قوله (١) فيمن حلف بالمشي إلى مكة فلم يُفِض: "لا يركب في رمي الجمار، ولا بأس أن يركب في حوائجه. قال ابن القاسم: وأنا لا أرى به بأسًا، وإنما ذلك عندي بمنزلة ما لو مشى فيما قد وجب عليه، ثم أتى المدينة فركب في حوائجه أو رجع من الطريق في حاجة فيما قد مشى فلا بأس أن يركب فيها، وهذا قول مالك الذي أحب أن يأخذ به" (٢). وفي رواية ابن عتاب (٣) نحب ونأخذ به (٤). ونحو هذا وبنصه (٥) في كتاب الحج، وفيه: الذي أحب وآخذ به (٦).
في هذا بيان وإشارة إلى الاختلاف من قوله في الذي ركب في حوائجه وفي رجوعه لحاجة، وأن له قولًا آخر غير الذي أحب أن يأخذ به ابن القاسم، وهو ما له منصوص في "سماع" ابن القاسم (٧) في الذي يركب في المناهل: أحب إلي أن يهدي، قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه كان يستثقل أن يركب فيها - يعني في الذي سقط بعض متاعه، أو في
_________________
(١) المدونة: ٢/ ٧٦/ ٣.
(٢) في طبعة دار صادر: أحب أن آخذ به.
(٣) هذا ما في طبعة دار الفكر: ٢/ ١٠/ ٤.
(٤) في ع وس: يحب ويأخذ، وفي التقييد: ٢/ ٢٤٨: نحبه ونأخذ به.
(٥) في س: ونصه.
(٦) المدونة: ١/ ٤٦٥/ ٨.
(٧) انظر عن سماعه رياض النفوس: ١/ ٣٧٣ والمدارك: ٣/ ٢٤٥، ٢٤٧، ٢٥١، ٢٩٧.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
حوائجه - وإن كان أبو عمران لم يحمل هذا على خلاف، وحمله على الاستحباب.
ولا وجه للاستحباب فيه إن لم يكن خلافًا.
وقد اختلف تأويل الشيوخ في قول ابن القاسم: "ولا أرى به بأسًا"، هل يرجع على المسألة الأولى - وهو قول مالك: "لا يركب في رمي الجمار"، ويكون خلافًا له، وإليه أشار اللخمي -. أو يعود على الركوب في حوائجه - وهو تأويل أبي محمد - ويعضده قوله في الباب بعد هذا (١) مثل هذا الكلام بعد قول مالك في ركوبه في المناهل والحوائج، ولم يجر للركوب في رمي الجمار ذكر. وأما إن قدم طواف الإفاضة فله أن يركب في رجوعه إلى منى (٢)، يريد وفي رمي الجمار. ولم يوسع له ابن حبيب (٣) في ذلك، قدم الطواف للإفاضة أو أخره.
وقوله (٤) في الذي حج ماشيًا لنذره وخرج إلى عرفات راكبًا وشهد المناسك راكبًا: "أرى أن يحج الثانية" إلى آخر المسألة. قيل: هي خلاف لما وقع له بعد هذا أنه يجعل مشيه الثاني إن شاء في عمرة أو حجة ما لم يكن الأول (٥) نذر حجة. ومثله في كتاب محمد (٦). وجعله هنا يحج لأنه إن
_________________
(١) أي في هذا الباب نفسه بعد هذا الكلام بيسير.
(٢) نص المسألة في الطبعتين: (طبعة دار صادر: ٢/ ٧٧/ ٨ -، وطبعة دار الفكر: ١/ ٤٦٥/ ٨): "ما قول مالك فيه إذا هو خرج ماشيًا في مشي وجب عليه، أله أن يركب في المناهل في حوائجه؟ قال مالك: نعم. قال: وقال مالك: لا بأس أن يركب في حوائجه. قال ابن القاسم: ولا أرى بذلك بأسًا، وليس حوائجه في المناهل من مشيه قلت: وهل يركب إذا قضى طراف الإفاضة في رمي الجمار بمنى؟ قال: نعم، وفي رجوعه من مكة إذا قضى طواف الإفاضة إلى منى".
(٣) انظر قوله في المنتقى: ٣/ ٢٣٦.
(٤) المدونة: ٢/ ٧٨/ ٦.
(٥) في م وس: تكن الأولى، وفى الطبعتين: " نذر المشي الأول " انظر طبعة دار الفكر: ٣/ ١٤/ ٣.
(٦) انظرها في النوادر: ٤/ ٣٠.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
جعله في عمرة لم يمش ما (١) ركب، إذ ليس فيها خروج إلى عرفة ولا إفاضة ولا شهود المناسك المشهودة في الحج. وقد اختصرها بعض المختصرين (٢): رجع قابلًا. جنوحًا لمعنى اللفظ الآخر حتى لا يتنافر. وقال بعضهم (٣): قوله: يجعل مشيه الثاني إن شاء حجة وإن/ [خ ١٢١] شاء عمرة أن معناه أن (٤) ركوبه في غير المناسك، وكلامه الأول إنما هو فيمن ركب في المناسك.
ووقع في رواية الأندلسيين بعد المسألة (٥): "قيل لمالك: أفترى عليه أن يهدي؟ قال: إني أحب ذلك من غير أن أوجبه عليه"، ولم يذكر هذه الرواية مختصرو القرويين كحمديس وابن أبي زيد. والرواية صحيحة معناها في العتبية وكتاب محمد (٦).
وقوله في حديث ابن أبي حبيبة (٧): "وأنا يومئذ حديث السن" (٨)، في كتاب ابن حبيب وابن مزين (٩): إنه كان بالغًا، وإنما أشار بحداثة سنه إلى أن مع ذلك في الغالب قلة العلم (١٠). وقوله: "حتى عقلت" أي عرفت ما
_________________
(١) في ع وس وم: مما.
(٢) كالبراذعي: ٦٧.
(٣) هو عبد الحق في النكت.
(٤) كذا في النسخ.
(٥) المدونة: ٢/ ١١/ ٣ من طبعة دار الفكر، وليست في طبعة دار صادر.
(٦) ذكره عنه في تهذيب الطالب: ٢/ ٨٩ أ.
(٧) هو عبد الله بن أبي حبيبة، انظر ترجمته في التاريخ الكبير: ١/ ٧٥.
(٨) في المدونة: ٢/ ٧٨/ ١١: "مالك عن عبد الله بن أبي حبيبة قال: قلت لرجل - وأنا يومئذ حديث السن -: ليس على الرجل يقول: علي المشي إلى بيت الله - ولا يسمي نذرًا - شيء. فقال لي رجل: هل لك أن أعطيك هذا الجِرو - لجرو قثاء هو في يده - وتقول: علي المشي إلى بيت الله؟ فقلته. فمكثت حينا حتى عقلت فقيل لي: إن عليك مشيًا، فجئت سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك فقال: عليك مشي. فمشيت".
(٩) وكذا في العتبية، انظر البيان: ٣/ ٩٨، والنوادر: ٤/ ٤٥.
(١٠) نص ابن حبيب رواية عن مالك كما في المنتقى: ٣/ ٢٣٢ هكذا: "وكان يومئذ قد بلغ الحلم، إلا أنه كان صغيرًا بحدثان بلوغه"، وانظر الاستذكار: ١٥/ ٢٨، والعتبية في البيان: ٣/ ١٢٦.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
يلزمني وتعلمت وأقبلت على التحفظ بما يجب علي، وقد يكون هذا على مذهب من يراعي يوم الحنث في اليمين لا يوم اليمين وهو مذهب. وفي "المبسوط" في (١) يمين الصبي يحنث بعد بلوغه: يلزمه (٢).
والجِرْو (٣)، بكسر الجيم وسكون الراء: واحد القثاء. وقيل: صغارها (٤). وقيل: طوالها.
ومَرَان (٥)، بفتح الميم وتشديد الراء: موضع على ثمانية عشر ميلًا من المدينة. وقال عبد الحق فيه: مُران، بضم الميم (٦).
وقوله (٧): "ولا يكون المشي إلا على من قال: مكة" إلى قوله (٨): "أو الحِجر أو الركن أو الحَجر". ثبت (٩) عندنا عن شيوخنا كذا. وكذا في أصولهم، وهو صحيح. وسقط من بعض النسخ "أو الحجر". وهما ثابتان (١٠) في كتاب الحج (١١).
مذهبه في هذه المسألة إلزامه اليمين من قال: بيت الله، أو الكعبة، أو المسجد الحرام، أو مكة، أو ذكر شيئًا من أجزاء البيت فقط (١٢)، دون ما عدا ذلك إلا أن ينوي حجًا أو عمرة، فلا يلزمه فيما داخل المسجد الحرام
_________________
(١) المدونة: ٢/ ٧٨/ ١١ - . وفي ق: وفي.
(٢) في البيان: ٣/ ١٢٦ أن هذا مذهب ابن كنانة.
(٣) المدونة: ٢٧٨/ ١١.
(٤) انظر اللسان: جرا.
(٥) المدونة: ٢/ ٧٩/ ٥.
(٦) كذا ضبطه المؤلف في المشارق: ١/ ٣٩٤ وزاد أن الأجدابي أيضًا ضبطه بضم الميم. وانظر معجم ما استعجم: ٤/ ١٢١٣، ومعجم البلدان: ٥/ ٩٥.
(٧) المدونة: ٢/ ٨٨/ ٣.
(٨) المدونة: ٢/ ٨٨/ ٥.
(٩) في ق: ثبتت. وهو مرجوح بما بعده.
(١٠) في ق: ثابتتان.
(١١) المدونة: ١/ ٤٧٠/ ٩.
(١٢) المدونة: ٢/ ٨٨/ ٤.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
ولا داخل مكة وخارجها. وهذا تأويل أبي محمد (١) وجمهور الشيوخ. وهو مقتضى ما في كتاب ابن حبيب (٢) عنه (٣) أنه لا يلزمه في "زمزم" و"الحطيم" و"الحجر". وقد سلم له (٤) أبو محمد قوله "زمزم"، ولم يسلم له أن ذلك مذهبه في "الحجر" و"الحطيم" لاتصالهما بالبيت. وقد يحتج لهذا بمسألة: أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة أو الركن الأسود (٥) وقوله: إنه يحج فقد سوى بين الركن والحطيم (هنا، لكن قد يتأول ما قاله ابن حبيب (٦) على وفق الكتاب في أن من "الحجر" أو "الحطيم") (٧) ما ليس من البيت، فكأنه جعل غاية مشيه إلى أوله كقوله: إلى الحرم، والبيتُ لا شك منه، والحرم متصل به (٨).
وذهب ابن لبابة أن مذهبه في الكتاب أنه يلزمه متى (٩) ذكر شيئًا مما في المسجد الحرام، خلاف ما كان خارجًا منه، واحتج بمسألة "الحطيم". وحكى عن بعض الناس في ذلك تأويلًا ثالثًا على المدونة وأن الركن
_________________
(١) هذا في المختصر: ١/ ١٠٧ ب.
(٢) نقله في النوادر: ٤/ ٢٨.
(٣) أي عن ابن القاسم.
(٤) أي لابن حبيب. قال أبو محمد في النوادر: ٤/ ٢٩: "الذي ذكره ابن حبيب عن ابن القاسم في الحجر والحطيم خلاف قوله في المدونة".
(٥) قال في المدونة: ٢/ ٩٨/ ٨ -: "قال: ومن قال: أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة فهذا يجب عليه الحج أو العمرة، ولا يجب عليه في ماله شيء. قال: وكذلك لو أن رجلًا قال: أنا أضرب بكذا وكذا الركن الأسود، يحج أو يعتمر، ولا شيء عليه إذا لم يرد حملان ذلك الشيء على عنقه".
(٦) قال ابن حبيب: الحطيم ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام. انظر النوادر: ٤/ ٣٥، والمنتقى: ٣/ ٢٦٢.
(٧) ليس في خ.
(٨) في المدونة: ٢/ ٨٨/ ١: "إن قال: علي المشي إلى الحرم فلا شيء عليه". وفيها: ٢/ ٧٦/ ٢: "إن قال: علي المشي إلى البيت فعليه المشي". وفيها: ٢/ ٨٨/ ٣: "إن قال: علي المشي إلى المسجد الحرام فعليه ذلك".
(٩) في ق: مشي متى.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
والحِجْر والحَجَر كالصفا والمروة، لا يلزمه فيه شيء خلاف قوله: المسجد الحرام؛ قال: والتبس عليه لفظه في الكتاب.
قال القاضي: وكذلك أقول: إنه قد التبس على ابن لبابة في تأويله أيضًا. والصواب والظاهر ما قدمناه أولًا.
وفي بعض هذه الألفاظ وأشباهها في الأمهات خلاف كثير معلوم، وإنما قصدنا هنا للتنبيه على مذهب الكتاب واختلاف التأويل عليه فقط.
وقوله في آخر باب في الذي يحلف بالمشي إلى بيت الله ونوى مسجدًا: "وقال الليث مثله" (١)، ثبتت في كتاب ابن عيسى. وكتب عليه في كتاب ابن المرابط: سقط للدباغ وللإِبَّياني.
وفي مسألة (٢) الحالف بالحج من حيث يحرم، قوله: "فهذا يدلك/ [خ ١٢٢] في الحج أنه من حيث حنث"، كذا في الأصول. قال سحنون: معناه من حيث حلف، وكذا في رواية ابن الطلاع: من حيث حلف (٣).
وعروة بن أُذَيْنة (٤) بضم الهمزة، تصغير أذن.
ابن مهدي عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد، كذا عند ابن عيسى. وعنده أيضًا: ابن وهب (٥)، وهي رواية ابن عتاب لا غير.
والقهقرى (٦)، بفتح القافين وبالراء مقصور: مشي الرجل إلى خلف.
_________________
(١) في طبعة دار الفكر: ٢/ ١٧/ ١١: وروى ابن وهب عن مالك مثل قول ربيعة، وقال الليث مثله. وفي طبعة دار صادر: ٢/ ٨٦/ ٨: وروى ابن وهب عن مالك والليث مثل قول ربيعة.
(٢) المدونة: ٢/ ٧٩/ ٣.
(٣) وهو ما في طبعة دار الفكر: ٢/ ١٢/ ٧. انظر العتبية في البيان: ٣/ ١٣١، ٤٦٣، والمنتقى: ٢/ ٢٣٥.
(٤) المدونة: ٢/ ٨٢/ ١٠ - . انظر ترجمته في التاريخ الكبير: ١/ ٣٣، والجرح والتعديل: ٦/ ٣٩٦، وتعجيل المنفعة: ١/ ٢٨٥.
(٥) وهو ما في الطبعتين (طبعة دار صادر: ٢/ ٨٢/ ٧ -، وطبعة دار الفكر: ٢/ ١٤/ ٨).
(٦) المدونة: ٢/ ٨٣/ ٤.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
وليس لله حاجة بِخَفاك (١)، مقصور، وقع في المدونة ممدود (٢).
وعامُ قابلٍ (٣)، على الإضافة.
ومسألة (٤) الذي يحلف بالسير والذهاب والانطلاق والركوب، قال: لا شيء عليه إلا أن ينوي الحج أو العمرة. ثم قال في الركوب بعد ذلك (٥): "أرى ذلك عليه"، يريد: نواه أو لم ينوه. سحنون (٦): وقد كان يَختلِف في هذا القول، كذا ضبطناه بفتح الياء وكسر اللام، راجع إلى ابن القاسم. وقد وقع مبينا في بعض النسخ: وقد كان ابن القاسم يختلف قوله (٧).
ثم ذكر قول أشهب وأنه اختلف فيما اختلف فيه قول ابن القاسم (٨).
فاختصرها حمديس على أن قوله اختلف في جميع الألفاظ (٩). وعليه تأولها ابن لبابة. وقد حكى القولين عنه ابن حارث. وقد روى سحنون ومحمد بن رشيد (١٠) عنه مثل قول أشهب إلزام جميعها. وبيان ذلك في
_________________
(١) المدونة: ٢/ ٨٣/ ٢ - . وفي ق: في جفاك، وتشبه في س: بحلفاك، وفي الطبعتين: بحفائك، انظر طبعة دار الفكر: ٢/ ١٥/ ٦ وهو الصواب.
(٢) في المدونة: لو أن حالفا بالمشي إلى الكعبة حافيا لقيل له: ليس لله حاجة بحفائك. والمد أيضًا صيغة مصدرية صحيحة، انظر اللسان: حفا.
(٣) المدونة: ٢/ ٨٤/ ٢. وفي الطبعتين: عاما قابلا، انظر طبعة دار الفكر: ٢/ ١٥/ ٩.
(٤) المدونة: ٢/ ٨٨/ ٧.
(٥) المدونة: ٢/ ٨٨/ ٧.
(٦) المدونة: ٢/ ٨٨/ ٧.
(٧) في طبعة دار صادر: "وقد كان ابن القاسم يختلف في هذا القول". وفي طبعة دار الفكر: "وقد اختلف في هذا القول".
(٨) في المدونة: ٢/ ٨٨/ ٧ -: "وأشهب يرى عليه في هذا كله إتيان مكة حاجا أو معتمرا".
(٩) في النكت أن بعض القرويين قال بتناقض المسألتين.
(١٠) محمد بن رشيد بن عبد السلام بن المفرج (في المدارك: الفرج) الربعي مولاهم أبو زكريا. كانت رحلته ورحلة سحنون إلى الحجاز وإلى ابن القاسم واحدة. كان من أهل الفقه والعلم ثقة في نقله. وكان أهل الأندلس يسمعون منه أولًا أكثر من سحنون ثم اجتنبوه لمعاملته بالعينة. توفي: ٢٠٢ (انظر طبقات أبي العرب: ١٩٥ والمدارك: ٤/ ٩٦). ونص كلام عبد الحق في التهذيب: ٢/ ٩١ ب: "وقد ذكر في بعض حواشي =
[ ٢ / ٤٤١ ]
المدونة أيضًا من مسألة: أنا أضرب بمالي رتاج الكعبة وإلزامِه الحج أو العمرة (١) ولم يشترط في ذلك نية، فإنها لا فرق بينها وبين قوله: أسير إليها (٢) وأذهب (٣).
وحمل المسألة سائر المختصرين (٤) على أن الخلاف في الركوب وحده.
وترجح أبو عمران في تأويلها (٥).
وقول يحيى بن سعيد (٦) في الحالفة على جارية ابنها لتحملنها إلى بيت الله: "تحج وتحج بها وتذبح ذِبحًا"، هو خلاف لقول مالك. وحكى ابن حبيب نحوه عن مالك أيضًا. وفي موطأ ابن وهب عنه خلافه. قيل لعله لم تكن لها نية في إحجاجها ولا حملها فاحتاط له في الوجهين.
وقوله: "تذبح له ذِبحًا" - بكسر الذال - هو الشاة المذبوحة، قال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ (٧). والذَّبح اسم الفعل.
وقد اختلف (٨) في تأويل قوله في مسألة (٩): أنا أحمل فلانًا إلى بيت الله، ولم ينو تعب نفسه إنه يحج راكبًا ويحج بالرجل معه، فقيل:
_________________
(١) = الكتب - فيما أحفظ - أن ابن رشيد روى عن ابن القاسم الخلاف في جميع تلك الألفاظ".
(٢) الذي في المدونة: ٢/ ٩٨/ ١ أنه ألزمه الحج او العمرة إذا قال: انا أضرب بمالي حطيم الكعبة. أما هذه فلم ترد في الكتاب بنصها، لكن يبدو أن قائل ذلك لا شيء عليه كما في الكتاب.
(٣) فهذه اشترط فيها ان ينوي بذلك حجًّا أو عمرة. انظر المدونة: ٢/ ٨٨/ ٩.
(٤) في ق: أو أذهب.
(٥) مثل البراذعي: ٦٨.
(٦) رأيه هذا في تهذيب الطالب: ٢/ ٩١ أجوابا عن سؤال من عبد الحق الصقلي.
(٧) المدونة: ٢/ ٨٥/ ١٠.
(٨) الصافات: ١٠٧.
(٩) انظر تهذيب الطالب: ٢/ ٩٢ ب.
(١٠) المدونة: ٢/ ٨٤/ ٤.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
معناه نوى حج نفسه، ولو لم تكن له في ذلك نية لم يلزمه، وقيل: سواء نوى أو لم ينو.
وقوله بعد (١): "وأنا أحج بفلان أوجب من قوله: أنا أحمل فلانًا"، يدل على أنه إن لم تكن له نية في حج نفسه لاستوى اللفظان، وكذلك قال القابسي (٢): أوجب في لزوم الحج في نفسه.
وعبد الكريم الجزري (٣)، بفتح الجيم والزاي، منسوب إلى الجزيرة.
وخِلاس بن عمرو (٤)، بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام، هذا هو الصواب، وهي روايتنا عن ابن عتاب. وكان في كتاب القاضي بالحاء المهملة. وبالمعجمة ذكره البخاري (٥) وغيره.
وقوله: يَزْحَف (٦) بالشاة كَرْهًا، كذا ضبطناه بفتح الياء والحاء وهو صحيح. ومعنى ذلك أي يضعف أمر الشاة ويكره الاجتزاء به (٧) ويرى أن جوازها إنما يكون آخر ما يقدر عليه؛ يقال: زحف البعير وأزحف إذا أَعْيَى فَجَرَّ رَسَنَه (٨) كأنه بلغ/ [خ ١٢٣] غاية قدرته على المشي، وأزحف الرجل إذا
_________________
(١) المدونة: ٢/ ٨٥/ ٣.
(٢) حكى ذلك عنه في النكت، وانظر تفصيلًا في هذا في التقييد: ٢/ ٢٥٤.
(٣) المدونة: ٢/ ٨٩/ ٣. وهو عبد الكريم بن مالك المتوفى ١٢٧. انظر التهذيب: ٦/ ٢٣٣، ولعله نسب إلى جزيرة ابن عمر، وهي ما بين دجلة والفرات كما في معجم البلدان: ٢/ ١٣٤، وممن ذكر السمعاني في أنسابه: ٢/ ٥٥ من الجزريين عبد الكريم هذا، لكنه وهم فسماه عبد الكريم بن أبي المخارق، انظر حاشية الكتاب.
(٤) المدونة: ٢/ ٨٩/ ١. وهو بصري، ترجمته في التهذيب: ٣/ ١٥٢.
(٥) في التاريخ الكبير: ١/ ٢٢٧.
(٦) في المدونة: ٢/ ٨٠/ ٧ من طبعة دار الفكر: كان مالك يرحف بالشاة كرهًا. قال مالك: والبقر أقرب شيء إلى الإبل، وفي طبعة دار صادر: يرجو.
(٧) كذا، والمناسب: بها.
(٨) كذا في النسخ، ومعنى: جر رسنه: جر زمامه وخطامه، وهذا لا يتناسق مع الكلام هنا فربما قصد المؤلف - أو الناسخ - أن يكتب: فِرْسِنَه، والفرسن: الحافر وهذا استعمال عربي في هذا الباب؛ ففي العين واللسان: زحف: جر فرسنه. وقد تتصحف الكلمة عن: فجَرَّ إِسْتَه. وهي صيغة مستعملة أيضًا.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
انتهى إلى غاية ما يطلب وكل مُعْيٍ زاحف (١).
وقوله (٢): "بئس ما جزيتيها" (٣)، كذا الرواية بإثبات الياء، وهي لغة لبعض العرب. ومثله قول أبي بكر لعائشة: لو كنت جزيتيه. والأكثر في كلام العرب في مثله حذف الياء والاقتصار على علامة المؤنث بكسر تاء الخطاب (٤).
ومُهَراق (٥) الدماء بضم الميم وفتح الهاء (٦).
والخزانة (٧)، بكسر الخاء، وأراد أمانة الكعبة.
وقوله فيمن جعل ماله في طيب الكعبة: يدفع إلى خزنتها (٨)، هذا يدل على جواز تطييبها وتطييب المساجد وتجميرها إذ لو لم يكن طاعة لما ألزمه أن يفي فيه بنذره. وقد فعل هذا في الصدر الأول واستمر عمل المسلمين على ذلك وعمل الخلوف فيها. والأصل في ذلك تطييب النبي - ﷺ - موضع النخامة في مسجده (٩). وقول مالك: "الصدقة أحب إليه مما يجمر به
_________________
(١) انظر مزيد تفصيل لهذا في المشارق: ١/ ٣١٤، والنهاية: زحف.
(٢) المدونة: ٢/ ٨٩/ ٨.
(٣) هذا من حديث المرأة اتي نذرت إن أنجاها الله على ناقة من نوق الصدقة المسروقة أن تذبحها والحديث أرسله في المدونة عطاء، وهو في مسلم في النذر باب لا وفاء لنذر في معصية الله، عن عمران بن حصين.
(٤) انظر في هذا المشارق: ١/ ١٤٨.
(٥) المدونة: ٢/ ٩١/ ١١.
(٦) في العين: هرق: الهاء مفتوحة في كله، لأنه بدل من همزة: أراق. وفيه لغة شاذة بسكون الهاء، انظر اللسان: هرق.
(٧) المدونة: ٢/ ٩٢/ ٩.
(٨) الذي في الطبعتين: "يدفعه إلى الحجبة"، طبعة دار صادر: ٢/ ٩٨/ ٩ وطبعة دار الفكر: ٢/ ٢٦/ ٦.
(٩) في البخاري في الصلاة باب حك البزاق باليد من المسجد عن أنس أن النبي - ﷺ - رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي ذلك في وجهه فقام فحكه بيده ، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن البصاق في المسجد عن ابن عمر.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
المسجد" ليس على تضعيفه وكراهيته لكن لترتيب فضل أعمال البر بعضها على بعض في الأجر.
وكل اسم في هذه الكتب سلاَّم (١) أو ابن سلاَّم مشدد اللام إلا عبد الله بن سلاَم الحَبر (٢) فهو بتخفيف اللام.
ومِسعر بن كِدام (٣)، بكسر الميم والكاف وتخفيف الدال المهملة.
وانظر في الكتاب جواز إخراج القيمة عن العروض إذا جعلها هديًا كان في يمين أو غيره، وهو قوله كله عند مالك سواء حلف أم لا؛ قال (٤): "هو سواء، إذا حلف فحنث أخرج ثمن ذلك كله فبعث به فاشترى به هديًا" وكذلك قال في كتاب الحج (٥). فقوله: أخرج، ظاهره أنه من عنده، وقد قال في موضع آخر (٦): "يبيعه ويبعث ثمنه" ولم يفرق ما كان (٧) بيمين أو غيره.
وكل هذا يخالف ما ذكره بعض الشيوخ (٨) من الفرق بين ما كان بيمين أو غير ذلك، وإنما استويا هنا وفارقَا ما أخرج صدقة لأنه معلوم أنه هنا لم يقصد هدي الشيء بعينه؛ إذ ليس مما يهدى، وانما أراد عوضه، فسواء باعه أو أخرج من عنده. وقد ذكر ابن المواز في الذي يخرج ثوبه هديًا ثم يريد إمساكه وإخراج قيمته قولين عن مالك.
والعَوَّام بن حَوْشَب (٩)، بفتح الحاء والشين المعجمة.
_________________
(١) في المدونة: ٢/ ٩٣/ ١ ذكر سلام بن مسكين.
(٢) وهو صحابي، انظر الإصابة: ٤/ ١١٨.
(٣) المدونة: ٢/ ٩٣/ ٨. وهو هلالي كوفي توفي ١٥٣، انظر التهذيب: ١٠/ ١٠٢.
(٤) المدونة: ٢/ ٩٢/ ٣.
(٥) المدونة: ١/ ٤٧٤/ ١٠.
(٦) المدونة: ٢/ ٩٦/ ٣.
(٧) في ق وس وم: بين ما كان. وهو أوضح.
(٨) عزا عبد الحق هذا لبعض الشيوخ القرويين في النكت.
(٩) المدونة: ٢/ ١٠١/ ٣. وهو الشيباني الواسطي المتوفى ١٤٨، انظر التهذيب: ٨/ ١٤٥.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
والسَكْسَكي (١)، بفتح السينين المهملتين وسكون الكاف. وحكى عبد الحق فيه الكسر في السينين ولا أعرفه. وسكسك قبيل من اليمن (٢).
وغَيلان بن جَرير (٣)، بفتح الغين المعجمة، وأبوه بفتح الجيم.
وأبو بُردة (٤) عن أبي موسى الأشعري - وهو ابنه - بضم الباء وسكون الراء. وبعدها دال.
وقوله (٥) في الحديث: "إلا أتيت الذي هو خير منها وكفرت يميني" (٦)، هنا تم الجواب (٧) عند الرواة. وعند ابن وضاح وأحمد بن أبي سليمان ويحيى بن عمر (٨) بعده: "أو كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير". قال في كتاب ابن عتاب: صح عند ابن وضاح وخط عليه في كتابه.
وفي الحديث الآخر: "فليكفر عن يمينه وليفعل" (٩)، هنا تم الحديث
_________________
(١) المدونة: ٢/ ١٠١/ ٣. وهو إبراهيم بن عبد الرحمن الكوفي، انظر التهذيب: ١/ ١٢٠.
(٢) انظر هذا في معجم القبائل العربية: ٢/ ٥٢٧.
(٣) المدونة: ٢/ ١٠٢/ ٦. وهو أزدي بصري توفي ١٢٩ كما في التهذيب: ٨/ ٢٢٧.
(٤) المدونة: ٢/ ١٠٢/ ٦. وقد روى عن أبيه وتوفي ١٠٣، انظر التهذيب: ١٢/ ٢١.
(٥) المدونة: ٢/ ١٠٢/ ١٢، وفي طبعة دار الفكر: ٢/ ٢٩/ ١١ وقف عند قوله في الحديث: خير.
(٦) الحديث في المدونة عن ابن مهدي عن حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبي موسى، وهو سند صحيح. والحديث متفق عليه وهو في البخاري في كتاب الأيمان والنذور في الباب الأول، وفي صحيح مسلم في كتاب الأيمان باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها
(٧) في ق ول وم وس: الحديث، وهو الظاهر.
(٨) وهو ما في طبعة دار صادر.
(٩) الحديث في المدونة عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. وهو سند رجاله ثقات، والحديث في مسلم في كتاب الأيمان باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها من طريق مالك وبسند المدونة نفسه، وليس فيه زيادة: الذي هو خير.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
عند جميعهم. وزاد في رواية الإِبَّيَاني (١): "الذي هو خير".
وفي حديث ابن عمر (٢): "ربما حنث ثم كفر، وربما قدم الكفارة" (٣)، كذا لهم. وعند الأصيلي: ربما حلف/ [خ ١٢٤]، والأول أصوب.
وأبو حَصين (٤)، بفتح الحاء. تقدم (٥).
وقوله (٦) في الذي حلف على الشك: إنه إن كان كما حلف بر، معناه: وافق البر لا أَنَّ (٧) الإثم ساقط عنه. وهذا قول غير واحد من الشيوخ، لكن ليس إثم الحالف على الشك كإثم الحالف على تعمد الغموس. وليس وجود ما حلف عليه بعد الشك كما حلف بالذي يزيل عنه إثم الجرأة لا في التعمد ولا في الشك. وكأن بعضهم (٨) فهم من معنى قول ابن القاسم سقوط الإثم، ولا يصح إلا على ما قلناه. وأشار بعضهم إلى أنه مثل ما وقع له في "العتبية" (٩) و"الواضحة" في القائل: امرأته طالق إن لم تمطر السماء غدًا، فغفل حتى أمطرت في الوقت الذي حلف عليه أنها لا تطلق.
وهذا باب غير الأول؛ فإن مسألة الإثم بالجرأة على يمين الغموس متعلق باليمين بالله، ومسألة اليمين بالطلاق على الغيب لا تعلق له بالإثم،
_________________
(١) وهو ما في الطبعتين: (طبعة دار صادر: ٢/ ١٠٢/ ٥، وطبعة دار الفكر: ٢/ ٢٩/ ١١).
(٢) المدونة: ٢/ ١٠٢/ ١.
(٣) في الطبعتين: زيادة: ثم يحنث، طبعة دار الفكر: ٢/ ٢٩/ ٨.
(٤) المدونة: ٢/ ١٠٢/ ٧.
(٥) لم يتقدم.
(٦) المدونة: ٢/ ١٠٠/ ٥.
(٧) في ق والتقييد: ٢/ ٢٦٥: لأن، وفي س وم: لا أرى الإثم. ولعله تصحيف.
(٨) هذا مفهوم ما اختصر عليه البراذعي في التهذيب: ٧٠، وهو مذهب التونسي كما في التوضيح: ١/ ٣١١.
(٩) انظر البيان: ٦/ ١٤٩.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وإنما هو من باب تعليق الطلاق بشرط عند من يرى ذلك في كل شيء. وهو مذهب المخالف، وإليه تجنح هذه الرواية في هذه المسألة، وعلى مذهبه في "المدونة" وغيرها أنها تطلق عليه على كل حال للزوم الطلاق له بأول قوله وحلفه على ما لا يتحققه، وكان فيه شبهة من باب طلاق الهازل أيضًا.
ومعنى قوله (١): "لعمر الله"، أي بقاء الله والعَمر والعُمر - بالفتح والضم -: الحياة والبقاء إلا أنه إذا استعمل في القسم لم يكن فيه غير الفح. وقول محمد: هو (٢) بمنزلة: وحق الله، يريد في لزوم الكفارة فيه (٣)، لا في المعنى، ولم يعجبه (٤) الحلف به.
وقد خرج بعض الشيوخ (٥) من قول محمد هذا ومن كراهيته (٦) أيضًا الحلف بأمانه (٧) وروايةِ علي (٨) في مسألة الحلف بالقرآن وألفاظ وقعت لهم في هذا الباب الاختلافَ في الأيمان بالصفات، ولم يختلف في الأيمان بالأسماء ولا في أن اللازم فيها إذا جمعت في يمين بالواو أو بغير الواو
_________________
(١) المدونة: ٢/ ١٠٣/ ٨.
(٢) في س وع وم: وهو.
(٣) الذي حكى عنه في النوادر: ٤/ ١٦: أخاف أن يكون يمينا.
(٤) صرح في التوضيح: ١/ ٣٠٩، ٣١٠ بأن مالكًا هو من يكره ذلك وسياق المؤلف هنا يحيل على محمد.
(٥) هو اللخمي كما في التوضيح: ١/ ٣٠٩.
(٦) يعني ابن المواز، وكلامه في النوادر: ٤/ ١٥، وظاهر كلام مالك عدم الكراهة كما في المدونة: ٢/ ١٠٣/ ٧، لكن في التوضيح نسبة الكراهة لمالك.
(٧) في ق: بأمانة الله، وفي تهذيب الطالب: ٢/ ٩٤ ب: أمانة الله، وكذلك في المنتقى: ٣/ ٢٤٥. فلعل الكلمة هي "وأمانته"، وفي النوادر: ٤/ ١٥ عن ابن المواز: نحن نكره له اليمين بأمانة الله.
(٨) في العتبية: قال سحنون عن علي عن مالك: ليس بيمين ولا كفارة عليه، انظر البيان: ٣/ ١٧٥، وهذه الرواية منكرة شاذة ردها ابن أبي زيد في النوادر: ٤/ ١٥، وانظر المنتقى: ٣/ ٢٤٥، وتهذيب الطالب: ٢/ ٩٥ أ.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
كفارة واحدة كقوله: والله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، أو: والله والذي (١) لا إله إلا هو والسميع والعليم.
ومعنى قوله (٢) في الكتاب فيمن قال: والعزيز والسميع والعليم، هذه الأسماء وما أشبهها في كل واحدة منها يمين أي إنها أيمان لا تفترق بعضها من بعض في أن تلزم الكفارة في بعضها دون بعض، ولم يرد أنها إذا جمعت كفر عن كل اسم (٣) منها، لأنها راجعة لشيء واحد على مذهب أهل الحق في أن الاسم هو المسمى، أو يدل على شيء واحد على مذهب غيرهم. فلا فرق بين قول مالك هذا وبين قولك: والله والله والله، أو والسميع والسميع والسميع.
واختلف في جمع الصفات في يمين واحدة فقيل (٤): ظاهر "المدونة" أن في كل واحدة منها كفارة فرقت أو جمعت، وإن كان لفظه في الكتاب في ذلك على مساق لفظه في الأسماء (٥)، وفرقوا بينها لافتراق معانيها. وفي كتاب ابن حبيب (٦) أن فيها إذا جمعت كفارة واحدة.
وفرق متأخرو الأشياخ (٧) بين ما يرجع منها إلى معنى واحد فيكون/ [خ ١٢٥] فيه كفارة واحدة، وأما ما اختلفت معانيه فيكون في كل مختلف منها كفارة. وهذا يحتاج إلى تدقيق وتحقيق (٨). وذهب بعضهم إلى أن الخلاف فيها مبني على الخلاف في جواز القول فيها بالاختلاف أو بالتغاير أم لا.
_________________
(١) في ق: الذي. وهو ينافي السياق.
(٢) المدونة: ٢/ ١٠٣/ ٣.
(٣) في ع وس وم وح والتقييد: ٢/ ٢٦٧: قسم. وليس هو المقصود.
(٤) نقل عبد الحق هذا القول في التهذيب: ٢/ ٩٦ أعن أبي عمران وِجادة.
(٥) في المدونة: ٢/ ١٠٣/ ٧: "قلت: أرأيت إن قال وعزة الله وكبرياء الله وقدرة الله وأمانة الله؟ قال: هذه عندي أيمان كلها وما أشبهها".
(٦) انظره في النوادر: ٤/ ١٤، وتهذيب الطالب: ٢/ ٩٤ ب، والمنتقى: ٣/ ٢٤٥.
(٧) مثل عبد الحق في التهذيب: ٢/ ٩٤ ب، والتونسي كما في البيان: ٣/ ١٧٨.
(٨) غمز ابن عبد البر في التمهيد منهج الفقهاء الفروعيين في هذا وقال: ليسوا في هذا بخلاف.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وقد أبى جمهور المشايخ (١) أن يقال إنها غير الذات ولا خلافها ولا هي هي. وأجاز القاضي أبو بكر (٢) وغيره إطلاق المخالفة وأبى من المغايرة. ولم ينكر الجويني (٣) المغايرة بين كل شيئين كل النكير وقال: لا يقطع على تخطئة من قال ذلك، وأبى إطلاقه في الذات والصفات.
وإذا رد الكلام إلى حد الغيرين على مذهب أئمتنا - وهو ما جازت بينهما المفارقة (٤) - امتنع إطلاق هذا في الصفات والذات.
ويلزم على من رتب الكفارة على ترتيب الصفات أن يرتب الكفارات في الأسماء على ذلك، فقد اختلف فيها أيضًا:
فذهب جمهور المشايخ أنها كلها راجعة إلى شيء واحد وإن اختلفت معانيها.
ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري (٥) انقسام الكلام فيها؛ فمنه ما يقال هو هو، وذلك كل ما دل من الأسماء على الوجود، كالله على من لم يجعله (٦) مشتقًا، وكقديمٍ وباقٍ ودائمٍ. ومنها ما يقال: إنها غيره، وهو كل ما دل الاسم علَى صفة فعل كالخالق والرازق. ومنه ما لا يقال فيه: لا هو هي، ولا هي غيره، وهو كل ما دل
_________________
(١) مثل عبد الحق في التهذيب: ٢/ ٩٤ ب.
(٢) هو محمد بن الطيب الباقلاني أبو بكر، الإمام العلامة أوحد المتكلمين ومقدم الاصوليين، من شيوخه في الفقه أبو بكر الأبهري، وإليه انتهت رئاسة المالكية في وقته. وكان يلقب بشيخ السنة ولسان الأمة. توفى ٤٠٣ (انظر سير أعلام النبلاء: ١٧/ ١٩٠ والمدارك: ٧/ ٤٤ - ٧٠).
(٣) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف أبو المعالي الجويني إمام الحرمين، الإمام الكبير شيخ الشافعية، وادعاه المالكية أيضًا. توفي ٤٧٨ (انظر السير: ١٨/ ٤٦٨ والمدارك: ٥/ ٢٤ - ٣٠).
(٤) كذا في ق وع ول وس وح وليست واضحة في خ.
(٥) هو علي بن إسماعل بن إسحاق إمام المتكلمين، انظر السير: ١٥/ ٨٧.
(٦) في حاشية الرهوني: ٣/ ٧٥ نقلًا عن المؤلف: من يجعله.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
على صفة ذات كالعالم والقادر والسميع والعليم.
قال القاضي: والحق عندي في ذلك أن مدرك العقل في الذات الوجود والإثبات بما يجب لها من الصفات ويستحيل عليها، وما وراء ذلك من تكييف وتوهيم فالعقل معزول عنه وممنوع منه كما قال بعض مشايخنا: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معراة من الصفات. وكما قيل: ما تخيلته بوهمك فهو محدث مثلك. كذلك حد العقل إثبات الصفات، ثم هو معزول عما بعد ذلك كعزله عما بعد الإثبات للذات. وهذا عندي هو حقيقة التوحيد والتنزيه ومعنى قول السلف والمشايخ: لا يقال هو هي ولا هي غيره، وقوفًا (١) عن الكلام فيه لما ذكرناه. وإن هذه لنكتة حري الاغتباط بها وأن تجري الكفارات في الصفات والأسماء مجرى واحدًا ولا تتكرر بتكرر الألفاظ والتسميات المعبرة عن الذات والصفات، على ما ذهب إليه ابن حبيب (٢) في الصفات وابن المواز (٣) في الأسماء، وهو معنى ما في "المدونة" عندي (٤) واللفظ فيهما واحد فيها (٥) جار على التسوية. ولا وجه يبين للفرق (٦) بين (٧) اليمين بالأسماء والصفات راجعة كلها إلى الحلف بالله الواحد المنفرد بأسمائه وصفاته الذي لا يجوز عليه الانقسام ولا التجزي (٨)، كما أنه واجب أن يتأول أن الحلف بصفات
_________________
(١) في ق: وقوف.
(٢) إنما رواه ابن حبيب عن الأخوين كما في المنتقى: ٣/ ٢٤٥، والنوادر: ٤/ ١٥، وقد سبق للمؤلف أن أحال في هذا على الواضحة.
(٣) انظره في النوادر: ٤/ ١١.
(٤) سبق ان أورد المؤلف قول القائل: ظاهر المدونة أن في كل واحدة منها كفارة، فرقت أو جمعت وذكر ابن رشد في البيان: ٣/ ١٧٨ أن ليس في المدونة في هذا بيان.
(٥) ليست اللفظة في ق وحاشية الرهوني: ٣/ ٧٥، والضمير يرجع إلى المدونة.
(٦) في ق: الفرق.
(٧) في ح وق وحاشية الرهوني: بل. وفي ع: باليمين.
(٨) كذا يمكن أن يقرأ في ح وخ وع ول، وفي ق أصلح: التحيز، وهو ما في حاشية الرهوني: ٣/ ٧٥. والسياق العام يرجح: التجزي.
[ ٢ / ٤٥١ ]
الذات وأسماء الصفات كلها أيمان. وما وقع من خلاف في بعضها مما أشرنا إليه إنما هو فيما يحتمل أن يرفع (١) إلى الأفعال وما خلقه الله وجعله لعباده من رزق وأمانة وعزة. وقد بين ذلك أشهب (٢) في قوله: في العزة والأمانة وأجاد.
ومسألة الحالف بالقرآن والمصحف والخلاف/ [خ ١٢٦] في ذلك راجع في التأويل إلى فعل العباد من القراءة كما قال (٣):
يُقَطَّعُ الليل تسبيحا وقرآنا
أو إلى جرم المصحف وأوراقه (٤).
وقوله (٥): أعزم ليست بيمين، وإن قال أعزم عليك بالله هو بمنزلة أسألك بالله؛ لا كفارة في ذلك. وقال في الإيلاء (٦): إن قال أعزم وأعزم على نفسي، فإن نوى بالله فهي يمين. هكذا اختصره المختصرون (٧). فافهم الفرق بيْن "عليك"، و"على نفسي"، فإن قوله: على نفسي، وقعت موقع
_________________
(١) كذا في خ، وفي ق: ول وع وس وح: يرجع. ولعله الصواب.
(٢) وذلك في النوادر: ٤/ ١٥ وكلامه في المنتقى: ٣/ ٢٤٥ أوضح؛ قال: "روى أشهب: من حلف بأمانة الله التي هي صفة من صفاته فهي يمين، فإن حلف بأمانة الله التي بين العباد فلا شيء عليه. وكذلك قال في عزة الله التي هي صفة ذاته، وأما العزة التي خلقها في خلفه فلا شيء عليه"، وهو في تهذيب الطالب أيضًا: ٢/ ٩٥ أ، ووصم الشيخ خليل في التوضيح: ١/ ٣١٠ هذا المذهب بالشذوذ.
(٣) في ق: قيل، والشطر الأول من البيت: ضجوا بأشمطَ عنوان السجود به.
(٤) هذا التأويل لابن أبي زيد في النوادر: ٤/ ١٥، وانظر التفصيل في البيان: ٣/ ١٧٥ - ١٧٨.
(٥) المدونة: ٢/ ١٠٤/ ١٠.
(٦) المدونة: ٣/ ٨٦/ ٣.
(٧) قريب من هذا في تهذيب البراذعي: ١٨١، وكل ما وجدته في مختصر ابن أبي زيد: ١/ ١١١ ب: "وقوله: أعزم بالله يمين".
[ ٢ / ٤٥٢ ]
اليمين. وعلى غيره (١) بمعنى الإرادة والرغبة. قال بعضهم: ولو قال: عزمت عليك بالله كانت يمينًا مثل: حلفت، إلا أن يريد اليمين.
قال القاضي: وكذلك قوله: أعزم عليك بالله، لو أراد بذلك اعتقاد اليمين وإلزامها نفسه كانت يمينا. ولفظ "المدونة" في كتاب الإيلاء محتمل لما تأوله المختصرون ولغير ذلك، ونص ما فيه (٢): "قلت: أرأيت إن قال: أعزم، ولم يقل: بالله، أو قال: أعزم على نفسي، ولم يقل: بالله، إن قربتك؟ قال: قال لي مالك في: أقسم: إن لم يقل بالله ما أخبرتك"، يريد قوله قبل: إن لم يقل بالله ولم يرد بالله فليس بمولى (٣). وإن كان أراد: أقسم بالله، فهو مول. قال: فقوله عندي: أعزم مثل قوله: أقسم. فظاهره (٤) ما اختصرها عليه المختصرون، ولكن في "أعزم" هذه الزيادة في المسألة؛ قوله إن قربتك، فإنه ها هنا عاقد يمينًا على نفسه ألا يقربها؛ قال: على نفسي أو لم يقله، إذ هو المراد، بخلاف قوله: عليك، سواء ذكر الله أو لم يذكره؛ إذ المراد التأكيد والرغبة، إلا أن ينوي بذلك عقد اليمين.
وقد يحتمل أن يشبهها بأُقسم في الوجه الذي ذكره في السؤال إذا لم يقل: بالله، ولم يرده لا في إرادته بالله ولم ينطق به، لأن أقسم، وأحلف، وأشهد، من ألفاظ صريح القسم، فيصح (٥) معها نية القسم بالله. وأعزم ليست من هذا، فلا تكون يمينًا حتى يذكر معها اسم الله وينوي بها اليمين. وهذا كله يبين خطأ من أشار إلى أن ما في كتاب الإيلاء خلاف ما هنا.
_________________
(١) يعني المخاطب إذا قال: أعزم عليك.
(٢) المدونة: ٣/ ٨٦/ ٣.
(٣) في ق: بمول. وهو بين.
(٤) في ق: فظاهر.
(٥) في ع وس وح: فتصح.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
ابن مهدي (١) عن عبد الواحد بن زياد (٢) عن عُبَيد المُكْتِب (٣): سألت إبراهيم النخعي عن رجل قال: الحلال علي حرام، كذا عند ابن عتاب وأكثر النسخ. وعند ابن عيسى: ابن مهدي عن عبد الرحمن بن زياد. قال البخاري: عبد الواحد بن زياد العبدي، سمع منه عبد الرحمن بن مهدي (٤). وكذا جاء بعد هذا في باب الرجل يحلف على الشيء الواحد (٥): ابن مهدي عن عبد الواحد بن زياد، وهو الصواب.
وعُبيد، بضم العين. والمُكْتِب، بضم الميم وسكون الكاف وكسر التاء. وقد قيل بفتح الكاف، وهو الذي يعلم الصبيان الكتابة.
وقوله (٦): "رغم أنفي لله"، رويناه بسكون الغين وضم الميم على الإسم، وبضم الغين وفتحها على الفعل (٧). قال عبد الملك (٨): إنما كرهه مالك أن يجريه الرجل على لسانه ويستعمله في كلامه، كما كره أن يقول (٩): لا والذي خاتمه على فمي، ولست أرى ذلك ولا أكرهه تأسيًا
_________________
(١) المدونة: ٢/ ١٠٧/ ٦.
(٢) وهو العبدي البصري، روي عنه ابن مهدي، وروى عن عبيد المكتب، توفي ١٧٦. انظر تهذيب الكمال: ١٨/ ٤٥٠، والتهذيب: ٦/ ٣٨٥.
(٣) هو عبيد بن مهران الكوفي، روى عن النخعي، وروى عنه عبد الواحد بن زياد. انظر التهذيب: ٧/ ٦٨ وتهذيب الكمال: ١٩/ ٢٣٤.
(٤) انظر التاريخ الكبير: ٢/ ٥٩.
(٥) المدونة: ٢/ ١١٦/ ٩.
(٦) في المدونة: ٢/ ١٠٧/ ٥: "ولقد سألنا مالكًا عن الرجل يقول: رغم أنفي لله؟ فقال: لا يعجبني ذلك. قال مالك: ولقد بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: رغم أنفي لله، الحمد الذي لم يمتني حتى قطع مدة الحجاج بن يوسف"، وفي النوادر: ٤/ ٨ هذا الكلام لابن حبيب.
(٧) ومعناه: ذل وانقاد، انظر اللسان: رغم.
(٨) في ق ول وع وح وس: زيادة: ابن الماجشون. والذي في النوادر: ٤/ ٨ أنه من قول ابن حبيب وكذا في التوضيح: ١/ ٣١٠، وإذا أطلقوا عبد الملك فإنما ينصرف لابن الماجشون.
(٩) في النوادر ٤/ ٨: أن يقول الصائم.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
بعمر بن عبد العزيز، وما أحسن القول به لأنه من الخشوع. وظاهر "المدونة" أنه إنما لم يعجبه الحلف بمثل ذلك، ألا تراه كيف/ [خ ١٢٧] قال بأثره (١): "ومن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت".
ابن وهب (٢) عن سفيان عن مسعر بن كِدام عن وَبَرَة (٣) - بفتح الواو والباء - أن عبد الله بن مسعود (٤)، كذا عند ابن عتاب. وعند ابن عيسى: عن مسعر بن كدام عن همام بن الحارث (٥) أن عبد الله بن مسعود، وكذا عند ابن المرابط. وفي نسخة: مسعر بن همام عن وبرة أن عبد الله. قال ابن وضاح: عند غير سحنون: مسعر عن وبرة عن همام أن عبد الله (٦)، وأصلحه ابن وضاح على رواية سحنون أن عبد الله بن مسعود. وفي طرة ابن عتاب: قال ابن وضاح: كما في الكتاب، يعني الرواية الأولى عند سحنون. وعند غيره: عن مسعر بن كدام عن وبرة عن همام. وفي بعض النسخ الصحيحة: عن مسعر عن همام. وكان مثله مخرجا عند ابن عيسى.
ومُحِل الطائي (٧)، بضم الميم وكسر الحاء، كذا ضبطناه في "الأم"
_________________
(١) المدونة: ٢/ ١٠٧/ ٣ - . وليس في الطبعتين: أو ليصمت، انظر طبعة دار الفكر: ٢/ ٣٢/ ٢.
(٢) المدونة: ٢/ ١٠٨/ ٢.
(٣) هو ابن عبد الرحمن المسلي الكوفي، روى عنه مسعر بن كدام وتوفي ١١٦، انظر التهذيب: ١١/ ٩٨.
(٤) وفي المدونة أنه كان يقول: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا.
(٥) هو النخعي الكوفي، روى عنه وبرة وتوفي ٦٥. انظر التهذيب: ١/ ٨٥.
(٦) وهو ما في طبعة دار الفكر: ٢/ ٣٣/ ١٠.
(٧) في طبعة دار صادر: ٢/ ١٠٩/ ٢ - محل، فقط. وفي طبعة دار الفكر: ٢/ ٣٤/ ٨: محمد الضبي. وقد ترجم البخاري في الكبير: ٨/ ٢٠ لمحل الطائي ولم يذكر له رواية عن إبراهيم ولا رواية هشيم عنه، وترجم أيضًا في ٨/ ٢٠ لمحل بن محرز الضبي، وذكر روايته عن النخعي، وكذلك الأمر في الجرح والتعديل. لابن أبي حاتم: ٨/ ٤١٣ وغيره، ولعله الصحيح، وكذا هو قريب في طبعة دار الفكر، ولم يَرد "الطائي" في أي =
[ ٢ / ٤٥٥ ]
عن (١) ابن عتاب، وكذا ضبطناه في غيرها عن القاضي الشهيد أبي علي والشيخ أبي بحر (٢) وغيرهما من شيوخنا المتقنين (٣)، وضبطناه عن القاضي أبي عبد الله هنا وفي غير هذا الكتاب بفتح الحاء وكسرها معًا.
وشِمْر بن نُميْر (٤)، بكسر الشين وسكون الميم وضم النون.
وثور بن زيد الدؤلي (٥) - ويقال الديلي - الواو والياء ساكنان.
ومصعب بن عبد الله الكناني (٦)، بكسر الكاف بعدها نون مفتوحة.
وعمر بن الوليد بن عبْدة (٧)، بسكون الباء (٨) كذا لابن وضاح: عمر، بضم العين. ولغيره: عمرو، بفتحها. وفي باب عمرو ذكره البخاري (٩).
_________________
(١) = منهما، هذا وذكر المؤلف في المشارق: ١/ ٣٩٩ محل بن خليفة الطائي وقال في ضبطه: بكسر الحاء وضم أوله، كذا عند أكثرهم، وضبطه ابن أبي صفرة بفتحها (كذا)، وبالوجهين قيدناه عن القاضي التميمي.
(٢) في ق وع وس: عند.
(٣) هو سفيان بن العاصي الأسدي، سمع ابن عبد البر والباجي وابن سعدون القروي، وصمع منه الناس كثيرًا في الأندلس والعدوة. قال عنه المؤلف: أحد المتفننين المتقنين للكتب المتسعي الرواية، لقيته بقرطبة توفي ٥٢٠ (انظر الغنية: ٢٠٥ - ٢٠٧ والصلة: ١/ ٣٦٠ والمدارك: ٨/ ١٩٥ - مختصر ابن حمادة -).
(٤) في ق: متفننين.
(٥) لم يرد هذا الاسم في المدونة المطبوعة في هذا الباب، وورد في كتاب النكاح وضبطه المؤلف هناك بوجه آخر، وهو مصري حدث عن ابن وهب ودخل الأندلس، انظر عنه أخبار الفقهاء والمحدثين: ٣٦٦ وتاريخ ابن الفرضي: ١/ ٣٤٦، وجذوة المقتبس: ١/ ٣٧١، ولسان الميزان: ٣/ ١٥٣ وطبقات النحويين واللغويين للزبيدي: ٢٥٧.
(٦) المدونة: ٢/ ١١٣/ ٢.
(٧) لم أجد هذا الاسم في المدونة، والموجود فيها في كتاب الأيمان: ٢/ ١٠٨/ ٣: مصعب بن سعد بن أبي وقاص.
(٨) هو السهمي المصري المتوفى ١٠٣، انظر التهذيب: ٨/ ١٠٢.
(٩) في هامش تهذيب التهذيب نقل عن خلاصة الخزرجي: عَبَدَة بفتحات.
(١٠) في الكبير: ٢/ ٣٧٨.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
وعمر بن الوليد، آخر يقال له الشني (١)، وليس في نسبه ابن عبدة.
وقال في مسألة الحالف (٢) ولم يوقت أجلًا: إنما هو على حنث من يوم يحلف، كذا هو الصحيح والجاري على أصل مذهبه، وكذا عند ابن عتاب. وقع عند ابن عيسى: من يوم يحنث، ومعناه يوم يحلف (٣).
وفي حديث الحسن (٤) في الذي حلف على يمين واحدة في شيء من مقاصد شتى: ابن مهدي عن همام، هذه رواية ابن القزاز (٥)، وكذا في أصل ابن عيسى، وخرج: عن هشام لابن وضاح. وهو الذي عند ابن عتاب (٦)، وهي رواية يحيى وأحمد بن داود. والروايتان ثابتة (٧) في أكثر النسخ. قال بعضهم: همام وهشام جميعًا من أصحاب قتادة.
قال القاضي: وليس همام هذا بابن منبه (٨)، ذلك قديم ليس يروي عنه ابن وهب ولا أدركه، وهمام راوية قتادة هو همام بن يحيى بن دينار (٩). وهشام هذا قيل هو هشام بن حسان القردوسي (١٠).
_________________
(١) هو أبو سلمة العبدي البصري، انظر ترجمته في التاريخ الكبير: ٦/ ٢٠٣، والمؤتلف والمختلف للدارقطني: ٣/ ١٣٤٩، والإكمال لابن ماكولا: ٤/ ٥٠٤، وتعجيل المنفعة: ١/ ٣٠٤.
(٢) المدونة: ٢/ ١١٤/ ٧.
(٣) سبقت مثل هذه المسألة.
(٤) المدونة: ٢/ ١١٦/ ٩.
(٥) هو إبراهيم بن باز المذكور في أسانيد المؤلف في المدونة، وصرح الخشني في "أخبار الفقهاء والمحدثين": ١١٢ أنه المعروف بابن القزاز.
(٦) وهو ما في طبعة دار الفكر: ٢/ ٣٨/ ٣.
(٧) كذا في خ وع وس وح وضبب عليها، وأشار في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى: ثابتان، وهو ما في ق. وهو واضح الصحة.
(٨) هو اليماني الصنعاني المتوفى ١٣١، التهذيب: ١١/ ٥٩.
(٩) هو الأزدي البصري، روى عن قتادة، وعنه ابن مهدي، انظر التهذيب: ١١/ ٦٠.
(١٠) البصري المتوفى ١٤٦، لكن لم يرد في ترجمته في تهذيب الكمال - على طولها - ٣٠/ ١٨١، ولا في تهذيب التهذيب: ١١/ ٣٢ ذكر لا لقتادة ولا لابن مهدي، كما أنه لا يحتاج لوساطة بينه وبين الحسن، وقد قيل إنه لم يجلس إليه. ولعله هشام =
[ ٢ / ٤٥٧ ]
ومسألة من كرر اليمين بالله على شيء واحد، وأراد بالثانية غير الأولى، اختلف (١) مذاهب المتأخرين والمختصرين في نقل هذا اللفظ وتأويله؛ فذهب أكثرهم (٢) أنه لا تلزمه الثانية حتى ينوي بها أنها كالنذور عليه، واتبعوا لفظه في الكتاب (٣) في غير موضع في قوله (٤): أرأيت إن نوى بالثانية غير الأولى وبالثالثة غير الأولى والثانية، "أعليه ثلاثة أيمان؟ قال: لا يكون ذلك أبدًا إلا يمينًا (٥) واحدة، إلا أن يريد بها محمل النذور وثلاثة/ [خ ١٢٨] أيمان تكون عليه فيكون كما وصفت".
وقد اختلفت روايات "المدونة" في هذا الحرف؛ فما (٦) ذكرناه هي (٧) رواية شيخنا فيها. وفي بعض النسخ: أو ثلاثة أيمان. وفي بعضها (٨): "محمل النذور ثلاثة أيمان" (٩)، وظاهره نحو ما ذهبوا إليه. وذهب أبو عمران إلى أنه إنما يصح هذا إذا أراد بقوله هذا وبنيته تكرار اللفظ خاصة دون اليمين، فيصح الجواب عن السؤال، وإلا فيمكن (١٠) (أن يكون) (١١) ابن القاسم ترك الجواب عن السؤال وأجابه على جملة الأصل، كأنه قال له: الأصل في مسألتك أن التكرار لا يكون إلا يمينًا، إلا أن تريد به النذور
_________________
(١) = الدستوائي، وهو هشام الوحيد في تلاميذ قتادة في تهذيب الكمال: ٢٣/ ٥٠٥، ومن تلاميذ هشام هذا عبد الرحمن بن مهدي كما في تهذيب الكمال: ٣٠/ ٢١٧.
(٢) كذا في خ وع وس وح، وفي ق ول: اختلفت. وهو المناسب.
(٣) كابن أبي زيد في المختصر: ١/ ١١٢ أ.
(٤) في ق ول وع وس وح: في ذلك في الكتاب.
(٥) المدونة: ٢/ ١١٦/ ٦.
(٦) في ق: يمين، وهو ما في طبعة دار الفكر: ٢/ ٣٨/ ٢، وفي طبعة دار صادر: يمينًا.
(٧) يمكن أن يقرأ في ق: بما، أو: فما. وليس واضحًا في خ، وفي ل: وما، وفي س: كما. والمناسب: فما.
(٨) ليست في ق، وفي س وم: وهي. وليس مناسبًا.
(٩) في ق ول وع وس وم: أكثرها.
(١٠) وهو ما في الطبعتين.
(١١) هذا ما في خ، وقد محي أول الكلمة.
(١٢) ليس في خ.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
أو ثلاثة أيمان، فينوي بالأولى غير الثانية. ويعضد هذا رواية من روى: أو قال (١). وقوله (٢) في المسألة الأخرى قبل (٣) هذه فيها تقديم وتأخير، وهو قوله: "قلت وإن نوى يمينين أو لم تكن له نيته؟ قال: إذا لم تكن له نية فهي يمين واحدة، وإن كان نوى يمينين فكفارتان مثل ما ينذرهما لله عليه"، قال: وصواب الكلام: وإن كان نوى يمينين مثلما ينذرهما لله فكفارتان. وإلى هذا ذهب اللخمي فاختصر المسألة: وإن قال: والله والله لا فعلت كذا، كانت يمينًا واحدة، وإن نوى يمينين فكفارتان.
ويعضد صحة تأويلهم هذا قول محمد بن عبد الحكم (٤): إذا قال: والله ثم الله ووالله إن عليه ثلاث كفارات، لأنه رأى أن إدخال حرف العطف يمين أخرى لا للتكرار.
ويعضد صحة تأويل الآخر ما وقع له في كتاب الأيمان بالطلاق لتفريقه بين تكرار الطلاق إذا أراد به غير الأول أو أسجله وبين تكرار اليمين بالله، وفيه أيضًا احتمال. وأبين منه قوله في كتاب الظهار (٥): "إذا كرره ينوي به الظهار (ثلاث مرات لا تكون عليه إلا كفارة واحدة، إلا أن ينوي ثلاث كفارات مثل ما يحلف بالله) (٦) ثلاثًا وينوي ثلاث كفارات". وفي كتاب محمد (٧): إذا قال: والله ثم والله، أو: والله ووالله (٨)، إن فيها كفارة واحدة. وما وقع لابن القاسم في "المبسوطة" (٩) في الذي يحلف بالله
_________________
(١) هل هو: أو ثلاثة؟ إذ لا معنى لـ "قال" هنا.
(٢) المدونة: ٢/ ١١٥/ ٧.
(٣) في م وح: قيل، والصواب: قبل.
(٤) قوله في الذخيرة: ٤/ ١٨، والتوضيح: ١/ ٣١٣.
(٥) المدونة: ٣/ ٥٧/ ٧.
(٦) سقط من خ.
(٧) وهو في النوادر: ٤/ ١١، وتكررت الصيغة هناك ثلاثًا، وكذا في المنتقى: ٣/ ٢٤٩، وفي التوضيح: ١/ ٣١٣ ما هنا.
(٨) في ق: والله، وسقط من ع، والصحيح ما أثبت، وهو في النوادر: ٤/ ١١.
(٩) في ع والتقييد: ٢/ ٢٧٦: المبسوط. وهو في البيان: ٣/ ١٠٩ عن المبسوطة، وانظر النوادر: ٤/ ١١.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
على شيء فقيل له: إنك تحنث، فقال: والله لا أحنث، ليس عليه إلا كفارة واحدة، لأن الكلام في ذلك في معنى واحد. وقوله هذا خلاف قول مالك فيها: إن عليه كفارتان (١). وهذا أولى، لأن مقصد اليمين الأولى على فعل شيء والثانية على فعل غيره وهو الحنث. فتأمله فهو بين، فقد خرج من هذا أن مذهب ابن عبد الحكم نحو ما أشار إليه أبو عمران واللخمي ومن وافقهما. ومذهب ابن القاسم مذهب الجمهور، وهو نص ما ذكرناه لمالك في كتاب محمد.
وقول ربيعة: الدهر سنة، والزمان سنة، والحين سنة (٢)، ثبت "الدهر" عند ابن عتاب، وعليه اختصره أكثر المختصرين من قول ربيعة. وسقط عند ابن عيسى (٣)، وصح ليحيى، وثبت "الحين" من قوله لابن وضاح عند ابن عتاب، وسقط لغيره (٤)، وسقط لابن وضاح عند ابن المرابط.
ومعنى قول ربيعة هذا وقول مالك في الدهر فيمن قال: لا أكلمك دهرًا، أو إلى دهر. فأما إن قال: إن كلمتك الدهر فقيل: معناه ما عاش، ولهذا شك مالك في رواية ابن وهب في الدهر أن يكون سنة (٥). وفي رواية مطرف (٦) عنه: الدهر أكثر من السنة.
وحديث مجاهد (٧) في آخر/ [خ ١٢٩] باب كفارة العبد، أوله: ابن مهدي عن سفيان الثوري، كذا لابن وضاح. ولغيره: ابن وهب عن سفيان الثوري.
_________________
(١) في ق: كفارتين. وهو الصواب.
(٢) في المدونة: ٢/ ١١٧: ترجمة: الرجل يحلف أن لا يفعل الشيء حينًا أو زمانًا أو دهرًا.
(٣) وسقط أيضًا من طبعة دار الفكر: ٢/ ٣٩/ ٣.
(٤) وسقط من طبعة دار صادر: ٢/ ١١٧/ ٦ -، لكن ورد لربيعة بعد هذا هو مع مالك في: ٢/ ١١٧/ ٤.
(٥) المدونة: ٢/ ١١٧/ ٥ -، وانظر النوادر: ٤/ ١٩٥.
(٦) وهي في الواضحة كما في التوضيح: ١/ ٣٢٧، والتقييد: ٢/ ٢٧٦.
(٧) في المدونة: ٢/ ١١٨/ ٨: قال مجاهد: ليس على العبد إلا الصوم والصلاة.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وحديث ابن مهدي (١) عن حماد آخر الباب، سقط لغير ابن وضاح (٢).
وقوله (٣): "إذا كانت مَعْلوثة" بثاء مثلثة، ويقال بالغين المعجمة وبالعين المهملة معًا، أي ذات زبل (٤).
والخبز القَفَار (٥)، بتقديم القاف وفتحها وتخفيف الفاء: الذي لا إدام معه (٦).
وفي الباب: ابن مهدي (٧) عن حماد (٨) عن أيوب (٩) عن أبي مرثد (١٠) المدني، كذا (١١) السند عندهم في أكثر النسخ. وسقط "أيوب" عند إبراهيم بن باز.
وأبو مرثد المدني عن ابن عباس، كذا في أصل ابن عيسى بالراء المهملة الساكنة والثاء المثلثة مفتوحة (١٢). وعنده في الحاشية: مزيد، بالزاي والياء باثنتين تحتها. وعند ابن عتاب (١٣): عن أبي يزيد، وكذا لإبراهيم في كتاب ابن المرابط. قال الأصيلي: وهو الصواب. وقال ابن وضاح: أبو مرثد
_________________
(١) في المدونة ٢/ ١١٨/ ١٠: ابن مهدي عن حماد بن سلمة أنه بلغه عن إبراهيم النخعي في العبد يظاهر من امرأته قال: يصوم ولا يعتق.
(٢) وكذلك سقط من طبعة دار الفكر: ٢/ ٣٩/ ٧.
(٣) المدونة: ١/ ١١٨/ ٧.
(٤) قال الخليل في العين: غلث: طعام مغلوث، أي مخلوط بر وشعير ونحوه، وانظر اللسان: غلث.
(٥) المدونة: ٢/ ١١٩/ ٧.
(٦) انظر العين: قفر.
(٧) المدونة: ٢/ ١١٩/ ٥.
(٨) هو ابن زيد، سبقت ترجمته.
(٩) هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، روى عن أبي يزيد المدني، وعنه حماد بن زيد، توفي ١٣١، انظر تهذيب الكمال: ٣/ ٤٥٩، وتهذيب التهذيب: ١/ ٣٤٨.
(١٠) وهو بصري روى عن ابن عباس، وعنه أيوب، انظر التهذيب: ١٢/ ٣٠٦.
(١١) خط عليها في ق، وأشار في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى: هنا.
(١٢) في ق وس: المفتوحة.
(١٣) وهو ما في طبعة دار صادر: ٢/ ١١٩/ ٤.
[ ٢ / ٤٦١ ]
بالثاء - يعني المثلثة - ليس بمدني، وقال البخاري (١): أبو يزيد المدني سمع ابن عمر.
قال القاضي: ولا أعلم أبا مرثد في الرواة إلا كناز بن حصين (٢)، حليف حمزة بن عبد المطلب (٣)، يعد (٤) - هو وابنه مرثد (٥) - في الصحابة، وأبو (٦) مرثد آخر، لا يعرف اسمه. عن مجاهد (٧).
وابن مهدي عن محمد بن عبيد (٨) عن يعقوب بن قيس (٩) عن الشعبي في كفارة المتظاهر، كذا في أصل ابن عيسى. وعند ابن عتاب: عن محمد بن عبد الله، وكذا عند ابن المرابط لإبراهيم (١٠): وفي كتاب ابن سهل: عن عبيد لابن وضاح. وهو الصواب، وهو الطنافسي.
والآثار في باب الصيام (١١) في كفارة اليمين لابن مهدي جميعها لابن وضاح. ولابن وهب جميعها لابن باز، إلا حديث مالك فليس في كتاب ابن عتاب فيه اسم مالك. وعند ابن عيسى: ابن وهب عن مالك.
وقول طاوس في صيام الكفارة (١٢): "يفرق، فقال له مجاهد: في
_________________
(١) في قسم الكنى من التاريخ: ٨١.
(٢) وهو صحابي ترجمته في الإصابة: ٥/ ٦٢٥.
(٣) انظر ترجمته في الإصابة: ٢/ ١٢١.
(٤) في ق: بعد، وأشار في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى: يعد.
(٥) انظر ترجمته في الإصابة: ٦/ ٧٠.
(٦) لعل الصواب: "أبا"، عطفًا على ما قبله.
(٧) انظره في الإكمال لابن ماكولا: ٧/ ١٧٨.
(٨) ابن أبي أمية الطنافسي الكوفي، انظر التهذيب: ٩/ ٢٩١، والجرح والتعديل: ٩/ ٢١٣.
(٩) كوفي روى عن الشعبي، وعنه محمد بن عبيد الطنافسي، انظر التاريخ الكبير: ٢/ ٣٩٧، والجرح والتعديل: ٩/ ٢١٣.
(١٠) وهو ما في طبعة دار الفكر: ٢/ ٤١/ ٦.
(١١) كما في طبعة دار صادر: ٢/ ١٢٢.
(١٢) المدونة: ٢/ ٤٣/ ٤ - من طبعة دار الفكر، وهذا النص ناقص في طبعة دار صادر: ٢/ ١٢٢/ ٤.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
قراءة ابن مسعود متتابعات؟ قال: فهي متتابعات"، حجة بالقراءة المتلقاة من خبر الواحد، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون هل تقوم بها حجة كما تقوم بخبر الواحد عن السنة والقول عن النبي، إذا لكل متلقى عنه ويلزم العمل بمقتضاها أم لا تقوم لإسناد ذلك إلى القرآن؟ وهو لا يثبت قرآنًا بخبر الواحد، فلما ثبت (١) قرآنًا لم يثبت حكمًا. وإلى هذا ذهب المحققون مع إجماع الكل على أن التلاوة لا تجوز به.
وقوله (٢): والأعجمي الذي قد أجاب عندي كذلك، قال سحنون. قوله: قد أجاب، سحنون أدخلها. وكذلك هو مبين في غير (٣) "المدونة".
ونبه بعضهم على قوله (٤): "إذا أذن السيد لعبده فأطعم أو كسا في الكفارة ما هو عندي بالبين، وفي قلبي منه شيء والصيام أحب إلي" أنه مثل القول الذي حكاه عنه أشهب (٥)، إذا كفر عنه بغير أمره أو بأمره أنه لا يجزئ، خلاف قوله بالتفرقة وقولِ ابن القاسم في الاجتزاء بهما معًا (٦)، أو يكون على ما علل به إسماعيل القاضي (٧) وابن الماجشون (٨) وغيرهما أن ملك السيد لم ينتقل عن ذلك إلا بخروجه إلى من يستحقه من المساكين؛ إذ له انتزاعه من يد عبده، فلم يصح له ملك ثان (٩) عليه.
_________________
(١) كذا في خ وس وع، وفوقه في خ: كذا. وأشار في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى: لم يثبت. وهذا ما في ق ول. وهو الظاهر.
(٢) المدونة: ٢/ ١٢٤/ ٣.
(٣) في الموازية كما في النوادر: ٤/ ٢٣ وفيه أنه من قول ابن وهب.
(٤) المدونة: ٢/ ١١٨/ ٢.
(٥) في النوادر: ٤/ ٢٥.
(٦) لعله يقصد إجزاء الإطعام أو الكسوة، وقد قال في المدونة بعد قوله مالك هذا: أرجو أن يجزئ عنه إن فعل. وانظر النوادر: ٤/ ٢٥.
(٧) نقله في المنتقى: ٤/ ٥٢ عن المبسوط.
(٨) وهو كذلك في المنتقى عن مبسوط القاضي إسماعيل.
(٩) في ل وع وس وق: تام.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
وعطاء بن يسار (١) بفتح الياء، تقدم (٢). عن معاوية بن الحَكَم (٣) أنه أتى النبي - ﷺ - كذا لابن/ [خ ١٣٠] وضاح. وفي الأصل (٤): عمر بن الحكم. ولا أعرف عمر بن الحكم في الصحابة، وأما معاوية بن الحكم ففيهم (٥).
وقوله: "إذا أعتق رقبة ولم ينو بها عن أيمانه كلها" (٦)، إلى آخر المسألة، قال: يجزئه، كذا عند القاضي أبي عبد الله. وعند الفقيه أبي محمد: ولم ينو عن أي أيمانه يعتقها، وقال: كذا لابن وضاح، والأول لابن باز.
والوجهان صحيحان؛ متى لم يشرك فيها جميع الأيمان كان لم يعين لها يمينا أجزت، وإنما لا تجزئ إذا شرك (٧) فيها. وكذا نص الكتاب هنا. وفي الظهار: إذا لم يعين في العتق والإطعام والكسوة، ولو شرك في الإطعام والكسوة في كل مسكين لم يُجزه شيء منها، ولا يبني (٨) على شيء إلا أن يطعم الثلاثين مسكينًا ثلثي (٩) مد كل واحد منهم، فيَتم له به وبما أخذ قبلُ مدا (١٠) لكل مسكين فيجزيه عن ثلاثة أيمانه. وأما لو شرك
_________________
(١) المدونة: ٢/ ١٢٥/ ١٠.
(٢) لم يتقدم، وهو عطاء بن يسار الهلالي المدني، روى عن معاوية بن الحكم، توفي ١٠٣، انظر تهذيب الكمال: ٢٠/ ١٢٥.
(٣) وهو صحابي كما في الإصابة: ٦/ ١٤٨.
(٤) المدونة: ٢/ ٤٦/ ٨ من طبعة دار الفكر.
(٥) كرر المؤلف هذه الملاحظة في المشارق: ٢/ ١٢٤ بأكثر مما هنا.
(٦) في طبعة دار صادر: ٢/ ١٢٦/ ٦: "ولم ينو عن أيمانه كلها". وفي طبعة دار الفكر: ٢/ ٤٧/ ٦: "ولم ينو به عن أي أيمانه يعتقها".
(٧) كذا في خ، وفي ق ول وس: أشرك. وهو الظاهر.
(٨) ليست هذه اللفظة واضحة في خ.
(٩) في ق: ثلثا.
(١٠) في ق: قبل ذلك مد، وفي ل وس وع: قبل هذا لكل، ونقله الرهوني في ٣/ ٩٨: قبل هذا مدا.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
في كل كفارة من الإطعام والكسوة ولم يشرك في كل مسكين فإنه يتم على ما يقع لكل يمين (١) من الطعام إذا أراد أن يطعم تمام الكفارة، أو من الكسوة إن أراد أن يكسو. وإلى هذا ذهب فضل (٢) وهو الصواب والحق، خلاف ما ذهب إليه محمد بن المواز (٣) من أنه لا يعتد إلا بما يقع ليمين واحدة من ذلك ولا وجه لهذا. وقد اعترضه جماعة الشيوخ وصوبوا ما أشرنا إليه، وهو أفضل (٤) كما أعلمتك.
وقوله: "ولا يعطى من الكفارة في عتق رقبة"، معناه لا يعان فيها بذلك (٥)، وأما اشتراؤها كلها لتعتق عن الكفارة فيجزئ.
وقوله آخر مسألة الذي أخذ الكتاب قبل أن يصل إلى المحلوف عليه: "لا أرى عليه حنثًا، وهو آخر قوله" (٦) هذا اللفظ راجع إلى مسألة الحنث بالكتاب وهل ينوى أم لا؟ وأما إذا أخذه قبل وصوله فلا يختلف فيه.
وقوله (٧) في الذي يحلف ألا يلبس ثوبًا فأداره عليه فرآه لبسًا وحنثه.
_________________
(١) في ل: مسكين.
(٢) ذكره عنه في التوضيح: ١/ ٣١٧.
(٣) كما في النوادر: ٤/ ٢٢ والتوضيح: ١/ ٣١٧. انظر توجيه الرهوني لرأي ابن المواز في حاشيته: ٣/ ٩٩، وفي المعيار: ٢/ ٤٦ - ٥٦ جوابان مطولان في شأن مذهب ابن المواز هذا للشريف التلمساني وأبي سعيد بن لب، وقد رجح رأي ابن المواز.
(٤) كذا في خ ول وع وس وحاشية الرهوني: ٣/ ٩٨ وفوقها في خ: كذا، وفي الحاشية أشار إلى أن في نسخة أخرى: لفضل، والمعنى لا يختلف.
(٥) في ق: بها في ذلك.
(٦) في المدونة: ٢/ ١٣١/ ٥: "قلت: أرأيت لو أن رجلًا حلف أن لا يكلم فلانًا فأرسل إليه رسولًا أو كتب إليه كتابًا؟ قال: قال مالك: إن كتب إليه كتابًا حنث، وإن أرسل إليه رسولًا حنث، إلا أن تكون له نية على مشافهته. قلت: أرأيت إن كانت له في الكتاب نية على المشافهة؟ قال: قال مالك في هذا مرة: إن كان نوى فله نيته، ثم رجع بعد ذلك فقال: لا أرى أن أُنَوَّيه في الكتاب، وأراه في الكتاب حانثًا".
(٧) المدونة: ٢/ ١٣٨/ ٥.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
قال بعضهم: لم يجعل هذا لبسًا في كتاب الحج (١)، ونحا إلى معارضتها بذلك.
قال القاضي: المسألتان مفترقتان؛ لأن الحالف على اللبس قد فعل ما يسمى لبسا فحنث، ولبس الحج المنهي عنه في المخيط ليس هو هذا، وإنما هو اللبس المعتاد له. وأما إن لبس غير المخيط لم يضره؛ إذ ليس النهي لعلة الخياطة، بل لعلة الترفه. ولو كان الإزار أو الرداء أو الملحفة برقع مخيطة فيه (٢) أو ألفاقًا (٣) ما ضر الحاج لبس ذلك ولا اختلف فيه.
ومسألة (٤) الذي حلف ما يملك إلا ثوبه وله ثوبان مرهونان، قال: إن كان الثوب كفاف ديْنه (٥) فلا حنث عليه إن كانت تلك نيته، مثل أن يقول: ما أملك أي ما أقدر إلا على ثوبَي هذين (٦). كذا في نسخة ابن عيسى. وعند ابن عتاب وابن المرابط: ما أقدر على غير ثوبي هذا. وعلى هذا اختصرها غير واحد (٧). وفي بعض النسخ: أي ما أقدر على ثوبي، بإسقاط "إلا"، وعلى هذا اختصرها ابن أبي زمنين. والمعنى أيضًا يصح أي لا أقدر
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٤٦١.
(٢) كذا في ق، وفي خ: فيها، وفوقها علامة، وكتب في الطرة: فيه، وفوقها ما لعله: صح.
(٣) هكذا بالقاف في خ وق، ولم أجد هذه الصيغة في هذا الفعل، لكن يقال: لفق الثوب إذا ضم شقة إلى أخرى ليخيطه. واللَّفْق: أحد لفقي الملاءة. انظر القاموس: لفق. وأما ألفاف، بالفاء فجمع لِف. ولَف جمع لفَّاءَ. وأما الألفاف فالأشجار يلتف بعضها ببعض، انظر اللسان: لفف. وفي اللغة أيضًا: اللَّفافة لما يلتف به، فالجورب لفافة الرَّجل. انظر اللسان: جرب، وكأن الراجح هنا: ألفافا.
(٤) المدونة: ٢/ ١٣٨/ ٣.
(٥) في الطبعتين: إن كان في ثوبيه المرهونين كفاف لدينه. طبعة دار الفكر: ٢/ ٥٦/ ٩.
(٦) في طبعة دار صادر: ما أملك ما أقدر عليه، يريد بقوله يريد (كذا) بقوله: ما أملك أي ما أقدر على ثوبي هذين. وفي طبعة دار الفكر: ما أملك ما أقدر عليه يريد بقوله يريد بقوله (كذا) ما أملك أي ما أقدر إلا على ثوبي هذين.
(٧) كابن أبي زيد في المختصر: ١/ ١١٦ ب.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
على افتكاكهما. وأصل هذا كله أنه أخرجهما (١) بالنية من العموم (٢).
ثم قال: "فإن لم تكن له نية أو كان (٣) في الثوبين فضل رأيت أن يحنث"، كذا عند ابن الطلاع وهي رواية غيره أيضًا. وعند/ [خ ١٣١] الإِبَّياني وابن عتاب: "وكان في الثوبين فضل". وبحسب هاتين الروايتين والخلاف فيها (٤) ما (٥) جاء الخلاف في المسألة بعدها؛ قال (٦): "فإن لم تكن له نية وليس في الثوبين وفاء، فأرى أنه يحنث"، كذلك عند شيوخنا في "الأم"، وهي رواية الجمهور، وهذا موافق لرواية "أو" (٧) في المسألة الأولى، وحنثه بمجرد عزم النية أو بمجرد وجود الفضل. وعلى هذا اختصرها غير واحد. وعند ابن المرابط: "فإني لا أراه حانثًا"، وهي رواية الدباغ. وهذا على رواية الواو؛ لأنه لا يحنث بمجرد عدم النية، وإنما يحنث بوجود الفضل.
قال بعض الشيوخ (٨): والصواب - على مراعاة المقاصد إذا عدمت النية - ألا يحنث، كان فيها (٩) فضل أم لا؟ لأن مراد يمينه على ما يقدر على تسليمه، أو يحنث، كان فيه (١٠) فضل أم لا، على مراعاة الألفاظ،
_________________
(١) في س والتقييد: ٢/ ٢٩٨: أخرجه.
(٢) المدونة: ٢/ ١٣٩/ ١.
(٣) في ق: وكان. وفي المدونة: أو كان.
(٤) كذا في ع وخ مضببا عليها، وأشار في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى ما لعله: فيهما، وهو ما في ق وس والتقييد. وهو المناسب، وكأن "ما" بعده إنما فصلت عنه؛ إذ لا معنى لها هنا.
(٥) ليست في ق والتقييد.
(٦) المدونة: ٢/ ١٣٩/ ٢.
(٧) كذا في ل وع والتقييد، ومرض عليه في خ، وفي ق أشار في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى: أو لا، وفي س: لروايته في المسألة.
(٨) قال الرهوني في حاشيته: ٣/ ١٠٩: كأنه أراد اللخمي، فإنه ذكر معنى هذا الكلام، إلا أنه قال: والقياس، بدل قول عياض: والصواب.
(٩) في ق ول والتقييد: فيهما. وهو الظاهر.
(١٠) أشار ناسخ ق إلى أن في نسخة أخرى: فيهما، وهو ما في س.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
لكونهما (١) على ملكه (٢).
وقوله (٣) في الحديث: "لم يغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال المتاع والخُرْثِيَّ" (٤)، بضم الخاء المعجمة وسكون الراء، وبعدها تاء مكسورة مثلثة ثم ياء مشدد، وهو رديء المتاع.
ووقع في هذا الحديث (٥): يوم خيبر، كذا لإبراهيم وهو الصحيح. وعند ابن وضاح (٦): يوم حنين. وفي "الموطأ" (٧) لابن وضاح: يوم خيبر. ولغيره حنين بالعكس. والصواب: خيبر، كما تقدم (٨).
وقال في مسألة الحالف (٩) أن لا يتكفل لفلان بكفالة فتكفل لوكيله، قال: إذا لم يعلم بذلك ولم يكن من سببه فلا حنث عليه. وقال في الذي
_________________
(١) في ق: لكونها.
(٢) انظر تفصيل هذه المسألة عند الحطاب: ٣/ ٣٠٢.
(٣) المدونة: ٢/ ١٣٩/ ٩.
(٤) الحديث في المدونة معلق، وهو في الموطأ عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة. قال ابن عبد البر: رواه أبو إسحاق الفزاري عن مالك قال: ثني ثور بن زيد قال: ثني سالم مولى ابن مطيع أنه سمع أبا هريرة فجود أبو إسحاق - مع جلالته - إسناد هذا الحديث بسماع بعضهم من بعض. انظر التمهيد: ٢/ ٤. والحديث في البخاري في الأيمان والنذور باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض والغنم والزرع والأمتعة، ومسلم في الايمان باب غلظ تحريم الغلول من طريق مالك.
(٥) المدونة: ٢/ ٥٦/ ٢ - من طبعة دار الفكر.
(٦) وهو ما في طبعة دار صادر: ٢/ ١٣٩/ ٩.
(٧) في كتاب الجهاد باب ما في جاء في الغلول.
(٨) قال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى: خيبر، وتبعه على ذلك عن مالك الشافعي وابن القاسم والقعنبي. وقال جماعة من الرواة عن مالك: حنين، والله أعلم بالصواب وقضى أبو إسحاق الفزاري في روايته أنها خيبر لا حنين ورفع الإشكال. انظر التمهيد: ٢/ ٤، وفي الصحيحين في ذات الخبر من طريق مالك: خيبر، وقد تصحف "خيبر" إلى "حنين". وانظر تفصيل المؤلف لهذا الوهم في المشارق: ١/ ٢٠٤.
(٩) المدونة: ٢/ ١٤٠/ ٩.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
حلف ألا يبيع سلعة لفلان فاشتراها منه له رجل: إن كان من سبب المحلوف عليه حنث. فظاهر الكتاب أنه متى كان من سببه لم يراع علم الحالف به. وهو (١) مفسر في كتاب ابن حبيب. ولابن القاسم في "المجموعة" مثله (٢). وفي كتاب محمد (٣) خلافه لمالك وأشهب (٤). وإنما يحنث إذا علم الحالف أن المشتري من سبب المحلوف عليه. وذهب بعض الشيوخ (٥) إلى أن ما في كتاب محمد وفاق للمدونة. والظاهر من الكتاب خلافه كما قلناه.
ثم اختلف من هو الذي هو من سببه؟ فقال في الكتاب: "الصديق الملاطف أو من هو في عياله وناحيته"، ولم يجعل هذا ابن حبيب (٦) من سببه إلا أن يكون يقوم بأمره، وإنما سببه عنده وكيله وأبوه وأخوه، ومثله من يلي أمره.
وتفريقه (٧) في مسألة الحالف ليضربن عبده أو لا يضربه، فأمر من ضربه: تنفعه نيته بتخصيص نفسه في ذلك.
وقال فيمن حلف ألا يبيع سلعة كذا أو لا يشتريها (٨)، فأمر من اشتراها له أو باعها: يحنث ولا تنفعه نيته عنده بتخصيص نفسه.
_________________
(١) لعله يقصد قوله: من سببه. وسيأتي بعد هذا.
(٢) حكاه عنها في النوادر: ٤/ ٢٢٤.
(٣) نسبه له المواق بهامش مواهب الجليل: ٣/ ٣٠٣، ٣١٠.
(٤) وهو في النوادر: ٤/ ٢٢٤ من رأيه، وفي البيان: ٣/ ١٠٥ أنه رواه عن مالك.
(٥) هو ابن يونس كما ذكر المواق بحاشية الحطاب: ٣/ ٣١٣.
(٦) قوله هذا في النوادر: ٤/ ٢٢٤، وانظر الحطاب: ٣/ ٣١٣.
(٧) في المدونة: ٢/ ١٤١/ ٢: قلت: أرأيت إن حلف أن لا يضرب عبده فأمر غيره فضربه، أيحنث أم لا؟ قال: هذا حانث إلا أن تكون له نية حين حلف أن لا يضربه هو نفسه. قلت: أرأيت إن حلف ليضربن عبده فأمر غيره فضربه؟ قال: هذا بار إلا أن تكون نيته أن يضربه هو نفسه.
(٨) لم يرد في الطبعتين إلا البيع ولم يذكر الشراء طبعة دار الفكر: ٢/ ٥٨/ ٨ -، وطبعة دار صادر: ٢/ ١٤١/ ٦.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
ثم قال آخرًا (١): "قلت: ولا تُدَيَّنُه (٢) في شيء من هذا؟ قال: لا". هو راجع إلى مسألة البيع والشراء لا على مسألة الضرب.
وفرف بعضهم بين المسألتين، بأن عُرْفَ كثير من السادات من يؤنس عبده بمثل هذا الكلام وينوي تولي ذلك بنفسه، وفي البيع والشراء المقصود فيه كراهة شرائه أو خروجه عن ملكه. وقال محمد: "إذا كانت نيته في الشراء والبيع ألا يليه بنفسه، لأنه غُبِن غير مرة فله نيته، وأما إن كره شراءه أصلًا حنث" (٣)، وقاله أشهب، ولم ينوه ابن القاسم (٤).
وحمل اللخمي ما في كتاب محمد تفسيرًا (٥) للمدونة فنقل المسألة فقال: لم يُنَوَّه إلا أن يبين (٦) لذلك وجهًا (٧). وكأنه عنده لم ينوه/ [خ ١٣٢] في "المدونة"؛ إذ لم يوجه (٨) وجها للنية والتخصيص سوى الدعوى لبعدها، إذ المفهوم من بيعها خروجها عن ملكه، ومن اشترائها دخولها في ملكه بأي وجه كان. وبنحوه عللها ابن المواز. ولو وجه وجهًا لا يبعد النية فيه نفعه كما بينه في كتاب محمد، لكن محمد قد قال: فإن ابن القاسم لم ينوه (٩). وسوى في كتاب محمد بين المسألتين وجعل له نيته. ومثله في كتاب ابن القصار. قال غير واحد من الشيوخ: وهذا من الأيمان التي يقضى عليه بها.
والدرهم البارُّ (١٠)، بتشديد الراء: الرديء القبيح الوجه، وهي كلمة
_________________
(١) المدونة: ٢/ ١٤١/ ٧.
(٢) في اللسان: دين: ديَّنه تديينا: وكله إلى دينه.
(٣) نقله في النوادر: ٤/ ١٥٣.
(٤) انظر النوادر: ٤/ ١٥٣.
(٥) في ق ول: تفسير.
(٦) كتبت في خ على صورة: ييتين، بإهمال الحرفين الأولين وتحتها: كذا. وبالهامش إشارة إلى أن في نسخة أخرى: يبين. وفي س: يتبين، وفي ق: يكون.
(٧) في س: وجه.
(٨) في ق ول وس وع: إذا لم يوجد.
(٩) كما في النوادر: ٤/ ١٥٣.
(١٠) المدونة: ٢/ ١٤٨/ ٧.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
فارسية، وكأنها مغيرة من بارَ الشيء، إذا كسد.
وقوله في مسألة الحالف (١) أن لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه منه ففر: إنه حانث إلا أن ينوي ألا يفارقه مثل (٢) ما يقول: لا أتركه إلا أن يفر مني. وفي كتاب محمد: إن الاستثناء بـ "إن" و"إلا أن" (٣) لا (٤) تنفع فيهما (٥) النية. قال شيخنا أبو الوليد (٦): ولا أعلم في ذلك خلافًا.
ونبه بعضهم بهذه المسألة وبمسألة الذي حلف ليأكلن الطعام غدًا فسرق أنه حانث (٧) "إلا أن يكون نوى: إلا أن يسرق، أو: لا أجده"، فكأنه أشار إلى أنه خلاف لما في كتاب محمد.
وقد نحا أبو عمران أن معنى: لا يفارق غريمه أنه يمين على الغريم، لأن ابن القاسم قال في كتاب محمد و"المستخرجة": إن حلف لا فارقتك، فهو بخلاف: لا تفارقني، فيحنث إن حلف عليه: لا فارقتني، ففر منه. ولا يحنث إن فر منه في قوله: لا فارقتك. وعلى هذا جعله عندي حانثًا إذا حبس عنه، ولو كان اليمين على نفسه لم يحنث على الأصل وكان كالمكره.
وذهب غيره إلى أن مذهب ابن القاسم في الإكراه إنما ينفع ولا يحنث المكرَه إذا كانت يمينه على بر، فأما إذا كانت على حنث فلا تسقط اليمين بالإكراه. فقوله: لا فارقتك يخرج على هذا، ومعناه: لألزمنَّك. وكذلك:
_________________
(١) المدونة: ٢/ ١٤٢/ ٣.
(٢) في الرهوني: ٣/ ٨٥: ينوي الإيفاء، وقد مثَل. وهو تصحيف.
(٣) في النوادر: ٤/ ٤٦ والمنتقى: ٣/ ٢٤٧.
(٤) سقطت من ق.
(٥) في ق والرهوني: فيه، وفي ع وس: فيها.
(٦) في المقدمات: ١/ ٤١٣، وانظر تعقب ابن عرفة لهذا الاتفاق كما نقل عنه الرهوني في حاشيته: ٣/ ٩٢.
(٧) المدونة: ٢/ ١٤٧/ ٥.
[ ٢ / ٤٧١ ]
لآكلن الطعام، فلم يجعل الفرار ولا السرقة ولا الربط ولا الحبس إكراهًا، لأن يمينه كانت على حنث.
قال القاضي: والذي عندي في معنى ما في الكتاب (١) أنه مفرق (٢)؛ فقول محمد: لا تنفعه النية في "إن" و"إلا أن" يريد استدراكها بعد عقده ليمينه ونطقه بها وإن وصل نيته بيمينه، وإنما تنفعه هنا إذا نطق بها بلسانه. ومعنى مسألة "المدونة" أنه نوى هذه المحاشاة من أول ما ابتدأ يمينه، وعلى هذا يحمل أيضًا مسألة الحالف ألا يشتري ثوبًا فاشتراه وشيًا (٣)، أو حلف ألا يدخل دارًا ونوى شهرًا أن له نيته في الفتيا (٤). معناه أنه نوى ذلك من أول يمينه، وهو ظاهر من لفظه في "المدونة" وفي كتاب محمد. فإذا نوى هذا التخصيص أو هذا الاستثناء من أول يمينه - وعلى ذلك عقدها - نفعه على أي وجه كان إلا في القضاء فيما يبعد ولا يقتضيه اللفظ. وينفعه فيما بينه وبين الله وإن لم يحرك به لسانه. (ولم يذكر ابن المواز في هذا الوجه خلافًا. وفي كتاب ابن حبيب (٥): لا ينفعه في مثل هذا حتى يحرك بها لسانه) (٦). وإن كانت هذه النية إنما حدثت له، أو لُقنها عند آخر يمينه وبعد عقدها، لم ينفعه في "إن" و"إلا أن" حتى ينطق بها، ولا في تخصيص الوشي والشهر إلا أن ينطق بها على ما قدمناه. وحكى ابن المواز (٧) الاختلاف في استثنائه بالنية بـ "إلا" كنيته: إلا وشيًا؛ فقيل/ [خ ١٣٣]: ينفعه
_________________
(١) في ق ول وع وس والرهوني ٣/ ٨٥: الكتابين.
(٢) في ق ول وع وس والرهوني: مفترق.
(٣) في المدونة: ٢/ ١٣٧/ ٧: قلت: أرأيت لو أن رجلًا حلف ألا يشتري ثوبًا فاشترى ثوبًا من الوشي أو غيره؟ قال: إن كانت له نية فله نية فيما بينه وبين الله
(٤) في المدونة: ٢/ ١٣٧/ ١٠: "ولو أن رجلًا حلف أن لا يدخل دارًا سماها فدخلها بعد ذلك، وقال إنما نويت شهرًا. قال: إن كانت عليه بينة لم يقبل قوله، وإن كان فيما بينه وبين الله وجاء مستفتيًا فله نيته".
(٥) كما في النوادر: ٤/ ٤٦.
(٦) سقط من خ.
(٧) كما في النوادر: ٤/ ٤٦.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
كمحاشاته زوجته في مسألة: الحلال عليه حرام، وهي رواية أشهب في "العتبية" أن نيته تجزئ، ومثله لابن حبيب (١) في الحالف بالحلال عليه حرام - ويستثنى في نفسه: إلا زوجته -. وقيل: لا ينفعه حتى يحرك بالاستثناء لسانه كسائر حروف الاستثناء، وهو المشهور من المذهب. وكذلك لا ينفعه الاستثناء من العدد باللفظ المجرد إلا أن يكون عقد يمينه على هذا كقوله: عليه الطلاق ثلاثًا إلا واحدة إن فعل كذا، فمتى لم يعقد اليمين على هذه النية والاستثناء لم ينفعه استثناءه وإن وصله بيمينه ونواه أثناءه.
وأما الاستثناء بمشيئة الله أو غيره من عباده فلا بد فيها من اللفظ، كانت النية بها من أول عقد اليمين أو متصلًا بها، ولا ينفع فيها مجرد النية. هذا ما لا خلاف فيه إلا شيئًا خرجه اللخمي (٢) إذا كانت نيته الاستثناء قبل اليمين على القول بأن اليمين ينعقد (٣) بالنية.
وقوله (٤) في الذي حلف ليقضين فلانًا حقه رأس الشهر (٥) فغاب فلان وله وكيل في ضيعته لم يوكله بقبض دينه فقضاه الحالف: إنه يخرجه من يمينه. ظاهره كان بالبلد سلطان أو لم يكن. وعلى الظاهر اختصرها بعضهم (٦). واختصرها آخرون أنه لا يبر بدفعه إليه إلا عند عدم السلطان أو الوصول إليه. وقد حكى محمد (٧) القولين جميعًا.
وقوله (٨) في الذي حلف: إن قبلته (٩) امرأته فقبلته من خلفه - وهو لا
_________________
(١) وهو في النوادر: ٤/ ٤٩ حكاه عن الأخوين وعن مالك أيضًا كما في المقدمات: ١/ ٤١٣، والبيان: ٣/ ١٠٨.
(٢) عزاه المؤلف في الإكمال: ٥/ ٤١٧ لبعض شيوخ المذهب.
(٣) في س: تنعقد. وهو واضح الصواب.
(٤) المدونة: ٢/ ١٤٧/ ٥.
(٥) الذي في الطبعتين: إلى أجل كذا. انظر طبعة دار الفكر: ٢/ ٦٤/ ٧.
(٦) كالبراذعي: ٧٧.
(٧) وهو في النوادر: ٤/ ١٦٥.
(٨) المدونة: ٢/ ١٤٣/ ١.
(٩) كذا في خ ول، وفوقها في خ: كذا. وفي ق: ألا يقبل. وسياق المدونة يؤيده؛ ففيها: قال لامرأته: أنت طالق إن قبلتك فقبلته من خلفه
[ ٢ / ٤٧٣ ]
يدري -: لا شيء عليه إن غلبته ولم يكن منه استرخاء. وكذلك (١): "إن ضاجعتك، فضاجعته وهو نائم لا شيء عليه. ولو قال: إن ضاجعتني أو قبلتني فهذا خلاف الأول". يريد لأنه إذا حلف على فعلها فكيفما قبلته أو ضاجعته فهو حانث، كان منه استرخاء أم لا. وإذا حلف على فعله هو فإنما يحنث إذا كان منه في ذلك ما حلف عليه باختياره ولم تغلبه على ذلك مثل أن يسترخي في مضاجعتها بعد انتباهه من نومه أو تقبيله على فمه، لأنه مضاجع ومقبل بذلك. وأما لو قبلته على غير فمه فلا شيء عليه كان منه استرخاء أم لا، لأنه غير مقبل لها.
_________________
(١) المدونة: ٢/ ١٤٣/ ٣.
[ ٢ / ٤٧٤ ]