أصل اشتقاقه من التبري، وهو الانفصال، والتخلص، ثم استعمل في الاستقصاء، والبحث، والكشف عن الأمر الغامض، لينفصل فيه عن يقين منه وحقيقة (٢)، أو عن يأس، واستعملها الفقهاء في هذه المعاني في كل شيء. وخصَّصوا المجرد (٣) منه، وتسميته كتابه بالكشف عن حال الأرحام، عند انتقال الأملاك، حتى يعلم تخليصها (٤) من الحمل، أو شغلها به، بالعلامات التي جعلها (الله تعالى) (٥) لذلك، مراعاة لحفظ الأنساب، واحتياطًا لاختلاط الزرع، وتمييز النسل، وهو لوجهين:
أحدهما: لتمييز ماء البائع، من ماء المشتري، وذلك في كل موطوءة للبائع، إذا لم يستبرءها، أو ما هو في حكمها، أو في العلي التي يحط الحمل من ثمنها كثيرًا (٦)، وإن لم توطأ، أو استبرأها لنفسه البائع قبل بيعها، وهومستحب له، فاستبراء هؤلاء بالمواضعة (٧).
_________________
(١) المدونة: ٣/ ١٢١. قال ابن عرفة في تعريف الاستبراء: مدة دليل براءة الرحم لا لرفع عصمة أو طلاق. (شرح حدود ابن عرفة: ص: ٢٩٧).
(٢) المقدمات: ٢/ ١٤١.
(٣) كذا في ع وح، وفي ق: المحدد.
(٤) كذا في ع وح، وفي ق: تخلصها.
(٥) سقط من ح وع.
(٦) المقدمات: ٢/ ١٤٦.
(٧) أن يجعل مع الأمة مدة استبرائها في حوز مقبول خبره عن حيضتها. (شرح حدود ابن عرفة: ٣٠٠).
[ ٣ / ١٣٨٢ ]
ومعنى هذه (الكلمة) (١) بالإيقاف (٢) مدة الاستبراء، وهو وضع هذه الجارية على يد ثقة، حتى يظهر براءة رحمها من شغل الحمل، وتحل للمشتري، وهذا الاستبراء واجب، وحكم هذه في هذه المدة حكم ما لم
يخرج من ملك البائع، ونفقتها عليه، ومصيبتها منه، لأنه لما كان استبراؤها وإيقافها بسببه من أجل مائه، / [٤٥] أو من أجل خلوص سلعته العلية من الحمل، كان (٣) تمام بيعها، إنما كان يوم براءتها من ذلك، ولم يتم العقد المتقدم إلا الآن، ومن حينئذ يضمنها المشتري.
والاستبراء الثاني: في غير هذه ممن لا يتواضع فيمن لم يعترف (٤) البائع بوطئها من وخش الرقيق، أو ممن لا ينقصه (٥) الحمل من علية، كالمتزوجة المطلقة، والزانية، فهؤلاء لا استبراء فيهن، إلا أن (٦) يريد مشتريها وطأها منهن، فواجب (٧) عليه استبراؤها احتياطًا لما في نفسه مما لعله أحدثته، ولا مواضعة في هذه، وضمانها من مشتريها، من يوم الصفقة، إلا أن تكون ثم عهدة الثلاث، فمن يوم تمامها، ولما كانت التي هي في عظم دمها ظاهرة البراءة، من حمل من السيد وغيره (٨)، كان ذلك على مشهور المذهب براءة لها، ولم يحتج إلى مواضعة، ولا تجديد استبراء، خلافًا لما حكاه ابن شعبان، وفضل، عن أشهب: أن المبيعة في عظم دمها لا بد لها من الاستبراء، والمواضعة، وهي عندنا، وعند جماعة من العلماء، موضوعة لبراءة الرحم، كما ذكرنا، وللتعبد (٩) المحض، ولذلك يلزمه
_________________
(١) سقط من ح.
(٢) في ح: بالإياب.
(٣) كذا في ع وح، وفي ق: أكان.
(٤) في ع وح: لم يعرف.
(٥) كذا في ح، وفي ق: ينقصها.
(٦) في ح: إلا لمن.
(٧) كذا في ع وفي ح: فوجب.
(٨) في ح: أو غيره.
(٩) كذا في ع وفي ح: والتعبد.
[ ٣ / ١٣٨٣ ]
المشتري لمن تحقق براءة رحمها، إلا أن تكون في أمانته.
وذهب بعض العلماء إلى أنها لبراءة الرحم (خاصة، فمتى حقق براءة الرحم) (١) لم يلزم استبراؤها، وإلى هذا نحى بعض أئمتنا، وعلى هذين القولين الاختلاف في استبراء العذراء.
وقوله: "أرأيت إن اشتريت جارية فمنعني (٢) صاحبها أن أقبضها حتى أدفع إليه الثمن (٣) " (٤)، إن حيضها عند البائع لا يبرئها من المواضعة، وقد قال في المسألة (إن) (٥) على البائع المواضعة فدل أن المسألة مما لا يجوز اشتراط النقد فيها، فكيف يمنعه حتى يقبض ما لا يلزمه، فهذا لفظ لم يقصد، والله أعلم.
وقد قيل: لعله أراد حتى توقف له على يد غيره، فإذا (٦) كان هذا فهو وفاق لظاهر ما في البيوع الفاسدة، من إيقافه، ومثله في الواضحة، والمجموعة، والموازية، وذلك أن الثمن في مقابلة المثمون. فلما (وقف المثمون) (٧) وقف الثمن.
وقال في العتبية، والمبسوط، لا يحكم بوضع الثمن وإيقافه، ولا يجب إخراجه حتى تحل له الأمة بخروجها من الاستبراء (٨).
وقد قيل: إنه ظاهر [المدونة] (٩) ما هنا، لأنه لم يذكر إلزامه إيقافه،
_________________
(١) سقط من ح.
(٢) كذا في ع وفي ح: فمنعها.
(٣) كذا في ح، وفي ع: حتى يقبض الثمن.
(٤) المدونة: ٣/ ١٢٣.
(٥) سقط من ح.
(٦) كذا في ع، وفي ح: فإن.
(٧) سقط من ح.
(٨) وهذا خلاف ما عند ابن حبيب وابن عبدوس وابن المواز. (المقدمات: ٢/ ١٤٧).
(٩) سقط من ق.
[ ٣ / ١٣٨٤ ]
وما في آخر الكتاب يدل عليه، لقوله واشتراط إيقافه، ولو أوجبه (١) الحكم لم يحتج إلى شرط، ووجهه أنه لا يتوجه له مطالبة المشتري بالثمن، إلا بعد تسليم السلعة له.
قال ابن محرز: وعلى الاختلاف في هذا يجري الخلاف في إيقاف الثمن في السلعة الغائبة.
قال القاضي: وقد مضى الكلام (٢) عليها في كتاب الغرر، والاختلاف عندهم في هذا الباب [مبني] (٣) على الخلاف فيمن يبدأ بالتسليم، (هل البائع لسلعته، وهو صاحب المثمون، أو المشتري) (٤)، وهو صاحب الثمن، أو لا يبدأ أحدهما على صاحبه، ويتعاطيان معًا، والله أعلم.
وقوله في المستحقة بحرية من مبتاع، وقد وطئها، لا صداق عليه (٥)، عارضها بعضهم بمسائل وقعت له بخلافها، فعارضها سحنون بمسألة الأختين في كتاب النكاح. وقال: قد قال فيها إذا دخلت كل واحدة منهما على غير زوجها فعليه لها الصداق، وبهذا قال في المستحقة بحرية المغيرة، وعبد الملك، أن لها على سيدها الواطئ [لها] (٦) صداق مثلها.
وقوله: "يسأل (٧) النساء، فإن قلن إن الدم يكون يومًا، أو بعض يوم، حيضًا، كان استبراء، وإلا فلا أراه استبراء" (٨).
قال محمد: وهذا إذا ثبت أن ذلك عادتها، [وإلا لم يجزها هذا الدم وإن قال النساء إنه يكون استبراء ومعناه أنها لا تصدق هي ولا بائعها أن
_________________
(١) كذا في ع، وفي ح: أوجب.
(٢) كذا في ع، وفي ح: قدمنا الكلام.
(٣) سقط من ق.
(٤) سقط من ح.
(٥) المدونة: ٦/ ٢٠٨.
(٦) سقط من ق.
(٧) كذا في ع وح، وفي ق: يسألن.
(٨) المدونة: ٦/ ١٢٤.
[ ٣ / ١٣٨٥ ]
تلك عادتها] (١) حتى يكون ذلك معلوما. قال سحنون: وهذا مثل قوله في رواية ابن وهب، في المطلقة إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، أنها لا تحل للأزواج، ولا تبرأ من زوجها حتى يعلم أنها حيضة صحيحة، وهي رواية أشهب أيضًا، وهي خير من قول ابن القاسم.
قال القاضي: وهذا مذهب ابن المواز، وابن حبيب، أنها لا تدخل في ضمان المشتري حتى تستمر في الحيض (٢)، وظاهر مذهب ابن القاسم في هذا الكتاب. وفي كتاب إرخاء الستور أن بأول قطرة (٣) من الدم تنقضي مواضعتها، وتتم عدتها، وقد قال: هنا (٤) في غير موضع من أول ما تدخل في الدم، فمصيبتها من المشتري، "وهي من البائع حتى تدخل في أول دمها" (٥).
وقد اختلفوا هل هذا كله من قولهم وفاق، أو هو خلاف، والصحيح أنه خلاف، وأن قول ابن القاسم أولى وأصح، وقد بيناه في كتاب إرخاء الستور (٦).
وقوله: "إن انقلبت بالجارية ثم أقالني، يعني بائعها، قال إن لم يكن في مثل ما غاب (٧) عليها المشتري أن تحيض فلا مواضعة، لأنها إن هلكت في مثل هذا كانت من البائع، ولا يطؤها (٨) البائع حتى يستبرئ، إلا أن يكون دفعها إليه على الاستبراء، فلا يكون على البائع استبراء، إذا
_________________
(١) سقط من ق.
(٢) المقدمات: ٢/ ١٤٩.
(٣) المدونة: ٢/ ٣٢٦.
(٤) كذا في ع وح، وفي ق: هي.
(٥) المدونة: ٣/ ١٣١.
(٦) إرخاء الستور في الجزء الأول من التنبيهات.
(٧) كذا في ح، وفي ق: عاب.
(٨) كذا في المدونة، وفي ع وح وق: يطأ.
[ ٣ / ١٣٨٦ ]
ارتجعها" (١)، قال بعضهم: هذا يدل على خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب.
قال القاضي: بهذا فسر فضل ما في كتاب ابن حبيب، على نحو ما في المدونة، لكن في كتاب محمد: إن كانت بيد أمين بعد أن خرجت من الاستبراء وحلت (٢) بأيام، فأربحه فيها البائع، فله أخذها، ووطئها مكانه، وكذلك لو ولاها (٣) لأجنبي.
قال أبو محمد: وهذا خلاف (ما في) (٤) المدونة.
وقوله: "إن استقاله في آخر دمها فعليه أن يستبرئ لنفسه (٥) وله المواضعة على المقيل" (٦). قالوا هذه المسألة إنما تصح إذا كان البائع قد نقد، وأوقف الثمن، وإلا فلا تصح الإقالة، إذ بخروج الجارية من المواضعة، ورؤيتها أول الدم، وجب للبائع الثمن على المشتري، فأخذ به جارية تتواضع، و[هو] (٧) لا يجوز عند ابن القاسم، وروايته على ما تقدم في البيوع.
وقوله "في المغصوبة أحب إلى سيدها ألا يمسها حتى يستبرئ" (٨). أحب هنا على الوجوب، وهو بين أول الكتاب، قال وعليه أن يستبرئها، قالوا: وعلى الغاصب نفقتها، ومنه ضمانها حتى تخرج (٩)، قالوا ويلزم هذا فيمن زنا بأمة رجل، طائعة، أو مكرهة، لأن طوعها لا يبطل حق سيدها.
وقول ابن القاسم في الرد بالعيب إذا كانت خرجت من الحيض (١٠) عليه
_________________
(١) مختصر من المدونة: ٣/ ١٢٥.
(٢) كذا في ح، وفي ق: أو حلت.
(٣) كذا في ح، وفي ق: لو وطئها.
(٤) سقط من ح.
(٥) كذا في ع وح، وفي ق: بنفسه.
(٦) المدونة: ٣/ ١٢٦.
(٧) سقط من ق.
(٨) المدونة: ٣/ ١٢٢.
(٩) كذا في ح، وفي ق: يخرج.
(١٠) كذا في ع، وفي ح: العدة.
[ ٣ / ١٣٨٧ ]
الاستبراء، وضمانها من [٤٦] المشتري، قال في كتاب ابن حبيب: إلا أنها إن ماتت في هذه المواضعة رجع المشتري بقيمة العيب، "وقال أشهب:؛ لا تكون عليه مواضعة، لأن الرد بالعيب نقض بيع، وليس هو بيعًا فاسدًا (١) " (٢). قال: ولكنها تتواضع ليعلم أبها حمل أم لا؟ فإن ماتت فهي من البائع (٣).
قال مشايخنا: لا يختلف [قول] (٤) ابن القاسم وأشهب أن الرد بالعيب نقض بيع، ولكن من حجة ابن القاسم أن يقول البائع للمشتري: أخذتها سليمة الرحم، فردها كذلك، فإنك حزتها، ولا أدري ما أحدثت عندك، وقد ذكر بعضهم اضطراب ابن القاسم في هذا الأصل، وأشار اللخمي أنه اختلاف من قوله، وقول ابن القاسم في رد السمسار [الجعل في] (٥) المردود بعيب (٦)، يدل أنه عنده نقض بيع، وكذلك قال في كتاب الصرف، إذا وجد الدراهم زيوفًا (٧). وقد أشار بعضهم إلى أنهما يختلفان، هل الرد بالعيب نقض بيع، أو ابتداء [بيع (٨)] (٩)؟ من هذه المسألة [وغيرها] (١٠)، وهو بعيد في التخريج، والاستقراء، وغير صحيح في النظر، وكيف يقال: إنه ابتداء بيع وهو مما يكون غلبة، وحكمًا، وهل يوجد بيع ينعقد بالإجبار؟ (وأما الرد فيصح بالإجبار) (١١)، إلا أن يقال: (إن) (١٢) هذا إنما
_________________
(١) كذا في ع، وفي ح: وليس هو ابتداء بيع.
(٢) المدونة: ٣/ ١٢٩.
(٣) في ع وح: من المشتري.
(٤) سقط من ق.
(٥) سقط من ق.
(٦) فكذا في ع وح، وفي ق: بالعيب.
(٧) المدونة: ٣/ ٤٢٠.
(٨) القاعدة: ٥٨٤ من قواعد المقري، والقاعدة: ٩٢ من قواعد الونشريسي، (إيضاح المسالك، ص: ٣٤٨، وانظر الفروق للقرافي: ١/ ٢٦ - ٢٧، الفرق ٥٦).
(٩) سقط من ق.
(١٠) سقط من ق.
(١١) سقط من ح.
(١٢) سقط من ع وح.
[ ٣ / ١٣٨٨ ]
(يعترض) (١) ويتصور من مسائل الرد بالعيب، فيما تراضوا عليه، فهو ما لم يفصله أحد منهم، ويبعد حتى الآن من رده، إنما رده على الوجه الذي يقتضيه الحكم، ويوجبه إن اضطر إليه، وأما الإقالة فنعم تلك التي يصح فيها تخريج القولين، وتأويل العلتين، إذ هي بتراض من المتبايعين (٢).
وقوله في الكتاب: "والضمان لازم على البائع لا يسقط بقول الجارية إلا بالبينة العادلة التي تجوز في مثله" (٣)، يعني من النساء، وظاهره أنها شهادة لا يجوز فيها أقل من اثنين، على أصله في شهادة النساء.
وقوله بعد هذا: "أو تبرئة (٤) المشتري مما له أوقفت" (٥) يريد يسقط عنه حكم العهدة، والطلب بعيب الحمل، وغيره بعد تمام العقد، كما قال (ابن القاسم في كتاب ابن عبدوس: وهذا جائز، لأنه حق أسقطه، وعيب رضي بالتزامه، والعهدة وقعت صحيحة، وكذا (٦) ما قال) (٧) في الباب الأخير في الكتاب، إذا اشتراها وهي من علية الرقيق، فأراد أن يزوجها، (أن له ذلك) (٨) إذا باعها منه على أنه لم يطأ، وله أن يقبلها بعيب الحمل إن ظهر، ويزوجها، ويطأها زوجها، دون استبراء، وله الرضى بحمل إن ظهر فيها، وليس للبائع حجة، إلا أن يدعي الحمل، (ويستلحقه) (٩)، ولم يجز ذلك سحنون، ورأى أن المشتري إنما أسقط حقه في المواضعة ليعجل المنافع، ويلزم على ما قاله ابن القاسم، إذا رضي المبتاع بذلك نقد الثمن
_________________
(١) سقط من ح.
(٢) انظر القاعدة: ٩٣٨ من قواعد المقري، والقاعدة: ٩١ من قواعد الونشريسي (إيضاح المسالك، ص: ٣٤٦).
(٣) المدونة: ٣/ ١٣٠.
(٤) كذا في المدونة وفي ع وح وق: أو يبرئه.
(٥) المدونة: ٣/ ١٣٠.
(٦) في ع: وكما.
(٧) سقط من ح.
(٨) سقط من ع وح.
(٩) سقط من ح.
[ ٣ / ١٣٨٩ ]
الآن، إذ لم تبق علة لتوقيفه، ولا يجوز على قول سحنون، وتعليله بتعجيل المنفعة، والصواب ما قاله ابن القاسم.
وقوله "في مشتري الجارية من علي الرقيق فيشترط قبضها وحوزها كما يقبض الوخش قال: المواضعة بينهما، (ولا يفسخ شرطهما البيع) (١)، إذا لم يكن باعها على البراءة من الحمل، ويسلك بها سبيل من لم يشترط استبراء في المواضعة" (٢)، كذا عندنا في المدونة، وكذا روايتنا، وكذا وقع في الأسدية. قال بعضهم: هذا لفظ فيه تجوز، وإنما صوابه: ويسلك بها سبيل من لم يشترط رفع الاستبراء. وقد اختصر هذا اللفظ المختصرون، أو أكثرهم، وحذفوه (٣)، وهو عندي صحيح، لا فرق بينه وبين ما أصلحه هذا فيه، وذلك أنه إنما أراد أن اشتراطه وغير اشتراطه سواء، لا يفسد العقد، ويبطل الشرط، فهو كمن لم يشترط شيئًا، وأهمل العقد، ولم يذكر استبراء، فإن الحكم يوجبه، ومثله في الواضحة، وسواء كان ذلك عمدًا، أو جهلًا بالسنة منهما.
وفي كتاب محمد أن هذا الشرط من قصد إسقاط الاستبراء يفسد العقد، وقاله الأبهري. وعلى هذا مقتضى ما في المبسوط أن ضمانها من المشتري أبدًا.
وقوله هنا: "إذا لم يكن باعها على البراءة (٤) من الحمل" (٥). يبين اختلاف جوابه في المسألتين، وأنه إذا شرط البراءة من الحمل عنده في العلي يفسد العقد، وتكون مصيبتها من المشتري أبدًا، وجاوب في هذه في كتاب محمد، الشرط باطل، والعقد جائز، (وقال ابن عبد الحكم: العقد
_________________
(١) سقط من ح.
(٢) المدونة: ٣/ ١٣١.
(٣) كذا في ع، وفي ح: وحرفوه.
(٤) (كذا في ح، وفي ع وق: قبل البراءة.
(٥) المدونة: ٣/ ١٣١.
[ ٣ / ١٣٩٠ ]
جائز، والشرط جائز) (١)، على ما رجع إليه من البراءة من الجنون، والجذام، والبرص (٢)، وليس هذا بأشد من الحمل، وكذلك لو تبرأ من الحمل، وهو معروف بالوطء، فجعله هنا فاسدًا، وهو بيِّن.
وذهب ابن حبيب في هذه إلى صحة البيع، وإبطال الشرط والمسألة عندهم جارية على مسألة البيع، والشرط، ووقع في الكتاب، في "باب استبراء الأمة، تتزوج بغير إذن سيدها: قول (٣) بعض الناس، هو نكاح" (٤). ثبت في كثير من النسخ، وفي (٥) كتاب ابن المرابط وسقط.
وقوله في مشتري زوجته قبل أن يطأها أو بعد وطئه لا استبراء عليه (٦) وقال ابن كنانة: في غير المدخول بها يستبرئها، قال ابن القاسم: لا يكون اليوم حلالًا، وغدًا حرامًا، لم يزدها استبراؤها إلا خيرًا.
وقوله فإن دخل بها، ثم استبرأها، ثم باعها، قبل وطئها، فإن المشتري يستبرئها بحيضتين، لأنها عدة، على اختلاف من مالك في هذا الأصل، وله (٧) تجزئها حيضة، قالوا في هاتين الحيضتين: لأن (٨) الأولى للمواضعة، والثانية للعدة. وكتبت عن ابن عتاب: أن المواضعة في الحيضتين معًا، وهو ظاهر كلام ابن أبي زمنين، ونص ما في كتاب ابن
_________________
(١) سقط من ح.
(٢) المقدمات: ٢/ ١٤٩.
(٣) كذا في المدونة وح، وفي ق: قول.
(٤) المدونة: ٣/ ١٣٣.
(٥) في ع: في.
(٦) هذا النص لم أعثر عليه بهذه الصيغة، بل وجدته في المدونة (٣/ ١٣٢ - ١٣٣) كالآتي: في الرجل يبتاع الأمة قد تزوجها قبل أن يدخل بها، ثم يبيعها قبل أن يطأها، قال: وقال ابن القاسم في الرجل يتزوج الأمة ثم يشتريها قبل أن يدخل بها، ثم يبيعها قبل أن يطأها، قال: يستبرئها بحيضة، قال: وكذلك إذا وطئها ثم باعها فإنها تستبرأ بحيضة.
(٧) كذا في ع، وفي ح: ولم.
(٨) كذا في ع وح، وفي ق: أن.
[ ٣ / ١٣٩١ ]
عبدوس، وذلك لأنه (١) إن ظهر بها حمل فيهما صارت أم ولد للبائع، بخلاف (بيع) (٢) ذات الزوج التي لا مواضعة فيها، ولا رد بعيب، من الحمل.
وقوله: "يستبرئها المشتري بحيضتين" (٣) لفظ مشكل ليس على أصله [الذي] (٤) بينه (٥) بعد هذا بقوله: "ولو اشتراها، وقد حاضت بعد طلاقه، حيضة، ثم باعها - يعني: ولم يمسها - فاستبراؤها هنا حيضة، ثم تحل له" (٦) وذلك لأنها استبراء، وبها تمت العدة، فهذا تفسير (٧) الأولى (٨)، وإن معنى المسألة أنها لم تحض عند (٩) زوجها، بعد استبرائها (١٠) إلى أن باعها، وقد وقع خلاف هذا في المبسوطة (١١) لابن [٤٧] القاسم، فقال: يستأنف حيضتين من يوم باع، لا من يوم طلق، وهذا يشير إلى ظاهر ما تقدم، ليس أصلهم، وقد وهم الرواية شيخنا: أبو الوليد ابن رشد، وقال: الصواب من يوم طلق، وهو معنى ما في المدونة.
وقوله: "في الأمة المتزوجة بغير إذن سيدها ففرق بينهما على السيد الاستبراء ولا عدة (١٢) عليها، (واستبراؤها حيضتان، لأنه نكاح يلحق فيه الولد. وسبيله سبيل النكاح" (١٣)، إلى آخر كلامه.
_________________
(١) في ع: أنه، وهي ساقطة من ح.
(٢) سقط من ح.
(٣) المدونة: ٣/ ١٣٣.
(٤) سقط من ق.
(٥) كذا في ع، وفي ح: يبينه.
(٦) المدونة: ٣/ ١٣٣.
(٧) كذا في ع وح، وفي ق: يفسر.
(٨) كذا في ح، وفي ق: الأول.
(٩) كذا في ع وح، وفي ق: بعد.
(١٠) كذا في ع، وفي ح: اشترائها.
(١١) في ح: المبسوط.
(١٢) كذا في المدونة، وفي ح: ولا عهدة.
(١٣) المدونة: ٣/ ١٣٣.
[ ٣ / ١٣٩٢ ]
فقوله هنا: ولا عدة عليها) (١) لفظ مشكل، مستغنى عنه، وقد قال فيها: في طلاق السنة، أنها عدة كعدة النكاح، وهو معنى قوله: حيضتين، إلى (٢) ما ذكر بعد هذا، وقيل: معناه: لا يلزمها ما يلزم المعتدة من المبيت في بيتها، وترك السفر، فتأمل هذا كله.
وقوله "في الذي وطئ جارية (٣) ابنه عليه الاستبراء بعد التقويم إذا لم يكن الأب عزلها عن نفسه" (٤). تأولها ابن الكاتب، وغيره، أنه إن لم يكن عزلها بعد وطئه إياها، ولو عزلها صارت إذا قومت عليه كالمودعة، فعلى هذا يكون قول غيره يستبرئ، ولا ينبغي أن يصب ماءه على الماء الذي لزمته به القيمة، لأنه ماء فاسد وفاقًا، غير خلاف.
وأما القابسي فقال: معناه (٥) عزلها عند نفسه، قبل الوطء حتى يتيقن براءة رحمها، فإنه بأول مباشرتها ومخالطتها لزمته القيمة، وصب ماءه على ملكه في جارية مستبرأة عنده كالمودوعة، وقول غيره على هذا خلاف.
قال بعضهم: يشبه أن يكون قول غيره على مذهب سحنون، في أنه لا يلزم إلا الأب القيمة في وطء جارية ابنه إلا برضاه، وأن ابنه بالخيار عليه كالشريك.
قال القاضي ﵀: والذي عندي، أن ما ذهب إليه ابن الكاتب أصوب، وأنه مراد ابن القاسم بدليل قوله آخر المسألة، "لأنه وطء فاسد، وكل وطء فاسد فلا يطأ فيه حتى يستبرئ" (٦)، فهو إنما علل بفساد الوطء، كما علل به غيره، ولو كان (على) (٧) ما ذهب إليه
_________________
(١) سقط من ح.
(٢) (كذا في ع وح، وفي ق: إلا.
(٣) كذا في ع وح، وفي ق: طلق جارية، وهو غلط.
(٤) المدونة: ٣/ ١٣٣.
(٥) في ح: معناها.
(٦) المدونة: ٣/ ١٣٤.
(٧) سقط من ع وح.
[ ٣ / ١٣٩٣ ]
القابسي لعلل بأنه (١) لا يدري براءة رحمها، ولم يعلل بفساد الوطء الذي يقول القابسي: إنه غير فاسد بإلزامه القيمة بالمباشرة، فتأمله، فهو بين (٢).
وقوله: "من اشترى جارية وهي في عدة من وفاة أو طلاق فلا يجردها لينظر إليها عند البيع ولا يتلذذ بشيء منها، حتى تنقضي عدتها" (٣)، يستدل منها (٤) على جواز النظر للجواري، عند التقليب، وتجريدهن لذلك، إذ لو كان ذلك ممنوعًا في جميعهن لما خص به هنا المعتدات، ويؤكده ما في كتاب الخيار، خلاف ما وقع منصوصًا من منع ذلك، في كتاب ابن حبيب، وغيره. وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب الخيار، واختلاف التأويل في تلك المسألة.
وقوله في المبضعة الوجهة (٥): "لا يطأها من اشتريت له حتى يستبرئها" (٦) فرق بينها وبين المودعة، أن هذه [إن] (٧) خرجت من يد مشتريها المؤتمن عليها لغيره، ألا تراه كيف قال: "فبعث بها فحاضت في الطريق، فأشبهت المودعة، إذا كانت تخرج، ولو كان مشتريها (هو) (٨) الذي أتى بها إليه لكانت كمسألة المودعة" (٩). وقال أشهب: تجزئها حيضتها
_________________
(١) كذا في ح، وفي ق: أنه.
(٢) نقل الحطاب هذا النص عن القاضي عياض من التنبيهات، وعلق عليه بقوله: وما قاله فيه نظر؛ أما أولًا فليس في كلام ابن القاسم أنه وطء فاسد، وإنما فيه: وكل وطء فاسد فلا يطأ فيه حتى يستبرئ، ولا أدري كيف قال الحطاب ذلك، لأن هذه الجملة التي ساقها مسبوقة بهذه الجملة: "لأنه وطء فاسد"، اللَّهم إلا إذا كانت ساقطة من النسخة التي اعتمدها. (مواهب الجليل: ٤/ ١٧٢).
(٣) المدونة: ٣/ ١٣٧.
(٤) كذا في ع، وفي ح: منه.
(٥) في ح: المتوجهة.
(٦) المدونة: ٣/ ١٤٢.
(٧) سقط من ق.
(٨) سقط من ح.
(٩) المدونة: ٣/ ١٤٢.
[ ٣ / ١٣٩٤ ]
في الطريق، (أو عند الوكيل) (١)، ولا يستبرأ (٢) لسوء الظن، إذ يدخل (٣) ذلك في الحرائر والمماليك، يريد تجويز فعل السوء فيهن، وهو أصل أشهب في توقع (٤) كل حمل مظنون من فساد، أنه لا يلزم، وما قاله في الزوجات والجواري، (فإنه) (٥) لا يلزم، فإنه لو قدرنا (٦) ذلك فيمن يخرج (٧) منهن لم يتفق وطئهن جملة، واحتاج إلى حالة تيقن في البراءة من حملهن، ولا يصل إلى ذلك إلا بحيض، ثم لا يحل له الوطء فيه (٨) حتى يطهرن، وفي آخره الحمل أيضًا ممكن، مجوز منهن (٩)، فلا يتأتى له ذلك، وإن طهرن، إلا أن يكن (١٠) عنده في حرز، وثقاف، حتى يتيقن براءة أرحامهن، ولا يجوز عليهن السوء، وهذا حرج، وخلاف الإجماع، وقد استحسن بعض الشيوخ الاستبراء فيمن يتهمه منهن، ووجوبه فيمن اشتهر بالفساد منهن.
وقوله "عن مالك في التي لا تحيض من صغر ومثلها يوطأ تستبرأ بثلاثة أشهر" (١١). زاد في كتاب ابن حبيب عنه، وإن أمن عليها الحمل، (مفتضة كانت، أو عذراء) (١٢)، ومثله لابن وهب فيمن توطأ منهن، ومثلها لا تحمل، ففيها المواضعة، قال ابن القاسم: من يحتمل الوطء منهن فإنه يخاف عليها الحمل، قالوا: وهو قول مالك، وأكثر أصحابه، قال ابن
_________________
(١) سقط من ح.
(٢) كذا في ع، وفي ح: ولا تستبرأ.
(٣) في ح: إذ يرى.
(٤) كذا في ع وح، وفي ق: توقيع.
(٥) سقط من ع وح.
(٦) كذا في ع وفي ح: قررنا.
(٧) في ع وفي وح، تخرج.
(٨) كذا في ع وح، وفي ق: فيهن.
(٩) في د: مدوز ممكن منهن.
(١٠) في ع وح وق ود: أن تكون وأصلحته بما هو مثبت.
(١١) المدونة: ٣/ ١٤٣.
(١٢) سقط من ح.
[ ٣ / ١٣٩٥ ]
حبيب في قول مالك: وهذا تشديد من القول. قد سمعت مطرفًا وعبد المالك، وذكر ذلك عن جماعة من السلف، أن ذلك إنما هو في التي قاربت الحيض، وكان يخشى عليها الحمل، فأما التي لم تقارب، وليس مثلها يحمل فلا استبراء فيها (١)، لأن الاستبراء إنما هو خيفة الحمل، وفي كتاب القاضي أبي الأصبغ: روى علي بن زياد، عن مالك، لا استبراء (٢) على الصغيرة التي يؤمن عليها الحمل، وإن كان مثلها يوطأ، وللخلاف (٣) في هذا نص عند ابن حبيب، وغيره، كما تراه، وعليه حمله بعض مشايخنا، وهو بين.
والأولى ترك المواضعة والاستبراء فيمن (٤) هذا سبيله في بنت السبع، ونحوها، وحمل اللخمي وغيره الخلاف في بنت تسع، وعشر، ومن يتوقع منها الحمل، وإن كان نادرًا، ولعله فيه جاء قول مالك، وابن القاسم، وابن وهب: والأولى لا يخاف منها ذلك البتة، كما أنه لا خلاف في المراهقة.
وقوله "في رواية ابن وهب، في آخر باب استبراء الصغيرة: أن (٥) استبراء [الصغيرة] (٦) التي لم تبلغ المحيض، واللائي يئسن (٧) من المحيض في البيع ثلاثة أشهر. على ذلك أمر الناس عندنا. وهو مع ذلك من أعجب ما سمعت (٨) " (٩) أي فيه إشعار (إلى) (١٠) الخلاف الذي ذكره ابن حبيب، من قول من قال شهران، وشهر ونصف، وشهر فقط (١١).
_________________
(١) المقدمات الممهدات: ٢/ ١٤٢.
(٢) في ح: الاستبراء.
(٣) كذا في د، وفي ق: والخلاف.
(٤) كذا في ح، وفي ق: فيما.
(٥) في ح: وأن.
(٦) سقط من ق وح.
(٧) كذا في ع وح، وفي ق: والتي يئست.
(٨) "فيها" زائدة في ح.
(٩) المدونة: ٣/ ١٤٤.
(١٠) سقط من ح.
(١١) انظر هذه الأقوال في المقدمات: ٢/ ١٤٢ - ١٤٣.
[ ٣ / ١٣٩٦ ]
وقوله: وكل ما أصابها في الاستبراء من عيب أو داء أو نقصان فللمشتري الرد به. قال بعضهم: يخرج منه أن العبد والأمة إذا صرحا في العهدة أنهما حران أنهما يردان بذلك، وإن لم يثبت، وفيه تنازع.
وقوله "لا يكون عليه للوطء غرم إلا أن يكون نقصها وطؤه" (١) تأمل معناه.
وقوله: "فإن كانت بكرا فافتضها المشتري في الاستبراء فجاءت بولد (٢) لأقل من ستة أشهر، والبائع منكر للوطء" (٣)، إلى آخر المسألة.
[٤٨] وقوله: "إلا أن [يكون] (٤) البائع أقر أن الولد ولده إلى قوله: ويكون ولده" (٥)، يخرج منها أن الوطء بين الفخذين يلحق منه الولد، لأنا نتحقق أن حمل هذه قبل بيعها، وقد بيعت بكرًا، وهو المنصوص (٦).
قال محمد: كل وطء في موضع إن زل (٧) عنه وصل إلى الفرج لحق به الولد. وقد عارض بعض شيوخنا هذا الأصل بإجماعهم على حد المرأة [التي] (٨) تأتي بولد ولا يعرف لها زوج، إذ قد يكون من حجتها أن تقول: والله ما وطئت قط في فرجي، ولكن الماء زل (٩)، وقد قال ﵇: ادرؤوا الحدود بالشبهات (١٠). لكن الجواب عن هذا، أنه لما كان غالب
_________________
(١) المدونة: ٣/ ١٤٦.
(٢) كذا في ع وح، وفي ق: بذلك، وهو خطأ.
(٣) المدونة: ٣/ ١٤٦.
(٤) سقط من ق.
(٥) المدونة: ٣/ ١٤٦.
(٦) انظر هذه النصوص في المدونة: ٣/ ١٤٦.
(٧) كذا في ح، وفي ق: إن زال وفي ع: إن نزل.
(٨) سقط من ق.
(٩) كذا في ع وح، وفي ق: نزل.
(١٠) حديث: "اِدرءوا الحدود بالشبهات"، أخرجه الترمذي والحاكم والبيهقي من طريق الزهري عن عروة عن عائشة بلفظ: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم". وفي إسناده: =
[ ٣ / ١٣٩٧ ]
الحمل من الوطء في الفرج، حمل على غالبه، ولم يلتفت إلى هذه الدعوى النادرة، كما لو اعترفت أنه (١) من وطئ في الفرج، وادعت الغصب، فهذه أيضًا لا تصدق، إذ الغالب المعهود فيه الرضى، وقد يفرق بينهما أن هذه لما لم تعرف (٢) بالغصب (٣)، ولم تذكره قط، لم تصدق، وقد يجاب عن هذا بأن تقول أردت الستر على نفسي، فلما أراد الله تعالى كشف سري (٤) بالحمل أثبته، وقد رأى بعض المشايخ أن لها في هذا حجة، وعذرًا يجب درء الحد عنها به، كما قال غيرنا وهو قول الشافعي (٥).
وقوله: "كنت أطأ ولا أنزل فيها قال مالك الولد يلزمه ولا ينفعه أن يقول كنت أعزل عنها" (٦) حمله بعضهم على أن الجواب على غير السؤال وأنه أجاب على مسألة العزل، وهو محتمل بأن [كان] (٧) أراد [بقوله] (٨) لا أنزل فيها بتة، لا بين فخذيها ولا غيره، (وعزل عزلًا بينًا) (٩)، فكما قال:
_________________
(١) = يزيد بن زياد الدمشقي، وهو ضعيف، قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. ورواه وكيع عنه موقوفًا، وهو أصح، قاله الترمذي. قال: وقد روي عن غير واحد من الصحابة أنهم قالوا ذلك، وقال البيهقي في السنن: رواية وكيع أقرب إلى الصواب، قال: ورواه رشدين عن عقيل عن الزهري، ورشدين ضعيف أيضًا، ورويناه عن علي مرفوعًا: "ادرءوا الحدود"، ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود. وفيه: المختار بن نافع، وهو منكر الحديث، قاله البخاري، قال: وأصح ما فيه حديث سفيان الثوري عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، قال: "ادرءوا الحدود بالشبهات". (التلخيص الحبير: ٤/ ٥٦، كشف الخفاء: ١/ ٧٣، نصب الراية: ٣/ ٣٣٣). وعلى هذا الحديث بنيت القاعدة: "الحدود تسقط بالشبهات" (القاعدة السادسة من الأشباه والنظائر في الفروع للسيوطي: ٨٤).
(٢) كذا في ع، وفي ح: أنها.
(٣) في ع: لم يعرف.
(٤) كذا في ح، وفي ق: الغصب.
(٥) كذا ح، وفي ع: إظهار سري، وفي ق: الله تعالى سري.
(٦) كذا في د، وفي ع وح وق: وهو قول.
(٧) المدونة: ٣/ ١٤٦
(٨) سقط من ق.
(٩) سقط من ق.
(١٠) سقط من ح.
[ ٣ / ١٣٩٨ ]
فإن عدم الإنزال فيها وعليه حمله (١).
والعزل البين عنها الذي يتحقق أنه لم يخرج منه هنا شيء، ولا أنزل بين الفخذين، فيخاف (٢) سيلان الماء إلى الفرج، وقبول الرحم له، وإنما ابتدأ دفقه (وحقنه) (٣) وخروج أول مائه بعد عزله عن الفرج، والفخذين، وأراقه في أعكانها، وغير ذلك من جسدها، فيما (٤) يتحقق أنه لا يصل إلى الفرج منه شيء، فهذا لا يلحق به عندهم (٥) ولد (٦).
قال (٧) بعض شيوخنا: ويحلف، وإن كان (إنما) (٨) قال (له) (٩) لم أنزل فيها، أي في الفرج، وإنما أنزلت خارجًا عنه، بين الفخذين، وقربه، فهذا هو العزل الذي أجابه عنه، وعليه حمله غير واحد من الشيوخ.
وكذلك مسألة الذي قال كنت أفخذها، ولا أنزل فيها، أي بين فخذيها، ولذلك لم يلحق به الولد، لأنا لو قدرنا (١٠) هنا انفلاتًا بين الفخذين فهو يسير، ولا يصل ليسارته إلى الفرج، [ويمحق دونه بخلاف لو أنزل ماءه كله أو أكثر منه فهذا يخشى منه أن يسري إلى الفرج] (١١).
وقد ذهب بعضهم إلى خلاف هذا، وبأن الإنزال بين الفخذين لا
_________________
(١) في ح: حمل
(٢) كذا في ع وح، وفي ق: يخاف.
(٣) سقط من ح.
(٤) كذا في ع وح، وفي ق: مما.
(٥) كذا في ع وح، وفي ق: عنده.
(٦) كذا في د، وفي ع وح وق: وقد.
(٧) في ح: وإذ قال.
(٨) سقط من ع.
(٩) سقط من ع وح.
(١٠) في ح: قررنا.
(١١) سقط من ق.
[ ٣ / ١٣٩٩ ]
يلحق به ولد، لأنه يفسد بمباشرته (١) الهوى. قالوا: ولو كان الإنزال بين شفرتي (٢) الفرج لم يختلف في إلحاق (٣) الولد منه، وكذلك اختلفوا في إلحاقه (٤) من الوطء في الدبر.
وقوله: "الوكاء ينفلت" (٥) - بكسر الواو ممدود - استعارة وتشبيه بخروج الماء في الفرج، قبل العزل.
والوكاء: هو الخيط الذي يشد به فم القربة.
"وعركت الجارية (٦) " (٧) - بفتح العين والراء - معناه حاضت (٨).
والجارية العذراء: ممدود هي البكر، التي لم تفتض. وأصله من الضيق. ومنه تعذر علي الأمر: أي ضاق سبيل الوصول إليه.
والعقر - بضم العين - الصداق (٩). "ورواية ابن وهب، وابن نافع، عن مالك، في آخر باب وطء الجارية أيام الاستبراء، فيمن ابتاع أمة حاملًا من غيره، فلا يحل له وطئها، ولا يباشرها ولا يقبِّلها إلى آخر المسألة" (١٠)، هي صحيحة لابن وضاح، وبعض القرويين، وسقطت لغيرهم من الرواة، زاد في رواية الدباغ، (قال) (١١): "وإن بيعت بالبراءة حاملًا أو غير حامل فلا يقبِّل، ولا يباشر، لا قبل أن يتبين حملها، ولا بعده (١٢)، حتى
_________________
(١) كذا في ع وح، وفي ق: بمباشرة.
(٢) كذا في ع، وفي ق: شفري.
(٣) في ع: لحوق.
(٤) في ع وح: لحاقه.
(٥) الذي في المدونة (٣/ ١٤٧): الوطء ينفلت.
(٦) عركت المرأة تعرك عركًا وعراكًا، وعروكًا: حاضت. (اللسان: عرك).
(٧) المدونة: ٣/ ١٤٥.
(٨) شرح غريب ألفاظ المدونة، ص: ٩٥.
(٩) قال ابن منظور: قال أحمد بن حنبل: العقر: المهر. (لسان العرب: عقر).
(١٠) المدونة: ٣/ ١٤٦.
(١١) سقط من ح.
(١٢) كذا في د، وفي ق: ولا بعد.
[ ٣ / ١٤٠٠ ]
تضع" (١). قال يحيى هذه الزيادة لابن وهب.
وقوله فيها: "إن كان حملها ذلك عنده أو عند غيره من زوج أو زنا" (٢) ولا خلاف - كما قال - في الواطئ (٣) ممن كان.
وقوله: "ولا يباشرها (٤) " (٥) إلى آخر الكلام. (و) (٦) مذهبه هنا (أنه) (٧) على العموم كيف كانت، وفي كتاب (ابن) (٨) سحنون عن أبيه لا بأس بذلك، كالحائض، ولابن حبيب في المسبية (٩) إن كان من زنا فله الاستمتاع بما عدا الوطء، وكذا يأتي إذا حدث الحمل عنده، أو رضي بعيبه، قال فضل: ومالك وأصحابه على خلاف ذلك.
ولا خلاف في المعتدة من طلاق، أنه لا يحل له منها الاستمتاع حتى تخرج من عدتها، كما أنه لا خلاف فيما فيه المواضعة، والاستبراء، أنه لا يستمتع منهن بشيء حتى تخرج من ذلك.
_________________
(١) المدونة: ٣/ ١٤٦.
(٢) المدونة: ٣/ ١٤٦.
(٣) في ح: الموطأ.
(٤) كذا في ع وح، وفي المدونة (٣/ ١٤٦): ولا ينبغي له أن يباشرها. وفي ق: ولا يباشر.
(٥) المدونة: ٣/ ١٤٦.
(٦) سقط من ع وح.
(٧) سقط من ح.
(٨) سقط من ح.
(٩) كذا في د، وفي ق وح: المسألة.
[ ٣ / ١٤٠١ ]