[ ٣ / ٥٤٥ ]
٣٢٠٧ - ولا تجوز الشركة إلا بالأموال أو على عمل الأبدان إذا كانت صنعة واحدة، فأما بالذمم بغير مال على أن يضمنا ما ابتاع كل واحد منهما فلا يجوز، كانا في بلد واحد، أو في بلدين يجهز كل واحد منهما على صاحبه تفاوضا، كذلك في تجارة الرقيق وفي جميع التجارات أو في بعضها.
وكذلك إن اشتركا بمال قليل على أن يتداينا، لأن أحدهما يقول لصاحبه: تحمّل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمل عنك بنصف ما اشتريت، إلا أن يجتمعا في شراء سلعة معينة حاضرة أو غائبة فيبتاعاها بدين، فيجوز ذلك إذا كانا حاضرين، لأن العهدة وقعت عليهما، وإن ضمن أحدهما عن صاحبه فذلك جائز.
وإذا أقعدت صانعًا في حانوت على أن تتقبل عليه المتاع ويعمل هو، فما رزق الله بينكما نصفان، لم يجز.
٣٢٠٨ - ولا تجوز الشركة في عمل الأيدي إلا أن يكون عملها نوعًا واحدًا، كالصباغين والخياطين ويعملان في حانوت واحد، وإن فضل أحدهما الآخر في العمل، وهذا ما لا بد منه.
[ ٣ / ٥٤٦ ]
ولا يجوز أن يشتركا على أن يفترقا في قريتين أو حانوتين، وإن اتفقت الصنعة، ولا يشترك ذوا صنعتين وإن كانا في موضع واحد كحداد مع قصار ونحوه.
وإن اشترك ذوا صنعة عل عمل أيديهما ولا يحتاجا إلى رأس مال على أن على أحدهما ثلث العمل وله ثلث الكسب، وعليه ثلث الضياع، وثلثا ذلك على صاحبه، وله ثلثا الكسب، فذلك جائز كالأموال، وكذلك شركة الجماعة على ما وصفنا.
٣٢٠٩ - وما احتاج شريكا الصنعة من رأس المال أخرجاه بينهما بالسوية وعملًا جميعًا، وإن أخرج أحدهما ثلث رأس المال، والآخر الثلثين، على أن العمل عليهما جميعًا، والربح بينهما نصفان، لم تجز هذه الشركة، وإن كان بقدر ما يخرج كل واحد من رأس ماله في عدد أو وزن يكون له من الربح وعليه من العمل والوضيعة فذلك جائز.
٣٢١٠ - وإن اشترك قصّاران لأحدهما الحانوت وللآخر الأداة، والكسب بينهما، أو أتى رجل بدابة والآخر برحا، فاشتركا يعملان كذلك، على أن ما أصابا فبينهما نصفان، لم يجز ذلك إذا كانت الإجارة مختلفة، فإن تطول أحد القصارين على
[ ٣ / ٥٤٧ ]
صاحبه بشيء تافه من الماعون لا قدر له في الكراء، كالقصرية ومدقة جاز، فأما إن تطول أحدهما على صاحبه بأداة لا يلغى مثلها لكثرتها، لم يجز حتى يشتركا في ملكها، أو يكري من الآخر نصفها كالمتزارعين يشتركان فيخرج أحدهما أرضًا لها قدر من الكراء فيلغيها لصاحبه ويعتدلان فيما بعد ذلك من العمل والبذر، فلا يجوز إلا [على] أن يخرج صاحبه نصف كراء الأرض، ويكون جميع العمل والبذر بينهما بالسوية، أو تكون أرضًا لا خطب لها في الكراء كأرض المغرب وشبهها، فيجوز أن يلغي كراءها لصاحبه ويخرجان ما بعد ذلك بينهما بالسوية. () (١)
٣٢١١ - وقد اختلف عن مالك في [الشركة] في الحرث، فروى عنه بعض الرواة أنه لا يجوز الشركة حتى يشتركا في رقاب الدواب والآلة، ليضمنا ما هلك، وروى غيرهم أنه إن ساوى كراء ما يخرج هذا من البقر والأداة كراء ما يخرج الآخر من الأرض والعمل، جاز ذلك بعد أن يعتدلا في الزريعة.
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٢/٤٤) .
[ ٣ / ٥٤٨ ]
وإذا اشترك ثلاثة [نفر] أتى أحدهم برحا والآخر بدابة والثالث بالبيت على أن يعملوا بأيديهم والكسب بينهم أثلاثًا فعملوا على ذلك، وجهلوا أنه لا يجوز، فإن ما أصابوا يقسم بينهم أثلاثًا إن كان كراء البيت والرحا والدابة معتدلًا، وتصح الشركة، لأن كل واحد منهم أكرى متاعه بمتاع صاحبه، ألا ترى أن الرحا والبيت والدابة لو كان ذلك لأحدهم فأكرى ثلثي ذلك من صاحبيه وعملوا جازت الشركة.
وإن كان كراء ما أخرجوه مختلفًا قسم لمال بينهم أثلاثًا، لأن رؤوس أموالهم عمل أيديهم، وقد تكافؤوا فيه، ويرجع من له فضل كراء على صاحبه فيترادون ذلك فيما بينهم وإن لم يصيبوا شيئًا، لأن ما أخرجوه مما يكرى، وقد اكترى كراءً فاسدًا ولم يتراجعوا في عمل أيديهم، لتساويهم فيه.
وإن اشترط صاحب البيت والرحا أن العمل على رب البغل فعمل على هذا كان الربح والوضيعة لصاحب الدابة، لأن عمله كأنه رأس المال، وعليه أجر الرحا والبيت، وإن لم يصب شيئًا كالدابة يعمل عليها الرجل على نصف ما يكسب.
٣٢١٢ - وإذا مرض أحد شريكي الصنعة أو غاب يومًا أو يومين فعمل صاحبه فالعمل بينهما، لأن هذا أمر جائز بين الشركاء، إلا ما تفاحش من ذلك وطال، فإن
[ ٣ / ٥٤٩ ]
العامل إن أحب أن يعطي لصاحبه نصف ما عمل جاز ذلك إن لم يعقدا في أصل الشركة أن من مرض منهما أو غاب غيبة بعيدة فما عمل الآخر فبينهما، فإن عقدا على هذا لم تجز الشركة، فإن نزل ذلك كان ما اجتمعا فيه من العمل بينهما على قدر عملهما، وما انفرد به أحدهما له خاصة، وما عمل أحد شريكي الصنعة لزم الآخر عمله وضمانه ويؤخذ بذلك وإن افترقا.
٣٢١٣ - وتجوز شركة المعلمين في مكتب واحد لا في موضعين، وكذلك الأطباء إذا كان [ثمن] ما يشترون به الدواء بينهما.
ولا تجوز شركة الحمالين على رؤوسهم ودوابهم، لافتراقهم فيما يحملونه، كصانعين في حانوتين، إلا أن يجتمعا في حمل شيء بعينه إلى غاية واحدة، فجائز على الرؤوس والدواب، وإن جمعا دابتيهما على أن يكرياهما ممن أصابا، والكراء بينهما لم يعجبني ذلك، إذ لا يدوم ذلك، وقد يكري هذا ويبقى هذا، وكذلك على رقابهما وقد تختلف الغايات، إلا فيما لا يفترقان فيه فيجوز.
[ ٣ / ٥٥٠ ]
٣٢١٤ - ومن استأجر نصف دابة رجل ثم اشتركا في العمل عليها فجائز، وإن اشتركا ليحتطبا أو ليحتشّا ثمار البرية [أو بقلها ويحملانه] على رقابهما أو دوابهما، فأما من موضع واحد فجائز، ولا يجوز إن افترقا.
٣٢١٥ - ولا بأس أن يشتركا في صيد السمك والطير والوحش بنصب الشرك والشباك إذا عملا جميعًا لا يفترقان في التعاون بالنصب وغيره. (١)
ولا يجوز أن يشتركا على أن يصيدا ببازيهما أو كلبيهما، إلا أن يملكا رقابهما أو يكون الكلبان أو البازيان طلبهما وأخذهما واحد لا يفترقان.
٣٢١٦ - قال ابن القاسم: ولا باس أن يشتركا في حفر القبور والمعادن والآبار والعيون، والبنيان وعمل الطين وضرب اللَّبِن وطبخ القراميد وقطع الحجارة إذا لم يفترقا في ذلك. ولا يجوز في موضعين، ولا هذا في غار وهذا في غار من المعدن، وإن عملا في المعدن معًا فأدركا نيلًا كان بينهما.
_________________
(١) انظر: المدونة (١٢/٥١) .
[ ٣ / ٥٥١ ]
قلت: فمن مات منهما بعد إدراكه النيل؟ قال: قال مالك في المعادن: لا يجوز بيعها، لأنها إذا مات صاحبها الذي عملها أقطعها الإمام غيره، فأرى المعادن لا تورث. وإذا مات صاحبها فالسلطان يقطعها لمن يرى وينظر في ذلك للمسلمين.
ومعادن الرصاص والنحاس والكحل والزرنيخ مثله.
ولا بأس أن يشتركا في إخراج اللؤلؤ من البحر والعنبر بصفته وجميع ما يقذف به البحر، وما يغاص عليه فيه، إذا عملا جميعًا كتعاون صيادي الحوت، وكذلك في طلب الكنوز والدفائن والركاز، إذا كانا بموضع واحد.
وكره مالك الطلب في قبور الجاهلية وبيوتهم وآثارهم وقال: لا أراه حرامًا، وأجازه ابن القاسم واستخف غسل ترابهم.
٣٢١٧ - ولا تصلح الشركة في الزرع إلا أن يخرجا البذر بينهما نصفين ويتساويا في قيمة [أكرية] ما يتخارجانه بعد ذلك، مثل أن يكون لأحدهما الأرض
[ ٣ / ٥٥٢ ]
وللآخر البقر والعمل عليهما، أو على أحدهما إذا تساويا. ولا أحب أن يفضل أحدهما الآخر في كراء أرض ولا بقر، إلا أرضًا لا بال لها إنما تمنح، فلا بأس أن تلغى بينهما ويتساويا فيما سوى ذلك من البذر والعمل، وإن أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر، والعمل بينهما وقيمة البذر وكراء الأرض سواء، لم يجز، لأنه أكرى نصف أرضه بنصف طعام لصاحبه.
٣٢١٨ - ولو اكتريا أرضًا من أجنبي جاز أن يخرج أحدهما البذر كله، والآخر البقر والعمل وكراء ذلك، وقيمة البذر سواء، وإن اشتركا على أن البذر والعمل بينهما بالثلث والثلثين جاز ذلك.
٣٢١٩ - وإن تساويا في الزريعة، والأرض لأحدهما والعمل على الآخر، على أن متولي العمل يكرب الأرض العام ويزرع قابلًا، لم يجز ذلك إلا في أرض مأمون رواؤها في كل عام للغرر إن لم ترو، وانتفاع صاحب الأرض بعمل الآخر باطلًا.
[ ٣ / ٥٥٣ ]
وإن اشترك ثلاثة فأخرج أحدهما الأرض والآخر البقر والآخر العمل، وتساووا [في الكراء] وفي إخراج الزريعة جاز، فإن كان البذر من عند رجلين، ومن عند الآخر الأرض وجميع العمل، لم يجز، ويقضى بالزرع لصاحب الأرض ولهذين عليه مثل بذرهما. وروى ابن غانم عن مالك أن الزرع لصاحبي الزريعة، ولهذا كراء أرضه وعمله كقراض فاسد، وإنما يجعل الربح لما لا يؤاجر، وفيه الخسارة كالمال.
٣٢٢٠ - ولا باس أن يشتركا بعرضين مختلفين أو متفقين أو طعام عروض، على قيمة ما أخرج كل واحد [منهما] يومئذ، فبقدره الربح والعمل، وإن اتفق قيمة العرضين المختلفين وعرفا ذلك في العقدة واشتركا بهما جاز، وهذا بيع لنصف عرض هذا بنصف عرض الآخر، [فإن قوما وأشهدا على الشركة جاز،]
[ ٣ / ٥٥٤ ]
وإن لم يذكرا بيعًا ولو شرطا التساوي في الشركة بالسلع، فلما قوما سلعتيهما تفاضلت القيمة، فإن لم يعملا أخذ كل واحد سلعته وزالت الشركة.
وإن فاتت السلعتان وعملا على ذلك، كان رأس مال كل واحد منهما ما بيعت به سلعته وبقدر ذلك ربحه ووضيعته، ويرجع من قبل ماله بفضل عمله على صاحبه، ولا يكون على صاحب السلعة القليلة ضمان في فضل سلعة صاحبه، لأن فضل سلعته لم يقع فيه بينهما بيع. (١)
٣٢٢١ - وإذا وقعت الشركة بالعروض فاسدة فرأس مال كل واحد [منهما] ما بيعت به سلعته لا ما قومت به، ويقتسمان الربح على قدر ذلك، فأما في الشركة الصحيحة فرؤوس أموالهما ما قوما به سلعتيهما يوم اشتركا، ولا ينظر إلى ما بيعتا به كان أكثر مما قوما به أو أقل، لأنهما حين قوّما صار كل واحد منهما قد باع نصف سلعته بنصف سلعة صاحبه، وصار ضمانهما منهما، وفي الفاسد لم يقع لأحدهما في سلعة الآخر ملك ولا ضمان.
٣٢٢٢ - وتجوز الشركة بما سوى الطعام والشراب من سائر العروض ومما يكال أو يوزن أو لا يكال ولا يوزن من مسك وعنبر وحناء وكتان وغيره، كانت من صنف واحد أو من صنفين إذا اتفقت القيم.
٣٢٢٣ - وتجوز الشركة بالطعام ودراهم أو بعين وعروض على ما ذكرنا من القيم، وبقدر ذلك يكون الربح والعمل.
_________________
(١) انظر: الكافي (١/٣٩١) .
[ ٣ / ٥٥٥ ]
٣٢٢٤ - ولا تجوز الشركة عند مالك بشيء من الطعام والشراب، كان مما يكال أو يوزن أم لا، من صنف واحد أو صنفين.
[ ٣ / ٥٥٦ ]
وأجاز ابن القاسم الشركة بطعام متفق في الصفة والجودة من نوع واحد على الكيل.
قال: ورجع مالك عن إجارة الشركة بالطعام وإن تكافأ، ولم يجزه لنا منذ لقيناه، ولا أعلم لكراهيته فيه وجهًا.
قال ابن القاسم: وأما إن أخرج أحدهما محمولة والآخر سمراء أو أخرج هذا قمحًا والآخر شعيرًا، وقيمة ذلك متفقة أو مختلفة، وباع هذا نصف طعامه بنصف [طعام] الآخر، لم يجز على حال كيفما شرطا، كما لا أجيز الشركة بدنانير ودراهم متفقة قيمتها.
٣٢٢٥ - وإذا وقعت الشركة بالطعام فاسدة، فرأس مال كل واحد ما بيع به طعامه، إذ هو في ضمانه حتى يباع، ولو خلطاه قبل البيع جعلت رأس [المال] قيمة طعام كل واحد يوم خلطاه. (١)
_________________
(١) انظر: المدونة الكبرى (١٢/٥٨)، ومواهب الجليل (٥/١٢٥)، والكافي (ص٣٩١) .
[ ٣ / ٥٥٧ ]
٣٢٢٦ - قال ابن القاسم: وتجوز الشركة بالعين، وصفة ذلك أن يخرجا دنانير ودنانير، ودراهم ودراهم متفقة النفاق والعين، بقدر ما يخرج كل واحد من رأس ماله في عدد أو وزن يكون له من الربح، وعليه من العمل أو الوضيعة.
وإن تساويا في المال والأعمال على أن يتفاضلا في الربح لم يجز، وإن تفاضلا في المال على أن يتساويا في ربح أو عمل، لم يجز، ولو أن العمل على أحدهما وتساويا في المال والربح أو تفاضلًا، لم يجز، فإن نزل ذلك كله فالربح والخسارة على قدر رؤوس الأموال.
وكذلك لو لحقهما دين من تجارتهما بعد أن خسر المال كله وذهب، فيرجع من له فضل عمل بفضل عمله على الآخر، ويبطل ما شرطا، ولا يضمن القليل المال لصاحبه نصف ما فضله به، وليس بسلف، لأن ربحه لربه.
٣٢٢٧ - ولو صح عقد المتفاضلين في المال ثم تطوع الذي له الأقل فعمل في الجميع جاز، ولا أجر له، وإن تساويا في المال والربح على أن يمسك أحدهما راس المال معه، فإن كان ليتولى التجارة دون الآخر لم يجز، وإن تولياها جميعًا جاز.
وتجوز الشركة في المال الغائب إن أخرج ذلك المال.
وإن أخرج أحدهما ألفًا والآخر ألفًا، منها خمسمائة غائبة، ثم خرج ربها
[ ٣ / ٥٥٨ ]
ليأتي بها، وخرج بجميع المال الحاضر فلم يجدها فاشترى بما معه تجارة، فإنما له ثلث الفضل، ولا يرجع بأجر في فضل المال كشريكين على التفاضل طاع أحدهما بالعمل.
وإن أخرج هذا دنانير هاشمية، وأخرج الآخر دنانير مثل وزنها دمشقية، أو أخرج هذا دراهم يزيدية، والآخر مثل وزنها محمدية، وصرفهما مختلف، لم يجز، إلا في اختلاف يسير لا بال له فيجوز [وهذا] فيما كثر، كتفاضل المالين.
ولو جعلا الربح والعمل بينهما بقدر فضل ما بين السكتين لم يجز، إذ صرفاهما إلى القيم، وحكمهما الوزن في البيع والشركة، وإن كانت السكتان متفقتي الصرف يوم الشركة جاز.
فإن افترقا وقد حال الصرف لم ينظر إلى ذلك، ويقتسمان ما في أيديهما بالسوية، عرضًا كان أو عينًا أو طعامًا، وإن أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم لم يجز، وإن باع نصف ذهبه بنصف فضة صاحبه، لأنه صرف وشركة.
٣٢٢٨ - ولا يصلح مع الشركة صرف ولا قراض، وهما أيضًا نوعان مما لا يقوّمان، فإن عملا فلكل واحد مثل رأس ماله، ويقتسمان الربح لكل عشرة دنانير دينارًا، ولكل عشرة دراهم درهمًا، وكذلك الوضيعة، وكذلك إن عرف كل واحد السلعة التي اشتريت بماله فإن السلع تباع ويقسم الثمن كله كما ذكرنا. (١)
_________________
(١) انظر: التقييد (٥/٢٣٦) .
[ ٣ / ٥٥٩ ]
وقال غيره: لكل واحد السلعة التي اشتريت بماله إن عرفت، ولا شركة له في سلعة الآخر، وإن تفاضل المال فلأقلهما مالًا أجرة في عون صاحبه، وإن لم تعلم السلعة فالربح والخسارة بينهما على قيمة الدراهم من الدنانير يوم اشتركا ولأقلهما مالًا أجره في عون صاحبه [لشركة فاسدة بطعام خلطاه ثم باعاه] .
قال ابن القاسم: ولا باس أن يخرج هذا ذهبًا وفضة، وهذا مثله من ذهب وفضة، وإن اشتركا بمالين سواء، فأخرج كل واحد ذهبه فصرّها على حدة وجعلا الصرتين بيد أحدهما أو في تابوته أو خرجه فضاعت واحدة، فالذاهبة، منهما، وإن بقيت صرة كل واحد منهما بيده فضياعها منه حتى يخلطا أو يجعلا الصرتين عند أحدهما، وكذلك إن كانتا فيما ذكرنا مختلفتي السكة، إلا أن الصرف واحد، ولو تفاضل الصرف فسدت الشركة وكانت الذاهبة من ربها.
[ ٣ / ٥٦٠ ]
وإن بقيت كل صرة بيد ربها حتى ابتاع بها أحدهما أمة على الشركة وتلفت الصرة الأخرى والمالان متفقان فالأمة بينهما والصرة من ربها. وقال غيره: لا تنعقد بينهما شركة حتى يختلطا.
٣٢٢٩ - ولا بأس أن يشتركا بمال كثير يتفاوضان فيه، وهما في بلدين، على أن يجهز كل واحد منهما على صاحبه، ويلغيان نفقتهما، كانا في بلد واحد أو بلدين، وإن اختلف سعراهما كانا ذوي عيال أو لا عيال لهما، وإن كان لأحدهما عيال وولد، وليس للآخر أهل ولا ولد، حسب كل واحد [منهما] ما أنفق، وما ابتاع أحدهما مما يلغى من طعام أو كسوة له أو لعياله فللبائع أن يتبع أيهما شاء بالثمن، لأن النفقة والكسوة لهما أو لعيالهما مما يلغى، وهي من مال التجارة إلا كسوة
[ ٣ / ٥٦١ ]
لا يبتذلها العيال، كوشي أو قصبي ونحوه، فهذا لا يلغى، وإن ابتاع أحدهما طعامًا أو كسوة له أو لعياله لم يدخل فيه الآخر، إذ لا بد لهما من ذلك وعليه عقدا.
٣٢٣٠ - والمفاوضة على وجهين: إما في جميع الأشياء، وإما في نوع واحد من المتاجر يتفاوضان فيه كشراء الرقيق يتفاوضان فيه إذا اشتركا على أصل مال.
قال ابن القاسم: وأما شركة عنان فلا أعرفه من قول مالك، ولا رأيت أحدًا من أهل الحجاز يعرفه.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
٣٢٣١ - ومن أقام البينة على رجل أنه مفاوضه على الثلث أو على الثلثين جاز ذلك وكانا متفاوضين، ويكونان متفاوضين ولأحدهما هين أو عرض دون صاحبه، ولا يفسد ذلك المفاوضة بينهما. (١)
٣٢٣٢ - ومن أقام بينة أن فلانًا مفاوضه، كان جميع ما في أيديهما بينهما، إلا ما قامت فيه بينة أنه لأحدهما بميراث أو هبة أو صدقة عليه، أو كان له قبل التفاوض، وأنه لم يفاوض عليه فيكون له خاصة، والمفاوضة فيما سواه قائمة، وما ابتاع أحد المتفاوضين من بيع صحيح أو فاسد لزم الآخر، ويتبع البائع بالثمن أو القيمة في فوت الفاسد أيهما شاء، ومن عليه دين لأحدهما فقضاه لشريكه جاز.
٣٢٣٣ - ويجوز للمأذون له مفاوضة الحر، [كما يجوز له أن يدفع قراضًا،] . وتجوز شركة العبيد إذا أُذن لهم في التجارة.
ولا يصلح لمسلم أن يشارك ذميًا إلا أن لا يغيب الذمي على بيع ولا شراء ولا قضاء ولا اقتضاء إلا بحضرة المسلم. وتجوز الشركة بين النساء أو بين النساء والرجال.
_________________
(١) انظر: منح الجليل (٦/٢٥٤) .
[ ٣ / ٥٦٣ ]
وأكره أن يخرجا مالًا على أن يتجرا به، وبالدين مفاوضة، فإن فعلا فما اشترى كل واحد منهما فبينهما وإن جاوز رأس ماليهما، وإن تفاوضا بالمالين ولم يذكرا في أصل شركتهما أن يبيعا بدين فباع أحدهما بدين، فذلك جائز على شريكه.
٣٢٣٤ - وإن تفاوضا بأموالهما في جميع التجارات، وليس لأحدهما مال دون صاحبه، فاشترى أحدهما من مال الشركة جارية لنفسه، وأشهد على ذلك، خيّر شريكه بين أن يجيز له ذلك، أو يردها في الشركة، قيل: فإن ابتاعها للوطء، أو للخدمة من مال الشركة، أتكون له أم في الشركة؟ قال: قيل لمالك: إذا كان كل واحد منهما يشتري الأمة [من مال الشركة] فيطؤها ثم يبيعها ويرد ثمنها في رأس المال؟ قال: لا خير في ذلك، قيل: فما يصنعان بما في أيديهما من الجواري مما قد اشتريا على هذا الشراء؟ قال: يتقاومانهن فيما بينهما، فمن صارت له الأمة كانت له بثمن معلوم وحلّ له الوطء.
قال ابن القاسم: وإن شاء الشريك أنفذها لشريكه الذي وطئها بالثمن الذي
[ ٣ / ٥٦٤ ]
اشتراها به، وليس من فعل ذلك من أحد المتفاوضين كغاصب للثمن، أو متعد في وديعة ابتاع بها سلعة، هذا ليس عليه لرب الدنانير إلا مثل دنانيره، ولكنه كمبضع معه في شراء سلعة أو مقارض تعدى، فرب المال مخير في أخذ ما اشترى أو تركه، لأن هؤلاء أذن لهم في تحريك المال، فلكل متعد سُنّة يحمل عليها، إلا أن الذي ابتاع الأمة ووطئها من المتفاوضين إذا لم يسلمها له الشريك بالثمن وقال: لا أقاومه ولكن أردها في الشركة، لم يكن له ذلك، وقال غيره: له ذلك.
٣٢٣٥ - وإذا أخر أحد المتفاوضين غريمًا بدين أو وضع له منه نظرًا واستيلافًا في التجارة ليشتري منه في المستقبل جاز. وكذلك الوكيل على البيع إذا كان مفوضًا إليه، وما صنعه مفوض إليه من شريك أو وكيل على وجه المعروف لم يلزم، ولكن يلزم الشريك في حصته، ويرد صنيع الوكيل إلا أن يهلك ما صنع الوكيل من ذلك فيضمنه الوكيل.
وإن باع أحدهما سلعة بثمن إلى أجل لم يصلح لشريكه أن يبتاعها بأقل من ذلك [الثمن] نقدًا، لكن يبتاعها بما يجوز لبائعها أن يشتريها به.
[ ٣ / ٥٦٥ ]
وإن أبضع أحدهما مع رجل دنانير من الشركة ليشتري بها شيئًا [ثم علم الرجل بموت الذي بعثها معه، أو بموت شريكه، فإن علم أنها من الشركة فلا يشتر بها شيئًا] وليردها على الباقي وعلى الورثة، وإن بلغه افتراقهما فله أن يشتري، لأن ذلك لهما بعد، وفي الموت يقع للورثة بعضه، وهم لم يأمروه بذلك. ولأحد المتفاوضين أن يبضع أو يقارض دون إذن الآخر.
٣٢٣٦ - وأما إيداعه فإن كان لوجه عذر لنزوله ببلد فيرى أن يودع، إذ منزله الفنادق وما لا أمن فيه، فذلك له. وما أودع لغير عذر ضمنه.
وإن أودعك أحدهما وديعة فزعمت أنك رددتها إليه فأنكر، فأنت مصدق، إلا أن يودعك ببينة، فلا تبرأ إلا ببينة، فإن زعمت أنها هلكت فأنت مصدق وإن أخذتها ببينة، وإن رددتها إلى الآخر منهما [بغير بينة] برئت إن صدقك القابض وإن أنكر لم تبرأ إلا ببينة ودفعك لثمن ما ابتعت منهما، أو من أحدهما إلى أحدهما، مبايعك أو غيره، فذلك يبرؤك إن صدقك القابض، وإلا لم تبرأ إلا ببينة.
[ ٣ / ٥٦٦ ]
٣٢٣٧ - وإن أودع أحد المتفاوضين وديعة لرجل فأودعها ذلك الرجل لشريكه المفاوض ضمن، إلا أن يكون ذلك لعذر من عورة بيت أو سفر أراده.
ومن دفعت إليه منهما وديعة كانت بيده دون صاحبه، فإن مات ولم تعرف الوديعة بعينها، كانت في حصته دينًا دون حصة شريكه إذ ليست من التجارة.
وإذا أودع رجل لأحدهما وديعة فعمل بالوديعة تعديًا فربح، فإن علم شريكه بالعداء ورضي بالتجارة بها بينهما، فلهما الربح والضمان عليهما، وإن لم يعلم فالربح للمتعدي وعليه الضمان خاصة.
وقال غيره: إن رضي الشريك وعمل معه فإنما له أجر مثله فيما أعانه، وهو ضامن، وإن رضي ولم يعمل معه فلا شيء له ولا ضمان عليه، ولا يوجب الرضا بذلك دون بسط اليد ضمانًا ولا ربحًا، إلا من وجه قول الرجل للرجل: لك نصف ما أربح في هذه السلعة، فله طلبه بذلك ما لم يفلس أو يمت.
[ ٣ / ٥٦٧ ]
ولا يجوز لأحدهما أن يفاوض شريكًا إلا بإذن شريكه، وأما إن شاركه في سلعة بعينها غير شركة مفاوضة فجائز. (١)
وإن أخذ أحدهما قراضًا فلا ربح للآخر فيه، ولا ضمان عليه فيما تعدى فيه الآخذ له، لأن المقارضة ليست من التجارة وإنما هو أجير أجر نفسه فلا شيء لشريكه في ذلك.
وإن استعار أحدهما بغير إذن الآخر ما حمل عليه لنفسه أو لمال الشركة [فتلف] فضمانه من المستعير، ولا شيء على شريكه، لأن شريكه يقول: كنت أستأجر لئلا أضمن.
قال غيره: لا يضمن الدابة في العارية إلا بالتعدي، وإن استعاراها جميعًا فتعدى عليها أحدهما ضمن المتعدي خاصة في ماله، [وإن استعارها أحدهما لحمل طعام من الشركة فحمله شريكه الآخر عليها بغير أمر شريكه] فعطبت، لم يضمن، إذ فعل بها [شريكه] ما استعيرت له وشريكه كوكيله، ولو استعار رجل دابة ليحمل عليها غلامًا له فربطها في داره
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٥/١٢٨)، ومواهب الجليل (٥/١١٨) .
[ ٣ / ٥٦٨ ]
وأتى أجنبي فحمل عليها ذلك الغلام نفسه فعطبت، كان ضامنًا إذ لم يأذن له ربها ولا وكله المستعير.
٣٢٣٨ - وليس لأحد المتفاوضين أن يعير من مال الشركة إلا أن يوسع له في ذلك شريكه أو يكون شيئًا خفيفًا كعارية غلام يسقي دابة أو نحوه، فأرجو أن لا يكون به بأس، والعارية من المعروف الذي لا يجوز لأحدهما أن يفعله في مال الشركة إلا بإذن صاحبه إلا أن يكون أراد به استيلاف التجارة.
وإن وهب أحدهما أو أعار على المعروف ضمن حصة شريكه، إلا أن يفعل ذلك لاستيلاف التجارة فلا يضمن، وإن باع أحدهما جارية ثم وهب ثمنها لم يجز ذلك، إلا في حصته.
وعبد المتفاوضين ليس لأحدهما أن يأذن له في التجارة، ولا يكاتبه ولا يعتقه على مال يتعجله منه بغير إذن شريكه، إلا أن يأخذ مالًا من أجنبي على عتقه مثل قيمته فأكثر فيجوز، وهو كبيعه.
٣٢٣٩ - ولا يلزم أحدهما كفالة الآخر، لأنهما معروف، وما جنى أحدهما أو غصب أو استهلك أو أصدق أو آجر فيه نفسه، فلا يلزم شريكه منه شيء.
[ ٣ / ٥٦٩ ]
٣٢٤٠ - ومن ابتاع من أحدهما عبدًا فظهر على عيب فله رده بالعيب على بائعه [إن كان حاضرًا] وإن كان غائبًا غيبة قريبة كاليوم ونحوه فلينتظر لعل له حجة، وإن كانت غيبته بعيدة فأقام المشتري بينة أنه ابتاع [منه] بيع الإسلام وعهدته، نظر في العيب، فإن كان قديمًا لا يحدث مثله، رُدّ العبد على الشريك الآخر، وإن كان يحدث مثله فعلى المبتاع البينة أن هذا العيب كان عند البائع، وإلا حلف الشريك الآخر بالله: ما أعلم أن هذا العيب كان عندنا، وبرئ، فإن نكل حلف المبتاع [على البتّ] أنه ما حدث عنده ثم رده عليه.
٣٢٤١ - ومن ابتاع سلعة من أحد المتفاوضين بثمن إلى أجل فقضى الثمن بعد افتراقهما للذي باع منه أو لشريكه، فإن لم يعلم بافتراقهما فلا شيء عليه، وإن علم ضمن حصة الآخر.
٣٢٤٢ - وأما من كان له وكيل قد فوض إليه في البيع والشراء واقتضاء الديون وأشهد له بذلك ثم خلعه وأشهد على خلعه، ولم يعلم بذلك غرماؤه فلا يبرأ غريم مما دفع إليه بعد خلعه، كان ذلك من ثمن شيء باعه الوكيل أم لا. وقال غيره: إن لم يعلم
[ ٣ / ٥٧٠ ]
الوكيل ولا الغريم بالحجر فالغريم بريء، وإن علم بذلك أحدهما والآخر عالم أم لا، لم يبرأ الغريم.
ولا بأس أن يشتري أحد المتفاوضين من الآخر سلعة من تجارتهما لنفسه لقنية أو لتجارة. (١)
٣٢٤٣ - وإن اشترى أحدهما عبدًا فوجد به عيبًا فرضيه هو أو شريكه لزم ذلك الآخر، فإن رده مبتاعه ورضيه شريكه لزمه رضاه، لأن مشتريه لو رده ثم اشتراه شريكه وقد علم بالرد وبالعيب لزم ذلك شريكه.
وإقالة أحدهما فيما باعه هو أو شريكه وتوليته لازمة كبيعه، ما لم تكن محاباة، فيكون كالمعروف لا يلزم إلا ما جرّ به إلى التجارة نفعًا، وإلا لزمه قدر حصته منه وإقالته لخوف عُدْم الغريم [ونحوه] من النظر، فهو كشراء حادث. وإن أقرّ
_________________
(١) انظر: منح الجليل (٦/٤١٥) .
[ ٣ / ٥٧١ ]
أحدهما بدين من شركتهما لأبويه أو لولده أو لجده [أو لجدته] أو لزوجه أو صديق ملاطف ومن يتهم عليه، لم يجز ذلك على شريكه، ويجوز إقراره بذلك لأجنبي ممن لا يتهم عليه ويلزم شريكه.
ولو أن شريكين في دار أو متاع أو غير ذلك من العروض أقر أحدهما لأجنبي بنصف ما في أيديهما، حلف المدعي [معه] واستحق لأنه شاهد كإقرار وارث بدين على الميت.
٣٢٤٤ - وإن مات أحد الشريكين لم يكن للباقي أن يحدث في المال ولا في السلع قليلًا ولا كثيرًا، إلا برضى الورثة لانقطاع الشركة. وإن اشتركا شركة صحيحة فادعى أحدهما أنه ابتاع سلعة وضاعت منه صدق، لأنه أمين فيما يلي.
٣٢٤٥ - وإن مات أحد المتفاوضين فأقر الحيّ منهما أنهما رهنا متاعًا من الشركة عند فلان، وقال ورثة الهالك: بل أودعته أنت إياه بعد موت وليّنا، فللمرتهن أن يحلف مع شاهده الحي ويستحق الجميع رهنًا، فإن أبى فله حصة المقر رهنًا، لأن مالكًا قال في أحد الورثة يقر بدين على الميت: إن صاحب الدين يحلف معه ويستحق جميع حقه من مال الميت، وإن نكل أخذ من المقر ما ينوبه من الدين، ولا يأخذ من حصته دينه كله.
[ ٣ / ٥٧٢ ]
وإن جحد أحد المتفاوضين الشركة فأقام عليه الآخر البينة فهلك المال بيد الجاحد في الخصومة فإنه ضامن لحصة الآخر، لأنه كالغاصب يمنعه.
٣٢٤٦ - وإن مات أحد الشريكين فأقام صاحبه بينة أن مائة دينار من الشركة كانت عند الميت فلم توجد، ولا علم مسقطها، فإن كان موته قريبًا من أخذها فيما يظن أن مثله لم يشغلها في تجارة، فهي في حصته، وما تطاول وقته لم يلزمه، أرأيت لو قالت البينة: إنه قبضها منذ سنة، وهما يتجران أيلزمه؟ أي [أنه] لا شيء عليه.
* * *
[ ٣ / ٥٧٣ ]