(تعريف الصوم وحكمه والدليل على ذلك)
والصوم في اللغة: الإمساك مطلقًا، وهو في الشرع: عبارة عن إمساك مخصوص في زمن مخصوص على وجه مخصوص. وصوم رمضان من معالم الشريعة وأركان الإسلام. ووجوبه معلوم من دين الأمة ضرورة، ومن يجحد الوجوب فهو كافر قطعًا (١)؛ فإن أقر بالوجوب وامتنع من الصوم فهل يكون كافرًا؟ يجري على ما قدمناه من الخلاف في المُقر بوجوب الصلاة التارك لها. ويجبر على فعله عند القائلين بنفي التكفير، كما يجبر على فعل الصلاة.
والأصل في وجوبه الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة؛ فأما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢)، وفيه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣)، وقد اختلف هل الإشارة بها إلى رمضان. وهو يسير بالنسبة إلى شهور السنة، فلهذا عبر عنه بأيام معدودات، أو إلى غيره. واختلف القائلون بذلك على ثلاث طرق: أحدها: أنها ثلاثة أيام من كل شهر غير معينة (٤)، والثاني: أنها أيام
_________________
(١) في (ر) مطلقًا.
(٢) البقرة: ١٨٣.
(٣) البقرة: ١٨٤.
(٤) في (ر) من غير وخرم في (ت).
[ ٢ / ٦٩٦ ]
البيض (١)، والثالث: أنها يوم عاشوراء. وجمعت لأنها تتكرر في العدّ (٢).
فمن قال: الإشارة بها إلى رمضان (٣)، جعل ما بعدها من النص على أشهر بيانا [للإجمال (٤) المتقدم] (٥)، ومن قال الإشارة بها إلى غيره (٦) جعل ما بعدها من تعيين الشهر ناسخًا.
واختلف في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٧) هل هو منسوخ أم لا؟ وهؤلاء يرون أنه كان في أول الإسلام المكلف يُخيَّر بين أن يصوم أو يفطر ويطعم، ثم نسخ (٨) بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٩). وهو غير منسوخ، ومعنى يطيقونه أي يلزمون به [ويكلفون به، وإن كان عليهم في الأداء مشقة. وقد قرئ يطوقونه (١٠) أي يلزمونه] (١١). وسيأتي الخلاف في موضعه. والحامل والشيخ الكبير هل تلزمهما (١٢) الفدية أم لا؟ وهو جار على هذا.
وأما السنَّة فقد نقل وجوبه متوترًا، وتلقته الأمة بالقبول لقوله - ﷺ -: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ" (١٣) فذكر فيها صوم رمضان.
_________________
(١) وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، من كل شهر.
(٢) في (ت) في العدد، وفي (ق) لجمعه لأنها.
(٣) في (ت) إلى غير رمضان.
(٤) في (ق) للاحتمال.
(٥) ساقط من (ت)، وفي (م) جعل ما بعدها من النقص على المشهور فيها للاحتمال المتقدم.
(٦) في (ق) وجعل.
(٧) البقرة: ١٨٤.
(٨) في (ت) نسخ التخيير.
(٩) البقرة: ١٨٥.
(١٠) في (ق) و(ر) يطيقونه. قرأ بذلك ابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير وعطاء. انظر تفسير الطبري ٢/ ١٣٧ - ١٣٨.
(١١) ساقط من (م).
(١٢) في (م) و(ر) تلزمهم.
(١٣) أخرجه البخاري في الإيمان ٨، ومسلم في الإيمان ١٦.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
وأما الإجماع فهو ثابت قطعا. قال أبو المعالي: المقصود بالصوم في الشريعة وجهان: أحدهما: كسر الشهوتين؛ شهوة البطن والفرج، فإنهما إذا أرسلا على شهواتهما ولم تعود النفوس كسرها دعتا إلى الوقوع في المحظور. وإذا تعوَّد الإنسان إمساكهما عن المباح وأخذ نفسه بذلك قدر على إمساكهما عن الممنوع. فكأن الصوم في الشريعة إمساك عن مباح ليكون حمى للممنوع، وعليه نبه -ﷺ-:"أَلاَ وَإِنَّ لِكُلَّ مَلِكِ حِمَى أَلاَ وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارمُهُ" (١). والوجه الثاني: أن المقصود أيضًا كسر الشهوتين. لكن ليس للاعتياد، بل يحصل من نفس الكسر قمع النفس عن شهواتها ومنعها من الاسترسال على لذاتها. وإليه الإشارة بقولهﷺ- "الصَّوْمُ جُنَّةٌ" (٢).
وإذا ثبتت هذه المقدمة، قلنا بعد هذا: المقصود من الكتاب ينحصر في خمسة فصول: أحدها: شروط الصوم، والثاني: أركانه، والثالث: تفصيل ممنوعاته، والرابع: حكم ما يجب بارتكاب الممنوعات، والخامس: حكم مقتضيات الفطر. لكن شأننا في هذا الإملاء أن ننبه على الترتيب الواجب ثم نحاذي رتبة الكتاب فنقول [ما أمكن. ولنذكر هذه الفصول جملة فنأخذ على تفصيلها في ترتيب الكتاب فنقول:] (٣).
أما (٤) الفصل الأول: (شروط الصوم)
فإن للصوم شرطين: شرط وجوب، وشرط أداء؛ فأما شرط الوجوب فالبلوغ (٥)، فلا يجب الصوم على غير البالغ. وهل يؤمر به المطيق قبل
_________________
(١) البخاري في الإيمان ٥٢، ومسلم في المساقاة ١٦٩٩ واللفظ له.
(٢) البخاري في التوحيد ٧٤٩٢، والترمذي في الصوم ٧٦٤ واللفظ له.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (م) في.
(٥) في (ر) و(م) البلوغ.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
البلوغ للتمرين (١)؟ في المذهب قولان (٢)، وقد تقدما.
وهل العقل من شروط الوجوب أو الأداء؟ في المذهب قولان. وذلك أن من لم يبلغ مطبقًا (٣) وقلت سنون جنونه وجب عليه القضاء بلا خلاف في المذهب، فإن بلغ مطبقًا أو كثرت (٤) السنون ففي المذهب ثلاثة أقوال: القضاء مطلقًا وهو المشهور ونفيه مطلقًا مع كثرة السنين ومثَّلوها بالعشرة ونحوها، وإثباتها مع قلتها ومثلوها بالخمسة ونحوها. وكان من يوجب القضاء مطلقًا يرى أن القضاء واجب بالأمر الأول، والعقل شرط في الأداء لا في الوجوب. ومن يفرق بين أن يبلغ مطبقًا ويرى (٥) أن المطبق لا يتعلق به الوجوب بوجه. وهذا يرى أن الوجوب إذا تعلق يومًا ما استرسل تعلقه، فيكون عنده العقل شرطًا في الوجوب. لكن إن وجد، تعلق الوجوب مطلقًا. وأما من يفرق بين كثرة السنين وقلتها يرى [رأي] (٦) الأول لكنه أسقط القضاء مع التكرار للمشقة.
وهل الإسلام شرط في الوجوب أو في الأداء؟ يجري على اختلاف الأصوليين في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة فيكون شرطًا في الأداء؟ أو غير مخاطبين بها فيكون شرطًا في الوجوب؟
وأما الصحة والإقامة والنقاء عن دم الحيض فقد اتفق الكل على وجوب القضاء في حق المفطر من هؤلاء. واختلف الأصوليون هل يقال إن
_________________
(١) في (ت) للمتأخرين وغير واضح في (ق).
(٢) في (ت) و(ق) تفصيل.
(٣) الطبَقُ: غطاء كل شىء، وقد أَطْبَقَه وطَبَّقَه فانْطَبَقَ. وتَطَّبقَ: غَطَّاه وجعله مُطَبَّقًا قال الأصمعي: الطبقاء: الأحمق الفدم، وقال ابن الأعرابي: هو المطبق عليه حمقا. انظر لسان العرب ١٠/ ٢٠٩ و٢١٤.
(٤) في (ر) وكثرت.
(٥) في (ق) و(ت) أو يرى.
(٦) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٦٩٩ ]
الواجب متعلق بهؤلاء أو غير متعلق، أو يتعلق بالمسافر خاصة، أو به وبالمريض المستطيع للصوم بكلفة، وتحقيق هذا محال على [فنه] (١).
فصل (أركان الصوم)
وأما أركان الصوم، فالنية (٢). وهل يشترط تكرارها (٣) على عدد الأيام أو يكتفى إن نوى في مبتدأ الصوم؟ في المذهب تفصيل وبيانه (٤) في موضعه من (٥) الكتاب.
والإمساك عن الإيلاج، ونعني به إدخال الطعام والشراب من الحلق إلى المعدة (٦)، وإيلاج الحشفة في قبل أو دبر. وتفصيل ذلك يأتي في موضعه أيضًا. والإمساك عن الإخراج، ونعني به إخراج المني أو القيء. وتفصيله يأتي أيضًا.
فصل (ما يجب بارتكاب الممنوعات)
وأما التفصيل في ممنوعات الصوم، فنؤخر الكلام عليها. وهي على الجملة الإخلال بركن من أركان الصوم.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ر) والنية عندنا واجبة وهل.
(٣) في (ق) تكررها.
(٤) في (ق) نحيل بيانه.
(٥) في (ق) على.
(٦) في (ر) إلى الحلق والمعدة.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
[فصل] (١)
وأما ما يجب بارتكاب الممنوعات، فنأتي فيه بكلام جلي يكتفي به الذكي. ونحيل غيره على التفصيل. وذلك أن الصوم لا يخل من أن يكون واجبًا أو غير واجب، والواجب لا يخلو أن يكون واجبًا بإيجاب الله تعالى أو واجبًا بإيجاب المكلف على نفسه، والواجب بإيجاب الله تعالى لا يخلوا من أن يكون معينا وهو رمضان أو غير معيّن وهو ما يجب في الكفارة والواجب بإيجاب المكلف على نفسه لا يخلو أيضًا من أن يكون معينًا وهو أن ينذر أيامًا بأعيانها أو غير معيّن وهو أن ينذر أيامًا بغير أعيانها والواجب بإيجاب الله تعالى أو بإيجاب المكلف على نفسه لا يخلو من أن يكون متتابعًا أو غير متتابع.
ويتعلق بارتكاب الممنوعات ثلاثة أشياء: القضاء والكفارة وقطع التتابع، ولا يخلو المرتكب من أن يكون معذورا أو غير معذور؛ فإن كان معذورا بالنسيان أو بالغلط في التقدير وجب القضاء في جميع أقسام الصيام إلا في التطوع فلا يجب بلا خلاف على هذا. وهل يستحب؟ في المذهب قولان، وهكذا نقل. ولا ينبغي أن يختلف في استحبابه، لأنه فعل بر. لكن النظر هل هو قضاء أو ابتداء فعل خير (٢)؟ وهل ينقطع التتابع؟ في المذهب قولان. وهل تجب الكفارة؟ أما غير رمضان فلا تتعلق به الكفارة، وأما رمضان فإن كان فطره ناسيًا بأكل أو شرب فلا كفارة بلا خلاف. وإن كان بجماع فقولان: المشهور نفيها، والشاذ وجوبها. فإن كان غير معذور كالمتعمد، فالقضاء في الجميع، وقطع (٣) التتابع فيما يجب تتابعه. ولا كفارة في الجميع إلا في رمضان فتجب الكفارة فيه على الإطلاق.
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ر) مخبر.
(٣) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب وعدم قطع التتابع.
[ ٢ / ٧٠١ ]
فصل (مقتضيات الفطرة)
وأما مقتضيات الفطر فهي على الجملة ثلاثة: المرض وينخرط في سلكه الحامل والمرضع، والسفر، ووجود دم الحيض. وتفصيل ذلك يأتي في موضعه إن شاء الله.
باب في النظر في زمن الصوم
وهو قسمان: عام وخاص.
(اليوم زمن الصوم العام)
فأما العام، فهو في اليوم، ولا يصام الليل بالإجماع. والنهار على الجملة محل للصوم. وأما مبدؤه فاجتمعت الأمة على أن الفجر الأول المستطيل (١) الذي سمته العرب ذنب السرحان لا يتعلق به الصوم ولا الصلاة. وعلى أن الفجر الثاني المعترض (٢) في الأفق هو الموجب للإمساك ولصلاة الصبح. لكن حكي عن بعض السلف خلاف في الفجر الثاني، وقد انعقد الإجماع بعده (٣).
ولا يخلو مريد الصوم أن يكون بحيث ينظر الدلائل على الفجر، أو بحيث لا يبصر؛ فإن كان بحيث يبصر فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام: إما أن يتيقن بطلوع الفجر [فيجب عليه الإمساك، وإما أن يتيقن بعدم الطلوع فيباح له الأكل] (٤).
_________________
(١) في (ت) الأول غير المستطيل، وفي (ق) الأول المستطيل في الأفق، وخرم في (م).
(٢) في (ت) المستطيل.
(٣) في (ت) بعده على ما قلناه.
(٤) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٠٢ ]
(حكم الشك في طلوع الفجر)
وأما إن شك فهاهنا قولان: كراهية الأكل، وتحريمه. ورأى ابن حبيب أن القياس الإباحة.
وسبب الخلاف استصحاب حالين: أحدهما: إباحة الأكل، والثاني: وجوب الصوم؛ فمن نظر إلى استصحاب زمن الليل أجاز الأكل أو كرهه (١) مراعاة للخلاف، ومن نظر إلى وجوب استصحاب الصوم منع إلا أن يتيقن بالجواز.
فإن أكل ثم علم أن الفجر لم يطلع فلا شك في نفي القضاء، وإن علم بطلوعه فلا شك في إثباته، وإن أشكل عليه جرى وجوب القضاء واستحبابه على الخلاف المتقدم.
(حكم من طلع له الفجر وهو يأكل)
فإن طلع له الفجر وهو آكل أو شارب فالمنصوص أنه يلقي ما في فيه ولا قضاء عليه. وفي المذهب قولان: هل يجب إمساك جزء من الليل؛ لأنه لا يتوصل إلى إمساك جميع أجزاء النهار إلا به، أو لا يجب. فإن نفينا الوجوب فلا شك في نفي القضاء، وإن أثبتناه فيمكن أن يقال إنه واجب لغيره. فإذا لم يحصل تعلق الإثم ولا قضاء. ويمكن أن يقال وجب القضاء لانسحاب الوجوب عليه. وقد تعلق من أباح الأكل أو كرهه مع الشك بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (٢)، ومع البيان لا شك. وظاهر الآية جواز الأكل إلى أن يستيقن (٣). واعتذر عن (٤) هذا بأن المقصود في الآية جواز الأكل وما ذكر معه في جميع أجزاء الليل، لأنها ناسخة لما كان في
_________________
(١) في (ر) كرهه.
(٢) البقرة: ١٨٧.
(٣) في (م) و(ق) و(ت) يتبين.
(٤) في (م) غير.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
أول الإسلام من أن الإنسان إذا نام وجب عليه الإمساك وإن قام في آخر الليل، وتعلق أيضًا بقولهﷺ -"كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُم مَكْتُوم"، وفي الحديث:"كَانَ رَجُلًا أَعْمَى لاَ يُنادى حَتَّى يُقَالَ أَصْبَحْتَ" (١). فهذا دليل على جواز الأكل مع الشك والإشكال حتى يصبح (٢) الصباح. واعتذر عن هذا بأن معناه قاربت الصبح (٣). ونحن مضطرون إلى هذا التأويل؛ إذ لو بقي على ظاهره لكان مقتضيًا بجواز الأكل بعد اليقين بوجود الصباح، وهذا لا يختلف فيه.
وإذا منعنا الأكل وما في معناه مع الشك، فإذا تعدى المكلف هذا المنع فهل تلزمه الكفارة أم لا؟ وأما إن تأول فلا، وإن قصد إلى انتهاك حرمة الصوم (٤) مع تعويله على التحريم فقد يختلف فيه على الخلاف في مراعاة الخلاف.
ولا يختلف في طرف النهار الآخر، وهو آخره إذا شك [هل غابت الشمس أو لا]؟ (٥) إذ المستصحب هاهنا بكل وجه منع الأكل.
لكن اختلفوا هل يلزم إمساك جزء من الليل (٦) كما اختلفوا في الطرف الثاني؟ وعلى هذا الذي قلناه لو أكل في آخر النهار [مجتهدا] (٧) ثم تبين له الخطأ أو الصواب بني على ما تبين له من الخطأ أو الصواب؛ فإن أشكل وجب القضاء.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان ٦١٧، ومالك في النداء١٦٤كلاهما بلفظ قريب.
(٢) في (ت) يتضح.
(٣) في (ق) الصباح.
(٤) في (ق) و(ت) اليوم.
(٥) ساقط من (ر) و(ق).
(٦) في (ر) النهار.
(٧) ساقط من (ر) و(ق).
[ ٢ / ٧٠٤ ]
فصل (حكم من لا دليل له على الفجر)
وإذا كان بحيث لا دليل له على الفجر فله أن يقتدي بالمستدِل (١). وفيه ورد الحديث:"إنَّ بلالًا يُنَادِي بلَيْل" الحديث كما ورد (٢). فإن لم يكن له من يسمعه الأذان] (٣) فَله التحريَ ويأخذ بالأحوط. ومتى شك أو أشكل عليه، فإن كان بحيث يمكنه التوصل إلى المعرفة وجب عليه إذا أراد أن يستبيح الأكل وما في معناه، وإن كان بحيث لا يمكنه التوصل إلى المعرفة فقد يقال إن هذا مثل الأسير إذا وقع في مهواة، وسيأتي بيان حكمه.
(حكم من طلع عليه الفجر وهو يجامع)
وقد بيَّنا حكم من طلع عليه الفجر وهو آكل أو شارب، فإن طلع عليه وهو يجامع؛ فإن استدام كان كالمتعمد في أجزاء النهار، وإن نزع فلا كفارة على المشهور. وهل عليه القضاء؟ قولان: أحدهما: نفيه لأنه معذور وقد فعل أقصى ما في وسعه (٤)، وأيضًا فإن النزع ليس بوطء. والثاني: وجوب القضاء، وهذا لأنه يعدّ النزع وطئًا. وهل تجب على هذا الثاني الكفارة؟ يجري على الخلاف في المعذور، وسنبّين ذلك مفصلًا وإن أجملنا أولًا.
فصل (حكم البياض الذي قبل الفجر والذي بعد العمرة بالليل)
وفي الكتاب: قال مالك ﵀: "وإنه ليقع في قلبي وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب، أن الفجر يكون قبله (٥) بياض ساطع، فذلك لا يمنع الصائم من الأكل. [فكما لا يمنع الصائم ذلك البياض من الأكل
_________________
(١) في (ت) بالعدل.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان ٦٢٠ واللفظ له، ومسلم في الصيام ١٠٩٣.
(٣) ساقط من (ر) و(ق).
(٤) في (ق) أقصى ما يقدر عليه، وفي (ر) أيضًا بما بموسوعه، وفي (م) أيضًا ما في وسعه.
(٥) في (ر) قبل.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
حتى] (١) يتبيَّن الفجر المعترض في الأفق، فكذلك البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا يمنع مصل أن يصلي العشاء" (٢). وغرضه بهذا، الرد على أهل العراق في قولهم: إن الشفق هو البياض. وقد قدمنا ذلك في كتاب الصلاة الأول وذكرنا ما في المذهب (٣). ولم يسلم أبو الحسن اللخمي هذا القياس، بل رأى أن الطوالع أربعة: البياض الأول وهو ذنب السرحان والفجر الصادق، والحمرة [لا يتعلق بها حكم] (٤) والشمس. والغوارب كذلك [أربعة] (٥):الشمس، والحمرة، والبياض الباقي بعدها، والبياض المشرق وراء (٦) ذنب السرحان.
وبالجملة، فإن الذي استعمله مالك ﵀ قياس الشبه. وبين الأصوليين خلاف في التعويل عليه. وقد ظن من لا تحقيق عنده أنه قياس عكس، وسبب ظنهم (٧) أن الطوالع ضد الغوارب، وإنما [شبه] (٨) طالعًا بالغوارب. وإنما قياس العكس ما قاله المغيرة في المدونة في كتاب الزكاة في مسألة من له عشرة دنانير أنفق خمسة واشترى سلعة بخمسة فباعها بخمسة عشرة، وبيانها يأتي في موضعه.
[فصل] (٩) (رمضان زمن الصوم الخاص)
وأما الزمان الخاص فهو رمضان. والنظر أيضًا في أوله وآخره. والطريق إلى معرفة الأول بالرؤية والعدد.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) المدونة ١/ ١٧٢.
(٣) في (ر) وذكرنا حكمه.
(٤) ساقط من (ر) و(ق).
(٥) ساقط من (ت).
(٦) في (ت) المستدق وهو وزان ذنب، وفي (ق): التشارق وهو: وزان الذنب السرحان.
(٧) في (ر) خلافهم.
(٨) ساقط من (م).
(٩) ساقط من (ر) و(ت).
[ ٢ / ٧٠٦ ]
(ما تثبت به رؤية الهلال)
أما الرؤّية، فتحصل بالخبر المشتهر (١) وهو الكمال فيها ولا يفتقر في ذلك إلى شهادة، وأما الشهادة فلا يخلو أن يكون الموضع به من يلتفت إلى أحكام الشريعة ومواقيت العبادة، أو ليس به ذلك. فإن كان به من يلتفت إلى ذلك فلا خلاف منصوص في المذهب أن حكم ثبوت الأهلَّة راجع إلى حكم الشهادة لا إلى حكم الإخبار، وإن لم يكن به من يلتفت إلى هذا فظاهر المذهب [على] (٢) قولين: أحدهما: أن الحكم كالأول، والثاني: التعويل على الشهادة إن أمكنت، وإن لم تمكن عوّل على الخبر، هذا في حكم ما يثبت به حكم (٣) الهلال.
فإن ثبت عند الحاكم أو في بلد من البلدان فنُقِل، فظاهر المذهب أيضًا على قولين: أحدهما: أنه يفتقر نقله إلى ما تفتقر إليه الشهادة، والثاني: أنه لا يفتقر إلى ذلك، هذا تحقيق نقل المذهب. ولما كان القياس عند المتأخرين من أهل المذهب ردّ ثبوت الهلال إلى باب الأخبار [رأوا أن] (٤) الفرق بين [باب] (٥) الأخبار وبين باب الشهادة أن كل ما خصّ المشهود عليه فبابه باب الشهادة، وكل ما عمَّ ولزم القائل به (٦) ما يلزم (٧) المقول [له] (٨) فبابه باب الأخبار، فأرادوا (٩) أن يجعلوا في المذهب قولة بقبول [خبر] (١٠) الواحد في الهلال ولا يجدوه إلا في النقل
_________________
(١) في (ر) المنتشر.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ت) حق من يثبت له حكم
(٤) في (ت) وليس من باب الأخبار الشهادة ولأن.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (م) و(ت) و(ق) منه.
(٧) في (م) ما لزم.
(٨) ساقط من (م).
(٩) في (م) وأرادوا.
(١٠) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٠٧ ]
عمًّا (١) ثبت (٢) عند الإمام فينقل (٣) إلى أهله أو إلى (٤) غيرهم. ولعل هذا لما روي عنه - ﷺ - أنه قال:"إذا شهد شاهدان فافطروا وصوموا" (٥) الحديث. ولا يستقل الحكم إلا بثبوته بالشهادة.
ثم ما بعد ذلك من فروع الباب يختلف فيها هل تعطى حكم (٦) أصولها فيكون بابها (٧) باب الشهادة، أو تنقل إلى باب الأخبار للاضطرار. إذ لو كلف كل أحد أن يسمع من الإمام أو من شاهدين لأدَّى ذلك إلى الحرج، أو لم يمكن (٨). فنقل ذلك الخبر عن الواحد.
(إذا ثبتت الرؤية في بلد هل تلزم سائر البلاد؟)
وإذا ثبتت رؤية الهلال في بلد، فهل يلزم سائر البلاد إذا بلغهم؟ أما إن كان ذلك برؤية مشهورة فلا خلاف عندنا أنه يلزم [سائر] (٩) البلاد. أما إن كان بشهادة وحكم؛ فإن ثبت عند الخليفة الذي يلزم [سائر الناس طاعته، أو عند قاضيه، أو حاكمه، لزم الكل بلا خلاف عندنا. وإن ثبت عند من لا يلزم] (١٠) الكل طاعته ففيه قولان: المشهور اللزوم؛ إذ هذا حكم [ثابت بالشهود فيلزم تعميمه قياسًا على سائر الأحكام] (١١)، وليس مما
_________________
(١) في (ق) لما.
(٢) في (م) يثبت.
(٣) في (ت) و(م) و(ق) فنقل.
(٤) في (ق) وإلى.
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرج النسائي في الصيام ٢١١٦، وأحمد في مسنده. ولفظ النسائي: "صُوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وأنسكوا لها فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا".
(٦) في (ت) يعطى حكم فيكون.
(٧) في (ت) و(ر) و(م) بابه.
(٨) في (ت) يكن.
(٩) في (ق) لنقل ذلك فقيل الخبر.
(١٠) ساقط من (ر).
(١١) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٠٨ ]
يفتقر فيه إلى كون المحكوم عليه في عمالة الحاكم. والشاذ إلحاقه بسائر الأحكام، ولا يلزم إلا المُوَّلى عليه خاصة.
وإذا ثبت أن ثبوت الهلال لا يحصل إلا بالشهادة فيشترط في الشهود ما يشترط في سائر الشهادات. وتفصيل ذلك محال (١) على موضعه.
(حكم الشاهدين في المصر الكبير)
لكن اختلف المذهب في قبول الشاهدين في المصر (٢) [الكبير والسماء مصحيَّة؛ فالمشهور قبولهما، وقيل لا يقبلان. وهذا خلاف في حال (٣). فإن نظروا إلى صوب واحد وانفرد برؤيته اثنان فذلك ريبة تردّ شهادتهما، وإن انفردا بالنظر إلى موضع قبلت شهادتهما.
(حكم الشاهد الواحد)
وإذا رآه الإنسان المنفرد، وجب عليه أن يرفع [شهادته] (٤) إن كان عدلًا، وكذلك إن كان مستورًا يرجو قبول شهادته، ولا يكتم لانفراده، لأنه قد يكون غيره يراه وهو منفرد أيضًا. فإن كان مكشوف الحال في عدم العدالة فهل يؤمر بالرفع؟ قولان: أحدهما: أنه لا يرفع خوفًا من كشف نفسه، والثاني: يرفع رجاء أن يقتدى به [مع] (٥) غيره، ولعل ذلك يكثر فيؤدي إلى الانتشار الذي لا تطلب فيه (٦) العدالة.
وإذا انفرد ولم يقبل قوله لانفراده، أو لأنه غير عدل، يجب عليه الإمساك. فإن لم يمسك، فلا يخلو أن يكون عامدًا غير متأول أو متأولًا.
_________________
(١) في (ر) و(ت) يأتي.
(٢) بداية السقط من (م).
(٣) في (ر) في ذلك.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) ساقط من (ق) و(ت).
(٦) في (ق) معه.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
فإن لم يتأول كان عليه القضاء والكفارة، وإن تأول فقولان: أحدهما: وجوب الكفارة، والثاني: نفيها. وهو على الخلاف في الجاهل هل حكمه حكم العامد أم لا؟
وإن انفرد بهلال شوَّال ولم يثبت به فإن لم يَخْفَ له الفطر فلا يفطر بلا خلاف، وإن كان مسافرًا أو له عذر في الإفطار فمقتضى المذهب أنه يفطر، وإن لم يكن له عذر وخفي له الفطر وأمن من الاطلاع عليه، فالمشهور [من المذهب] (١) أنه لا يفطر، وهذا حماية للذريعة لئلا يطلع عليه غيره فيفطر على التهاون فيدعي الرؤية. والشاذ أنه يفطر لوجوب الفطر عليه.
(رؤيه الهلال على غير عادته في الطلوع)
وإذا رؤي الهلال مخالفًا لعادته في الطلوع؛ فإن كان بعد الزوال فلا يختلف المذهب بأنه من الليلة القابلة، وإن كان قبل الزوال ففي المذهب قولان: المشهور: أنه كالأول، والثاني: أنه لليلة الماضية. وكأن هذا ركون إلى أن السماء [كروية] (٢) وهذا [على] (٣) التعويل على رأي المنجمين، والأول نظرًا إلى تجويز خلقته (٤) كبيرًا أو صغيرًا من غير أن يلتفت إلى العادة في وقت طلوعه؛ لأنّ هذه العادة قد لا تثبت.
ولو شهد اثنان بالهلال فقبلا، ثم عدَّ الناس ثلاثين يومًا فلم يبصروا، والسماء مصحية، فذلك دليل على ريبة الشهادة. وفيها قال (٥) مالك ﵀: هما شاهدا سوء.
ولو شهد شاهد على الهلال أول الشهر وشهد [آخر] (٦) على هلال
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ت).
(٣) ساقط من (ر) و(ق).
(٤) في (ق) خلقه.
(٥) في (ق) قول.
(٦) ساقط من (ق) و(ت).
[ ٢ / ٧١٠ ]
آخره، فإن كانت شهادة الثاني بعد تسعة وعشرين يومًا من شهادة الأول لم تلفق لأنهما لم يجتمعا على شيء واحد، وإن كانت بعد ثلاثين يومًا جرى تلفيقهما على الخلاف في تلفيق الشهادة على الأفعال.
فصل (في عدم الالتفات إلى كلام المنجمين)
وأما العدد فهو إكمال الشهر ثلاثين يومًا، وذلك يرجع إليه عند تعذر الرؤية. وإن اتفقت شهور كثيرة [في عدم الرؤية] (١) والسماء مصحيَّة [أو متغيّمة] (٢) استمر الناس على إكمال العدد ثلاثين. ولا يلتفت [عند تعذر الرؤية] (٣) في ذلك إلى أحكام المنجمين بالمفارقة وشهادتهم بإمكان الرؤية وتعددها، فإن أحكام المنجمين مذمومة [على تبيين الشرع] (٤). وإلى نفي التعويل على أقوالهم أشارﷺبقوله: "نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا" (٥). وأشار بيده منشورة (٦) الأصابع ثم قال هكذا وهكذا [وهكذا] (٧) وقبض في الآخرة أصبعًا من الأصابع، ليعلم أن التعويل على ما يشترك الكل في معرفته لا ما ينفرد به بعض الناس (٨).
_________________
(١) ساقط من (ق) و(ر).
(٢) ساقط من (ت) و(ق).
(٣) ساقط من (ق) و(ت).
(٤) ساقط من (ق) و(ر).
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرج البخاري في الصوم ١٩١٣، ومسلم في الصيام ١٠٨٠ ولفظ البخاري عن ابن عُمَرَ ﵄ عَنِ النبِي - ﷺ - أنَّهُ قَالَ "أنا أُمة أُمية لاَ نَكتُبُ وَلاَ نَحسُبُ الشهرُ هَكَذا وَهَكَذا يَعنِي مرة تسعَة وَعشرِينَ وَمَرة ثَلَاِثينَ".
(٦) في (ق) مشيرة.
(٧) ساقط من (ر) و(ق).
(٨) الأمية ليست صفة لازمة للأمة، والرسول - ﷺإنما تحدث عن الأمة في زمانه. ولعل=
[ ٢ / ٧١١ ]
(نفي التعويل على الحساب)
ونفي (١) التعويل على الحساب إما لأنه مما ينفرد به الآحاد، وإما لأنه مسامحة لقبول أحكام المنجمين في مبادئ قد ينصرفون (٢) منها إلى أواخر تصادم الشرع، وجمهور الأمة إلى منع الالتفات إلى حسابهم في هذا الشأن فقد قال - ﷺ -: "فَإن غُم عَلَيكُم فأكمِلُوا العِدةَ ثَلاَثِينَ" (٣)، وما وقع في بعض الطرق: "فَإن غم عَليكُم فَاقدُرُوا لَهُ" (٤) معناه إكمال العدة كما ورد في هذا الحديث، خَلافًا لمن فسره بالرجوع إلى التقدير والحساب (٥). والدليل على بطلان [هذا] (٦) ما قدمناه. وهذا دليل قطعي في هذا الشأن. وما ذكرناه من إكمال ثلاثين فهو معبر للحديث الآخر. وقد ركن بعض أصحابنا البغداديين إلى أن الإنسان إذا تحقق عنده بالحساب رجع إليه مع الغيم. وهذا باطل بما قدمناه (٧).
(تبييت نية الصوم في يوم الشك)
وإذا التمس الناس فلم يروا الهلال والسماء مصحيَّة فلا شك، وإن كانت متغيمة فالشك (٨) حاصل. وينبغي تبييت الإمساك ليستبين ما يأتي به النهار من أخبار السُّفَّار، فإن ثبت نفي الرؤية عول عليه، وإن ثبت إثباتها استديم الإمساك ولا يجزي ذلك اليوم. والفرق بين ما يجب فيه الإمساك
_________________
(١) = علم التنجيم الذي رفض الفقهاء الاستدلال به هو علم النجوم المرتبط بالكهانة والسحر والخرافة والشعوذة، أما علم التنجيم القائم على المسائل العلمية فلا مانع من الاستدلال به.
(٢) في (ق) بقي.
(٣) في (ت) و(ق) يتطرقون.
(٤) أخرجه البخاري في الصوم ١٩٠٧ واللفظ له، ومسلم في الصيام ١٠٨١
(٥) أخرجه البخاري في الصوم ١٩٠٠، ومسلم في الصيام ١٠٨٠.
(٦) في (ق) بالحساب.
(٧) ساقط من (ر).
(٨) من الذين قالوا بجواز الاعتماد على الحساب ابن سريج من الشافعية وقد نقل عنه ذلك النوويّ في المجموع ٦/ ٢٧٩ وقال بجواز ذلك أيضًا السبكي في فتاويه ١/ ٢١٩.
(٩) في (ر) والشك.
[ ٢ / ٧١٢ ]
وما يجوز فيه استدامة الفطر أن كل من عول على الفطر بإباحة الشرع مع العلم بأن اليوم من رمضان، فإنه يستديم الفطر، كالحائض تطهر والصبي يحتلم والمجنون يفيق والمسافر يقدم. وفي الكافر يسلم قولان: قيل يجب عليه الإمساك بقية النهار إن أسلم فيه، وقيل لا يجب عليه. وهما على الخلاف في مخاطبتهم بفروع الشريعة.
ومن عول على الفطر جهلًا بأن اليوم ليس من رمضان، ثم ثبت أنه منه وجب عليه الإمساك. فإن أفطر وقد علم بوجوب الإمساك عليه؛ فإن تأول فلا كفارة عليه، وإن لم يتأول فقولان: أحدهما: وجوب الكفارة لوجوب الإمساك، والثاني: نفيها لأنّ اليوم لم تنعقد حرمته في حقه.
فصل (حكم صوم يوم الشك)
ويصوم يوم الشك مَن نَذره، أو من (١) استدام الصوم. وهل يصومه للتطوع (٢) أم لا؟ قولان: الكراهية (٣) محاذرة من موافقة أهل البدع في صومهم، والجواز لأنه محل الصوم على الجملة. وإنما يصومه أهل البدع لاعتقادهم أنه من رمضان. ونصوص المذهب على النهي عن (٤) صومه على التحري. واستقرأ أبو الحسن اللخمي وجوب (٥) صومه من أحد الأقوال في وجوب الإمساك على من شك في طلوع الفجر وعدم طلوعه. وهذا الاستقراء غير صحيح، لأنّ إمساك هذا الجزء لا محاذرة فيه من موافقة بدعي بخلاف يوم الشك. واستقرأه أيضًا من مسألة هي أشبه (٦) من الأولى،
_________________
(١) في (ق) ومن.
(٢) في (ق) و(ت) المتطوع.
(٣) في (ق) و(ت) الكراهة.
(٤) في (ر) من.
(٥) في (ق) جواز.
(٦) في (ق) أشد.
[ ٢ / ٧١٣ ]
وهي إحدى الأقوال في الحائض يتمادى بها الدم حتى يتجاوز عادتها ولا تبلغ الخمسة عشرة يومًا أنها تصوم وتصلي. والجامع (١) أن (٢) صوم الحائض محرّم وصوم يوم الشك منهي عنه محاذرة (٣) من موافقة المعولين على التنجيم (٤). وقد أمر مالك ﵀ الحائض بالاستظهار [وبالصوم] (٥) خوفًا من أن يكون واجبًا عليها، ثم أمرها بالقضاء لئلا تكون حائضًا. وكذلك نأمره (٦) بأن يصوم يوم الشك خوفًا من أن يكون من رمضان، ويمكن أن يفرق بينهما بأن محاذرة الموافقة لأهل الحساب (٧) أشد من محاذرة الوقوع في الإمساك مع الحيض، لأنّ موافقة أولئك تعم [ضرورة] (٨)، وضرورة الحائض لا تعم. وأيضًا فنحن متعبدون بأن لا نصوم إلا مع (٩) كمال العدة أو الرؤية، وهاهنا لا واحد من هاذين. والحائض إذا تمادى [بها] (١٠) الدم وقد تيقنت أن الزمان يجب صومه على الجملة وهي تشك (١١) هل وجب عليها في نفسها أم لا؟ فتأخذ بالاحتياط (١٢)، فإن صام المكلف يوم الشك احتياطًا فالمنصوص لا يجزيه (١٣). قال (١٤) أشهب: بمنزلة من بادر فصلى
_________________
(١) في (ت) تصوم وتقضي وتجامع وفي (ق) تصوم وتصلي وتجامع، وفي (ر) تصوم وتجامع.
(٢) في (ت) و(ر) وإن كان.
(٣) في (ر) من محاذرة، وفي (ق) للمحاذرة.
(٤) في (ت) التحريم.
(٥) ساقط من (ر) و(ق).
(٦) في (ر) يأمره.
(٧) في (ر) محاذرة الموافقة في الحساب، وفي (ق) المحاذرة من موافقة الحساب، وفي (ت) محاذرة الموافقة لأهل البدع.
(٨) ساقط من (ق) و(ت).
(٩) في (ق) بعد.
(١٠) ساقط من (ق).
(١١) في (ق) ومتى شكت.
(١٢) في (ر) الاحتياط.
(١٣) في (ق) و(ت) ألا يجزيه.
(١٤) في (ت) و(ر) وقال.
[ ٢ / ٧١٤ ]
الظهر مع الشك هل دخل الوقت [أم لا] (١) فإنها لا تجزيه، وإن تبيّن أنه صلى في الوقت. وأنكر أبو الحسن اللخمي هذا التشبيه لأنّ المأمور بالصلاة عنده لا ينبغي له المبادرة مع الشك، وصائم يوم الشك مأمور (٢) بالمبادرة. ورأى (٣) أن المشبه ليوم الشك مسألة من تطهير أو توضأ لما شك هل وجب عليه، أو صلى لما (٤) ظن أنه وجب عليه.
وفي المذهب قولان: إن تيقن بالوجوب فهل (٥) يكتفي بما قدمه (٦) مع الشك أم لا؟ وهذا الذي قاله غير صحيح. وتشبيه أشهب واقع؛ لأنّ صوم يوم الشك منهي عنه، وهو أبلغ في النهي من الشاك هل دخل وقت الصلاة (٧) أم لا؟ وما ذكره من المسائل لا خلاف أنه مأمور بتحصيل ما شك فيه. وإنما الخلاف في وجوب أمره أو ندبه، وعليه يبنى الإجزاء.
وقد ألحقنا حكم يوم الشك بهذا الباب لما استوفينا فيه النظر في زمان الصوم العام والخاص.
وقد احتج مالك ﵀ على الشافعي المجيز لشهادة الواحد في الصوم دون الفطر، بأنه إذا قبل في الصوم ثم عدَّ الناس ثلاثين يومًا فلم يروه، فهل يفطرون فيصير الإفطار بواحد والمخالف ينكره، أم (٨) يصومون فيصير الصوم إحدى وثلاثين يومًا؟ وذلك مما تنكره الشريعة.
وللشافعية في هذه المسألة (٩) قولان: أحدهما: الفطر بعد الثلاثين بشهادة الأول؛ لأنه حكم قد استقل بالواحد فيمضي على ما هو به.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ر) مأمور به وفي (ت) مأمور له.
(٣) في (ق) فرأي.
(٤) في (ق) بما.
(٥) في (ر) و(ت) هل.
(٦) في (ر) قدمناه، وفي (ت) قدم.
(٧) في (ر) و(ت) الظهر.
(٨) في (ق) ثم.
(٩) في (ر) الصورة.
[ ٢ / ٧١٥ ]
والثاني: يصومون إحدى وثلاثين يومًا لئلا يفطروا بشهادة الواحد. ويكون المعوَّل على أن الحكم في تفصيل كل (١) نازلة بما يوجبه الشرع. وعندنا ما يشير إلى هذا الخلاف، وهو قبول الشاهد واليمين وشهادة النساء في كل موضع تقع الشهادة على غير مال، والحاصل عنها مال أو بالعكس. وبيانه يأتي في موضعه إن شاء الله.
باب في تفصيل ما يجب الإمساك عنه من الجماع وحكم مبادئه
ولا خلاف أن الجماع وما في معناه من استدعاء المني محرم في الصوم. وأما مبادئه وهي: الفكر والنظر والقبلة والملاعبة والمباشرة؛ فإن استدامه حتى استجلب به المني رجعت إلى ما قدمنا من تحريم استدعائه. فإن لم يستدم؛ فأما الفكر والنظر فلا يختلف أنهما لا يحرمان في الصوم (٢).
وأما القبلة وما بعدها ففي المذهب اضطراب هل تحرم أو تكره أو يختلف حال الشيخ والشاب. وتحقيق المذهب في ذلك: أن من علم سلامته من الإنعاظ (٣) وما بعده لم تحرم في حقه، ومن علم أنه لا يسلم حرمت في حقه، ومن شك ففيه قولان: التحريم، نظرًا إلى تقرر الصوم (٤) في الذمة (٥)، فيجب عليه محاذرة كل ما يفسده. والكراهية، نظرًا إلى أن
_________________
(١) في (ت) و(ق) أن يحكم في كل.
(٢) في (ق) للصائم.
(٣) سبق أن قلت في كتاب الطهارة: الإنعاظ من النعظ. يقال: نَعَظَ الذكَرُ يَنعَظُ نَعظًا ونعَظًا ونُعُوظًا وأَنعَظَ إذا قامَ وانتشَر، وأنعظ الرجل إذا اشتهى الجماع. والإنعاظ الشبق، وهو تشهي الجماع. انظر لسان العرب ٧/ ٤٦٤، والنهاية في غريب الحديث ٥/ ٨١.
(٤) في (ر) الاسم.
(٥) في (ق) ذمته.
[ ٢ / ٧١٦ ]
الفساد غير متيقن، ولا يحرم إلا مع تيقن الفساد. على أنه [قد] (١) اختلف في توجه القضاء مع الإمذاء (٢)، هل يجب، أو يندب إليه على ما يأتي. ونبدأ بأوائل الجماع ومقتضيات الشهوة على الترتيب، ونذكر ما يكون عنها، الأول فالأول فنقول:
(حكم التفكر في الجماع وما في معناه)
إن فكر فالتذ بقلبه فلا حكم للذة، وهذا مما تسقطه الشريعة لأنّ تكليفه من الحرج. وإن أنعظ فكذلك أيضًا. وإن أمذى (٣) نظر هل استدام أو لم يستدم، فإن استدام كان بمنزلة من أمذى قصدًا، فيؤمر بالقضاء. وهل يجب [القضاء] (٤) أم لا؟ قولان: الوجوب؛ لأنّ المذي علامة [على تحرك] (٥) المني عن موضعه، ونفي الوجوب لأنّ الحكم يتعلق بالمني لا بالمذي. والدليل عليه سقوط الكفارة فيه.
وإن لم يستدم فلا شيء عليه، لأنه لو كلف القضاء لأدى إلى الحرج الذي تسقطه الشريعة السمحة، وإن أمنى [فإن استدام] (٦) قضى وكفر عندنا، وإن لم يستدم فالقضاء بلا كفارة إلا أن يكثر ذلك عليه فيسقطُ القضاء للمشقة.
(حكم النظر)
فإن نظر فالتذ بقلبه فلا حكم لما قلناه (٧) من الحرج، وإن أنعظ فكذلك أيضًا، وإن أمذى فاستدام النظر فالقضاء مأمور به. وهل هو (٨)
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ت).
(٢) في (ر) و(ت) الأمر.
(٣) في (ت) مني.
(٤) ساقط من (ق).
(٥) في (ق) تحريك.
(٦) ساقط من (ق).
(٧) في (ت) فلا حكم لها لما قدمناه.
(٨) في (ر) ذلك.
[ ٢ / ٧١٧ ]
واجب؟ يجري على الخلاف المتقدم. وإن لم يستدم [النظر] (١)، استحب له القضاء ولا يجب. وإن أمنى؛ فإن استدام فالقضاء والكفارة، وإن لم يستدم فالقضاء. وهل يكفر؟ جمهور المذهب على أنه لا يكفر، وألزمه الكفارة أبو الحسن القابسي ﵀، وتأوله على ابن القاسم إذا قصد إلى النظر. ورأى أن قوله بالسقوط (٢) إنما هو مع عدم القصد.
وسبب الخلاف تعليق الحكم على النوادر، فتجب الكفارة. أو عدم تعليقه على ذلك، فتسقط.
(حكم القبلة)
وإن قبَّل فالتذ بقلبه فلا شيء عليه؛ إذ لا حكم للذَّة بانفرادها، فإن أنعظ فقولان: وجوب القضاء وإسقاطه. وهذا خلاف في حال؛ هل يمكن (٣) الإنعاظ من غير مذي؟ وهاهنا قارن الإنعاظ [قبلة] (٤)، فهل يقتضي تعلق الحكم عليه، بخلاف إذا فكر ونظر (٥). وإن أمذي أمر بالقضاء. وهل يجب؟ قولان كما تقدم. فإن أمنى وجب القضاء، وهل تجب الكفارة؟ أما إن استدام فهي واجبة؛ لأنه [قاصد لفعل] (٦) يوجد معه المني غالبًا. وإن لم يستدم فقولان: وجوب الكفارة، وإسقاطها. وهما خلاف في حال، هل يوجد المني من القبلة غالبًا أم لا؟ وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس.
(حكم المباشرة والملاعبة)
وأما إن باشر أو لاعب ولم يمذ فلا قضاء إلا أن ينعظ ففيه قولان كما تقدم في القبلة. وإن أمذى أمر بالقضاء. وهل يجب؟ قولان كما تقدم.
_________________
(١) ساقط من (ق).
(٢) في (ق) بالإسقاط.
(٣) في (ق) و(ت) ينكسر.
(٤) ساقط من (ق).
(٥) في (ت) أو نظر.
(٦) في (ق) فعلًا.
[ ٢ / ٧١٨ ]
وإن أمنى وجبت الكفارة على الإطلاق، إذ الغالب مع هذا الفعل وجود المني. أو يكون ذلك موجودًا كثيرًا وإن لم يكن غالبًا. وقال أشهب: لا كفارة، كالقبلة عنده.
(حكم الجماع فيما دون الفرج)
وإن جامع فيما دون الفرج فلا كفارة إلا أن ينزل، فإن أنزل كفر بلا خلاف عندنا. وهل يجب القضاء مع [عدم] (١) الإنزال؟ [ظاهر مذهب البغداديين الخلاف في وجوب القضاء إذا لم يكن إلا المذي. أما إذا كان المني فلا خلاف في هذا] (٢).
(حكم الجماع في الفرج)
وإن جامع في الفرج وجبت الكفارة بمغيب الحشفة؛ أنزل أو لم ينزل. ولا خلاف عند جمهور الأمة في وجوبها مع العمد. أما الإكراه والنسيان ففي المذهب قولان: المشهور عدم الوجوب، والشاذ إثباته.
وسبب الخلاف قول النبيﷺ- للقائل جامعت أهلي في رمضان "كفر" (٣). ولم يسأله هل جامع عمدًا أو نسيانًا. وبين الأصوليون خلاف في
_________________
(١) ساقط من (ت).
(٢) ما أثبته من (ل)، وفي (ر) و(ق) "ظاهر ما يطلقه البغداديون من الخلاف في وجوب القضاء إذا لم يكن إلا المذي يقتضي الخلاف في هذا"، وفي (ت) "ظاهر ما يطلقه البغداديون من الخلاف وجوب القضاء إذا لم ينزل إلا المذي يقتضي الخلاف في هذا".
(٣) لعل الحديث المقصود هو ما أخرجه البخاري في الهبة ٢٦٠٠ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: "جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُولِ اللُهِ - ﷺ - فَقَالَ: هَلَكْتُ فَقَالَ: "ومَا ذَاكَ؟ " قَالَ وَقَعْتُ بأهلِي في رَمَضَانَ قَالَ: "تَجدُ رقَبَة؟ " قَالَ: لاَ، قَالَ: "فَهَل تَستَطِيعُ أن تَصُومَ شَهرَينِ مُتَتَابعَين" قَالَ: لاَ، قَالَ: "فَتستَطِيعُ أن تُطعِمَ ستينَ مِسكِينًا؟ " قَالَ: لاَ، قَالَ فَجَاءَ رَجُلْ مِنَ الأَنصَارِ بِعَرق وَالْعَرَقُ المِكتَلُ فِيهِ تَمرٌ فَقَالَ: "اذهب بهذا فَتصدق بِه" قَالَ: عَلَى أَحوَجَ منا يا رَسُولَ الله وَالَذِي بَعَثَكَ بِالحَق مَا بَينَ لاَبَتَيها أَهلُ بَيت أَحوَجُ منَّا قَالَ: "اذهَب فَأَطعمهُ أَهلَك".
[ ٢ / ٧١٩ ]
ترك [الاستفصال] (١) هل يتنزل منزلة العموم في المقال أم لا (٢)؟ فإن قلنا إنه يتنزل منزلته جاء منه الشاذ، وإن لم نقل بذلك وحملناه على العمد لما في بعض الطرق من قول السائل احترقت (٣) (٤) جاء منه المشهور، إذ لا يقول في الظاهر احترقت إلا إذا كان عامدًا.
فإن جامع أهله مكرِهًا لها كفَّر عن نفسه، وهل يكفر عنها؟ أما إن قلنا بأن المكره يكفر فلا شك في وجوب الكفارة عليه عنها، وأما إن قلنا إن المكره لا يكفر فهاهنا قولان: أحدهما: أنه لا يلزمه عنها (٥) كفارة لأنها مكرهة (٦). والثاني: لزومها له لأنه قاصد إلى انتهاك حرمة اليوم في حقه وحقها فتلزمه كفارتان (٧).
باب في أحكام الطعام وغيره مما يصل إلي المعده والحلق
ولا خلاف أن الفطر يحصل بإيصال الطعام إلى المعدة أو إلى الحلق من منفذ واسع مع القصد والعمد. وفي معنى الطعام كل مغذٍّ. وهل يلحق
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) هذه قاعدة أصولية من كلام الشافعي. وقد جزم فيها بترك الاستفصال حيث قال: "ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الإحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال". انظر البرهان في أصول الفقه ١/ ٢٣٧.
(٣) أخِرج البخاري في الحدود ٦٨٢٢، ومسلم في الصيام واللفظ له ١١١٢ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَها قَالَت: جَاءَ رَجُلٌ اِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺفَقَالَ: احتَرقْتُ، قَالَ رسُولُ الله - ﷺ - "لِمَ؟ " قَالَ: وَطِئتُ امرَأَتِي في رَمَضَانَ نَهَاراَ قَالَ: "تَصَدقْ تَصدقْ" قَالَ ما عِندِي شَيءْ فَأَمَرَهُ أَنْ يَجلِسَ فَجَاءَهُ عَرَقَانِ فيهِما طَعَامْ فأَمَرَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - أَنْ يَتَصَدَقَ بِهِ".
(٤) ساقط من (ق).
(٥) في (ق) أنه تلزمه الكفارة.
(٦) في (ر) مكرهة لا يلزمها.
(٧) في (ر) كفارة ثانية.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
به غير المغذي، كالتراب والحصى والدراهم وما في معنى ذلك؟ في المذهب قولان: الإلحاق، حماية للذريعة وحسمًا لباب التناول (١). وعدم الإلحاق، لأنّ هذا النوع مما لا تتشوف النفوس إلى جنسه، ولا معنى لحماية الباب [فيه] (٢).
وقولنا: "من منفذ واسع"، احترازًا مما يصل [إلى المعدة] (٣) من المنافذ الضيقة كالعين والإحليل، والمنافذ الواسعة: الفم والأنف والأذن.
وهل تلحق بذلك الحقنة؟ في المذهب قولان: أحدهما: الإلحاق بذلك لأنه في معنى المنافذ المتقدمة. والثاني: عدم الإلحاق لأنه (٤) لا يصل إلى المعدة. وإنما يصل إلى مستقر الأثفال (٥).
وقولنا: "مع القصد والعمد"، لما ذكرناه من (٦) عدم الخلاف. ومذهبنا إلحاق النسيان بالعمد في حصول الفطر المقتضي للقضاء. وأما الكفارة فتحصل (٧) في هذا الباب عندنا بالعمد، وما يدخل من (٨) الفم. هذا النظر في هذا الباب على الجملة.
وأما تفصيله فإنا نقول: أما ما يصل إلى الفم؛ فلا يخلو أن يكون متناولًا من خارج الفم أو مبتلعًا من الفم، [ولا يخلو من أن يكون مستخرجًا من الحلق أو متناولًا من خارج، ولا يخلو من أن يكون من جنس ما يغذي أو من جنس ما لا يغذي] (٩)، ولا يخلو أن يكون مقدورًا على الاحتراز منه أو غير مقدور.
_________________
(١) في (ت) المتناول.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) ساقط من (ق) و(ت).
(٤) في (ق) إذا.
(٥) في النسخ التي وقفت عليها الأنفال. والأثفال كناية عن محل البراز.
(٦) في (ق): في عدم.
(٧) في (ت) و(ق) فتختص.
(٨) في (ق): في.
(٩) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٧٢١ ]
(حكم المتناول من خارج الفم أو المبتلع منه)
فإن كان متناولًا من خارج، وهو من جنس ما يغذي، ففي عمده القضاء والكفارة عندنا، وفي سهوه القضاء.
وإن كان مبتلعًا من الفم كالفلقة (١) من الطعام تكون بين أسنانه، ففيه قولان: أحدهما: أنه كالمتناول من خارج [الفم لأنّ (٢) الفم له حكم الظاهر في الصوم، وإذا ابتلع منه شيئًا صار كالمتناول من خارج] (٣)، وأيضًا فإن أصلها من خارج الفم. والثاني: أنها ليست كالمتناول من خارج؛ لأنها لما استقرت في الفم صارت في حكم الريق. فإذا (٤) قلنا إنها ليست كالمتناول من خارج، فهل تسقط الكفارة ويجب القضاء أو يسقطان جميعًا؟ في المذهب قولان: سقوطها، لما عللنا به من أنها كالريق. ووجوب القضاء، لأنها في حكم ما يمكن الاحتراز منه، فأشبه (٥) المتناول ناسيًا (٦).
(حكم تناول غير المغذي)
وأما غير المغذي فقد قدمنا ما فيه من الخلاف. وإذا قلنا إنه ليس كالمغذي، فهل يكون فيه [القضاء] (٧) خاصة أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: وجوب القضاء، [إذ ليس كالمغذي] (٨) في عمده دون الكفارة. [والثاني: وجوب القضاء والكفارة] (٩)، وهذا مراعاة للخلاف، ولأن الكفارة
_________________
(١) في (ر) كالفاقة. الفلقة هي: الكسرة من الخبز أو غيره. انظر لسان العرب ١٠/ ٣٠٩.
(٢) في (ق) من خارج لأنّ.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) فإنما.
(٥) في (ق) فأشبهت.
(٦) غير واضح في (ر).
(٧) ساقط من (ر) وغير واضح في (ت).
(٨) ساقط من (ق)، وخرم في (ت).
(٩) ساقط من (ر) و(ق).
[ ٢ / ٧٢٢ ]
إنما جعلت في الشريعة] (١) زجرًا عن تناول ما تدعو النفوس إليه، وهذا مما لا تدعو النفوس إليه.
وأما ما استخرج من الحلق كالبَلْغَمِ (٢)؛ فإن لم يقدر على طرحه فلا حكم له إن استرده، وإن أمكن طرحه ففيه من الخلاف ما في غير المغذي، كالفلقة بين الأسنان.
(حكم ما لا يمكن الاحتراز منه)
وإن كان مما لا يمكن الاحتراز منه، فإن عمَّ وكان من جنس ما لا يغذي كغبار الطريق، فلا خلاف في سقوط حكمه (٣). وإن كان من جنس ما يغذي كغبار الدقيق فيه قولان في المذهب: أحدهما: وجوب القضاء، لأنّ [أقصى] (٤) أمره أن يكون كالنسيان. والثاني: نفيه، لأنه لا يمكن الاحتراز منه كغبار الطريق. وأما غبار [الجير والدباغ] (٥) وما في معناه من كل ما لا يغذي وينفرد بالاضطرار إليه بعض الناس، فهل يكون كغبار [الدقيق فيكون فيه الحكم كما قدمته أو يكون كغبار الطريق فلا حرج فيه ولا حكم؛ فإنه] (٦) إن عللنا غبار الطريق بأنه من جنس ما لا يغذي فهذا مثله، وإن عللنا بعموم الاضطراب إليه فهذا بخلافه.
فصل (حكم الواصل إلى المعدة أو الحلق من غير الفم)
ولا خلاف في سقوط الكفارة في الواصل إلى المعدة أو الحلق من غير الفم، إلَّا ما قاله أبو مصعب فيما دخل من منفذ واسع. وهو بعيد
_________________
(١) نهاية الساقط من (م).
(٢) البلغم: النخامة انظر لسان العرب ٦/ ٢٩٤.
(٣) في (ر) الحكم.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ق) و(ت) الجباسين.
(٦) ساقط من (ر) وفي (ق) الطريق أو كغبار الدقيق.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
جدًا، لأنّ هذا مما لا تتشوف النفوس إليه، فتتعلق الكفارة به. وإنما ظن أن الشريعة علقت الكفارة بوصول الشيء إلى المعدة مع القصد والعمد. وفي إثبات القضاء فيما استدخل من منفذ واسع كالأنف والأذن قولان. وقد قدمنا القولين في الحقنة، وذلك إذا كانت مما يماع (١) [ويحصل الاغتذاء به] (٢). وأما إذا كانت مما لا يماع فلا يختلف في سقوط حكمه.
وكذلك الاكتحال بما لا يتحلل ولا يصل، وأما ما يتحلل ويصل فهل يجب عند الاكتحال به القضاء؟ في المذهب قولان. وهما خلاف في شهادة، هل يمكن أن يصل من العين إلى الحلق شيء بتوصيل العقاقير الغواصة، أو لا يمكن ذلك لضيق المنفذ؟ وإذا قلنا بإسقاط القضاء، فهل يجوز ذلك ابتداء أم لا؟ في المذهب قولان: فمن أجاز شهد (٣) بعدم الوصول، ومن منع فلعله راعى الخلاف ورأى أنَّ الواصل يسير لا حكم له في إيجاب القضاء، لكنه ينهى عنه ابتداء. وإنما سقطت الكفارة في الواصل من غير الفم؛ لأنّ الكفارة إنما جعلت في الشريعة زجرًا وردعًا عن تناول ما تدعو النفوس إلى تناوله، وهذا القبيل مما لا تدعو النفوس إليه إلا عند الحاجة، فيكون الإنسان كالمضطر إليه. والفطر إنما يقع بوصول جرم المتناول إلى الحلق لا بوصول ريحه. ولهذا نقول: إن ذوق (٤) ما له طعم مكروه، لكن لا يحصل الفطر بذوقه إلا أن يصل منه شيء إلى الحلق والمعدة.
فصل (حكم القيء)
وأما [القيء] (٥) الضروري فحكمه (٦) ساقط إلا أن يُسترجع (٧) شيء
_________________
(١) ماع يميع ميعًا ذاب وقال، انظر لسان العرب ٨/ ٣٤٤.
(٢) ساقط من (ر) و(ق).
(٣) في (ق) استشهد.
(٤) في (ر) يقال لمن يذوق.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ق) في حكمه.
(٧) في (ت) و(ق) يسترد، وفي (م) يستعد.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
بعد إمكان طرحه ففيه من الخلاف ما قدمناه في الخارج من الحلق يُسترد. وأما المستدعي ففيه القضاء في الصوم الواجب لإمكان أن يرجع منه شيء. واختلف البغداديون هل الأمر بالقضاء على الوجوب أو على الاستحباب. ولعل هذا التردد في رجوع شيء منه فيكون (١) بمنزلة من شك هل وجب عليه شيء أم لا؟ وهل (٢) فيه الكفارة [أم لا؟] (٣) أما إن كان استدعى لعذر أوجبه فلا كفارة عليه، وأما إن كان لغير عذر ففي الكفارة قولان: المشهور إسقاطها، والشاذ وجوبها. قال [أبو الفرج] (٤) البغدادي: هو القياس. وتأوله على مذهب مالك ﵀. ولعلَّ هذا خلاف في شهادة هل يمكن أن يسلم مستدعي القيء من أن يرجع إلى حلقه شيء أم لا، أو نقول: وإن رجع يجري الخلاف في هذا القبيل هل في عمد رده بعد إمكان طرحه كفارة أم لا؟ وإثباتها حماية للذريعة، ونظرًا إلى القاعدة الكلية لوجوب الكفارة في العمد، وإسقاطها لأنّ النفوس تأباه بطبعها.
فصل (حكم المضمضة والسواك)
ولا خلاف في إباحة المضمضة للصائم. ولو تمضمض في وضوء أو غيره فسبقه الماء وجب عليه القضاء عندنا، لأنا نوجب (٥) القضاء مع النسيان والغلبة، وهذا منه. ولا كفارة إلا أن يتعمد وصول الماء من غير غلبة.
والسواك مباح عندنا قبل الزوال وبعده، إذا كان مما لا يتحلل منه ما
_________________
(١) في (ر) ليكون.
(٢) في (ر) و(ت) و(م) فهل.
(٣) ساقط من (ر) و(ق).
(٤) ساقط من (ر) و(ق).
(٥) في (ق) نقول بوجوب.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
يصل إلى الحلق أو طعمه، فإن كان [بما] (١) يتحلل فإن سلم منه كره ولا قضاء، وإن وصل إلى الحلق شيء كان على التفصيل الذي ذكرناه في المضمضة.
باب الصيام في السفر
ولا خلاف بين الأمة أن السفر من مقتضيات الفطر [على الجملة] (٢)، وجمهورهم على إباحة الصوم فيه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) معناه: فأفطر. وهذا يسميه الأصوليون لحن الخطاب، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ معناه: فلحق (٤)، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٥) معناه: فحنثتم. وما روي عنه - ﷺ - أنه قال: "الصوم في السفر كالفطر في الحضر" لم (٦) يثبت (٧)، ولو ثبت لحُمل (٨) على من يشق عليه الصوم حتى يؤديه إلى مضرة كبيرة. وما ثبت (٩) عنه - ﷺ - أنه قال:
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) ساقط من (ر).
(٣) البقرة: ١٨٤.
(٤) في (ق) فحلق.
(٥) المائدة: ٨٩.
(٦) في (ر) و(ت) فلم.
(٧) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرج ابن ماجه في الصيام ١٦٦٦ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبدِ الرّحمَنِ عَنْ عبدِ الرحمَنِ بن عَوفِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - "صَائِمُ رَمَضَانَ في السفَرِ كَالمُفطِر في الحَضَرِ". قال ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية ١/ ٢٨٣: "وأخرَجه البزار ورجح وقفه وكذلك جزم ابن عديّ يوقفه وبين علته".
(٨) في (ت) كمل وفي (ر) لحكم.
(٩) في (ق) روي.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
"لَيسَ مِنَ البِر (١) الصَّومُ (٢) في السفَر" (٣) خارج على سبب، وهو أنه رأى رجلًا قد جهده الصوم فقال هذا القول. فهو عموم خرج على سبب. وبين الأصوليين خلاف هل يقصر على سببه، أو يتعدى؟ فإن قصرناه على سببه كان حجة للمشهور (٤)، وإن عديناه إلى (٥) غير هذا الموضع فنقصره هاهنا إما لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٦) وسنذكر ما في هذه الآية وإما لما ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم كانت تسافر (٧) معه - ﷺ - فمنهم الصائم والمفطر ولم يعب بعضهم على بعض (٨). وإما لما ثبت أنه - ﷺ - سأله حمزة بن عمرو الأسلمي عن الصيام في السفر فقال له: "إن شِئتَ فَصُم وإِنْ شِئتَ فَأفطِر" (٩).
(أيهما أفضل للمسافر الإفطار أم الصيام؟)
وإذا [تقرر] (١٠) جواز الصوم في السفر على الجملة فهل هو أفضل، أو الفطر، أو يتساويان؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أن الصوم أفضل، وهو المشهور. والثاني: عكسه. والثالث: أنهما سيان.
وسبب الخلاف الآثار والاعتبار: أما الآثار فإنه - ﷺ - صام في رمضان
_________________
(١) في (ر) الصبر.
(٢) في (ت) و(ر) الصيام.
(٣) أخرجه البخاري في الصوم ١٩٤٦، والدارمي في الصوم ١٧٠٩.
(٤) في (ق) و(ر) (م) للجمهور.
(٥) في (ر) و(ق) و(ت): في.
(٦) البقرة: ١٨٤.
(٧) في (ق) يسافرون.
(٨) أخرج البخاري في الصوم ١٩٤٧ واللفظ له، ومسلم في الصيام ١١١٨ عَنْ أنس بْنِ مالك قَالَ: "كُنا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيّ - ﷺ - فَلَم يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفطِرِ وَلاَ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَائِمِ".
(٩) أخرجه البخاري في الصوم ١٩٤٣، ومسلم في الصيام ١١٢١.
(١٠) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٢٧ ]
فلما بلغ الكَدِيدَ أفطر، فقال الراوي: "كان الناس يأخذون بالأحدث فالأحدث من فعله - ﷺ -" (١) [فتعلق من رأى أن الصوم أفضل بأنه ابتدأ [به] (٢)، ومن عكس فلأنه يرجع (٣) إليه، وقال الراوي ما قال. وهو دليل على أنهم فهموا ترك الصوم والانتقال إلى أن الأولى الفطر. لكن في بعض الطرق أنه - ﷺ -] (٤) إنما أمرهم بذلك فأفطر ليقتدوا به وقصد التقوي على لقاء العدو (٥). وهذا يشعر بأن الصوم أفضل، لكنه تركه (٦) لهذه العلة، والحديث متنازع فيه على أي المذهبين يدلّ كما بيَّناه.
ومن قال بالتخيير احتج بما قال - ﷺ - من تخيير السائل وقد تقدم وبما حكى أنس عن الصحابة ﵃ من انقسامهم إلى الصائم والمفطر كما تقدم، ولم يعب بعضهم بعضًا. ومثل هذا لا يكاد يخفى عنه - ﷺ - من فعلهم، وإقرارُه دليل على الجواز. ويحتج للمشهور أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٧). لكن قد قدمنا الخلاف، هل كان صوم رمضان أولًا لازمًا فلا بد، أو يجوز للقادر عليه أن يفطر ويفتدي؟ فعلى القول بلزوم الصوم يكون في الآية حجة، وعلى القول بالتخيير بينه وبين الفدية
_________________
(١) أخرج البخاري في الصوم ١٩٤٤، ومالك في الصيام ٦٥٣ واللفظ له عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاس أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ إلَى مَكَّةَ عَامَ الفتح في رَمَضَانَ فَصَامَ حَتي بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أفطَرَ فَأَفْطَرَ الناسُ وَكَانُوا يأخُذونَ بِالْأَحدَثِ فَالأحدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
(٢) ساقط من (ق).
(٣) في (ق) راجع.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) أخرج مسلم في الصيام ١١٢٠ واللفظ له، وأبو داود في الصوم ٢٤٠٦ عن أبي سعيد الخدري قَالَ: سَافرنا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى مَكةَ وَنَحنُ صِيَام قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - "أنكُم قد دنَوتُم من عدوكُم وَالفِطرُ أَقوَى لَكم فَكَانَت رُخصَة فَمِنا مَن صَامَ وَمنا مَنْ أفطَرَ". ثُم نَزَلْنًا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: "أنكُم مُصَبحُو عدوكم وَالفِطرُ أَقوَى لَكم فأفطِرُوا" وَكَانَتْ عَزْمَة فأَفْطَرنا ثُمَّ قَالَ: لَقَد رَأَيتُنا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ في السَّفَرِ.
(٦) في (ر) لا يتركه، وفي (م) ترك.
(٧) البقرة: ١٨٤.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
(نية السفر لا تبيح الإفطار)
يكون (١) محمل الآية على القادر ويكون ذلك منسوخًا كما تقدم.
وأما الاعتبار؛ فمن رأى الفطر أفضل قاسه على القصر في السفر والمشهور أنه أفضل كما تقدم والفرق بينهما على المشهور أن القاصر يؤدي فريضة الوقت ويخرج عن عهدة (٢) التكليف، والمفطر لا يؤدي فريضة الوقت بل (٣) تبقى ذمته معمورة (٤) به، ولا يجد أيامًا توازي رمضان في الفضل. (نية السفر لا تبيح الإفطار)
وإذا تقرر ذلك فقد قدمنا أن مجرد النية لا تكفي في السفر حتى بصحبه الفعل. فمن عزم على السفر فأفطر قبل أن يشرع فيه فهل عليه الكفارة؟ في المذهب أربعة أقوال: أحدهما: وجوب الكفارة مطلقًا. والثاني: إسقاطها (٥) مطلقًا. والثالث: إيجابها إن لم يتم [على] (٦) السفر وإسقاطها إن تم. والرابع: إيجابها إن لم يأخذ في أهبة السفر وإسقاطها إن أفطر بعد أن أخذ في أهبة السفر.
هذه الأقوال ترجع إلى الانتفاع بالتأويل وعدم الانتفاع به. وإذا (٧) قلنا إن مجرد النية من غير شروع في السفر لا يقتضي الفطر؛ فمن (٨) أوجب الكفارة مطلقًا فبناء (٩) على الأصل ولم يعذره (١٠) بالتأويل، ومن أسقطها مطلقًا عذره بالتأويل، ومن فرَق بين أن يتم على السفر أو يبدو له أعطى
_________________
(١) في (ق) و(ت) و(م) فيكون.
(٢) في (ق) مجهدة.
(٣) في (ق) ثم.
(٤) في (ق) مشغولة.
(٥) في (ق) سقوطها.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) فس (ق) و(ت) إذا.
(٨) في (ر) لمن.
(٩) في (ق) بناء.
(١٠) في (ق) و(ت) يعدده.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
أول النهار حكم آخره، فإذا تم على السفر صار اليوم لا حرمة له في حق هذا، إذ الكفارة إنما تجب لانتهاك الحرمة، ومن فرَّق بين أن يأخذ في أهبة السفر، أو لا يَعُدّ الأخذ في الأهبة ضربًا في (١) الشروع في زمان السفر، فتسقط به الكفارة.
فإن سافر فلا يخلو أن يكون سافر قبل طلوع الفجر (٢) أو بعده. فإن سافر قبل الطلوع فهو مخيَّر بين أن يعقد الصوم أو الفطر. وإن سافر بعد الطلوع فعليه أن يعقد الصوم قبل الطلوع. فإن أفطر قبل سفره فقد تقدم الخلاف فيه. وإن أفطر بعده؛ فإن تأوَّل فظاهر المذهب ألا كفارة عليه، وإن لم يتأول فقولان: أحدهما: إيجاب الكفارة. والثاني: إسقاطها. وهو خلاف في كون الصوم كالجزء الواحد والحكم فيه الأول (٣)، فتجب الكفارة لانعقاده في الحضر. أو كل جزء منه عبادة قائمة بنفسها، فلا تجب الكفارة، لأنه صام أولًا حاضرًا وأفطر لما خرج للسفر (٤)، والسفر يبيح الفطر.
(هل يباح الفطر لمن أصبح صائمًا في السفر)
وإن (٥) أصبح صائمًا في السفر فهل يباح له الفطر في أثناء النهار؛ أما إن طرأ عليه عذر يقتضي الفطر ومنه التقوي للقاء العدو كما فعله - ﷺ - فيباح الفطر، وأما إن لم يكن له عذر فقولان: المشهور منع الفطر، والشاذ جوازه. وهو على الخلاف في كون الصوم، هل هو كالجزء الواحد أو كل جزء منه قائم بنفسه، فيكون السفر مبيحًا للفطر في كل وقت وإن عقد الصوم. ويحتج من أباح الفطر أن النبيﷺ- أفطر (٦) بعد أن عقد الصوم،
_________________
(١) في (ق) و(ت) من.
(٢) في (ر) الشمس.
(٣) في (ق) للأول.
(٤) في (ر) في السفر.
(٥) في (ق) فإن.
(٦) في (ق) بفطر النبيﷺ-.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
ويرى الفطر (١) من باب الأولى، لأنه بلغ إلى حالة تقتضي الفطر فلا بد.
وإذا قلنا بمنع الفطر فأفطر هل تجب الكفارة؟ ثلاثة أقوال: أحدها: الوجوب، والثاني: نفيه، والثالث: إن أفطر بالجماع وجبت وإن أفطر بالأكل لا تجب.
فأما الوجوب، فلما قدمنا من المنع. وأما نفيه، فلعله بناء على أن الفطر مكروه لا يحرم وقد قيل بذلك أو مراعاة الخلاف. وأما التفرقة، فهي لابن الماجشون وهو القائل بوجوب الكفارة مع النسيان والعذر، فلعله بناء على ذلك. أو لأنّ (٢) الفطر بالأكل والشرب يتأول على التقوي على السفر، والجماع ليس كذلك. وإذا جاز إنشاء الصوم في السفر في رمضان جاز أيضًا لسائر أنواع الصوم.
(حكم المسافر يفتتح صومًا في غير رمضان)
وإن افتتح صومًا في غير رمضان فلا يخلو أن يكون واجبًا أو غير واجب. [فإن كان واجبًا] (٣) كالنذر أو صوم الكفارة؛ فالمنصوص أنه لا يجوز له الإفطار بعد افتتاحه، ويلزم على قول مطرف أنه يجوز فطره كما قال في الصيام في السفر في رمضان. وإذا أفطره فلا شك في وجوب القضاء إلا أن يفطره لمرض؛ [فإن أفطره لمرض] (٤) ففي [قضاء] (٥) المعيَّن منه قولان: أحدهما: الأمر بالقضاء خوفًا أن يكون السفر أهاج (٦) عليه المرض. والثاني: نفي القضاء، نظرًا إلى المرض. وينبغي أن يكون هذا (٧) خلافًا (٨) في حال.
_________________
(١) في (ق) و(ت) و(م) العذر.
(٢) في (ر) ولأن.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) ساقط من (ق).
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ت) و(ر) هاج.
(٧) في (ت) هذا الخلاف خلاف في حال.
(٨) في جميع النسخ خلاف.
[ ٢ / ٧٣١ ]
فإن تبيَّن أن السفر أهاجه (١) أمر بالقضاء، وإلا فلا قضاء عليه. وسيأتي الخلاف في قضاء اليوم المعيَّن في حق الناسي والمريض والحائض.
فإن كان الصوم المفتتح تطوعًا، فالمنصوص أيضًا أنه لا يجوز إفطاره، ويجري على قول مطرّف أنه يفطره. وإذا افتتح الصوم ثم أفطر في الحضر ثم سافر؛ فأما التطوع ففي جواز الفطر فيه قولان: أحدهما: أنه لا يجوز فطره، فإن أفطر قضى. والثاني: أنه يجوز ولا قضاء عليه إن أفطر، وهو (٢) على ما قدمناه من النظر إلى حالة الانعقاد، فلا يجوز له الفطر. ويلزم القضاء أو الحكم بأن (٣) كل جزء قائم بنفسه، فيجوز الفطر وينتفي (٤) القضاء.
وأما الصوم الواجب؛ فقد قدمنا الخلاف في لزوم الإمساك في رمضان، هل هو واجب أو مندوب إليه؟ فاحرى أن يجري الخلاف هاهنا. لكنه متى أفطر وكان الصوم مما يجب متابعته بطل جميعه وابتدأه (٥). وهكذا يجري الأمر في القسم الأول (٦)، وهو (٧) إذا افتتح الصوم في السفر.
فصل (حكم المريض)
و[من] (٨) مقتضيات الفطر المرض. ويحرم الصوم معه إذا أدَّى إلى
_________________
(١) في (ت) هاج المرض، وفي (ر) هاج للمرض.
(٢) في (ق) وهما.
(٣) في (ر) بالحكم فإن.
(٤) في (ر) وينبغي.
(٥) في (ق) الصوم يجب تتابعه بطل جميع الصوم وابتدأه.
(٦) في (ر) وهذا لا يجري إلا من القسم الأول، وفي (م) وهذا لا يجري الأمر في القسم الأول.
(٧) في (ت) وهذا.
(٨) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٣٢ ]
التلف والإيذاء الشديد. وأما إن كان فيه مشقة ولا يؤدي إلى ذلك فلا يحرم تكلفه. وللإنسان الفطر متى خاف الموت، أو تمادي المرض، أو زيادته، أو حدوث مرض. ونؤخر الكلام على حكم الحائض إلى موضعه من الكتاب إن شاء الله.
باب في أحكام صوم الأسير
ولا شك أنه [إذا كان مطلقًا] (١) فيبني على الرؤية أو (٢) العدد كما قدمناه. فإن كان في مهواة لا يمكنه التوصل إلى الرؤية بني على العدد وأكمل كل شهر ثلاثين. فإن التبست عليه المشهور اجتهد وبنى على غلبة ظنه، وإن لم يغلب على ظنه شيء فأجراه اللخمي (٣) على قولين: أحدهما: أنه يصوم سائر الشهور. والثاني: أنه يتحرى شهرًا ليصومه (٤). وهذا كما قدمناه فيمن التبست عليه دلائل القبلة. وكما اختلف في من نذر يومًا من الجمعة (٥) ثم نسي عينه؛ فقيل: يتحرى يومًا فيصومه، وقيل: يصوم آخر يوم من الجمعة (٦) حتى يكون قضى إن لم يكن هذا اليوم (٧). وقيل يلزمه صوم الدهر (٨) إن نذر يومًا (٩) مؤبدًا. فعلى هذا فلا بدّ أن يلزمه سائر الشهور.
فان تحرى شهرًا، أو صام باجتهاده؛ فلا يخلو أن يتبين له أنه أخطأ
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ر) والعدد.
(٣) في (ق) و(ت) المتأخرون.
(٤) في (ق) فيصومه.
(٥) يقصد يومًا من أيام الأسبوع.
(٦) في (ر) يصوم يومًا من الأيام للجمعة، وفي (ت) يصوم آخر يوم الجمعة.
(٧) انظر مواهب الجليل ٢/ ٤٥٣.
(٨) بياض في (ر).
(٩) في (ق) اليوم.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
أو أصاب، أو يخفى عليه ذلك بعد خروجه إلى حيث يمكنه النظر. فإن تبين له الخطأ فإن أخطأ وصام (١) ما بعد رمضان أجزأه، وكان قضاء. وإن أخطأ بصوم ما كان قبله فلا يجزيه إلا أن تكون شهورًا عدَّة صام منها مثلًا عن ثلاثة شهور شعبان، وأما الشهر الآخر فلا خلاف في المذهب أنه يقضيه لأنه صام قبله. وأما الأول والثاني: ففي وجوب قضائهما قولان: المشهور وجوب القضاء. وقال (٢) ابن الماجشون: لا يجب (٣) ويكون الصوم الثاني والثالث قضاء عن الأول [والثاني] (٤).
وهذا خلاف في وجوب تعيين الشهر بالنية. وقد قدمنا الخلاف في وجوب تعيين اليوم بعينه (٥) في الصلاة. وذكرنا (٦) أن ثمرة ذلك لو نسي صلاة لا يدري هل هي من السبت أو من الأحد مثلًا. فلا (٧) شك أنه إذا تبيّن له أنه أصاب فلا شيء عليه، وإن أشكل عليه؛ فإن بقي على ما كان عليه في حال صومه من غير أن تظهر أمارة ريبة، فلا شيء عليه ويستصحب الإجزاء، هكذا قاله أبو الحسن. وإن بدت (٨) له أمارة ريبة فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يجب عليه القضاء حتى يستيقن ببراءة (٩) ذمته فإن أصاب الشهر أو صام بعده قضى عنه. والثاني: نفي القضاء حتى يستيقن أنه صام قبله. وهذا على ما قدمناه من الخلاف في حكم من أيقن بالوضوء وشك في الحدث. وقد وقعت الروايتان مطلقًا، ولم يفصل قائلها بين ظهور ريبة وعدم ظهورها. وفصَّل أبو الحسن اللخمي كما قلناه. ولا شك أن وجهه
_________________
(١) في (ق) يصوم.
(٢) في (ت) و(ر) قال.
(٣) في (ق) ولا يجب.
(٤) ساقط من (ق) و(م).
(٥) في (ق) بنيته.
(٦) في (ق) ذكرنا.
(٧) في (ت) و(ر) السبت مثلًا أو من الأحد ولا شك.
(٨) في (ر) وإن أشكل عليه فإن بقي على ما كان عليه في حال صومه، وفي (ق) فلا شيء عليه ويستحب الإجزاء. هكذا قاله أبو الحسن اللخمي.
(٩) في (ر) تبيّن له براءة.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
بيّن؛ لأنه إذا لم يسترب فلا شك، وإنما الشك مع تعارض خاطرين: أحدهما: أنه يقتضي أمرًا، والآخر: يقتضي ضده، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر.
فصل (من اضطر للفطر هل يتمادى في الفطر أم لا؟)
وقد قدمنا حكم من أصبح مفطرًا في رمضان لجهله باليوم أو لعذر أوجب الفطر. وهل [على المفطر] (١) إمساك بقيمة اليوم أوْ لا يلزمه؟ وأعطينا في ذلك قولًا كليًا. لكن اختلف المذهب فيمن اضطر إلى الفطر لغلبة عطش أو أمر بيِّن الضرر فأفطر (٢) حتى ذهبت ضرورته، هل يجوز له التمادي على الفطر لأنه إنما أفطر للضرورة فأشبه (٣) الحائض والمسافر؟ أو لا يجوز له، لأنه إنما أفطر لعذر وقد انصرف بعد فتنعقد (٤) عليه حرمة اليوم. وهكذا يلاحظ الخلاف فيمن اضطر إلى أكل الميتة؛ هل يجوز له الشبع منها [والتزود] (٥)، أو إنما يجوز له تناول [ما يمسك] (٦) القوت؟
فصل (حكم الجنابة والحيض)
وجمهور الأمة على أن حدث الجنابة لا يناقض الصوم، وكذلك غيره من الأحداث. والدليل عليه قول عائشة ﵂ فيما حكته عن
_________________
(١) في (ت) يجب، وفي (ق) يلزم.
(٢) في (ق) و(ت) أو أمر من الأمور فأفطر.
(٣) في (ق) و(ت) لأنه لما أفطر للضرورة أشبه.
(٤) في (ق) و(ر) فينعقد.
(٥) ساقط من (ق).
(٦) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٣٥ ]
رسول الله -ﷺ-: "أنه كان يصبح جنبًا في رمضان من جماع من غير احتلام" (١).
وأما حدث الحيض بعد ارتفاع الدم فهل يناقض الصوم؟ لا يخلو من أن ينقطع الدم قبل الفجر بزمان يمكن فيه الغسل، أو بزمن لا يمكن فيه الغسل، فإن أمكن ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يناقضه، وهو المشهور قياسًا على حدث الجنابة. والثاني: هو الشاذ، أنه يناقضه، ولا ينعقد الصوم إلا بعد الاغتسال قياسًا على الصلاة. وإن لم يمكن الاغتسال فقولان: المشهور صحة الصوم. والشاذ عدم الصحة. وهذا نظرًا إلى أن الصوم لا ينعقد إلا بعد المخاطبة [بالصلاة] (٢)، وإذا لم يمكن الغسل فلا تخاطب (٣) على نصوص المذهب. فإن اجتمعت (٤) قلت: [المذهب على] (٥) ثلاثة أقوال: أحدها: صحة الصوم وإن بقي حدث الحيض. والثاني: عدم الصحة. والثالث: التفرقة بين إمكان الغسل وعدم إمكانه.
وفي الكتاب فيمن أصبحت فشكَّت أَطَهُرت قبل الفجر أو بعده، فلتصم يومها ذلك وتقضيه. واستقرىء من (٦) هذه المسألة فرعان: أحدهما: وجوب صوم يوم الشك للاحتياط ثم يقضي. وهذا كما قدمناه من استقراء أبي الحسن اللخمي وجوب الصوم (٧) من أحد الأقوال في التي لا ينقطع
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخاري في الصوم ١٩٣٢، ومسلم في الصيام ١١٠٩ واللفظ للبخاري عن أبي بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَحمَنِ قال: كُنْتُ أنا وَأبِي فَذهبتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنا عَلَى عَائشةَ ﵂ قَالَت: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - إِن كَانَ لَيُصبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاع غَيْرِ احتِلاَم ثم يَصُومُهُ ثُمَّ دَخَلْنا عَلَى أُم سَلَمَةَ فَقَالَت مِثلَ ذَلِكَ.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) ولا يخاطب.
(٤) في (ر) فإذا جمعت.
(٥) ساقط من (ق).
(٦) في (ت) في.
(٧) في (ق) القضاء.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
عنها الدم بعد عادتها هل تصوم وتقضي فيما بينها وبين (١) الخمسة عشر يومًا. وقد قدمنا في ذلك. والاستقراء من مسألة الشاكة هل طهرت قبل الفجر أضعف (٢)، لأنها لا دم معها. والظاهر براءتها لعدم (٣) الدم.
والفرع الثاني: أن الحائض لا يجب عليها تجديد النية للصوم؛ بل تكتفي بما تقدم في أول الشهر. وفي ذلك خلاف يأتي في باب النية [في الصوم] (٤).
فصل (٥) (حكم الجنون والنوم والإغماء)
ولا خلاف أن الجنون مناقض لانعقاد الصوم، لكن حكم القضاء قد قدمنا ما في المذهب فيه (٦). ولا خلاف أن النوم لا يناقض الصوم. وأما الإغماء فإن كان بمرض استغرق جميع أجزاء النهار فلا خلاف في المذهب أنه يناقض الصوم، ولا ينعقد معه، قياسًا على الجنون. وإن كان بغير مرض فالمشهور أنه كالأول، والشاذ أنه كالنوم. وهو خلاف في شهادة؛ هل يستغرق الإغماء بغير مرض حتى يذهب العقل [جملة ويخرج] (٧) عن حالة النوم بالكلية، أم لا؟ فإن كان الإغماء في اليسير من النهار؛ فإن سلم طرفه الأول فلا خلاف في المذهب أنه كالنوم وهذه (٨) شهادة بأنه مع هذه الحالة لا يستغرق العقل، فإن كان في طرفه الأول حتى كان الإغماء [من] (٩) قبل
_________________
(١) في (ر): فيما بينهما قولان الخمسة.
(٢) في (ق) أضعفت وفي (ت) لضعف.
(٣) في (ر) وعدم.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ر) باب النية للصوم.
(٦) في (ر) المذهب فيه ثلاثة أقوال ولا خلاف، وفي (ق) المذهب ثلاثة أقوال ولا خلاف، وخرم في (ت).
(٧) في (ر) بغير مرض.
(٨) في (ر) وهو.
(٩) ساقط من (ق).
[ ٢ / ٧٣٧ ]
طلوع [الفجر] (١) ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يناقض، والثاني: أنه يناقض. فمن قال إنه لا يناقض قاسه على الكائن في آخر النهار (٢). ومن قال إنه يناقض نظر إلى حالة الانعقاد، فمتى سلمت عد ما يطرأ بعدها كالنوم. وإن أتى الإغماء على شطر (٣) النهار ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يناقض [كالنوم] (٤). والثاني: أنه يناقض [كالجنون] (٥). وهو خلاف في شهادة هل يعم هذا المقدار أجزاء العقل حتى يكون كالجنون أو لا يعمّ، إلا أن يكون مستغرقًا لكل النهار. وفي الجل قولان أيضًا (٦): وجوب القضاء، واستحبابه. وهما على ما قدمناه.
فصل (حكم من أفطر متأولًا)
ولا خلاف في وجوب الكفارة عندنا مع القصد إلى انتهاك حرمة الصوم. فإن أفطر متأولًا فإن قرب تأويله واستند إلى أمر موجود فلا كفارة عليه. وهذا كما مثله في الكتاب فيمن أفطر ناسيًا فظن بطلان صومه فأفطر متعمدًا، أو المرأة ترى الطهر ليلًا في رمضان فلم تغتسل فتظن أن من لم تغتسل ليلًا (٧) فلا صوم لها فتأكل، والرجل يدخل من سفره ليلًا فيظن أنه لا صوم له إلا أن يدخل نهارا فيفطر. والعبد يخرج راعيًا على مسيرة أميال فيظن أنه سفر يبيح له الفطر، فلا كفارة على جميع هؤلاء. وقال ابن القاسم: "وكلما رأيت مالكًا ﵀ يُسأل عنه من هذا الوجه على التأويل
_________________
(١) ساقط من (ت).
(٢) في (ر) فأشبهه بالكائن في أجزاء النهار.
(٣) في (ت) شرط.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ق) أيضًا قولان.
(٧) في (ت) قبل الفجر.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
فلم أره يجعل فيه الكفارة" (١). وإن بعد تأويله ففي المذهب قولان: إيجاب الكفارة، والثاني: إسقاطها. وهذا كما قدمناه في من رأى الهلال وحده فردَّ الإمام شهادته فأفطر، ظانا أن الصوم لا يجب عليه. فإن إستند تأويله إلى سبب معقول (٢) ففيه قولان: أحدهما: إيجاب الكفارة، وهو المشهور نظرًا إلى الحال. والشاذ إسقاطها، نظرًا إلى المآل. وهذا كمسألة المفطرة تعويلًا على أنه يوم حيضتها، وكالمفطر تعويلًا على أن اليوم تنوبه (٣) فيه الحمى. وهو يلاحظ مسألة من الكلام وهو من بلغ فأهمل النظر والاستدلال به (٤) عند بلوغه فاحتلم قبل إكمال أجزاء (٥) النظر [لو أفتتحه] (٦). واختلف القائلون بإيجاب النظر هل يحكم بعصيانه نظرًا إلى حالة التفريط أو ينتفي العصيان نظرًا إلى أنه لو بادر لما أغنى عنه ولم يصل إلى المقصود (٧).
_________________
(١) المدونة ١/ ٢٠٩، والتاج والإكليل ٢/ ٤٣٣.
(٢) في (ق) مفقود.
(٣) في (ق) تأتيه.
(٤) في (ق) و(ت) للاستدلال.
(٥) في (ت) آخر النظر لو افتتحه.
(٦) ساقط من (ق).
(٧) كذا في (ق)، وفي (ت): "وهو يلاحظ مسألة من الكلام وهو من بلغ فأهمل النظر والاستدلال به عند بلوغه فاحترم قبل إكمال آخر النظر لو افتتحه. فاختلف القائلون بإيجاب النظر هل يحكمون بعصيانه نظرًا إلى حالة التفريط أو بنفي العصيان نظرًا إلى أنه قد بادر وما أغنى عنه ولم يصل إلى المقصود". وفي (ر) "وهو يلاحظ مسألة من علم الكلام وهو من بلغ فأهمل النظر والاستدلال عند بلوغه فاحترم قبل إكمال أجزاء النظر وافتتحه. واختلف القائلون بإيجاب النظر هل يكون بعصيانه نظرًا إلى حالة التفريط أو بنفى العصيان نظرًا إلى حالة التفريط إلى أنه إن بادر لما أغنى عنه لم يصل إليه المقصود". وفي (م): "وهو يلاحظ مسألة من الكلام وهو من بلغ النظر والاستدلال عند بلوغه فأحرم قبل إكمال آخر النهار أو افتتاحه فاختلف القائلون بإيجاب النظر هل يحكمون بعصيانه نظرًا إلى حالة التفريط أو نفي العصيان نظرًا إلى أنه لو بارد لما أغنى عنه ولم يصل إلى المقصود". وفي (ل): "وهذا يبنى على مسألة من الكلام وهي من بلغ فأهل للنظر والاستدلال عند بلوغه واحتلم قبل كمال شرع النظر واستبعاده من الفكرة فاختلف القائلون بإيجاب
[ ٢ / ٧٣٩ ]
فصل (حكم الحامل والمرضع)
وينخرط حكم الحامل والمرضع في سلك (١) المريض؛ فأما الحامل فمتى أدَّى صومها إلى الخوف على نفسها أو على ما في بطنها أفطرت، ويجب عليها الإفطار في كل حالة يجب على المريض، وقد قدمناه. وهل تكون عليها الفدية الصغرى؛ وهي مدّ لكل يوم؟ في المذهب أربعة أقوال: أحدها: نفي الوجوب، قياسًا على المريض. والثاني: إيجابه، لأنّ النص ورد في المريض، وقد ورد عنه - ﷺ - إيجاب الفدية على الحامل. والثالث: التفرقة بين أن تخاف على نفسها فتسقط الفدية لأنها مريضة، أو تخاف على ما في بطنها فتجب لأنها في هذه الحالة كالمرضع والمرضع لا يتعلق عليها (٢). والرابع: تطعم إن احتاجت إلى الفطر قبل ستة أشهر، ولا تطعم إن احتاجت إليه بعد ستة أشهر، لتحقق حالة المرض بعد [ستة أشهر] (٣).
فأما المرضع فإن شق عيها الصوم وأدَّى إلى حالة المرض؛ فإن قدرت، أو قدر من يلزمه إرضاع الصبي المولود على أن يستأجر له من تقوى (٤) على الإرضاع والصيام، أو مرضعًا (٥) حائضًا أو كتابية، وكان المولود يقبل غير أمه، وجب الاستئجار ولم يجز الفطر.
وإن لم يوجد من يستأجر [أو بما يستأجره] (٦) أو لم يقبل غير أمه أفطرت الأم وأرضعته. وفي وجوب الفدية عليها قولان. وهي مطيقة في نفسها غير
_________________
(١) = النظر هل يحكمون بعصيانه نظرًا إلى حالة التطويل في العمد وكثرة التفريط أو ينتفى العصيان نظرًا إلى أنه لو بادر ما أغنى عنه ولم يصل إلى المقصود".
(٢) في (ر) مسألة.
(٣) في (م) و(ر) كالمرض والمرض لا يتعلق بها، وفي (ق) كالمرضع والمرض لا يتعلق بها.
(٤) في (ق) الستة.
(٥) في (ر) تقوم.
(٦) في (ر) ترضعها.
(٧) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٤٠ ]
مطيقة لضرورة (١) الولد؛ فمن نظر إلى حالتها أوجب الفدية، ومن نظر إلى حالة الولد أسقطها. وقد قدمنا الخلاف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢) هل هو محمول على القادر على الصوم، أو أنه كان يخير بين الصيام (٣) والإطعام ثم نسخ، أو معناه يلزمونه وإن عجزوا عنه (٤).
وعليه أيضًا القولان في المتعطش والشيخ الكبير. وبالجملة، كل من لا مرض به، ويُعلم من حالته أنه لا يمكنه إكمال صوم اليوم، هل تلزمه الفدية أم لا تلزمه؟
فصل (لا تصوم الزوجة تطوعًا إلا بإذن زوجها)
والنكاح معاوضة بين الزوجين، ملك به الزوج الانتفاع بالزوجة والاستمتاع، فليس لها أن تفعل ما يؤدي (٥) إلى تعطيل ملكه إلا بإذنه. فلهذا لا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، أو تعلم من حاله أنه لا يحتاج إليها في النهار. فإن صامت من غير إذنه فمقتضى المذهب أنه يجبرها على الفطر. وهكذا يكون العبد ليس له أن يصوم تطوعًا إلا بإذن سيده، وهذا إذا كان صومه يضر بسيده في عمله، وأما إن كان غير مضر فقد قالوا لا يمنعه.
وينبغي أن ينظر هل يضر ذلك في المال أو يضر في الحال؛ فإن كان يضر في المآل فله أن يمنعه، وليس للزوج ولا للسيد المنع من الصوم الواجب لتقديم حق [الله تعالى] (٦) لأنه (٧) على ذلك دخل.
_________________
(١) في (ق) بضرورة.
(٢) البقرة: ١٨٤.
(٣) في (ت) وأنه كان مخير بين الصوم، وفي (ق) وإن كان مخير بين الصوم.
(٤) في (ر) عن أدائها.
(٥) في (ر) يؤتي.
(٦) في الواجب.
(٧) في (ق) و(ت) ولأنه.
[ ٢ / ٧٤١ ]
وهل له المنع في تعجيل القضاء؟ وهذا مما تردد فيه المتأخرون هل له ذلك لما كان تعجيل القضاء لا يجب، أو ليس له ذلك للمحاذرة من أن يحرم (١) أو يعجز عن القضاء حتى يدخل عليه شهر آخر فيكون مفرطًا (٢). وسنذكر الخلاف في من صح من الأيام ما يمكن له فيه القضاء، ثم توالى عليه المرض حتى دخل عليه شهر آخر، هل يكون مفرطًا أم لا؟
باب في أحكام القضاء
ولا خلاف أنه لا يجب على الفور. والأصل في ذلك ما أخبرت به عائشة ﵂ عن نفسها أنها كانت تؤخر قضاء رمضان إذا أفطرت فيه فما تقضيه إلا في شعبان لشغلها بالرسول - ﷺ - (٣). فإن بادر المكلف فقد سلمت ذمته وبرئ، وإن أخر ثم أمكنه القضاء قبل دخول رمضان الثاني فقضى فلا فدية عليه، وإذا كان معذورًا بالمرض أو السفر جميع السنَّة فلا فدية عليه، وإن صحَّ عند تعين (٤) القضاء فلم يقضه وهو في شعبان فعليه الفدية بلا خلاف عندنا، وإن زال عذره في أثناء السنَّة ومرض أو سافر عند تعين القضاء فلم يقضه ففي وجوب الفدية عليه قولان للمتأخرين. وهما على الخلاف فيما وجب وجوبًا مُوسعًا هل يتعلق الإثم بفواته إذا أمكن الإتيان به قبل تعيين (٥) فعله للأصوليين (٦) في ذلك قولان.
_________________
(١) في (ق) للمخالفة أن يحترم.
(٢) في (ر) مفروضًا وفي (ت) مفطرًا.
(٣) أخرج البخاري في الصوم ١٩٥٠، ومسلم في الصيام ١١٤٦ واللفظ له عنِ عائشة ﵂ قالت: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَما أَستَطِيعُ أَن أقضِيَهُ إِلا في شَعْبَانَ الشُغْلُ من رَسُولِ الله - ﷺأَو بِرَسُولِ الله - ﷺ -.
(٤) في (ق) و(ت) تعيين.
(٥) في (ر) تغير.
(٦) في (ر) و(ت) وللأصوليين.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
وإذا وجبت الفدية فمتى يؤمر بإخراجها؟ قولان في المذهب: أحدهما: عند تقرر (١) القضاء واستقراره في الذمة (٢) لأنه سبب الوجوب. الثاني: عند الأخذ في القضاء بعد رمضان الثاني، [إذ] (٣) حينئذ وجب القضاء فتجب الفدية متابعة له. وإذا وجبت (٤) الفدية فأوصى بها كانت مبداة. لكن (٥) النظر في حكم التبدية محال يأتي في كتاب الوصايا. وإذا لم [تجب فأوصى بها لم تكن] (٦) مبداة.
لكن اختلف إذا اجتمع على المكلَّف صوم عن تمتع وما في معناه وقضاء رمضان ولم يتعين زمن القضاء؛ هل يبدأ بالصوم عن التمتع، أو بالصوم للقضاء، فالتبدية بالتمتع (٧) لأنه مأمور بتعجيله في أيام الحج. فإذا فاته، أمِرَ بالمبادرة إليه وتبدية قضاء رمضان؛ لأنه بدل عما هو أكبر من صوم المتمتع.
فصل (زمن القضاء)
وكل زمن يخير الإنسان في صومه أو فطره؛ فإنه يصح أن يكون محلًا للقضاء. واحترزنا بقولنا "يُخيَّر" من صوم [يوم] (٨) العيدين، فإن الفطر فيهما واجب. وأما الثلاثة الأيام التي بعد يوم النحر ففيها خلاف نذكره؛ وذلك أن اليومين يصح صومهما للمتمتع. وهل يصومهما من نذرهما [لا يخلو أن
_________________
(١) في (ر) و(ت) تعذر.
(٢) في (ر) واستقراؤها في المدونة.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) أوجب.
(٥) في (ر) لأن.
(٦) ساقط من (ر).
(٧) ما أثبته من (ل)، وفي (ت) وتبدية المتمتع، وفي (ق) ولفدية التمتع، وفي (ر) أو بالتبدية المتمتع.
(٨) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٤٣ ]
ينذرهما بعينهما أو تبعًا (١) للشهر أو تبعًا للسنة؛ فإن نذرهما بعينهما ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يصومهما قياسًا على يوم العيد. والشاذ يصومهما قياسًا على المتمتع. وكذلك القولان أيضًا في ناذر ذي الحجة وناذر السنة. والقول أنه يصومهما [هاهنا شاذ جدًا] (٢)، وأما اليوم الرابع من يوم النحر؛ ففي صيامه على النذر قولان: المشهور [جواز] (٣) صومه، لأنه ليس محلًا للنحر عندنا. ولا يتناوله قوله - ﷺ -: في أيام [النحر] أنها أيام أكل وشرب [وتبعل] (٤). والشاذ أنه لا يصومه، لأنه ملحق باللذين قبله في حكم الرمي بالجمار. وكذلك الخلاف في هذه الثلاثة الأيام هل يصومها من وجبت عليه الكفارة فافتتح الصيام قبل العيد وكان معذورًا حتى لا يبطل تتابعه؟
وهل يصح القضاء في هذه الثلاثة أيام؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يصح، والثاني: أنه يصح، والثالث: التفرقة فيصح في اليوم الرابع، ولا يصح في اليومين اللذين قبله. ومعرفة سبب الخلاف يؤخذ مما تقدم.
(حكم تتابع القضاء)
ولا يجب تتابع القضاء عندنا بل يستحب. والأصل في هذا أن القضاء إنما ثبت من غير شرط التتابع فيه، فلا تعمر الذمة بتتابعه إلا أن يثبت ما
_________________
(١) في (ر) تتابعا، وفي (ت) تابعا.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) ساقط من (ق).
(٤) ساقط من (ق) و(ت). لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه مسلم في الصيام ١١٤١ عن نبيشة الهذلي، والدارقطني في سننه ٢/ ٢١٢ عن عبد الله بن حذافة السهمي، وابن أبي شيبة في مصنفه ٣/ ٣٩٤ واللفظ له عن عمر بن خلدة الأنصاري عن أمه قالت: "بعث رسول الله -ﷺ- عليًا أيام التشريق ينادي أنها أيام أكل وشرب وبعال". قال أبو عبيد في الغريب ١/ ١٨٢: "البعال النكاح وملاعبةُ الرجلِ أهلَه".
[ ٢ / ٧٤٤ ]
يقتضيه. وما يقوله أهل المذهب من أن كل صوم في القرآن ينقص (١) عن الشهر فلا يجب تتابعه، وما أكمل فيه الشهر وجب تتابعه، فإنما هو على التقريب وليس ذلك علة في وجوب التتابع وعدم وجوبه. وإنما وجب التتابع في ما كان شهرًا أو شهرين للنص على وجوب التتابع. ويرجع إلى الاحتراز [بالتخيير] (٢) بين الصوم والفطر فيما يجب صومه ولا يصح (٣) فيه القضاء، وهذا كَرَمَضان ثانٍ. ولو نوى به القضاء عن الأول [فالمذهب على ثلاثة أقوال: الإجزاء عن هذا، ويكون أداء. والإجزاء عن الأول] (٤)، ويكون قضاء. وقد تؤولا جميعًا على المدونة؛ لأنه قال: ويكون عليه قضاء رمضان الآخر، ويروى بكسر الخاء، فيكون معناه: الإجزاء عن القضاء. ويُروى بفتحها، ويكون معناه (٥): الإجزاء عن الأداء. وقيل لا يجزي عن واحد منهما. وخرَّج الباجي قولين بالإجزاء عن الأول والثاني، على خلاف في المذهب؛ هل تجزي نية القضاء عن نية الأداء، أو عكسه [عدم الخلاف هل يجزيه نية الأداء عن نية القضاء] (٦). ومثله الأسير يصوم شهرًا، ثم يتبيَّن له أنه صام شعبان. وقد قدمنا الخلاف في ذلك. والذي يعول عليه في هذا. أما في مسألة الأسير فما قدمناه.
وأما مسألة القضاء؛ فإن هذا قاصدًا إلى الصوم مع العلم بوجوب صوم هذا الشهر عليه؛ فمن قال بالإجزاء على الأداء رأى أن حقيقة النية قد حصلت (٧)، وحكم بأن الصوم للقضاء حكم بخلاف الشريعة وهو مردود.
ومن قال بالإجزاء عن القضاء أعطاه حكم قصده وراعى حكم النية،
_________________
(١) في (ق) مقصور.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) ولا يجب.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ر) معه.
(٦) ساقط من (ق) و(ت).
(٧) في (ت) حبطت.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
ولا صوم إلا بها عندنا فيجزيه عن القضاء، وإن أخطأ (١) بتأخير الأداء.
وأما من نفى الإجزاء فلأنه رأى تعيين الشهر يقتضي صومه عن الأداء. والقصد [وقع] (٢) بخلاف ذلك وحصل التنافي بين العلم بوجوب (٣) الأداء والقصد إلى القضاء. ومتى حصل التنافي [بين العلم بوجوب الأداء والقصد إلى القضاء] (٤) بطل.
وخرَّج أبو الحسن اللخمي على هذا الخلاف فيما لو قصد أن يصوم رمضان عن نذر أو عن كفارة ظهار أو غيرهما. والمنصوص في هذا عدم الإجزاء على الجميع. ولعل هذا لا يجري فيه الخلاف لبعد ما بين الوجوب هاهنا، بخلاف ما إذا قصد ما هو من جنس واحد.
فصل (كيف يقضي الشهر كاملا من عوّل على التتابع)
ولا خلاف أن من أفطر في رمضان أيامًا لا يجب عليه إلَّا عدتها، فإن أفطر جميع الشهر وابتدأ القضاء متفرقًا أو في أثناء شهر ثان؛ فلا يجب عليه إلا عدد الأيام. فإن ابتدأ القضاء في شهر شوال وعوَّل على المتابعة من أوله، فإن كان كعدد الأول فلا شك في الإجزاء، وإن كان هذا الثاني أكمل فهل يجب عليه صيام جميعه؟ [وهل يكتفي به إذا نقص؟] (٥) في المذهب قولان: أحدهما: أنه يراعي عدد الأيام ولا حكم للشهر، لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦). والثاني: أنه يراعي حكم الشهر؛ لأنه ليس في
_________________
(١) في (ق) عصى.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ت) التنافي بحصول العلم بوجوب، وفي (ق) التنافي بحصول العلم بين وجوب.
(٤) ساقط من (ق) و(ت).
(٥) في (ر) و(ق) أو أنقص فإن كان نقص فهل يكتفي به.
(٦) البقرة: ١٨٥.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
ذمته إلا شهر. ويلتفت هذا الخلاف (١) في القضاء، هل يجب بالأمر الأول فيكون عليه عدد الأيام، أو بأمر ثانٍ فيراعي الشهر.
باب في أحكام النية في الصوم (٢).
ولا خلاف [عندنا] (٣) في وجوب النية للصائم وعدم الإجزاء مع غير قصدها (٤) إلا ما ذكره ابن الماجشون وأحمد بن المعذّل (٥) في الصوم المتعيّن. وهذا لأنّ الصوم عبادة محضة، وهو يقع عبادة وعادة. والنية للتمييز بين العبادات والعادات. ثم لا خلاف أنه لا تجزي عندنا إلا أن تتقدم النية على سائر أجزائه، فإن طلع الفجر ولم ينوِ لم يجزه في سائر أنواع الصيام إلا يوم عاشوراء ففيه قولان: المشهور من المذهب أنه كالأول، وهذا لعموم قوله - ﷺ -: "لا صيام لمن لم يبيَّت الصيام من الليل" (٦) على أنه قد اختُلف في مقتضى هذا النفي. وتحقيقه مُحال على فنه من
_________________
(١) في (ق) الخلاف على.
(٢) في (ت) باب في حكم النية في الصيام، وفي (ق) باب في أحكام النية في الصيام.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ت) مع عدمها وفي (ق) مع فقدها.
(٥) هو: أحمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم العبدي يكنى أبا الفضل بصري وأصلهم من الكوفة فقيه متكلم من أصحاب عبد الملك بن الماجشون ومحمد بن مسلمة كان ورعًا متبعًا للسنة، عليه تفقه جماعة من كبار المالكية كإسماعيل القاضي توفي وقد قارب الأربعين سنة. الديباج المذهب ص: ٣٠ شجرة النور ص: ٦٤ (٥٠).
(٦) أخرجه النسائي في الصيام ٢٣٣٤ واللفظ له، والدارمي في الصوم ١٦٩٨عَنْ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصيَامَ مِنَ اللَّيلِ فَلا صِيامَ لَهُ". وقال ابن حجر في فتح الباري ٤/ ١٤٢: "واختلف في رفعه ووقفه ورجح الترمذي والنسائي الموقوف بعد أن أطنب النسائي في تخريج طرقة وحكى الترمذي في العلل عن البخاري ترجيح وقفه وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة فصححوا الحديث المذكور منهم ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم وابن حزم وروى له الدارقطني طريقًا آخر وقال: رجالها ثقات".
[ ٢ / ٧٤٧ ]
الأصول. والشاذ اختصاص يوم عاشوراء بصحة الصوم وإن وقعت النية في النهار، لقوله - ﷺ - يوم عاشوراء: "أنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر" (١). وظاهره يقتضي إباحة الصيام لمن لم يبيِّته، ولعلَّه يحتمل هذا في المشهور (٢) على بيان الحكم في عدم الوجوب، ويكون معناه: فمن شاء أن يصم في عام ثان لا في هذا اليوم.
(محل النية)
وإذا ثبت اشتراط تقدّم النيّة. فلا خلاف عندنا أن محلّها الليل، ومتى عقدت فيه أجزأت ولا يشترط مقارنتها للفجر بخلاف الصلاة والطهارة والحج، فإنا (٣) نشترط المقارنة والتقدم بالزمان اليسير على ما تقدّم تفصيله. والفرق بين الصوم وبين سائر [هذه] (٤) العبادات أن الغالب [مجيء] (٥) أول زمن (٦) الصيام والناس (٧) نيام. وفي تكليفهم المقارنة كبير مشقة عليهم، تُسقط مثلها الشريعة.
(هل يجزي تبييت النية في أول رمضان علي سائره أم لا؟)
لكن اختلف المذهب هل يجزي التبييت في أول رمضان على سائره، أو لا بدّ لكل ليلة من التبييت؛ فالمشهور: الإجزاء. والشاذ اشتراط التبييت في كل (٨) ليلة، [لأن الليل زمان لا يصح صومه، فهو كالتابع للنهار] (٩).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصوم ٢٠٣ واللفظ له، ومسلم في الصيام ١١٢٩.
(٢) في (ر) يحمل هذا على المشهور.
(٣) في (ر) وإنما.
(٤) ساقط من (ر).
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (ر) و(ت) زمن أول.
(٧) في (ق) والمكلفون.
(٨) في (ر) التبييت لكل، وفي (ت) التبييت كل.
(٩) ساقط من (ت) و(ق).
[ ٢ / ٧٤٨ ]
وسبب الخلاف النظر إلى تخلل الفطر، وهو يقتضي منع اتصال العبادة، فيفتقر إلى التبييت كل ليلة. أو النظر إلى أن الليل زمن لا يصح صومه، فهو كالتابع للنهار، أو في حكم العدم معه. أو النظر إلى اتصال الصيام، أو التعويل على صوم جميع تلك الأيام.
(هل يفتقر سارد الصوم إلى تبييت النية كل ليلة؟)
وعلى هذا التعليل اختلف في من شأنه سرد الصوم، أو من نذر صوم يوم بعينه، هل يفتقر إلى التبييت كل ليلة أو يكفيه التعويل من أوله؟ ولا شك على الشاذ من المذهب أنه يفتقر إلى التبييت. وإنما هذا الخلاف على المشهور، فمن علَّل في رمضان بوجوب اتصال الصيام أوجب التبييت في حق من شأنه سرد الصوم وفي حق ناذر يوم بعينه، ومن علَّل بالتعويل على إدامة الصيام لم يوجبها في حق من يسرد الصوم وأوجبها في حق الناذر ليوم بعينه، ومن عوَّل على التعويل (١) على صوم الأيام أسقط التبييت عن جميع هؤلاء.
وفي المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: إيجاب التبييت إلا في رمضان كما تقدم. والثاني: نفي إيجابها عن سارد الصوم وعن الناذر يومًا بعينه. والثالث: إسقاطه عن الناذر (٢) دون غيره.
ولو طرأ في رمضان ما أباح الفطر فهل يفتقر إلى [إعادة] (٣) التبييت؟ في المذهب قولان. وقد قدمنا مسألة الحائض تشك هل طهرت قبل الفجر أو بعده؟ وأن الأشياخ أخذوا منها أن إعادة التبييت لا يلزم، لأنه إنما علَّل في المدونة وجوب القضاء بأنها لا تدري أطهرت قبل الفجر أو بعده، ولم يلتفت إلى النيَّة. وهذا الاستقراء ظاهر على أنه قد يُعلِّل [بعلَّة] (٤) ثم يعوِّل
_________________
(١) في (ق) ومن علل بالتعويل.
(٢) في (ق) الصارد.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) ساقط من (ر).
[ ٢ / ٧٤٩ ]
على غيرها. وهذا كما قدمناه في الإمام أن يقرأ الإمام سورة فيها سجدة (١) في صلاة الفرض خيفة التخليط. ثم سئل عن الفذ فكرهه أيضًا. والتخليط مأمون في حقه.
وسبب الخلاف في وجوب إعادة النية (٢) النظر إلى التعويل على إدامة الصوم في الأول ووجوبه. وما طرأ من الفطر غير مؤثر في النية الأولى، ولا يفتقر إلى تبييت. أو النظر إلى تخلل زمان يصح (٣) صومه [وفطره] (٤)، فصار قاطعًا للنية الأولى.
وقد فرق بعض المتأخرين بين الحائض وغيرها بوجهين: أحدهما: أنها معولة في الغالب على وجود الحيض فتفطر فيه، ثم تعود إلى الصيام وكأنها قاصدة في الأول إلى التبييت بعد انقطاع الحيض، بخلاف المريض والمسافر وهذا ظاهر في المريض وأما المسافر فإن عوَّل من (٥) أول رمضان في أول صومه على أنه يسافر، فهو كالحائض.
والثاني: أنَّ زمن الحيض لا يصح صومه فأشبه الليل، بخلاف المسافر والمريض. وإذا قلنا بصحة التبييت من الأول فإنما يجتزي بذلك ما لم يأت بما يناقض نيته (٦).
وإن أتى بما يناقض، وقصد إلى الفطر؛ فإن كان بعد انعقاد الصوم في أثناء النهار فقولان: أحدهما: أن ذلك لا يضره، والثاني: أنه يبطل صومه. وهما على الخلاف في الصوم، هل كل جزء منه قائم بنفسه أو أواخره مبنية على أوائله. فإن قلنا إن كل جزء يعطى حكم نفسه أبطلنا الصوم. وإن قلنا إن أواخره مبنية على أوائله اختلف في هذا على الخلاف في رفض العبادة
_________________
(١) في (ر) و(ت): سورة السجدة.
(٢) في (ر) النية التبييت وعدم وجوبه، وفي (ت): النية التبيت.
(٣) في (ق) تخلل زمن لا يصح، وفي (ر) تحلل ما يصح.
(٤) ساقط من (ق).
(٥) في (ر) على.
(٦) في (ر) تبييته.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
هل يؤثر أم لا؟ وإن كان قصده إلى رفض النية قبل الفجر فلا يصح صومه. وفي هذا نظر إذا قلنا إن جميع الشهر في حكم اليوم [الواحد] (١)، فعلى هذا يختلف فيه وإن قصد إلى الرفض قبل الانعقاد وقبل طلوع الفجر.
باب في أحكام الكفارة (٢)
والنظر فيها ينحصر في فصلين: أحدهما: على من تجب، والثاني: في صفتها. فأما الأول فقد تقدَّم [الكلام] (٣) عليه، وأما الثاني فهي صغرى وكبرى. فالصغرى مدٌّ عن كل يوم بمدِّ النبي -ﷺ-، وأما الكبرى فقد اختلف المذهب في صفتها؛ فالمشهور: أنه ليس فيها إلا الإطعام. لكن اختلف المتأخرون هل ذلك من باب الأولى ويجزئ غيره، أو من باب الأوجب فلا يجزئ غيره. والشاذ أن يكون بالإطعام وغيره. وإذا قلنا بهذا فهل تتنوع بقدر (٤) أنواع الموجب، أو تكون على حدٍّ سواء. في المذهب قولان: والأشهر تساويهما وإن اختلف الموجب. والشاذ أنها بالإطعام إن كانت بغير جماع، وعتق أو صيام (٥) إن كانت بالجماع. وإذا قلنا بالتساوي فهل هي على التخيير ككفارة الأيمان أو على الترتيب ككفارة الظهار؟ في ذلك قولان. وإذا قلنا بالتخيير هل يبتدأ بالطعام أولًا أو بالعتق؟ في ذلك قولان.
وسبب الخلاف اختلاف ظواهر، [فَعُول في] (٦) المشهور على قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ تعالى: (٧)، وحمله على الكفارة
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ت) و(م) الكفارات.
(٣) ساقط من (ر).
(٤) في (ر) بعد.
(٥) في (ر) وصيام.
(٦) في (م) فالقول.
(٧) البقرة: ١٨٤.
[ ٢ / ٧٥١ ]
الكبرى بتعمد الفطر. وقد قدمنا الخلاف في معنى الآية.
ومن فرَّق بين الموجب (١) رأى أن الآية محمولة على الفطر بغير الجماع، والأحاديث تقتضي الفطر بالجماع، ونظر أيضًا إلى أن الأشد والآثم [يجب على الأشد في الارتكاب] (٢) والجماع أشد والشهوة فيه أغلب، فكان الواجب عنه أكبر (٣) من الواجب عن غيره. ومن قال بالترتيب عوَّل على ما في بعض الطرق من أنه - ﷺ - سأل المستفتي له هل يستطيع إعتاق رقبة؟ فلما أخبره بعدم قدرته على ذلك سأله عن استطاعته الصوم، فلما أخبره بالعجز عنه سأله عن القدرة عن الإطعام. فهذا يقتضي الترتيب ككفارة الظهار، ولأنها أيضًا تنوعت بأنواع الظهار ومقدرة (٤) بقدرها فتجب المساواة بينهما.
ومن خيَّر فلما في بعض الطرق من التخيير، وكأن من يرى أن الأولى الابتداء بالعتق يراعي مذهب المرتبين، ومن يرى الابتداء بالإطعام يراعي مذهب المقتصرين عليه. هذا مبادئ سبب الخلاف بحسب ما يليق بهذا المجموع.
والإطعام [ستون مدًّا] (٥) لستين مسكينًا كما في الظهار، وكذلك في الحديث عنه - ﷺ - (٦). وهل تكون من عيش المكفِّر أو من غالب عيش الناس
_________________
(١) في (ر) الواجب.
(٢) في (ر) يوجب الأشد في ارتكاب، وفي (م) عن الارتكاب.
(٣) في (ق) أكثر.
(٤) في (ر) وقدرة.
(٥) ساقط من (ر).
(٦) أخرج البخاري في الصوم ١٩٣٦ واللفظ له، ومسلم في الصيام ١١١١ عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: بَينَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النبِي - ﷺ - إِذ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، هَلَكت، قالَ: "ما لَكَ؟ " قالَ: وَقَعْتُ عَلَى امرَأَتِي وَأَنا صائم فَقالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "هَل تَجدُ رَقَبَةً تُعتِقُهَا؟ " قالَ: لاَ، قالَ: "فَهَل تَستَطِيعُ أَن تَصُومَ شَهرَينِ متَتَابِعَيْنِ" قالَ: لاَ، فَقالَ: "فَهَل تَجدُ إِطعامَ سِتينَ مِسكِينًا؟ " قالَ: لاَ، قالَ فَمَكَثَ النبي -ﷺ- فَبَيْنا نَحنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِىَ النبِيُّ - ﷺ - بِعَرَقٍ فِيها تَمْرٌ والعَرَقُ المِكتلُ قالَ: "أَينَ السَّائلُ؟ " فَقالَ "أنا قالَ خُذها فَتَصدَّق بِه" فَقالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يا رَسُولَ اللهِ، فَوالله ما بَينَ لاَبَتَيها يُرِيدُ الحَرَّتَينَ أَهلُ بيتٍ أَفْقَرُ من أَهلِ بَيتِي، فَضَحِكَ النبِي - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيابُهُ ثُمَّ قالَ "أطْعِمهُ أهلَكَ".
[ ٢ / ٧٥٢ ]
إن اختلف ذلك. قال أبو الحسن اللخمي: "يجري على الخلاف في الكفارة في زكاة الفطر".
وأما الرقبة فيشترط فيها السلامة [والإيمان] (١) كما يشترط في سائر الكفارات. وبيان ذلك يأتي في كتاب الإيمان والظهار.
فصل (تعدد الكفارة)
وعندنا أن الكفارة تتعدد بتعدد الأيام. وهل تتعدد بتعداد الانتهاك في اليوم الواحد؟ أما إن انتهك قبل أن يكفِّر فلا خلاف أنها لا تتعدَّد، وأما إن كفَّرَ ثم انتهك، فإن أكل أو شرب أو جامع فللمتأخرين قولان: أحدهما: إيجاب كفارة ثانية وثالثة وإن أكثر الانتهاك تكررت (٢) الكفارة. والثاني: الاقتصار على كفارة واحدة وهو خلاف في عودة حرمة اليوم بإخراج الكفارة أو نفي عودتها.
(عقوبة من ظهر عليه الأفطار متعمدًا)
وتجب العقوبة على من ظهر عليه الإفطار في رمضان متعمدًا. وإن جاء مستفتيًا [تائبًا] (٣) فأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف في شاهد الزور إذا جاء مستفتيًا. وفي عقوبته قولان. والظاهر هاهنا نفي العقوبة لأنّ الرسول - ﷺ - يعاقب المستفتي له في ذلك (٤). وأيضًا، فإن شهادة الزور أكبر من انتهاك حرمة الصوم لتعلقها بالغير (٥)، ولأن الرسول ﵇
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ر) كثرت.
(٣) ساقط من (م) و(ق) و(ر).
(٤) يدلّ عليه الحديث السابق.
(٥) في (ر) بالعين.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
عدَّها من أكبر الكبائر ثم ردَّدَّ قوله: "ألا وقول الزور" حتى تمنىَّ الحاضرون سكوته" (١).
وإذا وجبت العقوبة كان مصروفة إلى الاجتهاد بقدر جرأة الفاعل وعدم جرأته.
(وجوب الكفارة على السفيه)
وتجب الكفارة على كل مكلف وإن كان سفيهًا. ويكفر عنه وليُّه بالإطعام إن قلنا إنه متعيِّن، أو يأمره بالصيام إن قلنا بأن الكفارة على التخيير. وأما إن قلنا إنها على الترتيب فتجري على حكم كفارة الظهار. وفيها خلاف هل يجزي على السفيه الصيام عنه وإن كان واجدًا للرقبة، أو لا تجزيه إلا الرقبة؟ وبيانه يأتي في موضعه.
باب في أحكام نذر الصيام والتطوع
والأصل في النذر أنه إلزام من المكلَّف، فيحاذي فيه قصده وما نصَّ عليه. وإن لم يقصد شيئًا (٢)، وكان اللفظ محتملًا الأقل والأكثر فبأيهما يلزم؛ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يلزمه (٣) الأكثر حتى ينصَّ على الأقل أو يقصد؛ لأنه عمَّر ذمته، ولا تبرأ إلا بالأكثر. والثاني: أنها تبرأ بالأقلِّ حتى ينصَّ على الأكثر أو يقصده (٤).
_________________
(١) أخرج البخاري في الاستئذان ٦٢٧٣ واللفظ له، ومسلم في الإيمان ٨٧ عَنْ عَبدِ الرَّحمَنِ بن أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "أَلاَ أُخبرُكُم بِأكبَرِ الكَبائِرِ؟ " قالُوا: بَلَى يا رَسُولَ الله، قالَ: "الإشراكُ بالله وَعُقُوقُ الوالدين" حدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدّثَنا بِشْرٌ مِثْلَهُ وَكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقال: "أَلاَ وَقَولُ الزورِ" فَما زال يُكَرِّرُها حَتَّى قُلْنا: لَيتهُ سَكَتَ.
(٢) في (ت) يقصده، وفي (ق) يقصد، وفي (ر) يقصد شيء.
(٣) في (ت) و(ر) يلزم.
(٤) في (ر) يقصد.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
هذا القانون في هذا الباب وإليه ترجع أكثر مسائله، ومنها أنه لو نذر (١) صيامًا ونصَّ على لزوم التتابع فيه أو قصده فلا يختلف في لزوم ذلك، فإن نصَّ على عدم التتابع أو قصده فلا يختلف فيه أنه لا يلزم.
وإن أتى بلفظ محتمل ولم يقصد شيئًا ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلزمه التتابع، ذكر أعوامًا أو شهورًا جملة أو واحدًا [أو أيامًا. والثاني: أنه لا يلزمه التتابع في الثلاث صور. والثالث: أنه إن ذكر أعوامًا أو شهورًا جملة أو آحادًا] (٢) لزمه التتابع. وبالعكس إن ذكر أيامًا فقولان في اللزوم ونفيه، راجعان إلى الأصل المتقدم. وأما (٣) التفرقة فلأن الأيام عند هذا القائل يصح تواليها وعدم تواليها. والشهور والأعوام تقتضي ألفاظها الموالاة. وهذا شهادة وحكم على اللغة والتحاكم إليها، [وكأن هذا القائل] (٤) يرى أنه كالنص على التتابع إذا ذكر شهرًا أو شهورًا أو أعوامًا، أو كالآتي بلفظ يقتضي ظاهره ذلك. فخرج عنده اللفظ عن أن يكون مستجملًا (٥) لا يقتضي شيئًا.
وينخرط في هذا السلك أن ينذر شهرًا ويبدأه (٦) في أثناء الشهر لا في أوله، ففيه قولان: أحدهما: أنه يجزيه تسعة وعشرين يومًا لأنها الأقل. والثاني: أنه يلزمه (٧) إكمال ثلاثين يومًا لأنه الأكمل. ومنه أيضًا أن ينذر نصف شهر ففيه قولان (٨): أحدهما: هل يبرأ بأربعة عشر يومًا، أو لا يبرأ إلا بخمسة عشر يومًا.
_________________
(١) في (ر) نوى.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) في (ر) ولأن.
(٤) في (ر) بل.
(٥) في (ت) مسجلًا وفي (ق) سجلًا وفي (م) مستحيلًا.
(٦) في (ر) شهورًا وينذره، وفي (ت) و(م) شهرًا ومبداه.
(٧) في (ق) لا يجزيه إلا.
(٨) في (ق) القولان.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
وكذلك [اختلف] (١) لو حلف ألا يفعل فعلًا إلى (٢) نصف شهر؛ ففيه القولان كما تقدم. ومن هذا الأسلوب أيضًا أن ينذر سنة بعينها، فهل يلزمه أن يقضي الأيام التي لا يصح صومها؟ في ذلك قولان. ولو نصَّ على القضاء أو قصده لم يختلف فيه، [ولو نصَّ على [نفي] (٣) القضاء أو قصده لم يختلف فيه أيضًا] (٤)، وإنما الكلام على نفي النص والقصد إليه، وكلامنا (٥) على قضاء يومي العيدين. وأما اليومان اللذان بعد يوم النحر فحكمهما الفطر على المشهور من المذهب. وقد قدمنا ما فيهما من الخلاف. وأما اليوم الرابع من يوم النحر فيصومه هذا، على المشهور من المذهب، فقد قدَّمنا ما فيها من الخلاف أيضًا.
فإذا (٦) قلنا إنه يقضي من الأيام التي يفطر فيها، فهل يلزمه قضاء شهر رمضان أيضًا لأنه يصومه لغير النذر؟ للمتأخرين فيه قولان: أحدهما: أنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه نذر أن يصوم وقد صام. والثاني: لزومه (٧).
وكل ما رأيت من الخلاف بين الأقل والأكثر فهو جار على هذا الأسلوب الذي ذكرناه، وعليه يجري حكم (٨) الأيمان [في ذلك] (٩) هل يبدأ فيها بالإقل أو بالأكثر؟ في المذهب في ذلك قولان. وسيأتي بيانه في [كتاب] (١٠) النذور إن شاء الله.
_________________
(١) ساقط من (ق) و(م) و(ت).
(٢) هكذا في (ت) وفي (ر) ألا يحلف فعلًا إلا نصف.
(٣) ساقط من (م).
(٤) ساقط من (ر).
(٥) في (ت) والقصد وكلامنا وفي (ر) والقصد في كلامنا.
(٦) في (ق) وإذا.
(٧) في (ق) "أنه يلزمه القضاء؛ لأنه صامه لغير نذر فأشبه ما أفطره من النذر". وقد حصل في (ق) تقديم وتأخير بين القولين.
(٨) في (ق) تجري أحكام.
(٩) ساقط من (ق).
(١٠) ساقط من (م) وفي (ر) و(ت) باب.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
فصل (كراهية النذر)
وكرِه مالك ﵀ توقيت منذور من صيام أو غيره، وهذا إن كان لأمر يرجوه المكلَّف أو يخافه، ففي الحديث النهي عن ذلك. وقال - ﷺ -: "إنما يستخرج ذلك من البخيل" (١) معناه: أن هذه الأشياء تكون كالمعاوضة، وأن المكلَّف إذا فعل منها فعلًا استحق أن يعاوض (٢) عنها بمطلوبه. والله تعالى يجلُّ عن الأعواض والانتفاع بالعبادات. وإن كان النذر لغير ذلك فكراهيته لئلا يأتي وقت العبادة في زمان يشق على الإنسان أداؤها فيه، فيأتيها مسخطًا أو مكرهًا، فيكون حينئذ إلى العقوبة أقرب منها إلى المثوبة (٣). لكن من نذر [من ذلك] (٤) شيئًا فعليه الوفاء بنذره لقوله - ﷺ -: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (٥). وهذا إذا نذر ما يكون طاعة ويصح انعقاده. ومثاله في الصوم أن ينذر صيام يوم قدوم فلان فيقدم ليلًا، فإنه [يصح صيامه] (٦) صبيحة تلك الليلة. وإن قدم نهارًا فلا يصح انعقاد الصوم لذلك اليوم عندنا. وهل عليه قضاؤه؟ في المذهب قولان، وهما على الخلاف في القصد هل يتعلق باليوم بعينه فلا يكون عليه القضاء، أو يتعلق بوجوب صوم يوم شكرًا لله تعالى؟ فإن صحَّ صوم يوم القدوم صامه، وإلا صام يومًا مكانه. ولو قدم في الأيام الممنوع صومها كيومي العيدين؛ فالمنصوص نفي القضاء. وخرَّجه أبو الحسن اللخمي على الخلاف، وهو بيِّن على ما علَّلناه.
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخاري في الأيمان والنذور ٦٦٩٤، ومسلم في النذر ١٦٤٠ واللفظ له عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - قالَ: "إن النَّذْرَ لاَ يُقَرّبُ من ابن آدم شَيئًا لَمْ يَكُن الله قَدَّرَهُ لَهُ وَلَكِنْ النَّذرُ يُوافِقُ القَدَر فَيُخرَجُ بذَلِكَ من البَخِيلِ ما لَمْ يَكُن البَخِيلُ يُرِيدُ أن يُخرِجَ".
(٢) في (ق) يعرض.
(٣) في (ر) و(ق) التوبة.
(٤) ساقط من (ق).
(٥) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور ٦٦٩٦.
(٦) في (ر) يصوم.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
(من نذر يومًا بعينه فنسيه)
ومن مواقع (١) الخلاف في النذور أن ينذر يومًا بعينه ثم ينساه؛ ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يصوم يومًا من أيام الجمعة كائن ما كان، وهذا نظرًا إلى أن المقصود يومًا (٢) وهي متساوية. والثاني: أنه يصوم سائر الأيام؛ لأنه عيَّن يومًا وجهله، فلا يتحصل له إلا بصوم جميع الأيام. وكان هذين القولين جاريان على ما تقدم في براءة الذمة بالأقل أو بالأكثر. والثالث: أنه يصوم آخر يوم [من الجمعة] (٣)، فيجعله قضاء إن لم يكن هو. وهذا نظرًا إلى المقصود (٤)، لكنه راعى التعيين.
فصل (ما يقطع التتابع)
وقد قدمنا الخلاف في صيام أيام التشريق لمن نذرها أو قضى فيها رمضان، وذلك الخلاف جار في صومها عن الكفارات. وإذا كانت الكفارة مما يلزم تتابعها فلا تبتدئ في أول ذي الحجة ولا في أول ذي القعدة، للعلم بأن التتابع سينقطع. فإن (٥) ابتدأت قصدًا، فلا شك في قطع التتابع ووجوب الابتداء. وإن ابتدأ قبل ذلك فطرأ مرض أو عذر اقتضى الإفطار حتى [رجع إلى الصيام] (٦) في ذي الحجة وتخلل يوم النحر (٧) فهل ينقطع بذلك التتابع؟ في المذهب [قولان، وهما على
_________________
(١) في (ق) مواضع.
(٢) كذا في جميع النسخ. ولعل الصواب: "يوم".
(٣) ساقط من (م) و(ق).
(٤) في (ق) إلى أن المقصود يوم.
(٥) في (ق) و(ت) وإن.
(٦) في (ر) وقع الصيام.
(٧) في (ق) و(ت) تخلل يوم الفطر.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
الخلاف في الإفطار لعذر النسيان أو غيره هل ينقطع به التتابع أم لا؟ في المذهب] (١) ثلاثة أقوال: انقطاعه، وعدم انقطاعه، والتفرقة بين أن يقع (٢) الإفطار [مع القصد، ظانًا] (٣) أن الزمان ليس بزمان الصوم، فينقطع (٤) التتابع. [أو يقع النسيان مع العلم بأن الزمان زمان الصوم، فلا ينقطع التتابع] (٥).
ويمكن تخريج هذا على الخلاف في الصيام والنذر، هل بابه من أبواب المأمورات فلا يفترق عمده من نسيانه، أو من باب المنهيات فيفترق كما قدمناه في كتاب الطهارة؛ وأما التفرقة فلأن ناسي العدد أو جاهل الزمن معه ضرب من التفريط، فلا يصح عذره.
[فصل] (٦) (حكم من أفطر في صوم نذر)
ومن أفطر في صوم نذرة فإن كان عمدًا (٧) [عصى ووجب] (٨) عليه القضاء، وإن كان نسيانًا أو لعذر؛ فإن كان النذر غير معيَّن وجب القضاء، وإن كان معيَّنا فأربعة أقوال: أحدها: وجوب القضاء مطلقًا قياسًا على رمضان، ولأن في ذمَّته صومًا لم يوف به. والثاني: نفي القضاء، وهو بناءٌ على أن بابه باب المنهيات. والثالث: إيجاب القضاء في النسيان ونفيه في الحيض والمرض؛ لأنّ الناسي معه ضرب من التفريط. والرابع: النظر إلى
_________________
(١) ساقط من (ر) و(ق).
(٢) في (ق) يقطع.
(٣) في (ت) ظنًا مع القصد.
(٤) في (م) و(ق) الصوم فيقطع، وفي (ر) صوم فقطع، وفي (ت) فلا يقطع.
(٥) ساقط من (ت).
(٦) ساقط من (ت).
(٧) في (ر) من غير عذر.
(٨) في (ق) وجب.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
أن المقصود هل هذا اليوم لمعنى فيه فلا يجب القضاء، أو إنما المقصود [صوم] (١) يوم فيجب القضاء.
فصل (إجازة مالك صوم الأبد)
والتطوع بالصوم لا شك أنه مشروع. وأجاز مالك ﵀ وأصحابه صوم الأبد. وحكى أبو الحسن اللخمي عن غير واحد منعه، وليس كما قال، [بل مذهب] (٢) فقهاء الأمصار جوازه. وإنما حكى البغداديون الخلاف عن أهل الظاهر (٣). وما ورد في الحديث من النهي عن صيام الأبد (٤) محمول عند المجيزين على أشخاص مُعيَّنين عَلِم - ﷺ - من أحوالهم العجز عنه، أو لحوق المضرة بهم.
_________________
(١) ساقط من (ر).
(٢) في (ق) ومذهب.
(٣) في (ت) البغداديون عن أهل الظاهر منعه.
(٤) من ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: بلغ النبي -ﷺ- أني أسرد الصوم وأصلي الليل. فإما أرسل إلي وإما لقيته، فقال: "ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر وتصلي ولا تنام؟ فصم وأفطر وقم ونم، فإن لعينك عليك حظًا وإن لنفسك وأهلك عليك حظًا". قال إني لأقوى لذلك. قال: "فصم صيام داود ﵇" قال: وكيف؟ قال: "كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى". قال: من لي بهذه يا نبي الله؟ قال: عطاء لا أدري كيف ذكر صيام الأبد قال النبي -ﷺ-: "لا صيام من صام الأبد مرتين". "صحيح البخاري ج: ٢ ص: ٦٩٨). وما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -ﷺ- يسألون عن عبادة النبي -ﷺ- فلما أخبروا كأنهم تقالوها. فقالوا: وأين نحن من النبي -ﷺ- قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله -ﷺ- فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني". (صحيح البخاري ج: ٥ ص: ١٩٤٩).
[ ٢ / ٧٦٠ ]
(ما يستحب صيامه)
ومما ورد في الشريعة التحضيض (١) على صيام يوم عرفة. وثبت عنه - ﷺ - أنه قال فيه: "يُكَفِّرُ السنَتَينِ (٢) الماضِية والمستقبَلَة" (٣). ويليه في الفضل يوم عاشوراء، وثبت عنه - ﷺ - أنه كصوم سنة (٤). ويلحق به صوم يوم التروية. ومن المرغب فيه صوم الأشهر الحرم (٥) وشعبان؛ فإنه كان - ﷺ - يكثر الصيام فيه (٦)، وثبت عنه - ﷺ - الترغيب في صوم ستة أيام من شوال (٧) وهي ما بعد يوم الفطر وأنه كصيام الدهر، وهذا لأنّ الحسنة بعشر (٨) أمثالها. فيحصل بصيام رمضان وبصيام هذه الستة الأيام ثلاث مائة وستون يوما.
وقد كره مالك صيامها، وهذا على رأيه في كراهية التحديد، لا سيما فيما يلحقه الجاهل بالفرائض. وأجاز مطرِّف صيامها.
_________________
(١) في (ر) و(ت) تحضيض.
(٢) في (ت) سنتين.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٥٠ واللفظ له، وأحمد في مسنده ٥/ ٢٩٦.
(٤) وهو الحديث السابق تخريجه.
(٥) أخرج ابن ماجه في الصيام ١٧٤١، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٣٥٨ عَنْ أَبي مُجِيبة الباهِلِي عَنْ أَبِيهِ أَو عَنْ عَمّهِ قالَ: أتيتُ النَبِي - ﷺ - فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ الله أنا الرَّجُلُ الّذِي أتيتُكَ عامَ الأوَّلِ قالَ: "فَما لِي أَرَى جِسمَكَ ناحِلًا" قالَ: يا رَسُولَ الله ما أَكَلْتُ طَعامًا بالنَهارِ ما أَكلتُهُ إلا بالليلِ، قالَ: "مَن أَمَرَكَ أن تُعَذبَ نَفسَك" قُلتُ: يا رَسُولَ الله، إِني أَقْوَى قالَ: "صُم شهرَ الصَّبرِ وَيومًا بَعده" قُلتُ: إِنِّي أَقوَى، قالَ: "صُم شَهْرَ الصبر وَيَومَينِ بَعدَهُ" قُلْتُ: إِنِّي أَقوَى قالَ: "صُم شَهْرَ الصَّبر وَثَلاَثةَ أَيام بَعْدَهُ وَصُم أشهُرَ الحُرُم". والأشهر الحرم أربعة هي ذو القعدَة وذو الحجة والمحرم ورجب، ثلاثة سرد وواحد فرد. انظر مختار الصحاح ٥٦.
(٦) أخرج البخاري في الصوم ١٩٧٠ عن عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: "لَمْ يَكُن النَبِي - ﷺ - يَصومُ شَهرًا أَكثَرَ مِنْ شَعبانَ فَإنَهُ كانَ يَصومُ شَعبانَ كُلّهُ" الحديث.
(٧) أخرج مسلم في الصيام ١١٦٤ واللفظ له، والترمذي في الصوم ٧٥٩ عَنْ أَبِي أيوب الأَنصارِي ﵁: أَنَ رَسُولَ الله - ﷺ - قالَ: "مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أَتبَعَهُ سِتًا من شَوَّالٍ كانَ كَصِيامِ الدَّهرِ".
(٨) في (ت) و(ر) بعشرة.
[ ٢ / ٧٦١ ]
(كراهية إفراد الجمعة بالصوم)
ومما وقع النهي عنه في الحديث إفراد يوم الجمعة بالصوم، لئلا يعظم كتعظيم (١) اليهود للسبت، وأجازه مالك. قال الداودي (٢) وإنما أجاز إفراده بالصوم لأنه لم يبلغه الحديث. يريد أنه لو بلغه لنهى عنه.
ومما ثبت الترغيب فيه صوم ثلاثة أيام من كل شهر. وقد قدمنا أن بعض المفسرين يقول هي المراد بقوله تعالى: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣). وإنما رغب في صيامها لما قلنا من الحسنة بعشر (٤) أمثالها. فيحصل من ذلك صيام الأبد. لكن اختلف في أي الأيام يتعيَّن (٥) الصوم؛ فروت عائشة ﵂ عنه - ﷺ -: "أنه كان لا يعيِّن من الشهر يومًا بعينه" (٦)، وروى عنه أبو الدرداء أنه حضَّه (٧) على الأيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر (٨). وكان أبو الدرداء ﵁ يصوم الأول والحادي عشر والواحد والعشرين. واستحب أبو الحسن القابسي أن يصوم من أول الشهر للمبادرة (٩) إلى الأعمال خشية القواطع (١٠). وهذه الآثار تقتضي نفي التعين.
_________________
(١) في (ر) يوم تعظيم، وفي (ت) يومًا كتعظيم.
(٢) في (ر) الراوي. والداودي هو: أبو جعفر وقد سبقت ترجمته.
(٣) البقرة: ١٨٤.
(٤) في (ت) و(ر) بعشرة.
(٥) في (ق) يتعلق.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصيام ١١٦٠ عن معاذة العدوية "أنها سألت عائشة زوج النبي -ﷺ- أكان رسول الله -ﷺ- يصوم من كل شهر ثلاثة أيام قالت: نعم، فقلت: لها من أي أيام الشهر كان يصوم قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم".
(٧) في (ق) خصه.
(٨) أخرجه مسلم في المسافرين ٧٢٢ واللفظ له، وأبو داود في الصلاة ١٤٣٣ عَن أَبِي الدرداءِ قالَ: أَوصانِي حبيبي - ﷺ - بثَلاثٍ لَن أَدَعَهُنَّ ما عِشتُ بِصِيامِ ثَلاثَةِ أيام من كُل شَهرِ وَصَلاةِ الضُحَى وَبأَنْ لاَ أَنامَ حتَى أُوتِرَ.
(٩) في (ق) لمن صام فيَ أول الشهر المبادرة.
(١٠) في (ق) الموانع.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
فصل (في قيام رمضان)
وقد تقدم أن قيام رمضان من الفضائل. والانفراد به في البيوت أفضل لأنه أسلم للنية، إلا لمن صحَّت نيَّته، أو إذا كان الانفراد يؤدي إلى تعطيل القيام في المساجد. ولا يلزم القيام بجميع القرآن، لكنه الأولى مع القدرة عليه. ولا يترك من يستكمله ويصلي وراء غيره إلا أن يكون في ذلك الغير معنى من الصلاح، أو ما في معناه ليس في المستكمل. ويجوز أن يقوم من المصحف إذا استمر على القراءة فيه، لا أن ينظر فيه (١) عندما يشكل عليه لأنّ في هذا شغلًا كثيرًا.
وليس في أعداد الركعات شيء (٢) مؤقت لا يجوز غيره. [وقد روي: إحدى عشر ركعة كقيام النبي -ﷺ-، وروي ثلاثة وعشرون، وروي تسعة وثلاثون. وهذا الذي استحب مالك] (٣). وبالجملة ليس فيها (٤) توقيت كما قدمناه. وإذا كثرت الركعات قلَّت القراءة، وبالعكس. وما يتعلق بالقنوت وغير ذلك من الأحكام قد تقدم في كتاب الصلاة.
_________________
(١) في (ق) و(ت) و(م) ولا يصح أن يقرأ في المصحف إذا استمر على القراءة فيه إلا أن ينظر. وفي (ر) و(ل) ويجوز ولعل الصواب ما أثبته لتطابقه مع ما هو موجود في المدونة وغيرها من كتب المالكية. جاء في المدونة ١/ ٢٢٤: "قال مالك: لا بأس أن يؤم الإمام بالناس في المصحف في رمضان في النافلة. قال ابن القاسم: وكره ذلك في الفريضة ابن وهب عن ابن شهاب قال: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف في رمضان، وإن ذكوان غلام عائشة كان يؤمها في المصحف في رمضان. وقال مالك والليث مثله."، وقال أبو عبد الله العبدري في التاج والإكليل ٢/ ٧٣:"أجاز مالك أن يؤم الإمام بالناس في المصحف في قيام رمضان وكره ذلك في صلاة الفرض". ومن المدونة أيضًا إن ابتدأ النافلة بغير مصحف منشور فلا ينبغي إذا شك في حرف أن ينظر فيه ولكن يتم صلاته ثم ينظر".
(٢) في جميع النسخ "شيئًا".
(٣) في (ر) وهذا الذي ذكره ﵀.
(٤) في (ق) فيه.
[ ٢ / ٧٦٣ ]