أصل هذه اللفظة اللزوم والإقامة؛ قال الله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ (١) أي مقيمًا ملازمًا. وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ (٢)، أي محبوسًا ملزومًا. وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣)، أي: ثابتون ملازمون. وخص الشرع هذه الإقامة بصفات لا يصح أن يكون اعتكافًا شرعيًا وإقامة عبادية إلا بها.
وقول مالك مستدلًا من هذه الآية على جواز الاعتكاف في سائر المساجد لقوله تعالى (٤): "فعم الله المساجد كلها" ليرد على من قال من السلف: إنها لا تصح إلا في مسجد نبي، وهو قول حذيفة (٥) وسعيد بن المسيب (٦). أو على من قال: لا تصح إلا في مساجد الجماعات، وهو قول الزهري وبعض الكوفيين (٧)، وإن كان قد روي عن مالك هذا القول
_________________
(١) طه: ٩٧.
(٢) الفتح: ٢٥.
(٣) البقرة: ١٨٧.
(٤) لعل هذه اللفظة سبق قلم، وقد ثبتت في خ، وخرج إليها في ز مصححًا عليها. وفي في سقطت عبارة: بقوله تعالى. وفي س سقط "تعالى". وفي ع سقط: بقوله تعالى فعم الله المساجد. والصحيح سقوط لفظة "تعالى"، إذ ضمير "قوله" عائد على مالك.
(٥) انظر قوله في "المعلم" للمازري المطبوع مع الإكمال: ٤/ ١٥١.
(٦) انظره في الاستذكار: ١٠/ ٢٧٣ والمقدمات: ١/ ٢٥٦.
(٧) انظر قولهم في الاستذكار: ١٠/ ٢٧٤.
[ ١ / ٣٤٦ ]
الآخر (١).
واستقرأ شيوخنا (٢) من احتجاجه أن مذهبه القول بالعموم في مسائل أصول الفقه، وهو بين من قوله واستدلاله. وهو مذهب عامة الفقهاء من أصحابنا وغيرهم وكثيرٍ من الأصوليين، وأن لفظ الجمع المكسر من صيغ العموم، (ولا سيما إذا عرف بالألف واللام كقوله هنا: "المساجد"، وهو أجلى صيغ العموم) (٣) عند القائلين به.
وذكر في مسائل أهل الأعذار الحائض (٤) وأنها تخرج، فإذا طهرت رجعت لمعتكفها لحينها. وقال في المريض الذي لا يقوى على الصوم (٥): يخرج، فإذا صح في بعض النهار وقوي على الصوم رجع ولم يؤخر لمغيب الشمس. وقال في الذي صح قبل الفطر بيوم (٦): لا يثبت يوم الفطر في معتكفه، في رواية ابن القاسم. وروى ابن نافع (٧): يخرج إلى صلاة العيد ثم يرجع إلى معتكفه. وظاهر هذا كله اختلاف كما نص في مسألة العيد؛ إذ لا/ [خ ٩٤] فرق بين المريض في يوم برئه والحائض في يوم طهرها ومن أخذه العيد/ [ز ٦٤] أثناء اعتكافه؛ إذ كل هؤلاء مفطرون: فإما أن يثبت (٨) جميعهم في المسجد ويكون عليهم حكم الاعتكاف مع فطرهم كما قال في الحائض والمريض، وهو وفق رواية ابن نافع في مسألة العيد، وتكون الحائض في حال حيضتها في حكم المعتكفة في بيتها والمريض في حال مرضه كما قال في "المجموعة" و"الواضحة": يجتنبا كل ما يجتنبه
_________________
(١) انظره في الاستذكار: ١٠/ ٢٧٤ والجامع: ١/ ٢١٠ والمقدمات: ١/ ٢٥٦.
(٢) كالباجي في المنتقى: ٢/ ٧٩.
(٣) سقط من خ.
(٤) المدونة: ١/ ٢٢٥/ ١.
(٥) المدونة: ١/ ٢٢٥/ ٣.
(٦) المدونة: ١/ ٢٢٦/ ٤.
(٧) المدونة: ١/ ٢٢٦/ ١٠.
(٨) كذا في ز وق، وفي خ: يبيت.
[ ١ / ٣٤٧ ]
المعتكف، ويلتزم كل ما يلتزمه (١) إلا الصوم ودخول المسجد الذي لا يصح من الحائض، وكذلك المريض إذا لم يقو على الصيام فيبقى في المسجد معتكفا ولا يخرج عنه إلا مع العجز عن البقاء فيه كما قاله البغداديون (٢) وابن شعبان (٣)، ويفعل في مرضه ما يقدر عليه من لوازم عكوفه.
أو لا يكون على أحد من هؤلاء حكم العكوف في شيء متي لم يمكنهم الصيام لمرض أو حيض أو طرو يوم العيد، فلا يثبت أحد منهم في معتكفه إلا مع كونه صائمًا أو ليلة تبييته الصيام؛ إذ لا يصح اعتكاف إلا بصوم كما نص عليه في رواية ابن القاسم في مسألة العيد (٤). وتكون الحائض مدة حيضها غير ملتزمة لشيء من الاعتكاف حاشا مباشرة الرجل (٥) كما نص عليه في "المستخرجة" (٦)، وكذلك المريض إذا لم يقو على الصيام كما نص عليه في "المجموعة" (٧)؛ يخرج ولا يقيم في المسجد. وهو أيضًا ظاهر من "المدونة" في المريض، وبين من مسألة صاحب العيد؛ لأنه جعله لا يثبت في المسجد وليس له مانع إلا عدم شرط الصوم.
وعلى هذا من تنزيل القولين في كل وجه فسر المسألة بعض مشايخنا (٨). وذهب بعضهم إلى أن المسألتين مفترقتان؛ إذ
_________________
(١) كذا في خ وأصل المؤلف كما في حاشية ز، وأصلحها الناسخ: تجتنب كل ما تجتنبه المعتكفة وتلتزم كل ما تلتزمه. وفي ق: تجتنب كل ما يجتنبه المعتكف وتلتزم كل ما تلتزمه. وفي ع: يجتنبان
(٢) مثل عبد الوهاب في المعونة: ١/ ٤٩٤.
(٣) عزاه في المنتقى: ٢/ ٨٤ إلى أبي إسحاق القرطبي، فلعله تصحف عن أبي إسحاق بن القرطي - وهو ابن شعبان.
(٤) انظر المدونة: ١/ ٢٢٦/ ٥.
(٥) في خ وق: الرجال.
(٦) انظر البيان: ٢/ ٣٤٩.
(٧) هو عنها في النوادر: ٢/ ٩٦ والتبصرة: ١/ ٢١ أوالمنتقى: ٢/ ٨٤.
(٨) ذكر في التوضيح: ١/ ٢١٢ هذا التفسير للتونسي.
[ ١ / ٣٤٨ ]
المريض والحائض خرجا لعذر، والذي أدركه العيد هو منهي عن صوم ذلك اليوم، فلو لبث في معتكفه لتوهم عليه الصوم. وهذا فرق ضعيف.
وقوله في الآكل يومًا من اعتكافه ناسيًا: "يقضي يومًا مكانه ويصله" (١)، ظاهره كان نذرًا أو تطوعًا، وهو قول عبد الملك في "المبسوط" (٢)، وعليه حمله بعضهم، فيكون هذا خلاف الصوم التطوع؛ لا قضاء على الآكل فيه ناسيًا. وقد ذهب بعضهم إلى أن معنى المسألة في النذر المعين على مذهب ابن القاسم وعلى ما نص عليه ابن حبيب (٣)، وحكي عن عبد الملك أيضًا (٤). وأن النسيان في الصوم والاعتكاف سواء لا قضاء فيه وهو أصح.
وقوله في المجامع ناسيًا ليلًا أو نهارًا في اعتكافه: يفسد اعتكافه (٥)، "وهو مثل الظهار إذا وطئ فيه"، يعني المظاهَر منها، وأما غيرها فلا يمنع من وطئها ليلًا في شهري صيامه. وكذلك سائر ضروب الاستمتاع بالنساء على وجه العمد والنسيان يفسد الاعتكاف ليلًا ونهارًا، (وهو) (٦) ظاهر "المدونة" (٧) ونص في غيرها (٨)، ولا يختلف فيه. وكذلك وطء المكرهة والنائمة المعتكفة، وأما تقبيلها واللمم بها مكرهة فيجب أن يراعى وجود اللذة منها، وإلا فلا شيء عليها، كما لو قبل
_________________
(١) المدونة: ١/ ٢٢٦/ ٩.
(٢) انظره في التوضيح: ١/ ٢١٣.
(٣) عزاه له في الجامع: ١/ ٢٠٧.
(٤) وهو له في المنتقى: ٢/ ٨٤.
(٥) المدونة: ١/ ٢٢٦/ ٦.
(٦) سقط من خ، وضبب عليه في ز وكتب في الحاشية: ظ.
(٧) المدونة: ١/ ٢٢٦/ ١.
(٨) كالمجموعة، كما في النوادر: ٢/ ٩٤ والعتبية، كما في البيان: ٢/ ٣٥٢. وانظر الاستذكار: ١٠/ ٣١٧.
[ ١ / ٣٤٩ ]
المعتكف أو لمس لوداع أو لغير لذة مما لم (١) يقصد به استمتاعًا ولم يجد لذة.
وقوله في المعتكف يسكر ليلًا (٢): يفسد اعتكافه، وذهب (٣) بعضهم (٤) إلى أنه من مسكر. وحمل/ [خ ٩٥]، البغداديون (٥) على هذا كل معصية كبيرة تكون منه أنها مفسدة لعكوفه، وهو في "المدونة" بين باحتجاجه على المسألة بقول ابن شهاب فيمن أصاب ذنبًا أن ذلك يقطع اعتكافه (٦). وذهب بعض الشيوخ (٧) / [ز ٦٥] إلى أن معنى المسألة تعطيل عمل الاعتكاف بالسكر إلى طلوع الفجر، فلو شرب كل ما يعلم أنه يعتريه ذلك منه لأفسد به اعتكافه.
وليس في الكتاب ما يدل على هذا لأنه لم يقل: إنه سكر أول الليل، إنما قال: سكر ليلًا ثم ذهب ذلك منه قبل الفجر، فتحرز بهذا اللفظ وبين أن نيته في اعتقاد الصوم صحت، إذ السكر كالإغماء الذي لا يصح معه الصوم إذا كان قبل الفجر، مع أن استشهاده على المسألة بقول ابن شهاب (٨) يدل أن فساد اعتكافه لارتكابه الكبيرة، وكذلك يكون حكمه لو لم يسكر منه.
وقوله (٩): "لا يعجبني أن يصلِي على الجنائز وإن كان في المسجد"،
_________________
(١) كذا في خ وق، وهو ما في طرة ز مصححًا عليه، وفي المتن: "لا" مضببًا عليه. والسياق يؤيد: لم.
(٢) المدونة: ١/ ٢٢٨/ ٢.
(٣) كذا في ز وع، وفي خ وق وس: ذهب. وهو أبين.
(٤) كعبد الحق في النكت؛ قال: من خمر لا من طعام.
(٥) كابن القصار كما في النكت والمنتقى: ٢/ ٨٥، وعبد الوهاب في المعونة: ١/ ٤٩٦.
(٦) المدونة: ١/ ٢٢٧/ ١١.
(٧) هو اللخمي في التبصرة: ١/ ٢٢ أ.
(٨) كلام ابن شهاب عن الذنب لم يرد في سياق ولا في ترجمة من يسكر ليلًا، فهل يرجع الضمير في "استشهاده" إلى مذهب البغداديين.
(٩) المدونة: ٢٢٩/ ٥.
[ ١ / ٣٥٠ ]
كذا في أصول شيوخنا، وفي بعض الروايات: "وإن كانت".
فيه جواز إدخالها المسجد. وقد نبهنا عليها في الجنائز. وعلى هذه الرواية اختصرها ابن أبي زمنين.
وظاهر "المدونة" (١) جواز الأذان للمعتكف، ولأنه إنما ذكر اختلاف قوله في صعود المنار وكذلك ظهر المسجد. ولم يذكر كراهة الأذان له أثناء ذلك، لأن الأذان إنما هو ذكر ومن نوع ما هو فيه، إلا أن يكون هو مؤذن المسجد الذي يرصد الأوقات أو يكون أذانه في غير موضع معتكفه من رحاب المسجد فيخرج إلى باب المسجد للأذان، فهذا عمل يكره له كما تكره له الإقامة والمشي مع الإمام. وفي "العتبية" (٢) كراهة الأذان للمعتكف. وفي "كتاب فضل": اختلف قول مالك في أذان المعتكف وصعود (٣) المنار. وهذا يشعر بالخلاف كله في مجرد الأذان. وقد اعترض فضل على كراهة الأذان بإجازة الإمامة، ولعل مطرف (٤) الذي أجازها يجيز الأذان أيضًا. وقد حكى ابن وضاح عن سحنون (٥) أنه لم يجز للمعتكف الإقامة (٦) في الفرض ولا في النفل ثم قال: إن كان لا يمشي مع المؤذنين فلا بأس. فهذا مما يبين أن الإمامة والأذان عندهم سواء، وأن الخلاف فيهما معًا موجود.
_________________
(١) قال في المدونة ١/ ٢٣٠/ ٧: قيل لابن القاسم: هل كان مالك يكره للمعتكف أن يصعد المنار؟ قال نعم. قد اختلف قوله في المؤذن. قال مالك: أكره للمؤذن المعتكف أن يرقى على ظهر المسجد. قال: ولا بأس أن يعتكف رجل في رحاب المسجد. قال: وقد اختلف قول مالك في صعود المؤذن المعتكف المنار؛ فقال مرة: لا. ومرة قال: نعم. وجل ما قال فيه الكراهية، وذلك رأيي.
(٢) انظر البيان: ٢/ ٣١١.
(٣) في خ وق وع وس: وصعوده. وهو أولى.
(٤) كذا في ق وع وس وأصل المؤلف كما في حاشية ز، وأصلحها الناسخ: مطرفا، وهو ما خ. وهو الصواب. وانظر قول مطرف في النوادر: ٢/ ٩٤ والبيان: ٢/ ٣٥٢.
(٥) انظر قوله في الإكمال: ٤/ ١٥٦ والمواق: ٢/ ٤٦٢.
(٦) كذا في ز، وفي خ وق وس وع والتقييد ٢/ ٦٣: الإمامة. وهو الصواب.
[ ١ / ٣٥١ ]
وقوله (١): "من أذِن لعبده أو لأمته في الاعتكاف". كذا في أصل شيخينا (٢). وفي حاشية ابن عيسى رواية أخرى: "أو لامرأته" مكان "أو لأمته" (٣)، وأن سحنون قال: كلاهما سواء، أو كلاهما صحيح المعنى. لكن مسائله التي أتت بعد تدل أنها الأمة؛ وقال: إذا منعه سيده ثم عتق قضى (٤) وقال في الأمة الناذرة المشي أو الصدقة (٥): "لسيدها أن يمنعها، فإن عتقت كان عليها أن تفعل ما نذرت". وفي كتاب العتق في الحالفة بصدقة مالها: إن عليها في حنثها إخراج ثلثها، قال ابن القاسم: إذا رد السيد ذلك بعد حنثها لم يلزمها ذلك.
ذهب بعض الأندلسيين (٦) إلى أنه اختلاف من القول. وذهب القرويون إلى أنه وفاق، وأن مسألة العتق في مال معين، وهذه في غير معين. ويدل على هذا قول مالك فيها: "وذلك إذا كان مالها في يديها الذي حلفت عليه" (٧). وكذلك قال سحنون (٨) في مسألة العبد: إن ذلك إذا كان نذر اعتكافه في غير معين، ولو كان معينًا فمنعه سيده لم يلزمه قضاء. وقيل (٩): معنى مسألة العتق/ [خ ٩٦] رد صدقتها، وهذه منعها من التنفيذ ولم يرُدَّ. وقيل: مسألة الاعتكاف تمت عند قوله: لسيدها أن يمنعها، ثم جاء بسؤال آخر إذا فعلت ذلك ولم يردَّه السيد ولا أنفذته في مدة رقها حتى (١٠)
_________________
(١) المدونة: ١/ ٢٣٠/ ٣.
(٢) كذا في أصل المؤلف كما في حاشية ز وأصلحها الناسخ: شيخنا، وهو ما في ق وع وس. وفي خ: أصلي شيخينا. وكلها متوجهة.
(٣) المدونة: ١/ ٢٠٠/ ٤ من طبعة دار الفكر. وفي الطبعتين كلتا الكلمتين.
(٤) المدونة: ١/ ٢٣٠/ ١.
(٥) المدونة: ١/ ٢٣١/ ٢.
(٦) هذا ما نقله عبد الحق في التهذيب: ١/ ٩٩ ب.
(٧) المدونة: ١/ ٢٣١/ ٤.
(٨) انظر قوله في الجامع: ١/ ٢١١.
(٩) حكى عبدالحق هذا القول عن نفسه وغيره في التهذيب: ١/ ٩٩ ب.
(١٠) كذا في ز وس والتقييد: ٢/ ٦٤، وفي خ: حين، وعليه علامة، وأشار في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى: حتى. وهو الظاهر.
[ ١ / ٣٥٢ ]
عتقت،/ [ز ٦٦] فأجاب أن ذلك يلزمها لئلا يظن ظان أنه لا يلزمها إلا بإذن السيد وقت جواز إذنه.
مسألة من نذر اعتكافًا معينًا (١) فمرضه أو مرض (٢) فيه. اختلف على مذهب الكتاب فيه لتفريقه بين المريض والحائض؛ فجعل في مسألة المريض: لا شيء عليه. وفي الحائض تقضي وتصل.
فقال سحنون (٣): هذه مختلطة، والأصل المقيد (٤) عليه أن ما غلب عليه بالمرض والحيض حتى يمضي الوقت أو بعضه فلا قضاء عليه. ونحوه لابن حبيب.
وذهب ابن عبدوس (٥) أن المسألتين في المعنى سواء، وأن جوابه في المريض الذي لم يتقدم له اعتكاف فلم يلزمه حكمه، وإنما مرض من أول الشهر، لأنه قال: نذر اعتكاف شعبان فمضى شعبان وهو مريض، ثم قال: لا قضاء عليه إن تمادى به المرض حتى يخرج الشهر كمن نذر صومه فمرضه. فكذلك عنده الحائض، لو جاء الشهر وهي حائض لم
_________________
(١) في المدونة ١/ ٢٣٤/ ١٠ -: قلت: أرأيت إن قال رجل: لله علي أن اعتكف شعبان فمضى شعبان وهو مريض أو فرط فيه، أو كانت امرأة نذرت ذلك فحاضت في شعبان؟ فقال: أما التي حاضت فإنها تصل قضاءها بما اعتكفت قبل ذلك، فإن لم تصل استأنفت. قال: والرجل المريض لا قضاء عليه إن تمادى به المرض حتى يخرج الشهر؛ مثل من نذر صومه لمرضه. وفي طبعة دار الفكر ١/ ٢٠٢/ ١١: فمرضه. وكذلك يرد عند المؤلف بعد شيء.
(٢) كذا في ز وخ وق وع وس. وفي طبعتي المدونة: أو فرط. طبعة دار الفكر: ١/ ٢٠٢/ ٩. والصحيح ما في التنبيهات، والمقصود أنه مرضه كله أو مرض بعد الدخول فيه.
(٣) ذكر قوله في تهذيب الطالب: ١/ ٩٩ ب والمنتقى: ٢/ ٨٤ والمقدمات: ١/ ٢٦٠.
(٤) كذا في خ وأصل المؤلف - كما في حاشية ز - وق وع وس وحاشية الرهوني: ٢/ ٣٩٠. وأصلحها ناسخ ز: المعتمد.
(٥) مذهبه هذا في تهذيب الطالب: ١/ ٩٩ ب والتبصرة: ١/ ٢٣ أوالجامع: ١/ ٢١٣ والمنتقى: ٢/ ٨٤ والمقدمات: ١/ ٢٦١.
[ ١ / ٣٥٣ ]
تقض ما حاضت فيه، وإذا طهرت اعتكفت بقية الشهر، كما لو صح المريض في بقية (من) (١) الشهر، وأما لو كان المرض إنما طرأ عليه بعد أن اعتكف شيئًا من الشهر للزمه قضاؤه كالحائض. قال ابن أبي زمنين: وهو معنى ما في الكتاب إذا تعقبت لفظه، ومثلُ ما ذكر ابن عبدوس في "مختصر" أبي مصعب. وغير ابن عبدوس فرق بين المسألتين وقال: مسألة الحائض إنما قال: تقضي، على قوله في ناذر ذي الحجة: إنه [إنما] (٢) يلزمه قضاء أيام النحر، ولا يفترق على هذا حاضت من أول الشهر أو آخره أنها تقضي، وكذلك المريض لا يقضي، سواء مرض أول الشهر أو داخله. واحتج بعضهم لهذا الفرق أن الحائض معتقدة تكرر حيضتها في وقته (٣) على العادة، فصارت كأنها قاصدة بدلها، كناذر صوم ذي الحجة على أحد قوليه، والمرض (٤) لا علم منه حتى يطرأ، فلم يقصد بدله في أصل النذر لا نية ولا ضمنيًا (٥). وهذا مذهب سحنون (٦) فيما حكاه عنه ابنه في المريض، وهو على رواية ابن القاسم في "المدونة" في كتاب الصيام. وإلى هذا الفرق مال الطابثي (٧).
وقال أبو تمام المالكي: معنى قوله: تقضي الحائض، يعني ما بقي عليها من الشهر بعد طهرها، لا أنها تقضي بعدة أيام حيضتها، لأن المرأة لا
_________________
(١) سقط من خ.
(٢) ليس في ز وق وع وس.
(٣) الأنسب: وقتها، وصحح على الكلمة في ز.
(٤) في ق وس وحاشية الرهوني ٢/ ٣٩٠: والمريض. ولعله الصواب.
(٥) كذا في خ مصححًا عليه، وأشار في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى: ضمنًا. وكذلك في أصل ز، وأصلحها الناسخ: ضمنا. وهو ما ق وع وس. وفي التقييد ٢/ ٦٧: لفظًا.
(٦) انظر قوله في النوادر: ٢/ ٩٩ وتهذيب الطالب: ١/ ٩٩ ب.
(٧) علي بن القاسم بن محمد البصري أبو الحسن - ويقال: أبو الحسين -، أخذ بالعراق عن ابن الجلاب، ونزل مصر فأخذ بها عن ابن الكاتب فروقًا في مسائل سأله عنها (انظر عن ذلك المدارك: ٧/ ٢٥٣). قال الباجي: فقيه، له كتاب في الفقه معروف. (انظر المدارك: ٧/ ٢٢٧).
[ ١ / ٣٥٤ ]
تحيض شهرًا كله، وقد يمرض المريض الشهر كله. فهذا عنده معنى فرق ما جاء في الجواب عنهما.
وحكى شيخنا القاضي أبو الوليد (١) في المسألة قولًا رابعًا أن المريض هنا يقضي على كل حال؛ أصابه المرض أول الشهر أو داخله. وهذا القول على رواية ابن وهب في قضاء المريض الواقعة في بعض روايات "المدونة" المتقدم التنبيه عليها في كتاب الصيام.
والجِوار (٢) والجُوار - بالكسر والضم - من المجاورة، مثل الاعتكاف وبمعناه.
وابن أبي نَجيح (٣)، بفتح النون وكسر الجيم.
والمَوَاحيز (٤) - بالحاء المهملة وآخره زاي - وهي المسالح والثغور (٥).
وقوله (٦): لأن أهلها رَصَدَة - بفتح الراء والصاد المهملة - جمع راصد، أي حرس يرصدون العدو.
وقوله: لِلَّوَذان (٧)، بفتح اللام والواو، مثل الروغان، / [خ ٩٧] وبذال معجمة، من اللواذ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ (٨).
_________________
(١) في المقدمات: ١/ ٢٦٠.
(٢) المدونة: ١/ ٢٣٢/ ٥.
(٣) المدونة: ١/ ٢٢٧/ ١١ - . وهو عبد الله بن أبي نجيح بن يسار الثقفي المكي. توفي: ١٣١ (التهذيب ٦/ ٤٩).
(٤) المدونة: ١/ ٢٣٣/ ٧.
(٥) في اللسان: حوز: قال شمر: أهل الشام يسمون المكان الذي بينهم وبين العدو الذي فيه أساميهم ومكاتبهم (كذا) الماحوز، وأحسبه لغة غير عربية.
(٦) المدونة: ١/ ٢٣٨/ ١.
(٧) في الطبعتين: للواذ. طبحة دار صادر: ١/ ٢٣٦/ ٤ - طبعة دار الفكر: ١/ ٢٠٤/ ٥. وفي العين: لوذ: اللواذ أن يستتر بشيء مخافة أن يُرى ويؤخذ.
(٨) النور: ٦٣.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وقوله في حُجرة معَلقة (١)، كذا رويناه بالعين المهملة في "المدونة". ورواه بعضهم بالمعجمة الساكنة (٢)، وقد اختلفت فيه رواياتنا عن شيوخنا في "الموطأ" (٣) / [ز ٦٧] في هذا الحديث، وكان عند ابن عتاب الوجهان، وكان عند ابن عيسى وابن حمدين الغين المعجمة، وكان عند ابن جعفر (٤) بالمهملة، وكتبنا عن بعضهم: بالمعجمة رواية يحيى، ورده ابن وضاح بالمهملة.
وقوله: "أيكم أملك لإربه" (٥) - بسكون الراء وكسر الهمزة - أي لحاجته، قال الله تعالى ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. وقال أبو سليمان الخطابي: كذا يقوله أكثر الرواة. والإرب: العضو، وإنما هو: لِأَرَبه، بفتح الهمزة والراء، أي لحاجته، قال: والأرب أيضًا الحاجة (٦).
وعبد الله بن أُنَيْس (٧)، بضم الهمزة وفتح النون وسكون الياء.
وقوله (٨): لم يبلغني أن أحدًا من سلف هذه الأمة ولا من التابعين ولا
_________________
(١) في المدونة ١/ ٢٣٨/ ١: "وكان أبو بكر بن عبد الرحمن اعتكف، فكان يذهب لحاجته تحت سقيفة في حجرة مغلقة"، وكأنما هي في خ: مجرة.
(٢) وهو ما في الطبعتين، طبعة الفكر: ١/ ٢٠٥/ ٨.
(٣) في كتاب الاعتكاف باب خروج المعتكف للعيد.
(٤) يقصد إبراهيم بن جعفر اللواتي المعروف بابن الفاسي أبا إسحاق، وقد روى عنه المؤلف الموطأ برواية يحيى الليثي؛ قال: قرأته كله عليه وسمعته بقراءة غيري أيضًا. وقد كان معروفا بتدريس الموطإ رواية وتفقيها. ومناسبة ذكره هنا ضبط كلمة من الموطإ. (انظر: الغنية: ١١٩ والمدارك: ٨/ ٢٠٤). هذا وقد سماه المؤلف في كتاب الصلاة: أبا إسحاق بن جعفر الفقيه، وهناك ترجمته.
(٥) المدونة: ١/ ٢٣٧/ ٧ - . وهذا جزء من حديث، وهو في المدونة معلق من رواية عائشة، وهو في الصحيحين في كتاب الصوم.
(٦) الذي للخطابي في معالم السنن: ٢/ ٩٨ حكاية الوجهين دون ترجيح.
(٧) المدونة: ١/ ٢٣٩/ ٢ - . وهو عبد الله بن أنيس الجهني الصحابي، وقد ذكر له هذا الحديث عن ليلة القدر في الإصابة: ٤/ ١٥.
(٨) المدونة: ١/ ٢٣٧/ ٦.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ممن اقتدي به اعتكف إلا أبا (١) بكر بن عبد الرحمن (٢)، وقوله بعد ذلك (٣): "قد كان من مضى - ممن يُقتدى به ممن كان يعتكف - يتخذ بيتًا قريبًا"، فلعله أراد أبا بكر بن عبد الرحمن فلا يكون في الكلامين تعارض، لكن قوله بعد هذا متصلًا به ما كان أيضًا يفعله أبو بكر بن عبد الرحمن يدل أنه غيره، ثم قال متصلًا به (٤): "وبلغني ذلك عن بعض أهل العلم (٥) الذين مضوا أنهم كانوا لا يرجعون حتى يشهدوا العيد". ومثل هذا في "الموطأ" (٦)، فيدل أن هؤلاء غير أبي بكر بن عبد الرحمن.
_________________
(١) كذا في خ وق وع وأصل المؤلف كما في حاشية ز، وأصلحها الناسخ فيها: أبو، وهو ما في س وطبعة دار الفكر: ١/ ٢٠٤/ ٢ - . وفي طبعة صادر: أبا.
(٢) هو ابن الحارث بن هشام القرشي المدني الفقيه الثقة، أحد الفقهاء السبعة، توفي ٩٣. (انظر التهذيب: ١٢/ ٣٤).
(٣) المدونة: ١/ ٢٣٧/ ٣.
(٤) المدونة: ١/ ٢٣٨/ ٣.
(٥) في الطبعتين: أهل الفضل. طبعة دار الفكر: ١/ ٢٠٥/ ٩.
(٦) في كتاب الاعتكاف باب خروج المعتكف للعيد.
[ ١ / ٣٥٧ ]