بنت مخاض (١)، هي التي كمُلت لها سنة فحملت أمُّها، لأن الإبل سنة تحمل وسنة تربي، فأمه (٢) حامل قد مخض بطنها بالجنين، أو في حكم الحامل إن لم تحمل.
فإذا كمل له سنتان وضعت أمه وأرضعت فهي لبون، وابنها المتقدم ابن لبون.
فإذا دخل في الرابعة فهو حق، والأنثى حقة، لأنهما استحقا أن يحمل عليهما واستحقا أن يطرق الذكر منهما الأنثى، واستحقت الأنثى أن تطرق وتحمل - وجاء في الكتاب (٣) في الحديث: طروقة الفحل وطروقة الجمل معًا عند ابن عيسى، والجمل وحده لابن عتاب (٤) -.
فإذا أكملت الرابعة ودخلت في الخامسة فهو جذع، والأنثى جذعة، وهو آخر الأسنان المأخوذة في الزكاة من الإبل. وكلها أناثي (٥) إلا ابن لبون (٦) عند تعذر ابنة المخاض في خمسة وعشرين.
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣٠٦/ ٨.
(٢) كذا، ولعل الأصوب: فأمها.
(٣) المدونة: ١/ ٣٠٩/ ٨.
(٤) في طبعة دار صادر: الجمل، وفي طبعة دار الفكر: ١/ ٢٦٥/ ٨ -: الفحل.
(٥) في ق وع وس: إناث.
(٦) في ق ول وس: اللبون.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وقوله (١): "ابن لبون ذكر"، قيل (٢): هو تأكيد كما قال تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ (٣) سُودٌ﴾ (٤). وقيل (٥): بل فسره بقوله: ذكر؛ إذ من الحيوان ما ينطلق على ذكره وأنثاه إبن، كابن عرس وابن آوى ليرفع الإشكال. وقال لنا (٦) بعض شيوخي: بل نبه بقوله: ذكر، على العدل والتسوية بين أرباب الأموال والمساكين فيه وفي ابنة مخاض وتفهيمًا للحكمة في ذلك لسامعه بأنه (٧) - وإن كان أعلى سنًّا من ابنة مخاض وأكثر لحمًا - ففيه نقص (٨) الذكورية، فعدل كبرُه فضلَ الأنوثية في ابنة مخاض.
وفي الأثر: "وهي (٩) التي نسخ عمر بن عبد العزيز من سالم وعبد الله"، كذا لهم (١٠). وعند أحمد بن أبي (١١) داود: وعبيد الله (١٢)، مكان "عبد الله". وكذلك في آخر باب زكاة الغنم: ابن شهاب عن سالم وعبد الله. وعن (١٣) ابن الطلاع وأحمد بن داود: عبيد الله (١٤). وكذلك لأحمد في آخر باب الخلطاء (١٥)
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣٠٩/ ١١.
(٢) قاله الباجي في المنتقى: ٢/ ١٢٨.
(٣) في خ: غرابيب.
(٤) فاطر: ٢٧.
(٥) قاله الباجي أيضًا في المنتقى: ٢/ ١٢٨.
(٦) في ق: لي.
(٧) في ق: فإنه.
(٨) في س وع وم: بعض. ولعله تصحيف.
(٩) في ل وع وس: النسخة التي.
(١٠) وهو ما في الطبعتين (طبعة دار صادر: ١/ ٣٠٩/ ٥ -، وطبعة دار الفكر: ١/ ٢٦٥/ ٤).
(١١) كذا في خ وق، والصواب سقوط "أبي".
(١٢) هو عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو أكبر من أخيه سالم. (انظر الجرح والتعديل: ٢/ ١٨٨، والكاشف: ١/ ٦٨٢).
(١٣) في س وع: وعند. وهو أبين.
(١٤) وهو في الطبعتين: (طبعة دار صادر: ١/ ٢١٤/ ٤، وطبعة دار الفكر: ١/ ٢٦٨/ ١٤).
(١٥) وهو ما في طبعة دار صادر: ١/ ٣٣٤/ ٢، وطبعة دار الفكر: ١/ ٢٨٠/ ٦.
[ ٢ / ٤٠١ ]
ولغيره: عبد الله (١).
وقوله (٢): "واقترف من غنم جارك"، أي اكتسب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ (٣)، أي يكتسبها. والمقترف المكتسب، وهو معنى قوله في باب الفائدة المقترفة، أي المكتسبة المستفادة.
والشَنَق (٤)، بفتح الشين المعجمة والنون، فسره مالك بأنه ما يزكى من الإبل بالغنم (٥)، وعند ابن عتاب (٦): هو ما بين الفريضتين كالأوقاص (٧).
ومسألة الشنق في "المدونة" (٨) من رواية أشهب عن مالك، كذا عند ابن عيسى. وعند ابن عتاب: قال سحنون: قال مالك (٩).
والوقَص (١٠)، بفتح القاف (١١): ما لا زكاة فيه مما بين الفريضتين، ..
_________________
(١) في المستدرك للحاكم: ١/ ٥٠٥: عبد الله، وكذلك في كبرى البيهقي: ٤/ ٩٠، وسنن الدارقطني: ٢/ ١١٦ وغيرها.
(٢) المدونة: ١/ ٣١٠/ ٢.
(٣) الشورى: ٢٣.
(٤) المدونة: ١/ ٣١٠/ ٧.
(٥) انظر المدونة: ١/ ٣١٠، والعتبية في البيان: ٢/ ٤٤٠.
(٦) في س وع: أبي عبيد، ولعله الصحيح، والآخر تصحيف، ويرجحه وجود هذا التفسير في غريب الحديث له: ١/ ٢١٥.
(٧) انظر غريب أبي عبيد: ١/ ٢١٥، والنهاية: ٢/ ٥٠٥.
(٨) المدونة: ١/ ٣١٠/ ٦.
(٩) ليس في الطبعتين اسم أشهب ولا سحنون، انظر طبعة دار الفكر: ١/ ٢٦٦/ ٥، وهي في سماع أشهب في العتبية كما في البيان: ٢/ ٤٤٠.
(١٠) المدونة: ١/ ٣١١/ ١١.
(١١) قال الحطاب في المواهب ٢/ ٢٦٣: ضبطه عياض في التنبيهات بفتح القاف. قال أبو الحسن: وبعض المتفقهة يقولون بالسكون، وهو خطأ، ونقل في التوضيح الإسكان عن النووي، فقال سند: الجمهور على تسكين القاف. وكلام أبي الحسن الزرويلي في التقييد: ٢/ ١٤٣، وليس فيه "وهو خطأ". وكلام خليل في التوضيح: ١/ ١٧١. وخطأ ابن مكي أيضًا في تثقيف اللسان: ٢٦٤ غير الفتح. وانظر رأي النووي هذا في كتابه: "تحرير ألفاظ التنبيه": ١/ ١٠٥.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
كما بين الثلاثين من البقر إلى الأربعين. وما بين فرائض الإبل والغنم، وجمعها أوقاص. وقال أبو عمرو (١): الوقص هو ما وجبت الغنم فيه من فرائض الصدقة في الإبل ما بين الخمس إلى العشرين (٢). قال أبو عبيد: هو عندنا ما بين الفريضتين، وهو ما زاد على الخمس إلى تسع (٣). وبعض الناس (٤) يجعل الأوقاص (٥) في البقر خاصة. وعليه تأول بعضهم قوله في الكتاب: "ولا يكون في العقد وقص، والعقد عشرة" (٦) وقال: إنما هذا في/ [خ ١١٠] البقر خاصة، وأما في الغنم والإبل فلا. وقال غيره: بل لعله في الإبل فيما زاد على ثلاثين ومائة صحيح (٧) هذا كله أنه في الوجهين، وأن قوله هذا إنما هو فيما كثر من البقر والإبل فيما زاد على ستين من البقر وعلى مائة وثلاثين من الإبل، حيث تطرد زكاتها بالسنين المفروضين فيهما واختلاف ذلك بزيادة العقد أو نقصه، وإلا فالوقص عنده (٨) كل ما بين الفريضتين. وقد قال (٩): "ليس في الأوقاص من الإبل والبقر والغنم شيء"، وذلك مختلف باختلاف النصف؛ فأقلها في الإبل أربعة، وهي ما بين خمسة
_________________
(١) في ق: أبوا عمران، وفي س: أبو عمران، والصحيح: أبو عمرو، وهو إسحاق بن مرار الشيباني الكوفي نزيل بغداد، روى عنه ابنه عمرو وابن حنبل وأبو عبيد الهروي، وهو من أعلم الناس بالعربية، موثق فيما يحكيه، توفي ٢١٠. (انظر إنباه الرواة على أنباه النحاة: ١/ ٢٥٦.
(٢) قول أبي عمرو هذا نقله عنه أبو عبيد في غريبه: ٤/ ١٤١ ليرد عليه وهو في اللسان: وقص، وحكى كل ذلك الزبيدي في تاج العروس: وقص: ١٨/ ٢٠٧، ونقل ترجيح ابن بري لرأي أبي عمرو الشيباني.
(٣) في ق: التسع. وانظر غريب أبي عبيد: ٤/ ٢٤٢.
(٤) عزا النووي في تحرير ألفاظ التنبيه: ١/ ١٠٥ هذا الرأي للأصمعي.
(٥) كتب في خ: الأقاص.
(٦) في الطبعتين: ( وقص، يريد بالعقد عشرة) (انظر طبعة دار الفكر: ٢/ ٢٦٧/٢ -، وطبعة دار صادر: ١/ ٣١١/ ٥).
(٧) في ق ول وع وس: وصحيح.
(٨) يعني مالكًا، روي عنه ذلك في المجموعة كما في تهذيب الطالب: ٢/ ٢٤ ب.
(٩) المدونة: ١/ ٣١٣/ ٤.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
عشر وكذلك إلى خمسة (١) وعشرين، وأكثرها فيها تسعة وعشرون، وهو ما بين أحد وتسعين إلى أحد (٢) وعشرين ومائة، على قول ابن القاسم بالانتقال من الحقتين إلى ثلاث بنات لبون، وعلى إحدى (٣) قولي مالك في التخيير بينهما، وأما على قوله الآخر بالتمادي على الحقتين إلى تسع وعشرين، فيأتي الوقص ثمانية وثلاثين (٤). وأقل أوقاص الغنم ثمانون، وهو ما بين أربعين إلى (٥) أحد (٦) وعشرين (٧)، وأكثرها مائتان إلا اثنين، وهو ما بين مائتين وواحد إلى أربعمائة. وأقل أوقاص البقر تسعة، وأكثرها تسعة عشر، وهو ما بين أربعين إلى خمسين (٨).
والإبل العوامل (٩) هي التي يعمل عليها في السقي والحرث والحمل، وكذلك البقر في الحرث والسقي وشبهه.
وذوات الْعَوَار (١٠): ذوات (١١) العيب (١٢)، والأعور من كل شيء
_________________
(١) في ع: خمس.
(٢) في ق ول وع وس: ما بين إحدى وتسعين إلى إحدى
(٣) في ق وع: أحد. وهو الصواب.
(٤) في ق: وثلاثون.
(٥) خرج في خ بعد "إلى" ولم يكتب شيئًا.
(٦) في ق وع وس: إحدى.
(٧) في ق: زيادة "ومائة".
(٨) في س: إلى تسعة وخمسين، وفي طرة ع تصحيح لعله ستين.
(٩) المدونة: ١/ ٣١٣/ ٦.
(١٠) المدونة: ١/ ٣١٢/ ٨.
(١١) في ق وع وس: ذات.
(١٢) بعد هذا في ق: (مثل العرج والكسر وشبهه، وهي التي في الحديث فيما لا يؤخذ في الصدقة، والْعُوار بضم العين هو من العور). والظاهر أن الناسخ زاد هذا من عنده، وبعض هذا الكلام ورد عند غيره؛ ففي المنتقى ٢/ ١٣١: نقلًا عن ابن حبيب: العوار بالفتح: العيب، وهو الذي في الحديث لا يؤخذ في الصدقة، وأما برفع العين فمن العور. ومثله في جامع ابن يونس: ١/ ٢٩٠ نقلًا عن ابن حبيب كذلك.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
المعيب (١)، والكلمة العوراء: القبيحة (٢). وأما العور ففي العين خاصة. وكذلك العوار فيما حكاه بعضهم (٣).
ويونس عن ابن شهاب (٤) عن سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر، كذا عند ابن الطلاع، وعند غيره: عن سالم وعبد الله.
وحَزَرات (٥)، بفتح الحاء المهملة وفتح الزاي وتقديمها على الراء، كذا هي الرواية (٦)، وهي صحيحة. ويقال أيضًا بتقديم الراء على الزاي، وهما صحيحان، وهي خيار الأموال. قال (بعضهم) (٧): سميت حزرة - بتقديم الزاي - لأن صاحبها يَحزرها في نفسه، والتي بتأخر (٨) الزاي لأن صاحبها يُحرزها (٩).
وثور بن زيد الدِيلي (١٠)، بكسر الدال وسكون الياء، منسوب إلى بني الديل (١١).
والربَّا (١٢)، بتشديد الباء مقصور: التي وضعت، فهي تربي ولدها (١٣).
_________________
(١) هذا بفتح العين، ويقال بضمها. (انظر المشارق: ٢/ ١٠٥).
(٢) في ق: المعيبة القبيحة.
(٣) يقصد الْعُوَّار بضم العين وتشديد الواو، قال في المشارق ٢/ ١٠٥: هو كثرة القذى فيها، وأما العُوَار بضم العين وتخفيف الواو فهو إصابة إحداهما. (انظر اللسان: عور).
(٤) المدونة: ١/ ٣١٤/ ٣.
(٥) المدونة: ١/ ٣١٤/ ٧.
(٦) وهو ما في العتبية كما في البيان: ٢/ ٤٣٦.
(٧) سقط من خ.
(٨) في ق ول وع وس: بتأخير.
(٩) انظر اللسان: حرز، والمشارق: ١/ ١٩١. وانظر في ضبطها أيضًا تثقيف اللسان: ٢٦٤.
(١٠) المدونة: ١/ ٣١٤/ ٨. وهو مدني توفي ١٣٥. (انظر التهذيب: ٢/ ٢٩).
(١١) قد أطال المؤلف في معالجة نسبته في الإكمال: ١/ ٤٠٠. وانظر معجم القبائل العربية: ١/ ٣٩٩ وما بعدها.
(١٢) المدونة: ١/ ٣١٤/ ٧.
(١٣) في الفائق للزمخشري: ٣/ ٧٥: التي في البيت للبن، وقيل: الحديثة النتاج. وكذا في النهاية: ربأ، وفي العين: رب: الشاة حين تلد إلى عشرين يومًا.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
والأكولة (١)، قال أبو عبيد: التي تُسمن لتؤكل (٢). وقال السلمي (٣): الأكولة الكباش وليست التي تسمن، قال: وسمعت أنها الرَّبَاعية (٤)، قال: وهي (٥) عندي أولى ما قيل فيه (٦) لقول عمر: تأخذ منهم الجذعة والثنية، الحديث (٧). وقال: شَمِرٌ (٨) الأكولة من الغنم: الخصي والهرمة والعاقر (٩). قال ابن حبيب (١٠): وأما الأكيلة فالتي تؤكل.
والماخِض (١١): الحامل القريبة من الوضع.
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣١٤/ ٧.
(٢) انظره في غريب الحديث: ٢/ ٩١، وقاله ثعلب في الفصيح كما في شرحه: تهذيب الفصيح: ٩٧.
(٣) ممن عرف بهذا النسب من اللغويين عبد الملك بن حبيب الأندلسي القرطبي الفقيه، وقد ترجم له من ألف في أهل اللغة كالزبيدي في طبقات النحويين واللغويين: ٢٦٠، والقفطي في إنباه الرواة: ٢/ ٢٠٦ والسيوطي في بغية الوعاة: ٢/ ١٠٩.
(٤) الذي للمؤلف في المشارق ١/ ٣٠: الراعية، ولعله تصحف عن الرباعية، والمقصود بها ذات الأربعة أعوام.
(٥) في س وع: وهو، وفي المشارق: وهي.
(٦) في المشارق: فيها، وهو المناسب.
(٧) نقل المؤلف هذا أيضًا في المشارق: ١/ ٣٠، ثم قال: ولم يقل شيئًا؛ لأنه نص هنالك على الأسنان، ثم نص هنا على الصفات.
(٨) هو شَمِر بن حمدويه الهروي اللغوي، لقي ابن الأعرابي وأصحاب أبي عمرو الشيباني وأبا عبيدة والفراء، توفي ٢٥٥. (انظر إنباه الرواة: ٢/ ٧٧، وبغية الوعاة: ٢/ ٤).
(٩) حكى هذا ابن الجوزي في غريب الحديث: ١/ ٣٣، وابن الأثير في النهاية، وإنما حكاه شمر عن غيره كما في اللسان: أكل.
(١٠) ذكره عنه أيضًا عبد الحق في التهذيب: ٢/ ٢٥ ب، وابن يونس في الجامع: ١/ ٢٩٠، وقاله أبو عبيد أيضًا. والمقصود يونس بن حبيب كما في اللسان: أكل. لكن ابن أبي زيد في النوادر: ٢/ ٢٢٠ نقل عن عبد الملك بن حبيب في شرحه للموطإ هذا المعنى؛ قال: الأكيلة: التي قد أكلت أو تؤكل. وعبد الملك لغوي كما رأينا، وقد يشتبه اسمه باسم يونس بن حبيب.
(١١) المدونة: ١/ ٣١٤/ ٧.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وقع في حديث زكاة البقر (١): "فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة إلى أن تبلغ سبعين"، كذا في "المدونة". وإنما نقله سحنون من "موطأ" ابن وهب (٢)، وكان سقط من كتابه "إلى أن تبلغ ستين" (٣)، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان. وهو صحيح في الحديث، وكذا رواه غيره عن ابن وهب (٤).
وقوله (٥): "عجل تابع جذع"، ورواه يحيى بن عمر وأحمد بن أبي سليمان: رايع جذع، وكذا عند ابن عتاب. ومعنى: رايع - بياء باثنتين تحتها - أي ظاهر لكبره وخروجه عن/ [خ ١١١]، حد الصغار جدًا.
ابن مهدي وقال مالك وسفيان (٦): "إن الجواميس من البقر"، كذا عند شيخنا (٧) لأكثر الرواة. ورواه بعضهم: ابن وهب، مكان ابن مهدي.
والبُزْل (٨) من الإبل، جمع بازل، وهو كالكهل من الرجال، والبازل (٩) هو الذي بزل نابه أي طلع، ويقال في جمعه: بُزَّلٌ بالتشديد أيضًا (١٠).
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣١١/ ٦.
(٢) نقله من كتاب عمرو بن حزم كما في الجامع: ١/ ٢٨٩، والحديث عند البيهقي في الكبرى: ٤/ ٨٩.
(٣) وقد سقط من الطبعتين أيضًا.
(٤) رواه الطبراني مرفوعًا في الكبير: ٢٠/ ١٢٤ عن معاذ بن جبل من طريق ابن لهيعة، ثم رواه أيضًا من طريق ابن وهب عن معاذ مرفوعًا في: ٢٠/ ١٧٠، وفي كل أحاديث زكاة البقر كلام حتى قيل: لا يصح فيها شيء. (انظر نصب الراية: ٢/ ٣٤٩، والمحلى: ٦/ ١١، ونيل الأوطار: ٤/ ١٩١).
(٥) المدونة (طبعة الفكر): ١/ ٢٦٦/ ١، وفي طبعة صادر ١/ ٣١١/ ٦: رابع، وفي ل وس: يافع.
(٦) المدونة: ١/ ٣١١/ ١٠.
(٧) في ق: شيخينا.
(٨) المدونة: ١/ ٣١٣/ ١.
(٩) في ق ول وع وس زيادة: من الإبل.
(١٠) انظر ذلك في العين والقاموس: بزل.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وفي مسألة (١) من له من الضأن سبعون ومن المعز ستون، كذا لابن وضاح وسائر الرواة، وعليه يصح الجواب. وعند ابن باز: ستون فيهما، وهو وهم.
وقوله (٢): "فانظر فإن كان للرجل ضأن ومعز، فإن كان في كل واحد إذا فرقت ما تجب فيه الزكاة أخذ من كل واحدة" (٣). ذهب بعض المشايخ إلى أن قوله هذا مخالف لأصله في الباب من (٤) مراعاة الأكثر مع حساب الوقص، وعلى أن الوقص غير مزكى مع النصاب، وذلك أن يكون أحد الجنسين وقصًا للآخر. وأن (٥) الآخر الأكثر بنفسه لو انفرد لوجبت فيه الزكاة كلها ولم يؤثر فيه الصنف الآخر بزيادة، لكنه لو انفرد هو أيضًا كانت فيه زكاة. ومثاله أن يكون للرجل مائة وأحد وعشرون ضأنية وأربعون معزة، فعلى ظاهر مذهبه وقوله في مسائله في الكتاب يخرج الشاتين من الضأن؛ لأنه يبقى له بعد أربعين منها ما هو أكثر من الأربعين التي هو من المعز. وعليه قال في الكتاب (٦) فيمن له ثلاثمائة ضأنية وتسعين (٧) معزة: "ثلاث شياه من الضأن"، لأن اثنتين وجبت في مائة وأحد (٨) وعشرين، فكان الباقي من وقص الضأن أكثر من التسعين من المعز، فلم يلتفت إلى المعز.
وقد قيل (٩) في المسألة الأولى: يخرج شاة من الضأن وأخرى من
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣١٦/ ٦.
(٢) المدونة: ١/ ٣١٦/ ٩.
(٣) في ق: من كل واحدة واحدة، وليس في الطبعتين.
(٤) لعلها هكذا في خ، وهي كذلك في ل. وفي ق: في.
(٥) في ق خرج إلى كلمة تشبه: كأن، بعد: وان.
(٦) المدونة: ١/ ٣١٦/ ٣.
(٧) في ق ول وع: وتسعون. وهو الظاهر.
(٨) فى ق ول وس: وإحدى. وهو الظاهر.
(٩) خرج ذلك عبد الحق في التهذيب: ٢/ ٢٥ أ، وأوصى بتدبره، وحكى عن بعض القرويين - هو ابن الكاتب في ظنه - ان هذا ما ينبغي على مذهب ابن القاسم، ولم يعزه ابن رشد في المقدمات: ١/ ٢٩٠.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
المعز؛ وذلك أنا نحسب وقص الضأن كله مزكى مع نصابه - وذلك المائة والعشرون (١) - تبقى واحدة غير مزكاة وجدنا أربعين المعز (٢) أكثر منها، فأخذنا الثانية منها. فال بعض شيوخنا (٣): وهذا على مقتضى قوله: "فانظر فإن كان للرجل ضأن ومعز"، المسألة المتقدمة، فإنه عم ولم يذكر وقصًا من غيره. قال القاضي أبو الوليد (٤): وقد يحتمل أن يكون معناه إذا لم يكن الأقل وقصًا (٥) للأكثر فلا يكون اضطرابًا من قوله. وهذا كله على (٦) من يقول: "إن الأوقاص مزكاة" مع النصُب. ولم يختلفوا إذا كان الجنس الآخر - وهو غير مؤثر في الزكاة، وهو الأقل - غير نصاب ألا يعتبر به في هذه المسألة كما لو كانت المعز (٧) ثلاثين.
واضطرب قوله في الكتاب إذا كان الجنس الأقل مؤثرا غير وقص، كما لو كانت الضأن مائة وعشرين والمعز أربعون (٨)، فقال فيها (٩): يأخذ شاة من هذه وشاة من هذه. وهذا على قوله بأن وقص الضأن قد زكي مع نصابه وانفرد نصاب المعز بالزكاة. وقال في مثلها بخلافه فيمن له ثلاثمائة وستون من الضأن وأربعون من المعز (١٠): تؤخذ الأربعة (١١) من الضأن. وهذا على مراعاة أن وقص الضأن غير مزكى مع نصابه، فكان أكثر من
_________________
(١) في ق ول وع وس: وعشرون.
(٢) في ق: ووجدنا المعز أربعين. وفي ل: وجدنا الأربعين.
(٣) هذا قول ابن رشد في المقدمات: ١/ ٢٩٠، ويحتمل أن يكون لغيره، وما قبل هذا ملخص من المقدمات.
(٤) في المقدمات: ١/ ٢٩٠.
(٥) في س: الأول وقصا. وفي ع: معناه وقصا. وما أثبته هو ما في المقدمات: ١/ ٢٩٠.
(٦) في ق: على قول.
(٧) في س وع: البقر.
(٨) في ق وس: أربعين.
(٩) المدونة: ١/ ٣١٦/ ٥.
(١٠) المدونة: ١/ ٣١٧/ ٤.
(١١) في ق: الأربع، وهو الصحيح.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
المعز فغلبت الكثرة (١). ويجب على قوله في كل مسألة منهما (٢) أن يقول في الأخرى بضد قوله فيها، فهي قولتان له مبنيتان على الأصل المذكور/ [خ ١١٢]. وبذلك قال سحنون في المسألة الأولى من هاتين فقال (٣): يخرجها (٤) من الضأن، قال: لأنه إذا أخرج من الضأن شاة عن أربعين بقيت ثمانون، فهي أكثر من المعز. فلم ير أن الوقص داخل في المزكى.
وقد رام بعض الشيوخ (٥) الجمع بين قوليه بأن يكون مذهبه في الوقص أنه غير مزكى فيما زاد على الثلاثمائة لقوله (٦): "فما زاد"، وأن يكون ما دون ذلك ليس بوقص بل هو مزكى لقوله: إلى عشرين ومائة وإلى مائتين، وفيه نظر.
وقد نبه سحنون (٧) على الاضطراب في قوليه في هذه المسألة ومسألة: لو كانت المعز ثلاثين (٨) وقال (٩): مسألة الجواميس أصل ترد إليه هذه
_________________
(١) تفصيل هذا كله انظره في المقدمات: ١/ ٢٩١.
(٢) في ق وس: منها.
(٣) ذكر عبد الحق في التهذيب: ٢/ ٢٥ ب أن قول سحنون هذا نقله ابن أبي زيد في النوادر، ولم يروه. وهو في النوادر: ٢/ ٢٢٥، والجامع: ١/ ٢٩٤، والمنتقى: ٢/ ١٣٣، والمقدمات: ١/ ٢٩١.
(٤) في ق: يخرجهما.
(٥) أشار ابن رشد إلى هذا القائل في المقدمات: ١/ ٢٩١، وضعف رأيه.
(٦) في المدونة: ١/ ٣١٣/ ١: (ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمارة بن غزية بن عبد الله بن أبي بكر أخبره أن هذا كتاب رسول الله - ﷺ - لعمرو بن حزم في صدقة الغنم: ليس في الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغت أربعين شاة ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان إلى مائتي شاة، فإذا كانت شاة ومائتي شاة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة شاة، فما زاد ففي كل مائة شاة ). والحديث في موطإ ابن وهب: ٢٤/ ١، وفي صحيح ابن حبان: ١٤/ ٢٠٣ عن أنس بن مالك.
(٧) انظر ذلك في المقدمات: ١/ ٢٩٢.
(٨) في ق ول وع: ثلاثون. ولا وجه له.
(٩) المدونة: ١/ ٣١٦/ ٥.
[ ٢ / ٤١٠ ]
المسألة، وتدل على أحسن من هذا، وأحال على تدبرها كأنه يرى أن قياس قوله في مسألة الجواميس وهي عشرون غير نصاب أن يأخذ من الثلاثين المعز واحدة.
قال بعضهم (١): وليست تشبه مسألة الجواميس؛ لأن ما زاد في مسألة الضأن والمعز لم ينتقل إلى فريضة أخرى، إنما هي شاة من حيث أخذت، ومسألة الجواميس فيها انتقال من مسنة إلى تبيع. فلو أخذنا مسنة من أربعين من الجواميس عطلنا زكاة عشرين من البقر، فجمعناها فوجدناها ستين فيها تبيعان، أخرجنا واحدًا من أكثرها، وهي الجواميس، ثم بقيت ثلاثون أكثرها البقر، فأخرجنا منها تبيعًا، وهذه العشرة الباقية غير وقص (وغير) (٢) مزكاة باتفاق، بخلاف مسألة الأوقاص المختلف فيها. وهذا ما (٣) أصلح سحنون المسألة عليه في "المدونة" في مسألة الجواميس بقوله (٤): أخذ تبيعين، من الجواميس واحد ومن البقر واحدًا. وكان في "المختلطة": أخذ تبيعين من الجواميس، لم يزد. وإلى هذا ذهب سحنون؛ كأنه قسم البقر على الجواميس فجاء في كل ثلاثين عشرون جاموسًا وعشرة من البقر، فأخرج من الأكثر.
وكان فضل بن سلمة أشار إلى أن تنبيه سحنون على مسألة الجواميس إنما هي على قوله في مسألة المائة والعشرين من الضأن والأربعين من المعز. وخالفه غيره وتأول ما ذكرناه (٥) مسألة الغنم المستهلكة (٦) إذا أخذ في قيمتها غنمًا، قال: "لا شيء عليه فيها" حتى يحول عليها الحول عنده. وفي رواية العسال (٧): "وقد قال عبد الرحمن: يزكى الغنم التي أخذ، وكأنه باع غنمًا بغنم والثمن لغو"، وليست هذه الزيادة عند الأندلسيين ولا عند
_________________
(١) لابن يونس هذا التفريق في الجامع: ١/ ٢٩٤، وانظر المقدمات: ١/ ٢٩٢.
(٢) ليس في خ.
(٣) في ق ول وس وع: على ما. وهو مرجوح.
(٤) المدونة: ١/ ٣١٧/ ٧.
(٥) انظر بعض تفصيل هذا في التقييد: ٢/ ١٤٥ - ١٤٦.
(٦) المدونة: ١/ ٣١٩/ ٥.
(٧) المدونة: ١/ ٣١٩/ ٣.
[ ٢ / ٤١١ ]
شيخنا (١). واختصره (٢): والقيمة لغو إلا أن تكون أقل من نصاب (٣)، وحملوا (٤) المسألة على الخلاف في المستهلكة. وعلى ذلك اختصرها أبو محمد، قال: ولابن القاسم قول ثان (٥). وقال ابن القابسي: قوله: والثمن (٦) يدل أن اختلاف قوله إنما هو في البيع، وهو أولى بالخلاف من الاستهلاك. والى هذا نحا اللخمي (٧) وغيره. وقول سحنون في المسألة عند أبي محمد: "والقول الأول أحسن" (٨)، يشعر بأن مذهب سحنون فيها أن الخلاف في الاستهلاك. وقد قال حمديس (٩): إنما يدخل الخلاف إذا لم تفت أعيانها حتى يكون الخيار بالرضى بها أو بتضمينها فيشبه المبادلة، وأما لو فاتت الأعيان لم يدخلها خلاف.
وقال (١٠) في الرجل يموت وعنده دنانير قد وجبت فيها الزكاة فليس على الورثة أن يؤدوا إلا أن يتطوعوا أو يوصي/ [خ ١١٣] بذلك الميت ولم يفرط (١١)، ورواية أحمد بن أبي سليمان (١٢): وقد فرط، ثم قال (١٣): "فإن
_________________
(١) لعله ابن عيسى، إذ ابن عتاب من الأندلسيين.
(٢) في ق وع وس والتقييد: ٢/ ١٤٨: واختصرها المختصرون. وقصده: هذا المختصرون، ويدل عليه ما بعده.
(٣) في ق: النصاب. ونحو هذا في مختصر ابن أبي زيد: ١/ ٥٩ ب، والبراذعي: ٥١، والجامع: ١/ ٢٩٥.
(٤) في س: وحمل.
(٥) قوله هذا نقله البرادعي: ٥٤.
(٦) في ق: والثمن لغو.
(٧) في التبصرة: ٢٠/ ٤٤ ب.
(٨) قوله هذا في طبعتي المدونة ضمن رواية العسال المشار إليها. (انظر طبعة دار الفكر: ١/ ٢٧٢/ ٣. وهو في التبصرة: ٢/ ٤٤ ب، والجامع: ١/ ٢٩٥).
(٩) نقله عنه ابن يونس في الجامع: ١/ ٢٩٥، وقارن بما في التوضيح: ١/ ١٧٣، ونحوه لابن رشد في المقدمات: ١/ ٣٢٢، ولعبد الحق في النكت.
(١٠) المدونة: ١/ ٣٢٧/ ٦. وفي ق ول وع وس: وقوله.
(١١) في طبعة دار الفكر: ١/ ٢٧٦/ ١٣، وليس في طبعة دار صادر أي من الصيغتين.
(١٢) في ق: أحمد بن أبي داود. وهما شخص واحد.
(١٣) المدونة: ١/ ٣٢٧/ ٨.
[ ٢ / ٤١٢ ]
أوصى بذلك كان في رأس ماله"، ورواية أحمد بن أبي سليمان: كان ذلك في ثلث ماله مبدأ على ما سواه من الوصايا بالعتق وغيره (١)، وروايته هذه مطابقة لقوله أولًا: وقد فرط، والأخرى مطابقة لقوله: ولم يفرط.
حديثا (٢) النبي - ﵇ - أحدهما: "إذا أديتُ الزكاة إلى رسولك" (٣)، والآخر: "أما والله لولا أن الله" (٤)، سقطا عند يحيى وأحمد بن داود.
وفرق في مسألة الخلطاء مرة بين المُراح والمبيت فقال: "إذا كان الدلو واحدًا والمراح والراعي واحدًا (٥)، فإن تفرقوا في المبيت" (٦)، وذكر
_________________
(١) يشبه هذا ما في طبعة دار الفكر: (فإن أوصى بذلك الميت كان ذلك في رأس ماله مبدأ على ما سواه من الوصايا وغيره)، ورواية ابن أبي سليمان هذه في الجامع: ١/ ٣٠٠.
(٢) المدونة: ١/ ٣٢٨/ ٩ - . وفي ق ول وع: وحديث.
(٣) الحديث في المدونة عن ابن لهيعة والليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عمن حدثه عن أنس أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول اللهه - ﷺ - فقال: يا رسول اللهه، إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول اللهه - ﷺ -: "نعم، إذا أديتها الى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها وإثمها على من بدلها". هذا ما في طبعة دار صادر، وفي طبعة دار الفكر: ١/ ٢٧٧/ ٣: ابن وهب عن لهيعة والليث. رهر كذلك في موطإ ابن وهب: ٢٦ أ. والحديث فيه مجهول في هذا السند، وهو في المستدرك: ٢/ ٣٩٢ من طريق الليث متصلًا ليس فيه مبهم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وكذلك السند في الأوسط للطبراني: ٨/ ٣٣٨، وكذا هو في المسند: ٣/ ١٣٦ موصولا.
(٤) الحديث في المدونة عن ابن وهب: أخبرني من أثق به عن رجال من أهل العلم أن رسول الله - ﷺ - قال: "أما والله لولا أن الله قال: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ما تركتها عليكم جزية تؤخذون بها من بعدي، ولكن أدوها إليهم، فلكم برها وعليهم إثمها"، ثلاث مرات. والحديث واضح العلة لما فيه من مجاهيل، ولم أجد من رواه ولا هو في مختصر موطإ ابن وهب.
(٥) في ق ول: واحد.
(٦) الذي في الطبعتين (طبعة دار الفكر: ١/ ٢٧٧/ ١٤، وطبعة دار صادر: ١/ ٣٢٩/ ٩): ( نعم، وإن افترقوا في المبيت والحلاب إذا كان الدلو والمراح والراعي واحدًا، وإن افترقوا في الدور فأراهم خلطاء).
[ ٢ / ٤١٣ ]
المسألة. وجعله في مكان آخر (١) المبيت نفسه. فقال بعضهم: يفهم منه أنه أراد المسرح. وقال القابسي: المقيل (٢). وقال أبو عمران: المراد به هناك إراحة الغنم، وهو سوقها بالعشي إلى موضع مبيتها (٣)، يعني ولو افترقت في دور أهلها، وإلا فحقيقة المراح أنه موضع المبيت.
قال القاضي: المُراح موضع المبيت، بضم الميم.
وقول ابن شهاب (٤): "إذا أتى المصدق فما هجم عليه زكاه"، ويروى: إذا ثَنَّى المصدق، وهي رواية ابن عتاب.
وقوله (٥) بعده: "ألا ترى أنها إذا ثنيت لا تكون إلا من بقية المال"، يعني جمعت زكاته سنتين، ويكون: ثَنَّى، من ذلك أيضًا، وهو أن يغيب الساعي سنة الجدب ثم يأتي في سنة ثانية فيأخد زكاة عامين.
قال أبو عبيد في قوله - ﵇ -: "لا ثِنَى في الصدقة" (٦)، هو بكسر التاء، مقصور أي لا تؤخذ في السنة مرتين (٧).
وقوله (٨): "يشرب سيْحا"، ما يسقى بالسيْح، وهو الماء الجاري على وجه الأرض كماء العيون والأنهار (٩).
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣٢٩/ ١١.
(٢) عزاه عبد الحق لبعض المتأخرين من علماء إفريقية، فلعله هو. (انظر التهذيب: ٢/ ٢٩ أ). وذكر الباجي هذا القول في المنتقى: ٢/ ١٣٧ غير معزو.
(٣) قريب من هذا للباجي في المنتقى: ٢/ ١٣٧، ونقله المواق في هامش مواهب الجليل: ٢/ ٢٦٧ عن ابن بشر.
(٤) المدونة: ١/ ٣٣٥/ ٢.
(٥) يعني ابن شهاب. انظر المدونة: ١/ ٣٣٥/ ٤.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ٢/ ٤٣١ موقوفًا بلفظ: لا ثناء، وورد في نصب الراية: ٣/ ٤٤٥ وكنز العمال رقم: ١٥٩٠٢.
(٧) انظر غريب أبي عبيد: ١/ ٩٨، وهو نقله عن الأصمعي والكسائي.
(٨) المدونة: ١/ ٣٣٩/ ٩.
(٩) انظره في العين: سيح.
[ ٢ / ٤١٤ ]
والبعل (١)، قيل (٢): هو ما لا يحتاج إلى سقي ماء مطر ولا غيره، وإنما يشرب بعروقه من رطوبة الأرض، ويستغني بها عن غير ذلك. والتفريق بينه وبين ما تسقيه السماء في الحديث (٣) يصحح ما قلناه.
والْعَثَرِيُّ (٤)، بفتح العين المهملة والتاء المثلثة وكسر الراء: هو ما يسقى بماء المطر والسيول، يعثر له بعاثور، وهو مثل الساقية (٥) تحفر للنخل (٦) البعل لتأتي فيها مياه الأمطار إليها (٧).
وما سقي بالرشاء، ممدود، أي بالدلو.
والغَرْب (٨)، بسكون الراء: الدلو الكبيرة (٩).
والدالية (١٠) هي خشبة يشد بها حبل ويستقى بها (١١) من نحو الخطاطير.
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣٣٩/ ٩.
(٢) قاله ابن حبيب كما في تهذيب الطالب: ٢/ ٣٣ ب، والمنتقى: ٢/ ١٥٨، والتقييد: ٢/ ١٦٠. وهذا التفسير للأصمعي وغيره، وقد خطأه ابن قتيبة، وخطأ ابنَ قتيبة الأزهريُّ. (انظر اللسان: بعل، والمشارق: ١/ ٩٧). وكلام ابن قتيبة في كتابه "إصلاح الغلط في غريب الحديث لأبي عبيد".
(٣) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك: ١/ ٥٥٣، وابن حبان: ١٤/ ٥٠١.
(٤) المدونة: ١/ ٣٤٨/ ١.
(٥) كذا في ق ول وع، ولبس بينا في خ، وقد يقرأ: السانية. وقد يكون الساقية هو الصحيح، إذ معنى السانية: الدلو الكبير وأداتها، أو الناقة التى يسقى عليها. (انظر العين: سنو، واللسان: سنا، والمشارق: ٢/ ٢٢٣).
(٦) كذا في ق ول وس وع، وليست بينة في خ.
(٧) انظر ذلك في اللسان: عثر، والمشارق: ١/ ٩٧.
(٨) المدونة: ١/ ٣٣٩/ ١٠.
(٩) انظره في العين: غرب.
(١٠) المدونة: ١/ ٣٣٩/ ١٠.
(١١) فى اللسان: شيء يتخذ من خوص وخشب يستقى به بحبال تشد في رأس جذع طويل. (اللسان: دلا).
[ ٢ / ٤١٥ ]
والزرانيق (١) والسانية: اسم الغرب وأداته، وأصله الناقة التي ترفع الغرب، وتسني به (٢)، هذا أصلها في اللغة، ثم استعملها الناس في آلات ترفع الماء على هيئة مخصوصة.
والخَرص (٣)، بفتح الخاء: فعل الخارص. وبكسرها: الشيء المقدور فيه، يقال: خرص هذه النخلة كذا وكذا وسقًا، وقد خرصها الخارص خرصًا (٤).
وكذلك الوَسق - بالفتح - فعل الرجل. والوِسق - بالكسر - اسم الشيء المقدر.
والبلَح (٥)، بفتح اللام: حمل النخل قبل طيبه إذا كبر وابيض ثم اخضر إلى أن يزهو، على مذهب بعضهم، ثم يكون بُسْرًا ثم رُطَبًا (٦). وعند آخرين البسر هو البلَح إذا اخضر، والزهو إذا اصفر أو احمر، ثم يرطب، ثم يجف فيكون تمرًا.
وقوله (٧) في النخل يكون بلحًا لا تزهي (٨): "إن فيها الزكاة"، اعترضها فضل وقال: كيف تؤخذ الزكاة من تمر لا يُجَدُّ إلا بلحًا، ويلزم على هذا أن تؤخذ الزكاة/ [خ ١١٤] من القصيل (٩) إذا جُدَّ، قال: وقد رأيت سحنون كتب اسمه عليها، فلعله لهذا.
قال القاضي: لعل قوله: لا تزهي، لا يتم زهوها ولا ترطب ولا
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣٣٩/ ١٠.
(٢) انظر اللسان: سنا، والمشارق: ٢/ ٢٢٣.
(٣) المدونة: ١/ ٣٣٩/ ١.
(٤) انظر اللسان: خرص.
(٥) المدونة: ١/ ٣٤٠/ ٣.
(٦) قاله ابن الأثير في النهاية، واللسان: بلح.
(٧) المدونة: ١/ ٣٤٠/ ٣.
(٨) كذا في خ وس، وفي ق: يزهي.
(٩) في اللسان والقاموس: قصل: هو ما اقتصل من الزرع أخضر.
[ ٢ / ٤١٦ ]
تُتَمِّرُ، وأنه يبتدئ فيه الصلاح ولا يتم على ما يتم مثله ويكون (١) بلحًا كبيرًا أو بسرًا، ولم يرد البلح الصغير الذي هو علف، فتشبه المسألة الأخرى الذي لا يتمر ويجري (٢) على الأصل. ويكون قوله: لا يزهي، لفظ (٣) لم يحقق. وإلا معناه ما تقدم. وإلا فالقول ما قاله فضل. وإلى نحو هذا أشار أبو عمران أنها لا تحمر ولا تصفر، ولكنها تبقى خضراء وتدخلها الحلاوة.
وعَتاب بن أَسِيد (٤)، بفتح العين، وتشديد التاء باثنتين فوقها. وأبوه بفتح الهمزة وكسر السين.
ابن وهب عن عبد الجليل بن حميد اليحصبي (٥)، كذا عند شيوخنا واسم أبيه حُميْد، بضم الحاء، ونسبه بضم الصاد. وعند ابن سهل: عبد العزيز، عوض عبد الجليل.
والصحيح: عبد الجليل إن شاء الله، وهو قال (٦) البخاري (٧): عبد الجليل بن حميد المصري، وذكر روايته عن ابن شهاب (٨).
وسهل بن حُنيف (٩)، بضم الحاء. وبُسر بن سعيد (١٠)، بضم الباء، تقدمًا.
_________________
(١) في س وع وم والتقييد: ٢/ ١٦١: ولا يكون.
(٢) في ق: ولا يجري.
(٣) في ق ول وع: لفظا، وهو الظاهر. وسقط من س.
(٤) المدونة: ١/ ٣٤٠/ ٦ - . وهو صحابي (انظره في الاستيعاب: ٣/ ١٠٢٣).
(٥) المدونة: ١/ ٣٤٠/ ٤ - . وهو مصري توفي ٢٤٠. (انظر التهذيب: ٦/ ٩٦).
(٦) في س وع وم: قول. ولما في الأصل وجه إذا اعتبرناه مصدرا.
(٧) في التاريخ الكبير: ٢/ ١٢٢.
(٨) كذا في خ وع، وكانت كذلك في ق، ثم أصلحت: أشهب. والصحيح ابن شهاب، وكذلك في المدونة. وروايته معروفة عن عبد الجليل عن ابن شهاب.
(٩) المدونة: ١/ ٣٤٠/ ٣.
(١٠) المدونة: ١/ ٣٤٠/ ٣.
[ ٢ / ٤١٧ ]
والجُعرور (١)، بضم الجيم (٢). وابن حُبيق (٣)، بضم الحاء وفتح الباء، مصغر (٤). والبَرْني (٥)، بفتح الباء وسكون الراء: أصناف من التمر (٦).
والجَرين (٧) - بفتح الجيم - للتمر كالأندر للقمح، وجمعه جُرن (٨)، ويقال له: المربد أيضًا (٩).
ومحمد بن يحيى بن حَبان (١٠)، بفتح الحاء المهملة وباء بواحدة.
وقوله (١١) في مسألة الزيتون الذي له زيت، والنخل الذي يُتَمَّر، والعنب الذي يُزَبِّب: إذا باعها صاحبها قبل عصره وتزبيبه وإتماره إن عليه إخراج ما كان يلزمه من زبيب وتمر وزيت. وقال في مسألة الجلجلان (١٢): "إذا كان قوم لا يعصرونه، ذلك شأنهم، إنما يبيعونه للذين يزيِّتونه للادهان: أرجو إن أخذ من حبه أن يكون خفيفًا"، أشار بعض الشيوخ الأندلسيين أنها خلاف الأولى.
وقد اختلف المذهب في المسألة الأولى، وقد قال في كتاب
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣٤٠/ ٧.
(٢) في اللسان: جعر: قال الأصمعي: ضرب من الدقل يحمل رطبا صغار لا خير فيه.
(٣) المدونة: ١/ ٣٤٠/ ١، وفيها: ولون حبيق. وفي الموطإ: عذق بن حبيق. وفي اللسان: حبق: عذق الحبيق: ضرب من الدقل رديء، وهو مصغر، وهو نوع من التمر رديء منسوب إلى ابن حبيق، وهو تمر أغبر صغير مع طول فيه. وانظر غريب ابن قتيبة: ١/ ٤٤٣، والمشارق: ١/ ١٧٦.
(٤) في ق وس: مصغرا.
(٥) المدونة: ١/ ٣٤٠/ ١.
(٦) كذا فسره المؤلف أيضًا في المشارق: ١/ ٨٥، وفي العين: برن: ضرب من التمر أحمر مشرب صفرة، كثير اللحاء، عذب الحلاوة، ضخم. انظر اللسان: برن.
(٧) المدونة: ١/ ٣٤١/ ٢.
(٨) انظره في اللسان: جرن.
(٩) انظر العين: ربد.
(١٠) المدونة: ١/ ٣٤١/ ١. وهو أنصاري توفي ١٢١. التهذيب: ٩/ ٤٤٨.
(١١) المدونة: ١/ ٣٤٢/ ٨.
(١٢) المدونة: ١/ ٣٤٩/ ٧ - . وفي اللسان: جلل: هو تمرة الكزبرة، وقيل: حب السمسم.
[ ٢ / ٤١٨ ]
محمد (١) فيها في العنب: يزكى من ثمنه. وقياس مسألة الجلجلان عليه، لأنهم إذا لم يخرجوا زيته وأمسكوه حبًا أجزأهم عنده أن يخرجوا من حبه، ولو باعوه لكان على هذا يخرجون من ثمنه. وحكى الباجي (٢) الخلاف عنه في إخراج الزيت من هذه الحبوب إذا بيعت أو من الحب.
وقد يفرق بين المسألتين: مسألة الجلجلان والمسألة الأولى، لأن الجلجلان إنما تحسب (٣) زكاته زيتًا في البلاد التي عادتهم استعمال زيته وإخراجه وزرعه لذلك (٤).
وقد اختلف قول مالك في حب فجل الزيت (٥) وحب القرطم (٦)، وزريعة الكتان هل فيهما (٧) زكاة لأجل زيتهما (٨) أم لا (٩)؟ وكلامه في "المدونة" في مسألة الجلجلان على قوم عادتهم لا يعصرونه، فلم يكن لزيته
_________________
(١) انظره في النوادر: ٢/ ٢٦٨، وتهذيب الطالب: ٢/ ٣٤ ب.
(٢) انظر المنتقى: ٢/ ١٦٣ - ١٦٤.
(٣) على هذه الصورة كتبت في خ، وفي ل وع وس والتقييد: ٢/ ١٧٠: تجب، وكأنها في ق: كتبت أولًا: تحسب، ثم أصلحت: تجب، أو العكس. والظاهر: تجب.
(٤) انظر هذا في النوادر: ٢/ ٢٦٩، والتبصرة: ٢/ ٣٤ ب.
(٥) في القاموس: فجل: هو بالضم وبضمتين؛ هذه الأرومة، واحدتها بالهاء وحب الفجل دواء آخر.
(٦) في العين: قرطم: حب العصفر، وضبطه في القاموس: قرطم: بكسر القاف والطاء وضمهما، ونقل ابن منظور في اللسان قرطم: عن ابن جني ضبطه له ثلاثيًا.
(٧) في ول والتقييد: ٢/ ١٧٠: فيها. ورواية ابن وهب في حب القرطم وبذر الكتان تؤيد صيغة المثنى كما في تهذيب الطالب: ٢/ ٣٤ ب.
(٨) في ق ول وع والتقييد: زيتها.
(٩) قال عنه ابن وهب: في تهذيب الطالب: ٢/ ٣٤ ب: وما علمت أن في حب القرطم وبذر الكتان زكاة. قيل: إنه يعصر منهما زيت كثير؟ قال: فليزكيا. وعزا اللخمي في التبصرة: ٢/ ٥٤ ب لرواية ابن القاسم أن في حب القرطم الزكاة من زيته، قال سحنون وقد قال: لا زكاة فيه وهو أحب إلي. نقله عن المجموعة وهو في العتبية كما في البيان: ٢/ ٤٨١، والنوادر: ٢/ ٢٦٢. وروى عنه ابن القاسم في كتاب محمد: لا زكاة في بذر الكتان ولا في زيته، انظر التبصرة: ٢/ ٥٤ ب، والجامع: ١/ ٣١١، والمنتقى: ٢/ ١٦٤.
[ ٢ / ٤١٩ ]
إذا اعتبار. أو لو كان في بلاد لا يستعمل للاقتيات فيها ولا للزيت لم يكن فيه (١) زكاة على القول: إنها إنما تجب فيما يقتات ويدخر وهو غالب العيش. أو على أنها إنما تجب من الحب فيما يختبر منه (٢).
وذكر في الآثار (٣): "سفيان عن الأوزاعي عن الزهري قال/ [خ ١١٥]: في الزيتون الزكاة"، كذا هو في الأصول. وعند ابن وضاح: سفيان والأوزاعي.
وقوله فيمن خُرص عليه فوجد أكثر (٤): أحب إلي أن يؤدي زكاة ذلك لقلة إصابة الخراص اليوم. حمله بعضهم (٥) على الوجوب. وظاهر الكتاب خلافه لقوله: أحب (٦)، ولتعليله بقلة إصابة الخراص، فلو كان على الوجوب لم يلتفت إلى إصابة الخراص ولا خطئهم (٧). وقد وقع هذا لمالك مفسرا فقال في كتاب محمد (٨): إذا كان الخارص من أهل البصر والأمانة فليس عليه إلا ما خرص. وقال في "المبسوطة" (٩): إن خرصه عالم فوجد أقل أو أكثر لم أر عليه في الزيادة شيئًا، كان خرصه غير عالم فليزكه. وكذا روى ابن نافع عنه (١٠)، وقال من رأيه (١١): يؤدي ما زاد، خرصه عالم أو جاهل، لأنه حق الله.
_________________
(١) في ق: فيها. الضمير يرجع على الجلجلان.
(٢) في ق: فيها يختبر فيها. وفي ع وس: يختبر، ولعله أظهر.
(٣) المدونة: ١/ ٣٤٣/ ٧.
(٤) المدونة: ١/ ٣٤٨/ ٨.
(٥) نقله عبد الحق عن بعض الشيوخ القرويين ونصره في النكت، وكلذلك فعل ابن يونس في الجامع: ١/ ٣١٣.
(٦) في ق: أحب إلي.
(٧) قارن هذا بما في رواية أشهب وابن نافع في العتبية مع شرح ابن رشد في البيان: ٢/ ٤٨٧.
(٨) نقله في التبصرة: ٢/ ٤٨ أ، والجامع: ١/ ٣١٣.
(٩) في ق: المبسوط.
(١٠) ذكره في النكت، والجامع: ١/ ٣١٣، والرواية في كتاب ابن سحنون، وهو في المنتقى ٢/ ١٦٢.
(١١) ذكره عنه في النكت ورجحه وهو في التبصرة: ٢/ ٤٨ أ، والجامع: ١/ ٣١٣ ورجحه أيضًا، والمنتقى: ٢/ ١٦٢.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
مسألة من أدخل بيته ما جد من نخله (١) أو ضم من كرمه أو زرعه، والروايتان المنصوصتان عن مالك في الكتاب وكلامُ ابن القاسم في ذلك. اختلف المتأولون والشارحون على حقيقة مذهب مالك في المسألة وصحيح قوله فيها؛ لأنه قال مرة: هو ضامن إذا أدخله منزله (٢). ومرة قال: إذا أخرج زكاته قبل أن يأتيه المصدق فضاع فهو ضامن (٣). وقال في المال: إذا لم يفرط لم يضمن (٤). ثم قال: إذا لم يفرط في الحبوب لم يضمن (٥).
فذهب بعض شيوخ القرويين إلى أنه يحتمل ألا يكون خلافًا، وأن الرواية المطلقة بالضمان ترد إلى المقيدة بإدخاله بيته، وأن ابن القاسم بزيادته الإشهاد (٦) غيرُ مخالف له؛ إذ يحتمل أن يشهد ليسقط عنه الضمان ثم يأكله، وأن مقتضى قول ابن القاسم بالإشهاد سواء في الأندر أو بعد إدخاله بيته، وأن مالكًا يسوي بين أشهد أو لم يشهد. والمخزومي يبرئه وإن لم يشهد (٧). وإلى نحو هذا المأخذ نحا أبو عمران.
وحمله غيره من شيوخ الأندلسيين على أن قولي مالك مختلفان؛ أحدهما على الإطلاق متى لم يفرط لم يضمن، أدخل ذلك منزله أم لا، أشهد أم لا، كالدنانير. والآخر: يضمن متى أدخله منزله، أشهد أم لا، وأن قول المخزومي موافق للأول، وقول ابن القاسم مخالف للقولين معًا، ويشترط الإشهاد. وسواء ضاع عنده كله أو العشر لا ضمان عليه وإن أدخله منزله. وإلى هذا نحا شيخنا أبو الوليد ﵀ (٨)، وتردد نظره في ساعي نفسه لو ضيع ذلك هل يضمن إذا لم يدخله بيته للحرز أو لا يضمن كالدنانير؟.
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣٤٤/ ١٠.
(٢) المدونة: ١/ ٣٤٤/ ٨.
(٣) المدونة: ١/ ٣٤٤/ ٩.
(٤) المدونة: ١/ ٣٤٤/ ٢.
(٥) المدونة: ١/ ٣٤٥/ ٦.
(٦) المدونة: ١/ ٣٤٥/ ٥.
(٧) المدونة: ١/ ٣٤٥/ ٨.
(٨) انظر المقدمات: ١/ ٣١٢.
[ ٢ / ٤٢١ ]
ولا يختلف أنه إذا ضيع (١) أو فرط أنه ضامن، كما لا يختلف إذا أدخله للحرز والتحصين والخوف عليه في أنادره. وقد قاله التونسي (٢). وإنما يقع الاختلاف إذا لم يحقق الوجه الذي أدخله له (٣) هل يصدق بدعواه الحرز أم لا يصدق؟
والحبَل (٤): الحمل بالجنين، بفتح الباء.
والأَقِط (٥)، بفتح الهمزة وكسر القاف: جبن اللبن المخرج زبده. قال الأجدابي (٦): ويقال فيه: إِقْط، بكسر الهمزة وسكون القاف (٧).
مسألة (٨) إن "مات عبد رجل قبل انشقاق الفجر من ليلة الفطر"، كذا عند شيوخنا، وهو قول أكثر رواة سحنون. وعند الدباغ: بعد انشقاق الفجر. قال بعضهم: ولعله إصلاح من بعض من احتمل على رأيه في المسألة. وقال أبو عمران: الصحيح: قبل.
قال القاضي: اختلفت أجوبة مالك - ﵀ - وأصحابه في هذا الباب واضطربت مسائلهم فيه بحسب الاختلاف في الأصل ومراعاة الخلاف/ [خ ١١٦]، وكذلك اختلف كلام الشارحين ومقاصد المتأخرين. والتحقيق في ذلك أن الخلاف في الوقت الذي بحلوله تجب زكاة الفطر على قولين معلومين:
أحدهما بالغروب، وهي رواية أشهب (٩) وقول ابن القاسم وحكايته عن
_________________
(١) ضبب على الكلمة في خ.
(٢) ذكره عنه في المقدمات: ١/ ٣١٣.
(٣) في ق ول وس وع: عليه.
(٤) المدونة: ١/ ٣٥٤/ ٣.
(٥) المدونة: ١/ ٣٥٧/ ٣.
(٦) في ل وس وع: عبد الحق.
(٧) أشار المؤلف لهذا الوجه في المشارق: ١/ ٤٨، انظر اللسان والقاموس: أقط.
(٨) المدونة: ١/ ٣٥٤/ ١٠.
(٩) وهي في النوادر: ٢/ ٣٠٧، والجامع: ١/ ٣٢١ نقلًا عن الواضحة، والنكت، والاستذكار: ٩/ ٣٥٢، والمقدمات: ١/ ٣٣٥.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
مالك في مسألة العبد المتقدمة - على الرواية الصحيحة - ومن مسألة من مات يوم الفطر (١) فأوصى بزكاة الفطر أنها من رأس المال، وإن كان إسماعيل القاضي قال في مسألة العبد الأولى: إن هذا على استحباب، وهو من قوله ميل إلى:
القول الثاني، وهي رواية مطرف وعبد الملك وابن القاسم عند (٢) ابن حبيب (٣) أنها تجب بطلوع الفجر. وهو قول أكثر أصحاب مالك وكبارهم (٤). وتردد أشهب من قبل نفسه في وجوبها بالغروب (٥).
فعلى هاتين الروايتين تتفرع مسائل الباب، وذلك فيمن مات، أو ولد، أو أسلم، أو أيسر، أو أعسر، أو تزوج، أو طلق، أو باع عبدًا، أو اشتراه، أو أعتقه، أو ورثه، أو وهب له، أو احتلم الولد، أو بني بالابنة البكر: فمن أوجبها بالغروب ألزمها من مات بعده قبل الفجر أو باع بعده عبده، أو كان موسرًا ثم أعسر، أو طلق زوجته. ولم يوجبها على من أسلم بعد الغروب، ولا على من ولد له ولد، أو بلغ، ولا على من ورث عبدًا، أو وهب له، أو ابتاعه، أو أعتق، ولا على من أيسر بعد عسره.
وعلى القول الآخر لا يلتفت إلى الغروب، ويراعى طلوع الفجر في ذلك كله، فيلزم المشتري حينئذ للعبد قبل طلوع الفجر دون البائع، والمتزوج حينئذ دون الزوجة، والبالغ، والبكر المبتني بها دون أبيها، والمعتق دون سيده، ومن ولد وأسلم، والموهوب له، والوارث، والمطلقة دون الزوج، وهكذا في سائر الباب، ولا يلزم من مات حينئذ.
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣٥٤/ ٦.
(٢) في ق ول وس: وعند. وهذا مرجوح.
(٣) عزاه له في النوادر: ٢/ ٣٠٧، والنكت، والجامع: ١/ ٣٢١، والاستذكار: ٩/ ٣٥١، والمقدمات: ١/ ٣٣٥.
(٤) منهم ابن القاسم ومطرف وعبد الملك كما في النكت، والتبصرة: ٢/ ٤٧ ب، والجامع: ١/ ٣١٢.
(٥) انظره في النوادر: ٢/ ٣٠٧، والمقدمات: ١/ ٣٣٦.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وقد حكيت في المسألة أقوال أخر عن أصحابنا:
قال بعضهم (١): إن حد وجوبها طلوع الشمس من يوم الفطر. وخرج بعض المتأخرين (٢) على هذا الخلاف في المسائل المذكورة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقال بعضهم: إنه لا خلاف فيمن مات بعد الفجر أن الزكاة عليه، وهو نصه في الكتاب (٣).
وهذا الحق؛ إذ لم ينص أحد في هذا خلافًا، ولو كان ما قاله الأول لوجد لمتقدم أو متأخر وما أغفلوه سوى هذا القائل. وإنما الخلاف فيما حدث ونشأ بعد الفجر هل يخرج إيجابًا - كما قال في "المدونة" (٤) فيمن أسلم أو ولد - أم لا يجب، أو ينتقل بنقل الملك؟ وأما أن يسقط عمن ذكرناه رأسًا فلا يوجد فيه خلاف. وإنما الذي يجب أن يقال في هذا: هل الوقت من الغروب إلى الفجر موسع الوجوب فيمن أدركه لزمه فرضه، كمن أسلم آخر النهار أو الحائض تطهر فيه فعليهما الصلاة لما أدركا بقية وقته ولزمهما فرضه كذلك هنا، وإن كان الوجوب يتعين أول الوقت والخطاب يتحتم. لكن لما كان الوقت موسعًا لزم من أدركه. أو يقال: إنه غير موسع، فينقضي الوجوب بانقضائه، وعليه يأتي قوله فيمن أسلم يوم الفطر (٥): إنه
_________________
(١) انظره في الجامع: ١/ ٣٢١، وعزاها القاضي عبد الوهاب لجماعة من الأصحاب في المعونة: ١/ ٤٣٠، والإشراف: ١/ ٤١٤.
(٢) انظر التوضيح: ١/ ١٨٩.
(٣) المدونة: ١/ ٣٥٤/ ٧.
(٤) فيها: ١/ ٣٥٤/ ١: (قال مالك: فيمن أسلم بعد طلوع الفجر من يوم الفطر: يستحب له أن يؤدي زكاة الفطر قال: وإن ولد له يوم الفطر أو ليلة الفطر فعليه فيه الزكاة).
(٥) المدونة: ١/ ٣٥٤/ ١.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
يستحب له إخراج زكاة الفطر. وقول ابن حبيب (١): إنما تجب على من أسلم قبل الفجر. وقول ابن مسلمة: لا تجب على من ولد بعد الفجر. فإذا قيل بالتوسعة التي قررنا (٢) ففي القول تجب بالغروب أربعة/ [خ ١١٧] أقوال: أولها إلى طلوع الفجر.
وعلى القول تجب بطلوع الفجر ثلاثة أقوال يشترك فيها مع الوجه الأول؛ يقال (٣): إلى طلوع الشمس، وهي الرواية التي حكاها القاضي أبو محمد عبد الوهاب (٤). أو يقال التوسعة إلى زوال الشمس على مذهب ابن الماجشون في "الثمانية" (٥). أو إلى آخر النهار. وهو ظاهر "المدونة" في مسألة يوم الفطر دون تحديد.
فعلى هذا يقع اختلاف قولي مالك (٦) وغيره من أصحابه في العبد يموت ليلة الفطر قبل الفجر هل عليه فطرة أم لا؟ وفي العبد يباع يوم الفطر
_________________
(١) ذكر اللخمي هذا من رواية آبق حبيب لا من رأيه في التبصرة: ٢/ ٤٧ ب، والذي في النوادر: ٢/ ٣٠٧: وأجمعوا عن مالك فيمن أسلم قبل الفجر أنها عليه.
(٢) لعلها هكذا في خ، وفي ق ول وع: قدرنا.
(٣) في م وس: فقال. وفي ع: فيقال. وهذا محتمل، بل هو أبين.
(٤) ذكره في المعونة: ١/ ٤٣٠، والإشراف: ١/ ٤١٤، انظر الجامع: ١/ ٣٢١، والمقدمات: ١/ ٣٣٦.
(٥) هذا الكتاب لأبي زيد عبد الرحمن بن إبراهيم القرطبي المعروف بابن تارك الفرس، قال ابن حارث في أخبار الفقهاء: ٢٢٧ - ٢٢٨ عن الكتب الثمانية: قيد فيها سماعه عن أصحاب مالك، وأكثر ما فيها موافق لرواية ابن حبيب عنهم، وقد رأيت بعضها بالمشرق، وهي مذكورة ممدوحة عند أهل الآفاق في المسائل على مذهب مالك وقال ابن سهل في الأحكام ٢٤٠: معوله فيها على أصبغ ومطرف وابن الماجشون، واختصرها سليمان بن بيطر الكلبي مرتين، انظر: الصلة: ١/ ٣١٢ والمدارك: ٨/ ١٥، ٤/ ٣، ٢٥٨ وابن الفرضي: ١/ ٤٤١، وفي "معين الحكام" لابن عبد الرفيع: ١/ ٢٢٨ أن ابن زرب اختصرها، وفي حاشية الرهوني: ٤/ ٢٤٢، ٢٤١ أن أبا عمر الإشبيلي اختصرها. وحكى هذا القول عنها في المقدمات: ١/ ٣٣٧.
(٦) انظر المدونة: ١/ ٣٥٤/ ١٠، ٣٥٢/ ٦.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
هل هي على البائع إذ قد (١) وجبت عليه إما بغروب الشمس أو بطلوع الفجر، أو هي على المبتاع، إذ قد انتقل الملك إليه في وقت الوجوب، أو عليهما معًا كما حكي عن أشهب (٢) وجوبًا، أو على البائع وجوبًا، أو على (٣) المشتري استحبابًا على ما قاله أشهب (٤) أيضًا في مشتري العبد بعد الغروب - ويستخرج من "المدونة" من استحبابه ذلك فيمن أسلم يوم الفطر - أو على المشتري وجوبًا وعلى البائع استحبابًا كما ذهب إليه محمد (٥). وذلك إما لتعارض الأدلة في المسألة عندهم، أو (٦) مراعاة الخلاف، أو لأنه لا بعد في تزكية مال في وقت واحد على مالكين، كمن زكى ماشيته فمات أو باعها وضمها (٧) من صارت إليه لنصاب فمر به الساعي من يومه ذلك الذي زكاها فيه على الأول فإنه يزكيها على الثاني.
ولا خلاف فيمن مات أو طلق أو أعسر أو أعتق أو أخرج العبد من ملكه قبل الغروب أنه لا فطرة عليه، وأنها على المطلقة والمعتق والمشتري، إلا ما وقع لأشهب (٨) فيمن أسلم أن زكاة الفطر لا تلزمه حتى يلزمه صوم من (٩)
_________________
(١) في ع وس: أو قد. وليس مناسبا.
(٢) في س: ابن شهاب، وهو قول أشهب كما في المقدمات: ١/ ٣٣٦، وهو في الموازية كما في التوضيح: ١/ ١٩٠، لكن الذي في الموازية أن هذا فيمن باعه بيعا فاسدا ثم رده، وهذا ما نقله في النوادر: ٢/ ٣١١.
(٣) في ق وع: وعلى، والصحيح: أو على؛ إذ هذه الصورة وحدها نقل عنه في النوادر: ٢/ ٣١١.
(٤) انظر النوادر: ٢/ ٣٠٩، والجامع: ١/ ٣٢٢، والمقدمات:١/ ٣٣٦.
(٥) وهذا في النوادر: ٢/ ٣٠٨، والجامع: ١/ ٣٢٢، والمقدمات: ١/ ٣٣٧.
(٦) في ق ول وع وس: وأما مراعاة. وهذا مرجوح.
(٧) في ق: أو ضمها وهو خطأ، وفي م وس: فضمها، وهو محتمل.
(٨) ذكره عنه في الجامع: ١/ ٣٢٢، والمقدمات: ١/ ٣٣٧ وهو له في الواضحة كما في النوادر: ٢/ ٣٠٧ ورماه ابن حبيب بالشذوذ.
(٩) سقطت "من" من ق، وفي ل: صوم يوم، وفي ع وس: الصوم يوم. وثبتت "من" في النوادر: ٢/ ٣٠٧.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
رمضان بإسلامه قبل الفجر من آخر أيامه وحكي نحوه عن مالك (١).
كما أنه لا خلاف إذا نزلت هذه النوازل بعد الغروب من يوم الفطر أنه لا يوجبها طارئ من هذه الطوارئ لمن لم (٢) تجب عليه، ولا يسقطها عمن وجبت عليه.
وقد أشار اللخمي (٣) أن النهار كله وقت توسعة - وجعل (٤) القول بطلوع الشمس مذهبًا - ولا فرق بين المقالتين كما بيناه.
وهذا الخلاف كله مبني على معنى قوله - ﵇ -: "فرض زكاة الفطر من رمضان" (٥)، هل هو لأول ما يمسى فطرًا أو هو مغيب الشمس من آخره؟ ولا يعتبر هذا، إذ هو موجود في سائر الشهر، وإنما المراد الفطر الشرعي المنافي للعبادة المتقدمة من الصوم، وهو من طلوع الفجر بعده، إذ هو الوقت الذي استحب إخراجها عنده (٦) - ولا يجزئ عند غيرنا إلا حينئذ ويستحب الأكل وإظهار الفطر فيه - أو يتسع وقته، لما لا يختلف فيه أنه من النهار، وذلك من حين طلوع الشمس، فإن الفطر في أيام الصوم حينئذ مجمع على تحريمه؛ إذ الخلاف فيما قبل ذلك هل هو من الليل أو من النهار؟ حتى قد اختلف السلف في جواز الأكل للصائم فيه. وبعضهم أجاز ذلك إلى طلوع الشمس. أو المراد الفطر المعتاد ذلك اليوم، وهو الغد إلى زوال الشمس، ولأنه الحد الذي تؤخر إليه صلاة العيد، أو الأكل سائر النهار الذي هو محل الفطر.
_________________
(١) وهو في كتاب محمد كما في الجامع: ١/ ٣٢٢ والذي حكاه عنه هو ابن وهب كما في النوادر: ٢/ ٣٠٨.
(٢) في م وس وع: إن لم.
(٣) في التبصرة: ٢/ ٤٧ ب.
(٤) في ق: وحمل. وهذا ضعيف.
(٥) أخرجه البخاري في أبواب صدقة الفطر، باب صدقة الفطر على العبد وغيره، ومسلم في كتاب الزكاة باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير عن ابن عمر.
(٦) في ق ول وع وس: عندنا.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وإذا نظرت لما فسرناه وقررناه ارتفع عنك الإشكال واضطراب/ [خ ١١٨] الأقوال، وعلمت موضع الخلاف في الوجوب والاستحباب وأسبابهما، والله الموفق للصواب.
ووقع (١) في بعض النسخ بعد مسألة: إذا انشق الفجر يوم الفطر فمات بعده من ألزم الرجل نفقته أن عليه صدقة الفطر، قال سحنون: وأكثر الرواة لا يرون عليه صدقة - ولم أروها ولا هي عند شيوخنا - ولا تصح، وإن ثبتت في رواية فمعناها عندي أنها راجعة لمسألة من مات عبده قبل انشقاق الفجر. وعليه تصح، فإن مطرفًا وعبد الملك وابن القاسم وابن مسلمة يقولان (٢): لا شيء عليه. وذكر ابن مسلمة أنه مذهب مالك. وهي على القولين المتقدمين. وقد ذكر أبو عمران قول سحنون هذا على نحو ما تأولناه فقال: قال سحنون: وأكثر الرواة يقولون في الذي يموت قبل الفجر: إنه لا فطرة عليه (٣).
وقوله في مسألة العبد يجني جناية فيها نفسه: إن صدقة الفطر على سيده (٤). ذهب بعض المشايخ إلى أنها معارضة لقوله في مسألة من له عبد وعليه عبد مثله: إنه لا زكاة عليه للفطر، ومثل قول الغير هناك (٥) وقول سحنون (٦) لأنه بمنزلة الحب والتمر لا يُسقط زكاتَه الدينُ، ولأن نفقته عليه كما علل هنا بالنفقة.
_________________
(١) أسلوب المؤلف هنا غامض، ولعل المسألة المشار إليها هي ما في المدونة: ١/ ٣٥٤/ ١٠.
(٢) في ق ول وع وس: يقولون. وهو الظاهر.
(٣) بعض هذا مذكور في النوادر: ٢/ ٣٠٨.
(٤) في المدونة: ١/ ٣٥٢/ ٩: (قلت: أرأيت العبد يجني جنابة عمدا فيها نفسه فلم يُقتل حتى مضى يوم الفطر والعبد عند سيد أعليه فيه صدقة الفطر؟).
(٥) لم أجد قولًا لغير ابن القاسم في الطبعتين؛ طبعة دار الفكر: ١/ ٢٧١، ولعله يقصد ما في الهامش الموالي.
(٦) في المدونة: ١/ ٢٧١/ ٥ من طبعة دار الفكر، وليس قوله هذا في طبعة دار صادر، ونصه هناك: (قال سحنون: وقد قيل: إنه بمنزلة الحب والتمر وإن عليه الزكاة)، ففي المدونة نسب القول لغير سحنون خلافًا لما ذكر المؤلف.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
قال القاضي: قد يفرق بينهما بفرق بين، وهو وإن جمعهما (١) النفقة والملك فليس كل من جمعه لزوم النفقة يخرج عنه زكاة الفطر كالعبد المخدم على أحد القولين (٢) والصحيحِ منهما، ولا كل من جمعته النفقة والملك كالكافر (٣) - على المشهور - كان خالف فيه ابن وهب، ولا تسقط بسقوط النفقة في كل حالة، فإنها تلزم على (٤) المكاتب (٥) في أشهر القولين (٦)، وإنما سقطت على (٧) المديان (٨) عند ابن القاسم، لأنه ليس عنده من حيث يعطيها إلا من هذا العبد المخرجة عنه وهو مستغرق بدين مثله، أو مما لا يلزمه بيعه في دينه مما لا بد له منه، كما لو كانت بيده دنانير وعليه مثلها وليس له شيء سواها لم تلزمه زكاة؛ لأن ما بيده بالحقيقة مال غيره. وفرق ما بين هذا وبين الماشية والحب، لأن هذه زكاتها منها نفسها، فحق الزكاة فيها، كانت لمن كانت، ومسألة العبد الجاني هو مالك له حتى الآن وعنده مال من حيث يؤدي عنه. وغير (٩) ابن القاسم في المسألة الأولى إنما التفت لما كانت زكاته مخرجة من غير العين جرت مجرى غيرها، ولأن الأصل خروج الزكوات من الأموال، فاستثنى الشرع حط الزكاة عن العين بالدين، وبقي سائر الأموال على الأصل.
وقوله في الموصي (١٠) بزكاة الفطر المتعينة عليه: إنها تخرج من رأس المال، دليل على وجوبها، وهو قول مالك وأصحابه (١١) وعامة
_________________
(١) في ق: جمعتهما، والتاء ملحقة. وهو الظاهر.
(٢) تأتي هذه المسألة بعد هذا.
(٣) المدونة: ١/ ٣٥١/ ١٠، ٣٥٥/ ٥.
(٤) هل يمكن أن تكون "عن"؟
(٥) انظر المدونة: ١/ ٣٥١/ ١١.
(٦) انظر التبصرة: ٢/ ٤٩ ب، والجامع: ١/ ٣١٩، والمنتقى: ٢/ ١٨٤.
(٧) لعل الأنسب: عن.
(٨) انظر المدونة: ١/ ٣١٨/ ٨.
(٩) وهو في المدونة: ١/ ٢٧١/ ٥ من طبعة دار الفكر.
(١٠) المدونة: ١/ ٣٥٤/ ٥.
(١١) انظر ذلك في النوادر: ٢/ ٣٠٥.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
العلماء (١)، وإنما اختلفوا هل هي واجبة بالقرآن من عام قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢)، وهي إحدى الروايتين (٣) عن مالك وقوله في "المجموعة" (٤). وقيل (٥): بل من قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ (٦)، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن المسيب، وفي معنى هذه الآية خلاف بين أهل التفسير. وقيل (٧): بل هي واجبة وفرض/ [خ ١١٩] بإيجاب النبي - ﵇ - وفرضه، وهي الرواية الأخرى عن مالك وقول أكثر أصحابه، وهو معنى ما رُوي عنهم أنها سنة (٨). وأطلق هذا اللفظ قوم من أصحابنا (٩) وتأولوا: فرض بمعنى: قدر (١٠). قال ابن القصار: هي فرض، والفرض في الشرع إذا ورد إنما هو بمعنى الواجب. ولو وقع على التقدير لم يصح أن يقع هنا إلا على الواجب لقوله - ﵇ -: "على كل حر أو عبد" (١١)، و"على" حرف صفة من حروف الوجوب لا التقدير، ويزيده بيانًا ما خرجه الترمذي: "بعث رسول الله - ﷺ - مناديًا ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم! " (١٢).
_________________
(١) إلا ما يحكى عن الأصم وابن علية أنها ليست واجبة، انظر المنتقى: ٢/ ١٨٥، والمقدمات: ١/ ٣٣٤.
(٢) البقرة: ٤٣.
(٣) انظر الجامع: ١/ ٣١٨، وهذا القول في سماع زياد بن عبد الرحمن، كما في الاستذكار: ٩/ ٣٤٩، والتمهيد: ١٤/ ٣٢٣.
(٤) نقله عنها في التبصرة: ٢/ ٤٩ أ.
(٥) حكى هذا القول ابن حبيب كما في النوادر: ٢/ ٣٠١.
(٦) الاعلى: ١٤.
(٧) قاله أصبغ كما في الاستذكار: ٩/ ٣٥٠، والتمهيد: ١٤/ ٣٢٣.
(٨) كابن أبي زيد كما في الاستذكار: ٩/ ٣٥٠، والنوادر: ٢/ ٣٠١، والمقدمات: ١/ ٣٣٤، والجامع: ١/ ٣١٨، وفي التبصرة: ٢/ ٤٩ أقول مالك بسنيتها.
(٩) كعبد الحق في التهذيب: ٢/ ٣٧ أ، وابن يونس في الجامع: ١/ ٣١٨.
(١٠) انظر في هذا كله التبصرة: ٢/ ٤٩ أ، والاستذكار: ٩/ ٣٥١، والمنتقى: ٢/ ١٨٥ وقد انتقد هذا التأويل، انظر أيضًا المقدمات: ١/ ٣٣٣.
(١١) هذا مقطع من الحديث السابق المتفق عليه.
(١٢) في كتاب الزكاة باب ما جاء في صدقة الفطر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،=
[ ٢ / ٤٣٠ ]
مسألة المخدم (١)، قوله في المخدم: زكاة الفطر على سيده الذي أخدمه، يوضح حجة الرواية الواقعة في الوصايا الأول أن نفقة العبد المخدم على الذي أَخدم - على من رواه بالفتح -، وروايتُنا فيه: أُخدم، بضم الهمزة. وقد اختلف الرواة عن مالك في ذلك؛ فروي عنه: هي على السيد (٢). وروي عنه أنها على الذي له الخدمة (٣). والقولان خارجان من "المدونة". وروي عنها أن نفقته من مال نفسه لا على واحد منها، وحكاها ابن الفخار (٤). وهذا القول هو الذي ذكره أصحاب الوثائق أنها من خدمته وكسبه وما بقي للمخدم، إلا أن تكون الأيام اليسيرة فتكون النفقة على رب العبد. وقيل (٥): إن كانت كثيرة فعلى الذي له الخدمة، وإن كانت قليلة فعلى رب العبد. وقيل: إن كان الخلاف فإنما (٦) هو في الكثيرة، وأما القليلة فعلى رب العبد، وهو مذهب سحنون (٧).
_________________
(١) = وقال حسن غريب. وفي الدراية في تخريج أحاديث الهداية: ١/ ٢٧١ إنه اختلف فيه على عمرو، فقيل عنه عن النبي. وقيل عنه: بلغني أن النبي. وانظر حول طرق الحديث وعللها نصب الراية: ٢/ ٤٢٠.
(٢) المدونة: ١/ ٣٥٣/ ٩.
(٣) انظر النوادر: ٢/ ٣١٠.
(٤) قاله ابن القاسم وابن عبد الحكم كما في المنتقى: ٢/ ١٨٤ وقول ابن القاسم في الموازية كما في التبصرة: ٢/ ٤٩ ب، والنوادر: ١٣/ ٥٥.
(٥) محمد بن عمر بن يوسف أبو عبد الله الحافظ، اتسع في الرواية في الأندلس والمشرق وسكن المدينة وشوور بها. كان يميل إلى الشافعي ثم تركه إلى بعض قول الظاهرية. وهو آخر أئمة المالكية وأحفظ الناس وأحضرهم علما وأوقفهم على خلاف العلماء مرجحًا بين المذاهب حافظًا للحديث والأثر مائلًا إلى الحجة والنظر، يحفظ المدونة وينصها من حفظه. من كتبه: اختصار النوادر (ورد عليه في بعضه)، واختصار مبسوط القاضي إسماعيل، والتبصرة (وهو رد على أبن أبي زيد)، وكتاب في الرد على ابن العطار في وثائقه. توفي ٤١٨ (انظر الصلة: ٢/ ٧٤٦ - ٧٤٨ والمدارك: ٧/ ٢٨٦ - ٢٨٩).
(٦) قاله ابن الماجشون، انظر النوادر: ٢/ ٣١١، والتبصرة: ٢/ ٤٩ ب، والمنتقى: ٢/ ١٨٤.
(٧) في ق وع وس: إن الخلاف إنما.
(٨) قوله في المنتقى: ٢/ ١٨٤، والمقدمات: ١/ ٣٣٥.
[ ٢ / ٤٣١ ]
مسألة القِطْنِية والتين هل يُخْرج منها زكاة الفطر؟ اختلفت روايات "المدونة" فيه (١):
فرواية الأندلسيين وكثير من القرويين (٢): "قلت: فالتين؟ قال: بلغني عن مالك أنه كرهه، وأنا أرى أنه لا يجزي ادا (٣) شيء من القطنية مثل اللوبيا أو شيء من هذه الأشياء الذي (٤) ذكرنا أنه لا يجزئ إذا كان (٥) ذلك عيش قوم". وعلى هذا اختصرها حمديس وجمع معها التين. وعلى أنه لا يجزئ ذلك كله اختصرها ابن أبي زمنين وابن أبي زيد (٦) وغيرهما. وهو الذي في كتاب محمد (٧) في القطاني والتين.
وفي رواية جبلة وعيسى بن مسكين (٨) بعد قوله في التين "لا يجزئه": "وأنا أرى كل شيء من القطنية مثل اللوبيا أو شيء من الأشياء التي ذكرنا أنه لا يجزئ إذا كان ذلك عيشًا لقوم، فلا بأس أن يؤدوا من ذلك وتجزئهم". وكذا رواه سليمان بن سالم عن محمد بن سحنون (٩) عن أبيه في المدونة.
_________________
(١) في ق ول: فيها. وهو المتناسب مع قوله: منها. والأنسب: منهما.
(٢) المدونة: ١/ ٣٥٨/ ٣.
(٣) هكذا كتبت الكلمة في خ والتقييد: ٢/ ١٨٠، وفي ق: كتب تحت الألف الثانية ياء، فربما قرئ: أداء، وفي ع وس: إذا. وفي طبعة دار صادر: وأنا أرى أنه لا يجزئه إذا كان شيء، وفي طبعة دار الفكر: ١/ ٢٩٣/ ٣ -: وأنا أرى أنه لا يجزئه أداء كل شيء.
(٤) في ق وع وس والطبعتين: التي. وهو بين.
(٥) في طبعة دار الفكر: وإن كان.
(٦) انظر مختصره: ١/ ٦٤ أ.
(٧) انظر النوادر: ٢/ ٣٠٣، والتبصرة: ٢/ ٥٦ أ، والجامع: ١/ ٣٢٤، والنكت.
(٨) وهو ما في الطبعتين؛ طبعة دار الفكر: ١/ ٢٩٣/ ٣ -، والجامع: ١/ ٣٢٤، وعليه اختصر البراذعي: ٦٠، وهو ما في التقييد: ٢/ ١٨٠. وتقدمت ترجمة الرجلين.
(٩) أبو عبد الله، سمع أباه وموسى بن معاوية الصمادحي، كان في المذهب من الحفاظ المتقدمين وفي غير ذلك من المذاهب من الناظرين المتصرفين، إمامًا في الفقه ثقة، عالمًا بالذب عن مذاهب أهل المدينة، عالما بالآثار صحيح الكتاب. توفي ٢٥٥ (انظر =
[ ٢ / ٤٣٢ ]
ووقع هذا الكلام لأشهب في بعض النسخ في الروايتين جميعًا، ولم يصح في أكثر كتب شيوخنا اسم أشهب. وأوقفه في كتاب ابن المرابط وقال: ليس للدباغ ولا للإِبَّياني. وهو كتاب ابن عيسى، ومثله في "المبسوط" (١) و"مختصر" ابن عبد الحكم (٢). ومعنى عيش قوم أي في الرخاء لا في ضرورة الشدة.
وقوله: يبعثون السعاة قُبُل الصيف (٣)، بضم القاف والباء، أي عند استقبال الصيف، ويقال في هذا قِبَلا، بكسر القاف وفتح الباء أيضًا.
وقوله (٤): "حين (٥) تطلع الثريا" أي عند الفجر، وذلك منتصف/ [خ ١٢٠] شهر أَيَّار، وهو شهر مايه. وقيل لاثنتي عشرة ليلة تخلو منه.
وقوله (٦) في البكر لها الخادم ولم يحولوا بين الزوج وبينها: إن على الزوج زكاة الفطر عن الخادم، "لأنها كانت هي وخادمتها، نفقتها (٧) على الزوج حين لم يحولوا بين الزوج وبين أن يبتني بها"، ظاهره أن بنفس التمكين تلزمه النفقة. ومعناه أنه قد دعوه للبناء كما فسره في النكاح (٨)،
_________________
(١) = طبقات الخشني: ١٧٨ والرياض: ١/ ٤٤٣ والمدارك: ٤/ ٢٠٤).
(٢) عزاه له في النكت.
(٣) وهو له في النوادر: ٢/ ٣٠٣، والنكت، والمنتقى: ٢/ ١٨٨، والجواهر: ١/ ٣٤٠.
(٤) في المدونة: ١/ ٣٣٨/ ٤: (قال مالك: سنة السعاة أن يبعثوا قبل الصيف وحين تطلع الثريا).
(٥) المدونة: ١/ ٣٣٨/ ٤.
(٦) كذا في النسخ والطبعتين؛ طبعة دار الفكر: ١/ ٢٨٢/ ١٣ -، وفي ق: حتى. وهو تصحيف.
(٧) المدونة: ١/ ٣٥٦/ ١.
(٨) في الطبعتين: نفقتهما، وهو الظاهر. انظر طبعة دار الفكر: ١/ ٢٩٢/ ٦.
(٩) المدونة: ٢/ ٢٥٤/ ٢.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
وكذا قال ابن المواز (١). وبهذا فسر هذه المسألة الشيوخ. ولابن شهاب في النكاح (٢) خلاف هذا حتى يقضي به السلطان.
_________________
(١) انظره في النوادر: ٢/ ٣٠٦.
(٢) المدونة: ٢/ ٢٥٥/ ٩.
[ ٢ / ٤٣٤ ]