(قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي ﵁) (١):
الحمدُ لله الذي عمَّنا بفضله العظيم، وأتمَّ نعمته علينا بهدايتنا إلى الصراط المستقيم، وصلَّى الله على محمَّد نبيه المصطفى الكريم، صلاة دائمة مشفوعة (٢) بالبركة والتسليم.
وبعد: فإن أصحابنا من المتفقهة - أسعدنا الله وإياهم بتقواه - رغبوا في الاعتناء بمجموع يشتمل على:
١ - شرح كلمات مشكلة وألفاظ مغلطة (٣)، مما اشتملت عليه
_________________
(١) سقط من خ.
(٢) في ع وح وم ول: مستفرغة. ولعلها تصحيف.
(٣) قد تقرأ هذه الكلمة في خ مغلظة وإن كانت تبدو فوق حرف الغين منها نقطتان، وكان حرف الطاء فيها مهملًا - والنسخة غالبًا غير منقوطة - وهذا أيضًا ما في النسخة م. ومعنى: غلَّظ الشيء: جعله غليظًا، وأمر غليظ: شديد صعب (انظر: اللسان وتاج العروس، مادة: غلظ). وفي النسخة ق: مغطلة، ومن معاني غطل: غطل الليل: إذا التبست ظلمته، والغيطلة التباس الظلام وتراكمه (انظر اللسان: غطل). وفي بقية النسخ: مغلطة، ومن استعمالات هذه اللفظة في الشعر قول أبي القاسم بن الشاط مجيبًا عن شعر لأبي المطرف بن عميرة: =
[ ١ / ٥ ]
الكتب (١) المدونة والمختلطة؛ اختلفت الروايات في بعضها، ومنها ما أُرْتِجَ (٢) على أهل درسها وحفظها. وربما اختلف المعنى لذلك الاختلاف فحمل على وجهين، أو تحقق الصواب أو الخطأ في أحد اللفظين.
٢ - وفي ضبط حروف مشكلة على من لم يعتن بعلم العربية والغريب.
٣ - وأسماء رجال (٣) مهملة لا يعلم تقييدها إلا من تَهَمَّمَ (٤) بعلم الرجال والحديث. وقد استمرت روايات الأشياخ في الكتاب - في كثير منها - على الوهم الصريح، والتصحيف القبيح، لتوفر عامتهم وجمهورهم على علم المسألة والجواب، وتفرغهم لذلك عن التحقق (٥) بعلمي الأثر والإعراب.
وقد كنت كثيرًا ما أجري معهم في المذاكرة منها نتفًا، وأجاذبهم في مجالس المناظرة من ذلك طُرفًا، وأقف عند ما لم أحط به علمًا معترفًا. فاستخرت الله تعالى على الإجابة، واستوهبته الهداية (٦) في ذلك والتوفيق للإصابة (٧).
_________________
(١) = علم التباين في النفوس وأنها منها مغلطة وغير مغلطة (انظر نفح الطيب: ٥/ ٢٤٧). وقول التفتازاني في "شرح المقاصد": هذه مغلطة تحير في حلها عقول العقلاء، ولهذا سميتها مغلطة الجذر الأصم. (انظر: كشف الظنون: ٢/ ١٦٦١).
(٢) في ق وح وم ول: كتب.
(٣) في لسان العرب: أرتج على القارئ - على ما لم يسم فاعله - إذا لم يقدر على القراءة؛ كأنه أطبق عليه كما يرتج الباب وفي تهذيب اللغة: أرتج عليه: استغلق عليه الكلام. (اللسان: رتج).
(٤) في خ وح: الرجال، وهو مرجوح.
(٥) تهمم الشيء: طلبه. (اللسان: هم).
(٦) في ق ول: على التحقيق، وفي ح: عن التحقيق. وكلاهما غير سليم.
(٧) في ع وح ول: المتابة، وفي م: المثابة.
(٨) في ق: إلى الإصابة. وله وجه.
[ ١ / ٦ ]
٤ - وأضفت إلى الغرض المطلوب بيان معاني الألفاظ الفقهية الواقعة في هذه الكتب، وكيفية تجوزها عن موضوعها، وأصل اشتقاق أصولها وفروعها.
ونثرنا أثناء ذلك نكتًا من كلام المشايخ والحذاق وتعليقاتهم، إلى ما استثرناه من أسرار الكتاب واستنبطناه إلى تنبيهاتهم. وأكثرها مما لم يقع في الشروحات له ذكر، ولا انكشف له في التعاليق سر، لتتم الفائدة لباغيها، وتكمل المنفعة لدارسها وراويها. والله أسأل عصمة تقي (١) شهوات النفس ودواعيها، وتوفيقًا يرشد إلى مناهج الطاعات ومساعيها، (بعزته) (٢).
ذكر أسانيدنا في هذه الكتب (٣) التي حملناها بها، وأداها لنا شيوخنا إلى مؤلفها (٤) - رحم الله جميعهم - وهي من طريق النقل والرواية كثيرة، واقتصرت منها هنا على ما أذكره؛ فقرأت بلفظي، وسمعت بقراءة غيري (٥)، جميع الكتب (٦) "المدونة والمختلطة" بمدينة قرطبة - حرسها الله - على الشيخ الفقيه أبي محمَّد عبد الرحمن (٧) بن محمَّد بن عتاب -
_________________
(١) في ع: ومن الله أسأل عصمة تنفي.
(٢) سقطت من ق وس وع وح وم.
(٣) في م وح وس: هذا الكتاب، والمقصود: كتب المدونة.
(٤) في ق: مؤلفيها، وهو محتمل، لاجتماع علم كل من الإمام مالك ورواية ابن القاسم له وتدوين سحنون له في "المدونة".
(٥) عبارة المؤلف في "الغنية" أدق إذ قال: قرأت أيضًا أكثرها وسمعت باقيها، يعني على ابن عتاب (الغنية: ٤٢).
(٦) في ح: كتاب، وفي م ول: كتب.
(٧) قال عنه ابن بشكوال في "الصلة": ٢/ ٥١١ - ٥١٣: آخر الشيوخ الجلة الأكابر في علو الإسناد وسعة الرواية، روى عن أبيه وأكثر عنه، وكان هو الممسك لكتب أبيه للقارئين عليه سمع الناس منه كثيرًا، وكانت الرحلة في وقته إليه، ومدار أصحاب الحديث عليه، لثقته وجلالته وعلو إسناده وصحة كتبه. وكان صابرًا على القعود للناس مواظبًا على الاستماع (كذا)؛ يجلس لهم يومه كله وبين العشاءين. وطال عمره وسمع منه الآباء والأبناء، والكبار والصغار. وقال عنه المؤلف في "الغنية" (ص: ١٦٢): بقية المشيخة بقرطبة ومسنيهم ومقدم مفتيهم وأكبر مسنديهم قرأت عليه وسمعت جميع =
[ ١ / ٧ ]
﵀ - سنة سبع وخمسمائة، وعارضت كتابي بأصل أبيه العتيق. وحدثني بجميع ذلك عن أبيه (١) عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أحمد التجيبي (٢) عن أبي إبراهيم - إسحاق بن إبراهيم (٣) - عن أحمد بن خالد (٤)
_________________
(١) = المدونة والمختلطة. وتوفي سنة ٥٢٠. هذا وقد سماه ابن حمادة في "مختصر المدارك": عبد الله (انظر المدارك: ٨/ ١٩٢). وكذلك الشيخ مخلوف في "شجرة النور": ١٢٩.
(٢) محمد بن عتاب بن محسن الجذامي أبو عبد الله القرطبي، شيخ المفتين بها، روى عن أبي بكر التجيبي وأبي المطرف القنازعي والقاضي يونس بن عبد الله (ابن مغيث) تفقه به الأندلسيون وسمعوا منه كثيرًا. قال عنه تلميذه القاضي أبو الأصبغ بن سهل: كان إمامًا جليلًا متصرفًا في كل باب من أبواب العلم، أحد الفقهاء بالأندلس، حافظًا نظارًا مستنبطًا، بصيرًا بالأحكام والعقود. وتوفي ٤٦٢ (انظر المدارك ٨/ ١٣١ - ١٣٢ وترجمه في الصلة ٣:/ ٧٩٨). وذكر له مجموعة من الاختيارات الفقهية، وقد أكثر عنه ابن سهل النقل في الأحكام.
(٣) هكذا سمى هذا الراوي في النسخ، غير أن في حاشية خ إزاءه: ابن حوبال، وعند جرد المؤلف لأسانيده للمدونة في الغنية ص: ٤٢ ذكر هذا السند ذاته وسمى هذا الشيخ أبا بكر عبد الرحمن بن حوبيل وهو هو، وهو من كبار شيوخ ابن عتاب، ذكره في غير ما سند في فهرسة ابن خير مثل: ١/ ٦٨، ٧٢، ١٠١ وفي الصفحة الأخيرة كشف عن اسمه الكامل؛ أبي بكر عبد الرحمن بن أحمد بن محمَّد بن أحمد بن قاسم التجيبي؛ يعرف بابن حوبيل. ثم ذكر سنده في المدونة من طريق ابن عتاب في: ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧. وانظر أيضًا فهرسة ابن عطية: ١٠٧، ١٢٥. وذكره عياض نفسه في غير ما سند؛ انظر الغنية: ١٦٣، ١٢١، ٣٠ والمشارق: ١/ ٨. وترجمه في الصلة: ٢/ ٤٧٢ والمدارك: ٧/ ٢٨٩ - ٢٩٠ وقال: قرطبي كبير المفتين في طبقته. توفي ٤٠٩. وترجمته في جذوة المقتبس: ٢/ ٤٢٦ باقتضاب وقال: يروي عن الخشني (محمَّد بن عبد السلام) وابن زرب، وروى عنه ابن عبد البر.
(٤) ابن مسرة التجيبي مولاهم، سمع من ابن لبابة وأحمد بن خالد، وبهما تفقه. كان من أهل العلم والفضل والدين المتين والزهد والتقشف، وكان يناظر عليه في الفقه. توفي ٣٥٢ (انظر تاريخ ابن الفرضي: ١/ ١٤٣ والمدارك: ٦/ ١٢٦ - ١٣٤).
(٥) أحمد بن خالد بن يزيد المعروف بابن الجَبَّاب، سمع من ابن وضاح وبقي بن مخلد وقاسم بن محمَّد بن سيار ومحمد بن عبد السلام الخشني وإبراهيم بن باز. رحل فسمع الشيوخ في أقطار شتى في المشرق. قال عنه ابن حارث: كان بالأندلس إمام وقته غير مدافع في الفقه والحديث والعبادة، اشتهر كتابه "مسند حديث مالك"، وله اختيارات =
[ ١ / ٨ ]
عن محمَّد بن وضاح (١) وإبراهيم بن محمَّد بن باز (٢) وإبراهيم بن قاسم / [خ ١] بن هلال (٣)، عن سحنون بن سعيد التنوخي (٤).
_________________
(١) = فقهية، توفي ٣٢٢ (انظر: تاريخ علماء الأندلس ١/ ٧٦، وجذوة المقتبس ١/ ١٩٢، والمدارك ٥/ ١٧٤ - ١٧٨، وانظر سنده للمدونة في فهرسة ابن خير ١/ ٢٩٧).
(٢) محمَّد بن وضاح بن بزيع، أبو عبد الله، روى بالأندلس عن يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان وابن حبيب وعبد الملك زونان، ورحل رحلتين، صحب في الثانية بقي بن مخلد. ولقي كبار المحدثين كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني، غير أنه لم يسمع منهم، ولم يهتم بالحديث إلا في رحلته الأخرى. وبه وببقي بن مخلد صارت الأندلس دار حديث كما هو مشهور. وفي رحلته الثانية سمع من سحنون المدونة. وكان قبلة الطلبة صابرًا على الإسماع محتسبًا في نشر العلم، ونفع الله به أهل الأندلس. توفي ٢٨٧ (انظر: تاريخ ابن الفرضي ٢/ ٦٥٠ - ٦٥٢، وجذوة المقتبس ١/ ١٥٣، والمدارك ٤/ ٤٣٥، وانظر بعض روايات المدونة عنه في فهرسة ابن خير ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
(٣) هو أبو إسحاق المعروف بابن القزاز، سمع من يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان. ورحل فسمع أبا زيد بن أبي الغمر وسحنون. روى عنه أحمد بن خالد وقال عنه: كان من أحفظ الناس للمدونة والمسائل وأضبطهم لها، وفي طبقات المالكية لمؤلف مجهول (ص: ٩٨) حكاية لابن خالد هذا مع شيخه هذا وهو يقرأ عليه المدونة. وقال عنه ابن أبي دليم: كان فاضلًا زاهدًا حافظًا للمذهب متقنًا له، ربما قرئت عليه المدونة والأسمعة ظاهرًا فيرد الواو والألف، توفي ٢٧٤. (انظر تاريخ الفقهاء والمحدثين لابن حارث: ١٢ وتاريخ ابن الفرضي: ١/ ٣٧ والجذوة: ١/ ٢٣٢ والمدارك: ٤/ ٤٤٣ - ٤٤٥. وانظر سنده في المدونة في فهرسة ابن خير: ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
(٤) أبو إسحاق القيسي، سمع من يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان، ورحل فسمع سحنون، وكانت له منه منزلة بصحبة سحنون لأبيه عند ابن القاسم. وكان بيت بني هلال بقرطبة بيت علم وزهد وتقدم في المذهب. توفي ٢٨٢. (انظر تاريخ ابن الفرضي: ١/ ٣٨ والجذوة: ١/ ٢٣٣ والمدارك: ٤/ ٤٢٦ - ٤٢٩). وانظر روايته للمدونة عند ابن خير: ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٥) سيأتي للمؤلف بعد هذا ضبط هذا اللقب، وهو أحد من قام عليه المذهب المالكي بعد أن أخذ عن مشايخ القيروان كعلي بن زياد والبهلول بن راشد، رحل إلى ابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن عبد الحكم، وإلى الحجاز فسمع المدنيين؛ مطرفًا ووابن الماجشون ووكيعًا وابن مهدي. قال أبو العرب: كان ثقة حافظًا للعلم فقيه البدن، اجتمعت فيه خلال قلما اجتمعت في غيره؛ الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزهادة في الدنيا. وهو أعرف من أن يعرف به، وخصه المالكي بترجمة حافلة في رياض النفوس: ١/ ٣٤٥ - ٣٨٤ والمؤلف في المدارك: ٤/ ٤٥ - ٨٨.
[ ١ / ٩ ]
قال أبو عبد الله بن عتاب: وحدثني بها أيضًا أبو القاسم خلف بن يحيى الفهري (١) عن أبي المطرف - عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج (٢) - عن أحمد بن خالد.
قال خلف بن يحيى: ونا بها أيضًا أبو محمَّد بن أبي العطاف (٣) - عبد الله بن يوسف - عن ابن وضاح عن سحنون.
قال القاضي (٤): وقرأت الكثير منها - على جهة التقييد والسماع أيضًا، بسبتة حرسها الله - على الفقيه القاضي أبي عبد الله - محمَّد بن عيسى التميمي (٥)
_________________
(١) قال عنه ابن بشكوال في الصلة: ١/ ٢٦٠: روى عن عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج كثيرًا وعن أحمد بن مطرف وأحمد بن سعيد بن حزم ومسلمة بن القاسم وكان شيخًا فاضلًا خيرًا عالمًا بما روى، توفي ٤٠٥. وانظر بعض أسانيده ومروياته في الفهرسة: ١/ ٧٢، ٨٨ وفهرسة ابن عطية: ٨٠، ٧٩ ولم أجد له ترجمة في غير الصلة.
(٢) قال عنه المؤلف في المدارك: ٧/ ٢٧ - ٢٨: أخذ عن أحمد بن خالد وابن أيمن وقاسم بن أصبغ وناظر عندهم في الفقه وأكثر من الرواية، ورحل إلى المشرق فلقي جماعة، وكان ممن جمع الحديث والرأي، عالمًا بمذهب مالك حافظًا له راسخًا في علمه، متحريًا في الرواية. كان يتفقه عنده وسمع منه، وله أوضاع كثيرة في غير ما فن. توفي ٣٦٣. وانظر ترجمته في تاريخ ابن الفرضي: ٢/ ٤٤٨.
(٣) هو عبيد الله بن محمَّد بن يوسف الأحدب، قال المؤلف في ترجمته في المدارك: ٦/ ١٤٠ عن ابن عفيف: كان من أهل العلم والرواية العالية عن ابن وضاح وغيره، حافظًا للفقه، عالمًا بالوثائق وعللها، وكان يُطعن في عدالته. بينما حكى ابن الفرضي ثناء عليه في التاريخ: ١/ ٣٩٤.
(٤) دأبت النسخ ق وس وع وح وم ول على كتابة: "قال المؤلف ﵀"، وانفردت خ بكتابة: "قال القاضي"، وتضيف الترضي أيضًا أحيانًا أما ز فتكتب في المتن: "قال المؤلف" غالبًا، وتنبه في الهامش على أن في الأصل - على ما يبدو -: "قال القاضي"، بكتابة حرف الضاد. وبعض النسخ جمع بين الطريقتين.
(٥) قال المؤلف في حقه في الغنية ٢٧ - ٢٨: أجلُّ شيوخ بلدنا ومقدم فقهائهم، أخذ عن شيوخ الأندلس؛ ابن المرابط وأبي علي الغساني وابن الطلاع لازمتُه كثيرًا للمناظرة في المدونة والموطإ وسماع المصنفات، فقرأت عليه وسمعت بقراءة غيري كثيرًا، وأجازني جميع روايته. توفي ٥٠٥. وانظر ترجمته في الصلة: ٣/ ٨٧٤ ومختصر ابن حمادة للمدارك في المدارك: ٨/ ١٩٩.
[ ١ / ١٠ ]
﵀ - في سنة سبع وتسعين وبعدها، وناظرت عليه فيها غير مرة قبل التاريخ وبعده، وقرأ علينا أكثرها بلفظه، وأجازني بجملتها وحدثني بها عن القاضي أبي عبد الله - محمَّد بن خلف بن المرابط (١) - عن أبي الوليد محمَّد بن عبد الله بن ميقل (٢) عن أبي محمَّد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (٣) عن أبي الحسن علي بن مسرور (٤) عن أحمد بن داود (٥) عن سحنون.
_________________
(١) قال عنه ابن بشكوال في الصلة ٣/ ٨١٥: روى عن أبي عمر الطلمنكي والمهلب بن أبي صفرة وأبي الوليد بن ميقل، وتوفي ٤٨٥. وقال المؤلف في المدارك: ٨/ ١٨٤ - كما في مختصره لابن حمادة -: رحل إليه الناس وسمعوا، ومنهم شيخنا أبو عبد الله التميمي. ألف في شرح البخاري كتابًا حسنًا. وهو من أهل الفضل والفقه والتفنن.
(٢) في ع وح ول: منقل، وفي م: منقر. وفي المدارك: ميقيل. ونقل الضبي في "بغية الملتمس": ١/ ١٢٤ من خط أحد شيوخه أنه يعرف بابن ميقل، بالميم. بينما في جذوة المقتبس عن أبي العباس العذري أنه بالنون. وفي هامش طبعة "مشارق الأنوار": ١/ ٨ أن في ثلاث نسخ منه ضبطه بكسر الميم وضم القاف. وقال المؤلف في حقه في المدارك: سمع من الأصيلي، وروى عنه ابن المرابط وابن الحذاء وقال عنه: كان أحفظ الناس لمذهب مالك وأقواهم فيه حجة، عالمًا بصحيح الحديث وسقيمه ورجاله، وتوفي ٤٣٦. (انظر المدارك: ٨/ ٣٤، والصلة: ٢/ ٧٧١ والجذوة: ١/ ١١٤).
(٣) هو عبد الله بن إبراهيم بن محمَّد الأصيلي أبو محمَّد، تفقه بقرطبة على أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم التجيبي وابن المشاط، ورحل فسمع بإفريقية أبا العباس الإبِّياني وأبا العرب التميمي وعلي بن مسرور الدباغ وابن أبي زيد القيرواني. وأخذ بالعراق عن أبي بكر الأبهري وكثير من أهل الحديث. له رواية معروفة في البخاري عن أبي زيد المروزي عن الفربري عن البخاري. ممن تفقه به أبو عمران الفاسي. وله كتاب في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة سماه "الدلائل على أمهات المسائل". توفي ٣٩٢ (انظر تاريخ ابن الفرضي: ١/ ٤٢٦ - ٤٢٧ وجذوة المقتبس: ١/ ٤٠٠ والمدارك: ٧/ ١٣٥ - ١٤٤ وبغية الملتمس: ٢/ ٤٤٠).
(٤) هو علي بن محمَّد بن مسرور الدباغ، سمع من أحمد بن أبي سليمان - صاحب سحنون - وعوَّل عليه، وسمع كثيرًا من القرويين. أخذ عنه القابسي وعالم كثير، كان من أهل العلم والورع والتعبد والصيانة والإخبات والسلامة والحياء، ثقة حسن التقييد. توفي ٣٥٩. (انظر المدارك: ٦/ ٢٥٨، والديباج: ٢٩٥).
(٥) هو أحمد بن أبي سليمان - داود - الصراف أبو جعفر، قال عن نفسه: أتى بي أبي إلى سحنون سنة ٢١٧ لأسمع منه فاستصغرني وأجاز لي جميع كتبه، ثم صحبته بعد ذلك عشرين سنة. وسمع من أبيه أيضًا. روى عنه أبو العرب. قيل فيه: كان حافظًا =
[ ١ / ١١ ]
قال الأصيلي: ونا (١) بها أيضًا أبو العباس - عبد الله بن أحمد الإِبِّياني (٢) - عن يحيى بن عمر (٣) وأحمد بن داود عن سحنون.
_________________
(١) = للفقه مقدمًا فيه، مع ورع وصيانة لعلمه، من مقدمي رجال سحنون وأحد كبار المالكية. وكان يصبر على السماع؛ أسمع الناس عشرين سنة، وكان يقول: أنا حبس وكتبي حبس. قال فيه ابن حارث: لم يكن معدودًا في أهل الحفظ ولا في أهل المعرفة بما دق من العلم. توفي ٢٩١ (انظر المدارك: ٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧ وطبقات علماء إفريقية للخشني: ١٩٠ - ١٩١ ورياض النفوس: ١/ ٥٠٥ والديباج: ٩٥. هذا وسمَّاه ابن الفرضي في التاريخ: ١/ ١٢٥ أحمد بن سليمان وقيد تاريخ وفاته سنة ٢٩٦ وأضاف أنه كان يذهب مذهب العراقيين!.
(٢) في ع: وحدثنا، وأصلحت: وحدثني، وفي ح: وحدثني.
(٣) هو عبد الله بن أحمد بن إبراهيم، أبو العباس الإبِّياني، قال المؤلف في المدارك: كذا يقال؛ بكسر الهمزة وتشديد الباء. وقيل: صوابه تخفيفها، وقال في المشارق ١/ ٧٠: أكثر الشيوخ يقولونه بضم الهمزة وفتح الباء مشددة، وصوابه كسرهما، وتشدد الباء وتخفف. وفي النسخة ز ص ٧٧ من التنبيهات ذكر الناسخ أن المؤلف ضبطه مرة: الأَبْياني. وانظر مزيد تفصيل في ضبط هذه النسبة في هامش "معجم المؤلفين التونسيين" لمحمد محفوظ: ١/ ٤٤. والإِبِّياني تفقه بيحيى بن عمر وأحمد بن أبي سليمان وحمديس وأخذ عنه الأصيلي والقابسي وابن أبي زيد. قال المالكي: كان شيخًا صالحًا ثقةً مأمونًا إمامًا فقيهًا عالمًا بما في كتبه، حسن الضبط حسن الحفظ جيد الإستنباط، كان يدرس كتاب ابن حبيب، ذكر تلميذه أبو الحسن اللواتي مرة أنه كان يقرأ عليه في الواضحة صدرًا من كتاب البيوع فقال له: بقي من الكتاب حديث كذا ومسألة كذا فنظرنا فلم نر شيئًا ثم تأملنا فإذا ورقتان قد التصقتا. توفي ٣٥٢، وقال المالكي سنة ٣٦١ على ما حكى عنه عياض في المدارك: ٦/ ١٨ ولم أجد له ترجمة في "رياض النفوس" للمالكي وإن نقل عنه القاضي عياض غير مرة، ثم إن تراجم "الرياض" انتهت قبل سنة ٣٦١. (انظر ترجمته في المدارك: ٦/ ١٠ - ١٨)
(٤) يحيى بن عمر بن يوسف الكندي أبو زكرياء، أندلسي عداده في الإفريقيين، استوطن القيروان ثم سكن سوسة، سمع من ابن حبيب وسحنون وأصحاب ابن وهب وابن القاسم وأشهب بمصر. تفقه عليه خلق كثير كابن اللباد وأبي العرب والإبياني وأحمد بن خالد. قال ابن حارث: رحل إليه الناس، ولا يروون المدونة والموطأ إلا عنه. قال المالكي: كان له كرسي في الجامع للسماع فيجلس عليه ويسمع عليه الناس، وكان يسمع بجامع القيروان، فبينما هو يسمع الناس يومًا وحوله خلق كثير يسمعون عليه وقال أبو الحسن اللواتي: كان يحيى عندنا بسوسة يسمع الناس في المسجد =
[ ١ / ١٢ ]
قال القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عيسى: ونا (١) بها أيضًا الفقيه أبو عبد الله محمَّد بن فرج - مولى ابن الطلاع (٢) - قال: نا (٣) أبو علي الحسن بن أيوب الحداد (٤)
_________________
(١) = فيملأ المسجد وما حوله قال أبو العرب: كان كثير الكتب في الفقه والآثار، ضابطًا لما روى عالمًا بكتبه، متفننًا شديد التصحيح لها. ومن مؤلفاته: "اختصار المستخرجة" - المسمى: المنتخبة - و"اختلاف ابن القاسم وأشهب". توفي ٢٨٩ (انظر علماء إفريقية: ١٨٤ ورياض النفوس: ١/ ١٩٣ والمدارك: ٤/ ٣٥٧ - ٣٦٢).
(٢) في ع أصلحت: وحدثني، وفي ح: وحدثني به.
(٣) في ضبط اسم أبيه ومولى أبيه وجدت في برنامج أبي القاسم التجيبي ص ٥٦: محمَّد بن فرج مولى الطلاع؛ هو بفتح الراء وبالجيم. وقيل فيه: ابن الطلاع. وقيل: مولى محمَّد بن بحيى البكري المعروف بابن الطلاع، وكل ذلك بالعين في آخره. وقال سراج بن عبد الملك اللغوي الحافظ: الصواب فيه ابن الطلاَّء، بالهمز لأن أباه فرجًا كان يطلي مع سيده اللُّجُم بالرَّبَض الشرقي من قرطبة بإزاء باب الجديد، ومن قال: ابن الطلاع فخطأ. وقال أبو عبد الله بن هشام النحوي اللغوي السبتي: هو ابن الطلاع، بالعين المهملة، وقيل له ذلك لأن أباه كان يطلع على نخل قرطبة. قلت (القائل التجيبي): ووجدت عن بعض أهل الحديث أنه إنما قيل له: ابن الطلاع لأن أباه كان يطلع الدهان مع سيده. فعلى هذا يكون الطلاع والطلاء معًا بمعنى واحد. وانظر كلامًا آخر في هذا لابن الأبار في "المعجم في أصحاب القاضي الصدفي" ص ٣٦. روى المترجم عن مكي بن أبي طالب وحاتم بن محمد الطرابلسي وأبي علي الحداد. وهو شيخ الفقهاء في عصره وأسند من بقي في وقته، رحل إليه الناس في سماع الموطإ والمدونة لعلو كعبه في ذلك، حدث عنه القاضي أبو عبد الله بن عيسى واستجازه وأبو علي الصدفي. ألف: أحكام النبي، وكتاب الشروط وأخرج زوائد أبي محمَّد في المختصر، وألف مختصر أبي محمَّد على الولاء. وكان فقيهًا عالمًا، حافظًا للفقه على مذهب مالك وأصحابه، حاذقًا في الفتوى، مقدمًا في الشورى. وكان يقوم على المدونة، وكانت عنده في وعاء قد أعد بإزائه مثله، ثم لا يزال ينقل أجزاءها أثناء مطالعتها من أحدهما إلى الآخر؛ إذا فرغ عاد، ومتى ختم بدأ عاجلًا، ذلك ديدنه إلى أن مات سنة ٤٩٧. وانظر إسناده في المدونة عند ابن خير: ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧ (انظر ترجمته في الصلة: ٣/ ٨٢٤ ومختصر المدارك لابن حمادة في المدارك: ٨/ ١٨٠ - ١٨١ والمعجم لابن الأبار: ٣٦ - ٣٧).
(٤) في ع وح: وحدثني.
(٥) قرطبي روى عن محمَّد بن عبيدون وابن زرب، وعنه أبو عبد الله بن عتاب وابن الطلاع. كان حافظًا للمسائل والأجوبة، قائمًا بها على مذهب المالكية، عارفًا =
[ ١ / ١٣ ]
عن محمَّد بن عبيدون (١) عن محمَّد بن وضاح عن أبي سعيد سحنون بن سعيد التنوخي عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم (٢) العتقي.
ومما يحتاج إلى بيانه في هذه الأسماء ما يقع فيه كثير من الناس في نسب ابن القاسم، وصوابُه - كما ضبطناه - العتقي؛ بضم العين المهملة وفتح التاء. وهو نسب مولاه؛ فإنه عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة - مولى زبيد بن الحارث العتقي - منسوب إلى العُتَقَاء (٣)؛ وهم جماعة (٤) من العرب مُنَّ عليهم فسُمُّوا العتقاء لذلك (٥). ومسجده (٦) بمصر يعرف بمسجد
_________________
(١) = بالحديث، جمع مسائل ابن زرب في أربعة أجزاء، وتوفي ٤٢٥. (انظر الصلة: ١/ ٢٢٢ والمدارك: ٧/ ٣٠٢).
(٢) محمَّد بن عبيدون بن محمَّد بن فهد، يعرف بابن أبي الغمر، روى عن ابن وضاح كتابا واحدًا من حديثه؛ سمعه منه وهو غلام ابن إحدى عشرة سنة أو نحوها، وحدث بالمدونة عن ابن وضاح إجازة، وهو آخر من حدث عن ابن وضاح. سمع منه ابن عفيف وأبو علي الحداد، قال ابن عفيف: كان من أهل العلم والرواية، حافظًا للفقه وطعن ابن عفيف في عدالته، توفي ٣٠٨ (انظر تاريخ ابن الفرضي: ٢/ ٧٥١ والمدارك: ٦/ ١٣٩ - ١٤٠ وانظر سنده في المدونة في الفهرسة: ٢/ ٢٩٧).
(٣) هذا إمام مشهور يصعب استيعاب ترجمته، يكفي أن يذكر أن البخاري أخرج له وأن ابن معين وأبا زرعة والنسائي والحاكم والخطيب عدلوه، قال النسائي: سبحان الله ما أحسن حديثه وأصحه عن مالك! ليس يختلف في كلمة، ولم يرو أحد الموطأ أثبت منه. وعقب القاضي عياض على هذه الشهادة وقال: بهذا الطريق رجح القاضي عبد الوهاب مسائل المدونة لرواية سحنون لها عن ابن القاسم وانفرادِ ابن القاسم بمالك وطول صحبته له وأنه لم يخلط به غيره إلا في شيء يسير، ثم كون سحنون أيضًا مع ابن القاسم بهذه السبيل، مع ما كانا عليه من الفضل والعلم توفي سنة ١٩١ (انظر تهذيب التهذيب: ٦/ ٢٢٨ والمدارك: ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٦).
(٤) انظر: المؤتلف والمختلف للدارقطني: ٤/ ١٨٠٦، والقاموس المحيط: عتق.
(٥) في خ: جماع.
(٦) كما في "الأنساب" للسمعاني: ٤/ ١٥٢، والمؤتلف والمختلف للدارقطني: ٤/ ١٨٠٧. وانظر المدارك: ٣/ ٢٤٤.
(٧) في المؤتلف والمختلف للدارقطني: ٤/ ١٨٠٦: "ولهم [وفي نسخة: وله. وهو ما عند المؤلف في المدارك: ٣/ ٢٤٤ عن الدارقطني] مسجد معروف بمسجد العتقاء بمصر". وفي ع: ومسجدهم.
[ ١ / ١٤ ]
العتقاء. كذا قيده أهل المعرفة بعلم الرجال. وقد نسب بهذا النسب جماعة من أهل العلم. وأكثر الناس يضمّون التاء، وهو خطأ (١)، وبفتحها (٢) - على الصواب - قيدته عن المتقنين وأهل العلم.
وأخبرني الفقيه أبو بكر بن عطية (٣) عن بعض شيوخه المصريين (٤) أنه قال له: إنما هو الغيفي؛ بالغين المعجمة المفتوحة وياء باثنتين تحتها ساكنة، وفاء، منسوب إلى "غيفةَ" - قرية على مرحلة من مصر (٥) - وقد نسب إليها جماعة من أهل العلم أيضًا (٦). وهو في نسب ابن القاسم غلط، والصواب ما ذكرناه قبل.
وأما سحنون فالذي سمعناه من جماهير (٧) شيوخنا المتقنين (٨) وسائر المحدثين والفقهاء بفتح السين، وبعض المتأدبة والمتفقهة يقولونه بضم السين، ويقولون: إنه لا يوجد فَعْلولٌ في اللسان العربي. وقد أنكر عليهم
_________________
(١) غير أن ابن مكي في تثقيف اللسان: ٢٦٧ خطأ الفتح وصوب الضم.
(٢) في ق: وفتحها، وفي "التقييد" - نقلًا عن المؤلف -: وفتحها هو الصواب. (التقييد ١/ ٢).
(٣) هو غالب بن عبد الرحمن بن غالب المحاربي، قال عنه المؤلف في الغنية: ١٩٠: اهتم بالأدب ثم عطف على الفقه والحديث، ورحل فأخذ من الإفريقيين الفقه والأصول، وأخذ في مكة ومصر وحصل علمًا جمًا، وتقدم في علم الحديث وأحسن التقييد والضبط. وتصدر ببلده غرناطة للفتيا والتدريس والإسماع والتفسير. لقيته بسبتة وبقرطبة وفاوضته كثيرًا وسمعت من لفظه فوائد. توفي ٥١٨. وانظر ترجمته في الصلة: ٢/ ٦٦٧.
(٤) ذكر ابنه أبو محمَّد بن عطية في فهرسته ص ٦٢ مصاحبته لأبي الفضل الجوهري في مصر.
(٥) جاء في معجم البلدان: ٤/ ٢٢١: ضيعة تقارب بلبيس، وهي بليدة من مصر إليها مرحلة ينزل فيها الحاج إذا خرجوا من مصر.
(٦) ذكر منهم في معجم البلدان: ٤/ ٢٢١: أبا علي حسين بن إدريس الغيفي مولى آل عثمان بن عفان. وذكره أيضًا ابن السمعاني في الأنساب: ٤/ ٣٢٦، وذكر معه أخاه عمرو بن إدريس.
(٧) في م: جماعة.
(٨) في ق: المتفننين، وفي ل: المتقين.
[ ١ / ١٥ ]
(هذا) (١) الحذاقُ ووجهوا وجهه بما ليس هذا موضعه، والصواب ما قاله الجمهور. قال صاحب كتاب "تقويم اللسان" (٢): قال أبو علي الجلولي (٣): ما سمعت أحدًا من أشياخنا ابن
_________________
(١) سقطت من خ.
(٢) في كشف الظنون: ١/ ٤٧٠: نسبه إلى ابن قتيبة، وذكر آخرين ألفوا كتبًا بالعنوان نفسه، لكنهم تأخروا. غير أن المؤلف نقل غير مرة عن "تقويم اللسان" لابن مكي في "مشارق الأنوار"؛ مثلا: ١/ ٤٢، و٢/ ٣٠٥، وكذا سماه في الغنية: ٤٣، ويرجح أن هذا هو المقصود أن محقق "الغنية" وجد في الكتاب حكاية نقلها القاضي عياض عن الكتاب، وذكر أن المؤلف هو عمر بن خلف بن مكي الصقلي المتوفي: ٥٠١ ويبدو أن هذا هو الاسم الصحيح للكتاب، وبذلك ذكره معاصر وبلدي مؤلفه ابن القطاع الصقلي المتوفى ٥١٥ في كتابه "الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة" - يعني صقلية - ص ١٤٨ بتحقيق بشير البكوش ط ١/ ١٩٩٥ دار الغرب الإسلامي؛ قال: صنف في اللغة كتابا سماه: "تثقيف اللسان وتلقيح الجنان" في نهاية الملاحة والبيان، رحل إلى تونس من بر العدوة فاستوطنها وولي قضاءها وخطابتها. وفي الهامش ذكر المحقق أن مستشرقًا إيطاليًا نشر مقدمة الكتاب، ثم حققه عبد العزيز مطر وطبع في مصر ١٩٦٦. وكذلك سمى الكتاب غير واحد ممن ترجموا مؤلفه، انظر: بغية الوعاة ٢/ ٢١٨. وفي الكشف أيضًا ١/ ٣٤٤ ذكر "تثقيف اللسان" وسمى مؤلفَه ابن قطاع علي بن جعفر السعدي الصقلي المتوفى ٥١٥، ثم ذكر في حرف السين ٢/ ٩٩٣ "تثقيف اللسان" ونسبه لعمر بن خلف الصقلي، ونقل أن السيوطي سماه "تثقيف اللسان" ورجح التسمية، وانظر أيضًا عن المؤلف والكتاب "تراجم المؤلفين التونسيين" لمحمَّد محفوظ ط ١/ ٤٠٤١/ ١٩٨٤ دار الغرب الإِسلامي ج ١/ ٢٤٤. وكتاب: العرب في صقلية ص: ٩٣ للدكتور إحسان عباس في طبعته الثانية بدار الثقافة ببيروت عام ١٩٧٥. هذا وفي دراسة الدكتور الحسين شواط عن إكمال المعلم للمؤلف ص ٣١٩ ذكر لمصادر القاضي عياض وسمى هذا الكتاب "تثقيف اللسان وتلقيح الجنان".
(٣) كذا في خ وق وتثقيف اللسان بطبعتيه؛ بتحقيق عبد العزيز مطر المذكورة والطبعة التي نشرها مصطفى عبد القادر عطا بدار الكتب العلمية في طبعتها الأولى: ١٤١٠/ ١٩٩٠ في الصفحة: ١٩٩. وذكر هكذا أيضًا في الصفحة: ٢٤٧ من تحقيق عبد العزيز مطر في سياق اسفتاء فقهي من المؤلف لهذا الشيخ، وفي م: الحلواني. وفي "عنوان الأريب" ١/ ٢٢٨ نقلًا عن "معالم الإيمان": أبو الحسن عبد الكريم بن فضال القيرواني المعروف بالحلواني الفقيه الأديب ممن وفد على الأندلس وفي الوافدين أدرجه ابن بسام في "الذخيرة" ٤/ ١/٢٨٤ - ٣٠١ وأطال في إيراد أشعاره. =
[ ١ / ١٦ ]
السمين (١) وغيره -[خ ٢] يقوله (٢) إلا بالفتح، وكذلك كان يقوله أبو عمران (٣).
وسمعت بعض مشايخي (٤) يحكي عن بعض شيوخه بأفريقية (٥) أنه إنما سمي بسحنون - اسم (٦) طائرٍ حديدٍ - لحدة ذهنه في المسائل، وسحنون لقب، واسمه عبد السلاَم، مشهور، وكنيته أبو سعيد ﵀.
_________________
(١) = وذيل المحقق إحسان عباس بذكر مصادر أخرى ترجمت له. وانظر أيضًا في مصادر ترجمته ما أورده محمَّد محفوظ في "تراجم المؤلفين التونسيين" ٣/ ٢٤٤ في الطبعة الأولى بدار الغرب الإِسلامي ١٤٠٤/ ١٩٨٤. غير أن هذا إنما يكنى أبا الحسن لا أبا علي!
(٢) في هامش طبعة "تثقيف اللسان" بتحقيق عبد العزيز مطر: كذا في النسختين، وفي طبقات النحويين واللغويين (يعني للزبيدي، وهو ما فيه في الصفحة: ٣١٤): يحيى بن السمينة، كان راوية حافظًا للأخبار، فقيهًا نحويًا، في الطبقة الخامسة من نحاة الأندلس. توفي: ٣١٥.
(٣) في ق وح: يقولونه.
(٤) انظر تثقيف اللسان: ٢٤٣ وفيه أن أبا عمران كان لا يلحن. وأبو عمران هو موسى بن عيسى بن أبي حاج الغفجومي الفاسي. قال في الديباج ٤٢٢: الغفجومي بالغين المعجمة والفاء المفتوحة والجيم المضمومة. وفي التكملة: ٢:/ ٤٨١ عن بعضهم أنه يكتب بالجيم والقاف معًا. تفقه أبو عمران بالقيروان عند القابسي، وبقرطبة على الأصيلي وأحمد بن قاسم، وسمع من محدثي العراق وغيرهم. ولم يزل إمامًا بالمغرب، تفقهت عليه جماعة كثيرة كعتيق السوسي وجماعة من الفاسيين والسبتيين والأندلسيين، فطارت فتاواه في المشرق والمغرب واعتنى الناس بقوله. وكان يجلس للمذاكرة والسماع في داره من الغدوة إلى الظهر فلا يتكلم بشيء إلا كتب عنه إلى أن مات سنة ٤٣٠. (انظر المدارك: ٧/ ٢٤٣ - ٢٤٥ وترجمه في الصلة: ٣/ ٨٨١).
(٥) يحتمل أن يكون المتكلم هو مؤلف "تثقيف اللسان" أو من ينقل عنه، ويحتمل أن يكون المؤلف - وهو الراجح - فقد حكى هذه الفائدة عن شيخه أبي بكر بن عطية في "الغنية" ١٩٠ قال ابن عطية: سمعت أبا عبد الله بن معاذ الفقيه يقول: سحنون اسم طائر حديد فسمي بذلك سحنون الفقيه لحدته في المسائل. وكرر هذا في المدارك: ٤/ ٤٦، وليس في تثقيف اللسان.
(٦) هو أبو عبد الله بن معاذ المذكور، ويرجح ذلك أن ابن عطية لما رحل لقيه بإفريقية (انظر فهرس ابن عطية ٦٢ الغنية: ١٩٠).
(٧) في ح ول: سحنون باسم، وله وجه.
[ ١ / ١٧ ]
فصل: واعلم أن هذه الكتب (١) أصلها سماع القاضي بالقيروان - أسدِ بن الفرات (٢) - من عبد الرحمن بن القاسم، وهو أول من عملها ورواها عنه وسأله عنها على أسولة أهل العراق، فأجابه عنها (٣) ابن القاسم بنص قول مالك مما سمع منه أو بلغه أو قاسه على قوله وأصله، فحملت عنه بالقيروان وكتبها عنه سحنون. وكانت تسمى "الأسدية"، و"كتب أسد"، و"مسائل ابن القاسم". ثم رحل (٤) بها سحنون إلى ابن القاسم فسمعها منه وأصلح فيها أشياء كثيرة رجع ابن القاسم عنها، وجاء بها إلى القيروان وهي في التأليف على رتبة ما كانت عليه "كتب أسد" مختلطة (٥) الأبواب، غير مرتبة المسائل، ولا مرسمة التراجم. وكتب ابن القاسم إلى أسد ليعرض كتبه عليها ويصلحها منها، فأنف أسد من ذلك. ثم إن سحنون بن سعيد نظر فيها نظرًا آخر؛ وبوبها، وطرح مسائل منها، وأضاف الشكل إلى شكله - على رتبة التصانيف والدواوين - واحتج لمسائلها بالآثار من روايته من "موطإ ابن وهب" (٦) وغيره، فسميت تلك "الكتب المدونة"، وبقيت منها بقية لم ينظر
_________________
(١) في س: هذا الكتاب، وكل الضمائر بعده للمذكر.
(٢) أسد بن الفرات بن سنان أبو عبد الله، تفقه بعلي بن زياد وسمع منه الموطأ بروايته، ثم سمعه من مالك وتفقه عنده، ثم أخذ عن تلاميذ أبي حنيفة بالعراق. سمع منه علماء القيروان ووجوهها؛ سحنون وأمثاله من المدنيين، وأصحابه المعروفرن به، يعني الكوفيين. وكان فقيهًا على المذهبين ولديه كتب الفريقين. وكان إذا سرد أقوال العراقيين يقول له مشايخ المدنيين: أوقد القنديل الثاني يا أبا عبد الله! فيسرد أقاويل المدنيين. قال المالكي: المشهور أنه كان يلتزم من أقوال أهل المدينة وأهل العراق ما وافق الحق عنده، ويحق له ذلك لاستبحاره في العلوم وبحثه عنها وكثرة من لقي من العلماء والمحدثين. تولى قضاء إفريقية حتى خرج أميرًا على جيش لفتح صقلية حيث استشهد سنة ٢١٣. (انظر علماء إفريقية وتونس لأبي العرب: ١٦٣ ورياض النفوس: ٣/ ٢٥٥ - ٢٦٧ والمدارك: ٣/ ٢٩١ - ٣٠٢).
(٣) في س وم ول: عليها.
(٤) في ق وم ول: رجع.
(٥) في س وم ول: مختلفة.
(٦) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي المصري، أبو محمَّد أحد كبار رؤوس المذهب =
[ ١ / ١٨ ]
فيها ذلك النظر إلى أن توفي، فبقيت على أصلها من تأليف أسد فسميت بـ "المختلطة" لاختلاط مسائلها، وليفرق ما بينها وبين ما دون منها، وهي كتب معلومة.
وقد ذكرنا خبر هذه الكتب (١) مستوعبًا، وما جرى بين ابن القاسم وأسد وسحنون في ابتداء عملها وانتهائه في كتاب "تقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" (٢).
_________________
(١) = وأحد المحدثين المشهورين ممن أضفى صبغة أثرية على المذهب كما تدل على ذلك تراجم كتبه: الموطأ الكبير، الجامع الكبير، تفسير الموطإ. وله سماع من مالك ثلاثون كتابًا. أثنى النقاد عليه وعلى حديثه توفي ١٩٧ (انظر التهذيب ٦/ ٦٥ - ٦٧ والمدارك: ٣/ ٢٢٩ - ٢٤٢).
(٢) في ق وم وس: هذا الكتاب.
(٣) يعني كتابه: ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك.
[ ١ / ١٩ ]