والمقصود بهذا أن المؤلف في تحليله يبين السبب ثم يعمل على السبر وتحديد الوجه الصائب في المسألة.
[ مقدمة / ١٨١ ]
* غير أنه أحيانًا يسكت عن التوفيق أو الترجيح بين الآراء، وربما اختار من الخلاف ما يطمئن إليه دون تعليل اختياره، وهو سلوك يحكيه عن بعض الشيوخ معبرًا بقوله: ترجح فيه فلان، أو: توقف، أو: اللفظ محتمل.
* والأسلوب الثاني - بعد التوقف وعدم الترجيح -: هو التأويل والجمع والتوفيق بين الآراء والروايات المختلفة، وربما يرجع هذا لعموم ألفاظ الروايات وعدم تفصيلها، ولذلك عادة ما نجد المؤلف في أول تناوله للنص يستهل بقوله: ظاهر الكتاب، ظاهره الخلاف، ثم يتعقبه بالتدقيق في الدلالة، ويورد عليه ما في بقية الروايات
والمؤلف بارع في هذا المقام، يبين عن عارضة قوية، يدل لذلك عده وفاقًا لما عده غيره خلافًا، وفي مثل ذلك يقول: "لكن يظهر لي وجه يوفق بين الروايتين إن شاء الله". ويسلك أساليب عدة للتوفيق أخصها نابع من امتلاكه ناصية اللغة والبيان، كما في هذا المثال:
- "وقوله في كلام غير ابن القاسم: لأن الزوج هو الناكح والمُفْرِضُ" كذا الرواية عند شيوخي، وأخبرني أبو محمَّد بن عتاب عن أبيه أنه قال: لعله: المفوّض، يريد في التحكيم، إذ جعله إلى غيره. وإنما أصلحه الشيخ لأنه لا يقال: مفرض، في التقدير، إنما يقال: فارض، لأنه من: فرض. لا من: أفرض؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾، ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. وقد رأيته في بعض النسخ: الفارض، وأراه إصلاحًا. لكن للمُفرض - على ما وقعت عليه الرواية - عندي وجه صحيح، وذلك أن: أفرض بمعنى: أعطى معلوم في اللغة، فيُخَرَّج على هذا، أي: أن الزوج هو الذي يعطي الصداق، فتأمله. أو يكون: المفرِض الذي يجعل الفرض لغيره ويفوضه له، فيكون بمعنى
[ مقدمة / ١٨٢ ]
المفوض كما قال الشيخ. يقال: فرضت الشيء: أي قدرته أو أوجبته. وأفرضته لفلان: جعلته فرضًا له".
* والأسلوب الثالث الظاهر في الكتاب: هو الترجيح، وللمؤلف في ذلك طرق عدة كالترجيح بالنص الشرعي بمختلف دلالاته، والترجيح بموافقة أصول المذهب، والترجيح بمراعاة سياق "المدونة" وغيرها، والتمثيل لهذا أيضًا بنموذج في اللغة:
- "ومسألة سلم الجذع الكبير في الجذوع الصغار منها، عورضت المسألة بأنه يصنع من الكبير صغار. وصوب فضل منع ابن حبيب لذلك. وذهب غيره إلى أن معنى ذلك أن الكبير لا يصلح أن يجعل على ما يصلح فيه الصغار، أو أنه لا يرجع منه صغار إلا بفساد ولا يقصده الناس. وما في الكتاب بين لا بعد فيه ولا اعتراض يصح عليه؛ وذلك أنه قال: جذع نخل كبير وجذوع نخل صغار، فظاهره الجذوع على خلقتها دون أن تدخلها صنعة، ولا يمكن أن يصير من الكبير في غلظه أجذاعًا صغارًا رقاقًا إلا بتغييرها عن خلقتها ونشرها ونجرها، وان فعل بها ذلك لم تكن جذوعًا، وإنما تسمى جوائز إلا على تجوُّز، فهذا معنى مسألة الكتاب عندي. واختلاف الأغراض في الجذع الكبير والجذوع الصغار بيّن؛ لأن كل واحد يصرف حيث لا يصرف الآخر".
ويندرج في هذا تقييم المؤلف لاجتهادات السابقين وترجيحاتهم سلبًا وإيجابًا، وأحكامه عليها منشورة في الكتاب تبينها التعابير والأحكام النقدية الآتية:
- هذا أشبه بأصولهم - وهو حسن - إخراجه من هذا اللفظ بعيد - عكس النظر وضد الصواب - ينكسر ولا يطرد - لم يقل هذا شيئًا.
ومما يلفت النظر في الكتاب أيضًا بعض الإحالات التي يحيل بها المؤلف القارئ لمزيد من البحث والنظر، وكأنه لم يستتم الحسم في بعض المسائل، فهو يكرر عبارات من قبيل: تأمل، حقق هذا وانظره، أنعم النظر في ذلك جدًا
[ مقدمة / ١٨٣ ]
المطلب الثالث: قضية اللغة والمصطلح
هذه القضية الثالثة التي أخذ المؤلف على نفسه التصدي لها، ونص على ذلك في صدر الكتاب بقوله: "فإن أصحابنا من المتفقهة رغبوا في الاعتناء بمجموع يشتمل على شرح كلمات مشكلة وألفاظ مغلظة وفي ضبط حروف مشكلة على من لم يعتن بعلم العربية والغريب ".
أولًا اللغة:
إن لغة "المدونة" في غالبها سهلة سلسلة، لكن في بعض نصوصها وألفاظها من الغريب والمهجور بحكم الأساليب المتجددة، وبحكم التطور الذاتي للغة وتجددها، وفيها أيضًا بعض المصطلحات والأعلام البشرية والجغرافية وغير ذلك مما لا يعرف في بيئة الغرب الإِسلامي.
غير أن سببًا آخر مهمًا يقف وراء هذا الطلب وهذه الاستجابة، هو ضعف لغة الفقهاء، وهو أمر واخذهم عليه غير واحد في غير زمن. وقبيل عصر القاضي عياض سجل ابن سهل عدة شهادات على بعضهم تؤكد هذه الدعوى، ومن ذلك عقد لأبي المطرف بن سلمة الطليطلي انتابته أخطاء في النحو والأسلوب والإملاء عقب عليه ابن سهل منتقدًا: "نقلت هذا الجواب، وكان بخط يده على نص ما كتبه هو حرفًا بحرف، وكان فيه لحق اعتذر منه، وهو من أهل الفقه، إلا أنه غير بصير باللسان" (١).
وانتقد ابن سهل كذلك أسلوب أبي عمر بن القطان - الفقيه الكبير المفتي غريم أبي عبد الله بن عتاب - ووصف أسلوبه في فتوى بأنه ناقص منثور الألفاظ فاسد المساق، وفيه حشو قبيح النظام قليل الفائدة، لا يكاد يفهم إلا بفكرة شديدة وروية بعيدة ثم ختم: "وهذا نظام يعزب تحصيله عن الأفهام، وما صدر عنه هذا الجواب إلا بعد أربعين يومًا" (٢).
_________________
(١) أحكام ابن سهل: ١١٠.
(٢) نفسه: ١١٨ - ١١٩.
[ مقدمة / ١٨٤ ]
وأورد شورى لابن لبابة وعبيد الله بن يحيى ومحمد بن وليد وأيوب بن سليمان، ثم تعقبها بقوله: "أكثر كلامهم حشو لا يفيد علمًا ولا يزيد فهمًا، وما زاد أبو صالح أيوب بن سليمان - ﵀ - منثور المعاني، وحشي المساق، ركيك الألفاظ، بعيد من البيان، أشبه شيء بالهذيان" (١).
وله ﵀ انتقادات أخرى لأساليبهم وعقودهم غير المحكمة البناء.
وفي كتاب "التنبيهات" نماذج من أخطاء الفقهاء اللغوية مثل:
- "وقوله في مسألة الْمُنعَى لها زوجها، كذا يقول الفقهاء: المنعى بضم الميم وفتح العين، وهو عند أهل العربية خطأ، وصوابه عندهم: المَنْعيُّ بفتح الميم وكسر العين وتشديد الياء".
- " والفقهاء يسمون المعترض: عنينًا".
- "إبردة الفقهاء يقولونه بالفتح ويحسبونه جمعًا" (٢).
ولأن المصطلح قضية لغوية أولًا، ولتداخل مجاله مع مجال اللغة، وللعلاقة الجدلية بين المعنى الدلالي الأصلي والمعنى الاصطلاحي الفرعي، وجد المؤلف نفسه مطالبًا - بغرض استكمال تحقيق الهدف - بإضافة هذا الباب، وعبر عن هذه الحاجة بقوله: "وأضفت إلى الغرض المطلوب بيان معاني الألفاظ الفقهية الواقعة في هذه الكتب، وكيفية تجوزها عن موضوعها، وأصل اشتقاق أصولها وفروعها.
منهج المؤلف في معالجة لغة "المدونة":
عالج المؤلف لغة "المدونة" على ترتيب أبوابها ومسائلها، كفعله في مسائل الرواية والدراية دون ترتيب معجمي أو موضوعي، وقد يؤخر مسائل اللغة والرواية حتى يعود عليها بالشرح بعد مسائل الفقه، وقد يقدمها. لكن
_________________
(١) نفسه: ١٢٣، وانظر نموذجًا من مشايخ القاضي عياض من هذا القبيل في الغنية: ٥٨.
(٢) ذكر ابن مكي الصقلي في "تثقيف اللسان" كثيرًا من هذه الأخطاء، وهو من علماء القرن الخامس، وكتابه من مراجع المؤلف.
[ مقدمة / ١٨٥ ]
الغالب أن يعالجها في مواقعها. وهو يشرح الغريب من اللفظ ويضبطه، ولا يلتزم بشرح الأساليب والمضامين البلاغية، ويضبط الألفاظ والأعلام ضبطًا بالحروف لا بالحركات، ويعرض اللغات الواردة في الكلمة والخلاف فيها، عازيًا ذلك إلى مصادره، مستدلًا على المعاني بالنصوص، موازنًا ومرجحًا بين الآراء، وهذا في الغالب. وعندما نجد أنه ضبط وشرح وحلل ما يناهز ستمائة لفظة - في السفر الأول فقط، تبينًا مقدار الجهد المبذول ومقدار الفائدة الإضافية للكتاب، ومقدار حاجة "المدونة" إلى توضيح لغتها، هذا مع التنبيه إلى أن المؤلف قد يضبط الكلمة دون أن يشرحها، وقد يضبطها بأكثر من وجه إذا احتملتها أو وردت بها الرواية، وقد يجمع بين الضبط والشرح، وهو الأغلب.
وهذه أهم سمات منهجه في الكتاب:
١ - يلفت الانتباه في أسلوبه الاهتمامُ بالمعاني الأصلية للألفاظ، والبحث في أصول الاشتقاقات. ثم بعد ذلك يذكر المعاني الثانوية والمجازية، مع تعليل وتفسير المعاني الأصلية، ومن ذلك:
- "القشب بسكون الشين المعجمة، وهو الرجيع اليابس، وأصله الخلط بما يفسد، وقشب الشيء: إذا خالطه قذر".
٢ - كما يسهب أحيانًا في ذكر اللغات المتعددة في اللفظ الواحد كقوله: "الأضحية بضم الهمزة وتشديد الياء، وإضحية أيضًا بكسر الهمزة، وجمعها أضاحيّ بتشديد الياء. ويقال: الضحية أيضًا بفتح الضاد المشددة، وجمعها ضحايا، ويقال: أضحاة أيضًا، وجمعها أضاح وأضحى".
٣ - وفي تأصيل المعاني والاستدلال لها يلجأ إلى القاموس القراني والحديثي. وقليلًا ما يذكر الشعر، ومن أمثلة ذلك:
- "وقوله: اضربوا بأموال اليتامى، أي اتجروا بها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية".
[ مقدمة / ١٨٦ ]
- "وقد جاءت الكلمتان "الكسوف" و"الخسوف" فيهما معًا في صحيح الحديث
٤ - ويهتم المؤلف بخلاف أهل اللغة ويعالجه بحسب ما يبلغه اجتهاده، فقد يوفق بين الآراء، وقد يرجح ويستدل لذلك وينتقد، ومن أمثلته قوله:
- "ومَراقُّه، بفتح الميم وتشديد القاف: ما رق من جلده كالمغابن والآباط وعُكُن البطن. وقال ابن اللباد: المراق: مخرج الأذى. وقال القتبي: هو ما بين الأليتين والدبر، وقال الهروي: هو ما سفل من بطنه ورفغه وما هنالك والمواضع التي رق جلدها، وهذا كله قريب بعضه من بعض، وأصله ما رق من الجلد، وفي الحديث: أنه ﵇ "بدأ فغسل مراقه"، يعني في الاغتسال".
أما الترجيح فأحيانًا يرجح بالعدد وغلبة رأي أكثر أهل اللغة، وهذا يعتمده كثيرًا، وقد يرجح بموافقة اللغة للقرآن أو الحديث، وأحيانًا بالرواية الثابتة في اللغة، رافضًا القياس والتجاسر على الإصلاح كما هو تصرف بعض شيوخ أهل الأندلس مثل: شيخه ابن سراح وأبي الوليد الكناني الوقشي، وقد انتقد عليهم ذلك (١) ومن أمثلة ترجيحه:
- "وقوله: ولو شاؤوا أن يخرجوا إلى الجُد لفعلوا. الجد: الساحل، بضم الجيم، وبه سميت: جُدة، وجد كل شيء جانبه. وحكى فيه أبو عبد الله الأجدابي الكسر ولا أعرفه هنا، ورواه ابن المرابط وغيره: الجَد بالفتح. وقال ابن لبابة: هو من الجدَد، يريد الأرض. قال القاضي: والضم هو الوجه".
وعلى مثل هذا يعتمد أيضًا في الرد على اللغات الخاطئة وانتقاد القائلين بها كما في هذه الأمثلة:
_________________
(١) المشارق: ١/ ٣٦٠، والإلماع: ١٨٦، والإكمال: ١/ ٥٠٩.
[ مقدمة / ١٨٧ ]
- "ذكر بعض أهل اللغة أنه لا يقال في بنات آدم لبن، إنما يقال فيها: لبان، واللبن لسائر الحيوان غيرهن، وجاء في الحديث كثيرًا خلاف قولهم".
ومن هذا أيضًا تمييزه للدخيل المعرب من الألفاظ، كقوله في القُرط - بضم القاف - هذا للعشب الذي تأكله الدواب، وأراه ليس بعربي. وكذلك قال في البوقال. وقال في البرابط - وهي عيدان الغناء -: هي فارسية
٥ - وفي الكتاب بعض القواعد اللغوية النظرية.
ثانيًا: المصطلح:
أما المصطلح في الكتاب فيغلب عليه التعاريف الشرعية، ثم المصطلحات الصناعية وأخيرًا ما يمكن اعتباره رموزًا لأعلام المذهب من الأشخاص أو المؤلفات. وإن كان لم يعط للمفاهيم الشرعية مثلما أعطى للتعاريف اللغوية مثل قوله:
- "الوضوء في عرف الشرع والفقه: تطهير أعضاء مخصوصة بالماء لتنظف وتحسن ويُرفع حكم الحدث عنها لتستباح بها العبادة الممنوعة من قبل، أو تطهير ما فيه نجس لإزالة حكمه واستباحة العبادة به".
- "الصوم إمساك مخصوص عن أفعال مخصوصة في أوقات مخصوصة".
بل إثارة هذه التعاريف لا يلفت النظر في الكتاب إلا في مناسبات معينة كما في مقدمات الكتب.
ومن كلامه النظري القليل في قضية المصطلح قوله أول الصلاة:
" ثم إن الشرع أضاف إلى ما فيها من الدعاء ما شاء الله من ركوع وسجود وأفعال وأقوال".
وقوله في أول الاعتكاف: "أصل هذه اللفظة اللزوم والإقامة
[ مقدمة / ١٨٨ ]
وخص الشرع هذه الإقامة بصفات لا يصح أن يكون اعتكافًا شرعيًا وإقامة عبادية إلا بها".
وهذا ينسجم مع موقف المؤلف من قضية المصطلح الشرعي، فهو يرى أنه ليس غريبًا على الوسط الذي نزل فيه، وإنما دخله بعض التعديل، وهي قضية كلامية، قال المؤلف في "الإكمال":
"إن ألفاظ العبادات واردة في الشرع على ما عهده أهل اللغة، خلافًا لجماهير المتكلمين من الموافقين والمخالفين، إذ كانوا يصومون ويعرفون الصوم، ويحجون ويعرفون الحج، فخاطبهم الشرع بما علموه تحقيقًا، لا أنه أتاهم بألفاظ ابتدعها لهم كما قاله المخالف، أو بألفاظ لغوية لا يعلم منها المقصود إلا رمزًا كما أشار إليه المؤلف - يعني: المازري -" (١).
ومن إبداعات المؤلف في هذا الباب تخصيصه صفحات عديدة في مقدمة كتاب "الصلاة" لبحث وتحليل وتحديد مفاهيم المصطلحات الشرعية المتداولة في الصلاة والأذان، في بيان مصطلحات أركانها وأسمائها وأوقاتها والدعوات والأذكار الواردة فيها، مع البحث عن أهداف ومقاصد بعضها وحِكمها، حتى قال في شأن كلمات الأذان: "فقد انطوت - على اختصار كلماتها وقلتها - على ما يحتمل بسطه في عدة مجلدات، وانطوت على ذلك الإقامة أيضًا".
وهذه أهم المصطلحات الفقهية التي لها دور كبير في تطور المذهب وتجلية مناحي الاجتهاد فيه
١ - المذهب: وردت هذه الكلمة كثيرًا عند عياض في كتابه هذا، فهو يقول في كتاب "العرايا": ومذهب الكتاب التفريق بين العرية وبين الصدقة والهبة، مشيرًا إلى الفرق بين نصوص "المدونة" في هذه الأبواب، إلا أن عياضًا نقل هذا الكلام عن شيخه ابن رشد في المقدمات، ونصه:
_________________
(١) منهج فقه الحديث للدكتور شواط: ٢٧٥ - ٢٧٦.
[ مقدمة / ١٨٩ ]
ومذهبه في "المدونة" الفرق بين العرية والهبة (١)، ويقول في كتب أخرى: ومذهب ابن القاسم، ومذهب أشهب، ومذهب ربيعة، ومذهب "المدونة"، إلى غير ذلك من آراء العلماء وهو يشير بالمذهب إلى أقوالهم. إلا أن المذهب يقصد به من الناحية الاصطلاحية: ما نهجه إمام من الأئمة فيما فيه اجتهاد (٢)، ويطلق عند الفقهاء المتأخرين من أئمة المذهب على ما به الفتوى، من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم (٣). إلا أن الذي يظهر من خلال استعمال عياض لهذه الكلمة أنه لم يستعملها بمعناها الاصطلاحي الدقيق.
٢ - المعتمد: هو القوي سواء كانت قوته لرجحانه أو لشهرته (٤).
٣ - الروايات: المقصود بالرواية أقوال مالك، على أن القول المروي عن الإمام، كما يسمى رواية يسمى نصًا وقولًا (٥). وهذا النهج سار عليه ابن الحاجب في مختصره، قال ابن فرحون: إذا أطلق الروايات فهي أقوال مالك ﵀، وإذا أطلق الأقوال فالمراد قول أصحاب مالك وغيرهم من المتأخرين (٦). بينما في "التقريب" (٧): أنه إذا وقع في المذهب ذكر الرواية فهي عن مالك، لا عن غيره، وإن وقع ذكر القول فقد يكون عن مالك، وقد يكون عن غيره (٨).
_________________
(١) المقدمات: ٢/ ٥٣٤.
(٢) أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي: ص: ٨١.
(٣) مواهب الجليل لشرح مختصر خليل: ١/ ٢٤، مطبعة السعادة الطبعة الأولى سنة ١٣٢٨. دليل السالك للمصطلحات والأسماء في فقه الإمام مالك، دكتور حمدي عبد المنعم شلبي، ص: ١٨.
(٤) دليل السالك للمصطلحات والأسماء في فقه الإمام مالك. ص: ١٨.
(٥) مباحث في المذهب المالكي بالمغرب: ٢٦٥.
(٦) كشف النقاب الحاجب من مختصر ابن الحاجب: ١٢٨.
(٧) كتاب في شرح تهذيب "المدونة" للبرادعي لعله لخلف مولى يوسف بن بهلول المعروف بالبريلي مفتي بلنسية في وقته، ألف كتابًا في شرح "المدونة" سمَّاه التقريب مفيد جدًّا. توفي ٤٤٣ هـ المدارك: ٨/ ١٦٤.
(٨) كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب: ١٢٩.
[ مقدمة / ١٩٠ ]
لكن المقصود بالرواية في كتابه "التنبيهات" روايات "المدونة" عن سحنون عن ابن القاسم، كما أخذها عن شيوخه. قال عياض وهو يقارن بين هذه الروايات بعد أن ساق نصًا من "المدونة": وثبت هذا في كتاب ابن عيسى، وسقط في أكثر الروايات، ونبه عنده على سقوطها من بعض الروايات.
وما دام حديثنا عن الروايات والأقوال فلا بأس أن نشير إلى ما ذهب إليه ابن عبد السلام من عدم اعتبار آراء الشراح أقوالًا، لأنهم إنما يبحثون عن تصور اللفظ، قال وهو يتعقب كلام ابن الحاجب مؤاخذًا عليه اعتبار اختلاف شيوخ "المدونة" أقوالًا. فقال: وذلك أن المؤلف وكثيرًا من المتأخرين (١) يعدون اختلاف شيوخ "المدونة" أقوالًا في المسألة التي يختلفون فيها، والتحقيق خلافه، لأن الشراح إنما يبحثون عن تصور اللفظ. والقول الذي ينبغي أن يعد خلافًا في المذهب، إنما مآله إلى التصديق. ألا ترى أن شارح لفظ الإمام إنما يحتج على صحة مراده بقول ذلك الإمام، وبقرائن كلامه من عود الضمير وما أشبهه. وغير الشارح من أصحاب الأقوال إنما يحتج لقوله بالكتاب والسنَّة، وبغير ذلك من أصول صاحب الشريعة، فلم يقع بين الفريقين توارد، فلا ينبغي أن تجمع أقوالهم في المسألة، وإنما ينبغي أن يعد الكلام الذي شرحوه قولًا واحدًا، ثم الخلاف إنما هو في تصور معناه (٢).
وأسلوب عياض في هذا الباب شبيه بما ذهب إليه ابن الحاجب، فهو يستعمل القول لما ذهب إليه مالك وابن القاسم وما ذهب إليه الشيوخ، إلا أن الكثير في كلامه أن يستعمل - بدل القول - قال، أو ذهب، أو مذهب، أو إلى هذا نحا، إلى غير ذلك من الألفاظ التي يريد من خلالها أن يوضح ما يأخذ به كل فقيه.
_________________
(١) ابن عبد السلام يخالف رأي ابن الحاجب وعليش، انظر: نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي: ص: ٢٩، منار السالك إلى مذهب مالك: ص: ٦٢.
(٢) كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب: ١٤٠.
[ مقدمة / ١٩١ ]
٤ - الوجه: المقصود به عندهم الحكم المنقول في المسألة لبعض أصحاب الإمام أو من بعدهم، ممن بلغوا رتبة الاجتهاد في المذهب. فإنهم يخرجون حكم المسألة على أصوله وقواعده، وربما كان مخالفًا لقواعده إذا عضده الدليل، فإذا قالوا: الاحتمال، كان في معنى الوجه، إلا أن الوجه مجزوم به في الفتوى، والاحتمال يبين أن ذلك صالح لكونه وجهًا (١).
٥ - التخريج: يطلق التخريج على معان، منها: التخريج المتعلق بالأحكام الفقهية، والتخريج المتعلق بإلحاق ما نقص من النص.
فالأول: هو أن ينظر مجتهد المذهب في مسألة غير منصوص عليها، فيقيسها على مسألة منصوص عليها في المذهب مع مراعاة ضوابط التخريج (٢).
والثاني: قال فيه عياض: أما تخريج الملحقات لما سقط من الأصول فأحسن وجوهها: ما استمر عليه العمل عندنا من كتابة خط بموضع النقص صاعدًا إلى تحت السطر الذي فوقه، ثم ينعطف إلى جهة التخريج في الحاشية انعطافًا يشير إليه، ثم يبدأ في الحاشية باللحق مقابلًا للخط المنعطف بين السطرين، ويكون كتابهما صاعدًا إلى أعلى الورقة حتى ينتهي اللحق في سطر هناك، أو سطرين، أو أكثر على مقداره، ويكتب آخره: صح (٣).
٦ - المشهور: اختلف المتأخرون في المقصود بالمشهور، فحكى ابن بشير، وابن خويز منداد قولين في المشهور، فقيل: المشهور ما قوي دليله (٤)، وقيل: ما أكثر قائله (٥). إلا أن هذا الأخير يستدعي أن يزيد نقلته
_________________
(١) مباحث في المذهب المالكي بالمغرب: ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٢) أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي، ص: ٥٨٧.
(٣) الإلماع: ص: ١٦٢.
(٤) انظر: أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي: ص: ٤٩٠.
(٥) انظر: أصول الفتوى: ص: ٥٠٢.
[ مقدمة / ١٩٢ ]
عن ثلاثة، ويسميه الأصوليون: المستفيض أيضًا، وقد ناقش العلماء هذين القولين، فلم يسلما من المآخذ (١). وقال ابن خويز منداد: مسائل المذهب تدل على أن المشهور ما قوي دليله وأن مالكًا ﵀ كان يراعي من الخلاف ما قوي دليله لا ما كثر قائله، فقد أجاز الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت، وأكثرهم على خلافه، وأجاز أكل الصيد إذا أكل منه الكلب، ولم يراع في ذلك خلاف الجمهور (٢).
ولم يتوقف الأمر عند هذين القولين، بل ذهب الفقهاء إلى الحديث عن مشهور آخر لم يبينوا معتمدهم فيه، فذهبوا إلى أن مذهب ابن القاسم (٣) في "المدونة" هو المشهور (٤) ما لم يعارض قول مالك (٥). فهذا القول لا يمكن أن يصنف ضمن ما قوي دليله، لأن هذا حكم مسبق، لأنه حكم له بالشهرة قبل مناقشة الدليل. ولا يمكن أن يصنف ضمن ما كثر قائله، لأن قائله واحد. وما قاله صاحب نظرية الأخذ بما جرى في العمل من أن قول ابن القاسم يكون في حكم المشهور، وأنه وحده يعادل الكثرة المشترطة في المشهور (٦)، كلام يعوزه الدليل.
من خلال مناقشة هذا المصطلح يتبين أن تحديد معناه جاء متأخرًا جدًا عن استعماله، فقد استعمل بمعان مختلفة تسع كل هذه المعاني. والذي يظهر من كلام عياض أنه لم يتقيد بمدلول واحد للمشهور، فهو يطلق المشهور ويقصد به ما كثر قائله، فهو يقول في كراء الرواحل: والمشهور
_________________
(١) انظر: كلام ابن راشد على القولين وما يعكر عليهما، فقد ذكر أمثلة معارضة لكل واحد من القولين. كشف النقاب الحاجب عن أدلة ابن الحاجب: ٦٣ وما بعدها.
(٢) كشف النقاب الحاجب عن أدلة ابن الحاجب: ٦٣.
(٣) يرى الدكتور محمَّد رياض أن هذا مبني على اعتبارين: اعتبار شخصي وهو راجع لمكانة عبد الرحمن بن القاسم، واعتبار موضوعي راجع لمنزلة "المدونة". أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي: ص: ٤٩٣.
(٤) نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب: ص: ٤٠.
(٥) كشف النقاب الحاجب عن أدلة ابن الحاجب: ٦٨.
(٦) نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي. ص: ٤١.
[ مقدمة / ١٩٣ ]
والأكثر أنه لا يجوز. وقال في الخيار: على المشهور من قول ابن القاسم، وأصله، وروايته، ومنعه جمع السلعتين. فقد يسير في هذا مع الذين يشهرون قول ابن القاسم في "المدونة" على غيره. وقال في التجارة إلى أرض الحرب: هو على أكثر مذهبه ومشهوره من تقدم أخبار الآحاد. وقال فيها أيضًا: لكن مشهور مذهبه ومعروفه ما ذكرنا من اتباع الأثر وتقديمه على القياس. فهو يقرن هنا بين المشهور والمعروف، والمعروف هو ما كثر قائله.
وقد يستعمل المشهور أو الظاهر في تقوية قول على قول أو على أقوال، عندما يكون في المسألة قولان، أو أقوال.
٧ - الظاهر والمشهور: يكون من القولين أو الأقوال، فإن قوي الخلاف قالوا: الأظهر، وإلا فالمشهور (١). وقد استعمل عياض كثيرًا مصطلح الظاهر، فقال: وظاهر الكتاب كذا. وظاهره، وظاهره الجواز، وظاهر المسألة، وقال في المحاباة: ظاهره أن المحاباة سواء كانت في ثمنه أو عينه.
٨ - الأصح أو الصحيح: وإذا استعمل هذا التعبير فالمقصود به الأصح أو الصحيح من الوجهين أو الأوجه، فإن قوي الخلاف قالوا الأصح، وإلا فالصحيح. وقد استعمل عياض هذا كثيرًا في كتابه إلا أنه في بعض الأحيان يجمع بين هذه المصطلحات. كما جاء في كتاب الأقضية: قال: وفي هذا الفصل يتصور الخلاف على ما في كتاب محمَّد. وتأويل بعضهم على ظاهر "المدونة". وإليه نحا اللخمي وغيره في المسألتين. والوجه الآخر أظهر وأبين وأصح إن شاء الله.
٩ - الأصل: استعمل عياض كثيرًا هذه الكلمة، وهو يقصد معاني مختلفة، فقد يستعملها بمعنى الدليل كما ورد في التجارة إلى أرض الحرب، عند الحديث عن حديث ابن وهب: فهو بالخيار فيها ثلاثة أيام (٢).
_________________
(١) مباحث في المذهب المالكي بالمغرب: ٢٦٦.
(٢) المدونة: ٤/ ٢٨٩.
[ مقدمة / ١٩٤ ]
قال عياض: وجعلها المخالفون أصلًا في ضرب أجل الخيار. وقد يستعملها بمعنى القول كما جاء في قوله: وهو على أصل ابن القاسم صحيح الجواب، وقد جاء هذا عندما تحدث في القراض عن نص "المدونة" في الذي قال لرجل: اجلس في هذا الحانوت وأعطيك مالًا تتجر به فما ربحت فلك نصفه فهذا لا خير فيه. قال عياض: كذا في أصل ابن عتاب، وخارج كتابه فهذا أجير لابن وضاح، وكذا في أصل ابن سهل، وهو على أصل ابن القاسم صحيح الجواب.
وأصل ابن القاسم الذي يقصده عياض هو قوله في "المدونة": قال ابن القاسم: فإن وقع ذلك كان فيه أجيرًا، يقام له أجر عمل مثله (١).
وقد يستعمل الأصل بمعنى النسخة، أو نسخة الشيخ، أو النسخة المعتمدة، كقوله: كذا في أصل ابن سهل، أو أصل ابن عتاب، أو غيره. وتارة يستعمل هذا اللفظ وهو يقصد قاعدة من القواعد الخلافية في المذهب، كما جاء قوله في الخيار عند حديثه عن مسألة الجارية تلد في أيام الخيار (٢) قال عياض: اعترضت من باب بيع المريض، واعتذر عنها فضل، وابن أبي زمنين، وغيرهما، بأن بائعها لم يعلم المشتري بحملها، ولا عرفه، وهذا معترض، لأن معرفة أحد المتبايعين بما يفسد البيع مفسد له على أحد القولين في هذا الأصل. فالمقصود بالأصل هنا قاعدة الاختلاف في علم أحد المتبايعين بالفساد، وهذه القاعدة ذكرها المقري في قواعده وقد جاء فيها: علم أحد المتبايعين بالفساد دون الآخر، اختلفوا في تأثيره (٣).
١٠ - المدنيون: المقصود بهم ابن كنانة وابن الماجشون ومطرف وابن نافع وابن مسلمة (٤). وقد صرح عياض ببعضهم في كتاب "الشهادات" فقال:
_________________
(١) المدونة: ٥/ ١١٩.
(٢) المدونة: ٤/ ١٨٥.
(٣) القاعدة: ٨٦٢ من قواعد المقري: ص: ٣٤٣.
(٤) مباحث في المذهب المالكي بالمغرب: ٢٦٦.
[ مقدمة / ١٩٥ ]
فمذهب المدنيين: ابن كنانة، وابن الماجشون، ومطرف،
١١ - العراقيون: أو البغداديون: يشار بهم إلى القاضي إسماعيل، وابن القصار وابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب والقاضي أبي الفرج، والشيخ أبي بكر الأبهري (١).
١٢ - القرويون: أبو عمران والقابسي وابن أبي زيد.
١٣ - محمَّد: المقصود به محمَّد بن المواز. وقد نقل عنه عياض كثيرًا، مرة يقول: وهو قول محمد، ومرة يقول: في كتاب "محمَّد" مشيرًا إلى الموازية.
١٤ - الكتاب: المقصود به "المدونة"، ويطلق عليها كذلك الأم، قال عياض في مسألة البيع والسلف: وذهب شيوخ القرويين إلى أن قول سحنون وفاق للكتاب، وقال - وهو يتحدث عن شرح كلمة الحمال -: وقد جاء في الكتاب مفسرًا، وهو يقصد فأين الضمان (٢)؟ وقال: وظاهر الكتاب في مسألة البيع والسلف إذا كان من المبتاع أن له الأكثر وإن زاد على عدد الثمن والتسليف (٣).
من هذه الأمثلة يستفاد أن عياضًا إذا أطلق الكتاب فالمقصود به "المدونة"، وإن لم يكن هذا المصطلح خاصًا به، بل هو عام بين جميع المالكية.
_________________
(١) مباحث في المذهب المالكي بالمغرب: ٢٦٦.
(٢) المدونة: ٤/ ١٣٥.
(٣) انظر المسألة في المدونة: ٤/ ١٣٢، والبيان والتحصيل: ٧/ ١٩٧، ١٩٨.
[ مقدمة / ١٩٦ ]
المبحث الثاني: القواعد الفقهية في الكتاب
سلك عياض في كتابه هذا مسلكًا جيدًا في تطبيق القواعد الفقهية، يتجلى في ربط القواعد بمصدر نشأتها ومكان استنباطها، فجاء عرضه هذا في سياق جيد ترتبط فيه القاعدة بتطبيقها، وتحيل على مصدر نشأتها، وإن كان اهتمامه قد انصب أكثر على نوع واحد من القواعد، هو القواعد الخلافية المسماة بأمهات الخلاف، فقد يفتح عمله هذا باب البحث في نشوء القواعد الفقهية في المذهب المالكي من الناحية التاريخية، لأن بذور صيغ هذه القواعد متناثرة في المصادر الأولى للمذهب، كما أنه يمكن أن يساعد على تحديد الأسباب الخاصة بالاختلاف في المذهب المالكي، وذلك باستخلاص الأصول التي اعتمد عليها ابن القاسم، أو التي اعتمد عليها أشهب، وهي ما يعبر عنه عياض بقوله: وهذا على أصل ابن القاسم، أو وهذا على أصل أشهب، وذلك كقوله في كتاب "الجوائح": هل الثلث راجع إلى عين الثمرة وإن كانت قيمتها أقل من ثلث الثمن - وهو مذهب ابن القاسم وروايته - أو إلى ثلث قيمتها - وإن كان المجاح أقل من ثلث الجميع. وهو مذهب أشهب (١). أو قوله: وهذا مخالف لأصل ابن القاسم، أو مخالف لأصل أشهب. إضافة إلى اختلاف المختصرين في تأويل نصوص "المدونة"، أو اختلافهم في اعتماد الرواية التي قد يعتمدها كل مختصر من المختصرين.
_________________
(١) النوادر: ٦/ ٢٠٤.
[ مقدمة / ١٩٧ ]
كل هذا يضاف إلى الاختلاف الأصلي في روايات "المدونة"، وهذا يحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل لتتبع هذه المسائل. ونظرًا لأهمية موضوع القواعد، فإنني سأعرض لبعض النماذج منها، لكي أحيل القارئ على الرجوع إليها في النص للاستفادة من الشرح الذي يقدمه عياض بين يدي هذه القواعد أولًا، وللتمسك بالخيط الذي يبين المصدر الذي أخذت منه هذه القاعدة، وذلك من أجل تتبعه لمعرفة منطلقها الأصلي، ولا أعني بكلامي هذا أن عياضًا كان يتتبع هذه القواعد، ويقوم بشرحها، وهو يقصد ذلك في تأليفه، وإنما جاء عمله هذا عرضًا أثناء شرحه لبعض نصوص "المدونة"، كما أنني لم أتتبع كل هذه القواعد في الكتاب لطوله، وإنما اكتفيت ببعض ما ذكر منها في الجزء الثاني، ويبقى الموضوع لمن أراد أن يتجه إلى البحث فيه. وإليكم هذه النماذج.
قاعدة في بيوع الآجال:
قال عياض: والأصل في بيوع الآجال إذا دخلت فيها الإقالة، أو اشترى البائع بعض ما اشترى منه المبتاع، أو ما هو من صنفه: أن ينظر إلى البيعة الأولى، فإذا كانت إلى أجل فهي من بيوع الآجال، فينظر فيها إلى ذريعة فعلهما ومآل أمرهما، وما يجوز من ذلك لو قصداه ابتداء فيمضي، وما لا يجوز فيرد، كانوا ممن يتهم بالعينة أم لا، إلا ما بعدت فيه التهمة من ذلك وعدمت الذريعة، وكذلك فيمن لا تليق به التهمة.
هذا الكلام الذي شرح به عياض بيوع الآجال مع الكلام على أحكامه، وعقود الآجال التي جاءت بعد هذا الشرح، هو الذي يوضح الكلام المختصر والمركز الذي جاء به المقري من بعده في قواعده المجردة التي لم تقرن بأمثلة، ولا بإحالة على مصادر تعين على تفسير وتوضيح هذه القاعدة، فقد ورد له في بيوع الآجال في القاعدة (٩٩٥): أصل مالك حماية الذرائع، واتهام الناس في بياعات الآجال والربا، فينظر إلى ما خرج عن اليد وعاد إليها، فإن كان مما لو ابتدأ المعاملة عليه جاز فعلهما، وإلا لم يصح. فإذا صرف دينارًا بعشرين درهمًا فتسلفها من صاحبه لم يجز، وكأنه
[ مقدمة / ١٩٨ ]
إنما أخذ دينارًا نقدًا في عشرين درهمًا مؤخرة، وأخذ الدراهم وردها لغو، وكذلك من باع سلعة بثمن مؤجل فلا يشتريها بأقل منه نقدًا أو إلى أجل دونه. وقال بعض المالكية: إنما هذا في غير من لا يتهم لفضله، وهذا يؤدي إلى اضطراب العلة بعدم انضباطها، وهو خلاف ما قصدت العلل لأجله (١).
هذه القاعدة جاءت لتجمع هذا الباب المتعدد الصور، والمختلف في أحكامه باختلاف صوره، وقد بني هذا الباب على مراعاة التهمة وعلى أصل من أصول المالكية وهو سد الذرائع، وهما أصلان يصعب انضباطهما. ويمكن أن يدخل هذا الباب في الوجوه الخفية من الربا. وهذا ما جعله صعبًا في حصر صوره (٢).
قاعدة أخرى في بيوع الآجال، وهي:
قاعدة: منع بياعات الآجال: هل هو محرم لنفسه أو للذريعة إلى سلف جر منفعة؟ حكى الباجي في ذلك قولين، وبنى عليها بعضهم الخلاف في فسخ البيعتين، أو الثانية فقط في قيام السلعة. والصحيح أن ذلك لاتهامهما على القصد إلى ذلك من أول، إلا أنا إن جعلنا هذا الاتهام كالتحقيق فسخنا البيعتين، وإلا أزلنا موجبه ففسخنا الثانية فقط (٣).
مبنى هذه القاعدة على الاختلاف في القصد، وهو ما أشار إليه عياض وقبله صاحب النوادر، كما أشار عياض إلى أن مثل هذا التأصيل هو لابن المواز وفضل بن سلمة وغيرهما.
قاعدة في البيوع الفاسدة:
قاعدة: اختلفوا في التمكين هل هو كالقبض أم لا؟ فإذا اشترى الثمرة شراء فاسدًا ثم باعها بيعًا صحيحًا، فهل يكون عليه المثل أو القيمة؟ قولان
_________________
(١) قواعد الفقه للمقري: ٣٩٣.
(٢) انظر تفاصيل صور بيوع الآجال في المقدمات: ٢/ ٤٢ وما بعدها.
(٣) قواعد المقري: القاعدة: ٩٩٨، ص: ٣٩٤ - ٣٩٥.
[ مقدمة / ١٩٩ ]
على الخلاف فيما باعه المشتري وهو في يد البائع: هل يفوت بذلك أم لا؟ وإذا قلنا بالقيمة: فهل يوم الجذ أو يوم بدو الصلاح؟ قولان على القاعدة، فإن قلنا: كالقبض فيوم الصلاح، وإن قلنا: ليس بقبض فيوم الجذ. وانظر هل يشترط مع التمكين التمكن أم لا (١).
هذه القاعدة أصلها هو الاختلاف في تأويل ما جاء في "المدونة" في البيع الذي يفيت البيع الفاسد (٢) كما يقول عياض مبينًا أصل الاختلاف في هذه المسألة: هل من شرطه أن يكون بعد القبض، وإليه ذهب بعضهم، واحتج بقوله في كتاب العيوب في المسألة: "وعليه قيمتها يوم قبضها" (٣). وجاز البيع إذا كان الأول قبضها، ومثله لمالك في كتاب محمَّد (٤).
وقال آخرون: بيعها فوت على كل حال، قبض أم لا. وفي كتاب محمَّد لمالك مثله أيضًا (٥).
ويتأول هؤلاء قوله إن كان قبضها لإلزامه القيمة يوم القبض، وكأنه يقول: وإن لم يقبضها كانت عليه القيمة يوم البيع، بدليل قوله فيها: ولو تصدق بها قبل قبضها كانت عليه قيمتها يوم تصدق بها. وهذا قول محمَّد في البيع، قال: قيمتها يوم باعها (٦)، وهذا الأصل مختلف فيه. ومثله اختلافهم في العتق قبل القبض، ولا يختلفون أنه لو علم بالفساد ثم باعها قصدًا لتفويتها أن بيعه غير ماض.
وكلام عياض هنا: وهذا الأصل مختلف فيه، يبين أن هذه القواعد الخلافية كانت معروفة بين الفقهاء منذ وقت مبكر، وهذا العهد الذي برزت فيه بالضبط يمكن أن يحدد إذا توفرت عند الباحث المصادر الأساسية:
_________________
(١) قواعد الفقه للمقري: القاعدة، ٨٤٣، ص: ٣٣٦.
(٢) انظر: المدونة: ٤/ ١٤٥ - ١٤٦.
(٣) المدونة: ٤/ ١٤٦.
(٤) النوادر: ٦/ ١٧٢.
(٥) النوادر: ٦/ ١٧٢.
(٦) النوادر: ٦/ ١٧٢.
[ مقدمة / ٢٠٠ ]
كسماعات ابن القاسم وأشهب، إضافة إلى "المدونة" و"الموازية" و"الواضحة" وغيرها.
قاعدة في المرابحة:
قاعدة: علم أحد المتبايعين بالفساد دون الآخر اختلفوا في تأثيره، كما إذا قصد النقص في الصورة قبلها، أو تسلف أحد المتصارفين بخلاف علمهما معًا كتسلفهما لأنه يقتضي المنع، وليس التدليس من ذلك لحديث المصراة خلافًا لقوم (١).
ما ورد في هذه القاعدة أشار إليه عياض في كتاب "المرابحة" وإلى أنه مخرج من كتاب "الصرف"، وقال: وإن قيل: إن البائع كان يعلم ذلك فالمشتري يجهله، وهذا أصل مختلف فيه، إذا كان الفساد من أحد المتعاقدين، هل يفسد العقد أم لا؟ وقد أشار إلى هذا الأصل المختلف فيه كذلك في بيع الخيار، في مسألة الجارية تلد في أيام الخيار.
قاعدة في بيع الخيار:
قاعدة: اختلف المالكية في البيع: أهو العقد فقط أم العقد والتقابض؟ وعليهما ضمان ما في المكيال والميزان بعد التقدير، وقبل مضي مقدار التمكين أهو من البائع أم من المشتري (٢)؟
هذه القاعدة بصيغتها تحدث عنها عياض في بيع الخيار عند حديثه عن اكتشاف العيب في السلعة في بيع الخيار، هل تعتبر قيمتها يوم العقد أو يوم القبض، وقد استعرض أقوال العلماء في ذلك عند شرحه لما ورد في "المدونة" في تقويم الجارية المبيعة بالخيار - وقد حدث بها عيب في أيام الخيار - وقال: وقد أشار ابن محرز إلى أن اختلافهم فيه على أصل
_________________
(١) قواعد الفقه للمقري: القاعدة ٨٦٢، ص: ٣٤٣.
(٢) قواعد الفقه للمقري: القاعدة، ٨٣٩، ص: ٣٣٥، والقاعدة: ٨٧ من قواعد الونشريسي، إيضاح المسالك: ص: ٣٣٣.
[ مقدمة / ٢٠١ ]
اختلافهم في التضمين في الخيار، هل هو من البائع حتى يقبضه المشتري؟ فتقوم على هذا يوم القبض. ومن قال: ضمانها من المشتري، قال: تقوم يوم البيع، وهو قول ابن كنانة (١) إذا كان الخيار للمشتري، وقال غيره: هذا على الخلاف، هل العقد بيع على الحقيقة ينقل الملك ويلزم الضمان بنفسه، أو حقيقته التقابض وإنما الكلام عقد يوجب البيع؟ وعلى هذا، هل التسليم والتوفية حق على البائع بما يتم بيعه أم لا؟
قاعدة في الوكالات:
قاعدة: اختلف قول مالك في الوكيل هل ينعزل بالموت والعزل أو ببلوغهما إليه؟ على خلاف في النسخ: هل يتقرر حكمه بالنزول أو بالوصول (٢).
اعتبر القاضي عياض هذه المسألة من أصول الفقه، وأصلها صلاة أهل قباء وتحويل وجوههم إلى القبلة لما بلغهم أنها حولت، وقد أوقعوا ما مضى من صلاتهم بعد نسخ القبلة (٣). كما استعرض اختلاف العلماء في الموت والعزل. وأشار إلى أن هذه القاعدة الخلافية تشتمل على عدة مسائل، وهي مبثوثة في كتب القواعد (٤).
قاعدة: اختلف المالكية في القسمة: هل هي بيع أو تمييز حق (٥)؟
يرجع القاضي عياض منشأ هذه القاعدة إلى الاختلاف بين "المدونة" و"الأسدية" في مسألة الرجلين لهما ذكر حق بكتاب واحد، أو بغير كتاب
_________________
(١) المقدمات: ٢/ ٩٢.
(٢) قواعد المقري، القاعدة: ٦١٥، ص: ٢٥٥. إيضاح المسالك، ص: ٢٦٨.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٥٨ - ١٥٩. ١/ ١٩١، تفسير القرطبي: ٢/ ٦٦، ٢/ ١٤٩، مسلم: ١/ ٣٧٤، عون المعبود: ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧، المغني لابن قدامة: ١/ ٢٦٨.
(٤) انظر: إيضاح المسالك، ص: ٢٦٨، وقاعدة المقري: ص: ٢٥٥، والمواق: ٥/ ٢١٤ - ٢١٥، عند قول خليل: وانعزل بموت موكله إن علم، وإلا فتأويلان.
(٥) قواعد المقري: القاعدة ٨٧٥، ص: ٣٤٨.
[ مقدمة / ٢٠٢ ]
من بيع باعاه بعين أو ما يكال أو يوزن غير الطعام والإدام، أو من شيء أقرضاه من الدنانير، والدراهم والطعام، إلى آخر المسألة (١).
قال عياض في تعليقه على هذه المسألة: قيل: إنما استثنى الطعام هنا من بيع، لأن إذنه له في الخروج لاقتضاء نصيبه مقاسمة، والمقاسمة فيه كبيعه قبل استيفائه. قاله ابن أبي زمنين وغيره.
وفي قسمة "الأسدية" لمالك خلاف هذا، وهو أصل متنازع فيه، هل القسمة بيع أو تمييز حق، وقد أشار عياض إلى هذه القاعدة كذلك في كتاب "القسمة".
قاعدة في الجوائح:
قاعدة: اختلفوا في المستثنى: أهو مشترى أو باق على الملك، فإذا باع شجرًا واستثنى ثمرتها، فهل يمنع من بيع المستثنى قبل قبضه أو لا؟ قولان ولا ضمان ها هنا على المشتري (٢).
اختلف الفقهاء فيمن استثنى من الثمرة كيلًا فأجيح، بما يعتبر هل يوضع من المستثنى بقدره أم لا؟ إلى قولين:
فروى ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم أنه يحط، وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ بناء على أنه مشترى.
وروى ابن وهب: أنه لا يحط بناء على أنه مبقى.
فمنشأ الاختلاف في هذه القاعدة هو الاختلاف بين ابن القاسم وابن وهب في هذه المسألة، وأشار عياض إلى أن الخلاف في هذه القاعدة يرجع إلى ما قضى به عمر بن عبد العزيز لأم الحكم بنت عبد الملك بن مروان في ثمر حائط باعته واستثنت سبعة أوسق (٣).
_________________
(١) المدونة: ٤/ ٣٦٥.
(٢) قواعد المقري، القاعدة: ٨٤٠، ص: ٣٣٥. القاعدة: ٩٠ من قواعد الونشريسي، إيضاح المسالك: ٣٤٠.
(٣) المدونة: ٥/ ٣١، ٣٢.
[ مقدمة / ٢٠٣ ]
قال عياض: قال بعضهم: وما قضى به عمر لأم الحكم بأن ما استثنته من حائطها المجاح لها، ولم يحكم بشمول الجائحة فيه، إنما يأتي على رواية ابن وهب عن مالك في ذلك، وعند ابن القاسم أنه ينتقص من الشيء بقدر ما يصيبها من الجائحة. ثم قال: الخلاف في هذا مبني على الخلاف في المستثنى من المبيع هل هو مشترى من المشتري أو باق على أصل ملك البائع؟ فإذا قلنا: إنه مشترى عمته جائحة الحائط، وأخذت بحظها منه.
قاعدة في الشفعة:
قال عياض: اختلف في الشفعة أهي على عدد الرؤوس أم على قدر الأنصباء؟ وقوله: "الشفعة على قدر الأنصباء، ليس على عدد الرجال" (١). هذا هو المعروف من المذهب (٢). والمخالف (٣) يقول: على عدد الرؤوس.
قال المقري: في القاعدة (١٠٧٣): الشفعة عند مالك والشافعي مبنية على فائدة الملك، وعند أبي حنيفة على حكم الملك (٤).
هذه القاعدة تبين أصل الاختلاف بين المالكية والحنفية في هذه القضية وما اعتمده كل فريق منهما، وإن كان عياض لم يشر إلى هذه القاعدة وإنما تحدث عن المضمون، وهذا النوع كثير في كتابه.
قاعدة: سلف جر نفعًا:
هذه القاعدة تتخلل الكثير من جزئيات البيوع التي يتقى فيها الربا، لأن السلف وجه من أوجه المعروف، ولا يقصد به إلا وجه الله.
_________________
(١) المدونة: ٥/ ٤٠١.
(٢) معين الحكام: ٢/ ٥٨٣. قال في المقرب: قال مالك: والشفعة إنما تكون على قدر الأنصباء لا على عدد الرجال. شرح ميارة على تحفة الحكام: ٢/ ٥٥. المقدمات: ٣/ ٦٧. المنتقى: ٦/ ٢١١. النوادر: ١١/ ١٥٠.
(٣) المقصود أبو حنيفة الذي يقول بعدد الرؤوس. انظر: المعونة: ٢/ ١٢٦٩. المقدمات: ٣/ ٦٧.
(٤) قواعد المقري. ص: ٤٢٦.
[ مقدمة / ٢٠٤ ]
وقد قال الناظم:
القرض والضمان رفق الجاه يمنع أن ترى لغير الله
وقد ذكر المقري هذه القاعدة فقال: شرع السلف للمعروف، ولذلك استثني من الربا ترجيحًا لمصلحة الإحسان بالمكايسة، على مصلحة اتقاء الربا، إذ من عادة الشرع تقديم أعظم المصلحتين على أدناهما، فإذا جر نفعًا بطلت مصلحة الإحسان بالمكايسة فبقيت مفسدة الربا سالمة عن المعارض فيما فيه الربا، وخالف الجميع مقصود الشرع في المشروعية، فبطل مطلقًا (١).
قاعدة: الغلة بالضمان (٢):
أشار القاضي عياض إلى هذه القاعدة في كتاب "العيوب" عند حديثه عن نص "المدونة" المتعلق بشراء الغنم وعلى ظهرها صوف يوجد بها عيب، فقال: وانظر قول أشهب: "في الصوف على ظهور الغنم المشتراة به يوجد بها عيب، النابت وغيره سواء، كل ذلك تبع ولغو، مع ما بيعت به من الضأن" (٣) كذا رويناه، وهو بيِّن. وفي بعض الروايات: من الضمان بزيادة ميم، أي: وهو من باب الغلة بالضمان.
وهذه القاعدة قال فيها المقري: الأصل أن الخراج بالضمان، فإذا قبض غلة ما له غلة لم تمتنع الإقالة، إلا أن يكون صوفًا نبت عنده ثم جزَّه، هذا مذهب "المدونة"، أما إن اشتراه نابتًا فيجوز إن رده، أو مضى
_________________
(١) قواعد المقري. ص: ٣٧٨، ٣٧٩. الفروق: ٣/ ٢٩١، ٤/ ٢.
(٢) أصل هذه القاعدة قول الرسول - ﷺ -: "الغلة بالضمان". والحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٥/ ٣٢١ - ٣٢٢، وقال وكذلك رواه يحيى بن يحيى عن مسلم بن خالد إلا أنه قال: "الخراج بالضمان". وفي مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٣٧٣، والمستدرك: ٢/ ١٨. وفي مسند أحمد عن عائشة: ٦/ ٨٠، ٦/ ١١٦، ٦/ ١٦١. التمهيد: ٨/ ١٠٧. الأم للشافعي: ٤/ ٤، "المدونة": ٤/ ٢٢٨، ٤/ ٣٣٤.
(٣) المدونة: ٤/ ٣٣٤.
[ مقدمة / ٢٠٥ ]
بما ينوبه في الفوت، أو بمثله على القولين، فإذا صحت الإقالة لم يرد الغلة إلا بدليل كما في أحد القولين في "الغاصب" (١).
قاعدة: هل الرد بالعيب نقض بيع أو ابتداء بيع؟
أشار القاضي عياض إلى هذه القاعدة في كتاب "الاستبراء" ولخص أقوال العلماء فيها مبينًا منشأ الاختلاف، وناقشها مناقشة فقيه متبصر عالم بعلل الأحكام ومبانيها، فقال: قال مشايخنا: لا يختلف قول ابن القاسم وأشهب أن الرد بالعيب نقض بيع. وقال وهو يتحدث عن الجارية تباع فيجد المشتري بها عيبًا فيردها: ولكن من حجة ابن القاسم أن يقول البائع للمشتري: أخذتها سليمة الرحم (٢) فردها كذلك، فإنك حزتها، ولا أدري ما أحدثت عندك. وقد ذكر بعضهم اضطراب ابن القاسم في هذا الأصل، وأشار اللخمي أنه اختلاف من قوله، وقول ابن القاسم في رد السمسار الجعل في المردود بعيب (٣)، يدل أنه عنده نقض بيع، وكذلك قال في كتاب "الصرف" إذا وجد الدراهم زيوفًا (٤).
وقد أشار بعضهم إلى أنهما يختلفان، هل الرد بالعيب نقض بيع، أو ابتداء بيع (٥)؟ من هذه المسألة وغيرها، وهو بعيد في التخريج والاستقراء، وغير صحيح في النظر، وكيف يقال: إنه ابتداء بيع، وهو مما يكون غلبة وحكمًا، وهل يوجد بيع ينعقد بالإجبار؟ وأما الرد فيصح بالإجبار، إلا أن
_________________
(١) قواعد المقري: ص: ٣٧٣.
(٢) الكلام على استبراء الجارية.
(٣) قال الونشريسي في رد السمسار الجعل: فعلى أنه نقض للبيع من أصله يرد وهو مذهب "المدونة"، وعلى أنه كابتداء بيع لا يرد. إيضاح المسالك: ص: ٣٤٩.
(٤) المدونة: ٣/ ٤٢٠.
(٥) ذهب الونشريسي إلى أن ابن القاسم وأشهب يختلفان في هذه القاعدة، فقال: حديثه عن هذه القاعدة: فيمن اشترى عبدًا كافرًا من كافر ثم أسلم العبد فاطلع على عيب به هل له الرد أم لا؟ قولان على القاعدة. ابن القاسم يقول: نعم، وأشهب وعبد الملك يقولان: لا. واختاره ابن حبيب. إيضاح المسالك: ص: ٣٤٨ - ٣٤٩.
[ مقدمة / ٢٠٦ ]
يقال: إن هذا إنما يعترض ويتصور من مسائل الرد بالعيب فيما تراضوا عليه، فهو ما لم يفصله أحد منهم ويبعد حتى الآن، من رده إنما رده على الوجه الذي يقتضيه الحكم ويوجبه إن اضطر إليه.
وقد ذكر هذه القاعدة المقري (١) والقرافي (٢) (٣) ويترتب على الاختلاف في هذه القاعدة اختلاف في أحكام أخرى تابعة لها كالشفعة في المردود بالعيب، وضمان ما أتلف منه، ورد السمسار الجعل، والتفليس، ورد الغلة (٤).
قاعدة: هل الإقالة بيع أم لا؟
يرى القاضي عياض أن الإقالة بخلاف الرد بالعيب لأنها تقع بتراضي الطرفين، ولا يجبر عليها أحد، فهي التي يمكن أن يخرج فيها القولان وهما: البيع ونقض البيع، فقال: وأما الإقالة فنعم تلك التي يصح فيها تخريج القولين وتأويل العلتين، إذ هي بتراض من المتبايعين (٥).
قاعدة: هل حكم السكوت حكم الإقرار؟
قال عياض في كتاب "الصلح": وحكم السكوت حكم الإقرار على قولهما معًا. وقال ابن رشد في كتاب الدعوى في "الصلح": لا خلاف أن السكوت ليس برضى، لأن الإنسان قد يسكت مع كونه غير راض، وإنما اختلف في السكوت هل هو إذن أم لا؟ ورجح كونه ليس بإذن بقوله ﵇ في البكر: "إذنها صماتها" فدل ذلك على أن ذلك خاص بها (٦).
_________________
(١) قواعد المقري: القاعدة: ٥٨٤، ص: ٢٧٤.
(٢) القرافي: الفرق: ٥٦، ١/ ٢٦، ٢٧.
(٣) القاعدة ٩٢ من قواعد الونشريسي إيضاح المسالك: ص: ٣٤٨.
(٤) انظر: إيضاح المسالك ص: ٣٤٨، وما بعدها.
(٥) انظر: القاعدة: ٩٣٨ من قواعد المقري، والقاعدة: ٩١ من قواعد الونشريسي إيضاح المسالك: ص: ٣٤٦.
(٦) انظر: إيضاح المسالك ص: ٣٧٥.
[ مقدمة / ٢٠٧ ]
وقد جعل المالكية السكوت كالإقرار في أمور ذكرها الونشريسي في كتابه (١). وقال المقري: اختلف قول ابن القاسم في السكوت على الشيء هل هو إقرار به وإذن فيه أو لا؟ قال ابن رشد: والنفي أظهر (٢).
وهذه القاعدة هي محل اختلاف بين العلماء، ففيها الاختلاف من حيث المبدأ كما أن حكمها يختلف باختلاف الأبواب الفقهية كذلك (٣).
قاعدة: الأتباع هل هي مقصودة مراعاة أم لا؟
قال عياض في مسألة جواز كراء البقرة واشتراط حلابها (٤): اعترضها سحنون ومن بعده، وأنها مخالفة عندهم لمنعه اشتراء لبن الشاة جزافًا. وأشار فضل وابن أبي زمنين إلى أنه خلاف من قوله، وعليه حملها أبو بكر بن عبد الرحمن، وبعض شيوخ القرويين، ووفاق لرواية أشهب عنه.
وقد اختلفوا في مسألة البقرة المذكورة إذا انقطع لبنها هل يرجع بحصته من الثمن أم لا؟ وكل هذا بناء على الاختلاف في الأتباع، هل هي مقصودة مراعاة أم لا؟ (٥).
وردت هذه القاعدة عند المقري بهذا اللفظ: اختلفوا في كون الأتباع مقصودة أو لا (٦)؟ إلا أن كلام عياض مهد للقاعدة قبل ذكرها مبينًا الذين اختلفوا فيها، فكان بذلك كأنه أصل لهذه القاعدة.
هذه نماذج من القواعد المبثوثة في هذا الكتاب وهي كثيرة كقوله: هل
_________________
(١) إيضاح المسالك ص: ٣٧٤.
(٢) قواعد المقري: ٢٦٠.
(٣) انظر: إيضاح المسالك: ص: ٣٧٣، القاعدة: ٦٣٣ من قواعد. المقري. ومن قواعد المذهب الشافعي: لا ينسب إلى ساكت قول. ص: ٩٧. الأشباه والنظائر في الفروع للسيوطي.
(٤) المدونة: ٤/ ٢٩٨.
(٥) القاعدة: ٩٣٦ من قواعد المقري. ص: ٣٧١.
(٦) قواعد المقري: القاعدة: ٩٣٦، ص: ٣٧١.
[ مقدمة / ٢٠٨ ]
من البياعات ما هو بيع براءة وإن لم تشترط فيه أم لا؟
وهل يصح بيع البراءة وينتفع بها في كل شيء أو بعض الأشياء أو لا ينتفع بها جملة؟
وهل التسليم والتوفية حق على البائع بما يتم بيعه أم لا؟
ومن أصل ابن القاسم أن عواري الدواب لا تضمن.
وكلما يجوز فيه الجعل تجوز فيه الإجارة، إذا ضرب لذلك أجلًا. وهل يرد ما حكم فيه، وإن وافق الحق؟ وهو الصحيح. أم يمضي، إذا وافق الحق ووجه الحكم؟ إلى غير ذلك من القواعد المعبر عنها بقوله: وهو على أصولنا، أو على أصل ابن القاسم، أو أصل أشهب.
وقد يكون كتاب عياض هذا مع كتاب عبد الحق الصقلي: النكت هي من أهم الكتب التي أوحت إلى بعض علماء المالكية الاشتغال بفن القواعد الفقهية كالمقري والقرافي والونشريسي وغيرهم.
[ مقدمة / ٢٠٩ ]
المبحث الثالث: ملاحظات تقويمية عامة
يعالج هذا المبحث بشكل مباشر منهج القاضي عياض في كتاب "التنبيهات" على المستويات الثلاثة التي أثارها الكتاب، الرواية: والدراية، واللغة. وهو استكمال لدراسة منهجه في تناول تلك القضايا الثلاث الرئيسة، وتسجيل لبعض الظواهر والأوهام والملاحظات البادية للعيان. هذه الملاحظات يعود بعضها إلى طريقة المؤلف في التأليف والكتابة، والتعامل مع مادة كتاب "المدونة"، والأسلوب الفني في الكتابة ويرجع بعضها إلى المضمون العلمي للكتاب في بعض قضاياه وما يبدو أخطاء في الشكل والموضوع، ويتناول بعضها الآخر قضية المصادر في كتاب "التنبيهات" عامة
ويستهدف هذا المبحث أساسًا إثارة الانتباه إلى أن كتاب "التنبيهات" يضع بعض التساؤلات الملحة من حيث تحريره وتنقيحه في مضمونه وشكله؛ إذ يصعب التوفيق بين القول بأن المؤلف ألف كتابه قديمًا وانتهى منه وروي عنه - كما سبق - وبين الواقع الذي ينطق به نص الكتاب في نسخه الصحيحة، بما في ذلك الأخطاء العلمية والنحوية واللغوية والإملائية والأسلوبية التي لا يصدق أحد أن مثل ذلك يصدر عن القاضي عياض العالم الموسوعي الرائد.
[ مقدمة / ٢١٠ ]
أولًا: أسلوب التأليف:
يقصد بالأسلوب هنا طريقة التأليف والتعامل مع المادة العلمية للمدونة واقتباسها وتوظيفها وترتيبها، ثم أسلوب المؤلف وسبكه ومدى وضوحه
١ - مدى تناسق مادة الكتاب:
شرح المؤلف مسائل "المدونة" على ترتيبها في الكتاب والباب، وهذا ما فرض عليه الخلط بين المواد اللغوية والحديثية والفقهية دون تمييز. هذا هو الأصل والغالب في الكتاب، وربما خالفه، غير أن هذه المخالفة قد يكون لها مسوغ، وقد لا يظهر وجه التسويغ.
فمما له سبب وجيه في عدم التزام ترتيب "المدونة" ما في أول كتاب "الصلاة" عندما عقد مقدمة لبيان أركان الصلاة وأسمائها وأفعالها وأذكارها، فاضطر لتجاوز عشرات الصفحات ليحلل مثلًا مصطلح القنوت والتشهد فتراه يتنقل ما بين الصفحات ٥٥ إلى ١٠٣، ثم إلى ١٤٣، ثم إلى ٧٠، ثم يعود إلى ٥٧ من "المدونة" في جزئها الأول.
ومن نماذج تصرفه هذا الذي له سبب مقبول، ما يرتكبه أحيانًا كثيرة عندما يعالج مجموعة من المسائل ويناقشها فقهيًا، ويؤجل الحديث عن العناصر الأخرى من التعريف بالأعلام وضبطها والشرح اللغوي، إلى آخر التحليل الفقهي، وربما قدم هذه على بحث المضمون، فمن ذلك اقتصاره على القضايا الفقهية الواردة في الصفحات من ٢٩٠ إلى ٣٠١ من الجزء الأول "للمدونة"، ثم رجوعه لشرح بقية المسائل الأخر، ومثاله أيضًا في الجزء الثالث بدؤه بمسائل الموضوع من الصفحات ٢٣٠ إلى ٢٣٨، ثم عاد على بدء لينساق مع بقية المسائل حتى الصفحة ٢٥٠، والأمثلة وافرة.
إلا أن الذي لا يعرف مسوغه هو عندما يتجاوز المسألة بعد أن يعالج مسائل لصيقة بها، ثم بعد حين يفردها بالذكر في غير موقعها. من ذلك مسألة المشي أمام الجنازة وقعت في "المدونة" في الجزء الأول في الصفحة ١٧٧، وبعد شرح مسائل عدة بعدها إلى الصفحة ١٨٢ أفردها بالذكر هناك.
[ مقدمة / ٢١١ ]
ومن ذلك أنه عندما تحدث عن إبان خروج السعاة للزكاة في "المدونة" (١) شرح لفظتين، حتى إذا أوشك على الانتهاء من مسائل الزكاة وقبل آخر مسألة وبين ثنايا مسائل زكاة الفطر الواقعة في "المدونة" (٢) أقحم مسألة إبان خروج السعاة لجمع الزكاة!
ومن هذا أيضًا أنه ذكر اسم الراوي جعفر بن برقان في الحديث عن مسائل الجمعة حوالي الصفحة ١٥٤ من الجزء الأول، ولم يذكر اسمه في النسخة المطبوعة من "المدونة" إلا في الصفحة ١٧١، وكذا ذكر هناك أبا عبد الرحمن الحبلي وموقعه في الصفحة ١٦٧ من "المدونة".
ومن الملاحظات الأخرى في هذا الباب ذكره لمسائل أحيانًا لم ترد في الكتاب موضوع النقاش أصلًا، كذكر حكم حمام مكة إذا خرج عن الحرم في آخر كتاب الصيد، وهو في المطبوع من "المدونة" في آخر كتاب "الضحايا". وقريب من هذا شرحه لمسألة النظر إلى فرج المرأة عند الخلاف أوردها في آخر "النكاح الأول" في الجزء الثاني، وليست في "المدونة" هناك، وإنما هي في آخر "النكاح الرابع" في المطبوعة (٣).
وقد أحال على محلها الصحيح وأعاد ذكرها هناك. وربما حمله على ذكرها هناك علاقتها بعيوب النساء - وهو هنالك - أو ربما تكون مكررة في بعض الروايات! فمثل هذا الخلط غير القليل يصعب تفسيره بهذا السبب أو ذاك، خاصة عندما ينقطع السياق وتقحم المسألة في غير محلها، هل هو من عمل المؤلف أو من تصرف غيره؟ وهل ثبتت بعض هذه المقحمات في أصله؟ وهل هي في متنه أو طرره؟ وإذا أضيف إلى هذا نوع آخر من الاختلاط والاختلاف فيما بين فقرات الكتاب، بحيث تقدم فقرة أو تؤخر عن موضعها، أو عندما يكون هذا الخلط داخل الفقرة الواحدة أو المسألة المنفردة - ولا يستقيم معنى الكلام إن لم يُعد ترتيبه - فمثل هذا التصرف
_________________
(١) ١/ ٣٣٨.
(٢) ١/ ٣٥٦.
(٣) ٢/ ٢٦٣.
[ مقدمة / ٢١٢ ]
الواقع في بعض مواطن الكتاب وفي بعض النسخ أو في كلها أحيانًا، لا بدّ أن يحمل على التفكير في طبيعة أصل الكتاب والمدى الذي بلغه المؤلف في تصنيفه، وسيأتي تفصيل هذا المشكل الأخير عند الحديث عن نسخ الكتاب.
٢ - تعامل المؤلف مع مادة المدونة:
وجد المؤلف نفسه أمام كتاب مبسوط وأسلوب لا يعرف الاختصار، بل قد يعتريه الاستطراد، وفي كل مسألة سؤال يبسُطها، وربما استدل لها ووضع إشكالًا يرد عليها، ثم جوابًا بالنفي أو الإيجاب، مع الدليل السمعي أو القياسي، وتفريعًا على أصل المسألة أحيانًا. فإن رام القاضي عياض ذكر هذا كله اشتغل بما لا ينفع به، وإن صاغ المسائل بأسلوبه خرج عن مقصده، فالتجأ إلى سبيل وسط، مراعيًا أحوال المسائل ومساقاتها، فقد يسوق كلام الأصل بحروفه، وقد يختصره، وقد يشير إليه. والغالب عليه الاختصار مع الإبقاء على جل كلمات الأصل إلا في حالات خاصة، كطول المسألة، أو افتراقها في الكتاب كما قال مرة في آخر كتاب "الحج": "وقع له هذا الكلام في وسط الكتاب في موضعين بأطول من هذا اللفظ في السؤال والجواب، وإنما اختصرته على المعنى".
وبدهي أنه مضطر إلى التصرف في السياق بتغيير الضمائر وصيغ الأفعال ليناسب سياق المتكلم الشارح، فمثلًا جاء في "المدونة": "قلت لابن القاسم: أكان مالك يعرف التسبيح في الركعتين الآخرتين؟ قال: لا". وصاغه المؤلف كما يلي: "وقوله: لم يكن مالك يعرف التسبيح في الركعتين الآخرتين".
وللوقوف على أسلوبه في الاختصار وضغط الكلام وأسلوب "المدونة" في التطويل، أورد هذا النموذج: جاء في "المدونة": "قلت: أرأيت هذا الذي فاته بعض صلاة الإمام فسلم الإمام وعليه سجدتا السهو بعد السلام، فسجدهما الإمام، فأمر مالك هذا أن يجلس حتى يسلم الإمام من سهوه،
[ مقدمة / ٢١٣ ]
ثم يقوم فيقضي: أيتشهد في جلوسه كما يتشهد الإمام في سهوه وهو يلبث حتى يفرغ الإمام ولم يقم؟ قال: لا، ولكن يدعو".
اختصر المؤلف كل هذا في قوله: "وقوله في الكتاب: إن جلس فليدع ولا يتشهد".
وقد يجد القارئ أحيانًا نفسه أمام كلمات في نص "التنبيهات" مرصوفة متناغمة انتقاها المؤلف من نص طويل، فهذا السطر مثلًا لخصه المؤلف من ثلاثة عشر سطرًا: "وقوله فيمن أسلم في طعام وأخذ به رهنًا فهلك، لم يصلح أن يقاصه بقيمته من سلمه".
ومن قبيل الاختصار لجوء المؤلف إلى دمج أكثر من فرع ومثال في فرع واحد.
ومن عناصر أسلوبه في التعامل مع مادة "المدونة" - وهو نوع اختصار - الربط بين مواقع المسألة الواحدة في الكتاب أو بين المسائل المتشابهة أو حتى المختلفة ليتمكن من إظهار الخلاف ومناقشته، كما فعل عند ذكر مسألة الزيتون الذي له زيت إذا باعه صاحبه قبل عصره أن عليه إخراج ما كان يلزمه من زيت، وهذا في "المدونة" ٢/ ٣٤٢. وعطف عليها مسألة الجلجلان إذا كان قوم لا يعصرونه وإنما يبيعونه للذين يزيتونه للأدهان وهي في "المدونة" ٢/ ٣٤٩.
وفي كتاب "الحج" ربط بين مسألة في الصفحة ١/ ٣٧١ بنظائرها في ١/ ٣٩٤ ثم بين أخرى في ١/ ٣٧١ بأخريين في ١/ ٣٩٢ و٤٥٥، وربط بين مسألة في ١/ ٣٨٩ وأخرى في ١/ ٤٥٦.
هذا التصرف يقود إلى ظاهرة تتكرر كثيرًا في الكتاب هي استحضار المؤلف مواقع المسائل في الكتاب على تباعد ما بينها، وهذا مثال: "وقوله في العبد المأذون إذا اشترى من يعتق على سيده: إنه يعتق عليه، قال ابن القاسم: إذا اشتراهم وهو يعلم. ثبت هذا في الكتاب الأول، وبينه هنا، وأطلق في الثاني عتقه. وحمل سحنون أن معنى ذلك: أنه اشتراهم بإذن سيده. وقد اختلف في مراعاة علمه، وفي كتاب "الرهون" في بعض
[ مقدمة / ٢١٤ ]
الروايات: يعتقون، علم أو لم يعلم. وفي الوكالات والقراض مراعاة العلم من غيره".
ومن هذا الباب أيضًا إحالات المؤلف عند التحليل على كتب "المدونة" الأخرى أو أبوابها أو على ذات الباب أو على المسألة الفلانية في آخر الباب الفلاني أو بعد هذا بأوراق، وهذا أيضًا كثير في الكتاب.
ويكاد المتأمل لتصرف المؤلف في نصوص ومسائل الكتاب يحس بأنه حافظ "للمدونة"، وذلك أنه أحيانًا يورد نص "المدونة" الطويل مع بعض الاختلاف اليسير الذي لا يستلزمه الاختصار مما يوحي بأنما يورده من حفظه، وليس هذا غريبًا؛ إذ قال عنه ابنه: "كان فقيهًا حافظًا لمسائل المختصر والمدونة قائمًا عليها، حاذقًا بتخريج الحديث (كذا) من مفهومها " (١).
٣ - أسلوب المؤلف:
الجرأة على نقد وتقويم أسلوب القاضي عياض في كتاب "التنبيهات" لا بدّ أن يفهم في الإطار المذكور سلفًا وهو ظرف تصنيف الكتاب ومدى تنقيحه أو عدمه، وإلا فبلاغة القاضي عياض وأدبه ولغته فوق كل تشكك، ومن يقرأ الباب الذي عقده في "بغية الرائد" (٢) فيما اشتمل عليه الحديث من ضروب الفصاحة وفنون البلاغة والأبواب الملقبة بالبديع في هذه الصناعة من لفظ رائق ومعنى فائق ونظم متناسب وتأليف متعاضد متناسق لا يسعه إلا أن يوافق الدكتور عبد الله الطيب في شهادته بأن هذا "من أنفس ما كتب في بابه، ويوشك أن يكون قد انفرد به بين أدباء العربية؛ إذ نظائره مما خصص الكاتبون فيه النقد لقطعة أدبية واحدة بعينها قليلة " (٣). وإذًا فما يلاحظ على أسلوبه قد يكون من عدم مراجعة الكتاب، وهو بالأساس لا
_________________
(١) التعريف: ٤.
(٢) البغية: ١٨٦.
(٣) مجلة المناهل، عدد ١٩، ص: ٢٠٩.
[ مقدمة / ٢١٥ ]
يرجع إلى صناعة الكتابة وقواعد البلاغة، وإنما هو خلل أقرب إلى تقنيات الاختصار وجفاف لغة الفقه.
وأهم ما يثار في أسلوب كتاب "التنبيهات" الإبعاد بين المبتدأ والخبر، والشرط والجواب، وكثرة الجمل الاعتراضية، وضغط الكلام بشدة حتى لا يكاد يفهم أحيانا، والحيرة في مواقع الفصل والوصل، والمواقع المناسبة لوضع النقط والفواصل، والنقط الفواصل، ونقطتي القول، والحاجة إلى أدوات الربط. ولنقرأ أولًا هذا المثال: "وإجازة مالك بيع اللحم بالخيل والدواب، ومنع ابن القاسم بيعه بالضبع والهر والثعلب. واعتل بكراهة مالك للحومها وأنها عنده ليست كالحرام البين وللاختلاف في أكلها. ولم يقل هذا في الخيل وكراهةُ مالك للحومها على نحو ذلك، واختلافُ الصحابة والعلماء فيها معلوم؛ فذهب بعضهم إلى أن مذهب ابن القاسم في ذلك خلاف مذهب مالك، وأن الذي يأتي على مذهب مالك في المسألة الأولى الجواز في الجميع. وعلى مراعاة ابن القاسم الخلاف الجواز في الجميع".
ومن النماذج القلقة في الكتاب هذا النص الذي كان المؤلف فيه بصدد ذكر رأي لأبي عمران الفاسي، ثم اعترض بجملة، ثم رجع لكلام أبي عمران فسبب في الغموض: "وأما أبو عمران فترجح في المسألة وقال: يحتمل الخلاف وغيره، وأن مسألة التي فرق فيها بين القرب والبعد تفسر الأخرى وتقضي عليها ومسألة الابن الغائب - يريد البعيد الغيبة - ومسألة التي قالت: لا أرضى؛ لأنها ردت الأمر وأبطلته - وقد جاءت في "سماع" ابن القاسم: ما وكلت وما رضيت، فلا تشبه المسائل الأخرى التي فيها الإجازة والرضى بالقرب - ويقول: وقوله - على هذا "مرة"، أي: لم يتكلم بهذا التفسير والبيان إلا مرة، وفي غيرها أجمل الجواب".
فالجملة: "وقد جاءت في سماع ابن القاسم" إلى قوله: "والرضى بالقرب"، جملة معترضة. وقوله بعدها: "ويقول"، ضميره عائد على أبي عمران.
[ مقدمة / ٢١٦ ]
ومن النماذج التي يصعب فهمها إلا بعد الاستعانة بأدلة خارجية، هذا النص الذي إذا كتب معزولًا عن علامات الترقيم تعسر ضبطه:
"وقوله في باب لعان الأخرس - وهو الأبكم في الذي ادعى الاستبراء حين ولدت لأدنى من ستة أشهر وقد لاعن للرؤية -: لا يلحقه الولد ويكون اللعان إذا قال ذلك والذي كان نفيًا للولد كذا ثبت الواو عندي وفي أصول شيوخنا وأكثر النسخ وفي كتاب "ابن سهل" و"ابن عيسى" سقطت الواو في رواية قال أحمد بن خالد: إثباتها يدل أنه لعان ثان، كما قال أصبغ قال القاضي ويكون على هذا معنى ويكون اللعان إذا قال ذلك أي ويجب ويقع وهذا أحد معاني كان في لسان العرب ويبينه قوله في كتاب "ابن المرابط" ويلزمه مكان يكون ثم قال والذي كان نفيًا للولد، أي: مع اللعان المتقدم الذي مضى للرؤية يكون هذا زائدًا لنفي الولد خاصة وكان ها هنا على بابها في الماضي وقد تكون الواو على أصلها عاطفة أن بمجموع هذين اللعانين انتفى الولد".
ومن الأمثلة الدالة على عدم تنقيح الكتاب قوله: "أرأيت إن جحد الذي عليه الدين أن لها أن تقيم البينة، دليل على أنها إذا أقر لا تقيم بينة".
فمقصد المؤلف هو أن يقول: إن جحد الذي عليه الدين لها أن تقيم البينة. لكنه أبقى أداة الاستفهام، وذلك ما جعل معناه قلقًا.
ولعل مثل هذا الغموض حمل مدون كتاب التقييد أو مؤلفه عندما نقل نصًا من "التنبيهات" على تجاوز موضع الشاهد وإدخال جزء من فقرة أخرى لا علاقة لها بالموضوع (١).
وللتأكد من تعقد أسلوب المؤلف هذه موازنة بين نص لعبد الحق الصقلي في النكت، ومعه ما للمؤلف في شرح الفكرة ذاتها:
قال عبد الحق: "إنما وجب أن يصدق التجار أن بين العبدين اللذين باعوا نكاحًا، وإن كان التجار كفارًا، لأنهم يقولون: إنما بعنا على أنهما
_________________
(١) التقييد: ١/ ١١٧، نسخة الخزانة الحمزية رقم.
[ مقدمة / ٢١٧ ]
زوجان، فهو عيب باعوا عليه ونقص عليهم من أثمانهم، وليس ذلك من باب الشهادة".
لخص المؤلف ذلك بقوله: " ووجه الشيوخ ما في الكتاب أنه من باب التبرئ ومن عيب الزواج، فلم يتهموا لا من باب الشهادة".
ومن الدلائل على أن هذا الأسلوب يعتريه بعض النقص أن الرجراجي ﵀ في مناهج التحصيل - وهو كثير الاعتماد على المؤلف وقليلًا ما يعزو إليه الكلام - كان أحيانًا يتصرف في نص "التنبيهات" بما يوضحه بالإضافة والنقص، ومن ذلك:
قال المؤلف: " إنما أجاب في النكاح لا في الملك، لأن الملك لا حد معه وإن النكاح شبهة ملك يدرأ الحد بها، وقد يحتج بقوله: "وإن تعمداه، وهذا إنما يصح في الزوجين إذ أشار إلى الحد فيهما، وإلا فما وجه تثنيتهما".
نقله الرجراجي هكذا: "إنه أجاب على النكاح دون الملك، لأن الملك لا حد فيه، وإنما الحد في النكاح، إلا أن النكاح في هذه المسألة شبهة تدرأ الحدود، ويحتج قائل هذا القول بقوله: وإن تعمداه، وذلك إشارة إلى الزوجين، وإلا فلا وجه للتثنية".
قال المؤلف: "ويحتج إنما فعلت ذلك لرغبتي ".
نقله الرجراجي: "ويحتج بأنه إنما فعلت ".
هذا وسيأتي في أثناء الكلام على نسخ الكتاب مزيد بيان لهذه القضية؛ إذ توجد في كتاب المؤلف أوهام أخرى تصب في هذا الباب، مثل الأخطاء النحوية وغيرها.
وقد يعجب المرء عندما لا يجد نصًا ولا إشارة لهذا الغموض، مع اعتماد الفقهاء عليه وتقديرهم لفقه مؤلفه، ولم أعثر إلا على جملة وحيدة
[ مقدمة / ٢١٨ ]
عند الفقيه النبيه القباب (١) في شرحه لقواعد المؤلف؛ يعني: "الإعلام بحدود قواعد الإسلام"، عندما ذكر في آخر كتاب "الحج" ما يأتي: "وكلام القاضي في غير هذا الكتاب كثيرًا ما تأتي فيه الجمل الاعتراضية، وربما كان فيه تعقيد" (٢). فكأنه أشار إلى كتاب "التنبيهات"، وهو المظنون بالفقيه القباب الاعتناء به دون غيره من المؤلفات، ثم إن بقية مؤلفات القاضي عياض لا يعتريها مثل هذا الخلل، ولم يذكر محققوها من ذلك إلا يسيرًا كما سيأتي.
٤ - مدى شمول "التنبيهات" للمدونة:
خطاب مقدمة المؤلف واضح في رسم هدف الكتاب وفي تحديد نوع القضايا محل المعالجة، وهي القضايا الغامضة. ومن الصعوبة إحصاء نسبة المادة المدروسة من "المدونة"، وكذا نسبة المادة الفقهية إلى مثيلتيها الحديثية واللغوية. وأصعب من ذلك الموازنة بين ما قام به المؤلف وما أنجزه غيره من المتصدين للتأليف في موضوع الكتاب. وارتباطًا بهذا، هل كان المؤلف عندما يتجاوز بعض القضايا المحتاجة إلى بيان يضع في اعتباره أن السابقين قتلوها بحثًا؟ مثل هذه التساؤلات ترد عند الرجوع إلى "المدونة"؛ إذ يجد القارئ فيها كما لا بأس به، إن لم يكن كمًّا كبيرًا من المسائل والأعلام والألفاظ المحتاجة إلى بيان وشرح وضبط. بل هذا في "المدونة" كثير جدًّا؛ فألفاظ مثل الخروبة (٣) والصيحاني والعجوة (٤) بحاجة إلى شرح، لا سيما وهي أسماء معروفة في المشرق، وقد لا تسمع في المغرب، والذي يلفت الانتباه في هذا قيام المؤلف غير ما مرة بشرح بعض ألفاظ دون غيرها مع اجتماعها في نص واحد، ومن أمثلة هذا: "قلت لمالك: أرأيت إن كان كله جعرورًا أو مصران الفأرة، أيؤخذ منه أو يؤخذ
_________________
(١) هو أحمد بن قاسم الجذامي، ترجم له ابن الخطيب في الإحاطة وأثنى عليه، وذكر أنه توفي بعد سنة ٧٨٠ هـ. (انظر: الديباج: ٤١).
(٢) شرح القواعد ص: ٥٩٥ من نسخة خاصة.
(٣) المدونة: ٣/ ٤٤٠.
(٤) المدونة: ٣/ ٤٣٥.
[ مقدمة / ٢١٩ ]
من وسط التمر؟ " (١). فإن المؤلف شرح الجعرور وترك مصران الفأرة. ومثل: "نظر النبيّ - ﷺ - إلى رجلين نذرا أن يمشيا في قرن، فقال: "حلا قرنكما" قال سحنون: ونظر النبيّ - ﷺ - إلى رجل يمشي إلى الكعبة القهقرى" (٢). فإن المؤلف شرح القهقرى وترك القرن. وكذا: "أرأيت جميع سباع الطير إذا علمت أهي بمنزلة البزاة؟ قال: لا أدري ما مسألتك هذه، ولكن البزاة والعقبان والزمامجة والشدانقات والسفاة " (٣). شرح المؤلف السفاة فحسب.
ومن هذا الباب تجاوز المؤلف لمسائل خلافية دون تعليق، لا سيما والمخالفون ينتقدونها على المالكية، وإن كان هذا يخالف المنطق العام للكتاب في عدم الاهتمام بمسائل الخلاف (٤).
وخلاصة القول: إن الصناعة التأليفية في الكتاب انتابها بعض النقص في الشكل والمضمون، وهذا النقص يصعب تحديد مرجعه وسببه بالضبط، وإن كان الراجح أنه من عدم التصحيح والمراجعة، وسيتعمق هذا الشعور بالنقص في النقطة التالية المتعلقة ببعض الهفوات العلمية في الكتاب.
ثانيًا: أوهام الكتاب:
من غير الإنصاف عزو كل وهم في الكتاب إلى المؤلف، ولا سيما عند احتمال تسرب الخطأ من جهة ثانية، أو عندما تتعدد احتمالات الخطإ، كأن يأتي من الناسخ أو حتى من المؤلف نفسه لسبب غير مقصود مثل: الوهم وسبق القلم وزيغ البصر غير أنه لا محيص من الإقرار بورود أخطاء هي مما خطت يده دون غيره، ولا سيما عندما تجمع النسخ
_________________
(١) نفسها: ١/ ٣٤٠.
(٢) المدونة: ٢/ ٨٣.
(٣) المدونة: ٢/ ٥٣.
(٤) انظر نماذج من هذا في كتاب مدخل إلى أصول الفقه المالكي للدكتور محمد المختار ولد أباه: ١٥٦، طبعة الدار العربية للكتاب، ١٩٨٧ م.
[ مقدمة / ٢٢٠ ]
الصحيحة - ومنها معارضة بأصل المؤلف - على أن هذا كان من كتابته، ويؤكد ذلك في الطرر والهوامش، بل ويتكرر هذا عشرات المرات. وإن المرء ليستغرب صدور تلك الهنات من قلم القاضي عياض وهي - قطعًا - هنات لم ينتبه إليها، ولا بد أن الأمر يتعلق بحالة خاصة تعتريه وهو يكتب، وربما كانت هي السرعة والخفة التي يكتب بها، فقد قيل عنه: إنه سريع الوضع، يدل على ذلك وجود أوضاع كثيرة وكتب عديدة يقصر عنها الحصر بخط يده (١). وقال عنه ابنه: هو من أكتب أهل زمنه (٢). وقال عنه: قوي الخط دقيقه (٣). فربما كانت هذه الدقة أيضًا السبب في بعض ذلك عندما ينقل النساخ من خطه فيخطئون، وقد سبق القول: إنه ترك كتابه "المشارق" في أنهى درجات التثبيج والإدماج والإشكال وإهمال الحروف (٤).
قد يكون هذا مخرجًا، وإلا فمن يصدق أن القاضي عياضًا يرتكب أخطاء في النحو في باب الفاعل والمفعول والعدد وفي التعبير البسيط، وهو الذي ناقش طويلًا في "بغية الرائد" لغة "أكلوني في البراغيث"، واستعرض مذاهب النحويين فيها (٥). وتوقف وانتقد بعض الأخطاء في باب العدد (٦) حتى قال الدكتور عبد الله الطيب: "حديثه عن العربية في مفتتح شرحه لمسائل الحديث - يعني: حديث أم زرع - ربما يعيننا على تصحيح بعض أسطار باب العدد في الجزء الثاني من كتاب سيبويه" (٧).
كيف أيضًا وهو اللغوي صاحب "المشارق"، الذي استفاد من تراثه اللغوي المجد الفيروزآبادي في القاموس، وابن الطيب الفاسي في سائر
_________________
(١) طبقات المالكية: ٣١٤، وأزهار الرياض: ٣/ ٢١.
(٢) التعريف: ٤.
(٣) التعريف: ٥.
(٤) أزهار الرياض: ٤/ ٣٤٣.
(٥) انظر: بغية الرائد: ٢٦ - ٣٠.
(٦) انظر: بغية الرائد: ٣١، ١١٨.
(٧) انظر: مجلة المناهل، عدد ١٩، ص: ٢٠١.
[ مقدمة / ٢٢١ ]
مؤلفاته اللغوية، ومرتضى الزبيدي في "تاج العروس" والتادلي في "الوشاح" وغيرهم (١).
وكيفما كان الحال فالأخطاء وقعت وثبتت، ويزيد من صحة ثبوتها عن المؤلف ورود مثيلاتها في بعض مؤلفاته الأخرى كما سنتأكد. والآن نستعرض بعض الأمثلة، وهي مختلفة ما بين أخطاء في المضمون، وأخرى في اللغة، وأخرى في الأعلام.
أولًا: فمن أخطاء المضمون التي يمكن إرجاعها كلها إلى الوهم وسبق القلم:
١ - " بقوله تعالى: فعم الله المساجد".
هكذا في النسخ، وإنما قصد المؤلف أن يقول: بقول مالك، وهو قوله في "المدونة".
٢ - قال: "قوله ﵇: فلا يخرج يوم الفطر حتى يطلع الفجر ". وهذا إنما هو من قول سحنون عقب به على حديث النبيّ - ﷺ -.
٣ - فسر المؤلف اسم "جَمْع" بأنها عرفة، وكذلك فسرها في "المشارق" مرة، وفسرها هناك بالمزدلفة أيضًا (٢)، وكذلك فسرها على الوجه الصحيح في "التنبيهات" بعد ذلك.
٤ - قال: "وقوله في التي أعتقت عبدًا أخذته في صداقها وثلثها لا يحمله: إن لزوجها رده ظاهره أنه محمول على الجواز حتى يرده السيد، وقال عبد الملك: هو على الرد حتى يجيزه السيد".
والصواب: حتى يرده حتى يجيزه الزوج.
٥ - قال: " وإن الذي يأتي على مذهب مالك في المسألة الأولى
_________________
(١) انظر: مقال "القاضي عياض اللغوي" لعبد العالي الودغيري، مجلة المناهل، السنة ٧، عدد ١٩، ص: ٤٥٤.
(٢) المشارق: ١٥٣.
[ مقدمة / ٢٢٢ ]
الجواز في الجميع، وعلى مراعاة ابن القاسم الخلاف الجواز في الجميع". تعقبه أبو الحسن الصغير بقوله: "في "التنبيهات" تصحيف في هذه اللفظة، وصوابه: منع الجواز في الجميع، ويدل عليه ما تقدم في صورة المسألة" (١).
ثانيًا: أما الأوهام التي في الأعلام فيمكن أن يرد بعضها إلى التصحيف لكن بعضها قد يكون من وهم المؤلف، ومنها:
- "شرحبيل بن حسنة بفتح السين المهملة من اسم أبيه".
يعني: "حسنة". وإنما هي أمه.
- "محمَّد بن الشغيثي - بالغين المعجمة -، كذا عند ابن وضاح وصوابه بضم الشين وفتح الغين". والصواب فيه أنه بالعين المهملة.
- "وأم قارظ بالقاف والظاء ". وكذا ورد اسمها في "المدونة"، لكن الصواب فيها: أم حكيم بنت قارظ.
- "يحيى بن مسيك ". كذا في كل النسخ، والصواب في اسمه بحر بن مسيك، فلعله تصحيف.
- "إياس بن جارية، بالجيم والباء باثنتين تحتها". كذا ضبطه المؤلف، وفي طبعة دار صادر من "المدونة" كذلك، وفي طبعة دار الفكر منها: حارثة. وإنما ذكره المترجمون؛ البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان باسم إياس بن خارجة.
- "عيسى بن يونس الضبعي - بضم الضاد وفتح الباء - منسوب إلى بني ضبيعة". وقد ورد في سند حديث في "المدونة". وبالرجوع إلى مظان الحديث تبين اقتصارهم في اسمه على عيسى بن يونس دون نسبة، والراجح أنه عيسى بن يونس السبيعي، وإسناد الحديث يؤيد هذا
- "يزيد بن أبي أنيسة ". والصواب: زيد.
_________________
(١) التقييد.
[ مقدمة / ٢٢٣ ]
وفي الكتاب نماذج أخرى في هذا الباب، لكنها أوهام حفيفة ..
ثالثًا: أما الأوهام التي تعود إلى الأسلوب فهي أنواع:
* منها: اللغوي: مثل قوله:
- "الضورة، بضم الضاد ". وإنما هو الظؤرة - بالظاء المعجمة -.
* ومنها: النحوي - وهو كثير - من أمثلته:
- "والكسوف والخسوف، قيل: هما بمعنى، ويقالا في الشمس والقمر".
- " وقيل أيضًا: رصدت في الخير وأرصدت في الشر، وقيل: يقالا فيهما جميعًا".
- " وأن بينهما بالأندلس اختلاف بيَّن وأغراض مختلفة".
- " وبالوجهين ذكرهما الدارقطني".
وقصده: ذكره. ومثل هذا تكرر غير مرة.
* ومن أمثلة الأخطاء التعبيرية قوله:
- "وقد يكون هذا جوابًا لمسألة ابن القاسم في العبد الذي خرج فضل الخلاف منها". لعل الصواب: التي خرج
- "شرط في القول بإجازة الدخول عليها أن يكون معها من يتحفظ بها". لعله: من يتحفظ منها، أو منه.
ومما يقطع بأن هذه الأخطاء من سبق القلم تكرر العبارات ذاتها في الكتاب على الوجه الصواب وأحيانًا في الصفحة الواحدة، بل في الفقرة الواحدة. غير أن ثبوتها بقلم المؤلف لا شك فيه أيضًا، فبالرجوع إلى مؤلفات القاضي عياض الأخرى تبين أن هذه القضية لا تخص كتاب "التنبيهات"، بل ذلك في "المشارق" و"الشفاء" وغيرهما أيضًا. والعجب من ثبوت هذه الأوهام في نسخة المؤلف من "المشارق"، وقد ألفه قديمًا وقرئ عليه كثيرًا وسمعه منه - كما قال -: "من العالم ما لا يحصى كثرة. ولا
[ مقدمة / ٢٢٤ ]
أقف على منتهى أعدادهم" (١). قال هذا وهو قاض بغرناطة حوالي سنة ٥٣٢ هـ وبقي يسمع عليه بعد ذلك لا شك، وإنما قال ذلك بعد أن نبهه أحد طلبته لخطأ لغوي في الكتاب اعترف به المؤلف وصححه ومع هذا فبقيت في أصله أخطاء أخرى كثيرة احتفظت بها نسخة يحيى بن أحمد النفزي المشهور بالسراج (٢) المقابلة على أصول صحيحة معارضة بأصل المؤلف (٣) ومنها أصل ابن رشيد السبتي الذي يبدو أنه كاتب إحدى نسخ "التنبيهات"
ومن النماذج المعزوة إلى أصل المؤلف من أوهام في الكتاب:
- "وقال: والتابعون لهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه". وفوق الكلام: كذا "ع". وهو رمز القاضي عياض. وفي الطرة عن ابن رشيد: أن هذا ما في أصل المؤلف. والصحيح: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ " (٤).
- "وفيه عشرة فصول". وفي الطرة عن ابن رشيد: عشر. وقال: كذا لأبي الفضل (٥).
- "وفيه عشرة فصول". قال السراج: الصواب خمسة (٦).
- "إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن". في الطرة عن ابن رشيد: بخط المؤلف: رؤية (٧).
_________________
(١) انظر: أزهار الرياض: ٣/ ١٣.
(٢) توفي ٨٠٣ هـ. (انظر ترجمته في نيل الابتهاج بهامش الديباج: ٣٥٦).
(٣) النسخة محفوظة بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم: ٤٠٧ ق انتسخت سنة ٦٣٢ هـ، وانظر دراسة لها في مقال الدكتور محمَّد الراوندي: "أصل السراج من الشفاء وما عليه من طرر وسماعات وأسانيد" في دورة القاضي عياض: ٣/ ٢٤٧، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مطبعة فضالة، ١٤٠٤ هـ/١٩٨٤ م.
(٤) انظر: الشفاء، النسخة رقم ٤٠٧ ق، ص: ١٧٢.
(٥) نسخة الشفاء ص: ٨.
(٦) نفسه ص: ٩.
(٧) نفسه ص: ١٣١.
[ مقدمة / ٢٢٥ ]
ومن أوهام المؤلف في الرجال هناك:
- "أبو عمر بن الفخار". والصواب فيه: أبو عبد الله محمَّد بن عمر بن الفخار (١).
- "أبو عيسى عن يحيى". والصواب: ابن أبي عيسى عن عبيد الله بن يحيى عن يحيى بن يحيى (٢).
وربما كان نصيب مثل هذه الهفوات في "المشارق" أهم، لا سيما والمؤلف تركه - كما سبق - في أعلى درجات التثبيج وإهمال الحروف ومن نسخه المخطوطة التي قد تكون مرجعًا في هذا نسخة بخزانة القرويين مختلطة الأوراق يبدو أنها معارضة بأصل المؤلف، ولم أتمكن من تصفحها، لكن في طررها كثير من "التنبيهات" على ما في الأصل، وفي آخر السفر الأول منها ملاحظة مما يقرأ منها: " فهو تنبيه على أنه كذلك وقع في أصل المؤلف " (٣).
ولم يسلم المطبوع من الكتاب من بعض هذا، وبعض ذلك مما نبه عليه في هوامشه، ومن ذلك:
- "دلوك الشمس: ميلها للزوال لجهة المشرق". وفي الهامش: بهامش الأصل: "صوابه المغرب" (٤)، وهو كذلك.
- "أبو جعفر ". وفي الهامش: "الصواب: أبو الوليد" (٥).
ومن الأوهام النحوية غير المنبه عليها، وهذه لا يصح الزعم بأنها من المؤلف: " وقيل: الثوب يكون لكميه كمين آخرين" (٦).
_________________
(١) الشفاء: ١٠٦.
(٢) نفسه: ١٠٦.
(٣) انظر: النسخة رقم ١٠١٥، رقم الشريط: ٤٨٣/ ٩٩.
(٤) المشارق: ١/ ٣٩٢.
(٥) نفسه: ١/ ٩، وانظر أيضًا: ١/ ١٠.
(٦) نفسه: ١/ ٣١٣.
[ مقدمة / ٢٢٦ ]
- " واليوم الذي قبله يوم القر، لأن الناس قارين به نازلين بمنى" (١).
والخلاصة أنه قد يكون للقاضي عياض ﵀ نصيب من هذا الخلل في كتبه فيما يرجع إلى الخط وطريقة الكتابة. وللوقوف على مدى ورود هذا الاحتمال وجدنا المؤرخين يختلفون في وصف خطه؛ فابن جابر الواد آشي (٢) يقول عنه: "كان بارع الخط المغربي، سريع الوضع، يدلّ على ذلك وجود أوضاع كثيرة وكتب عديدة يقصر عنها الحصر بخط يده" (٣). وهذا يشهد له قول محمَّد بن عياض: "مليح القلم، من كتب أهل زمانه" (٤). ويشهد له بصيغة غير مباشرة هذا الشعر للقاضي عياض نفسه:
لَمحبرة تجالسني نهارا أحب إلي من أُنس الصديق
ورزمة كاغَذ في البيت عندي أحب إلي مِن حِمل الدقيق (٥)
ومن الشواهد لهذا أيضًا ما سجله المقري عن خطه، إذ قال: "كان بارع الخط المغربي، وقد وقفت على خطه ﵀ فرأيت خطًا رائقًا وكتب مع ذلك كتبًا كثيرة بيده" (٦). وهذا هو الظن بالقاضي عياض المحقق الضابط، وهو القائل أيضًا:
خير ما يقتني اللبيب كتاب محكَم النقل متقَن التقييد
_________________
(١) المشارق: ٢/ ٢٠، وانظر أيضًا: ١/ ٣٦٧، ٣٥١، ٣٤٩، ٣٧٢، ٣٧٤، ١٥٣، ٥٣، ٢٨١، وانظر نموذجًا في بغية الرائد ص: ١٥٨.
(٢) هو محمَّد بن جابر الواد آشي التونسي الموطن، رحالة راوية، توفي ٧٤٩. من أشهر كتبه "أسانيد كتب المالكية"، يرويها إلى مؤلفيها، و"الترجمة العياضية"، ويبدو أن هذا الكتاب الأخير خاص بترجمة القاضي عياض، ونقل غير واحد عنه في ترجمة القاضي عياض (انظر: الديباج: ٤٠٢).
(٣) انظر: طبقات المالكية: ٣١٤.
(٤) التعريف: ٤.
(٥) انظر: القاضي عياض الأديب: ٢٢٢.
(٦) أزهار الرياض: ٣/ ٢١.
[ مقدمة / ٢٢٧ ]
خطَّه عارف نبيل وعانا هـ فصَحّ التبييض بالتسويد
لم يخنه إتقان نقط وشكل لا ولا عابه لَحاق المزيد
فكأنَّ التخريج في طرتيه طرر صُففت ببيض الخدود (١)
غير أن هذا كله يعارضه واقع لا يرتفع متمثل فيما خطته يمين المؤلف مما فيه إشكال كبير، كحال كتاب "المشارق"، ومخطوطات "التنبيهات" - خاصة منها المعارضة بأصل المؤلف - خير دليل على هذه الإشكالات التي نبه عليها الناسخ، من قبيل الأخطاء النحوية والإملائية، وتصريحه أحيانًا بأن بعض الكلمات تصعب قراءتها.
ومن ذلك أيضًا ما ذكر أحد نساخ كتاب "الشفاء" الذي قابل نسخته على أصل المؤلف فذكر أنه بذل جهدًا كبيرًا في المقابلة والتصحيح لوجود حواش وتخريجات، وفي الخاتمة بياضات لم تتأت قراءتها (٢). فهل ترجع هذه الأخطاء إلى سرعة كتابة المؤلف؟ أو إلى دقة كتابته؟ فقد قال عنه ابنه: "كان حسن الضبط، صحيح العقل (كذا، ولعله: النقل)، قوي الخط دقيقه" (٣). أو لأن المؤلف لم يتمكن من مراجعة هذه الكتب التي تنتابها الأخطاء لسبب أو لآخر؟ فلنستحضر مثلًا الملاحظة التي أكد فيها ابنه محمد أن كتاب "الحج" من "التنبيهات" لم يؤلفه أبوه إلا بعد أن أنهى كتاب "التنبيهات"، ثم دفعه لبعض الطلبة، فضاع منه أغلبه، فشغلت المؤلف فتن الزمان عن تحبيره.
ولنلاحظ أيضًا أن أصله من "الشفاء" كان بفاس، وذكر الرحالة ابن جبير: أنه قابل نسخته بأصل المؤلف في فاس، والذي كان أكثره بخطه، وهي مبيضته التي حررها وأظهرها وقرئت عدة مرات عليه (٤).
_________________
(١) الإلماع: ١٦٥.
(٢) انظر: دورة القاضي عياض: ٣/ ٣٦٣.
(٣) انظر: التعريف: ٥.
(٤) انظر: دورة القاضي عياض: ٣/ ٣٦٤.
[ مقدمة / ٢٢٨ ]
وكذلك حصول الطراز الغرناطي على أصله من "المشارق"، وإخراجه إياه، هل كان ذلك بغرناطة؟ وكذلك كون بعض أجزاء مؤلفاته لم تكن بخطه، كيف يمكن تفسير كل هذا؟
إن نهاية المؤلف المأساوية أيضًا، وغموض أيامه الأخيرة لا يساعد على الإجابة على السؤال عن مصير مكتبته، فإنه - وإن كان مفهومًا من كلام ابنه عن مؤلفاته ومبيضاته ومسوداته وبطاقاته أن ذلك وقع تحت يده - لكن يبدو أن المؤلف أيضًا اصطحب معه في استقدامه من سبتة إلى مراكش بعض مؤلفاته أو جلها، ثم لا يدرى مصيرها بعد وفاته بمراكش! فقد قال أبو القاسم بن الملجوم: "اجتاز علينا القاضي عياض عند انصرافه من سبتة قاصدًا إلى الحضرة (مراكش)، زائرًا لأبي بداره عشية الإثنين الثامن لرجب سنة ٥٤٣، وفي هذه العشية استجزته وسألته عن نسبه " (١)
ويدل على ذلك أيضًا أنه ذكر في الغنية وفاة شيخه ابن العربي، وقد توفي سنة ٥٤٣ هـ بعد نفي القاضي عياض إلى مراكش (٢).
وكيفما كان الحال، سيبقى افتراض وقوع الأوهام في أسلوب القاضي عياض وفي خطه واردًا إلى حين بروز نموذج من خطه في كتبه التي قيل: إنه انتهى منها وسمعت عليه، ثم في المؤلفات التي لم يتمها ولم ترو عنه، ولم يظهر حتى الآن هذا النموذج
وأختم هذا بما قال تلميذ المؤلف عبد الرحمن بن القصير لما وجد في "الشفاء" من نسخته المنقولة عن أصل عليه خط المؤلف قوله: "ودعيا لي بخير"، فكتب في الطرة: كذا كان في المنتسخ منه. والصواب: ودعوا لأنه من دعوت، قال الله تعالى: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ (٣). ولا شك أنه من الناسخ الغلط، وأما المؤلف ﵀ فإنه كان أرفع من أن يقع في مثل هذا، بل
_________________
(١) انظر: أزهار الرياض: ٣/ ٢٣ - ٢٤.
(٢) الغنية: ٦٨.
(٣) الأعراف: ١٨٩.
[ مقدمة / ٢٢٩ ]
كان من المستبحرين في فنون جمة، وكان خطه بالقراءة عليه في الأصل الذي انتسخت منه، والسماع يفلت منه كثير للمستمع والمقروء عليه، ويندرج في لفظ القارئ بالخفي (١) (كذا).
_________________
(١) انظر: أزهار الرياض: ٤/ ٣٠٦. وانظر أمثلة أخرى في الأزهار: ٤/ ٣٠٩، ٣١٧، ٣١٨.
[ مقدمة / ٢٣٠ ]
قسم التحقيق
القسم الأول:
تحقيق الدكتور محمد الوثيق
[ مقدمة / ٢٣١ ]
النسخ المعتمدة ومنهج التحقيق في السفر الأول:
أولًا: مضمون السفر الأول من الكتاب:
يحتوي هذا السفر على الكتب الستة والثلاثين الآتية:
١ - كتاب الوضوء والطهارة.
٢ - كتاب الصلاة الأول.
٣ - كتاب الصلاة الثاني.
٤ - كتاب الجنائز.
٥ - كتاب الصيام.
٦ - كتاب الاعتكاف.
٧ - كتاب الزكاة الأول.
٨ - كتاب الزكاة الثاني.
٩ - كتاب الأيمان والنذور.
١٠ - كتاب الضحايا.
١١ - كتاب الذبائح.
١٢ - كتاب الصيد.
١٣ - كتاب الأشربة.
١٤ - كتاب الجهاد.
[ مقدمة / ٢٣٣ ]
١٥ - كتاب الحج.
١٦ - كتاب العتق الأول.
١٧ - كتاب العتق الثاني.
١٨ - كتاب المُكاتَب.
١٩ - كتاب التدبير.
٢٠ - كتاب أمهات الأولاد.
٢١ - كتاب الولاء والمواريث.
٢٢ - كتاب النكاح الأول.
٢٣ - كتاب النكاح الثاني.
٢٤ - كتاب النكاح الثالث.
٢٥ - كتاب الرضاع.
٢٦ - كتاب إرخاء الستور.
٢٧ - كتاب طلاق السنَّة.
٢٨ - كتاب الأيمان بالطلاق.
٢٩ - كتاب التخيير والتمليك.
٣٠ - كتاب الظهار.
٣١ - كتاب الإيلاء.
٣٢ - كتاب اللعان.
٣٣ - كتاب الصرف.
٣٤ - كتاب السَّلَم الأول.
٣٥ - كتاب السَّلَم الثاني.
[ مقدمة / ٢٣٤ ]
٣٦ - كتاب السَّلَم الثالث.
ثانيًا: ترتيب أبواب الكتاب بين النسخ:
نسخ الكتاب لا تتفق كليًا في ترتيب هذه الأبواب. والترتيب المعتمد هو ترتيب النسخة المرموز لها بحرف "ز" المعارضة بأصل المؤلف، وتوافقها في ذلك النسخ المرموز لها بحروف "ق" و"ح" و"م".
وتوافقها في الترتيب النسختان "ل" و"ط"، إلا أنهما قدمتا السَّلَم على الصرف، لكن في "ط" قُدِّم السَّلَم الأول ثم بيوع الآجال، ثم السَّلَم الثاني ثم الثالث.
وتوافقها النسخة "س"، إلا أنها وضعت أحكام العبيد بعد كتاب "الحج"، وبعدها أحكام الأسرة ثم السلم فالصرف.
بينما تنفرد النسختان "خ" و"ع" بغياب كافة كتب أحكام العبيد إلى السفر الثاني من الكتاب، وتوافقان النسخة "ز" في بقية التراجم إلا أنهما قدَّمتا السَّلَم على الصرف.
وهكذا، فهذه النسخ التسع تقدم لنا النص في خمس صور مختلفة دون إمكان تحديد السبب الحقيقي وراء هذا الاضطراب: هل هو من المؤلف أو من النساخ؟ وهذا الاختلاف يسبب أحيانًا بعض البلبلة عندما ترد إحالات في الكتاب على ما مضى أو ما يأتي، فيحتار القارئ. وهو مشكل آخر ينضاف للمشاكل والتساؤلات السابقة عن مدى حقيقة انتهاء المؤلف من كتابه.
وإذا كان الترتيب المتبع في هذا البحث اقتضاه ترجيح النسخة المعارضة بأصل المؤلف، فإنه مع هذا ومن خلال نص الكتاب ذاته، توجد دلائل قوية على تأخير أحكام العبيد إلى النصف الثاني من الكتاب كما في النسخة "خ" ومعها "ع"، ويتجلى هذا في إحالة المؤلف في كتب العبيد المختلفة على كتب وقعت في السفر الثاني، فإذا وضعنا كتب أحكام العبيد
[ مقدمة / ٢٣٥ ]
في السفر الأول سببت هذه الإحالات في نوع من الاضطراب.
- ففي العتق: "وقد نبهنا على اختلاف لفظه هناك" - يعني: في الوصايا -.
- وفيه: "وقد تقدم الكلام عليها مستوعبًا في الرهون".
- وفي كتاب "المكاتب": "وقد بيناه في السلم الثاني".
- وفي كتاب "أمهات الأولاد": " ومثله في كتاب "الشهادات"، وقد تكلمنا عليه هناك". أحال عليه ثلاث مرات.
وهذه الكتب المحال عليها وقعت كلها في السفر الثاني، ولا يتصور أن يحيل عليها كلها بهذه الصيغة وهو لم يصلها بعد، وإن كان يمكن مثل ذلك عند المراجعة والتنقيح (١).
أما انفراد النسخة "س" بوضع أحكام العبيد بعد العبادات وقبل أحكام الأسرة فمما يعارضه بعض الإحالات كذلك من قبيل قول المؤلف في كتاب الأيمان بالطلاق: "وسيأتي من هذا في العتق".
أما النسخ التي قدمت السلم على الصرف، فإن ما في كتاب السلم من إحالات المؤلف على كتاب الصرف لا يساعدها، ومن ذلك:
- قال في السلم: "وقد تكلمنا عليها في كتاب الصرف".
- وقال فيه: "قد مر كلام فضل في كتاب الصرف".
- وفيه أيضًا: "وقد مضى مثله في الصرف".
وربما سبب هذا الاختلاف بلبلة كذلك في تحديد مبتدأ ومنتهى الأجزاء في النص، إذ المؤلف جزأ كتابه عشرة أجزاء كما ذكر ابنه (٢) وكرره المقري (٣). وعند التلفيق بين النسخ أمكن تحديد بعض هذه المعالم الخاصة
_________________
(١) انظر مثلًا كيف أحال المؤلف في الجزء الأول من "الإكمال": ١/ ٣٧٣ على كتاب الفتن، وهو من آخر الكتاب.
(٢) انظر: التعريف: ١١٦.
(٣) أزهار الرياض: ٤/ ٣٤٧.
[ مقدمة / ٢٣٦ ]
بالسفر الأول:
فالجزء الأول: من أول الكتاب إلى آخر الجنائز كما نص عليه هناك في النسخ "ز" و"ع" و"ح" و"م".
والجزء الثاني: يبتدئ بالصيام وينتهي بانتهاء الحج، وهذا ما في آخر الجنائز في النسختين "م" و"ح"، وفي "ط" في آخر الحج: تم الجزء الثاني. غير أن في النسخة "خ" في آخر الجهاد وقبل الحج: تم الجزء بحمد الله وعونه. ولعل هذا له علاقة بما وقع لكتاب الحج عند المؤلف من تأخير تأليفه.
أما الجزء الثالث: فنصَّت النسخة "ز" على ابتدائه في أول النكاح.
وأما الجزء الرابع: فنصَّت النسخة "ز" كذلك على ابتدائه في أول الرضاع.
وأما الجزء الخامس: فلم تنص أي من النسخ على مبتدئه، لكن في النسخة "خ" من آخر اللعان: انتهى الجزء الخامس.
وعدا هذا، فلا يوجد نص ولا إشارة يفيدان في تحديد بقية الأجزاء في هذا السفر الأول.
ثالثًا: وصف النسخ:
يوجد عدد لا بأس به من نسخ السفر الأول، أذكر المعتمد منها أولًا:
١) نسخة الخزانة الحمزية رقم ٣٨٥، ورمزها حرف الزاي "ز":
هذه النسخة لم يذكرها الشيخ المنوني ﵀ في فهرسته للخزانة، وذكرها في مقال له في مجلة جامعة القرويين (١)، وقال عنها: مجلد غير مرتب. غير أن في بعض الفهارس القديمة للخزانة الملحقة بالفهرس المذكور ذكرًا للكتاب وأنه في جزءين، وكذلك في دفتر مقيدة فيه أسماء الكتب
_________________
(١) محمد المنوني: مجلة جامعة القرويين، عدد ٥، سنة ١٤١٤ هـ / ١٩٩٣ م، ص: ١٤٢.
[ مقدمة / ٢٣٧ ]
يوجد بمقر الخزانة. إلا أن الموجود من النسخة مجلد واحد من القطع الصغير لم أحص أوراقه، إلا أنها تناهز ١٦٠ ورقة، ومعدل مسطرتها نحو ٣٠ سطرًا في الصفحة.
والنسخة كثيرة الخرق بالسوس، وفيها طمس غير يسير، واختلاط كثير، مبتورة في عدة مواضع
أولها: مقدمة الكتاب، إذ سقطت مقدمة المؤلف وشيء يسير من مقدمة كتاب الوضوء والطهارة، وهو تقريبًا أربع صفحات من قياس ٢١ × ٣١ سنتيمترًا. ثم سقط منها بعد ذلك في كتاب "الوضوء والطهارة" وكتاب "الصلاة" ما عبر به بعضهم - وليس الناسخ - في آخر صفحة قبل السقط بهذه العبارة: بقي هنا كراس. وهو نحو ثلاثين صفحة بالقياس المذكور. ثم سقط منها من آخر الزكاة الأول إلى آخر الحج، وكتب في أول السقط بغير خط الناسخ أيضًا: بقي بينه وبين ما يقابله كراستان، وهو نحو ٦٥ صفحة.
ثم فقد سائر السفر الثاني من الكتاب إلا يسيرًا.
وهذه النسخة في غاية الأهمية لأمرين:
أولهما: أنها عورضت بأصل المؤلف كما أثبت ناسخها في آخر السفر الأول، إذ قال: "انتهت المعارضة بأصل المؤلف وبخطه ".
الثاني: أن الناسخ في غاية من الضبط والتحري، وهذا الناسخ لم يعرِّف بنفسه فيما وجد من النسخة، لكن في إحدى الطرر بخطه ما يلي: "يقول محمَّد بن رشيد: رأيته في نسخة قديمة من "المدونة" ".
ووجدت في لحق في النسخة بتوقيع أحد علماء الزاوية الحمزية اسمه سالم، مما ورد فيه ما لعله: "وهذا لا يحتمل أن يخفى على ابن رشيد سيد الخطاطة".
وبالبحث عن هذا الشخص تبين أن ممن يُعرفون بذاك الاسم غير واحد:
[ مقدمة / ٢٣٨ ]
أ - محمد بن رشيد بن عيسى بن باز أبو عبد الله: توفي بعد ٦٠٠ هـ، ترجم له ابن الأبار (١) وابن عبد الملك (٢).
ب - محمَّد بن رشيد بن عيسى اليحصبي: المتوفى ٥٥٣ هـ، ترجم له ابن الأبار (٣).
غير أن هذين لم يذكر عنهما شيء من العناية بالكتابة والخط والنسخ.
جـ - محمَّد بن محمَّد بن رشيد: ذكره ابن القاضي وحلاه بالفقيه الكاتب، "كتب في حضرة أبي عنان المريني، وكتب بعده لجملة من بني مرين، قال ابن الأحمر في حديقته: رأيته بفاس، وكان حسن الخط بارعه، ابن مقلة زمانه. إلا أنه لم يكن عنده عربية، فكان إذا أمر السلطان بكتب الملوك ينشئها الفقيه المدرس أبو القاسم عبد الله بن يوسف المالكي ويضبطه بالإعراب ويعطى للكاتب ابن رشيد فيكتب (٤) ".
د - محمَّد بن عمر بن رشيد السبتي أبو عبد الله المحدِّث الفقيه الرحالة، اشتغل بدراسة الفقه، واهتم بالكتابة والمقابلة، وهو أديب خطيب بليغ محدث سيد محدثي المغرب، صحيح النقل، أصيل الضبط، توفي ٧٢١ هـ (٥).
وقد يكون هو المقصود، فإنه الأعرف والمعروف بهذا الشأن، يقول الشيخ محمَّد المنوني: "لمع في المغرب المريني طبقة من المصححين للكتب العلمية، منهم: محمَّد بن رشيد السبتي ترد الإشارة له في مخطوطة من رسالة "عجالة المبتدئ" في أنساب رواة الحديث للحازمي،
_________________
(١) انظر: التكملة: ٢/ ٧١.
(٢) الذيل والتكملة: ٦/ ١٩٩.
(٣) التكملة: ٢/ ٤٨٩.
(٤) انظر: جذوة الاقتباس: ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٥) انظر: أزهار الرياض: ٢/ ٣٤٧، والترجمة الوافية التي عقدها الشيخ محمَّد الحبيب بلخوجة في مقدمة تحقيق كتاب ابن رشيد: "السنن الأبين " المطبوع بالدار التونسية للنشر ١٣٩٧ هـ / ١٩٧٧ م.
[ مقدمة / ٢٣٩ ]
أصلها مصحح بخط ابن رشيد، وعنه نقلها ناسخها ومختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب بتصحيحه، حيث وقع اعتماد أصله في نسخة قوبلت من فرع الأستاذ أبي عبد الله الطرسوني الذي قابله من أصل ابن رشيد، قصيدة حرز الأماني للشاطبي، بخط يحيى السراج، اعتمد فيها أساسًا رواية ابن رشيد، مخطوطة الشفا للقاضي عياض، نسخة يحيى السراج أيضًا (١) ".
فابن رشيد السبتي محدِّث كبير وأديب معروف، أما ابن رشيد الأول فلا يتجاوز إتقان الخط، بينما يهتم ناسخ "التنبيهات" بما وراء الخط من الضبط والتصحيح والترجيح والإضافة أيضًا. هذا ولم أوفق في العثور على نموذج لخطه، وفي أعلام الزركلي عند ترجمته له نموذج منه غير واضح (٢)، وقد ذكر الدكتور محمَّد بن شريفة أن خطه محفوظ بإحدى نسخ برنامج الرعيني اشتراها الزركلي من مراكش (٣).
ومن أهم ما يميز عمل ابن رشيد في هذه النسخة: معرفته الدقيقة بخط المؤلف، ومن ذلك ما كتب أول كتاب الصيام: "من هنا ابتدأ الجزء الثاني الذي ليس بخط المؤلف، وظهر لي أنه بخط ابنه محمد بن عياض بن موسى ﵀".
وهمَّش في آخر "الحج" وكتب: "إلى هنا بخط ابن المؤلف ﵀"، ثم ذكر أن ما يلي هو بخط المؤلف.
ومن ذلك ما في إحدى الطرر: "كان في أصله بخطه: وكتب بخط آخر فوقه: ولم أتحقق أنه خطه".
ومنه: "بخطه، ثم رد: بخط محدث".
_________________
(١) انظر: تاريخ الوراقة المغربية: ٦٩ - ٧١.
(٢) انظر: الأعلام: ٦/ ٣١٤. هذا وقد أكد لي الدكتور عبد اللطيف الجيلاني - وهو باحث في تراث ابن رشيد - أن خط النسخة الحمزية هو خطه فعلًا.
(٣) انظر: الذيل والتكملة: ٨/ ١/ ٤٤.
[ مقدمة / ٢٤٠ ]
ومن دقته في وصف الكلمات وأشكالها: "كذا معادًا عليه بمداد آخر، ويشبه أن تلوح الميم تحته خفية".
ومن ذلك أنه يرسم الكلمات المشكلة كما هي، وينبه على ذلك، مثل أن يقول: "كذا بخطه، وصورته مشكلة"، ويحتفظ برسوم الكلمات كما كتبها المؤلف، مثل: لسيما، أصطوانها ولذلك قال في آخر السفر الأول: " وما كان فيه من مشكل كتب على أقرب صورة إليه".
ومن عمله في التصحيح إثبات ما يعتقده صحيحًا في المتن ممرضًا عليه بعد أن يثبت ما في الأصل في الطرة، منبهًا على أن ذلك ما بخط المؤلف، وقد قال في آخر السفر الأول: " فما كان فيه من لحن كتب على حاله".
ومنه أنه عندما يجد سقطًا لا محيد عنه لاستواء السياق يثبته منبهًا على أنه: "سقط من خط المؤلف، ولا بد منه".
وهو أيضًا يستحضر نسخًا أخرى ويوازن بينها وبين ما في أصل المؤلف كما في قوله: "في بعض النسخ: به، ولم يثبت بخط المؤلف".
ومما يمتاز به أنه - كما يبدو - يستبدل قوله: قال المؤلف ﵀ بما في أصل المؤلف - ولعله: قال القاضي. وذلك بوضع قوله: "المؤلف ﵀" بين دائرتين صغيرتين علامة على أنه من زيادته، ويكتب فوق ذلك حرف "ض" كأنه رمز للقاضي أو لعياض. وقد يعيد حرف الضاد في الطرة مصححًا عليه
وفي الواقع، فإن دراسة خط هذه النسخة - وهو أندلسي - وطريقة ضبطها ووفرة علامات الضبط في متنها وطررها الغنية ورموزها، والالتزام الشديد بما في الأصل، قد يعطي نموذجًا للمنهج الصارم في تطبيق قواعد علماء الحديث في أصول الرواية.
٢) نسخة خاصة مأخوذة عن مصورة الدكتور محمد المختار ولد أباه، ورمزها حرف الخاء "خ".
[ مقدمة / ٢٤١ ]
هي ثاني أهم وأصح نسختين بعد النسخة "ز"، وهي نحو ١٦٠ ورقة من القطع الكبير، معدل أسطرها ٢٤ سطرًا، وفيها مضمن السفر الأول من الكتاب كاملًا، ما عدا الكتب المتناولة لأحكام العبيد، وفيها يسير أيضًا من السفر الثاني.
هذه النسخة غير منقوطة في الغالب الأعم، إلا أنها حقًا نسخة صحيحة وإن لم يرد فيها ما يصرح بأصلها ولا بتاريخها، حتى يخيل للقارئ أحيانًا أنها إما نقلت عن أصل المؤلف أو عن أصل منقول عنه. والطرة الوحيدة التي فيها بعض الدلالة ما نصه: "هذا في الحاشية بخطه". ومثل هذا كثير جدًا في النسخة "ز". لكن في هوامش النسخة "خ" كثير من الطرر غير المصرحة، مثل: "صححه". وكذلك: "انظره وحققه". وفوق هاتين الإحالتين حرف الضاد. وبالمقارنة بين ما فيها هنا وما في "ز" نجد الإحالتين هناك وفوقهما أن المؤلف كتب ذلك. وفيها أيضًا كثير من الطرر والرموز هي نفسها وردت في هوامش "ز".
وفي هوامشها أيضًا علامات ورموز ومعلومات لا توجد في النسخة "ز"، وهذا ما يدعو إلى الموازنة بين النسختين:
فمن الأمارات على تقارب النسختين أو أصلهما - وهذا كثير وهو الأصل - أخطاء تتحدان فيها، مثل هذه العبارة: "قوله: لأن الحاكم هنا ينوب مناب الزوج إذا امتنع، وينفذ عليه الطلاق".
علم الناسخان فيهما على وجود تقديم وتأخير في قوله: "ينوب هنا"، ثم في قوله: "الطلاق عليه".
غير أن الاختلافات بين النسختين ليست يسيرة:
فمن ذلك السقط، فكلاهما فيها سقط كلمة أو كلمات أو أسطر، غير أن ذلك في "خ" أكثر، وإن كان غالبه نابعًا عما يسمى بانتقال نظر الناسخ.
ومن ذلك فيما يبدو أن ما حوق عليه في أصل المؤلف لا ينقله ناسخ
[ مقدمة / ٢٤٢ ]
"ز"، بينما يكتب في "خ" محوقًا عليه، ومن ذلك فقرة طويلة في آخر "النكاح الأول".
ويقع الخطأ فيهما، وينبه عليه في "ز" على أنه في أصل المؤلف، ولا ينبه على الخطأ من أصله في "خ"، وهذا كثير.
وقد يقع الخطأ في أصل "ز" ويصلحه الناسخ، ولا وجود للخطإ في "خ"، وهذا أيضًا وافر.
وينبه ناسخ "ز" على سقوط كلمة في أصل المؤلف، ويصلحه الناسخ باقتراح كلمة، فترد تلك الكلمة في "خ" دون تنبيه عليها
وهذا نموذج خاص:
- في "ز": "قال ابن عيينة ". وكتب الناسخ في الحاشية: "درس في الأصل".
- وفي "خ" مكان "ابن عيينة": "قال أبو محمَّد". والصحيح في هذا الاسم أبو عبيد، لأنه نقل عنه شرحًا لغويًا. وكرر المؤلف النص والنقل عنه في "المشارق"!
٣) نسخة خزانة القرويين رقم ٣٣٣، ورمزها حرف القاف "ق":
وهي نسخة تامة يتكون السفر الأول منها من نحو ١١٠ أوراق من الحجم الكبير بمسطرة ٣٥ سطرًا، ومجموع أوراقها ١٩٦، نسخت سنة ٧٨٦ هـ، وهي بخط مغربي صحيح تام به تلاش يسير كما قال في فهرس القرويين (١).
هذه النسخة ذات خصوصيات تنفرد بها، وهي أقرب النسخ إلى الصحة وإلى النسختين الأصليتين السابقتين "ز" و"خ".
وأهم ما يميزها تصرف ناسخها وتدخله في النص بالزيادة والنقص،
_________________
(١) انظر: فهرس القرويين: ١/ ٣٢٧.
[ مقدمة / ٢٤٣ ]
وهذا أحيانًا يساعده على تجاوز النقص الحاصل في أصل المؤلف من سقط وتعقد أسلوب. وأحيانًا أخرى يؤديه إلى الخروج عن الصواب، وهو في كلا الحالين متجرئ عندما تصرف في الأصل ولم يكتف بالتنبيه على الخطأ في الهامش، ولذلك انفردت النسخة بأخطاء لا توجد في غيرها، فهو أحيانًا يصحح بتبديل الكلمات أو بطرحها، وأحيانًا يصححها بإقحام حروف عليها، وأحياناّ يخرِّج إلى الزيادة التي يزيدها. وقد يكتب على بعض الألفاظ الزائدة حرف الزاي، وقد ينبه في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى كلمة مغايرة
ومن المميزات الناتجة عن تدخل المؤلف قلة الأخطاء النحوية الكثيرة في النسخ الأخرى، ومن أمثلة ذلك:
- في كل النسخ: "أو يكون استقباله (الإمام) لأول قعوده مستحب استعدادًا لقيامه وواجب عنده".
- وفي كل النسخ أيضًا: "فوجه الربا إنما هو في دفع الأكثر، فتجتمع العلتين".
وهاتان العبارتان وردتا في النسخة "ق" بالوجه الصحيح. وغير هذا من الأخطاء كثير جدًا يتبين عند قراءة فروق المقابلة في النص.
ومن نماذج تصحيحاته في المضمون:
- "إذا طلقها الأول لا يبرئها حملها من الآخر".
- في النسخة "ق": " لا يبرئها وضع حملها "، وهو الظاهر.
- "كان مالك مرة يقول: ليتأخر الذي له السلم إلى إبانها (الثمرة) من السنة المقبلة، هذا قول، ولا تجوز المحاسبة ".
- في ق: " هذا قوله الأول"، وسياق "المدونة" يؤيد ما في النسخة "ق".
والناسخ يضيف أحيانًا نصوصًا من "المدونة" أو من غيرها
ومن تصحيحاته الأسلوبية التي تتضح بالمقارنة هذا النص:
[ مقدمة / ٢٤٤ ]
- ففي الأصول: "ظاهره أنه ليس من نساء أهل الجزية".
- وفي ق: "ظاهرها أنها متى كانت ليست من نساء أهل الجزية "
وقد يخطئ في هذه التصحيحات أيضًا، وأخطاؤه ليست قليلة، فمن ذلك:
- في النسخ: " والعجمي الذي قد أجاب. قال: سحنون أدخل: "قد أجاب". ".
حاول الناسخ أن يقومها كما يلي: " قال سحنون: إذا دخل قد أجاب". وهذا غير صواب.
ومن الأخطاء المحيلة للمعنى ما يأتي:
- ففي النسخ: "وقوله اللخمي".
- كتبه الناسخ: "وقال اللخمي".
- ومن ذلك هذا النص فالذي في النسخ: " وثبت هنا ذكر مالك فيها في كتاب "ابن عيسى"، وهي في الكتاب الثاني ببينة عن مالك.
وقوله في كراهية إنكاح أمهات الأولاد محتمل لإجبارهن ".
- صاغها الناسخ كما يأتي: " وهي في الكتاب الثاني مبينة عن مالك في كراهية إنكاح ".
فقد اعتقد أن الكلام متسلسل، بينما المؤلف انتقل إلى مسألة أخرى، ولكي يستقيم له النص ويتوافق مع فهمه أسقط: "وقوله"، وأضاف ضمير الغيبة إلى "كراهية"!
فهذه نماذج من هذه النسخة التي فيها إيجابيات وسلبيات مجتمعة، غير أن الثقة بها في نسبة كل ما فيها إلى المؤلف متضعضعة بسبب عدم احترام منهج النقل، وكلام الناس حبس كما قيل!
[ مقدمة / ٢٤٥ ]
فهذه ثلاث نسخ متميزة، وهي المعتمد الأول في المقابلة، وإن كان المعتمد حقيقة هما الأصلان الأولان، ولذلك طال الحديث عنها، أما سائر النسخ فأهميتها أدنى من ذلك بكثير.
٤) النسخة ٣٣٥ من خزانة القرويين، ورمزها حرف السين "س":
منها: السفر الأول حتى أواخر السلم بخط مغربي ضيق، في كاغذ متلاش كثير الخرق بالسوس، عارية من تاريخ النسخ، عدد أوراقها ٩٠، ومسطرتها ٤١ سطرًا (١).
٥) النسخة ٣٨٤ ق المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط، ورمزها حرف العين "ع":
يوجد منها السفر الأول، وتنتهي في آخر بيوع الآجال في ٢٠٢ ورقة، بمسطرة ٣٣ سطر ًا.
٦) نسخة الخزانة الحمزية رقم ٣٣١، ورمزها حرف الميم "م":
يوجد منها السفر الأول حتى آخر السَّلَم في ١٧٣ ورقة بمسطرة ٢٥ سطرًا، وهي نسخة بخط أندلسي جميل غليظ، نسخها أحمد بن سعيد بن أحمد الأنصاري بفاس سنة ٦٥٣ هـ، وفي أولها تمليكان. غير أن جمال هذه النسخة أفسده - على ما يبدو - انتساخها من أصل غير صحيح.
٧) نسخة خزانة القرويين رقم ٣٣٦، ورمزها حرف اللام "ل":
وهي كاملة في سفرين: أولهما ينتهي بكتاب الصرف، في أوراق عددها ١١٥، ومعدل أسطرها ٣٠، وهي متلاشية جدًا، وعليها تمليك وتحبيس
وصف خطها في فهرس القرويين بأنه أندلسي جيد (٢)، إلا أن الواقع أن جله مطموس، كما أن قيمتها لا تكاد تظهر، بل يغلب عليها الخطأ.
_________________
(١) انظر: فهرس خزانة القرويين: ١/ ٣٢٩.
(٢) انظر: فهرس خزانة القرويين: ١/ ٣٢٩.
[ مقدمة / ٢٤٦ ]
٨) نسخة الخزانة الحسنية رقم ٥٣٤، ورمزها حرف الحاء "ح":
وهي تامة في ٢٠٢ ورقة. قال الشيخ المنوني في وصفها: في مجلد من حجم طويل بخط دقيق يتخلله بياض، نسخت سنة ١٢٨٦ هـ برسم الأمير مولاي العباس العلوي، نسخها محمد بن عبد الهادي بن محمد العربي الصنهاجي المكناسي المتوفى ١٣٢٩ هـ/ ١٩١١ م (١).
٩) نسخة الخزانة الحسنية رقم ٩٨١٨ ورمزها حرف الطاء "ط":
وهي كاملة تقريبًا، ينتهي السفر الأول ببيوع الآجال، في نحو ١٠٤ أوراق، وكتب هناك اسم مالكها عبد العزيز الدادسي السجلماسي.
وهذه النسخة لم تعتمد في المقابلة إلا في كلمات معدودة.
واختصارًا للكلام، فإن هذه النسخ مجتمعة تتفاوت في الصحة، غير ألا واحدة منها قوبلت وصححت على أصل صحيح، ولا إحداها سالمة من التصحيف والتحريف الشديد والسقط الكثير والاختلاط في الأوراق والمتن وأنواع أخرى من الأخطاء والتصرفات
بقي أن أذكر نسخًا أخرى من السفر الأول لم أطلع عليها، وهي:
١٠) نسخة خزانة القرويين رقم ٣٣٤، وهي تامة وبخط مغربي متلاش جدًا، كاد أن يندثر، نسخت سنة ٦٧٨ هـ في ١٢٧ ورقة، معدل أسطرها ٣٨.
هذه النسخة مذكورة في فهرس القرويين (٢)، غير أنها ضاعت كما يقول القائمون على الخزانة.
(١١ - ١٢) ذكر بروكلمان نسختين في الإسكوريال (٣).
_________________
(١) انظر: تاريخ الوراقة المغربية: ٢٥٧.
(٢) انظر: فهرس القرويين: ١/ ٣٢٨.
(٣) انظر: تاريخ الأدب العربي: ٣/ ٢٨٢.
[ مقدمة / ٢٤٧ ]
(١٣ - ١٤) وذكر أيضًا نسختين في توبنجن (١).
١٥) يوجد في خزانة ابن يوسف بعض أجزاء الكتاب (٢).
١٦) ذكر الدكتور محمد المختار ولد أباه نسخة من السفر الأول في خزانة أسرته (٣).
١٧) ذكر الأستاذ محمد المختار السوسي نسخة من السفر الأول مبتورة الأول نسخت عام ٩٧٩ هـ في خزانة تاتلت (٤).
ملاحظات عامة:
بعد هذا، وربطًا بما سبق في هذه الدراسة، يبقى التأكيد على أمور واضحة تنتاب الكتاب، ومنها:
- الاختلاف في بعض الفقرات تقديمًا وتأخيرًا، وهذا ملاحظ بكثرة في أول الكتاب، وأحيانًا قطع الفقرة الواحدة ثم إتمامها بعد كلام لا علاقة له بها وسبقت الإشارة إلى هذه الملاحظة، وأمثلتها بارزة عند الرجوع إلى فروق المقابلة.
- البياضات والفراغات المتعددة في الكتاب المنبه على ورودها في أصل المؤلف، بل ينبه المؤلف أحيانًا القارئ إلى تحقيق المسألة، ويتوقف الكلام أحيانًا عند الجواب على شرط أو ذكر مضاف
- انفراد بعض النسخ بما لا يوجد في غيرها من كلمات وجمل وعبارات لا يدرى إن كانت أصلية أو من زيادة النساخ.
_________________
(١) انظر: المرجع نفسه: ٣/ ٢٨٢.
(٢) ذكر مفهرسو الخزانة أرقامًا للكتاب هناك، لكن بعضها لتهذيب البراذعي.
(٣) انظر: مدخل إلى أصول الفقه المالكي: ١٣٨ بالهامش. وقد تكون هذه النسخة هي الموجودة بخزانة أهل الشيخ سيديّ بمدينة بوتلميت الموريطانية. (انظر مقالًا عن نفائس هذه المكتبة لأحمد بن أحمد سالم في مجلة: آفاق الثقافة والتراث، السنة ٨، عدد ٣١، ص: ٧٤، رجب ١٤٢١ هـ / أكتوبر ٢٠٠٠ م.
(٤) انظر: خلال جزولة: ٣/ ١٢٩
[ مقدمة / ٢٤٨ ]
ومن هذا مقطع عزاه إلى "التنبيهات" الشيخ خليل في التوضيح، والشيخ الرهوني في حاشيته، دون أن يرد في أي نسخة من النسخ التي اطلعت عليها.
- ومما قد يزكي هذا التوجه الذي هو عدم الانتهاء من التأليف إحالات المؤلف على بعض المصادر الأخرى وتوصيته للقارئ بالتأمل والتحقق، ومن نماذج ذلك: انظر "النوادر" - صحح قوله من نوازله - انظر قول من قال: هو وفاق - انظر في كتاب "محمد والمختصر". صححه، وانظر في "المدنية والمبسوطة والواضحة" وخ.
والمؤلف بالمناسبة يستعمل رموزًا لم يمكن فكها مثل: انظر "الظهار والنذور" ش ع م خ - محرز ص ز د - انظر قول القابسي في كتاب ش وصححه - ينظر ويحقق، وانظر ق
رابعًا: منهج التحقيق:
١ - المقابلة:
صرفت جل العناية إلى هذا العنصر لعلاقته بتوثيق النص لا سيما والنص - كما مر - تنتابه مشاكل. واقتضت قواعد المنهج أن تجعل النسخة "ز" هي النسخة الأم للاعتبارات المذكورة سلفًا من كونها قوبلت بأصل المؤلف واحترمت فيها القواعد الدقيقة للضبط. وهكذا أثبت كل ما فيها في المتن مهما كان خطأ لغويًا أو نحويًا أو إملائيًا أو أسلوبيًا، وإن كان ذلك قد يقطع حبل تفكير القارئ ويستفزه، ثم أثبت في الهامش ما في بقية النسخ ولو كان بادي الصحة والرجحان، وحاولت أن أرجح الوجوه الصحيحة في النص وإن كان يصعب الترجيح في كثير من الأحيان لاحتمال النص لأكثر من وجه في أساليب العربية وبلاغتها ونحوها. لكني أثبت في المتن أيضًا ما أضافته النسخة "خ" باعتبار أصحيتها وأهميتها - كما سلف - واضعًا إياه بين معقوفين [] وذلك لاحتمال السقط في النسخة ز - وهو واقع - أما عندما يكون السقط من النسخة خ وغيرها فأضعه بين قوسين () تمييزًا له عن
[ مقدمة / ٢٤٩ ]
السقط في النسخة الأم. أما ما لم يرد في هذين الأصلين فأكتفي بإثباته في الهامش إلا عند غياب النسخة "ز" فربما أثبت في الصلب ما ليس في غير النسخة "خ" لا سيما وفيها سقط متكرر.
واعتبارًا لأهمية الأصلين ز وخ أثبت منتهى صفحاتهما في النص المحقق ولم أفعل ذلك إلا بالترقيم بالصفحات لغياب أصل النسخة "خ"، ثم لأن النسخة ز اختلطت أوراقها اختلاطًا كثيرًا فآثرت أن أذكر ذلك بالصفحات متبعًا ترتيب الصفحات تبعًا للوجه الصحيح وعلى ما عليه النص لا على ما هي عليه النسخة من اختلاط، ثم تتابع الترقيم متسلسلًا دون انقطاع وإن انقطعت النسخة ووقع فيها السقط في الأماكن المشار إليها من قبل وكذلك تابعت بين صفحات النسخة "خ" عند وقوع السقط الأساسي فيها بسقوط محور أحكام العبيد
هذا ولم أُعن كثيرًا بإثبات كل سقط في غير هاتين النسختين، كما لم ألتزم بإثبات كل الفروق الواردة في غيرهما، بل محوت الكثير منها بعد ما أثبته، بينما حاولت أن أثبت جميع الفروق الواردة في الأصلين مهما كانت تافهة واعتنيت بالفروق الواردة في النسخة "ق" بدرجة أدنى.
وكذلك يدخل في المقابلة ملاحظة نصوص الكتاب وما في "المدونة"، وإن تسامحت كثيرًا في وضع العلامات الحاصرة المزدوجة " " حول النص بالرغم من الاختصار والحذف والتصرف فيه ما دام المعنى لم يتغير
٢ - التخريج والتوثيق:
عملت على تخريج النص القرآني والحديثي واللغوي وترجمة الأعلام البشرية والجغرافية مع الاهتمام بالتوثيق من مصادر المؤلف أولًا - إذا كانت متوفرة - ثم من سائر المصادر الممكنة:
المصادر:
أغلب مادة الدراسة مستقاة من كتاب "التنبيهات" نفسه ثم من كتب المؤلف الأخرى. أما التحقيق فتتقدمها مصادر الفقه ثم مصادر الحديث
[ مقدمة / ٢٥٠ ]
والرجال ثم اللغة. والأسلوب المتبع في الغالب البحث عن المادة في المصادر الأصلية:
أ - ففي توثيق النصوص الفقهية تصدّر اللائحة مجموعة من الأصول التي لم يتيسر غيرها فاعتبرت بمثابة المصادر الأصلية لاحتوائها مادة هذه الأمهات المفتقدة، ويذكر هنا في المقام الأول كتاب "النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات" الذي احتفظ بنصوص مجموعة من المصادر أغلبها في حكم المفقود مثل "الواضحة والموَّازية والمختصر والمجموعة". وأمكن الرجوع مباشرة إلى مصادر أساسية للمؤلف كـ "المقدمات الممهدات"، و"البيان والتحصيل" لابن رشد و"المنتقى" للباجي، ومنها مصادر المدرسة المالكية بالعراق كـ "التفريع" لابن الجلاب، و"المعونة والتلقين والإشراف" للقاضي عبد الوهاب. ثم تأتي بعد هذا مجموعة من مصادر المؤلف أمكن الرجوع إلى بعضها في نسخها المخطوطة مثل: "التبصرة" للخمي و"الجامع" لابن يونس و"تهذيب الطالب والنكت والفروق" لعبد الحق الصقلي و"تهذيب البراذعي" و"مختصر أبي مصعب الزهري" و"مختصر ابن زيد القيرواني".
ثم كانت الاستعانة بمصادر تأخرت عن زمن المؤلف لكن فائدتها كبيرة في الإسهام في توثيق النص وزيادة الثقة به لالتزامها بالنقل من الأمهات واحتوائها كثيرًا من النصوص، ومثل ذلك: "التوضيح" للشيخ خليل و"مناهج التحصيل" للرجراجي و"التقييد" للزويلي و"حاشية الرهوني".
وأسهمت المصادر الثلاثة الأخيرة بشكل مباشر في بيان نص "التنبيهات" في كثير من نصوصه التي تضمنتها، وخاصة "حاشية الشيخ الرهوني" لالتزامه بالنقل الحرفي والضبط في ذلك. وكان من وراء التكثير من المصادر والإحالات هاجس إمكان الخطأ في النص والتوثق ما أمكن من صحة ما نقل في الكتاب.
هذا وتختلف طريقة الإحالة على المصادر المخطوطة ما بين محال عليه بتعداد الأوراق وآخر بأرقام الصفحات، كما أن الإحالة على "المدونة"
[ مقدمة / ٢٥١ ]
التزمت فيه ذكر الجزء والصفحة والسطر أيضًا. ولم أذكر صفحات الإحالة على كتاب "النكت" لعبد الحق الصقلي بسبب اعتمادي على نسخة مرقونة غير منتهية أنجز تحقيقها الباحث الدكتور مراد حشوف بكلية الآداب بالرباط، كما لم أذكر صفحات الإحالة على الجزء الثاني من مختصر ابن أبي زيد لاختلاطه وانطماس أوراقه.
ب - أما مصادر الحديث، فالطاغي على الكتاب مصادر الرجال والتراجم، وقد أمكن الرجوع إلى كل مصادر المؤلف تقريبًا إلا ما ندر، وهي أمهات في الفن مثل: كتب البخاري وابن أبي حاتم وابن ماكولا والدارقطني واكتفيت في تخريج الأحاديث بالعزو إلى المظان لا سيما عندما يخرج النص في الكتب الصحاح، وإلا بحثت عنه في المصادر الأخرى وعن أقوال أهل الفن فيه، وفي بقية تراجم الأعلام كانت المصادر والمراجع حسب كل مترجم وتخصصه وأقرب المصادر إليه، فكان التعامل، تبعًا لهذا، مع كثير من مصادر تراجم الفقهاء وتراجم اللغويين والنحويين وكان المصدر الأساس في تراجم علماء وفقهاء الغرب الإسلامي كتب أهل الأندلس والمغرب مثل: ابن حارث، وابن الفرضي، وابن بشكوال، والمالكي، وأبي العرب، والقاضي عياض
واقتصرت في الترجمة لأهل الحديث على الضروري مما يعرف بالمترجم كذكر الاسم وتاريخ الوفاة ثم الإحالة على المصادر ما دام لا يوجد من وراء الترجمة بحث عن حكم ولا جرح أو تعديل. ولأن المؤلف غالبًا ما يورد أسماء الأعلام بقصد ضبطها، إلا إن ورد في سند متصل فأبحث عن الاتصال وعمن نص على رواية الراوي عن شيخه. واعتنيت بأكثر من هذا بفقهاء المذهب لا سيما المغمورين.
ج - وكذلك أمكن الرجوع إلى كثير من مصادر المؤلف في اللغة مثل: كتب "العين" و"الجمهرة" وكتب "الغريب" لأبي عبيد وابن قتيبة والخطابي. بينما لم يتيسر الوصول إلى بعضها الذي هو في حكم المفقود - كما رأينا في مرويات المؤلف اللغوية - فاستعيض عن ذلك بالأمهات
[ مقدمة / ٢٥٢ ]
المعتمدة كاللسان والتاج والقاموس وقد أورد المؤلف كلمات معدودة المعاني لم أقف عليها في هذه المصادر
أدعو الله جلّ وعلا وتقدس، أن ينفعني بما علمني ويزيدني علمًا، وأن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله في ميزان حسناتي، وأن يرضى عن آبائي وشيوخي، وأن يجمعنا مع شفيعنا ونبينا محمَّد بن عبد الله ﵊، آمين والحمد لله رب العالمين.
[ مقدمة / ٢٥٣ ]
القسم الثاني:
تحقيق الدكتور عبد النعيم حميتي
[ مقدمة / ٢٥٥ ]
الجزء الثاني يبتدئ بكتاب بيوع الآجال وينتهي بكتاب الجراحات والديات. ونظرًا للاختلاف الموجود في بعض النسخ فيما يتعلق بنهاية الجزء الأول وبداية الجزء الثاني، فإنني اتفقت مع زميلي الأستاذ محمَّد الوثيق على الاعتماد على تقسيم النسخة الحمزاوية، ورمزنا لها بحرف (ز)، وينتهي فيها الجزء الأول بكتاب السلم الثالث. بما يعني أن الجزء الثاني يبتدئ بكتاب بيوع الآجال، وهذا موافق لنسخة الجامع الكبير بمكناس التي رمزت لها بحرف (ع)، ومما شجعنا على اعتماد التقسيهم الموجود في (ز) أننا وجدنا في آخر الجزء الأول ما يلي: كمل الجزء الأول من التنبيهات المستنبطة، والحمد لله حق حمده وصلوات الله على خير خلقه. ويتلوه كتاب بيوع الآجال بحول الله تعالى. وبجانب هذه الكلمات الدالة على ختم الجزء الأول، كتب: انتهت وعرضت بأصل المؤلف وبخطه فما كان فيه من لحن كتب على حاله مع كلمات أخرى غير واضحة. ربما تدل على أنهم إذا أرادوا أن يصلحوا شيئًا أو يصوبوه فإنهم يصححون ذلك في الهامش تاركين كلام المؤلف على حاله.
النسخ المعتمدة:
١ - نسخ الخزانة الملكية بالرباط:
النسخة الأولى برقم: ٥٣٤
وهي في مجلد كبير بخط مغربي جيد، ويبتدئ الجزء الثاني منها
[ مقدمة / ٢٥٧ ]
بكتاب السلم الثاني، وقد سقطت منها بعض الصفحات في الكتب الأخيرة أشرت إلى مكانها في التحقيق، وفيها بعض البياضات في بعض الصفحات لكنه قليل، وهذه النسخة جيدة في عمومها، وقد نسخها الفقيه الخير السيد محمد ابن الفقيه المرحوم السيد الهادي الصنهاجي، الذي كتبها للعباس بن محمد، وقد فرغ من نسخها في أواسط عام: ١٢٨٦ هـ. وقد اعتمدت على هذه النسخة في التحقيق ورمزت لها بحرف: ح.
النسخة الثانية برقم: ٩٨١٨
وهي في مجلد واحد، وهي ناقصة من الأول، ومن الآخر، خطها مغربي جيد، وبها خروم كثيرة، وتحتاج إلى ترميم، ولا تسمح إدارة الخزانة بإخراجها للقراء، لكنهم سمحوا بإخراجها لنا لمدة ثلاثة أيام، قابلنا بينها وبين النسخة السابقة فلم نجد بينهما فرقًا كبيرًا، وأشرت إلى بعض فروقها في التحقيق ورمزت لها بحرف: ط.
٢ - نسخ القرويين بفاس:
نسخة برقم: ١١٩١
وهي نسخة في مجلد ضخم بخط أندلسي عار من اسم الناسخ، وتاريخ النسخ: عام: ٨١١ هـ. وتبدأ بكتاب تضمين الصناع، وتنتهي بكتاب الجنايات.
نسخة برقم: ٣٣٣
وهي في مجلد تام بخط مغربي شبه متلاش في أوله، وقد وقع الفراغ من نسخها في جمادى الأولى عام: ٧٨٦ هـ، على يد الناسخ: ابن أحمد بن إسحاق السوماتي، وهذه النسخة من أحباس سيدي الشريف محمد بن السلطان. وهذه النسخة هي التي اعتمدت عليها في التحقيق، ونقلت نصها وقابلتها بالنسخ الأخرى، واعتمدت ترتيب كتبها. ورمزت لها بحرف: ق.
[ مقدمة / ٢٥٨ ]
نسخة برقم: ٣٣٦
وهي في مجلدين، متوسطين، يتضمن كل منهما جزءًا، الأول بخط أندلسي جيد، تاريخ نسخه، ٦٨٧ هـ. على يد ابن سعيد البركاني. والثاني يبدأ من البيوع إلى آخر الكتاب.
نسخة برقم: ٣٣٤
وهي في جزء تام بخط مشرقي جيد في ورق متلاش، تاريخ نسخها ٦٧٨ هـ، بخط محمد بن عبد العظيم.
٣ - نسخ الخزانة العامة بالرباط:
- نسخة برقم: ١٢٤٨ م
هذه النسخة مصورة على الميكروفيلم وأصلها بالجامع الكبير بمكناس ورقمها: ٢٨٠ م، ويوجد بها الجزء الثاني ويبتدئ ببيوع الآجال، وهي غير تامة ويصعب قراءة بعض صفحاتها، وهي من النسخ التي اعتمدت عليها في المقابلة، ورمزت لها بحرف ع.
نسخة برقم: ٣٥٣٧ ميكروفيلم
وهي نسخة القرويين، رقم: ٣٣٦. إلا أن المصور في الميكروفيلم هو الجزء الأول فقط.
نسخة برقم: ١٨٥٤ ميكروفيلم
وهي نسخة الخزانة الملكية، رقم: ٥٣٤.
نسخة برقم: ١١٣ حم
وهي نسخة مصورة على النسخة الأصلية بالخزانة الحمزاوية ورقمها: ١٠٢. وقد رجعت إلى هذه النسخة أثناء التحقيق.
وتوجد نسخة أخرى بخزانة ابن يوسف بمراكش، رقم: ١٧٩/ ١، إلا أنه لم يبق منها إلا جزء صغير وهو متلاش جدًا.
[ مقدمة / ٢٥٩ ]
ومن النسخ الموجودة عند الخواص عثرنا على نسخة عند الأستاذ المختار ولد أباه، إلا أن هذه النسخة لا يوجد منها إلا السفر الأول، وينتهي هذا السفر بكتاب البيوع الفاسدة.
* * *
النسخ المعتمدة في التحقيق
بعد الاطلاع على هذه النسخ اخترت من بينها النسخ الآتية:
١ - نسخة: ق
وهي نسخة القرويين رقم: ٣٣٣، وهي بخط مغربي مكتوب بحروف رقيقة إلا أنه مقروء وفيها تلاش في أولها، لكن آخرها سالم، وهي تامة، لكنها لم تفصل بين الجزء الأول والجزء الثاني، وهي مختلفة عن النسخة الملكية في ترتيب الكتب، كما تختلف معها ومع نسخ أخرى في بداية الفقرة التي يكون فيها تعليق عياض وبالخصوص التي يذكر فيها اسمه، ففي النسخة الملكية ونسخة مكناس: قال المؤلف، وقال المؤلف ﵀، وفي هذه النسخة: قال القاضي، مما يدل على أن هذا ربما كان مما تصرف فيه النساخ، وقد اخترت ما في نسخة: ق، وأثبته، كما أثبت نصها ولم أعدل عنه إلا إذا تبين أن الصواب مع النسخة الأخرى، أو إذا وجدت كلمة أو نصًا سقط من ق، فإنني أضيفه وأجعله بين معقوفين، ومما جعلني أجعل هذه النسخة في الصف الأول:
- أنني وجدت الجزء الثاني تامًا بها.
- تبين من خلال تتبعها أن ناسخها ربما كان له حس فقهي، ولذلك تجد فيها بعض الكلمات مخالفة للنصوص الأخرى لأنه يتدخل بعض الأحيان ويصلح بعض الكلمات حسب ما يقتضيه السياق الفقهي.
[ مقدمة / ٢٦٠ ]
- سلامتها من التلاشي.
٢ - نسخة: ح
وهي نسخة الخزانة الملكية رقم: ٥٣٤، وهي بخط جيد، وقد جعلتها في الدرجة الثانية بعد ق، وهي مختلفة في ترتيب كتبها عن ق.
٣ - نسخة: ع
وهي النسخة المصورة عن نسخة الجامع الكبير بمكناس، ويبتدئ الجزء الثاني فيها من بيوع الآجال، وهي جيدة في ضبطها إلا أنها صعبة في قراءتها لأنها مصورة من الميكروفيلم، وفيها خروم كثيرة في حواشيها.
وهي مختلفة كذلك عن ق في ترتيب كتبها، وهي غير تامة، وتنتهي بكتاب الجنايات عند قوله: وقوله إذا قتل المكاتب على هيئته. وبها سقط في الكتب الأخيرة كذلك.
ومن مميزاتها أنها تكتب بداية الفقرة بخط غليظ، كما تكتب به كذلك كل كلمة تثير انتباه القارئ.
وأنها تكتب في آخر كل كتاب: تم كتاب كذا بحمد الله وعونه، وتبدأ الكتاب الذي يليه ببسم الله الرحمن الرحيم، وصلَّى الله وسلم على سيدنا محمَّد وعلى آله وسلم تسليمًا.
٤ - نسخة: خ
هذه النسخة هي نسخة الأستاذ المختار ولد أباه، وهي غير تامة، فهي تتضمن الجزء الأول، وكتابين فقط من الجزء الثاني، وهما: كتاب بيوع الآجال، وكتاب البيوع الفاسدة، وقابلت نسخة ق بهذين الكتابين، ورمزت لها بحرف خ، وهي نسخة جيدة لو وجدت كاملة، رغم أن ناسخها يترك الكثير من الحروف المنقوطة بغير نقط، معتمدًا على شكل الحرف، وهي متفقة مع نسخة ق في كتابة: قال القاضي بدل قال المؤلف، وتبدأ الفقرة بخط غليظ، وفي نهاية كتاب البيوع الفاسدة: كمل السفر الأول من كتاب التنبيهات المستنبطة، على الكتب المدونة، والمختلطة، والحمد لله رب
[ مقدمة / ٢٦١ ]
العالمين، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، هذا الجزء الأول من التنبيهات قد ملكه الله تعالى عبده سيدي بن المختار بن الهيبا كان الله للجميع بمنه وكرمه وليًا ونصيرًا، آمين.
والذي يظهر أن هذه النسخة لم تفرق بين الجزء الأول، والثاني، وإنما جمعت ما وجد في سفر واحد، وعبر الناسخ بالسفر ولم يعبر بالجزء، والكلام الذي ذكر فيه الجزء لم يكن من كلام الناسخ، وإنما أضافه المالك.
٥ - نسخة: ز
توجد هذه النسخة بالزاوية الحمزاوية، وقد رمزت لها بحرف: ز، وهي أصح هذه النسخ، إلا أنه من سوء الحظ فقد ضاع منها الجزء الثاني ولم تبق منه إلا بعض الصفحات المتناثرة، وقد انتهى الجزء الأولى عند نهاية السَّلَم الثالث مما يدل على أن الجزء الثاني يبتدئ من بيوع الآجال، وهو ما اعتمدناه.
ومن الأوراق التي بقيت من الجزء الثاني، بعض الأوراق في الجوائح، وتضمين الصناع، والقسمة، والوصايا الأول، والوديعة، والعارية، وحريم البئر، والسرقة، وقد أشرت إلى ما وجدت منها في ثنايا التحقيق. ومما يؤكد أهمية هذه النسخة ما عليها من التصحيحات في الهامش، رغم ما فيها من خروم كثيرة في وسطها وأطرافها، وهي من النسخ التي التزمت كتابة: قال المؤلف ﵀، إلا أنها انفردت بكتابة حرف الضاد قبل كلمة المؤلف، أو فوقها، إشارة إلى القاضي فتكتب هكذا: قال ض المؤلف ﵀.
٦ - نسخة: د
هذه النسخة يوجد أصلها بالخزانة الحمزاوية، ورقمها بالخزانة: ١٠٢، وتوجد نسخة منها مصورة على الميكروفيلم بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم ١١٣ حم، وفيها الجزء الثاني، ويبتدئ من بيوع الآجال، وينتهي في كتاب الجنايات عند قوله: وقد نبه في المدونة في كتاب الرجم على خلاف فيه.
[ مقدمة / ٢٦٢ ]
وقد كتبت هذه النسخة بخط مغربي واضح، وقد أدرجت في آخر هذا الجزء كتب هي من الجزء الأول، وليست من الجزء الثاني، وقد يكون من خلط المصورين الذين يجدون بعض الكتب التي تكون أوراقها مبعثرة وغير مجموعة، وغير مرتبة، فيصورونها كما وجدوها، وهذه الكتب هي: كتاب الولاء والمواريث، وكتاب أمهات الأولاد، وكتاب المدبر، وكتاب المكاتب، وكتاب العتق الأول، والثاني.
وقد اعتمدت على هذه النسخة في بعض الكلمات التي لم تتضح لي بالنسخ المصورة عندي.
* * *
عملي في التحقيق
١ - المقابلة بين النسخ:
لما وقع اختياري على نسخة ق، قمت أولًا بكتابة نصها، ثم بعد ذلك قابلت بينها وبين النسخ المذكورة، وذلك بعد أن وضعت لكل نسخة رمزًا، وأضفت إلى نسخة ق ما سقط منها وثبت في غيرها، ووضعته بين معقوفين، وما ثبت فيها وسقط من غيرها وضعته بين قوسين، ثم حاولت جهد المستطاع أن تكون كلمات النص منسجمة فيما بينها، وأن يكون النص سالمًا مما يعرقل فهم القارئ، وذلك بالاعتماد على ما يوجد لدي من النسخ، وما توصلت إليه حسب فهمي أنه الصواب. وأثبت جميع الفروق في الهامش ليرجع إليها القارئ، لأنه ربما قد يظهر لي أن الصواب مع نسخة ع أو ح، في حين أنه في نسخة أخرى، مثبت فرقها في الهامش، فيكون الصواب ما في الهامش لا ما أثبته في النص، لأن الكتاب جد معقد.
وأعلم أن هناك نسخًا أخرى لم أتمكن من الاطلاع عليها، وأذكر في هذا الصدد أنني سافرت بمعية زميلي الأستاذ محمَّد الوثيق إلى مدينة تطوان
[ مقدمة / ٢٦٣ ]
للبحث عن هذه النسخ، فزرنا كتبيًا معروفًا هناك ببيع المخطوطات، فسألناه عن التنبيهات فقال لنا: إنه باع نسخة من هذا الكتاب في هذه الأيام لبعض الأوروبيين، ففوجئنا بهذه المخطوطات التي طالتها حتى هي كذلك الهجرة السرية، فقلت في نفسي: سبحان الله، هل ضاقت أرضنا حتى بهذه المخطوطات؟ فصارت تركب قوارب الموت مهاجرة إلى أوروبا؟ أم هاجرت لأن أهلها احتقروها فوجدت ترحيبًا لدى غيرهم؟ وما جئت بهذا الاستطراد إلا لنبين بأننا بذلنا مجهودًا كبيرًا في العثور على هذه النسخ، إلا أنني لم أظفر إلا بما أشرت إليه من النسخ التي ذكرت بأنني اعتمدت عليها.
٢ - التخريج:
وفيما يخص تخريج النصوص التي أوردها عياض في كتابه هذا، - وهي كثيرة، قرآنية، وحديثية، وفقهية - فقد حاولت جهد المستطاع أن أتتبع هذه النصوص في مظانها من أجل المقابلة بينها، والتأكد من سلامتها، فجاءت هذه التخريجات على الشكل الآتي:
أ - تخريج الآيات القرآنية:
قمت بتخريج الآيات القرآنية مشيرًا إلى السورة ورقم الآية على رواية ورش.
ب - تخريج الأحاديث:
خرجت الأحاديث الموجودة في الكتاب من كتب الصحاح، والسنن، والمسانيد، إلا أنني في بعض الأحيان أقتصر على البخاري ومسلم إذا ورد الحديث فيهما.
ج - تخريج نصوص المدونة:
في مجال التخريج كذلك انصرف جل اهتمامي إلى تخريج نصوص المدونة، للارتباط العضوي بينها وبين الكتاب، فخرجت جميع نصوص
[ مقدمة / ٢٦٤ ]
المدونة الواردة في الكتاب، حتى ولو كانت كلمة، فأنني أشير إلى مكانها، واقتصرت في عملي هذا على ذكر الجزء، والصفحة، من طبعة دار صادر، وإذا كان في النص غموض فإنني أكتب النص كله في الهامش، كما أشير إلى الاختلاف الموجود بين نص المدونة، وما ثبت في النسخ إذا اتفقت كلها على رأي واحد، وإذا كانت الكلمة في نسخة واحدة، وفي النسخ الأخرى ما يخالفها، وكان ما في المدونة يوافق ما في تلك النسخة، فإنني أعضد هذه النسخة بما في المدونة، وكنت كثيرًا ما أقابل بين طبعة دار صادر، وطبعة دار الفكر في النصوص التي يذكر عياض أن فيها اختلافًا في روايتها. كما أشرت إلى النصوص التي ذكرها وهي ساقطة من طبعة دار صادر، أو طبعة دار الفكر، أو منهما معًا.
د - تخريج النصوص الفقهية:
اعتمدت في تخريج النصوص الفقهية على النوادر والمنتقى والمقدمات من الكتب المتقدمة على عصر عياض، وعلى بعض الكتب المتأخرة عنه، نظرًا لقلة المراجع المطبوعة لهذه الفترة من جهة، ولأن هذه المراجع إنما تنقل عن هذه المراجع المتقدمة من جهة أخرى.
٣ - ترجمة الأعلام:
ترجمت للكثير من الأعلام الذين ذكرهم عياض، ما لم تكن لهم شهرة تجعل التعريف بهم من باب مضيعة الوقت، وأشرت إلى مراجع تراجمهم، لمن أراد المزيد.
٤ - مكملات التحقيق:
حتى يكون النص واضحًا، وسهلًا في قراءته والاستفادة منه لا بد أن يقدم في قالب يجلب النظر، ولا يتعبه، ويلفت الانتباه، ولا يتلفه، من أجل هذا العمل الشكلي في مظهره، العميق في مخبره، قمت أولًا بتوضيح عناوين الكتب، ثم بعد ذلك بتحديد الفقرات، وتوضيح النصوص، وتقسيم
[ مقدمة / ٢٦٥ ]
الجمل، وفرزها فيما بينها بالنقط والفواصل، والله يعلم كم هو الوقت، وكم يستمر البحث للتعرف عن مكان النقطة، أو الفاصلة. وكل ما قمنا به من عمل في هذا الباب إنما هو مجهود اجتهادي حسب ما فهمناه من النص.
٥ - فهرسة الكتاب:
لا يخفى على أحد الأهمية الكبيرة التي تقدمها عملية فهرسة الكتب، بدءًا من جمع المادة العلمية، إلى تجزيء الموضوع إلى جزئيات قد تمكن القارئ من الوصول إلى مبتغاه في أسرع وقت، وبمجهود بسيط، إلى الإحالة على الكثير من الأعلام وآرائهم، إلى غير ذلك من الفوائد الأخرى. من أجل ذلك قسمت الفهارس إلى الموضوعات الآتية:
- فهرس الآيات القرآنية.
- فهرس الأحاديث النبويّة.
- فهرس المسائل الفقهية.
- فهرس الكلمات والأعلام والأماكن التي ضبطها عياض في كتابه التنبيهات.
- فهرس الأعلام.
- المصادر والمراجع.
- فهرس الموضوعات.
[ مقدمة / ٢٦٦ ]
التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ
على
الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
للإمَام الحَافظِ
أبي الفَضل عَياض بن موُسى اليَحصبي
قسمُ التحْقِيق
القِسْمُ الأوَّلُ
تحقيق
الدكتور محمد الوثيق
دار ابن حزم
[ ١ / ١ ]
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
ISBN ٩٧٨ - ٦١٤ - ٤١٦ - ١٤٨ - ٧
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار
تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الإلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.Ib
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
[ ١ / ٢ ]
التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ
على
الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
قسمُ التحقِيق
(١)
[ ١ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ١ / ٤ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمَّد النبي وعلى آله وسلم تسليمًا