٣٠٢٢ - وما بيع مما يطعم بطونًا كالمقاثي والورد والياسمين وشبه ذلك، أو من الثمار مما لا يخرص ولا يدخر، وهو مما يطعم في كره إلا أن طيبه يتفاوت، ولا يحبس أوله على آخره، كالتفاح والأترج والخوخ [والتين] والموز ونحو ذلك، فإن أجيح شيء من ذلك نظر، فإن كان ما أصابت منه الجائحة قد ثلث الثمرة في النبات فأكثر، في أول مجناه أو في وسطه أو في آخره، حطّ من الثمن قدر قيمته في زمانه من قيمة باقيه، كان في القيمة أقل من الثلث أو أكثر. (١)
وإن كان المجاح من الجميع أقل من الثلث في كيل، أو وزن، لا في القيمة، فلا توضع فيه جائحة، نافت قيمته على الثلث أو نقصت، مثل أن يبتاع مقثاة بمائة درهم فأجيح بطن منها، ثم جنى بطنين، فإن كان المجاح مما لم يجح قدر ثلث النبات بعد معرفة ناجية النبات، وضع عنه قدره، وقيل: ما قيمة المجاح في زمانه؟ فإن قيل: ثلاثون، والبطن الثاني عشرون، والثالث عشرة
_________________
(١) انظر: المدونة (١٢/٢٥)، ومواهب الجليل (٤/٥٠٥)، وشرح حدود ابن عرفة (ص٤٠١) .
[ ٣ / ٤٢٥ ]
[في زمانيهما] لغلاء أوله وإن قل، ورخص آخره وإن كثر فيرجع بنصف الثمن، وكذلك لو كان المجاح تسعة أعشار القيمة لرجع بمثله من الثمن، وإن كان أقل من الثلث في النبات لم يوضع فيه شيء، وإن كانت قيمته تسعة أعشار الصفقة، وكذلك فيما يتفاوت طيبه مما ليس بطنًا بعد بطن.
وراعى أشهب في وضع الجائحة القيمة فيما بلغ عنده في القيمة الثلث فأكثر، وضع عنه حصته من الثمن وإن نقص من الثلث في النبات، ولا يوضع ما نقص عن ثلث القيمة وإن جاوز الثلث في النبات. قال: لأنها حينئذ ليست مصيبة عليه.
وما كان بطنًا واحدًا فثلث الثمرة بثلث الثمن، إذا كانت الثمرة صنفًا واحدًا لا تقويم في ذلك.
٣٠٢٣ - قال ابن القاسم: وأما ما بيع من الثمر مما ييبس ويدخر ويترك حتى يجذ جميعه، مما يخرص أم لا، كالعنب والنخل والزيتون واللوز والفستق والجوز وما أشبه ذلك، فأصابت الجائحة قدر ثلث الثمرة فأكثر، في كيل أو مقدار لا في القيمة، وضع عن المبتاع قدر ذلك من الثمن، فإن أجيح أقل من ثلث الثمرة في المقدار لم يوضع عنه لذلك شيء، ولا تقويم في هذه الأشياء، لأن لمبتاعها تعجيل جذها وتأخيره حتى تيبس. (١)
_________________
(١) انظر: التقييد (٥/٥) .
[ ٣ / ٤٢٦ ]
وأما التفاح [والرمان] والخوخ والأترج والموز والمقاثي وشبهها، فإنما تشترى على طيب بعضه بعد بعض، ولو ترك أوله حتى يطيب آخره كان فسادًا لأوله.
وإن كان في الحائط أصناف من التمر، برني وصيحاني وعجوة وشقيم وغيره، فأجيح أحدهما، فإن كان قدر الثلث في الكيل من الأصناف، وضع من الثمن قدر قيمته من جميعها، ناف على ثلث الثمن أو نقص.
وأصل قول مالك - ﵀ -[في هذا] أن ينظر، فكل ما يقدر على ترك أوله على آخره ولا يكون فسادًا حتى ييبس، فهو بمنزلة النخل والعنب، وكل ما لا يستطاع ترك أوله على آخره حتى ييبس في شجره، فهو كالمقاثي.
٣٠٢٤ - وإن اشترى أول جزة من الفصيل فأجيح ثلثها، فثلث الثمن موضوع بغير قيمة.
ولو شاء فصله يوم الشراء وقد أدرك جميعه، ولو اشترط خلفته كان
[ ٣ / ٤٢٧ ]
كالمقاثي، إن أجيح قدر الثلث من أوله أو من خلفته، على ما ذكرنا في التقويم. وهكذا يحسب فيمن اكترى أرضًا سنين، فتعطش منها سنة، أو ربعًا [كدور مكة]، فتخرب في بعض السنين إن كانت السنون تختلف قيمتها في الكراء.
قيل: فالتين أيضًا [أليس] مما يطعم بعضه بعد بعض، وهو مما يدخر فييبس، فكيف يعرف شأنه؟ قال: يُسأل عنه أهل المعرفة.
ومن اشترى مقثاة وفيها بطيخ وقثاء فأجيح أول بطن منها، فإن كانت قدر الثلث فأكثر من باقي البطون فكما ذكرنا.
٣٠٢٥ - وأما جائحة البقول كالسلق والبصل والفجل والجزر والكراث وغيره، فيوضع قليل ما أجيح فيه وكثيره.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
وروى علي بن زياد وابن أشرس عن مالك: أنها لا توضع جائحة البقول حتى تبلغ الثلث.
٣٠٢٦ - ومن ابتاع فولًا أخضر أو قطنية على أن يقطعها خضراء، فذلك جائز، وتوضع فيه الجائحة إن بلغت الثلث وضع عنه ثلث الثمن، ولا يجوز اشتراط تأخيره حتى ييبس.
ولا توضع في القصب الحلو جائحة، إذ لا يجوز بيعه حتى يطيب ويمكن قطعه وليس ببطون. (١)
قال سحنون: وقد قال ابن القاسم: توضع جائحة القصب الحلو، وهو أحسن.
٣٠٢٧ - وكل ما لا يباع إلا بعد يبسه من الحبوب، من قمح، أو شعير، أو قطنية وشبهها
_________________
(١) انظر: منح الجليل (٥/٢٨٣) .
[ ٣ / ٤٢٩ ]
من [الحبوب]، أو سمسم، أو حب فجل الزيت، فلا جائحة في ذلك، وهو بمنزلة ما لو باعه في الأنادر.
وما بيع من ثمر نخل، أو عنب وغيره بعد أن ييبس فصار تمرًا أو زبيبًا، فلا جائحة فيه.
ولو اشترى ذلك حين الزهو ثم أجيح بعد إمكان الجذاذ [واليبس] فلا جائحة فيه، وكأنك ابتعتها بعد إمكان الجذاذ واليبس.
ولا جائحة فيما بيع بأصله ولم يؤبر، ولا فيما اشترطه المبتاع مع الرقاب مما أبر، وهو بلح، أو بسر، أو رطب، أو تمر، وهو لغو، وإن أوجبها الاشتراط، وهو كمكتري الدار فيها نخل لم يطب، وهي تبع للكراء، فإن اشترطها فذلك جائز، ولا جائحة في ثمرها، إذ لا حصة لذلك من الثمن في الكراء، وكمن ابتاع عبدًا فاستثنى ماله، ثم هلك ماله ثم رده بعيب، فإنه يرجع بجميع الثمن، ولا يحط لمال العبد من الثمن شيء، إذ لا حصة له منه.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
٣٠٢٨ - ومن ابتاع زرعًا لم يبد صلاحه على أن يحصده، ثم اشترى الأرض جاز أن يبقيه فيها حتى يبلغ.
وكذلك لو ابتاع نخلًا قد أبرت، ولم يشترط الثمرة فله شراؤها قبل الزهو، كما كان له جمعها في أول الصفقة، ثم لا جائحة فيهما، إذ كأنهما في صفقة.
ومن ابتاع ثمرة نخلة واحدة ففيها الجائحة إن بلغت ثلث ثمرتها، ووضع الجائحة.
٣٠٢٩ - وتوضع الجائحة عن مشتري [ما] أعرى من العرية بخرصها مثل ما يوضع عنه في الشراء سواء.
ومن أسلم في حائط بعينه فأجيح بعضه أتبعه بحقه في بقيته، لأنه على كيل، بخلاف مبتاع جميع ثمرته، هذا إن أصاب الحائط جائحة أذهبت ثلثه، وضع عنه ثلث الثمن.
[ ٣ / ٤٣١ ]
٣٠٣٠ - ومن اشترى ثمرة نخل قبل أن يبدو صلاحها وشرط تأخيرها، فأصابت الثمرة جائحة بعد ما بدا صلاحها، فهي من البائع وإن كانت أقل من الثلث، إذ هو بيع فاسد لم يقبضه مبتاعه، ولو اشتراه على الجذ مكانه [قبل أن يطيب] فأُجيح قبل الجذ وضعت فيه الجائحة إن بلغت الثلث، كالثمار لا كالبقل. (١)
وكذلك إن اشترى بلح جميع الثمار أو اشترى ما لم يطب من جوز [ولوز] [وجِلَّوْزٍ] وفستق على أن يجذه، فأجيح قبل الجذ، فهو كالثمار، وتوضع فيه الجائحة [إن بلغت الثلث] .
٣٠٣١ - وكل ما جاء من الله ﷿ فهو جائحة، كالجراد والريح والنار والغرق والبرد والمطر والطين الغالب والدود وعفن الثمرة في الشجر، والسموم، [فذلك جائحة توضع عن المبتاع إن أصابت الثلث فصاعدًا] .
وأما إن هلكت [الثمرة] من انقطاع ماء السماء أو انقطع عنها عين سقيها،
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/١٧٤)، والتاج والإكليل (٤/٢٠٩)، والمدونة الكبرى (١٢/٣٤) .
[ ٣ / ٤٣٢ ]
فذلك يوضع قليل ما هلك بسببه وكثيره، بخلاف الجوائح، لأنه باعها على حياتها من الماء، فما كان من قبل الماء فهو من البائع.
والجيش والسارق جائحة. ولم ير ابن نافع السارق جائحة.
٣٠٣٢ - قال مالك - ﵀ -: وتوضع الجائحة في المساقاة. وحفظ سعد عن مالك: أنه إن أجيح دون الثلث لم يوضع عنه شيء من سقي الحائط [كله]، وإن كان الثلث فأكثر خيّر، فإن شاء سقى جميع الحائط، وإلا ترك جميعه.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
٣٠٣٣ - قال مالك: ومن اكترى أرضًا فيها سواد قدر الثلث فأدنى فاشترطه جاز ذلك [قال ابن القاسم: فإن اشترط ذلك فأثمر السواد، ثم أصابت جميع ثمره جائحة، فلا جائحة في ثمره، لأن السواد كان ملغىً]، ولا جائحة في ثمرته. وإن لم يكن ذلك السواد تبعًا فاشترط ثمرته، فإن لم تزه فسدت الصفقة كلها، فإن أزهى جازت.
٣٠٣٤ - فإن أصابت الثمرة جائحة نظر إلى قيمة الثمرة، وإلى مثل كراء الأرض يوم الصفقة، فيقسم الثمن على ذلك، فما قابل الثمرة منه فهو ثمنها، فإن أصابت الجائجة ثلث الثمرة وضع عنه ثلث حصة الثمرة، من جميع الثمن الذي نقد في الكراء.
وإن أصابت الجائحة أقل من ثلث الثمرة لم يوضع عنه قليل ولا كثير. (١)
* * *
_________________
(١) انظر: منح الجليل (٥/٣١١) .
[ ٣ / ٤٣٤ ]