الظهار مأخوذ من الظهر، وكني به عن المجامعة؛ لأنه ركوب للمرأة كما يركب ظهر المركوب، لا سيما وعادة كثير من العرب وغيرهم المجامعة على حرف من جهة الظهر، ويستقبحون سواه ذهابًا إلى التستر والحياء والخَفَر (١) وألا تجتمع الوجوه حينئذ ولا يطلع على العورات. وهي كانت سيرة الأنصار حتى نزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٢) الآية - على إحدى الروايتين في سبب نزولها -. وكان الظهار أحد أنواع طلاق الجاهلية، فنزل في أول الإسلام بأوس بن صامت (٣) وزوجه خويلة (٤)، فجرت لها في ذلك مع النبي - ﷺ - (٥) مجادلة اختلفت الأحاديث في نصها، فأنزل الله (تعالى) (٦): ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآيات (٧). وشرع الظهار (٨) حكما غير حكم الجاهلية على ما نصه في كتابه العزيز.
_________________
(١) في العين: خفر: هو شدة الحياء.
(٢) زادت ق: (فاتوا حرثكم). وهي الآية: ٢٢٣ من سورة البقرة.
(٣) انظر ترجمته في الإصابة: ١/ ١٥٦.
(٤) وهي صحابية ترجمها في الإصابة: ٧/ ٥٦٣، وذكر أنها تسمى أيضًا جميلة وخولة.
(٥) في خ وق: ﵇.
(٦) ليس في خ.
(٧) الآية: ١ من المجادلة.
(٨) كذا في ز وم وس وع وح، وفي خ وق: للظهار حكمًا. وهو أبين.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
ومذهب مالك في "المدونة" في تفسير العودة أنه إرادة الوطء والعزم عليه مع إرادة الإمساك. وهو مشهور مذهبه، وهي رواية أشهب (١) عنه وعن عبد العزيز في "المختصر" (٢)، وقول أصبغ (٣)، وقولُه في كتاب محمّد (٤) وابن (٥) شعبان، وظاهرُ/ [خ ٢٤٨] قوله في "الموطأ" (٦). وذكر بعض شيوخنا (٧) أن معنى ما في "الموطأ" العزم على الوطء مجردًا، وقاله مرة في الكتاب (٨). وعليه حمل بعضهم مذهب "المدونة". وإليه نحا اللخمي (٩). ولفظه في "الموطأ" (١٠) محتمل لأنه قال: "أن يُجمع على إمساكها وإصابتها". قال الباجي (١١): فهو يحتمل (١٢) أن يكون إفراد كل واحد منهما بالعزم عودة، أو يكون راجع (١٣) إلى الإمساك للوطء.
والفرق بين القولين أنه لا يلزمه بمجرد الإمساك دون وطء كفارة، ولا بمجرد العزم دون إمساك. وحكى ابن الجلاب (١٤) أن أحد القولين عن مالك العزم على الإمساك. ونحوه لعبد الله بن عبد الحكم (١٥) ويحيى بن عمر (١٦)،
_________________
(١) وهي في البيان: ٥/ ١٧٤.
(٢) حكاها عنه في النوادر: ٥/ ٢٩٧، والمنتقى: ٤/ ٥٠.
(٣) انظر قوله في المنتقى: ٤/ ٥٠، والنوادر: ٥/ ٢٩٧.
(٤) ذكره عنه في النوادر: ٥/ ٢٩٧. والضمير في "قوله" يعود على مالك.
(٥) التقدير: وكتاب ابن شعبان. ونصها في حاشية الرهوني ٤/ ١٥٠: وعند ابن شعبان.
(٦) في كتاب الطلاق، باب ظهار الحر.
(٧) لعله يقصد ابن رشد، وانظر المقدمات: ١/ ٦٠٢.
(٨) قال في المدونة: ٣/ ٦٥/ ١ - ٧٦، / ١٢: (قال: فالعودة إذا أراد الوطء والإجماع عليه).
(٩) عزاه له في التوضيح: ١٣٠ أ.
(١٠) في كتاب الطلاق، باب ظهار الحر.
(١١) زاد ناسخ ز الترضي رامزا للزيادة. وانظر قول الباجي في المنتقى: ٤/ ٤٩.
(١٢) في خ وق: محتمل. وهو محتمل.
(١٣) كذا في خ وح وع، وفي حاشية ز أن هذا خط المؤلف وأصلحه فيها: راجعا، وهو ما في ق وس وم. وهو الظاهر.
(١٤) في التفريع: ٢/ ٩٥.
(١٥) وقوله في النوادر: ٥/ ٢٩٧.
(١٦) البيان: ٥/ ١٨٣.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
وتأول عليه قول ابن نافع في الكتاب (١). وفائدة ذلك في موت أحدهما أو افتراقهما بعد العزم دون إمساك، أو الإمساك دون عزم (٢) فلا شيء عليه على المشهور. وعلى القول الآخر عليه الكفارة بمجرد العزم المتقدم. وإذا أجمع عليهما وجبت عليه الكفارة ولو ماتت أو طلق (٣). وهو بين في "الموطأ" ونص في "مختصر" ابن عبد الحكم (٤) وقاله أصبغ (٥) والمفهومُ من مذهب الكتاب والمعمول به من المذهب. قال الباجي (٦): وليس من شرط العزم على الإمساك الأبدية، بل لو عزم على إمساكها سنة كان عازمًا. وحكى القاضي أبو محمّد (٧) وغيره عن مالك قولًا رابعًا أنه الوطء، كما قال أبو حنيفة وأصحابه. فعلى هذا لا تلزمه الكفارة حتى يطأ، ثم لا يطأ حتى يكفر. وقاله جماعة من السلف. وحكاه أصبغ عمن يرتضي من أهل المدينة (٨).
وتأول ابن رشد (٩) قول ابن نافع في الكتاب على مراعاة قول الشافعي (١٠): إن العودة مجرد الإمساك والبقاء معها دون إرادة وطء ولا فراق متصل بالظهار، وقد أمكنه ذلك فتلزمه الكفارة بذلك. على (١١) نحو هذا تأول أبو عمران مسألة الكتاب (١٢) في الذي معه جارية ظاهر منها، لا
_________________
(١) المدونة: ٣/ ٧٨/ ٢.
(٢) كذا في ز، وفي خ وق: العزم.
(٣) انظر هذا في البيان: ٥/ ١٧٣.
(٤) انظره في النوادر: ٥/ ٢٩٧.
(٥) وهو في النوادر: ٥/ ٢٩٧، والمنتقى: ٤/ ٤٨.
(٦) في المنتقى: ٤/ ٤٩.
(٧) في المعونة: ٢/ ٨٩١، وهو أيضًا في التفريع: ٢/ ٩٥، والمقدمات: ١/ ٦٠٣، والنكت.
(٨) انظره في المقدمات: ١/ ٦٠٣.
(٩) في المقدمات: ١/ ٦٠٤.
(١٠) انظر تفصيل مذهبه في روضة الطالبين: ٦/ ٢٤٥.
(١١) كذا في ز مصححًا عليه، وفي خ وق: وعلى. وكلاهما ممكن.
(١٢) المدونة: ٣/ ٦٧/ ٢.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
يملك غيرها، أنه يجزئه أن يعتقها عن ظهاره (١).
وأما يحيى بن عمر فتأول قول ابن نافع على ما تقدم (٢) من مجرد قصد الإمساك/ [ز ١٦٤] في قوله: "إذا أخذ في الكفارة قبل الطلاق ثم طلق فأتم تجزئه، لأنه حين ابتدأ كان ذلك جائزًا [له] (٣)، لأنه ممن كانت له العودة جائزة قبل أن يطلق". قال يحيى: به أقول لو صام وهو لا يريد المصاب إلا حبس امرأته أنه يجزئه. وقال (٤) فضل: إنما ذهب إلى هذين الحرفين [من] (٥) قوله: "ولأنه ممن كانت له العودة جائزة قبل أن يطلق".
قال القاضي ﵀: فدل أنه لم ينو عودة كما تأول يحيى. وقوله: لا يريد المصاب إلا حبس امرأته بين في مجرد العزم على الحبس وأظهر من مجرد الحبس دون عزم على ما تأوله ابن رشد. ولم يلتفت أبو محمّد ولا ابن أبي زمنين ولا غيرهما من المختصرين إلى هذين التأويلين وحملوا قول ابن نافع على الوفاق. وتأوله ابن أبي زيد وغيره أنه أراد العودة قبل الطلاق وأن ظاهر قول ابن القاسم فيها: يجزئه، أن معناه لا يجب عليه تمامها.
وانظر ما حكاه ابن سحنون عن أبيه (٦): وقول أكثر أصحابنا أن من كفر بغير نية العودة لا تجزئه. فإنه يدل على الخلاف وأن منهم من يقول:
_________________
(١) ترك في خ بياضًا يسيرًا وكتب بالطرة: "انظر: س، خ". والبياض أيضًا في ز وكتب فيه - في المتن - الملاحظة ذاتها ثم كتب بالهامش ملاحظة خرم بعضها ومنها ما لعله: "كان قوله إلى قوله انظر ملحق في الطرة وترك بعده [شيئًا] يسيرًا ثم كتب. انظر: س، خ".
(٢) في ق: تأول.
(٣) ليس في ز، وهو ثابت في المدونة.
(٤) فى خ وق: قال.
(٥) ليس في ز وع وح وم وق.
(٦) وقوله هذا في النوادر: ٥/ ٢٩٨، والمنتقى: ٤/ ٤٨.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
يجزئه. و[هذا تأويل] (١) ابن رشد على ابن نافع والله أعلم.
وللسلف والعلماء فيها أقوال غير هذه:
فأهل الظاهر (٢) يرون العودة بالقول وتكرير التظاهر، فبذلك يوجبون الكفارة. والثوري وغيره (٣) يرون العودة فعل ذلك في الإسلام/ [خ ٢٤٩] والعود إلى فعل الجاهلية، أو العود إلى فعل ما حرموه عليهم بالظهار، فتجب على هذا بمجرد القول الأول.
فتحصيل الأقوال والتأويلات على هذا لمالك أربعة أقوال: العزم على الوطء وحده. والعزم على الإمساك وحده. والعزم عليهما معًا (٤). والوطء نفسه. ولابن نافع الإمساك مجردًا على أحد التأويلات عنه. وقولان لغير مذهبنا (٥).
ومذهب ابن القاسم في الكتاب (٦) في المظاهر بالأجنبية أنه مظاهر إن سمى الظهر إلا أن يريد به الطلاق. وإن لم يسمه فهو طلاق ولا يصدق في دعواه الظهار. قيل: معناه لم تكن له نية في الظهار أو قامت عليه بينة، ولو جاء مستفتيًا قبل قوله (٧). قال القاضي أبو الوليد شيخنا (٨): وشرح مذهبه في ذلك أنه يقبل قوله إن جاء مستفتيًا، فإن حضرته بينة لزمه الطلاق بما شهد
_________________
(١) كذا في خ وق، وخط على "تأويل" في خ. وفي ز: "وعـ ابن رشد " وكتب فوق الفراغ: "درس" ولعله: "وعليه تأول ابن رشد"، وسقطت العبارة من ح وم وس وع.
(٢) وانظر رأيهم في المحلى: ١٠/ ٥١، والمعونة: ٢/ ٨٩١، والمنتقى: ٤/ ٤٩، والمقدمات: ١/ ٦٠٤.
(٣) عزاه ابن رشد لابن قتيبة أيضًا في المقدمات: ١/ ٦٠٥.
(٤) في خ وق: جميعًا.
(٥) يقصد قول الظاهرية وقول الثوري.
(٦) المدونة: ٣/ ٥٠/ ١٠.
(٧) حكاه ابن يونس في الجامع: ٢/ ٢١٤ عن بعض الأصحاب.
(٨) في المقدمات: ١/ ٦٠٨.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
(به) (١) عليه والظهار متى راجعها بما أقر به.
وظاهر مذهب غيره في "المدونة" (٢) - وهو عبد الملك عند بعضهم (٣) - أن الظهار من الأجنبية طلاق، سمى الظهر أم لا (٤)، نواه أو لا، إلا أن يريد: مثل فلانة في الهوان، ولا ظهار عليه في كل هذا عنده. وقيل: بل يفرق عبد الملك إذا ادعى النية (٥) فيلزمه الفراق والظهار متى راجعها، ويسوي (٦) إذا لم تكن نية ذكر الظهر أم لا. ومذهب أشهب (٧) أنه ظهار، ذكر الظهر أم لا. وعند محمد (٨) متى ذكر الظهر فهو ظهار وإن نوى الطلاق.
وأما الظهار بذوات المحارم فهو ظهار سمى الظهر أم لا (٩). لا خلاف في هذا عندنا، إلا أن ينوي بذلك الطلاق أو يقرن بالظهار لفظ التحريم، فإن نوى بذلك الطلاق كان عند ابن القاسم البتات. ولا ينوى في دونها سمى الظهر أم لا. كذا فسره عيسى في "سماعه" (١٠) في "العتبية". وفسره شيخنا (١١) أن ذلك فيمن جاء مستفتيًا. (وقال سحنون (١٢): ينوى فيما أراد
_________________
(١) ليس في خ وثبت في المقدمات - أصل النص -: ١/ ٦٠٨.
(٢) ٣/ ٥٠/ ٩.
(٣) كذا قال ابن يونس في الجامع: ٢/ ٢١٤، وانظر النوادر: ٥/ ٢٩٢، والمنتقى: ٤/ ٣٩، والمقدمات: ١/ ٦٠٧، والبيان: ٥/ ١٧١.
(٤) كذا في ز وح وس وم وع، وفي خ وق: أو لا.
(٥) في ق: البتة. وهو تصحيف.
(٦) كذا في خ وز، وصحح عليها في خ، وفي ق وح وع: وسرى. وهو مرجوح.
(٧) قوله هذا في الموازية كما فى النوادر: ٥/ ٢٩٢، وانظر المقدمات: ١/ ٦٠٨، والبيان: ٥/ ١٧١.
(٨) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٢٩٢، والجامع: ٢/ ٢١٤.
(٩) خرج في خ بعد هذا، وكتب في الطرة وحوق على ما يأتي: "قال: وهذا قول مالك وأصحابه" ثم عقب بقوله: "اتصل هذا بكلام ابن المواز وحوق عليه". وثبتت العبارة أيضًا في م وس وع وح. وثبتت في الرهوني: ٤/ ١٤٧ مع إضافة وتقديم وتأخير.
(١٠) انظره في النوادر: ٥/ ٢٩٣، والمنتقى: ٤/ ٣٩.
(١١) في المقدمات: ١/ ٧٠٦.
(١٢) وقوله في المقدمات: ١/ ٧٠٦، والبيان: ٥/ ١٧١.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
من الطلاق) (١)، وأما من حضرته البينة فيلزمه الظهار إن كان سمى الظهر متى ردها، وقضي عليه بالفراق لاعترافه، ولا يقضى عليه بالظهار إن لم يسم الظهر. وعند عبد الملك (٢): هو ظهار ولا يكون طلاقًا وإن نواه. وروى أشهب (٣) عن مالك أنه ظهار إن سمى الظهر، وطلاق إن لم يسمه. ونحوه لابن القاسم عند محمّد (٤). وبه فسر بعضهم (٥) مذهبه في الكتاب وأنه وفاق لقول أشهب. وإليه نحا الأبهري (٦).
وأما إن قرن بظهاره/ [ز ١٦٥] لفظ الحرام فقال: حرام مثل أمي؛ ففي الكتاب (٧) أنه ظهار. ومثله في "العتبية" (٨). وقال مالك في كتاب محمّد (٩): ما لم يرد بذلك الطلاق. وكذلك قال عبد الملك (١٠) في ذلك وفي: أحرم من أمي، ولو نوى الطلاق. قال محمّد (١١): هذا فيمن سمى الظهر. وفي "كتاب الوقار" في: حرام مثل أمي: هو البتات، ويلزمه الظهار متى راجع. وفي "سماع" عيسى في: أحرم من أمي: إنها ثلاث (١٢).
وقوله (١٣) بعد شرح بعض كبار أصحاب مالك في المظاهر: "وقد
_________________
(١) سقط هذا من خ، ثم وردت العبارة فيها بعد قوله: "ولا يقضى عليه بالظهار إن لم يسم الظهر". وثبت في ق في الطرة، وتكررت أيضًا كما تكررت في خ.
(٢) انظر قوله في المقدمات: ١/ ٦٠٧.
(٣) انظر قوله في المقدمات: ١/ ٦٠٧، والبيان: ٥/ ١٧١.
(٤) انظر قوله في المقدمات: ١/ ٦٠٧.
(٥) ذكر ابن رشد هذا البعض أيضًا في المقدمات: ١/ ٦٠٧.
(٦) ذكر ابن رشد قوله في المقدمات: ١/ ٦٠٧.
(٧) المدونة: ٣/ ٥٠/ ٣.
(٨) لعله ما في البيان: ٥/ ١٨٨.
(٩) وقوله حكاه في النوادر: ٥/ ٢٩٢، والمنتقى: ٤/ ٣٩.
(١٠) في النوادر: ٥/ ٢٩٣، والمنتقى: ٤/ ٣٩.
(١١) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٢٩٣.
(١٢) في النوادر: ٥/ ٢٩٣: روى عنه عيسى في: أنت أحرم من أمي - ينوي الطلاق -: إنه ظهار.
(١٣) المدونة: ٣/ ٥٠/ ٦.
[ ٢ / ٨٣١ ]
روى ابن نافع عن مالك نحو هذا"، ثبت لابن وضاح وبعضهم. وسقط لغيره.
وقول ربيعة (١) في القائل: أنت مثل كل شيء حرمه الكتاب: هو ظهار. وكذا قال عبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ (٢). قيل (٣): معناه أنه أراد ما حرم الكتاب من النساء، ولو أراد غيرهن من محرم المطعومات وغيرها لكانت الثلاث. وبهذا قال في مسألة/ [خ ٢٥٠] ربيعة مالك في "المبسوط"، وابن القاسم في "العتبية" وكتاب فضل، وقاله ابن نافع (٤). واختار بعض المتأخرين (٥) إلزامه الحكمين جميعًا، وأنه متى راجعها بعد زوج لزمه الظهار.
وقول مالك (٦) في تظاهر النساء من أزواجهن: "لا يلزم؛ إنما قال الله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ (٧)، ولم يقل: واللائي يظهرن". قد يستقرأ منه أن مذهبه في الأصول أن جمع المذكر (٨) لا يدخل فيه جمع الإناث. والصحيح أن احتجاجه إنما هو بمجموع قوله: ﴿مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، لا بمجرد قوله: منكم.
وقوله (٩) بعد هذا أيضًا في المظاهر من الصبية والمحرمة والحائض والرتقاء: "هو مظاهر، لأنهن أزواج، وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ
_________________
(١) المدونة: ٣/ ٥١/ ١.
(٢) يوهم كلام المؤلف أن أسماء هؤلاء الأعلام ضمن المدونة وليس كذلك، وانظر أقوالهم في الجامع: ٢/ ٢١٥.
(٣) عزا في التوضيح: ١٢٩ أهذا القول لعبد الحق في التهذيب.
(٤) انظر قوله في الجامع: ٢/ ٢١٥.
(٥) هو ابن يونس فى الجامع: ٢/ ٢١٥.
(٦) المدونة: ٣/ ٥٢/ ٥.
(٧) المجادلة: ٢. وفي النسخ هنا وعند تكرار الآية بعيد هذا: (والذين).
(٨) في خ وق: الذكور.
(٩) المدونة: ٣/ ٥٩/ ٦.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ " يحتج به على مشهور مذهبه بالقول بالعموم على ما تقدم (١).
وقوله (٢) في القائل: "أنت علي كظهر أمي اليوم إن كلمت فلانًا أو دخلت الدار، فإذا مضى اليوم ولم يفعل فلا يكون مظاهرًا"، وقرن الجواب فيها وفي قوله (٣): "أنت علي كظهر أمي إن دخلت الدار اليوم"، وسوى بينهما جميعًا في الجواب ولم يفرق بين تعيين اليوم للدخول أو للظهار. وعلى التسوية بين ذلك حملها اللخمي؛ قال: وقاله مالك ومطرف وابن عبد الحكم. وعليه اختصرها ابن أبي زمنين، وهو موافق لما قاله محمّد بن عبد الحكم في القائل: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانًا غدًا، أنه إن كلمه غدًا فلا شيء عليه؛ لأن الغد مضى وهي زوجة (٤) وقد انقضى وقت وقوع الطلاق. ومثله في كتاب محمّد لابن القاسم (٥) فيمن قال لامرأته (٦): إن تزوجتك فأنت طالق غدًا، فتزوجها بعد غد فلا شيء عليه، وإن تزوجها قبل غد طلقت عليه. وتأولها أبو محمّد وابن لبابة وغيرهما أن المسألتين مختلفتان في الجواب على ظاهرهما، وإنما جمعهما في الجواب؛ لأن المراد بهما واحد، فقال (٧): يريد إن كلمتك اليوم. وعلى هذا اختصرها أبو محمّد، فسوى بين المسألتين في الصورة والمعنى.
_________________
(١) هذه الفقرة كتبت في خ في الطرة وفوقها: "هذا في الحاشية بخطه".
(٢) المدونة: ٣/ ٥٣/ ٨.
(٣) المدونة: ٣/ ٥٣/ ٧.
(٤) كذا في ز وق، وفي خ: زوجه، لكن النسخة لا تنقط غالبًا.
(٥) ذكره في النوادر: ٥/ ١٢٢ عن الموازية ولم يذكر اسم ابن القاسم.
(٦) كذا في خ وز، وكان فوقها في خ علامة ما. وفي ق وم: لامرأة. وهو المناسب.
(٧) كذا في خ، وخرم مكان الكلمة في ز، لكن في الطرة تنبيه على أن خط المؤلف كذلك، ولعله يقصد هذه الكلمة، وهي في ق: فقيل. وفي ح وم وس وع: فقال.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
واحتج من تأول هذا بتشبيهه لها بالمسألة بعدها بقوله (١): أنت طالق اليوم إن دخلت الدار، وأنت (٢) طالق إن دخلت الدار اليوم، فكذلك المسألة المتقدمة، لكنه استغنى عن تكرار اليوم في اللفظ الثاني بدلالة المسألة الأولى عليه. وقال هؤلاء: إن الجواب في ظاهر مسألة الكتاب لو لم يتأول على هذا، بخلاف جوابه في مسألة الكتاب وأنه يجب أن يكون مظاهرًا لتعليقه الظهار باليوم دون الدخول، لأن الظهار صادف عصمة، وهو مما لا يتعلق بوقت كما لو قال ذلك في ظهار مطلق. وإلى هذا ذهب ابن محرز وغيره. وذكر اللخمي الخلاف فيه.
وقال أبو محمّد في مسألة محمّد بن عبد الحكم المتقدمة: هذا خلاف أصل مالك، والطلاق يلزمه إذا كلمه غدا، وليس لتعلق الطلاق بالأيام وجه. وفي "العتبية" في: أنت طالق اليوم إن دخل فلان الحمام غدًا: لم تكن طالقًا حتى يدخل فلان الحمام غدًا، / [ز ١٦٦] وله وطؤها.
وقوله (٣): أنت علي كظهر أمي إلى قدوم فلان، أو أنت طالق إلى قدوم فلان: لا يكون مظاهرًا ولا مطلقًا حتى يقدم. تأوله أكثرهم أن "إلى" هنا بمعنى "عند". و"إذا" كالشرط لا كالأجل. ألا تراه كيف قال: فإن لم يقدم فلا يقع عليه ظهار ولا طلاق. ثم قال فيمن قال (٤): أنت طالق، أو كظهر أمي من الساعة إلى قدوم فلان: لزمه الطلاق والظهار؛ لأن من ظاهر أو طلق ساعة واحدة لزمه في تلك الساعة وما بعدها. وكان اللخمي أشار إلى التفريق هنا بين الطلاق والظهار واعترض مسألة الظهار، وأن مفهومها أن جعلها مظاهرة من الآن إلى قدوم فلان، لأن "إلى"
_________________
(١) المدونة: ٣/ ٥٣/ ١١.
(٢) كذا في ز وم، وفي خ وق: أو أنت.
(٣) المدونة: ٣/ ٥٣/ ٧.
(٤) المدونة: ٣/ ٥٣/ ٦.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
غاية، وذلك يصح في الظاهر (١) ما لم يطأ حتى تنقضي المدة، وتبقى بعدها كما/ [خ ٢٥١] كانت، بخلاف الطلاق والعتاق مدة معينة؛ إذ لا يمكن أن يرجع بعد الفراق. وهذا مثل ما حكاه مطرف عن مالك في "مختصر" ابن شعبان (٢) فيمن ظاهر مدة مقدرة فانقضت قبل العودة أن الظهار ساقط، ومثله مروي عن ابن عباس.
وقوله في الكتاب فيمن ظاهر من زوجته ثم قال لأخرى: وأنت علي (٣) مثلها: "عليه كفارتان"، فانظر قوله: "ثم" وهي تقتضي المهلة، ولو كان متصلًا فهل هو سواء كما قال يحيى - أراه ابن عمر - فيمن قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، وأنت - يشير إلى أخرى -: إن عليه كفارتين (٤) أم لا يلزمه في الاتصال إلا كفارة واحدة كما قال في هذه المسألة أشهب؛ إذ لا فرق بين قوله: أنتما مني كظهر أمي، أو قوله: أنت وأنت. وقد قال في مسألة الكتاب: ثم قال لأخرى. وللاستئناف حكم تجديد الظهار لا شك.
وقوله في الكتاب (٥) في التفريق بين قوله: كل امرأة أتزوجها، وبين قوله: إن تزوجتكن، ومن تزوجت منكن، وأيتكن كلمت. وفي كتاب محمّد (٦) بين (٧): كل امرأة أتزوجها، وبين: من تزوجت من النساء، فجعل "مَنْ" و"أَيًّا" بمعنى التعيين والتخصيص. وألزم الكفارة في كل من تزوج منهن، ولم يجعل ذلك في قوله: "كل" وإن كانت "كل" و"من" و"أي" من
_________________
(١) كذا في ز، وفي خ وق: الظهار. وهو الظاهر.
(٢) ذكره عنه في المنتقى: ٤/ ٣٨، والتوضيح: ١٢٦ أ.
(٣) كذا في ز وق وع والطبعتين؛ طبعة دار الفكر ٢/ ٢٩٩/ ١، وفي ح وم وس: على.
(٤) في ع وس: كفارتان. وإزاء هذا في حاشية خ وز: "انظر: د. ر".
(٥) المدونة: ٣/ ٧/ ٥٠.
(٦) انظره في النوادر: ٥/ ٢٩٥، والجامع: ٢/ ٢٢٣، والمنتقى: ٤/ ٤١، والبيان: ٥/ ١٧٤.
(٧) كذا في خ وز، وفي ق وح وم: فرق بين. وكانت "فرق" مخرجًا إليها. وإدخالها أنسب.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
ألفاظ العموم، لكن فرق بينهم (١) هنا عنده أن "من" و"أيا" إنما كانتا (٢) من صيغ العموم لإبهامهما واشتمالهما على الآحاد بغير تخصيص ولا تعيين فأفادتا العموم من هذا الوجه؛ لا من مقتضى نفس صيغتها (٣) كمقتضى لفظة "كل" و"أجمع"، فلما كانت "من" و"أي" إنما تقع على الآحاد لزمت في كل وجه كفارة، ولم يلزم ذلك في "كل"؛ إذ هي بنفسها ووضعها للاستغراق، فكانت كاليمين على فعل أشياء يحنث بفعل أحدها.
وقد قال عبد الملك (٤): إنما هي كفارة الكلمة الواحدة التي قال من منكر القول والزور. وليس كما فرق به بعض الشيوخ (٥) أن ذلك لأجل "مِنْ" التي للتبعيض في قوله: من النساء، إذ لا تأثير لـ "مِن" ها هنا، وليست للتبعيض بل لبيان الجنس (٦). ألا ترى أنه لو قال: كل من تزوجت من النساء فهي علي كظهر أمي لكان كمن قال ذلك وإن لم يقل: من النساء.
وقد خرج بعض شيوخنا من قوله: إن تزوجتكن، من الخلاف ما في مسألة: إن دخلتما الدار. وفيها (٧) نظر.
وكذلك انظر إذا جعل العموم مقيدًا بزمان كقوله: كل امرأة أتزوجها عليك كظهر أمي، فقد اختلف فيها عن ابن القاسم في "السماع" (٨) و"العشرة" (٩)، والصواب الذي رجع إليه أن عليه ظهار
_________________
(١) كذا في خ وز وح وم وع، وصحح عليها في خ. وفي ق وس: بينها، ويبدو أن المناسب: فرْق ما بينهما.
(٢) كذا في ز، وفي خ وق: كانت.
(٣) كذا في خ وق، وهو كذلك بخط المؤلف على ما في حاشية ز، وأصلحها الناسخ: صيغتهما، وهو ما في المدونة، وهو الأنسب.
(٤) قاله في كتابه كما في البيان: ٥/ ١٧٣.
(٥) هو ابن يونس في الجامع: ٢/ ٢٢٣.
(٦) في خ وع وم: للبيان للجنس.
(٧) في ق: وفيه. وهو أبين.
(٨) وهو في البيان: ٥/ ١٧٣، والذي له في السماع إجزاء كفارة واحدة.
(٩) يعني "عشرة" يحيى بن يحيى، دونه عن ابن القاسم وليس هو سماعه منه، انظر =
[ ٢ / ٨٣٦ ]
واحد (١) لا يتكرر، بخلاف لو قال: من تزوجت عليك. ففي كل من تزوج ظهار، لوقوع "مَن" على الآحاد. ولمالك في "المختصر" (٢) - وقاله ابن نافع (٣) -: إن "كل" توجب الظهار في كل من تزوج.
وقوله (٤) في المظاهر يُقبِّل قبل أن يكفر، قال: "لا يباشرها ولا يقبلها، قال مالك: ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يكفر، لأن ذلك لا يدعو إلى خير".
تأول اللخمي (٥) من المسألة من قوله: لأن ذلك لا يدعو إلى خير، أن الظهار لا ينعقد بغير (٦) الوطء، لا (٧) تجب فيه الكفارة بما عدا الوطء، وإنما منع من أنواع الاستمتاع للذريعة بذلك إلى الوطء، وأنه لو قال على هذا: قُبلتك، أو مضاجعتك علي كظهر أمي/ [ز ١٦٧] لم يلزمه ظهار. وهذا الذي قال خلاف المعروف (٨) من مذهبنا. والمتقرر/ [خ ٢٥٢] من مذهب مالك عند أئمتنا البغداديين وغيرهم أن جميع أنواع الاستمتاع محرم عليه، قاله
_________________
(١) = التاريخ: ٢/ ٨٩٩، وفي الديباج ٤٣٠: حمل عنه عشرة كتب، وفي البيان ٦/ ٤١٧: قال ابن القاسم في التفسير الثالث من العشرة، وانظر عن الكتاب أيضًا ابن الفرضي: ٢/ ٩٢٠ والمدارك: ٦/ ١٠٨ وفهرست ابن خير: ١/ ٣١١ والتكملة: ١/ ٣٨٠. وعزا هذا النقل لعشرة يحيى في البيان: ٥/ ١٧٣.
(٢) كذا في ز وس وم وع، وفي خ وق: ظهارا واحدًا. وهو الصواب.
(٣) ذكره في التوضيح: ١٢٧ ب.
(٤) انظر قوله في الجامع: ٢/ ٢٢٣، والاستذكار: ٧/ ١٢٠، والبيان: ٥/ ١٧٣.
(٥) المدونة: ٣/ ٦٠/ ٢.
(٦) حكاه عنه في المقدمات: ١/ ٦١٠، والتوضيح: ١٢٥ ب.
(٧) كذا في ق وم وح وع، ولعله كذلك في خ وز؛ ففي ز كتب في المتن: لغير، وفي الهامش: بغير.
(٨) كذا في خ وز وح وع، وفوقها في خ: كذا، وفي ز صحح عليها. وأشار في حاشية خ إلى أن في نسخة أخرى: أو لا تجب. وهو ما في ق وم، وفي س: ولا تجب. وفي ز ملاحظة لعلها تهم هذه الكلمة، وقد خرم بعضها ومنها: " عليه واو عطف". ولعله: "سقط عليه واو عطف". والراجح أن يكون السياق: ولا تجب.
(٩) في ق: أصل المعروف.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
محمّد والأبهري (١) وابن نصر (٢) وغيرهم، وأنه ليس له أن يتلذذ منها بشيء كما قاله (٣) ربيعة (٤) وابن شهاب (٥) في الكتاب.
وحكى الباجي (٦) أنه اختلف في تأويل منعه في الكتاب وغيره في ذلك على وجهين:
فحمله القاضي أبو محمّد (٧) على الوجوب.
وحمله عبد الملك (٨) في "المبسوط" على الكراهية (٩) للتغرير للجماع الذي لا يحل لمن لم يكفر، نحو كراهتهم القبلة والملامسة للصائم.
قال القاضي ﵀: ولكن ما خرجه اللخمي قول صحيح في المذهب. وهو قول الحسن (١٠). وعليه يأتي قول علي بن زياد (١١) وسحنون (١٢) في المجبوب والمعترض والشيخ الفاني ومن لا يقدر على الجماع: لا يلزمهم ظهار.
وخرج بعض شيوخنا (١٣) على هذا الظهارَ من الرتقاء والصغيرة، لكن تخريجه ذلك من قوله في "المدونة" - كما تقدم - ليس (١٤) ببين، ولا يسلم له أن ذلك راجع إلى القبلة والمباشرة، لأنه إنما ذكره بعد النظر إلى شعرها
_________________
(١) ذكره في المنتقى: ٤/ ٣٧.
(٢) في المعونة: ٢/ ٨٩٢.
(٣) في خ وق: قال.
(٤) المدونة: ٣/ ٦١/ ٣.
(٥) في المدونة: ٣/ ٦١/ ٢.
(٦) زاد ناسخ ز الترضي ورمز لذلك. وهو للباجي في المنتقى: ٤/ ٣٧.
(٧) في المعونة: ٢/ ٨٩٢.
(٨) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٣٠١، والجامع: ٢/ ٢٢٧، والمنتقى: ٤/ ٣٧.
(٩) كذا في ز وح وم وع وق مصححًا عليه في ز، وفي خ: الكراهة.
(١٠) ذكره له في الاستذكار: ٧/ ١٢٣.
(١١) انظر قوله في التوضيح: ١٢٥ ب.
(١٢) ذكر قوله في النوادر: ٥/ ٢٩٩، والمنتقى: ٤/ ٤٠.
(١٣) وهو ابن محرز كما في الجواهر: ٢/ ٢٢٩.
(١٤) كذا في ز وق وس وم، وفي خ: وليس.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
وصدرها. وفصله من مسألة المباشرة والقبلة بقوله: وقال مالك. وذلك أن حكم النظر إلى محاسنها خلاف المباشرة والقبلة؛ لأن المباشرة والقبلة ملتذ بهما ممنوعتان (١) على كل حال، وإنما اختلف في منعهما هل على التحريم أو الكراهة؟. والنظرُ - إذا كان للذة - مثلها (٢)، وإن كان لغير لذة كان أخف ولم يمنع إلا للتغرير. وقد قال أبو القاسم بن الجلاب (٣): لا يقبل ولا يباشر، ولا بأس أن ينظر إلى الرأس والوجه واليدين وسائر الأطراف قبل أن يكفر. وقال مالك في "العتبية" (٤): له النظر إلى شعرها. وفي الكتاب (٥) إجازة النظر إلى وجهها. قال: وغيره (٦) أيضًا ينظر إلى وجهها. فهذا كله يبين أنه لغير لذة، ولا يباح له للذة كما لا يباح لغيره. وقد فرق ابن الجلاب بين الملامسة والنظر كما تراه، وليس إلا لما قلناه.
فعلى هذا يحمل قوله في الكتاب وأنهما مسألتان:
إحداهما: ممنوعة بالجملة وهي القبلة والمباشرة، لأن اللذة بهذه مقصودة.
والأخرى: ممنوعة وإن كانت لغير لذة؛ لأنها لا تدعو إلى خير ويكون ذريعة للمتفق عليه في المنع من الوطء، فأما من منع من النظر للذة (٧) أو كرهه للتغرير، وأباحه من أباحه لأنها زوجة (٨) بعد. ألا تراه في
_________________
(١) كذا في ز مصححًا عليها، وفي خ وح وم وس وع: ممنوعة. وكانت كذلك في ق ثم ألحقت بها علامة التثنية. وهو أبين.
(٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: مثلهما.
(٣) في التفريع: ٢/ ٩٥، وليس فيه: "لا يقبل". وهو في المنتقى: ٤/ ٣٧، فلعله مرجع المؤلف.
(٤) انظر البيان: ٥/ ١٧٦.
(٥) المدونة: ٣/ ٨٣/ ٢.
(٦) في ق وم: وقال غيره.
(٧) خط عليه في خ، وضبب عليه في ز وكتب في الحاشية: صححه، وذلك في أصل المؤلف. ولعل ما ورد بطرة ز يتناول هذه اللفظة وقد بقي منه: "ضبب المؤلف على قوله وكتب في الطرة " فربما كان هكذا: "ضبب المؤلف على قوله للذة وكتب في الطرة: صححه"، وسقطت من ح وم.
(٨) كذا في ز، وفي م: زوجته.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
الكتاب (١) لم يمنعه أن يكون معها ويدخل عليها بغير إذن إذا كان تومن ناحيته؟ ودخوله عليها بغير إذن بسبب أن ينظر منها إلى ما اتفق عند دخوله. وهذا عندي نحو ما في كتاب ابن الجلاب من جواز النظر إليها، وإلى رأسها وسائر أطرافها. فلو خُرَّج منه من الكتاب قول آخر بإجازة النظر إلى شعرها وصدرها ساغ، وهو نحو ما في كتاب ابن الجلاب من النظر إلى رأسها وسائر أطرافها. ومن الأطراف القدمان اللذان هما عورة بخلاف اليدين. وهي في هذا كله بخلاف المعتدة؛ لأن المعتدة عندنا منحلة العصمة مختلة النكاح، وهذه ثابتة العصمة صحيحة النكاح.
وقد قال بعض الشيوخ: نستدل (٢) من قوله: ويدخل عليها إذا كانت تؤمن ناحيته، أن من حلف بالطلاق ليفعلن، أنه لا تترك معه امرأته إلا أن يكون مأمونًا.
وخرج اللخمي أيضًا الخلاف في الملامسة والقبلة في الظهار من مسألة: إذا لمس أو قبل بعد ما أخذ في الصيام، واختلافِ أصبغ (٣) وعبد الملك في فساد صومه، واستئنافه/ [خ ٢٥٣] أو صحته والبناء عليه، واختلافِ قول سحنون (٤) في ذلك؛ قال: فعلى قول عبد الملك (٥) ومطرف (٦) بفساده يكون مظاهرًا إذا علق به الظهار عنه (٧) / [ز ١٦٨] أو أفرده بالنية أو النطق، وعلى قول أصبغ ومن لم يفسد به الصوم لم يجعله مما يتعلق به الظهار، سواء أفرده أو أدخله في الجملة.
_________________
(١) المدونة: ٣/ ٦١/ ١.
(٢) في ع وح وم وس: يستدل.
(٣) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٣٠١، والمنتقى: ٤/ ٣٨، والمقدمات: ١/ ٦٠٥، والبيان: ٥/ ١٧٧.
(٤) قوله في النوادر: ٥/ ٣٠١، والمنتقى: ٤/ ٣٨، والمقدمات: ١/ ٦٠٥، والبيان: ٥/ ١٧٧.
(٥) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٣٠١.
(٦) انظر قوله في المقدمات: ١/ ٦٠٥، والبيان: ٥/ ١٧٧.
(٧) كذا في ز وع وس مصححًا عليه في ز، وفي خ وق: عمه. ويبدو أنه التصحيح.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
وذهب غيره إلى أن هذا إنما هو على الاختلاف في الامتناع من ذلك هل هو على الوجوب أو الاستحباب كما تقدم؟
قال القاضي ﵀: ولا يستقيم تخريجه ذلك على قول عبد الملك وأحد قولي سحنون؛ لأنهما قد بينا أنما كره للتغرير كالقبلة للصائم. وتمثيلهم بها يدل أنه ليس منع وجوب. والخلاف في هذا كله على الخلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١) هل هو عام في جميع أنواع الملامسة - وهو قول مالك وجمهور العلماء - أو مخصوصة بالجماع؟ وهو قول الحسن وبعضهم (٢).
وقوله (٣) في المظاهر ودخول الإيلاء عليه إذا كان مضارًا: "إذا علم بذلك فمضت أربعة أشهر أو أكثر وقف كالمولي؛ فإما كفر وإلا طلقت عليه". هذا في الظهار المطلق (٤)، ويحتمل قوله أن يكون الأربعة الأشهر من يوم ظهاره - وعليه اختصر أكثرهم (٥) - أو من يوم علم حاله وتبين ضرره - وعليه حمله بعضهم (٦) -. ويدل عليه تشبيه غيره لها بمسألة الحالف ليفعلن وقولِه (٧): "ليس بحقيقة الإيلاء"، وقولِه (٨): "فهذا يبتدأ له أجل المولي في الحكم عندما رأى السلطان من ضرره". وقد ذكر في الكتاب القولين عن مالك في وقفه متى هو؛ هل هو قبل ضرب الأجل أو بعده؟
_________________
(١) المجادلة: ٣، ٤.
(٢) مثل عطاء وعمرو بن دينار وقتادة، وانظر الاستذكار: ١٧/ ١٢٣، والبيان: ٥/ ١٧٧، وتفسير القرطبي: ١٧/ ٢٨٣.
(٣) المدونة: ٣/ ٦١/ ٦.
(٤) في ح: ظهار المطلق، وفي م: الظهار أن المطلق.
(٥) ذكر هذا الباجي في المنتقى: ٤/ ٥١، وانظر المواق: ٤/ ١٠٩.
(٦) عزاه الباجي لبعض القرويين في المنتقى: ٤/ ٥١، والمواق: ٤/ ١٠٩.
(٧) المدونة: ٣/ ٦١/ ٦.
(٨) المدونة: ٣/ ٦١/ ١.
[ ٢ / ٨٤١ ]
وقول الغير (١): "ليس الظهار بحقيقة الإيلاء، ولكنه من شَرْج ما يقرر (٢) عليه". كذا لابن باز بالشين المفتوحة المعجمة والجيم وسكون الراء (٣)، أي من ضرب هذا ونوعه (٤). وعند ابن وضاح: سرح، بالسين والحاء المهملتين، ولا معنى له هنا.
وقوله (٥) في القائل: إن قربتك فأنت علي كظهر أمي، قال في السؤال: "متى يكون مظاهرًا حين (٦) تكلم بذلك أم حتى يطأ؟ قال: هو مول (٧) حين تكلم بذلك، فإن وطئ زال عنه الإيلاء ولزمه الظهار بالوطء. وغمزها سحنون (٨). قال فضل (٩): أراه ذهب لقول عبد الملك: أنه لا يمكن من الوطء، وإنما تكلم ابن القاسم هنا على أحد قوليه في كتاب الإيلاء (١٠) في الذي يحلف بطلاق زوجته (١١) البتة إن وطئها؛ ففي أحد قوليه: أنه يمكن من الفيئة بالوطء، فعلى هذا جوابه هنا. قال ابن محرز (١٢): ليس في قوله هنا ما يدل على تمكينه من الوطء، وإنما قال: فإن وطئها. وكأنه هو فعل ذلك. فالمسألة باقية على احتمال القولين. ولابن القاسم في "العتبية" (١٣): إذا وطئها مرة ثم طلق أو ماتت فلا كفارة عليه إلا أن يطأ
_________________
(١) المدونة: ٣/ ٦١/ ٦.
(٢) في س: يقدر.
(٣) في خ: الراي.
(٤) انظر هذا في القاموس: شرج.
(٥) المدونة: ٣/ ٦١/ ٧.
(٦) كذا في ز وع وح وم، وفي خ وق: أحين.
(٧) في خ وس وح وم، مولى.
(٨) انظر هذا في التوضيح: ١٢١ أ.
(٩) انظر هذا في التوضيح: ١٢١ أ.
(١٠) المدونة: ٣/ ٨٤/ ٢.
(١١) في خ: زوجه.
(١٢) انظر قوله في التوضيح: ١٢١ أ.
(١٣) انظره في البيان: ٥/ ١٨٨.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
ثانية، وهو ظاهر ما ها هنا. وقال ابن المواز (١): ليس له أن يحنث نفسه بالوطء، لأنه فاء فيئة (٢) تقع في امرأة مظاهر منها، "وهو ممن لا تنفعه الكفارة قبل الوطء؛ لأنه لم يصر فيها (٣) مظاهرًا حتى يطأ، فقد قيل. يعجل عليه طلقة الإيلاء. وقيل: حتى تتم له أربعة أشهر كالحالف البتة ألا يطأ". فعلى قول محمّد تلزمه الكفارة بأول وطء. كذا تأوله بعض الشيوخ (٤)، وهو بين على ما أصله. وسيأتي في كتاب الإيلاء.
وقوله (٥) في المظاهر إذا جامع وهو معدم وهو (٦) من أهل الصيام / [خ ٢٥٤] لأنه لا يقدر على رقبة ولا على الإطعام، ثم أيسر قبل أن يكفر: "عليه العتق". قال ابن وضاح: أمرني سحنون بطرح قوله: ولا على الإطعام (٧)، وقال لي: ليس هذا موضعه. وكذلك هو؛ إنما وقع لفظه في السؤال من غير تحصيل؛ لأن من هو من أهل الصيام لا يجوز له الإطعام، فلا يلتفت إلى قدرته عليه ولا عدمها.
وقوله (٨) في العبد المتظاهر: أحب إلي أن يصوم، وإن أذن له سيده في الطعام (٩) فالصيام أحب إلي منه.
قال ابن القاسم: بل الصيام هو الذي فرضه الله/ [ز ١٦٩] عليه، وليس يطعم أحد يستطيعه" (١٠). ظاهر قول ابن القاسم توهيم قول مالك لقوله:
_________________
(١) وقوله في النوادر: ٥/ ٣١٥، والجامع: ٢/ ٢٢٨.
(٢) في خ ما صورته: نافيه. دون نقط، مصححًا عليه، وفي م وع: ما فيه، وفي ح: باقية. وكلها لا تصح.
(٣) كذا في ز وس وع وح وم، وفي خ وق: منها. وهو الظاهر.
(٤) هو ابن يونس في الجامع: ٢/ ٢٢٨.
(٥) المدونة: ٣/ ٦٤/ ٩.
(٦) في ق: هو.
(٧) سقط من طبعة دار صادر وثبت فى طبعة دار الفكر: ٢/ ٣٠٧/ ٥.
(٨) المدونة: ٣/ ٦٤/ ٤.
(٩) في ق: الإطعام.
(١٠) كتبت في ز: يستطعيه. وفي الطرة أنه كذلك في أصل المؤلف، وهو سهو ظاهر.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
أحب، وأَن "أحب" على بابها، ولذلك قال: بل هو فرضه. وقد صرح بذلك في "المبسوط" (١) وقال: لا أدري ما هذا، ولا أرى (٢) جوابه فيها إلا وهما. ولعل جوابه في كفارة اليمين. ومثله طرح سحنون (٣) لهذه اللفظة وقال: بل هو واجب (٤). قال القاضي أبو إسحاق (٥): لعله إنما قال ذلك لأن السيد - وإن أذن له في الطعام - فله أن يرجع فيما لم يصل إلى المساكين ويمنعها (٦) منها، "يريد: فكأن ملكه عليها (٧) غير مستقر" (٨)، ولأن للسيد انتزاع مال عبده وما وُهب له. وقال عبد الملك (٩): ولأن إذن السيد لا يخرجه عن ملكه إلا إلى المساكين.
وقد عورض هذا بأن هذا يقال فيمن أبيح له الإطعام ممن عجز عن الصوم، فأما من يقدر عليه فهو فرضه، فلا وجه له. وعورض أيضًا بالمكفر عن غيره ولم تخرج الكفارة من ملك صاحبها إلا إلى المساكين.
وقال القاضي أيضًا والأبهري (١٠): إنما قال: الصوم أحب إلي لأنه عجز عن الصوم، فكان أحب إليه أن يؤخر حتى يقوى عليه.
_________________
(١) حكاه عنه في الاستذكار: ١٧/ ١٤٧، والمنتقى: ٤/ ٥٢.
(٢) في ع وح وم وس: أدري. وهو تصحيف.
(٣) في ع وس وح وم: وطرَح سحنون.
(٤) انظر قوله في التوضيح: ١٣٤ ب.
(٥) يعني القاضي إسماعيل، انظر قوله في الاستذكار: ١٧/ ١٤٧، والمنتقى: ٤/ ٥٢.
(٦) كذا في ز، وفي خ وق: ويمنعه، وفي ع وح وس وم: يمنعه. والأشبه في العبارة أن يقال: ويمنعه منه. وليس معناها واردا في المنتقى - مرجع المؤلف - إلا أن يعود الضمير على الكفارة. ومثل هذا يقال في قوله بعد: ملكه عليها.
(٧) كذا في ز وع وح وم وس، وهو ما في الرهوني: ٤/ ١٥٩، وفي خ وق: ملك عبده عليها.
(٨) هذه الجملة من قول ابن أبي زيد، ونصها في المنتقى: ٤/ ٥٢: "يريد أن ملك العبد غير مستقر". وإدخال المؤلف (كان) يقلق العبارة ولا سيما إذا هي (كان) أخت (إن). والعبارة في النوادر: ٥/ ٣٠٠: "يريد لأن ملك".
(٩) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٣٠٠، والمنتقى: ٤/ ٥٢.
(١٠) ذكره في الجامع: ٢/ ٢٢٩، والنكت.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
وعورض (١) هذا بأن من هذه سبيله - ويطمع في برئه (٢) ولم يطل عجزه - ففرضه التأخير حتى يقوى، فما (٣) للاستحباب هنا، وإن كان لا يقوى ولا يرجى ففرضه الطعام، فلا وجه لذكر الصوم فيه. وقال غيرهم: هذا الكلام من مالك تجوز (٤)، ومعناه أن السيد أذن للعبد في الطعام ومنعه من الصيام، فتردد في ذلك؛ هل للعبد أن يعدل إلى الطعام مع قدرته على الصيام أم لا؟ إذ ليس منع السيد عن الصيام عذرًا بينًا له؛ إذ إذن السيد له في النكاح إذن في حقوقه، وهذا من حقوقه. وهو قول عبد الملك (٥) ومحمد (٦) وابن (٧) دينار، وأنه ليس له منعه جملة من الصيام وإن أضر به. وذهب مالك وابن القاسم (٨) أن له منعه إذا أضر به في خدمته، فتردد هذا عند مالك فقال: الصوم أحب إلي، أي الصوم عن إذن السيد له في الصيام أحب إلي، فإذا كان هذا ارتفع الإشكال. وترتيب (٩) كفارة الظهار على العبد ترتيبها على الحر.
_________________
(١) في خ: وقد عورض. والمعارض هو ابن محرز كما في التوضيح: ١٣٤ ب.
(٢) كذا في ز، وفي ق أصلحت كذلك في الطرة. وكتبت في خ: بروه. مصححًا عليها، وهو ما في خ وس وع.
(٣) هكذا قد تقرأ هذه الكلمة في ز، وقد محي حواليها، وقد تقرأ في خ: فجاء، لكن ليس معها همز، والنسخة غالبًا لا تكتب الهمزة. وفي ق: فما. وربما كتبت قبل ذلك بغير هذا، وأثر الإصلاح وإعادة الكتابة بارز في حرف الميم منها. وهي في ح: بما، وفي س وم: فما الاستحباب، وفي الرهوني: فالاستحباب.
(٤) هذا الاعتذار عن مالك لابن محرز كما في الجواهر: ٢/ ٢٣٧.
(٥) انظر قوله في النوادر: ٥/ ٣٠٠، والاستذكار: ٧/ ١٤٦.
(٦) قوله في المنتقى: ٤/ ٥٢.
(٧) كذا في ز وس وع وم، ولعله صحح على الواو في ز. وفي خ وح: محمد بن دينار. وفي ق: محمد ابن. ولعل الصحيح: محمد بن دينار، والذي في التوضيح: ومحمد وابن دينار. وقد رجح الرهوني في حاشيته: ٤/ ١٥٩ محمد بن دينار، وهو الصحيح. وقد عزا إليه هذا القول في المنتقى: ٤/ ٥٢، ولأن رأي محمد بن المواز غير ذلك كما في النوادر: ٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠. وقارن بما سيورده المؤلف بعد هذا عن محمد.
(٨) وهذا في النوادر: ٥/ ٣٠٠.
(٩) كذا في ز وس، وفي خ وق: وترتبت، والأوفق مع قوله ما في ز، وكذلك هو في الرهوني: ٤/ ١٥٩.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
قال القاضي أبو إسحاق (١): ويحتمل أن يرجع "أحب إلي" إلى (٢) جهة السيد؛ أي إن إذن السيد له في الصيام أحب إلي من إذنه في الطعام.
قال القاضي ﵀: وقد تكون "أحب" على بابها من ترجيح الأمرين (٣) ولا تكون وهما ولا تجوزا (٤)، وهو أن يكون ترجيح الصوم أولى وإن منعه السيد منه مع قدرته عليه. وهو قول محمد؛ قال: إذا أذن له سيده في الإطعام ومنعه الصوم أجزأه وأصوب أن يكفر بالصيام. وهذا مثل قوله في الكتاب (٥) في كفارة اليمين: إذا أذن له سيده أن يطعم أو يكسوا (٦) يجزئ/ [خ ٢٥٥] وفي قلبي منه شيء، والصيام أبين عندي. فلم ير ملكه للطعام والكسوة ملكًا متقررًا.
وقال ابن أبي زمنين: لم يعطنا في جواز الإطعام إذا أذن له فيه سيده جوابًا بينًا. وقد رأيت بين المختصرين فيه اختلافًا. ويجب على قوله في اليمين بالله أن يجزئه إذا أذن له فيه سيده وكان لا يستطيع الصوم. وفي "المبسوط" لعبد الملك في هذا: لا يجزئه. ومثله لابن دينار في "المدنية" (٧)؛ قال: ليس على العبد عتق ولا إطعام ولو وجد ما يطعم ويعتق، لكن يصوم.
وانظر تعليل ابن القاسم في جواز ذلك له في الكفارة لليمين بقوله: كأجنبي كفر عنه. هل يكون قول مالك هنا نزعة (٨) إلى قول أشهب: لا
_________________
(١) انظر قوله في المنتقى: ٤/ ٥٢.
(٢) كذا في ز وس، وفي خ وق: أحب إلى جهة.
(٣) كذا في النسخ، وفي س: أحد الأمرين. ولعله الصواب، وهو ما في حاشية الرهوني: ٤/ ١٥٩.
(٤) في ق: تحرزا. وهو تصحيف.
(٥) المدونة: ٢/ ١١٨/ ٢.
(٦) كذا في م وع وح وخ مصححًا على الألف، وفي حاشية ز أن ذلك خط المؤلف وأصلحه الناسخ: يكسو. وهو ما في ق. وهو الصواب.
(٧) ذكره عنها في المنتقى: ٤/ ٥٢.
(٨) كأنه في خ: نوعه.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
يجزئه وإن كفر عنه، وكان (١) بأمره؟
وقوله (٢): "أرى أن يطعم من التمر والشعير عِدْل شبع مد (هشام) (٣) من الحنطة". قيل (٤): معناه يقال: إذا شبع رجل من مد حنطة، كم يشبع من غيرها؟ ثم قال بعد هذا (٥): كان مالك يقول في الكفارات كلها في كل شيء من الأشياء مدا (٦) بمد النبي ﵇، إلا في الظهار فإنه مد بالهشامي (٧). وفي كفارة الأذى مدان بمد (٨) النبي (٩). نبه بعضهم أنه خلاف للأول. وهو بين، ومثله له في ثالث الحج (١٠)؛ قال: يعطي لكل مسكين مدين من شعير مثل الحنطة/ [ز١٧٠].
وقوله (١١) في كفارة اليمين: "يغدي ويعشي ويكون معه الإدام، فإذا أعطى من الخبز ما يكون عِدْل (١٢) ما يُخرج من الكفارات من كيل الطعام أجزأه"، يريد أنه إذا كان معه الإدام فلا بأس أن يغدي ويعشي بأقل من مد إذا شبعوا.
قاله بعض شيوخنا (١٣). وتأمل ها هنا تفرقته الكفارة في الغداء
_________________
(١) في ق: وإن كان.
(٢) المدونة: ٣/ ٦٨/ ١٠.
(٣) سقط من خ.
(٤) ذكر هذا القائل في التوضيح: ١٣٧ ب مبهما أيضًا.
(٥) المدونة: ٣/ ٦٨/ ١.
(٦) في الطبعتين: مدا مدا بمد؛ طبعة دار الفكر: ٢/ ٣١٠/ ١١.
(٧) في ع وس وح وم: بالهاشمي. وهذا المد منسوب لهشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة المخزومي والي المدينة. سبق التعريف به وبمقدار المد.
(٨) في الطبعتين: مدين مدين بمد.
(٩) زاد ناسخ ز هنا: - ﷺ -. وانظر تحقيق مقدار المد في المنتقى: ٤/ ٤٥، والاستذكار: ٩/ ٣٦٣، والنوادر: ٤/ ٥٩٧، ٢٠، وأحكام ابن سهل: ٧٨، وأحكام الشعبي: ٤٣١، والمعيار: ١/ ٣٩٧، والأم للشافعي: ٢/ ٧، ١٨٧/ ٢٥٧.
(١٠) المدونة: ١/ ٤٦٣/ ٤.
(١١) المدونة: ٣/ ٦٩/ ٥.
(١٢) في ق: عدلا. وهو خطأ.
(١٣) ذكر هذا في التوضيح عن بعض الشيوخ: ١٣٧ ب، انظر المنتقى: ٣/ ٢٥٧.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
والعشاء، فهو بين (١) أنه إنما يراعي وصول قدر المد إلى مسكين واحد وإن تفرقت عليه في أوقات، وأن من أعطى لكل مسكين نصف مد أو ربعه في الكفارة أن له أن يتم على ذلك تمام المد، سواء كانت بيد المسكين أو أكلها. وهذا ظاهر "المدونة" خلاف ما ذهب إليه أحمد - وأراه ابن خالد - أنه إنما يتم (٢) عليها إذا كانت قائمة بأيدي المساكين حتى يَكمل بيد كل مسكين مد في وقت واحد، وأنه لا يجزئه تفرقة المد في أوقات على مسكين (٣)، وزعم أنه ظاهر "المدونة"، وأن عليه يتأول قوله (٤): "عليه أن يعيد على ستين مسكينًا نصف مد نصف مد". واستدل عليه أيضًا بقوله: إذا شركهم (٥) في طعام كل مسكين لم يجزه. وبقوله: إذا أعتق بعض عبد ثم اشترى بقيته بعد ذلك لا يجزئه. ولا حجة له في هذا؛ لأن العتق كشيء واحد لا يجوز تفرقته، والطعام يجوز تفرقته على الأيام.
ومسألة الشركة في كل مسكين هي بنفسها مسألتنا فحتى (٦) الآن على ظاهر الكتاب ينظر ما يقع لكل واحد منهم فيكمل عليه تمام المد. وقوله: لا يجزئه إن لم يفعل هذا، واقتصر على الاشتراك (٧).
وقوله (٨): قلت: أرأيت إن أطعم بعض من لا تلزمه نفقته؟ قال مالك: لا أحب أن يطعم أحدًا من قرابته وإن كانت (٩) لا تلزمه نفقته. قلت:
_________________
(١) في خ وق: يبين. وهو محتمل.
(٢) في ق: يتم له.
(٣) في ق: مساكين.
(٤) المدونة: ٣/ ٧٠/ ٣.
(٥) في ح وس وع: أشركهم.
(٦) هكذا قد تقرأ هذه الكلمة في ز وهو ما في ح وع وفي س: حتى. وقد تقرأ في خ: يجيء، أو يحيى. وفي م: فيجيء.
(٧) لعلها في خ: الأشراك، وهو ما في ع وم وح.
(٨) المدونة: ٢/ ٣١٢/ ٨ من طبعة دار الفكر.
(٩) في ق: كان. وهو متوجه.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
أيعيد؟ قال: لا يعيد"، كذا في نسخة. وعند ابن وضاح (١): "قلت: أرأيت إن أطعم من قال مالك: لا أحب أن يطعم أحدًا من قرابته وإن كانت لا تلزمه نفقته، أيعيد؟ قال: لا يعيد. وعند غيره: أرأيت إن أطعم من لا تلزمه نفقته أيعيد؟ قال: لا/ [خ ٢٥٦] يعيد".
وقوله (٢) في الرضيع: يُطعَم من الكفارة كما يعطى الكبير إذا كان يأكل الطعام، يدل أن المراعى المدُّ المعلوم فيه (٣)، لا قدر الآخذ وعادته في الأكل، خلاف ما ذهب إليه بعض الشيوخ أنه إن كان قوم لا يشبعهم المد الهشامي (٤) زيدوا قدر شبعهم. ويدل على صحة ما ذكرناه قول ابن القاسم في كفارة اليمين (٥): إن أخرج مدًّا بمد النبي ﵇ حيث ما أخرجه أجزأه، وكأن ذلك الآخر التفت إلى مذهب مالك في تلك المسألة (٦) أن (٧) لأهل البلدان عيشًا غير عيشنا، فليخرجوا من وسط عيشهم (٨).
قوله (٩) في الأعجمي في كفارة الظهار: أرجو أن تجزئ، ومن صلى وصام أحب إلي. قال في النذور: والعجمي الذي قد أجاب (١٠). قال: سحنون أدخل (١١) "قد أجاب".
_________________
(١) وهو ما في طبعة دار صادر: ٣/ ٧١/ ١.
(٢) المدونة: ٣/ ٧٢/ ٢.
(٣) كذا في ز، ولعله كذلك في ق، وفي خ: فيها. وهو محتمل.
(٤) في ق وم: الهاشمي.
(٥) المدونة: ٢/ ١١٩/ ١.
(٦) المدونة:٢/ ١١٨/ ٣.
(٧) خرج هنا في خ، وكتب في الطرة: صح، وفوقها علامة غير واضحة فوق العلامة: ظ.
(٨) انظر في المنتقى: ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٩) المدونة: ٣/ ٧٥/ ٢.
(١٠) خرج هنا في خ وكتب بالطرة: إلى الإسلام. وفوقها: كذا.
(١١) في طرة نسخة موسى بن سعادة من المدونة ص: ٩٧: يسقط هذا من الكتاب، وهو لسحنون. وفي ق: إذا دخل، وهو من تصحيحات الناسخ غير الصائبة.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
ووقع هنا عند ابن عتاب مخرج (١) إليه بأثر المسألة: قال سحنون: معنى العجمي الذي قد أجاب إلى الإسلام. وهي مفسرة في غير "المدونة". وبذلك فسرها ابن اللباد وابن أبي زمنين (٢) وغيرهم. واختصرها أبو محمد (٣): ويجزئ عتق الأعجمي الذي يجبر على الإسلام وإن لم يسلم. وهي مفسرة كذلك في كتاب محمد (٤)؛ قال: لأنهم على دين من اشتراهم، قال: وقال أشهب (٥): لا يجزئ حتى يجيب إلى الإسلام. والخلاف في هذا كثير معروف في أمهاتنا (٦).
وقوله (٧): يجزئ الأعور في عتق الظهار. وقال الشيخ ابن لبابة: معناه: غير الأنقر (٨). والكافة تحمله على الأنقر، ويدل عليه قول ابن القاسم في "تفسير" يحيى: لأنه يعمل عمله الذي كان يعمل في صحة عينيه (٩).
وقوله (١٠) في الذي "أُوصِي إليه بعتق رقبة فوجدها تباع فأبى أهلها إلا أن/ [ز ١٧١] يدفع العبد إلى سيده مالًا: إن كان ينقده فلا بأس". معناه من مال عنده (١١)، لا أن يستسعيه فيه.
وقوله (١٢): "وقال ابن عمر ومعقل بن يسار" (١٣). كذا عندي، وكذا
_________________
(١) كذا في خ وز وع وح وس وم، وصحح عليها في ز، وفي ق: مخرجا.
(٢) ذكره عنه في التوضيح: ١٣٢ ب.
(٣) قال في المختصر: ويجزئ الصغير والأعجمي الذي يكره على الإسلام، وانظر أيضًا قوله في الجامع: ٢/ ٢٣٧، والتوضيح: ١٣٢ ب.
(٤) انظر قوله في النوادر: ٤/ ٢٣، والجامع: ٢/ ٢٣٧.
(٥) نقله عنه في النوادر: ٤/ ٢٣، والجامع: ٢/ ٢٣٧.
(٦) انظر الخلاف في هذه المسألة بين مالك وابن القاسم في التوسط للجبيري: ٢/ ١٢٢.
(٧) المدونة: ٣/ ٧٥/ ٧.
(٨) في القاموس: نقر: منقر العين: غائرها.
(٩) مثل هذا التعليل في الجامع: ٢/ ٢٣٧.
(١٠) المدونة: ٣/ ٧٦/ ٤.
(١١) في ق وم وح وع: عبده، وربما قرئ في ق: غيره.
(١٢) المدونة: ٣/ ٧٧/ ٤.
(١٣) وهو صحابي كما في الإصابة: ٦/ ١٨٤.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
أصلحته في كتابي: [يسار] (١)، بياء باثنتين أسفل أولَه ثم سين مهملة وآخره راء. وفي بعض النسخ (٢): سنان؛ أوله سين مهملة مكسورة بعدها نونان (٣) بينهما ألف. وأما معقل، مفتوح (٤) الأول بعين مهملة ساكنة وبعدها قاف.
وقوله: "أي الرقاب أفضل؟ قال: أعلاها ثمنًا" (٥)، كذا عنده بالمهملة.
وأنفَسُها عند أهلها، أي أغبطها وأفضلها. والشيء النفيس: الرفيع الذي يتنافس عليه، أي يتحاسد.
وقول ابن نافع (٦) "في المظاهر إذا أخذ في الكفارة قبل الطلاق ثم طلق فأتم: إن ذلك يجزئه؛ لأنه حين ابتدأ كان ذلك له جائزًا، لأنه ممن كانت له العودة قبل أن يطلق". تأوله يحيى وفضل أنه بمجرد الإمساك على ما قدمناه. وتأوله أبو محمد أنه أراد العودة قبل الطلاق. وقد مضى الكلام عليه (٧).
وقوله (٨) فيمن حلف بعتق رقبة لا يطأ أهله، فأعتق (٩) رقبة لإسقاط الإيلاء: "أتراه مجزئًا عنه ولا إيلاء عليه؟ قال: نعم، وإن كان أحب إلي ألا يعتق إلا بعد الحنث". فهذا من قوله هنا موافق لما في كتاب محمد من أحد قوليه بالجواز في عتق غير المعين لإسقاط الإيلاء. وظاهر ما في كتاب الإيلاء وأحد قوليه في كتاب محمد أن ذلك لا يجزئه إلا/ [خ ٢٥٧] في عتق
_________________
(١) ليس في ز.
(٢) وهو ما في طبعة دار الفكر: ٢/ ٣١٦/ ١.
(٣) في خ وس: نون. وهو خطأ.
(٤) في ق: فمفتوح.
(٥) المدونة: ٣/ ٧٧/ ٨ - . وفي الطبعتين: أغلاها؛ طبعة دار الفكر: ٢/ ٣١٦/ ١٠.
(٦) المدونة: ٣/ ٧٨/ ٢.
(٧) إزاء هذا في خ وز: "انظر قول ح [في خ: خ]، أن ذلك كان في العود [في خ: العدة] ". وفوق هذا في ز: "كذا بخطه هنا".
(٨) المدونة: ٣/ ٨٢/ ١٠.
(٩) في ق: حتى يعتق، وهو من تسرعات الناسخ.
[ ٢ / ٨٥١ ]
المعين. فانظره هناك. وقد ذكر الشيوخ (١) عن الكتاب فيها القولين من الكتابين. وتمامها في الإيلاء.
وقوله (٢) في الذي صام شهريه في ذي القعدة وذي الحجة وعذره له بالجهالة. قال يحيى وسحنون (٣): لا أعذره بالجهالة ويبتدئ.
قال القاضي ﵁: انظر هذه الجهالة أهي جهالة بالحكم أو جهالة بالعدد وتعيين الشهر (٤) وغفلة عن أن فيه فطر؟ (٥) فيكون كالناسي. وانظر قوله في "المبسوطة" و"المدنية": من صام واجب الشهرين عليه غافلًا، فكله يبين أنه جهلُ العدد والغفلةُ عن عين الشهر لا جهل (٦) الحكم. وقدمنا من هذا الأصل في كتاب (٧).
وألحق في آخر الكتاب في أصل ابن باز: زاد في "الأسدية": وكذلك لو كانت عليه كفارة يمينين (٨) فأطعم عشرة مساكين، فلما كان يوم آخر (٩) لم يجد من يطعم الكفارة الأخرى: إنه لا يطعمهم مرة أخرى في قول مالك
_________________
(١) ذكر هذا في النكت أيضًا.
(٢) المدونة: ٣/ ٧٧/ ٣.
(٣) انظر قوله في الجامع: ٢/ ٢٣٨.
(٤) كذا في خ وق، وفي حاشية ز أنه خط المؤلف وأصلحه الناسخ: الشهور، وهو ما في س.
(٥) كذا في خ وس وع مصححًا عليه فيه، وفي حاشية ز أن ذلك ما كتبه المؤلف، وأصلحه الناسخ هناك: فطرا. وهو ما في ق. وهو الصحيح.
(٦) كتب في خ: جل.
(٧) هنا بياض في خ وز، وفي حاشيتهما: "انظر قول ابن شبلون وفي [كذا بالواو مصححًا عليه في ز] النذور وفي خ والمختصر". وزاد في ز: "في الأصل بياض قدر ثلثي سطر وكتب بالطرة بإزائه ما نصه" - يقصد الطرة المذكورة أعلاه -. وفي حاشية خ: الصيام. مخرجا إليها، لعله يقصد أن الكتاب المقصود هو كتاب الصيام، ولم يكتب شيئًا في ط وس وح وع وم.
(٨) في ق وس: يمين، وهو خطأ واضح.
(٩) في خ وح: يومًا، وفي ق: وضع علامة التقديم والتأخير على الكلمتين، يعني أن في الأصل: آخر يوم.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
وليلتمس غيرهم، فإن فعل رأيت ذلك يجزئه (١) إلى آخر المسألة. قال إبراهيم: لم يدخلها سحنون في "المدونة"، وأنا ألحقتها (٢).
_________________
(١) انظر هذا في التوضيح: ١٣٧ ب.
(٢) وكأن هذه تتمة لمسألة تفرقة الكفارة قبل هذا عند قوله: وقوله في كفارة اليمين: يغدي ويعشي
[ ٢ / ٨٥٣ ]