٣٨٢٥ - ومن استعار دابة ليركبها حيث شاء وهو في الفسطاط، فركبها إلى الشام أو إفريقية، فإن كان وجه عاريته إلى مثل ذلك فلا شيء عليه، وإلا ضمن، والذي يسأل رجلًا يسرج له دابته ليركبها في حاجة له، فيقول له ربها: اركبها حيث أحببت، فهذا يعلم الناس أنه لم يسرجها له إلى الشام ولا إلى إفريقية.
قال ابن القاسم: وقد وجدت في مسائل عبد الرحيم.
[ ٤ / ٣٠٧ ]
وقال مالك - ﵀ - فيمن استعار دابة ليركبها إلى موضع، فلما رجع زعم ربها أنه أعارها إياه إلى دون ما ركبها إليه، أو إلى بلد آخر: فالقول قول المستعير إن ادعى ما يشبه مع يمينه، ويكون عليه فضل ما بين كراء الموضع الذي [أقر المعير أنه أعار إليه، وبين كراء الموضع الذي] ركب إليه المستعير [إذا ادعى ما لا يشبه] .
وكذلك إن اختلفا فيما حمل عليها، [صُدّق المستعير فيما يشبه] .
٣٨٢٦ - ومن استعار مهرًا فحمل عليها حمل بز، لم يصدق أنه استعاره لذلك، وإن كان بعيرًا، صُدّق.
ومن استعار دابة ليحمل عليها حنطة، فحمل عليها حجارة، فكل ما حمل عليها مما ÷وأضر بها مما استعارها له فعطبت به، فهو ضامن.
وإن كان مثله في لضرر لم يضمن، كحمله عدسًا في مكان حنطة أو كتانًا أو قطنًا في مكان بز.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
وكذلك من اكتراها لحمل أو ركوب، فأكراها من غيره في مثل ما اكتراها له فعطبت، لم يضمن.
وإن استعارها لحمل حنطة فركبها فعطبت، فإن كان ذلك أضر بها وأثقل ضمن، وإلا لم يضمن. وإن استعارها ليركبها إلى موضع فركب وأردف رديفًا تعطب في مثله فعطبت، فربها مخير في أخذ كراء الرديف فقط، أو يضمنه قيمة الدابة يوم أردفه.
وفي كتاب الأكرية ذكر المكتري يزيد في الحمل ما تعطب الدابة في مثله أو لا.
٣٨٢٧ - وإن استعارها إلى مسافة فجاوزها بها فتلفت، فربها مخير في أن يضمنه قيمتها يوم التعدي أو كراء التعدي فقط.
ومن استعار ما يغاب عليه من ثوب أو غيره فكسره أو خرقه أو ادعى أنه سرق منه أو احترق، فهو له ضامن وعليه فيما أفسده إفسادًا يسيرًا ما نقصه، وإن كان كثيرًا ضمن قيمته كلها إلا أن يقيم بينة أن ذلك هلك بغير سببه، فلا يضمن إلا أن يكون منه تضييع أو تفريط فيضمن.
قال ابن القاسم: وكذلك وجدت هذه المسألة في مسائل عبد الرحيم.
[ ٤ / ٣٠٩ ]
ولا يضمن ما لا يغاب عليه من حيوان [أو غيره]، وهو مصدق في تلفه، ولا يضمن شيئًا مما أصابه عنده إلا أن يكون بتعديه.
٣٨٢٨ - وإن أمرت من يضرب عبدك عشرة أسواط ففعل، فمات العبد منها، فلا شيء لك عليه، واستحب له أن يكفر كفارة الخطأ. وإن ضربه أحد عشر سوطًا أو عشرين سوطًا، فمات من ذلك، فإن زاد زيادة أعانت على قتله، ضمن.
٣٨٢٩ - ومن أذنت له أن يبني في أرضك أو يغرس، فلما فعل أردت إخراجه، فأما بقرب إذنك له مما لا يشبه أن تعيره إلى مثل تلك المدة القريبة، فليس لك إخراجه إلا أن تعطيه ما أنفق. وقد قال في باب بعد هذا: قيمة ما أنفق وإلا تركته إلى مثل ما يرى الناس أنك أعرته إلى مثله من الأمد.
وإذا أردت إخراجه بعد أمد يشبه أنك أعرته إلى مثله فلك أن تعطيه قيمة البناء والغرس مقلوعًا وإلا أمرته بقلعه إلا أن يكون مما لا قيمة له ولا نفع فيه من جص ونحوه فلا شيء للباني فيه، وكذلك لو ضربت لعاريته أجلًا فبلغه، وليس لك ههنا إخراجه قبل الأجل، وإن أعطيته قيمة ذلك قائمًا، وكذلك لو لم يبن ولم يغرس حتى أردت إخراجه، فليس ذلك لك قبل الأجل، ولو لم تضرب أجلًا كان ذلك لك.
[ ٤ / ٣١٠ ]
وإذا سميت له أجلًا ولم يسم ما يبنى [فيه] ويغرس، فليس لك منعه مما يبني ويغرس إلا فيما يعلم أنه يضر فيه بأرضك، وإن [ضربا أجلًا] فأراد الباني أن يخرج قبل الأجل، فله قلع بنائه أو غرسه إلا أن تشاء أنت أخذه بقيمته مقلوعًا إن كان إذا قلع فيه منفعة، وإن لم تكن فيه منفعة، فلا شيء له عليك.
وإن أعرته أرضك للزرع فزرعها، فليس لك إخراجه حتى يتم الزرع، إذ ليس مما يباع حتى يطيب، فتكون فيه القيمة، وليس لك أخذه بكراء من يوم رمت إخراجه، ولا فيما مضى، إلا أن تكون إنما أعرته للثواب، فهذا بمنزلة الكراء، وإن أعرته أرضك يبني فيها ويسكن عشر سنين، ثم يخرج ويدع البناء، فإن بيّن صفة البناء ومبلغه وضرب لذلك أجلًا، فهو جائز، وهي إجارة، وإن لم يصفه لم يجز، وإن وصفه وقال: أسكن ما بدا لي، ولم يؤجّل، فمتى خرجت فالبناء لك، لم يجز ذلك، فإن بنى على هذا وسكن، فله قلع بنائه ولك عليه كراء أرضك، ولك أن تعطيه قيمته مقلوعًا ولا ينقضه.
وإن أعرته أرضك عشر سنين على أن يغرسها أصولًا، على أن يكون لك بعد
[ ٤ / ٣١١ ]
المدة شجرها، لم يجز، إذ ليس للشجر حد معروف، والمغارسة من ناحية الجعل، وإنما يجوز أن تعطيه أرضك يغرسها أصولًا نخلًا وكرمًا أو فرسكًا أو تينًا أو شبه ذلك، فإن بلغت شبابًا كذا، فالشجر والأرض بينكما على النصف أو الثلث أو ما سميتما.
وإن أعطيتها له سنتين أو ثلاثًا يغرسها شجرًا كذا، فإذا خرجت من الأرض فهي لك، لم يجز، بخلاف البناء، لغرر الغراسة، إذ لا يدرى ما ينبت منها، كما لو استأجرته يغرس لك كذا وكذا شجرة مضمونة عليه إلى أجل، لم يجز، ولو كان بناء معلومًا يوفيكه إلى أجل معلوم، جاز. (١)
٣٨٣٠ - ومن استعار مسكنًا عشر سنين ثم مات، فورثته بمثابته، كان قد قبضه أو لم يقبضه، وإن مات المعير قبل القبض بطلت العارية. وإن مات بعد القبض نفذ ذلك كله إلى أجله.
ومن أعمر رجلًا دارًا حياته، رجعت بعد موته إلى المعطي، والناس عند
_________________
(١) انظر: التقييد للزرويلي (٦/٢٩٩) .
[ ٤ / ٣١٢ ]
شروطهم، وتكون العمرى في الرقيق والحيوان كله، ولم أسمع ذلك في الثياب، وهي عندي على ما أعارها عليه من شروط.
٣٨٣١ - ولم يعرف مالك الرقبى، وفُسّرت له فلم يجزها، وهي أن تكون دار بين رجلين فيحبسانها على أن من مات منهما [أولًا] فنصيبه حبس على الآخر، وسألته عن العبد بينهما يحبسانه على أن من مات أولًا فنصيبه يخدم آخرهما موتًا حياته، ثم يكون العبد حرًا بعده، فلم يجزه مالك، إلا أنه ألزمهما العتق إلى موتهما، ومن مات منهما فنصيبه يخدم ورثته دون صاحبه ويبطل ما أوصى به في الخدمة، لأنه خطر. وإذا مات آخرهما كان نصيب كل واحد حرًا من ثلثه، كمن قال: إذا مت فعبدي يخدم فلانًا حياته، ثم هو حر. ولو قال: عبدي حر بعد موت فلان، كان من رأس ماله. وكذلك لو كان ذلك في العبد الذي بين الرجلين،
[ ٤ / ٣١٣ ]
فمات أحدهما لكان نصيب الحي حرًا من راس ماله في قوله: نصيبي منه بعد موت فلان حر.
٣٨٣٢ - ومن استعار دنانير أو دراهم أو فلوسًا أو طعامًا، فذلك سلف مضمون لا عارية.
وقال مالك فيمن حبس على رجل مائة دينار يتجر بها أمدًا معلومًا، فإنه ضامن لما نقصت، وهي كالسلف، وذلك جائز، فإن شاء قبلها على ذلك أو ردها، فترجع ميراثًا.
وقال في امرأة حبست دنانير على ابنة ابنتها على أن تنفق منها إذا أرادت الحج أو نفست، فذلك نافذ فيما شرطت، وليس للابنة أن تتعجلها قبل [ذلك على] أن تضمنها.
٣٨٣٣ - ومن اعترف دابة فأقام البينة أنها له، سألهم القاضي عن علمهم، فإن شهدوا أنهم لا يعلمون أنه باع ولا وهب، قُضي له بها بعد يمينه على البت أنه
[ ٤ / ٣١٤ ]
ما باع ولا وهب ولا خرجت عن ملكه بوجه من الوجوه، فإن شهدوا أن الدابة له ولم يقولوا: لا نعلم أنه باع ولا وهب ولا تصدق، حلف على البت كما ذكرنا ويقضى له، [قال أشهب: هذا إذا لم يقدر على كشف الشهود] .
وإن شهدوا على البت أنه ما باع ولا وهب كانت شهادتهم زورًا.
٣٨٣٤ - ومن استأجر دابة فعطبت [تحته] [ثم استحقت]، فليس لمستحقها أن يُضمّنه قيمتها، بخلاف من ابتاع طعامًا فأكله، وإنما يضمن المبتاع ما هلك بانتفاعه.
وليس للعبد أن يعير شيئًا من متاعه أو يدعو إلى طعام إلا بإذن سيده، وهذا مذكور في كتاب المأذون.
٣٨٣٥ - ومن استعار سيفًا ليقاتل به فضرب به [فانكسر]، لم يضمن، لأنه فعل ما أذن له فيه، وهذا إذا كانت له بينة أو عرف أنه كان معه في اللقاء، وإلا ضمن.
[ ٤ / ٣١٥ ]
قلت: فمن استعار دابة إلى مسافة فجاوزها بميل ونحوه، ثم رجع بها إلى الموضع الذي استعارها إليه، ثم رجع بها ليردها إلى ربها فعطبت في الطريق، وقد رجع إلى الطريق الذي أذن له فيه، هل يضمن؟ [قال: قال مالك: هو ضامن إلا أن يكون مثل منازل الناس، فلا شيء عليه] .
٣٨٣٦ - قال: [وسمعت مالكًا] يُسأل عمن تكارى دابة إلى ذي الحليفة فتعداها، ثم رجع فعطبت بعد أن رجع إلى ذي الحليفة، فقال: إن كان تعدى إلى مثل منازل الناس فلا شيء عليه، وإن جاوز ذلك بمثل الميل والميلين، ضمن.
قال ابن القاسم: ومن بعث رسولًا إلى رجل يعيره دابة إلى برقة، فقال له الرسول: يسألك فلان أن تعيره إياها إلى فلسطين فأعاره، فركبها المستعير ولا يدري فعطبت، فإن أقر الرسول بالكذب ضمنها، وإن قال: بذلك أمرتني، وأكذبه المستعير فلا يكون الرسول ههنا شاهدًا، لأنه خصم، [والمستعير ضامن إلا أن يأتي ببينة أنه أمره إلى برقة.
[ ٤ / ٣١٦ ]
٣٨٣٧ - قال ابن القاسم:] ومن ركب دابة لرجل إلى بلد وادعى أنه أعاره إياها، وقال ربها: بل أكريتها منه، فالقول قول ربها، إلا أن يكون ليس مثله يكري الدواب لشرفه وقدره. (١)
* * *
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل (٥/٢٧١) .
[ ٤ / ٣١٧ ]