٤١٩٥ - ودية اليهودي [والنصراني]، مثل دية نصف الحر المسلم، ودية نسائهم على النصف من دية رجالهم، ودية المجوسي ثمان مائة درهم، والمجوسية أربع مائة درهم، وجراحهم من دياتهم على قدر جراح المسلمين من دياتهم.
وإن قتل مسلم ذميًا خطأ، حملت عاقلته الدية في ثلاث سنين.
والديات كلها: دية المسلم والمسلمة، والذمي الذمية، والمجوسي والمجوسية، إذا وقعت تحملها العاقلة في ثلاث سنين، فإن جنى مسلم على مجوسية خطأ ما يبلغ ثلث ديتها، أو ثلث ديته، حملته عاقلته، [وكذلك لمن جنى على مسلمة ما يبلغ ثلث ديتها، حملته عاقلته،] مثل أن يقطع لها أصبعين، فتحمل ذلك عاقلته، لأن ذلك أكثر من ثلث ديتها.
_________________
(١) انظر: جامع الأمهات لابن الحاجب (ص٢٥٠٠) .
[ ٤ / ٥٧١ ]
ولو جنت امرأة على رجل ما يبلغ ثلث ديتها، حملته العاقلة أيضًا.
قال مالك - ﵀ -: والأول أبين، وأصل هذا أن الجناية إذا بلغت ثلث دية الجاني أو ثلث دية المجني عليه، حملتها العاقلة.
٤١٩٦ - ولو جنى مجوسي أو مجوسية على مسلم ما يبلغ ثلث دية الجاني، حمل ذلك أهل عواقلهم، الرجال منهم دون النساء، وهم الذين يؤدون معهم الخراج.
وإذا جنى النصراني جناية حمل ذلك أهل جزيته، وهم أه لكورته الذين خراجه معهم، وعلى قاتل عبيدهم [قيمتهم] ما بلغت قيمتهم، كعبيد المسلمين، وإن كانت القيمة أضعاف الدية، إلا أن في مأمومة العبد وجائفته في كل واحد ثلث قيمته، وفي منقلته عشر قيمته ونصف عشر قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، وفيما سوى ذلك من جراحه ما نقص بعد برئه.
وإذا قتل ذمي مسلمًا خطأ، حمّل ذلك عاقلته.
[ ٤ / ٥٧٢ ]
٤١٩٧ - وإن أصاب أهل الذمة بعضهم بعضًا، حمل ذلك عواقلهم، وما تظالموا بينهم فالسلطان يحكم فيه بينهم.
قال مالك - ﵀ -: إنما العقل على القبائل، كانوا أهل ديوان أم لا، ومصر والشام أجناد قد جندت، فكل جند عليهم جرائرهم دون غيرهم من الأجناد، ولا يعقل أهل مصر مع أهل الشام، ولا أهل الشام مع أهل مصر، ولا الحضر مع البدو، ولا أهل البدو مع أهل الحضر، إذ لا يكون في دية واحدة إبل ودنانير، [أو دنانير] ودراهم، وإن انقطع بدوي فسكن الحضر عقل معهم، وكذلك الشامي يوطن مصر، فإنه يعقل معهم، بمنزلة رجل من أهل مصر [مع أهل الشام]، ثم إن جنى وقومه بالشام وليس بمصر من قومه من يحمل ذلك لقلتهم، ضم إليه أقرب القبائل بها إلى قومه، وإن لم يكن بمصر من قومه أحد فليضم إليه أيضًا أقرب القبائل من قومه حتى يقووا على العقل، غذ لا يعقل أهل الشام مع أهل مصر.
ويحمل الغني من العقل بقدره، ومن دونه بقدره، وذلك على قدر طاقة الناس في يسرهم.
[ ٤ / ٥٧٣ ]
٤٥٠١ - وإذا جنى الصبي والمجنون عمدًا أو خطأ بسيف أو غيره، فهو كله [خطأ] تحمله العاقلة إن بلغ الثلث، وإن لم يبلغ الثلث ففي ماله، ويتبع به دينًا في عُدمه.
وإن كان المجنون يفيق أحيانًا فما جنى في حال الإفاقة، فكالصحيح في حكمه في الجراح والقتل. وإذا رفع للقود وقد أخذه الجنون، أُخّر لإفاقته.
٤٥٠٢ - وقضى النبي ÷ في الجنين يخرج ميتًا بجناية جان، بغرة عبد أو وليدة. (١)
قال مالك: والحمران من الرقيق أحب إلي من السودان، فإن قل الحمران بتلك البلدة فليؤخذ من السودان. والقيمة في ذلك خمسون دينارًا أو ستمائة درهم، وليست القيمة بسنة مجمع عليها، وإنا لنرى ذلك حسنًا.
فإذا بذل الجاني عبدًا أو وليدة، جبروا على أخذها إن ساوى ما بذل خمسين
_________________
(١) رواه البخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١) .
[ ٤ / ٥٧٤ ]
دينارًا أو ستمائة درهم، وإن ساوى أقل من ذلك، لم يجبروا على أخذه إلا أن يشاءوا. وليس عل أهل الإبل في ذلك إبل، وقد قضى النبي ÷ [في] الغرة والناس يومئذ أهل إبل، وإنما تقويمها بالعين أمر مستحسن.
٤٥٠٣ - وإذا ضربت المرأة عمدًا أو خطأ، فألقت جنينًا ميتًا، فإن علم أنه حمل - وإن كان مضغة أو علقة، أو مصورًا ذكرًا أو أنثى - ففيه الغرة بغير قسامة في مال الجاني، ولا تحملها العاقلة، ولا شيء فيه حتى يزابل بطنها، وتورث الغرة على فرائض الله ﷿. قيل: فهل على الضارب كفارة؟ قال: قال مالك: إنما الكفارة في كتاب الله ﷿ [في قتل الحر خطأ.
واستحسن مالك الكفارة] في الجنين، وكذلك العبد والذمي إذا قتلا ففيهما الكفارة، وفي جنينهما الكفارة، ولو ضربها رجل [خطأ] فماتت، ثم خرج الجنين بعد موتها ميتًا، فلا غرة فيه، وإنما على عاقلته الدية، لأنه مات بموت أمه، وعليه كفارة واحدة.
وإن ضرب بطنها فألقت جنينًا حيًا، ثم ماتت بجنين في بطنها، ومات الخارج قبل موتها أو بعد، ففي الأم دية واحدة والكفارة، ولا دية في الجنين الذي لم يزايلها
[ ٤ / ٥٧٥ ]
ولا كفارة. والذي ألقته إن استهل صارخًا ففيه القسامة والدية، وإن لم يستهل [صارخًا] ففيه الغرة. وإذا خرج الجنين ميتًا أو حيًا، فمات قبل موتها ثم ماتت بعده، ورثته.
ولو ماتت هي وقد استهل ثم مات بعدها، لورثها، ولو خرج الجنين ميتًا ثم خرج آخر حيًا بعده أو قبله، أو ولد للأب ولد من امرأة أخرى فعاش، أو استهل صارخًا ثم مات مكانه وقد مات الأب قبل ذلك كله، كان لهذا الذي خرج حيًا [ميراثه من دية الذي خرج ميتًا، ألا ترى أن المولود إذا خرج حيًا] يرث أباه الميت أو أخاه قبل ولادته.
ولو ضر بالأب بطن امرأته [خطأ] فألقت جنينًا ميتًا، فلا يرث الأب من دية الجنين شيئًا ولا يحجب، وميراثه لسواه.
ومن ضرب بطن امرأة خطأ فألقت جنينًا حيًا، فاستهل ثم مات، ففيه القسامة، والدية على العاقلة، ولو ضرب بطنها عمدًا [فألقت جنينًا حيًا، ثم استهل فمات]، ففيه القصاص بقسامة، وذلك إذا تعمد ضرب بطنها خاصة.
[ ٤ / ٥٧٦ ]
قال: ولم يكن في الجنين يخرج ميتًا قسامة، لأنه كرجل ضرب فمات ولم يتكلم، وإذا صرخ ثم مات كان كالمضروب يعيش أيامًا، ففيه القسامة، إذ لا يدرى أمات الجنين من الضربة، أو لما عرض له بعد خروجه.
٤٥٠٤ - ولو ضرب مجوسي أو مجوسية بطن مسلمة خطأ، فألقت جنينًا ميتًا، حملته عاقلة الضارب، وإن كان ذلك عمدًا كان في مال الجاني.
وفي جنين أم الولد من سيدها ما في جنين الحرة، وفي جنين الأمة من غير السيد عشر قيمة أمه، كان أبوه حرًا أو عبدًا.
وفي جنين الذمية عشر دية أمه أو نصف عشر دية أبيه، وهما سواء، [والذكر والأنثى في ذلك سواء] .
ولو أسلمت نصرانية حامل تحت نصراني، ففي جنينها ما في جنين النصرانية، وذلك نصف عشر دية أبيه، ولو استهل صارخًا ثم مات، حلف من يرثه يمينًا واحدة لمات من ذلك واستحقوا ديته، لأن مالكًا قال في النصراني يقوم على قتله شاهد عدل مسلم: إن ولاته يقسمون معه يمينًا واحدة، ويستحقون الدية على من قتله مسلمًا كان أو نصرانيًا.
[ ٤ / ٥٧٧ ]
وإن تزوج عبد مسلم نصرانية، ففي جنينها ما في جنين الحر المسلم.
وإن أسلمت مجوسية حامل تحت مجوسي ففي جنينها ما في جنين المجوسي، أربعون درهمًا.
٤٥٠٥ - وإذا قتل رجل وصبي رجلًا عمدًا، قُتل الرجل، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية، ولو كانت رمية الصبي خطأ، ورمية الرجل عمدًا، فمات منهما جميعًا، فأحب إلي أن تكون الدية عليهما جميعًا، لأني لا أدري من أيتهما مات.
ومن ثبت عليه أنه قتل رجلًا عمدًا ببينة، أو بإقراره، أو بقسامة، فعفي عنه، أو سقط عنه القتل لأن الدم لا يتكافأ، فإنه يضرب مائة ويحبس عامًا، كان القاتل رجلًا أو امرأة، مسلمًا أو ذميًا، حرًا أو عبدًا، لمسلم أو لذمي، [والمقتول مسلم أو ذمي، حر أو عبد، لمسلم أو لذمي]، وكذلك العبد يقتل وليك عمدًا فتعفو عنه على أن تأخذه، فإنه يضرب مائة ويحبس عامًا، وإذا قتل عبد وليك فعفوت عنه ولم تشترط شيئًا، فذلك كما لو عفوت عن الحر، ولا تشترط الدية ثم تطلب الدية.
[ ٤ / ٥٧٨ ]
قال مالك: لا شيء لك إلا أن يتبين أنك أردتها فتحلف بالله [إنك] ما عفوت على ترك الدية إلا لأخذها، ثم ذلك لك. وكذلك في العبد لا شيء لك إلا [أن يعرف] أنك عفوت لتسترقه، فذلك لك، ثم يخير سيده. ولو عفوت على أن تأخذه رقيقًا، وقال سيده: إما أن تقتله أو تدعه، فلا قول له، والعبد لك إلا أن يشاء ربه دفع الدية إليك ويأخذه، فذلك له.
٤٥٠٦ - ومن أقر بقتل خطأ، فإن اتهم أنه أراد غناء ولد المقتول كالأخ والصديق، لم يصدق، وإذا كان من الأباعد، صدق إن كان ثقة مأمونًا، ولم يخف أن يرشا على ذلك، ثم تكون الدية على عاقلته بقسامة، ولا تجب عليه بإقراره. (١)
وإذا لزمت العاقلة كانت في ثلاث سنين، فإن أبى ولاة الدم أن يقسموا فلا شيء لهم ولا في مال المقر، كما لو ضُرب رجل فقال: قتلني فلان خطأ، فإنه يصدق، ويكون العقل على عاقلة القاتل بقسامة، وإلا لم يكن لهم في مال المدعى عليه شيء.
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٦/٤٠٦) .
[ ٤ / ٥٧٩ ]
٤٥٠٧ - وإذا قتل عشرة رجال رجلًا خطأ وهم من قبائل شتى، فعلى قبيلة كل رجل عشر الدية في ثلاث سنين، ولو جنوا قدر ثلث الدية، حملته عواقلهم أيضًا في سنة، وما كان دون الثلث ففي أموالهم، ولا تحمله عواقلهم.
٤٥٠٨ - وإذا فقا أعور العين اليمنى عين رجل صحيح اليمنى خطأ، فعلى عاقلته نصف الدية، وإن فقأها عمدًا، فعليه خمسمائة دينار في ماله، وهو كأقطع اليد اليمنى يقطع يد رجل اليمنى، فدية اليد في مال الجاني، ولا يقتص من اليد أو الرجل اليمنى باليسرى، ولا اليسرى باليمنى، وكذلك العين.
ولا يقاد لسن إلا بمثلها في صفتها وموضعها: الرباعية بالرباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى، وإن لم يكن للجاني مثل الذي طرح رجع ذلك إلى العقل.
قال: وإن كان المفقوءة عينه أعور العين اليسرى، فله في عينه اليمنى ألف دينار، إذ لا قصاص له في عين الجاني، [و] لأن دية عين الأعور عند مالك ألف دينار.
[قال مالك: وإن فقأ الأعور عين الصحيح التي مثلها باقية للأعور،
[ ٤ / ٥٨٠ ]
فللصحيح أن يقتص [إن أحب]، وإن أحب فله دية عينه، ثم رجع فقال: إن أحب أن يقتص اقتص، وإن أحب فله دية عين الأعور ألف دينار، وقوله الآخِر أعجب إلي. (١)
وإن فقأ أعمى عين رجل عمدًا، فديتها في ماله لا على العاقلة.
وإن فقأ أعور عيني رجل [جميعًا] عمدًا، فله القصاص في عينه ونصف الدية في العين الأخرى.
٤٥٠٩ - ومن ذهب سمع إحدى أذنيه، فضربه رجل فأذهب سمع الأخرى، [فعليه نصف الدية] بخلاف عين الأعور.
وليست الدية في شيء واحد مما هو زوج في الإنسان، مثل:
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٦/٥٤٩) .
[ ٤ / ٥٨١ ]
اليدين والرجلين وشبههما، إلا في عين الأعور وحدها، لما جاء فيها من السنة، وإنما في كل واحد من ذلك نصف الدية، سواء ذهب أولًا أو آخرًا.
٤٥١٠ - ومن شجّ رجلًا موضحة خطأ، فأذهب سمعه وعقله، فعلى عاقلته ديتان ودية الموضحة، لأنها ضربة واحدة، وكذلك إن شجه موضحة ومأمومة في ضربة، فعقلهما على العاقلة.
وإن شجه موضحة ومأمومة في ضربة متعمدًا، اقتص من الموضحة، وحملت العاقلة المأمومة.
وإن ضربه عمدًا فأوضحه فأذهب منها سمعه وعقله، فإنه يقاد من الموضحة بعد البرء، ثم ينظر إلى المقتص منه، فإن برئ ولم يذهب سمعه وعقله من ذلك، كان في ماله عقل سمع الأول وعقله، وقد يجتمع في ضربة واحدة قصاص وعقل.
٤٥١١ - ولو قطع أصبع رجل عمدًا، فشلت من ذلك يده أو أصبع أخرى، اقتص من
[ ٤ / ٥٨٢ ]
الجاني في الأصبع ويستأنى به، فإن برئ ولم تشل يده، عقل ذلك في ماله.
قال مالك: وهذا أحب ما في ذلك [إلي] من الاختلاف، وإن ضرب [رجل] رجلًا خطأ فقطع كفه فشل الساعد، فعلى عاقلته دية اليد لا غيرها، لأنها ضربة واحدة.
٤٥١٢ - وإذا أصيبت العين فنقص بصرها، أغلقت الصحيحة ثم جعل له بيضة أو شيء في مكان يختبر به منتهى بصر السقيمة، فإذا رآها، حولت له إلى موضع آخر، فإن تساوت الأماكن أو تقاربت، قيست الصحيحة ثم أعطي بقدر ما نقصت المصابة من الصحيحة، والسمع مثله، يختبر بالأمكنة أيضًا حتى يعرف صدقه من كذبه.
وإن ادعى المضروب أن جميع سمعه أو بصره ذهب، صدق مع يمينه، والظالم أحق بالحمل عليه، ويختبر إن قدر على ذلك بما وصفنا.
٤٥١٣ - ومن جنى من أهل الإبل ما لا تحمله العاقلة، فذلك في ماله من الإبل، فإن قطع أصبع رجل خطأ كان في ماله ابنتا مخاض، وابنتا لبون، [وابنا لبون]،
[ ٤ / ٥٨٣ ]
وحقتان، وجدعتان، وكذلك لو جنى ما هو أقل من بعير، كان ذلك عليه في الإبل.
وقاتل العمد إذا صولح على أكثر من الدية، فذلك جائز، كان من أهل الإبل أو من غيرهم. وإذا قبلن دية العمد، فهي في مال القاتل لا على العاقلة.
ومن جنى جناية خطأ وهو من أهل الإبل، فصالح الأولياء عاقلته على أكثر من ألف دينار، فذلك جائز إن عجلوها، فإن تأخرت، لم يجز، لأنه دين بدين، ولو جنى عمدًا فصالح الأولياء على مال إلى أجل، جاز ذلك، لأن هذا دم وليس بمال.
ولو صالح الجاني على العاقلة، والجناية خطأ مما تحملها العاقلة، فقالت العاقلة: لا نرضى بصلحه ولكنا نحمل ما علينا من الدية، فذلك لهم.
٤٥١٤ - وما أصاب النائم من شيء يبلغ ثلث الدية، فهو على عاقلته، وإذا نامت امرأة على ولدها فقتلته، فديته على عاقلتها وتعتق رقبة. (١)
وإن شهد شاهد على رجل أنه قتل فلانًا خطأ، فليقسم أولياء القتيل ويستحقون الدية على العاقلة.
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٦/٤١٣) .
[ ٤ / ٥٨٤ ]
ولو شهد رجل على رجل أنه قتل فلانًا خطأ، وشهد آخر على إقرار القاتل بذلك، فلا يجب على العاقلة بذلك شيء إلا بالقسامة.
وإن شهد شاهد على إقرار القاتل أنه قتله خطأ، فلا يثبت ذلك من إقراره إلا بشاهدين، فيقسمون حينئذٍ معهما ويستحقون [الدية]، وذلك بخلاف من أقام شاهدًا على إقرار رجل بدين، هذا يحلف مع شاهده ويستحق حقه.
وإذا حسنت حال المحدود في القذف، جازت شهادته في الدم وغيره.
٤٥١٥ - وتجوز شهادة النساء في جراح الخطأ وقتل الخطأ، لأن ذلك مال.
وإن شهدن مع رجل على منقلة أو مأمومة عمدًا، جازت شهادتهن، [لأن العمد والخطأ فيهما مال ليس بقود] .
وإذا قال المقتول: دمي عند فلان قتلني عمدًا أو خطأ، فلولاته أن يقسموا ويقتلوه في العمد، ويأخذون الدية في الخطأ من العاقلة، وليس للورثة أن يقسموا على خلاف ما قال المقتول.
[ ٤ / ٥٨٥ ]
وإن قال: قتلني: ولم يقل عمدًا أو خطأ، فما ادعاه ولاة المقتول من عمد أو خطأ، أقسموا عليه واستحقوه. وإن قال بعضهم: عمدًا، و[قال] بعضهم: خطأ، فإن حلفوا كلهم استحقوا دية الخطأ بينهم أجمعين، ولا سبيل إلى القتل.
وإن نكل مدعو الخطأ، فليس لمدعي العمد أن يقسموا، ولا دم لهم ولا دية.
وإن قال بعضهم: عمدًا، وقال الباقون: لا علم لنا بمن قتله ولا نحلف، فإن دمه يبطل.
وإن قال بعضهم: خطأ، وقال الباقون: لا علم لنا، أو نكلوا عن اليمين حلف مدعو الخطأ وأخذوا نصيبهم من الدية، ولا شيء للآخرين، ثم إن أراد الآخرون أن يحلفوا بعد نكولهم ويأخذوا نصيبهم من الدية لم يكن لهم ذلك.
قال مالك: إذا نكل مدعو الدم عن اليمين ردوا الأيمان على المدعى عليهم، ثم [إن] أرادوا بعد ذلك أن يحلفوا، لم يكن لهم ذلك. وكذلك من أقام شاهدًا على مال وأبى أن يحلف معه، ورد اليمين على المطلوب، ثم بدا له أن يحلف، فليس ذلك له، وإن نكل المطلوب ههنا غرم، ولم يرد اليمين على الطالب.
فإن لم يكن للمقتول إلا وارث واحد فادعى الخطأ، فليحلف خمسين يمينًا
[ ٤ / ٥٨٦ ]
ويستحق الدية كلها، وإن ادعى العمد لم يقتل المدعى عليه إلا بقسامة رجلين فصاعدًا، فإن حلف معه آخر من ولاة الدم [و] إن لم يكن مثله في القعدد، قُتل وإلا ردت الأيمان على المدعى عليه، فإذا حلف خمسين يمينًا برئ، وإن نكل حبس حتى يحلف.
٤٥١٦ - قال مالك: والمتهم بالدم إذا ردت عليه الأيمان، لا يبرأ حتى يحلف خمسين [يمينًا]، ويحبس حتى يحلفها، وليس في شيء من الجراح قسامة، ولكن من أقام شاهدًا عدلًا على جرح عمدًا أو خطأ، فليحلف معه يمينًا واحدة، ويقتص في العمد ويأخذ الدية في الخطأ، وإنما خمسون يمينًا في النفس لا في الجراح.
قيل لابن القاسم: لِمَ قال مالك ذلك في جراح العمد وليست بمال؟ فقال: كلمت مالكًا في ذلك فقال: إنه لشيء استحسناه، وما سمعت فيه شيئًا.
[ ٤ / ٥٨٧ ]
قال مالك: الأمر المجتمع عليه أنه لا يقسم في دم العمد أقل من رجلين.
قال ابن القاسم: ولا أراه أخذه إلا من قبل الشهادة، إذ لا يقتل أحد إلا بشاهدين. فإن نكل واحد من ولاة الدم الذين يجوز عفوهم إن عفوا، فلا سبيل إلى القتل، كانوا اثنين أو أكثر.
٤٥١٧ - وإذا كان للمقتول أولاد صغار - والقتل بقسامة -، فلأولياء المقتول تعجيل القتل، ولا ينتظر أن يكبر ولده فتبطل الدماء. وإن عفوا، لم يجز عفوهم إلا على الدية لا أقل منها.
وإن كان أولاد المقتول صغارًا وكبارًا، فإن كان الكبار اثنين فصاعدًا، فلهم أن يُقسموا ويقتلوا ولا ينتظر بلوغ الصغار، وإن عفا بعضهم فللباقين منهم وللأصاغر حظهم من الدية، وإن لم يكن له إلا ولدين كبير وصغير،
[ ٤ / ٥٨٨ ]
فإن وجد الكبير رجلًا من ولاة الدم يحلف معه، وإن لم يكن ممن له العفو، حلفا جميعًا خمسين يمينًا، ثم للكبير أن يقتل، وإن لم يجد من يحلف معه حلف خمسًا وعشرين يمينًا واستؤنى بالصغير، فإذا بلغ حلف أيضًا خمسًا وعشرين يمينًا ثم يستحق الدم. (١)
٤٥١٨ - وإن كان القتل بغير القسامة وللمقتول ولدان أحدهما حاضر والآخر غائب، فإنما للحاضر أن يعفو، فيجوز العفو على الغائب ويكون له حظه من الدية، وليس له أن يقتل حتى يحضر الغائب، ويحبس القاتل حتى يقدم الغائب، ولا يكفل، إذ لا كفالة في الحدود ولا في القصاص.
وإن كان للمقتول أولياء كبار وصغار فللكبار، أن يقتلوا ولا ينتظروا الصغار، وليس الصغير كالغائب، [لأن الغائب] يكتب إليه فيصنع في نصيبه ما شاء. والصغير يطول انتظاره فتبطل الدماء، وإن كان أحد الوليين مجنونًا مطبقًا، فللآخر أن يقتل، وهذا يدل على أن الصغير لا ينتظر.
وإن كان في الأولياء مغمى عليه أو مبرسم، فإنه ينتظر إفاقته، لأن هذا مرض من الأمراض.
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٦/٢٥٢) .
[ ٤ / ٥٨٩ ]
٤٥١٩ - ولا يقسم النساء في دم العمد، ويقسمن في [دم] الخطأ. وإنما يحلف ولاة الدم في الخطأ على قدر مواريثهم من الميت، فإن لم يدع الميت إلا ابنة بغير عصبة، حلف خمسين يمينًا وأخذت نصف الدية، وإن جاءت مع العصبة حلفت خمسًا وعشرين يمينًا والعصبة مثلها.
فإن نكلوا لم تأخذ البنت نصف الدية حتى تحلف خمسين يمينًا، [وإن كانت بنتًا وابنًا غائبًا لم تأخذ البنت ثلث الدية حتى تحلف خمسين يمينًا]، وإذا قدم الولد الغائب حلف ثلثي الأيمان وأخذ ثلثي الدية. وإذا انكسرت عليهم يمين نظر من يقع له أكثر تلك اليمين فيجبر عليه. وإن لزم واحدًا نصف اليمين وآخر ثلث وآخر سدس، حلفها صاحب النصف.
٤٥٢٠ - وإن كان للمقتول أخ وجد، وأتوا بلوث من بينة، وادعيا الدم عمدًا
[ ٤ / ٥٩٠ ]
أو خطأ، فليحلفا ويستحقا، وإن كان عشرة أخوة وجد، حلف الجد ثلث الأيمان والإخوة ثلثي الأيمان، فإن عفا الجد عن القتل دون الإخوة، جاز عفوه، وهو كأحدهم.
وإن شهد شاهد على دم عمد أو خطأ، كانت القسامة.
ولا يحبس المشهود عليه في الخطأ، لأن الدية إنما تجب على العاقلة. ويحبس في العمد حتى يزكوا الشهود، فتجب القسامة. وإن لم يزك فلا قسامة، إذ لا تجب القسامة إلا مع الشاهد العدل. ولا يقسم مع شاهد مسخوط.
ولا يكفل في القصاص ولا في الحدود. وليس في قتل الخطأ حبس ولا تعزير.
٤٥٢١ - وإذا وجد قتيل في قرية قوم أو دارهم، ولا يدري من قتله، لم يؤخذ به أحد، وتبطل ديته ولا يكون في بيت المال ولا غيره.
٤٥٢٢ - وإذا قال المقتول: دمي عند فلان، وهو مسخوط أو غير مسخوط، فلا يتهم، وليقسم ولاته على قوله، وإن كانوا مسخوطين أيضًا فذلك لهم في
[ ٤ / ٥٩١ ]
العمد والخطأ. وكذلك المرأة تقول: دمي عند فلان، ولا يشبه المقتول الشاهد إذا كان مسخوطًا، ألا ترى أن المدعي يحلف مع شاهده والمدعي مسخوط، أو امرأة، ويقسم مع قول المرأة وهي غير تامة الشهادة، ولا يقسم مع شهادتها.
٤٥٢٣ - وإذا قتل صبي صبيًا، فقال المقتول: فلان الصبي قتلني، وأقر القاتل بذلك، وقامت على قول المقتول بينة عادلة، فلا يقسم على قوله، ولا يقبل إقرار الصبي، ولا يجوز في ذلك إلا عدلان على معاينة القتل، والصبي في هذا بخلاف المسخوط والمرأة، لأن الصبي لو أقام شاهدًا على حقه لم يحلف [معه] . (١)
٤٥٢٤ - ولو قام لنصراني أو عبد شاهد على حق له، حلف معه واستحقه.
ولو قال النصراني: دمي عند فلان، لم يقسم على قوله، لأن النصراني لا يقسم، وإنما يقسم المسلمون.
وإذا قال المقتول: دمي عند فلان، فذكر رجلًا أورع أهل البلد، أقسم مع قوله، وإن رمى بذلك صبيًا أقسم مع قوله، وكانت الدية على عاقلة الصبي. وإن رمى ذميًا أو عبدًا كان لورثته أن يقسموا ويقتلوا في العمد،
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٥/٢٣١) .
[ ٤ / ٥٩٢ ]
فإن استحيوا العبد، خير سيده بين أن يفديه بالدية أو يسلمه. وإن ادعى الخطأ اقسموا، وخير سيده في غرم الدية أو إسلامه بها، وقيل لأهل جزية هذا الذمي: احملوا العقل.
٤٥٢٥ - وإذا قال ابن الملاعنة: دمي عند فلان، فإن كانت أمه معتقة فلمواليها أن يقسموا ويستحقوا الدم في العمد والدية في الخطأ. وإن كانت من العرب أقسمت في الخطأ أمه وأخوته لأمه، وأخذوا حظهم من الدية. وإن كان عمدًا فلا قسامة فيه، وهو كمن لا عصبة له، فلا يقتل إلا ببينة، وليس لإخوته لأمه من الدم في العمد شيء. وفي كتاب الولاء والمواريث ذكر من يرثه.
وإذا قتل ابن الملاعنة ببينة، فلأمه أن تقتل، كمن قُتل وله أم وعصبة فصالح العصبة وأبت الأم إلا أن تقتل، فذلك لها، وإن ماتت الأم فلورثتها ما كان لها، وكذلك ابن الملاعنة.
٤٥٢٦ - وإذا شهد شاهدان على رجل بالقتل، لم يكن في ذلك قسامة. ولو قال المقتول: دمي عند فلان وشهد شاهد أنه قتله، لم يجتزأ بذلك، ولا بد من القسامة.
وإذا شهد رجل عدل أن هذا الرجل ضرب فلانًا حتى قتله، فلأوليائه أن يقسموا
[ ٤ / ٥٩٣ ]
ويقتلوا. وإن شهد أنه ضربه، وعاش الرجل وتكلم وشرب، ولم يسألوه أين دمك؟ حتى مات، ففيه القسامة.
٤٥٢٧ - ويحلف الورثة في القسامة بالله الذي لا إله إلا هو أن فلانًا قتله، أو مات من ضربه إن كان حيًا، ولا يزاد في أيمانهم الرحمن الرحيم، وكذلك سائر الأيمان.
٤٥٢٨ - ويمين القسامة على البت، وإن كان أحدهم أعمى أو غائبًا حين القتل.
وما لزم العاقلة من الدية، فهو على الرجال خاصة دون النساء والذرية. ويؤدي الغني على قدره ومن دونه على قدره. وقد كان يحمل على الناس في أعطياتهم من كل مائدة درهم ونصف.
٤٥٢٩ - وإذا ادعى الدم ورثة المقتول على جماعة، وأتوا بلوث من بينة، أو تكلم بذلك المقتول، أو قامت بينة على أنهم ضربوه، أو حملوا صخرة فرموا بها رأسه فعاش بعد ذلك أيامًا، وأكل وشرب ثم مات، فللورثة أن يقسموا على واحد أيهم شاءوا، ويقتلوا ولا يقسموا على جميعهم ويقتلوهم، لأن مالكًا قال: ولا يقسم في العمد إلا على واحد، وإن ادعو الخطأ على جماعة وأتوا بلوث من بينة، أقسم الورثة عليهم بالله الذي لا إله إلا هو أنهم قتلوه، ثم تفرق الدية في قبائلهم في ثلاث سنين.
[ ٤ / ٥٩٤ ]
وكذلك إن قامت بينة أنهم جرحوه خطأ فعاش بعد ذلك أيامًا ثم مات، فليس للورثة أن يقسموا على واحد ويأخذوا الدية من عاقلته، ولكن يقسمون على جميعهم وتفرق الدية على عواقلهم في ثلاث سنين.
والفرق بين العمد والخطأ، أنه يقول: الضرب منا أجمعين، فلا تخصوا عاقلتي بالدية، ولا حجة له في العمد إلا أن يقسم عليه، لأن في القسامة على الجميع إيجاب لدمه إن شاءوا قتله، واللوث من البينة: الرجل الواحد العدل الذي يرى أنه حاضر الأمر.
ومن أقام شاهدًا أن فلانًا قتل عبده عمدًا أو خطأ، حلف يمينًا واحدة مع شاهده، لأنه مال، وغرم له القاتل قيمته، فإن كان القاتل عبدًا خير سيده بين أن يغرم قيمة المقتول أو يسلم عبده، فإن أسلمه لم يقتل، لأنه لا يقتل بشهادة واحد، ولأنه لا قسامة في العبيد في عمد ولا خطأ.
٤٥٣٠ - وإذا قتل عبد رجلًا حرًا، فأتى ولاة الحر بشاهد على ذلك، فلهم أن يحلفوا خمسين يمينًا ويستحقون دم صاحبهم، فيقتلوا العبد إن شاءوا،
[ ٤ / ٥٩٥ ]
أو يستحيوه، فإن قالوا: نحلف يمينًا واحدة ونأخذ العبد فنستحييه، لم يكن لهم ذلك، لنه لا يستحق دم الحر إلا ببينة عادلة، أو يحلفوا خمسين يمينًا مع شاهدهم.
وليس فيمن قتل بين الصفين قسامة.
٤٥٣١ - وإذا ضربت امرأة فألقت جنينًا ميتًا، وقالت: دمي عند فلان، ففي المرأة القسامة ولا شيء في الجنين إلا ببينة تثبت، لأنه جرح من جراحها ولا قسامة في جرح، ولا يثبت إلا ببينة أو بشاهد عدل، فيحلف ولاته معه يمينًا واحدة ويستحقون ديته.
وإن قالت: دمي عند فلان، فخرج جنينها حيًا، فاستهل صارخًا ثم مات، ففي الأم القسامة، ولا قسامة في الولد، لأنها لو قالت: قتلني، وقتل فلانة [معي]، لم يكن في فلانة قسامة [شيء] .
وكذلك لو قالت: ضربن يفلان، وألقت جنينًا حيًا فاستهل صارخًا ثم مات وعاشت الأم، لم يكن فيه قسامة، ولو قالت [وهي حية]: قتل ابني، لم يقبل قولها، ولا قسامة في ابنها.
[ ٤ / ٥٩٦ ]
٤٥٣٢ - ومن قال: دمي عند أبي، أقسم على قوله، وكانت الدية في الخطأ على العاقلة، وإذا كان عمدًا ففي مال الأب.
وإذا حلف الورثة في قسامة العمد، وهم رجال عدد، ثم أكذب نفسه واحد منهم قبل القتل، فلا سبيل إلى القتل إذا كان ممن لو أبى اليمين لم يقتل المدعى عليه.
٤٥٣٣ - ومن قتل رجلًا بحجر قُتل بحجر، وإن خنقه فقتله، قُتل خنقًا، وإن أغرقه أغرقته به، ولو كتفه فطرحه في نهر، فليُصنع به كذلك.
قال مالك: يقتل بمثل ما قتله به، وإن قتله بعصا قُتل بعصا، وليس في مثل هذا عدد، فإن ضربه عصاوين فمات منهما، فإن القاتل يضرب بالعصا أبدًا حتى يموت، وإن قطع يديه ثم رجليه ثم ضرب عنقه، فإنه يقتل، ولا تقطع يداه ولا رجلاه.
وكل قصاص عليه، فالقتل يأتي على ذلك كله. وكذلك إن قطع يد رجل وفقأ عين آخر وقتل آخر، فالقتل يأتي على ذلك كله.
وإن شهد شاهد أنه قطع يد رجل [خطأ]، ثم قتله بعد ذلك عمدًا، فدية اليد على عاقلته، ويقتل به القاتل، ويستحقون دية اليد بيمين واحدة، ولا يستحقون النفس إلا بقسامة.
[ ٤ / ٥٩٧ ]
وإذا قتل الصحيح سقيمًا أجذم كان أو أبرص، أو مقطوع اليدين والرجلين عمدًا، قتل به، وإنما هي النفس بالنفس، ولا ينظر إلى نقص البدن و[لا إلى] عيوبه.
٤٥٣٤ - ويقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، وفي الجراح بينهما قصاص.
وإذا اجتمع نفر على قتل امرأة أو صبي أو صبية عمدًا، قتلوا بذلك، وكذلك إن اجتمعوا على قتل غيلة، قتلوا به. (١)
٤٥٣٥ - ولا يقتل الحر بالمملوك، ولا المسلم بالكافر إذا قتله عمدًا، ولا قصاص بينهما في جرح ولا نفس إلا بقتله غيلة، وإن قطع يديه ورجليه غيلة، حكم عليه بحكم المحارب.
٤٥٣٦ - وإن قتل مسلم كافرًا عمدًا، ضرب مائة وحُبس عامًا. وإن قتله خطأ، فديته على عاقلته. وكذلك إن كانوا جماعة، فالدية على عواقلهم.
وإن جرحه المسلم أو قطع يده أو رجله، أو قتله عمدًا، فذلك في ماله،
_________________
(١) انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص٢٢٧) .
[ ٤ / ٥٩٨ ]
ولا تحمل العاقلة من عمد المسلم في جنايته على الذمي إلا المأمومة والجائفة، وإنما استحسن مالك حمل العاقلة المأمومة والجائفة، ولم يكن عنده بالأمر البين.
قال ابن القاسم: وقد اجتمع أمر الناس أن العاقلة لا تحمل العهد. وفي كتاب الجنايات ذكر القصاص بين العبيد.
٤٥٣٧ - وإذا قطع جماعة يد رجل عمدًا، فله قطع أيديهم كلهم، بمنزلة القتل، والعين كذلك.
ومن قطع يد رجل من نصف الساعد، اقتص منه، وإذا قطع بضعة من لحمه، ففيها القصاص.
٤٥٣٨ - مالك: ولا قود في اللطمة. قال ابن القاسم: وفي ضربة السوط القود.
[ ٤ / ٥٩٩ ]
قال سحنون: وروي عن مالك أنه لا قود فيه كاللطمة، وفيه الأدب.
٤٥٣٩ - وإذا شهد صبيان على صبي قبل أن يفترقوا أنه جرح رجلًا أو قتله، لم تجز شهادتهم، وإنما تجوز شهادتهم فيما بينهم فقط. وهذا في كتاب الشهادات مذكور.
٤٥٤٠ - وإذا اغتالت المرأة رجلًا على مال فقتلته، حكم عليها بحكم المحارب.
ومن قطع يد رجل أو فقأ عينه [على وجه الغيلة]، فلا قصاص له، والحكم فيه إلى الإمام، إلا أن يتوب قبل أن يقدر عليه، فيكون عليه القصاص.
ومن قتل وليه قتل غيلة، فصالح فيه على الدية، فذلك مردود، والحكم فيه إلى الإمام، إما أن يقتله أو يصلبه حيًا ثم يقتله، على ما يرى من أشنع ذلك.
[ ٤ / ٦٠٠ ]
٤٥٤١ - ومن فقأ أعين جماعة [اليمنى] وقتًا بعد وقت، ثم قاموا فلتفقأ عينه لجميعهم، وكذلك اليد والرجل، ولو أقام أحدهم وهو أولهم أو آخرهم، فله القصاص، ولا شيء لمن بقي. وكذلك لو قتل رجلًا عمدًا، ثم قتل بعد ذلك رجالًا عمدًا، قُتل ولا شيء عليه لهم.
ولو قطع يمين رجل، ثم ذهبت يمين القاطع بأمر من الله تعالى، أو سرق فقطعت يده، فلا شيء للمقطوعة يده، وقال في أقطع الكف اليمنى يقطع يمين رجل صحيح من المرفق، فالمجني عليه مخير إما أخذ عقل يده، وإما قطع اليد الناقصة من المرفق ولا عقل له، وكذلك من قطع يد رجل صحيح، والقاطع قد قُطعت من يده ثلاثة أصابع، فلصاحب اليد أن يأخذ العقل أو يقتص، ولا عقل له.
ومن شج رجلًا موضحة فأخذت ما بين قرنيه، و[هي] لا تبلغ من الجاني إلا نصف رأسه، أو أخذت نصف رأس المشجوج وهي تبلغ من الجاني ما بين قرنيه، فإنما ينظر إلى قياس الجرح فيشق من رأس الجاني بقدره.
[ ٤ / ٦٠١ ]
وإن أوضحه من قرنه إلى قرنه في ضربة، فهي موضحة بواحدة]، وإن ضربه ضربة [واحدة] فأوضحه موضحتين، فله عقل موضحتين، وما دون الموضحة في العمد، ففيه القصاص.
وإن قطع أشل اليد اليمنى يمنى رجل، فله العقل ولا قصاص له.
وإن قطع يد رجل عمدًا، ثم قطعت يد القاطع خطأ، فديتها للمقطوع الأول، وإن كان عمدًا فللأول أن يقتص من قاطع قاطعه.
٤٥٤٢ - ومن قتل رجلًا [عمدًا]، فعدا عليه أجنبي فقتله، غرم ديته لأولياء المقتول الأول، ويقال لأولياء المقتول آخرًا: ارضوا أولياء المقتول أولًا وشأنكم بقاتل وليكم في القتل أو العفو، فإن لم يرضوهم، فلأولياء الأول قتله أو العفو عنه، ولهم أن لا يرضوا بما بذلوا لهم من الدية أو أكثر منها.
ومن قتل رجلًا عمدًا فحبس للقتل، ففقأ رجل عينه أو جرحه في السجن عمدًا أو خطأ، فله القود في العمد والعقل في الخطأ، وله العفو في عمده، ولا شيء لولاة المقتول في ذلك كله، وإنما لهم سلطان على من أذهب نفسه.
[ ٤ / ٦٠٢ ]
وكذلك لو حكم القاضي بقتله وأسلمه إليهم ليقتلوه، فقطع رجل يده عمدًا، فله القصاص، بمنزلة ما وصفنا.
ومن قتل وليك عمدًا فقطعت يده، فله أن يقتص منك. ولو قطعت يده أو فقأت عينه خطأ، حملت ذلك عاقلتك، ويستقاد له ما لم يقد منه، وتحمل عاقلته ما أصاب من الخطأ. (١)
ومن كسر بعض سن رجل، ففيه القصاص برأي أهل المعرفة. وقد تقدم في كتاب الجراح ذكر من يستقيد في الجراح والقتل.
٤٥٤٣ - ومن سقى رجلًا سمًا فقتله، فإنه يقتل بقدر رأي الإمام. والذين يسقون الناس السيكران ويموتون منه ويأخذون أمتعتهم، كالمحاربين.
ومن صالح من موضحة خطأ، على شيء أخذه ثم نزى منها فمات، فليقسم ولاته أنه مات منها، ويستحقون الدية على العاقلة، ويرجع الجاني فيما دفع، ويكون في العقل كرجل من قومه.
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٦/٥٣٥) .
[ ٤ / ٦٠٣ ]
وإن قطع يده عمدًا فعفا عنه ثم مات منها، فلأوليائه القصاص في النفس بقسامة، إن كان عفا عن اليد لا عن النفس.
٤٥٤٤ - وللمقتول أن يعفو عن قاتله عمدًا، وكذلك في الخطأ إن حمل ذلك الثلث.
٤٥٤٥ - ومن ضُرب فمات تحت الضرب أو بقي مغمورًا، لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم ولم يفق حتى مات، فلا قسامة فيه، وإن أكل وشرب وعاش حياة [بينة] تعرف، ثم مات بعد ذلك، ففيه القسامة في العمد والخطأ، إذ لعله مات من أمر عرض له غير ذلك، وكذلك إن مكث يومًا أو يومين فتكلم، [ولم يأكل ولم يشرب، وكذلك إن قطع فخذه فعاش يومه، فأكل وشرب، ثم مات آخر النهار، ففيه القسامة، وأما إن شقت حشوته فتكلم]، وأكل وعاش يومين أو ثلاثة، فإنه يقتل قاتله بغير قسامة إذا كان قد أنفذ مقاتله، ألا ترى أن الشاة إذا خرق السبع بطنها فشق أمعاءها ونثرها أنها لا تؤكل، لأنها غير ذكية، وهي لا تحيا على حال.
[ ٤ / ٦٠٤ ]
٤٥٤٦ - وإذا قتل جماعة رجلًا عمدًا، فللولي قتل من أحب منهم، أو العفو أو الصلح فيمن أحب [منهم] .
ولو عفا المقتول عن أحدهم، كان للورثة قتل من بقي. ومن قتل عمدًا وله إخوة وجَدّ، فمن عفا من الإخوة أو الجد، جاز عفوه، وليس للإخوة للأم في العفو عن الدم نصيب، وإذا قامت بينة بالقتل عمدًا، وللمقتول بنون وبنات، فعفو البنين جائز على البنات، ولا أمر لهن مع البنين في عفو ولا قيام، فإن عفوا على الدية دخل فيها النساء، وكانت على فرائض الله ﷿، وقضي منها دينه.
فإن عفا واحد من البنين سقط حظه من الدية، وكان بقيتها بين من بقي على الفرائض، وتدخل في ذلك الزوجة وغيرها. وكذلك إذا وجب الدم بقسامة، ولو أنه عفا على الدية، كانت له ولسائر الورثة على المواريث، وإذا عفا جميع البنين، فلا شيء للنساء من الدية، وإنا لهن إذا عفا بعض البنين.
قال: والإخوة والأخوات إذا استووا فهم كالبنين [والبنات] فيما ذكرنا،
[ ٤ / ٦٠٥ ]
وإن كان الأخوات شقائق والإخوة للأب، [فلا عفو إلا باجتماعهم، لأن الإخوة للأب معهن عصبة، وإذا كان للمقتول بنات وعصبة، أو أخوات وعصبة، فالقول قول من دعا إلى القتل، كان من الرجال أو من النساء] .
ولا عفو إلا باجتماعهم، إلا أن يعفو بعض البنات وبعض العصبة، أو بعض الأخوات وبعض العصبة، فلا سبيل إلى القتل، ويقضى لمن بقي بالدية.
وإن قال بعض البنات: نقتل، وبعضهن: نعفو، نظر إلى قول العصبة، فإن عفوا تم العفو، وإن قالوا: نقتل، فذلك لهم. وإن قال بعض العصبة وبعض البنات: نقتل، وعفا من بقي من العصبة والبنات، فلا سبيل إلى القتل.
وإن لم يترك إلا ابنته وأخته، فلابنة أولى بالقتل وبالعفو، وهذا إذا مات مكانه، وإن عاش وأكل وشرب ثم مات، فليس لهما أن يقسما، لأن النساء لا يقسمن في العمد، وليقسم العصبة، فإن أقسموا وأرادوا القتل وعفت الابنة، فلا عفو لها، وإن أرادت القتل وعفا العصبة، فلا عفو لهم إلا باجتماع منهم ومنها، أو منها وبعضهم.
٤٥٤٧ -[وإن كان رجلًا لا عصبة له وكان القتل خطأ، أقسمت أخته وابنته وأخذتا الدية]، وإن كان عمدًا لم يجب القتل إلا ببينة.
[ ٤ / ٦٠٦ ]
٤٥٤٨ - ومن أسلم من أهل الذمة أو رجل لا تعرف عصبته، فقتل عمدًا أو مات مكانه وترك بنات، فلهن أن يقتلن، فإن عفا بعضهن وطلب بعضهن القتل، نظر السلطان بالاجتهاد في ذلك إذا كان عدلًا، فإن رأى العفو أو القتل أمضاه.
وإن ادعى القاتل أن وليّ الدم عفا، فله أن يستحلفه، فإن نكل ردت اليمين على القاتل، فإن ادعى القاتل بينة غائبة على العفو تلوم له الإمام.
وإذا كان للمقتول عمدًا ولد صغير وعصبة، فللعصبة أن يقتلوا أن يأخذوا الدية ويعفوا، ويجوز ذلك على الصغير، وليس لهم أن يعفو على غير مال. وكذلك من وجب لابنه الصغير دم عمد أو خطأ، لم يجز للأب أن يعفو [فيه] إلا على الدية لا اقل منها، فإن عفا الأب في الخطأ وجعل الدية في ماله، جاز ذلك إن كان الأب مليًا يُعرف ملاؤه، فإن لم يكن مليًا لم يجز عفوه. وكذلك العصبة، وإن لم يكونوا أوصياء.
٤٥٤٩ - وإذا جرح الصبي عمدًا وله وصي، فللوصي أن يقتص له، وأما إن قتل فولاته أحق من الوصي بالقيام بذلك، وليس للأب أن يعفو عمن جرح ابنه الصغير، إلا أن يعوضه من ماله.
[ ٤ / ٦٠٧ ]
وليس للوصي أيضًا أن يعفو في ذلك إلا على مال على وجه النظر، والعمد في ذلك والخطأ سواء.
ولا يأخذ الأب والوصي في ذلك أقل من الأرش، إلا أن يكون الجارح عديمًا فيرى الأب أو الوصي من النظر صلحه على أقل من دية الجرح، فذلك جائز.
وإذا قُتل للصغير عمدًا عبد، فأحب إليّ أن يختار أبوه أو وصيه أخذ المال، إذ لا نفع له في القصاص.
٤٥٥٠ - وسئل مالك - ﵁ - عن خير الناس بعد نبيهم؟ فقال: أبو بكر [ثم عمر]، ثم قال: أوفي ذلك شك؟ فقيل: فعلي وعثمان أيهما أفضل؟ فقال: ما أدركت أحدًا ممن يقتدى به يفضل أحدهما على صاحبه ويرى الكف عنهما.
[ ٤ / ٦٠٨ ]
٤٥٥١ - ومن وجب لهم الدم قبل رجل، فقتلوه قبل أن ينتهوا به إلى الإمام، فلا شيء عليهم غير الأدب.
وإذا عفا المقتول خطأ عن ديته، جاز ذلك في ثلثه، فإن لم يكن له مال وأوصى مع ذلك بوصايا، فلتتحاص العاقلة وأهل الوصايا في ثلث ديته.
ولو أوصى بثلثه لرجل بعد الضرب دخلت الوصية في ديته، لأنه قد علم أن قتل الخطأ مال. وكذلك إن أوصى بثلثه قبل أن يضرب وعاش بعد الضرب ومعه من عقله ما يعرف به ما هو فيه فلم يغير الوصية، فإنها تدخل في ديته [إلا أن تختلس نفسه ولا يعرف له بعد الضرب حياة، فلا تدخل الوصايا في ديته] .
ولو كان القتل عمدًا فقبل الأولياء الدية، لم تدخل فيه الوصايا وإن عاش بعد الضرب، وتورث على الفرائض، إلا أن يكون عليه دين فأهل الدين أولى بذلك.
[ ٤ / ٦٠٩ ]
٤٥٥٢ - ومن قتل رجلًا عمدًا، فلم يقتل حتى مات أحد ورثة المقتول وكان القاتل وارثه، بطل القصاص، لأنه ملك من دمه حصة، فهو كالعفو، ولبقية أصحابه عليه حصتهم من الدية. وإن مات وارث المقتول الذي له القيام بالدم، فورثته مقامه في العفو والقتل.
وإن مات من ولاة الدم رجل وورثه رجال ونساء، فللنساء من القتل أو العفو ما للذكور، لأنهم ورثوا الدم عمن له العفو أو القتل.
ومن قُتل عمدًا وله بنون وبنات، فماتت واحدة من البنات وتركت بنين ذكورًا، فلا شيء لهم من الدم في عفو ولا قيام، كما لم يكن لأمهم، وإنما لهم إن عفا بعض البنين الذكور عن الدم حصة أمهم من الدية لا غير.
ومن قتل رجلًا عمدًا فكان وليّ الدم ولد القاتل، فقد كره [له] مالك القصاص منه، وكان يكره أن يحلفه في الحق، فكيف يقتله؟!.
[ ٤ / ٦١٠ ]
وإذا هرب القاتل، فلولاة الدم أن يقيموا عليه البينة في غيبته ويقضى عليه، لجواز القضاء على الغائب، فإذا قدم كان على حجته ولا تعاد البينة.
وإذا أفلست امرأة، ثم تزوجت وأخذت مهرًا، فليس لغرمائها فيه قيام بدينهم، ولا تقتضي منه دينًا، ويبقى زوجها بلا جهاز، إلا أن يكون الشيء الخفيف كالدينار ونحوه. وفي كتاب التفليس إيعاب هذا بحمد الله تعالى.
٤٥٥٣ - ومن دفع إلى صبي دابة أو سلاحًا يمسكه، فعطب بذلك، فديته عل عاقلته. وكذلك الدابة يسقيها له، وعليه عتق رقبة.
ومن حمل صبيًا على دابة يمسكها أو يسقيها، فوطئت رجلًا فقتلته، فالدية على عاقلة الصبي، ولا رجوع لعاقلته على عاقلة الرجل الذي حمله على الدابة بشيء، وإن كان رجلان مرتدفان على دابة فوطئت رجلًا بيديها أو برجليها فقتلته، فأراد على المقدم إلا أن يعلم أن المؤخر حركها أو ضربها فيكون عليهما، لأن المقدم بيده لجامها، أو يأتي من فعلها أمر يكون من المؤخر لا يقدر المقدم على دفعه، وذلك مثل أن يضربها المؤخر فترمح لضربه، فتقتل رجلًا، فهذا وشبهه
[ ٤ / ٦١١ ]
على عاقلة المؤخر خاصة. ولا يضمن المقدم النفحة إلا أن يكون سببها من فعله، وإذا كان صنيعها لفعل المؤخر لم يعلم به المقدم ولا استطاع حبسها، فذلك على المؤخر خاصة، وإن كان المقدم صبيًا فإن كان قد ضبط الركوب، فهو كالرجل فيما ذكرنا. ولا يضمن المقدم ما كدمت إلا أن يكون ذلك بسببه.
وكذلك الراكب على الدابة لا يضمن ما كدمت أو نفحت، غلا أن يكون ذلك من شيء فعله بها. ويضمن ما وطئت بيديها أو رجليها، لأنه هو يسيرها.
وإن جمحت دابة براكبها فوطئت إنسانًا فعطب، فهو ضامن.
ومن نخس دابة [رجل، فوثبت] فقتلت إنسانًا، فديته على عاقلة الناخس.
ومن قاد قطارًا، فهو ضامن لما وطئ البعير في أول القطار أو في آخره.
[ ٤ / ٦١٢ ]
وإن نفحت رجلًا فأعطبته، لم يضمن القائد ذلك إلا أن يكون ذلك من شيء فعله بها. والقائد والسائق ضامن لما وطئت الدابة بيديها أو برجليها.
وإن اجتمع قائد وسائق وراكب، فما أوطئت الدابة فعلى القائد والسائق، إلا أن يكون فعلها بسبب الراكب، فذلك عليه، خاصة إذا لم يكن فيه عون من القائد أو السائق.
٤٥٥٤ - وقال مالك في جمّال حمل عدلين على بعير لغيره بإذنه وهو أجير، فسار به وسط السوق، فانقطع الحبل، فسقط عدل على أحد فقتله: إن الجمال ضامن من دون صاحب البعير.
ومن سقط عن دابته على أحد فقتله، فالساقط ضامن، وذلك على عاقلته.
٤٥٥٥ - وما أشرع الرجل في طريق المسلمين من ميزاب، أو ظلة، أو حَفْر بئر، أو سرب للماء أو للريح في داره أو في أرضه، أو حفر شيئًا مما يجوز له في داره
[ ٤ / ٦١٣ ]
أو في طريق المسلمين، مثل: بئر المطر أو مرحاض يحفره إلى جنب حائطه، فلا غرم عليه لما عطب في ذلك كله، وما صنعه في طريق المسلمين مما لا يجوز له من حفر بئر أو رباط دابة ونحوه، فهو ضامن لما أصيب بذلك.
وإن حفر حفيرًا في داره، أو جعل حبالة ليُعطب بها سارقًا، فعطب فيها السارق أو غيره، فهو ضامن لذلك. وإن حفر حفيرًا في دار رجل بغير إذنه، فعطب فيه إنسان، ضمنه الحافر.
٤٥٥٦ -[مالك:] ومن اتخذ كلبًا عقورًا، فهو ضامن لما أصاب إن تقدم إليه فيه.
قال ابن القاسم: وذلك إذا اتخذه حيث يجوز له، فلا يضمن ما أصاب حتى يتقدم إليه فيه، وإن اتخذه بموضع لا يجوز له اتخاذه فيه كالدور وشبهها وقد عرف أنه عقور، ضمن ما أصاب. (١)
والحائط المخوف إذا أُشهد [به] على ربه، ثم عطب تحته أحد، فربه ضامن، وإن لم يشهدوا عليه، لم يضمن وإن كان مخوفًا.
وإن كانت الدار مرهونة أو مكتراة، لم ينفعهم الإشهاد إلا على ربها،
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٥/٢٧٨)، ومواهب الجليل (٦/٢٤١) .
[ ٤ / ٦١٤ ]
فإن غاب رفع أمره إلى الإمام ولم ينفعهم الإشهاد على الساكن، إذ ليس له هدم الدار.
٤٥٥٧ - ومن استأجر عبدًا في بئر يحفرها له، ولم يأذن له سيده في الإجارة ولا في العمل، أو بعثه بكتاب إلى سفر بغير إذن سيده، فعطب فيه، فهو ضامن.
٤٥٥٨ - وإذا اصطدم فارسان، فمات الفارسان والراكبان، فدية كل واحد على عاقلة الآخر، وقيمة فرس كل واحد في مال الآخر.
ولو أن سفينة صدمت سفينة أخرى، فكسرتها فغرق أهلها، فإن كان ذلك من ريح غلبتهم أو من شيء لا يستطيعون حبسها، فلا شيء عليهم، وإن كانوا قادرين على أن يصرفوها فلم يفعلوا، ضمنوا.
ولو أن حرًا أو عبدًا اصطدما، فماتا جميعًا، فثمن الغلام في مال الحر، ودية الحر في رقبة الغلام، فإن [كان] في ثمن الغلام فضل عن دية الحر، كان في مال الحر، وإلا فلا شيء لسيد العبد.
وإن قتل حر وعبد جميعًا رجلًا خطأ، فعلى عاقلة الحر نصف الدية، ويقال لسيد العبد: ادفع عبدك أو افده بنصف الدية.
[ ٤ / ٦١٥ ]
٤٥٥٩ - ومن جرح رجلًا جرحين خطأ، وجرحه آخر جرحًا خطأ، فمات من ذلك فأقسمت الورثة عليهما، كانت الدية على عاقلتيهما بنصفين، لا على الثلث والثلثين.
وإذا قتل العبد رجلًا له وليان، فعفى أحدهما، قيل لسيده: ادفع نصفه أو افده بنصف الدية، وإن قتل قتيلين وليهما واحد، فليس له أن يسلم نصفه بدية أحدهما ويفتك نصفه بدية الآخر، ولكن يسلمه كله أو يفتكه بديتيهما، وإن كان لكل قتيل أولياء، فعفا أولياء أحدهما، فلأولياء الآخر قتله، فإن استحيوه ليأخذوه، قيل لسيده: إما أن تسلم نصفه أو تفديه بالدية.
٤٥٦٠ - وإذا جرح العبد رجلًا، فبرأ جرحه، وفدى العبد سيده، ثم انتقض الجرح فمات منه، فليقسم ولاته ولهم قتله في العمد، فإن استحيوه على استرقاقه، صار العمد كالخطأ، وخير سيده بين أن يسلمه أو يفديه بالدية، فإن أسلمه رجع بما دفع أولًا في الجرح، وإن فداه قاصه به في الدية.
[ ٤ / ٦١٦ ]
ولو أن عبيدًا قتلوا رجلًا خطأ، أو جرحوه وهم لمالك واحد أو لجماعة، فدية النفس أو الجرح تقسم على عددهم، فمن شاء سيده منهم فداه بما يقع عليه أو أسلمه، قلّت قيمته أو كثرت، قلّ ما يقع عليه أو كثر، كانوا لواحد أو لجماعة.
٤٥٦١ - ومن فقأ عيني عبد أو قطع يديه جميعًا فقد أبطله، ويعتق عليه ويضمن قيمته، فإن لم يبطله مثل أن يفقأ عينه الواحدة أو يجذع أذنه وشبهه فعليه ما نقصه ولا يعتق عليه. وقد سمعت أنه يسلم إلى من فعل ذلك به ويعتق عليه، وذلك رأيي إذا أبطله على صاحبه.
٤٥٦٢ - وإذا قطع عبدك يد رجل خطأ، وقتل آخر خطأ، فإن أسلمته فهو بينهما أثلاثًا، ولو استهلك مع ذلك مالًا، حاص أهل المال أهل الجراح في رقبته بقيمة
[ ٤ / ٦١٧ ]
ما استهلك لهم، ولو قتل [رجلًا] واحدًا خطأ، وفقا عين آخر، فلك أن تفدي ثلثيه في القتل بجميع الدية، وتسلم إلى صاحب العين ثلثه، فيكون معك في العبد شريكًا.
٤٥٦٣ - وقال في المدبر يجني، فتسلم خدمته في الجناية، فيموت السيد قبل أن يفي ما خدم بالجناية، فلم يحمله الثلث فيعتق منه محمل الثلث: فإنه ينظر ما بقي لأهل الجناية فيقسم [على] ما رق منه وما عتق، فإما فدى الورثة ما رق منه بما ينوبه أو أسلموه، وما وقع على المعتق منه أتبع به.
قيل: أفيأخذون [منه] جميع كسبه حتى يستوفوا بقية الجناية التي صارت لهم على العتيق منه؟ قال: قد قال مالك - ﵀ - في العبد نصفه حر يجني، فيفدي السيد حصته: إن ما بيد العبد من مال يؤخذ في نصف الجناية التي لزمته، وكذلك المدبر فيما بيده من المال.
[ ٤ / ٦١٨ ]
وأما ما اكتسب العبد من مال، فلا يؤخذ من الجزء العتيق إلا ما فضل عن عيشه وكسوته، والذي أُخذ من العبد في جنايته إنما هو قضاء لنصيبه الذي عتق منه، فإن كان كفافًا لم يتبع بشيء، وإن كان فيه فضل، وقف الفضل بيده، وإن قصر عن ذلك أتبع به في حصة الحر، وأما ما رق لهم منه، فلا يتبعوه فيه بشيء من الجناية، لأنه رقيق لهم، وعليهم أن يطعموه ويكسوه بقدر الذي رق لهم.
٤٥٦٤ - قال مالك - ﵀ - في عبد على برذون، مشى على أصبع صبي فقطعها، فتعلق به يقول: هذا فعل بي ذلك، وصدقه العبد: فما كان في مثل هذا، يتعلق به وهو يدمي، ويقر به العبد، [فهو] في رقبته إما فداه سيده أو أسلمه، وأما على غير هذا من إقرار العبد، فلا يقبل إلا ببينة، وإن أقر العبد بقتل عبد لهم، فلهم قتله، فإن استحيوه فليس لهم ذلك، للتهمة أن يكون أقر ليفر إليهم.
٤٥٦٥ - وإن جنى عبد في يديك عارية، أو وديعة، أو رهنًا، أو بإجارة، وهو لرجل
[ ٤ / ٦١٩ ]
غائب ففديته، ثم قدم [الغائب]، فإما دفع إليك ما فديته وأخذه، وإلا أسلمه إليك ولا شيء عليه.
٤٥٦٦ - وإن عجز المكاتب وعليه دين، فديته في ذمته إلا أن يكون له مال حين عجز، فيؤدوا منه الدين، وكلما أفاد بعد عجزه، فللغرماء أن يأخذوه في دينهم، إلا ما كان من كسب يده وعمله في الأسواق.
وإذا أذن المكاتب لعبده في التجارة، فرهق العبد دين، وعلى المكاتب دين، فقام الغرماء، فالعبد يباع في دين المكاتب ويثبتون أن عليه دينًا، ويبقى دين العبد في ذمته يتبع به.
٤٥٦٧ - وإذا جنت مكاتبة، ثم ولدت فماتت، فلا شيء على الولد من جنايتها، ولا مما في ذمتها من دين. وكذلك المدبرة تلد بعد الجناية، فلا يدخل ولدها في الجناية، وكذلك الأمة تجني وهي حامل، أو حملت بعد أن جنت ثم وضعت، فلا يسلم ولدها معها في الجناية، وتسلم بمالها، كسبته بعد الجناية أو قبلها. وإذا جنت الأمة، منع سيدها من وطئها حتى يحكم فيها.
[ ٤ / ٦٢٠ ]
٤٥٦٨ - وإذا قتلت أم الولد رجلًا عمدًا له وليان، فعفا أحدهما، فعلى السيد الأقل من نصف قيمتها أو نصف الدية، وإذا قال: لا أدفع [إليكم] شيئًا، إنما لكم قتل، فليس ذلك له، كالحر يقتل رجلًا له وليان فيعفو أحدهما، فعليه للآخر نصف الدية، ويجبر على ذلك.
٤٥٦٩ - ولا تجوز شهادة النساء في دم العمد، ولا في العفو عنه.
٤٥٧٠ - ومن قطع أصابع رجل [عمدًا]، ثم قطع بقية كفه، فإنما عليه أن يقطع يده من الكف، إلا أن يكون فعل ذلك به على وجه العذاب، فيصنع به مثل ذلك.
ولو طرح رجلًا في نهر ولم يدر أنه لا يحسن العوم، [فمات]، فإن كان على [وجه] العداوة والقتال، قُتل به، وإن كان على غير ذلك، فعليه الدية ولا يقتل به.
[ ٤ / ٦٢١ ]
٤٥٧١ - وإن شهد رجل أن فلانًا قتل فلانًا بالسيف، وشهد آخر أنه قتله بالحجر، فذلك باطل، ولا يقسم بذلك. (١)
٤٥٧٢ - ومن وضع سيفًا في طريق المسلمين، أو في موضع يرصد به قتل رجل، فعطب به ذلك الرجل، فإنه يقتل بهن وإن عطب به غيره، فديته على عاقلته.
قال المصنف - ﵁ -: وقد تركت من هذا الباب مسائل كثيرة، قد تقدم ذكرها في كتاب التفليس، وفي كتاب الجنايات [وغيره]، فأغنى عن إعادتها.
* * *
[قال خلف بن أبي القاسم البراذعي القروي: قد تضمن هذا الكتاب مسائل المدونة والمختلطة كلها، خلا كثيرًا من تكرارها وآثارها، وأجريت فيه ذكر مالك وغيره من أصحابه، فيما لا غنى فيه عنه، مما هو في المدونة، وجعلت ما لم أذكر قائله من المسائل منسوبًا إلى عبد الرحمن بن القاسم، وإن كانت كلها قول مالك،
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٦/٢٧١) .
[ ٤ / ٦٢٢ ]
فمنها ما سمعه منه، أو بلغه عنه، أو قاسه على أصوله، إلا ما بيّن أنه خالفه فيه واختاره من أحد قوليه، فإني ذكرت ذلك حسبما هو في المدونة، وما كان في هذا الكتاب "وهو أحب إليّ"، أو "وبه أقول"، فهو اختيار ابن القاسم، والله تعالى أسأله التوفيق برحمته، وحسبنا الله ونعم الوكيل] .
[تم جميع الديوان بحمد الله وعونه، في العشر الأواخر من شعبان المكرم، سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، فرحم الله كاتبه وكاسبه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا الله على محمد خاتم النبيين وسلم تسليمًا] .
* * *
تم بحمد الله
[ ٤ / ٦٢٣ ]