التدبير عقد عتق مقيد بموت العاقد. وله أحكام خالف فيها العتق إلى أجل والوصية [بالعتق] (٢) بعد الموت. وهو مأخوذ من العتق بعد موت المعتق وإدبار الحياة عنه. ودبر كل شيء: ما وراءه، بسكون الباء وضمها. والجارحة، بالضم لا غير. وأنكر بعضهم الضم في غيرها (٣).
فمتى نص على لفظ التدبير أو قال: هو حر عن دبر مني فهذا حكمه، ما لم يقيد ذلك بما يزيله عن سنته بقوله (٤): ما لم أغير ذلك، أو أرجع عنه، أو لم أنسخه بغيره، أو أحدث فيه حدثًا. فهذا له حكم الوصية. ومتى كان العتق بلفظ الوصية ولم يذكر لفظ التدبير فليس له حكم التدبير، إلا أن يقيده أيضًا بصفة التدبير وسنته، كقوله: إذا مت فعبدي فلان حر، لا يغير عن حاله، أو لا مرجع لي فيه ومثل هذا. فهذا له حكم التدبير. وأما إن قال ذلك مجردًا: عبدي حر إذا مت، أو متى مت، أو بعد موتي، فله نيته في ذلك من تدبير أو وصية. فإن عري عن ذلك فابن القاسم (٥) يراها
_________________
(١) في نسخة س: التدبير، وهو ما في طبعة دار صادر: ٣/ ٢٩٤ ولم يترجم بالكتاب في طبعة دار الفكر: ٣/ ٣٧ وإنما عنده ترجمة الباب الأول: في التدبير.
(٢) ليس في ز.
(٣) سبق ضبط هذه اللفظة.
(٤) كذا في ز مصححًا على الباء وهو أيضًا في ح وم ول وس، وفي ق: كقوله. وهو أبين.
(٥) انظر قوله في النوادر: ١٣/ ١٧، والمقدمات: ٢/ ١٨٥.
[ ٢ / ٩٥٠ ]
وصية حتى ينوي التدبير. وأشهب (١) يراه تدبيرًا حتى ينوي الوصية أو يقارنه ما يقتضيها، من كونها لسفر أو في مرض أو تجديد وصية ونحوها (٢).
وكذلك اختلف إذا قيد تدبيره بشرط كقوله: إن مت في سفري أو مرضي، أو في هذا البلد، أو إذا قدم فلان فأنت مدبر، هل هي وصية له الرجوع فيها؟ - وهو قول ابن القاسم في "سماع" أصبغ (٣) إلا أن يكون قصد التدبير - وله في كتاب محمد بن المواز (٤) وابن سحنون (٥): هو تدبير لازم. وقاله ابن كنانة (٦).
وذكر في الكتاب (٧) جواز رهن المدبرة ورهن جنينها (٨)، واحتج بأن "ذلك لا ينقصها من عتقها شيئًا وإن مات سيدها" فاعلم أنه إنما يجوز ارتهانها على وجهين: إما في غير ابتداء سلف وابتداء عقد بيع، بل تطوع بالرهن، أو برضى من المرتهن أن يأخذها عوضًا عن رهن آخر، فهذا جائز لا اعتراض فيه؛ لأنه إن حل أجل دينه والسيد حي عديم، والدين بعد التدبير، لم تبع وبقيت رهنًا إن شاء المرتهن إلى موت السيد أو ملائه. وإن كان الدين قبل التدبير بيعت فيه وكان أحق بها، فلا علة هنا تمنع من الرهن وإن كان إنما رهنها في نفس عقد بيع؛ فإن كان الدين قبل التدبير جاز ذلك قولًا واحدًا؛ لأنها في كل حال بحلول الدين أو بموت السيد تباع فيه،
_________________
(١) انظر النوادر: ١٣/ ١٧، والمقدمات: ٢/ ١٨٨.
(٢) كذا في ز مصححًا عليه، وفي ق وس وم وح ول: ونحوه. وكل محتمل.
(٣) غير أن هذه المسألة وردت في سماع أبي زيد بعد سماع أصبغ مباشرة كما في البيان: ١٥/ ٢٠٤، وفي المسألة قول لأصبغ أيضًا وذكره عنه ابن أبي زيد في النوادر: ١٣/ ١٧. وانظر المنتقى: ٧/ ٢٤، والمقدمات: ٢/ ١٩٣.
(٤) وهو مذكور في النوادر: ١٣/ ١٨، والمنتقى: ٧/ ٤٢، والمقدمات: ٢/ ١٩٣، والبيان: ١٥/ ٢٠٤.
(٥) انظر رأيه في المنتقى: ٧/ ٤٢، والمقدمات: ٢/ ١٩٣، والبيان: ١٥/ ٢٠٤.
(٦) ذكره عنه في النوادر: ١٣/ ١٨، والمنتقى: ٧/ ٤٢، والمقدمات: ٢/ ١٩٣، والبيان: ١٦/ ٢٠٤.
(٧) المدونة: ٣/ ٣٠٣/ ٩.
(٨) لم أجد في الطبعتين ذكر الجنين.
[ ٢ / ٩٥١ ]
والمرتهن أحق بها. وإن كان الدين بعد لم يجز للغرر؛ إذ صاحب الدين لا يدري متى يقبض دينه، وهو إنما يرجو قضاءه من رهنه أو ملاء السيد، فلا يدري هل يحل أجله قبل موت السيد وهو ملي فيأخذه لأجله، أو وهو عديم وهو لا يقدر على بيع الرهن فينتظر وفاة السيد لبيعه؟.
وعلى هذا الوجه تأول بعض شيوخنا (١) قول أشهب في منعه رهن المدبر. وعلى ما تقدم يجب أن يتأول إطلاق إجازة مالك وابن القاسم لرهنه. ويكون هذا كله غير اختلاف منهم، بل كل منهم تكلم على وجه لم يتكلم عليه الآخر. وتأول أبو محمد وأبو عمران قوله في جواز رهن ما دبر جنينها (٢) أنما ذلك إذا كان الدين متقدمًا لا متأخرًا؛ إذ لا يجوز له أن يعرض المدبر للبيع، ومعنى/ [ز ٢٠٢] ذلك أنها تباع بجنينها. وهذا كما تراه لو لم يرهنها لكان هذا الحكم؛ إذ ليس تدبير ما في بطنها بأقوى من عتقه. ونحن نبيعها للغرماء بما في بطنها ولو أعتقه فلم يزد الرهن هنا حكمًا، اللهم إلا أن يقال: إن هذا مستقل (٣) الصورة في التدبير، وإن الرهن فيه تصرف يشبه البيع، فيكون هذا على وجه الكراهة لا على الإيجاب في المنع، ويلزم هذا كله في رهن كل مدبر. ويحمل عليه ظاهر قول أشهب في منع رهن المدبر مطلقًا، خلاف ما تأوله من ذكرناه قبل والله أعلم.
وقول يحيى بن سعيد في المدبر (٤) "إذا مات سيده: ماله له، وولده من أمته لورثة سيده، لأن ولده ليس من ماله"، ظاهره الخلاف. وقد ذهب عمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وعطاء (٥) أن ولد المدبرة غير مدبرين،
_________________
(١) هو اللخمي في التبصرة: ٣/ ٢ أ. وانظر معين الحكام: ٢/ ٨٤٦، والذخيرة: ١١/ ٢٢٨.
(٢) في ق: من جنينها، وقد خرم مكانه في ز، وإن كان الراجح عدم وجود: من، وليست أيضًا في ح وم وس ول.
(٣) كذا في ق وح وز، ومرض عليه في ز، وكتب بالحاشية: مستثقل، وهو ما في م.
(٤) المدونة: ٣/ ٣٠٥/ ١.
(٥) راجع أقوالهم في الاستذكار: ٢٣/ ٣٦٠.
[ ٢ / ٩٥٢ ]
مملوكون (١) لسيدها. وهو أحد قولي الشافعي (٢)، فيشبه أن يحيى ذهب إلى هذا. وهو قول عطاء (٣) أيضًا في ولد المدبر من أمته إن لهم حكم أمهم. وهو قول ابن عمر (٤) والليث والأوزاعي والزهري (٥). فهم على هذا مال للسيد انتزاعهم في صحته. وقد تأول بعض شيوخنا (٦) قول يحيى أنه في أولاده قبل التدبير. فيكون وفاقًا لمذهب مالك، والله أعلم.
وقوله (٧) في الذي كاتب عبده ومدبره، فمات السيد وخرج بعض المدبر من ثلثه: إنه يسعى مع صاحبه في بقية الكتابة إلى آخر المسألة، ثم قال: "وإنما يسعى من المدبر ما بقي فيه من الرق"، صحت هذه الزيادة لابن وضاح وحده، وليست في كل الروايات. ولم يذكرها ابن أبي زمنين ولا غيره من المختصرين.
وقول أشهب (٨): "لا يجوز عقد كتابة عبدين أحدهما مدبر" إلى آخر كلامه. سقطت في كتاب ابن عتاب لغير ابن وضاح. وهي ثابتة لأكثر الرواة من القرويين وغيرهم.
وقوله في المدبر (٩) يقع "في المغانم إذ عرفوا سيده، أو أنه لأحد من المسلمين بعينه". كذا في كتب شيوخنا. وسقطت لفظة "بعينه" في بعض الروايات. وقد نبه عليها ابن أبي زمنين وقال: سقطت في أكثر الروايات.
_________________
(١) في ق وس وم: مملوكين. وهو مرجوح.
(٢) انظر قوله في الأم: ٨/ ٢٥، ومعرفة السنن للبيهقي: ١٤/ ٢٠٦٣١.
(٣) قوله في الاستذكار: ٢٣/ ٣٥٩.
(٤) وهو في معرفة السنن والآثار: ١٤/ ٢٠٦٣١.
(٥) انظر قولهم في الاستذكار: ٢٣/ ٣٥٩.
(٦) هو ابن رشد في المقدمات: ٢/ ١٩٢.
(٧) المدونة: ٣/ ٣٠٨/ ٧.
(٨) المدونة: ٣/ ٣٠٩/ ١.
(٩) المدونة: ٣/ ٣١٠/ ٩.
[ ٢ / ٩٥٣ ]
وبسقوطها تصح المسألة؛ لأن حكم المدبر إذا علم به في المقاسم - وإن لم يعرف ربه - خلاف العبد الذي ليس بمدبر؛ لا يقسم ويؤاجر. بذلك فسرها سحنون.
قال القاضي: ومما يدل أن الصواب سقوطها أنه كلام مكرر؛ لأن قوله قبل: "إذا عرفوا سيده"، يغني عن قوله: "إن عرفوا أنه لرجل بعينه"، فدل على سقوط: عينه. ويأتي قوله (١): "فإن لم يعلموا حتى اقتسموه" أي لم يعلموا أنه مدبر.
وقول بعض الرواة (٢) في مسألة النصراني يشتري مسلمًا ويدبره: "لا يجوز اشتراء النصراني لمسلم؛ لأني لو أجزت له اشتراءه ما بعته عليه، ولكن لما لم يجز له ملكه ابتداء لم يجز له شراؤه". قال ابن أبي زمنين: معناه أن البيع يفسخ وينقض التدبير.
قال القاضي: قال بعض شيوخنا: لأنه إذا لم يجز شراؤه فكأنه دبر عبد غيره. وتأول أكثرهم قول غيره على تعجيل العتق كما نص عليه في مسألة (٣): إذا أسلم مدبره. وفيها تكلم غيره في تبتيل حريته. ولأنه منع نفسه بالتدبير من بيعه. ولم يتكلم على المسألة الأولى في التدبير، وإنما تكلم في الشراء مجردًا بغير تدبير. ولو كان كلامه وجوابه على الوجهين لكان تناقضًا؛ لأنه قال في أول الكلام (٤): "لو أجزت شراءه ما بعته عليه"، أي لتركته له ملكًا وواجرته له كما يقول ابن القاسم في التدبير.
ثم قال آخرًا في مسألة: إذا أسلم عبده فدبره (٥)، "فلما منع نفسه بالتدبير من البيع". فلو رد المسألة على الأولى لكان ظاهر كلامه أنه يبيعه عليه في مسألة الشراء إذا لم يدبره فتأمله فإنه دقيق المعنى. وقد وجدت في
_________________
(١) المدونة: ٣/ ٣١٠/ ٨.
(٢) المدونة: ٣/ ٣١١/ ٤.
(٣) المدونة: ٣/ ٣١١/ ٧.
(٤) المدونة: ٣/ ٣١١/ ٣.
(٥) المدونة: ٣/ ٣١١/ ١.
[ ٢ / ٩٥٤ ]
بعض النسخ تمام قول بعض الرواة عند قوله: / [ز ٢٠٣] لم يجز له شراؤه. ثم قال: وقال غيره: وإذا أسلم عبده ثم دبره. فانظره (١).
وقوله (٢): استباع سيده، أي طلب منه البيع.
وقوله (٣): تشبث بنصيبه، بشين معجمة وآخره تاء مثلثة، قبلها باء بواحدة: أي تمسك كما جاء في الرواية (٤) الأخرى.
_________________
(١) ثبت هذا في طبعة دار صادر ٣/ ٣١١/ ٢ - هكذا: وقد قال بعض الرواة. وهو في طبعة دار الفكر: ٣/ ٤٦/ ٦ - دون عزو لأحد.
(٢) المدونة: ٣/ ٣٠٦/ ٣.
(٣) المدونة: ٣/ ٣٠٩/ ٥.
(٤) كذا في ز مصححًا عليه، وهو ما في ق. ونبه في حاشية ز أن المؤلف كتبه: "الروا" وخرمت الكلمة، ولعلها: الرواة.
[ ٢ / ٩٥٥ ]