٣٤ عن سهل بن سعد الساعدي.
(٣) في (ق) إنما التسفيق هو المشروع وفي (ر) وهو المشروع.
(٤) المدونة: ١/ ١٠٠.
[ ١ / ٥٠٠ ]
فصل (حكم من اضطر للبصاق في المسجد)
ويجب تنزيه المسجد عن كل ما يستقذر، ومنه البصاق. فإن اضطر الإنسان إلى البصاق وهو في المسجد؛ فإن كان في صلاة فالأولى أن يبصق في طرف ثوبه، فإن لم يفعل وكان المسجد محصبًا بحيث يمكنه دفنه فلا يبصق أمامه، والأولى أن يبصق على يساره، وله أن يبصق على يمينه ثم يدفنه. وإن لم يكن المسجد محصبًا فلا ينبغي أن يبصق فيه بحال وإن دلكه؛ لأن تدليكه لا يذهب أثره.
فصل (أمر الصبيان بالصلاة لسبع)
ويؤمر الصبيان بالصلاة لسبع سنين على جهة التمرين للصلاة؛ لأن الصلاة متكررة. فإن لم يعودوها في الصغر شق عليهم في الكبر ملازمتها. وهذا السن فيه مبادئ التميز (١) غالبًا. وإذا بلغ عشر سنين تأكد أمرهم بها وعوقبوا على تركها معاقبة ناجزة بالضرب كما ورد في الحديث (٢). ويؤمرون بالتزام شروطها من الطهارة وستر العورة كما يؤمر بها البالغون. فإن صلوا بغير ذلك أمروا بالإعادة. وهل يعيدون أبدًا كالبالغين؟ أو ما لم تطل الأيام؟ قولان: الإعادة أبدًا إلحاقًا لهم بحكم الكبار البالغين، والقول الثاني أن الأمر بالصلاة ليس عليهم لأنهم مكلفون، بل للتمرين (٣). فإذا طالت الأيام فإنما يفتقرون إلى أداء صلاة الوقت لا قضاء ما فات.
_________________
(١) في (ت) مبتدأ تمييزهم.
(٢) أخرج أبو داود في الصلاة ٤٩٥ واللفظ له، وأحمد في مسنده ٢/ ١٨٧ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مرُوا أولاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبوهُمْ علَيْهَا وَهُم أَبنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ".
(٣) في (ر) متكلفين للتمرين.
[ ١ / ٥٠١ ]
وهل يؤمرون على التمرين بالصيام ويتعودونه قبل البلوغ؟ قولان: المشهور أنهم لا يؤمرون بذلك لأنه ليس بمتكرر، وإنما يأتي مرة في العام، بخلاف الصلاة. والشاذ أنهم يؤمرون بذلك قياسًا على الصلاة.
ومتى يفرق بينهم في المضاجع هل السبع أو العشر؟ قولان. وسبب الخلاف قولهﷺ -: "مروا الصبيان بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع". وبين الأصوليين خلاف في المستثنى (١) والإحالة والضمائر. وهذه الجملة (٢) التي هي: "وَفَرَّقُوا بَينَهُم فِي المَضَاجِعِ"، ولم يذكر حد ذلك. وقد تقدم حدان (٣) وهل يعود على أقرب المذكورات أو على أبعدها (٤)، وبالله التوفيق.
فصل (حكم قتل البرغوث والقمل في المسجد)
وقد قدمنا أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس [بالموت] (٥) عندنا، والبرغوث من هذا القبيل. هذا إذا لم يجلب دمًا فإن اجتلبه فقولان: فقيل هو طاهر نظرًا إلى أصله، وقيل نجس نظرًا إلى الدم الحاصل معه. وعلى هذا يجري حكم قتل البرغوث في المسجد. وأما طرحه فيه [حيًا] (٦) فجائز؛ لأنه مما يعيش في التراب، فليس في إلقائه تعذيب له، ولا هو يثبت في مكان واحد فيتأذى به الغير. ولا يخاف موته فيكون نجاسة ألقيت في المسجد. وهو غير نجس كما قلناه بخلاف القملة؛ فإنها لا تقتل في المسجد إذ هي ميتة وهي نجسة. ولا تلقى فيه إذ في إلقائها تعذيب لها.
_________________
(١) خرم في (ت) وفي (ر) و(م) الاستثناءات.
(٢) في (ر) للجملة، وفي (م) جملة.
(٣) في (ر) جملتان.
(٤) في (ر) جميعها.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) ساقط من (ر).
[ ١ / ٥٠٢ ]
وما وقع له في بعض الروايات من جواز طرحها في المسجد فقد يكون لظن دوام حياتها، أو يكون صاحب هذا القول حكم لها بأنها لا تنجس بالموت. وقد بقيت علة أخرى وهي تقذير المسجد، إذ لو جوزنا ذلك لأدى إلى أن كل من يأتي إلى المسجد يلقي قملة وذلك يضر بالناس.
فصل (حكم القنوت في الصلاة)
وقد قدمنا أن القنوت من فضائل الصلاة، هذا هو المعروف من المذهب. وقال يحيى بن يحيى: إنه ليس بمشروع كما قاله أبو حنيفة.
وسبب الخلاف أنه شرع دعاء (١) على قبائل الكفار. وبين الأصوليين خلاف في العلة هل إذا ارتفعت هل يرتفع حكمها أم لا؟ فمن قال بالارتفاع جاء منه الشاذ، ومن قال بعدم الارتفاع جاء منه المشهور. وإذا قلنا إنه مشروع فليس فيه دعاء مؤقت (٢)، لكن يستحب الابتداء بالدعاء المشهور فيه. فإن أبدله أو أضاف إليه غيره، فلا بأس. وإن تركه جملة هل يسجد أم لا؟ قولان: المشهور لا يسجد له بناء على أنه فضيلة. وقال سحنون: يسجد له، وهذا بناء على أنه سنة. وقال علي بن زياد: تبطل (٣) صلاة من تركه متعمدًا. وهذا بناء على أحد القولين في تارك السنن متعمدًا.
وقد قنت الرسول - ﷺ - قبل الركوع وبعده (٤)، والمصلي مخير في
_________________
(١) في (م) شرع الدعاء.
(٢) في (ت) و(ر) مؤقتًا.
(٣) في (ق) تفسد.
(٤) من الأحاديث الدالة على قنوت الرسول - ﷺ - بعد الركوع ما أخرجه البخاري في الجمعة ١٠٠١عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ "سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ أقَنَتَ النبيُّ - ﷺ - في الصُّبحِ قَالَ: نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ: أَوَقَنَتَ قَبْلَ الرُكُوعِ؟ قَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا". ومن الأحاديث الدالة على قنوته - ﷺ - قبل الركوع ما أخرجه البخاري في الجمعة ١٠٠٢ =
[ ١ / ٥٠٣ ]
ذلك. ولكن استحبه مالك ﵀ قبل الركوع ليدرك المسبوق.
وهل يقنت في الوتر في النصف الآخر من رمضان؟ قولان: المشهور أنه لا يقنت؛ لأنه لم يكن معمولًا به في زمن الرسول ﵇، والشاذ أنه يقنت، لما ورد عن السلف أنهم كانوا يلعنون الكفار في النصف الآخر من رمضان.
فصل (حكم من انصرف بسبب رعاف أو حدث)
ومن ظن بطلان تماديه برعاف (١) أو حدث فانصرف ثم تبين له بطلان ظنه؛ فأما في الرعاف إذا لم يتكلم ولم يمش على نجاسة فإنه ينظر، فإن كان بحيث يميز (٢) صحة ما في ظنه أو بطلانه (٣) قبل انصرافه فانصرف قبل التمييز بطلت صلاته بلا خلاف. وإن كان بحيث لا يمكنه التمييز؛ لأنه في ليل مظلم، واجتهد فأخطأ ففي بنائه قولان: أحدهما: أنه لا يبني، وهو المشهور. والثاني: أنه يبني، وهو الشاذ. وهما على ما قدمناه في المجتهد هل يعد (٤) باجتهاده أم لا؟ وأما في الحدث فإن لم يطل فعله بعد الظن كان كالرعاف، وإن طال فعله أو تكلم عامدًا بطلت صلاته؛ لأن هذا انصرف (٥) على أن صلاته باطلة، والراعف انصرف على أنه يغسل الدم ثم يبني.
_________________
(١) = عن عاصم قَالَ: سَأَلْتُ أَنَس بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْقُنُوتِ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ القُنُوتُ، قُلْتُ: قَبْلَ الرُّكُرعِ أَوْ بَعدَهُ قَالَ: قَبلَه" الحديث.
(٢) في (ق) لرعاف.
(٣) في (ق) يتمكن تمييز، وفي (ت) يتميز.
(٤) في (ق) أو بطلان صلاته.
(٥) في (ر) يعده، وهو ساقط من (ق).
(٦) في (ق) و(ر) انصراف.
[ ١ / ٥٠٤ ]
فصل (ما يلزم المصلي حين يعقد النية)
واختلف المذهب هل يلزم المصلي في حين عقد النية التعرض (١) لعدد الركعات أم لا يلزمه ذلك؟ وعليه الخلاف فيمن افتتح ينوي القصر فأتم أو بالعكس، هل تجزيه الصلاة أم لا؟ وعليه أيضًا الخلاف فيمن أحرم للجمعة فلم تصح له شروط الجمعة، هل يتم عليها ظهرًا أربعًا؟ وقد قدمنا الخلاف في ذلك. وذكرنا أن هذا يلتفت فيه إلى أصل ثان [وهو] (٢) هل الجمعة صلاة قائمة بنفسها؟ أو هي ظهرًا مقصورة؟ وعلى هذين الأصلين يجري الخلاف فيمن دخل مع الإمام والإمام يصلي الجمعة فظنها الداخل الظهر، أو كان الإمام في الظهر فظنه الداخل الجمعة. في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: إنها لا تجزيه فيهما. والثاني: إنها تجزيه فيهما. والثالث: إنها تجزيه إن كان الإمام في الظهر فظن الداخل الجمعة ولا تجزيه إذا كان الأمر بالعكس. والقولان الأولان على ما قدمناه من الخلاف والتفرقة، لأن الجمعة تفتقر إلى شروط لا يفتقر إليها الظهر. وتجزيه إذا قصد الأكمل عن الأنقص ولا تجزيه بالعكس.
وأصل مذهب مالك ﵀ تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام، ولهذا لا يجزي أن يقتدي المفترض بالمتنفل ولا من يصلي الظهر مثلًا بمن يصلي العصر. وقد قدمنا ما في تعليق صلاة المأموم بصلاة الإمام، وأن بعض الأشياخ كالباجي وأبي الحسن اللخمي يحكي الخلاف في ذلك في المذهب (٣). فعلى هذا يختلف في صلاة المفترض بالمتنفل، وفي الاقتداء بمن هو في صلاة غير ما ينويه المأموم.
وإذا بنينا على المشهور، فذكر اثنان صلاتي ظهر مثلًا من يومين مختلفين، فهل لأحدهما أن يقتدي بالآخر؟ ذكر البغداديون قولين: أحدهما: على الخلاف،
_________________
(١) في (ت) التعريض.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) التبصرة ص: ٧٦.
[ ١ / ٥٠٥ ]
هل يلزم التعريض في النية [لتعيين] (١) اليوم الذي ترك (٢) فيه الصلاة، فيقصد أحدهما: الأحد ويقصد الآخر مثلًا الخميس (٣) أو غيره من الأيام (٤).
فصل (حكم المصلي يقرأ ما كتب بين يديه)
وإذا نظر المصلي إلى مكتوب بين يديه [فقرأه] (٥)؛ فإن كان المكتوب قرآنًا لم تبطل صلاته، وسواء نطق بالقراءة أو قرأها في قلبه. وإن كان غير قرآن فقرأ في قلبه ولم ينطق به (٦) لم تبطل صلاته، إلا أن (٧) يطول جدًا فتبطل صلاته لاشتغاله عن الصلاة بالقراءة (٨). فإن نطق بلسانه كان كالمتكلم. فإن تعمد بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا لم تبطل إلا أن يطول ذلك كما قدمنا في الكلام. ويسجد بعد السلام. وحكم المنصرف من الركعتين يأتي في باب السهو مستوفيًا (٩).
فصل (الأمر بتسوية الصفوف)
والتراص في الصفوف والاستواء مأمور به، ولا يجوز التقدم في
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ت) تؤدي.
(٣) في (ر): فيصد الأحد مثلًا الخميس، وفي (ت) فيقصد أحدهما الآخر مثلًا ويقصد الآخر الخميس.
(٤) لم يرد القول الثاني للبغداديين في أي من النسخ التي بين يدي.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ق) و(ت) ولم ينطق بلسانه.
(٧) في (ر) ذلك إلا أن.
(٨) في (ر) لا للقراءة.
(٩) في (ت) مستوعبًا.
[ ١ / ٥٠٦ ]
الصف ولا التأخر عنه. وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم تتقايس (١) في الصفوف بالمناكب والأقدام. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ (٢)؛ فقيل: المراد صفوف الصلاة. وقيل: المراد صفوف الجهاد. ويحتمل أن يتناولهم اللفظ؛ لأن الكل جهاد إما الكفار وإما للشياطين من الجن والإنس. لكن من صلى وحده وترك الصف أجزأته صلاته عندنا، لأن التسوي (٣) في الصف مندوب إليه وليس بواجب. ولو لم يجد فرجة فإنه لا يجر إليه أحدًا إذ الصلاة تجزيه وليس له التعدي بإخراج المستوي في الصف.
(حكم الصلاة بين الأساطين)
والصلاة بين الأساطين مكروهة إلا أن يضيق المسجد. واختلف في علة الكراهية فقيل: أنها محل الشياطين والنجاسات إذ كانوا يلقون هناك نعالهم، وقيل إنما كرهت لتقطيع الصفوف ولا تفسد الصلاة على هذا التعليل. وإن عللنا بنجاسة الموضع تفسد (٤) الصلاة.
(حكم تقدم الرجال أو النساء على الإمام)
ولا تفسد الصلاة عندنا مخالفة الترتيب في مقامات الإمام مع المأمومين. وقد قدمنا ذلك. ولو خالفت امرأة بأن صلت أمام الإمام أو بين الصفوف لم تفسد صلاتها (٥) عندنا، ولا صلاة من هي بين يديه إلا أن ثُمِرَ (٦) صلاتها هناك تذكر من (٧) هي بين يديه حتى يؤديه تذكره إلى نقض طهارته. وكذلك حكم الجماعة من النساء.
_________________
(١) في (ت) يتناسق.
(٢) الصف:٤.
(٣) في (ق) و(ت) لأن الصلاة.
(٤) في (ت) غالبًا تفسد.
(٥) في (ر) صلاته.
(٦) في (ر) إلا أن يتضمن.
(٧) في (ر) تذكرا ممن، وفي (ت) تذكرا من.
[ ١ / ٥٠٧ ]
فصل (لا يمنع النساء من حضور الجماعات إلا لسبب)
ولا يمنع النساء من حضور الجماعات إلا أن يغلب (١) عليهن الفساد فيجب منعهن. فأما السنن (٢) كالعيدين والاستسقاء فلا تمنع منهما المتجالة (٣) التي لا حظ فيها للرجال.
(حكم الاستماع للمخبر في الصلاة)
ومن استمع لمخبر في الصلاة فإن طال جدًا بطلت صلاته لأنه كالمشتغل عن الصلاة بالكلية، وإن خف جدًا فلا بأس به. وإن كان بين ذلك أمرناه بالسجود بعد السلام لأنه أطال لغير مصلحة الصلاة.
(حكم زخرفة المساجد)
وقد قدمنا أنه يجب تنزيه المساجد عن كل ما يستقذر. وقد قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٤) الآية. فقيل: معناها يرفع مقدارها عن المستقذرات. وقيل: ترفع بالبنيان والتشييد. وليس من هذا تزويقها بما يلهي المصلي ولا منفعة فيه. وفي ذلك أيضًا تشبيه بالكنائس والبِيَع وهو منهي عنه. وتجب صيانة المسجد عن كل من لم يعرف حقه (٥) وحرمته كالصغير والمجنون. وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: "جَنَّبُوا مَسَاجِدَكُم صِبيَانَكُم" (٦)، ولكنه يعارضه ما ثبت عنه مدونًا في الصحاح أنه حمل أمامة بنت ابنته وهو في الصلاة (٧)، فقيل: كانت صلاة فرض، وقيل: كانت نافلة.
_________________
(١) في (ق) و(ت) يخاف.
(٢) في (ق) و(ت) وأما حضور السنن.
(٣) في (ر) منهن المتجالات.
(٤) النور: ٣٦.
(٥) في (ر) منه.
(٦) ابن ماجه في المساجد ٧٥٠. قال ابن حجر في فتح الباري ١/ ٥٤٩ وتعقب بأن الحديث ضعيف.
(٧) في (ت) الصلاة في المسجد. =
[ ١ / ٥٠٨ ]
وفي الكتاب في الصبي يأتي أباه وهو صغير في الصلاة المكتوبة إنه ينحيه عنه، ولا بأس بتركه في (١) النافلة. وهذا يقتضي تأويله للحديث على أن ذلك كان في النافلة. ولو اضطر الإنسان إلى حمل طفل وهو في الصلاة (٢) لحمله. وعلى الاضطرار تأول ما ورد (٣) في الحديث من حمل أمامة في الفريضة (٤).
فصل (متى يفتح على الإمام؟)
وقد قدمنا أنه لا يفتح على من ليس معه في صلاة، وإن طلب منه الفتح، فإن فتح عليه فهل تبطل صلاة الفاتح؟ قولان. وهما على ما قدمناه في الخلاف في القرآن يقصد به إفهام الغير. وهل يفتح على من معه في صلاته؟ أما إن أخطأ الإمام في غير أم القرآن فإنه لا يفتح عليه إلا أن يغير المعنى أو يطلب منه الفتح. وإن أخطأ في أم القرآن فإنه يفتح عليه لأن الصلاة لا تجزي إلا بها. ولو ترك الإنسان آية من أم القرآن فحكى إسماعيل القاضي قولين: أحدهما: أنه يسجد لسهوه، والثاني: لا سجود عليه. وهذا لأنه رأى أن الأقل تبع للأكثر على مراعاة الإتباع في أنفسها أن تبطل صلاته.
_________________
(١) = والحديث أخرجه البخاري في الصلاة ٥١٦ واللفظ له، ومسلم في المساجد ٥٤٣ عَنْ أَبِي قَتَادةَ الْأَنْصَارِي أَنَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِل أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْس فَإذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا.
(٢) في (ر) ولا بأس به في.
(٣) في (ر) في الفريضة.
(٤) في (ر) أن يكون ما ورد.
(٥) في (ق) و(ت) من حمله على الفريضة.
[ ١ / ٥٠٩ ]
فصل (حكم الالتفات في الصلاة)
وقد قدمنا وجوب استقبال القبلة وحكم من صلى إلى غيرها. والنظر هاهنا في الالتفات في الصلاة، وهو (١) يفسد الصلاة إن خرج المصلي عن الاستقبال، ولا يفسدها إن لم يخرج عنه. ولو كان الالتفات بسائر الجسد لكان يكره جملة إذ هو كالتارك لأدب الوقوف بين يدي ملك الملوك.
(حكم الصفد في الصلاة)
وقد روي في بعض الأحاديث النهي عن الصفد (٢) في الصلاة وهو أن يصلي قارنا قدميه معتمدًا عليهما. وقد عابه مالك ﵀ في المدونة واستحبه في غيرها. وعاب الوقوف على الرجل الواحدة (٣) معتمدًا عليها. ولعله قال: هذا لما لم يثبت عنده الحديث، فكره التحديد بالاعتماد على الرجل الواحدة كعادته في الكراهة.
فصل (حكم تحبيس المساجد وغيرها)
واجتمعت الأمة على جواز تحبيس السقايات والمساجد؛ فمن بني مسجدًا فلا يخرج عن ملكه بنفس البناء إلا أن يظهر منه قول أو فعل يدل على أنه قصد إخراجه عن ملكه وتحبيسه. ومن الفعل أن يخلي بين الناس وبينه.
وسقف المسجد لاَحِقٌ به (٤) في تحبيسه. ولهذا لا يحل أن يملك ما فوقه، ويجوز ملك ما تحته إذ الأسفل لا يسري إليه حكم التحبيس.
_________________
(١) في (ت) هل.
(٢) في (ق) الصفرد.
(٣) في (ر) الواحد.
(٤) في (ر) و(ت) لاحق له.
[ ١ / ٥١٠ ]
(حكم سجود الشكر)
وهل يجوز السجود عند البشرى بما يسر (١) به الإنسان. في المذهب قولان: المشهور كراهيتها، وهذا لأنه لم يثبت أن السجود مشروع (٢). والشاذ جوازه. وقد روي عنه - ﷺ - أنه فعله (٣). وروى ذلك عن جملة من الصحابة رضوان الله عليهم (٤).
_________________
(١) في (ت) بما يبشر به.
(٢) قال الشوكاني في نيل الأوطار٣/ ١٢٩ بعدما ذكر الأدلة على شرعية سجود الشكر، وإنكار أبي حنيفة ومالك له قال: "وإنكار ورود سجود الشكر عن النبي ﵌ من مثل هذين الإمامين مع وروده عنه ﵌ من هذه الطرق التي ذكرها المصنف وذكرناها من الغرائب. ومما يؤيد ثبوت سجود الشكر قوله ﵌ في الحديث المتقدم في سجود ص هي لنا شكر ولداود توبة".
(٣) أخرج أبو داود في الجهاد ٢٧٧٤ واللفظ له، وابن ماجه في إقامة الصلاة ١٣٩٤ عَنْ أبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَهُ أَمْرُ سُرُورٍ أوْ بُشِّرَ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شَاكِرًا لِلهِ.
(٤) ابن ماجه في إقامة الصلاة ١٣٩٣ عَنْ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا تَابَ اللَهُ عَلَيْهِ خَرَّ سَاجِدًا.
[ ١ / ٥١١ ]
كتاب الصلاة الثاني
(حكم سجود التلاوة)
وقد بدأ فيه بأحكام سجود التلاوة (١)، وأجمعت الأمة على أنها مشروعة (٢). واختلفوا هل هي واجبة أو مندوب إليها؟ ومذهب مالك ﵀ إسقاط الوجوب معولًا على قول عمر ﵁: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَكتُبهَا عَلَينَا إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ" (٣). وقد ترك السجود بحضرة الصحابة، وقال ما حكيناه عنه وهو على المنبر، ولم ينكر عليه أحد. وقد اختلف الأصوليون هل يعد قوله هذا إجماعًا لترك الإنكار أم لا يعد؟
وإذا تقرر أن المذهب إسقاط وجوبها فهل تلحق بالسنن، أو تنزل عنها إلى الفضائل؟ للمتأخرين قولان:
أحدهما: عدها فضيلة، قاله القاضي أبو محمد. وهذا طريق أبي القاسم ابن الكاتب. واحتج بقول مالك رحمه الله تعالى في المدونة: يستحب له إن قرأها في أثناء الصلاة ألا (٤) يدع سجودها (٥) فأطلق عليها في الكتاب لفظة الاستحباب. وهذا يدل على أنها فضيلة.
_________________
(١) لعل المؤلف يقصد صاحب المدونة. هذا إذا لم يكن من كلام الناسخ.
(٢) في (ت) مشروعة على الجملة.
(٣) أخرجه مالك في النداء ٤٨٢، والبيهقي في سننه ٣/ ٢١٣.
(٤) في (ر) أن يقرأها في إبان الصلاة ولا يدع.
(٥) المدونة: ١/ ١١١.
[ ٢ / ٥١٢ ]
والقول الثاني: أنها سنة، قاله أبو القاسم ابن محرز (١). واحتج بما في المدونة من أنه يسجد لها بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس. وشبهها بالجنائز. وهذا التشبيه يقتضي أنها سنة كالجنائز. ولا يسلم هذا الذي قاله من الاعتراض لأنه يمكن أن يحمل التشبيه على جواز السجدة (٢). والأمر به في هذا الوقت، لا على أنها تشبه الجنائز في كل الأحكام. وقد قدمنا سبب الخلاف فيما يلحق بالسنن أو يعد من الفضائل، وهو ما يدوم من فعل رسول الله - ﷺ - لكن في غير الجماعات. وسجود التلاوة (٣) من هذا القبيل. وإذا تقرر هذا قلنا: أحكام السجود تنحصر في أربعة فصول: أحدها: أعداده. والثاني: مواضعه من الآي. والثالث: شروطه وصفاته ومن يؤمر به. والرابع: أوقاته.
(أعداده)
فأما أعداده فقد اختلف المتقدمون من أهل المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال: فالمشهور: أن أعداده إحدى عشرة [سجدة] (٤) ليس في المفصل منها شيء، أولها آخر الأعراف، وآخرها حم تنزيل (٥). والقول الثاني: أن أعداده خمس عشرة يضاف إلى ما سميناه سجود آخر الحج، وثلاثة في المفصل: آخر النجم، وآخر العلق (٦)، وسجدة في الانشقاق. ونذكر الخلاف في مواضعها بعده.
_________________
(١) هو: أبو القاسم بن محرز المقري القيرواني تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران وأبي حفص تفقه به عبد الحميد الصائغ وأبو الحسن اللخمي كان فقيهًا نظارًا نبيلًا وابتلي بالجذام في آخر عمره وله تصانيف حسنة منها تعليق على المدونة سماه التبصرة وكتابه الكبير المسمى بالمقصد والإيجاز توفي في نحو الخمسين وأربعمائة رحمه الله تعالى ترجمته في شجرة ص: ١١٠ والديباج المذهب ص: ٢٢٦.
(٢) في (ت) و(ق) السجود.
(٣) في (ت) من فعل الرسول ﵇ له ولم يظهره في الجماعة وسجود التلاوة، وفي (ر) لكن له في غير الجماعات وسجود التلاوة.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) أي سورة فصلت.
(٦) في سائر النسخ التي وقفت عليها القلم، ولعل الصواب ما أثبته لأن القلم ليست سجدة بالاتفاق.
[ ٢ / ٥١٣ ]
والقول الثالث: أن أعداده أربعة عشر موضعًا فأسقط مما ذكرناه سجدة آخر الحج (١). وجمهور متأخري أهل المذهب يرون أن هذا خلاف، وأن المشهور ترك السجود فيما عدا الأحد عشر موضعًا. والقاضي (٢) أبو محمد يرى أن السجود مأمور به في جميع الخمسة عشر، لكنه في الأحد عشر آكد منه في الباقي. وعليه يتأول المشهور. ويحتج بقول مالك في موطئه:"عَزَائِمُ سُجُودِ القُراَنِ إِحدَى عَشرَةَ سَجدة" (٣). وهذا يدل على أن في القرآن سجودَ [غيرِها] (٤)، لكنه ليس من العزائمِ. فيصير المذهب عنده على أن السجود مشروع في الأحد عشر موضعًا متأكدًا، وفي غيره من الأربعة مواضع غير متأكد. وهو غير مشروع في غير هذه المواضع.
وسبب الخلاف على ما قاله الجمهور اختلاف آثار؛ فحكى زيد بن ثابت وابن عباس وغيرهما أن الرسول ﵇ لم يسجد بعد الهجرة في المفصل (٥). وحكى أبو هريرة وغيره أنهم سجدوا في المفصل خلف رسول الله - ﷺ - (٦) وروي عنه - ﷺ - أنه سئل هل في الحج سجدتان؟ فقال: نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأ (٧). وهذا يقتضي تأكيد السجود وثبوته في
_________________
(١) في (ق) آخر النجم.
(٢) في (ق) و(ت) وهي ما تقدم والقاضي.
(٣) مالك في النداء للصلاة.
(٤) ساقط من (ق) و(م).
(٥) أخرج البخاري في الجمعة ١٠٧٣ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَالنَّجْم فَلَمْ يَسْجُد فِيهَا"، وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ٣٧٧ عن ابن عباس وذكروا سجود الَقرآن فقال: "الأعراف والرعد والنحل وبنو إسرائيل ومريم والحج سجدة واحدة والنمل والفرقان وألم التنزيل وحم السجدة وص وليس في المفصل سجود". وأخرج البيهقي في سننه ٢/ ٣١٣ قال ابن عباس: "ليس في المفصل سجدة"، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه ٣/ ٣٤٣ عمن سمع عكرمة يحدث قال: "سجد النبي - ﷺ - في المفصل إذ كان بمكة يقول ثم لم يسجد بعد".
(٦) أخرج مسلم في المساجد ٥٧٨ واللفظ له، والترمذي في الجمعة ٥٧٣ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ "سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي إِذاَ السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ".
(٧) لم أقف عليه بهذا اللفظ إلا بلفظ قريب أخرجه أبو داود في الصلاة ١٤٠٢، والترمذي في الجمعة ٥٧٨ عن عُقْبَةَ بْن عَامِرِ قَالَ قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: "أَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ؟ قَالَ "نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا". واللفظ لأبي داود.
[ ٢ / ٥١٤ ]
آخر الحج. لكن هذا الحديث لم تثبت فيه شروط الصحة. والذي صوبه المحققون من المتأخرين ومن لقيته من الأشياخ ثبوث السجود في المفصل. لأن من حكى نفي حكم السجود إنما ذكر ما رأى، ومن أثبت أولى ممن نفى، ولا سيما وقد يترك (١) السجود ليبين أنه ليس بواجب ويسجد (٢) ليبين أنه مشروع. فإذا أمكن صرف الترك إلى هذا المعنى لم يكن فيه دليل على انحصار السجود في الأحد عشر موضعا.
فصل (مواضعه من الآي)
وأما مواضع السجود من الآي فاختلف فيه في ثلاثة مواضع: أحدها: سجدة ص، فقيل يسجد عند قوله جل ذكره ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ (٣)، وقيل: يسجد عند قوله ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٩)﴾ (٤). والثاني: سجدة ﴿حم (١) [تَنزِيلُ]﴾ (٥)، فقيل: يسجد عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ (٦)، وقيل: عند قوله ﷿: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ (٧). والثالث: سجدة الانشقاق، فقيل: يسجد في آخر السورة، وقيل: عند قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ (٨).
وسبب الخلاف هل النظر إلى سبب السجود فيسجد عند كمال الآية
_________________
(١) في (ر) ترك.
(٢) في (ر) سجد.
(٣) ص: ٢٤.
(٤) ص:٢٥.
(٥) ساقط من (ر) و(ق).
(٦) فصلت: ٣٧.
(٧) فصلت: ٣٨.
(٨) الانشقاق: ٢١.
[ ٢ / ٥١٥ ]
بعد ذكر السجود، أو النظر إلى كمال الثناء على المطيع (١) والذم للعاصي، فيسجد عند كمال ذلك؟
ولم يختلف في محل السجود في غير ما ذكرناه، فيسجد في الأعراف عند ختمها. وإذا سجد وكان في الصلاة ثم قام فهو غير إن شاء أن يركع (٢) من غير أن يقرأ شيئًا من غيرها، وإن شاء قرأ ثم ركع.
والسجدة في الرعد عند قوله تعالى: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٣)، وفي النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤)، وفي سبحان: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٥)، وفي مريم: ﴿وَبُكِيًّا﴾ (٦)، وفي الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٧). وإن أثبتنا السجدة في آخرها فعند قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٨). وفي الفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٩)، وفي النمل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١٠)، وفي ألم السجدة: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١١)، وفي النجم آخرها. وهو مخير بعد الرفع كما ذكرناه بين أن يركع أو يقرأ من غيرها. وكذلك في سورة القلم. وخيره ابن حبيب بين السجود والركوع فينوب له ذلك عن ركوع الصلاة وعن سجود التلاوة. وهذا كأنه ترك السجود.
_________________
(١) في (ت) و(ق) للمطيع.
(٢) في (ت) يترك.
(٣) الرعد: ١١٥.
(٤) النحل:٥٠.
(٥) الاسراء: ١٠٩.
(٦) مريم: ٥٨.
(٧) الحج: ١٨.
(٨) الحج: ٧٧.
(٩) الفرقان: ٦٠.
(١٠) النمل: ٢٦.
(١١) السجدة: ١٥.
[ ٢ / ٥١٦ ]
فصل (شروط السجود)
وأما شرط (١) السجود فهو جزء من الصلاة، فيشترط فيه عندنا جميع ما يشترط في الصلاة؛ من طهارة الحدث والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة. وهل يُحرِم له ويسلم منه؟ أما الإحرام الزائد على التكبير للهَوْيِ (٢) فلا يشترط عندنا. وكذلك لا يشترط السلام إذ لم يثبت، وإنما هو مجرد سجود. وهل يكبر له عند الإهواء والرفع منه؟ أما إن كان في صلاة فيكبر، وإن كان في غير صلاة ففيه ثلاثة أقوال: في الكتاب الأمر بالتكبير، وكراهيتها، (٣) وخيره ابن القاسم.
وسبب الخلاف القياس على سجود الصلاة وسجود التلاوة إذا كان في صلاة، فعلى هذا يكبر، والقياس (٤) على الإحرام والتسليم، فلا يكبر. وأيضًا فإن التكبير مشروع في الصلاة الكاملة، وهذا ليس منها. والتخيير لتعارض ما قلناه.
(من يؤمر بالسجود)
ويؤمر به كل تال للقرآن في غير صلاة فريضة إذا مر بإحدى الآي التي قدمناها (٥). وهذا إذا كان في وقت يجوز فعله فيه على ما نبينه، وهو على الصفات التي قدمناها في شروط الصلاة.
وهل يؤمر به مستمع القراءة؟ أما إن لم يقصد الاستماع فلا يؤمر، وإن قصد وكان الثاني ممن لا تصح إمامته فلا يؤمر، وإن كان ممن تصح إمامته وسجد الثاني أمر به، وإن لم يسجد فقولان: المشهور أن يؤمر به
_________________
(١) في (ق) و(ت) شروط.
(٢) في (ت) للإهواء للسجود. والهوى والإهواء كلاهما صحيحتان. انظر لسان العرب ١٥/ ٣٧٢ - ٣٧٤.
(٣) المدونة: ١/ ١١١.
(٤) في (ت) فعلى هذا يكبر والقول الثاني بالقياس.
(٥) في (ت) قدمناه، وفي (م) قدمنا.
[ ٢ / ٥١٧ ]
لأن الاستماع كالتلاوة، وأصلها اكتفاء المأموم بقراءة الإمام (١). والقول الثاني أنه لا يؤمر، لما روي عنه - ﷺ - "أنه قرأ رجل عنده آية من القرآن فيها سجدة فسجد الرجل وسجد النبي - ﷺ - معه، ثم قرأ آية أخرى فيها سجدة وهو عند النبي - ﷺ - فانتظره النبي (٢) أن يسجد فلم يسجد فقال له في ذلك فقال النبي - ﷺ -: كنت إمامنا ولو سجدت لسجدت معك" (٣). وقال بعض الشافعية: إنما ترك رسول الله - ﷺ - السجود لينبه القارئ أنه أخطأ بتركه إياه، وإنما كان القارئ هو المأمور به أولًا والمستمع في حكم التبع. وهو غير واجب فلا يبعد تركه لقصد البيان.
(كراهيه قراءة آية السجدة وحدها لأجل السجود)
وقد كره في المدونة أن يقرأ الرجل السجدة وحدها ليسجد لها (٤). واختلف الأشياخ هل يريد لفظ السجدة خاصة وموضع السجود منها أو كل الآية؟ فلهم في ذلك قولان: أحدهما: أنه إذا قرأ الآية جميعها جاز، وجاز السجود لأنه حصل تاليًا لذلك. والثاني: أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن حكم التلاوة لم يحصل له، وإنما حصل لمن استمر على قراءة السورة (٥).
(حكم قراءة السورة التي فيها السجدة في الصلاة)
وهل تجوز قراءة السورة التي فيها السجدة في الصلاة؟ أما في صلاة النافلة فلم يختلف المذهب في جواز ذلك. وهذا إذا كان فردًا أو كان في
_________________
(١) في (ق) قراءة الإمام القرآن.
(٢) في (ر) الرجل.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ إلا بلفظ قريب أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ٣٧٩ عن زيد بن أسلم أن غلاما قرأ عند النبي - ﷺ - السجدة فانتظر الغلام النبي - ﷺ - أن يسجد فلما لم يسجد قال: يا رسول الله، أليس في هذه السورة سجدة قال: بلى ولكنك كنت أمامنا فيها فلو سجدت لسجدنا. وقال ابن حجر في الفتح ٢/ ٥٥٦: رجاله ثقات إلا أنه مرسل.
(٤) في (ق) ليسجدها.
(٥) المدونة: ١/ ١١١.
[ ٢ / ٥١٨ ]
جماعة يأمن التخليط فيها فظاهر، وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها، فالمنصوص أيضًا جوازه لما ثبت من فعل الأولين في صلاة النفل في رمضان وهم مجتمعون فيمرون بالسجدة فيسجدون.
وأما في الفريضة فإن كانت صلاة سر أو جهر وخاف أن يخلط على من خلفه، فلا يجوز له ذلك. لأنه قد يؤدي إلى بطلان الصلاة، وكل ما أدى إلى بطلانها فممنوع. وأما إن أمن التخليط وكانت صلاة جهر، أو كان فردًا ففيه قولان: المشهور النهي عنه، والشاذ جوازه. وقد علل المشهور بأنه إذا قرأ السجدة وسجد بها، كان زائدًا في أعداد الفريضة، وذلك لا يجوز. والصحيح جوازه (١) لما ثبت عنه - ﷺ - من أنه كان يداوم على قراءة ألم تنزيل السجدة في الركعة الأولى من صلاة الصبح (٢). وعلى هذا كان يواظب الأخيار من أشياخي وأشياخهم.
وإذا منعناه أن يقرأ بالسجدة في صلاة السر فإنه إذا قرأ ووصل إلى السجدة فينبغي له أن يجهر إذا عول على السجود لها ليعلم من خلفه أنه إنما سجد للتلاوة. وإن لم يجهر وسجد فهل يتبع في السجود؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: أنه يتبع فيه للزوم متابعة الإمام، والثاني: أنه لا يتبع لجواز أن يكون سجد ساهيا ولم يقرأ آية السجدة.
(حكم من نسي سجود التلاوة في الصلاة)
وإذا أبحنا له أن يقرأ في النافلة بما فيه السجدة فقرأ ثم نسي أن يسجد في موضع السجود فلا يخلو من أن يذكر ذلك قبل التطاول (٣) أو بعده، وقبل أن ينحني للركوع أو بعد ما انحنى للركوع ولم يرفع رأسه، أو بعد ما رفع رأسه. فإن ذكر قبل أن يتطاول سجد عند ذكره ولم يؤمر بإعادة
_________________
(١) في (ق) على تلاوة الآية الكثير.
(٢) في (ت) جوازه في الفريضة والنافلة.
(٣) أخرجه البخاري في الجمعة ٨٩١، ومسلم في الجمعة٨٨٠ وهو مقيد بصلاة صبح يوم الجمعة.
[ ٢ / ٥١٩ ]
آية السجدة (١). وإن ذكره بعد التطاول أمر بإعادة قراءة الآية التي فيها ذكر السجود [وسجد] (٢). وإن ذكر بعد أن خر للركوع فهل يتمادى على ركوعه ويترك السجدة، أو يخر إلى السجدة؟ فيه قولان. وهما على الخلاف في عقد الركعة ما هو؟ هل هو وضع اليدين على الركبتين؟ أو رفع الرأس منها؟ فإن قلنا عقد الركعة وضع اليدين على الركبتين، تمادى على ركوعه. وإن قلنا عقدها رفع الرأس منها، خر للسجود ساجدا. وعكس هذا أن يريد السجود فيركع فهل يجزيه هذا الانحطاط على الانحطاط إلى الركوع فيه قولان (٣). وهما على الخلاف في الحركة إلى الأركان هل هي مقصودة فلا يجزيه، أو غير مقصودة فيجزيه.
وإن ذكر السجدة وقد رفع رأسه من الركوع فلا يسجدها في الحال، لكن إن كانت هذه الركعة هي الأولى من النافلة قرأها في الركعة الثانية ويسجد لها. ومتى يقرأها هل قبل أم القرآن أو بعدها؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: أنه يقرأها قبل أم القرآن؛ لأنها قضاء عن الركعة (٤). وإنما يكره أن يقدم على أم القرآن غيرها إذ لم يكن له سبب مثل هذا، وإذا ظهر له السبب جاز له التقدم. والثاني: لا يقرأها إلا بعد أم القرآن، إذ أصل المذهب (٥) أن المشروع أنه يأتي بها عقيب التكبير من غير فاصل. فإن كانت الركعة هي الثانية من النافلة، فإن كان يركع بعدها نافلة أخرى قرأ بها وسجد، وإلا فقد فات موضع السجود.
فصل (أوقاته)
وأما أوقات السجود؛ فإنه يجوز في كل وقت يجوز فيه أداء النوافل. ويجوز بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح، وبعد مغيب الشمس قبل
_________________
(١) في (ق) التطويل. والمقصود طول زمان النسيان.
(٢) في (ر) التلاوة.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ق) انحطاطه للسجود قولان.
(٥) في (ق) الركعة الأولى.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
صلاة المغرب. وهل يجوز بعد صلاة الصبح إذا لم يسفر، وبعد صلاة العصر إذا لم تصفر الشمس؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه لا يجوز، قاله في الموطأ. والثاني: جوازه، وهو مذهب الكتاب (١). والثالث: التفرقة، فيجوز بعد الصبح ولا يجوز بعد العصر، قاله ابن حبيب. وقد قدمنا ما قاله أبو القاسم ابن محرز من [أن] (٢) السجود بعد الصبح وبعد العصر يقتضي كونه سنة، ولهذا شبهت بصلاة الجنائز. وعلى هذا يكون النهي في السجود في هاذين الوقتين يقتضي كونه فضيلة. وأما تفرقة ابن حبيب فلأن النهي عن الصلاة بعد العصر أشد من النهي عنها بعد الصبح. إذ (٣) اختلف المذهب هل تأخير الفريضة إلى الاصفرار محرم أو مكروه. وتأخيرها إلى الإسفار لم يختلف أنه غير محرم. وإنما اختلف هل هو جائز أو مكروه.
فصل (وجوب الوضوء عند لمس القرآن)
ولا خلاف في الأمر بالوضوء لمن أراد مس القرآن. وهل ذلك الأمر واجب؟ المشهور من مذاهب العلماء وجوبه. وروى مالك ﵀ في موطئه أن في الكتاب الذي كتبه الرسول ﵇ لعمرو بن حزم (٤) أن لا يلمس القرآن إلا طاهر (٥). واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا
_________________
(١) في (ر) إذا صلا به المذهب. المدونة: ١/ ١١١.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) و(ق) و(ت) إذا.
(٤) في (ق) و(ت) بن جزم.
(٥) أخرج مالك في النداء ٤٦٨ واللفظ له، والدارمي في الطلاق ٢٢٦٦ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكْرِ بنِ حَزْم أَن في الكِتَابِ الّذِي كَتبَهُ رَسُول اللهِ - ﷺ - لِعَمرِو بنِ حَزْمٍ أَنْ لاَ يَمسَّ القُرآن إلا طَاهِرٌ.
[ ٢ / ٥٢١ ]
الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (١)؛ فقيل: هو على ظاهره من الخبر، والمراد بالمطهرين الملائكة، وهو رأي مالك ﵀ في موطئه. وأكثر أهل المذهب على حمل الآية على الأمر، وإن كان ظاهرها الخبر. ويكون موافقًا للحديث المتقدم. فإذا أوجبنا الوضوء (٢) لمس المصحف، فهل ذلك في حق كل مريد لمسه؟
أما غير المتعلم والمعلم فذلك واجب في حقه بلا خلاف، إلا أن يمسكه مع أشياء كثيرة ولم يقصد إلى حمله. وإنما قصد حمل ما معه كالرحل يكون فيه المصحف. فإن قصد إلى حمل المصحف منع إلا بطهارة.
وأما المتعلم فلا خلاف في المذهب في جواز مسه للمصحف بغير طهارة، لأنه مضطر إلى مسه ويشق عليه تكرار الوضوء. وأما المعلم ففيه قولان: أحدهما: أنه كالمتعلم. والثاني: أنه لا ضرورة به إلى ذلك كسائر الناس. وهذا ينبغي أن يكون خلاف في حال. فإن كان حافظًا يستغني عن مطالعة المصحف فهو كغير (٣) المتعلم. وإن كان مفتقرًا إلى مطالعته لقلة حفظه وهو يحتاج إلى العلم لأَجَلٍ (٤) معجل أو مؤجل، فهو كالمتعلم.
وإذا منعنا غير المتوضئ من مس المصحف فأحرى أن يمنع من على غير الإسلام من مسّه. وقد قدمنا الكلام على قراءة [الجنب] (٥) القرآن طاهرًا، ومن يجوز له ومن لا يجوز له.
باب في أحكام السترة في الصلاة
وأجمعت الأمة على وجوب السترة في حق المصلي على الجملة.
_________________
(١) الواقعة: ٧٩.
(٢) في (ق) وإذا ثبت وجوب الوضوء.
(٣) في (ت) كسائر الناس.
(٤) في (ر) لأجر.
(٥) ساقط من (ق) و(م).
[ ٢ / ٥٢٢ ]
وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه متى صلى في غير الجدار ركزت له الحربة [أو العنزة] (١) فيصلي إليها. وكان يصلي إلى بعيره (٢). ونهى عن المرور بين يدي المصلي، وقال: "لَوْ يَعلَمُ المار بَينَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ لَكَانَ أن يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَه" (٣). وشك الراوي هلَ أراد أربعين سنة، أو أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا. فأمر بدفع من يمر بين يدي المصلي، وقال: "فَإِنْ أَبَى فَليُقَاتِلهُ فَإنمَّا هُوَ شَيطَان" (٤). واختلف في معنى المقاتلة هاهنا فقيل: هي على ظاهرها، والمراد أوائلها وهو الدفع بعنف ما لم يؤد إلى العمل الكثير في الصلاة. وقيل: معناه اللعنة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٥). أي يلعنهم الله.
فإذا ثبت ذلك فالنظر في السترة ينحصر في أربعة فصول: أحدها: من يؤمر بها؟ وما المقدار المجزي عنها؟ وكيف صورة الاستتار فيها؟ وحكم المصلي والمار في الإثم والدفع [عن المرور] (٦).
(من يُؤمر بها؟)
وأما من يؤمر بها فكل مصل في موضع لا يأمن المرور بين يديه إذا كان فذًا أو إمامًا، فإن أمن المرور ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يؤمر بالسترة إلا أن يشاء، والشاذ أمره بها.
وسبب الخلاف هل جعلت السترة حريما للمصلي حتى يقف عندها
_________________
(١) ساقط من (ر). والعَنَزَةُ- بفتحتين- أطول من العصا وأقصر من الرمح، وفيها زُجٌّ كزج الرمح. انظر مختار الصحاح ١٩٢.
(٢) أخرج البخاري في الصلاة ٤٣٠ عَنْ نَافِع قَالَ؛ رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ وَقالَ: رَأَيْتُ النَبِى - ﷺ - يَفعَلُهُ.
(٣) أخرجه البخاري في الصلاة ٥١٠، ومسلم في الصلاة ٥٠٧.
(٤) أخرجه البخاري في بدء الخلق ٣٢٧٥، ومسلم في الصلاة ٥٠٥.
(٥) المنافقون: ٤.
(٦) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٥٢٣ ]
البصر فلا يتعداها؟ أو جدارًا من مرور مار، فيشتغل به عن صلاته. فإن قلنا إنها جعلت حريمًا للصلاة وجبت السترة وإن أمن المرور، وإن قلنا إنها جعلت جدارا من الانشغال بالمار لم يجب مع الأمن.
فإن صلى في موضع مرتفع- على القول بأنها [لا] (١) تجب مع الأمن - فإن كان من يمر لا يظهر من أشخاصهم شيء للمصلي لم تجب السترة، وإن كان يظهر منها شيء وجبت السترة.
ولا يؤمر بها المأموم بلا خلاف. وقد ثبت عن ابن عباس أنه مر بين يدي الصفوف راكبًا حماره أتانًا، فلم ينكر عليه أحد، وكان النبي - ﷺ - إمامًا والمقتدون الصحابة (٢).
واختلفت ألفاظ أهل المذهب في علة سقوط السترة عن المقتدين؛ فقال بعضهم: لأن سترة الإمام سترة لهم، وقال بعضهم: لأن الإمام سترة لهم. واختلف المتأخرون هل العبارتان بمعنى واحد، أو يختلف معناهما. فيكون معنى أولى أن السترة التي جعلها الإمام بين يديه هي سترة للمأموم، وإذا سقطت صار حينئذٍ مصليًا إلى غير سترة. ومعنى الثانية أن الإمام هو الساتر للمأموم. فإذا سقطت سترته كان المأموم باقيًا على حكم الاستتار، وإن ذهبت سترة الإمام.
فصل (ما المقدار المجزئ فيها؟)
وأما المقدار المجزي من السترة فأقله مقدار عظم الذراع في غلظ الرمح إذا كان يثبت ولا يقع. وكره مالك ﵀ السوط؛ لأنه لا يثبت.
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ت).
(٢) أخرج البخاري في الصلاة ٤٩٣ واللفظ له، ومسلم في الصلاة ٥٠٤ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ أَنهُ قالَ: "أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارِ أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذِ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحتِلاَمَ وَرَسُولُ الله - ﷺ - يُصَلي بِالنَاسِ بِمِنَى إِلَى غَيرِ جِدَارِ فَمَرَرتُ بَينَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفَّ فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلتُ فِي الصَّفَّ فَلَم يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ".
[ ٢ / ٥٢٤ ]
ولا تنفع السترة بالخط. وفي الحديث الخط باطل (١). وتجوز السترة بكل ظاهر ثابت غير متنقل لا يخاف منه مضرة ولا يؤدي إلى بطلان الصلاة. وهذه التحرزات من الاستتار بالنجاسة كقصبة (٢) المرحاض وما في معناها، أو الصلاة إلى حلقة المتحدثين المستقبل وجوهَهم، أو المرأة غير ذات المحرم.
وهل تجوز الصلاة إلى الحلقة الدائرة؟ في المذهب قولان: الجواز، لأنه يستقبل ظهر الجالس. والكراهة؛ لأنه يستقبل وجه المقابل (٣) للجالس. ومن ذلك الصلاة للنائم والمجنون. وبالجملة غير المميز لأنه لا يُؤمَن ما يحدُث من هؤلاء من ريح ونحوه. [وكذلك الصبي الجميل الصورة والمخنث، فإنهما يلحقان بالمرأة] (٤).
وبالجملة كل من لا يؤمن معه التذكر فيما يفسد الصلاة، فإنه لا يجوز الاستتار به. وقد أجازوا الصلاة إلى الطائفين (٥) لأنهم في حكم المصلين.
_________________
(١) لم أقف على هذا الحديث، بل هو من كلام الإمام مالك في المدونة ١/ ١١٣ والحديث المشهور في هذه المسألة هو ما أخرج أبو داود في الصلاة ٦٨٩ واللفظ له، وأحمد في مسنده ٢/ ١٨٧ وابن حبان ٢/ ١٣، وابن حبان ٦/ ١٣٨عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُم فَلْيَجعَلْ تِلقَاءَ وَجهِهِ شَيْئًا فَإِن لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخْطُطْ خَطًّا ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ". قال صاحب عون المعبود ٢/ ٢٧١: "واعلم أن حديث الخط المذكور أخرجه أيضًا ابن حبان وصححه والبيهقي وصححه أحمد وابن المديني فيما نقله ابن عبد البر في الاستذكار. قاله الشوكاني: وأخذ به أحمد وغيره فجعلوا الخط عند العجز عن السترة سترة، وأما الأئمة الثلاثة والجمهور فلم يعملوا به، وقالوا: هذا الحديث في سنده اضطراب فاحش كما ذكره العراقي في ألفيته. وقال الحافظ ابن حجر: وأورده ابن الصلاح مثالًا للمضطرب ونوزع في ذلك".
(٢) في (ق) كقضية.
(٣) في (ت) المحادي.
(٤) في (ق) ومن المرأة وألحقوا بها المأبون في دبره.
(٥) في (ق) و(ت) الطائفتين.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
فصل (صورة الاستتار بالسترة)
وأما صورة الاستتار فإن كانت السترة شيئًا منفردًا كحجر أو عود، فينبغي أن يجعل على اليمين. ولا يصلي منتصبًا إليه، محاذرة من التشبه بالأصنام. وقد كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى إلى شيء من هذا النحو جعله عن يمينه أو عن يساره ولا يصمد له صمدًا (١)، ويؤمر المصلي بالدنو من (٢) سترته. وقد اختلفت الأحاديث في المقدار الذي كان بينه - ﷺ - وبين سترته فروى بلال ثلاثة أذرع (٣)، وروى سهل بن سعد ممر الشاة (٤). واختلف في الجمع بين الحديثين؛ فقال أكثر الأشياخ: معنى الحديث الأول أنه كان بينه وبين سترته مقدار ثلاثة أذرع عند القيام. فإذا سجد كان بين رأسه وبين سترته قدر ممر الشاة. وروى أبو الطيب بن خلدون أن معنى الحديثين أنه كان ﵇ إذا قام دنا من سترته حتى يكون بينه وبينها ممر الشاة. فإذا أراد الركوع بعد عنها حتى يكون بينه وبينها مقدار ثلاثة أذرع. وكان أبو الطيب هذا المذكور يفعل ذلك ويرى أنه عمل يسير من مصلحة الصلاة، لأن الدنو من السترة أحفظ للبصر (٥) وأجمع للقلب.
_________________
(١) أخرج أبو داود فيِ الصلاة ٦٩٣ واللفظ له، وأحمد في مسنده ٦/ ٤ عَن الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ مَا رَأَيْتُ رَسُوِلَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي إِلَى عُودٍ وَلاَ عَمُودٍ وَلاَ شَجَرَةٍ إلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الأَيْسَرِ وَلاَ يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا. قال الشوكاني في نيل الأوطار٣/ ٥ "في إسناده أبو عبيدة الوليد بن كامل البجلي الشامي. قال المنذري وفيه مقال. وقال في التقريب لين الحديث".
(٢) أخرج النسائي في القبلة ٧٤٨، وأبو داود في الصلاة ٦٩٥ عَنْ سَهْلِ ابْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَة فَلْيَدْنُ مِنْهَا لاَ يَقْطَعَ الشَيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ.
(٣) أخرج البخاري في الصلاة ٥٠٦، وأحمد في مسنده ٢/ ١٣٨ واللفظ له عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَأَلْتُ بِلَالًا أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ دَخَلَ الْكَعبَةَ قَالَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ ثَلَاثَةُ أَدْرُعٍ.
(٤) أخرج البخاري في الصلاة ٤٩٦، ومسلم في الصلاة ٥٠٨ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كَانَ بَيْنَ مصلَّى رَسُولِ الله - ﷺ - وَبَينَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ
(٥) في (ق) للصلاة.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
فصل (حكم من ترك السترة ومن مر بين يديه)
فأما حكم تعلق الإثم بمن صلى إلى غير السترة، وبالمار بين يدي المصلي؛ فإن صلى إلى غير سترة بحيث لا يؤمن المرور، وللمار مندوحة عن مروره، فقد أثما جميعا. وإن كان بحيث يأمن المرور وليس للمار مندوحة عن مروره فمر لم يأثما (١). وإن كان بحيث لا يأمن المرور وليس للمار مندوحة أثم المصلي. وإن كان بالعكس أثم المار. ومن المرور بين يدي المصلي مناولة الشيء من بين يديه وأخذ ما هو هناك. ومنه تحدُّث من على (٢) جانبه.
وينبغي للمصلي أن يمنع المار بين يديه بالإشارة، فإن فعل وإلا دفعه إن كان قريبًا، دفعًا لطيفًا. وإن كان بعيدًا اكتفى بالإشارة، ولا يفرط في دفعه. وقد روي أنه رفع إلى عثمان ﵁ إنسان دفع مارًا وهو في الصلاة فكسر أنفه. فقال: لو تركته لكان أهون من هذا (٣)، ولم يذكر في الآثار أنه ألزمه الدية. وقال أهل المذهب: لو دفعه فسقط فمات لكان كقتل الخطأ، وتكون ديته على العاقلة. وأجراه أبو محمد عبد الحق على الخلاف في من عض إنسانًا، فأخرج المعضوض يده فكسر سن العاض؛ ففيه قولان: هل يكون على الكاسر ديته أم لا؟ وهذا أصل مختلف فيه في المذهب. وهو في كل من أُذِنَ له إذن خاص في فعل يفعله فأدى إلى الإتلاف؛ ففيه قولان: هل يرفع الإذن ما كان عنه من الإتلاف (٤).
_________________
(١) في (ق) لم يأثم واحد منهما.
(٢) في (ر) من هو.
(٣) أخرْج عبد الرزاق في مصنفه ٢/ ٣٤ عن مالك قال: "بلغني أن رجلًا أتى عثمان ابن عفان برجل كسر أنفه فقال له مَرَّ بين يدي في الصلاة وأنا أصلي وقد بلغني ما سمعته في المار بين يدي الصلي، فقال له عثمان: فما صنعت شر يا ابن أخي ضيعت الصلاة وكسرت أنفه". وانظره في المحلى لابن حزم عن مالك ٣/ ٨٨. وقال ابن عبد البر في التمهيد: وقد بلغني أن عمر بن عبد العزيز في أكثر ظني ضمن رجلًا دفع آخر من بين يديه وهو يصلي فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه ٤/ ١٨٩.
(٤) كذا في (ر) و(ق) و(م) وخرم في (ت). والكلام غير تام.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
باب الجمع للأعذار
وهي أربعة: المطر والمرض والسفر والخوف. وقد قدمنا أحكام الأوقات وأوقات الفضيلة منها، وإلى أي زمن يمتد وقت الاختيار. فمن شاء الجمع بأن (١) يؤخر أحد الصلاتين المشتركتي الوقت كالظهر والعصر، والمغرب والعشاء. فيؤدي الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها جاز ذلك له. وإن كان تاركا للفضيلة في أداء الظهر في أول الوقت المستحب. وأما المغرب فهل له أن يؤخرها؟ يجري على الخلاف هل يمتد وقتها فيجوز التأخير، أو لا يمتد فلا يجوز؟ وأما الجمع بتقديم الصلاة الثانية إلى وقت الأولى، وتأخير الأولى إلى وقت الثانية، فهذا لا يجوز إلا مع الأعذار على ما نبينه.
واجتمعت الأمة أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين المتباينتين؛ كالصبح والظهر، والعصر والمغرب، والعشاء والصبح.
فصل (الجمع للمطر)
وإذا تقرر ما قلناه، فهل يجمع للمطر أم لا؟ المشهور جواز الجمع على الجملة، والشاذ أنه لا يجمع إلا في مسجد الرسول ﵇ حيث ورد الجمع. والتفت في المشهور إلى علة الجمع وهو المطر، وذلك مما تتساوى فيه البقاع والأوقات. والتفت في الشاذ إلى أن الجمع لتحصيل فضيلة الجماعة في بقعة مخصوصة يختص بمزيد فضيلة لا توجد في غيرها، فقصر الجمع عليها.
(هل يجمع بين الظهر والعصر أم لا؟)
وإذا قلنا بالجمع فهل يجمع بين الظهر والعصر كما يجمع بين المغرب
_________________
(١) في (ق) أن، وفي (ر) أو، وخرم في (ت).
[ ٢ / ٥٢٨ ]
والعشاء؟ المنصوص في المذهب أنه لا يجمع بين الظهر والعصر. وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر (١). قال مالك ﵀: أراه كان في المطر. وقد أخذ من هذا أبو القاسم (٢) ابن الكاتب وأبو الوليد الباجي جواز الجمع بين الظهر والعصر لعلة المطر. وهو مقتضى تأويل مالك ﵀. وفرق في نصوص المذهب لأن المغرب والعشاء يختص بوقت يقل التصرف فيه إلا لإدراك الجماعة فجاز مع وجود العذر تحصيلها في وقت يخف التصرف فيه ولا تدرك به مشقة. والظهر والعصر [لا تختص بذلك] (٣). وأيضًا فإن تقديم العشاء فيه فائدة الانصراف في الضوء. وهذا حاصل في وقتي الظهر والعصر، إذا لم يقدم أحدهما إلى الآخر. أو راعى في القول المُخَرَّج مشقة التصرف إلى المسجد، وهي تحصل بالتكرار إلى محل الصلاة.
فصل (في وقت الجمع)
وإذا تقرر حكم الجمع فالنظر فيه في ثلاثة فصول: أحدها: وقته، والثاني: صفته، والثالث: سببه.
فأما وقته في المغرب والعشاء فاختلف المذهب فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أداء المغرب في أول وقتها ثم العشاء بعدها من غير تأخير. والثاني: تأخير المغرب يسيرًا ثم أداء العشاء بعدها. والثالث: تأخير المغرب إلى آخر وقتها وأداء العشاء حينئذ.
_________________
(١) أخرجه مسلم في المسافرين ٧٠٥ واللفظ له، والنسائي في المواقيت ٦٠١ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ صَلَّى رَسُولُ الله - ﷺ - الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ.
(٢) في (ر) وقد أخر أبو القاسم.
(٣) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وقال المتأخرون: الصواب القول الأول، ولا معنى لتأخير المغرب يسيرًا [ثم أداء العشاء بعدها] (١)؛ إذ في ذلك خروج الصلاتين عن وقتهما. أما (٢) المغرب ففي (٣) وقتها المستحب، وأما العشاء ففي وقتها الواجب [لولا الضرورة المجيزة للجمع حيث ينصرف الناس بعد الفراغ من غير حرج ولا ظلام يشق عليهم] (٤)، ولا معنى لتأخيرها إلى آخر وقتها أيضًا؛ لأن في ذلك تركًا لوقتها المستحب مع عدم الفائدة في الجمع؛ لأنهم متى فعلوا ذلك أدى إلى انصرافهم في الظلمة من غير أداء المغرب في وقتها المستحب.
فصل: في صفة الجمع
وأما صفة الجمع فقد قدمنا الخلاف في الأذان لصلاتين جميعًا، فإن المذهب فيه على ثلاثة أقوال. فإذا قلنا بالآذان في العشاء فأين محله؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه داخل المسجد إذ لا يقصد به الإعلام في خارجه. والثاني: أنه خارجه مع خفض الصوت يسيرًا لأن المشروع في الأذان أن لا يكون داخل المسجد.
وهل يجوز التنفل فيما بين المغرب والعشاء إذا اتسع ما بينهما لذلك؟ في المذهب قولان: المشهور ترك التنفل إذ كذلك ورد، وأيضًا فقد يؤدي التنفل إلى مخالفة الإمام بأن يتنفل وهو يصلي العشاء. وأجازه ابن حبيب لأنه وقت النافلة إذا اتسع ولم يؤد إلى مخالفة الإمام، فلا معنى لمنع النفل.
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ر) و(ت) وأما.
(٣) في (ر) فعن.
(٤) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وهل يجوز الجمع وإن [لم] (١) يقصد قبل أداء المغرب؟ في المذهب قولان:
أحدهما: جوازه؛ لأنه جائز لعلة الضرورة، فإذا وجدت جاز. والضرورة هاهنا إنما هي في تقديم العشاء، وإلا فالمغرب على حالها. والثاني: منعه؛ لأن الجمع يشعر بجمع الصلاتين وإلحاق أحدهما بالآخر. فإذا لم يقصد من الأول فلا يجوز، فتظهر ثمرة الخلاف في فرعين: أحدهما: لو صليت المغرب ثم وجد سببًا يقتضي الجمع، فعلى القول الأول يجوز تقديم العشاء. وعلى القول الثاني لا يجوز.
والثاني: لو دخل المسجد من صلى في بيته المغرب فوجدهم في صلاة العشاء، هل له أن يجمع أم لا؟ يجري على القولين. ويجمع كل من لزمه حكم المسجد، ولهذا يجمع المعتكف.
وهل يجوز للمرأة والشيخ الكبير أن يصليا في بيوتهما الجمْعَ بالمسمع (٢)؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: جوازه لإدراك الصلاة في جماعة. والثاني: منعه لأن الجمع ورد لمشقة الخروج إلى المسجد فهاهنا منتفية.
فصل (سبب الجمع)
وأما سبب الجمع ففي (٣) ثلاثة أشياء: مطر، وطين، وظلمة. فإذا اجتمعت أو اثنان منها جاز الجمع بلا خلاف على رأي من حكم بالجمع. وأن انفرد واحد منهما؛ فأما المطر بانفراده [فيبيح الجمع بلا خلاف، وأما الظلمة بانفرادها فلا تبيح الجمع بإجماع، وأما الطين بانفراده] (٤)؛ فإن كان
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ت) بالمستمع.
(٣) في (ق) فهي.
(٤) ساقط من (ق) و(ت).
[ ٢ / ٥٣١ ]
معه وحل جاز الجمع، وإن لم يكن فقولان. وهما على خلاف في شهادة هل يكون مع انفراد الطين مشقة التصرف في وقت العشاء الآخرة أو لا؟ وذلك يختلف باختلاف الأماكن والبقاع.
فصل (هل يتنفل في المسجد بعد الجمع)
ولا يتنفل في المسجد بعد أداء الصلاتين من جمع (١) بينهما ولا يوتر، بل يؤخر التنفل والوتر (٢) إلى محله في غير الجامع (٣). ولو (٤) جاز الجمع لعذر المطر فلما صليت المغرب ارتفع. وقال المتأخرون: يجوز (٥) التمادي على الجمع؛ لأنه لا يؤمن عودته. وهذا إحالة على شهادة. فينبغي أن ينظر هل تؤمن عودته أم لا؟
فصل (جواز الجمع للمريض)
ويجوز الجمع للمريض باتفاق أهل المذهب؛ لأن المشقة تلحقه (٦) بأداء الصلاتين في وقتهما، وهي أشد من مشقة المطر والسفر. ومتى وقع (٧) الجمع لا يخلو أن يكون الجمع أرفق به، ولا يخاف أن يغلب على عقله، أو يخاف أن يغلب على عقله. فإن كان الجمع أرفق به خاصة فقولان:
_________________
(١) في (ت) في جمع.
(٢) في (ق) أو الوتر.
(٣) في (ق) الجمع.
(٤) في (ت) فلو.
(٥) في (ق) و(ر) ويجوز.
(٦) في (ق) و(ت) تلحقه فيه.
(٧) في (ر) و(ت) وقت.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
المشهور أنه يجمع بينهما بتأخير الظهر وتقديم العصر على وقتها. والشاذ أنه يجمع بينهما أول الوقت كالمغلوب على عقله. وهذا قياس على جمع الصلاتين بعرفة، وهو مما شرع للرفق. والأول مبني على أن صلاة عرفة مختصة بما ورد فيه إلا أن تدرك (١) الضرورة التي يخاف معها من الغلبة على الصلاة الثانية، أو على وقتها.
وإذا قلنا بتأخير الظهر، فإلى أي وقت تؤخر؟ في المذهب قولان: في المدونة أنها تؤخر إلى وسط وقتها، وأمر سحنون بطرحه [من المدونة] (٢) وأثبت في موضعه أنها تؤخر إلى آخر وقتها (٣). وكذلك عند ابن حبيب (٤).
واختلف المتأخرون في مراده في المدونة ب "وسط الوقت" فقيل ربع القامة، وقيل نصفها. وهذا على ما قدمناه من الخلاف في تقدير ظهور الظل. وقد تقدم في أول كتاب الصلاة الأول. والظاهر قول سحنون وابن حبيب لأنه يكون (٥) حينئذ قد أدى (٦) كل صلاة في وقتها المختار. ويمكن أن يكون وجه ما في المدونة أنه أبقى الصلاة الأولى على وقت الفضيلة منه، وأمر بتقديم العصر إلى ذلك الوقت لا سيما على قول من قال: وسط الوقت ربع القامة، ولكنه لم يقل في المغرب والعشاء ذلك، بل قال تؤخر المغرب إلى مغيب الشفق، فيجمع حينئذ. وهذا يشهد بصحة قول سحنون وابن حبيب. إلا أن يقال إنما جاز تقديم العصر قياسًا على ما ورد من تقديم العصر يوم عرفة، ولم ير ذلك في العشاء بوجه.
_________________
(١) في (م) ترد.
(٢) ساقط من (ق).
(٣) المدونة: ١/ ١١٧.
(٤) النوادر والزيادات ١/ ٢٦٠.
(٥) في (ق) لا يكون.
(٦) في (ر) ودى.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
وإن كان المريض يخاف أن يغلب على عقله فقولان: أحدهما: تقديم العصر، فيؤدي الصلاتين وقت الزوال، وتقديم العشاء ويؤدي الصلاتين عند مغيب الشمس. والثاني: أنه يؤخر فيجمع في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية. وفي المذهب قول ثالث أنه يؤدي كل صلاة لوقتها، فإن فقد عقله عند وقت الثانية سقطت عنه. فرأى في القول الأول أن أداء الصلاتين في أول الوقت أولى حِذَارًا من تعذر أداء الثانية. ورأى في القول الثاني أنه يجوز له التأخير مع الصحة، فأحرى مع المرض. ورأى في القول الثالث أن الأولى أداء كل صلاة في وقتها، فإن غُلب على الثانية فهو غير مكلف بها.
فصل (متي يجوز الجمع للسفر)
ويجوز الجمع للسفر. وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه جمع لذلك (١). وعند ابن شعبان من أهل المذهب جوازه للنساء وكراهيته للرجال. والصحيح جوازه لما قدمناه من ثبوته في الآثار.
ومتى يجوز؟ لا يخلو المسافر من أن يكون له وقت يرتحل فيه لا ينزل بعده إلى وقت ثان وينزل فيه نزولا كليًا، أو تتساوى أوقاته. فإن كان له وقت يرتحل فيه ووقت ينزل فيه؛ فإن ارتحل قبل الزوال وكان ينزل قبل الاصفرار، أخر الظهر وجمع بينها وبين العصر في وقت نزوله. فإن كان ارتحاله في وقت الزوال وهو لا ينزل إلا بعد الاصفرار أدى الصلاتين عند ارتحاله. هذا هو المشهور من المذهب. وقيل بل يؤدي كل صلاة في وقتها، فإن كان ارتحاله بعد الزوال ونزوله قبل الاصفرار أدى كل صلاة في وقتها. وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه كان إذا ارتحل بعد الزوال جمع بين الصلاتين،
_________________
(١) أخرج البخاري في الجمعة ١٠٩٢ واللفظ له، ومسلم في صلاة المسافرين ٧٠٣ عن عَبْدِ اللهِ بن عمر قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخَّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وإذا ارتحل قبله أخر الأولى إلى وقت الثانية (١). وهذا حجة المشهور (٢). وما روي عنه أنه كان يؤدي كل صلاة لوقتها (٣)، فلعله كان يخف عليه النزول بعد الارتحال، إذ لا ضرورة في تلك السفرة تُلجيء إلى دوام السير.
وهل يجري حكم المغرب والعشاء على حكم الظهر والعصر؟ قال ابن القاسم في المدونة: "لم يذكر في المغرب والعشاء مثل ما ذكر في الظهر والعصر عند الرحيل من المنهل" (٤). وقال سحنون: الحكم متساو. واختلف الأشياخ هل قول سحنون ﵀ تفسير أو خلاف (٥). والفرق أن العادة الارتحال عند الزوال لا عند مغيب الشمس، وهذا محال على شهادة بعادة.
فإن تساوت أوقات المسافر فإنه يجمع بين الصلاتين بتأخير الأولى إلى آخر وقتها وتعجيل الثانية في أول وقتها، فيدرك (٦) الوقت المختار للصلاتين.
وبأي عذر يجوز له الجمع؟ أما إن جَد به السير وخاف فوات حاجته جاز له أن يجمع [بلا خلاف في المذهب] (٧)، وإن جدبه السير ولم يخف ذوات حاجته في المذهب قولان: أحدهما: جواز الجمع، والثاني: منعه. وهذا قد يرجع إلى خلاف في شهادة هل يجد [به] (٨) السير لعذر،
_________________
(١) أخرج البخاري في الجمعة ١١١١ واللفظ له، ومسلم في المسافرين ٧٠٤ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَينَهُمَا وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظَّهْرَ ثُمُّ رَكِبَ.
(٢) في (ت) للمشهور.
(٣) أخرج عبد الرزاق في مصنفه ٢/ ٥٤٧، عن نافع أن ابن عمر كان يصلي في السفر كل صلاة لوقتها، إلا صلاة أخبر بوجع امرأته فإنه جمع بين المغرب والعشاء فقيل له فقال: هكذا كان رسول الله - ﷺ - يفعل إذا جد به المسير جمع بين المغرب والعشاء.
(٤) انظر المدونة ١/ ١١٧."والمَنْهَلُ المَوْرِد، وهو عين ماء ترِده الإبل في المراعي. وتُسمى المنازِل التي في المفاوِز على طُرُق السُّفار مَنَاهِلَ لأن فيها ماء." انظر مختار الصحاح ٢٨٤.
(٥) في (ق) و(ر) تفسيرًا أو خلافًا.
(٦) في (ق) فيترك.
(٧) ساقط من (ق) و(ت).
(٨) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٥٣٥ ]
فيكون مبيحًا للجمع. أو يتفق من غير عذر، فلا يكون مبيحًا.
فصل (جواز الجمع للخوف)
ويجوز الجمع للخوف. قال ابن القاسم: لو أخذ (١) به أحد لكان مذهبًا. وهو جواب متردد؛ لأنه لم يرد. وقد اختلف في القياس على الرخص. وإذا قلنا يجوز الجمع، فمتى يكون وقته؟ وقد يجري على حكم المريض والمسافر، فينظر هل يتصل به الخوف أو لا يتصل فيتفرع على ما قدمناه في حكم الجمع في العذر بين المتقدمين.
باب في أحكام القصر في السفر (٢).
والأصل فيه الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٣). وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في القصر المشار إليه هاهنا، هل القصر في العدد للسفر (٤) وإن لم يكن خوف، أو القصر في الهيئة مع الخوف؟ والجمهور على أن المراد به قصر العدد. وقيده تعالى بالخوف. وقد قال بعضهم: إن الآية نزلت أولًا من غير ذكر الخوف، ثم بعد حين نزلت فقيدت بالخوف. وهذا إن (٥) صح، فإنه لا يفيد إطراح الشرط، بل قد يقتضي تأكيده. لكن بين الأصوليين خلاف في دليل الخطاب؛ هل يعول عليه أم لا؟ فإن قلنا
_________________
(١) في (ق) و(ت) لو أحدثه.
(٢) في (ق) و(ر) الصلاة.
(٣) النساء:١٠١.
(٤) في (ق) في السفر.
(٥) في (ر) و(ت) وإن.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
بالتعويل (١) عليه، فرأى هاهنا أن المقصود قصر الهيئة للخوف. وإن قلنا بعدم التعويل (٢) عليه فرأى هاهنا قصر العدد. وقد يترك القول بدليل الخطاب إذا كان خارجًا عن المعتاد غالبًا. والغالب في زمن الرسول ﵇ خوفهم في الأسفار من فتنة المشركين. فيكون اللفظ واردًا على الموجود غالبًا. فلا يكون فيه دليل على أن ما عداه يخالفه.
وأما السنَّة فمنها ما أخرجه أهل الحديث الصحيح (٣) عن عائشة ﵂ قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت الصلاة في السفر وزيد في الحضر (٤) "، وهذا نص. لكن أنكره أبو المعالي ﵀، وقال: لو ثبت هذا لنقل متواترًا؛ لأن الصلاة من أشرف معالم الدين، وأعدادها من أهم ما يعتنى به. وقد نقل الناس نقلًا متواترًا ما نسخ من الأحكام التي ليست لها مقدار الصلاة. وكيف ينفرد الآحاد بنقل ما نسخ من أعداد الصلاة بالزيادة والاقتصار؟ ويمكن أن يعتذر عن هذا بأن الأعداد نقلت بالفعل لا بالقول، فاكتفوا بنقلها بالفعل عن نقلها [بالقول] (٥) كيف كانت في الأصل، وانتقالها إلى الزيادة. ومما ردّ (٦) به حديث عائشة ﵂ هذا أنها كانت تتم في السفر (٧). وكيف تفعل ذلك مع روايتها أن الصلاة فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر. والظاهر من هذا الحديث كون القصر فرضًا، واعتذر عن هذا بأن قولها: أقرت صلاة السفر،
_________________
(١) في (ق) التعليل.
(٢) في (ت) التعول و(ق) التعليل.
(٣) في (ق) الصحيحة.
(٤) أخرج البخاري في الصلاة ٣٥٠ واللفظ له، ومسلم في المسافرين ٦٨٥ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: فَرَضَ اللهُ الصَّلاَةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَينِ رَكْعَتَينِ في الْحَضَر وَالسَّفَر فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلاَةِ الْحَضَرِ.
(٥) ساقط من (ق).
(٦) في (ق) وما ورد به.
(٧) مسلم في المسافرين ٦٨٥ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الصَّلاَةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكعَتَين فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ وَأتِمَّتْ صَلاَةُ الْحَضَرِ قَالَ الزُّهرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُروَةَ: مَا بَالُ عَائشة تُتُمُّ في السَّفَرِ؟ قَالَ: إِنَهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
أي: أقرت على جواز الاقتصار على ركعتين للمسافر، بخلاف الحاضر فإنه لا يجوز له الاقتصار.
وقد اعتذر عن إتمامها باعتذارات:
فمنها أنها كانت تعتقد كونها أم المؤمنين، فلا تحل إلا بوطن لها. ومن لم يحل إلا في وطنه فلا يقصر. وهذا ليس بشيء؛ لأن النبي - ﷺ - كان يقصر وهو أمير كل بلد حلَّ فيه ومالكه. هكذا قيل في الاعتراض على هذا التأويل. ولا يلزم؛ لأن الوطنية بالأمومية آكد منها بالإمارة. فيمكن أن تتناول عائشة ﵂ ما قلناه وترى أنها مخالفة في ذلك للرسول ﵇ في حكم الوطنية.
ومنها أنها كانت تعتقد التخيير بين القصر والإتمام فالتزمت أحدهما، وهو جائز في حق من يعتقد التخيير، وسنبين الخلاف في ذلك.
ومنها: أنها كانت تخاف أن يراها الجاهل فيعتقد أن الصلاة في كل موطن ركعتان، إذ (١) كان ذلك الزمن فيه الأعاجم وأجلاف الأعراب وهم قريبوا العهد بالإسلام، ولم تستقر الشرائع عندهم، فأتمت خيفة أن يقتدي الجاهل بها.
ومثل هذه التأويلات تأول على عثمان (٢) ﵁ في إتمامه بمنى وعرفة، فزيد إلى ما تقدم أنه كان متما متى كان له أهل بمنى. وكان يعتقد أن السفر من مكة إلى عرفة لا تقصر فيه الصلاة لقصره. وسيأتي [سبب جواز القصر في] (٣) مثل هذا في المسافة التي بين مكة وعرفة أو منى في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
وثبت عنه - ﷺ - أنه قصر الصلاة في السفر ثبوتا لا ريب فيه ولا إشكال، بل هو متواتر في المعنى.
_________________
(١) في (ق) إذا.
(٢) في (ت) ومثل هذا التأويلات على عثمان، وفي (ق) ومثل هذا التأولات تأول عثمان، وفي (م) ومثل ذلك التأويلات على عثمان.
(٣) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وأما الإجماع، فقد اجتمعت الأمة على قصر الصلاة في السفر على الجملة وإن اختلفوا في التفاضل (١).
(حكم القصر في الصلاة)
وإذا تقرر ما قلناه فقد اختلف المذهب في حكم القصر في السفر، هل هو سنة أو فرض أو مستحب أو مباح؛ في المذهب أربعة أقوال.
وسبب الخلاف [اختلاف] (٢) الآثار. واحتج من قال بالفرضية (٣) بحديث عائشة ﵂ المتقدم. وقد قدمنا ما فيه. واحتج من قال بأنه سنة بما ثبت من دوام (٤) رسول الله - ﷺ - مظهرًا له في الجماعة. وبهذا تتبين السنن. واحتج من قال بالاستحباب بما قاله عمر وابنه ﵄ وغيرهما من الصحابة ﵃ من أن القصر رخصة. والرخص لا تلحق بالسنن.
واحتج من قال بالتخيير بقول أنس بن مالك ﵁ أنهم كانوا يسافرون مع رسول الله - ﷺ - فمنهم المقصرون، ومنهم المتممون ولا يعيب بعضهم على بعض (٥). وهذا يقتضي التخيير. وقد قدمنا ما يعترض به على هذا القول في حكم السجودة هل الطمأنينة (٦) فيه فرض أو مندوب إليه. وذكرنا الانفصال.
_________________
(١) في (ر) و(ت) التفاصل.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ق) بالفريضة.
(٤) في (ر) سنة بدوام.
(٥) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى ٣/ ١٤٥عن أنس بن مالك ﵁ قال: إنا معاشر أصحاب رسول الله - ﷺ - كنا نسافر فمنا الصائم ومنا المفطر ومنا المتم ومنا المقصر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ولا المقصر على المتم ولا المتم على المقصر.
(٦) في (ق) في حكم السجود هل السجود على الطمأنينة.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
(حكم من أتم في السفر)
وإذا تقررت هذه الأقوال فما حكم من أتم؟ أما على القول بالتخيير وعلى القول بأن القصر مستحب فلا إعادة عليه، وأما على القول بأن القصر فرض فتجب الإعادة وإن ذهب الوقت إلا أن يراعى الخلاف، وأما على القول بأن القصر سنة فلا تجب الإعادة إلا في الوقت. لكن يتخرج على الخلاف فيمن ترك السنن متعمدًا إذا أتم (١) [هذا] (٢) متعمدًا.
(هل يقتد المقصر بإمام متم؟)
وهل لمن حكمه القصر أن يقتدي (٣) بإمام حكمه الإتمام؟ أما على القول بالتخيير فجائز، بل (٤) الأولى إذا لم يجد غير الاقتداء به؛ لأنه تساوى على هذا القول القصر والإتمام، فيقتدي به متطلبًا فضل الجماعة.
وأما على القول بأن القصر مستحب فيقتدي به أيضًا؛ لأن الجماعة سنة وهي آكد من استحباب القصر على هذا القول.
وأما على القول بأن القصر سنة ففي جواز الإقتداء به (٥) ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقتدي به، والثاني: أنه لا يقتدي به، والثالث: إن كانت الجماعة كثيرة والإمام فاضل جاز الإقتداء وإلا فلا. وهذا الخلاف ترجيح بين مزيد (٦) الفضل. ورجح في القول الثالث بمزيد (٧) الجماعة، وفضل الإمام. وهو رأي ابن حبيب أن الجماعة يختلف حكمها بالفضل في القلة
_________________
(١) في (م) ثم، وفي (ت) أثم.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (م) يبتدي.
(٤) في (ر) وهل.
(٥) في (ق) الافتداء بالمتمم.
(٦) في (ق) مرتبتي.
(٧) في (ق) بمزية.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
والكثرة. وأما على القول بأن القصر واجب فلا ينبغي أن يقتدي بالإمام، وإن اقتدى به فهل يقتصر على الركعتين ويجلس حتى يسلم الإمام (١) ويسلم معه أو يتم معه؟ فقولان. وسببهما ترجيح واجبين: إما الإتمام لئلا يخالف الإمام، وإما الجلوس لأنه كمن زاد في صلاته ركعتين.
فصل (إذا اقتدى مقصر بمتم هل يلزمه الالتفات إلى عدد الركعات في ابتداء صلاته أم لا؟)
وقد قدمنا حكم الالتفات إلى عدد الركعات في ابتداء الصلاة هل يلزم أم لا؟ ويجري على ذلك ما نحن بسبيله أن المسافر إذا قلنا إنه مخير بين القصر والإتمام، أو يستحب له القصر، فابتدأ بنية القصر فأتم، أو بنية الإتمام فقصر؛ فلا يخلو أن يكون فعل هذا عمدًا، أو سهوًا، أو جهلًا.
فإن فعل عمدًا ففيه قولان: أحدهما: أن صلاته باطلة؛ وهذا على القول بأن عليه القصد إلى عدد الركعات. والثاني: أن صلاته صحيحة؛ وهذا على القول بأنه لا يلزمه القصد إلى عدد الركعات، وإن قصد عددًا فله أن (٢) ينتقل عنه.
وإن فعله سهوًا فعلى القول بأنه تجزي العامدة فإنه يجزي هذا (٣) بلا شك. وعلى القول بأن العامد لا يجزيه؛ فإن كان هذا افتتح على الإتمام فقصر صار كأنه نقص من صلاته ركعتين، فإن كان قريبًا أتى بما نقص وسجد لسهوه، وإن بعد فإن لم يراع الخلاف ابتدأ الصلاة وإن ذكر في الوقت أو بعد الوقت، وإن راعى الخلاف فلا يعيد إلا في الوقت. وإن كان
_________________
(١) في (ق) الإمام أيتم مع هؤلاء قولان.
(٢) في (ق) وإن قصر إلى عدد فله أن، وفي (ت) وإن قصر عدد قله أن.
(٣) في (ق): يجزي في العامد فإنه لا يلزمه فيجزيه هذا.
[ ٢ / ٥٤١ ]
ابتدأ على القصر فأتم فيصير هاهنا كأنه زاد في صلاته مثلها. وفي المذهب قولان فيمن زاد في صلاته؛ هل تبطل إذا كانت الزيادة مثل نصف الصلاة وكانت سهوًا؟ أحدهما: تبطل، والثاني: أنها تجبر بالسجود، لكن هناك خلاف في الزيادة المتفق على منعها، وهذه زيادة مختلف فيها. وهكذا وقع في بعض الأقوال في هذه المسألة أن الصلاة تصح، وعلل بأنها زيادة غير مجمع عليها. فيكون الخلاف في مسألة المسافر أشهر منه في مسألة من زاد في صلاته مثلها.
وإن كان فعل ذلك جهلًا فقد يظن هاهنا أنه يجري على الخلاف في الجاهل هل حكمه حكم العامد أم حكم الناسي؟ وليس كذلك؛ لأن الجاهل هاهنا يعذر فلا يختلف أن حكمه حكم الناسي. فإن كان فاعل ذلك إمامًا وخلفه المسافرون فزاد على الركعتين فهاهنا قولان: أحدهما: أنهم يتبعونه، وهذا بناء على أن زيادته لا تبطل الصلاة. والثاني: أنهم لا يتبعونه، وهذا بناء على أن زيادته تبطل الصلاة. وإذا قلنا إنهم لا يتبعونه فإنهم يسبحون له ليرجع إليهم، فإن لم يرجع سلموا وتركوه.
وعلى القول بأنهم يتبعونه هل يعيدون الصلاة في الوقت؟ في المذهب قولان: أحدهما: نفي الإعادة، وهو بناء على ما قدمناه من أن [تلك] (١) الزيادة لا تبطل الصلاة. والثاني: الأمر بالإعادة في الوقت، هذا إما مراعاة للخلاف، وإما على قول من أمر بالإعادة في الوقت. وفي المذهب [قولان] (٢) فيمن أتم الصلاة من المسافرين هل يعيد في الوقت؟ وهو على القول بأن القصر سنة، أو لا يعيد؟ وهو على القول بأن القصر مخير فيه أو مستحب. وقد تقدم ذلك.
_________________
(١) ساقط من (ق) و(ت).
(٢) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٥٤٢ ]
فصل (تفصيل الكلام في أحكام القصر)
وجميع ما ذكرناه في حكم توطئة الباب والمقدمة (١)، وها نحن نأخذ في تفصيله، فنقول: النظر في القصر في ثلاثة أركان؛ أحدها: سببه، والثاني: محله، والثالث: شرطه.
(سبب القصر)
أما سبب القصر فهو السفر، وينظر في السفر في ثلاثة فصول: أحدها: في صفته. والثاني: في مبدئه. والثالث: في منتهاه.
(صفة القصر)
فأما صفة السفر من الجواز وغيره، فإنه ينقسم إلى انقسام أحكام الشريعة من الوجوب والندب والتحريم والكراهية والإباحة. ويقصر عندنا في ثلاثة أقسام من هذه بلا خلاف؛ وهي السفر الواجب كحج الفريضة والغزو المتعين، والمندوب إليه كالجهاد إذا لم يتعين وغير الفريضة من الحج والعمرة، والمباح كالسفر لطلب الأرباح. وأما السفر المحرم كالسفر لإيذاء المسلمين أو ما في معناه، فهل يباح فيه القصر أو لا؟ المشهور أنه لا يقصر فيه. وكذلك الحكم في جميع الرخص التي تتعلق بالسفر كالفطر [وأكل الميتة] (٢) وما في معناه مما تقدم تنبيهنا عليه. وهذا لأن هذه الرخص جعلت معونة على السفر، فلا يستعين بها العاصي في سفره. والشاذ أنه يقصر كالمطيع، وهذا بناء على أن السفر لا يكتسب صفة من الطاعة والعصيان، وإنما يكفي في جواز الرخص وجود السفر فقد وجد.
_________________
(١) في (ق) وقد تقدم جميع ما وردناه في حكم التوطئة للباب في المقدمة، وفي (م) وجميع ما قدمنا في حكم التوطئة للباب والمقدمة.
(٢) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٥٤٣ ]
وأما السفر المكروه كالصيد للهو، ففي جواز القصر فيه قولان أيضًا. وفي المدونة أنه لا يقصر (١). ولم يجب في المدونة على حكم السعاة في أخذ (٢) الزكاة وصرفها (٣)، فرآه سفرا منهيا عنه (٤). ولعل سكوته عن الجواب (٥) محاذرة من ولاة وقته.
ولو ابتدأ السفر غير عاص به ثم عرضت له نية المعصية به لامتنع عن الرخص على المشهور من وقت قَصَدَ (٦) بسفره المعصية.
فصل (مسافة القصر)
وأما صفة السفر من الطول أو القِصر؛ فالمشهور من مذهب العلماء
أنه لا يقصر في كل سفر بل في سفر يختص بالطول. وما حده؟ في
المذهب خمس روايات: أحدها: أنه يقصر في مسيرة اليومين، والثانية (٧):
[في] (٨) مسيرة اليوم والليلة، والثالثة (٩) [في] (١٠) مسيرة أربعة برد (١١) وهي
_________________
(١) المدونة: ١/ ١١٩.
(٢) في (ق) أن حكم السعاة في القمر أنهم يبعثون في أخذ.
(٣) في (ر) و(ت) وسوقها.
(٤) المصدر السابق.
(٥) في (ت) الجواز.
(٦) في (ر) كمن قصد، وفي (ت) في من قصد.
(٧) في (ر) والثاني.
(٨) ساقط من (ق) و(ر).
(٩) في (ق) و(ر) والثالث.
(١٠) ساقط من (ق) و(ر).
(١١) البريد لغة بمعنى الرسول، يقال برد بريدًا أي أرسل رسولًا، وإبراده إرساله، وهو المسافة المعلومة بين المنزلتين، والبريد كمقياس طول ثابت المقدار في الشريعة حدد باثني عشر ميلًا أي بما يعادل بحساب الذراع الشرعية ٢٢١٧٦ مترًا. انظر كتاب الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان ص: ٧٧.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
ثمانية وأربعون ميلا (١)، [والرابعة رواية أشهب يقصر في خمس] (٢) وأربعين ميلًا، [والخامسةً رواية أبي قرة (٣) عن مالك يقصر في اثنين وأربعين] (٤) ميلًا.
فأما الروايات الثلاث الأولى فجمهور العلماء أنها ترجع إلى قول واحد. وأنه إنما قدر السير للقوافل بالمعتاد، وهو في اليوم أربعة وعشرون ميلًا. ثم رأى أن تحديد سيره باليوم والليلة أقرب إلى الحصر؛ لأن اليومين قد يطولان وقد يقصران. وإذا حد باليوم والليلة كان طول أحدهما في قصر الآخر، ثم رأى أن الحصر بالأميال أولى لاختلاف مسير الرفاق، فحد بالثمانية والأربعين ميلًا.
وأما الروايتان الباقيتان فلا شك أنهما خلاف للثمانية والأربعين. ولعل وجهها التفاتًا للعوائد في مسير (٥) الرفاق في اليوم والليلة فرآه مرة ثمانية وأربعين ميلًا، ومرة خمسة وأربعين ميلًا، ومرة أربعين.
واختلف قوله لما اختلفت العوائد [عنده] (٦) في مشي الرفاق. فليس
_________________
(١) الميل: هو مسافة مد البصر، وسميت الأعلام التي توضع في الطريق أميالًا لأنها ترضع على مقادير مد البصر وهو في الشريعة يعادل ألف باع والباع أربعة أظرع شرعية والظراع يعادل ٤٦.٢ سنتيمًا فتكون مسافته ٤ × ١٠٠٠ × ٤٦.٢ = ١٨٤٨٠٠ سنتيمًا = ١،٨٤٨ كيلو متر انظر المصدر السابق بتصرف.
(٢) في (ت) والرابعة في مسيرة خمسة، وفي (ر) والرابع في مسيرة خمسة.
(٣) هو: موسى ابن طارق السكسكي أبو محمد، وأبو قرة لقب له الجندي منسوب إلى الجند ناحية باليمن، وقيل هو من أهل زبيد من أهل الحصيب قاض لهم، روي عن مالك ما لا يحصى حديثًا ومسائل وروي عنه الموطأ وله كتابه الكبير وكتابه المبسوط وسماع معروف في الفقه عن مالك، وذكره أبو عمرو المقرئ في القراء، روي عنه علي بن زياد الحجبي وابن حنبل وابن راهوية وأثنى عليه ابن حنبل خيرًا ولم يذكر وفاته. انظر الديباج المذهب ص: ٣٤٢ وسير أعلام النبلاء ٩٠٣٤٦.
(٤) في (ر) والخامسة في مسيرة أربعين، وفي (ت) والرواية الخامسة يقصر إذا عزم على مسافة أربعين.
(٥) في (ق) و(ت) في مشي.
(٦) ساقط من (ر) و(ت).
[ ٢ / ٥٤٥ ]
هذا التحديد راجعًا (١) إلى دليل ظاهر، وإنما عول فيه مالك ﵀ على آثار ابن عمر وغيره. واحتج أهل المذهب لهذا التحديد بقوله (٢) - ﷺ -: "لا يحل لامرأة تؤمن باللهِ واليوم الآخر أن تسافر يومًا وليلة مع غير ذي محرم منها" (٣). قالوا فتحديده باليوم والليلة يدل على أن ما دون ذلك في حكم الحضر، لا في حكم السفر.
وهذا إذا كان السفر في البر. فإن كان في البحر؛ ففي أكثر الروايات أن حكمه حكم البر. وفي المبسوط لمالك ﵀ أنه يقصر في مسيرة اليوم والليلة لأن الأميال (٤) لا تعرف فيه. وهذا عند الأشياخ ليس بخلاف. وأنما ينظر؛ فإن [كان مع السواحل بحيث يميز مقداره بالأميال فهو كالبر، وإن] (٥) كان في وسط البحر بحيث لا يميز الأميال فكما قال في المبسوط.
فإن جمع السفر بين المسير في البر والبحر لفقهما. وكيف صورة التلفيق؟ فأما إن كانت البداية لسفر البحر فيقدر منه المقدار الذي قدمنا تحديده، وأما إن كانت البداية في البر؛ فإن كان إذا وصل إلى البحر سار بالريح وبغيره، فإنه يقصر في الأول، وإن كان ليس في سفر البر مقدار سفر القصر؛ فإن كان لا يسير إلا بالريح فقال ابن المواز: لا يقصر حتى يكون في سفر البر مقدار سفر القصر؛ لأنه رأى أن سفره بالريح قد (٦) يتعذر ولا يجد سبيلًا (٧) إليه، أو لا تطول إقامته فيكون غير عازم على سفر تقصر فيه الصلاة.
_________________
(١) في جميع النسخ: "راجع".
(٢) في (ق) و(ر) و(ت) لقوله.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخاري في الجمعة ١٠٨٨ بلفظ قريب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةَ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ أنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْم ولَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ".
(٤) في (ق) اليوم التام لأن الأميال.
(٥) ساقط من (ت).
(٦) في (ر) فقد.
(٧) في (ق) ولا يحد عليه وفي (ت) ولا يجد الريح.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وإذا سافر أقل مما حددناه فقصر، هل تبطل صلاته أم لا؟ أما أن قصر في دون ستة وثلاثين ميلًا؛ فإنه يعيد وإن ذهب الوقت. قال في الراويات لأنه لم يختلف فيما دون ذلك، وإنما يعني (١) في أقوال أهل العلم المشهورين. وقال أبو الحسن اللخمي: يعني لم يختلف المذهب (٢). وليس كما قال، بل ما من أحد من أهل (٣) العلم يقول إنه يقصر فيما دون الأربعين ميلًا (٤). فإن قصر في الستة والثلاثين ميلًا، ففي وجوب الإعادة وإن خرج الوقت قولان: أحدهما أنه لا يعيد، والثاني؛ أنه يعيد. وهذا على الخلاف في مراعاة الخلاف.
فصل (بعض أحكام مسافة القصر)
ويشترط فيما قدمناه من المقدار أن يتعلق القصد بنهاية ويكون قصده
_________________
(١) في (ق) فإنما ينبغي.
(٢) التبصرة ص: ١٠٤.
(٣) في (ق) كما قال بل آخرون من أهل، وفي (م) كما قال بل لا أحد من أهل.
(٤) هذا سبق قلم من الشيخ ﵀، فالصواب ما قاله أبو الحسن اللخمي؛ فقد روى عن جماعة من السلف رحمة الله عليهم ما يدل على جواز القصر في أقل من ستة وثلاثين ميلًا فالأوزاعي يرى جواز القصر في مسيرة يوم، وهي حوالي أربعة وعشرين ميلًا. وكان أنس يقصر فيما بينه وبين خممسة فراسخ؛ وهي حوالي خمسة عشر ميلًا. وروى عن علي ﵁ أنه خرج من قصره بالكوفة حتى أتى النخيلة فصلى بها الظهرّ والعصر ركعتين ثم رجع من يومه فقال: أردت أن أعلمكم سنتكم. وعن جبير بن نفير قال خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر ميلًا، أو ثمانية عشر ميلًا فصلى ركعتين فقلت له فقال: رأيت عمر بن الخطاب يصلي بالخليفة ركعتين، وقال: إنما فعلت كما رأيت النبي - ﷺ - يفعل رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله - ﷺ - إذا سافر فرسخا -أي ثلاثة أميال- قصر الصلاة وقال أنس كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين. شعبة الشاك رواه مسلم وأبو داود. فهذه النصوص وغيرها كثير يدل على أن هناك من يرى جواز القصر في أقل من ستة وثلاثين ميلًا. انظر تفصيل ذلك في المغني لابن قدامة: ٢/ ٤٨.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
جزمًا (١) لا تردد فيه، ولا يحتسب بالرجوع من ذلك السفر وإن لم يُقِم بعد وصوله إلا دون ما تحصل به الإقامة. بل يحسب تماديه على مسيرة واحدة إلى نهاية يقصدها. وإن كان في ذلك ما حددناه من الطول قصر وإلا فلا. فإن تخلل سفره إقامة؛ فلا يخلو أن يكون (٢) دون ما يوجب الإتمام، أو مقدار ما يوجب الإتمام. فإن كان دون ما يوجب الإتمام كاليوم واليومين والثلاثة، فلا خلاف أنه يحاسب بالمسير ويطرح الإقامة، فإن كان في جملة مسيره مقدار ما تقصر الصلاة فيه قصر وإلا فلا.
وإن كانت الإقامة مما يوجب الإتمام كالأربعة الأيام وما فوق، فهل يطرح تلفيق المسير؟ في المذهب قولان: أحدهما: إطراحه وتلفيق المسير، لأنه يحصل منه مقدار يقصر فيه الصلاة وإن لم يتم إلا بنية العزيمة على السفر. والثاني: نفي التلفيق، لأن السفر الأول تعلق بنهاية لا تقصر فيه الصلاة، والعزيمة على السفر بعد الإقامة عزيمة ثانية، فيعطى لكل سفر حكمه.
وهذا إذا لم تكن الإقامة في وطن، فإن كانت في وطن فلا يختلف في اطراح التلفيق ومراعاة الإقامة. ولو كان الأمر بالعكس؛ وهو أن يخلل إقامته سفر فهل يلفق الإقامتين (٣) أم لا؟ في المذهب قولان. ومثاله مسألة المدونة في الذي أوطن مكة ثم بدا له أن يتنقل عنها فيذهب إلى الجحفة (٤) ويعتمر منها ويعود إلى مكة ثم يخرج منها. فإنه لا شك بأنه يقصر في خروجه إلى الجحفة ورجوعه منها إذ ذلك مقدار تقصر فيه الصلاة.
_________________
(١) في (ق) حتما.
(٢) في (ق) وأن ارتحاله في سفر فلا يخلو أن يكون، وفي (ر) كان ارتحاله سفره إقامة فلا يخلو أن يكون.
(٣) في (ق) الأميال.
(٤) قال ياقوت الحموي: "الجحفة بالضم ثم السكون كانت قرية كبيرة ذات منبار على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا على المدينة فإن مروا بالمدينة فميقاتهم ذو الحليفة وكان اسمها مهيعة وإنما سميت الجحفة لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام".
[ ٢ / ٥٤٨ ]
وهل يتم في الأيام التي يقيم فيها بمكة بعد العودة إليها معتمرًا؟ (١) في المدونة قولان (٢). وهما على ما قدمنا من الخلاف في تلفيق الإقامة.
ومنه أيضًا من سافر في البحر من موضع، ثم ردته الريح [إلى الموضع الذي سافر منه] (٣) فهل يقصر فيه أو يتم؟ أما إن كان وطنه فلا خلاف أنه يتم، وإن كان غير وطنه ولم ينو فيه دوام الإقامة فهل يقصر؟ قولان، هما على ما قدمناه من الخلاف في تلفيق الإقامة.
ولو خرج المسافر بنية أن يبلغ موضعًا لا تقصر في مثله الصلاة ينتظر أصحابه فيه. فلا يخلو من أن يكون عازمًا على السفر من ذلك الموضع، سافر أصحابه أم لا؟ فهذا لا خلاف بأنه يقصر وإن لم ينو الإقامة في ذلك الموضع مدة توجب الإتمام، أو يكون لا يسير إلا يسير أصحابه. فإن لم يسر ورجع، فلا خلاف أنه لا يقصر إلا بعد انفصاله من موضعهم (٤)، ويكون مقدار سفره من ذلك الموضع مدة تقصر فيه الصلاة. أو يكون مترددًا هل يسافر أم لا؟ فهذا يحكي الأشياخ فيه قولين: أحدهما: الالتفات إلى العزيمة الأولى، وهو عليها حتى يتيقن بالعودة. والثاني: الالتفات إلى أن الأصل الإقامة، فلا ينتقل عن حكمها إلا بيقين التمادي على السفر.
فصل [في مبدأ السفر] (٥).
وإذا بدأ (٦) السفر بحضرة الصلاة فمن أين يقصر؟ فلا يخلو إما أن
_________________
(١) في (ق) متعمدًا.
(٢) المدونة ١/ ١٢٠.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ق) موضعه.
(٥) ساقط من (ق) و(ر).
(٦) في (ت) أبدى وفي (ق) ابتدأ.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
يكون سفره من مصر من الأمصار، أو من قرية، أو من بيوت العمود (١). فإن كان سفره من مصر من الأمصار ولا بناء حول المصر ولا بساتين، فهل يقصر الصلاة لمفارقته [السور] (٢)، أم لا حتى يجاوز ثلاثة أميال وهو المقدار الذي يجب منه إتيان الجمعة؟ في المطب قولان: المشهور أنه يقصر بالمفارقة (٣) لأنه قد خرج عن حكم الحضر، وقال ابن الماجشون: "لا يقصر حتى يجاوز البلد بثلاثة أميال". ورأى أن هذا المقدار لما وجبت الجمعة على من فيه كان في حكم البلد. ولم يلتفت إلى ذلك في المشهور؛ لأن الجمعة إنما وجبت علي من (٤) كان في مثل هذا المقدار، لأن النداء أبلغ إليه.
وإن كان حول المصر بناء معمورة وبساتين؛ فإن اتصلت به وكان في حكمه فلا يقصر حتى يجاوزها [بثلاثة أميال] (٥)، وإن لم تتصل به وكانت قائمة بأنفسها قصر وإن لم يجاوزها.
فإن كان الموضع [الذي سافر منه] (٦) قرية لا تقام فيها الجمعة ولا بناء متصل بها ولا بساتين، [قصر إذا فارق بيوت القرية بلا خلاف، وإن كان متصلًا بها بنيان (٧) أو بساتين] (٨) فكما قدمناه في المصر.
وإن كان السفر من بيوت العمود، فإذا فارق البيوت التي سافر عنها قصر بلا خلاف في المذهب.
_________________
(١) يقصد بيوت الرحل التي تكون غالبًا عبارة عن خيام.
(٢) ساقط من (ق) و(ر).
(٣) في (ق) و(ت) بالمفازة.
(٤) في (ر) في من.
(٥) ساقط من (ر) و(ت).
(٦) ساقط من (ق).
(٧) في (ت) و(ر) بنيانًا.
(٨) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٥٥٠ ]
فصل (في منتهى السفر)
وأما منتهى السفر فهو العودة منه. ففي كل موضع يجوز له القصر بمفارقته فيجوز له القصر إذا عاد إليه. ويختلف إذا كان بينه وبين المصر ثلاثة أميال على الخلاف الذي قدمناه.
فصل (في محل القصر)
وأما الركن الثاني: فهو محل القصر. [ومحل القصر] (١) في الصلاة الرباعية، فلا تقصر المغرب ولا الصبح بإجماع الأمة.
(شروط القصر)
وأما الركن الثالث: وهو شرط القصر، فإن السفر إذا حصل على الصفات التي قدمناها جاز القصر، كان متكلِّفًا للمشقة بسفره أو مترفِّهًا. وقد قال مالك ﵀ في النواتية (٢) يسافرون [في البحر] (٣) معهم الأهل والولد أنهم يقصرون (٤). وكذلك لو سافر في البر (٥) بأهله وولده فكان على غاية الرفاهية والتنعم لجاز له القصر. فإن وصل إلى موضع إقامة؛ فإن كان وطنًا له أتم به ولو لم يقم فيه إلا مقدار صلاة واحدة.
وبأي شيء يحصل الوطن؟ أما إن كان بموضع فيه زوجته أو سريته فهو وطنه. وإن كان ولده وخدمه وما في معناهم فلا يكون وطنًا بمجرد
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) هم الملاحون.
(٣) ساقط من (ر) و(ت).
(٤) انظر المدونة ١/ ١١٩.
(٥) في (ت) البحر.
[ ٢ / ٥٥١ ]
ذلك حتى يتخذه موضع الاستيطان. وكذلك لو لم يكن له بالموضع أحد واستوطنه لكان حكمه حكم الوطن.
وإن كان الموضع ليس بوطن له فلا يزال يقصر (١) وإن طالت إقامته به إذا لم يعول على إقامة أربعة أيام، وإن عول على إقامتها فلا خلاف عندنا أنه يتم. وهذا لأنه - ﷺ - نهى المهاجرين عن الإقامة بمكة واستبدالها بالمدينة، فأجاز لهم إقامة ثلاثة أيام (٢). فأخذ أصحابنا من هذا أن ثلاثة أيام في حكم السفر، ولا يحصل به الاستيطان. وأن ما زاد على ذلك في حكم الإقامة الموجبة للإتمام. وهل (٣) يراعى مقدار صلاة الأربعة أيام، أو يراعى كمالها؟ في المذهب قولان: أحدهما: مراعاة الصلاة وهو المعول عليه، والحكم متعلق بها. والثاني: أن المراعى كمال الأيام لأنها المنصوص عليها في الحديث الذي جعلناه أصلًا. ومثال هذا أن يدخل في يوم وقد صلى الصبح والظهر مثلًا وينوي الخروج في اليوم الرابع بعد أن يصلي الصبح والظهر فهاهنا قولان: أحدهما: الإتمام، والثاني: القصر.
وتحصل الإقامة بالنية لأنه الأصل، بخلاف السفر فإنه لا يحصل إلا بالنية والفعل؛ لأن الأصل الإقامة والسفر طارئ، فلا يكفي فيه مجرد النية. وهذا كما قالوا في السلع (٤) إنما تعود إلى القنية بمجرد النية ولا تعود (٥) إلى التجارة بمجرد النية. لأن الأصل في السلع (٦) القنية لا التجارة (٧).
_________________
(١) في (ق) فلا يزول تقصيره حتى وإن طالت إقامته.
(٢) أخرج البخاري في المناقب ٣٩٣٣، ومسلم في الحج ١٣٥٢ عن الْعَلَاء بن الحَضرَمِيَّ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لِلمُهَاجِرِ إقَامَةُ ثَلاَث بَعْدَ الصَّدَرِ بِمَكةَ".
(٣) في (ق) و(ت) و(ر) فهل.
(٤) في (م) السلم.
(٥) في (م) وهل تعود.
(٦) في (م) السلم.
(٧) في (ق) القنية للتجارة.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
فإذا نوى المسافر الإقامة فإن كان في غير صلاة أتم من وقت نيته، وإن كان في صلاة افتتحها على اثنتين. فهل له إتمامها أربعًا؟ في المذهب قولان. وهما جاريان على ما قدمناه من الالتفات إلى عدد الركعات في ابتداء الصلوات. فإذا قلنا لا يتمها، فهل تجزي الركعتان لأنه افتتحها بوجه جائز؟ في ذلك قولان. وإذا قلنا لا تجزيه، فهل يقطع ويبتدئ الصلاة أو يتمها بنية النافلة؟ فيه قولان.
وسبب الخلاف أنه هاهنا لا بدّ من القطع. إما في الفعل أو في النية، فأيهما يغلب؟ هذا موضع الخلاف [للمتقدمين من الأصحاب] (١). فإذا قلنا إنه يقطع ويبتدئ؛ فإن كان إمامًا استخلف من يتم بالقوم. قال في الرواية: "ويرجع هو وراء المستخلف فيقتدي به بعد أن يقطع الأول، وإذا قلنا بأنه يتمها أربعًا فهل يجتزي بها أو يعيد؟ في ذلك قولان. والإعادة لمراعاة الخلاف.
فصل (علة قصر الحاج إذا خرج من مكة للوقوف بعرفة)
وقد قدمنا من كان في نهاية سفره دون ما تقصر فيه الصلاة، فإنه لا يقصر. وإن عول على العودة من غير إقامة فلا يضيف إلى ذلك مسافة العودة. والمذهب بلا خلاف أن المكي إذا خرج للوقوف بعرفة وأفعال الحج قصر، وليس بينه وبين عرفة من المسافة ما تقصر فيه الصلاة. وقد قيل في علة قصر هذا (٢) ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يتردد في أفعال الحج ترددًا لازمًا لا يجوز له قطعه. ومسافة تردده أكثر مما تقصر فيه الصلاة. وهذا يحسب تردده [من مكة إلى عرفة، ومن عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى، ومن منى إلى مكة.
_________________
(١) ساقط من (ق) و(م) وخرم في (ت).
(٢) في (م) قصره هذا، وفي (ر) قصر هذه.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وهذا تردد] (١) لازم (٢) له شرعًا، بخلاف غيره من الأسفار التي يجوز قطعها متى شاء.
والثاني: لا يصل إلى عرفة إلا بعد اليوم والليلة، واليوم والليلة مما تقصر فيه الصلاة، وإقامته أيضًا في السفر هذه المدة إقامة لازمة في هذا السفر، فكان كالقطع للطريق (٣) في ذلك.
والثالث: أن العودة هاهنا لازمة شرعًا فاحتسب بها، بخلاف ما لا يلزمه فيه (٤) العودة.
والفرق بين هذا وبين الوجه الأول، أن الأول راعى فيه تصرفاته في المسير، وهذا راعى فيه المسير والعودة. على أن الأوجه الثلاثة تتداخل على الحقيقة. وقد اختلف المذهب في المدني والمكي يصليان في المحصب (٥)، هل يقصران هناك أم لا؟ وخرج أبو الوليد الباجي هذا على الخلاف في التحصيب؛ وهو النزول بالمحصب، هل هو مشروع فيقصران للزوم الصلاة فيه، أو غير مشروع فلا يقصران؟
فصل (في المسافر يحضر وفي ذمته الظهر والعصر وقد ضاق الوقت)
وقد قدمنا أن المراعى في الخطاب بالصلاة بقاء الوقتين الاختياري والضروري. وعلى هذا من حضر من المسافرين وقد بقي في الوقت للظهر
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ق) للزوم.
(٣) في (ق) في الطريق.
(٤) في (ق) فيها.
(٥) المحصب موضع بين مكة ومنى. ويطلق كذلك على موضع رمي الجمار. انظر لسان العرب ١/ ٣١٩.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
والعصر مقدار خمس ركعات، فإنه يصليهما حضريتين. وإن كان مقدار أربع [ركعات] (١) فأقل صلى الأولى سفرية وإذا وقتها فات فيقضيها على نحو ما وجبت. والثانية حضرية.
فلو بقي للثانية مقدار الركوع خاصة فهل يكون مدركًا لها؟ يجري على القولين اللذين قدمناهما في الحائض تطهر. ولو خرج لراعى في وقتي الصلاتين كما يراعيه إذا دخل، لكن الخارج يحسب كل (٢) صلاة ركعتين.
وأما المغرب والعشاء فقد قدمنا الخلاف هل يجعل الوقت لآخر الصلاتين أو لأولهما، فيفرع على ما هناك.
ولو صلى المسافر مثلًا العصر ناسيًا للظهر ودخل، وقد بقي من الوقت مقدار صلاة واحدة، فهل يصلي (٣) التي في ذمته (٤) سفرية أو حضرية؟ فيه قولان. وهما على الخلاف في الاشتراك، هل هو من الزوال، أو من بعد مضي مقدار الصلاة الأولى؟ وقد استوفينا هذا في حكم أصحاب الضرورات. وهكذا لو دخل ولم يبق إلا مقدار إحدى الصلاتين، فإنه يختلف هل يبتدئ بالأولى لحق الترتيب -وهو المشهرر- أو بالثانية لحق الوقت. ويلحق أيضًا هذا الخلاف في الاشتراك متى يقع.
ويختلف عليه هل يصلي الأولى إذا بدأ بها سفرية أو حضرية؟ فإن بدأ بالثانية صلى الأولى سفرية بلا خلاف؛ لأنها قد استقرت في ذمته. ولنقبض (٥) عنان البيان عن هذا المكان، وقد خرجنا في هذا الباب عن مقصود الكتاب.
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ق).
(٢) في (ق) و(ت) لكل.
(٣) في (ق) فهل يصلي الظهر.
(٤) في (ت) وقتها.
(٥) في (ق) لنقتصر.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
فصل (جواز ركوب البحر)
وركوب البحر للأسفار مباح على الجملة، ما لم يعرض عارض ما، يمنع من الركوب. ومن الأعراض الإخلال بالصلاة بالميد (١)، فمن يعلم من حاله أنه يميد حتى تفوته الصلاة في أوقاتها، أو لا يقدر على أدائها جملة، فإن المنصوص من المذهب أنه لا ينبغي له ركوبه إلا إلى حج أو جهاد. وهذا لأنه يطلب فرضًا فيعطل فروضًا آكد منه. وإن كان لا يقدر على الأداء إلا بإخلال فرض من الفروض والانتقال منه إلى بدل، كمن يعلم أنه لا يصلي قائما، فهذا إن وجد عنه مندوحة لم يركب، وإن لم يجد فقد يختلف فيه على الخلاف في القياس على الرخص؛ فمن قال بالقياس أجاز الركوب، كما له أن ينتقل عن طهارة الماء إلى طهارة التراب في السفر في المفازات والقفار، وإن حمله على ذلك طلب الدنيا. ومن لم يقل بالقياس عليها منع الركوب إذا كان يؤدي إلى إخلال ببعض الفرائض (٢).
وإن شك في أمره هل يسلم من الميد أم لا؟ فقد قالوا: يكره له الركوب ولا يمنع؛ لأن الأصل السلامة والقدرة على الأداء. وقد قدمنا حكم الصلاة في السفينة الواحدة والسفن في الجمع. وإذا فرقت الريح السفن فهاهنا في الكتاب في قوم يكونون في السفينة إن صلوا جمعوا وحنوا (٣) رؤوسهم، وإن صلوا على ظهرها لم يمكنهم الجمع، إن الصلاة على ظهرها أفذاذًا أولى (٤). وهذا محمول على أن الانحناء كثير، وأما لو كان يسيرًا لكان الجمع أولى. وإن أمكن من مكان في السفينة الخروج إلى الشاطئ خرج إليه وإن أدى الصلاة في السفينة على الكمال؛ لأن الصلاة على الشاطئ أقرب إلى الخشوع والأمن من طريان المفسدات. فإن صلى
_________________
(١) يقال ماد به البحر يميد به ميدًا، والمائد الذي يركب البحر فتغثى نفسه من نتن ماء البحر حتى يدار به ويكاد يغشى عليه. انظر لسان العرب ٣/ ٤١٢.
(٢) في (ت) إلى الخلال ببعض الفروض، وفي (ق) و(ر) خلال بنص الفروض.
(٣) في (ر) حطوا.
(٤) انظر المدونة ١/ ١٢٣.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
في السفينة [وكمل] (١) أجزته صلاته. وإن أخل بفروض مع قدرته على الخروج بطلت صلاته، وإن لم يقدر صحت. وقد قدمنا حكم صلاة النافلة في السفينة هل يلزم فيه التوجه إلى القبلة أم لا؟
فصل (في حكم ركعتي الفجر)
وقد قدمنا كثيرًا من أحكام ركعتي الفجر منها؛ هل هي سنة أم لا؟ وحكم من صلاها أو لم يصلها ثم أتى المسجد. ولا خلاف أن وقت ركعتي الفجر بعد طلوع الفجر وإن صلاهما قبله عامدًا (٢) أو ناسيًا لأعادهما، وإن تحرى فأخطأ الوقت هل يعيد؟ قولان: المشهور: أنه يعيدهما، والثاني: الاجتزاء بهما. فقاسهما في الأول على الفرائض، وعده في الثاني بالخطأ في الاجتهاد؛ لأنه مأذون له في التحري.
وبأي شيء يقرأ فيهما؟ استحب مالك ﵀ في المشهور الاقتصار على أم القرآن في كل ركعة، لما روي عن عائشة ﵂ من أن رسول الله - ﷺ - كان يخففهما حتى أقول هل قرأ فيهما بأم القرآن أم لا؟ (٣) وفي مختصر ابن شعبان: يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة في كل ركعة من قصار المفصل. وهذا لما روي عنه - ﷺ -: أنه قرأ في الأولى بقل يا أيها الكافرون (٤)، والثانية بقل هو الله أحد (٥). وروي عنه - ﷺ - أنه قرأ في الأولى:
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ر) قاصدًا.
(٣) أخرج البخاري في الجمعة ١١٦٥، ومسلم في المسافرين ٧٢٤ واللفظ له عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلَّي رَكعَتَيِ الْفَجرِ فَيُخَفِّفُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ.
(٤) في (ق) بأم القرآن وقيل يا أيها.
(٥) أخرج مسلم في المسافرين ٧٢٦ واللفظ له، والنسائي في الافتتاح ٩٤٥ عَنْ أَبي هُريرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية (١)، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية (٢)، وهذا يدل على أن جميع هذا جائز. ولا شك أن القراءة إذا لم تتعين في الفرائض فلا تتعين في النوافل، يعني القراءة الزائدة على أم القرآن. وروي عنه - ﷺ - أنه كان يضطجع ضجعة خفيفة بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح (٣). واختلف هل هي مشروعة أم لا؟ المشهور أن رسول الله - ﷺ - إنما فعلها على جهة الراحة لا للتقرب فتكون [غير] (٤) مشروعة. وبين الأصوليين خلاف في أفعاله كلها هل يقتدى به فيها أو يختص الأمر بالاقتداء بما يظهر منه قصد القربة؟ فهذا مذهب جمهورهم وهو موافق للمشهور في هذه المسألة.
باب في أحكام الوتر
(حكم الوتر)
والمنصوص من المذهب أنه غير واجب، والدليل على ذلك قوله - ﷺ -: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة" (٥)
_________________
(١) البقرة آية ١٣٦. ومطلع الآية: (قولُواءَامَنَّا بِاللهِ).
(٢) آل عمران: ٦٤. لم أقف عليه بهذا اللفظ إلا بلفظ قريب عند الحاكم في المستدرك على الصحيحين ١/ ٤٥٠، وابن خزيمة في صحيحه ٢/ ١٦٣. ولفظ الحاكم "عن ابن عباس قال: أكثر ما كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في ركعتي الفجر قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم إلى آخر الآية، وفي الركعة الثانية: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلى قوله واشهد بأنا مسلمون". وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
(٣) أخرج البخاري في الجمعة ٩٩٤ واللفظ له، ومسلم في المسافرين ٧٣٦ عن عُرْوَة أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي إِحدَى عَشرَةَ رَكْعَةَ كَانَتْ تِلكَ صَلَاتَهُ تَعْنِي بِاللَيلِ فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأ أَحَدُكُمُ خَمْسِينَ آية قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ وَيَرْكَعُ رَكعَتَينِ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجرِ ثم يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأتيِهُ المُؤَذِّنُ لِلصَّلاَةِ.
(٤) ساقط من (ر) و(ت).
(٥) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد بسنده ٢٣/ ٢٩١.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
الحديث، وقوله - ﷺ - للأعرابي وقد ذكر له فرض الخمس صلوات، فقال: "هَلْ عَلَيَّ غيرُهُنَّ؟ فقَال: لاَ إِلاَّ أَنْ تَطوَّعَ" (١) الحديث. وأيضًا فإن من خصائص الفرائض الواجبات ألا تؤدى على الراحلة. ومن يخالفنا في هذه المسألة يجيز أداء الوتر على الراحلة، فدل ذلك على إلحاقه بغير الفرائض. وفي المذهب لسحنون أنه يجرم تاركه، ولأصبغ أنه يؤدب. فاستقرأ أبو الحسن اللخمي من هذا الوجوب (٢). فيحتمل ما قال، ويحتمل أن يريد أن من تركه متهاونا بعد معرفته أن النبي - ﷺ - كان يواظب عليه دل تركه إياه على تهاونه وعلى فساد حاله. وقد قال ابن خويز منداد في تارك السنن: إنه يفسق. ولا يظهر له وجه إلا ما قلناه.
واختلف الأصوليون أيضًا هل يجب الأمر بالمعروف فيما طريقه الندب، أو يكون الأمر بذلك مندوبا إليه ككون (٣) الشيء في نفسه. ولعل أصبغ بني التأديب على أحد القولين في وجوب الأمر بالمعروف، وإن كان المأمور به من قبل المندوبات.
(وقت الوتر)
وإذا تقررت هذه المقدمة قلنا: النظر في الوتر ينحصر في فصلين؛ أحدهما: في أوقاته، والثاني: في صفاته. فأما وقته فأوله لا خلاف فيه، وهو إذا صليت العشاء الآخرة في وقتها المشروع، احترازا من الجمع قبل الشفق. وأما آخر وقته، فالاختيار منه ما لم يطلع الفجر. وهل يكون له وقت ضرورة وهو ما بعد الطلوع إلى أن يصلي الصبح؟ في المذهب قولان؛ المشهور أنه يصلي الوتر ما لم يصلي الصبح. والشاذ أنه لا يصليه بعد طلوع الفجر، وهذا لقوله - ﷺ -: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة توتر له ما قد
_________________
(١) أخرجه البخاري في الإيمان ٤٦، ومسلم في الإيمان ١١ واللفظ له.
(٢) التبصرة ص: ١٠٧.
(٣) في (ق) مندوبا ككوت، وفي (ق) مندوبا لكون.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
صلى" (١). فظاهر الحديث حصر وقته على ما قبل طلوع الفجر، لكن ثبت عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قضوه بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح. وبين الأصوليين خلاف في قول الصحابي هل هو مما يعتمد عليه؟ وإذا قلنا بالاعتماد حملنا الحديث على ما هو الأولى، ولا شك أن الأولى أن يؤدى قبل الفجر. وقد قال ابن الجهم (٢): إن قضاء الوتر بعد طلوع الفجر إنما هو على الخلاف في الزمان الذي هو بين طلوع الفجر وبين طلوع الشمس؛ هل هو من الليل، أو من النهار، أو زمان (٣) قائم بنفسه؟ وهذا إشارة إلى أن قضاءه بعد طلوع الفجر يجري على (٤) الخلاف الذي ذكرناه.
وإذا قلنا: إنه يصلي بعد الفجر ما لم يصل الصبح، فإن لم يصله حتى افتتح الصبح (٥)، فهل يتمادى أو يقطع؟ في كل واحد من الفذ، والإمام، والمأموم، قولان: أحدهما: أنه يقطع، والثاني: أنه يتمادى على صلاته، وقد فات الوتر. وإن جمعت الثلاثة قلت: أربعة أقوال: أحدها: أنهم يقطعون، والثاني: أنهم لا يقطعون، وقد فات الوتر، والثالث: أن الفذ والإمام يقطع والمأموم يتمادى، والرابع: أن الفذ يقطع خاصة والإمام والمأموم لا يقطعون.
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وهو عند البخاري في الجمعة ٩٩١ بلفظ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيهِ السَّلاَم: "صَلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى".
(٢) هو: محمد أبو بكر بن أحمد بن محمد بن الجهم بن حبيش ويعرف بابن الوراق المروزي، له أُنس بالحديث وألف كتبًا جلة على مذهب مالك منها كتاب الرد على محمد بن الحسن وكتاب بيان السنة خمسون كتابًا كتاب مسائل الخلاف والحجة لمذهب مالك وشرح مختصر ابن عبد الحكم الصغير. توفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وقيل سنة ثلاث وثلاثين. الديباج المذهب: (ص) ٢٤٣.
(٣) في (ق) أو من زمان.
(٤) في (ت) يجزي على هذا الخلاف.
(٥) في (ر) الصلاة.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
وسبب الخلاف ترجيح الأمر [بالوتر] (١)، وهو إذا تمادى فاته. والأمر بالتمادي على العمل الذي هو فيه، وهو منهي عن قطعه. ومن فرق بين الفذ ومن هو في جماعة فلِتَأَكُّدِ ما دخله من العمل بمزيد (٢) فضل الجماعة. ومن قصر التمادي على المأموم فلأنه تابع لغيره والإمام ليس بتابع وهو في حكم الفذ. وأيضًا فإن الإمام إذا قطع أمكنه أن يصلي في جماعة والمأموم لا يمكنه ذلك. وهذا الذي حكيناه من الخلاف فيما إذا عقد ركعة من الصلاة أو لم يعقدها، في بعض الروايات التفرقة بين أن يعقد ركعة أم لا؟
وقد قدمنا الخلاف في تكبيرة الإحرام هل هي من الأركان التي يحافظ على التمادى بسببها أم لا؟ وإن أكمل الصلاة فلا خلاف عندنا أن وقته فات ولا يصليه بعد الصبح، إذ لا يؤدى شيء هناك من النوافل، وهو وتر لنافلة الليل، وقد انقطع حكمها فلا يقضيه بعد ذلك؛ لأن القضاء- على الصحيح من مذاهب الأصوليين- بأمر ثان، ولم يرد القضاء فيه. وإن اعترض هذا بما في المدونة من جواز قضاء ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس (٣). فقد قال الأبهري: إن القضاء هاهنا يجوز وإنما يصلي ركعتين، ولعل أجرهما ينوب عما فاته من أجر ركعتي (٤) الفجر. والوتر ركعة واحدة فلا يجوز أن يتنفل بركعة تنوب له عن ذلك. ولو صلى الوتر ثم تنفل بعده قبل طلوع الفجر لكان في الأمر بإعادته قولان.
وسبب الخلاف حديثان: أحدهما: لما روي عنه - ﷺ - أنه قال: "لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ" (٥)، وهذا يقتضي نفي الإعادة. والثاني: قوله - ﷺ -:"صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ر) يريد.
(٣) المدونة: ١/ ١٢٤.
(٤) في (ق) ولعلهما ينوبان عما فاته من أجر ركعتي الفجر، وفي (ر) ولعل إحداهما تنوب عما فاته من إحدى ركعتي.
(٥) أخرجه الترمذي في الصلاة ٤٧٠، والنسائي في قيام الليل ١٦٧٩، وأبو داود في الصلاة ١٤٣٩. وقال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ".
[ ٢ / ٥٦١ ]
صلى" (١)، وهذا يقتضي أن الوتر ينبغي أن يكون آخر صلاته، فإذا صلى ثم تنفل أوتر ثانية ليكون آخر صلاته.
ولو صلى العشاء الآخرة ثم أوتر فذكر بعد وتره أنه صلى العشاء على غير وضوء فأعادها لوجب عليه إعادة الوتر وإن صلاه على وضوء؛ لأن وقت الوتر بعد (٢) العشاء الآخرة، وهي إذا وقعت على غير وضوء كالعدم.
وإذا قلنا بجواز الوتر بعد طلوع الفجر ما لم يصل الصبح، فإن ذكر الوتر- وقد ضاق وقت صلاة الصبح- فإن أمكن أن يؤدي ركعتي الفجر والوتر بشفعه وصلاة الصبح جميعًا قبل طلوع الشمس فعل جميع ذلك، فإن لم يمكنه إلا ركعة من صلاة [الصبح] (٣) خاصة ترك الوتر وركعتي الفجر وصلى الفرض، وإن أمكنه أن يؤدي ركعتي الفجر وركعة الوتر (٤) من غير شفع وجميع صلاة [الصبح] (٥) قبل طلوع الشمس، فهل يركع بدل ركعتي الفجر ركعتي الشفع أم لا؟ لا يخلو أن يكون تنفل بعد العشاء الآخرة أو لم (٦) يتنفل؟ فإن كان لم يتنفل أسقط ركعتي الفجر وصلى ركعتي الشفع وأوتر وصلى الصبح، فإن تنفل فهاهنا قولان: قيل يجزيه الشفع وإن لم يكن متصلًا بالوتر فيركع ركعتي الفجر، وقيل: لا يجزيه إلا متصلًا به فيركع بدلهما ركعتي الشفع.
وإن كان لو اشتغل بركعتي الشفع لم يمكنه أن يصلي من الصبح قبل طلوع الشمس إلا ركعة واحدة، فهل يوتر بواحدة ويصل جميع صلاة الصبح
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وهو عند البخاري في الجمعة ٩٩١ بلفظ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه عَلَيْهِ السَّلاَم: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى".
(٢) في (ق) لأن الوتر مقدم بعد.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ق) الوتر خاصة.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ر) ولم.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
[قبل طلوع الشمس] (١)، أو يشفع ويوتر وإن أدى الركعة الثانية بعد طلوع الشمس؟ في ذلك قولان. ويلتفت فيه إلى حكم من أدرك ركعة من الصلاة قبل الطلوع أو قبل الغروب، هل يكون قاضيًا أو مؤديًا؟ وقد قدمنا ما في ذلك. لكن أحد القولين هاهنا بأنه يشفع يدل على أن مؤخر الصلاة إلى أن لا يبقى من الوقت إلا مقدار ركعة ليس بآثم، كما حكى أبو الحسن اللخمي الاتفاق على ذلك. لأنه لو كان آثمًا لما قدم عليه ركعتي الشفع. وأعلى أمرهما أن يكونا سنة.
وإن لم يمكنه إلا ركعة الوتر وركعة من صلاة الصبح فهل يركع للوتر وإن أدى الركعة الثانية من الصبح بعد طلوع الشمس؟ المنصوص أنه يركع الوتر. ويجري على القول (٢) بتأثيم مؤخر الصلاة إلى هذا الوقت أنه يسقط الوتر إذ لا يلزمه أن يشتغل بسنة فيقع في ممنوع (٣).
فصل (صفة الوتر)
وأما صفة الوتر؛ فمنه عدده. والمذهب كله على أنه ركعة واحدة قائمة بنفسها. وأبو الحسن اللخمي حكى عن المذهب قولين: أحدهما: هذا، والثاني: أنه ثلاث ركعات لا يفصل بينهما (٤). ويعوِّل في ذلك على ألفاظ وقعت في المذهب مطلقة؛ أنه يوتر بثلاث ركعات. والمراد (٥) أن الوتر لا يؤتى (٦) به وحده، بل يشفع قبله. ولو سئل عن الفصل بينه وبين الشفع لأمكن أن يجيب يالفصل كما وقع له صريحًا.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ت) و(ر) على القولين فعل القول.
(٣) في (ق) في ممنوع في الفريضة.
(٤) التبصرة ص:١٠٨.
(٥) في (ق) و(م) ومراده.
(٦) في (ق) لا يوتر.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
وإذا ثبت أنه ركعة واحدة، فهل يكتفي به المعذور (١) من غير تقديم نافلة بعد العشاء الآخرة؟ في ذلك قولان. ومثار الخلاف، هل هي وتر للنفل المختص بالليل فيتقدم قبلها شفع ولا يجزي الاقتصار عليها؟ وفي الحديث أنه - ﷺ - "نهى عن البتر" (٢)، وهي الركعة الواحدة من غير شفع قبلها. أو هي وتر لصلاة العشاء الآخرة، فيكتفي بها؟ وإنما يؤمر بالتنفل قبلها مع الاختيار.
وإذا قلنا بتقديم شفع فلا بد. فهل يلزم اتصاله بالوتر؟ أو يجوز وإن فرق بينهما بالزمان الطويل؟ في المذهب قولان: أحدهما: لزوم الاتصال، لقوله - ﷺ -: "مَثْنَى مَثْنَى" الحديث (٣)، فظاهر هذا، الأمرُ بالاتصال. والقول الثاني جواز الانفصال؛ لأنها ركعة مستقلة بنفسها فأشبهت صلاة المغرب التي هي وتر الفرائض. فلا يفتقر إلى تقدم شيء متصل بها.
وإذا كان من حكمها الشفع فهل يلزم أن يوتر بشفع يختص (٤) بها، أو ينوب منابه (٥) كل نافلة؟ في المذهب قولان. والصحيح أنه مخير إن شاء
_________________
(١) غير واضحة في (ر).
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقريب منه ما أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٣/ ٢٥٤ عن أبي سعيد أن رسول الله - ﷺ - نهى عن البتيراء؛ أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها. ثم قال ابن عبد البر في أحد الرواة: "هو عثمان بن محمد بن أبي ربيعة بن عبد الرحمان، قال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم"، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٥/ ٦٨: "قال ابن القطان: هذا حديث شاذ لا يعرج على رواته"، وقال العجلوني في كشف الخفاء ١/ ٣٣٠: "رواه عبد الحق في الأحكام بسند فيه عثمان بن محمد بن ربيعة الغالب عليه الوهم وقال النووي في الخلاصة: حديث محمد بن كعب في النهي عن البتيراء مرسل ضعيف"، وذكره الشوكاني في نيل الأوطار٣/ ٣٩ عن محمد بن كعب القرظي، وقال: "قال العراقي: وهذا مرسل ضعيف"، وقال ابن حزم في المحلى٣/ ٤٨ "لم يصح عن النبي ﵌ نهي عن البتيراء".
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (ت) بالشفع مختصًا.
(٥) في (ق) مناب.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
أتى بشفع مختص (١) بها إذ كان - ﷺ - يفعل ذلك. وإن شاء أتى بها بعد نافلة غير مختصة لقوله - ﷺ -: "صلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" الحديث.
وهل يجوز له أن يوتر بركعة افتتحها بنية الشفع أو يشفع ركعة (٢) افتتحها بنية الوتر؟ في المذهب قولان. وهما على ما قدمناه من الخلاف في أعداد الركعات هل تراعى في ابتداء الصلاة.
ومن شك هل هو في الركعة الأولى من الشفع أو في الثانية، فإن كان سالم الخاطر بني على يقينه وأتى بركعة ثانية وسجد بعد السلام، وقام وأتى بركعة الوتر. وإن كان موسوَسًا بني على أول خاطره كما قدمناه في كتاب الطهارة. ويأتي في باب السهو.
وإن شك هل هو في ثانية الشفع أو في الوتر سجد بعد السلام وبنى على أنها ثانية الشفع. واختلف في علة سجوده على ثلاثة أقوال: أحدها: أن السجود (٣) لإمكان الزيادة، وأنه لم يسلم بين الشفع والوتر. والثاني: أن السجود أتى به ليكون شافعًا لركعة الوتر، إن كانت هي التي هو فيها، لئلا يؤتى بالوتر بعدها مكررًا فيكون شفعًا. والثالث: أن السجود على أحد الأقوال في الشاك أنه يسجد بعد السلام. وسيأتي تمامه.
ومن صفات الوتر القراءة، واختلف المذهب هل يقتصر بمعين زائد عن أم القرآن؟ فقيل يختص بالإخلاص والمعوذتين. وقيل لا يختص. والصحيح اختصاصه بثلاث سور. ويحمل (٤) القول الثاني على كراهية التحديد، من غير أن يثبت في الشريعة كونه فرضًا أو سنة. وهذا شأن مالك ﵀ في مثل هذا.
وهل يختص الشفع بقراءة أم لا؟ إن قلنا إن الوتر لا يختص بشفع
_________________
(١) في (ر) و(ت) خصوص مختص.
(٢) في (ت) بركعة.
(٣) في (ر) سجوده.
(٤) في (ر) ومحل.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
معين، فلا شك أنه لا يختص. وإن قلنا إنه يختص بشفع معين فالأولى أن يقرأ في الشفع بعد أم القرآن بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾. وإن اقتصر في الوتر على أم القرآن؛ فإن فعله ساهيًا سجد لسهوه قبل السلام، وإن فعله عامدًا فعلى القولين فيمن ترك السنن متعمدًا هل تبطل صلاته أم لا؟
ولو زاد في الوتر ركعة ناسيًا لكان في بطلان وتره قولان، بمنزلة من قرأ في صلاته مثلها. لكن الركعة يسيرة إن أعتبرت في نفسها، وكثيرة (١) إن إعتبرت بالنسبة إلى ركعة الوتر، إذ هي مثلها. وقد قدمنا ذلك في تارك أم القرآن في ركعة من الصبح.
وحكم الوتر الجهر بالقراءة إن كان منفردًا، فإن كان مع جماعة، فإنه يصلي سرًا لئلا يخلط عليهم. وإن أسرَّ ناسيًا سجد لسهوه قبل السلام، وإن كان عامدًا فقولان: أحدهما: صحة الوتر، والثاني: بطلانه، قاله الإبياني. وهو بناء على بطلان صلاة من ترك السنَّة متعمدًا.
باب في قضاء [الصلاة المنسية] (٢).
والأصل في قضائها الكتاب والسنَّة؛ والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣) الآية، وإن احتملت فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٤)، فإن الله تعالى: يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ". [وهذا يقتضي
_________________
(١) في (ر) ويسيرة.
(٢) في (ر) المنسيات، وفي (م) فصل في قضاء الصلاة المنسية.
(٣) طه:١٤.
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه مسلم في المساجد ٦٨٤، والدارمي في الصلاة ١٢٢٩. ولفظ مسلم "عن أنس بن مَالِك قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا".
[ ٢ / ٥٦٦ ]
أن المراد بالآية إذا ذكرتك إياها، وقيل في تأويل الآية: إن معناها أقم الصلاة لتذكرني فيها، وقيل؛ لنذكرك بها. وقراءة ابن شهاب: ﴿أقم الصلاة للذكرى﴾ (١) يحتمل هذه الأوجه] (٢).
وأما السنَّة فمنها الحديث المتقدم آنفًا. وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه نام عن صلاة الصبح ثم قضاها بعد طلوع الشمس (٣).
وأما الإجماع فقد اجتمعت الأمة على وجوب قضاء المنسية من الصلوات إذا كانت خمسًا فدون. ومذهب فقهاء الأمصار وجوب القضاء وإن زادت على الخمس قياسًا على المجمع عليه ووجوب قضاء ما تعمد تركه؛ لأنهم رأوا أن الآية تقتضي العموم [في العمد] (٤) وغيره إذا حملناها على موافقة ما ورد في الحديث من التأويل، ولأن القضاء إذا ثبت في
_________________
(١) في (ق) إن الصلاة لذكري. وقد ورد ذكر قراءة ابن شهاب عقب الحديث الذي أخرجه أبو داود في الصلاة ٤٣٥ عَنْ أَبي هُرَيرَة وفيه أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "من نَسِي صلاة فَليُصَلهَا إذَا ذَكَرَهَا فإنَّ الله تَعَالى قال أَقِم الصلاة لِلذِّكْرَى". وهو قوله: قَالَ يُونُسُ وَكَانَ ابْنُ شِهَاب يَقرَؤُهَا كَذَلِكَ.
(٢) في (ر) و(ت) فبين دفع الاحتمال بحديثه إذا ذكرتك إياها. وفي تأويل الآية إن معناها أقم الصلاة لذكري فيها، وقيل لتذكرك بها، وقراعة ابن شهاب أقم الصلاة للذكرى تحتمل.
(٣) أخرج مسلم في المساجد. ٦٨٠ عَنْ أبَي هُرَيرَةَ أن رسُول اللهِ - ﷺ - حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّس وَقَالَ لِبِلاَل اكْلأَ لَنَا اللَّيْلَ فَصَلَّى بِلاَلْ مَا قُدَّرَ لَهُ وَنَامَ رَسُول للهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ فَلَمَّا تَقَارَبَ الفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالْ إِلى رَاحِلَتِهِ مُوّاجِهَ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَينَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَلاَ بلاَلْ ولاَ أَحَدْ مَنْ أَصْحَابهِ حَتَّى ضَرَبَتهُمُ الشَّمْسُ فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا فَفَزعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ أَيْ بِلَالُ فَقْالَ بِلاَلٌ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ- بأَبِي أَنْتَ وَأمِّي يَا رَسُولَ اللهِ- بِنَفْسِكَ قَالَ اقْتَادُوا فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئاْ ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ للهِ - ﷺ - وَأَمَرَ بِلاَلًا فَأَقَامَ الصَّلاَة فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: "مَنْ نَسِي الصَّلاَةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ".
(٤) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٥٦٧ ]
المنسية والتي نام عنها - وإن كان الإثم ساقطًا- فأحرى أن يجب في المتعمد تركها بثبوت الإثم في الترك [عامدًا] (١). واقتصاره في الحديث على ذكر المنسيات والتي نام عنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
وإذا ثبتت هذه المقدمة فإن النظر في هذا الباب ينحصر في ثلاثة فصول: أحدها: أوقات القضاء، والثاني: لزوم الترتيب، والثالث: حكم المنسيات في ترتيب بعضها على بعض. وإذا اعترى الشك في أيامها وأعيانها وأعدادها (٢).
(أوقات قضاء المنسيات)
فأما أوقات المنسيات فهي متى ذكرت من ليل أو نهار، وإن بدا حاجب الشمس أو غرب بعضها. وهذا لقوله ﵇: "فليصلها إذا ذكرها" (٣)، فإن ذلك الوقت وقتها، وهو يقتضي عموم سائر الأوقات.
فصل (حكم الترتيب في القضاء بين المنسية والوقتية)
وأما لزوم الترتيب الذي يحكيه البغداديون من أهل المذهب ففيه قولان: أحدهما: أن الترتيب بين المنسية وبين الوقتية واجب، والثاني: أنه مستحب. وتحقيق المذهب في هذا يؤخذ مما نقوله في التفصيل. وهو أن الذاكر للصلاة المنسية لا يخلو أن يذكرها قبل التلبس بالوقتية أو بعده؛ فإن ذكرها قبل التلبس بالوقتية فلا يخلو أن تكون كثيرة جدًا أو يسيرة جدًا أو متوسطة بين ذلك، فإن كانت كثيرة جدًا بدأ بالوقتية، ولا يلزمه (٤) الاشتغال بقضاء هذه الكثيرة في فور واحد. وهذا كالخمسة عشرة صلاة فصاعدًا.
_________________
(١) ساقط من (ق) و(ر) و(م).
(٢) كذا في جميع النسخ.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) لأنه لا يلزمه.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وقال محمد بن مسلمة: يبدأ بالمنسية وإن كانت كثيرة مثل (١) صلاة شهرين. فهذا يقتضي وجوب الترتيب، ويلزم عنده أداء هذا المقدار في فور واحد.
وإن كانت يسيرة جدًا بدأها ما لم يخف فوات وقت الحاضرة الاختياري [والضروري] (٢). وإن خاف فواته فهاهنا قولان: المشهور الابتداء بالفائتة وإن فات وقت الحاضرة. وهذا يشعر بوجوب الترتيب في هذا المقدار. والشاذ الابتداء بالحاضرة. وهذا يشعر بأن الترتيب مستحب فيؤمر به ما لم يخف ذوات الحاضرة. ولأشهب قول ثالث أنه مخير بين الابتداء بالمنسية أو بالوقتية. وهذا لتقابل حق (٣) الترتيب وحق الوقت.
وكم عدد اليسير؟ أما الأربعة فدون فلا خلاف في كونها يسيرة، وأما الستة فلا خلاف في كونها كثيرة، وأما الخمس ففيها قولان: أحدهما: إلحاقها بالكثيرة؛ لأنها صلاة يوم كامل. والثاني: إلحاقها باليسيرة، إذ لا تكرر فيها.
وأما المتوسطة مقدار عشر صلوات، فإنه يبدأ بها ما لم يخف فوات وقت الحاضرة. وهل يراعي فوات وقتها الاختياري أو الضروري؟ في المذهب قولان. وهذا يشعر باستحباب الترتيب لكن قدمنا الخلاف في مؤخر الصلاة إلى الوقت الضروري، هل يتعلق به الإثم أم لا؟ وهذا في التأخير إلى الاصفرار. فمن علق الإثم راعى فوات الوقت الاختياري. ومن لم يعلقه (٤) راعى فوات الوقت الضروري.
(حكم من ذكر صلاة بعد التلبس بأخرى)
وإذا ذكرها بعد التلبس بالصلاة فلا يخلو إما أن يكون مما لا يجب تقديمها على الوقتية أو مما يجب؟ فإن لم يجب تقديمها فلا تأثير للمذكورة
_________________
(١) في (ر) وإن كان مثل، وفي (ق) وإن كانت مثلًا.
(٢) ساقط من (ر) و(ت).
(٣) في (ت) وجوب.
(٤) في (ق) يعلق الإثم.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
في الصلاة التي هو فيها، فإن كانت مما يجب تقديمها فلا يخلو الذاكر لذلك من أن يكون مأمومًا، أو فذًا، [أو إمامًا] (١).
فإن كان مأمومًا تمادى على أتباع إمامه ولم يقطع، وهل تبطل عليه هذه الصلاة التي تمادى فيها؟ في المذهب قولان جاريان على الخلاف في الترتيب هل يجب أو يستحب؟
وإن كان فذًا فلا يخلو أن يكون قبل الركوع أو بعده (٢)، فإن كان قبل الركوع (٣) فقولان: أحدهما: أنه يقطع، والثاني: أنه يتم ركعتين نافلة. وهذا على الخلاف في تكبيرة الإحرام، هل هي ركن يحافظ على ثبوته أم لا؟ وإن لم يرفع رأسه كان على الخلاف في عقد الركعة ما هو؟ فإن قلنا وضع اليدين على الركبتين أتم ركعتين نافلة، وأن قلنا رفع الرأس كان بمنزلة من لم يركع، وإن صلى ركعتين جعلهما نافلة وقطع، وإن صلى ثالثة فقولان: أحدهما: أنه يتمادى إلى أربع ثم يصلي المنسية ويعيد التي كان فيها، والثاني: أنه يقطع من الثلاث. وهذا الخلاف في وجوب الترتيب؛ فمن أوجبه ورأى أن تحقيق أثره ألا يتم الصلاة المذكورة فيها أمر بالقطع، ومن لم يوجبه أو راعى الخلاف أمر بالتمادي. وأذا أمرنا بالتمادي هل يجب عليه إعادة الصلاة التي كان فيها أو يستحب؟ قولان. وهما على وجوب الترتيب واستحبابه.
وإن كان إمامًا فهل يقطع أو يتمادى؟ قولان. وهما على ما قدمناه من وجوب الترتيب. وإذا قلنا بالقطع فهل يلزم ذلك من خلفه أو له أن يستخلف من يتم بهم وتصح لهم؟ قولان. فمن التفت إلى وجوب القطع ولم يراع الخلاف قال بالاستخلاف قياسًا على الحدث، ومن راعى الخلاف أمرهم بالقطع لأنه يصير كالمتعمد في الإبطال عند من (٤) أوجب التمادي.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ر) و(ت) أن يركع أو بعد أن ركع.
(٣) في (ر) و(ت) أن يركع.
(٤) في (ر) عن من.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وإذا قلنا بالتمادي فهل يعيد واجبًا أو استحبابًا؟ قولان. وهما على ما قدمنا في حكم الترتيب.
وإذا أعاد فهل يلزم المقتدين (١) الإعادة؟ قولان. وهما على الخلاف في تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام. وهذا الذي قلنا جار فيما كان [من] (٢) صلاة اليوم أو مما فاته وقته. قال ابن حبيب: أما لو كانت صلاة اليوم كمن يذكر الظهر مثلًا في يومه وهو في العصر فإنه يقطع ولو كان وراء الإمام فينصرف وأن كان على وتر. وعلل ذلك بأن التمادي يفوت صلاة يومه وهي مستحقة الترتيب. والوقتية (٣) بخلاف المنسية فإنها وأن استحقت الترتيب فإنها لا تستحق الوقت. ورأى في المشهور أن التمادي يلزم لمتابعة الإمام ولأنه دخل بوجه جائز.
فإن كانت الصلاة التي هو فيها نافلة وذكر صلاة لا يخلو من أن يكون عقد [ركعة] (٤) من التي هو فيها أم لا. وإن عقد ركعة أضاف إليها أخرى وسلم، وإن لم يعقد ركعة فقولان: أحدهما: القطع، والثاني: أنه يضيف إليها ثانية. وهما على الخلاف المتقدم في المحافظة على الإحرام (٥).
وقد أحلنا في باب إعادة الصلاة في جماعة بيان حكم من أقيمت عليه الصلاة وهو في صلاة أخرى على هذا الباب. واختلف المذهب في ذلك على قولين: أحدهما: أنه يتمادى على التي هو فيها ولا يقطعها، فإذا أكملها مخففا نظر؛ فإن بقي من صلاة الإمام شيئًا دخل معه وإلا صلى لنفسه، وهذا هو الشاذ. والثاني: أن الصلاة التي أقيمت (٦) تؤثر في التي هو فيها. ويختلف في صفة التأثير على قولين: أحدهما: أنه يريد من أقيمت
_________________
(١) في (ق) المقتدين به.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) و(ت) والوقت.
(٤) ساقط من (ق) و(ت).
(٥) في (ق) تكبيرة الإحرام.
(٦) في (ت) أقيمت عليه.
[ ٢ / ٥٧١ ]
عليه الصلاة التي هو فيها، وقد تقدم بيانه. والثاني: أنه يتمادى على التي هو فيها ما لم يخف فوات جملة الصلاة مع الإمام. فأما الخلاف في التأثير وعدمه فلتقابل مخالفة الإمام بأن يكون في صلاة وهو في صلاة أخرى لوجوب التمادي- على ما افتتحه- واستحقاق الترتيب، وكونه يدخل مع الإمام فيما لا يعتد به. والثاني: بالتمادي (١) ما لم يخف فوات صلاة الإمام مراعاة لقول من يقول يتمادى جملة. والقطع إذا خاف ذوات ركعة مع الإمام بتقديم وجوب اتباع الإمام وقد قدّمنا أن ذكر صلوات كثيرة لا يؤثر ذكرها في الصلاة التي هو فيها، فلو ذكر صلوات كثيرة فقضاها حتى لم يبق منها إلا اليسير فنسي فدخل في صلاة وقتية لكان بمنزلة من ذكر صلوات يسيرة، لأن ما قضاه كأنه أوقعه في وقته، وكأنه ليس في ذمته إلا ما بقي. وهكذا يكون حكمه لو ذكر هذا الباقي اليسير وهو في ضيق من وقت الصلاة الحاضرة لابتدأ بالمنسية على المشهور.
(حكم من ذكر صلاة منسية وهو في الجمعة)
ولو ذكر صلاة منسية وهو في الجمعة فالمنصوص أنه إن طمع بإدراك ركعة من الجمعة بعد قضاء المنسية قطع وقضى ثم عاد إلى الجمعة، فإن لم يطمع تمادى، فإذا أكمل الجمعة صلَّى المنسيَّة خاصة.
وهذا يجري فيه الخلاف على ما قدَّمنا التنبيه عليه (٢). فإن قلنا بأن الترتيب واجب فينبغي أن يتمادى لحق الإمام ثم يعيد الجمعة بعد قضاء المنسية، ويعيدها ظهرًا أربعًا. ويلتفت في الإعادة أيضًا إلى الخلاف في الجمعة؛ هل هي صلاة قائمة بنفسها أو بدل عن الظهر؟ فإن قلنا إنها صلاة قائمة بنفسها فيقوى نفي الإعادة، وإن قلنا هي بدل عن الظهر فيقوى وجوب الإعادة. وقد تقدم الخلاف فيمن صلى الجمعة [بنجاسة] (٣) ناسيًا ثم علم
_________________
(١) في (ق) و(ت) لا يعتد به والتأثير والتمادي.
(٢) في (ر) وهذا يجري فيه خلاف ما قدمناه، وفي (ق) وهذا يجري فيه من الخلاف ما قدمنا من التنبيه.
(٣) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٥٧٢ ]
في الوقت هل يعيد ظهرًا أربعًا أم لا؟ وإذا صلَّى الوقتية ثم ذكر المنسيَّة فصلاَّها فإنه يعيد الوقتية ما بقي من وقتها شيء. وهل يُراعي في ذلك وقت الاختيار أو وقت الضرورة؟ في المذهب قولان. [وهما] (١) على الالتفات إلى وجوب الترتيب، فيعيد ما لم تفت جملة الوقت، واستحبابه فيعيد ما لم يفت الوقت الاختياري.
فصل (بأي صلاة يبدأ في قضاء المنسيات)
وإذا ذكر صلوات منسية فلا خلاف أنه مأمور بترتيبها (٢) الأولى فالأولى، لكن اختلف في الأمر هل هو واجب أو ندب، وبأي صلاة يبدأ؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يبدأ بصلاة الظهر؛ لأنها التي ابتدأ بها جبريل ﵇ بالرسول ﵇، وبهذا سميت الأولى. والثاني: أنه يبدأ بالصبح؛ لأنها صلاة أول اليوم. وهذا على الخلاف في الزمن الذي بين طلوع الفجر وبين طلوع الشمس هل هو من الليل أو من النهار؟ فإن قلنا إنه من الليل بدأ بالظهر، وإن قلنا إنه من النهار بدأ بالصبح. ثم يرتب الأولى فالأولى. فإن شك في عدد الصلوات أو في أيامها أو في أعيانها. فقد أطال الناس الأنفاس في هذا الباب وصوَّروا من شوَّاذ النوازل ما يفتقر إلى ذكر دقيق الحساب. ونحن نذكر مبادئه بحسب ما يليق بهذا المجموع فنقول:
اختلف المذهب هل يلزم تعيين الأيام في الصلوات أو لا يلزم ذلك، وإنما يلزم القصد إلى صلاة الوقت من غير التفات إلى اليوم. وقد قدمنا أيضًا الخلاف في القصد هل هو مُباح أو مأمور به؟ وهل الأمر واجب أو ندب؟ فإذا تقرر ذلك قلنا: من نسي صلاتين من يومين ظهرًا أو عصرًا
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) بترتيبها في القضاء.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
مثلًا، وشك أيتهما قبل صاحبتها؟ فلا يخلو أن يذكر يومين بأعيانها، أو لا يذكر اليومين. وإن ذكر اليومين فشك مثلًا هل الظهر من السبت والعصر من الأحد، أو بالعكس؟ فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يصلي أربع صلوات: الظهر للسبت ثم العصر للأحد، ثم الظهر للأحد ثم العصر للسبت. وهذا بناء على مراعاة الأيام. والقول الثاني: أنه يصلي ظهرًا بين عصرين، أو عصرًا بين ظهرين. وهذا على القول بأن الأيام لا تُراعى.
وإن لم يذكر الأيام بأعيانها فهذا لا خلاف فيه أنه يصلي ظهرًا بين عصرين أو عصرًا بين ظهرين، فيحصل (١) بذلك الترتيب، لأن العصر إن كانت (٢) هي السابقة فقد صلَّى بعدها الظهر، وإن كانت هي المتأخرة فقد صلَّى قبلها الظهر.
(حكم من ذكر صلاة لا يدري يومها)
ولو ذكر صلاة لا يدري يومها بعينه (٣) لاكتفى بصلاة واحدة بلا خلاف. كان شك هل هي من السبت مثلًا أو من الخميس؟ فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يصلي ظهرين ينوي بكل واحدة [منهما يومًا من المشكوك فيهما، ويبدأ بالأولى من اليومين. والثاني] (٤) أنه يصلي ظهرًا واحدًا يومًا ولا يضيفها إلى يوم معيّن.
(حكم من ذكر صلاة لا يدري أهي حضرية أم سفرية)
ولو ذكر صلاة يوم ونسي هل هي من حضر أو سفر؛ فعلى القول بأنه مُخيَّر بين القصر والإتمام له أن يُصلي صلاة يوم حضرية ويكتفي بها، وكذلك على القول بأن القصر مستحب. لكن الأولى هاهنا أن يُصلي كل يوم صلاة. وأما على القول بأن القصر فرض أو سنة، فيصلي صلاة يوم
_________________
(١) في (ت) فيحصل له.
(٢) في (ت) وإن كانت.
(٣) في (ت) لا يدري يومًا بعينه، وفي (ر) لا يدري ما هو معينة.
(٤) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٥٧٤ ]
حضرية وصلاة يوم سفرية، ولا يعيد الصبح ولا المغرب لتساوي أمرهما في الحضر والسفر.
ولو ذكر ظهرًا أو عصرًا ولم يذكر كونهما حضريتين أو سفريتين لجرى حكم إعادتهما على ما قدمناه. فإن شك في يومهما وشك في تقدم إحداهما على الأخرى، أو شك هل هما حضريتان أو سفريتان (١) أو إحداهما حضرية أو سفرية؟ فإنه يُصلي ست صلوات. لكن اختلفوا في صورة ترتيبها؛ هل يصلي ظهرًا أربعًا حضرية ثم هي سفرية، ثم عصرًا حضرية ثم هي سفرية، ثم ظهرًا حضرية وسفرية.
وإن بدأ بالعصر فعل فيها ما فعل بالظهر، أو تكون صورة ترتيبها أن يصلي ظهرًا حضرية ثم عصرًا سفرية ثم ظهرًا سفرية ثم عصرًا حضرية ثم ظهرًا حضرية ثم عصرًا سفرية. فتقع له صلاة سفر بين صلاتي حضر وبالعكس. وهذا كلّه طلبًا لتحصيل الترتيب، وهو لازم على القول بوجوبها.
وأما على القول باستحبابها فإن تكثير الصلوات إنما هو من باب الأولى فيكتفي على القول بالتخيير بصلاتين ظهرًا وعصرًا حضريتين. وعلى القول بأن القصر فرض أو سنة فأربع صلوات؛ ظهرًا حضرية وسفرية وعصرًا كذلك.
ولو ذكر صلاة يوم وليلة ويعلم أن أحدهما قبل الأخرى، ولا يدري اليوم قبل الليلة أو بالعكس؛ فإنه يصلي صلاة زمان منهما بين صلاة زمانين لتحصيل الترتيب. وهل يبدأ بصلاة الصبح في اليوم أو بصلاة الظهر؟ في المذهب قولان. وقد قدّمناهما.
ولنقتصر على هذا المقدار من ترديد (٢) هذه المسائل، فإن الخروج عنه اشتغال بعلم الحساب ولسنا له.
_________________
(١) في (ق) و(ر) و(م) حضريتين أو سفريتين، وخرم في (ت).
(٢) في (ر) تزييل.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
باب في أحكام السهو
وهو وإن كثرت فروعه ودقت بعض مسائله فإنه يهون مع الالتفات إلى أصوله وقوانينه. وهو لا يخلو من أن يكون بزيادة أو نقصان. فإن كان بزيادة فلا يخلو أن تكون الزيادة كلامًا أو فعلًا، وإن كانت كلامًا فقد قدمنا أنها إن كثرت جدًا أبطلت الصلاة، وإن كان ما دون ذلك أجزأ (١) عنه [عندنا] (٢) السجود. وكنا قدمنا في الكتاب الأول حكم الكلام عمدًا، وأنه يكون لغير [إصلاح] (٣) الصلاة أو لإصلاحها (٤)، وأحلنا حكم الذي يكون لاصلاحها على هذا الباب فلنبدأ به فنقول:
(حكم الإمام يسلم سهوًا من الصلاة قبل كمالها)
من كان إمامًا فسلم من صلاته قبل كمالها، فقال له بعض المقتدين: إنك لم تكمل صلاتك، فقال: بل أكملت، وسأل غير المتكلم أولًا، فأخبره أنه لم يكمل. فهل تصح هذه الصلاة أو تبطل؟ في المذهب ثلاثة أقوال: المشهور صحتها، والشاذ بطلانها. وقال سحنون: إن جرى ذلك في الصلاة الرباعية (٥) بعد ركعتين صحت الصلاة، وإن كان من غير الرباعية أو ليس بعد الركعتين بطلت. ووجه المشهور الاعتماد على الحديث في أنه - ﷺ - سلم من اثنتين فقال له ذو اليدين (٦): أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله
_________________
(١) في (ر) ذلك مراد أجزأ.
(٢) ساقط من (ر) و(ت).
(٣) ساقط في (ت).
(٤) في (ر) ولإصلاحها.
(٥) في (ت) في أول الصلاة الرباعية.
(٦) اختلف في المراد بذي اليدين فقيل: هو عمير بن عبد عمرو بن نضلة الخزرجي، الذي استشهد ببدر. وقيل: هو الخرباق بن عمرو أبو العربان عاش بعد النبي - ﷺ - وحدث عنه. والراجح الثاني لأن الأول يعرف بذي الشمالين، وقد توفي في بدر، وأبو هريرة راوي الحديث لم يسلم إلا في خيبر. انظر فتح الباري ٣/ ١٠٠، ونيل الأوطار ٣/ ١٣١.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
فقال: "كل ذلك لم يكن"، فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك. فسأل (١) الناس فأخبروه بصحة ما قال ذو اليدين ورجع رسول الله - ﷺ - إلى إكمال صلاته (٢).
ووجه الشاذ إما لأن الحديث لا يحكم بصحته. وقد تكلم عليه أصحاب أبي حنيفة [من جهة] (٣) أن الراوي أبو هريرة ﵁، ولهم في ذلك معان لسنا لها. وإما لأنه انفرد بنقله الآحاد. وإما لأن القياس مقدم عليه. وبين الأصوليين خلاف في تقديم القياس على خبر الآحاد. وإما لأن القصة جرت في (٤) زمن يجوز فيه النسخ ولم يتكلم ذو اليدين إلا وهو يجوز النسخ فعذر بذلك. بخلاف من يطرأ له ذلك بعد تقرر الشرائع واستحالة النسخ. وعلى هذا عول (٥) ابن كنانة (٦) القائل ببطلان الصلاة، وأجاب ابن القاسم عن هذا بأن غير ذي اليدين من الصحابة تكلموا بعدما علموا بأن الصلاة لم تقصر.
وأما وجه قول سحنون، فهو أن القياس بطلان الصلاة، وقد وردت صحتها في صورة فيقتصر على ما وردت. ولا يجري (٧) القياس فيما عداها.
_________________
(١) في (ت) فسأل الرسول - ﷺ -.
(٢) أخرج مسلم في المساجد ٥٧٣ واللفظ له، والنسائي في السهو ١٢٢٦ "عن أبي هُرَيْرَةَ قال صلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلاَةَ العَصرِ فَسَلَّمَ فِي رَكعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو اليَدَينِ فَقَالَ أَقُصرَتِ الصَّلاَةُ يَا رَسُولَ اللهِ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: "كُل ذلِكَ لَمْ يَكُن" فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَقْبلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى النَاسِ فَقَالَ:"أَصَدَقَ ذو اليَدَينِ؟ " فَقَالُوا: نَعَم يَا رَسُولَ اللهِ، فَأتَمَّ رَسُولُ الله - ﷺ - مَا بَقِيَ مِنَ الصلاةِ ثُمّ سَجَدَ سَجدَتَينِ وَهُوَ جَالِس بَعْدَ التَّسليِمِ".
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) على.
(٥) في (ر) قول.
(٦) هو أبو عمرو عثمان بن كنانة من فقهاء المدينة أخذ عن مالك، وغلب عليه الرأي، وهو الذي قعد في مجلس مالك بعد وفاته. توفي بمكة سنة ١٨٦ هـ وقيل سنة ١٨٥ هـ ترتيب المدارك ٣/ ٢١.
(٧) في (ر) ويجري.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
وإذا تكلمنا على حديث ذي اليدين فنستوفي ما يتعلق به بحسب هذا المجموع، وذلك أن الرسول - ﷺ - رجع إلى قول المخبرين فأتم. والمصلي إذا أخبره غيره أنه لم يتم فلا يخلو أن يخبره من معه في صلاة (١)، أو من ليس معه في صلاة؛ فإن أخبره من معه في صلاة فلا يخلو من أن يكون موقنا بخلاف ما قاله، أو موقنًا بصحة ما قاله، أو شاكًا. فإن أيقن بخلاف ما قاله المخبر فإنه يرجع إلى يقينه ولا يلتفت إلى يقين المخبر، إلا أن يكثر (٢) المخبرون جدًا حتى يكونوا ممن يقع بهم العلم الضروري (٣). فيعلم حينئذ أن يقينه ليس بصحيح، وإنما ظن أنه أيقن وليس كذلك.
وإن كان موقنًا بصحة ما قاله رجع إليه، وكذلك إن شك. [وهذا إذا] (٤) طرأ له الشك واليقين بصحة ما قالوه بعد أن سلم، وإلا فلو سلم على الشك هل أكمل أم لا، أو على اليقين بأنه لم يكمل، بطلت صلاته. ويحمل رجوع الرسول ﵇ إلى المخبرين في قصة ذي اليدين على أنه شك بعد أن أخبروه، أو أيقن بصحة ما قالوه ولذلك سلم وقال: كل ذلك لم يكن.
وإن كان المخبرون ليسوا معه في صلاة فإن أيقن ببطلان ما قالوه لم يرجع إليه، فإن شك أو أيقن بصحة ما قالوه رجع إلى يقينه لا إلى خبر المخبر. [وهل يرجع إلى الخبر] (٥) فيكون من باب الشهادة، وذلك (٦) إذا لم يتصور له يقين ولا شك؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يرجع إليه لأنه ليس معه في صلاة وإنما يرجع إلى من معه في صلاة لأنهم في حكم المصلي الواحد. والشاذ أنه يرجع إليه لأنه من باب الشهادة. وإذا حكمنا بالرجوع بعد أن سلم من اثنتين، فإن طال الأمر وكثر الفعل بطلت الصلاة
_________________
(١) في (ت) و(ر) الصلاة.
(٢) في (ر) يكون، وفي (م) يكثر قول.
(٣) في (ت) العلم المتواتر والضروري.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) ساقط من (ت) و(ق) و(م).
(٦) في (ر) وكذلك.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
واستأنفها على المشهور. وقيل: لا تبطل وإن طال (١). وإن قرب بني كما ما قدمناه.
(هل يفتقر في البناء إلى تكبيرة الأحرام)
وإذا حكمنا بأنه يبني فهل يفتقر إلى تكبيرة أم لا؟ أما إن كان قريبًا جدًا فلا يفتقر إلى تكبيرة بلا خلاف؛ لأن حكم التكبير الأول منسحب عليه. وإن بعد بعدًا لا يقتضي بطلان الصلاة ففي أفتقاره إلى إحرام جديد قولان: أحدهما: أنه لا يفتقر إليه، لانسحاب حكم الإحرام للصلاة (٢) عليه. والثاني: افتقاره إليه؛ لأن الصلاة تخللها فعل من غير جنسها فضعف حكم انسحاب الإحرام الأول، وصارت كالمستأنفة.
وإذا قلنا إنه يحرم فهل يأتي به قائمًا أو جالسًا؟ في المذهب قولان. والقيام قياس على الإحرام الأول، والجلوس لأنه على تلك الحالة فارق الصلاة فيرجع إليها.
فإذا قلنا إنه يحرم قائمًا فهل يجلس بعد (٣) القيام؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يرجع إلى الجلوس ثم ينهض منه إلى إكمال الصلاة. والثاني: أنه لا يرجع إلى الجلوس، بل يتمادى على القيام. وهذا على الخلاف في الحركات إلى الأركان هل هي مقصودة فيرجع إلى الجلوس حتى ينهض في صلاة، أو غير مقصودة فيتمادى على القيام؟ وما ذكرنا من التقسيم في اليقين (٤) والشك وأصل المذهب والمعول عليه وما يذكر (٥) من القولين في رجوعه إلى العدد اليسير ممن خلفه، فإنما يتصور ذلك مع غلبة الظن.
_________________
(١) في (ق) و(ت) لا تبطل ويبنى وإن طال.
(٢) في (ر) نفي للصلاة
(٣) في (ق) و(ت) بعد ذلك القيام.
(٤) في (ر) واليقين.
(٥) في (ر) نذكره، وفي (ت) وما يذكره.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وإذا التفت إلى أصل المذهب في أن المصلي لا يرجع إلى غلبة الظن وإنما يبني على يقينه، فهذا يرجع مع غلبة الظن إلى يقينه، واليقين أنه لم يكمل، فلا يختلف في ذلك. فالحق أن يقال إن أيقن بالإكمال لم يرجع (١) على التفصيل المتقدم، وإن شك أو غلب (٢) على ظنه الإكمال بني على يقينه ورجع إلى قول المخبر هاهنا. وهو إنما يبني على أن الأصل عنده عدم الإكمال فيكمل.
وإذا طرأ (٣) له الشك بعد أن سلم فهل يسأل من خلفه أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يسأل بل يبني على طرح ما شك فيه والاعتماد على ما يتيقن. والثاني: أنه يسألهم فيستفيد منهم علمًا. وهذا تعويل على سؤال رسول الله - ﷺ - في قصة ذي اليدين وحمل السؤال على حالة الشك.
وإذا قلنا إنه يرجع إلى المخبرين وإن كانوا ليسوا معه في صلاة فهل يكتفي في ذلك بخبر الواحد؟ فيكون بابه باب الإخبار، أولًا بد من مخبرَيْن فأكثر فيكون بابه باب الشهادة؟ في المذهب قولان.
(حكم الزيادة من جنس الصلاة)
ولنرجع (٤) إلى أصل التقسيم ونقول: إن كانت الزيادة فعلًا فلا يخلو من أن تكون من جنس الصلاة أو من غير جنسها؛ فإن كانت من جنس الصلاة-[فإن قَلَّت] (٥) - فلا تبطلها، وهذا كزيادة الركعة في الصلاة الرباعية. وإن كثرت فلا تخلو أن تكون صلاة رباعية أو ثنائية أو ثلاثية. فإن كانت رباعية فزاد فيها مثلها؛ فالمشهور من المذهب بطلان الصلاة بكثرة
_________________
(١) في (ق) لم يكمل.
(٢) في (ر) وغلب.
(٣) في (ق) ظهر.
(٤) في (ت) وترجع.
(٥) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٥٨٠ ]
الأفعال (١) وإلحاقها بأفعال غير مجانسة للصلاة، والشاذ صحة الصلاة. وهذا لأن المحاذرة فعل يشوش نظم الصلاة، وهذا ليس من ذلك القبيل. وإن كانت الزيادة مثل نصفها كمن يصلي الظهر مثلًا ست ركعات، فهاهنا قولان: أحدهما: بطلان الصلاة نظرًا إلى كثرة الزيادة، والثاني: الصحة نظرًا إلى أنه ليس بمشوش، وإنما المزيد يسيرًا بالنسبة إلى عدد الركعات.
وإن كانت الصلاة ثنائية فزاد مثلها كمن يصلي الصبح أربع ركعات؛ فإن قلنا إنه إذا زاد في الرباعية مثلها لا تبطل، فأحرى هاهنا ألا تبطل [فإن قلنا إن تلك تبطل فهاهنا قولان: قيل تبطل كتلك، والثاني: أنها لا تبطل] (٢). وهذا نظرًا إلى قدر المزيد في نفسه، أو بالنسبة (٣) إلى ما زاد عليه. ولو زاد في هذه ركعة ففيها أيضًا قولان: البطلان؛ لأنه زاد مثل نصف الصلاة. والثاني: أنها لا تبطل؛ لأن الزيادة يسيرة في نفسها.
وهل تكون الثلاثية كالرباعية أو كالثنائية؟ في المذهب قولان. فإن حكمنا في جميع هذه المسائل بصحة الصلاة فيكون عليه السجود بعد السلام؛ لأنها زيادة، وكل هذا إذا زاد سهوًا، أما لو كانت الزيادة عمدًا بطلت الصلاة ولو زاد مثلًا سجدة واحدة. وإن كانت جهلًا جرى على الخلاف في حكم الجاهل هل يلحق بالعامد أو بالناسي؟
وإن كانت من غير جنس الصلاة وفعلت عمدًا، فقد قدمنا حكم الفعل في الصلاة إذا قصد إليه. وإن فعلت سهوًا فقد قدمنا أيضًا أنها إن كثرت بطلت، وإن قلَّت أجزى عنها سجود السهو، وفي كتاب الصلاة الأول أنه إذا سلم من اثنتين فأكل أو شرب بطلت صلاته (٤)، وفي هذا الكتاب إذا أكل في الصلاة أو شرب أن صلاته صحيحة ويجزيه سجود السهو (٥).
_________________
(١) في (ق) الزيادة.
(٢) ساقط من (ق).
(٣) في (ت) في نفسه لا قدره بالنسبة.
(٤) المدونة: ١/ ١٠٥.
(٥) المدونة: ١/ ١٣٥.
[ ٢ / ٥٨١ ]
وقد اختلف الأشياخ هل هذا اختلاف قول أو بين المسألتين فرق؟ وإذا قلنا بالفرق فهاهنا طريقان: أحدهما: أن ما في الكتاب الأول حصل بعد السلام من الصلاة وكثر الفعل، وما في هذا الكتاب انفرد الأكل أو الشرب فقل (١)، والثاني (٢): أن ما في [الكتاب] (٣) الأول فعل كثير لأنه جمع بين الأكل والشرب [والسلام، وفي الكتاب الثاني إنما فعل أحدهما: فصار يسيرًا، وبالجملة إن المسألة محل الإشكال] (٤).
فصل (السهو بالنقصان)
وإن كان السهو بنقصان فلا يخلو من أن يكون نقص فريضة، أو سنة، أو فضيلة، أو هيئة. فإن نقص فريضة لم ينسب عنها إلا الإتيان بها، فإن فاته محلها من الركعة بطلت الركعة. وقد قدمنا حكم من نقص تكبيرة الأحرام أو أخل بأم القرآن. وإن أخل بالركوع أو السجود فإنه يتلافى ما أخل به، فإن لم يفعل بطلت الركعة التي أخل بذاك فيها.
ومتى يتلافى؟ [فإنه يلافي] (٥) ما لم يعقد الركعة (٦) التي بعد هذه التي أسقط منها. وما (٧) عقدها؟ فيه قولان: أحدهما: وضع اليدين على الركبتين. والثاني: رفع الرأس منها. وقد تقدم.
وإن أخل بالركوع مثلًا من ركعة، والسجود من الركعة التي بعدها،
_________________
(١) ساقط من (ت)، وفي (ر) فعل يسير.
(٢) في (ت) والثاني من الطرق ما في الكتاب الأول فعل كثير.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) ساقط من ر، وفي (ق) و(م): وما في الثاني فعل يسير لأنه فعل أحدهما.
(٥) ساقط من (ق).
(٦) في (ق) و(ت) الركعة الثانية التي.
(٧) في (ر) ومتى.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
فهل يجزيه ركوعه للثانية عن الركوع للأولى (١)؟ لا شك أنه لا يجزيه؛ لأنه أخلَّ بالترتيب. وإن أخل بالسجود من الأولى والركوع من الثانية فهل يجزيه سجود الثانية عن سجود [الاولى]؟ (٢) المنصوص أنه لا يجزيه. ووقع لمحمد بن مسلمة فيمن نسي السجود من الرابعة (٣) وسجد للسهو أن ذلك [السجود] (٤) يجزيه عما أخل به من سجود الركعة. فأخذ من هذا أبو الحسن اللخمي أن السجود للركعة الثانية ينوب عن السجود للركعة الأولى (٥). ورأيت من فرَّق بينهما [من الأشياخ] (٦) وقال إن سجود السهو لم يقصد به (٧) ركعة بعينها فيجزيه وإن كان ليس بفرض، بخلاف ما قصد به ركعة بعينها. [[وهذا القول غير صحيح.
[فصل] (٨).
وفي المذهب قولان في الإمام والفذ يخلان بركن من الأولى أو من الثانية حتى يفوتهما (٩) تلافيه فحجب عليهما قضاء تلك الركعة، هل يقضونها (١٠) بأم القرآن وسورة أو بأم القرآن خاصة؟ فقد قصدوا إلى أن تكون الركعة أولى [أو] (١١) ثانية فعادت على قول أخيرة فكذلك يكون حكم
_________________
(١) في (ر) و(ت) الأول.
(٢) ساقط من (ر) وفي (ق) و(ت) الأول.
(٣) في (ت) الرباعية.
(٤) ساقط من (ق) وفي (ر) سجود.
(٥) التبصرة ص: ١١٢.
(٦) ساقط من (ق) و(ر).
(٧) في (ر) و(ت) بها.
(٨) ساقط من (ر) و(م).
(٩) في (ر) و(ت) يفوتهم.
(١٠) في (ر) يقرؤون فيها.
(١١) ساقط من (م) و(ت).
[ ٢ / ٥٨٣ ]
السجود. [وإن قصد به ركعة بعينها]] (١) ينوب مناب ما أخل به] (٢) من الفروض في الركعة التي قبلها (٣).
وفي المذهب أيضًا قولان فيمن ظن أنه قد أكمل صلاته فأتى بركعتين نافلة، [ثم ذكر أنه لم يصل الفريضة] (٤) إلا ركعتين، فقيل: تجزيه هاتان الركعتان عما بقي عليه من صلاته، وقيل: لا تجزيه. وكذلك لو تعمد أن يأتي بركعتين نافلتين، وقد علم أنه قد أخل بركعتين من الفريضة، فقيل: حكم النية منسحب (٥) في جميع هذا، فيجزيه عن الفريضة. وقيل: لا يجزيه؛ لأن النية إنما تنسحب ما لم يأت بنقيضها، [وإلا إذا أتى بنقيضها] (٦) بطل حكم الانسحاب (٧).
فصل (الشك في النقصان حكمه كحكم تيقن وقوعه)
وحكم الشك في النقصان كحكم تيقن وقوعه. فإذا شك هل أخل بركن وجب عليه الإتيان به، كما يجب على من تيقن أنه أخل به. وهذا إذا لم يكن موسوسًا. وأما الموسوس فإنه يبني على أول خاطر به، كما سبق في الشك في الحدث وغيره. ولو ذكر في الركعة الرابعة أنه أخل بسجدة، أو شك هل أخل بها، ولم يدر محلها. هاهنا قولان: أحدهما: أنه يأتي بسجدة لئلا تكون من هذه الركعة، ثم يأتي بركعة لئلا تكون من ركعة غيرها. والثاني: أنه يأتي بركعة خاصة تجزيه عما أخل به كيف تقدر أمره.
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) خرم في (ت).
(٣) كذا في جميع النسخ.
(٤) في (ق) و(ت) وقد علم أنه قد أخل بركعتين من الفريضة.
(٥) في (ر) مستحب.
(٦) ساقط من (ر) و(ت).
(٧) في (ر) الاستحباب.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
وسبب الخلاف تقابل المكروهين: أحدهما: التفرقة بين أجزاء الركعة، والثاني: الزيادة في الصلاة. فمن راعى حكم التفرقة قال: يأتي بسجدة، ومن راعى حكم الزيادة قال تسقط السجدة ويأتي بركعة خاصة.
ولو سلم من الصلاة ثم ذكر سجدة من الركعة الآخرة فهل يكون السلام حائلًا بينه وبين التلاقي؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه حائل (١) فيقوم فيأتي بركعة، والثاني: أنه لا يكون حائلًا فيأتي بسجدة وتجزيه. فمن التفت إلى كونه ركنا قائمًا بنفسه عدَّه حائلًا، ومن التفت إلى كونه قصيرًا لم يعده حائلًا.
هذا حكم الإخلال بالأركان على الجملة، وبقي منها حكم الإخلال بالسلام. ومتى أخلَّ به ولم يطل الأمر سلم وأجزأه، وإن طال فقد قدمنا القولين هل تبطل الصلاة؟ وهو المشهور، أو لا تبطل؟ وهو الشاذ.
فصل (حكم من أخل بالسنن)
وإن أخلَّ بالسنن فإن كان عامدًا ففي بطلان صلاته قولان، وقد تقدما. وإن قلنا بالصحة فهل يسجد؟ قولان: المشهور أنه لا يسجد؛ لأن السجود إنما ورد في السهو. والشاذ أنه يسجد؛ لأنه إذا سجد للسهو ولا أثر له فيه فأحرى أن يتلافى في العمد بالسجود.
وإن أخلَّ بها سهوًا فإن كانت فعلًا فلا خلاف في أنه مأمور بالسجود، وإن كانت قولًا فقولان: المشهور أنه مأمور بالسجود كالفعل، والشاذ أنه لا سجود عليه. فمن استعمل القياس أمر بالسجود، ومن لم يستعمله رأى أن السجود إنما ورد في نقص الفعل دون القول (٢). فإن قلنا بالسجود فأين
_________________
(١) في (ق) أنه يكون حائلًا.
(٢) في (ق) إنما هو في الفعل دون القول.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
محله؟ قولان: أنه قبل السلام كنقص (١) الأفعال. والشاذ أنه بعده لضعف الأمر به فأخَّر لئلا تكون الزيادة في الصلاة. وهذا ما لم تقل الأقوال، فإن قلت كالتكبير ونحوها ففي الأمر بالسجود قولان: المشهور نفيه ليسارة المتروك، والشاذ إثباته حكمًا له بإلحاقه بالسنن في الحكم. ولا شك على ما قدمناه أن من سها عن الجلسة الوسطى سجد قبل السلام لاشتماله على أقوال وأفعال.
ومتى يحصل تاركًا له؟ أَما إن نسي فنهض، فإن لم يفارق الأرض فإنه يعود إليه ولا سجود على المشهور، وقيل يسجد. وهذا بناء على الأمر بالسجود وإن قلَّ الفعل.
وإن استقلى قائمًا فلا خلاف في المذهب أنه لا يعود إلى الجلوس. وقد تقرر السجود في ذمته.
وإن كان بين الجلوس والقيام فهل يرجع إلى الجلوس أو يتمادى [على القيام] (٢)؟ قولان: أحدهما: أنه يرجع لسبق (٣) الجلوس ولم يحصَّل رتبة الفريضة وهي القيام (٤) والثاني: أنه يتمادى إلى القيام؛ لأنه فرض وقد (٥) أخذ في الحركة إليه.
فإن رجع بعد القيام فلا يخلو رجوعه من ثلاثة أقسام: إما أن يكون عامدًا ففي بطلان صلاته قولان: أحدهما: [أنها] (٦) لا تبطل صلاته، وهذا مراعاة لقوله من يقول إنه يرجع. والثاني: الحكم بالبطلان؛ لأنه وجب عليه التمادي على (٧) القيام ورجع إلى الجلوس وقد فات محله، [فكأنه زاد في
_________________
(١) في (ر) كبعض.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ت) سنة، وفي (ر) لسبب.
(٤) في (ر) إذا لم يحصل في رتبة.
(٥) في (ر) وهو.
(٦) في (ر) أنه يرجع.
(٧) في (ر) إلى.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
صلاته متعمدًا. وإن رجع سهوًا فلا تبطل صلاته بلا خلاف] (١). فإن رجع جهلًا، يجري (٢) على الخلاف في حكم الجاهل هل هو كالناسي أو كالعامد؟ (٣). ويتصور السهو هاهنا بأن يذهل عن حقيقة الأمر أو يظن أنه قام من الجلسة الآخرة.
[فإذا رجع] (٤) وحكمنا بصحة صلاته فمتى يكون سجوده؟ قولان: أحدهما: يسجد قبل السلام؛ لأن الجلوس فات محله ورجوعه لا يتلافاه، فهي زيادة محضة. والثاني (٥) أنه بعد السلام، وهذا بناء على أن الجلوس الذي عاد إليه يسد مسد الأولى (٦).
وإن أخل بالفضائل أو الهيأة فلا سجود عليه، وتجزيه الصلاة لضعف أمر المتروك.
(قاعدة المذهب في الزيادة والنقصان)
هذا حكم السهو في الزيادة والنقصان، وقاعدة المذهب أن السجود للزيادة بعد السلام والنقصان قبله، إلا ما قدمناه في ترك الأقوال. وفي المجموعة (٧) لمالك ﵀ ما يشير إلى أن هذه التراتيب ليست بمتعينة، بل يجوز أن تخالف فيؤتي بالجميع قبل السلام أو بعد السلام. والأصل المعول عليه في المشهور أن الرسول - ﷺ - في حديث ذي اليدين سجد بعد السلام، وقد زاد خامسة فسجد أيضًا بعد السلام (٨). وقد قام أيضًا من اثنتين
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) فيتخرج.
(٣) ساقط من (ر) أو كالعامد فإن رجع سهوًا صحت صلاته.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ق) زيادة ونقصان والثاني.
(٦) في (ق) الأول وهي زيادة محضة.
(٧) سبق الحديث عن هذا الكتاب في الدراسة.
(٨) أخرجه البخاري في الصلاة ٤٠٤ واللفظ له، ومسلم في المساجد ٥٧٢ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:"صَلِّى النَّبيُّ - ﷺ - الظُّهْرَ خَمسًا فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: "وَماَ ذَاكَ؟ " قَالُوا صَلَّيْتَ خَمسًا فَثَنَى رجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ".
[ ٢ / ٥٨٧ ]
فسجد قبل السلام. وهذا كالنقص بمقتضى المشهور. وأيضًا فإن النقص ينبغي أن يؤتى بعوضه في نفس الصلاة ليسد مسده، والزيادة لم تؤثر في الصلاة تأثيرًا يجب (١) تلافيه إلا بالاستغفار أو ما يرغم الشيطان، فكان السجود لذلك (٢) بعد السلام.
(حكم اجتماع النقص والزيادة)
فإن اجتمع النقص والزيادة غُلِّب المتأكَّد منهما، وهو النقص، فيسجد قبل السلام. وإنما أخر سجود السهو ولم يؤت به عقيب سببه لإمكان أن يتكرر السهو، فيكفي عن جميعه سجدتان. وهذا في سجود النقص، وأما في سجود الزيادة فمحله بعد الصلاة، فمن ضرورته التأخير.
فصل (هل يتشهد ويحرم لسجود السهو)
وهل يتشهد لسجود السهو؟ أما اللتان بعد السلام فلا خلاف أنه يتشهد لهما لأنهما مستقلتان بنفسهما، وأما اللتان قبل السلام ففي التشهد لهما قولان: أحدهما: الأمر به، إذ المشروع أن السلام لا يكون عقيب السجود (٣). والثاني: نفيه، إذ لا يكون تشهدان في جلوس واحد.
وهل يحرم لهما؟ أما اللتان قبل السلام فحكم الصلاة منسحب عليهما فلا يحرم لهما وإنما يكبر للخفض وللرفع. لكن إذا نسي إيقاعهما قبل السلام فذكر بعد السلام من غير طول فلا يحرم لهما. وإن طال طولا لا يفسد الصلاة جرى على حكم الإحرام على ما قدمناه في الرجوع إلى إكمال الصلاة. وأما اللتان بعد السلام ففي الإحرام لهما قولان: أحدهما: أنه لا
_________________
(١) في (ت) بحيث.
(٢) في (ر) له.
(٣) في (ق) عقيب سجود، وفي (ر) إلا عقيب التشهد.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
يحرم قياسًا على سجود التلاوة، والثاني: أنه يحرم لأن السلام فيهما مشروع عنده. وإذا ثبت الأمر بالسلام منهما وجب أن يؤمر بالإحرام.
وكيف صورة السلام؟ فيه قولان: أحدهما: أنه كالسلام من الصلاة في السر والجهر، والثاني: أن المشروع في ذلك السر. فمن قاسها على الصلاة قال بالأول، ومن قاسها على صلاة الجنازة أيضًا قال بالثاني. والجامع [بينهما] (١) أن كل واحد منهما جزء من الصلاة [قال ينبني] (٢) على أنه [قد] (٣) اختلف في صلاة الجنازة أيضًا هل المشروع الإسرار بالسلام (٤)، أو يكون كالسلام من الصلاة؟ والرجوع في ذلك إلى الإتباع.
فإن قدم اللتين بعد السلام فسجدهما قبل السلام فهل تبطل صلاته؟ أما إن كان ناسيًا فلا تبطل (٥)، وإن كان عامدًا ففي ذلك قولان. وهما على مراعاة الخلاف. فمن راعى الخلاف نفى البطلان، ومن لم يراع أثبته.
وإن أخر اللتين قبل السلام فسجدهما بعد السلام؛ فإن كان ناسيًا صحت صلاته، وإن كان عامدًا أجري على القولين في الإبطال والصحة. وهذا الموضع أولى بالصحة.
(حكم من نسي أن يسجد لسجود السهو)
ولو نسي أن يسجد سجود السهو فلم يسجده حتى طال الأمر؛ فأما اللتان بعد السلام فيسجدهما متى ما ذكر، وأما اللتان قبله فهل تبطل الصلاة
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) كذا في (ر)، وفي (ق) و(م) و(ت) قال يسر.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) بالصلاة.
(٥) قارن كلام الفقهاء مع ما يروى عن الفراء اللغوي ت:٢٠٧. لما سأله محمد بن الحسن عن رجل سها في سجدتي السهو، فقال: لا شيء عليه، قال: ولم قال: لأن أصحابنا قالوا: المصغر لا يصغر، فقال: ما رأيت أن امرأة تلد مثلك. البداية والنهاية ١٠/ ٢٦١.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
لتركها متى طال (١) الأمر؟ في المذهب خمسة أقوال: أحدها: أنها تبطل، وهو المشهور. والثاني: أنها لا تبطل، وهو الشاذ. والثالث: أنها تبطل إن كان السجود واجبًا عن نقص فعل، ولا تبطل إن كان عن نقص قول. والرابع: أنها تبطل لنقص الجلوس الأوسط وأم القرآن من ركعة واحدة، ولا تبطل إن كان من نقص غير ذلك. والخامس: أنها تبطل إن كان النقص في القول أو في الفعل، إلا أن تكون التكبيرتان وما في معناهما من قول: "سمع الله لمن حمده".
فأما القولان بالبطلان ونفيه فبناء على أن السجود واجب لأن الرسول - ﷺ - أمر به فتبطل الصلاة لتركه. أو على أنه ليس بواجب لأنه بدل على غير واجب فلا تبطل الصلاة لتركه. وهذاالذي قلناه من كون المبدل (٢) غير واجب هو أصل المذهب وقاعدته. وانفرد أبو الوليد الباجي فرأى أن القول بالبطلان يقتضي أن المبدل عنه واجب، ورأى أن الصلاة على ثلاثة أضرب؛ منها إن كان لا يجزيه عنها إلا الإتيان بها ونفي ما قدمنا من الفروض. ومنها واجبات ينوب عنها السجود، وهذه التي عددناها آنفًا. ومنها فضائل هيئة لا تجبر. وهذا قياس على الحج فإنه على هذه الثلاثة الأقسام.
وأما الأقوال الأخيرة فمبناها على تأكيد المتروك وعدم تأكده، فتأكد عند قوم لكونه فعلًا، وعند قوم لهذا أو بالخلاف في فرضيته كأم القرآن (٣) في ركعة، وعند قوم بهاذين (٤)، وبكثرة الأقوال.
(حكم من ذكر سجود السهو من صلاة وهو في صلاة ثانية)
ومن (٥) ذكر سجود السهو من صلاة وهو في صلاة ثانية؛ فإن كان من
_________________
(١) في (ق) حتى يطول الأمر.
(٢) في (ق) البدل.
(٣) في (ت) أو بالخلاف في فريضة أم القرآن.
(٤) في (ق) بهذا.
(٥) في (ق) و(ت) ومتى.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
زيادة تمادى على صلاته فإذا انتهى سجدهما. فإن كانتا من نقص يجري حكم بطلان هذه الصلاة التي هو فيها والرجوع إلى الأول على ما قدمناه من الخلاف في بطلان الصلاة بترك السجدتين اللتين من النقص. وقد استوفينا حكم السهو في الزيادة والنقصان على قدر هذا المجموع. وقد شذَّت مسائل ونحن نستوفيها فنتبع مسائل الكتاب.
فصل (فيمن شك في صلاته ولم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا)
ومن شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا أم أربعًا، فلا يخلو من أن يكون شكه موسوسًا أو سالم الخاطر؛ فإن كان موسوسًا بني على أول خاطريه، فإن سبق إلى نفسه أنه أكمل بني على ذلك، فإن سبق إلى نفسه أنه لم يكمل أتى بما شك فيه، وهذا لأنه في الخاطر الأول مساو (١) للعقلاء وفيما بعد ذلك مخالف لهم. والتزامه البناء على اليقين مع كثرة وساوسه، قد يؤدي إلى الحرج وقد لا يحصل له يقين. فإذا سبق إلى نفسه الإكمال فبنى عليه فهل يسجد أم لا؟ قولان: قيل لا سجود عليه، لأنه سقط عند البناء على اليقين للحرج فسقوط السجود بالحرج أولى. وقيل عليه السجود إذ لا مشقة عليه في سجدتين.
ومتى يسجد إن أمرناه [بالسجود؟] (٢) قولان: أحدهما: أنه يسجد قبل السلام لأنه سجود (٣) للنقص. والثاني: بعد لأن هذا النقص (٤) مطرح، وإنما السجدتان ترغيمًا للشيطان.
وإن كان سالم الخاطر فلا خلاف عندنا أنه يطرح المشكوك فيه ويبني على حصول المتيقن. فإذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فاليقين إنما حصل
_________________
(١) في (ر) و(ت) متساويًا.
(٢) ساقط من (ر) و(ق).
(٣) في (ت) مجوز.
(٤) في (ق) السجود.
[ ٢ / ٥٩١ ]
بالثلاث والرابعة لا يقين بها، فعليه أن يأتي بها. ومتى يكون سجوده؟ المشهور أنه بعد السلام لأنه بين أمرين، إما عدم الزيادة، وإما وجودها. ولا نقص بوجه. والشاذ أنه قبل السلام، وهذا لما روي في الحديث أنه - ﷺ - قال في مثل هذا:"أن يسجد سجدتين قبل أن يسلم" (١)، وقد تأول ذلك على أنه أشار إلى سجود الصلاة، أو على أنه أشار إلى السلام من السجدتين. والتأويلان بعيدان، ولا معنى لتخصيص الأمر بسجود الصلاة، لأن ذلك معلوم من الشريعة (٢).والسجود لا يكون إلا قبل السلام منه فلا معنى لهذا التأويل إلا على بعد ولسنا له. ويحتمل أن يقال هذا نقص معنوي في حال المصلي فقدر كنقص للفعل أو القول، فكان السجود فيه قبل السلام.
(عدم وجوب اتباع الإمام إذا قام للركعة الخامسة)
وإذا قام إلى الخامسة (٣) فإنه يرجع متى ذكر بلا خلاف ويسجد بعد السلام عندنا. وإن كان إمامًا فاختلف حال المقتدين به، فجلس قوم ولم يتبعوه، واتبعه آخرون لكن منهم من اتبعه سهوًا، ومنهم من اتبعه عمدًا. أما من جلس فصلاته صحيحة وكذلك من اتبعه سهوًا وأما من اتبعه عمدًا فإن علم أنه لا يجوز له اتباعه بطلت صلاته. فإن جهل فظن أنه يلزمه اتباعه ففي بطلان صلاته قولان. وهما على الخلاف في الجاهل هل هو كالعامد أو كالناسي؟
ولو قال الإمام إنما قمت لأني نسيت من إحدى الركعات الأولى سجدة مثلًا؛ فأما من جلس فلا يخلو من أن يوقن بصحة صلاتهم وصلاة إمامهم، وما قال من (٤) إسقاط السجدة باطل، أو يوقنوا بصحة صلاتهم دون صلاة إمامهم، أو يشكوا؛ فإن أيقنوا بصحة صلاتهم وصلاة إمامهم لم
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الصلاة ١٠٢٨،والبيهقي في سننه الكبرى واللفظ له ٢/ ٣٣٩.
(٢) في (ر) من الشريعة في السجدتين، وأما التأويلان بعيدان.
(٣) في (ت) و(ق) قام الإنسان إلى خامسة.
(٤) في (ت) وإن من قال وفي (م) وإن ما قال من إسقاط.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
يلزمهم اتباعه وكانت صلاتهم صحيحة. فإن (١) كانوا ممن يقع بخبرهم العلم الضروري وجب على الإمام اتباعهم، ويرجع إليهم ولا يعول على يقينه. وإن كان عنده أنه أيقن بإسقاط السجدة، فإن يقينه هاهنا محال. وإن كان من لايقع العلم بخبرهم بني على ما تيقنه على ما قدمناه.
وإن أيقنوا بصحة صلاتهم دون صلاة إمامهم فهل يلزمهم اتباعه فيما يقضيه ويكون ما أتوا به من السعير مغن عنهم؟ في المذهب قولان: أحدهما: اكتفاؤهم بصحة صلاتهم لأنهم إنما يلزمهم الاقتداء ما دام مكملًا لصلاتهم، فإن أخلَّ وأكملوا اقتدوا (٢) بأنفسهم. والثاني: أن جميعهم في حكم المصلي الواحد وهم تبع لإمامهم؛ فإذا أخلَّ تعدى الإخلال إليهم. وإن شكوا في صلاتهم وصلاة إمامهم لزمهم اتباعه ثم النظر في بطلان صلاتهم وصحتها فكل موضع لا يلزم فيه اتباع الإمام تصح فيه صلاتهم، وكل موضع يلزمهم فيه اتباعه فالمنصوص أنه لا تصح صلاتهم. وقال أبو الحسن اللخمي: تصح صلاتهم لأنهم معذورون في ترك الإتباع (٣). وقد يجري الخلاف في هذه المسألة على ما قدمناه (٤) في حكم المتبعين (٥) في الخامسة على جهة التأويل هل تصح [صلاتهم] (٦) أم لا؟
وأما من اتبعه عمدًا، فإن علم بإسقاطه واتبعه على ذلك فلا شك في صحة صلاته. ومتى لم يعلم بإسقاطه [واتبعه على ذلك، فإن شك] (٧) أو قصد إلى العمد في الاتباع فيجري على الخلاف فيمن تعمد زيادة في صلاته فانكشف وجوب تلك الزيادة عليه لإخلاله بشيء مما تقدم، وفي ذلك قولان.
_________________
(١) في (ر) إن.
(٢) في (ت) اعتدوا.
(٣) التبصرة ص:١١٣.
(٤) في (ت) على ثلاثة أوجه في حكم المتبعين في الخامسة.
(٥) في (ق) وحكم المقتدين.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) ساقط من (ق) و(ت).
[ ٢ / ٥٩٣ ]
أما من اتبعه سهوًا فتصح صلاته، وهل يلزمه قضاء ركعة متى لزمه حكم ما أسقطه الإمام من السجود؟ في ذلك قولان: أحدهما: أن هذه الركعة التى اتبع فيها الإمام سهوًا تنوب له عما يلزمه من القضاء. والثاني: أنه لا تنوب له. وهو على الخلاف فيمن ظن أنه أكمل فأتى بركعتين نافلتين، فذكر أيضًا أنه إنما صلى ركعتين في نيابة هذه النافلة عما وجب عليه، قولان وقد تقدما.
وإذا وجب على الإمام الإتيان بهذه الخامسة لأنه أسقط سجودها (١) كما قال، وكان من المقتدين مسبوق فاتبعه، هل تنوب له عن ركعة مما سبق به؟ قولان: أحدهما: أنه لا تنوب، فهذا بناء على أن الإمام في هذه (٢) الركعة قاض. والثاني: أنه تنوب له، وهذا بناء على أنه يكون بانيًا فهي آخر صلاته، فتجزي المسبوق لأنه واجب عليه الاقتداء به فيها.
فصل (صفة العود إلى تلافي الركوع والسجود إذا نسيهما)
وقد قدمنا حكم من نسي الركوع والسجود، ومتى يعود إلى تلافيهما، ومتى لا يعود. نذكر هاهنا صفة عوده. فإن نسي الركوع فهل يعود إلى القيام، أو يعود إلى حال الركوع؟ في المذهب قولان. وهما على الخلاف في الحركات إلى الأركان هل هي مقصودة فيعود إلى القيام حتى يركع منه، أو غير مقصودة فيعود إلى حال الركوع؟
ولو نسي السجود فأين يعود؟ في المذهب قولان: قيل إلى القيام حتى ينحط منه إلى السجود كما كان يفعل لو لم ينسه، وقيل إلى حالة السجود. وهما على ما قدمناه من الخلاف في الحركة إلى الأركان هل هي مقصودة
_________________
(١) في (ق) و(ت) سجدة.
(٢) في (ق) إلا ما يكون في هذه المسألة قاضيًا.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
أم لا؟ ومن هذا القبيل أن ينسى السجدة الثانية فهل يعود إلى الجلوس حتى ينحط (١) منه إلى السجود؟ قولان. وهما على ما تقدم.
وإذا قلنا في ناسي الركوع إنه يرجع إلى القيام، فهل يؤمر بالقراءة؟ لا خلاف أنه لا يؤمر بها على جهة الوجوب لأنه قد أكملها. وهل يستحب له؟ في المذهب قولان: الاستحباب، وهذا يتخرج من الخلاف بأن يأتي بالركعة من أولها. ونفي الاستحباب لما قلناه من تقدم القراءة.
فصل (فيمن نسي التشهد الآخر)
وقد تقدم أن التشهد الآخر سنة، وهذا هو المعروف من المذهب. وفي المبسوط: من تركه حتى انتقض وضوءه بطلت صلاته. ولم يفصل هل تركه ساهيًا أو عامدًا. فإن كان مراده العامد، فهو على أحد القولين فيمن ترك السنن عامدًا هل تبطل صلاته أم لا؟ فإن حملناه (٢) على إطلاقه فهو قول ثان في أن التشهد الآخر فرض، وإذا قلنا إنه سنة فهل يسجد تاركه؟ قولان. وهما على ما قدمناه في ترك الأقوال. لكن هذا إنما يؤمر بالسجود إذا أسقطه جملة، وأما لو أتى باليسير من الذكر لم يلزمه السجود. وإذا قلنا إنه فرض فإنه يعود إليه.
وهل يعود بتكبير؟ (٣) يجري على ما تقدم في العودة إلى إصلاح الفرض (٤). وهل تبطل صلاته مع الطول؟ يجري على ما قدمناه من القولين. ولو نسي السلام لكان الحكم في الرجوع إليه على ما قدمناه في الرجوع إلى إصلاح الصلاة من لزوم الإحرام وعدمه.
_________________
(١) في (ق) حتى ينهض.
(٢) في (ت) من ترك السنن متعمدًا أنها تبطل صلاته وإن حملنا على إطلاقه.
(٣) في (ر) فهل يكبر.
(٤) في (ق) الفروض.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وهل يحرم (١) قائمًا أم لا؟ وهل يعود (٢) مع الطول أم لا؟
فصل (حمل الإمام لسهو المأموم)
ولا خلاف أن الإمام يحمل سهو المأموم، ولهذا يلزمه (٣) حكم سهو الإمام ولو لم يسه معه أو لم يحضر سهوه بأن يكون مسبوقًا.
والمسبوق يسجد سجود إمامه إن كان قبل السلام، وأما إن كان بعد السلام فلا يسجد معه. وخيَّره مالك في المدونة أن يجلس حتى يسلم إمامه من سجدتي السهو، أو يقوم عند سلامه من الصلاة. واستحب ابن القاسم أن يقوم، لأن الصلاة قد انقضت بسلامه منها (٤).
وإذا سجد معه [لأن السجود] (٥) قبل السلام، ثم سها المأموم فيما يقضيه فهل يلزمه السجود لسهوه أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يلزمه فيما يقضيه لأنه تنسحب عليه أحكام الإمام، والثاني: أن يسجد لأنه منفرد. ولعلَّ هذا يجري على الخلاف فيما يأتي به هل يكون فيه قاضيًا فيكون حكم الإمام منسحبا عليه، أو بانيا فيكون كالمنفرد؟ وإذا كانت سجدتا الإمام بعد السلام ولم يسجدهما معه ثم سها المأموم سهوًا بزيادة، فإن سجدتين تجزيان عنه. وإن سها بنقص فالمنصوص من المذهب أنه يسجد بعد السلام تغليبا لحكم الإمام. وإذا قلنا إن له حكم المنفرد فيما يقضيه وجب عليه أن يسجد قبل، لأنه قد اجتمع عليه زيادة وهي ما لزمه من حكم الإمام، ونقص وهو ما طرأ له في نفسه.
_________________
(١) في (ت) وهل يرجع.
(٢) في (ر) وهل تبطل.
(٣) في (ق) ولهذا يلزم المأموم حكم، وفي (م) ولهذا يلزم المأموم في حكم.
(٤) المدونة:١/ ١٣٩.
(٥) ساقط من (م).
[ ٢ / ٥٩٦ ]
فصل (حكم من لم يذكر السجود القبلي حتى دخل في صلاة أخرى)
وقد تقدم حكم من ترك السجود قبل السلام فلم يذكر حتى دخل في صلاة [أخرى] (١)، فإن ذلك يجري على الخلاف فيمن ترك السجود [قبل] (٢) هل تبطل صلاته أم لا؟ وإذا قلنا الإبطال كان بمنزلة من ذكر [صلاة في صلاة. وإذا قلنا بعدم الإبطال كان بمنزلة من ذكر] (٣) بعض الصلاة وهو متلبس بصلاة أخرى. وإذا كان كذلك فلا يخلو أن تكون الصلاتان فرضًا أو نفلًا، أو إحداهما نفلًا والأخرى فرضًا. فإن كانتا جميعًا فرضًا، فإن لم يطل في الثانية رجع إلى إصلاح الأولى. ومأخذ الطول في ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه يعتبر بما يعد طولًا، فإن أطال القراءة بطلت الأولى. والثاني: أنه معتبر بعقد الركعة من الصلاة الثانية. وأما عقد الركعة يجري على القولين المتقدمين. والثالث: أنه يرجع وإن عقد ركعة وأتمها إذا اختصرها، وهذا كله يرجع إلى القول الأول. والرابع (٤): أنه يعود إلى إصلاح الصلاة الأولى ولو عقد ثلاث ركعات مثلًا. وهذا القول الآخر- بناء على ما قدمناه من الطول- لا يمنع من إصلاح الصلاة التي أخلَّ منها بشيء. والثلاثة المتقدمة متقاربة المعنى، وإنما مقصودها أنه إذا طال لم يرجع إلى الأولى لبطلانها. فهل (٥) يبتدئ بها [أم لا؟ يجري على ما تقدم في ذاكر صلاة في صلاة] (٦). وإن لم يطل بني على ما تقدم له منها. واختلفوا في مقدار الطول كما قدمنا.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ق) و(ت).
(٣) ساقط من (ق) و(ت).
(٤) في (ت) كأنه يرجع إلى القول الأول والرابع، وفي (ق) كأنه يرجع إلى القولين الأولين والقول الرابع.
(٥) في (ت) و(ق) بل يبتدىء.
(٦) ساقط من (ق) و(ت).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
وإن ذكر ذلك من نافلة وهو في نافلة؟ فإن طال تمادى على نافلته، وإن لم يطل فهل يرجع إلى الأولى أو يتمادى على هذه؟ قولان: أحدهما: أنه يرجع لوجوب الأولى بالدخول فيها وهي كالفرض. والثاني: أنه لا يرجع لأن هذه الثانية تنوب عنها.
وإن ذكر ذلك من فرض وهو في نافلة؟ فقولان منصوصان: أحدهما: أنه بالإحرام للنافلة بطلت الأولى. والثاني: عكسه، وأنه يرجع إلى إصلاح الأولى ولو صلى ست ركعات مثلًا، فرأى في الأول أن النافلة مضادة للفريضة، وأذا أحرم فيها بطلت الفريضة. ورأى في القول الثاني أنه يرجع إلى إصلاح الفريضة وإن طال وبنى على القول الشاذ.
وإن ذكر ذلك من نافلة وهو في فريضة؛ فإن كان بعد أن طال تمادى على فريضته وقد بطلت النافلة، وإن كان لم يطل فهل يرجع إلى النافلة؟ قولان: أحدهما: أنه يرجع للزومها بالدخول فيها، والثاني: أنه يتمادى على فريضته لتأكيدها بالفرضية. وقد قدمنا فيمن صلى النافلة أربعًا هل يكون سجوده قبل السلام أو بعده؟ وكذلك الخلاف أيضًا فيمن صلاها خامسة. فمن نظر إلى أنه نقص السلام من الركعتين أو الجلوس إذا لم يأت به جعله قبل. ومن عوَّل على مذهب نفسه ورأى أن كل ما أتى به بعد الركعتين زيادة قال: يسجد بعد السلام.
وقد استوفينا كثيرًا من أحكام السهو ولا يشذ عنه إلا نوادر الصور. ومن حقق الأصول التي قدمنا لم يشذ عنه شيء من هذا الباب.
باب في أحكام الاستخلاف
وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه "ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فتقدم أبو بكر ﵁ وصلى بالناس، فوصل النبيﷺوهو في الصلاة، وتأخر أبو بكر، وأشار إليه النبيﷺ- أن أثبت مكانك، فلم يثبت"
[ ٢ / ٥٩٨ ]
الحديث كما ورد (١). وجعل هذا أصلًا في أن الإمام له أن يستخلف إذا طرأ عليه ما يمنعه الإتمام. وهذا من خصائص الرسول - ﷺ - إذ له من الفضل ما لا نسبة بينه وبين أبي بكر ﵁. فكان التقدم (٢) بين يديه لا يصح، فصار أبو بكر مضطرًا إلى التأخر كالإمام إذا طرأ عليه ما يمنعه من إتمام الصلاة. وهذا إما أن يكون أبو بكر اعتقده، وإما أن يكون لأن الأولى ذلك لا الأوجب، إذ ثبت عنه - ﷺ - أنه صلى مقتديًا بعبد الرحمن بن عوف (٣) وقد اختلف الناس في صلاته - ﷺ - في مرضه هل كان أبو بكر ﵁ هو الإمام؟ أو خرج عن الإمامة فصار النبيﷺ- هو الإمام (٤)؟ فتكون هذه
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان ٦٨٤ واللفظ له، ومسلم في الصلاة ٤٢١ عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسولِ اللهِ - ﷺ- ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْن عَوْفٍ ليُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَجَاءَ المُؤَذِّن إلَى أَبِىِ بَكْرِ فَقَالَ: أتُصَلِّي للنَّاسِ فَأقِيمَ قَالَ: نَعَمْ فَصَلَّى أَبُو بَكْر فَجَاءَ رَسُولُ الله - ﷺوَالنَّاسُ فِي الصَّلاةِ حَتَّى وَقَفَ في الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَّانَ أَبو بَكْرِ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أنِ امْكُثْ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أبو بَكْرِ ﵁ يَديْهِ فَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُوِلُ الله - ﷺ - مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأخَرَ أَبُو بَكْرِحَتَّى اسْتَوَى في الصف وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللِه - ﷺ- فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ قالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أنْ تَثبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ فَقَالَ أَبو بَكْر مَا كَانَ لاِبْنِ أَبي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بّيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا لِي رَأَيتُكمْ أكْثرْتُمُ التَّصْفِيقَ مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاتِهِ فلْيُسَبِّحْ فَإنَّهُ إذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إلَيْهِ وإِنَمَّا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ.
(٢) في (ت) التقديم.
(٣) في حديث المغيرة بن شعبة الطويل الذي أخرجه مسلم في الصلاة ٢٧٤ واللفظ له، والنسائي في الطهارة ٨٢ قوله: "فَأقْبَلْتُ مَعَهُ أي مع رسول الله -ﷺحَتَّى نَجِدُ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ فصلَّى لَهُمْ فَأدْرَكَ رسولُ الله - ﷺإِحْدَى الرَّكعَتَين فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الآخِرَةَ فَلمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺيُتِمُّ صَلاَتَهُ فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسلِمِينَ فأَكَثَرُوا التَّسبْيِحَ فَلمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺصَلاتَهُ أَقْبَلَ عَليهِمْ ثُمَّ قَالَ أحْسَنتُمْ أَوْ قَالَ قَدْ أَصَبْتُمْ يَغْبِطهُمْ أَنْ صَلَّوُا الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا".
(٤) أخرج البخاري في الأذان ٦٦٤ واللفظ له، ومسلم في الصلاه ٤١٨ عن عائشة قَالَتْ لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ الله - ﷺمّرَضَهُ الّذِي مَاتَ فِيهِ فحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَأذِّنَ فَقَالَ مُرُوا أبَا بَكْر فلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقِيل لَهُ إنَّ أَبا بَكْر رَجُلٌ أَسِيفٌ إذاَ قَاَمَ في مَقَامِكَ لَمْ يَسْتطِعْ أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ وَأَعَادَ فَأعَادُوا لَهُ فَأعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَاَلَ إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ =
[ ٢ / ٥٩٩ ]
القصة والقصة (١) الأولى سواء.
ومن جهة المعنى إن الإمام استحق رتبة المتقدم، فإذا طرأ عليه ما يمنعه التمادي (٢) كان له أن يستخلف من ينوب عنه. والمقتدون قد دخلوا على الصلاة (٣) في جماعة، وإن لم تحصل لهم بالإمام الأول صح تحصيلها بإمام غيره.
فإذا تقرر هذا قلنا (٤) أحكام هذا الباب تنحصر في ثلاثة فصول: أحدها: من يجوز استخلافه؛ والثاني: ما يفعله المستخلف؛ والثالث: حكم قضاء المستخلف إذا كان مسبوقًا [ببعض الصلاة] (٥) من المقتدين.
فصل (من يجوز استخلافه؟)
فأما من يجوز استخلافه؟ فكل من صحت إمامته ابتداء جاز أن يستخلف، وذلك (٦) إن انسحب عليه حكم الإمام قبل أن يطرأ على الإمام ما يمنعه التمادي (٧). [وهذا احتراز من أن يكون إنسانًا مسبوقًا فيُحرِم بعد أن طرأ على الإمام ما يمنعه التمادي] (٨)، فهذا لا يجوز استخلافه لأنه لم
_________________
(١) = يُوسُفَ مُرُوا أَبا بَكرِ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاس فَخَرَجَ أَبُو بَكْر فَصَلَّى فَوَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ نَفسِهِ خِفَّةَ فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كأَنَّي أنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنَ الْوَجَع فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتأَخَّرَ فَأوْمَأَ إِلَيهِ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ مَكَانَكَ ثُمَّ أُتيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِه".
(٢) في (ت) و(ق) القضية والقضية.
(٣) في (ق) الإتمام.
(٤) في (ق) على إكمال الصلاة.
(٥) في (ق) و(ت) قلنا بعده.
(٦) ساقط من (ر)، وفي (ق) إن كان مسبوقًا ببعض الصلاة وقضى من كان من المقتدين.
(٧) في (ر) وكذلك.
(٨) في (ق) ما يقتضي الاستخلاف وفي (ت) ما يمنعه الإمامة.
(٩) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٠٠ ]
ينسحب عليه حكم الإمام. فإذا استخلفه صار المقتدون به كأنهم أحرموا قبل إمامهم. وينخرط في سلكه أن يسبقه الإمام بالركوع ثم يدخل معه فيطرأ على الإمام ما يمنعه التمادي، فلا يجوز استخلافه لأن هذا السجود الذي يأتي به في ابتداء أمره لا يعتد به. والمقتدون يعتدون به فيصير كالمتنفل بالمفترض. والمشهور من المذهب لا يجزيهم، وقيل يجزيهم. وقد قدمنا ما فيه من الخلاف المستقرى، ويمكن تخريج هذا عليه.
(كيف يتم الاستخلاف؟)
والطارئ على الإمام إما أن يمنعه الإمامة خاصة، أو يمنعه التمادي على الصلاة جملة. والمانع من الإمامة هو تقصيره عن فرض من الفروض، كمن عجز عن القيام مثلًا. والمانع من التمادي جملة هو غلبة الحدث، أو الرعاف. فيؤمر حينئذ بأن يستخلف. والأولى أن يستخلف بالإشارة، وإن تكلم لم تصح صلاته وصح استخلافه، لأنه بالطارئ قد خرج عن أن يكون إمامًا. والأولى أن يستخلف من يقرب من موضعه منه، لئلا يكون المستخلف إن حل في (١) محل الإمام يعمل عملًا كثيرًا في الصلاة. فإن استخلف من بَعُدَ، أتم الصلاة في موضعه.
ولو طرأ على الإمام ما يقتضي الاستخلاف وهو في حالة الركوع أو حالة السجود، فهل يستخلف على تلك الحالة أو بعد أن يرفع رأسه؟ في المذهب قولان. وإذا قلنا إنه يستخلف بعد الرفع فإنه يرفع غير مكبر لئلا يرفعوا برفعه فيكونون مقتدين به (٢)، وهو ممن لا يصح الاقتداء به في هذه الحالة. ولو فعل (٣) فاقتدوا به لجرى على الخلاف في الحركة إلى الأركان، هل هي مقصودة فتبطل صلاتهم، أو غير مقصودة فلا تبطل؟
_________________
(١) في (ت) قبل أن يحل محل، وفي (ر) أن يحل محل.
(٢) في (م) فيكونوا مقتدين به، وفي (ت) فيكونون مقتدون به.
(٣) في (ت) و(ق) رفع.
[ ٢ / ٦٠١ ]
(ما الحكم إذا لم يستخلف الإمام؟)
فإن خرج الإمام ولم يستخلف، أمروا بأن يستخلفوا من يُتِم بهم، فإن لم يفعلوا وأتموا وحدانًا فلا يخلو أن تكون الجمعة أو غيرها؛ فإن كانت جمعة بطلت الصلاة على المشهور سواء عقدوا مع الإمام ركعة أم لا، ولا تبطل على الشاذ وأن عقدوا ركعة. وهذا على الخلاف في أحكام الجمعة وشروطها؛ هل يلزم في جميع أجزاء الصلاة، أو يجزي حصولها في ركعة منها؟ وسيأتي هنا مستوعبًا (١) إن شاء الله.
[وإن كانت غير الجمعة فالمنصوص صحة صلاتهم، وقد أساءوا. وكذلك إن استخلف قوم واحدًا منهم، فأتم الباقون أو واحد من الجماعة وحدانًا تصح صلاتهم على المشهور. وقال محمد بن عبد الحكم: من لزمه أن يتم صلاته في جماعة فأتم فذا بطلت صلاته] (٢).وقد أخذ من هذا أبو الوليد الباجي وأبو الحسن اللخمي بطلان صلاتهم إذا لم يستخلفوا بإمام، وبطلان صلاة من أتم فذًا (٣). ويحتمل أن يريد من يخرج عن إمامة الإمام الأول والمستخلف بعد أن أقتدوا به. وأنما أراد التشبيه على قول الشافعية أن للمأموم الخروج عن الاقتداء. فإذا احتمل ذلك لم يلزم [منه] (٤) الاستقراء.
(ما الحكم إذا استخلف الإمام إنسانًا فتقدم غيره؟)
ولو استخلف الإمام إنسانًا فتقدم غيره فأم فاقتدى به من استخلف الإمام لصحت الصلاة على المنصوص في المذهب. وهذا يدل على أن المستخلف لا تصح له رتبة الإمام بنفس الاستخلاف حتى يقبله ويفعل بعض الفعل. وقد سئل ابن القاسم عن هذه المسألة في المدونة فأخبر أنه لم
_________________
(١) في (ر) و(م) مستوفيًا، وفي (ق) مستوفي.
(٢) ساقط من (م).
(٣) التبصرة ص: ١٢٢.
(٤) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٠٢ ]
يسمع من مالك فيها شيئًا ولم يُجِب. والحكم ظاهر إذا لم يقبل المستخلف ما أسند إليه. والظاهر أنه إذا قبل (١) استحق رتبة الإمام وإن لم يفعل شيئًا. ولعلَّ [مجمل] (٢) ما قدمناه من الرواية على أنه لم يفعل فاستدل على عدم قبوله بكونه اقتدى بالمتقدم من ذات نفسه.
فصل (ما يفعله المستخلف؟)
وأما حكم المستخلف فيما يفعل، فإنه متم لصلاة الإمام، فعليه أن يصليها من حيث انقطعت (٣). فإن كان الإمام لم يقرأ افتتح القراءة، وإن قرأ أتم من حيث وصل إن كانت صلاة جهر. وإن كانت صلاة سر ففي العتبية أنه يبتدئ القراءة، وعللَّ بإمكان سهوه عنها. ولعل التعليل [المحقق] (٤) كونه لا يعلم مكانا انقطعت القراءة منه، ولو علم لكانت كالجهرية. وإن ركع ولم يرفع تقدم راكعا (٥) وكذلك السجود والجلوس.
وإن كان مسبوقًا أتم صلاته على حكم إمامه، فقرأ بما كان يقرأ الإمام وجلس حيث كان يجلس، ولم يبن علي حكم نفسه حتى يتم ما بقي من صلاة الإمام على ما كان يتمها الإمام. وبالجملة فهو وكيل على فعل الإمام [فيحاذي فعله ولا يخرج عنه بوجه] (٦).
_________________
(١) في (ر) أقبل،
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ق) انقطع.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ق) ثم رفع.
(٦) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٠٣ ]
فصل (حكم قضاء المستخلف إذا كان مسبوقًا ببعض صلاة المقتدين)
وأما حكم [المسبوق من] (١) المقتدين والمستخلف إن كان مسبوقا، فإن المسبوق يقضي بعد إتمام (٢) هذا المستخلف. وهل يقضي بعد سلامه من جملة صلاته وإن كان مسبوقا؟ أو بعد إكمال صلاة الإمام؟ في المذهب قولان: أحدهما: أن المستخلف إذا أكمل صلاة الإمام أشار إلى المقتدين أن اجلسوا، فإذا أكمل صلاته قاموا (٣) لأنفسهم. والثاني: أنهم يقومون إذا أكمل صلاة الإمام.
وسبب الخلاف أنهم لا يقضون إلا بعد تمام صلاة إمامهم، وقد حصل لهذا الثاني رتبة الإمامة، فهل يكون حكمه في كل الأحوال كحكم الإمام الأول فكأنه هو، فإذا أتم صلاته صار كالمقتدين فيقضون عند قضائه؟ أو تراعى حالته في نفسه لحصول الرتبة فلا يقضون إلا بعد تمام صلاته؟ فهذا مثار الخلاف.
وإذا قلنا إنهم يقضون معه ولا يقتدون به لأنه إنما يقضي ما فاته من صلاة الإمام فحكمه أن يكون فيما يقضيه فذًا، فإذا اقتدوا به فهل يجزيه أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: نفي الإجزاء، وهذا لما قدمناه من وجوب كونه فيما يقضيه فذًا (٤). والثاني: الإجزاء، وهذا بناء على أنه فيما يأتي به بَانٍ،ومراعاة لحصول الرتبة له ومساواتهم له بما يأتي به في النية.
وإن كان المستخلف مسبوقًا دون المقتدين أو دون بعضهم، فإنه إذا أكمل صلاة الإمام وقام للقضاء سلموا وانصرفوا. وهذا تغليب لحكم الإمام، وكأنه هو الموجود إلى آخر صلاته. وهذا قياس على أحد القولين
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) سلام وفي (ت) بعد إكماله صلاة الإمام سلام.
(٣) في (ق) و(ت) قاموا فاقضوا.
(٤) في (ت) كما قدمناه في وجوبه فيما يقضي حكم الفرد.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
في صلاة الخوف. والمشهور في هذه أنهم لا يسلمون إلا بعد قضائه، وهذا مراعاة لحكم نفسه.
(هل يجوز لإمام أن، يرجع للإمامة بعد زوال العذر؟)
ولو ناب الإمام ما أوجب الاستخلاف واستخلف ثم ذهب. فإن زال عذره ثم تمادى فأخرج المستخلف وأتم هو الصلاة. فقد اختلف المذهب في هذه الصورة هل تبطل الصلاة لأنّ الإمام قد يعزل باستخلافه، فإذا عاد صار كأن الإمام استخلفه بغير موجب فتبطل الصلاة. أو تصح لأن المستخلف وكيل الإمام فإذا عاد انعزل الوكيل ورجع الأمر إلى موكله؟
وقد احتج لهذا القول بما قدمناه من خروج أبي بكر وتقدم النبيﷺ-. وقد اختلف هل ذلك من خصائصه أو متعد إلى غيره؟ وعليه يتخرج هذا الخلاف.
فصل (إذا ذكر الإمام الأول أنه أسقط من الصلاة ما يوجب بطلانها)
وإذا استخلف مسبوقًا فأكمل الصلاة التي استخلفه عليها فلما أكملها أتى الإمام الأول فذكر أنه أسقط من الأولى أو من الثانية ما يوجب بطلانها كالركوع والسجود، فأما المستخلف فلا علم عنده من صحة قوله، وأما غيره من المأمومين فلا يخلو من ثلاثة أقسام: أما إن تيقنوا سلامة صلاتهم وصلاة إمامهم فلا يلزمهم إتباعه فيما يقوله، وإما أن يشكو في سلامة صلاتهم وصلاته، ومثله أن يتيقنوا الآن بصحة قوله فيلزمهم التدارك، وإما إن تيقنوا سلامة صلاتهم دون صلاة إمامهم فقد قدمنا القولين في لزوم التدارك له. وإذا لزمهم التدارك فإنهم يتبعون المستخلف فيما يأتي به من إصلاح صلاة الإمام.
وهل يكون فيما يأتي به من ذلك قاضيًا فيقرأ بأم القرآن وسورة، أو
[ ٢ / ٦٠٥ ]
بانيًا فيقرأ بأم القرآن خاصة؟ وقد قدمنا القولين في ذلك وهما منصوصان هاهنا.
ومتى يكون سجوده؟ لا شك أنه يسجد قبل السلام لأنه أتى بالجلوس في غير موضعه، فكأنه لم يجلس فقد حصل نقص الجلوس. ومتى يكون سجوده هل بعد إكمال صلاة الإمام، أو بعد إكمال صلاة نفسه؟ في ذلك قولان. وهما على ما قدمناه من تغليب حكم الإمام، أو النظر إلى حصول الإمامة له.
فصل (في المسبوق يقوم للقضاء ظانًا أن إمامه أكمل)
وإذا قام المسبوق إلى القضاء ظانًا أن إمامه أكمل وسلم وانكشف الغيب (١) أنه لم يكمل. فإن كان إمامه لم يسلم رجع إلى صلاته (٢) وطرح ما فعله، وإن لم يشعر حتى سلم فلا خلاف أنه يطرح ما فعله ويبتدئ الآن في القضاء. وهل يلزمه سجود أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يلزمه لما فعله من القضاء قبل سلام إمامه. والثاني: أنه لا يلزمه سجود. وهذا تغليب لانسحاب حكم الإمام عليه. وإذا قلنا إنه يلزمه السجود فأين محله؟ قولان: أحدهما: أنه قبل السلام، وعلَّل بأنه نقص النهضة التي حقه أن يأتي بها بعد سلام الإمام. والثاني: أنه بعد السلام إذا (٣) زاد في صلاته زيادة قد ألغاها.
وإذا تقرر هذا رجعنا إلى ما نحن بسبيله من مسائل الاستخلاف فقلنا: لو استخلف الإمام مسبوقًا فقام للقضاء، ثم أتى الإمام فأخبره أنه أسقط من صلاته شيئًا يلزمه تلافيه، فإن كان موجب استخلافه [طريان ما أفسد صلاته اعتد هذا المستخلف بما فعله وقضى ما أسقط الإمام على نحو ما قدمناه،
_________________
(١) في (ت) الغيب له.
(٢) في (ق) الجلوس.
(٣) في (ق) لأنه، وفي (ت) إن.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وإن كان موجب استخلافه رعافًا] (١) فإن قطع الإمام صلاته فتعمد الكلام أو ما في معناه فهو بمنزلة ما قدمناه من اعتداد المسبوق بما فعله، وإن كان لم يقطع صلاته فإن أتى بعد أن طال المستخلف طولا يفوت الإمام به التلافي فإنه يقتدي بما فعله، وإن كان لم يطل لم يعتد بما فعله ورجع إلى تلافي ما يقضيه الإمام، فإذا أتى به رجع إلى قضاء ما سبق به.
باب في أحكام التشهد والسلام
(بعض أحكام التشهد)
وقد قدمنا أن التشهد الأوسط سنة بلا خلاف عندنا. وذكرنا أن الآخر كذلك على المشهور، وما فيه من استقراء (٢) الوجوب. ولا شك أنه لا يتعين فيه لفظ، لكن الأولى التعويل على ما ثبت به النقل من تشهد عمر بن الخطاب ﵁، وهو معلوم فلا نطول بنقله. وقد أضاف إليه العلماء من الشهادة ما يعتقده أهل السنة. والمروي في الصلاة عن النبيﷺ- ما حكاه ابن أبي زيد وغيره. وقد قدمنا أيضًا الخلاف في الصلاة على النبيﷺ- هل هي من فروض الصلاة أو من سننها، وقد قدمنا أيضًا حكم من ترك التشهد وذلك في حق الإمام والفذ. فأما المأموم فإذا لم يتشهد حتى سلم إمامه [فمقتضى أهل المذهب أنه يسلم ويجزيه تشهد الإمام. وفي العتبية رواية ابن القاسم عن مالك ﵀ أنه يتشهد بعد سلام إمامه ولا يدعو بعده ثم يسلم] (٣) وهذا تدارك التشهد بعد سلام الإمام. وظاهره يقتضي وجوب التشهد عليه. وقد قدمنا متى يتدارك المأموم ما فاته به الإمام من الفروض. وعندنا في السلام قولان: هل يمنع من التدارك كعقد الركعة
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (م) الاستقراء المشهور.
(٣) في (ق) إمامه تشهد بعده ثم يسلم.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
الثانية لأنه ركن أو لا يمنع لأن المانع في عقد الركعة الثانية مخالفة الإمام وهاهنا لا يخالف؟ وإذا وجد الخلاف في منع سلام الإمام من التدارك للفروض فأحرى أن يمنع التدارك في التشهد.
وقد قدمنا كراهية الدعاء قبل التشهد، وكذلك البسملة مكروهة عندنا أيضًا قبل التشهد. وإذا أكمل تشهد عمر بن الخطاب ﵁ في الجلسة الوسطى فهل يجوز الدعاء بعده كما يجوز في الجلسة الآخرة؟ في المذهب قولان: الكراهية، والجواز. فالكراهية إذ فيه تطويل لا سيما إن كان إمامًا، والجواز لأن الصلاة مظنة الدعاء وقياسًا على الجلوس الآخر.
(معنى التحية)
ويفتقر إلى تفسير لفظ التحية، والتحية تطلق على ثلاثة معان: السلام، والملك، والبقاء. وقد اختلف في معنى السلام فقيل هو: اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: هو بمعنى السلامة. وإن قلنا بمعنى السلامة؛ فإن التحيات في التشهد قد يراد فيها الثلاثة معان التي ذكرناها، وإن قلنا اسم من أسماء الله تعالى كان المقصود بالتحية الملك والبقاء.
فصل (حكم السلام في الصلاة وصفته)
والسلام عندنا من فروض الصلاة وقد تقدم ذلك. والأصل في فرضيته قوله - ﷺ -:وَتَحْليلُهَا التَّسْليمُ" (١) واستمرار العمل [به] (٢). ولفظه متعين عندنا. وهل يجوز أن يؤتى به على جهة التنكير؟ المشهور من المذهب أنه لا يؤتى به إلا معرَّفا. والشاذ جواز تنكيره. وإذا نكره على المشهور فهل
_________________
(١) الترمذي في الطهارة ٣، وأبو داود في الطهارة ٦١، وابن ماجه في الطهارة ٢٧٥، وأحمد في مسنده ١/ ١٢٣، والدارمي في الطهارة ٦٨٧. وقال الترمذي: هذا حديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن.
(٢) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٠٨ ]
يجزي من التحليل؟ قال ابن أبي زيد: لا يجزي. وقال ابن شبلون: يجزي. وفي المدونة: لا يجزي من السلام إلا السلام عليكم (١). وهذا يقتضي ما قاله ابن أبي زيد وقد تأول على أن القصد به تعيين السلام على الجملة تنبيها على خلاف أبي حنيفة القائل: إن كل فعل مضاد للصلاة ينوب مناب التسليم. ومقتضى المذهب تعيين لفظ السلام بالتعريف قياسًا على الإحرام.
وهل يسلم الإمام والفذ واحدة أو اثنتين؟ في المذهب قولان: المشهور من المذهب الاقتصار على واحدة. واحتج مالك ﵀ بأن ذلك الذي اتصل به العمل من زمن الرسول - ﷺ - قال: وإنما أحدثت التسليمة الثانية في زمن بني هاشم. والشاذ أن الثانية مشروعة. وفي صحيح مسلم عنه - ﷺ - أنه "كان يسلم تسليمتين" (٢). وهذا الأولى على مقتضى النظر لأن من حكى (٣) الثانية زاد، ومن زاد أولى ممن نقص (٤).
_________________
(١) المدونة: ١/ ٦٢.
(٢) أخرجه مسلم في المساجد ٥٨١ ولفظه عَنْ أَبِي مَعْمَرِ أَنَّ أَمِيرًا كَانَ بمَكَّةَ يُسَلَّمُ تَسْلِيمَتْينِ فَقَالَ عَبدُ الله أَنَّى عَلِقَها قَالَ الحَكَمُ في حَدِيثِهِ إِنَ رَسُولَ الله - ﷺكَانَ يَفْعَلُهُ.
(٣) في (ر) حكم.
(٤) هذا الخلاف يدخل في إطار اختلاف التنوع والهيآت التي تكون كل صوره جائزة وللمكلف فعل ما شاء منها. وقد أشار إلى هذا ابن عبد البر فقال: والقول عندي في التسليمة الواحدة وفي التسليمتين أن ذلك كله صحيح بنقل من لا يجوز عليهم السهو ولا الغلط في مثل ذلك، معمول به عملًا مستفيضًا بالحجاز التسليمة الواحدة. وبالعراق التسليمتان. وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل لتواتر النقل كافة عن كافة في ذلك ومثله لا ينسى ولا مدخل فيه للوهم لأنه مما يتكرر به العمل في كل يوم مرات. فصح أن ذلك من المباح والسعة والتخيير، كالأذان وكالوضوء ثلاثًا واثنين وواحدة وكالاستجمار بحجرين وبثلاثة أحجار، من فعل شيئًا من ذلك فقد أحسن وحاد بوجه مباح من السنن. فسبق إلى أهل المدينة من ذلك التسليمة الواحدة فتوارثوها وغلبت عليهم وسبق إلى أهل العراق وما وراءها التسليمتان فجروا عليها. وكل جائز حسن لا يجوز أن يكون إلا توقيفًا ممن يجب التسليم له في شرع الدين وبالله التوفيق وأما رواية من روى عن مالك أن التسليمتين لم تكن إلا من زمن بني هاشم فإنما أراد ظهور ذلك بالمدينة، والله أعلم. التمهيد لابن عبد البر: ١٦/ ١٩٠.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
فإذا قلنا بالاقتصار على الواحدة فهيئة الإشارة بها أن يسلم قبالة وجهه ويتيامن قليلًا. ويقصد الإمام الخروج بها من الصلاة والسلام على الملائكة ومن معه من المقتدين. ويقصد الفذ الخروج من الصلاة والسلام على الملائكة. وأما المأموم فيسلم أولًا تسليمة يسير بها إلى يمينه. ثم اختلف (١) هل يبتدئ بعدها بالرد على الإمام أو السلام على من على يساره من الملائكة والمصلين. وإذا قلنا إنه يبتدىء بالرَّد على الإمام فلا يسلم عن يساره إلا أن يكون هناك أحد من المقتدين فيردّ عليه، وهذا راجع إلى النقل. ولا حرج في تخيير أحد الأمرين.
وإذا كان المأموم مسبوقًا فهل يرد على الإمام ومن على يساره بعد قضائه. قولان (٢). وهما على النظر إلى مقصود السلام هل هو مجرد الرد، أو هو مشروع للصلاة؟ ولو ابتدأ المأموم (٣) بالسلام مشيرًا به إلى جهة يساره ثم تكلم (٤) فهل تبطل صلاته أم لا؟ [في المذهب] (٥) قولان، [وهما على النظر إلى قصده] (٦)؛ فإن قصد بذلك التسليم (٧) التحليل من الصلاة صحت لأنه إنما (٨) خالف الهيئة، وإن قصد بها مجرد الرد لم تصح الصلاة لأنه تكلم قبل أن يتحلل.
وهل ينسحب حكم النية على السلام أو يفتقر إلى نية مجددة؟ (٩) في المذهب قولان؛ فمن (١٠) سحبها رأى أن ركن النية متعلق (١١) بسائر
_________________
(١) في (ر) يختلف.
(٢) في (ر) بعد ذهابهم في المذهب قولان، في (ت) بعد قضائه قولان.
(٣) في (ر) الإمام.
(٤) في (ق) كلم.
(٥) ساقط من (ق) و(ر).
(٦) ساقط من (ر).
(٧) في (ق) بتلك التسمية.
(٨) (ق) صلاته وإنما.
(٩) في (ر) مجردة.
(١٠) في (ر) ومن.
(١١) في (ت) رأى أن السلام ركن والنية متعلقة، وفي (ق) أنه ركن والنية منعقدة.
[ ٢ / ٦١٠ ]
الأركان، ومن لم يسحبها نظر إلى كونه قطع للصلاة. والنية إنما تنسحب على ما هو من الصلاة دون ما يقطعها (١).
والمشروع (٢) للإمام التنحية عن موضعه عقيب السلام. وقد اختلف في عله ذلك فقيل: إنه موضع فضيلة، وإنما استحقها برتبة الإمامة فإذا انقطعت صار كالمعزول عنها، فعلى هذا يزول عن موضعه فلا بد. وقيل: ليراه من لا يسمع تسليمه فيعلم انقطاع الصلاة. فعلى هذا لو قام أو تزحزح عن موضعه بحيث ما ينظر أجزأه.
باب في صلاة الجمعة وأحكامها
(حكم صلاة الجمعة)
وهي واجبة بالكتاب والسنَّة وإجماع الأمة. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣)، فأمر بالسعي ونهى عن البيع، وفي معناه كل شغل (٤). وإذا قلنا إن الأمر على الوجوب فلا يفتقر إلى غير الآية. وإن لم نقل بذلك فقرينة الوجوب هاهنا الإجماع. وهذا إذا قلنا إن صلاة الجمعة صلاة قائمة بنفسها. وإن قلنا إنها عوض عن الظهر كان الدليل أيضًا على وجوبها ما ورد في وجوب الصلاة من الآي. وقد قال بعض العلماء إنها المراد (٥) بالصلاة الوسطى.
وأما السنَّة فقد ثبت عنه - ﷺالأمر بها والمواظبة عليها، وفعله لها
_________________
(١) في (ق) للصلاة والنية إنما تنسحب على ما هو من الصلاة ما لا يقطعها، وفي (ر) للصلاة وإنما انسحب على ما هو في الصلاة لا ما يقطعها.
(٢) في (ر) أو المشروع.
(٣) الجمعة ٩.
(٤) في (ت) مشغل، وفي (ق) مشتغل.
(٥) في (ق) المرادة.
[ ٢ / ٦١١ ]
متواتر النقل. ويكاد قوله أن يكون متواتر المعنى. وقد ثبت أنه - ﷺتوعد على تركها ثلاثًا بالطبع على القلب (١). وهذا مبالغة في تقرير الوجوب.
واجتمعت الأمة على وجوبها في الجماعة، والجمهور أنها واجبة على الأعيان لا على الكفاية، إذ ما ورد من الآي [والاخبار] (٢) يقتضي ذلك، وهو مما شرع لإقامة أبهة (٣) الإسلام وتمكينه في النفوس وتفخيم أمره. ولهذا شرع فيها البناء المخصوص والخطبة والجهر بالقراءة وإن كانت صلاتها نهارية.
وإذا تقرر ما قلناه فالنظر في هذا الباب ينحصر في ثلاثة أركان (٤): أحدها: شروط وجوبها، والثاني: شروط أدائها، والثالث: صفة الأداء وحكم الأعذار المبيحة للتخلف عنها.
فصل (شروط الوجوب)
فأما الفصل الأول في شروط الوجوب فإن عددها ستة وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والذكورية، والحرية، والإقامة.
فأما الإسلام فنعده شرطًا في الوجوب إن قلنا إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة. وإن قلنا إنهم مخاطبون، عددناه في شروط الأداء. وهكذا
_________________
(١) أخرج الترمذي في الجمعة ٥٠٠ واللفظ له، وابن ماجه في إقامة الصلاة ١١٢٥، وأحمد في مسنده ٣/ ٣٣٢ عَنْ أَبِي الْجَعْدِ يَعْنِي الضَمْريَّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ فِيمَا زَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -:"مَن تَرَكَ الْجُمعَةَ ثَلاَثَ مرات تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ الله عَلَى قْلِبِه". قالَ أَبو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي الْجَعْدِ حَدِيثْ حَسَنٌ.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في سائر النسخ "أهبة" ولعل الصواب ما أثبته، بدليل أن صاحب التاج والإكليل نقل عن ابن بشير أثناء حديثه عن المصر الذي تقام فيه الجمعة العبارة التالية: "حصلت بجماعتهم إقامة أبهة الإسلام" انظر التاج والإكليل ٢/ ١٥٩. وقد غيرت هذه اللفظة حيثما وجدت في الكتاب بهذا المعنى.
(٤) في (ر) و(ت) فصول.
[ ٢ / ٦١٢ ]
عدَّه القاضي أبو محمد [عبد الوهاب] (١). ولا خلاف في عدّ البلوغ شرطا في الوجوب. وأما العقل فإن قلنا: إن من ليس ببالغ غير عاقل، فيكتفى بلفظ العقل عن ذكر البلوغ. وإن قلنا: إنه قد يكون عاقلًا، فلا بدّ من ذكرهما. وبين الأصوليين خلاف في ذلك. وأما الذكورية فلا خلاف عندنا في عدها شرطًا في الوجوب. وأما الحرية فالمعروف من المذهب عدَّها شرطًا ولا تجب الجمعة عندنا على العبد. وقد قدمنا الخلاف في سقوطها عنهم في الأصل ووجوبها. وإنما سقطت لحق السيد. وذكرنا ما في المذهب من إمامة العبد في الجمعة. وفي مختصر ابن شعبان: أن المشهور من مذهب مالك ﵀ سقوط الجمعة عن العبد. قال أبو الحسن اللخمي ﵀: يريد أنه اختلف قوله في ذلك (٢). وفي مختصر ابن شعبان أنه قال: يؤمرون بها ويقامون إليها. ويحتمل أن يكون ذلك في وجوبها عليهم، [أو] (٣) على جهة الندب. وقد قدمنا أن هذا الخلاف في دخول العبيد في خطاب الأحرار. وأما الإقامة فهي مشروطة في وجوب الجمعة، ولا نعلم في ذلك خلافًا. واستدل على سقوطها عن المسافر بأن الرسول ﵇ وقف يوم الجمعة بعرفة فصلى صلاة المسافر ولم يصلِّ صلاة الجمعة (٤). فإذا ثبت ذلك فهل يجزي المسافر إذا شهدها وتنوب له عن صلاة الظهر؟ في المذهب قولان: المشهور أنها تنوب عن ذلك قياسًا على نيابتها للعبد والمرأة، والشاذ أنها لا تنوب. وهذا على الخلاف هل دخل المسافر في ثبوت الوجوب ثم سقطت عنه لعذر السفر فإذا شهدها نابت له، أو لم يتوجه عليه الخطاب بها أصلًا؟ فينظر هاهنا هل هي صلاة قائمة بنفسها فلا تنوب، أو هي ظهر مقصورة؟ فيختلف في إجزائها عنه على الخلاف فيمن ترك السنن تعمدًا لأنه صلى ركعتين جهرية (٥) والواجب عليه في الأصل أن يُسِرَّ.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) التبصرة ص: ١٢٤.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) انظر تفصيل ذلك في زاد المعاد ٢/ ٢٣٤.
(٥) في (ق) حضرية.
[ ٢ / ٦١٣ ]
(حكم إمامة المسافر في صلاة الجمعة)
وإذا قلنا بصحة النيابة فهل تصح إمامته فيها إذا حضرها؟ ثلاثة أقوال:
أحدها: لا تصح بوجه ابتداء ولا استخلافًا. وهذا بناء على سقوطها أصلًا لكن نابت لأنها ظهر مقصورة. أو بناء على أنه لما خير في التزامها عدمه صار كالمتنفل مثلًا يؤم المفترض.
والثاني: تصح ابتداء واستخلافًا، وهذا بناء على أنه مخاطب بها، لكن سقطت لعذر السفر. فإذا شهدها والتزمها صار كالمقيم.
والثالث: أنها تصح إن استخلف بعد أن عقدها مع الإمام، ولا تصح قبل أن يعقدها، لأنه بعد الدخول وجب عليه إتمامها، وقبل الدخول مخير.
(حكم الوالي الأعظم يمر بقريه يوم الجمعة)
ولو مرَّ الوالي الأعظم بقرية تجب عليهم الجمعة وهو مسافر لكان له أن يجمع بهم لأن المولى على الصلاة في تلك القرية خليفته والنائب عنه فإذا حضر المستخلف فهو بالإمامة أولى. وإن كانت ممن لا تجب (١) فيها الجمعة لم يجمع بهم لأنه مسافر والقوم حاضرون والجمعة ساقطة عنهم. وإن جمع بهم فقولان: أحدهما: أنها لا تصح له ولا لهم، والثاني: أنها تصح له دونهم. قال الأشياخ: وهذا على الخلاف فيمن جهر في صلاته متعمدًا هل تصح أم لا؟ لأن هذا الإمام مسافر، فصلاته ركعتان لكنها سرية وقد جهر. ويغلب على ظني أني رأيت في المنتخبة ليحيى بن عمر (٢) قولًا
_________________
(١) في (ق) لا تجب عليهم.
(٢) هو يحيي بن عمر بن يوسف بن عامر .. أندلسي من أهل جيان وعداده في الافريقيين سكن القيروان واستوطن سوسة أخيرًا وبها قبره كنيته أبو زكرياء طلب العلم عند ابن حبيب وسمع من سحنون وغيره، إليه كانت الرحلة في وقته كان فقيهًا حافظًا للرأي ثقةً ضابطًا لكتبه له من المصنفات نحو أربعين جزأ، منها اختصار المستخرجة المسمى بالمنتخبة. توفي بسوسة في ذي الحجة سنة تسع وثمانين ومائتين وسنّه ست وسبعون سنة. الديباج المذهب ص: ٣٥١ وشجرة النور ص٧٣ (٩٧).
[ ٢ / ٦١٤ ]
ثالثًا أنها تجزيه وتجزيهم. فهذا مما ينظر فيه. فإن صح وظهرت صحته فهو إما بناء على أن الإمام وطنه حيث ما حل، وإما بناء على وجوب الجمعة في الأصل وإنما سقطت تخفيفًا عن المسافرين ومن في معناهم من القاطنين (١) بمكان (٢) [لا يمكنهم مداومة إلزامه (٣)، والاستغناء] (٤) عن غيره.
فصل (الركن الثاني شروط الأداء)
وأما شروط الأداء فهي خمسة: إمام، وجماعة، وموضع الاستيطان، وجامع، وخطبة.
(الشرط الأول: الإمام)
فأما الإمام فقد قدمنا في الركن الأول حكم من تجب عليه الجمعة عندنا في الأصل، ومن لا تجب عليه، والخلاف في صحة إمامته، ويشترط فيها ما يشترط في الإمامة لسائر الصلوات. وليس من شروطه عندنا أعلى المشهور] (٥) أن يكون إمامًا تؤدى إليه الطاعة، أو مولىّ من قبل إمام. وقد قال مالك:"لله فروض في أرضه لا يسقطها، وليَهَا إمام، أو لم يَلِهَا، منها الجمعة" (٦). ومذهب محمد بن مسلمة ويحيى بن عمر اشتراط الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة. قال يحيي بن عمر (٧): ويخاف جانبه. وقال محمد بن مسلمة: أو مولى من قبل الإمام.
_________________
(١) في (ت) و(م) و(ق) القاطنون.
(٢) في (ق) و(م) (ت) بمكة.
(٣) في (ق) الثواب وفي (م) ابثوابة.
(٤) خرم في (ت).
(٥) ساقط من (ر).
(٦) التاج والإكليل ٢/ ١٧٣.
(٧) في (ق) محمد بن عمر.
[ ٢ / ٦١٥ ]
والأصل في هذا الخلاف فيها أو في ما يأتي بعدها أن الجمعة وقعت في ابتداء الإسلام في مصر بإمام تؤدى إليه الطاعة وخطبة وجامع. وهذا يحتمل أن يكون اتفاقًا، ويحتمل أن يكون مقصودا إليه. وقد اختلف في أفعاله - ﷺ - هل تحمل على الوجوب إلا ما قام الدليل أنه ندب، أو تحمل على الندب إلا ما قام الدليل أنه واجب.
(الشرط الثاني: الجماعة)
وأما الجماعة فلا خلاف في اشتراطها على الجملة. وهل هي محدودة أم لا؟ في المذهب قولان: المشهور أنها غير محدودة بعدد، لكن لا يجزي منها اثنان ولا ثلاثة ولا أربعة وما في معنى ذلك. والشاذ أنها محدودة بعدد. وما هو؟ قولان: أحدهما: ثلاثون، وقد روي حديث في هذا التحديد (١) وإن لم تكن فيه شروط الصحة. والثاني: أنها خمسون (٢)، وهذا تحديد على مقدار تتقرى بهم القرية ويمكنهم فيها مداومة الثوى (٣)، ويستغنون عن غيرهم ويحصل بجماعتهم إقامة أبهة الإسلام في موضعهم.
وهل يشترط في الجماعة المشار إليها كونهم فيمن تلزمهم الجمعة وتنعقد بهم وإن كانوا لا تلزمهم ابتداء لكن تنوب لهم كالصبيان والعبيد ومن في معناهم من المسافرين؟ في المذهب قولان. وهما على ما قدمناه من
_________________
(١) لم أقف على حديث يحدد العدد في الثلاثين، وهناك حديث ضعيف أيضًا يحدده في أربعين. انظر نور اللمعة في خصائص الجمعة ص:٤٧.
(٢) قال الشوكاني في نيل الأوطار ٣/ ٢٨٦: "من قال باشتراط الخمسين فمستنده ما أخرجه الطبراني في الكبير والدارقطني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -﵌: "الجمعة على الخمسين رجلًا وليس على ما دون الخمسين جمعة" قال السيوطي: لكنه ضعيف ومع ضعفه فهو محتمل للتأويل لأن ظاهره أن هذا العدد شرط للوجوب لا شرط للصحة فلا يلزم من عدم وجوبها على ما دون الخمسين عدم صحتها منهم". ثم قال:"قال عبد الحق إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث، وكذلك قال السيوطي لم يثبت في شيء من الأحاديث تعيين عدد مخصوص".
(٣) الثوى: الإقامة. انظر النهاية في غريب الحديث ١/ ٢٣٠.
[ ٢ / ٦١٦ ]
سقوطها عنهم في الأصل ولا تنعقد بهم، أو تجب عليهم (١) لكن سقطت للأعذار، وهذا في غير الصبيان. ولعلَّ الخلاف في الصبيان على ما قدمناه في تعلق (٢) الوجوب عليهم بحسب حالهم، أو لأن المراعى وجود الجماعة في الجملة (٣).
وهل يشترط بقاء الجماعة إلى إكمال الصلاة، أو يشترط انعقاد ركعة بهم؟ في المذهب قولان: المشهور اشتراط ذلك إلى الكمال، لأن شروط الصلاة إذا وجبت في الابتداء وجبت في الانتهاء كالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة. والشاذ الاكتفاء بذلك في ركعة قياسًا على المسبوق.
(الشرط الثالث: موضع الاستيطان)
وأما موضع الاستيطان فإنه شرط في الجمعة، وهل شرط ذلك الموضع أن يكون مصرًا؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يشترط ذلك، بل يجمع في القرى إذا كانت على الصفة المتقدمة من إمكان الثوى والاستغناء لمراعاة العدد كما تقدم آنفًا. وهذا الخلاف على ما قدمنا في الالتفات إلى إقامة الرسول ﵇.
وهل يحصل ذلك بالإقامة وإن لم يكن الاستيطان؟ حكى أبو الوليد الباجي قولين، ومثاله قرية خالية مرَّ بها جماعة تنعقد بهم الجمعة ونووا الإقامة شهرًا فهل يجمعون أم لا؟ قولان (٤). وحكى عن ابن القاسم أنهم يجمعون. ولا شك أن المعروف من المذهب أنهم لا يجمعون.
وإذا صحَّ كون الموضع ممن تلزم أهله الجمعة، فهل يلزم ما قاربهم من القاطنين شهودها؟ أما من قرب حتى يكون ممن يسمع النداء غالبًا فيلزمه ذلك. وحَدَّه أهل المذهب بثلاثة أميال وما قاربها. ولا يلزم من بَعُد إلا أن
_________________
(١) في (ق) و(ت) أو ثبوتها.
(٢) في (ق) تعيين.
(٣) في (ق) على الإطلاق.
(٤) في (ر) على القولين.
[ ٢ / ٦١٧ ]
يشاء شهودها فتجزيه عن ظهره. وهل يشترط هذا المقدار من المنار أو من سور المصر؟ وقع في المذهب قولان. وإذا كان المعول على سماع الأذان فينبغي أن يحال على الوجوب (١) ويراعى موضع المنار. ويظهر أن المقصود شهود من يشتمل عليه (٢) حكم المصر، ويتكرر في حاجته حتى يكون كالساكن فيه. وهذا يحصل لمن كان على المقدار المذكور. ويراعى في ذلك بعده من السور لا من المنار.
(حكم السفر يوم الجمعة)
وهل يجوز للمخاطب بالجمعة أن ينشئ السفر قبل شهودها؟ أما ما لم يطلع الفجر من يوم الجمعة فذلك جائز له بلا خلاف. وأما إذا زالت الشمس فذلك ممنوع بلا خلاف في المذهب. وذكر أبو الحسن قولًا بالكراهية وعوَّل فيه على اختلاف الرواية كشأنه في الاستقراء من المحتملات. ويمكن تنزيل الرواية على ما قبل الزوال. وأما ما بين طلوع الفجر إلى الزوال فالمذهب على قولين: الكراهية، لما يفوته من فضيلة الجمعة، والجواز، لأنه حينئذ غير مخاطب. ولو أنشا السفر فحضر الوقت قبل أن يجاوز ثلاثة أميال فقال الباجي: مقتضى المذهب لزوم الجمعة؛ وفيه نظر لأنه رفض الإقامة وحصل له حكم السفر فعلًا ونية.
وعكس هذا أن يكون مسافرًا فيقدم إلى وطنه فهل يلزمه شهود الجمعة؟ أما من لم يصل الظهر فإنه يؤمر بشهودها بلا خلاف [إذا أدرك منها ركعة] (٣)، وأما من صلاَّها [ظهرًا ثم دخل من سفره قبل صلاة الجمعة، فاختلف فيه على] (٤) ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلزمه شهود الجمعة إذا أدرك منها ركعة. والثاني: أنه لا يلزمه، وقد أدَّى فرضه. والثالث: قول سحنون:
_________________
(١) في (ت) الوجود.
(٢) في (ق) أن المقصود حضور من ينتقل عليه.
(٣) ساقط من (ر) و(ت).
(٤) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦١٨ ]
إنه إن صلاها وقد بقي بينه وبين موضعه ثلاثة أميال فأقل فإنه يلزمه شهود الجمعة، وإن كان فوق ذلك فلا يلزمه.
فنظر في الأول إلى كونه مخاطبًا بالإدراكة للجمعة، وفي الثاني إلى وقوع الصلاة في السفر وقد أدَّى فرضه. ويلتفت في هذين إلى تعلق الوجوب بأول الوقت أو بآخره. ونظر في الثالث إلى قدر المسافة؛ فإن كانت مما لا يسقط شهود الجمعة لم يكتف بالصلاة الأولى، وبالعكس فيكتفي.
(الشرط الرابع: الجامع)
وأما الجامع فهو من شروط الأداء. وحكى أبو الوليد الباجي نفي الخلاف في ذلك إلا ما ذكره القزويني (١) عن أبي بكر الصالحين (٢) من ذكر الخلاف في اشتراطه وأنكر هذه الحكاية، وذكر أن الصالحي هذا غير معروف. قال: وإنما عوَّل على ما في المدونة من حكايته ابن القاسم أن مالكًا ﵀ قال مرة في صفة القرية التي يجمع فيها، إنها المتصلة البنيان التي فيها الأسواق، ومرة لم يذكر الأسواق (٣). ولم يذكر في القولين المسجد، وذلك دليل على أنه غير مشروط وعول أبو الوليد الباجي على أن مقصده في هذه الرواية صفة القرية التي يجمع فيها، وهي من شروط الأداء. إلا أنه ذكر جميع الشروط، والجامع شرط [غير] (٤) متعلق بصفة القرية. وإذا ثبت اشتراط الجامع فمن شرطه (٥) البناء المخصوص. ويضاف
_________________
(١) هو: أحمد بن زيد القزويني أبو سعيد تفقه بالأبهري وهو من كبار أصحابه، صنف في المذهب والخلاف وكان زاهدًا عالمًا بالحديث وقد سمع من أبي زيد المروزي .. وله كتاب المعتمد في الخلاف نحو مائة جزء وهو من أعذب كتب المالكية وله كتاب الالحاف في مسائل الخلاف الديباج المذهب ص: ٣٥ والشجرة ص: ١٠٣ (٢٦٤).
(٢) قال ابن بشير عقبه: الصالحين هذا غير معروف.
(٣) المدونة ١/ ١٥٢.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ق) فهل من شرطه.
[ ٢ / ٦١٩ ]
إلى ذلك كونه مما يجمع فيه. وأما المساجد التي لا تؤدى فيها الجمعة فلا تكون شرطا في الأداء ولا تقام الجمعة فيها. ولو طرأ على الناس ما يمنعهم إقامة الجمعة في المسجد المعتاد فلا تجزيهم إقامتها في غيره من المساجد إلا أن يعولوا على إدامة الإقامة فيه فحينئذ يحصل له حكم الجامع المشروط في الجمعة.
ولا تؤدى في جامعين [في بلد واحد] (١) إلا أن يكون المصر كبيرًا [جدًا بحيث يكون الجامع الواحد لا يسع الناس للصلاة، ويكون بينهم ثلاثة أميال] (٢). فظاهر المذهب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كمصر صغير، والثاني: إجازة الإقامة في الجامعين، والثالث أنه إن كان ذا جانبين أو جوانب وبينهما نهر وما في معناه مما يتكلف فيه المشقة إذا قطع، جاز إقامتها في موضعين أو في مواضع بحسب الحاجة. وإن لم يكن كذلك فليس إلا كونه كالصغير. وهذا كله تجويز على غير احتياج إلى إقامتها في موضعين. فإن ظهرت ضرورة إلى ذلك جاز، وإلا منع. وإلى هذا ترجع الأقوال.
وإذا اشترطنا إقامتها في موضع واحد وكان بالقرب من المصر موضع فيه قوم مستوطنون، لهم حكم الاستقلال بأنفسهم، وأرادوا أن يجمعوا في موضعهم؛ فإن كان بين الموضعين ثلاثة أميال فأقل رجع إلى ما حكيناه في المصر الكبير، فإن قلنا باتحاد موضع الجمع لم (٣) يجمعوا، وإن أجزنا الجمع في موضعين جمع هؤلاء.
وإن كانت المسافة أكثر من ذلك كان لهم أن يجمعوا في جامعهم. وكم مقدار هذه المسافة؟ ثلاثة أقوال: أحدها: ما فوق الثلاثة أميال، وهذا نظر إلى كون الجمعة (٤) لا تلزمهم. والثاني: ستة أميال، وهذا نظر إلى أن
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ق).
(٢) ساقط من (ق) و(ر).
(٣) في (ر) و(ت) فلا يجمعوا.
(٤) في (ر) الجمعة الأولى.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
لكل مسجد مقدارًا وهو كالحريم، فيلزم منه إتيان الجمعة وهو (١) ثلاثة أميال. فيحصل من تقدير ذلك للمسجدين (٢) ستة أميال. والثالث: أنه البريد، وهو (٣) التفات إلى حصول ما يشعر بانقطاع أحد المسجدين عن الآخر. وتحديد البريد تقريب [لذلك لا مسافة التحقيق.
وهل تجزئ الجمعة على ظهر المسجد؟ في المذهب قولان: المشهور عدم الإجزاء، إذ ذلك] (٤) الموضع لا يحصل له البناء المخصوص. والشاذ الصحة، إذ حرمة أعلى المسجد كحرمة أسفله.
ولا شك في عدم الإجزاء في المواضع المنقطعة من المسجد إذا لم تتصل الصفوف. فإن اتصلت وضاق المسجد بأهله ولم تكن تلك المواضع محجورة بالملك صحت صلاة من صلى بها. وإذا لم يضق المسجد واتصلت الصفوف وكان الموضع قريبًا كالأفنية، ففي المذهب قولان: المشهور صحة الصلاة، والشاذ عدم صحتها. وهذا على الخلاف فيما قرب الشيء هل له حكمه أم لا؟ وإن كانت المواضع محجورة ففي المذهب قولان أيضًا: نفي الصحة، وهو المشهور، لأنها بالحجر منقطعة عن المسجد. والشاذ الحكم بالصحة، للقرب والاتصال. واحتج قائل ذلك بما ثبت من صلاة الجمعة في حجر أزواج النبيﷺكعمرو وهي محجورة بالملك، ورأى في المشهور أن حكمها حكم المسجد، وعلى هذا بنيت.
(الشرط الخامس: الخطبة)
وأما الخطبة ففي كونها فرضًا قولان. فإن قلنا بفرضيتها كانت شرطًا في الأداء، وإن قلنا بنفي الفرضية كانت سنة وليست فرضًا. والخلاف في هذا على ما قدمناه من النظر إلى فعل الرسول ﵇. فإن قلنا بأنها
_________________
(١) في (ق) وهذا.
(٢) في (ق) المسجدين.
(٣) في (ق) وهذا.
(٤) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٦٢١ ]
شرط فهل تشترط فيها الطهارة الصغرى؟ قولان. وهما على ما قدمناه؛ فمن نفى الاشتراط عوَّل على أنها ذكر وقراءة فلا يشترط الوضوء لذلك، ومن أثبته عول (١) على أنها بدل عن الركعتين في الظهر، وقد احتج لفرضيتها بقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٢). قال الناقلون: إنه قائم في الخطبة فذمهم على الهروب عنه - ﷺفي حال الخطبة. وذلك يدل على وجوبها ولا يستقل [من] (٣) هذا دليل، إلا على أن (٤) الهروب حينئذ غير جائز. وأما وجوب الخطبة فلا يظهر منه.
وهل من شرطها حضور الجماعة لها؟ قال القاضي أبو محمد وغيره من البغداديين: مقتضى المذهب اشتراطه مع عدم النص عليه. واستقرأه أبو الوليد الباجي من المدونة من قول مالك ﵀: ولا تجزئ الجمعة إلا بالجماعة والإمام يخطب (٥). ولا شك أن مقتضى هذا اللفظ في اللسان ما قاله، لأن قوله: والإمام يخطب، معناه: الحال. فيكون بجماعة في حال خطبة الإمام. وهذا لو عوَّل عليه من كلام صاحب الشرع لكان له وجه. ولا يخفى أن ألفاظ المدونة لا يعول فيها على مثل هذا. على أن ظاهر المسألة من أولها يشهد بخلاف ما قال، ولأنه قال في الإمام يخطب فيهرب الناس عنه ولا يبقى معه إلا الواحد أو الاثنان وما لا عدد له من الجماعة وهو في خطبته أو بعد ما فرغ منها: أنهم إن لم يرجعوا إليه [فيصلي بهم (٦) الجمعة، صلى ظهرًا أربعًا. قال: لأن الجمعة لا تكون إلا بالجماعة والإمام يخطب. فظاهر هذا أنهم إن لم يرجعوا إليه] لم يصل بهم الجمعة. فهذا يشهد بأن الجماعة مشروطة في الصلاة لا في الخطبة، على أننا لا ننازعه في أن اللفظ محتمل لما قال.
_________________
(١) في (ر) بناء.
(٢) الجمعة ١١.
(٣) ساقط من (ق) و(ر) و(ت).
(٤) في (ر) دليل لأن.
(٥) في (ر) بخطبة.
(٦) انظر المدونة ١/ ١٥٧.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
ولا خلاف أن الخطبة إذا اشتملت على حمد الله تعالى [والثناء عليه] (١) والصلاة على نبيه ﵇ وشيء من الوعظ ومن تلاوة القرآن أنها مجزية. ولا يوجد في المذهب نص على اشتراط خطبتين حتى لا يجوز دونهما. وحكى أبو الحسن اللخمي في ذلك قولين (٢). وهذا لو ساعدته الروايات لكان له وجه، لأن الرسول ﵇ خطب خطبتين، فيجري على ما قدمناه من الالتفات إلى أفعاله. وإن أتى منها بما لا بال له، مثل أن يقول الحمد لله وشبهَه فهل يجزي؟ قولان. والرجوع في ذلك إلى لسان العرب، ولا شك أن مثل هذا المقدار لا يسمى خطبة.
فصل (الركن الثالث: صفة الأداء، والأعذار المبيحة للتخلف عنها)
وأما الركن الثالث وهو صفة (٣) الأداء وحكم الأعذار، فنذكر ما يفعل في الجمعة (٤) من فاتحة أمرها إلى خاتمته.
(حكم الغسل يوم الجمعة)
أجمعت الأمة على أن الغسل والطيب مشروعان لها. وأن الغسل آكد من الطيب. وقد ثبت عنهﷺ - أنه قال:"غُسْلُ الجمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلمِ" (٥)، وفي بعض الطرق: "عَلَى كُلِّ مُسلِم" (٦). وهذه الألفاظ صريحة في الوجوب. والمذهب كله على أنه سنة لا واجب. وحكى أبو الحسن اللخمي عن أبي جعفر (٧)
_________________
(١) في (ق) أنهم يرجعوا إليه ثم يصلي بهم.
(٢) ساقط من (ر). التبصرة ص:١٣١
(٣) في (ر) من.
(٤) في (ت) ما يتعلق بالجمعة.
(٥) البخاري في الجمعة ٨٧٩، ومسلم في الجمعة ٨٤٦، وأحمد في مسنده ٣/ ٦٠واللفظ له.
(٦) البخاري في الجمعة ٨٩٨، ومسلم في الجمعة ٨٤٩.
(٧) هو: أحمد بن نصر الداودي الأسدي أبو جعفر من أئمة المالكية بالمغرب كان بطرابلس وبها أملى كتابه في شرح الموطأ ثم انتقل إلى تلمسان وكان فقيهًا فاضلًا =
[ ٢ / ٦٢٣ ]
أنه حكى (١) اختلاف أصحابنا في غسل الجمعة فقال بعضهم: سنة مؤكدة لا يجوز تركها إلا بعذر، وقال بعضهم: مستحب. وعوَّل على أن المذهب مختلف في وجوبه، أخذا من حكاية أبي جعفر هذه (٢). وليست صريحة في الوجوب كما ظنه، بل ظاهرها على غير الوجوب. وإنما يؤخذ من هذا أن المذهب على قولين: أحدهما: أن الغسل سنة، والثاني: مستحب. وهكذا قال أبو الحسن اللخمي في كتاب الطهارة. وقد يقال: إن ما حكاه أبو جعفر يقتضي الوجوب. وقوله: سنة، أي مما علم (٣) وجوبه بالسنة، كقول سحنون (٤) إن الوضوء من البول سنة، يريد: مما علم وجوبه بالسنة، وليس من قبل المندوبات. ولا شك أن ذلك محتمل، لكن الأظهر الأول. وإنما خرج فقهاء الأمصار عن ظواهر تلك (٥) الألفاظ المتقدمة المقتضية للوجوب بما ثبت من قوله ﵇ في الجمعة:"لَوِ اغْتَسَلْتُمْ" (٦). وهذا لفظ يشعر بنفي الوجوب، إذ لا يقال في الواجب لو فعلت. ولقوله ﵇:"مَنْ تَوَضأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ" (٧). وهذا نص صريح في إسقاط الوجوب، وهو أيضًا يقصده القائل بالاستحباب. وبما ثبت من قول عمر ﵁ للداخل وهو يخطب "أي ساعة هذه؟ فقال ما زدت على أن توضأت، فقال عمر ﵁:
_________________
(١) = متقنًا مؤلفًا مجيدًا، له حظ من اللسان والحديث والنظر، ألف كتابه النامي في شرح الموطأ والواعي في الفقه والنصحية في شرح البخاري والإيضاح في الرد على القدرية وغير ذلك، وكان درسه وحده لم يتفقه في أكثر علمه على إمام مشهور وإنما وصل بادراكه، حمل عنه أبو عبد الملك البوني وأبو بكر بن محمد بن أبي زيد توفى بتلمسان سنة ثنتين وأربعمائة. الديباج المذهب ص: ٣٥ والشجرة ص: ١١٠ (٢٩٣).
(٢) في (ق) ذكر.
(٣) التبصرة ص: ١٢٣.
(٤) في (ق) أي ما يعلم.
(٥) في (ر) ابن سحنون.
(٦) في (ر) عن ظواهر ألفاظ، وفي (ت) على ظواهر.
(٧) البخاري في الجمعة ٩٠٣ واللفظ له، ومسلم في الجمعة ٨٤٧.
(٨) أخرجه الدارمي في الصلاة ١٥٤٠، وابن عبد البر في التمهيد ١٠/ ٧٩ واللفظ له.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
الوضوء أيضًا، وقد علمت أن الرسول ﵇ أمر بالغسل" (١) ثم لم يأمره بالخروج ليغتسل. وكان ذلك والصحابة متوافرون ولم ينكر منهم أحد. وهذا عند بعض الأصوليين كالإجماع. واختلفوا في الداخل من هو؟ فقيل عثمان، وقيل غيره.
وإذا قلنا إن الغسل سنة فمتى يُفعل؟ لم يختلف المذهب أنه إذا اغتسل قبل الفجر أنه لا يجزيه، وإذا اغتسل [بعد الفجر] (٢) ثم راح إلى الصلاة فلا خلاف أيضًا أنه يجزيه. وإن اغتسل بعد الفجر وأخر رواحه إلى الزوال فهل يجزيه أم لا؟ في المذهب قولان: نفي الإجزاء وهو المشهور، والشاذ إثباته. وهو خلاف في حال هل يزول الغسل في هذا المقدار من الزمان أم لا؟ وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على ثلاثة أقوال: [القولان اللذان تقدما] (٣)،والثالث: أن الغسل لا يجزي إلا أن يتصل بالرواح إذا راح بعد الزوال لا في أول النهار (٤).وهذا الذي قاله في الرواح لا يجزيه، وإنما أخذه من قول مالك: إن المشي إلى الجمعة لا ينبغي أن يكون أول النهار. وهذا الذي قلناه في الرواح إذا كانت مسافته إلى الجامع قريبة، فإن بعدت حتى يزول أثر الغسل فعلى المشهور من المذهب أنه يؤمر بإعادته، وعلى مذهب ابن وهب القائل بالإجزاء أنه بعد الفجر يجزيه.
واختلف هل يغلب على غسل الجمعة حكم النظافة فلا يفتقر إلى نية ويجزئ بالماء المضاف إلى الرياحين والطيب، وهذا هو الشاذ. أو يغلب
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخاري في الجمعة ٨٨٢، والترمذي في الجمعة ٤٩٤ واللفظ له عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ بَيْنَما عُمَرُ بن الْخَطَاب يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَبيِّ - ﷺفَقَالَ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ فَقَاَل مَا هُوَ إِلاَّ أنْ سَمِعتُ النِّدَاءَ وَمَا زِدْتُ عَلَى أَن تَوَضأْتُ قَالَ وَالْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنًّ رَسُولَ الله - ﷺأَمَرَ بِالْغُسْلِ".
(٢) ساقط من (ر) و(ت).
(٣) ساقط من (ر).
(٤) التبصرة ص: ١٢٤.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
عليه حكم العبادة ويفتقر إلى النية ولا يجزي إلا بالماء المطهر (١)، وهذا هو المشهور. ولا شك أن المقصود الأول من هذا الغسل النظافة، لكنه مشروع وإن كان المكلف أنظف الناس بدنًا وأطيبهم ريحًا. فالالتفات إلى أصله يقتضي تغليب النظافة وإلى استرساله إلى سائر المكلفين يقتضي [تغليب] (٢) العبادة.
(استحباب التبكير للجمعة)
وقد ثبت عنه ﵇ أنه قال: "من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه" الحديث كما ورد (٣). واختلف المذهب هل أراد الساعة السادسة (٤) فيكون الرواح من أول النهار؟ أو هي ساعة قدرها الشرع عقيب الزوال؟ وهذا هو المشهور من المذهب. والأول قول ابن حبيب. ولفظ الرواح يقتضي القول المشهور لأن المشي (٥) قبل الزوال لا يسمى رواحًا. وقوله:"الساعة الأولى" يقتضي قول ابن حبيب. ولا بد من التجويز في أحد اللفظين. وقد احتج فيها للمشهور بأن قول ابن حبيب يقتضي أن تكون الصلاة قبل الزوال لأن الرسول - ﷺجعل آخر الرواح الساعة السادسة؛ قال:"إذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" والساعة السادسة هي قبل الزوال لا بعده. وهذا الذي قلناه في الرواح بعد الزوال جاز في
_________________
(١) في (ر) و(ت) و(م) الطاهر.
(٢) ساقط من (ت).
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخاري في الجمعة ٨٨١، ومسلم في الجمعة ٨٥٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺقَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَمَا قَرَّبَ بَدَنَةَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعةِ الثَّانِيَة فَكَأَنَمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاَحَ فِي السَّاعِةِ الثَّالِثَةِ فَكَأنَمَا قَرَّبَ كَبْشًا وَمَنْ رَاَحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابعةِ فَكَأَنَّمَا قّرَّب دَجَاجَةً وَمَنْ رَاَحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَمَا قَرَّبَ بَيضْةً فإِذَا خَرَجَ الإِمامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتِمُعونَ الذكْرَ".
(٤) في (ق) الساعات المعلومات، وفي (ت) الساعة المعلومة، وفي (م) الساعة المعلومات.
(٥) في (ر) المصلي.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
حق من يمكنه إدراك الجمعة إذا راح حينئذ. وأما من لا يمكنه إلا بالرواح قبل ذلك، فيجب عليه الرواح متى علم أنه لو أخر لفاتته الجمعة.
ولا تفوت عندنا إلا بأن يرفع الإمام رأسه من الركعة الثانية، ولكن لا يجوز لكل الناس التراخي إلى هذا المقدار. ولا بدّ من افتتاح الصلاة بجماعة تنعقد بهم الجمعة وقد قدمنا حكم اشتراط الجماعة في حضور الخطبة.
(تحريم البيع وقت تعين السعي للجمعة)
وإذا تعين السعي حرم البيع وما في معناه من الاشتغال على كل من تجب عليه الجمعة. فإن وقع البيع حينئذ هل يقضي أو يفسخ؟ في المذهب قولان، وهما على الخلاف في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وإذا قلنا يفسخ [فإن فات] (١) فهل يمضي بالثمن أو تكون فيه القيمة؟ في المذهب قولان. ومضيه بالثمن إذ لا فساد في ثمنه ولا مثمونه، وإنما يرجع إلى القيمة لأنها عوض من عينه، فالرجوع إلى ما تراضوا به من الثمن أولى من مضيه بالقيمة، لأنه متى أمضيناه بالثمن [كانا متممين العقد] (٢) الفاسد. والقيمة جعلتها الشريعة عوضا من ردّ العين. وإذا قلنا: إن فيه القيمة فمتى تكون؟ قولان: أحدهما: وقت القبض، وإن وقع في وقت يحرم فيه البيع ويقدر جواز البيع حينئذ. والثاني: أنه بعد انقضاء الصلاة، إذ لا قيمة شرعية في وقت النداء إلى انقضاء الصلاة.
وثمرة هذا الخلاف لو اختلفت الأسواق فيما بين الوقتين.
وهل تنزل سائر العقود كالنكاح والصلح والخلع وما في معنى ذلك منزلة البيع في التحريم؟ لا شك في نزولها منزلته لأنها مشغلة، والمفهوم من الآية قطعًا تحريم المشغلات، وذكر البيع لأنه السبب الذي نزلت فيه الآية وهو الشغل في الأكثر.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ر) وفي (ق) متممين على العقد.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
ولكن اختلف في فسخ هذه العقود على القول بفسخ البيع على قولين: أحدهما: أنه يفسخ قياسًا على البيع، والثاني: لا يفسخ لأنها مشبهة به، والمشبه بالشيء دونه في المرتبة. قال الأشياخ: هكذا يجري الأمر في الصلوات وغيرها من العبادات إذا تعيَّن وقتها واشتغل عنها ببيع أو غيره. وهذا فيه نظر، لأن الشريعة شأنها الالتفات إلى الكليات وحماية الذرائع ومنع المشغلات وهذا يظهر في الجمعة. وأما ما سواها فصوره نادرة. والصور النادرة لا يعلق (١) عليها مثل هذه العقوبات كفسخ البيع وما في معناه. قال الأشياخ أيضًا: ومما ينخرط في مثل البيع الشرب من السقاء بعد النداء إذا كان بثمن، وإن لم يدفع إليه الثمن في الحال. وهذا الذي قالوه ظاهر ما لم تدع إلى الشرب ضرورة.
(النداء للجمعة)
وللجمعة نداء وهو المشروع في زمان الرسول ﵇، وهو عند جلوس الإمام على المنبر. ولما كثرت العمارة في أحوال المدينة أمر عثمان ﵁ بالنداء عند الزوال ليأخذ الناس في الأهبة إلى الصلاة والسعي إليها. والأحكام تتعلق بالنداء الثاني لا بالأول. وإذا خرج الإمام فلا خلاف أن [المشروع له] (٢) يسلم على الناس عند خروجه من المقصورة. وإذا صعد على المنبر فهل يسوغ له أن يسلم على الناس؟ في المذهب قولان: المشهور: أنه لا يسلم لاشتغاله بما هو أهم مما صرف إليه. والثاني: أنه يسلم لأنه بموضع يبصره من لا يبصره أولًا، ويسلم على الجميع ثم يجلس.
ولا خلاف في الجلوس الأول في خطبة الجمعة، وأما غير ذلك من الخطب كالاستسقاء والعيدين ففيها قولان: أحدهما: الأمر بالجلوس قياسًا على الجمعة. والثاني: نفيه؛ لأن الجمعة إنما جلس في أول الخطبة انتظارًا للفراغ من الأذان، وهاهنا لا أذان ينتظره. لكن الجلوس أولى إذ به تسكن
_________________
(١) في (ر) يعلق.
(٢) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٢٨ ]
حواس الخطيب (١) ويمكنه المقصود من الوقار (٢).
(حكم النافلة وتحية المسجد بعد صعود الخطيب المنبر)
ولا خلاف عندنا أن النافلة تمنع بصعود الخطيب على المنبر، وفي المذهب قولان: هل تمنع بخروجه من موضعه قاصد إلى الصعود، فلا شك أن امتناعها قبل أخذه في الخطبة حماية للذريعة. والظاهر أن (٣) الحماية للذريعة لا تتعدى إلى خروجه، وإنما يمكن أن يتعلق على صعود المنبر. فإذا صلى فصل النافلة في الوقت الذي ذكرنا أنه ممنوع فهل يقطع أو يتمادى؟ في المذهب قولان، وهما على مراعاة الخلاف؛ فمن لم يراعه أمر بالقطع، ومن راعاه أمر بالتمادي. وقد كان الشيخ أبو القاسم السيوري [﵀] (٤) يقول (٥) إن الأولى جواز الركوع لداخل المسجد (٦) وإن كان الإمام في الخطبة، لما ثبت عنه - ﷺأنه [أمر] (٧) الداخل وهو يخطب بالركوع (٨)،وما ذكره أصحابنا من أن الداخل [كان صعلوكًا وهو رجل] (٩) فقير رث الهيئة فأراد رسول الله -ﷺأن يبصر (١٠) حاله فيتصدق عليه [يرده ما وقع في بعض الطرق من قوله ﵇: "إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس وإن كان الإمام يخطب"، لكن هذا لم [يقطع
_________________
(١) هكذا في (ت) وهو غير واضح في (ر).
(٢) في (ق) من القرار، وفي (ت) منه من الوقار.
(٣) في (ت) من.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ق) و(ر) يرى.
(٦) في (ر) في داخل المسجد، وفي (ت) بداخل المسجد.
(٧) ساقط من (ر).
(٨) أخرج البخاري في الجمعة ٩٣٠ واللفظ له، ومسلم في الجمعة ٨٧٥ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ رَجُل وَالنَّبِيُّﷺ - يَخْطُبُ النَّاسَ يَومَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: "أَصَلَّيتَ يَا فُلاَنُ؟ " قَالَ: لاَ، قَالَ:"قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيِن".
(٩) ساقط من (ق).
(١٠) في (ق) ينظر.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
به] (١) في بعض الطرق (٢) وبين الأصوليين خلاف في انفراد العدل بالزيادة هل تقبل أم لا؟
(حكم الكلام بعد افتتاح الخطبة)
ولا يمنع الكلام بصعود الإمام على المنبر حتى يفتح الخطبة، فإذا افتتحها حرم الكلام إلا أن يكون مجاوبة للإمام. والأصل في ذلك قولهﷺ -:" إذا قال أحدكم لصاحبه أنصت والإمام يخطب فقد لغا" (٣).وهذه مبالغة في منع الكلام، لأن المراد بالإنصات أمر بالمعروف، فإذا عُدَّ لغوًا فأحرى أن يعد غيره من الكلام لغوًا.
وإذا تقرر ذلك قلنا بعده: لا يخلو أن يتكلم الإنسان في حال الخطبة بالقرآن والذكر أو بغيرهما؛ فإن كان كلامه قرآنًا أو ذكرًا وطال فإنه ممنوع لأن فيه اشتغال عن الإنصات للخطبة، وإن لم يطل فإنه جائز، والأولى تركه [خوفًا من أن يستدرجه إلى ما هو أكثر ويشغله ذلك عن الخطبة. وهذا إذا أسر به] (٤)،وإن جهر فقولان: الكراهية، لأن فيه اشتغالًا عن السماع واشتغالًا بغيره. والجواز، ليسارته وهو من جنس المسموع. وإن كان كلامه بغير هذين فإنه ممنوع على كل الأحوال.
وينسحب حكم المنع على حالة جلوس الإمام بين الخطبتين، إذ لو أبحنا (٥) الكلام حينئذ لأمكن تماديه إلى قيام حال الإمام إلى الخطبة الثانية. فإذا لغا الإمام بسب (٦) أحد وذكر ما لا يجوز ذكره له، فهل يحرم الكلام
_________________
(١) في (ق) يقع.
(٢) في (ق) في كل الطرق.
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخاري في الجمعة ٩٣٤، ومسلم في الجمعة ٨٥١، والنسائي في الجمعة ١٤٠١ واللفظ له عَنْ أَبِي هريرَةَ عَنِ النَّبِيِّﷺ - قَالَ: "مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَومَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخطُبُ أنصِتْ فَقَد لَغَا".
(٤) ساقط من (ر) و(ق).
(٥) في (ر) أجزنا.
(٦) في (ق) و(ر) و(ت): بسبب.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
حماية للذريعة، أو يجوز لأنه أخذ فيما لا يلزم (١) استماعه؟ في المذهب قولان. ويلزم من لا يسمع الخطبة من الصمت ما يلزم سامعها لانسحاب حكم السماع عليه. فإن تكلم أحد فلا يأمره من سمعه بالصمت نطقًا. وفيه ورد الحديث. وله أن يشير إليه بذلك.
ويستحب للإمام في حال خطبته أن يتوكأ على قوس أو عصا وما في معنا ذلك. وبه استمر العمل. وفيه شغل عن العبث باليدين. ويخطب قائمًا وإن جلس عصى (٢).
وقد قدمنا ما يجزئ من الخطبة. ولا تقع الخطبة قبل الزوال، فإن فعل كان كمن لم يخطب. وقد قدمنا القولين هل هي فرض أو سنة فيجري إجزاء الصلاة بعد الخطبة قبل الزوال على ما تقدم من ذلك؟ ولا تقدم الصلاة عن الخطبة، فإن فعل كان أيضًا كمن لم يخطب.
ولو أكمل الخطبة ثم وصله كتاب عزله قبل الصلاة فهل يعيد المولى الخطبة؟ أو يجتزي بما تقدم؟ في المذهب قولان. خرجه (٣) أصحابنا على الخلاف في النسخ متى يكون؛ هل وقت النزول والحصول، أو وقت البلاغ (٤)؟ فإن قلنا: إن النسخ وقت النزول أعاد الخطبة، وإن قلنا: إنه وقت البلوغ لم يعد. وإذا حققنا هذا التعليل وقلنا بطرده لزم إعادة الصلاة وإن أكملها على القول بأن النسخ من وقت النزول. وإنما حقيقة الأمر في هذه المسألة أن يجري على كون الخطبة كالجزء من الصلاة فلا يصح أن يخطب إمامًا ويصلي غيره إلا عند الضرورة التي توجب الاستخلاف، أو يقال إن الخطبة ذكر منفصل عن الصلاة فكيفما حصل أجزى. وإذا قلنا بإعادة الخطبة فلم يعدها حتى صلى؛ فإن لم يراع الخلاف كان بمنزلة من صلى بغير خطبة، ولو راعينا الخلاف صحت الصلاة.
_________________
(١) في (ر) يجوز.
(٢) في (ت) فماض، وفي (م) فكما مر، وغير واضحة في (ق).
(٣) في (ق) ويخرجه، وفي (ت) وخرجه.
(٤) في (ر) البلوغ.
[ ٢ / ٦٣١ ]
وإذا أكمل الإمام الخطبة وأقيمت الصلاة لم يحرم الكلام حينئذ عندنا، لأن منعه من حين الخطبة لاشتغاله عن الاستماع.
(عدد ركعات الجمعة)
ومعلوم أن صلاة الجمعة ركعتان، فإن صليت أربعًا فإن كان عمدًا فلا شك في بطلانها، وإن كان سهوًا جرى على القولين فيمن زاد على الصلاة الثنائية مثلها. وإن تصور أن يكون جاهلًا جرى على القولين في الجاهل؛ هل حكمه حكم الناسي، أو حكم العامد؟
(ما يقرأ في الجمعة وحكم الإسرار به)
والقراءة فيها جهرًا، فإن أسر جرى على ما قدمناه في حكم من أسر في الصلاة الجهرية. واستحب أن يقرأ فيها في الركعة الأولى (سورة الجمعة) بعد (فاتحة الكتاب) لما فيها من أحكام الجمعة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه. وأما الركعة الثانية فاستحب مالك ﵀ مرة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، ومرة (سورة الأعلى). وحكي أن قوما يقرأون (سورة المنافقين). وقد روي ذلك عن رسول الله -ﷺ- (١). وبالجملة لا تحديد (٢) في ذلك.
_________________
(١) أخرج مسلم في الجمعة ٨٧٨ واللفظ له، وأبو داود في الجمعة ١١٢٣، وابن ماجه في الجمعة كَتَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْس إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيِر أَيَّ شَيْءٍ قَرَأَ رَسُولُ الله -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ سِوَى سُورَةِ الجْمُعَةِ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ هَل أَتَاكَ. وأخرج مسلم في الجمعة ٨٧٨ واللفظ له، والترمذي في الجمعة ٥٣٣ عَنِ النُّعَمَانِ بْنِ بَشِير قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ- يَقْرَأُ في الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَهَلْ آَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ قَالَ وإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ في يَوْمٍ وَاحِدٍ يَقْرأُ بِهِما أَيْضًا فِي الصَّلاَتَيْنِ. وأخرج مسلم في الجمعة ٨٧٧ واللفظ له، والترمذي في الجمعة ٥١٩ عَنِ ابْن أَبِي رَافِع قَالَ اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الجُمُعَة فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ في الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ إِذا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ قَالَ فَأدْرَكْتُ أبَا هُرَيْرَةَ حِيِنَ انْصَرَفَ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّكَ قَرَأتَ بسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالكُوفَةِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ الله - ﷺيَقْرَأُ بِهِما يَومَ الْجُمُعَةِ.
(٢) في (ر) لا تحذير.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
(وقت الجمعة)
وأول وقت الجمعة عند فقهاء الأمصار إذا زالت الشمس. وما روي أن الصحابة كانوا يقيلون قائلة الضحى بعد صلاة الجمعة (١) لا يقتضي أنها تؤدى قبل الزوال. بل معناه أنهم كانوا يؤخرون القائلة المعتادة في سائر الأيام حتى يأتون بها بعد صلاة الجمعة.
والمستحب أن تصلى بعد الزوال من غير تأخير اقتداء بالرسول ﵇. فإذا اشتد الحرّ فهل يبرد بها كسائر الأيام؟ في المذهب قولان.
وسبب الخلاف النظر إلى فعله ﵇، ولم يرو أنه كان يبرد. والنظر إلى عموم قولهﷺ -: "إِذا اشتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْردُوا بِالصَّلاَةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ من فَيْح جَهَنَّم" (٢). واختلف في آخر وقتها التي تفوت لفواتها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الوقت المختار للظهر، والثاني: آخر وقت الضرورة للظهر، والثالث: أنه ما لم يبق بعد كمالها أربع ركعات للعصر. ومرَّ بنا على ما قدمناه من الالتفات إلى فعل الرسول ﵇. ولا شك أنه لم يأت بها بعد القامة [أو] (٣) قياسًا على الظهر في سائر الأيام. وهو يرجع أيضًا إلى الخلاف؛ هل هي صلاة مستقلة بنفسها، أو بدل عن الظهر. وأما النظر إلى بقاء أربع ركعات للعصر، فيكاد أن (٤) يكون لا وجه له إلا أن يقال هي صلاة تفتقر إلى خطبة وجماعة (٥)، وفي ذلك بعض التطويل. وإذا أخرت عن هذا المقدار لم يكن أداؤها على هيأتها المشروعة.
والمستحب إيجاز الخطبة واختصارها وإكمال الصلاة، وفي الحديث
_________________
(١) أخرج مالك في وقوت الصلاة ١٣ عَنْ مَالِك عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكِ عَنْ أَبِيهِ أنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَرَى طِنْفِسَةً لِعَقِيلِ بْن أبِي طَالِب يَومَ الْجُمُعَةِ تُطِرَحُ إِلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ فَإِذَا غَشِيَ الطِّنفِسَةَ كُلَّهَا ظِلَّ الْجِدَارِ خرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ قَالَ مَالِكٌ ثُمَّ نَرْجِعُ بَعْدَ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ فَنَقِيلُ قَائِلَةَ الضحَاءِ.
(٢) البخاري في مواقيت الصلاة ٥٣٧، ومسلم في المساجد ٦١٥.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) أن لا.
(٥) في (ر) خطبته وجماعة، وفي (ت) الخطبة والجماعة.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
أن ذلك [من فقه الإمام] (١).
(الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة)
وقد قدمنا حكم شروط الوجوب والأداء ولا شك أنها متى تعذرت (٢) أو أحدها: سقطت الجمعة. وقد تسقط لغير ذلك من الأعذار. ويجمعها الخوف (٣) على النفس أو على المال أو الاشتغال بما يتوجه (٤) الاشتغال به. ومثال الخوف على النفس أن يخاف في سعيه أو حضوره من غاصب ولصوص وما في معناهم. ومتى تحقق الخوف على نفسه بذلك سقطت الجمعة عنه بإجماع. وكذلك إن خاف منهم على ماله أو مال غيره. وإما الاشتغال بما يتوجه عليه كاشتغاله بالقيام على مريض يقرب منه ويحاذر أن يموت في غيبته.
وقد اختلف في مسائل هل [تنتهض] (٥) عذرا أم لا؟ منها مسألة العروس، تأتي الجمعةُ وهو في أسبوعه؛ فالمشهور من المذهب أنه يخرج إليها، والشاذ إسقاطها عنه. وأراد أبو الحسمن اللخمي أن يجعل القول بالسقوط على القول بأن الجمعة فرض على الكفاية لا على الأعيان (٦). وهذا لا يقوله أحد من أهل المذهب، وإنما يقوله أهل الظاهر وبعض
_________________
(١) في (ر) من فقهاء الأمصار. وقد أخرج مسلم في الجمعه ٨٦٩ قَالَ أبُو وَائِل: خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أبَا اليَقظْانِ، لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلوْ كُنْتَ تنفَّسْتَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِﷺ- يَقُولُ:"إِنَّ طُولَ صَلاةَ الرّجُلِ وَقِصَرَ خُطبَتِهِ مَئنَّة مِنْ فِقْهِهِ فَأطِيلُوا الصَّلاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطبَةَ وَإنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا". والمئنة العلامة والدليل، قال أبو عبيد: يعني أن هذا مما يُعرف به فقه الرجل ويستدل به عليه، وكذلك كل شيء دلّك على شيء فهو مئنة له. انظر الغريب لابن سلام ٤/ ٦١.
(٢) في (ق) فقدت.
(٣) في (ق) مثل الخوف.
(٤) في (ت) يتوجه عليه.
(٥) بياض في (ر).
(٦) التبصره ص:١٢٥.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
أصحاب الشافعي، وجمهور الأمة على خلافه. والخلاف في التخلف على مقابلة لزوم حق المرأة ولزوم فرض الجمعة.
ومنها: إذا اشتدّ المطر وكثر الوحل هل تسقط الجمعة لذلك أم لا؟ قولان. وهما على خلاف في حال؛ فإن أكثر ذلك وبعدت الطريق حتى يكون السعي إليها حرجًا سقطت، وإن كان الأمر بالعكس لم تسقط.
ومنها: اتفاق العيد والجمعة. واختلف هل للإمام أن يأذن لمن شهد العيد ممن بعدت داره عن محل الجمعة وإن كانت تلزمه فيكتفي بشهود العيد. والمشهور أنه لا يأذن في ذلك ولا ينتفع بإذنه [إن فعل. والشاذ] (١) صحة إذنه. وقد أذن عثمان بن عفان ﵁ لأهل العوالى في التخلف (٢). وهو أيضًا خلاف في حال هل يؤدي رجوعهم إلى أمكنتهم ثم عودتهم إلى الجمعة إلى مشقة أم لا؟
ومنها: أن يقيم الحاج بمكة مدة يحصل بها حكم إتمام الصلاة فتأتي الجمعة يوم التروية؛ ففيه قولان: المشهور وجوب شهود الجمعة، والشاذ أنه يخرج فيصلي ظهرًا. وهو خلاف في مقابلة الجمعة بما أمروا به من المناسك. فإن لم يقم (٣) ما يوجب إتمام الصلاة، فلا خلاف أنه لا يلزمه شهود الجمعة.
ووقع لسحنون فيمن خاف إن شهد الجمعة أن يحبس في دين عليه إنه لا يسقط عنه شهود الجمعة، وسواء كان مليئًا بالدين أو فقيرًا (٤). واعترض أبو الحسن اللخمي قوله في الفقير (٥). ولعلَّ سحنون [إنما] (٦) تكلم على
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) أخرجه البخاري في الأضاحي ٥٥٧٣ وفيه: قَاَلَ أَبُو عُبَيْدٍ ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدّ مَعَ عُثمَانَ بْنِ عَفَّانَ فكَانَ ذَلِكَ يّوْمَ الْجُمُعَةِ فَصَلَّى قّبْلَ الْخُطبَةِ ثُمَّ خَطَبَ فَقَالّ: يّا أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكمْ فِيِهِ عِيدّانِ فَمَنْ أحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الْعَوّالِي فَلْيَنْتَظِرْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فقَدْ أذِنْتُ لَهُ.
(٣) في (ق) لم يحصل.
(٤) في (ق) و(ت) أو معسرًا.
(٥) التبصرة ص: ١٢٥.
(٦) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٣٥ ]
صورة ولم يظهر (١) فقره فيها، وإذا ظهر ترك. أو على صورة يتوجه عليه الحبس لأنه مظهر للفقر. وأما لو تحقق فقره وعلم أنه لو ظهر تحققه لم يترك فلا شك في سقوط الجمعة عنه، لأن هذا من الضرر البيَّن.
وألحقوا بالأعذار أن يفقد الأعمى قائدًا ولا شك أنه إن لم يمكنه السعي إلا بمن يقوده أو كان عليه في الانفراد مشقة كبيرة فتسقط عنه الجمعة.
(حكم من فاتتهم الجمعة)
وأما إذا فاتت صلاة الجمعة فهل لمن فاتتهم أن يجمعوا ظهرًا؟ إن شئت قلت المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم يجمعون مطلقًا لإدراك فضل الجماعة. والثاني: أنهم لا يجمعون حماية للذريعة لئلا يتخلف أهل البدع فيظهرون أعذارًا ثم يجمعون لأنفسهم. والثالث: أنهم يجمعون إن ظهر العذر، ولا يجمعون إن لم يظهر العذر. لأنهم متى ظهر لم يكن في ذلك تطرقًا لأهل البدع.
وإن شئت قلت إن لم يظهر العذر فقولان: [المشهور أنهم لا يجمعون، والشاذ أنهم (٢) يجمعون. وإن ظهر العذر فقولان] (٣): المشهور هاهنا عكس المشهور الأول.
(حكم من صلى الجمعة ظهرًا قبل إقامتها)
وإذا صلَّى الظهر من تجب عليهم الجمعة قبل إقامتها فقولان: المشهور من المذهب بطلان صلاته ووجوب الإعادة، والشاذ الاكتفاء بها. ويمكن إجراء هذا على الخلاف في النهي؛ هل يدل على (٤) فساد المنهي
_________________
(١) في (ق) إنما في صورة يظهر.
(٢) في (ت) إن ظهر العذر فقولان المشهور أنهم يجمعون والشاذ أنهم لا يجمعون.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ق) هذا على.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
عنه، أو على الخلاف في صلاة الجمعة هل هي عوض عن الظهر. فإذا رجع إلى الأصل أجزأه؟ أو هي صلاة قائمة بنفسها فإذا أدَّى الظهر قبل فوات الجمعة كان مصليًا لغير ما وجب عليه؟ وقد نجز (١) غرضنا من أحكام الجمعة بقدر هذا المجموع، ولعل ما قدمنا يأتي على مسائلها تصريحًا وتلويحًا. وبالله التوفيق.
باب في أحكام صلاة الخوف
ولا خلاف أن للخوف تأثيرًا في الصلاة على الجملة، وعندنا أنه يؤثر في الهيئة لا في العدد. والمسافر يصلي ركعتين، والحاضر على ما نبيّنه يصلي أربعًا. والخوف على قسمين:
(الخوف الذي يمنع من الجمع وأداء الصلاة على هيئتها)
قسم يمنع الجمع، ويعجز (٢) عن إكمال الصلاة على هيئتها المعهودة. وذلك بأن يكون من وجب عليه إكمال الصلاة في حال المطاعنة والمضاربة وما في معناه، فهذا يمهل المكلف عندنا حتى إذا خاف فوات الوقت صلى بحسب ما أمكنه، ولا يشترط استقبال القبلة إن لم يمكنه الاستقبال للركوع والسجود، ولا القيام، ولا لزوم موضع واحد، ولا ترك فعل يحتاج إليه من الطعن والضرب والكر والفر، أو قول يفتقر إليه من التنبيه لغيره والتحذير لعدوه إن افتقر إلى ذلك بالجملة بقولِ أو فعلِ كل ما يضطر إليه. ويترك من أحكام الصلاة كل ما هو مضطر إلى تركه، وتجزيه صلاته.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣)،وما
_________________
(١) في (ق) ثم.
(٢) في (ق) يحصر وفي (م) و(ت) و(ر) يعجل، ولعل الصواب ما أثبته وهي في (ل).
(٣) البقرة: ٢٣٩.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
روي عنه -ﷺأنه أخَّر الصلاة في يوم الخندق حتى غربت الشمس (١)، فإنما ذلك قبل نزول حكم صلاة الخوف.
ويستوي في هذا حكم الحاضر والمسافر. [ولا أعلم بين المتأخرين] (٢) خلافًا في حكم هذه الصلاة على الجملة، وأن الخوف الذي هو صفته مؤثر في الصلاة، وإن اختلفوا في التفاصيل.
فإذا افتتحت الصلاة على هذه الصفة لوجود الخوف، ثم ارتفع في أثنائها ولم يبق ما يخاف ولا ما يطلب، فإنهم يتمونها على حالة الكمال وتجزي. ويكون ذلك بمنزلة من افتتح صلاته جالسًا (٣) أو مضطجعًا ثم صحَّ في أثنائها.
وإن انهزم العدو في أثناء الصلاة فهل يباح إكمالها مع الاشتغال والطلب، أو يشتغل بإكمال الصلاة على هيئتها من غير خوف؟ في المذهب قولان. والظاهر أنها خلاف في حال لا في فقه؛ فإن علم انهزام العدو وأمنت عودته وكان إن ترك لا يخشى [مضرته (٤) في أثناء حال الاشتغال بإكمال الصلاة (٥) وإن لم تؤمن] (٦) عودته أو خيف إن لم يستأصل عودته ومضرته جاز طلبه مع مخالفة هيئة الصلاة.
(الخوف الذي يتوقع فيه مضرة العدو)
والقسم الثاني خوف يتوقع فيه مضرة (٧) العدو إن اشتغل (٨) الكل
_________________
(١) أخرج البخاري في الجهاد ٢٩٣١ واللفظ له، ومسلم في المساجد ٦٢٧ عَنْ عَلِيِّ ﵁ قَالَ لَمَّا كَانَ يَومُ الأَحْزَاب قَالَ رَسُولُ اللهِ:"مَلأ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُوَرَهُمْ نَارًا شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ".
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ق) بالإيماء جالسًا.
(٤) في (ق) عودته.
(٥) لم أقف على جواب الشرط في كل النسخ.
(٦) ساقط من (م) و(ق).
(٧) في (ت) يتوقع فيه مع معرفة، وفي (ق) يتوقع فيسمعون.
(٨) في (ت) و(ر) و(ق) وإن اشتغال.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
بالصلاة، فإن أرادوا أن يصلوا أفذاذًا فذلك (١) لهم إذا كان الموضع مما [لا] (٢) يشتمل عليه حكم الإمام. وهكذا لو أرادوا أن تصلي طائفة [بإمام وأخرى بإمام] (٣) جاز كما قدمناه. وإن أراد الإمام أن يصلي بالكل جماعة يفرقهم لطائفتين؛ فإن كانوا في سفر، فجمهور العلماء على جواز ذلك على الجملة، والأصل في ذلك فعل الرسول ﵇ وإقتداء الصحابة في بعده. وقد صلاَّها علي وغيره من الصحابة بطائفتين على ما سنذكره. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٤) الآية لا يقتضي عند الجمهور اختصاص الوصول ﵇ بذلك، بل خوطب بهذه الآية الإمام، وكل من كان إمامًا بعده فإنه حالٌّ محله في هذا المعنى. قال ابن القصار: المروي عنه -ﷺ - أنه صلاها في عشرة مواضع (٥) والذي عوَّل
_________________
(١) في (ر) أفذاذًا أو جماعة وينفرد البعض فيصلون وحدهم أفذاذًا بعدهم فذلك.
(٢) ساقط من (ق) و(م).
(٣) في (ر) بإمام واحد.
(٤) النساء: ١٠٢.
(٥) قال الشوكاني:"وقد اختلف في عدد الأنواع الواردة في صلاة الخوف فقال ابن القصار المالكي: أن النبيﷺصلاها في عشرة مواطن. وقال النووي: أن يبلغ مجموع أنواع صلاة الخوف ستة عشر وجهًا كلها جائزة وقال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي ﵌ في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ. في الحراسة فهي على اختلاف صورها متفقه المعنى. وسرد ابن المنذر في صفتها ثمانية أوجه وكذا ابن حبان وزاد تاسعًا وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجهًا وبينها في جزء مفرد. وقال ابن العربي: جاء فيها روايات كثيرة أصحها ست عشرة رواية مختلفة ولم يبينها، وقد بينها العراقي في شرح الترمذي وزاد وجهًا آخر فصارت سبعة عشر وجهًا وقال في الهدى أصولها ست صفات وبلغها بعضهم أكثر وهؤلاء كما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهًا فصارت سبعة عشر لكن يمكن أن تتداخل أفعال النبي ﵌ وإنما هو من اختلاف الرواة. قال الحافظ: وهذا هو المعتمد، وقال ابن العربي إيضًا صلاها النبي ﵌ أربعًا وعشرين مرة. وقال أحمد ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز". نيل الأوطار: ٤/ ٣.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
عليه العلماء وثبت عندهم ثلاثة مواضع: ذات الرقاع (١) وعسفان (٢) وذات النخيل.
_________________
(١) أخرج البخاري في المغازي ٤١٣٠، ومسلم في المسافرين ٨٤٢ واللفظ له عن يحيي بن يحيي قال: قرأت على مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله -ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. وسبب تسميتها بذات الرقاع كما في صحيح مسلم في كتاب المغازي ١٨١٦ عن أبي موسى قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه قال فنقبت أقدامنا فنقبت قدماي وسقطت أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق.
(٢) قال ابن كثير:"لما أصيب خبيب وأصحابه خرج رسول الله طالبًا بدمائهم ليصيب من بني لحيان غرة فسلك طريق الشام ليرى أنه لا يريد بني لحيان حتى نزل بأرضهم فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال فقال رسول الله: لو أنا هبطنا عسفان لرأت قريش أنا قد جئنا مكة فخرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم ثم انصرفا فذكر أبو عياش الزرقي أن رسول الله صلى بعسفان صلاة الخوف وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا الثوري عن منصور عن مجاهد عن ابن عياش قال: كنا مع رسول الله بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا رسول الله صلاة الظهر فقالوا قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ثم قالوا تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم قال فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة قال فحضرت فأمرهم رسول الله فأخذوا السلاح فصففنا خلفه صفين ثم ركع فركعنا جميعًا ثم رفع فرفعنا جميعًا ثم سجد بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء قال: ثم ركع فركعوا جميعًا ثم رفع فرفعوا جميعًا ثم سجد الصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا ثم سلم عليهم ثم انصرف قال فصلاها رسول الله مرتين مرة بأرض عسفان ومرة بأرض بني سليم ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن منصور به نحوه وقد رواه أبو داود عن سعيد بن منصور عن جرير بن عبد الحميد والنسائي عن الفلاس عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن التعليق". البداية والنهاية: ٤/ ٨١.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
وهل يصليها إمام واحد بطائفتين في الحضر؟ في المذهب قولان: المشهور جوازه، والشاذ منعه.
وسبب الخلاف ما قدمناه من الخلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١)؛ هل هو قصد عدد، أو قصد هيئة؟ فإن قلنا إنه قصد عدد جاء منه المشهور، وإن قلنا إنه قصد هيئة جاء منه اختصاص السفر بالصلاة والخوف كما في الشاذ. ويحتج هؤلاء بأن الرسول - ﷺ - لم يصليها كذلك يوم الخندق مع حاجته إلى صلاتها بطائفتين. وقد قدمنا ما قيل بأن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف.
(كيفية الجمع في الخوف)
وإذا تقرر ما قلناه وأوجب [الخوف] (٢) منع الجمع إلا أن تكون طائفة مواجهة العدو، فكيف صورة أدائها؟ لا خلاف عندنا أن الإمام يقسم الجيش إلى قسمين فيصلي بالقسم الأول شطر الصلاة إن كانت ثنائية أو رباعية، وبالقسم الثاني شطرها. وإن كانت صلاة ثلاثية كصلاة المغرب صلىَّ الأول ركعتين وبالثاني (٣) ركعة. وإذا صلى بالأول كما قلنا فهل يتمون لأنفسهم أم ينصرفون قبل الإتمام؟ (٤) في المذهب قولان: المشهور أنهم يتمون لأنفسهم ثم ينصرفون وقد كملوا الصلاة. والقول الثاني أنهم ينصرفون قبل أن يكملوا فيكونوا مواجهة العدو وهم في حكم الصلاة.
وسبب الخلاف اختلاف الرواية في الحديث عن صلاته - ﷺفي ذات الرقاع، فروى ابن عمر أن الطائفة الأولى لم تكمل إلا بعد صلاة الإمام،
_________________
(١) النساء:١٠١.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) و(ت) الثانية.
(٤) في (ق) و(ت) الإتمام.
[ ٢ / ٦٤١ ]
كالقول (١) الشاذ. وروى القاسم بن محمد (٢) ويزيد بن رومان (٣) أنهم أكملوا. والآية محتملة للقولين، فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ (٤) يحتمل أن يريد: سجدوا مع الإمام، ويحتمل أن يريد: سجدوا لأنفسهم. والعبارة بالسجود هاهنا عن إكمال الركعة، وآخر ما يفعل منها السجود.
ومن جهة المعنى لأنه لا بدّ من الوقوع في أحد المكروهين؛ إما السلام قبل الإمام وأصول الشريعة تقتضي منعه، وإما العمل من المشي والحراسة والانتظار وأصول الشريعة تقتضي منعه، والنظر إلى التغليب هو مثار الخلاف.
وإذا قلنا إنهم يكملون لأنفسهم فإن كانت صلاة [حضر] (٥) أو صلاة المغرب فهل يجلس الإمام حتى تأتي الطائفة الثانية بعد كمال هذه، أو يقوم فينتظرهم قائمًا؟ في المذهب قولان. وسببهما أيضًا تقابل مكروهين. ومنها زيادة جلوس مستغنى عنه أو وقوف كذلك.
وإذا قلنا إنه يقوم، فهل يقرأ أو يسبح أو يذكر الله تعالى؟ في المذهب قولان. وهما على ذلك الأصل أيضًا، لأن المشروع افتتاح الصلاة بالقراءة، ومتى فعل (٦) ذلك، فاتت الطائفة الثانية القراءة، ولا بد من الوقوع في أحد
_________________
(١) في (ر) الإمام انظر كالقول.
(٢) هو: القاسم بن محمد أبو خليفة رسول اللهﷺ- أبي بكر الصديق .. الإمام القدوة الحافظ الحجة عالم وقته بالمدينة مع سالم وعكرمة أبو محمد وأبو عبد الرحمن القرشي التيمي البكري المدني ولد في خلافة الإمام علي، فروايته عن أبيه عن جده انقطاع على انقطاع فكل منهما لم يلحق أباه، وربي القاسم في حجر عمته أم المؤمنين عائشة وتفقه منها وأكثر عنها، حدث عنه خلق كثير قال ابن المديني: له مئتا حديث .. وكان ثقة عالمًا رفيعًا فقيها إمامًا ورعًا كثير الحديث. سير أعلام النبلاء ٥/ ٥٣ - ٦٠.
(٣) هو: أبو روح يزيد بن رومان القارئ مولى آل الزبير بن العوام المدني سمع ابن عباس وعروة بن الزبير ﵃ وروى القراءة عنه عرضًا نافع ابن أبي نعيم. توفي يزيد في سنة ثلائين ومائة. وفيات الأعيان: ٦/ ٢٧٧.
(٤) النساء:١٠٢.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ق) فتح.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
المكروهين. وإن كانت صلاة سفر (١) أو الصبح قام بلا خلاف.
ويختلف هل يقرأ أو يسبح (٢) كما قدمنا؟ قال بعض الأشياخ: أما حيث لا تكون القراءة إلا بفاتحة الكتاب فينبغي أن يسبح، لأنه إن لم يفعل ذلك فاتت القراءة جملة. وأما حيث تكون القراءة بأم القرآن وسورة فيفتح بالقراءة، لأنهم يدركون بعضها.
وإذا قلنا إنهم لا يكملون، فمتى يكون قضاؤهم اختلف في التأويل عن (٣) أشهب وهو القائل بأنهم لا يكملون فقيل: تقضي الطائفتين إذا أكمل الإمام بالطائفة الثانية ويكون الإمام وحده [مواجهة العدو] (٤)، وقيل تقضي الطائفة الثانية ثم ينصرف فتأتي الأولى فتقضي. وهذا هو الصحيح، ولو لم يفعل ذلك واشتغلت الطائفتان بالقضاء، لخيف معرفة العدو ولم يكن للتفريق فائدة.
واختلف على القول بأن الطائفة الأولى تكمل الصلاة ثم تأتي الثانية فيصلي بهم هل يسلم عند انقضاء صلاته، أو ينتظرهم حتى إذا أكملوا سلم بهم؟
وسبب الخلاف اختلاف الروايتين رواية القاسم ورواية يزيد؛ ففي رواية القاسم أنه ﷺ عند إكمال صلاته (٥)، وفي رواية يزيد أنه
_________________
(١) في (ر) ظهر.
(٢) في (ق) أو يذكر.
(٣) في (ق) على.
(٤) ساقط من (ر) و(ق).
(٥) في (ق) الصلاة. والحديث هو ما رواه مالك عن يحيي بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات الأنصاري "أن سهل بن أبي خيثمة حدثه أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه وطائفة مواجهة للعدو فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم فإذا استوى قائمًا وثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية ثم سلموا وانصرفوا والإمام قائم وكانوا وجاه العدو ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام يركع بهم ويسجد ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية ويسلمون".التمهيد لابن عبد البر.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
انتظرهم (١). والأصل السلام (٢) عند الإكمال، وأما الانتظار فلِيَحْصُلَ لهم من الفضل بسلام الإمام ما حصل للأولين بالإحرام.
(كيف يسجد للسهو في صلاة الخوف)
ولو طرأ في هذه الصلاة سهو؛ فأما على القول إنهم لا يكملون فيكون سجود الجميع بعد السلام (٣) إن كان السجود بعد السلام، فإن كان قبله فتتابعه الطائفة الثانية فيه، وتسجد الأولى إذا كملت لنفسها. وأما على القول بأنهم يكملون فتسجد الطائفة الأولى عند انقضاء صلاتها إن كان قبل، أو بعد السلام إن كان بعد. وأما الطائفة الثانية فعلى رواية القاسم يسجدون مع الإمام إن كان قبل [السلام] (٤) عند انقضاء صلاته، وإن كان بعد، كان حكمهم حكم المسبوق، ويسجد الإمام ولا يسجدون معه إلا بعد أن يكملوا ويسلموا.
وأما على رواية يزيد فإن كان السجود بعد السلام فإذا سلم بهم سجدوا، وإن كان قبل فالمنصوص أنه يسجد (٥) بهم عند إكماله. وأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف في المسبوق المستخلف هل يسجد بهم عند انقضاء صلاة الإمام أو عند انقضاء صلاته؟ وهذا ليس من هذا الباب لأن الخلاف في مسألة المستخلف على تغليب حكم الإمام الأول وحكم الإمام الثاني، وهاهنا لا حكم إلا لإمام واحد، وإنما أخر السلام لتنال الطائفة الثانية فضل السلام معه، فكأنه إنما سلم بعد صلاته.
(بعض فروع هذا الباب)
هذا أصل الكلام في صلاة الخوف على المذهب وفاقًا وخلافًا. وينظر
_________________
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) في (ق) و(ت) سلامه.
(٣) في (ر) الإمام.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ق) أنهم يسجدون عند إكمالهم.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
بعده في فروع منها: لو خولفت (١) هذه الرواية (٢) فصلى المغرب بثلاث طوائف، صلت معه كل طائفة بركعة. أو صلى في الحضر الصلاة الرباعية بأربع طوائف بكل طائفة ركعة.
فأما الطائفة الأولى في المغرب (٣) والطائفة الثانية في الرباعية فصلاتهم باطلة باتفاق أهل المذهب. وهذا لأنهم وجب عليهم أن يأتوا بالركعة الأخرى مقتدين فأتوا بها أفذاذًا من غير عذر يطرأ على إمامهم، وذلك مما يبطل الصلاة.
وأما الإمام والطائفة الثانية في المغرب وفي الصلاة الرباعية والرابعة في الصلاة الرباعية ففي صحة صلاتهم قولان: أحدهما: أنها صحيحة، لأنهم كالمسبوقين في صلاة الخوف. والثاني: أنها باطلة، لمخالفتهم سنة الصلاة.
ومنها: لو اجتمع على بعض القضاء والبناء، بأيهما يبدأ؟ وقد قدمنا ذلك مستوفيًا في باب الرعاف، وذكرنا ما فيه من الخلاف. لكن اختلف في مدرك الركعة الثانية من المغرب أو من (٤) الصلاة الرباعية في الحضر هل يقوم للقضاء أو البناء (٥) إذا تمت الطائفة الأولى؟ أو يمهل بالقضاء حتى يفرغ الإمام من سائر صلاته، إذ لا يمكن القضاء إلا بعد سلام الإمام؟ في ذلك قولان.
ومنها: لو صلى بالطائفة الأولى فأحدث (٦) حتى افتقر إلى الاستخلاف، فإن كان قد كمل صلاة الطائفة الأولى فإنه لا يستخلف لأن حكم إمامته على (٧) المقتدين به قد انقضى، وإنما [يجدد] (٨) الإمام بالطائفة الثانية فلا
_________________
(١) في (ر) اختلفت.
(٢) في (ر) و(ق) الرتبة.
(٣) في (ت) في المغرب والرباعية والطائفة الثالثة.
(٤) في (ر) في المغرب عن الصلاة أو من.
(٥) في (ر) و(ت) والبناء.
(٦) في (ر) بالطائفة واحدة حتى.
(٧) في (ر) إمامة المقتدين.
(٨) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٤٥ ]
يستخلف قبل حصول كونه إمامًا. وإن كان لم يكملا صلاته بالطائفة الأولى فإنه يستخلف لبقاء حكم الإمامة.
ومنها: لو صلى بالطائفه الأولى مع وجود الخوف فذهب الخوف؛ فهل للطائفة الثانية أن يدخلوا معه لو بقي الخوف؟ في المذهب قولان: أحدهما: صحة دخولهم معه، ويكونون كالمسبوقين. والثاني: [أنهم لا] (١) يدخلون معه، لأنهم إنما عوَّلوا على الاقتداء به ما دام الخوف باقيًا، فإذا ذهب الخوف فهو خلاف ما عوَّلوا عليه أولًا، ويتم بالطائفة الأولى إن كانت لم تفعل لأنفسها شيئًا، فإن فعلت أمهلت حتى يصلي الإمام لنفسه ما عليه (٢) ثم يقتدوا به إن كان بقي عليها (٣) من صلاتها شيء.
ومنها: لو طرأ (٤) الخوف ثم انكشف الغيب بعدمه فالمنصوص من المذهب صحة الصلاة وإسقاط الإعادة. واستحب ابن المواز الإعادة في الوقت؛ وقد يقال: يجري الخلاف في الإعادة بعد (٥) الوقت على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ ولعلَّ هذا لم يقل به أحد من أهل المذهب، لأنهم ما صلوا الخوف إلا وهم مجوزون بالخوف فلا يأمنون عودته وإن انكشف خلافه. وعكس هذا لو صلى بهم صلاة أمن فطرأ الخوف وهم في الصلاة، فالحكم أن تنقطع طائفة فتكون بوجهة العدو ويصلي الإمام بالذين معه، ثم يصلي على ترتيب صلاة الخوف. وهذا إذا كان لم يشرع في النصف الثاني من الصلاة، وأما إن شرع فيه حتى ركع أو سجد فلا بد من قطع طائفة، ويتم بالأولى وتصلي الطائفة الثانية لنفسها إما أفذاذًا وإما بإمام آخر.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) و(ت) ما فعلته.
(٣) في (ق) عليه.
(٤) في (ر) ظهر.
(٥) في (ر) في الوقت.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
باب في صلاة الكسوف
(تعريف الكسوف)
وهي عبارة عن ظلمة أحد المنيرين (١)، الشمس والقمر، أو بعضهما (٢). وقد اختلف في لفظ الكسوف والخسوف، فقيل: هما مترادفان على معنى واحد، وقيل: هما مختلفان. وأختلف على القول بالاختلاف فقيل: الخسوف يختص بالقمر والكسوف بالشمس، وقيل: الخسوف ظلمة جميع الشمس والقمر. والكسوف ظلمة البعض. والتحاكم في هذا إلى [أهل] (٣) اللغة.
(حكم صلاة الكسوف)
ومقصودنا أحكام الصلاة المتعلقة بهذا الحادث. وقد ثبت عن رسولﷺأنه صلى عند الكسوف فقال:"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى الصلاة" (٤)، وفي حديث آخر:"فصلوا وادعوا وتصدقوا" (٥)، إلى ما في هذا المعنى. وقد قدمنا أن الصلاة عند كسوف الشمس سنة وعند خسوف القمر فضيلة. ولا خلاف في كسوف الشمس، وأما خسوف (٦) القمر فأكثر
_________________
(١) في (ر) البدرين، وفي (م) النيرين.
(٢) في (ق) لا بعضهما.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخاري في الجمعة ١٠٤٤، ومسلم في الكسوف واللفظ له ٩٠١ عَنْ عَائِشَةَ وفيه:"إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانْ مِنْ آيَاتِ اللهِ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدِ وَلاَ لِحيَاتِهِ فَإذَا رَأَيتُمُوهَا فَافزَعُوا لِلصَّلاةِ".
(٥) فقد ورد عند ابن خزيمهّ عن ابن عمر أن الشمس كسفت يوم مات إبراهيم ابن رسول الله -ﷺ- فظن الناس أنها كسفت لموته فقام النبيﷺفقال:"أيها الناس، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فأفزعوا إلى الصلاة وإلى ذكر الله وأدعوا وتصدقوا". صحيح ابن خزيمة: ٢/ ٣٢٨.
(٦) في (ر) كسوف.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
أهل المذهب على ما قلناه. وقال أبو الحسن اللخمي إنه سنة (١). وقد قدمنا ما يؤخذ (٢) منه سبب الخلاف إن ثبت هذا الخلاف. وقد قال بعض أهل العلم: إن الشريعة أرادت إلحاق صلاة الكسوف وصلاة العيدين بالصلاة الرباعية. لكن قد يؤدي كونها في صفة الرباعية إلى أن يعتقد فرضيتها، فأتت بما يشعر بإلحاقها إلى الرباعية ومخالفتها لها ليعلم أنها مقصرة عن الفروض. ولهذا شرعت صلاة الكسوف ركعتين وجعلت في كل ركعة ركوعين. وشرعت في صلاة العيدين من التكبير عدد ما يستوفي عدد تكبيرات الصلاة الرباعية.
وهذا الذي قاله وإن كان يروق فهو حكاية عن مقصود صاحب الشريعة بما لم ينص عليه، وقد يكون غير مقصود وإنما من محكاة الشريعة حتى تنقاد القلوب إلى العبودية بفعل [ما] (٣) لم يعلم سببه [في صفة صلاة الكسوف] (٤).
(صفة صلاة الكسوف)
وصفة صلاة الكسوف عندنا أن يجمع الإمام الناس. واختلف في موضع الجمع؛ فقيل المسجد، وقيل يبرز لها كالعيدين والاستسقاء. فالأول: التفات إلى الاحترام بالمسجد، لأنها آية كبيرة ولا يؤمن ما يكون عقيبها. والثاني: قياسًا لها على العيدين والاستسقاء، فيفتتح (٥) بهم الصلاة.
واختلف هل يسر القراءة وهو المشهور، أو يجهر بها وهو الشاذ؟
وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث؛ فثبت عنه ﷺ أنه جهر في أكثر الطرق، وأنه أسر. واستدلَّ على ذلك بكون الرواة يقدرون مقدار قراءته. ولو جهر لصرحوا بما قرأ به. ولا خلاف في المذهب عندنا أن القراءة
_________________
(١) التبصرة ص: ١٣٧.
(٢) في (ق) متى يوجد منه.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) ساقط من (ق).
(٥) كذا في (ق) و(ر)، وفي (ت) فيفتح.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
تكون أطول (١) منها في سائر الصلوات (٢). والذي نص في المشهور أنه يقرأ في القيام الأول بسورة البقرة أو نحوها، ثم يرتب [قراءته] (٣) على نحو ترتيب السور. والذي قاله القاضي أبو محمد يطيل طولا لا يضر بمن خلفه. وعدَّ هذا أبو الحسن اللخمي خلافا، (٤) والظاهر أنه ليس بخلاف. ولا ينبغي، أن يطيل إذا أضر (٥)، ولا يقصر إذا لم يضر (٦). وعلى أي حال كانت القراءة فإنه يركع الركوع الأول ويكبر به ثم يطيل ويجعل طوله [دون] (٧) طول قراءته ولا يقرأ في الركوع بل يسبح. وهل يدعو؟ يجري على ما قدمناه من الخلاف في جواز الدعاء في الركوع. ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، كما يفعل في سائر الصلوات. ويقول المقتدون: ربنا ولك الحمد.
ثم اختلف هل يفتح القيام الثاني بقراءة الفاتحة، أو يتركها ويقرأ السورة؟ فالمشهور أنه يقرأ الفاتحة لأنه قيام بعد ركوع فأشبه القيام إلى الركعة الثانية، والشاذ أنه يقتصر على السورة. وهذا لأن هذا القيام متصل بالقيام الأول، وهو في حكم القيام الواحد. والدليل على ذلك اتفاق أهل المذهب على أن من أدرك القيام الثاني تصح له الركعة ولا قضاء عليه للركوع الأول. ويجعل قراءته في القيام الثاني دون قراءته في القيام الأول. وهكذا يرتب في سائر الصلوات، ويطيل الركوع الثاني، [وهو] (٨) دون الركوع الأول. ثم إذا رفع من الركوع الثاني اعتدل كسائر الصلوات ولم يزد على ذلك ثم يخر للسجود.
واختلف هل يطيله كطول الركوع أو يسجد كسائر سجود النوافل؟ في
_________________
(١) في (ر) أكثر بشيء منها.
(٢) في (ق) النوافل.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) التبصرة ص: ١٣٧.
(٥) في (ق) أضر بمن خلفه.
(٦) في (ر) يضر خلفه.
(٧) ساقط من (ت).
(٨) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٤٩ ]
المذهب قولان: مذهب الكتاب أنه يطيل، (١) وفي مختصر ابن عبد الحكم لا يطيله.
وسبب الخلاف أن أكثر الأحاديث تقتضي عدم الطول في السجود، وفي بعضها أنه أطال. وقد ذكرنا الاختلاف في زيادة العدل هل يلزم العمل بها أم لا؟ ويفعل في الثانية كما فعله في الأولى، ولا يطيل الجلوس بين السجدتين بلا خلاف أعلمه.
وهذا (٢) الذي قلناه من أنه يفعل في الركعة الثانية ما فعله في الأولى إن بقي الكسوف لم ينجل. فإن انجلى بعد أن كمل الركعة [الأولى] (٣)، فهل يتم الثانية على سنة صلاة الكسوف، أم على سنة صلاة النوافل؟ [في المذهب قولان: أحدهما: أنه يتمها على سنة صلاة الخسوف [وفاقا لما دخل] (٤) عليه، والثاني: أنه يتمها على سنة صلاة النوافل] (٥)،لزوال سبب تغيرها عن حكم النوافل.
وهل يؤمر بهذه الصلاة كل مكلف لقولهﷺ-"فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ" (٦)، فعم. أولًا يؤمر بها إلا من تلزمه الجمعة، لأن المقصود بها الاجتماع هكذا ورد في الشريعة الجمع لها في المذهب قولان (٧).
ومتى يجوز فعلها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: ما لم تزل الشمس، قياسًا على الاستسقاء والعيدين. والثاني: ما لم تصل العصر، كسائر النوافل. والثالث: ما لم تصفر الشمس. وقد قدمنا الخلاف في السنن هل تفعل بعد العصر أم لا؟
_________________
(١) المدونة: ١/ ١٦٣.
(٢) في (ق) وهو.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) لعلها كذلك وهي غير واضحة في سائر النسخ.
(٥) ساقط من (ق).
(٦) أخرجه البخاري في الجمعة ١٠٤٦،وأبو داود في الصلاة ١١٧٧.
(٧) كذا في سائر النسخ.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
فصل (في صلاة الخسوف)
وأما خسوف القمر فالمذهب على أن الصلاة له كسائر النوافل من غير تغيير. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة تغير على حسب صلاة كسوف الشمس. ولم يثبت عنه ﷺ التغيير من طريق صحيح، لكن جمَعهما في اللفظ، وقال: "فافزعوا إلى الصلاة" كما تقدم. وبين الأصوليين خلاف في الجمع هل يقتضي التشريك في الحكم أم لا.
واختلف هل يجمع لخسوف القمر أو ينهى عن الجمع؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يجمع لاستمرار العمل عليه. والشاذ أنه يجمع قياسًا على صلاة كسوف الشمس.
باب في صلاة الاستسقاء
ولا خلاف بين الأمة في جواز الاستسقاء بالدعاء إذا احتيج إليه، بل هو مشروع مأمور به. ويؤمر به في كل الأحوال إذا احتيج إليه. وقد استسقى رسول الله -ﷺفي خطبة الجمعة، واستصحى (١) في خطبة ثانية. وأما الاستسقاء بصلاة وخطبة فيختص به مذهبنا. ومذهب الشافعي أنه مشروع. وهو سنة على الجمله (٢). ويكون عند الحاجة إلى الماء للمشقة (٣)، أو يستسقى للثمار والزرع، ويطلب نزول الغيث [لملء العيون والأنهار] (٤)، ويجوز تكراره إن احتيج إلى التكرار.
_________________
(١) أي طلب الصحو وتوقف المطر.
(٢) قال ابن المنذر: ثبت أن النبي ﷺ صلى صلاة الاستسقاء وخطب وبه قال عوام أهل العلم إلا أبا حنيفة وخالفه أبو يوسف ومحمد بن الحسن فوافقا سائر العلماء والسنة يستغنى بها عن كل قول. المغني:٢/ ١٤٩.
(٣) في (ت) و(ق) لشقة.
(٤) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٥١ ]
(صفة الاستسقاء)
ونحن نذكر صفة الاستسقاء من مبتدئه إلى مختتمه [خلافًا ووفاقًا] (١)، وذلك أن الناس إذا افتقروا إلى الماء بما قدمناه فيستحب للإمام أو لمن إليه الأمر أن يأمرهم بالتوبة والنزوع (٢) عن الآثام.
وهل يقدم قبله صيام ثلاثة أيام؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يقدم. واستحبه ابن حبيب. ولا شك أن الصوم من أجلِّ القرب، وإنما كرهه في المشهور على عادته في كراهية التحديد في المواضع التي لم يثبت التحديد بها لئلا يظن أنها فرض أو سنة. فإذا فعل الناس ما أمروا به برز من إليه الصلاة بالناس إلى موضع يجتمعون فيه فيكون في غير المسجد، وهي السنة. ويبرز الناس والإمام على حالة التورع (٣) والسكينة والتضرع، لا مظهرين للزينة، بل بعكسها.
وهل يكبر الإمام في طريقه إلى الموضع الذي يصلي فيه؟ في المذهب قولان المشهور: أنه لا يكبر، لأن التكبير مشروع لإظهار شعار الإسلام، وذلك لائق بالعيدين لا بالاستسقاء. والشاذ أنه يكبر قياسًا على العيدين.
ولا خلاف في خروج من يكلف بالصلاة من الرجال. وأما الأطفال والنساء والبهائم فهل يؤمر بإخراجهم؟ قولان: المشهور أنهم لا يخرجون، إذ من سنتها الصلاة [وخروج غير المتجالة (٤) من النساء عورة] (٥) والشاذ الأمر بخروجهم توسلًا إلى الله تعالى بمن لا ذنب له، وهذا في غير النساء. وأما النساء فلا يختلف في منع خروج من يخاف الفتنة بخروجها.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) التورع.
(٣) في (ق) الخضوع.
(٤) المتجالة هي: المرأة العجوز التي انقطع أرب الرجال منها.
(٥) ساقط من (ت).
[ ٢ / ٦٥٢ ]
(حكم استسقاء أهل الكتاب)
وهل يباح الاستسقاء لأهل الكتاب؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يباح، لافتقارهم إلى ما يفتقر إليه المسلمون، ولأن الله تعالى يدر (١) رزقه على المسلم والكافر. والثاني: أنه لا يباح خروجهم، لأنهم أعداء الله، ولا يتوسل إلى الله بهم. وإذا أجزنا خروجهم فهل ينفردون بيوم أو يخرجون مع الناس فيكونوا في ناحية؟ في المذهب قولان. وانفرادهم لما قدمناه من وجه خروجهم، ومنع انفرادهم لئلا يتفق [القدر بسقيهم فيفتتن ضعفاء المسلمين] (٢).
(حكم التنفل بموضع الاستسقاء)
وإذا وصل الناس إلى موضع الاستسقاء فهل يتنفلون قبل الصلاة وبعدها؟ في المذهب قولان: المشهور جواز التنفل، إذ لا مانع منه لا بمحل ولا بوقت. والشاذ كراهيته قياسًا على العيدين.
(صفه هذه العبادة)
وهل يبتدئ الإمام بالصلاة قبل الخطبة أو بالعكس؟ في المذهب قولان: المشهور أنه يبتدئ بالصلاة توسلا إلى الله تعالى بها، وقد روي ذلك عن النبيﷺ- (٣). والشاذ الابتداء بالخطبة، وقد روي ذلك عن الرسول ﵇ أيضًا (٤)، وقياسًا على صلاة الجمعة.
ومن صفة الخطبة؛ القيام والجلوس بين أثنائها كصفة الجمعة. وقد
_________________
(١) في (ر) نزل.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) ابن ماجه في الصلاة ١٢٦٨، وأحمد في مسنده ٢/ ٣٢٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَاَلَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِﷺ فَصَلَّى بِنَا ركعْتَينِ بِلاَ أَذَانِ وَلا إقَامَةٍ ثُمَّ خَطَبَنَا وَدَعَا اللهَ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ ثُمَّ قَلَبَ رِدَاَءَهُ فَجَعَلَ الأيَمَنَ عَلَى الأيْسَرِ والأيْسّرَ عَلَى الأيْمَنِ.
(٤) أخرج البخاري الجمعة ١٠٢٥ عَنْ عبد الله بن زيد قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺيَوْمَ خَرَجَ يَستْسقِى قَاَلَ: فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظّهْرَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو ثُمَّ حَوَّل رِدَاءهُ ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيِهِمَا بِاْلِقَراءِة.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
قدمنا الخلاف في الجلوس في ابتدائها. لكن يكثر في هذه الخطبة من الاستغفار والتضرع. والأصل في الاستغفار قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٢)، فجعل السقي جزءًا من الاستغفار.
ولا يدعو في هذه الخطبة إلا بكشف ما نزل بهم، لا لأحد من المخلوقين. ويحول رداءه بعد أن يستقبل القبلة بوجهه. ومتى يفعل ذلك؟ في المذهب ثلاثة أقوال (٣): أحدها: أنه بين الخطبتين لئلا يزيد خطبة ثالثة (٤)، [والثاني: أنه في أثناء الخطبة الثانية لا بعد تمام الخطبة، والثالث] (٥): أنه بعد إكمال الخطبتين لئلا يقطع خطبته بعمل ليس من جنسها.
ومن يحول رداءه؟ لا خلاف أن الإمام يفعل ذلك، والمشهور أن من وراءه من الرجال يفعلون ذلك. وقال الليث بن سعد (٦): يكتفي بذلك الإمام، لما روي أن الرسول ﷺ فعل ذلك في تحويل ردائه (٧).
ولا يحول النساء أرديتهن، إذ فيه كشف (٨) لهن. وهذا التحويل تفاؤلًا
_________________
(١) نوح:١٠.
(٢) هود:٥٢.
(٣) في (ر) قولان.
(٤) في (ت) ثانية.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) هو: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الإمام الحافظ شيخ الإسلام وعالم الديار المصرية أبو الحارث الفهمي .. مولده .. سنة أربع وتسعين .. سمع عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة ونافعًا العمري وسعيد بن أبي سعيد المقبري وابن شهاب الزهري .. وخلقًا كثيرًا حتى إنه يروي عن تلامذته .. روى عنه خلق كثير. كان الليث ﵀ فقيه مصر ومحدثها ورئيسها ومن يفتخر بوجوده الإقليم بحيث إن متولي مصر وقاضيها وناظرها من تحت أوامره ويرجعون إلى رأيه ومشورته ولقد أراده المنصور على أن ينوب له على الإقليم فاستعفى من ذلك". سير أعلام النبلاء ٨/ ١٣٦ - ١٤٣.
(٧) سبق تخريجه.
(٨) في (ق) و(ت) كشفة.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
بالانتقال من الجدب إلى الخصب. وصفة التحويل؛ يخفض (١) الحاشية التي على رأسه أو على كتفه ويود ما يلي جسده من ردائه إلى جهة السماء، وبالعكس ما يلي السماء. فإذا فعل ذلك فقد أكمل الاستسقاء.
(ماالعمل إذا اجتمع الخسوف والاستسقاء والعيد والجمعة)
وإن افتقر إلى إعادته أعيد لما تقدم. وقد نزل (٢) أبو محمد عبد الحق حكم اجتماع الخسوف والاستسقاء والعيد وصلاة الجمعة. وهذا الذي ذكره في الخسوف تأباه العادة عند من تعلق بحساب المنجمين، لأن خسوف الشمس لا يكون على استمرار العادة إلا في يوم تسعة وعشرين من الشهر، وهذا واضح عند أهل الحساب العارفين بهذا الشأن وهذا الذي قاله نزل مثله الشافعي، واعتذر عنه أبو حامد الغزالي بوجهين: أحدهما: أنه تكلم على ما يقتضيه الشرع والعقل غير ملتفت إلى ما يقتضيه حساب المنجمين. والثاني: أنه عرف العادة في ذلك، لأنه تكلم على ما يقتضيه الفقه لو كان يتأتى الوقوع (٣). وذكر أبو محمد عبد الحق في حكم الاجتماع الابتداء بصلاة الخسوف (٤) لئلا تتجلى الشمس، ثم بالعيدين، ثم بالجمعة، ويترك الاستسقاء إلى الغد. لأن حكم العيدين والجمعة إظهار الزينة والمباهاة، وحكم الاستسقاء بالعكس، ولا يجمع بينهم.
(وقت الاستسقاء)
واختلف هل يجوز الاستسقاء بعد الزوال وبعد الغروب؟ والمشهور (٥) من المذهب أنه لا يجوز قياسًا على العيدين، والشاذ جوازه في كل وقت
_________________
(١) في (ر) ألا يخفض.
(٢) فىٍ (ق) ترك.
(٣) في (ر) به إلى الوقوع.
(٤) في (ق) الكسوف.
(٥) في (ق) فالمشهور.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
[تجوز فيه الصلاة؛ لأنه صلاة] (١) ودعاء فيجوز في كل وقت على ما ذكرناه
باب في صلاة العيدين وما يتعلق بهما
(حكمها)
وهي سنة عندنا لا فرض كفاية. وقد قيل: إنها المراد بقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ (٣). ولا يبعد أن يقال إنها فرض على الكفاية، لأنها إظهار لشعائر الإسلام وإقامة أبهته. وإذا قيل إن الأذان فرض لإظهار شعائر الإسلام، فكذلك تكون هذه، لأن المذهب كما قدمناه. وإذا ثبت ذلك فمن يؤمر بها؟ أما من تلزمه الجمعة فلا خلاف أنهم مأمورون بها. وأما من لا تلزمهم؛ ففي المذهب قولان: أحدهما: أنهم مأمورون بها لأنها نافلة اليوم، والثاني: أنهم غير مأمورين بها لأن معناها لا يحصل إلا بالجمع كالجمعة. وإذا قلنا بأنهم غير مأمورين بها فهل يستحب لهم فعلها أم يكره؟ في المذهب قولان: أحدهما: استحبابه، لأن أقل أمورها أن تكون كالنافلة. وإنما فيها زيادة تكبير. والثاني: أنه مكروه، لأنها صلاة معتبرة تحصل فائدتها مع الجماعة لا للفذ، فيكره فعلها كما تمنع صلاة الجمعة إلا مع الجماعة. والكراهية في هذه لأنها سنة، والمنع في ذلك لأنها فرض.
(مكان إقامتها)
وإذا توجه الأمر بها فهل تقام في المسجد أو في خارج البلد؟ أما
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) الكوثر: ٢.
(٣) الأعلى: ١٤ و١٥.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
سائر أهل الآفاق فسنتهم أن يقيموها (١) خارج البلد إلا من ضرورة، لأنها أبهة [الإسلام ومحاسن الشريعة] (٢). وأما أهل مكة فيقيمونها في المسجد لئلا يخرجوا عن الحرم. والحرم أفضل من خارجه.
وسنتها أن تقام في موضع واحد من المصر، ولا تقام في موضعين ولا أكثر، لأن المطلوب بها المباهاة وإظهار شرف الإسلام وقوة شوكته كالجمعة. وإذا خرج الناس إليها فالمستحب لمن يدرك الصلاة بخروجه بعد طلوع الشمس ألا يخرج قبلها. والمستحب للإمام أن يخرج لها بقدر ما إذا بلغ موضعها حلَّت الصلاة.
وإذا صليت خارج البلد فلا يتنفل قبلها ولا بعدها. وإن صليت في المسجد فثلاثة أقوال: أحدها: منع التنفل، قياسًا على المصلى. والثاني: جوازه، لأنه محل النافلة. والثالث: جوازه بعد لا قبل، محاذرة من تطويل النافلة حتى يفوت وقت الصلاة المستحب.
(بعض أحكام سنة صلاة العيدين)
ومن خرج بعد طلوع الشمس أكثر في طريقه تكبيرًا يسمع نفسه ومن يليه، ليقتدى به، فإن خرج قبل الطلوع فهل يكبر؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يكبر إن خرج قبل صلاة الفجر، لأن المشروع التكبير في الطريق إليها. والثاني: أنه يكبر إذا أسفر بعد لا قبله، اقتداء بأهل المشعر الحرام. والثالث: أنه لا يكبر إلا بعد طلوع الشمس، لأنه الوارد عن السلف.
ويخرج الإمام من طريق ويرجع في ثان، وهكذا يستحب لغيره من الناس. وقد كان الرسولﷺ- يفعله (٣)، وقيل في تأويل ذلك معان كثيرة:
_________________
(١) غير واضح في (ر).
(٢) بياض في (ر)، وساقط من (ق).
(٣) أخرجه الترمذي في الجمعة ٥٤١، وأبو داود في الصلاة ١١٥٦ واللفظ له، وابن ماجه في إقامة الصلاة ١٢٩٩ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺأَخَذَ يَوْمَ الْعِيدِ في طَرِيقٍ ثُمَّ رَجَعَ في طَرِيقٍ آخَرَ.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
منها أنه يقصد التهيب للكفار، ومنها أنه يقصد مساواة الطريقين فلا فضل سيره فيهما، ومنها أنه يقصد التصدق على أهل الموضعين، ومنها أنه كان -ﷺ - يسأل في طريقه عن الشرائع فأراد حصول العلم إلى أهل الطريقين، إلى غير ذلك من التأويلات التي في معنى هذا. ويحتمل أن يقصد أحدها أو جميعها.
والمستحب في هذه والاستسقاء والجمعة أن يمضي ماشيًا، لأنه قاصد إلى الله تعالى. فإذا عاد، فله أن يركب. وإذا وصل وحلَّت الصلاه بدأ بها قبل الخطبة، وهي السنة. وإنما بدأ بالخطبة بنو أمية لمعان قصدوها لسنا لذكرها. وقد أنكرها أبو سعيد الخدري (١) على مروان (٢) والقصة مشهورة (٣).
والمستحب أن يأتي الصلاة (٤) إذا طلعت الشمس وابيضت، ولا ينبغي
_________________
(١) هو: الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري الإمام المجاهد مفتي المدينة سعد بن مالك بن سنان .. استشهد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق وبيعة الرضوان، حدث عنه ابن عمر وجابر وأنس وجماعة من أقرانه .. وخلق كثير وعن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال عرضت يوم أحد على النبيﷺ- وأنا ابن ثلاث عشرة فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله إنه عبل العظام وجعل نبي الله يصعد في النظر ويصوبه ثم قال: رده فردني .. توفي بعد سنة سبعين" سير أعلام النبلاء ٣/ ١٦٨ - ١٧٣.
(٢) هو: مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أتخذه سيدنا عثمان كاتبًا له، واتخذه معاوية واليًا على المدينة، وعزله عبد الله بن الزبير ولما اعتزل معاوية بن يزيد الحكم دعا لنفسه، وأسس الدولة المروانية توفي سنة ٥٦ هـ الأعلام ٧/ ٢٠٧.
(٣) أخرج البخاري في الجمعة ٩٥٦ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخْدرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَخْرُجُ يَومَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إلَى المُصَلَّى فَأَوَّلُ شَىْءٍ يَبدَأ بِهِ الصلاَة ثم يَصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ جُلوسٌ عَلَى صُفوفِهمْ فَيَعِظُهُمْ وُيوصِيهم وَيَأمُرُهُمْ فَإنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أَوْ يَأمُرَ بِشَىْء أَمَرَ بهِ ثُمَّ يَنصَرِفُ، قالَ أَبو سعيد فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَروَانَ وَهُوَ أمِيرُ المَدِينَةِ في أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ فَلمَّا أَتَيْنَا المُصَلَّى أذَا مِنْبَرْ بَنَاهُ كَثِيرُ بن الصَّلتِ فَإذا مروَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتقِيَهُ قَبْلَ أن يُصَليَ فَجَبذْتُ بثَوبِهِ فَجَبَذَنِي فَارتَفَعَ فَخَطَبَ قبِلَ الصَّلاةِ فَقلت لَهُ غيرتُم وَاللهِ فَقالَ أبا سَعِيدٍ: قَدْ ذَهَبَ مَا تَعَلْمُ فَقلت: مَا أَعلَمُ وَاللهِ خَيْرٌ مِمَّا لاَ أَعلم، فَقَالَ: إِن الناسَ لَمْ يَكُونُوا يَجلِسُون لَنا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلاة.
(٤) في (ق) يؤتي بالصلاة.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
تأخيرها عن ذلك. ويقطع الناس التكبير بخروج الإمام. واختلف المتأخرون هل بخروجه في محل العبد ماضيًا إلى الصلاة، أو بعد حلوله في محل صلاته؟ وقد قدمنا الخلاف في قطع النافلة يوم الجمعة، وهذا نحوه.
وإذا استوى الإمام في محله الذي يصلي فيه افتتح الصلاة كما يفتتح سائر الصلوات، فيكبر (١) في الأولى سبعًا بتكبيرة الإحرام، والثانية ستًا بتكبيرة القيام، ويوالي بين التكبير بحسب ما يكبر المقتدون به، ثم يقرأ في الأولى بـ (سبح) ونحوها، وفي الثانية بـ (الشمس وضحاها)، بعد قراءة أم الكتاب (٢) فيهما. وقد روي عن الرسول ﵇ أنه كان يقرأ بذلك (٣) وروي عنه أنه كان يقرأ في الأولى بعد أم القرآن بـ (ق)، وفي الثانية بـ (اقتربت الساعة) (٤). ولا بأس [بذلك إن لم يخش] (٥) التطويل.
فإن لم يكبر حتى قرأ، فإن ذكر [قبل أن يركع] (٦) أعاد التكبير. وهل يعيد القراءة؟ في المذهب قولان. وقد تقدما، وإذا أعاد التكبير، فهل يسجد أم لا؟ قولان. فإن لم يذكر حتى ركع ولم يرفع رأسه، جرى على الخلاف في عقد الركعة ما هو؟ وإن رفع رأسه تمادى، وجرى سجوده على الخلاف في ترك الأقوال قبل السلام، ويكبر المقتدون به.
فإن أتى المسبوق (٧) بعد أن أكمل التكبير، فهل التكبير في حال قراءة
_________________
(١) في (ق) ثم يكبر.
(٢) في (ق) بعد فراغ أم القرآن.
(٣) لم أقف على أي حديث إلا ما أخرجه مسلم في الجمعة ٨٧٨ وغيره أنه كان يقرأ بـ (سبح) و(هل أتاك) فعَنِ النُّعَمَانِ بْنِ بَشِير قَاَلَ كَاَنَ رَسْولُ اللهِﷺ - يَقْرَأُ فِي الْعِيديْنِ وَفِي الجمُعة بسِّبحِ اسْمَ رَبِّكّ الأعْلَى وهَلْ أَتَاكَ حَديِثُ الغَاشِيةِ.
(٤) أخرج مسلم في صلاة العيدين ٨٩١ واللفظ له، والترمذي في الجمعة ٥٣٤ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عَبْدِ اللهِ أُن عمَر بنَ الخطاب سَألُ أبا واقِدِ اللَّيْثيِّ مَا كَاَنَ يَقْرأُ بِه رَسَولُ الله - ﷺ - فِي الأضْحَى وَالفِطر فَقَال كان يقرأُ فِيهما بِـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) ساقط من (ر) و(ق).
(٧) في (ت) آت.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
الإمام؟ قولان: أحدهما: أنه يكبر في حال قراءة الإمام، إذ لا (١) مخالفة للإمام في ذلك، وإن لم يفعل فاته التكبير. والثاني: أنه لا يكبر بل يشتغل بالسماع، قياسًا على ما يفوته من أفعال الإمام وأقواله، فإنه لا يشتغل بتلافيها. وإن أدركه في التشهد كبر وجلس (٢). فإذا قام بعد سلام الإمام، فهل يكبر ستًا لأنه كبّر للإحرام، أو سبعًا لأنّ المشروع في [غير] (٣) صلاة العيد أن يقوم بتكبير؟ في المذهب قولان.
فإذا أكمل الصلاة صعد الإمام على المنبر إن كان هناك منبر. والأولى في الاستسقاء أن يخطب على الأرض لقصد الذلة والخضوع. ولا بأس في العيدين باتخاذ المنابر كما فعله عثمان ﵁ (٤)، لأن المقصود فيها إقامة أبهة الإسلام. ويفتتح الخطبة بالتكبير. وهل هو محصور؟ لا خلاف أنه لا يلزم حصره، لكن في المستحب منه قولان: قيل لا عدد له، وقيل بل عدده سبع. ثم يكبر في أثناء خطبته. وهل يكبر الناس بتكبيره أم لا؟ قولان: أحدهما: أنهم يكبرون كما يفعلون في دبر الصلوات في أيام التشريق. والثاني: أنهم لا يكبرون، بل يشتغلون بالسماع كخطبة الجمعة. وتكون الخطبة بعد حمد الله والصلاة على نبيه مشتملة على تعليم أحكام العيد، وما يشرع فيه من واجب ومستحب.
وإن خطب قبل الصلاة استحب له الإعادة. فإن لم يعد أجزأ وبئس ما صنع في تركه السنة.
وإن زالت الشمس ولم يصل العيد فلا تقضى غدًا، لأن القضاء يفتقر إلى أمر ثان على الصحيح عند الأصوليين، ولم يرد. وأيضًا قياسًا على صلاة الجمعة إذا ذهب وقتها.
_________________
(١) في (ت) و(ق) يكبر إذ لا كبير مخالفة، وفي (ر): يكبر إذ لا مخالفة.
(٢) في (ق) التشهد جلس.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) انظر فتح الباري ٢/ ٤٤٩.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
فصل (مشروعية التكبير في أيام التشريق)
والتكبير مشروع في أيام التشريق، وهي أيام النحر. أما لأهل منى ففي سائر الأوقات. وأما لغيرهم فمشروع دبر الصلوات. وفي جوازه في سائر الأوقات قولان: المشهور: أنه غير مشروع، لاستمرار العمل في ذلك. والثاني: أنه مشروع، اقتداء بأهل منى. ولا خلاف عندنا أن أوله صلاة الظهر [يوم النحر] (١). واختلف في آخره؛ فقيل: صلاة الصبح من اليوم الرابع من يوم النحر. وقيل: صلاة الظهر. وهذا راجع إلى النقل، وقد استمر العمل في المدينة [بالأول] (٢). وإذا نسي صلاة من أيام التشريق فذكرها، فهل يكبر بعدها أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يكبر على حسب ما كان (٣) يؤديها. والثاني: أنه لا يكبر، إذ أوان التكبير فات.
وصفة التكبير إن شاء أن يقول الله أكبر، ثلاثًا. وإن شاء أضاف إلى ذلك التهليل والتحميد، فكل ذلك لا يمنع (٤)، ولم ترد سنة بتحديده. ولنحل الصلاة بعرفة على كتاب الحج.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) ما يكون.
(٤) في (ر) واسع فيه.
[ ٢ / ٦٦١ ]