قوله (٢) في الكتاب في تعليم الكلب والبازي: "إنه إذا زجر انزجر، وإذا أشلي أطاع"، وله في كتاب ابن حبيب شرط ثالث؛ إذا (٣) دعي أجاب (٤). فحمل هذا بعض الأشياخ على الخلاف وأنه إنما يشترط في الكلب (٥) شرطان فقط: الإشلاء والزجر. وقد يحتمل الوفاق لأن الإشلاء يستعمل للمعنيين: للإغراء والدعاء، كما أن الزجر يأتي بمعنيين: الإغراء والكف. وخرج اللخمي (٦) من الكتاب قولًا ثالثًا أنه لا يشترط الزجر من قوله: إذا أدرك كلبه أو بازيه ولم يستطع إزالة الصيد عنه حتى فات بنفسه أنه يأكله. وقال غيره: لعله هنا لم يجعل عصيانه مرة مما يقدح في تعليمه، وأن غالب حاله أنه كان ينزجر. وأما تفرقة ابن حبيب (٧) من عند نفسه بين البزاة والكلاب فقول على حياله.
_________________
(١) في ل وع وس: كتاب الصيد.
(٢) المدونة: ٢/ ٥١/ ٢.
(٣) في ل وع وس: أنه إذا.
(٤) نقله في النوادر: ٤/ ٣٤٢ والتبصرة: ٢/ ٥٧ أ، والمنتقى: ٣/ ١٢٦ والنكت.
(٥) في ق وع: الكتاب. وهذا مرجوح.
(٦) في التبصرة: ٢/ ٥٧ أ.
(٧) قال: وأما البزاة والصقور والعقبان فإنما تعليمها أن تجيب إذا دعيت وتنشلي إذا أرسلت، فأما أن تزدجر إذا زجرت فليس ذلك فيها. (انظر النوادر: ٤/ ٣٤٢ والمنتقى: ٣/ ١٢٦ والمقدمات: ١/ ٤١٨ والبيان: ٣/ ٣١٠).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
البازي (١)، بياء بعد الزاي، وحكى بعضهم: باز، بغير ياء (٢).
وأُشلي (٣)، بضم الهمزة وشين معجمة ساكنة، ومعناه في الكتاب وعند الفقهاء: أرسل وأغري. وأنكره بعض أهل اللغة (٤) وقال: إنما الإشلاء الدعاء. وصوب بعضهم (٥) الوجهين فيه.
والزجر الكف والإمساك (٦)، وهو المشترط في التعليم، وذهب بعضهم أيضًا أن الزجر يقع بمعنى/ [خ ١٣٦] الإغراء، وهو معنى قوله في "المدونة" (٧): "إن أفلت الكلب من يدي على صيد فزجرته". كذا عند شيوخنا، وعند غيرهم: فأشليته، وهما بمعنى.
والسُفَاة (٨)، بضم السين وفتح الفاء وآخره تاء، جمع ساف من الطير والجوارح (٩).
وخرج الشيخ أبو الحسن اللخمي (١٠) من مسألة الصيد إذا فرا الكلب أوداجه قال: "هذا قد فرغ من ذكاته كلها" أن قطع الحلقوم غير مشترط في الذكاة في هذا القول. وما قاله غير بين؛ لأن ذبح الصيد المنفذ مقاتله ليس بمعنى الذكاة الواجبة المبيحة للأكل، لكن لتعجيل موته وإخراج محتقن دمه، فإذا فعل ذلك الجارح استغني عن غيره. وقَطْعُ الحلقوم ليس فيه شيء
_________________
(١) المدونة: ٢/ ٥١/ ١.
(٢) هذا في اللسان: بوز.
(٣) المدونة: ٢/ ٥١/ ٢.
(٤) مثل ثعلب وابن السكيت وابن درستويه، كما في اللسان: شلا.
(٥) كابن بري كما في اللسان: شلا.
(٦) انظر اللسان: زجر.
(٧) المدونة: ٢/ ٥٥/ ٤.
(٨) المدونة: ٢/ ٥٤/ ١.
(٩) في اللسان: سوف: الساف طائر يصيد.
(١٠) في التبصرة: ٢/ ٦٢/ أ - في كتاب الذبائح - وانظر المعيار: ٢/ ١٣.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
من هذا، ألا تراه كيف قال في المسألة قبلها (١): "قيل: فإن أدركه وقد أنفذ الكلب مقاتله، أيدعه حتى يموت أو يذكيه؟ قال: يفري أوداجه أحسن عند مالك، وإن تركه حتى يموت أكله"، فهو مذكى عنده، لكن فري أوداجه لما ذكرناه أحسن، ولم يتعرض هنا للحلقوم، وأيضًا فإن الحلقوم بين (٢) الودجين، ولا يكاد (٣) ينقطعان إلا وهو منقطع إلا لمن تعمد ذلك، بل قطعه يسبق قطع الودجين لبروزه عليهما.
وقوله (٤) في الصيد يضرب عنقه فيجزله. رويناه بالجيم، وهي رواية الدباغ من القرويين، وكذلك قوله بعد (٥): فجزله. أي صيره جزلتين أي قطعتين، ورواه غيره: فخزله، بالخاء المعجمة (٦)، وهي رواية ابن أبي (٧)، وهما بمعنى، أي أزال بالضربة عجزه، وأصل الخزل في المشي (٨).
وقوله في مسألة إذا ضربه "فأبان العجز (٩): يأكل (١٠) الساقين". كذا عند ابن عيسى، وعند ابن عتاب: الشقين (١١). ومعنى المسألة أنه رمى العجز (١٢) بساقيه ونفذ إلى الجوف وقطعه، مثل قوله: فجزله. ووقع في كتاب محمد (١٣) لمالك وربيعة: "إذا أبان وركي الصيد مع فخذيه فلا يؤكل
_________________
(١) المدونة: ٢/ ٥٣/ ٣.
(٢) في ق: من.
(٣) في ق: يكادان.
(٤) المدونة: ٢/ ٥٦/ ٢.
(٥) المدونة: ٢/ ٥٦/ ٧.
(٦) والخاء هو ما في الطبعتين، طبعة الفكر: ١/ ٤١٦/ ٥/ ١.
(٧) كذا في خ، وفي ق ول وط وع وس: ابن أبي زيد، لكن في مختصر ابن أبي زيد: ١/ ١٠٢ أ: (أو جزله نصفين) بالجيم، وانظر النوادر: ٤/ ٣٤٦.
(٨) في اللسان: جزل و: خزل: الخزل: التثاقل في المشي.
(٩) في ق ول وع وس: الفخذ.
(١٠) في ق ول: أياكل. والاثنان محتملان حسب مقصد المؤلف.
(١١) وهو ما في طبعة الفكر: ١/ ٤١٦/ ٢ -، وسقطت المسألة من طبعة صادر.
(١٢) في ق ول وع وس: الفخذ.
(١٣) ذكره فى النوادر: ٤/ ٣٤٦ والمنتقى: ٣/ ١١٩.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
ما أبان منه". ونحوه لابن القاسم في "العتبية" (١): إذا لم تبلغ ضربته الجوف، قال: ولو ضربه من الوركين إلى الرأس فجزله جاز أكل جميعه. وحمله الشيوخ (٢) على أنه ليس بخلاف، وأن ما في كتاب محمد: لم تبلغ ضربته الجوف، كما قال في "العتبية"، وهو ظاهر. وحمله بعضهم على الخلاف وإن بلغت الضربة الجوف. وعلله بعضهم لأن (٣) البائن في حيز الأقل. وهذا غير مراعى في مذهبنا، وإنما راعى الكثرة والقلة أبو حنيفة (٤). ولكنه خلاف لما ذهب إليه البغداديون (٥) من مراعاة ما لا ترجى معه حياة، فإذا فعل الجارح أو الآلة به ذلك أكل عندهم جميعه.
قال القاضي: وعندي أن ابن القاسم ومالكًا وربيعة إنما راعوا في ذلك أن زوال الوركين والفخذين إذا لم تصل الضربة إلى الجوف وتخرق الحشوة وتقطعها وإن كشفت عن الجوف أن الموت منها إنما هو بالمرض والألم لا أنه مقتل، كما لو شق بطنه أو رأسه ولم ينثر دماغًا ولا حشوة وإن كان من المتالف. ألا ترى أن مثل هذا لا يقتل فيه إلا بالقسامة؟ وأما لو قطع حشاه أو جزأه جزءين- كما قال ابن القاسم - فيجب (٦) أكل جميعه كقطع رأسه، وهو معنى قوله عندي: إذا لم تبلغ/ [خ ١٣٧] ضربته الجوف، أي لم يؤثر فيه ليس أنها لم تكشف عن الجوف.
وقوله (٧): حمام مكة وغير حمامه إذا خرج من الحرم لا بأس أن
_________________
(١) انظر البيان: ٣/ ٣١٢.
(٢) منهم ابن يونس كما في التوضيح: ١/ ٢٩٢.
(٣) في ق: بأن.
(٤) انظره في "الهداية شرح بداية المبتدي" للمرغيناني: ٢/ ٤٦٤ الطبعة الأولى ١٤١٠/ ١٩٩٠ دار الكتب العلمية.
(٥) عزاه الباجي لابن القصار في المنتقى: ٣/ ١٢٠.
(٦) كذا في خ وق.
(٧) في المدونة: ٢/ ٧٥/ ٥: (قلت: أرأيت صيد الحرم حمامه وغير حمامه إذا خرج من الحرم، أيصاد أم لا؟ قال: سمعت أن مالكًا يكره في حمام مكة أنه إذا خرج من الحرم أنه يكرهه، ولا أرى أنا به بأسًا أن يصيده الحلال في الحل). وهذه المسألة =
[ ٢ / ٤٨٥ ]
يصيده الحلال في الحل. فيه دليل أن حرمته إنما هي بالحرم، وكذلك قالوا تخصيصه (١) بالشاة وأنه في غير الحرم كسائر الحمام كما قال هنا. قال شيوخنا: فيجب على هذا إذا قتله محرم في غير الحرم أن فيه حكومة كسائر الحمام.
وقوله (٢): "تنهشه الكلاب"، بالشين المعجمة. يقال: نهشت اللحم ونهسته بالمعجمة والمهملة، إذا أخذته بأسنانك عن العظم، وهذا منه. لكن استعماله هنا في الكلام (٣) بالشين أوجه. وقال بعضهم (٤): بالسين بأطراف الأسنان، وبالمعجمة بجميع الفم (٥).
وقوله (٦): "فخزق"، بالزاي، بمعنى قطع.
وقوله: "إذا أخذت (٧) الكلاب ولم تدمه ولم تنيبه" (٨)، ظاهر الكتاب
_________________
(١) = واقعة في آخر كتاب الضحايا، لا في الصيد في الطبعتين معًا، طبعة الفكر: ٢/ ٧. ولو قال المؤلف: حمام الحرم. عوض: مكة. لاتسق الأسلوب.
(٢) يقصد الفدية؛ ففي الموطأ عن ابن المسيب أنه كان يقول في حمام مكة إذا قتل شاة. قال الباجي: يريد أن حمام مكة مخصوص بذلك لتأكيد حرمته (انظر المنتقى: ٣/ ٦٥ والبيان: ٤/ ٢٥٤).
(٣) المدونة: ٢/ ٥٣/ ٧.
(٤) كذا في ق ول وع وس والتقييد: ٢/ ٢١٥، وكذلك في خ وفوقها: كذا، وصحح في الحاشة "الكلاب"، وينبغي أن يكون كذلك.
(٥) كالجوهري كما في اللسان: نهس.
(٦) انظر اللسان: نهش و: نهس. والمشارق: ٢/ ٣٠. وقال ابن مكي في تثقيف اللسان ٣١٧: النهس بالفم والنهش باليد، هذا أجود الأقوال
(٧) المدونة: ٢/ ٦٠/ ٤.
(٨) في ق ول: أخذته. وهو ما في الطبعتين.
(٩) الذي في الطبعتين: (أرأيت إن أخذته الكلاب فقتلته ولم تدمه حتى مات، أيوكل أم لا في قول مالك؟ وكيف إن صدمته الكلاب فقتلته ولم تدمه أيوكل أم لا؟ فقال لا يوكل شيء من ذلك وما مات من عضها ولم تنيبه فلا يوكل. وهذا قول مالك). انظر طبعة صادر: ٢/ ٦١/ ٦ - وطبعة الفكر: ١/ ٤٢٥/ ٢.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
أنها (١) متى نيبته وإن لم تدمه أكل، ولا خلاف متى أدمته يؤكل. واختلف إذا لم تنيبه؛ ففي الكتاب (٢): لا يؤكل، لأنه لم تحصل فيه من الجارح والآلة ذكاة. وعند أشهب (٣) وابن وهب: يؤكل متى مات بفعل من أفعالها أو صدمها أو مماستها، لأنه مما أمسكن. ولا خلاف إذا ماتت (٤) بسببها ولم تماسه من انتهار أو سقوط وشبهه أنه لا يؤكل.
وأفهم اللخمي (٥) خلافًا فيما (٦) إذا نيبت ولم تدم ولم تجرح، وجمعها مع مسألة الضرب والصدم. ولا يصح تنييب إلا بإدماء وإن قل. وهو مقتضى قوله في الكتاب في موضع: "إن لم تنيب (٧) وتدمي" (٨). ثم لم يذكر الإدماء في سائر المواضع.
والضرانيب (٩) بالضاد المعجمة جمع ضَرِبٍ على وزن نمر، وهو حيوان ذو شوك كالقنفذ كبير.
والوبر (١٠)، بسكون الباء بواحدة آخره راء وواو مفتوحة: دويبة نحو الهر (١١).
_________________
(١) في ق ول: أنه.
(٢) المدونة: ٢/ ٦١/ ٣.
(٣) وهو في التبصرة: ٥٨/ ب والنوادر: ٤/ ٣٤٣.
(٤) هل هو: مات؟. وهو ما في ق.
(٥) في التبصرة: ٥٨/ ب.
(٦) في ق: فيها.
(٧) المدونة: ٦٢/ ١.
(٨) في طبعة صادر: تدم.
(٩) المدونة: ٢/ ٦٢/ ١.
(١٠) المدونة: ٢/ ٦٢/ ١.
(١١) مر للمؤلف.
[ ٢ / ٤٨٧ ]