معنى الجائحة: المصيبة المستأصلة. يقال: اجتاحهم العدو، واستولى عليهم، واجتاحتهم الشدائد: أصابتهم عامة. ولا جائحة فيما اشتري (٢) من الثمر مع أصوله (٣) بالإجماع (٤).
واختلف العلماء فيما اشتري من الثمار (٥) مفردًا، ومذهبنا مراعاة الكثرة فيه من القلة، وتحديد الكثرة بالثلث.
ثم اختلف أئمتنا، هل الثلث راجع إلى عين الثمرة، وإن كانت قيمتها أقل من ثلث الثمن، وهو مذهب ابن القاسم، وروايته، (أو إلى ثلث قيمتها، وإن كان المجاح أقل من ثلث الجميع، وهو مذهب أشهب (٦)، بما هو معلوم، مفسر في أمهات كتبنا، فلا نطول به.
وقوله) (٧) في الكتاب، "في مسألة جائحة المقثأة، تحسب بطونها بقدر
_________________
(١) قال ابن عرفة في تعريف الجوائح: ما أتلف من معجوز عن نفعه عادة قهرًا، من ثمر أو نبات بعد بيعه. (شرح حدود ابن عرفة، ص: ٤٠١).
(٢) كذا في ع، وفي ح: اشتراه.
(٣) كذا في ع، وفي ح: بأصوله.
(٤) في ع وح: بإجماع.
(٥) كذا في ع وح، وفي ق: الثمر.
(٦) انظر النوادر: ٦/ ٢٠٤.
(٧) سقط من ح.
[ ٣ / ١٤٦٣ ]
نفاقها في الأسواق، في كل بطن، ثم يقوم كل ما أطعمت، في كل زمان، (يحمل) (١) على قدر نفاقه، ثم يقسم الثمن على ذلك" (٢)
واختلف (٣) في تأويل هذا الكلام، متى هذا (٤) التقويم، فتأوله ابن أبي زمنين، وغيره، أن التقويم يوم وقع البيع، بقدر قيمة كل بطن، في زمانه، على ما عرف من عادته، وليس يوم نزول (٥) الجائحة، وهو قول سحنون، فيما حكاه بعض شيوخنا، وذهب آخرون (إلى) (٦) أنه إنما يُنظَر في ذلك يوم النازلة بالمجاح، ويستأني بما بقي من البطون، حتى يجني جميعها، وتقوم على حقيقة، ويقين، لا على ظن وتخمين، واختاره عبد الحق (٧).
وكلام الشيخ أبي محمد في المسألة يحتمل (عندي) (٨) الوجهين، ويحتج (هؤلاء) (٩) بما وقع في الكتاب من قوله: "ربما كانت الفقوسة، أو البطيخة (١٠)، بعشرة أفلس، أو بالدرهم، ونصف درهم، وفي آخر الزمان، بالفلس، والفلسين" (١١).
وبقوله في تقويم البطون في الباب الآخر: "وانقطعت الثمرة فلم يكن فيها إلا ثلاث بطون وقد عرف ناحية البطن الآخر" (١٢).
_________________
(١) سقط من ح.
(٢) المدونة: ٥/ ٢٦.
(٣) في ع وح: اختلف.
(٤) كذا في ح، وفي ع وق: هو.
(٥) كذا في ع وح، وفي ق: تنزل.
(٦) سقط من ح.
(٧) قال عبد الحق: وأصوب القولين في ذلك عندي الاستثناء حتى تجنى جميع البطون، ولا يرجع إلى الاجتهاد في أمر يعلمه حقيقة ويشاهده عيانًا. (النكت والفروق: ٣٥٢ - ٣٥٣).
(٨) سقط من ح.
(٩) سقط من ح.
(١٠) كذا في ع، وفي ح: والبطيخة.
(١١) المدونة: ٥/ ٢٥.
(١٢) المدونة: ٥/ ٣٠ - ٣١.
[ ٣ / ١٤٦٤ ]
ويحتج أهل القول الأول (١) بما قاله في الكتاب، مما ظاهره خلاف هذا بقوله أول المسألة: "ويقوم ما بقي من النبات مما لم يأت بعد في كثرة نباته (ونفاقه) (٢) مما يعرف (٣) ناحية نباته" (٤).
وقاله (٥) أيضًا في الباب الآخر "نظرًا إلى ما كان قيمة هذا البطن المجاح في غلائه ورخصه (٦)، ثم ينظر إلى ما يأتي من نباتها في المستقبل إلى آخر المسألة" (٧).
وقوله في تفسيرها (٨) "نظر إلى ما يأتي بعد فيقام بطنًا بعد بطن، على ما فسرت من رغبة (٩) الناس فيه، ورخصه وغلائه" (١٠)، وإلى هذا ذهب ابن زرب (١١)، وغيره من الشيوخ، (وهذا) (١٢) هو الذي يأتي على أصل ابن القاسم، فيمن اشترى سلعًا (١٣) كثيرة، فاستحق بعضها، أنها تقوم يوم وقعت الصفقة، لا يوم النازلة.
واحتجاج أولئك باختلاف ثمن الفقوسة، لا حجة فيه على تقويمها
_________________
(١) كذا في ع وح، وفي ق: القول الآخر.
(٢) سقط من ح.
(٣) كذا في ع وح، وفي ق: عرف.
(٤) المدونة: ٥/ ٢٥.
(٥) كذا في ع وح، وفي ق: وقوله.
(٦) كذا في ع وح، وفي ق: أو رخصه.
(٧) المدونة: ٥/ ٣٠.
(٨) في المدونة: وتفسير ذلك.
(٩) كذا في ع، وفي ح: زعم.
(١٠) المدونة: ٥/ ٣٠.
(١١) أبو بكر محمد بن بقي بن زرب القرطبي: قاضي الجماعة، سمع من قاسم بن أصبغ ومن في طبقته، ومحمد بن دليم. ألف كتاب الخصال في الفقه. توفي ٣٨١ هـ. (الديباج، ص: ٢٦٨ - ٢٦٩، شجرة النور، ص: ١٠٠).
(١٢) سقط من ح.
(١٣) كذا في ع، وفي ح: سلعة.
[ ٣ / ١٤٦٥ ]
حين وجودها، لكنه يعرف بالنفاق مقدار قيمة أول بطن وآخره (١) يوم [وقعت] (٢) الصفقة لو بيع مفردًا ليقبض في وقته. وكذلك قوله، "وانقطعت الثمرة" (٣) (أي) (٤) أن عادتها ثلاثة بطون.
وقوله (في التين) (٥) في الكتاب مضطرب (٦)، مرة جعله فيما لا يحبس أوله على آخره من الثمار، فقال: مثل التفاح [والرمان (٧)] (٨).
وقال مرة: يسأل أهل المعرفة (٩)، أهو مما ييبس ويدخر، وهذا (١٠) أصل هذه المسألة، أنه مختلف في البلاد، فيحكم له بحكم حاله فيها، وعده فيما يدخر أولى (١١).
وقوله في تقويم [الجائحة] (١٢) "إن كان ثلث هذه الثمرة التي أصابتها الجائحة، [في] (١٣) حظها في القيمة تسعة أعشار الثمن" (١٤)، كذا عندي في الأصل، وهي رواية ابن وضاح، وفي خارج (١٥) كتابه (١٦): القيمة، مكان
_________________
(١) كذا في ع، وفي ح: أول البطن الواحد بطن وآخره. وهو غير واضح.
(٢) سقط من ع وق.
(٣) المدونة: ٥/ ٣٠.
(٤) سقط من ح.
(٥) سقط من ح.
(٦) كذا في ع، وفي ح: مضروب.
(٧) المدونة: ٥/ ٣١.
(٨) سقط من ق.
(٩) المدونة: ٥/ ٢٩.
(١٠) كذا في ع وح، وفي ق: وهو.
(١١) في ع: أولًا وفي ح: أم لا.
(١٢) سقط من ق.
(١٣) سقط من ق.
(١٤) في المدونة (٥/ ٢٦): تسعة أعشار القيمة.
(١٥) في ع وح: وخارج.
(١٦) كذا في ح، وفي ق: كتاب.
[ ٣ / ١٤٦٦ ]
الثمن، وهي رواية إبراهيم بن محمد، وأبي الحسن الدباغ. قال (١) أحمد بن خالد: وهو أصح. قال القاضي ﵀: وقد (٢) يصحان (٣) جميعًا، أي من الثمن بعد قبضه (٤) على القيمة، وكذلك قوله آخر المسألة: "وضع عن المشتري عشر الثمن" (٥). كذا في الأصول. ووقع لابن وضاح في كتاب ابن عتاب، الثمر، بالراء (٦). ومعناه: ما يصيب ذلك من الثمن. فهما صحيحان والأول أبين.
وقوله "في الحديث، عن عمر بن عبد العزيز، أنه قضى باليمين على المبتاع ألا يكتم شيئًا وعليه ما أكل عماله (٧) " (٨).
[٥٩] قال فضل: فيه دليل أن القول قول المبتاع، مع يمينه، فيما أذهبت الجائحة، إذا اختلف مع البائع، وأصبغ؛ يقول في ذلك: القول قول البائع، وعلى المبتاع البينة. ووقع في بعض روايات العتبية.
قال القاضي ﵀: وليس في الحديث المذكور [دليل] (٩) على ما قاله فضل، وتأويل غيره فيه أظهر، أن القول قول المشتري، إنما أراد به فيما أكل، هو وعماله (١٠). وهذا صحيح. لا خلاف (فيه) (١١).
_________________
(١) كذا في ع وح، وفي ق: وقال.
(٢) كذا في ع وح، وفي ق: قد.
(٣) في ح: يصحا.
(٤) كذا في ع وح، وفي ق: فضه.
(٥) المدونة: ٥/ ٢٦.
(٦) كذا في ع، وفي ح: بالواو وهو غير واضح.
(٧) كذا في ع وح، وفي ق: أكل عن ماله.
(٨) المدونة: ٥/ ٣١ - ٣٢. هذا النص ورد في المدونة، ولم أعثر عليه في كتب الحديث.
(٩) سقط من ق.
(١٠) كذا في ع، وفي ح: عامله.
(١١) سقط من ح.
[ ٣ / ١٤٦٧ ]
قال بعضهم: وما قضى به عمر (١) لأم (٢) الحكم بأن ما استثنته من حائطها المجاح لها، ولم يحكم بشمول الجائحة فيه، إنما يأتي على رواية ابن وهب عن مالك في ذلك، وعند ابن القاسم أنه ينتقص من الشيء (٣) بقدر ما يصيبها من الجائحة.
قال القاضي: والخلاف في هذا مبني على الخلاف في (٤) المستثنى من المبيع (٥) هل هو مشترى من المشتري أو باق على [أصل] (٦) ملك البائع (٧) فإذا قلنا إنه مشترى عمته جائحة الحائط، وأخذت بحظها منه.
"وحديث علي في الجائحة (٨) " (٩).
"وحديث جابر (١٠) " (١١) بعده ثابت في بعض النسخ، في رواية ابن هلال (١٢)، والدباغ، وسقط لابن وضاح، وابن باز. قال بعضهم: وليس من المدونة.
_________________
(١) انظر ما قضى به عمر بن عبد العزيز لأم الحكم بنت عبد الملك في المدونة: ٥/ ٣١ - ٣٢.
(٢) كذا في ح، وفي ق: لما، وهو خطأ.
(٣) كذا في ع وح، وفي ق: الثنيا.
(٤) كذا في ع وح، وفي ق: من.
(٥) في ح: من البيع.
(٦) سقط من ق.
(٧) القاعدة: ٨٤٠ من قواعد المقري، ص: ٣٣٥.
(٨) التمهيد: ٢/ ١٩٦.
(٩) نص الحديث: عن أنس بن عياض عن حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه عن جده: أن علي بن أبي طالب كان يقول: الجائحة إذا بلغت الثلث. (المدونة: ٥/ ٣٢).
(١٠) أخرج أبو داود عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن بعت من أخيك ثمرًا، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخد منه شيئًا. بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " (سنن أبي داود: ٣/ ٢٧٦، التمهيد: ٢/ ١٩٥).
(١١) المدونة: ٥/ ٣٢.
(١٢) أبو إسحاق إبراهيم بن قاسم بن هلال القيسي: سمع من أبيه، وسعيد بن حسان، ويحيى بن يحيى، ورحل فسمع من سحنون، وكانت له عنده منزلة لصحبته أباه عند ابن القاسم. توفي ٢٨٢ هـ. (المدارك: ٤/ ٤٢٦ - ٤٢٩).
[ ٣ / ١٤٦٨ ]
وفي "حديث النبي - ﷺ -: "إذا باع المرء الثمرة فأصابتها جائحة فذهبت (١) بثلث الثمرة" (٢) " (٣). كذا رويناه (٤) في المدونة، وكذا وقع في أصول شيوخنا، ووقع في موطأ ابن وهب، ومنه نقله سحنون: بتلك الثمرة.
وقوله "وما بيع من القمح والشعير (٥) والفول، والعدس، والقطنية، والسمسم، وحب الفجل (٦)، فليس فيه جائحة، لأنه إنما يباع بعد ما يبس، فهو بمنزلة ما لو باعه في (٧) الأندر، لا جائحة، فيه" (٨) بيان في جواز بيعه قائمًا في فدادينه (٩)، وهذا ما (١٠) لا خلاف فيه.
وقوله "بمنزلة ما لو باعه في الأندر" (١١) يحتمل (١٢) أن يريد بعد درسه، وذريه، صبرة. و[هذا] (١٣) ما (١٤) لا خلاف فيه أيضًا.
ويحتمل أن يريد بعد حصاده، وقبل درسه، وهو قتت وحزم، وهو موضع الخلاف، فعلى هذا يخرج من هنا جوازه، ولو كان في الأندر مدروسًا، غير مصفى لم يجز، إذ لا يعرف قدره لاختلاطه بالتبن.
وكذلك يجب في حزم الفول، والجلبان، وشبهها (١٥)، مما لا يتبين
_________________
(١) كذا في ع وح، وفي ق: فذهب.
(٢) كذا في ع، وفي ح: الثمن.
(٣) المدونة: ٥/ ٣١.
(٤) كذا في ع وح، وفي ق: روايتنا.
(٥) كذا في ع وح، وفي ق: الشعير والقمح.
(٦) كذا في ع، وفي ح: وفي الفجل.
(٧) كذا في ع وح، وفي ق: من.
(٨) المدونة: ٥/ ٣٣.
(٩) كذا في ع وح، وفي ق: فدانه.
(١٠) كذا في ع، وفي ح: مما.
(١١) المدونة: ٥/ ٣٣.
(١٢) في ع وح: محتمل.
(١٣) سقط من ق.
(١٤) كذا في ح، وفي ع: مما.
(١٥) كذا في ع وفي ح: وشبهه.
[ ٣ / ١٤٦٩ ]
حبه في أطراف حزمه، أن يمنع [بيعه] (١) بلا خلاف (٢)، إذ لا يتوصل (٣) إلى حزره، لكون حبه يطول قصبه مستترًا، بخلاف الشعير، والقمح، وشبهه مما يبدو جملة سنبله، وحبه، في أطرافه.
وقوله إن اشترى الفول، أو القطنية التي تؤكل خضراء، بعد ما طابت للأكل، قبل أن تيبس (٤)، واشترط أن يترك ذلك حتى ييبس، لا يصلح، وهو مكروه.
قال فضل: هو حجة لمن قال: إن الثمرة الرطبة إذا اشتريت جزافًا في رؤوس النخل بشرط التأخير لليبس أنه (٥) لا يجوز. والمعروف (٦) عن مالك جوازه، وإنما يكره إذا كانت على الكيل، وكذا في الواضحة.
وقال في الباب الثاني: "إن اشتريت ثمرة نخل قد حل بيعها (٧)، فتركت حتى طابت، وأمكنت، ثم أصابته جائحة، أنها لا توضع، لأن الجذاذ قد أمكنه" (٨)، قال: فهذا (٩) دليل على خلاف الأول، وإن شراءه بعد طيبها على أن يتركها حتى تيبس في رؤوس النخل جائز.
"والشقم" (١٠) - بفتح الشين المعجمة وفتح القاف - نوع من التمر (١١).
_________________
(١) سقط من ق.
(٢) في ع وح: بغير خلاف.
(٣) كذا في ع، وفي ق: لا يواصل، وفي ح: إذ لا يوصل.
(٤) كذا في ع، وفي ح: أن ييبس.
(٥) كذا في ع وح، وفي ق: لأنه.
(٦) كذا في ع وح، وفي ق: المعروف.
(٧) كذا في المدونة، وفي ع وح: بيعه.
(٨) المدونة: ٥/ ٣٤.
(٩) كذا في ع وح، وفي ق: هذا.
(١٠) المدونة: ٥/ ٢٧.
(١١) قال ابن منظور: قال أبو حنيفة: الشقم: جنس من التمر، واحدته شقمة. (لسان العرب، مادة: شقم).
[ ٣ / ١٤٧٠ ]
وكذلك "عدق ابن زيد" (١) (بكسر) (٢) العين.
والبرني (٣)، بضم الباء (٤).
"والعجوة" (٥) بفتح العين، كلها أصناف.
_________________
(١) المدونة: ٥/ ٢٧.
(٢) سقط من ح.
(٣) كذا في المدونة: ٥/ ٢٧، وح وفي ع وق: والبردي.
(٤) ضرب من التمر. (مختار الصحاح، لسان العرب: برن).
(٥) المدونة: ٥/ ٢٧.
[ ٣ / ١٤٧١ ]